{"pages":[{"id":1,"text":"مقدمة المؤلف\rبسم الله الرحمن الرحيم\rوصلى اللَه على سيدنا محمد وآله وسلم.\rأَما بَعد: فإن لآولى ما ابتدئ به كتاب وافتتح به خطاب، حمد الله على جزيل آلائه، وشكره لجميل بلائه، ثم الصلاة على خاتم أنبيائه وعافب رسله، صلوات الله عليهم أجمعين، وسلام عليهم في العالمين وبركاته. والحمد لله الذي هدانا للإسلام، وفضنا على جميع الأنام، وجعلنا من أمة محمد نبيه عليه الصلاة والسلام.\rوبعد: فإن أولى ما عني به الطالب، ورغب فيه الراغب، وصرف إليه العاقل همه، وأكد فيه عزمه، بعد الوقوف على معاني السنن والكتاب، مطالعه فنون الآداب، وما اشتملت عليه وجوه الصواب، من أنواع الحكم التي تحيي النفس والقلب، وتشحذ الذهن واللب، وتبعث على المكارم، وتنهى عن الدنايا والمحارم، ولا شيء أنظم لشمل ذلك كله، وأجمع لفنونه، وأهدى إلى عيونه، وأعقل لشارده، وأثقف لنادره؛ من تقييد الأمثال السائرة، والأبيات النادرة، والفصول الشريفة، والأخبار الظريفة، من حكم الحكماء، وكلام البلغاء العقلاء: من أئمة السلف، وصالحي الخلف، الذين امتثلوا في أفعالهم وأقوالهم، آداب التنزيل، ومعاني سنن الرسول، ونوادر العرب وأمثالها، وأجوبتها ومقاطعها، ومباديها وفصولها، وما حووه من حكم العجم، وسائر الأمم، ففي تقييد أخبارهم، وحفظ مذاهبهم، ما يبعث على امتثال طرقهم واحتذائها، واتباع آثارهم واقتفائها.\rوقد جمعت في كتابي هذا من الأمثال السائرة، والأبيات النادرة، والحكم البالغة، والحكايات الممتعة في فنون كثيرة وأنواع جمة، من معاني الدين والدنيا، ما انتهى إليه حفظي ورعايتي، وضمته روايتي وعنايتي، ليكون لمن حفظه ووعاه، وأتقنه وأحصاه زيناً في مجالسه، وأنساً لمجالسه، وشحذاً لذهنه وهاجسه، فلا يمر به معنى في الأغلب مما يذاكر به، إلا أورد فيه بيتاً نادراً، أو مثلاً سائراً، أو حكاية مستطرفة، أو حكمة مستحسنة، يحسن موقع ذلك في الأسماع، ويخفف على النفس والطباع، ويكون لقارئه أنساً في الخلاء، كما هو زين له في الملاء، وصاحباً في الاغتراب، كما هو حلي بين الأصحاب.\rوجمعت في الباب به منه المعنى وضده لمن أراد متابعة جليسه فيما يورده في مجلسه ولمن أراد معارضته بضده في ذلك المعنى بعينه، ليكون أبلغ وأشفى وأمتع.\rوقد قربته، وبوبته ليسهل حفظه، وتقرب مطالعته، وافتتحت أكثر أبوابه بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم تبركاً بتذكاره، وتيمناً بآثاره.\rوإلى الله أبتهل في حسن العون والتأييد لما يحب، والتسديد، وهو حسبي ونعم الوكيل.\rروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" ما أهدى المرء المسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة واحدة، يزيده الله بها هدىً، ويصرفه بها عن ردى \" .\rويروى عن عيسى الخياط، عن الشعبي، قال: لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ليسمع كلمة ينتفع بها فيما يستقبل من عمره، ما رأيت أن سفره قد ضاع.\rقال محمد بن سلام الجمحي، عن ابن جعدبة، قال: ما أبرم عمر بن الخطاب أمراً قط إلا تمثل فيه ببيت شعر.\rوقال محمد بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه: كفاك من علم الأدب أن تروى الشاهد والمثل.\rوقال أبو الزناد: ما رأيت أحداً أروى للشعر من عروة بن الزبير. فقيل له: ما أرواك للشعر! قال: وما روايتي من رواية عائشة له، ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعراً.\rوروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: العلم أكثر من أن يحصى، فخذوا أرواحه، ودعوا ظروفه.\rولقد أحسن القائل، وقيل إنه منصور الفقيه: قالوا خذ العين من كل فقلت لهم في العين فضل ولكن ناظر العين حرفان في ألف طومار مسودة وربما لم تجد في الألف حرفين وروى عن مخلد بن يزيد، عن جابر بن معدان قال: كل حكمة لم ينزل فيها كتاب، ولم يبعث بها نبي، ذخرها الله حتى تنطق بها ألسن الشعراء.\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن من الشعر حكمة \" .\rروى ابن نعيم، عن الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خذ الحكمة ممن سمعتها، فإن الرجل قد يتكلم بالحكمة وليس بحكيم، كما أن الرمية قد تجئ من غير رامٍ.\r؟باب أدب المجالسة وحق الجليس الصالح","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف، وأحمد بن عبد الله بن عمر، وخلف بن سعيد بن أحمد، وسعيد بن سيّد، ومحمد بن عبد الله بن حكم، وأحمد بن عبد الله بن محمدّ بن عليّ، واللفظ لسعيد بن سيّد، قالوا : حدثنا محّمد بن عمر بن لبانة، وسليمان بن عبد السّلام، قالا: حدثنا محّمد بن أحمد العتيبيّ، عن أبي المصعب الزّهري، عن عبد العزيز بن أبي حازم، وحدّثنا عبد الوارث بن سفيان، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدّثنا بكر بن حماّد، قال : حدّثنا مسدّد : حدثنا أبو عوانة كلاهما عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : \" من قام من مجلسه، ثم رجع فهو أحقّ به \" ورواه حّماد بن سلمة عن سهيل، بإسناد مثله.\rوحدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، وأحمد بن محّمد، وأحمد بن قاسم قالوا : حدّثنا قاسم، قال : حدثنا ابن وضّاح، قال : حدّثنا محمد بن مسعود، قال : حدّثنا يحيى القطّان، عن محمد بن عجلان، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" إذا أتى أحدم المجلس فليسلّم، وإذا قام فليسلم، فليست الأولى بأحقّ من الأخرى \" .\rوحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال حدثنا أبو بكر محمد بن داسة قال : حدّثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، قال : حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي المولى عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري عن أبي سعيد الخدريّ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول : \" لا يقيمن أحدكم أخاه من مجلسه ثم يجلس فيه \" قال : وكان ابن عمر إذا قام له رجلٌ من مجلسه، من غير أني يقيمه لم يجلس فيه. ومن حديث أبي بكرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم : مثله.\rوقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" المجالس بالأمانة، وإنما يتجالس الرّجلان بأمانة الله عزّوجلّ فإذا تفرّقا فليستر كلٌّ منهما حديث صاحبه \" وقال أبو البختري : كانوا يكرهون أن يقوم الرجل للرّجل من مجلسه، ولكن ليوسع له.\rومن حديث سعيد المقبري ، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال : \" لا يوسّع في المجالس إلاّ لثلاثة :لذي علم لعلمه، ولذي سن لسنّه، أو لذي سلطان لسلطانه \" .\rومن حديث جابر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال : \" المجالس بالأمانة إلا ثلاثة: مجلسٌ سفك فيه دمٌ حرامٌ، ومجلسٌ استحلّ فيه فرجٌ حرام، ومجلسٌ استحلّ فيه مالٌ حرام بغير حقه \" .\rومن حديث عمر بن عبد العزيز، عن محّمد بن كعب القرظّي، عن ابن عباس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: \" لكل شيءٍ شرفٌ، وإنّ شرف المجالس، ما استقبل فيه القبلة \" .\rوروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: \" إذا جلس إليك رجلٌ، فلا تقومنّ حتى تستأذنه \" .\rوقال صلّى الله عليه وسلّم: \" إذا قام الرّجل من مجلسه، فهو أحق به حتّى ينصرف إليه، ما لم يودِّع جلساءه بالسَّلام \" .\rوقال صلّى الله عليه وسلّم: \" لا يفرِّق واحدٌ منكم بين اثنين متجالسين إلاَّ بإذنهما، ولكن تفسَّحوا وأوسعوا \" .\rوقال أنس بن مالكٍ: ما أخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ركبتيه ولا قدميه بين يدي جليسٍ له قطّ، ولا تناول أحدٌ يده فتركها حتّى يكون هو الّذي يدعها.\rوقال ابن شهاب: كان رجل يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان لا يزال يتناول عن وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلم الشىء، وكأنّ ذلك آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إذا نزع أحدكم عن أخيه شيئاً فليره إياّه \" .\rوحدث الحسن البصري : أنّ رجلاً تناول عن رأس عمر بن الخطّاب شيئاً فتركه مرتين، ثم تناول الثالثة، فأخذ عمر بيده، فقال:أرني ما أخذت؟ وإذا هو لم يأخذ شيئاً!! فقال: انظروا إلى هذا، قد صنع هذا ثلاث مراتٍ يريني أنّه يأخذ من رأسي شيئاً ولا يأخذه، فإذا أخذ أحدكم من رأس أخيه شيئاً فليره إيّاه.\rقال الحسن: نهاهم أمير المؤمنين عن الملق.\rو قال الحسن: لو أنّ إنساناً أخذ من رأسي شيئا، قلت: صرف الله عنك السُّوء.\rوكان محّمد بن سيرين: إذا أخذ أحدٌ من لحيته أو رأسه شيئاً، قال:لا عدمت نافعاً.\rو روي عن عمر بن الخطّاب أنه قال: إذا أخذ أحدٌ عنك شيئاً، فقل: أخذت بيدك خيراً.","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"وقد روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال:لأبي أيّوب الأنصاريّ - وقد نزع عنه أذّى - : \" نزع الله عنك ما تكره يا أبا أيّوب \" .\rقال عمر بن الخطّاب: فحسب المرء من العيّ أن يؤذي جليسه بما لا يعنيه أن يجد على النّاس فيما تأتيه، وأن يظهر له من النّاس ما يخفى عليه من نفسه.\rوعن عمر رضي الله عنه قال: إن مما يصفّي وداد أخيك، أن تبدأه بالسّلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحبّ الأسماء إليه، وأن توسّع له في المجلس.\rقال أيّوب الأنصاريّ:من أراد أن يكثر علمه، فليجالس غير عشيرته.\rروى سفيان بن عيينة، عن مالك بن معن،قال: قال عيسى صلى الله عليه وسلّم: جالسوا من تذكركم بالله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغّبكم في الآخرة عمله.\rقال المدائني:أوصى يحيى بن خالد ابنه، فقال: يا بنيّ إذا حدّثك جليسك حديثاً، فأقبل عليه وأصغ إليه ، ولا تقل قد سمعته وإن كنت أحفظ له، وكأنك لم تسمعه إلاّ منه، فإنّ ذلك يكسبك المحبة والميل إليك.\rوعن عبد الملك بن عمير، قال:قال سعيد بن العاص:لجليسي عليّ ثلاث خصال:إذا دنا رحّبت به،وإذا جلس وسّعت له وإذا حدث أقبلت عليه.\rوذكر ابن مقسم، قال:سمعت المبرِّد يقول : الاستماع بالعين، فإذا رأيت عين من تحدّثه ناظرةً إليك فاعلم أنه يحسن الاستماع. وقد روينا هذا القول عن سهل بن عبادة.\rومن حديث جابر عن النبيّ عليه السلام، أنّه قال: \" من كان له أخٌ في الله فأكرمه فإنما يكرم الله \" .\rوروينا عن ثعلب النحوي، أنّه قام لصديق قصده، وأنشده:\rلئن قمت ما في ذاك منها غضاضةٌ ... عليّ وإنّي للكرام مذلّل\rعلى أنّها منّي لغيرك هحنةً ... ولكنّها بيني وبينك تجمل\rولغيره في هذا المعنى:\rإذا ما تبدّى لنا طالعاً ... حللنا الحبا وابتدرنا القياما\rفلا تنكرنّ قيامي إليه ... فإنّ الكريم يجلُّ الكراما\rوروينا من حديث عائشة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنّه قال: \" أنزلوا النّاس منازلهم \" . قال ابن وهب:سمعت مالكاً يقول: إذا الرجل عند رجلٍ جالساً، فجاءه طالب حاجةٍ، فسكت عن عونه فقد أعان عليه.\rقال عمرو بن العاص: لا أملُّ جليسي ما فهم عنّي،وإنما الملال لدناءة الرّجال. قال:الشّعبيّ في قومٍ ذكرهم: ما رأيت مثلهم أشدّ تنابذاً في مجلس، ولا أحسن فهماً من محدِّث.\rروى الأصمعيّ عن العلاء بن جرير عن أبيه، قال:قال الأحنف بن قيس:لو جلس إليّ مائةٌ لأحببت أن ألتمس رضى كلّ واحدٍ منهم.\rوقال عبد الله بن عبّاس: أعز الناس عليّ جليسي الذي يتخطّى النّاس إليّ، أما والله إنّ الذّباب يقع عليه فيشقّ عليّ .قال كشاجم:\r؟وجليسٍ لي أخي ثقةٍ ... كأن حديثه خبره\rيسرّك حسن ظاهره ... وتحمد منه محتضره\rويستر عيب صاحبه ... ويستر أنّه ستره\rو قال آخر:\rجليسٌ لي له أدب ... رعاية مثله تجب\rلو انتقدت خلائقه ... لبهرج عندها الذّهب\rوعن ابن عبّاس، أنه قال: إنّي لأكره أن يطأ الرجل بساطي ثلاثاً فلا يرى عليه أثرى.\rوعنه أيضاً رضي الله عنه، أنه سئل: من أكرم الناس عليك؟ قال: جليسي حتّى يفارقني.\rقال معاوية لعرابة الأوسي:بأيّ شيءٍ استحققت أن يقول فيك الشّماّخ:\rرأيت عرابة الأوسيّ يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين\rإذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ ... تلقاّها عرابة باليمين\rفقال:عرابة: سماع هذا من غيري أولى بك وبي يا أمير المؤمنين،فقال: عزمت عليك لتخبرنّي.فقال: بإكرامي جليسي، ومحاماتي على صديقي.\rفقال معاوية: لقد استحققت.\rقال عليّ بن الحسين: ما جلس إليّ أحدٌ قط، إلاّ عرفت له فضله حتى يقوم. قال أبو عبادة: ما جلس رجل بين يديّ، إلا مثّل لي أني جالس بين يديه. روى عن عبد الله بن يزيد، وقد روى ذلك لأبي حازم، أنه قال: وطّن نفسك على الجليس السوء، فإنه لا يكاد يخطئك. وقد روى ذلك عن الأحنف، والله أعلم قال بعض الحكماء: رجلان ظالمان يأخذان غير حقّهما، رجلٌ وسّع له في مجلس ضيّق فتربّع وتفتح، ورجلٌ أهديت إليه نصيحةٌ فجعلها ذنباً.","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"وقال مسعر بن كدام: رحم الله من أهدى إلىّ عيوبي في ستر بيني وبينه، فإن النصيحة في الملأ تقريع.\rقال الأحنف: لأن أدعى من بعدٍ أحبّ إليّ من أن أقصى عن قرب.\rوعن الأحنف أيضاً أنه قال: ما جلست مجلساً قطّ، أخاف أن أقام منه لغيري وقال البعيث بن حريث: ؟وإنّ مكاني في النّدىّ ومجلسي له الموضع الأقصى إذا لم أقرّب\rولست وإن قرّبت يوماً ببائعٍ ... خلاقي ولا ديني ابتغاء التّحبُّب\rويعتدّه قومٌ كثيرٌ تجارةً ... و يمنعني من ذاك ديني ومنصبي\rجلس رجل إلى الحسن بن عليّ رضي الله عنه، فقال: جلست إلينا على حين قيام، أفتأذن؟! كان يقال:إياك وكلُّ جليسٍ لا تصيب منه خيراً.\rوعن معاذ بن جبل، أنه قال: إيّاك وكلّ جليسٍ لا يفيدك علماً.\rكان يقال: من سرّه أن يعظم حلمه ، وينفعه علمه، فليقلّ من مجالسته من كان بين ظهرانيه. وقال الحسن البصريّ: انتقوا الإخوان، والأصحاب، والمجالس.\rوروى هشام بن عروة ،عن محّمد بن المنكدر، قال :كان يقال: خياركم ألينكم مناكب في الصلاة، وركناً في المجالس، الموطَّئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون.\rتباعد كعب الأحبار يوماً في مجلس عمر بن الخطاب، فأنكر ذلك عليه، فقال: يا أميرالمؤمنين! إنّ في حكمة لقمان ووصيته لابنه : إذا جلست إلى ذي سلطان فليكن بينك وبينه مقعد رجل، فلعلّه يأتيه من هو آثر عنده منك فينحّيك فيكون نقصاً عليك.\rوكان يقال: الجليس الصّالح خيرمن الوحدة، والوحدة خيرٌ من الجليس السّوء.\rوعن جعفر بن سليمان الضّبعيّ، قال: رأيت مع مالك بن دينار كلباً، فقلت له: ما هذا؟ قال هذا خيرٌ من الجليس السوء.\rقال زيادٌ: إنه ليعجبني من الرجال من إذا أتى مجلساً أن يعرف أين يكون مجلسه، وإني لآتي المجلس، فأدع مالي مخافة أن أدفع عمّا ليس لي.\rوكان الأحنف إذا أتاه رجلٌ أوسع له، فإن لم يكن له سعة أراه كأنّه يوسع له.\rطرح أبو قلابة لجليس له وسادة، فردّها فقال له: أما سمعت الحديث: \" لا تردن على أخيك كرامته \" .\rقال ابن شبرمة لابنه: يا بنيّ! إياك وطول المجالسة، فإنّ الأسد إنما يجترىء عليها من أدام النظر إليها.\rوهذا عندي مأخوذٌ من قول أردشير لابنه: يابنيّ لا تمكّن الناس من نفسك فإن أجرأ النّاس على السّباع، أكثرهم لها معاينة. ومن هذا - والله أعلم - أخذ ابن المعتزّ قوله:\rرأيت حياة المرء ترخص قدره ... فإن مات أغلته المنايا الطّوائح\rكما يخلق الثّوب الجديد ابتذاله ... كذا تخلق المرء العيون الّلوامح\rومن سوء الأدب في المجالسة: أن تقطع على جليسك حديثه، أو تبدره إلى تمام ما ابتدأ به خبراً كان أو شعراً، تتمّ له البيت الذي بدأ به، وتريه أنك أحفظ منه. فهذا غايةٌ في سوء المجالسة، بل يجب أن تصغي إليه كأنك لم تسمعه قط إلاّ منه.\rقيل لداود الطّائّي: لم تركت مجالسة الناس؟ قال: ما بقي إلاّ كبيرٌ يتحفّظ عليك، أوصغيرٌ لا يوقِّرك.\rوقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: لا تجالس عدوّك، فإنه يحفظ عليك سقطاتك ويماريك في صوابك.\rقالت الخنساء:\rإنّ الجليس يقول القول تحسبه ... خيراً وهيهات فانظر ما به التمسا\rكان يقال: رأس التّواضع، الرّضا بالدُّون من المجلس. وهذا يروى عن ابن مسعود أنّه قال:إنّ من التواضع أن ترضى بالدُّون من المجلس، وأن تبدأ بالسّلام من لقيت.\rقال إبراهيم النَّخعيّ إنّ الرجل ليجلس مع القوم فيتكلّم بالكلام، يريد الله به، فتصيبه الرَّحمة فتعمُّ من حوله، وإنّ الرجل يجلس مع القوم فيتكلّم بالكلام يسخط الله به، فتصيبه السَّخطة فتعمُّ من حوله.\rكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوماً في مجلسه، فرفع رأسه إلى السّماء ثم طأطأه ثم رفعه فسئل عن ذلك فقال: \" هؤلاء قومٌ كانوا يذكرون الله فنزلت عليهم السّكينة، وغشيتهم الرّحمة، وحفّتهم الملائكة كالقبّة، فلما دنت منهم تكلّم رجلٌ منهم بباطلٍ فرفعت عنهم ثم تلا: \" ويوم تقوم السّاعة يومئذٍ يخسر المبطلون \" .","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"وفي حديث أبي هريرة عن النبيّ عليه السلام، أنه قال: \" ما جلس قومٌ مجلساً يقرءون فيه القرآن، ويذكرون السُّنن، ويتعلمون العلم ويتدارسونه بينهم، إلاّ حفّت بهم الملائكة، ونزلت عليهم السّكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده، فقيل له يارسول الله الرّجل يجلس إليهم وليس منهم، ولا شأنه شأنهم، أتأخذه الرحمة معهم؟ قال:نعم، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم \" .\rأنشد أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، ويقال إنها له: ؟إن صحبنا الملوك تاهوا وعقّوا واستخفّوا كبراً بحقّ الجليس\rأو صحبنا االنّجار صرنا إلى البؤ ... س وعدنا إلى عداد الفلوس\rفلزمنا البيوت نستخرج العل ... م ونملا به بطون الطّروس\rكان يقال: ذوو المروءة والدّين، إذا أحرزوا القوت لزموا البيوت. أنشد أبو عبد الله بن الأعرابيّ - صاحب الغريب - : ؟لنا جلساءٌ ما نملّ حديثهم ألّباء مأمونون غيباً ومشهدا\rيفيدوننا من علمهم علم ما مضى ... وعقلاً وتأديباً ورأياً مسدّدا\rبلا فتنةٍ تخشى ولا سوء عشرةٍ ... ولا نتّقي منهم لساناً ولا يدا\rفإن قلت أمواتٌ فلست بكاذبٍ ... وإن قلت أحياءٌ فلست مفنّدا\rولهذا الشعر خبر لابن الأعرابي مع أحمد بن محمد بن شجاع، ذكرناه مع الأبيات في آخر كتاب \" بيان العلم وفضله \" . ولمحمد بن بشير في هذا المعنى من قصيد له: ؟فصرت في البيت مسروراً تحدّثني عن علم ما غاب عنّي في الورى الكتب\rفرداً تخبّرني الموتى وتنطق لي ... فليس لي في أناسٍ غيرهم أرب\rلله من جلساءٍ لا جليسهم ... ولا خليطهم للسوء مرتقب\rلا بادرات الأذى يخشى رفيقهم ... ولا يلاقيه منهم منطقٌ ذرب\rأبقوا لنا حكماً تبقى منافعها ... أخرى اللّيالي على الأيّام وانشعبوا\rإن شئت من محكم الآثار يرفعها ... إلى النّبيّ ثقاتٌ خيرةٌ نجب\rأو شئت من عربٍ علماً بأوّلهم ... في الجاهلية تنبيني بها العرب\rأو شئت من سير الأملاك من عجمٍ ... تنبي وتخبر كيف الرّأي والأدب\r؟حتى كأنّي قد شاهدت عصرهم وقد مضت دونهم من دهرنا حقب\rما مات قومٌ إذا أبقوا لنا أدباً ... وعلم دينٍ ولا بانوا ولا ذهبوا\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" كفارة ما يكون في المجلس من الّلغط أن تقول: سبحانك الّلهمّ وبحمدك، لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك \" .\rوفي حديث آخر: \" كفارة ما يكون في المجلس ألاّ تقوم حتّى تقول: سبحانك اللّهمّ وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، يا ربّ تب عليّ واغفر لي، فإن كان مجلس لغوٍ كان كفّارته، وإن كان مجلس ذكرٍ كان كالطّابع عليه \" .\rوقال حّسان بن عطّية: ما من قوم كانوا في مجلس لغوٍ فختموه بالاستغفار إلاّ كتب لهم مجلسهم ذلك استغفاراً كله.\rوروي عن جماعةٍ من أهل العلم بتأويل القرآن، في قول الله عز وجل: \" وسبح بحمد ربك حين تقوم \" ، منهم مجاهد وأبو الأحوص وعطاء ويحيى بن جعدة قالوا: حين تقوم من كل مجلس تقول فيه: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك، قالوا: ومن قالها غفر له ما كان منه في المجلس.\rوقال عطاء: إن كنت أحسنت ازددت إحساناً، وإن كان غير ذلك كان كفارة.\rومنهم من قال: تقول حين تقوم: سبحان الله وبحمده من كلّ مكانٍ ومن كلّ مجلس.\rباب حمد الّلسان وفضل البيان\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظنّ أنها تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة حتّى يلقاه... \" الحديث.\rقال معاذ:قلت يا رسول الله أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: \" لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله \" .\rوروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: \" أفضل الصدقة صدقة اللسان، تدفع بها الكريهة، وتحقن بها الدم \" .\rوقال عليه الصلاة والسلام: \" أفضل الجهاد كلمة حقٍّ عند ذي سلطان جائر \" .\rقال أبو عنبة الخولاني رحمه الله: ربّ كلمةٍ خير من إعطاء المال. وقال أبان ابن سليم: كلمة حكمة لك من أخيك، خير لك من مالٍ يعطيك؟ لأنّ المال يطغيك والكلمة تهديك.","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"قالوا:خير الكلام ما دلّ على هدىً، أو نهى عن ردّى.\rذكر عند الأحنف بن قيس:الصمت والكلام، فقال قومٌ: الصمت أفضل فقال الأحنف: الكلام أفضل لأن الصمت لا يعدو صاحبه، والكلام ينتفع به من سمعه، ومذاكرة الرّجال تلقيحٌ لعقولها.\rوروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: \" رحم الله عبداً تكلّم بخيرٍ فغنم، أو سكت فسلم \" . قال سعيد بن جبير:رأيت ابن عبّاس رضي الله عنه في الكعبة آخذاً بلسانه وهو يقول: يا لسان قل خيراً تغنم، أو اسكت تسلم.\rوقالوا السّكوت سلامة، والكلام بالخير غنيمة، ومن غنم أفضل ممن سلم.\rقال أعرابيّ:من فضل الّلسان، أن الله عزّ وجلّ أنطقه بتوحيده من بين سائر الجوارح.\rوقال عبد الملك بن مروان: الصمت نومٌ والنُّطق يقظة.\rقال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللسان إلاّ صورة ممثَّلة، أو بهيمة مرسلة، أو ضالّةٌ مهملة.\rكان يقال: الألسن خدم القرائح.\rقال ربيعة الرأي: السّاكت بين النائم والأخرس.\rقالو:إنما المرء بأصغريه: لسانه وقلبه.\rكان يقال: اللسان ترجمان الفؤاد، واللسان حيّة الفم.\rكان يقال: يجد البليغ من ألم السّكوت ما يجد العييُّ من ألم الكلام.\rوقالوا: المرء مخبوءٌ تحت لسانه.\rوقال حسان بن ثابت: ؟لساني وسيفي صارمان كلاهما ويبلغ ما لا يبلغ السّيف مذودي وقال جرير:\rوليس لسيفي في العظام بقيَّةٌ ... ولا السّيف أشوى وقعةً من لسانيا\rوقال الخليل بن أحمد:\rأيّ شيءٍ من اللّباس على ذي السّرو ... أبهى من اللّسان البهيّ\rقال ابن سيرين: لا شيء أزين على الرجل من الفصاحة والبيان، ولا شيء أزين على المرأة من الشحم.\rقال الشاعر: ؟وكائن ترى من ساكتٍ لك معجبٍ زيادته أو نقصه في التّكّلم\rلسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللّحم والدّم\rقال أبو العتاهية:\rوللناس خوضٌ في الكلام وألسنٌ ... وأقربها من كلّ خيرٍ صدوقها\rوروى ابن عمر قال:قدم رجلان من المشرق فخطبا، فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن من البيان لسحرا \" . فتأولت طائفة هذا على الذم لأن السحر مذموم، وذهب الأكثر من أهل العلم، وجماعة من أهل الأدب إلى أنه على المدح لأن الله تعالى مدح البيان وأضافه إلى القرآن، وقد أوضحنا هذا في كتاب التمهيد والحمد لله.\rوقد قال عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، لرجل سأله حاجة فأحسن المسألة، فأعجبه قوله وقال:هذا - والله - السحر الحلال .\rوقال عليّ بن العبّاس الرومي:\rوحديثها السِّحر الحلال لو أنَّه ... لم يجن قتل المسلم المتحرِّز\rفي أبيات قد ذكرتها في موضعها من هذا الكتاب.\rوقال الحسن:الرجال ثلاثةٌ، رجل بنفسه، ورجل بلسانه، ورجل بماله.\rوكان يقال: في اللسان عشر خصال:أداةٌ يظهرها البيان، وشاهدٌ يخبر عن الضمير، وحاكمٌ يفصل به القضاء، وناطقٌ يردّ به الجواب، وشافعٌ تقضى به الحاجات، وواصفٌ تعرف به الأشياء، وواعظٌ ينهى به عن القبيح، ومعزٍّ تسكن به الأحزان، وملاطفٌ تذهب به الضغينة ومونقٌ يلهى الأسماع.\rونظر معاوية إلى ابن عبّاس رضي الله عنهما، فأتبعه بصره ثم قال متمثلا:\rإذا قال لم يترك مقالاً لقائلٍ ... مصيبٍ ولم يثن اللسان على هجر\rيصرّف بالقول اللّسان إذا انتحى ... وينظر في أعطافه نظر الصّقر\rولحسان بن ثابت في ابن عبّاس:\rإذا قال لم يترك مقالاً لقائلٍ ... بمنطلقاتٍ لا ترى بينها فصلا\rشفى وكفى ما في النّفوس فلم يدع ... لذي إربةٍ في القول جدّاً ولا هزلا\rفي أبيات قد ذكرتها في باب ابن عباس من كتاب \" الصحابة \" .\rكان يقال: الجمال في اللسان.\rقيل للأعرابي: ما الجمال؟ قال: طول الجسم، وضخم الهامة، ورحب الشّدق، وبعد الصّوت. قال حبيب: \" لسان المرء من خدم الفؤاد \" وقال آخر: \" والقول ينفذ ما لا ينفذ الإبر \" قال امرؤ القيس: \" وجرح اللّسان كجرح اليد \" قال ابن أبي حازم:\rأوجع من وقعة السّنان ... لذي الحجا وخزة اللّسان\rباب ذمّ العيّ وحشو الكلام\rقال أبو هريرة : لا خير في فضول الكلام.\rوقال عطاء:كانوا يكرهون فضول الكلام.","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"وقال: بترك الفضول تكمل العقول.\rوقال: فضول الكلام ما ليس في دين ولا دنيا مباحاً.\rوقال: الصّمت صيانة اللّسان، وستر العيّ.\rوقالوا: العيّ الناطق أعيا من العي الساكت.\rوقالوا: أحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، وما ظهر معناه في لفظه.\rوروى عبد الله بن عمر، أنّه قيل له: لو دعوت لنا بدعواتٍ. فقال: اللّهم اهدنا وعافنا وارزقنا.فقال رجلٌ لو زدتنا يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: أعوذ بالله من الإسهاب.\rوقال شفيّ بن ماتع: من كثر كلامه كثرت خطاياه.\rوقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:من كثر كلامه كثر سقطه.\rقال يعقوب عليه السلام لبنيه:يا بنيَّ إذا دخلتم على السلطان فأقلّوا الكلام.\rقال ابن هبيرة: ما من شيء إلاّ وهو محتاجٌ إلى فضوله يوماً، إلاّ فضول الكلام.\rقال الحسن: رحم الله عبداً أوجز في كلامه، واقتصر على فصاحته، فإن الله يكره كثرة الكلام.\rوكان يقال: أفضل الكلام ما قلّت ألفاظه وكثرت معانيه، أخذ هذا المعنى أحمد بن إسماعيل الكاتب فقال:\rخير الكلام قليلٌ ... على كثيرٍ دليلٌ\rوالعيّ معنىً قصير ... يحويه لفظٌ طويل\rوقال أبو العتاهية:\rالصّمت أليق بالفتى ... من منطقٍِ في غير حينه\rلا خير في حشو الكلا ... م إذا اهتديت إلى عيونه\rوقال منصور الفقيه:\rتعمّد لحذف فضول الكلام ... إذا ما نأيت وعند التّداني\rولا تكثرنّ فخير الكلام ال ... قليل الحروف الكثير المعاني\rقال بعض قضاة عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - وقد عزله: لم عزلتني: قال: بلغني أنّ كلامك مع الخصمين أكثر من كلام الخصمين.\rتكلّم ربيعة الرأي يوماً فأكثر الكلام، فأعجبته نفسه، وإلى جنبه أعرابيّ فقال له: يا أعرابي ما تعدّون البلاغة فقال: قلة الكلام.قال: ما تعدون العيّ فيكم؟ فقال: ما كنت فيه منذ اليوم.\rوأنشد الخشني - رحمه الله - : ؟؟؟؟ وماالعيّ إلا منطقٌ متتابعٌ سواءٌ عليه حقّّ أمرٍ وباطله قالت العرب: لا يجترئ على الكلام إلا فائق أو مائق.\rقال الّنمر بن تولب:\rأعذني ربّ من حصرٍ وعيٍّ ... ومن نفسٍ أعالجها علاجا\rومن حاجات نفسي فاعصمنيّ ... فإن لمضمرات النَّفس حاجا\rوقال آخر:\rعجبت لإدلال العيّ بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالحقّ أعلما\rوفي الصّمت سترٌ للعيّ وإنّما ... صحيفة لبّ المرء أن يتكلّما\rقال بعض الحكماء: ليس شيء إلاّ إذا ثنيته قصر إلا الكلام، فإنك كلّما ثنيته طال.\rقالوا:أعيا العيّ بلاغة بعيّ، وأقبح اللّحن لحنٌ بإعراب.\rكان مالك بن أنس يعيب كثرة الكلام ويذمّه ويقول: كثرة الكلام لا توجد إلاّ في النّساء والضعفاء.\rذمّ أعرابيّ رجلاً،فقال: هو من يتامى المجالس، أعيا ما يكون عند جلسائه، أبلغ ما يكون عند نفسه.\rباب في اجتناب اللّحن وتعلّم الإعراب\rوذمّ الغريب في الخطاب\rكتب عمر إلى أبي موسى: أما بعد، فتفقّهوا في السّنّة،وتعلَّموا العربية.\rوروي عنه رحمه الله أنه قال: رحم الله امرأً أصلح من لسانه.\rوقال عليّ بن محّمد العلويّ:\rرأيت لسان المرء رائد عقله ... وعنوانه فانظر بماذا تعنون\rولا تعد إصلاح اللّسان فإنّه ... يخبّر عمّا عنده ويبيّن\rويعجبني زيّ الفتى وجماله ... فيسقط من عينيّ ساعة يلحن\rكان عبد الله بن عمر يضرب ولده على اللّحن.\rقال شعبة: مثل الذي يتعلم الحديث،ولا يتعلم النحو مثل البرنس لا رأس له.\rقال المأمون لأحد أولاده - وقد سمع منه لحناً - : ما على أحدكم أن يتعلم العربية فيقيم بها أوده، ويزين بها مشهده، ويفلَّ بها حجج خصمه بمسكتات حكمه، ويملك مجلس سلطانه بظاهر بيانه. أو يسرُّ أحدكم أن يكون لسانه كلسان عبده أو أمته، فلا يزال الدّهر أسير، كلمته، قاتل الله الذي يقول:\rألم تر مفتاح الفؤاد لسانه ... إذا هو أبدى ما يقول من الفم\rوكائن ترى من صاحبٍ لك معجبٍ ... زيادته أو نقصه في التّكلم\rلسان الفتى نصفٌ و نصفٌ فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللّحم والدَّم\rوقال الخليل بن أحمد:","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"لا يكون السّرى مثل الدّنيٍّ ... لاّ ولا ذو الذّكاء مثل الغبيّ\rلا يكون الألدّ ذو المقول المر ... هف عند القياس مثل العييّ\rأيّ شيء من اللّباس على ذي السّ ... رو أبهى من اللّسان البهيّ\rينظم الحجة السّنيّة في السّل ... ك من القول مثل عقد الهديّ\rوترى اللَّحن بالحسيب أخي الهي ... أة مثل الصّدا على المشرفيّ\rفاطلب النّحو للحجاج وللشّع ... ر مقيماً والمسند المرويّ\rوالخطاب البليغ عند جواب ال ... قول تزهى بمثله في النّديّ\rوارفض القول من طغام جفوا عن ... ه فقادوا بعضه للنّسيّ\rقيمة المرء كلُّ ما يحسن المر ... ء قضاءً من الإمام عليِّ\rقال ثعلب: سمعت محمد بن سلاَّمٍ يقول: ما أحدث الناس مروءةً أفضل من طلب النّحو.\rقال عبد الله بن المبارك، اللحن في الكلام أقبح من آثار الجدريّ في الوجه.\rوقال عبد الملك:اللحن هجنة بالشريف.\rقال ابن شبرمة:إذا سرّك أن تعظم في عين من كنت في عينه صغيراً، ويصغر في عينك من كان فيها كبيراً فتعلّم العربية،فإنها تجرّيك وتدنيك من السّلطان. قال الشاعر:\rالنّحو يصلح من لسان الألكن ... والمرء تكرمه إذا لم يلحن\rوالنّحو مثل الملح إن ألقيته ... في كلّ ضدٍّ من طعامك يحسن\rوإذا طلبت من العلوم أجلّها ... فأجلّها منها مقيم الألسن\rرأى أبو الأسود الدُّؤلي أعدالا للتجار مكتوباً عليها: لأبو فلان!! فقال: سبحان الله يلحنون ويربحون.\rقال رجل للحسن البصريّ: يا أبو سعيد! فقال: كسب الدّوانيق شغلك أن تقول:يا أبا سعيد.\rمر خالد بن صفوانٍ بقوم من الموالي يتكلّمون في العربية،فقال:لئن تكلمتم فيها لأنتم أول من أفسدها.\rوقالوا: العربية تزيد في المروءة.\rوقالوا: من أحبّ أن يجد في نفسه الكبر فليتعلم النحو.\rوقال أبو شمر: قارئ النحو إذا دخله الكبر استفاد السخط من الله، والمقت من الناس.\rوقال الخليل يوماً: لا يصل أحد من النحو إلى ما يحتاج إليه، إلاّ بما لا يحتاج إليه، فقد صار إذاً ما لا يحتاج إليه يحتاج إليه.\rوروي عنه في هذا الخبر،أنه قال:من لم يصل إلى ما يحتاج إليه إلا بما لا يحتاج إليه، فقد صار محتاجاً إلى ما لا يحتاج إليه.\rوروى أن هذه القصة عرضت مع أبي الهذيل وروي أنها عرضت لأبي عبيدة مع النّظَّام، والذي تقدّم أصحُّ إن شاء الله تعالى.\rوقال المأموني:\rسأترك النّحو لأصحابه ... وأصرف الهمّة في الصّيد\rإنّ ذوي النّحو لهم همّةٌ ... موسومةٌ بالمكر والكيد\rيضرب عبد الله زيداً وما ... يريد عبد الله من زيد\rكتب غسّان بن رفيع - المعروف بدماذ - إلى أبي عثمان النحوي المازني:\rتفكّرت في النّحو حتّى مللت ... وأتعبت نفسي به والبدن\rفكنت بظاهره عالماً ... وكنت بباطنه ذا فطن\rخلا أنّ باباً عليه العفا ... ء للفاء يا ليته لم يكن\rوللواو بابٌ إذا جئته ... من المقت أحسبه قد لعن\rإذا قلت هاتوا لماذا يقا ... ل لست بآتيك أو تأتين\rأجيبوا لما قيل هذا كذا ... على النّصب؟ قالوا:بإضمار أن\rوروينا عن أبي حاتم السّجستاني رحمه الله قيل: إنها له.والله أعلم.\rوقال آخر: ؟؟إنّما النّحو قياسٌ يتّبع وبه في كلّ علمٍ ينتفع\rفإذا ما أبصر النّحو الفتى ... مرّ في المنطق مرّاً واتّسع\rواتّقاه كل من جالسه ... من جليسٍ ناطقٍ أو مستمع\rوإذا لم يبصر النّحو الفتى ... هاب أن ينطق جبناً وانقمع\rيقرأ القرآن لا يعرف ما ... فعل الإعراب فيه وصنع\rيخفض الصّوت إذا يقرؤه ... وهو لاعلم له فيما اتّبع\rوالّذي يقرؤه علماً به ... إن عراه الشّك في الحرف رجع\rناظراً فيه وفي إعرابه ... فإذا ما عرف الحقّ صدع","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"أهما فيه سواءٌ عندكم ... ليست السّنّة فينا كالبدع\rوكذاك الجهل والعلم فخذ ... منه ما شئت وما شئت فدع\rكان أبو مسلم مؤدب عبد الملك بن مروان، قد نظر في النحو، فلما أحدث الناس التصريف لم يحسنه، وهجا أصحابه فقال:\r؟ قد كان أخذهم في النّحو يعجبني ... حتّى تعاطوا كلام الزّنج والرّوم\rلّما سمعت كلاماً لست أعرفه ... كأنّه زجل الغربان والبوم\rتركت نحوهم والله يعصمني ... من التّقحّم في تلك الجراثيم\rوقال عمّار الكلبي:\rماذا لقيت من المستغربين ومن ... قياس نحوهم هذا الّذي ابتدعوا\rإن قلت قافيةً بكراً يكون لها ... معنىً يخالف ما قاسوا وما صنعوا\rقالوا لحنت فهذا الحرف منخفضٌ ... وذاك نصبٌ وهذا ليس يرتفع\rوحرّشوا بين عبد الله فاجتهدوا ... وبين زيدٍ وطال الضّرب والوجع\rفقلت واحدةً فيها جوابهم ... وكثرة القول بالإيجاز تنقطع\rما كلّ قولي مشروحٌ لكم فخذوا ... ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا\rحتّى أعود إلى القوم الّذين غذوا ... بما غذيت به والقول يتّسع\rفتعرفوا منه معنى ما أفوه به ... كأنّني وهم في قوله شرع\rكم بين قومٍ قد احتالوا لمنطقهم ... وبين قومٍ على الإعراب قد طبعوا\rوبين قومٍ رأوا أشيا معاينةً ... وبين قومٍ حكوا بعض الّذي سمعوا\rإنّي ربيت بأرض لا يشبُّ بها ... نار المجوس ولا تبنى بها البيع\rولا يطا القرد والخنزير تربتها ... لكن بها الرّيم والرّئبال والضّبع\rوقال أبو هفان:\rإذا ما شئت أن تحظى ... وأن تلبس قوهيّا\rوأن تصبح ذا مالٍ ... فكن علجاً نبيطيّا\rوإن سرّك أن تشقى ... وأن تصبح مقليّا\rفكن ذا نسبٍ ضخمٍ ... وكن مع ذاك نحويّا\r؟باب اختلاف عبارتهم عن البلاغة\rقال المفضّل الضّبّي لأعرابي:ما البلاغة؟ قال الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خطل.\rوقيل للأحنف:ما البلاغة؟ قال: الإيجاز في استحكام الحجج،والوقوف عند ما يكتفى به.\rوقال خالد بن صفوان لرجل كثر كلامه:إنّ البلاغة ليست بكثرة الكلام، ولا بخفّة اللسان، ولا كثرة الهذيان.ولكنها إصابة المعنى القصد إلى الحجة.\rوقيل لأعرابي: ما البلاغة؟ فقال: لمحة دالّة.\rوقيل لبشر بن مالك: ما البلاغة؟ قال: التقرّب من المعنى،والتباعد عن حشّو الكلام،ودلالةٌ بقليل على كثير.\rسئل عبيد الله بن عتبة: ما البلاغة؟فقال:القصد إلى عين الحجة بتقليل اللفظ.\rوقال غيره: البلاغة معروفة الفصل من الوصل، وفرق ما بين المشترك والمفرد وفصل ما بين المقيّد والمطلق، وما يحتمل التأويل ويستغني عن الدليل.\rوقيل لبعض اليونانية: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام، واختيار الكلام .\rوقيل لرجل من الرّوم:ما البلاغة؟ حسن الاقتصاد عند البديهة، والغزارة يوم الإطالة.\rوقيل لرجل: ما البلاغة؟ فقال: حسن الإشارة، وإيضاح الدلالة، والبصر بالحجة، وانتهاز مواضع الفرصة.\rوسأل معاوية بن أبي سفيان صحاراً العبديّ؟ ماالبلاغة عندكم؟ قال: الإيجاز. قال: ما الإيجاز؟ قال:أن تقول فلا تخطئ وتسرع فلا تبطئ، فقال معاوية. وكذلك تقول؟ قال:أقلني يا أمير المؤمنين.أنت لا تخطئ ولا تبطئ.\rوقد روي مثل هذا المعنى للحجّاج مع ابن القبعثري. فالله أعلم.\rوقالوا: أبلغ النّاس أحسنهم بديهة، وأمثلهم لفظا.\rقال خالد بن صفوان: خير الكلام ما ظرفت معانيه،وشرفت مبانيه والتذّت به آذان سامعيه.\r؟باب من خطب فأريج عليه\rقال الحرّ بن جابر،وكان أحد حكماء العرب - فيما أوصى به ابنه: وإياك والخطب فإنّها مشوارٌ كثير العثار.\rصعد عثمان بن عفّان رضي الله عنه على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم أرتج عليه، فقال:أمّا بعد فإنّ أول كلّ مركبٍ صعب، وما كنا خطباء، وسيعلم الله، وإن امرأً ليس بينه وبين آدم أب حيٌّ لموعوظ.","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"ويروى أن عثمان بن عفّان رضي الله عنه صعد المنبر فأرتج عليه، فقال: إنّ أبا بكر وعمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال.\rوروي في هذا الخبر: أنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل.\rوروي أنّ عثمان لمّا بويع،قام فحمد الله وأثنى عليه ثم أرتج عليه، فقال:وليناكم وعدلنا فيكم، وعدلنا عليكم خيرٌ من خطبتنا فيكم، فإن أعش يأتكم الكلام على وجهه.\rوروي أنّ عبد الرحمن بن جابر بن الوليد، خطب الناس على منبر حمص فأرتج عليه، فقال:يا أهل حمص! أنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب مصقع،ثم نزل.\rوأرتج يوماً على عبد الملك بن مروان،فقال :نحن إلى الفضل في الرأي،أحوج منا إلى الفضل في المنطق.\rوأرتج على معن بن زائدة، وهو على المنبر، فضرب بيده ثم قال: فتى حرب لا فتى منابر.\rصعد عبد الله بن عامر منبر البصرة، فحصر ،فشقّ ذلك عليه،فقال له زياد: أيّها الأمير! إنك إن أقمت عامّة من ترى أصابهم أكثر مما أصابك.\rصعد عليّ بن أرطاة المنبر، فقال: الحمد لله الذي يطعم هؤلاء ويسقيهم.\rأرتج على خالد بن عبد الله القسريّ على منبر الكوفة، فقال: إن هذا الكلام يجيء أحياناً ويعزب أحياناً، ويسهل عند مجيئه، ويعسر عند عزوبه طلبه، وربما طلب فأبى، وكوبر فعصى، فالتأنّي لمجيئه أيسر من التعاطي لأبيّه وهو يخلج من الجريء جنانه، وينقطع من الذّرب لسانه، فلا ينظره القول إذا اتسع، ولا يكسره النطق إذا امتنع،وسأعود فأقول إن شاء الله.\rخطب رجل من الأزد أقامه زيادٌ للخطبة على منبر البصرة، فلما رقى المنبر، وقال الحمد لله، أرتج عليه، فقال: قد والله هممت ألاّ أحضر اليوم، فقالت لي امرأتي: نشدتك الله إن تركت الجمعة وفضلها، فأطعتها، فوقفت هذا الموقف، فاشهدوا أنها طالق. فقالوا له: انزل قبحك الله.وأنزل إنزالا عنيفاً.وقد قيل: إن هذه القصة لوازع اليشكري، وفي ذلك قال الشاعر:\rوما ضرّني ألاّ أقوم لخطبةٍ ... وما رغبتي في مثل ما قال وازع\rوذكر القهرميّ عن أبيه قال: قام القلاخ بن حزن يوم عيد خطيباً، فقال: الحمد لله الذي خلق السّموات والأرض في ستّة أشهر.فقيل له:إنّما خلقها في ستة أيام فقال: أقيلوني، فوالله لقد ظننت أنّي أقللت،وكنت أريد أن أقول في ستّ سنين.\rصعد روح بن حاتم المنبر، فلما رآهم قد فتحوا أسماعهم وشقّوا أبصارهم، قال: نكّسوا رءوسكم وغضّوا أبصاركم، فإنّ أول كلّ مركب صعب، وإذا يّسر الله فتح قفل يسِّر.\rخطب مصعب بن حيّان خطبة نكاحٍ فحصر، فقال لقّنوا موتاكم شهادة ألاّ إله إلا الله، فقالت أمّ الجارية: عجلّ الله موتك، ألهذا دعوناك؟! قيل لرجل من الوجوه: قم فاصعد المنبر فتكلم، فقام. فلّما صعد المنبر حصر، فقال: الحمد لله الذي يرزق هؤلاء. وبقي ساكتاً فأنزلوه وأصعدوا آخر، فلما استوى قائماً وقابل وجوه الناس بوجهه، وقعت عينه على رجلٍ أصلع وحصر،فقال اللّهم العن هذه الصّلعة.\rصعد عتّاب بن زرقاء منبر أصبهان فحصر، فقال: والله لا أجمع عليكم عيّا وبخلاء ادخلوا سوق الغنم فمن أخذ شاة فهي له وثمنها عليّ. وقد روي أن هذا إنما عرض لعبد الله بن عامر على منبر البصرة، وأن عتّاب بن ورقاء هو الذي قام على المنبر فحمد الله ثم أرتج عليه، فجعل يقول: أمّا بعد أمّا بعد...، وقبالة وجهه شيخ أصلع فقال:أما بعد يا أصلع، فوالله ما غلّطني غيرك، عليّ به، فأتي به فضربه أسواطاً.\rوصعد آخر المنبر فقال: إن الله لا يرضى لعباده المعاصي، وقد أهلك أمة من الأمم بعقرهم ناقةً لا تساوي مائتين وخمسين درهما، فسمّى مقوِّم الناقة.\rوهذا هو عبد الله بن أبي ثور عامل ابن الزبير على المدينة.\rذكر عمرو بن شبة، حدثنا الحسين بن عثمان عن بعض علماء المدينة، قال: ثم عزل ابن الزّبير عبيدة بن الزبير، واستعمل عبد الله بن أبي ثورٍ حليف بني عبد مناف، فلّقبه أهل المدينة مقوّم ناقة الله، وغلت الأسعار فتشاءموا به، فعزله ابن الزبير.\rصعد أعرابيٌّ المنبر فقال: أقول لكم ما قال العبد الصّالح: \" ما أريكم إلاّ ما أرى وما أهديكم إلاّ سبيل الرّشاد \" ، فقالوا له: هذا فرعون. فقال: قد والله أحسن القول.\rقال بزرجهمر: هيبة الزَّلل تورث حصراً، وهيبة العاقبة تورث جبناً\rباب حمد الصّمت وذمِّ المنطق","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" من صمت نجا \" .\rوروينا عن عقبة بن عامرٍ، أنه قال:يا رسول الله فيم النّجاة؟ فقال: \" يا عقبة أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك \" .\rوروي أنه من كلام لقمان والله أعلم.\rوقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت \" .\rوقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" ويلٌ لمن يحدِّث الناس فيكذب ليضحكهم، ويلٌ له، ثم ويلٌ له \" .\rوعن عيسى عليه السلام، أنه قال : \" لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتفتنوا قلوبكم \" .\rوبلغنا أنّ داود عليه السلام لقي لقمان بعد ما كبرت سنُّه، فقال: ما بقي من عقلك؟ فقال: لا أنطق فيما لا يعنيني، ولا أتكلَّف ما كفيته.\rوقال ابن مسعود: أنذركم فضول الكلام.\rوعن ابن مسعود وسلمان الفارسي، قالا :أكثر النّاس وقوفاً يوم القيامة أكثرهم خوضاً في الباطل.\rوعن عطاء: فضول الكلام ما عدا تلاوة القرآن، والقول بالسنة عند الحاجة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تنطق في أمر لا بدَّ لك منه في معيشتك، أما يستحي أحدكم أن لو نشرت عليه صحيفته التي أملاها صدر نهاره أن يرى أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه، ثم تلا: \" وإنّ عليكم لحافظين. كراماً كاتبين \" و \" عن اليمين وعن الشِّمال قعيدٌ، ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد \" .\rوعنه عليه السلام أنه قال: \" البرّ ثلاثةٌ المنطق والنظر والصَّمت، فمن كان منطقه في غير ذكر فقد لغا، ومن كان نظره في غير اعتبارٍ فقد سها، ومن كان صمته في غير تفكّر فقد لها \" . قال بعض الشعراء: ؟ لست ممّن ليس يدري ما هوانٌ من كرامه\rإنّ للنّصح وللغ ... ش على العين علامه\rليس يخفى الحبُّ والبغ ... ض وإن رمت اكتتامه\rليس في أخذك بالفض ... ل وبالحلم ندامه\rوجواب الجاهل الصَّم ... ت وفي الصَّمت سلامه\rوعن الأصمعيّ قال، قال أعرابيّ: السّكوت صيانةٌ لّلسان وسترٌ للعيّ.\rوقال أعرابيّ في رجل رماه بالعيّ: رأيت عثرات النّاس في أرجلهم، وعثرة فلان بين فكَّيه.\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : \" إن الرَّجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أنها تبلغ ما بلغت، يكتب الله بها سخطه إلى يوم القيامة \" .\rوروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: \" إن الله يكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال \" .\rوذكر الأصمعيّ قال، قال أعرابيٌ: الكلمة أسيرةٌ في وثاق الرَّجل، فإذا تكلّم بها كان أسيراً في وثاقها.\rقيل لبكر بن عبد الله المزنيّ: إنك تطيل الصمت؟ فقال:إن لساني سبعٌ، إن تركته أكلني.\rوأنشد الخشنيّ: ؟ لسان الفتى سبعٌ عليه مراقبٌ فإنّ لم يزع من غربه فهو آكله وقال الراجز:؟\rالقول لا تملكه إذا نما ... كالسَّهم لا يرجعه رامٍ رما\rوقال آخر:\rفداويته بالحلم والمرء قادرٌ ... على سهمه ما دام في كفِّه الَّسهم\rقال هبيرة بن أبي وهب:\rوإنَّ مقال المرء في غير كنهه ... لكالَّنبل تهوى ليس فيها نصالها\rقال أبو العتاهية: ؟ من لزم الصَّمت نجا من قال بالخير غنم اجتمع أربعة حكماء، فقال أحدهم: أنا على ردِّ ما لم أقل، أقدر مني على ردّ ما قلت، وقال الآخر: لأن أندم على ما لم أقل، أحبّ إليّ من أن أندم على ما قلت، وقال الثالث: إذا تكلمت بالكلمة ملكتني، فإذا لم أتكلم بها ملكتها، وقال الرابع: عجبت ممن يتكلم بالكلمة، إن ذكرت عنه ضرته، وإن لم تذكر عنه لم تنفعه.\rقال طرفة بن العبد:\r؟وإنّ لسان المرء ما لم تكن له ... حصاةٌ على عوراته لدليل\rوقال منصور الفقيه:\rعليك السُّكوت فإن لم يكن ... من القول بدٌّ فقل أحسنه\rفرَّبتما فارقت بالّذي ... تقول أماكنها الألسنة\rوقال آخر:\r؟ أيُّها المرء لا تقولنّ قولاً ... لست تدري ماذا يجيئك منه\rواخزن القول، إنّ الصَّمت حكما ... وإذا أنت قلت قولاً فزنه\rوإذا النَّاس أكثروا في حديثٍ ... ليس ممّا يزينهم فاله عنه\rوقال أحيحة بن الجلاح: ؟ الصَّمت أكرم بالفتى ما لم يكن عيٌّ يشينه","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"والقول ذو خطلٍ إذا ... ما لم يكن لبٌّ يعينه\rقال ابن مقسم، سمعت جحظة يقول: سمعت المأمون يقول:السخافة كثرة الكلام، وصحبة الأنذال.\rأنشد ابن المبارك أخاً له كان يصحبه:\rواغتنم ركعتين زلفى إلى الل ... ه إذا كنت فارغاً مستريحا\rوإذا ما هممت بالمنطق البا ... طل فاجعل مكانه تسبيحا\rإنّ بعض السكوت خيرٌ من النط ... ق وإن كنت بالكلام فصيحا\rوقال أبو العتاهية:\r؟ ألا إنّ بعد الذخر ذخراً تنيله ... وشرُّ كلام القائلين فضوله\rعليك بما يعنيك من كلّ ما ترى ... وبالصَّمت إلاّ عن جميلٍ تقوله\rوله:\rوحسبك مَّمن إن نوى الخير قاله ... وإن قال خيراً لم يكذِّبه فعله\rكان يقال: العافية عشرة أجزاء، تسعةٌ منها في الصمت، وجزء في الهرب من النّاس.\rكان يقال:من طوَّل صمته، اجتلب من الهيبة ما ينفعه، ومن الوحشة مالا يضرّه. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" إن من شرار النَّاس الذين يكرمون اتّقاء ألسنتهم \" .\rوقال الشاعر:\rصمتُّ على أشياء لو شئت قلتها ... ولو قلتها لم أبق للصُّلح موضعا\rوقال منصور الفقيه:\rخرسٌ إذا سألوا وإن ... قالوا: عييٌّ أو جبان\rفالعيّ ليس بقاتل ... ولربّما قتل اللّسان\rكان يقال: اخزن لسانك كما تخزن مالك.\rقال امرؤ القيس:\rإذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيءٍ سواه بخزَّان\rوقال آخر: ؟ لعمرك إنّ صمتك ألف عامٍ لأصلح من كلامك بالفضول\rفأمسك أو ترى للقول وجهاً ... يبين صوابه لذوي العقول\rروينا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه، أخذ يوماً بطرف لسانه وقال:ها إنّ ذا أوردني الموارد.\rوقال ابن مسعود رحمه الله: إن كان الشُّؤم ففي اللّسان، ووالله ما على وجه الأرض شيءٌ أحقّ بطول سجن من اللسان.\rأخذه الشاعر فقال:\r؟ وما شيءٌ إذا فكَّرت فيه ... أحقّ بطول سجنٍ من لسان\rكان يقال اللّسان سبع عقور.\rقال الشاعر:\r؟ رأيت اللسان على أهله ... إذا ساسه الجهل ليثاً مغيرا\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" وهل يكبّ النّاس في النّار على وجوههم إلاّ حصائد ألسنتهم \" .\rقال الله عزّ وجل: \" ما يلفظ من قولٍ إلاّ لديه رقيبٌ عتيدٌ \" ، وقال: \" وإنّ عليكم لحافظين كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون \" .\rوروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: \" إن الله عند لسان كلّ قائل، فلينظر كلُّ امرئ ما يقول \" .\rقال عمَّار الكلبي: ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وقل الحقّ وإلاّ فاصمتن إنَّه من لزم الصَّمت سلم\rإنّ طول الصّمت زينٌ للفتى ... من مقالٍ فيه عيٌ وبكم\rقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" رحم الله امرءاً أمسك فضل لسانه، وبذل فضل ماله، وعلم أن كلامه محصيٌ عليه \" .\rقال الأصبحيُّ: من كثر كلامه كثرت خطاياه.\rوقال أبو الدَّرداء: من فقه الرَّجل قلَّة كلامه فيما لا يعنيه.\rوقال مالك بن دينار : لو كانت الصُّحف من عندنا، لأقللنا الكلام.\rقال الشاعر:\r؟ في نبوة الدَّهر لي عذرٌ فلا تلم ... من أقعدته صروف الدّهر لم يقم\rحصرٌ يقصّر بي عن كلِّ مرتبةٍ ... وما تقصّر عن نيلٍ لها هممي\rإن عابني عائبٌ بالصمت قلت له ... حبس الفتى نطقه خيرٌ من النَّدم\rوقال معقر بن حمارٍ البارقي: ؟؟ الشِّعر لبّ المرء يعرضه والقول مثل مواقع النَّبل وقال آخر:\rوالقول ينفذ مالا تنفذ الإبر\rلما خرج يونس عليه السلام من بطن الحوت، أطال الصمت، فقيل له: ألا تتكلم؟ فقال: الكلام صيَّرني في بطن الحوت.\rقال عمر بن عبد العزيز: المحظوظ التَّقّي يلجم لسانه، أخذه الحسن بن هانئ فقال:\rإنَّما العاقل من أل ... جم فاه بلجام\rمت بداء الصَّمت خيرٌ ... لك من داء الكلام\rسئل عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - عن قتلة عثمان، فقال: تلك دماء كفّ الله عنها يدي، فأنا أكره أن أغمس فيها لساني.","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"وقال يزيد بن أبي خبيب المتكلم ينتظر اللعنة، والمتصنَّت ينتظر الرحمة. ويقال: شر ما طبع الله عليه المرء، خلق دنيّ، ولسان بذيّ. وقالوا البذاء من النفاق.\rوقال ابن القاسم:سمعت مالكاً يقول:لا خير في كثرة الكلام،واعتبر ذلك بالنساء والصبيان. إنما هم أبداً يتكلمون، لا يصمتون.\rوقال الحسن لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلَّم فكَّر، فإن كان له قال، وإن كان عليه سكت، وقلب الجاهل من وراء لسانه.\rقال نصر بن أحمد:\rلسان الفتى حتف الفتى حين يجهل ... وكلّ امرئ ما بين فكَّيه مقتل\rوكم فاتحٍ أبواب شرٍّ لنفسه ... إذا لم يكن قفلٌ على فيه مقفل\rإذا ما لسان المرء أكثر هذره ... فذاك لسانٌ بالبلاء موكّل\rإذا شئت أن تحيا سعيداً مسلَّماً ... فدبّر وميّز ما تقول وتفعل\rقال صالح بن جناح:\rأقلل كلامك واستعذ من شرّه ... إنّ البلاء ببعضه مقرون\rواحفظ لسانك واحتفظ من غيّه ... حتّى يكون كأنَّه مسجون\rوكِّل فؤادك باللِّسان وقل له ... إنّ الكلام عليكما موزون\rفزناه وليك محكماً في قلّةٍ ... إنّ البلاغة في القليل تكون\rقال الّلاحقي:\rاخفض الصَّوت إن نطقت بليلٍ ... والتفت بالنَّهار قبل الكلام\rقال آخر:\rأرى الصَّمت خيراً من كلامٍ بمأثمٍ ... فكن صامتاً تسلم وإن قلت فاعدل\rولا تك في حقّ الإخاء مفرّطاً ... وإن أنت أبغضت البغيض فأجمل\rولا تعجلن يوماً بشرٍّ تريده ... وإذ ما هممت الدَّهر بالخير فاعجل\rألا إنّ تقوى الله خير مغبّةٍ ... وأفضل زاد الظَّاعن المتحّمل\rوقال آخر:\rعوّد لسانك قول الصِّدق تحظ به ... إنّ الِّلسان لما عوّدت معتاد\rوقال الحكماء:إذا تمَّ العقل نقص الكلام، فضل العقل على المنطق حكمة، وفضل المنطق على العقل هجنة.\rوقال عمرو بن العاص: زلّة الرجل عظم يجبر، وزلّة اللسان لا تبقي ولا تذر وقال أعرابي:\rعثرات الِّلسان لا تستقال ... وبأيدي الرِّجال تجزي الرِّجال\rفاجعل العقل للِّسان عقالاً ... فشراد اللِّسان داءٌ عضال\rإنَّ ذمَّ اللِّسان مبقٍ على العر ... ض وبالقول تستبان الفعال\rوقال غيره:\rيموت الفتى من عثرةٍ بلسانه ... وليس يموت الرَّجل من عثرة الرِّجل\rفعثرته من فيه ترمي برأسه ... وعثرته بالرِّجل تبرا على مهل\rوقال منصور الفقيه:\rواخرس إذا خفيت أمو ... ر الحقّ عنك عن الإجابة\rفأقلّ ما يجزي الفتى ... بسكوته عزّ المهابة\rوقال محمود الوراق:\rولفظك حين تلفظ في جميعٍ ... ولا تكذب مقدّمةٌ لفعلك\rفزنه إن أردت القول وزناً ... وإلاَّ هدّ من أركان نبلك\rوقال آخر:؟\rومن لاَّ يملك الشَّفتين يسخو ... بسوء الَّلفظ من قيلٍ وقال\rكان يونس بن عبد الأعلى ينشد هذه الأبيات:\rقد أفلح السَّاكت الصَّموت ... كلام واعي الكلام قوت\rما كلّ قولٍ له جوابٌ ... جواب ما تكره السكوت\rياعجباً لامرئ ظلومٍ ... مستيقنٍ أنّه يموت\r؟بابٌ من مزدوَّج الكلام\rالزوجة أحد الكاسبين، وقيل إصلاح المال أحد الكاسبين.\rقلة العيال أحد اليسارين.\rالقلم أحد الِّلسانين.\rالشيب أحد العسرين.\rاليأس أحد النّجحين. ويقال: تعجيل اليأس أحد الظَّفرين.\rحسن التَّقدير أحد الكسبين.\rالَّلبن أحد الجبنين.\rكثرة العيال أحد الفقرين.\rالمال أحد الجاهين.\rالدُّعاء للسَّائل أحد العطاءين، وقيل: الرّد على السائل بالدّعاء إحدى الصَّدقتين.\rالعجيزة أحد الوجهين. وقيل: الشِّعر أحد الوجهين.\rالشَّحم إحدى الحسنيين.\rالبياض أحد الجمالين. المرق أحد اللّحمين.\rملك العجين أحد الرَّيعين. قال عمر بن الخطاب: املكوا العجين إنه أحد الرَّيعين.\rالمبلِّغ أحد الشَّاتمين.\rالسامع للغيبة أحد المغتابين.","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"الرَّاوية للهجاء أحد الهجَّائين.\rفصلٌ منه قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لرجل أوصاه: \" حافظ على العصرين \" .\rوالعصران: الصبح والظهر.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من صلى البردين دخل الجنة \" .\rالبردان: الغداة والعشي.\rوقال بعضهم: الأبردان: الغداة والعشيّ.\rالأيهمان: السّيل والحريق.\rالأحمران: الذَّهب والزَّعفران.\rالأسودان: التَّمر والماء.\rالأطيبان: الأكل والجماع.\rالأجوفان :الفم والفرج.\rالأصغران: القلب واللسان.\rالأكبران : الهمَّة واللُّب.\rالأصمعان: الفهم الذكي والرأي الحازم.\rالجديدان: اللَّيل والنَّهار وكذلك الملوان، وكذلك العصران، قال حميد ابن ثور الهلالي:\rولن يلبث العصران يوماً وليلةً ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمَّما\rوقال أبو بكر بن دريد:\rإنَّ الجديدين إذا ما استوليا ... على جديدٍ أدنياه للبلى\rوقال سليمان بن بطّال:\rوتقلُّب الملوين بينهما الرَّدى ... إن لم يكن هذا يجيء به فذا\rالعمران: أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - هذا قول الأكثر.\rكما قالوا: المكَّتان: مكَّة والمدينة.\rوالقمران :الشمس والقمر.\rقال الفرزدق:\rأخذنا بآفاق السَّماء عليكما ... لنا قمراها والنُّجوم الطَّوالع\rلم يختلفوا أنه أراد الشمس والقمر.\rوقال أبوعبيدة في قول قيس بن زهير.\rجزاني الزَّهدمان جزاء سوءٍ ... وكنت المزء يجزي بالكرامة\rأراد زهدماً وأخاه قيساً ابني محمد بن وهب من بني عبس بن بغيض، وقال أبو عبيدة: الزهدمان: زهدمٌ وكردم.\rقال أبو عمر: الحجة في هذا قول الله عزّ وجلّ: \" ولأبويه \" ، فالأبوان الأب والأم.\rوقد قال قتادة: العمران: عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز. والأول أشهر وأكثر.\rباب من الأجوبة المسكتة وحسن البديهة\rلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر بضرب عنق عقبة بن أبي معيط، فقال له:من للصِّبية يا محمد؟ قال: النَّار.\rقال الأعمش: احذروا الجواب،فإن عمرو بن العاص قال لعديّ بن حاتم: متى فقئت عينك يا أبا طريف؟ قال: يوم طعنت في استك وأنت مولّ يوم صفين.\rشهد أعرابّي بشهادة عند معاوية على شيء، فقال: كذبت.فقال: الكاذب والله مزمل في ثيابك.فتبسم معاوية وقال:هذا جزاء من عجل.\rأنشد ابن الرِّقاع قصيدة يذكر فيه الخمر، فقال له معاوية: أما إني قد ارتبت فيك في جودة وصف الشراب، فقال: وأنا قد ارتبت بك في معرفته.\rقال تميم بن نصر بن سيَّار لأعرابي: هل أصابتك تخمة قط؟ قال:أما من طعامك وشرابك فلا. قال عبد الملك بن مروان لبثينة: ما رجا منك جميل؟ قالت: ما رجت منك الأمَّة حين ملكتك أمرها.\rقيل لبعضهم: صحبت الأمير فلانا إلى اليمن، فما ولاّك؟ قال:قفاه.\rقيل لأعرابي: صف لنا النخلة. فقال: صعبة المرتقى، بعيدة المهوى، مهولة المجتنى، رهيبة الِّسلاح، شديدة المؤونة، قليلة المعونة، خشنة الملمس، ضئيلة الظل.\rدخل معن بن زائدة على المنصور، فأسرع المشي وقارب الخطر، فقال له المنصور: كبرت سنُّك يا معن؟ قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين. قال: وإنك مع ذلك لجلد. قال:على أعدائك يا أمير المؤمنين.قال: وإن فيك لبقية. قال: هي لك يا أمير المؤمنين.\rدخل عديّ بن حاتم على معاوية، وعنده عبد الله بن عمرو، فقال له عبد الله: يا عديّ متى ذهبت عينك؟ قال: يوم مثل أبوك هارباً، وضرب على قفاه مولياً، وأنا يومئذ على الحق، وأنت وأبوك على الباطل.\rقال المهديّ لجرير بن زيد: يا جرير إني لأعدُّك لأمر. قال جرير: إن الله قد أعدَّ لك منّي قلباً معقوداً بنصيحتك ويداً مبسوطة بطاعتك، وسيفاً مشحوذاً على عدوك، إذا ما شئت.\rقالت جارية ابن السَّمَّاك له: ما أحسن كلامك إلا أنك تردده.قال: أردده حتى يفهمه من لم يكن فهمه. قالت: فإلى أن يفهمه من لم يكن فهمه يمله من فهمه.\rقال الحسن لابن سيرين: تعبر الرؤيا كأنك من آل يعقوب. فقال ابن سيرين: وأنت تفسر القرآن كأنك شهدت التنزيل.\rقال رجل لعمر بن الخطاب :أهلكنا النوم: فقال: بل أهلكتم اليقظة.\rمرت أمة بسعيد بن المسيب وقد أقيم ليضرب، فقالت: يا شيخ! لقد أقمت مقام الخزي. فقال : بل من مقام الخزي فررت.","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"قال رجلٌ لعمرو بن العاص لأتفرغَنَّ لك. فقال: حينئذ تقع في الشغل.\rلقي الحسن الفرزدق في حين خروجه إلى العراق، فسأله عن الناس، فقال:القلوب معك، والسيوف عليك، والنصر من الله.\rقال رجل عند الحسن: أهلك الله الفخار. قال :إذا استوحش في الطريق. قيل للأصمعي: لماذا لا تقول الشعر؟ قال: الذي أريده لا يواتيني، والذي يواتيني لا أريده، أنا كالمسنّ أشحذ ولا أقطع.\rقيل لابن المقفع: مالك لا تقول الشعر؟ فقال: الذي يواتيني لا أريده، والذي أريده لا يواتيني. قال: ابن مناذر:\rلا تقل شعراً ولا تهمم به ... وإذا ما قلت شعراً فأجد\rقال عبد الله بن مروان لثابت بن عبد الله بن هلال: إنك أشبه الناس بإبليس.\rقال: وما تنكر أن يكون سيد الإنس يشبه سيد الجن.\rقيل لأعرابية من بني عامر: لقد أحسنت العزاء على ابنك. قالت: إن فقده أيأسني من المصائب بعده. ونعى إلى أعرابية ابن لها، فقالت: لقد نعيتموه كريم الجدّين، ضحوكاً إذا أقبل كسوباً إذا أدبر، يأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد.\rقال الأحوص للفرزدق: متى عهدك بالزنا؟ قال: مذ ماتت العجوز أمك.\rقال أبو الزناد لابن شبرمة في مناظرته له: من عندنا خرج العلم. فقال ابن شبرمة:ثم لم يعد إليكم.\rقال معاوية لعقيل بن أبي طالب: ما أبين الشبق في رجالكم يا بني هاشم! قال: لكنه في نسائكم يا بني عبد شمس أبين.\rقال زهير:\r\" ومن لا يكرَّم نفسه لا يكرَّم \" ... \" ..ومن لا يتّق الشَّتم يشتم \"\rقال معاوية لابن عباس: أنتم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم. فقال ابن عباس:وأنتم يا بني أمية تصابون في بصائركم.\rقال معاوية لعقيل بن أبي طالب: أين ترى عمك أبا لهب؟ قال:في النار، مفترشاً عمتك حماَّلة الحطب. وكانت أم جميل امرأة أبي لهب بنت حرب بن أمية ابن عبد شمس.\rقال الرشيد لشريك القاضي: يا شريك! آية في الكتاب ليس لك ولا لقومك فيها شيء. قال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال قوله تعالى: \" وإنَّه لذكرٌ لك ولقومك \" ، فقال آية أخرى ليس لي ولا لقومي فيها شيء. قال: وما هي؟ قال: \" وكذَّب به قومك وهو الحقُّ \" .\rقال الرشيد لأبي الحارث جمَّيرا: أيسرك أن تخرا الغالية؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين. قال: ولم؟ والناس يتمنونها قال: أخاف أن يختم أمير المؤمنين على سراويلي فلا يفتحها.\rقال معاوية بكلام عرّض فيه بعبد الله بن الزبير، فقال: يا أمير المؤمنين لا يكن حقنا منك أن تمسك يدك مغلولة إلى عنقك، وتعمل لسانك في قومك.\rوروى أن أبا بكر بن عياش كان أبرص، وكان رجل من قريش يشرب الخمر، فقال له أبو بكر: قيل لنا إن نبيا من الأنبياء بعث بحلّ الخمر. فقال: لا أومن به حتى يبرئ الأبرص.\rقدم الوليد بن عقبة الكوفة في زمن معاوية، فأتاه أهل الكوفة يسلمون عليه، وقالوا: ما رأينا بعدك مثلك. فقال خيراً أم شراً؟ قالوا: لم نر بعدك إلا شراً منك. قال: لكني والله ما رأيت بعدكم شرا منكم، والله يا أهل الكوفة، إن حبكم لصلف، وإن بغضكم لتلف.\rقال المنذر بن الجارود لعمرو بن العاص:أي رجل أنت لو كانت أمك من عز قريش؟ قال عمرو: أحمد الله إليك، لقد عرضت قبائل العرب على نفسي أتمنى من أيهم تكون أمّي في طول ليلتين، فما خطرت عبد القيس على بالي.\rجعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص، وهو على المنبر عن أمه، فسأله. فقال: هي سلمى بنت حرملة، تلقب النابغة، من بني عنزة، ثم أحد بنى جلاَّن، أصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ، فاشتراها الفاكه بن المغيرة، ثم اشتراها منه عبد الله بن جدعان، ثم صارت إلى العاص بن وائل، فولدت وأنجبت. فإن كان لك جعل فخذه.\rفاخر رجل من ولد أبي البختريَّ بن هشام رجلا من ولد الزبير، فقال: أنا ابن عقير الملائكة. قال ابن الزبير: فنعم العاقر وبئس المعقور، فقال: أنا ابن شداد البطحاء. قال: شدها أبوك بسلحه، وشدها أبي برمحه.\rجلس معاوية يأخذ البيعة على أهل العراق بالبيعة له والبراءة من على، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين! إنا نبايع أحياءكم ولا نتبرأ من موتاكم، فنظر معاوية إلى المغيرة بن شعبة، فقال: رجل، فاستوص به خيراً.","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"ظفر الحجاج بأصحاب ابن الأشعث، فجلس يضرب أعناقهم، فأتي في آخرهم برجل من تميم، فقال له ياحجاج! لئن كنا أسأنا في الدنيا، فما أحسنت في العقوبة. فقال الحجاج: أفّ لهذه الجيف، ما كان فيهم من يحسن هذا؟ وأمر بتخلية سبيل من بقي.\rقال عمر بن عبد العزيز لسالم بن عبد الله بن عمر: أساءتك ولايتنا أم سرتك؟ قال: ساءتني لك وسرتني للمسلمين.\rعاتب أعرابي أباه فقال: إن عظيم حقك علي، لا يذهب صغير حقي عليك، والذي تمتُّ به إليّ أمت بمثله إليك، ولست أزعم أنّا سواء، ولكن لا يحل لك الاعتداء.\rلما مات الحسن أرادوا أن يدفنوه في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبت ذلك عائشة وركبت بغلة وجمعت الناس، فقال لها ابن عباس: كأنك أردت أن يقال: يوم البغلة كما قيل يوم الجمل؟! قالت: رحمك الله، ذاك يوم نسي. قال: لا يوم أذكر منه على الدهر.\rقيل لمعاوية بن سفيان، يوم صفين: إنك تقدم حتى نقول: إنك تقبل، وإنك أشجع الناس، وتتأخر حتى نقول :إنك تفر، وإنك أجبن الناس. قال: أتقدم إذا كان التقدم غنما، وأتأخر إذا كان التأخرعزما.\rسأل ابن الزُّبير معاوية حاجة فلم يقضها، فاستعان عليه بمولاة له، فقضى حاجته، فقال له رجل: استعنت بامرأة! فقال: إذا أعيت الأمور من أعاليها طلبناها من أسافلها.\rاشتكىعبد الله بن صفوان ضرسه، فأتاه رجل يعوده، وقال: ما بك؟ قال:وجع الضرس. فقال: أما علمت ما يقول إبليس؟ قال: لا. قال: يقول: دواؤه الكسر. قال :إنما يطيع إبليس أولياؤه. مرض رجل من الأعراب فعاده جاره فقال: ما تجد؟ قال: أشكو دمَّلاً آلمني وزكاماً أضرَّ بي.فقال :أبشر فإنه بلغنا أن إبليس لا يحسد شيء من الأمراض ما يحسد على هاتين العلتين لما فيهما من الأجر والمنفعة، فأنشأ الأعرابي يقول:\rأيحسدني إبليس دائين أصبحا ... بجسمي جميعاً دمَّلاً وزكاماً\rفليتهما كانا به وأزيده ... رخاوة فحلٍ ما يطيق قياما\rقال أبو جعفر المنصور لأبي جعونة العامريّ من أهل الشام: ألا تحمدون الله بأنا قد ولينا عليكم ورفع عنكم الطاعون؟! قال: لم يكن ليجمعكم الله علينا والطاعون.\rقيل لبعضهم: أراك تكره الغزو، وما يكرهه إلا جبان أو متهم؟ فقال:والله إني لأكره أن يأتيني الموت على فراشي، فكيف أسافر إليه مسافة بعيدة.\rعرض بعض القواد أصحابه، فمر به رجل معه سيف رديء، فقال له: ويحك ما هذا السيف؟! أما علمت أن الرجل بسيفه؟ فقال أصلحك الله أيها الأمير،إنها مأمورة. قال هذا مما يقطع شيئاً.\rقيل لابن سيرين: من أكل سبع رطبات على الريق سبَّحت في بطنه، فقال ابن سيرين: لئن كان هذا هكذا فينبغي للوزينج إذا أكل أن يصلي الوتر والتراويح.\rقيل لابن السَّمَّاك في زمن يزيد بن معاوية: كيف تركت الناس؟ قال: مظلوم لا ينتصف وظالم لا ينتهي.\rقال معاوية لرجل من أهل اليمن: ما كان أحمق قومك حين قالوا: \" ربنا باعد بين أسفارنا \" أما كان جمع الشمل خيراً لهم؟ فقال اليماني: قومك أحمق منهم، حين قالوا: \" الَّلهمَّ إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمطر علينا حجارةً من السَّماء، أوائتنا بعذابٍ إليم \" ، أفلا قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه.\rقال رجل للرقاشي: ما يجب على المؤمن في حق الله؟ قال: التعظيم له والشكر لنعمه، قال: فما يجب عليه في حق السلطان؟ قال: الطاعة والنصيحة. قال: فما يجب عليه في حق نفسه؟ قال: الاجتهاد في العبادة، واجتناب الذنوب. قال: فما يجب عليه في حق العامة؟ قال: كف الأذى وحسن المعاشرة. قال: فما يجب عليه في حق الخليط؟ قال: الوفاء بالمودة وحسن المعونة.\rقال بعض الجلّة لأعرابي من بني تميم يمازحه: يا أعرابيّ! من الذي يقول:\rتميمٌ ببطن اللُّؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلّت\rفقال: لا أعرفه. ولكن أعرف الذي يقول :\rأعضّ الله من يهجو تميماً ... ومن يروي لها أبداً هجاءا\rببطن عجوزةٍ وبإست أخرى ... وأدخل رأسه من حيث جاءا\rدخل طفيليٌّ دار قوم بغير إذن، فاشتدّ عليه صاحب الدار في القول، فأغلظ له الطفيلي في الجواب، وقال له: والله لئن قمت إليك لأدخلنك من حيث خرجت. فقال صاحب المنزل: أمّا أنا فأخرجك من حيث دخلت، وأخذ بيده فأخرجه.","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"قال الفرزدق لكثير - وقد أنشد: ما أشبه شعرك بشعري! أفكانت أمك أتت البصرة؟ فقال:لا ولكن أبي أتاها، ونزل في بني دارم.\rقال المثّقب العبديّ:\rوكلمة حاسدٍ من غير جرمٍ ... سمعت فقلت مرّي فانفذيني\rوعابوها عليَّ ولم تعبني ... ولم يعرق لها يوماً جبيني\rوما من شيمتي شتم ابن عميِّ ... ولا أنا مخلفٌ من يرتجيني\rوذو الوجهين يلقاني طليقاً ... وليس إذا تغّيب يأتليني\rبصرت بعيبه فكففت عنه ... محافظةً على حسبي وديني\rقال رجلٌ من بني عجل لأبي الرَّوحاء الشاعر، بهمذان: ممن الرجل؟ قال:من العجم. قال العجلي: إنما الشعر للعرب، والمحال أن يقول الشعر رجل من العجم حتى ينزو على أمه رجل من العرب. فقال أبو الروحاء: فكل من لم يقل الشعر من العرب، فقد نزا على أمه رجل من العجم على هذا القياس.\rقال مسكين الدارمي: ؟وإذا الفاحش لاقى فاحشاً فبهذا وافق الشَّنّ الطبق\rإنما الفحش ومن يعتاده ... كغراب البين ما شاء نعق\rأو حمار السُّوء إن أمسكته ... رمح الناس وإن جاع نهق\rأو غلام السُّوء إن جوّعته ... سرق الجار وإن يشبع فسق\rقال رجل لشريح القاضي: لشد ما ارتفعت فقال له شريح: هل ضرك ذلك؟ إنك لتبصر نعمة الله على غيرك وتعمى عنها في نفسك.\rقيل لمزيد - وهو يحمل شيئاً تحت إبطه - : يا مزيد! ما هذا الذي تحت حضنك؟ قال: يا أحمق! ولم خبأته؟ قال الفرزدق للحسن: يا أبا سعيد إني قد هجوت إبليس، أفتسمع؟ فقال له الحسن: اسكت، فإنك على لسانه تنطق.\rقيل لأعرابي: أتهمز الفارة؟ قال: إنما يهمزها السنور. قال حمزة الكسائي: أتهمز الذيب؟ قال: لو همزته أكلني.\rسأل رجل من الشعراء رجلا من المتكلمين بين يدي المأمون، فقال: ما سنك؟ قال:عظم. قال: لم أرد هذا، ولكن كم تعدَّ؟ قال: من واحد إلى ألف ألف وأزيد. قال: لم أرد هذا، ولكن كم أتى عليك؟ قال: لو أتى علي شيء لأهلكني. فضحك المأمون. فقيل له: كيف السؤال عن هذا؟ فقال: أن تقول؟ كم مضى من عمرك.\rلقي رجل رجلاً راكباً، فقال له: أين تنزل فقال له: حيث أضع رجلي.\rوهب المفضل الضبي لبعض جيرانه أضحية، فلقيه بعد النحر، فقال: كيف وجدت أضحيتك؟ فقال: ما وجدت لها دماً، أراد قول الشاعر: ؟ ولو ذبح الضّبِّي بالسيف لم تجد من اللؤم للضَّبِّيِّ لحماً ولا دما اجتمع ناس من الشعراء على باب عدي بن الرِّقاع الشاعر، فخرجت بنت له، فقالت: ما تريدون، قالوا: نريد أباك لنخزيه ونفضحه. فقالت:\rتجمّعتم من كلِّ أوبٍ وبلدةٍ ... على واحدٍ لا زلتم قرن واحد\rتفاخر أهل الكوفة وأهل البصرة، فقال ابن شبرمة - وكان كوفياً - : لنا أحلام ملوك المدائن، وسخاء أهل السواد، وظرف أهل الحيرة، ولكم سفه السند، وبخل الخزر، وحمق أهل غسان. قال الربيع الحاجب لشريك القاضي بحضرة المهدي: بلغني أنك اختنت أمير المؤمنين. فقال شريك: لا تقل ذلك. لو كنت اختنته لكان قد أتاك نصيبك.\rقال مؤدب يزيد بن عبد الملك يوماً له: لحنت. فقال: الجواد يعثر. قال المؤدب: إي والله، ويضرب حتى يستقيم. فقال: نعم، وربما كسر أنف سائسه.\rوقف أعرابي على قوم فقال: رحم الله من لم تمج أذنه كلامي، وقدم لنفسه معاذه من سوء مقامي، فإن البلاد مجدبة، والحال مسغبة، والحياء زاجر يمنع من كلامكم، والفقر يدعو إلى إخباركم، والدعاء أحد الصدقتين، فرحم الله امرءاً أمر بخير. فقيل له: من أنت؟ فقال: اللهم اغفر، سوء الاكتساب يمنعني من الانتساب.\rسمع إياس بن معاوية - رحمه الله - يهوديا يقول: ما أحمق المسلمين! يزعمون أن أهل الجنة يأكلون ولا يحدثون. فقال له إياس بن معاوية: أو كل ما تأكله تحدثه؟ قال: لا. لأن الله يجعل أكثره غذاء. قال: فلم تنكر أن يجعل الله جميع ما يأكله أهل الجنة غذاء.","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"جمع المأمون بين العتَّابي وبين أبي قرَّة النصراني، فقال لهما: تناظرا وأوجزا. فقال العتابي لأبي قرة: أسألك أم تسألني؟ فقال: سلني. قال: ما تقول في المسيح؟ قال: أقول إنه من الله عز وجل. فقال العتابي: إن \" من \" تجيء على أربعة أوجه: فالبعض من الكل على سبيل التجزؤ، والولد من الوالد على سبيل التناسل، والخل من الحلو على سبيل الاستحالة، والخلق من الخالق على سبيل الصنعة، فهل عندك خامسة قال: لا، ولكني لو قلت واحدة من هذه ما كنت تقول؟ فقال العتابي: إن قلت: إنه كالبعض من الكل جزّأته، والباري لا يتجزأ، وإن قلت: إنه كالولد من الوالد أوجبت ثانيا من الأولاد وثالثا ورابعاً إلى مالا نهاية، وهذا لا يجوز على الباري عز وجل، وإن قلت على سبيل الاستحالة، أوجبت فساداً، والباري لا يستحيل ولا ينتقل من حال إلى حال، وإن قلت: إنه كالخلق من الخالق، كان قولا حقا، وهو الحق الذي لا شك فيه. وصف إبراهيم النظام لأبي عبيدة معمر بن المثنى باليقظة وسرعة الجواب، فمر به يوماً ومعه قارورة زجاج، فأراد أن يختبره، فقال: يا أبا إسحاق! ما عيب هذه؟ فقال سريعة الانكسار، بطيئة الانجبار. فأعجب ذلك أبا عبيدة.\rدخل المعتصم على خاقان عائداً فقال للفتح بن خاقان: أيُّما أحسن، دار أمير المؤمنين أم دار أبيك؟ فقال: ما دام أمير المؤمنين في دار أبي فدار أبي أحسن.\rسمع سوارٌ القاضي الحجّاج بن أرطاة يقول : أهلكني حب الشرف، فقال: اتق الله تشرف.\rقال مالك بن أنس: قدم على عمر بن عبد العزيز فتيان، فقالا: إن أبانا توفي فترك مالا عند عمنا حميد، فأمر عمر بإحضاره، فلما دخل عليه، قال له عمر: يا حميد أنت القائل:\rحميد الّذي أمجٌ داره ... أخو الخمر ذو الشَّيبة الأصلع\rأتاني المشيب على شربها ... وكان كريماً فما ينزع\rفقال: نعم. قال: أما إذ أقررت، فأني سأجلدك؟ قال ولم؟ قال: لأنك أقررت بشرب الخمر، وزعمت أنك تنزع عنها. فقال: هيهات، أين تذهب بك؟ ألم تسمع قول الله يقول: \" والشُّعراء يتَّبعهم الغاوون، ألم تر أنَّهم في كلِّ وادٍ يهيمون وأنَّهم يقولون مالا يفعلون \" ؟ قال عمر: أولى لك يا حميد، لقد أفلت. ثم قال: ويحك ياحميد، كان أبوك صالحاً، وأنت رجل سوء. قال: أصلحك الله، وأنت رجل صالح، وكان أبوك رجل سوء، وما كلُّ الناس يشبه أباه، فقال: إذن هؤلاء يزعمون أن أباهم توفي، وترك عندك مالاً. قال: صدقوا، وأنا أحضره الآن. فأحضره بخواتيم أبيهم، ثم قال: إن هؤلاء توفي أبوهم منذ كذا وكذا، وأنا أنفق عليهم من مالي وهذا مالهم. فقال عمر: ما أحدٌ أحقّ أن يكون عنده منك. قال: ما كان ليعود إليّ وقد خرج من عندي.\rدخل الأحنف بن قيس التميمي على معاوية بن أبي سفيان يوماً، فقال: يا أحنف ما الشيء الملَّفف في البجاد؟ يعرض له بقول الشاعر:\rإذا ما مات ميتٌ من تميمٍ ... فسرّك أن يعيش فجيء بزاد\rبخبزٍ أو بتمرٍ أو بسمنٍ ... أو الشيء الملَّفف في البجاد\rتراه يطوف في الآفاق حرصاً ... ليأكل رأس لقمان بن عاد\rوالشيء الملفف في البجاد: وطب اللبن. فعلم الأحنف ما أراد معاوية بتعريضه، فقال: الشيء الملفف في البجاد هو السخينة يا أمير المؤمنين. وذلك أن قريشاً كانت تعّير بأكل السخينة. وهي حساء من دقيق كانوا يصنعونها عند المسغبة وغلاء السعر.\rباب الأدب\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ما منح والدٌ ولده خيراً من أدب حسن \" وفي رواية أخرى عنه عليه السلام أنه قال: \" ما نحل والدٌ ولده خيراً من أدب حسن \" .\rقال سليمان بن داوود: من أراد أن يغيظ عدوَّه، فلا يرفع العصا عن ولده.\rوقال محمد بن سيرين: كانوا يقولون: أكرم ولدك وأحسن أدبه.\rكان يقال: من أدّب ولده أرغم أنف عدوه.\rقال الحسن: التعلّم في الصغر كالنقش على الحجر.\rقال الشاعر:\rخير ما ورَّث الرّجال بنيهم ... أدبٌ صالحٌ وحسن الثّناء\rهو خيرٌ من الدََّنانير والأو ... راق في يوم شدَّةٍ أو رخاء\rتلك تفنى والدِّين والأدب الصَّ ... الح لا تفنيان حتَّى البقاء\rإن تأدَّبت يا بنيّ صغيراً ... كنت يوماً تعدّ في الكبراء","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"وإذا ما أضعت نفسك ألفي ... ت كبيراً في زمرة الغوغاء\rليس عطف القضيب إن كان رط ... باً وإذا كان يابساً بسواء\rقال لقمان : ضرب الوالد للولد كالّسماد للزرع.\rقال بعض الحكماء: لا أدب إلاّ بعقل، ولا عقل إلا بأدب.\rكان يقال: التجربة علم، والأدب عون، وتركه مضرّة بالعقل.\rكان يقال: العون لمن لا عون له الأدب.\rقال الأحنف: الأدب نور العقل، كما أنّ النار في الظلمة نورالبصر.\rقال الأصمعيّ: ما مطيةٌ أبلغ دركاً وهي وادعة من الأدب.\rقال بزرجمهر: أرفع منازل الشَّرف لأهله العلم والأدب.\rوقيل: من قعد به حسبه نهض به أدبه.\rوقال ابن أبي دؤاد لرجل تخطّى أعناق الرّجال إليه: إنّ الأدب المترادف خير من النَّسب المتلاحف.\rكان يقال: الأدب من الآباء، والصّلاح من الله.\rكان يقال: من أدّب ابنه صغيراً قرّت به عينه كبيراً.\rوقال الحجاج لابن القرِّيَّة: ما الأدب؟ قال: تجرُّع الغصّة حتى تمكن الفرصة.\rووصف أعرابيٌّ الأدب في مجلس معمر بن سليمان، فقال: الأدب أدب الدّين، وهو داعيةٌ إلى التوفيق، وسببٌ إلى السعادة وزادٌ من التقوى، وهو أن تعلم شرائع الإسلام، وأداء الفرائض، وأن تأخذ لنفسك بحظّها من النافلة، وتزيد ذلك بصحّة النية، وإخلاص النفس، وحبّ الخير، منافساً فيه، مبغضاً للشرّ نازعاً عنه، ويكون طلبك للخير، رغبةً في ثوابه، ومجانبتك للّشِّر رهبةٌ من عقابه، فتفوز بالثواب، وتسلم من العقاب، ذلك إذا اعتزلت ركوب الموبقات، وآثرت الحسنات المنجيات.\rوقال أعرابيٌ: الأديب من اعتصم بعزّ الأدب من ذلّة الجهل، ولم يتورط في هفوة، وكان أدبه زلفى إلى الحظوة في دنياه وأخراه.\rقال منصور الفقيه:\rليس الأديب أخا الرِّوا ... ية للنّوادر والغريب\rولشعر شيخ المحدثين ... أبي نواسٍ أو حبيب\rبل ذو التَّفضل والمرو ... ءة والعفاف هو الأديب\rكان يقال: من لم يصلح على أدب الله لم يصلح على اختياره لنفسه.\rالحطيئة:\rإذا نكبات الدَّهر لم تعظ الفتى ... عن الجهل يوماً لم تعظه أنامله\rومن لم يؤدّبه أبوه وأمّه ... تؤدِّبه روعات الرَّدى وزلازله\rفدع عنك ما لا تستطيع ولا تطع ... هواك ولا يذهب بحقّك باطله\rوقال آخر:\rمن لم يؤدِّبه والداه ... أدَّبه الَّليل والنَّهار\rوقال محمد بن جعفر: الأدب رياسة، والحزم كياسة، والغضب نار، والصَّخب عارٌ.\rقال ابن القرِّيَّة: تأدبوا فإن كنتم ملوكاً سدتم، وإن كنتم أوساطاً رفعتم، وإن كنتم فقراء استغنيتم.\rقال شبيب بن شبية: اطلبوا الأدب فإنّه عونٌ على المروءة، وزيادةٌ في العقل، وصاحبٌ في الغربة، وحليةٌ في المجالس.\rقال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه في قول الله عزّ وجل: \" يا أيُّها الَّذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا \" ، قال: أدّبوهم وعلّموهم.\rقال الشاعر:\rيقوِّم من ميل الغلام المؤدِّب ... ولا ينفع التّأديب والرَّأس أشيب\rوقال آخر:\rإنّ الحداثة لا تقص ... ر بالفتى المرزوق ذهنا\rلكن تزكِّى عقله ... فيفوق أكبر منه سنَّاً\rوقال آخر:\rرأيت الفهم لم يكن انتهابا ... ولم يقسم على مرِّ السِّنين\rولوأنَّ السِّنين تقاسمته ... حوى الآباء أنصبة البنين\rقال مصعب بن عبد الله الزُّبيري: قال لي رجل من أهل الأدب فارسيّ النسب: إن ثلاثة ضروب من الرجال لم يستوحشوا في غربة، ولم يقصروا عن مكرمة: الشجاع حيث كان، فبالناس حاجة إلى شجاعته وبأسه، والعالم فبالناس حاجة إلىعلمه، والحلواللسان فإنه ينال ما يريد بحلاوة لسانه ولين كلامه، فإن لم تعط رباطة الجأش، وجرأة الصدر، فلا يفوتنك العلم وقراءة الكتب، فإن بها أدباً وعلماً قد قيَّدته لك العلماء قبلك، تزداد بها في أدبك وعلمك.\rقال سابق البربريّ:\rقد ينفع الأدب الأحداث في مهلٍ ... وليس ينفع بعد الكبرة الأدب\rإنَّ الغصون إذا قوَّمتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قوّمتها الخشب\rقيل لعيسى عليه السلام: من أدَّبك؟ قال: ما أدَّبني أحدٌ، رأيت جهل الجاهل فاجتنبته.","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"قال بعض الحكماء: أفضل ما يورِّث الآباء الأبناء: الثناء الحسن، والأدب النافع، والإخوان الصالحون، وأنشدوا:؟\rويعدم عاقلٌ أدباً فيجفو ... وتنسبه إلى غلظ الطِّباع\rومنزلة التَّأدب من أديبٍ ... بمنزلة السِّلاح من الشُّجاع\rقال عبد الملك بن مروان لبنيه: يا بنيّ لوعداكم ما أنتم فيه ما كنتم تعوّلون عليه؟ فقال الوليد:أما أنا ففارس حرب، وقال سليمان: أما أنا فكاتب سلطان، وقال ليزيد: فأنت؟ فقال: يا أمير المؤمنين!؟ ما تركاغاية لمختار. فقال عبد الملك: فأين أنتم يا بنيّ من التجارة التي هي أصلكم ونسبتكم؟ فقالوا: تلك صناعة لا يفارقها ذل الرغبة والرهبة، ولا ينجوصاحبها من الدخول في جملة الدّهماء والرعية، قال: فعليكم إذاً بطلب الأدب، فإن كنتم ملوكاً سدتم، و إن كنتم أوساطاً رأستم، وإن أعوزتكم المعيشة عشتم.\rباب ترويح القلوب وتنبيهها\rقال عبد الله بن مسعود: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتخوَّلنا بالموعظة مخافة السّآمة علينا.\rوكان عليُّ بن أبي طالب يقول: إنّ هذه القلوب تملّ كما تملُّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة.\rوقال عليٌّ رضي الله عنه: نبّه بالتفكّر قلبك، وجاف عن النوم جنبك، واتق الله ربّك.\rقال أبو الدّرداء: إني لأستجمُّ قلبي بشيءٍ من اللّهو، ليكون أقوى لي على الحقّ.\rقال عبد الله بن مسعود: أريحوا القلوب، فإن القلب إذا أكره عمى.\rوقال أيضاً: إنّ للقلوب شهوةً وإقبالا، وفترة وإدباراً، فخذوها عند شهواتها وإقبالها، وذروها عند فترتها وإدبارها.\rكان يقال: الملالة تفسخ المودّة، وتولّد البغضة، وتنغّص اللّذة.\rقال أرسطو طاليس: ينبغي للرّجل أن يعطي نفسه لذّتها في النهار ليكون ذلك عوناً لها على سائر يومه.\rفي صحف إبراهيم عليه السّلام: وعلى العاقل أن يكون له ثلاث ساعات: ساعةٌ يناجي فيها ربّه، وساعةٌ يحاسب فيها نفسه، وساعةٌ يخلّي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحلّ ويجمل، فإنّ هذه الساعة عونٌ له على سائر السّاعات.\rقال عمر بن عبد العزيز: تحدثوا بكتاب الله تعالى، وتجالسوا عليه، وإذا مللتم فحديثٌ من أحاديث الرّجال حسنٌ جميل.\rوقال بعض الحكماء من السَّلف:القلوب تحتاج إلى قوتها من الحكمة كما تحتاج الأبدان إلى قوتها من الغذاء.\rدخل عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز على أبيه، وهو في نوم الضّحى، فقال: يا أبت إنّك لنائم، وإنّ أصحاب الحوائج لراكدون ببابك فقال: يا بنيَّ إن نفسي مطيّتي، وإن حملت عليها فوق الجهد قطعتها.\rقال الحسن البصريُّ رضي الله عنه: حادثوا هذه القلوب، فإنّها سريعة الدُّثور، وأفزعواهذه النفوس فإنها طلعة، وإن لم تفعلوا هوت بكم إلى شرّ غاية.\rوقال غيره من العلماء: حادثوا هذه القلوب فإنّها تصدأ كما يصدأ الحديد، وقد روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم، أنه قال: \" إنّ هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد \" . قالوا: فما جلاؤها يا رسول الله؟ قال: \" تلاوة القرآن \" .\rكان يقال: الفكرة مرآة المؤمن، تريه حسنه من قبيحه.\rكان يقال: التفكر نورٌ، والغفلة ظلمة.\rباب قولهم في وصف العيش\rوما تتمنَّاه الَّنفس\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" من أصبح منكم آمناً في سربه، معافىً في جسمه، معه قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدنيا \" .\rكان عمر بن الخطاب يعجبه قول عبدة بن الطبيب:\rالمرء ساعٍ لأمرٍ ليس يدركه ... والعيش شحٌ وإشفاقٌ وتأميل\rقال أبو يعلى: حدثنا الأصمعي، قال: حدثنا محمد بن حرب الزِّيادي، قال: حدثني أبي قال: قال زيادٌ لجلسائه: من أغبط الناس عيشاً؟ قالوا: الأمير وجلساؤه.فقال :ما صنعتم شيئاً، إنّ لأعواد المنابر هيبة،و إنّ لفرع لجام البريد لفزعة، ولكن أغبط النّاس عندي: رجل له دارٌ لا يجري عليه كراؤها، وله زوجة صالحة، قد رضيته ورضيها فهما راضيان بعيشهما، لا يعرفنا ولا نعرفه، فإنّه إن عرفنا وعرفناه أتعبنا ليله ونهاره، وأفسدنا دينه ودنياه.\rقال عمر: لما فتح الله على رسوله بني النضير وغيرهما، كان يتخذ منها لنفسه وعياله قوت سنة، ثم يجعل الباقي في الكراع والسّلاح في سبيل الله.\rوقال سليمان: إذا أحرزت النفس قوتها اطمأنت.\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" إذا تمنّى أحدكم فليكثر، فإنّما يسأل ربّه \" .","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"وليس في هذا معارضة لقول الله: \" ولا تتمنّوا ما فضّل الله به بعضكم على بعضٍ \" لأن معنى هذا عند العلماء أن يتمنى الرجل مال أخيه وامرأة أخيه، ليصرفه الله عنه إليه فذلك التمني المكروه.\rقال محمد بن سيرين: نهيتم عن الأمانيّ، ودللتم على ما هو خير منها لكم، سلوا الله من فضله.\rوقد ذكرنا في كتاب \" التمهيد \" معنى قوله عليه والسلام: \" لا يتمنينّ أحدكم الموت لضرٍّ نزل به \" ، عند قوله عليه السلام: \" لا تقوم الساعة حتى يمرّ الرجل بقبر أخيه فيقول: يا ليتني مكانه \" . قال المنصور لإسحاق بن مسلم العقيلي: ما بقي من لذاتك؟ قال جليس يقصر به طول ليلي، وزائر أشتهي من أجله طول السهر.\rوقال غيره: زائر أشتهي به طول السهر ودابة أشتهي من أجلها طول السفر.\rقال مسلمة بن عبد الملك: العيش في ثلاثٍ: سعة المنزل، وموافقة المرأة، وكثرة الخدم.\rقال عباية الجعفيّ: ما يسرُّني بنصيبي من التمني حمر النَّعم.\rقال عبد الرحمن بن أم الحكم: لذة العيش في زحف الأحرار إلى طعامك، وبذل الأشراف وجوههم إليك فيما تجد السبيل إليه، وقول المنادي: الصلاة أيها الأمير.\rقال قتيبة بن مسلم لوكيع بن أبي سود: ما السرور؟ قال: لواءٌ منشور،و جلوسٌ على السّرير، والسّلام عليك أيّها الأمير.\rقيل لأمّ البنين: ما أحسن شيءٍ رأيت؟ قالت: نعم الله مقبلةً عليّ.\rسأل قتيبة رجلاً: ما السّرور؟ قال: الولد الصالح والمال الواسع.\rقال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - : لذّة العيش ظفرك بمن تحبّ بعد امتناع، ولذة لا توجب عليك إثماً، وحقٌ وافق هوىً.\rقيل لأبي حازم: ما اللّذة؟ قال: الموافقة، ولا أنيس كالصاحب المواتي.\rوروى الرِّياشي عن الأصمعي قال: قال شبيب بن شيبة: عيش الدنيا في ثلاث: محادثة الإخوان، ومباشرة النسوان، وشم الصبيان.\rقال بعض الحكماء: كثرة الالتفات سخف، ومجالسة الحمقى تورث النّوك، وكثرة المنى تخلق العقل، وتفسد الدين، وتنفي القناعة.\rقال أبو العتاهية: ؟لله أصدق والآمال كاذبةٌ وجلّ هذي المنى في القلب وسواس ذكر عمرو بن بحر عن الأصمعي قال: قال بعضهم: الاحتلام أطيب من الغشيان، وتمنِّيك الشيء أوفر حظاً للّذة من قدرتك عليه.\rقال عمرو بن بحر: كأنه ذهب إلى أن المال إذا ملك وجبت فيه حقوق، وخاف مالكه عليه الزوال، واحتاج إلى الحفظ، وكل من عظمت عليه نعمة الله عظمت مؤونة الناس عليه.\rذكر المدائني قال: قيل لامرئ القيس: ما أطيب عيش الدّنيا؟ فقال :بيضاء رعبوبة، بالطّيب مشبوبة، باللحم مكروبة.\rوسئل الأعشى: أيّ العيش ألّذ؟ فقال: صهباء صافية، تمزجها ساقية، من صوب غادية.\rوسئل طرفة، فقال: مطعمٌ شهيّ، وملبس زهيّ ومركب وطيّ.\rوقال غيره:\rأطيب الطَّيِّبات قتل الأعادي ... واختيالٌ على متون الجياد\rوأيادٍ حبوتهنَّ كريماً ... إنّ عند الكريم تزكوا الأيادي\rلبعض الحكماء: أسوأ الناس حالاً من اتسعت أمنيَّته وضاقت مقدرته، وبعدت همّته.\rقيل لعبد الرحمن بن أبي بكرة: أيّ الأمور أمتع؟ فقال: ممازحة حبيب، ومحادثة خدين، وأمانٍ تقطع بها أيامك. وفي رواية أخرى عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، أنه قيل له: أيُّ شيءٍ أكثر إمتاعاً؟ قال: المنى.\rقال بعض الأعراب، ويروي لأبي بكر العرزمي: ؟منى إن تكن حقاً تكن أحسن المنى وإلاَّ فقد عشنا بها زمناً رغدا\rأمانيّ من سلمى عذابٌ كأنَّما ... سقتك بها سلمى على ظمإٍ بردا\rاجتمع عبد الله وعروة ومصعب بنو الزبير بن العوام، عند الكعبة، فقال عبد الله:أحب ألا أموت حتى تجيء إليّ الأموال وأكون خليفة.\rوقال مصعب: أحب أن أليَ العراقين - يعني الكوفة والبصرة - وأزوّج سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة.\rوقال عروة: لكني أسأل الله الجنة. فصار عبد الله ومصعب إلى ما تمنيا، ويرون أن عروة صار إلى الجنة.\rكان المتمني بالكوفة إذا تمنى يقول: أتمنى أن يكون لي فقه أبي حنيفة، وحفظ سفيان، وورع مسعر بن كدام، وجواب شريك.\rقال الأصمعيّ: قال لي بن أبي الزناد :المنى والحلم أخوان.\rقال مالك بن أسماء: ؟؟ولمَّا نزلنا منزلاً طلَّه النّدى أنيقاً وبستاناً من النَّور حاليا\rأجدَّ لنا طيب المكان وحسنه ... منىً فتمنَّينا فكنت الأمانيا\rقال سلم الخاسر:","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"لولا منى العاشقين ماتوا ... أسىً وبعض المنى غرور\rمن راقب الناس مات غمّاً ... وفاز باللَّذة الجسور\rوقال منصور الفقيه:\rلوأنَّ ليتاً نفعت ... مع ترك ما ينفعني\rما كان لي قولٌ سوى ... يا ليتني لم أكن\rوقال آخر:\rذهب البرد وآبا ... فاستوى العيش وطابا\rوقال آخر:\rولي من تمنِّي النَّفس دنيا عريضةٌ ... ومصطبحٌ يغدو عليَّ ويطرق\rتملِّكني الأموال لا فقر بعدها ... وعرساً غيوراً فاحشاً وتطَّلق\rفقدت المنى لا نحن نلهو عن المنى ... لتجربةٍ منَّا ولا هي تصدق\rوقال آخر:\rوأكثر أفعال الليالي إساءةٌ ... وأكثر ما تلقى الأماني كواذبا\rوأنشد نفطويه: ؟ الدهر يصدقنا وتكذبنا المنى بعداتها وتغرُّنا الآمال\rوإذا المنيَّة أقبلت لم تثنها ... خيلٌ مطهّمةٌ ولا أموال\rوقال آخر:\rإنّ القناعة والعفا ... ف ليغنيان عن الغنى\rفإذا صبرت على المنى ... فاشكر فقد نلت المنى\rوقال عبد الملك بن حبيب:\rصلاح أمري والَّذي أبتغي ... هينٌ على الرَّحمن في قدرته\rألفٌ من البيض وأقلل بها ... لعالمٍ أزرى على بغيته\rزرياب قد يأخذها جملةً ... وصنعتي أشرف من صنعته\rقال آخر: ؟مسيئات أيّام الزَّمان كثيرةٌ ومحسنة الأيام في الدَّهر أعلام\rوعيشك فيما تستخصّ وتصطفي ... قصيرٌ وإن طالت ليالٍ وأيّام\rفصل بسرور النَّفس عيشك إنَّه ... مضى مثل ما مرّت بعينك أحلام\rقال بشار بن برد:؟\rذكرنا أحاديث الزَّمان الَّذي مضى ... فلذَّ لنا محمودها وذميمها\rوقال آخر: ؟\rمن راقب الموت لم تكثر أمانيه ... ولم يكن طالباً ما ليس يعنيه\rقيل لرقبة بن مصقلة: أنت بعيد الدار من المسجد، وتنصرف بلا مؤنس؟ قال: إني حين أخرج من المسجد أبتدئ أمنية فما تنقضي حتى أدخل المنزل.\rقال لبيد بن أبي ربيعة:\r؟واكذب الَّنفس إذا حدَّثتها ... إنّ صدق النَّفس يزري بالأمل\rوقال آخر:\rربّ من بات يمنِّي نفسه ... حال من دون مناه أجله\rقال يزيد على المنبر: ثلاث يخلقن العقل، وفيها دليلٌ على الضعف: سرعة الجواب، وطول المنى، والاستغراق في الضحك.\rوقال الأحنف بن قيس: كثرة الأماني من غرور الشيطان.\rقال حبيب:\rمن كان مرتع عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا\rوقال آخر:\rإذا تمنيت بت الليل مغتبطاً ... إن المنى رأس أموال المفاليس\rوقال آخر: ؟إذا حدَّثتك النَّفس أنك قادرٌ على ما حوت أيدي الرِّجال فكذّب\rفإن أنت لم تفعل ومال بك الهوى ... إلى بعض ما منّتك يوماً فجرِّب\rقال أبو العتاهية:\rإنما الفقر فضول التَّمنِّي ... فانسها واستوهب الله ذكرا\rقيل لسليمان بن عبد الملك: ما اللّذة؟ قال:جليس ممتع أضع بيني وبينه التّحفُّظ.\rقال الحجاج بن يوسف لخريم - وهو خريم بن خليفة بن سنان بن أبي حارثة المرّي - ما العيش؟ قال: الأمن، فإني رأيت الخائف لا ينتفع بعيش. قال: زدني قال: والشّباب، فإني رأيت الشّيخ لا ينتفع بعيش. قال: زدني. قال: والصّحة، فإني رأيت السّقيم لا ينتفع بعيشٍ. قال زدني. قال: لا أجد مزيداً.\rقال أعرابيّ:\rوما العيش إلاّ في الخمول مع المنى ... وعافيةٍ تغدو بها وتروح\rوقال آخر:\rإنّ الفتى يصبح للأسقام ... كالغرض المنصوب للسِّهام\rأخطأ رامٍ وأصاب رام ... يقول: إنِّي مدركٌ أمامي\rفي قابل ما فاتني في العام\rقيل لرجل من الحكماء: من أنعم الناس عيشاً؟ قال: من كفى همَّ الدنيا، ولم يهتم بالآخرة.\rقال الشاعر:\rلا تمنّ المنى فتغترّ جهلاً ... طالما اغترَّ بالمنى الجهلاء\rقال آخر:؟\rليت شعري وأين منَّي ليت ... إنّ ليتاً وإنَّ لواً عناء\rباب اختلاف الهمم في أنواع المال","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: \" خير المال عينٌ ساهرةٌ لعين نائمة \" .\rوروي عنه عليه السّلام أنه كان يأمر الأغنياء باتّخاذ الغنم، ويأمر المساكين باتّخاذ الدَّجاج. قال مالك بن أنس - رحمه الله - : لما خرج مروان من المدينة مرّ بماله بذي خشب، فلما نظر إليه قال: ليس المال إلا ما أسرجت عليه المناطق.\rقيل لابنة الخس:ما تقولين في مائة من المعز؟ قالت:قنىً. قيل: فمائة من الضأن؟ قالت:غنىً قيل فمائة من الإبل؟ قالت: منىً.\rوأما قول امرئ القيس: ؟لنا غنمٌ نسوِّقها غزارٌ كأنّ قرون جلَّتها العصيُّ فإنه أراد أنها كانت معزى، لوصفه قرونها بالعصي، وأما قوله:\rفتملأ بيتنا إقطاً وسمناً ... وحسبك من غنىً شبعٌ وريُّ\rفإنه زعم بعضهم أن، الإقط لا يكون إلا من لبن البقر، وقالوا: المعزى أكثر لبنا، وأكثر سمناً وزبداً.\rقال المستورد: الذَّهب والورق حجران، إن تركتهما لم يزيدا، وإن أخذت منهما نفدا، والحيوان كالبقل إن أصابته الشمس ذوى، ولكن المال الأرض والماء.\rقال ابن شهاب الزهريّ - رحمه الله - يخاطب أخاه عبد الله:\rتتبّع خبايا الأرض وادع مليكها ... لعلّك يوماً أن تجاب فترزقا\rوروى النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: \" تسعة أعشار الرزق في التجارة، والعشر في السَّابياء \" .\rلما بلغ عمر بن الخطاب أن من نزل بالكوفة من الصحابة اتخذوا الضياع وعمروا الأرضين، كتب إليهم: لا تنهكوا وجه الأرض فإن شحمها في وجهها.\rولمابلغه أن عتبة بن غزوان وأصحابه بنوا باللَّبن كتب إليهم: وقد كنت أكره لكم ذلك، فإذا فعلتم فعرّضوا الحيطان، وأرفعوا السُّمك، وقاربوا بين الخشب.\rباع رجل رجلاً أرضاً، فقال البائع: أما والله لقد أخذتها شديدة المؤونة قليلة المعونة - يعني الأرض - . فقال المبتاع: والله لقد أخذتها بطيئة الاجتماع سريعة التفرق - يعني الدراهم.\rقالوا إذا بعد المال عن موضع ربّه قلت فوائده.\rقال الشاعر:\rسأبغيك مالاً بالمدينة إنَّني ... أرى عازب الأموال قلت فوائده\rأوصى سهل بن حينف، أحد بني عبد الرحمن بن عوف، وكانت أمُّه أنصارية فقال له: إنك احبّ إخوتك إليّ، وإني موصيك بوصية: اعلم أنه لا عيلة على مصلح، ولا مال مع الخرق، واعلم أن خير المال العقل، وخير المال ما أطعمك ولم تطعمه وإن قلّ، واعلم أن الرقيق ليسوا بمال، ولكنهم جمال، واعلم أن الماشية إنما هي مال أهلها، وإن كنت متخذاً من المال شيئاً فمزرعة إن زرعتها انتفعت بها، وإلا لم ترزءك شيئاً. قال: فحفظت نصيحته، فكانت لي أنفع مما ورثت.\rذكر النخل والزّرع عند بعض الأشراف العقلاء فقال: شرينا النخل من فضول غلات الزرع، ولم نشتر الزرع من فضول غلات النخل.\rقال الّليث بن سعد: لماا فتتحت إفريقية عجب الناس من كثرة ما أصابوا فيها من الأموال، فسألوا بعض من كان معهم من الأسرى، فبدر إلى شجرة زيتون كانت بين يديه، فأخذ منها عوداً وأراهم إياه، وقال: من هذا جمعنا هذه الأموال نصيب الزيتون فيأتينا أهل البحر والبر، والصحراء والرمل، يبتاعون منا الزيتون، فمن ثمَّ كثرت أموالنا.\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعمرو بن العاص: \" هل لك يا عمرو أن أبعثك في جيشٍ يسلّمك الله ويغنمك وأرغب لك رغبة صالحة \" .\rوروي عن النبي صلى الله عليه وسلّم من حديث المقداد بن معدي كرب، وهو حديث صحيح، أنه قال صلّى الله عليه وسلّم: \" ما أكل ابن آدم طعاماً خيراً له من أن يأكل من عمل يده، وكان داود عليه السلام يأكل من عمل يده \" .\rوكان داود عليه السلام يعمل القفاف الخوص، وقيل كان نوح نجاراً، وكان زكريا نجاراً صلى الله عليهما وسلَّم.\rوأجمع العلماء أنّ أشرف الكسب: الغنائم، وما أوجف الله عليه بالخيل والرِّكاب، إذا سلم من الغلول. وقد سمّى الله الجهاد تجارة منجية من عذابٍ أليم.\rقال بعض لصوص همدان:\rومن يطلب المال الممنّع بالقنا ... يعيش مثرياً أو تخترمه المخارم\rمتى تجمع القلب الذكيّ وصارماً ... وأنفاً حميّاً تجتنبك المظالم\rوكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم\rباب التجارة\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أفضل الكسب عمل اليد، وكلّ بيع مبرور \" .","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"وعنه عليه السلام أنه قال: \" أفضل الكسب كسب الصَّانع إذا صحّح \" .\rوقال عليه السلام: \" التجار هم الفجّار إلا من برّ وصدق \" .\rوقال عليه السلام: \" التاجر الأمين الصدوق مع الشّهداء يوم القيامة \" .\rوقال صلى الله عليه وسلم: \" يا معشر التجار؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!؟؟ ؟؟؟؟إن بيعكم هذا يشوبه الحلف، فشوبوه بالصّدقة \" . وقال صلى الله عليه وسلّم: \" الجالب مرزوقٌ والمحتكر ملعون \" .\rأو قال \" ..مذموم \" .\rوقال صلّى الله عليه وسلّم: \" تسعة أعشار الرّزق في التجارة، والعشر في السَّابياء \" .\rوقال عليه السّلام: \" الّلهم بارك لأمّتي في بكورها \" .\rوروي عنه عليه السّلام أنه قال: \" من أشراط السّاعة، أن يرفع العلم، ويقبض المال ، ويظهر القلم، وتكثر التجار \" .\rوقال صلّى الله عليه وسلّم: \" من استقالة أخوه المسلم في بيع باعه منه، فأقاله أقالّه الله من عثرته يوم القيامة \" .\rوقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :فرّقوا بين المنايا، واجعلوا الرَّأس رأسين.\rوقال عمر: بع الحيوان أحسن ما يكون في عينك.\rوقال ابن شهاب:مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعرابيّ وهو يبيع مسوّمة فقال: \" عليك بأول سومة، أو بأول سوم، فإن الرّبح مع السَّماح \" .\rقيل للزبير رحمه الله: بم بلغت هذا المال؟ قال: إني لم أرد ربحاً، ولم أشتر عيباً.\rكان يقال: الأسواق موائد الله في الأرض ، فمن أتاها أصاب منها.\rقال خالد بن صفوان: في التِّجار لؤم الطبائع، وعيّ اللّسان، وموت القلب، وسوء الأدب، وقصر الهمة، والاشتمال على كل بليّة.\rاشترى أعرابيٌ جملاً فندم عليه في شرائه، فجعل يصعِّد النظر فيه،ويصوبه ليجد ما يتوصّل به إلى ردّه فقال البائع: من طلب عيباً وجده.\rيقال: الغبن في شيئين، في الرَّداءة أو الغلاء، فإذا استجدت فقد سلمت من أحدهما.\rقال الراجز:\rما أرخص الغالي إذا كان حسن\rوقال محمود الورَّاق:\rوإذا غلا شيءٌ عليّ تركته ... فيكون أرخص ما يكون إذا غلا\rقال معاوية - رحمه الله - لقوم: ما تجارتكم؟قالوا: بيع الرقيق قال: بئس التجارة ضمان نفس، ومئونة ضرس.\rقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إذا اشتريت بعيراً فاشتره ضخماً، فإن لم توافق كرماً، وافقت لحماً.\rودخل مالك بن دينار السوق فجلس إلى قومٍ يحدثهم، فقال: كيف سوقكم؟ قالوا: كاسدة. قال:غششتم. قال: وكيف متاعكم؟ قالوا:رديء قال: كذبتم. قال:وكيف كثرته؟ قالوا:قليل. قال:حلفتم.\rكان عبد الله بن مسعود يقول: عجباً للتاجر كيف يسلم إن باع مدح، وإن اشترى ذمّ.\rقال سعيد بن المسيّب: إذا أبغض الله عبداً جعل رزقه في الصِّياح.يعني - والله أعلم - من لا صناعة له إلاّ النداء لغير صلاة محترساً بالليل وبراحاً بالنهار. ونحو هذا عن الفضيل بن عياض، وزاد كالملاحين ودونهم، ومنهم الذين يصيحون على أسوار المدن بالليل.\rقال ابن عباس: من اشترى ما لا يحتاج إليه يوشك أن يبيع ما يحتاج إليه.\rقال المغيرة بن حبناء:\rوما كلُّ حينٍ يصدق المرء ظنُّه ... ولا كلُّ أصحاب التِّجارة يربح\rولابن شهاب الزُّهري:\rألا كلُّ من يهدي له البيع يرزق ... وقد يصلح المال اليسير الموفَّق\rولمنصور الفقيه:\rبنيَّتي لا تجزعي واصبري ... عساك بصبرك أن تظفري\rفلو نال يوماً أبوك الغنى ... كساك الدَّبيقيَّ والتُّستري\rولكن أبوك ابتلي بالعلوم ... فما إن يبيع ولا يشتري\rبابَّ الرِّزق\rقال الله عزَّ وجل: \" نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدُّنيا \" الآية.\rوقال: \" والله فضَّل بعضكم على بعضٍ في الرِّزق \" .\rسمع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أمَّ حبيبة تقول: الَّلهم متِّعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال لها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: \" دعوت الله لآجالٍ معلومةٍ وأرزاقٍ مقسومة \" .\rوقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم: \" أبى الله أن يجعل أرزاق عباده المؤمنين إلا من حيث لا يحتسبون \" .\rوقال عليه السلام: \" استنزلوا الرِّزق بالصدقة \" .\rوقال عليه السلام: \" ولا يحملنَّكم استبطاء الرِّزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا ينال ما عنده بما يكره، اتَّقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حلّ، ودعوا ما حرم \" .","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"وقال عليه السلام لعبد الله بن مسعود: \" لا تكثر همَّك يا عبد الله، ما يقدَّر يكن، وما ترزق يأتك \" .\rقال الشاعر:\rفإنَّك ما يقدر لك الله تلقه ... كفاحاً وتجلبه عليك الجوالب\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن روح القدس نفث في روعي، أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب \" .\rأنشد ابن أبي الدنيا:\rومن ظنّ أنَّ الرِّزق يأتي بحيلةٍ ... فقد كذَّبته نفسه وهو آثم\rيفوت الغنى من لا ينام عن السُّرى ... وآخر يأتي رزقه وهو نائم\rفما الفقر في ضعف احتيالٍ ولا الغنى ... بكدٍّ وللأرزاق في النَّاس قاسم\rسأصبر إن دهرٌ أناخ بكلكلٍ ... وأرضى بحكم الله ما الله حاكم\rلقد عشت في ضيقٍ من الدَّهر مدَّةً ... وفي سعةٍ والعرض منِّي سالم\rوقال جعفر بن محمَّد: إني لأملق فأتاجر الله بالصدقة فأربح.\rوقال عروة بن الزبير: العاقل من إذا رزق ما لا نظر فيه، فإنه لا يدري لعله يكون آخر رزقه.\rومما يروي لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وفيه نظر:\rلو كان صخرةٍ في البحر راسيةٍ ... صمَّاء ملمومةٍ ملسٍ نواحيها\rرزقٌ لعبدٍ يراه الله لانفلقت ... حتَّى يؤدَّي إليه كلُّ ما فيها\rأو كان تحت طباق السَّبع مطلبها ... لسهَّل الله في المرقى مراقيها\rحتَّى تؤدَّي الَّذي في الَّلوح خطّ له ... إن هي أتته وإلاَّ سوف يأتيها\rوأنشد ابن الأعرابي:\rالحمد لله ليس الرِّزق بالطَّلب ... ولا العطايا لذي عقلٍ ولا أدب\rإن قدّر الله شيئاً أنت طالبه ... يوماً وجدت إليه أقرب السبب\rوإن أبى الله ما تهوى فلا طلبٌ ... يجدي عليك ولو حاولت من كثب\rوقد أقول لنفسي وهي ضيِّقةٌ ... وقد أناخ عليها الدَّهر بالعجب\rصبراً على ضيقة الأيَّام إنّ لها ... فتحاً وما الصَّبر إلاّ عند ذي الأدب\rسيفتح الله أبواب العطاء بما ... فيه لنفسك راحاتٌ من التّعب\rولو يكون كلامي حين أنشره ... من الُّلجين لكان الصَّمت من ذهب\rوقيل لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: كيف يحاسب الله العباد على كثرتهم؟ قال:كما قسَّم بينهم أرزاقهم.\rولسريج بن يونس المحدث:\rيا طالب الرِّزق في الآفاق مجتهداً ... أتعبت نفسك حتَّى شفَّك التَّعب\rتسعى لرزق كفاك الله مؤنته ... أقصر فرزقك لا يأتي به الطَّلب\rكم من سخيفٍ ضعيف العقل نعرفه ... له الولاية والأرزاق والذَّهب\rومن حصيفٍ له عقلٌ ومعرفةٌ ... بادي الخصاصة لم يعرف له نشب\rفاسترزق الله مما في خزائنه ... فالله يرزق لا عقلٌ ولا حسب\rوقال آخر:\rكم من قويٍّ قويٍ في تقلُّبه ... مهذّب الرأي عنه الرِّزق منحرف\rوكم ضعيفٍ ضعيف الرأي تبصره ... كأنه من خليج البحر يغترف\rأنشد أبو حاتم عن الأصمعي:\rيا أيُّها المضمر همَّاً لا تهمّ ... إنك إن تقدر لك الحمَّى تحم\rولو علوت شاهقاً من العلم ... كيف توقّيك وقد جفّ القلم\rقالوا: المقادير تبطل التقدير،وتنقض التدبير.\rقال الشاعر:\rإذا عقد القضاء عليك عقداً ... فليس يحلُّه إلا القضاء\rوقال ابن المعتز:\rيا مكلَّ العيس في ديمومةٍ ... يتبع الآمال كالباغي المضلّ\rإنَّ مفتاح الذي تطلبه ... بيد المقدار فاصبر واتكل\rفرغ الله من الرزق ومن ... مدَّة العمر ومن وقت الأجل\rوقال أبو العتاهية:\rوفدت إلى الله في وفده ... لألتمس الرِّزق من عنده\rإذا ما قضى الله أمراً مضى ... ولم يقو حيٌّ على ردِّه\rقال المفضَّل الضَّبِّي: قيل لأعرابيّ من أين معاشكم؟ قال: من أزواد الحاجّ. قلت: فإذا صدروا فبكى، ثم قال: لو كنا نعيش من حيث نعلم لم نعش.ثم قال: أتفهم؟ قلت:نعم،فقال:","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"هل الدَّهر إلاَّ ضيقةٌ فتفرَّج ... وإلا َجديدٌ ناضرٌ ثم ينهج\rأرى النَّاس في الدُّنيا كسفرٍ تتابعوا ... على منهج ثم استقلُّوا فأدلجوا\rفقال البربري:\rيا أيُّها الظَّاعن في حظِّه ... إنَّما الظاعن مثل المقيم\rكم من لبيبٍ عاقلٍ قلَّبٍ ... مصحَّح الجسم مقلٌ عديم\rومن جهولٍ مكثرٌ ماله ... ذلك تقدير العزيز العليم\rحظك يأتيك وإن لم ترم ... ما ضرّ من يرزق ألاَّ يريم\rكان يقال: بكّروا في طلب الرزق، فإن النَّجاح في التبكير.\rقال أبو هريرة:إذا سأل أحدكم الله الرزق فلينظر كيف يسأل، فإن الله يرزق الحلال والحرام، ولكن ليقل الّلهم ارزقني ما ينفعني ولا يضرني.\rقالوا: الرزق رزقان رزق لا يأتيك إلا بالتسبّب ورزق يأتيك به الله من حيث لا تحتسب. وقلت أنا الرزق رزقان.فرزق تطلبه، ورزق يأتيك عفواً.\rقال عروة بن أذينة أو بكر بن أذينة، وهو الصحيح:\rإنِّي لأعلم والأقدار نافذةٌ ... أنّ الذي هو رزقي سوف يأتيني\rأسعى إليه فيعييني تطلُّبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنِّيني\rوقال آخر:\rتوكَّل على الرَّحمن في كلِّ حاجةٍ ... ولا تؤثرنّ العجز يوماً على الطّلب\rألم تر أن الله قال لمريم ... إليك فهزِّي الجذع يسَّاقط الرُّطب\rولو شاء أن تجنيه من غير هزِّها ... جنته ولكن كلُّ شيءٍ له سبب\rوقال آخر:\rما يغلق الله باب الرِّزق عن أحدٍ ... إلاَّ سيفتح دون الباب أبوابا\rوقال بكر بن حماد:\rالنَّاس حرصى على الدُّنيا وقد فسدت ... فصفوها لك ممزوج بتكدير\rفمن مكبٍ عليها لا تساعده ... وعاجزٍ نال دنياه بتقصير\rلم يدركوها بعقلٍ عندما قسمت ... وإنما أدركوها بالمقادير\rلو كان عن قدرةٍ أو عن مغالبةٍ ... طار البزاة بأرزاق العصافير\rوقال آخر:\rقد يرزق المرء لم تتعب رواحله ... ويحرم الرِّزق من لم يؤت من تعب\rوإنني واجدٌ في النَّاس واحدةً ... الرِّزق أروغ شيءٍ عن ذوي الأدب\rولعلي بن هشام:\rالمرء يسعى ويسعى الرِّزق يطلبه ... وربّما اختلفا في السَّعي والطلب\rحتَّى إذا قدَّر الرَّحمن جمعهما ... للإتّفاق أتاك الرزق عن كثب\rوقال آخر:\rيخيب الفتى من حيث يرزق غيره ... ويعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه\rقال بعض الحكماء: الحلال يقطر قطراً والحرام يسيل سيلا.\rقال الغزال:\rطالب الرِّزق الحلال لا يقر ... نهاره وليله على سفر\rفي الحرِّ والبرد وأوقات المطر ... وماله في ذاك نزرٌ محتقر\rإنّ الحلال وحده لا يختمر ... أين ترى مالاً حلالاً قد ثمر\rما إن رأينا صافياً منه كثر\rقال الناشئ:\rإذا المرء أحمى نفسه كلّ شهوةٍ ... لصحَّة أيّامٍ تبيد وتنفد\rفما باله لا يحتمي عن حرامها ... لصحّة ما يبقى له ويخلَّد\rوقال آخر:\rإنَّ الحرام غزيرةٌ حلباته ... ووجدت حالبة الحلال نزورا\rقال أكثم بن صيفي: من فاته الرزق فبالعاقبة ظفر.\rقال منصور الفقيه:\rأرزاقنا مقسومةٌ وهكذا آجالنا ... فما تحول بيننا وبينها أحوالنا\rوله أيضا:\rما ضيّع الله خلقاً ... فأتَّقي أن أضيعا\rالله يرزق من لا ... يطيعه والمطيعا\rفاجعل سكوتك لله ... ونجواك جميعا\rوكلُّ بؤسي ونعمي ... سيفنيان سريعا\rوقال آخر:\rيا ربَّما جاءني مالا أؤمِّله ... وربَّما خاب مأمولٌ ومنتظر\rلو زاد في الرزق حرصٌ أو مطالبةٌ ... ما كان من قد يطيل الكدّ يفتقر\rولأبي يعقوب إسحاق بن حسَّان الخريمي:\rأقلِّى عليّ الَّلوم يا أمَّ مالكٍ ... فلم يؤت من حرصٍ على المال طالبه","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"فوالله ما قصَّرت في وجه مطلبٍ ... أرى أن فيه مطلباً فأطالبه\rولكن لهذا الرزق وقتٌ موقَّتٌ ... يقسّمه بين البريَّة واهبه\rوأسهرني طول التَّفكر إنَّني ... عجبت لأمرٍ ما تقضَّى عجائبه\rأرى فاجراً يدعى جليداً لظلمه ... ولو كلِّف التَّقوى لكلَّت مضاربه\rوعّفاً يسمَّى عاجزاً لعفافه ... ولولا التُّقى ما أعجزته مذاهبه\rوأحمق مصنوعاً له في أموره ... يسوِّده إخوانه وأقاربه\rعلى غير حزمٍ في الأمور ولا تقىً ... ولا نائلٍ جزلٍ تعدّ مواهبه\rفليس لعجز المرء أخطأه الغنى ... ولا باحتيال أدرك المال كاسبه\rولكنَّه قبض الإله وبسطه ... فمن ذا يجاريه ومن ذا يغالبه\rأنشدني خلف بن قاسم، قال: أنشدنا محمد بن عبيد الله الصَّيدلانّي، قال: أنشدنا عليّ بن سليمان الأخفش:\rقد يرزق الخافض المقيم وما ... شدّ بعنسٍ رحلاً ولا قتبا\rويحرم الرزق ذو المطية والرَّ ... حل ومن لا يزال مغتربا\rوقال محمود الوراق:\rقيامة من مات في موته ... وإخمال ما شاع من صوته\rترى المرء يجزع من فوت ما ... لعلَّ السَّلامة في فوته\rويفنى ولم تفن آماله ... وإعمال سوف إلى ليته\rوكم أزعج الحرص من راغب ... إلى الصِّين والرِّزق في بيته\rولأبي الأسود الدؤلي أو المرزمي:\rوعجبت للدُّنيا وحرفة أهلها ... والرِّزق فيما بينهم مقسوم\rوالأحمق المرزوق أعجب ما أرى ... من أهلها والعاجز المحزوم\rثم انقضى عجبي لعلمي أنَّه ... رزقٌ موافٍ وقته معلوم\rوقال آخر:\rليس بالعقل يطلب المرء رزقاً ... كم رأينا من أحمقٍ مرزوق\rوأصيل من الرجال نبيلٍ ... سدَّ عنه الحرمان كل طريق\rوقال آخر:\rالرّزق يأتي قدراً على مهل ... والمرء مطبوعٌ على حبّ العجل\rوقال آخر:\rيا راكب الهول والآفات والهلكة ... لا تعجلنَّ فليس الرِّزق بالحركة\rمن غير ربَّك في السَّبع العلى ملكاً ... ومن أدار على أرجائها فلكه\rأما ترى البحر والصَّيَّاد تضربه ... أمواجه ونجوم الَّليل مشتبكة\rيجرّ أذياله والموج يلطمه ... وعقله بين عينه كلكل السَّمكة\rحتَّى إذا راح مسروراً بها فرحاً ... والحوت قد شكّ سفُّود الرَّدى حنكة\rأتى إليك به رزقاً بلا تعبٍ ... فصرت تملك منه مثل ما ملكه\rلطفاً من الله يعطي ذا بحيلته ... هذا يصيد وهذا يأكل السَّمكة\rوقال أبو العتاهية:\rطال همِّي بغير ما يعنيني ... وطلابي فوق الَّذي يكفيني\rولو أني كففت لم أبغ رزقي ... كان رزقي هو الذي يبغيني\rأحمد الله ذا المعارج شكراً ... ما عليها إلاَّ ضعيف اليقين\rوقال آخر:\rلعمرك ما كلُّ التعطُّل ضائرٌ ... ولا كل شغلٍ فيه للمرء منفعه\rإذا كانت الأرزاق في القرب والنَّوى ... عليك سواءٌ فاغتنم لذَّة الدَّعه\rوإن ضقت فاصبر يكشف الله ما ترى ... فياربَّ ضيقٍ في جوانبه سعه\rوقال آخر:\rهوِّن عليك فإن الأمر مقدور ... وكلّ شيءٍ من الأشياء مسطور\rوالرِّزق والخلق والآجال قد قسمت ... وأحكمتها وزمَّتها المقادير\rفليس يقدر مرءٌ صرف واحدةٍ ... منها ولو كثرت منه التَّدابير\rكم من رأيناه ذا مالٍ وذا سعةٍ ... وذا غضارة عيشٍ وهو محبور\rلا يعرف الله جهلاً خاطئاً حمقاً ... لولا غناه لعافته الخنازير\rلم يركب الهول في قفرٍ ولا لججٍ ... ولا تكلَّف أمراً فيه تغيير","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"لكن أتاه الغنى حتَّى أناخ به ... وما تقدَّم منه فيه تفكير\rوآخرٌ رجلٌ ناهيك من رجلٍ ... علاَّمةٌ بأمور النَّاس تحرير\rقد جال في الأرض حتَّى لم يدع أفقاً ... شرقاً وغرباً وما في ذاك تقصر\rوقد تكمَّلت الآداب واجتمعت ... فيه العلوم وما تحوي القماطير\rولم تفته من الأشياء واحدةٌ ... يحظى بها رجلٌ إلاَّ الدَّنانير\rكان يقال:إذا لم يرزق الإنسان ببلدة فليتحوَّل إلى أخرى.\rقال ابن القاسم: سمعت مالكاً :يقول بلغني أنَّ عمر بن الخطاب قال: من كان له رزقٌ في شيء فليلزمه.\rقال وقال مالك: سمعت أهل مكَّة يقولون: ما من أهل بيت فيهم اسم محمَّدٍ إلا رزقوا ورزق خيراً.\rقال العكّي:\rيا ربّ فتيانٍ ذوي غربةٍ ... أبناء أسفارٍ مقلِّينا\rما أدركوا في طول تطوافهم ... خفضاً من العيش ولا لينا\rوسهَّل الله بتوفيقه ... ما أمَّلوه للمقيمينا\rوإذا الأرزاق مقسومةٌ ... يقسمها الله فيعطينا\rولسهل الورَّاق:\rأرى اثنين في الدنيا وشتَّان ما هما ... وما منهما إلاَّ عجيبٌ شؤونه\rأخو حركاتٍ في المكاسب معدمٍ ... على أنَّه فيها قليلٌ سكونه\rوآخر مثرٍ ذو سكونٍ كأنَّما ... على رزقه ذاك السُّكون يعينه\rألا ربَّما يأسى اللبيب لما يرى ... ويكمد حتَّى تستهلّ جفونه\rكريمٌ جفاه دهره فهو ضائعٌ ... ولا ريب إلاَّ أنَّ دهراً يخونه\rووغدٌ لئيم الطَّبع تحوي يمينه ... مكاسب ما خفت بهنَّ يمينه\rفذاك على إقتاره ذو تجمّل ... وذا مقرفٌ جعد البنان ضنينه\rإذا غاص في ذا مفكرٌ طاش عقله ... ولم يدر ما أسبابه وفنونه\rجدودٌ وفيها للمفكر عبرةٌ ... طويلٌ بها وسواسه وشجونه\rولولا اعتصام المرء بالعلم إنه ... نجاةٌ لأهليه لساءت ظنونه\rوما كان ربِّي عزَّ ربَّيبجائرٍولكنَّه علم عجيبٌ يصونه\rشهدت بأن الله عدلٌ قضاؤه ... وإني بدين الموقنين أدنيه\rوقال آخر:\rوقد يحرم الله الفتى وهو عاقلٌ ... ويعطي الفتى مالاً وليس بذي عقل\rوذلك عدلٌ من حكومة ربِّنا ... يجود ويعطي وهو ذو النائل الجزل\rوقال آخر:\rلا تعذلي لم أقصِّر ويك في الطّلب ... أيّ البلاد وأيّ الأرض لم أجب\rهذا وفيّ خلالٌ كلُّها سببٌ ... إلى الغنى غير أن الرِّزق لم يجب\rوالله أحمد في رزقي فما صرفت ... عنِّي المكاسب إلاَّ حرفة الأدب\rوقال الوليد بن عبيد البحتريّ:\rوآيسني علمي بألاّ تقدُّمي ... مفيدي ولا مزرٍ علىَّ تأخُّري\rولو فاتني المقدور مما أرومه ... بسعيٍ لأدركت الذي لم يقدَّر\rباب الحرص والأمل\rالحرص على أكل الشجرة أخرج آدم من الجنة.\rكان يقال: شدة الحرص من سبل المتالف.\rوقال الأحنف : آفة الحرص الحرمان، ولا ينال الحريص إلاّحظّه.\rكان الحسن البصريّ يقول: ما بعد أملٌ إلاّ ملَّ عمل.\rكان يقال: من أطال الأمل أمات العمل.\rقال بعض الحكماء : الإنسان لا ينفكُّ من الأمل، فإن فاته الأمل قوي على المنى.\rقال: والأمل يقع بسبب، وباب المنى مفتوح لمن أراد الدخول فيه.\rمن كلام الحكماء: الرزق مقسوم، والحريص محرومٌ، والحسود مغمومٌ، والبخيل مذموم.\rقال الخليل بن أحمد: ؟الحرص من شرّ أذاة الفتى لا خير في الحرص على حال\rمن بات محتاجاً إلى أهله ... هان على ابن العمِّ والخال\rوقال غيره: الحرص مفسدة، والبخل مبغضة، والعجلة خطأ، والرفق يمن، والبذاء شؤم.\rوقال آخر:\rأيُّها الدَّائب الحريص المعنَّى ... لك رزقٌ وسوف تستوفيه\rفاسأل الله وحده ودع النّا ... س وأسخطهم بما يرضيه","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"لا ينال الحريص شيئاً فيكفي ... ه وإن كان فوق ما يكفيه\rوقال محمود الوراق:\rغنى النَّفس يغنيها إذا كنت قانعاً ... وليس بمغنيك الكثير مع الحرص\rوإن اعتقاد الهمِّ للخير جامعٌ ... وقلَّة همِّ المرء تدعو إلى النغص\rوقال أيضاً:\rلا تحمدنَّ أخا حرصٍ على سعةٍ ... وانظر إليه بعين الماقت القالي\rإنّ الحريص لمشغول بشوقته ... عن السُّرور بما يحوي من المال\rوقال محمود الوراق أيضاً:\rعلام يشقى الحريص في طلب الرِّز ... ق بطول الرَّواح والدَّلج\rيا قارع الباب ربّ مجتهدٍ ... قد أدمن القرع ثم لم يلج\rوربّ مستولجٍ على مهلٍ ... لم يشق من قرعه ولم يهج\rفاطو على الهمِّ كشح مصطبرٍ ... فآخر الهمِّ أول الفرج\rوقال آخر :\rيا أيها النَّاس كان لي أملٌ ... أعجلني عن بلوغه الأجل\rفليتَّق الله ربَّه رجلٌ ... أمكنه في حياته العمل\rكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتمثل:\rوبالغ أمر كان يأمل دونه ... ومختلجٍ من دون ما كان يأمل\rوكان يتمثل أيضا:\rلا يغرَّنك عشاءٌ ساكنٌ ... قد يوافى بالمنيَّات السَّحر\rكان المأمون يعجبه قول أبي العتاهية:\rتعالى الله يا سلم بن عمرٍو ... أذلَّ الحرص أعناق الرِّجال\rأخذه أبو الفتح الملقب بكشاجم فقال:\rبالحرص في الرِّزق يذّل الفتى ... وفي القنوع الشَّرف الشَّامخ\rقال أبو عمر: وشعر أبي العتاهية الذي فيه هذا البيت الذي أعجب المأمون:\rنعى نفسي إليّ من الَّليالي ... تصرُّفهنَّ حالاً بعد حال\rفما لي لست مشغولاً بنفسي ... ومالي لا أخاف الموت مالي\rلقد أيقنت أنِّي غير باقٍ ... ولكنِّي أراني لا أبالي\rتعالى الله يا سلم بن عمرٍو ... أذلّ الحرص أعناق الرِّجال\rهب الدُّنيا تساق إليك عفواً ... أليس مصير ذاك إلى زوال\rفما ترجو بشيءٍ ليس يبقى ... وشيكاً ما تغيِّره الَّليالي\rقال:فلما بلغ سلماً الخاسر قول أبي العتاهية، قال:\rماأقبح التَّزهيد من واعظٍ ... يزهِّد النَّاس ولا يزهد\rلو كان في تزهيده صادقاً ... أصحى وأمسى بيته المسجد\rإن رفض الدنيا فما باله ... يكتنز المال ويسترفد\rيخاف أن تنفد أرزاقه ... والرزق عند الله لا تنفد\rالرزق مقسومٌ على من ترى ... يسعى له الأبيض والأسود\rولأبي العتاهية شعر في عروض شعره هذا وقافيته أوله:\rأتدري أيّ ذلٍّ في السُّؤال ... وفي بذل الوجوه إلى الرِّجال\rشعر حسن جيد في معناه قد ذكرته في باب القناعة من هذا الكتاب.\rقال زياد بن أبي سفيان: اثنان يتعجلان النَّصب ولا يظفران بالبغية: الحريص في حرصه، ومعلِّم البليد ينبو عنه فهمه.\rقال داود الطائي: يا ابن آدم ارتحلك الحرص فأنساك أجلك، ونصب لك أملك ورب حريص محروم، وواجد مذموم.\rقال مسلم بن قتيبة: في إفراط الحرص مذلّة قبل إدراك الطلبة.\rكانوا يقولون: أول دناءة الحرص ، تأميل البخل.\rقال محمود الوراق: ؟أراك يزيدك الإثراء حرصاً على الدُّنيا كأنَّك لا تموت\rفهل لك غايةٌ إن صرت يوماً ... إليها قلت حسبي قد رضيت\rوقال آخر:\rالحرص داءٌ قد أضرَّ ... بمن ترى إلاَّ قليلا\rكم من عزيز قد رأي ... ت الحرص صيَّره ذليلا\rفتجنَّب الشَّهوات واح ... ذر أن تكون لها قتيلا\rفلربّ شهوة ساعةٍ ... قد أورثت حزناً طويلا\rوقال آخر:\rكم إلى كم انت للحر ... ص وللآمال عبد\rليس يجدي الحرص والشُّغ ... ل إذا لم يك جدُّ\rما لما قد قدّر الَّل ... ه من الأمر مردّ\rوقال محمود الوراق:\rلا ينفع الجدّ والتَّشمير والحذر ... خطّ الكتاب فلا ورد ولا صدر","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"تستعجل النَّفس آمالاً لتبلغها ... كأنَّها لا ترى ما يصنع القدر\rوقال آخر:؟؟\rكلُّنا نأمل مداً في الأجل ... والمنايا هنَّ آفات الأمل\rوقال آخر:\rلقد غرَّت الدُّنيا رجالاً فأصبحوا ... بمنزلةٍ ما بعدها متحوَّل\rفساخط أمرٍ لا يبدَّل غيره ... وراضٍ بعيشٍ غيره سيبدَّل\rوبالغ أمرٍ كان يأمل غيره ... ومختلجٍ من دون ما كان يأمل\rوقال محمود الوراق:\rالحرص عونٌ للزّمان على الفتى ... والصَّبر نعم العون للأزمان\rلا تخضعنَّ فإنّ دهرك إن رأى ... منك الخضوع أمدَّه بهوان\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : \" احرص على ما ينفعك ولا تعجز، فإن غلبك أمر فقل: قدر الله وما شاء فعل، وإياك واللّو، فإن الَّلوَّ يفتح عمل الشيطان \" .\rولأبي عبد الله الصُّوري:\rلمَّا رأيت النَّاس قد أصبحوا ... وهمَّة الإنسان ما يجمع\rقنعت بالقوت فنلت المنى ... والفاضل العاقل من يقنع\rولم أنافس في طلاب الغنى ... علماً بأنَّ الحرص لا ينفع\rولبكر بن حمَّاد:\rالناس حرصى على الدُّنيا وقد فسدت ... فصفوها لك ممزوج بتكدير\rفي أبيات ذكرتها في باب \" ذكر الدُّنيا \" من هذا الكتاب.\rباب الطَّمع واليأس\rكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يستعيذ بالله من طمعٍ في غير مطمع، ومن طمعٍ يقود إلى طبع.\rقال عمر بن الخطاب : ما شيء أذهب لعقول الرجال من الطمع.\rوفي حديث آخر أن عمراً وابن الزبير قالا لكعب: ما يذهب العلم من صدور الرجال بعد أن علموه؟ قال: الطمع، وطلب الحاجات إلى الناس.\rوقال كعب: الصَّفا الزَّلاَّل الذي لا تثبت عليه أقدام العلماء : الطمع.\rقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: في اليأس الغنى، وفي الطمع الفقر، وفي العزلة راحة من خلطاء السوء.\rقال عمرو بن عبيد: في المؤمن ثلاث خلال: يسمع الكلمة التي تؤذيه فيضرب عنها صفحاً كأن لم يسمعها، ويحبُّ للناس ما يحبُّ لنفسه، ويقطع أسباب الطمع من الخلق.\rقال أبو العتاهية:\rأطعت مطامعي فاستعبدتني ... ولو أنَّي قنعت لكنت حرّا\rولإسحاق الموصلي: الُّلؤم والذُّلّ والضَّراعة والفا - قة في أصل أذن من طمعا قال ابن المبارك رضي الله عنه: ما الذلُّ إلاّ في الطمع.\rوقال غيره:ويح من غرّه الطمع، وتمادى به الولع.\rوقال أبو العتاهية:\rأذلَّ الحرص والطَّمع الرِّقابا\rوله أيضاً:\rإنّ المطامع ما علمت مذلَّةٌ ... للطّامعين وأين من لا يطمع\rوقال محمود الوراق:\rوما زلت أسمع أنَّ النُّفوس ... مصارعها بين أيدي الطَّمع\rوقال بعض الحكماء: قلوب الجَّهال تستعبد بالأطماع، وتسترقُّ بالمنى، وتنال بالخدائع.\rقال محمد بن أبي حازم:\rجعلت غنيمة الأطماع يأساً ... فآوتني إلى كنفٍ وديع\rفتلك مطَّية الإقبال غفلاً ... بلا رحلٍ يشدُّ ولا نسوع\rوقال آخر:\rاليأس عمَّا بأيدي الناس مكرمةٌ ... والرِّزق يصحب والأرزاق تتَّسع\r؟لا تجزعنَّ على ما فات مطلبه ها قد جزعت فماذا ينفع الجزع\rإنَّ السَّعادة يأسٌ إن ظفرت به ... بعض المراد وإنَّ الشَّقوة الطمع\rأتى رجلٌ إلى خالد بن عبد الله القسريّ، فقال: أتكلم بجرأة اليأس، أم بهيبة الأمل؟ قال بل بهيبة الأمل. فسأله حاجةً فقضاها.\rوقال الهمداني:؟\rفلا الحرص يغنيني ولا اليأس ما نعى ... نصيبي من الشَّيء الَّذي أنا آمله\rوقال محمود الوراق:\rحدَّثت باليأس عنك النَّفس فانصرفت ... واليأس أحمد مرجوٍّ من الطَّمع\rفكن على ثقةٍ أنِّي على ثقةٍ ... ألاَّ أعلِّل نفسي منك بالخدع\rمحوت ذكرك من قلبي ومن أذني ... ومن لساني فصل إن شئت أو فدع\rإنَّ اَّلذي ببلاد الصِّين أقرب لي ... وساء منتجعاً لو رمت منتجعي\rإذا تباعد قلبي عنك منصرفاً ... فليس يدنيك منِّي أن تكون معي\rوقال آخر:","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"ولا تلبث الأطماع من ليس عنده ... من الدِّين شيءٌ أن تميل به النّفس\rكان بشر بن الحارث ينشد هذه الأبيات كثيراً متمثلاً بها:\rالمرء يزرى بلبِّه طمعه ... والدَّهر فاعلم كثيرةٌ خدعه\rوالنَّاس إخوان كلِّ ذي نشبٍ ... قد جاع عبدٌ إليهم ضرعه\rوكلُّ من كان مسلماً ورعاً ... يشغله عن عيوبهم ورعه\rكما المريض السَّقيم يشغله ... عن وجع النَّاس كلِّهم وجعه\rوقال آخر:\rالله أحمد شاكراً ... فبلاؤه حسنٌ جميل\rأصبحت مسروراً معا ... فًى بين أنعمه أجول\rخلواً من الأخزان خفّ ... الظهر يغنبني القليل\rونفيت باليأس المنى ... عنِّي فطاب لي المقيل\rوالنَّاس كلهم لمن ... خفَّت مؤونته خليل\rباب ذمِّ السُّؤال\rوحمد ما جاء عن غير مسألة من النَّوال\rروى ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى عمر بن الخطاب عطاءً، فقال عمر: يا رسول الله أعطه من هو أفقر مني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" خذه فتموله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مستشرف إليه، ولا سائل له فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك \" .\rقال سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحداً ولا يردّ شيئاً أعطيه.\rقال ثوبان: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" لا تسألوا الناس \" قال: فما سألت أحداً شيئاً بعدها، فكان سوطه يسقط من يده، فما يسأل أحداً أن يناوله إياه.\rومن حديث مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أرسل إلى عمر بن الخطاب بعطائه فردّه، فقال له: \" لم رددته \" ؟ فقال: يا رسول الله! أليس أخبرتنا أن خيراً لأحدنا ألاّ يأخذ من أحد شيئاً؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: \" إنما ذلك عن المسألة، فأما ما كان من غير مسألة فإنما هو رزق ساقه الله إليك \" . فقال عمر: والذي نفسي بيده لا أسأل أحداً شيئاً ولا يأتيني شيءٌ من غير مسألة إلا أخذته.\rقال أبو الدَّرداء: إنّ أحدكم يقول: اللهم ارزقني،و قد علم أنَّ الله لا يخلق له ديناراً ولا درهماً،وإنما يرزق بعضكم من بعض، فإذا أعطي أحدكم شيئاً فليقبله، فإن كان غنياً فليضعه في أهل الحاجة من إخوانه، وإن كان إليه فقيراً فليستعن به على حاجته ولا يردّ على الله رزقه الذي رزقه.\rقال عبد الله بن عمر: ما يمنع أحدكم إذا أتاه الله برزق لم يسأله أن يقبله، فإن كان غنياً عاد به على أخيه، وإن كان محتاجاً كان رزقاً قسمه الله له.\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم \" . وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" للسائل خدوشٌ أو كدوحٌ يكدح بها الرّجل وجهه إلاّ أن يسأل ذا سلطان \" .\rوروي عنه عليه السلام، من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال \" إذا دخل السّائل بغير إذنٍ فلا تطعموه \" .\rوقال عليه السلام: \" من كان لا بدّ سائلا فليسأل الصّالحين، أو ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بداً \" .\rوقد أشبعنا هذا الباب وأوضحنا معانيه في كتاب \" التمهيد \" والحمد لله.\rرفع الواقديُّ - رحمه الله - إلى المأمون رقعة، فوقع فيها المأمون: إنك رجلٌ فيك خلّتان:سخاءٌ وحياءٌ، فأما السخاء فهو الذي أطلق ما في يديك، وأما الحياء فهو الذي منعك من أن تطلعنا على ما أنت عليه، وقد أمرنا لك بثلاثة آلاف درهم. فان كنا أصبنا إرادتك فذاك، وإن لم نكن فبجنايتك على نفسك، وأنت حدثتني وأنت على قضاء الرشيد، عن محمد بن إسحاق، عن الزُّهري، عن أنس، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال للزُّبير \" يا زبير! إن مفاتيح الرزق، بإزاء العرش، ينزل الله للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثَّر كثِّر له، ومن قلَّل قلِّل له \" . قال الواقديّ: فقلت له: يا أمير المؤمنين! قد نسيت هذا الحديث،فكان تذكارك إياي له أعجب إليّ من الجائزة.\rقال أبو العتاهية:\rإذا ما المرء صرت إلى سؤاله ... فما تعطيه أكثر من نواله\rومن عرف المحامد جدّ فيها ... وحنَّ إلى المكارم باحتياله","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"ولم يستغل محمدةً بمالٍ ... ولو كانت تحيط بكلِّ ماله\rعيال الله أكرمهم عليه ... أبثُّهم المكارم في عياله\rوللفقيه أبي عمر بن عبد البر رضي الله عنه:\rتعفُّف المرء عن سؤاله ... وكسبه الحلّ باحتياله\rوسعيه في الصلاح عيشٍ ... لمن يواريه من عياله\rمروءةٌ وبالغٌ بها ... من يبلغها منتهى كماله\rومن يصن وجهه يزنه ... صيانة الوجه من جماله\rرضي الفتى بالقضاء عزٌُّ ... وذلَّة الوجه في ابتذاله\rولأبي دلف العجلي:\rبلوت مرارة الأشياء طرّاً ... فما شيءٌ أمرّ من السُّؤال\rولم أر في الخطوب أشدّ هولاً ... وأصعب من معاداة الرِّجال\rوقال أعرابي:\rعلام سؤال النَّاس والرِّزق واسع ... وأنت صحيحٌ لم تخنك الأصابع\rوفي العيش أوطارٌ وفي الأرض مذهبٌ ... عريضٌ وباب الرِّزق في الأرض واسع\rفكن طالباً للرِّزق من رازق الغنى ... وخلِّ سؤال النَّاس فالله صانع\rوحج هارون الرشيد، فأرسل إلى سفيان بن عيينة فأمره أن يحدث بنيه، فقال يا أمير المؤمنين قد سألني الناس فامتنعت عليهم، ولكني أجلس لبنيك وللناس، فقال: نعم. فلما جلس صاح به الناس: سألناك الجلوس لنا فأبيت علينا،فلما جاءك المال والجائزة جلست.فقال للمستملي: أنصتهم لي.فصاح المستملي: صه صه. فسكت الناس، فأخرج سفيان بن عيينة رأسه إليهم،وقال: حدثني الزهري، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ما شيءٌ أحل وأطيب من ثلاثة :صداق الزوجة، والميراث،وما أتاك الله به من غير مسألة، فإنه رزق ساقه الله إليك \" .والله ما جئت هذا الرجل ولا سألته شيئاً من ماله،ولو وجّه إليّ شطر ماله لقبلته،ثم أدخل رأسه ولم يحدثهم في ذلك الموسم بشيء.\rأشخص المنصور سواراً القاضي من البصرة إلى بغداد في شيء أراد أن يشافهه فيه، فمر بواسط، وفيها يحيى بن سعيد الأنصاري يتولى القضاء،فدلَّ عليه، فقال له:ألك حاجة إلى أمير المؤمنين؟ قال: نعم يعفيني من القضاء. فقال سوار للمنصور إذ قدم عليه، وكلمه فيما أراد: يا أمير المؤمنين! الأنصار تعلم ما يجب في حقهم. قال:هيه. قال: يحيى بن سعيد تعفيه من القضاء. قال :قد أعفيته.فلما انحدر سوار مرّ بواسط، فقال ليحيى بن سعيد: قد أعفاك أمير المؤمنين. فقال: لا جزاك الله خيراً عن صبية من الأنصار كانوا يقتاتون هذه الست مائة درهم في كلّ شهر.\rكأنه أراد أن يعرّض ولا يحقّق.\rكان الحسن البصريّ رحمه الله يقول: لا يردّ جوائزهم إلاّ أحمق أو مراءٍ، وقد ذكرنا من رأى قبول جوائز السلطان من أئمة أهل العلم، ومن تورع عن ذلك منهم في كتاب \" التمهيد \" والحمد لله.\rقال مطرِّف بن الشِّخير: إذا كانت لأحدكم إليّ حاجة فليرفعها في رقعة ولا يواجهني بها، فإني أكره أن أرى في وجه أحدكم ذل المسألة.\rوقد روي عن يحيى بن خالد بن برمك مثل ذلك، وتمثل: ؟ مااعتاض باذل وجهه بسؤاله عوضاً ولو نال الغنى بسؤال\rوإذا السُّؤال مع النوال وزنته ... رجح السُّؤال وخفّ كلُّ نوال\rلبعض الكتاب إلى عبد الله بن طاهر:\rولقد علمت وإن نصبت لي المنى ... أنّ الخصاصة لا تداوى بالمنى\rفلئن وفيت لأنهضنَّ بشكركم ... ولئن أبيت لأحملنَّ على القضا\rفأنجز له عبد الله بن طاهر عدته.\rقال الحسن بن عبيد البغدادي:\rصن الوجه الّذي إن لم تصنه ... بقيت وأنت في الدُّنيا ذليل\rوعش حراً ولا يحملك ضرٌ ... على مرعىً له غبٌّ وبيل\rفليس الرّأي إلاَّ الصَّبر حتّى ... يديل اليسر من عسرٍ مديل\rأليس لكلِّ آفلةٍ طلوعٌ ... بلى ولكل طالعةٍ أفول\rوكان أبان بن عثمان رحمه الله يتمثل:\rمالي تلادٌ ولا استطرفت من نشبٍ ... وما أؤمِّل غير الله من أحد\rإني لأكرم وجهي أن أوجِّهه ... عند السُّؤال لغير الواحد الصَّمد\rعزّ القناعة والإيمان يمنعني ... من التَّعرُّض للمنَّانة النَّكد","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"رضيت بالله في يومي وفي غده ... والله أكرم مأمولٍ لبعد غد\rقال أبو العتاهية:\rأتدري أيَّ ذلٍّ في السُّؤال ... وفي بذل الوجوه إلى الرِّجال\rيعزُّ على التَّنزّه من رعاه ... ويستغني العفيف بغير مال\rإذا كان السُّؤال ببذل وجهي ... فلا قرِّبت من ذاك النَّوال\rمعاذ الله من خلقٍ دنيٍّ ... يكون الفضل فيه عليَّ لالي\rوقال أيضاً:\rلو رأى النَّاس نبياً ... سائلاً ما رحموه\rولأبي دلف أو لعبد الله بن طاهر:\rأعجلتنا فأتاك عاجل برِّنا ... قلاً ولو أمهلتنا لم يقلل\rوقال عبد الصمد بن المعذَّل في حين قدوم يحيى بن أكثم البصرة، قالت له امرأته لو أتيته فسألته ،فقال:\rتكلِّفني إذلال نفسي لعزِّها ... وهان عليها أن أهان لتكرما\rتقول: سل المعروف يحيى بن أكثمٍ ... فقلت سليه ربَّ يحيى بن أكثما\rوقال مسلم بن الوليد:\rأقول لمأفون البديهة طائر ... مع الحرص لم يغنم ولم يتموَّل\rسل الناس إنِّي سائل الله وحده ... وصائن عرضي عن فلانٍ وعن فل\rقال حبيب:\rوما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي\rقال محمود الوراق:\rيا أيُّها الطَّالب من مثله ... رزقاً له جرت عن الحكمه\rلا تطلب الرِّزق إلى طالبٍ ... مثلك محتاجٍ إلى الرَّحمه\rوارغب إلى الله الذي لم يزل ... في يده النعمة والنِّقمه\rوقال يونس:\rإنّ الوقوف على الأبواب حرمان ... والعجز أن يرجو الإنسان إنسان\rحتى تأمل مخلوقاً وتقصده ... إن كان عندك بالرحمن إيمان\rعطاؤه لك إن أعطاكه ضعةٌ ... فكيف إن كان بعد المطل حرمان\rثق بالذي هو يعطي ذا ويمنع ذا ... في كلِّ يومٍ له في خلقه شان\rقال محمود الوراق:\rإنَّ السُّؤال فعدَّ عنه قليلهثمنٌ لكلِّ عطيَّةٍ أو مال\rوالحال تقعد بالكريم فما ترى ... فيه لعزِّته تغيُّر حال\rوقال أيضاً:\rشاد الملوك قصورهم وتحصَّنوا ... من كلِّ طالب حاجةٍ أو راغب\rغالوا بأبواب الحديد تمنعاً ... قد بالغوا في قبح وجه الحاجب\rفاطلب إلى ملك الملوك ولا تكن ... بادي الضَّراعة طالباً من طالب\rوقال النمر بن تولب:\rلا تغضبنَّ على امرئٍ في ماله ... وعلى كرائم صلب مالك فاغضب\rوقال عبيد بن الأبرص:\rمن يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب\rوقال النمر بن تولب\rومتى تصبك خصاصةٌ فارج الغنى ... وإلى الَّذي يهب الرَّغائب فارغب\rوقال أبو الأسود الدؤلي:\rوإنَّ أحقَّ النَّاس إن كنت مادحاً ... لمدحك من أعطاك والعرض وافر\rوقال سلم الخاسر:\rوفتى خلا من ماله ... ومن المرؤة غير خال\rأعطاك قبل سؤاله ... وكفاك مكروه السُّؤال\rقال قيس بن عاصم: إياكم والمسألة، فإنها آخر كسب الرجل.\rدخل أعرابيٌّ على داود بن مزيد المهلَّبي، فقال: إني لم أصن وجهي عن مسألتك، فصن وجهك عن ردِّي، وضعني من كرمك بحيث وضعتك من أملي فيك، قال:قد أمرت لك بعشرة آلاف درهم، وهي أكثر من قدرك. قال:والله لئن جاوزت قدري فما بلغت قدرك.\rقال أبو الفرج البيغاء:\rما الذُّلّ إلاَّ تحمّل المنن ... فكن عزيزاً إن شئت أو فهن\rوقال آخر:\rأمن بيت الكلاب طلبت عظماً ... لقد حدَّثت نفسك بالمحال\rوقال آخر:\rلعن الله نائلاً ترتجيه ... من يدي من تريد أن تقتضيه\rأيّ فضلٍ لصاحب الفضل من بع ... د تقاضيه وابتذال الوجوه\rإنما الفضل والسَّماح لمن يع ... طيك عفواً وماء وجهك فيه\rأيُّها الدَّائب الحريص المعنَّى ... لك رزقٌ وسوف تستوفيه\rفسل الله وحده ودع النَّا ... س وأسخطهم بما يرضيه","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"أن ترى معطياً لما منع الل ... ه ولا مانعاً لما يعطيه\rوقال آخر:\rإذا ما كنت متخذاً خليلاً ... فخالل مثل حسان بن سعد\rفتىً لا يرزأ الإخوان شيئاً ... ويرزؤه الخليل بغير كدّ\rوقال آخر:\rولست بسائل الأعراب شيئاً ... حمدت الله إذ لم يأكلوني\rوقال أعرابي:\rإنَّ المسائل للرِّجال مذلَّةٌ ... تفنى منافعها ويخلد عارها\rوقال آخر:\r... ويمسي ليس يملك درهما\rيبيت يراعي النَّجم من سوء حاله ... ويصبح ضاحكاً متبسِّما\rولا يسأل المثرين ما في رحالهم ... ولو مات هزلاً عفَّةً وتكرُّما\rولا يسألن من كان يسأل مرَّةً ... وإن كثرت أمواله وتدرهما\rوقال ربيعة الرَّقِّي:\rولا تسأل الناس ما يملكون ... ولكن سل الله واستكفه\rولا تخضعنَّ إلى سفلةٍ ... وإن كانت الأرض في كفِّه\rفإنَّ الَّلئيم وإن خلته ... كريماً يذودك عن عرفه\rويرجع محصول أخلاقه ... إلى أصله وإلى صنفه\rوكل مقلٍّ وذي ثروةٍ ... فإنّ المنيَّة من خلفه\rوقال محمود الوراق:\rاسأل العرف إن سألت كريماً ... لم يزل يعرف الغنى واليسارا\rفقليل الشَّريف يكسب مجداً ... وكثير الوضيع يكسب عارا\rوإذا لم يكن من الذُّلِّ بدٌّ ... فالق بالذُّلِّ إن لقيت الكبارا\rليس إجلالك الكبير بذلٍّ ... إنَّما الذُّلُّ أن تجلَّ الصِّغارا\rوقال أيضاً:\rيا أيها المتعب بزل الجمال ... وطالب الحاجات من ذي النَّوال\rلا تحسبنّ الموت موت البلى ... فإنَّما الموت سؤال الرِّجال\rكلاهما موتٌ ولكنّ ذا ... أشدُّ من ذاك لذلِّ السُّؤال\rوقال محمود بن الحسن النحاس الوراق:\rبخلت وليس البخل منِّي سجيَّةً ... ولكن رأيت الفقر شرَّ سبيل\rلموت الفتى خيرٌ من البخل للفتى ... وللبخل خيرٌ من سؤال بخيل\rفلا تسألن من كان يسأل مرَّةً ... فللموت خيرٌ من سؤال سؤل\rلعمرك ما شيءٌ لوجهك قيمةٌ ... فلا تلق إنساناً بوجه ذليل\rوقال ابن المعتز:\rيا ربَّ جودٍ جرّ فقر امرئٍ ... فقام للنَّاس مقام الذَّليل\rفاشدد عرى مالك واستبقه ... فالبخل خيرٌ من سؤال البخيل\rوقال أعرابي لص:\rوإنِّي لأستحيى من الله أن أرى ... أطوف بحبلٍ ليس فيه بعير\rوأن أسأل المرء اللَّئيم بعيره ... وبعران ربِّي في البلاد كثير\rوفي التمهيد أبيات في هذا المعنى ذوات عدد حسان لم أذكرها ها هنا.\rباب انتظار الفرج\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" انتظارالفرج بالصبر عبادة \" .\rويروى لأبي محجن الثقفي:\rعسى فرجٌ يأتي به الله إنَّه ... له كلَّ يومٍ في خليقته أمر\rعسى ما ترى ألاَّ يدوم وأن ترى ... له فرجاً ممَّا ألحّ به الدَّهر\rإذا اشتدَّ عسرٌ فارج يسراً فإنَّه ... قضى الله أنَّ العسر يتبعه اليسر\rوقال الأضبط بن قريع:\rلكلِّ ضيقٍ من الأمور سعه ... والمسى والصُّبح لا بقاء معه\rوقال آخر:\rكن عن همومك معرضاً ... وكل الأمور إلى القضا\rوابشر بخيرٍ عاجلٍ ... تنسى به ما قد مضى\rفلربَّ أمرٍ مسخطٍ ... لك في عواقبه الرِّضا\rكان يقال: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو.\rقال الشاعر:\rكن لما لا ترجو من الأمر أرجى ... منك يوماً لما له أنت راج\rإنَّ موسى مضى ليطلب ناراً ... من ضياء رآه والَّليل داج\rفأتى أهله وقد كلَّم الل ... ه وناجاه وهو خير مناج\rوكذا الأمر كلَّما ضاق بالنَّا ... س أتى الله فيه ساعةً بالانفراج\rوقال منصور الفقيه:","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"\" وما عسرٌ لمنتظر الفرج \" وقال بشار:\rخليليّ إنَّ الصَّبر سوف يفيق ... وإنّ يساراً في غدٍ لخليق\rوما خاب بين الله والنَّاس عاملٌ ... له في التُّقى أو في المحامد سوق\rولا ضاق فضل الله عن متعفِّفٍ ... ولكنّ أخلاق الرِّجال تضيق\rوقال آخر:\rروِّح فؤادك بالرِّضا ... ترجع إلى روحٍ رطيب\rلا تيأسنّ وإن ألحّ ... الدَّهر من فرجٍ قريب\rوقال آخر:\rلعمرك ما كلُّ التَّعطل ضائرٌ ... ولا كلُّ مسعىً فيه للمرء منفعه\rإذا كانت الأرزاق في القرب والنَّوى ... عليك سواءً فاغتنم لذَّة الدَّعه\rوإن ضقت فاصبر يفرج الله ما ترى ... ألا ربّ ضيقٍ في عواقبه سعه\rوقال آخر:\rربَّما خير لامرئٍ ... وهو للأمر كاره\rربَّ خيرٍ أتاك من ... حيث تأتي المكاره\rوقال أحمد بن محمود، وقيل إنها لأحمد بن صالح:\rإذا اشتملت على النَّاس الخطوب ... وضاق لما به الصَّدر الرَّحيب\rوأوطنت المكاره واطمأنَّت ... وأرست في أماكنها الخطوب\rولم تر لانفراج الضِّيق وجهاً ... وقد أعيى بحيلته الأريب\rأتاك على قنوطٍ منك غوثٌ ... يمنّ به الَّلطيف المستجيب\rوكلُّ الحادثات إذا تناهت ... فموصولٌ بها الفرج القريب\rومولانا الإله فخير مولى ... له إحسانه ولنا الذُّنوب\rوقال الشاعر:\rلعمرك ما يدري الفتى كيف يتَّقي ... نوائب هذا الدَّهر أم كيف يحذر\rيرى الشَّيء ممَّا يتَّقي فيخافه ... وما لا يرى ممَّا يقي الله أكبر\rوقال منصور الفقيه:\rإذا الحادثات بلغن المدى ... وكادت لهنَّ تذوب المهج\rوحلّ البلاء وقلّ الوفا ... فعند التَّناهي يكون الفرج\rوقال آخر:\rواصبر على الدَّهر إن أصبحت منغمراً ... بالضِّيق في لججٍ تهوى إلى لجج\rفما تجرَّع كأس الصَّبر معتصمٌ ... بالله إلاَّ أتاه الله بالفرج\rلا تيأسن إذا ما ضقت من فرجٍ ... يأتي به الله في الرَّوحات والدُّلج\rوإن تضايق بابٌ عنك مرتتجٌ ... فاطلب لنفسك باباً غير مرتتج\rقال أبو العتاهية في نفيع حاجب موسى الهادي:\rما ترى عند نفيعٍ منفعه ... فسل الرَّحمن رزقاً في دعه\rإن يكن أمسك عنَّا نيله ... فسيغني الله كلاً من سعه\rوقال أبو العتاهية:\rالنَّاس في الدِّين والدُّنيا ذوو درجٍ ... والمال ما بين موقوفٍ ومختلج\rمن صاق عنك فأرض الله واسعةٌ ... في كلّ وجه مضيقٍ وجه منفرج\rقد يدرك الرَّاقد الهادي برقدته ... وقد يخيب أبو الرَّوحات والدُّلج\rخير المذاهب في الحاجات أنجحها ... وأضيق الأمر أدناه من الفرج\rوقال آخر:\rسأصبر للزَّمان وإن رماني ... بأحداثٍ تضيق بها الصُّدور\rوأعلم أنَّ بعد العسر يسراً ... يدور به القضاء المستدير\rومما ينسب إلى الشافعي رضي الله عنه، وقيل إنها لسهل الوراق، والله أعلم:\rسيفتح بابٌ إذا سدّ باب ... نعم وتهون الأمور الصِّعاب\rويتَّسع الحال من بعد ما ... تضيق المذاهب فيها الرِّحاب\rمع الهمّ يسران هوّن عليك ... فلا الهمّ يجدي ولا الإكتئاب\rفكم ضقت ذرعاً بما هبته ... فلم ير من ذاك قدرٌ يهاب\rوكم بردٍ خفته من سحابٍ ... فعوفيت وانجاب عنك السّحاب\rورزقٌ أتاك ولم تأته ... ولا أرّق العين منه الطِّلاب\rوناءٍ عن الأهل ذي غربةٍ ... أتيح له بعد يأسٍ إياب\rوناجٍ من البحر من بعد ما ... علاه من الموج طامٍ عباب\rإذا احتجب النَّاس عن سائلٍ ... فما دون سائل ربِّي حجاب","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"يعود بفضلٍ على من رجاه ... وراجيه في كلِّ حين يجاب\rفلا تأس يوماً على فائتٍ ... وعندك منه رضاً واحتساب\rفلا بدّ من كون ما خطّ في ... كتابك تحبى به أو تصاب\rفمن حائلٌ دون ما في الكتاب ... ومن مرسلٌ ما أباه الكتاب\rفي أبيات قد ذكرتها في موضعها من هذا الكتاب.\rوقال محمد بن يسير:\rإنّ الأمور إذا انسدّت مسالكها ... فالصَّبر يفتق منها كلَّ ما ارتتجا\rلا تيأسنَّ وإن طالت مطالبةٌ ... إذا استعنت بصبرٍ أن ترى فرجا\rأخلق بذي الصَّبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا\rوقال محمد بن حازم الباهلي:\rهوِّن عليك فكلّ الأمر ينقطع ... وخلّ عنك عنان الهمّ يندفع\rفكلُّ همٍّ له من بعده فرجٌ ... وكل أمرٍ إذا ما ضاق يتِّسع\rإنَّ البلاء وإن طال الزَّمان به ... فالموت يقطعه أو سوف ينقطع\rوقال آخر:\rرأيت الأمر يبعد بعد قربٍ ... ويدنو الأمر بالقدر المسوق\rفلا تفرح بأمرٍ إن تدانى ... ولا تيأس من الأمر السَّحيق\rوقال ابن المبارك:\rما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدرٌ وأبعدها إذا لم تقدر\rوقال آخر:\rإن يكن يومي تولّى سعده ... وتداعى لي بنحسٍ ونكد\rفلعلّ الله يقضي فرجاً ... في غدٍ من عنده أو بعد غد\rوقال آخر:\rأحسن الظَّنّ بمن قد عوّدك ... حسناً أمس وسوَّى أودك\rإنّ رباً كان يكفيك الَّذي ... كان بالأمس سيكفيك غدك\rقال العبسي:خرجت حاجاً فضاق صدري، فجعلت أقول:\rأرى الموت لمن أمسى ... على الذُّلِّ له أصلح\rفإذا هاتف من ورائي يقول:\rيا أيُّها المرء الَّذي ... يرى الهمّ به برَّح\rإذا ضاق بك الصَّدر ... ففكِّر في ألم نشرح\rوقال آخر:\rرأيت العسر يتبعه يسار ... وقول الله أصدق كلِّ قيل\rفلا تجزع وقد أعسرت يوماً ... فقد أيسرت في دهرٍ طويل\rولا تظنن بربِّك ظنّ سوءٍ ... فإنّ الله يأتي بالجميل\rذكر الطحاوي قال: حدثنا أحمد بن أبي عمران، قال:حدثنا أبو النصر أحمد بن حاتم، قال: حدثنا الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، قال:استعمل الحجّاج أبي علي بعض أعماله فنقم عليه فتوارى أبي عنه في بادية قومه وأنا معه، فبينا أنا في سحر من الأسحار إذ مرّ راكب وهو يقول:\rصبِّر الَّنفس عند كلّ ملمٍّ ... إنّ في الصَّبر حيلة المحتال\rلا تضق في الأمور ذرعاً فقد ... يكشف غمَّاؤها بغير احتيال\rربَّما تجزع الُّنفوس من الأم ... ر له فرجةٌ كحلّ العقال\rقال: فقلت: ما ذاك؟ قال: مات الحجاج. فوالله ما أدري بأيهما كنت أشد فرحا، أبقوله مات الحجاج أم بقوله :فرجة.\rقال العطوي:\rمستشعر الصّبر مقرونٌ به الفرج ... يبلى ويصبر والأشياء تنتهج\rحتَّى إذا بلغت مقدور غايتها ... جاءتك تضحك عن ظلمائها السُّرج\rفاصبر ودم واقرع الباب الَّذي طلعت ... منه المطامع فالمغرى به يلج\rيقدِّر الله فارج الله وارض به ... ففي إرادته الغمَّاء تنفرج\rوقال هلال بن العلاء الرَّقّي:\rهوِّن عليك مصائر الدُّ ... نيا تكن سبلاً فجاجا\rلا تضجرنَّ بضيقةٍ ... يوماً فإنَّ لها انفراجا\rوقال آخر:\rكلوا اليوم من رزق الإله وأبشروا ... فإنّ على الرحمن رزقكم غدا\rوقال منصور الفقيه:\rيامن يخاف أن يكو ... ن ما يخاف سرمدا\rأما سمعت قولهم ... إنّ مع اليوم غدا\rوقال أبو العتاهية:\rهي الأيَّام والغير ... وأمر الله منتظر\rأتيأس أن ترى فرجاً ... فأين الله والقدر\rباب الجدِّ والحدّ\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجدِّ منه الجدّ \" .","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"قال أكثم بن صيفي:جدُّك لا كدُّك.\rقال أشجع السُّلمي:\rسبق القضاء بكلِّ ما هو كائنٌ ... فليجهد المتقلِّب المحتال\rقالوا: أسعد الناس: من كان القضاء له مساعداً، وكان لذلك أهلا، وأشقى الناس: من كان مشغولاً بلا دين ولا دنيا، ولم يثق بأحد لسوء ظنه، ولا وثق به أحدٌ لسوء فعله.\rقال أبو الأسود الدُّؤلي:\rالمرء يحمد سعيه من جدِّه ... حتَّى يزيَّن بالَّذي لم يعمل\rوترى الشَّقيَّ إذا تكامل حدُّه ... يرمي ويقذف بالَّذي لم يفعل\rأنشد ابن الأعرابي:\rالجدُّ أنهض بالفتى من عقله ... فانهض بجدٍّ في الحوادث أو ذر\rفلقد يجد المرء وهو مقصرٌ ... ويجدُّ ثم يحدُّ غير مقصِّر\rوقال يزيد بن محمَّد المهلَّبيّ:\rوإذ جددت فكلّ شيءٍ نافعٌ ... وإذا حددت فكلُّ شيءٍ ضائر\rوإذا أتاك مهلَّبيٌ في الوغى ... والسَّيف في يده فنعم النَّاصر\rقال أبو يعقوب الخزيمي، وإسمه إسحاق بن حسَّان:\rلا تنظرنّ إلى عقلٍ ولا أدب ... إن الجدود قرينات الحماقات\rوقال خراش بن زهير:\rوكانت قريشٌ يفلق الصَّخر جدُّها ... إذا أوهن النَّاس الجدود العواثر\rوقال الحارث بن حلِّزة:\rعش بخيرٍ لا يضر ... ك النَّوك ما لاقيت جدَّا\rوالنَّوك خيرٌ في ظلا ... ل الرّزق ممَّن عاش كدَّا\rوقال آخر:\rفعش في ظلّ أنوك حالفته ... مقاديرٌ يساعدها الصَّواب\rذهاب المال في حمدٍ وأجرٍ ... ذهابٌ لا يقال له ذهاب\rقيل لزياد:ما الحظّ؟ قال: من طال عمره، ورأى في عدوه ما يسره فهو ذو حظ.\rوكان يقال لا حظّ إلا ما أشخص عنك ما تكره، وجلب إليك ما تحب.\rقال محمد بن أبي حازم الباهلي:\rلا تعجبنّ لأحمقٍ ... نال الغنى من غير كدِّه\rولعاقلٍ ما يستقلّ ... فكُّلهم يسعى بجدِّه\rوقال امرؤ القيس:\rوقاهم جدَّهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب\rوقال عبد العزيز بن زرارة الكلابيّ:\rوما لبّ الَّلبيب بغير حظٍّ ... بأغنى في المعيشة من فتيل\rرأيت الحظّ يستر عيب قومٍ ... وهيهات الحظوظ من العقول\rولحسان أو لابنه عبد الرحمن:\rوإنَّ امرءاً يمسي ويصبح سالماً ... من النَّاس إلاَّ ما جنى لسعيد\rوقال أعرابيّ:\rوإنّ الَّذي ينجو من النَّار بعدما ... تزوَّد من أعمالها لسعيد\rولبعض أهل عصرنا:\rأرى همم المرء ما لم يكن ... يساعده السَّعد همَّاً عليه\rوقد يعجز المرء ذو الإحتيال ... إذا الله لم يقض رزقاً إليه\rوقال صالح بن عبد القدوس:\rوليس رزق الفتى من حسن حيلته ... لكن جدودٌ بأرزاقٍ وأقسام\rكالصَّيد يحرمه الرَّامي المجيد وقد ... يرمي فيرزقه من ليس بالرَّامي\rولرجل من بني قريع أو للمعلوط، وقيل: إنها لحاتم الطائي:\rمتى مايرالنَّاس الغنيَّ وجاره ... فقيرٌ يقولوا عاجزٌ وبليد\rوليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظٍ قسِّمت وجدود\rوكائن رأينا من غنىٍّ مذمَّمٍ ... وصعلوك قومٍ باد وهو حميد\rومعطى ثراء المال من غير قوَّةٍ ... ومحروم جمع المال وهو جليد\rٍوقال حبيب الطائي:\rأبا جعفر ٍإنّ الجهالة أمُّها ... ولودٌ وأمّ العلم جذَّاء حائل\rوله أيضاً:\rفإنِّي ما حورفت في طلب الغنى ... ولكنَّكم حورفتم في المكارم\rاحتاج أبو الأسود الدؤلي إلى جار له يستقرض منه، وكان حسن الظَّنِّ به، فاعتلَّ عليه ودفعه، فقال أبو الأسود :\rفلا تطمعن في مال جارٍ لقربه ... فكلّ قريبٍ لا ينال بعيد\rوفوِّض إلى الله الأمور فإنَّما ... تروح بأرزاقٍ عليك جدود\rولا تشعرنَّ النَّفس يأساً فإنَّما ... يعيش بجدٍّ عاجزٌ وبليد\rوفي نحو هذا لبعض أهل عصرنا:","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"تجشَّم جسيم الهول في طلب المجد ... فنيل الغنى بين التَّجشُّم والكدِّ\rودع قول ذي جهلٍ يرى العجز راحةً ... ذر الكدّ فيما رمته المنع بالجدِّ\rوقال آخر:\rتطلَّبت حتَّى لم أجد متطلَّباً ... وبالجدِّ يسعى المرء لا بالتَّطلُّب\rكتب كسرى إلى بزرجمهر وهو في الحبس: جنت لك ثمرة العلم أن صرت به أهلا للقتل.فكتب إليه بزرجمهر: أما ما كان معي الجد فقد كنت أنتفع بثمرة العلم، والآن إذ ولّى عني الجدّ، فقد أنتفع بثمرة الصبر.\rقال سابق البربري:\rوالنَّاس في طلب المعاش وإنَّما ... بالجدِّ يرزق منهم من يرزق\rولو أنَّهم رزقوا على أقدارهم ... ألفيت أكثر ما ترى يتصدَّق\rما النَّاس إلاَّ عاملان فعاملٌ ... قد مات من عطشٍ وآخر يغرق\rوقال البحتري:\rألا ليت المقادر لم تقدَّر ... ولم تكن الأحاظي والجدود\rفتعلم أيُّنا يغدو ويمسي ... له هذي المواكب والعبيد\rوقال حبيب الطائي:\rينال الفتى من عيشه وهو جاهل ... ويكدى الفتى في دهره وهو عالم\rوقال ابن دريد:\rلا ينفع العلم بلا جدٍّ ولا ... يحبطك الجهل إذا الجدُّ علا\rوقال الحسين بن أحمد:\rبالجدِّ أجدى على امرئٍ طلبه ... ومن يطل حرصه يطل تعبه\rوقال آخر:\rعش بجدٍّ وكن هبنَّقة القي ... ي نوكاً أو شيبة بن الوليد\rعش بجدٍّ ولا يضرك نوكٌ ... إنما عيش من ترى بالجدود\rهبنقة القيسي اسمه يزيد بن ثروان، وكنيته أبو نافع، أحد بني قيس بن ثعلبة، وهو الذي شرد له بعير فجعل لمن جاء به بعيرين، فقيل له: لم هذا؟ قال: فأين فرحة الوجدان؟ وأنشدني محمد بن نصر الكاتب رحمه الله لنفسه:\rلا تشرهنّ إلى دنيا تملكها ... قومٌ كثيرٌ بلا عقلٍ ولا أدب\rولا تقل إنَّني أبصرت ما جهلوا ... من الإرادة في مرٍّ ومنقلب\rفبالجدود هم نالوا الَّذي ملكوا ... لا بالعقول ولا بالعلم والحسب\rوأيسر الجدُّ نحوي كلَّ ممتنعٍ ... على التَّمكُّن عند البغي والطَّلب\rوإن تأمَّلت أحوال الَّذين مضوا ... رأيت من ذا وهذا أعجب العجب\rوقال إبراهيم بن المهدي:\rقد يرزق المرء لم تتعب رواحله ... ويحرم الرِّزق من لم يؤت من تعب\rمع أنَّني واجدٌ في النَّاس واحدةً ... الرِّزق أروغ شيءٍ عن ذوي الأدب\rوخلَّةٍ قلّ فيها من يخالفني ... الرِّزق والنَّوك مقرونان في سبب\rيا ثابت العقل كم عانيت ذا حمقٍ ... الرِّزق أولى به من لازم الجرب\rوقال آخر:\rما ازددت في أدبي حرفاً أسر به ... إلا تزيدت حرفاً فيه لي شوم\rإن المقدم في حذف بصنعته ... أنى توجه فيها فهو محروم\rوقال آخر:\rكفى حزناً أنَّ الغنى متعذِّرٌ ... عليَّ وأنِّي بالمكارم مغرم\rفوالله ما قصَّرت في نيل غايةٍ ... ولكنَّني أسعى إليها فأحرم\rوقال آخر:\rليس عن حيلة الرِّجال أصابوا ال ... مال بل قسمةٌ لهم وجدود\rمنهم العاجز المرجَّى له الرِّ ... زق ومنهم محارفٌ مجدود\rقال بشار بن برد:\rما ضر أهل النَّوك ضعف الكدِّ ... صادف حظاً من سعي بجدِّ\rوقال البحتري:\rوآيسني علمي بألاَّ تقدُّمي ... مفيدي ولا مزرٍ على تأخُّري\rولو فاتني المقدور ممَّا أرومه ... بسعيٍ لأدركت الَّذي لم يقدَّر\rوقال الصابي:\rإذا جمعت بين امرأين صناعةٌ ... وأحببت أن تدري الَّذي هو أحذق\rفلا تتأمَّل منهما غير ما به ... جرت لهما الأرزاق حين تفرَّق\rفحيث يكون النَّوك فالرِّزق واسعٌ ... وحيث يكون الحذق فالرِّزق ضيِّق\rباب المال حمداً وذمّاً\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: \" قلب الشَّيخ شابٌ في حب اثنتين: طول الحياة وكثرة المال \" .","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" نعم المال الصَّالح للرجل الصالح \" .\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الدِّينار والدِّرهم أهلكا من كان قبلكم وإنهما مهلكاكم \" .\rوقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: \" لكلّ أمةٍ فتنة، وفتنة أمتي المال \" .\rوقال أيضاً: \" إنَّ أحساب أهل الدُّنيا التي إليها ينتمون: المال \" .\rوقال عليه السلام: \" ما ذئبان جائعان أرسلا في حظيرة غنم بأفسد لها من حب المال، والسَّرف لدين المؤمن \" .\rقال قيس بن عاصم لبنيه حين حضرته الوفاة: يا بني عليكم بالمال واصطناعه، فإنه منبهةٌ للكريم، ويستغنى به عن اللئيم.\rقال الحسن البصري: لكل أمة وثن يعبدونه، وصنم هذه الأمة الدينار والدرهم.\rوقال الحسن:إذا أردت أن تعلم من أين أصاب الرجل ماله، فانظر فيم أنفقه ، فإن الخبيث ينفق في السرف.\rقال أبو ذرّ أموال الناس تشبه الناس، وعن أبي ذر أيضا: إنما مالك لك، أو للوارث أو للجائحة، فلا تكن أعجز الثلاثة.\rقال أكثم بن صيفي: من ضعف عن كسبه اتكل على زاد غيره.\rقال سعيد بن المسيب: لا خير فيمن لا يكسب المال ليكفَّ به وجهه، ويؤدِّي به أمانته، ويصل به رحمه.\rقالوا للمسيح: يا روح الله أخبرنا عن المال، فقال المال لا يخلو صاحبه من ثلاث خلال: إما أن يكسبه من غير حله، وإما أن يمنعه حقه، وإما أن يشغله إصلاحه عن عبادة ربه.\rقال الحطيئة: ؟ولست أرى السَّعادة جمع مالٍ ولكنَّ التَّقيَّ هو السَّعيد وأنشد ابن الأعرابي:؟\rالمال يغشى رجالاً لا طباخ لهم ... كالسَّيل يغشى أصول الدِّندن البالي\rوهذا البيت في شعر لعمار الكلبي أوله:\rقف بالعوير على أبلاء أطلال ... كأنَّها حللٌ أو خطُّ تمثال\rالفقر يزري بأقوامٍ ذوي حسبٍ ... وربَّما ساد جبس القوم بالمال\rوفيه يقول:\rأصون عرضي بمالي لا أدنِّسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال\rأحتال للمال إن أودى فأجمعه ... ولست للعرض إن أودى بمحتال\rالجبس: اللئيم. وقوله: لا طباخ لهم: أي لا قوة ولا طاقة، قاله الخليل.\rوقال فضالة بن زيد العدواني: ؟وماالعيش إلاَّ المال فاحمد فضوله ولا تهلكنه في الضَّلال فتندم\rإذا جلّ خطبٌ صلت بالمال حيثما ... توجَّهت من أرضٍ فصيح وأعجم\rوهابك أقوامٌ وإن لم تصبهم ... بنفعٍ ومن يستغن يحمد ويكرم\rويعطي الذي يبغي وإن كان باخلاً ... بما في يديه من متاعٍ ودرهم\rوقال لبيد:\rوماالبرُّ إلاَّ مضمراتٌ من التُّقى ... وما المال إلاَّ مضمرات ودائع\rوقال حاتم الطائي:\rلعمرك ما يغني الثَّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصَّدر\rأماويّ إنَّ المال غادٍ ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذِّكر\rوقال الشماخ:\rلمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقره أعفُّ من القنوع\rوقال المتلمس:\rلحفظ المال أيسر من بغاه ... وضربك في البلاد بغير زاد\rقليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد\rوقال آخر:\rواطلب المال بحرصٍ ... واسرع المشي إليه\rكلُّ من كان غنيَّاً ... سلَّم الناس عليه\rوإذا كان فقيراً ... فقد البرُّ لديه\rوثياب المرء أعوانٌ ... له بين يديه\rوقال آخر:\rإذا قلَّ مال المرء قلَّ صفاؤه ... وضاقت عليه أرضه وسماؤه\rوأصبح لا يدري وإن كان حازماً ... أقدَّامه خيرٌ له أم وراؤه\rإذا قلَّ مال المرء لم يرض عقله ... بنوه ولم يغضب له أولياؤه\rفإن مات لم يفقد ولم يحزنوا له ... وإن عاش لم يسرر صديقاً بقاؤه\rوقال أبو اليقظان: ما ساد في الجاهلية مملق إلا عتبة بن ربيعة.\rوقال محمد بن مناذر:\rرضينا قسمة الجبَّار فينا ... لنا حسبٌ وللثَّقفيِّ مال\rوقال المعلوط:\rوماسوَّد المال الدَّنيء ولا دنا ... لذاك ولكنَّ الكريم يسود\rوقال عروة بن الورد:","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"ومن يك مثلي ذا عيالٍ ومقتراً ... من المال يطرح نفسه كلَّ مطرح\rليبلغ عذراً أو يصيب غنيمةً ... ومبلغ نفسٍ عذرها مثل منجح\rهذان البيتان أنشدهما ابن قتيبة لأوس بن حجر، وخالفه حبيب وغيره فأنشدهما لعروة.\rوقال عروة بن الورد:\rإذاالمرء لم يطلب معاشاً لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصَّديق فأكثرا\rوصار على الأذنين كلاً وأوشكت ... صلات ذوي القربى له أن تنكَّرا\rوقال منصور الفقيه:\rإذا المرء لم يطلب معاشاً لنفسه ... وهي نعله أو باع في السُّوق خفَّه\rولم يك مأموناً على مال جاره ... إذا ما رآه خالياً أن يلفَّه\rوقال الفرزدق:؟\rوالمال بعد ذهاب المال يكتسب\rقال إبراهيم النخعي: إنما أهلك الناس فضول الكلام وفضول المال.\rولعبيد الله بن عبد الله بن عتبة الهذلي الفقيه:\rأعاذل عاجل ما أشتهي ... أحبُّ إليَّ من الرَّائث\rسأحبس مالي على حاجتي ... وأوثر نفسي على الوارث\rوقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:\rأرى نفسي تتوق إلى أمورٍ ... ويقصر دون مبلغهنَّ مالي\rفنفسي لا تطاوعني لبخلٍ ... ومالي لا يبلِّغني فعالي\rوقال أعرابي:\rإذا ما الفتى لم يبلغ إلاَّ لباسه ... ومطعمه فالخير منه بعيد\rيذكِّرني صرف الزَّمان ولم أكن ... لأهرب ممَّا ليس منه محيد\rفلو كنت ذا مالٍ لقرِّب مجلسي ... وقيل إذا أخطأت أنت رشيد\rفذرني أجوِّل في البلاد لعلَّه ... يسرُّ صديقٌ أو يساء حسود\rوقال آخر:؟\rأنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك\rوقال قيس بن عاصم:\rسأودع مالي الحمد والأجر كلَّه ... فلا أجر في الدُّنيا ولا الحمد دائم\rفرحت بما قدَّمت منه وإنَّني ... على حسن ما أخَّرت منه لنادم\rكان يقال: شر مالك ما لزمك إثم مكسبه، وحرمت لذة إنفاقه.\rقال الشاعر:\rذهاب المال في حمدٍ وأجرٍ ... ذهابٌ لايقال له ذهاب\rوقال آخر:\rوحفظك مالاً قد عنيت بجمعه ... أشدُّ من المال الَّذي أنت طالبه\rقال جعفر من محمد رحمهما الله: من نقله الله من ذل المعصية إلى عز الطاعة أغناه بلا مال، وآنسه بلا أنيس، وأعزّه بلا عشيرة.\rقال محمود الوراق:\rهاك الدّليل لمن أرا ... د غنىً يدوم بغير مال\rوأراد عزَّاً لم توطِّ ... ده العشائر بالقتال\rومهابةً من غير سل ... لطانٍ وجاهاً في الرِّجال\rفليعتصم دخوله ... في عزِّ طاعة ذي الجلال\rوخروجه من ذلَّة ال ... معاصي له في كلِّ حال\rوقال النمر بن تولب:\rخاطر بنفسك كي تصيب رغيبةً ... إنَّ الجلوس مع النِّساء قبيح\rفالمال فيه تجلَّةٌ ومهابةٌ ... والفقر فيه مذلَّةٌ وفضوح\rوقال آخر:\rويزري بعقل المرء قلَّة ماله ... تحمقِّه الأقوام وهو لبيب\rوقال حسان بن ثابت الأنصاري:\rربّ حلمٍ أضاعه عدم الما ... ل وجهلٍ غطَّى عليه النَّعيم\rوقال الخريمي وهو أبو يعقوب:\rالعيش لا عيش إلاَّ ما قنعت به ... قد يكثر المال والإنسان مفتقر\rوقال أمية بن أبي الصَّلت:\rإذا اكتسب المال الفتى من وجوهه ... وأحسن تدبيراً له حين يجمع\rوميَّز في إنفاقه ما بين مصلحٍ ... معيشته فيما يضرّ وينفع\rوأرضى به أهل الحقوق ولم يضع ... به الذُّخر زاداً لَّلتي هي أنفع\rفذاك الفتى لا جامع المال ذاخراً ... لأولاد سوءٍ حيث جاءوا وأرضعوا\rوقال كثير:\rإذا المال لم يوجب عليك عطاءه ... صنيعة نعمى أو خليلٌ توامقه\rبخلت وبعض البخل حزمٌ وقوَّةٌ ... فلم يفتلتك المال إلاَّ حقائقه\rوقال محمود الوراق:\rولم أر مثل الفقر أوضع للفتى ... ولم أر مثل المال أرفع للنَّذل","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"ولم أر عزَّاً لامرئٍ كعشيرةٍ ... ولم أر ذلاً نأيٍ عن الأهل\rولم أر من عدمٍ أضَّر على الفتى ... إذا عاش بين النَّاس من عدم العقل\rوقال آخر:\rالفقر يزري بأقوامٍ ذوي حسبٍ ... وقد يسوِّد غير السَّيِّد المال\rوقال محمود الوراق:\rأرى دهرنا فيه عجائب جمَّةٌ ... إذا استعرضت بالعقل ضلَّ لها العقل\rأرى كلَّ ذي مالٍ يسود بماله ... وإن كان لا أصلٌ هناك ولا فصل\rوآخر منسوباً إلى الرَّأي خاملاً ... وأنوك مخبولاً له الجاه والنُّبل\rوما الفضل في هذا الزمان لأهله ... ولكنَّ ذا المال الكثير له الفضل\rفشرِّف ذوي الأموال حيث لقيتهم ... فقولهم قولٌ وفعلهم فعل\rومما ينسب إلى محمود، وأظنها لغيره وهو أبو عبد الرحمن العطوي:\rدع الرِّياء لمن لجّ الرِّياء به ... في الأمر بالبذل واذكر ذلَّة العدم\rومت على الدِّرهم المنقوش موت فتىً ... رأى الممات عليه أكرم الكرم\rوعدِّ عن ذا وعن هذا وقولهم ... الذكر يبقى وتفنى لذَّة النِّعم\rلولا غناك لكنت الكلب عندهم ... فإن أبيت فجرِّب واشق بالنَّدم\rوقال أبو العتاهية:\rوالنَّاس حيث يكون المال والجاه\rباب جامع القول في الغنى والفقر\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: \" ارض بما قسم الله لك تكن أغنى النَّاس،واعمل بما افترض الله عليك تكن أعبد النَّاس، واجتنب ما حرَّم الله عليك تكن أورع النّاس \" .\rوقال عليه السلام: \" ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النَّفس \" .\rوفي الحديث المرفوع: \" الفقر أزين للمؤمن من الغدار، وعلى خدِّ الفرس \" .\rوقد أتينا معنى الفقروالغنى، والمقدار المحمود في ذلك عند العلماء بدلائل السنن، وأقاويل السلف، بما فيه كفايةٌ وتبصرة وشفاءٌ لما في الصدور في موضعه من كتاب \" بيان العلم \" والحمد لله.\rقال أوس بن حارثة: خير الغنى القناعة، وشرُّ الفقر الضَّراعة.\rقال فضيل بن عياض: إنما الفقر والغنى بعد العرض على الله.\rأنشدنا الرياشي:\rما شقوة المرء بالإقتار تقتره ... ولا سعادته يوماً بإكثار\rإنَّ الشَّقيَّ الذي في النَّار منزله ... والفوز فوز الذي ينجو من النَّار\rقال جعفر بن محمد: العز والغنى يجولان في الأرض، فإذا أصابا موضعاً يدخله التَّوكُّل أوطناه.\rكان يقال: الشكر زينة الغنى، والعفاف زينة الفقر.\rوقالوا: حقُّ الله واجب في الغنى والفقر، ففي الغنى العطف والشكر، وفي الفقر العفاف والصبر.\rكان يقال: سوء حمل الغنى يورث مقتاً، وسوء حمل الفاقة يضع شرفاً.\rكان يقال:الغنى في النفس، والشرف في التواضع، والكرم في التقوى.\rأنشدنا الرياشي:\rوبينا الفتى في الفقر إذ صار في الغنى ... وبينا الفتى في البؤس إذ صار في الخفض\rكذاك صروف الدَّهر تلعب بالفتى ... فنبرم أحياناً وتسرع في النَّقض\rوقال آخر:\rقد أنطقت الدَّراهم بعد عيٍّ ... أناساً طالما كانوا سكوتا\rفما عادوا على جارٍ بخيرٍ ... ولا رفعوا لمكرمةٍ بيوتاً\rكذاك المال ينطق كلَّ عيٍّ ... ويترك كلَّ ذي حسبٍ صموتا\rوقال آخر:\rنطقت مذ استفدت المال حتَّى ... كأنَّك عالمٌ ذلق اللِّسان\rوشجَّعك الَّذي قد كان قدماً ... يسمِّيك الجبان ابن الجبان\rوقال محمود الوراق:\rالفقر في النَّفس وفيها الغنى ... وفي غنى النَّفس الغنى الأكبر\rوقال حماد الراوية: أفضل بيت من الشعر قيل في الأمثال:\rيقولون يستغني ووالله ما الغنى ... من المال إلاَّ ما يعفُّ وما يكفي\rولمحمود الوراق أيضاً:\rصاحب اليسر يرقب العسر والمع ... سر في دهره يراقب يسرا\rليس خلقٌ له على الله حقٌ ... إنَّما حقُّه على النَّاس طرَّا\rلا يحابي الغنيَّ فيما أتاه ... لا ولا يظلم الذي مات فقرا","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"يمنع الله عبده نظراً من ... ه ويسنى له العطيَّة مكرا\rليس من بخله ينقِّص ذا الفق ... ر ولم يعط ذا الغنى المال قسرا\rقال عبد الله بن الأهتم: من ولد في الفقر أبطره الغنى.\rكان يقال: خصلتان مذمومتان: الاستطالة مع السّخاء والبطر مع الغناء.\rكان يقال: لا تدع على ولدك بالموت، فإنَّه يورث الفقر.\rقال أعرابيٌ من باهلة:\rسأعمل نصّ العيس حتَّى يكفَّني ... غنى المال يوماً أو غنى الحدثان\rفللموت خيرٌ من الحياةٍ يرى لها ... على الحرِّ بالإقلال وسم هوان\rكأنَّ الغنى في أهله بورك الغنى ... بغير لسانٍ ناطقٌ بلسان\rوقال يحيى بن حكم الغزال، وتروى لغيره ابن المعتز، أو غيره:\rإذا كنت ذا ئروةٍ من غنًى ... فأنت المسوَّد في العالم\rوحسبك من نسب صورةٌ ... تخبِّر أنَّك من آدم\rوللغزال أيضاً:\rإنِّى حلبت الدَّهرأصناف الدِّرر ... فمرَّةً حلوٌ وأحياناً مقر\rوعلقماً حيناً وأحياناً صبر ... وجلُّ ما يسقيكه الدَّهر كدر\rفلم أجد شيئاً من الفقر أمرّ ... ألا ترى أكثر من فيها يفرّ\rمخافة الفقر إلى نارٍ سقر وقال آخر:\rلعمرك إنَّ القبر خيرٌ من الفقر ... لمن كان ذا يسرٍ وعاد إلى عسر\rولعروة بن الورد:\rدعيني للغنى أسمى فإنِّي ... رأيت النَّاس شرُّهم الفقير\rوأحقرهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له كرمٌ وخير\rيباعده الخليل وتزدريه ... حليلته وينهره الصَّغير\rوتلقي ذا الغنى وله جلالٌ ... يكاد فؤاد صاحبه يطير\rقليلٌ عيبه والعيب جمٌ ... ولكن للغنى ربٌّ غفور\rوقال آخر:\rرأيت النَّاس لمَّا قلَّ مالي ... وأكثرت الغرامة ودَّعوني\rفلمَّا أن غنيت وثاب وفرىإذا هم لا أب لك راجعني\rوقالوا: بقدر ما يعطى الغنىُّ من الإيسار، يعطى من الإجلال، وبقدر ما ينزل بالفقير من فقر يذهب بهاؤه وتتضع منزلته، حتى يتهمه من كان يأمنه، ويسيء به الظن من كان يثق به. ومحاسن الغني مساوىء الفقير، إذا كان جواداً قالوا:مبذر، وإن كان لسناً قالوا: مهذار، وإن كان شجاعاً، قالوا: أهوج، وإن كان حليماً صموتاً، قالوا: عيّ بليد، وكل شيء هو للغنىّ مدح هو للفقير ذم.\rقال الشاعر:\rلعمرك إنَّ المال قد يجعل الفتى ... سنيَّاً وإنَّ الفقر بلمرء قد يزري\rفما رفع النَّفس الدَّنيئة كالغنى ... ولا وضع النَّفٍس الكريمة كالفقر\rوقال حبيب:\rلا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسَّيل حربٌ للمكان العالي\rوللمغيرة بن حبناء:\rوماالفقر يزري بالرَّجال ولا الغنى ... ولكن قلوب القوم للقوم تقدح\rوقال امرؤ القيس:\rبكى صاحبي لما رأى الدَّرب دونه ... وأيقن أنَّا لاحقان بقيصرا\rفقلت له: لا تبك عينك إنَّما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا\rوقال أبو العتاهية:\rأجلَّك قومٌ حين صرت إلى الغنى ... فكلُّ غنيٍّ في العيون جليل\rإذا مالت الدُّنيا إلى المرء رغَّبت ... إليه ومال النَّاس حيث يميل\rوليس الغنى إلاَّغنىً زيَّن الفتى ... عشيَّة يقرى أو غداة ينيل\rوقال الصَّلتان العبديّ:\rإذا قلت يوماً لمن قد ترى ... أروني السّرىَّ أورك الغنى\rوقال ابن سعدان:\rتقنَّع بما يكفيك والتمس الرِّضا ... فإنَّك لا تدري أتصبح أم تمسي\rفليس الغنى عن كثرة المال إنَّما ... يكون الغنى والفقر من قبل الَّنفس\rوقال بكر بن أذينة:\rكم من فقيرٍ غني النَّفس نعرفه ... ومن غنيٍّ فقير النَّفس مسكين\rوقال محمود الوراق:\rلبست صروف الدَّهر كهلاً وناشئاً ... وجرَّبت حالي على العسر واليسر\rفلم أر بعد الدِّين خيراً من الغنى ... ولم أر بعد الكفر شراً من الفقر\rولمحمود الوراق:","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"ياعائب الفقر ألا تزدجر ... عيب الغنى أكثر لو تعتبر\rمن شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى إن صحَّ منك النَّظر\rأنَّك تعصي كي تنال الغنى ... ولست تعصي الله كي تفتقر\rوفي رواية أخرى:\rأنَّك تعصي الله ترجو الغنى ... ولست تعصي الله كي تفتقر\rوقال آخر:\rولا تعدني الفقر ياأمّ مالكٍ ... فإنَّ الغنى للمنفقين قريب\rوهذا مأخوذ والله أعلم من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: \" يقول الله ياابن آدم أنفق أنفق عليك \" .\rوقال بعض الحكماء في ذم الغنى: طالب الغنى طويل العناء، دائم النَّصب، كثير التعب، قليل منه حظُّه، خسيس منه نصيبه، شديد من الأيام حذره، ثم هو بين سلطان يرعاه، ويفغر عليه فاه، وبين حقوق تجب عليه، يضعف عن منعها، وبين أكفاء وأعداء ينالونه ويحسدونه ويبغون عليه، وأولاد يمُّلونه ويودون موته، ونوائب تعتريه وتحزنه.\rوقال بشر بن المعتمر المتكلم:\rوإذاالجهول رأيته مستغنياً ... أعيا الطَّبيب وحيلة المحتال\rوقال الخليل بن أحمد:\rماأسمج النُّسك بسأل ... وأقبح البخل بذي المال\rمن كان محتاجاً إلى أهله ... هان على ابن العمِّ والخال\rماوقع الإنسان في ورطةٍ ... أزرى به من رقَّة الحال\rقيل لبعض الحكماء: مابالنا نجد من يطلب المال من العلماء أكثر ممن يطلب العلم من ذوي الأموال؟ قال: لمعرفة العلماء بمنافع المال، وجهل ذوي الأموال بمنافع العلم.\rقال الشاعر:\rألم تر أنَّ الفقر يزرى بأهله ... وإنَّ الغنى فيه العلا والتَّجمُّل\rقال أحيحة بن الجلاح:\rاستغن عن كلِّ ذي قربى وذي رحمٍ ... إنَّ الغنىَّ من استغنى عن النَّاس\rوالبس عدوَّك في رفقٍ وفي دعةٍ ... لباس ذي إربة للدَّهر لبَّاس\rباب الدَّين\rقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلّم: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله مقبلا غير مدبر، أيكفّر الله عنّي خطاياي؟ قال: \" نعم. إلاّالدَّين، بذلك أخبرني جبريل \" .\rوعنه عليه السلام أنه قال: \" صاحب الدَّين محبوسٌ عن الجنة بدينه \" .\rوقال عليه السلام - \" بعد أن فتح الله عليه وأفاء الله على المسلمين \" - : \" من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك ديناً فعليّ \" .\rكان يقال: لا همّ إلاّهمّ الدَّين، ولا وجع إلاّوجع العين. وقد روى هذا القول عن النبي صلّى الله عليه وسلم من وجه ضعيف.\rقال عمر بن الخطاب: إياكم والدَّين، فإنّ أوله همٌّ وآخره حرب.\rقال جعفر بن محمد: المستدين تاجر الله في الأرض.\rقال عمر بن عبد العزيز: الدَّين وقرٌ طالما حمله الكرام.\rقال عمرو بن العاص: من كثر صديقه كثر دينه.\rقيل لمحمد بن المنكدر:أتحجُّ وعليك الدين؟ قال: الحج أقضى للدين. يريد الدعاء فيه والله أعلم.\rكان يقال: الدَّين رقّ، فلينظر أحدكم أين يضع رقّه.\rكان يقال: الأذلة أربعة: النَّمَّام، والكذّاب ، والفقير، والمديان.\rكان يقال: حرّيّة المسلم كرامته، وذلُّه دينه، وعذابه سوء خلقه.\rكان الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب الشاعر يعامل الناس بالعينة، فإذا حلت دراهمه ركب حماراً يقال له شارب الريح، فيقف على غرمائه فيقول:\rبنو عمِّنا أدُّوا الدَّراهم إنَّما ... يفرِّق بين النَّاس حبُّ الدَّراهم\rوقال آخر:\rفما شأن ديني إذ يحلُّ عليكم ... أرى النَّاس يقضون الدُّيون ولا يقضى\rلقد كان ذاك الدَّين نقداً وبعضه ... لمرضٍ فما أدَّيت نقداً ولا عرضا\rولكنَّما هذا الَّذي كان منكم ... أمانيّ ما لاقت سماءً ولا أرضا\rفلو كنت تنوين القضاء لديننا ... لأنسأت لي بعضاً وعجَّلت لي بعضا\rقال أبو عثمان المازني:سمعت معاذ بن معاذ، وبشر بن المفضل ينشدان هذين البيتين لمجنون عامر:\rطمعت بليلى أن تريع وإنَّما ... تقطِّع أعناق الرِّجال المطامع\rوداينت ليلى في خلاءٍ ولم يكن ... شهودٌ على ليلى عدولٌ مقانع\rوقال آخر أنشده ابن الزبير:\rألا ليت النَّهار يعود ليلاً ... فإنَّ الصُّبح يأتي بالهموم","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"حوائج ما نطيق لها قضاءً ... ولادفعاً وروعات الغريم\rكان يقال: الدَّين همٌّ بالليل وذل بالنهار، وإذا أراد الله أن يذل عبده جعل في عنقه ديناً.\rوقال آخر:\rإنَّ القضاء سيأتي دونه زمنٌ ... فاطو الصَّحيفة واحفظها من الفار\rقال كثير بن عبد الرحمن بن أبي جمعة:\rقضى كلُّ ذي دينٍ فوفىَّ غريمه ... وعزَّةٌ ممطولٌ معنىً غريمها\rأنشدنا الصولي لسليمان بن وهب متمثلا:\rمن النَّاس إنسانان ديني عليهما ... مليَّان لو شاءا لقد قضياني\rخليليّ أمَّا أمُّ عمرو فمنهما ... وأمَّا عن الأخرى فلا تسلاني\rباب الاقتصاد والرفق\rقال الله عزّ وجلّ: \" ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط \" وقال: \" والَّذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً \" .\rفهذا أدب الله تعالى.\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: \" ماعال من اقتصد \" .\rكان يقال: ثلاثٌ من حقائق الإيمان:الاقتصاد في الإنفاق، والإنصاف من نفسك، والابتداء بالسلام.\rكتب بعض الصالحين إلى بعض إخوانه: كل مارده العقل، وناله الفضل فجميلٌ حسن.\rقال عبد الله بن عباس الهدي الصّالح، والسَّمت الحسن، والاقتصاد،جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة.\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: \" إن الله يحبُّ الرفق في الأمر كله \" .\rقال عليه السلام: \" ما كان أرفق قط في شيءٍ إلاّزانه، ومن حرم الرفق حرم الخير \" .\rوقال صلى الله عليه وسلّم: \" ماأراد الله بأهل بيت خيراً إلا أدخل عليهم الرفق ولا أراد بهم شرَّاً إلاّ أدخل عليهم الخرق \" .\rقال عمر بن الخطاب: لا يقل مع الإصلاح شيء،ولا يبقى مع الفساد شيء.\rقال المتلمِّس:\rوإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الرفق يمن، والخرق شؤم \" .\rسئل بعض العلماء عن السكينة، فقال: هي السكون عما الحركة فيه، والعجلة لا يحمدها الله ولا يرضاها.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الأناة من الله، والعجلة من الشيطان \" .\rلسهل بن هارون في يحيى بن خالد:\rعدوُّ تلاد المال فيما ينوبه ... منوعٌ إذا ما منعه كان أحزما\rوقال آخر:\rعليك بأوساط الأمور فإنَّها ... نجاةٌ ولا تركب ذلولاً ولا صعبا\rوقال آخر:\rلا تذهبنَّ في الأمور فرطا ... لا تسألنَّ إن سألت شططا\rوكن من النَّاس جميعاً وسطا\rقال أعرابي للحسن: ياأباسعيد؟؟ علمني ديناً وسوطاً لا ذاهباً فروطاً، ولا ساقطاً سقوطاً. قال له الحسن:أحسنت، خير الأمور أوسطها.\rقال محمود الوراق:\rإنِّي رأيت الصَّبر خير معوَّلٍ ... في النَّائبات لمن أراد معوَّلا\rورأيت أسباب القنوع منوطةً ... بعرى الغنى فجعلتها لي معقلا\rفإذا نبا بي منزلٌ لا يرتضي ... جاوزته واخترت عنه منزلا\rوإذا غلا شيءٌ عليَّ تركته ... فيكون أرخص ما يكون إذا غلا\rلبعض المتأخرين من البخلاء يوصي ابنه:\rإذا ما كنت في بلدٍ غريباً ... وخفت من أن تبوء بغير مال\rفلا تبسط يديك وكل قليلاً ... يفوتك كلُّ يومٍ في اعتدال\rوذبَّ عن الدَّراهم كلَّ حينٍ ... وكثِّرها وقلِّل في العيال\rوقل في كل شيءٍ تشتهيه ... من الأشياء هذا الشَّيء غال\rفترك المال للأعداء خيرٌ ... لربِّ المال من ذلِّ السُّؤال\rروينا عن نصر بن علي الجهضمي،قال: دخلت على أمير المؤمنين المتوكل فإذا هو يمدح الرفق فأطنب، فقلت: ياأميرالمؤمنين أنشدني الأصمعي في الرفق. فقال هاته يا نصر، فقلت :\rلم أر مثل الرِّفق في لينه ... أخرج للعذراء من خدرها\rمن يستعن بالرِّفق في أمره ... قد يخرج الحيَّة من جحرها\rقال سابق:\rإنَّ التَّرفُّق للمقيم موافقٌ ... وإذا يسافر فالتَّرفُّق أوفق\rلو سار ألف مدجَّجٍ في حاجةٍ ... لم يلقها إلاَّالَّذي يترفَّق\rباب السَّفر والاغتراب","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" السفر قطعةٌ من العذاب، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجِّل الرجوع إلى أهله \" .\rوزاد بعضهم في هذا الحديث \" السفر قطعة من العذاب، فاقطعوه بالدُّلجة \" .\rوقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:تلقَّوا الحاجَّ ولا تشّيعوهم.\rقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: \" سافروا تصحّوا وتغنموا \" .\rوفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: \" مامات ميت بأرض غربةٍ إلا قيس له من مسقط رأسه إلى منقطع أثره في الجنة \" .\rومن حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلَّم، قال: \" موت الغريب شهادة \" .\rومن حديث أنس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: \" من مات غريباً مات شهيداً \" .\rوعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" العباد عباد الله، والبلاد بلاد الله، فأينما وجدت الخير فأقم واتق الله \" .\rوروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه - ومنهم من يرفعه - قال: من سعادة المرء أن تكون زوجته موافقة، وأولاده أبراراً، وإخوانه صالحين، ورزقه في بلده الذي فيه أهله. مكتوبٌ في التوراة: ابن آدم؟ أحدث سفراً أحدث لك رزقاً.\rقالت العرب: من أجدب انتجع.\rقيل لأعرابيّ أين منزلك؟ قال: بحيث ينزل الغيث.\rمن أمثال العامة: البركات مع الحركات.\rوقالوا: ربما أسفر السَّفر عن الظَّفر.\rقال البحتري: ؟؟وإذا الزَّمان كساك حلَّة معدمٍ فالبس لها حلل النَّوى وتغرَّب وقال زهير:\rومن يغترب يحسب عدوَّاً صديقه ... ومن لا يكرِّم نفسه لا يكرَّم\rوقال الأعشى:\rومن يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصارع مظلومٍ مجرّاً ومسحبا\rوتدفن منه الصَّالحات وإن يسيء ... يكن ماأساء النَّار في رأس كبكبا\rوقال آخر:\rإنَّ الغريب بأرضٍ لا عشير بها ... كبائع الرِّيح لا يعطى به ثمنا\rوقال سابق:\rلا ألفينَّك ثاوياً في غربةٍ ... إنَّ الغريب بكلِّ سهمٍ يرشق\rوقال آخر:\rفلم أرعزَّ المرء إلاَّ عشيرةً ... ولم أر ذلاً مثل نأيٍ عن الأهل\rوقال آخر:\rإنِّي الغريب فما ألام على البكا ... إنَّ البكا حسنٌ بكلِّ غريب\rوقال آخر:\rيجازى بالَّذي تجد القلوب ... ويأنس بابن بلدته الغريب\rوصادفني غريبٌ فالتقينا ... وكلُّ مساعدٍ فهو القريب\rوقال آخر:\rتغرَّبت عن أهلي أؤمِّل ثروةً ... فلم أعط آمالي وطال التَّغرُّب\rفما للفتى المحتال في الرِّزق حيلةٌ ... ولا لجدودٍ جدَّها الله مذهب\rوقال كعب بن زهير:\rفقرِّي في بلادك إنَّ قوماً ... متى يدعوا بلادهم يهونوا\rوقال آخر:\rليس ارتحالك تزداد الغنى سفراً ... بل المقام على خسفٍ هو السَّفر\rقالوا: ترك الوطن أحد اليسارين.\rقال الشاعر:\rوماالموت إلاَّرحلةٌ غير أنَّها ... من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي\rوقال آخر:\rلقرب الدَّار في الإقتار خيرٌ ... من العيش الموسَّع في اغتراب\rوقال آخر:\rومهمةٍ فيها السَّراب يسبح ... يدأب فيه القوم حين يصبح\rكأنَّما ثووا بحيث أصبحوا ... الَّليل أخفى والنَّهار أفضح\rقالوا: إذا كنت في غير بلدك، فلا تنس نصيبك من الذل.\rوأنشدوا:\rإنَّ الغريب له استكانة مذنبٍ ... وخضوع مديانٍ وذلٌ مريب\rوقال آخر:\rإذا كنت في قومٍ عداً لست منهم ... فكل ما علفت من خبيثٍ وطيِّبٍ\rوقال آخر:\rإنّ الغريب وإن أقام ببلدةٍ ... يهدى إليه خراجها لغريب\rوقال آخر:\rغريبٌ يقاسي الهمَّ في أرض غربةٍ ... فياربِّ قرِّب دار كلِّ غريب\rقالوا: الغريب كغرس ذابل ماتت أرضه، ونفد شربه.\rقال النمر بن تولب:\rإذا كنت في سعدٍ وأمُّك منهم ... غريباً فلا يغررك خالك من سعد\rفإنّ ابن أخت القوم مصغىً إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأبٍ جلد\rقالت العرب: ليس بينك وبين بلاد نسب، خير البلاد ما حملك.\rوقال آخر:","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"ليس الفتى بفتىً لا يستضاء به ... ولا يكون له في الأرض آثار\rوقال آخر:\rسل الله الإياب من المغيب ... فكم قد ردَّ مثلك من غريب\rسلِّ الهمَّ عنك بحسن ظنٍ ... ولا تيأس من الفرج القريب\rقال بعض العقلاء: أعرف بيتاً قد بيّت أكثر من مائة ألف رجل في المساجد، وفي غير أوطانهم، وهو:\rفسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تمش ذا يسارٍ أو تموت فتعذرا\rقال خالد بن صفوان: في السفر ثلاثة معان:الأول الغرم، الثاني القدرة، والثالث الرحيل.\rكان يقال: فقد الأحبة غربة.\rقال الشاعر:\rإذا مامضى القرن الَّذي أنت فيهم ... وخلِّفت في قرنٍ فأنت غريب\rوقال لبيد بن ربيعة:\rلعمرك مايدريك إلاَّ تظنِّياً ... إذا رحل السُّفار من هو راجع\rلعمرك ماتدري الطَّوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطَّير ما الله صانع\rوقال علي بن الجهم:\rيارحمتا للغريب في البلدالنَّا ... زح ماذا بنفسه صنعا\rفارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا\rيقول في نأيه وغربته ... عدلٌ من الله كلُّ ما صنعا\rأراد أعرابي السفر فقال لامرأته - وقيل إنه الحطيئة - :\rعدِّي الِّسنين لغيبتي وتصبَّري ... وذري الشُّهور فإنَّهنَّ قصار\rفأجابته:\rاذكر صبابتنا إليك وشوقنا ... وارحم بناتك إنَّهنَّ صغار\rفأقام وترك سفره.\rقال امرؤ القيس:\rوقد طوَّفت في الآفاق حتَّى ... رضيت من الغنيمة بالإياب\rوقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:\rطربت إلى الأصيبية الصِّغار ... وهاجك منهم قرب المزار\rوكلُّ مسافرٍ يزداد شوقاً ... إذا دنت الدِّيار من الدِّيار\rوقال جرير:\rولما التقى الحيَّان ألقيت العصا ... ومات الهوى لما أصببت مقاتله\rوقال آخر:\rسررت بجعفرٍ والقرب منه ... كما سرَّ المسافر بالإياب\rوكنت بقربه إذ حلَّ أرضى ... أميراً بالسَّكينة والصَّواب\rكممطورٍ ببلدته فأضحى ... غنيّاً عن مطالبة السَّحاب\rوقال آخر، وحكى صاحب البيان أنه لمضرَّس الأسدي:\rمقلٌ رأى الإفلال عاراً فلم يزل ... يجوب بلاد الله حتَّى تموَّلا\rإذا جاب أرضاً أو ظلاماً رمت به ... مهامه أخرى عيسه متقلقلا\rولم يثنه عمَّا أراد مهابةٌ ... ولكن مضى قدماً وما كان مبسلا\rفلمَّا أفاد المال جاد بفضله ... لمن جاءه يرجو نداه مؤمِّلا\rوقال آخر، وهو الأحمر بن سالم المزني:\rفألقت عصاها واستقرّ بها النَّوى ... كماقرَّعيناً بالإياب المسافر\rوقال آخر:\rإذا نحن أبنا سالمين بأنفسٍ ... كرامٍ رجت أمراً فخاب رجاؤها\rفأنفسنا خير الغنيمة إنَّها ... تؤوب وفيها ماؤها وحياؤها\rوقال آخر:\rرجعنا سالمين كما بدأنا ... وما خابت غنيمة سالمينا\rوماتدرين أيُّ الأمر خيرٌ ... أما تهوين أم ما تكرهينا\rقال عوف بن محلِّم:عادلت عبد الله بن طاهر إلى خراسان، فدخلنا الرُّيّ في السحر فإذا قمرية تغرد على فنن شجرة، فقال عبد الله:أحسن والله أبو كبير في قوله:\rألاياحمام الأيك إلفك حاضرٌ ... وغصنك ميَّادٌ ففيم تنوح\rثم قال: يا عوف أجزها. فقلت: شيخ كبير،وحملت على البديهة، وهي معارضة أبي كبير،ثم انفتح لي شيء، فقلت:\rأفي كلِّ عامٍ غربةٌ ونزوح ... أما للنَّوى من ونيةٍ فتريح\rلقد طلح البين المشتُّ ركائبي ... فهل أرينَّ البين وهو طليح\rوأرَّقني بالرَّيِّ نوح حمامةٍ ... فنحت وذو الشَّجو القريح ينوح\rعلى أنَّها ناحت ولم تذر عبرةً ... ونحت وأسراب الدُّموع سفوح\rوناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح\rوذكر تمام الخبر.\rكان يقال: من لم يرزق ببلدة فليتحوّل إلى أخرى.","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: \" الأرض أرض الله،والعباد عباد الله، فحيث وجد أحدكم رزقه،فليتق الله وليقم \" .\rقال عبد الله بن أبي الشّيص:\rأظنُّ الدَّهر قد آلا فبرَّا ... بألاَّ يكسب الأموال حرَّاً\rلقد قعد الزَّمان بكلِّ حرٍّ ... ونقّض من قواه المستمرَّا\rكأنَّ صفائح الأحرار أردت ... أباه فحارب الأحرار طرَّا\rفأصبح كلُّ ذي شرفٍ ركوباً ... لأعناق الدُّجى برَّاً وبحرا\rفهتَّك جيب درع الَّليل عنه ... إذا ما جيب درع الَّليل زرَّا\rيراقب للغنى وجهاً ضحوكاً ... ووجها للمنيَّة مكفهرَّا\rفيكسب من أقاصي الأرض كسباً ... يحلُّ به المحلَّ المشمخرَّا\rومن جعل الظَّلام له قعوداً ... أضاء له الدُّجى خيراً وشرَّا\rوقال آخر:\rلا تصحبنَّ رفيقاً لست تأمنه ... شرُّ الرَّفيق رفيقٌ غير مأمون\rأنشد نفطويه:\rخاطر بنفسك لا تقعد بمعجزةٍ ... فليس حرٌ على عجزٍ بمعذور\rإن لم تنل في مقامٍ ماتطالبه ... فأبل عذراً بادلاجٍ وتهجير\rلن يبلغ المرء بالإحجام همَّته ... حتَّى يباشرها منه بتغيير\rقالت بنت الأعشى:\rأرانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منَّا الرّحم\rإذا غبت عنَّا وخلَّفتنا ... فإنَّا سواءٌ ومن قد يتم\rوقال آخر:\rوقالت وعيناها تفيضان عبرةً ... أيا أملي خبِّر متى أنت راجع\rفقلت لها تالله يدري مسافرٌ ... إذا أضمرته الأرض ما الله صانع\rوقال آخر:\rحتَّى متى أنا في حلٍّ وترحال ... وطول سعىٍ وإدبارٍ وإقبال\rونازح الدَّار لا أنفكُّ مغترباً ... عن الأحبَّة لا يدرون ما حالي\rبمشرق الأرض طوراً ثمَّ مغربها ... لايخطر الموت من حرصي على بالي\rولو قنعت أتاني الرِّزق في دعةٍ ... إنَّ القنوع الغنى لا كثرة المال\rأنشد الأصمعي لحاجب الفيل اليشكري:\rلمَّا رأت بنتي بأنِّي مزمعٌ ... بترحُّلٍ من أرضها فمودِّع\rورأت ركابي قرِّبت لرحالها ... قالت وغرب العين منها يدمع\rأبتا أتتركنا وتذهب تائهاً ... في الأرض تخفضك البلاد وترفع\rفيضيع صبيتك الّذين تركتهم ... بمضيمةٍ في المصر لم يترعرعوا\rفيهم صغيرٌ ليس ينفع نفسه ... وصغيرةٌ تبكي وطفلٌ يرضع\rإنَّا سنرضى ما أقمت بعيشنا ... ماكان من شيءٍ نجوع ونشبع\rوالله يرزقنا فنرضى رزقه ... وكفى بحسن معيشة من يقنع\rإنَّا إذا ما غبت عنَّا لم نجد ... ممَّا تخلَّف عندنا ما ينفع\rتجفو موالينا ويعرض جارنا ... وقريبنا الأدنى يعزُّ ويقطع\rونخاف أن تلقاك وشك منيّةٍ ... فيصيبنا الأمر الجليل المفظع\rفنصير بعدك ليس يرفع بيتنا ... ويذلُّنا أعداؤنا ونضيَّع\rهذا الرَّحيل وأمرنا ماقد ترى ... فمتى تؤوب إلى الصِّغار وترجع\rفخنقت من قول الصِّغار بعبرةٍ ... كاد الفؤاد لقولهم يتصدَّع\rوأجبتها صبراً بنيَّة واعلمي ... أن ليس يعدو يومه من يجزع\rوقال الغزال:\rوكم ظاعنٍ قد ظنَّ أن ليس آيباً ... فآب وأودى حاضرون كثير\rوإنَّ الَّذي أعظمته من تغرُّبيعليَّ وإن أعظمت ذاك يسير\rرأيت المنايا يدرك العصم عدوها ... فينزلها والطَّير منه تطير\rوعلِّي أمضي ثمَّ أرجع سالماً ... ويهلك بعدي آمنون حضور\rجعلت أرجِّيها إيابي ومن غدا ... على مثل حالي لا يكاد يحور\rوكيف أبالي والزَّمان قد انقضى ... وعظمي مهيضٌ والمكان شطير\rوإنِّي وإن أظهرت منِّي تجلُّداً ... لذو كبدٍ حرَّي عليك حسير\rوقال آخر:","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"يقيم الرِّجال الأغنياء بأرضهم ... وترمي النَّوى بالمقترين المراميا\rفأكرم أخاك الدَّهر ما دمتما معاً ... كفى بالممات فرقةً وتنائيا\rوقال الراجز:\rإنَّ فراخاً كفراخ الأوكر ... بأرض بغداد وراء الأجسر\rتركتهم كبيرهم كالأصغر ... عجزاً عن الحيلة والتَّشمر\rذكرى لديهم مثل طعم السُّكَّر ... ووجدهم بي مثل وجد الأعور\rبعينه إذ ذهبت لم يبصر\rالتشمر: الاكتساب، شمرت لأهلي: أي اكتسبت لهم، وتشَّمر الشجر إذا أورق.\rقال أبو الفتح البستيّ:\rلئن تنقَّلت من دارٍ إلى دارٍ ... وصرت بعد ثواءٍ رهن أسفار\rفالحرُّ حرٌ عزيز النَّفس حيث ثوى ... والشَّمس في كلِّ برج ذات أنوار\rوقال غيره:\rكفى حزناً أنِّي مقيمٌ ببلدةٍ ... وأنت بأخرى ما إليك سبيل\rخرج الشافعي الفقيه رضي الله عنه في بعض أسفاره، فضمَّه الليل إلى مسجدٍ،فبات فيه،وإذا في المسجد قوم عوامّ يتحدثون بضروب من الخنا وهجر المنطق، فتمثل:\rوأنزلني طول النَّوى دار غربةٍ ... إذا شئت لاقيت امرءاً لا أشاكله\rقال شريك:كان يقال: إن أنجى النَّاس من البلايا والفتن، من انتقل من بلدٍ إلى بلد.\rقيل لبعضهم :أيُّ سفرٍ أطول؟ فقال: من كان في طلب صاحبٍ يرضاه، أودرهم حلالٍ يكسبه.\rقال حاتم الطَّائي:\rإذا لزم النَّاس البيوت وجدتهم ... عماةً عن الأخبار خرق المكاسب\rقال محمد بن أبي حازم الباهلي:\rكم المقام وكم تعتافك العلل ... ما ضاقت الأرض في الدُّنيا ولا السُّبل\rفارحل فإنّ بلاد الله ما خلقت ... إلا ليسلك منها السَّهل والجبل\rإن ضاق لي بلدٌ يّممت لي بلداً ... وإن نبا منزلٌ بي، كان لي بدل\rوإن تغيَّر لي عن ودِّه رجلٌ ... أصفى المودَّة لي من بعده رجل\rلم يقطع الله لي من صاحب أملا ... إلاّ تجدَّد لي من صاحبٍ أمل\rالله قد عوَّد الحسنى فما برحت ... منه لنا نعمٌ تترى وتتَّصل\rيمسي ويصبح بي عمرٌ أدافعه ... برزق ربِّي حتى ينفد الأجل\rوقال بعض المتأخرين من المغاربة،وتنسب إلى المتنبي، ولا تصح له:\rرأيت المقام على الإقتصاد ... قنوعاً به ذلَّةً للعباد\rوعجزٌ بذي أدبٍ أن يضيق ... به عيشه وسع هذي البلاد\rوماغرب الرِّزق عن رائدٍ ... ولا سيما حسن الإرتياد\rإذا ما الأديب ارتضى بالخمول ... فلاحظَّ في الأدب المستفاد\rوفي الإضطراب وفي الإغتراب ... منال المنى وبلوغ المراد\rوشرُّ الضَّراغم ضرغامةٌ ... طوى شبله وهو في الغيل هاد\rوإن صارمٌ قرَّ في غمده ... حوى غيره الفضل يوم الجلاد\rولو يستوي بالنُّهوض القعود ... لما ذكر الله فضل الجهاد\rإذا النَّار ضاق بها زندها ... ففسحتها في فراق الزِّناد\rفدع موطناً واغد مسترزقاً ... كذا الرِّزق غادٍ إلى كلِّ غاد\rولا تفن عمرك خوف الفراق ... لبيضٍ ملاح وسمرٍ خراد\rيطلن البكا عند شحط النَّوى ... ويأسين كلَّ الأسى في البعاد\rفكم ترحةٍ من أسى فرقةٍ ... تعود سروراً بحسن المعاد\rإلى كم تحمَّل ضيق المعاش ... وتصبر والصَّبر صعب القياد\rعلى حالةٍ فوتها خيرها ... وضيق المعيشة سقم الفؤاد\rبلا حاسدٍ لي ولا حامدٍ ... قليلة خيرٍ كماء الثِّماد\rفلا شرَّ منِّي يخاف العدو ... ولا خير يرجوه أهل الوداد\rجب الأرض شرقاً وجب غربها ... إلى كلِّ فجٍ عميقٍ وواد\rعساك تنال الغنى أو تموت ... وعذرك في ذاك للنَّاس باد\rفإن يكن الفقر حتماً عليك ... فكابده في غير ناديك ناد","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"فللموت أهون من أن تراك ... بعين الخساسة عين الأعادي\rفإن لم تنل مطلباً رمته ... فليس عليك سوى الإجتهاد\rوقال آخر:؟\rمامن غريبٍ وإن أبدى تجلُّده ... إلاَّ سيذكر بعد الغربة الوطنا\rوقال عبيد بن الأبرص:\rوكلُّ ذي غيبةٍ يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب\rباب التحول عن مواطن الذل\rروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه \" قالوا: يا رسول الله وكيف يذل نفسه؟ قال: \" يتعرض من البلاء لما لا يطيق \" .\rقال أوس بن حجر:\r؟أقيم بدار الحزم ما دام حزمها ... وأحر إذا حالت بأن أتحوَّلا\rوقال المتلمّس:؟؟؟\rإنَّ الهوان حمار البيت يألفه ... والحرُّ ينكره والفيل والأسد\r؟ولا يقيم بدار الذُّلِّ يألفها إلاَّ الذَّ ليلان عير الحيِّ والوتد\rهذا على الخسف مربوطٌ برمَّته ... وذا يشجُّ فما يأوي له أحد\rوقال مالك بن الرَّيب:\rفإن تنصفونا آل مروان نقترب ... إليكم وإلاَّفأذنوا ببعاد\rففي الأرض عن دار المذلَّة مذهبٌ ... وكلُّ بلادٍ أوطنت كبلادي\rوقال المغيرة بن حبناء:\rومثلى إذا ما الدَّار يوماً نبت به ... تحوَّل عنها واستمرَّت مرائره\rولا أنزل الدَّار المقيم بها الأذى ... ولا أرأم الشّيء الَّذي أنا قادره\rإذا أنت لم ترغب بدارٍ نزلتها ... فبعها بدار أو بجارٍ تجاوره\rأنشد أبو عبيد عن الأصمعي:؟\rإذا كنت في دارٍ يهينك أهلها ... ولم تك مكبولاً بها فتحوَّل\rوقال الزبير بن عبد المطلب:؟\rولا أقيم بدارٍ لا أشدُّ بها ... صوتي إذا ما اعترتني سورة الغضب\rوقال آخر:\rلا تأسفنَّ على خلٍّ تفارقه ... إنَّ الأقاصي قد تدنو فتأتلف\rفي النَّاس متبدلٌ والأرض واسعةٌ ... فيها مجالٌ لذي لبٍّ ومنصرف\rوقال قيس بن الخطيم:؟\rومابعض الإقامة في ديارٍ ... يعيش بها الفتى إلاَّ بلاء\rوقال المغيرة بن حنباء:\rوفي الدّهر والأيَّام للمرء عبرةٌ ... وفي الأرض عن دار الأذى مترحرح\rوقال معن بن أوس:\rوفي النَّاس إن رثَّت حبالك واصلٌ ... وفي الأرض عن دار القلى متحوَّل\rوقال عبد الصمد بن المعذل ، ويروى لغيره:\rإذا وطنٌ رابني ... فكلُّ بلادٍ وطن\rوقال أبو العتاهية:\rمن عاش قضَّى كثيراً من لبانته ... وللمضايق أبوابٌ من الفرج\rمن ضاق عنك فأرض الله واسعةٌ ... في كلِّ وجه مضيقٍ وجه منفرج\rوقال الحسين بن الضحاك ، أو أبو العتاهية :\rهممٌ تقاذفت الخطوب بها ... فهرعن من بلد إلى بلد\rوقال آخر:\rوفي الأرض عمَّن لايواتيك مرحل\rوقال حبيب بن أوس الطائي :\rوطول مقام المرء في الحيِّ مخلقٌ ... لديباجتيه فاغترب تتجدَّد\rفإني رأيت الشَّمس زيدت محبَّةً ... إلى النَّاس إذ ليست عليهم بسرمد\rوقال ابن المعتز:\rرأيت حياة المرء ترخص قدره ... فإن مات أغلته المنايا الطَّوائح\rكما يخلق الثوب الجديد ابتذاله ... كذا تخلق المرء العيون اللَّوامح\rوقالأ أبوالفتح البستي:\rوطول الماء في مستقرِّه ... يغيِّره لوناً وريحاً ومطعما\rو قال أبو الفتح الشدوني:\rإذا ما الحرُّ هان بأرض قومٍ ... فليس عليه في هربٍ جناح\rوقد هنَّا بأرضكم وصرنا ... لقى في الأرض تذروه الرِّياح\rوقال محمود الوراق:\rوإذا نبا بي منزلٌ لا يرتضي ... جاوزته واخترت منه منزلا\rوقال آخر:\rوإذا الدِّيار تنكَّرت عن حالها ... فدع الدِّيار وأسرع التَّحويلا\rليس المقام عليك حقاً واجباً ... في منزلٍ يدع العزيز ذليلا\rوقال بشار بن برد:\rوكنت إذا ضاقت عليّ محلةٌ ... تيمَّمت أخرى ما عليّ تضيق","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"وماخاب بين الله والنَّاس عاملٌ ... له في النّقى أو في المحامد سوق\rولا ضاق فضل الله عن متعفّفٍ ... ولكنَّ أخلاق الرِّجال تضيق\rوقال آخر: ؟إذا كنت في دارٍ وحاولت رحلةٍ فدعها وفيها إن رجعت معاد وقال آخر:\rخلِّط فهذا زمانٌ فيه تخليط ... والنَّاس صنفان محرومٌ ومغبوط\rولا تقم ببلادٍ لا انتفاع بها ... فالأرض واسعةٌ والرِّزق مبسوط\rولا تكن غرَّةًٍترضى بغير رضىً ... فإنَّ رزقك عند الله مخطوط\rوقال جواس الكلبي:\rوإذا العلج أغلق الباب دوني ... لم يحرِّم على متن الطَّريق\rوكفاني جفاء من يزدريني ... قطعي الخرق بالمروخ الحروق\rوقال آخر:\rاصبر على حدث الزَّمان فإنَّما ... فرج الشَّدائد مثل حلِّ عقال\rوإذا خشيت تعذُّراً في بلدةٍ ... فاشدد يديك بعاجل التِّرحال\rإنَّ المقام على الهوان مذلَّةٌ ... والعجز أضعف حيلة المحتال\rوقال يحيى بن حكم الغزال:\rوإنَّ مقامي شطر يومٍ بمنزلٍ ... أخاف على نفسي به لكثير\rوقد يهرب الإنسان من خيفة الردى ... فيدركه ما خاف حيث يسير\rوقال المتنبي:\rإذا لم أجد في بلدةٍ ما أريده ... فعندي لأخرى عزمةٌ وركاب\rوقال أبو عثمان العروضي في مهموزته:\rإنَّ الفتى كلَّ الفتى من رأى ... هوانه أقبح ما قد رأى\rاهرب عن الذُّلِّ وعجِّل فما ... أقربه من كلِّ من أبطآ\rلو جرحت رأسي يدا منصفٍ ... لما تمنَّيت بأن أبرآ\rولي حين رحلت من إشبيلية:\rوقائلةٍ مالي أراك مرحّلاً ... فقلت لها:صه واسمعي القول مجملا\rتنكَّر من كنَّا نسرُّ بقربه ... وعاد زعافاً بعدما كان سلسلا\rوحقَّ لجارٍ لم يوافقه جاره ... ولا لاء مته الدَّار أن يترحَّلا\rبليت بخفضٍ والمقام ببلدةٍ ... طويلاً لعمري مخلقٌ يورث البلا\rإذا هان حرٌ عند قومٍ أتاهم ... ولم ينأ عنهم كان أعمى وأجهلا\rولم تضرب الأمثال إلاَّ لعالمٍ ... ولا عوتب الإنسان إلاَّ ليعقلا\rوقال ابن حازم، أو ابن بسام:\rوإن نبا منزلٌ بحرٍّ ... فمن مكانٍ إلى مكان\rلا يلبث الحرُّ في مكانٍ ... ينسب فيه إلى هوان\rالحرُّ حرٌّ وإن تعدَّت ... عليه يوماً يد الزَّمان\rوالنَّذل نذلٌ وإن تكنَّى ... وصار ذا منطقٍ وشان\rفاسترزق الله واستعنه ... فإنَّه خير مستعان\rوقال أبو الفتح:\rمتى رفضتني دار قومٍ تركتها ... وإن لم يكن منها ومن أهلها بد\rوقال حبيب:\rلا يمنعنَّك خفض العيش في دعةٍ ... نزوع نفسٍ إلى أهلٍ وأوطان\rتلقى بكلِّ بلادٍ إن نزلت بها ... أهلاً بأهل وإخواناً بإخوان\rوقال ابن أبي حبيش:\rيا نازلاً ببطليوسٍ إذا ظفرت ... يوماً يداك بيوم البين فاستبق\rولا تقم ببلادٍ لا يعاد بها ال ... مرضى وعجِّل على ما فيك من رمق\rإنَّ المقام بأرضٍ لا يزار بها ... ولا يعاد أخو الشَّكوى من الحمق\rباب التَّوديع والفراق\rودع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب في مسيره إلى العمرة،فقال: \" يا أخي لا تنسنا من دعائك \" .\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إذا خرج أحدكم إلى سفر فليودع إخوانه،فإن الله جاعل له في دعائهم بركة \" .\rوكان عبد الله بن عمر إذا ودع رجلا يقول:استودع الله دينك، وأمانتك، وخواتم عملك.\rقال الشعبي: السُّنة إذا قدم رجل من سفر، أن يأتيه إخوانه فيسلّموا عليه، إذا خرج إلى سفر أن يأتيهم فيودعهم ويغتنم دعائهم.\rودع شعبة بن الحجّاج رجلا خارجاً إلى الحج فقال له :أما إنَّك إن لم تعدَّ الحلم ذلاً، ولا السّفه شرفاً، سلم حجُّك.\rودع عبد الله بن المبارك رجلا، فقال:\rونحن ننادي أنّ فرقة بيننا ... فراق حياةٍ لا فراق ممات","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"وقال إبراهيم الموصلي:\rتقضَّت لباناتٌ وجدّ رحيل ... ويشف من أهل الصَّفاء غليل\rومدَّت أكفٌ للوداع تصافحت ... وكادت عيونٌ للفراق تسيل\rولا بد للإلفين من ذمِّ لوعةٍ ... إذا ماالخليل بان عنه خليل\rفكم من دمٍ قد طلّ يوم تحمَّلت ... أوانس لا يودى لهنّ قتيل\rغداة جعلت الصَّبر شيئاً نسيته ... وأعولت لو أجدى عليك عويل\rوقال محمد بن مقسم، أنشده له ابنه أبو الحسن أحمد بن مقسم:\rفراق الأحبَّة داءٌ دخيلٌ ... ويوم الرَّحيل لنفسٍ رحيل\rسمعت ببينك فاعتادني ... غليلٌ ببقلبي وحزنٌ طويل\rأهذا ولم يك يوم الفراق ... فإن كان لا كان زاد الغليل\rوأيقنت أنِّي به تالفٌ ... ما قد وصفت عليه دليل\rحياة الخليل حضور الخليل ... ويفنى إذا غاب عنه الخليل\rوقال آخر:\rبكت عيني غداة البين حزناً ... والأخرى بالبكا بخلت علينا\rفجازيت التي جادت بدمع ... بأن أقررتها بالوصل عينا\rوجازيت التي جادت بدمعٍ ... بأن غمّضتها يوم التقينا\rوقال الزبير بن بكار:شيعني إسحاق بن إبراهيم و قال:\rفراقك مثل فراق الحياة ... وفقدك مثل افتقاد الدّيم\rعليك السَّلام فكم من وفاءٍ ... أفارق منك وكم من كرم\rوقال آخر:\rودّع أحبابه فما وقفوا ... ولا على ذي صبابةٍ عطفوا\rكم كبدٍ قطعوا بينهم ... وكم دموعٍ عليهم تلف\rكأنَّهم لم يجاوروك ولم ... تعرفهم والوصال مؤتلف\rوقال آخر:\rلم أنس يوم الرَّحيل موقفها ... وطرفها في دموعها غرق\rوقولها والرِّكاب واقفةٌ ... تركتني هكذا وتنطلق\rوقال آخر:؟\rليس شيءٌ من الفراق وإن كا ... ن أخو الوجد والهاً كلفا\rأحرق من وقفة المشيِّع للقل ... ب يريد الرُّجوع منصرفا\rوقال آخر:\rأقول له حين ودَّعته ... وكلٌّ بعشرته مبلس\rلئن رجعت عنك أجسامنا ... لقد سافرت معك الأنفس\rوقال آخر:\rمن يكن يكره الفراق فإنِّي ... أشتهيه لموضع التَّسليم\rإنَّ فيه اعتناقةً لوداعٍ ... وانتظار اعتناقةٍ لقدوم\rوقال آخر:\rصاح الغراب بوشك البين فارتحلوا ... وقرَّبوا العيس قبل الصُّبح واحتملوا\rوغادروا القلب ما تهدا لواعجه ... كأنَّه بضرام النَّار مشتعل\rوفي الجوانح نار الحبِّ تقذفها ... أيدي النّوى بزناد الشَّوق إذ رحلوا\rلمَّا أناخوا قبيل الصّبح عيرهم ... ورحَّلوها وسارت بالدُّمى الإبل\rوقلَّبت من خلال السُّجف ناظرها ... ترنو إليًّ ودمع العين منهمل\rوودّعت ببنان عقده عنمٌ ... ناديت: لا حملت رجلاك يا جمل\rويحيى من البين ماذا حلَّ بي وبهم ... من نازل البين حلَّ البين وارتحلوا\rيا راحل العيس عرِّج كي نودِّعهم ... يا راحل العيس في ترحالك الأجل\rإنِّي على العهد لم أنقض مودّتهم ... يا ليت شعري لطول البين ما فعلوا\rأنشدني أبو القاسم خلف بن قاسم رحمه الله، قال أنشدني أبو بكر بن محمد ابن عبد الله بن الصَّيدلاني، قال: أنشدني أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل الأخفش:\rسقياً ورعياً وإيماناً ومغفرةً ... للباكيات علينا حين نرتحل\rيبكي علينا ولا نبكي على أحدٍ ... أنحن أغلظ أكباداً أم الإبل\rوقال آخر:\rأحجَّاج بيت الله في أيِّ هودجٍ ... وفي أيِّ خدرٍ من خدوركم قلبي\rأأبقى نحيل الجسم في أرض غربةٍ ... وحاديكم يحدو بقلبي مع الرَّكب\rوقال عمر بن أبي ربيعة:\rهاج القريض الذِّكر ... لمَّا غدوا فانشمروا\rعلى بغالٍ شحَّجٍ ... قد ضمَّهنَّ السَّفر","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"فيهنَّ هندٌ ليتني ... ما عمِّرت أعمَّر\rحتَّى إذا ما جاءها ... حتفٌ أتاني القدر\rوقال آخر:\rأيا عجباً ممَّن يودِّع إلفه ... يمدَّ يداً نحو الفراق فيسرع\rهممت بتوديع الحبيب فلم أطق ... فودَّعته بالقلب والعين تدمع\rوينظر إليه في قول الآخر:\rودَّعها طرفي فقالت له ... بالدَّمع أستودعك الله\rوقال حبيب\rمااليوم أوَّل توديعي ولا الثَّاني ... البين أكثر من شوقي وأحزاني\rحسب الفراق بأنَّ الدَّهر ساعده ... فصار أملك من روحي بجثماني\rوماأظنُّ النَّوى يرضى بما صنعت ... حتَّى تشافه بي أقصى خرسان\rوقال آخر:\rأهدى إليه سفرجلاً فتطيَّرا ... منه وظلّ مفكِّراً مستعبراً\rخوف الفراق لأنَّ شطر هجائه ... سفرٌ وحقَّ له بأن يتطيَّرا\rوقال آخر:\rأقيم وتظعنين وأنت روحي ... وهل جسدٌ يعيش بغير روح\rلئن كان الفراق غداً فإنِّي ... سأحمل لا أشكُّ إلى ضريحي\rتعالي بعد فرقتنا لنبكي ... فإنِّي نائحٌ أبداً فنوحي\rوقال أبو الشيص، وهو محمد بن عبد الله بن رزين:\rمافرَّق الأحباب بع ... د الله إلاَّ الإبل\rوالنَّاس يلحون غرا ... ب البين لمَّا جهلوا\rوماعلى ظهر غرا ... ب البين تطوى الرِّحل\rولا إذا صاح غرا ... بٌ في الدِّيار ارتحلوا\rوماغراب البين إلاَّ ... ناقةٌ أو جمل\rأنشدنيها عبد الوارث عن قاسم عن أبي خيثمة لأبي الشِّيص.\rوقال العلوي علي بن محمد:\rولقد نظرت إلى الفراق فلم أجد ... للموت لو فقد الفراق سبيلا\rياساعة البين الطَّويل كأنَّما ... واصلت ساعات القيامة طولا\rوقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الفقيه:\rلعمري لئن شطَّت بعثمة دارها ... لقد كدت من قبل الفراق أليح\rأروح بهمٍّ ثم أغدو بمثله ... ويحسب أنِّي في الثِّياب صحيح\rوقال حبيب:\rيوم الفراق لقد خلقت طويلا ... لم تبق لي جلداً ولا معقولا\rلو جاء مرتاد المنيَّة لم تجد ... إلاَّ الفراق على النُّفوس دليلا\rقالوا الرَّحيل فما شككت بأنَّها ... نفسي عن الدُّنيا تريد رحيلا\rوهذا باب أكثر فيه أهل الظرف، فرأيت اختصاره،قال الحارث بن وعلة، وتنسب إلى العتّابي كلثوم بن عمرو،وهي أبيات كثيرة أولها:\rماغناء الحذار والإشفاق ... وشآبيب دمعك المهراق\rغرَّ من ظنَّ أن يفوت المنايا ... وعراها قلائد الأعناق\rويد الحادثات رهنٌ بمرَّا ... تٍ من العيش مصرَّات المذاق\rكم صفيَّين متّعا باتفاقٍ ... ثمَّ صارا من بعده لافتراق\rقلت للفرقدين والَّليل ملقٍ ... سود أكنافه على الآفاق\rابقيا ما بقيتما سوف يرمي ... بين شخصيكما بسهم الفراق\rهوِّني ذا عليك واقني حياءً ... لست تبقين لي ولست بباق\rأيُّنا قدَّمت حمام المنايا ... فالَّذي أخَّرت سريع الَّلحاق\rلا يدوم البقاز للخلق ل ... كنَّ دوام البقاء للخلاَّق\rإن قضى الله أن يكون تلاقٍ ... بعد ما قد ترين كان التّلاقي\rوقال آخر، وهو نفطويه:\rشيئان لو بكت الدِّماء عليهما ... عيناي حتَّى تؤذنا بذهاب\rلم يبلغا المعشار من حقَّيهما ... فقد الشَّباب وفرقة الأحباب\rوقال الغزال:\rوإن رجائي في الإياب إليكم ... وإن أنا أظهرت العزاء قصير\rوإن كنت تبغين الوداع فبالغي ... فدونك أحوالٌ أرى وشهور\rوقال آخر:\rليس الفراق وإن جزعت بضائرٍ ... ما لم تفرِّق بيننا الأخلاق\rإن لم يحل حدث المنيَّة بيننا ... فسنلتقي وسيحفظ الميثاق","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"والدَّهر يجمع بين كلِّ مفارقٍ ... ولكلِّ ملتقيين منه فراق\rوقال محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين:\rمدَّت إلى البين أطرافاً مخضَّبةً ... لمَّا تولَّت وذاقت حرقة البين\rوودَّعتني وما همَّت ولا نطقت ... وإنَّما ودّعت وحياً بعينين\rبلى لقد أومأت نحوي بإصعبها ... إيماءةً ختلت عنها الرَّقيبين\rوقال آخر:\rأتذكر إذا تودِّعنا سليمى ... بعود بشامةٍ سقى البشام\rيريد: تشير إلينا بمسواكها مودعة.\rوقال أبوعوانة: كنت أجالس أبا العتاهية فأراد الخروج إلى مكة فودعني وقال:\rإن نعش نجتمع وإلاَّ فما ... أشغل من مات عن جميع الأنام\rقالت أعرابية لابن لها، وقد ودعته وهو يريد سفراً: امض مصاحباً مكلوءاً، لا أشمت الله بك عدواً، ولا أرى محبيك فيك سوءاً.\rودع أعرابي رجلا، فقال كبت الله لك كل عدوّ إلا نفسك، وجعل خير عملك، ما ولى أجلك. بيت قديم:\rوكلُّ مصيبات الزَّمان وجدتها ... سوى فرقة الأحباب هيِّنة الخطب\rقال محمد بن عبد السلام الخشني:\rكأن لم يكن بينٌ ولم تك فرقةٌ ... إذا كان من بعد الفراق تلاق\rكأن لم تؤرَّق بالعراقين مقلتي ... ولم تمر كفُّ الشَّوق ماء مآق\rولم أزر الأعراب في خبت أرضهم ... بذات اللِّوى من رامةٍ وبراق\rولم أصطبح في البيد من قهوة النَّوى ... بكأسٍ سقانيها الفراق دهاق\rوقال آخر:\rخليليّ إلاَّتبكيا لي أستعن ... خليلاً إذا أفنيت دمعي بكى ليا\rكأن لم تكن بينٌ إذا كان بعده ... تلاق ولكن لا إخال تلاقيا\rقالوا: كم بين لوعة الفراق وفرح التلاق.\rباب الزيارة والعيادة\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من زار أخاً له في الله،أو عاده، خاض الرحمة حتى يرجع وقال الله عز وجلّ له:طبت ممشاك وتبوأت من الجنَّة منزلا \" ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إذا أتاكم الزائر فأكرموه \" وقال حاكياً عن الله عز وجل: \" وجبت محبتي للمتزاورين فيّ والمتحابين فيّ \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم،لأبي هريرة: \" ياأباهريرة زرغبَّاً تزدد حبّاً \" .أخذه الشاعر فقال:\rإذا شئت أن تقلى فزر متواتراً ... وإن شئت أن تزداد حبَّاً فزد غبَّا\rأنشدني أبو عثمان سعيد بن سيد، لعبد الملك بن جهور الوزير:\rوقد قال الرَّسول وكان برَّاً ... إذا زرت الحبيب عزره غبَّا\rوأقلل زور من تهواه تزدد ... إذا ما زرته مقةً وحبَّا\rولعلي بن أبي طالب الكاتب:\rإنِّي رأيتك لي محبَّاً ... وإليّ حين أغيب صبَّا\rفهجرت لا لملالةٍ ... حدثت ولا استحدثت ذنبا\rإلاَّ لقول نبيِّنا ... زوروا على الأيَّام غبَّا\rولقوله من زار غبَّا ... منكم يزداد حبَّا\rقال خارجة بن زيد النحوي: دخلت على محمد بن سيرين بيته زائراً له،فوجدته جالساً بالأرض،فألقى إليّ وسادة،فقلت له:إني قد رضيت لنفسي مارضيت لنفسك.فقال: إني لا أرضى لك في بيتي ما أرضى لنفسي، واجلس حيث تؤمر، فلعل الرجل في بيته يكره أن تستقبله.\rقال بشار:\rلا تجعلن أحداً عليك إذا ... أحببته وهويته ربَّا\rوصل الخليل إذا شغفت به ... واطو الزِّيارة دونه غبَّا\rفلذاك خيرٌ من مواصلةٍ ... ليست تزيدك عنده قربا\rلكن يملُّك ثمَّ تدعو باسمه ... فيقول:ها،وطالما لبَّى\rوقال آخر:\rعليك بإقلال الزِّيارة إنَّها ... تكون إذا ما دامت إلى الهجر مسلكا\rفإنِّي رأيت الغيث يسأم دائماً ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا\rقال قيس بن سعد بن عبادة: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم زائراً،فوقف ببابنا.\rقال ابن المعتز:\rوقفةٌ في الطَّريق نصف الزِّياره\rوقال آخر:\rوحظُّك زورةٌ في كلِّ عامٍ ... موافقةٌ على ظهر الطَّريق","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"سلاماً خالياً من كلِّ شيءٍ ... يعود به الصَّديق على الصَّديق\rكان يقال:امش ميلاً وعد عليلا، وامش ميلين وأصلح بين اثنين،وامش ثلاثة أميال، وزر في الله.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" كان فيمن قبلكم رجل يزور أخاً له في الله بقرية أخرى، فأرصد الله على مدرجه ملكا،فلما انتهى إليه قال له: أين تريد؟ قال:أريد قرية كذا. قال: وما حاجتك فيها؟ قال: زيارة أخ لي في الله.قال:وهل غيرذلك؟ قال: لا قال:فهل عليك من نعمة تربيها، أو تشكرها؟ قال: لا ،إلا أنه أحبني في الله فأحببته فيه. قال: فإني رسول الله إليك، مخبرك أنه يحبك كما أحببت فيه \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" كنت نهيتكم عن زيارة القبور،ثم أذن لي فيها فزوروها فإنها تذكّر الآخرة، ولا تقولوا هجراً \" .\rكان سفيان بن عيينة يقول:لا تعمل الأقدام في الزيارة إلاّ إلى أقدارها، وينشد:\rفضع الزِّيارة حيث لا يزرى بها ... كرم المزور ولا يعاب الزَّائر\rوقال العباس بن الأحنف:\rيقرِّب الشَّوق داراً وهي نازحةٌ ... من عالج الشَّوق لم يستبعد الدَّارا\rأزوركم لا أكافئكم بجفوتكم ... إنَّ المحبَّ إذا لم يستزر زارا\rوقال الأحوص:\rوماكنت زوَّاراً ولكنَّ ذا الهوى ... إذا لم يزر لا بدَّ أن سيزور\rأزور على أن لست أفقد كلَّما ... أتيت عدوَّاً بالبنان يشير\rوقال آخر:\rفإنَّي لزوَّارٌ لمن لا يزورني ... إذا لم يكن في ودِّه بمريب\rومستقربٌ دار الحبيب وإن نأت ... وما دار من أبغضته بقريب\rوقال آخر:\rرأيت تباعد الإخوان قرباً ... إذا اشتملت على الودِّ القلوب\rوليس يواصل الإلمام إلاَّ ... ضنينٌ في مودَّته مريب\rوقال إبراهيم بن العباس الصولي:\rدنت بأناسٍ من تناءٍ زيارةٌ ... وشطَّ بليلى عن دنوٍ مزارها\rوإنَّ مقيماتٍ بمنقطع الِّلوى ... لأقرب من ليلى وهاتيك دارها\rوأما قول قرم بن مالك:\rعلام إوايم البخلاء فيها ... فأقعد لا أزور ولا أزار\rقال بعضهم:إن معناه علام أستوحش من الناس، وتأول من ذهب هذا المذهب في قول العرب: لولا الأوام هلك الأنام، أي لولا أنس الناس بعضهم ببعض لهلكوا إذا عمتهم الوحشة. وقال آخرون:في قولهم: لولا الأوام هلك الأنام، أي لولا أن بعض الناس إذا رأى صاحبه صنع خيراً تشبه به لهلك الناس، ولبعض أهل العصر:\rأزور خليلي ما بدا لي هشُّه ... وقابلني منه البشاشة والبشر\rفإن لم يكن هشٌ وبشٌ تركته ... ولو كان في الُّلقيا الولاية واليسر\rوحقُّ الذي ينتاب داري زائراً ... طعامٌ وبرٌ قد تقدَّمه بشر\rباب العيادة أيضاً\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" عائد المريض في مخرفة الجنة \" .\rوقال عليه السلام: \" عائد المريض يخوض الرحمة،فإذا قعد عنده غمرته \" .\rقال مالك: أو نحو هذا.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من حقِّ المسلم على المسلم أن يسلِّم عليه إذا لقيه، ويعوده إذا مرض ويشمِّته إذا عطس، ويشيِّع جنازته إذا مات ويجيبه لطعامه إذا دعاه \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أفضل العيادة أخفُّها \" .\rوذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال:حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن الحجاج - يعني بن أرطاة - عن المنهال عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عبّاس، قال: \" من دخل على مريضٍ لم تحضر وفاته، فقال: أسأل الله العظيم، ربَّ العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات شفي \" .\rقال الشاعر:\r؟إن كنت في ترك العيادة تاركاً ... حظِّي فإنِّي في الدُّعاء لجاهد\rولربَّما ترك العيادة مشفقٌ ... وأتى على غلِّ الضّمير الحاسد\rوقال آخر:\rإذامرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر\rوقال عبد الله بن مصعب الزبيري:\rمالي مرضت فلم يعدني عائدٌ ... منكم ويمرض كلبكم فأعود\rفسمي عائد الكلب.\rولجعفر بن حذار الكاتب:\r؟إنَّ العيادة يومٌ بين يومين ... واقعد قليلاً كلحظ العين بالعين","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"لا تبرمنَّ مريضاً في عيادته ... يكفيك من ذاك تسآلٌ بحرفين\rوللشافعي الفقيه رضي الله عنه وقد اشتكى بمصر شكوى عاده فيها بعض إخوانه، فلمسوا جبينه، وقالوا له: أنت بخير ونحو هذا، فقال:\rأقول لعائديَّ وشجَّعوني ... وغرَّهم فتور حمى جبيني\rتعزَّوا بالتَّصبُّر عن أخيكم ... فضجُّوا بالبكاء وودّعوني\rفلم أدع الأنين لقلِّ سقمي ... ولكنِّي ضعفت عن الأنين\rسأصبر للحمام وقد أتاني ... وإلاَّ فهو آتٍ بعد حين\rوإن أسلم يمت قبلي حبيبٌ ... وموت أحبَّتي قبلي يسوني\rقال المدائني:سقط عبد الله بن شبرمة القاضي عن دابته، فوثئت رجله، فدخل عليه يحيى بن نوفل الشاعر عائداً له ومادحاً، وكان جاره فأنشده:\rأقول غداة أتانا الخبير ... ود سَّ أحاديثه هينمه\rلك الويل من مخبرٍ ماتقول؟ ... أبن لي وعدِّ عن الجمجمه\rفقال خرجت وقاضي القضا ... ة منفكَّةٌ رجله مؤلمه\rفقلت وضاقت عليَّ البلاد ... وخفت المجلِّلة المعظمه\rفغزوان حرٌّ وأمُّ الوليد ... إن الله عافى أبا شبرمه\rجزاءً لمعروفه عندنا ... وما عتق عبدٍ له أو أمه\rقال: وفي المجلس جارٌ ليحيى بن نوفل يعرف ما في منزله، فلما خرج تبعه، فقال له: ياأبا معمر! رحمك الله من غزوان وأمّ الوليد؟ قال: سنَّوران في البيت فاستر عليّ.\rباب الحجاب\rقال رسول الله صلىِّ الله عليه وسلِّم : \" من ولي من أمور النَّاس شيئاً فاحتجب عن حاجتهم، احتجب الله عنه يوم القيامة وعن حاجته، وخلّته وفاقته \" .\rوقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم: \" من رفع حاجة ضعيفٍ إلى ذي سلطان لا يستطيع رفعها، ثبَّت الله قدميه على الصِّراط يوم القيامة \" .\rحجب معاوية أبا الدّرداء يوماً وحبسه عند بابه، فقيل له: يا أبا الدرداء! ويفعل هذا بك وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: من يأت أبواب السلطان يقم ويقعد.\rقال عبد العزيز بن زرارة الكلابي: ؟دخلت على معاوية بن صخر على حين يئست من الدّخول\rوما نلت الدُّخول عليه حتّى ... حللت محلّة الرّجل الذَّليل\rوأغضيت الجفون على قذاها ... ولم أنظر إلى قالٍ وقيل\rفأدركت الّذي أمّلت منه ... بمكثٍ والخطا زاد العجول\rحجب أعرابيٌّ عند باب سلطان فقال:\rأهين لهم نفسي لأكرمها بهم ... ولن يكرم النّفس الّذي لا يهينها\rحدثني أبو القاسم خلف بن قاسم رحمه الله، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبيد الله الصَّيدلاني، قال :حدثنا عليُّ بن سليمان الأخفش، قال: أنشدني بعض أصحابنا:\rفي كلِّ يومٍ لي ببابك وقفةٌ ... أطوى إليها سائر الأبواب\rفإذا جلست وغبت عنك فإنّه ... ذنبٌ عقوبته على البوّاب\rاستأذن أبو سفيان على عثمان رضي الله عنه، فأبطأ إذنه، فقيل حجبك أمير المؤمنين ؟ فقال: لا عدمت من قومي من إذا شاء حجب.\rقال معاوية لحضين بن المنذر: يا أبا ساسان كأنك لا تحسن إذنك. فأنشأ يقول:\rكلُّ خفيف الرّأي يمشي مشِّمراً ... إذا فتح البواب بابك إصبعا\rونحن الجلوس الماكثون رزانةً ... وحلماً إلى أن يفتح الباب أجمعا\rقال زياد لحاجبه: يا عجلان! إنّي ولّيتك ما وراء بابي، وعزلتك عن أربعة:طارق الليل فشرٌ ما جاء به، وخبر رسول صاحب الثغر فإنّه إن تأخر ساعة أبطل عمل سنة، وهذا المنادي الصّلاة وصاحب الطعام فإنَّ الطَّعام إذا أعيد عليه التَّسخين فسد.\rقال مروان لابنه عبد العزيز - حين ولاّه مصر - يا بنيّ مر حاجبك يخبرك من حضر بابك كلّ يوم، فتكون أنت تأذن وتحجب، وآنس من دخل عليك بالحديث فينبسط إليك، ولا تعجل بالعقوبة إذا أشكل عليك الأمر، فإنّك على العقوبة أقدر منك على ارتجاعها.\rكان يقال: لا تقم على باب حتى تدعى إليه.","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"أقام رجل على باب كسرى سنة، فلم يؤذن له، فقال له الحاجب: اكتب كتاباً وخفّفه أوصله لك. فقال: لا أزيد على أربعة أسطر، فكتب في السطر الأول: الأمل والضرورة أقدماني عليك، وفي السطر الثاني: ليس مع العدم صبر على الطلب، وفي السطر الثالث: الرجوع بلا فائدة شماتة الأعداء وفي السطر الرابع: إما نعم مثمرة، وإما لا موئسة. فوقع كسرى تحت كل سطر بأربعة آلاف درهم، فانصرف بستة عشر ألف درهم.\rقال أشجع بن عمر السُّلمي، في باب محمد بن منصور بن زياد:\rعلى باب ابن منصورٍ ... علاماتٌ من البذل\rجماعاتٌ وحسب البا ... ب فضلا كثرة الأهل\rوقال بشار بن برد:\rيسقط الطَّير حيث ينتثر الحبُّ ... وتغشى منازل الكرماء\rوقال حبيب:\rإنّ السّماء ترجَّى حين تحتجب\rوقال آخر:\rيزدحم النَّاس على بابه ... والمشرب العذب كثير الزِّحام\rوقال عبيد الله بن عكراش:\rوإنّي لأرثي للكريم إذا غدا ... على طمعٍ عند الَّلئيم يطالبه\rوأرثي له من وقفةٍ عند بابه ... كمرثيتي للطِّرف والعلج راكبه\rكتب رجل إلى عبد الله بن طاهر:\rإذا كان الجواد له حجابٌ ... فما فضل الجواد على البخيل\rفأجابه عبد الله بن طاهر:\rإذا كان الجواد قليل مالٍ ... ولم يعذر تعلَّل بالحجاب\rوقال البحتري:\rأتيتك لَّلتسليم لا أنَّني امرؤٌ ... طلبت بإتيانك أسباب نائلك\rفألفيت بوَّاباً ببابك مغرماً ... بهدم الّذي أوطأته من فضائلك\rوقد قيل قدماً حاجب المرء عاملٌ ... على عرضه فاحذر جناية عاملك\rوكن عالماً أن لست من بعد راجعاً ... إليك ولو كان الهدى من رسائلك\rولعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود إلى عمر بن عبد العزيز:\rيا عمر بن عمر بن الخطّاب ... إن وقوف الحرِّ عند الأبواب\rيدفعه البوَّاب بعد البواب ... يعدل عند الحرّ قلع الأنياب\rقال بعض الأكاسرة لحاجبه: لا تحجب عني أحداً إذا أخذت مجلسي،فإن الوالي لا يحجب إلا عن ثلاث:عيٌ يكره أن يطلع عليه، أو بخل فيكره أن يدخل عليه من يسأله، أو ريبة.\rوقد نظم هذا كله محمود الوراق فقال:\rإذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه ... وردّ ذوي الحاجات دون حجابه\rظننت به إحدى ثلاثٍ وربّما ... نزعت بظنٍّ واقعٍ بصوابه\rفقلت به مسٌ من العيِّ قاطعٌ ... ففي إذنه للنّاس إظهار ما به\rفإن لم يك عيُّ اللسان فغالبٌ ... من البخل يحمي ماله عن طلابه\rفإن لم يكن هذا ولا ذا فريبةٌ ... يصرُّ عليها عند إغلاق بابه\rوله أيضاً:\rلولا مقارفة الرِّيب ... ما كنت مّمن يحتجب\rأو لا فعيٌ فيك أو ... بخلٌ على أهل الطَّلب\rفاكشف لنا وجه العتا ... ب و لا تبال من عتب\rوقد جمع منصور الفقيه هذا المعنى في أقل نظم، فقال:\rوطول الحجاب مخبِّرٌ ... عن عيِّ صاحبه وبخله\rفإذا الفتى لم يستبن ... هذا تبيّن ضعف عقله\rوأرفع من هذا قول زهير:\rالسِّتر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر\rقصد إبراهيم بن المهدي بن يحيى بن خالد فحجبه، فكتب إليه إبراهيم:\rإني أتيتك للسّلام ولم ... أنقل إليك لحاجةٍ رجلي\rفحجبت دونك مرّتين وقد ... تشتدّ واحدةٌ على مثلي\rوقال آخر:\rسأترك باباً تملك إذنه ... وإن كنت أعمى عن جميع المسالك\rفلو كنت بوّاب الجنان تركتها ... وحوّلت رجلي مسرعاً نحو مالك\rوقال محمود الوراق:\rسأترك هذا الباب ما دام إذنه ... كعهدي به حتّى يخفَّ قليلا\rوما خاب من لم يأته متعمِّدا ... ولا فاز من قد نال منه وصولا\rوما جعلت أرزاقنا بيد امرئٍ ... حمى بابه من أن ينال دخولا\rإذا لم أجد يوماً إلى الإذن سلَّماً ... وجدت إلى ترك المجيء سبيلا\rوقال آخر:","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"على أيِّ بابٍ أطلب الإذن بعدما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه\rوفي معنى هذا قول الفرزدق:\rوكان يجير النّاس من سيف مالكٍ ... فأصبح يبغي نفسه من يجيرها\rوقال آخر:\rولست بمتّخذٍ صاحباً ... يقيم على بابه حاجبا\rويلزم إخوانه حقَّه ... وليس يرى حقّهم واجبا\rوقال أبو تمام:\rهشٌ إذا نزل الوفود ببابه ... سهل الحجاب مهذّب الخدّام\rوإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيُّهما أخو الأرحام\rوقال أبو العتاهية في عمرو بن مسعدة:\rما لك قد حلت عن وفائك واس ... تبدلت يا عمرو شيمة كدره\rما لي في حاجةٍ إليك سوى ... تسهيل إذني فإنها عسره\rإّني إذ ا الباب تاه صاحبه ... لم يك عندي لتركه نظره\rلستم ترجَّون للحساب ولا ... يوم تكون السَّماء منفطره\rلكن لدنيا تكون بهجتها ... سريعة الإنقضاء منشمره\rقد كان وجهي لديك معرفةً ... فاليوم أضحى باباً من النكرة\rكتب أبو مسهر إلى أبي جعفر محمد بن عبدكان، وكان قد حجب على بابه:\rإني أتيتك للسَّلام أمس فلم ... تأذن عليك لي الأستار والحجب\rوقد علمت بأني لم أردَّ ولا ... والله ما ردّ إلاَّ الحديث والأدب\rفأجابه محمد بن عبد كان:\rلو كنت كافأت بالحسنى لقلت كما ... قال ابن أوسٍ ففي أشعاره أدب\rليس الحجاب بمقصٍ عنك لي أملاً ... إنّ السَّماء ترجّى حين تحتجب\rوقال منصور الفقيه:\rإن الحجاب عذابٌ ... وليس لي بالعذاب\rكلاَّ فلا تعذلوني ... على اتَّصال اجتنابي\rوله أيضاً:\rإذا كان لا بدَّ من حجبةٍ ... ومن حاجبٍ فاجعلوه رفيقا\rيخاطب من جاءه بالجميل ... فيأتي صديقاً ويمضي صديقا\rباب المصافحة وتقبيل اليد والفم\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: \" تصافحوا يذهب الغلّ \" .\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" : إذا التقى المسلمان وتصافحا تحاتت ذنوبهما كما يتحاتُّ الشَّجر \" .\rكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا صافح رجلاً لم ينزع يده من يده حتى يكون الرّجل هو الذي ينزع يده من يده.\rقال أبو مخلد: المصافحة تجلب المحبة.\rكان يقال: تحية المؤمنين المصافحة والسَّلام.\rقال الشّاعر:\rقد يمكث النّاس دهراً ليس بينهم ... ودٌّ فيزرعه التَّسليم والُّلطف\rلما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة، وأرادوا النزول على حكم سعد بن معاذ وكان قد تخلف بالمدينة لجرحٍ أصابه بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدم عليه قال للأنصار: \" قوموا إلى سيّدكم \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من سرّه أن يمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار \" .\rومذهب الحديثين أنه جائز للرجل أن يكرم القاصد إليه إذا كان كريم القوم، أو عالمهم، أو من يستحقّ البرّ منهم بالقيام إليه أو يرضى بذلك منهم.\rقال ابن المسيّب البغدادي جار ابن الرومي:\rأقوم وما بي أن أقوم مذلةٌ ... عليّ وإنّي للكرام مذلَّل\rعلى أنَّها منِّي لغيرك هجنةٌ ... ولكنَّها بيني وبينك تجمل\rكان يقال: تقبيل اليد إحدى السجدتين.\rتناول أبو عبيدة بن الجراح يد عمر ليقبِّلها، فقبضها، فتناول رجله فقال: ما رضيت منك بتلك فكيف بهذه.!! دخل عقَّال بن شبَّة على هشام بن عبد الملك، فأراد أن يقبِّل يده فقبضها، وقال: مه فإنه لم يفعل هذا من العرب إلا هلوع، ومن العجم إلا خضوع.\rقال الحسن: قبلة يد الإمام العدل طاعة.\rكان يقال:قبلة الرّجل زوجته الفم، وقبلة الوالد ولده الرأس، وقبلة الأمِّ الولد الخدَّ، وقبلة الأخت الأخ العنق.\rقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه:قبلة الوالد عبادة، وقبلة الولد رحمة، وقبلة المرأة شهوة وقبلة الرجل أخاه دين.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" العينان تزنيان وزناهما النظر ،و الفم يزني وزناؤه القبل، واليد تزني وزناؤهما اللمس، ويصدِّق ذلك كله الفرج أو يكذبه \" .","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"قال الهيثم بن عديّ قال لي صالح بن حيّان: من أفقه الشّعراء؟ فقلت: اختلف في ذلك. فقال: أفقه الشعراء وضَّاح اليمن، حيث يقول:\rإذا قلت هاتي ناوليني تبسّمت ... وقالت معاذ الله من فعل ما حرم\rفما نوَّلت حتّى تضرّعت عندها ... وأعلمتها ما أرخص الله في الَّلمم\rباب الرَّسول صلى الله عليه وسلم\rذكر ابن الأنباري عن ثعلب، عن ابن الأعرابي، قال: الرَّسول والرَّسيل والرّسالة سواء.\rوينشد هذا البيت على وجهين:\rلقد كذب الواشون ما بحث عندهم ... بسرٍّ ولا أرسلتهم برسول\rويروى برسيل.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إذا أبردتم إليّ بريداً، أو بعثتم رسولا، فليكن حسن الوجه، حسن الاسم، وإذا سألتم الحوائج فاسألوا حسان الوجوه \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الرجل الصّالح يجيء بالخبر الصالح، والرجل السّوء يأتي بالخبر السّوء \" .\rأنشد أبو حازم القاضي ببغداد:\rوأتانا عن النبيِّ حديثا ... ن إليه كلاهما يسندان\rواحدٌ في الحاجات يأمرنا أن ... نبتغي من ذوي الوجوه الحسان\rثم في الفال حبّه حسن الاس ... م وهذان فيك مجتمعان\rومعاذ الإله أن يلفيا في ... ك كما جاء عنه لا يصدقان\rكان عبد الملك بن مروان إذا ولَّى رجلاً البريد، سأل عن صدقه وعفته وأمانته، وقال: إن كذبه يشكك في صدقه، وشرّه يحمله على كتمان الحق، وعجلته تهجم به على ما يندمه ويؤثمه.\rقالوا: الرسول قطعة من المرسل.\rقال عمرو بن العاص: ثلاثةٌ دالّة على صاحبها: الرسول على المرسل، والهدية على المهدي، والكتاب على الكاتب.\rلما قال عمر بن أبي ربيعة:\rمن رسولي إلى الثُّريّا فإنِّي ... ضقت ذرعاً بهجرها والكتاب\rهي مكنونةٌ تحيَّر منها ... في أديم الخدَّين ماء الشّباب\rأبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمسٍ كواعبٍ أتراب\rثم قالوا تحبها؟ قلت بهراً ... عدد القطر والحصى والتّراب\rقال له ابن أبي عتيق: والله لا كان المبلغ لهذا الشعر غيري. فارتحل من المدينة حتى أتى مكة، فصادف الثريا في الطواف. فقالت له: يا ابن أبي عتيق! ماجاء بك، وليس هذا أوان الحج؟ فقال: أبيات لعمر. فقالت أنشدني. فأنشدها الأبيات حتى أتى على آخرها. فقالت: أدى الله أمانتك، فقد أديت. قال: فضرب راحلته ورجع.\rقال صالح بن عبد القدوس:\rإذا كنت في حاجةٍ مرسلاً ... فأرسل حكيماً ولا توصه\rوإن باب أمر عليك التوى ... فشاور لبيباً ولا تعصه\rسمع الخليل بن أحمد رجلاً ينشد بيت صالح هذا:\rإذا كنت في حاجةٍ مرسلاً ... فأرسل حكيماً ولا توصه\rفقال: هو الدِّرهم.\rوقال آخر:\rوما أرسل الأقوام في حاجةٍ ... أمضى ولا أنفع من درهم\rيأتيك عفواً بالذي تشتهي ... نعم رسول الرَّجل المسلم\rولبعض المتأخرين من أهل عصرنا:\rإذا كنت متّخذاً رسولاً ... فلا ترسل سوى حرٍّ نبيل\rفإن النُّجح في الحاجات يأتي ... لطالبها على قدر الرَّسول\rوقال الراجز:\rما مرسلٌ أنجح فيما نعلم ... من طبقٍ يهدي وهذا الدِّرهم\rوقال منصور الفقيه:\rأرسلت في حاجةٍ رسولاً ... يكنى أبا درهمٍ فتمَّت\rولو سواه بعثت فيها ... لم تحظ نفسي بما تمنّت\rباب الهديَّة\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: \" الهدية رزقٌ من رزق الله، فمن أهدي إليه شيءٌ فليقبله ولا يردّه، وليكافئ عليه \" .\rوقال صلى الله عليه وسلّم: تهادوا فإنّ الهدية تذهب السّخيمة، وتزيل وحر الصدور ولا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاة \" ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، ويثيب عليها أفضل منها.\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لو أهدي إليّ ذراع لقبلت، ولو دعيت لكراع لأجبت \" .\rقال رجل لأبي ذر:فلان يقرئك السلام.فقال :هدية حسنة، وحمل خفيف.\rوقال عليٌّ بن أبي طالب رضي الله عنه:نعم الشيء الهدية أمام الحاجة.","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"وقد حدثنا ابن صاعد، قال:حدثنا زياد بن يحيى أبو الخطاب، حدثنا أبو عتّاب الدَّلاَّل، وحدثنا عثمان بن عبد الرحمن، حدثنا الزُّهري، عن عبد الله بن وهب بن زمعه عن أم سلمة، عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: \" الهدية تذهب السّخيمة \" . قيل: وماالسَّخيمة؟ قال: \" الإحنة تكون في الصُّدور \" .\rوعن الهيثم بن عديّ، قال: كان يقال: ما ارتضى الغضبان، ولا استعطف السُّلطان،و لا سلبت الشَّحناء، ولا دفعت المغارم ولا توقِّي المحذور، ولا استعمل المهجور بمثل الهدية والبرّ.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: \" من أهديت إليه هدية فجلساؤه شركاؤه فيها \" .\rقال أبو إسحاق الصَّابي:\rرويت في السُّنة المشهورة البركه ... أنّ الهديَّة في الجلاَّس مشتركه\rكان يزيد بن قيس الأرحبيّ، والياً لعلي رضي الله عنه، فأهدى إلى الحسن والحسين رضي الله عنهما وترك ابن الحنفية، فضرب عليّ رحمه الله على جنب ابن الحنفية وقال:\rوما شرُّ الثَّلاثة أمَّ عمروٍ ... بصاحبك الَّذي لم تصبحينا\rروي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال للقرابات: \" تزاوروا ولا تجاوروا، وتهادوا فإن الهدّية تثبت المروءة وتستلُّ السّخيمة \" .\rأصبح عند عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بالكوفة يوم نيروز هدايا كثيرة وتحف، فأنكر ذلك. فقالوا له: إنه يوم نيروز قال: فنيروز لنا إذاً كل يوم.\rقال أبو عمر: كان هذا منه رضي الله عنه - إن صحّ - قبل أن يدخل الكوفة، وأن يكون خليفة، لأن المحفوظ عنه من رواية الثقات أنه كان لا يقبل هدية نيروز ولا مهرجان، وأنه كان يأخذ ما أهدى إليه عماله فيضعه في بيت المال - مال المسلمين.\rقال يونس بن عبيد : أتيت ابن سيرين يوماً ومعي خبيص، فقلت: قولوا له:يونس بالباب. فقال - وأنا أسمع - :قولوا له: قد نام. فقلت: إن معي خبيصاً. قال: كما أنت حتى أخرج إليك.\rقال الشاعر:\rهدايا النّاس بعضهم لبعضٍ ... تولِّد في قلوبهم الوصالا\rوتزرع في الضّمير هوىً وودّاً ... ويكسوهم إذا حضروا جمالا\rقال أبو عوانة: قلت للأعمش: ياأبا محمد! إن عندي بطة سمينة، أفتكون عندي في الدار؟قال: وما تصنع بعنائي؟! ابعث بها إلى الدار.\rقال الشاعر:\rإنّ الهدايا لها حظٌّ إذا وردت ... أحظى من الإبن عند الوالد الحدب\rوقال آخر:\rما من صديقٍ وإن أبدى مودّته ... يوماً بأنجح في الحاجات من طبق\rإذا تلثّم بالمنديل منطلقاً ... لم يخش صولة بوابٍ ولا غلق\rلا تكذبنّ فإنّ النَّاس قد خلقوا ... لرغبةٍ يكرمون النَّاس أو فرق\rأمّا الفعال فعند النَّجم مطلعه ... والقول يوجد مطروحاً على الطُّرق\rوقال آخر:\rأهدى إليه حبيبه أترجّةً ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر\rخوف التّبدُّل والتَّلوُّن إنَّها ... لونان باطنها خلاف الظّاهر\rبعث أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع بنعل، وكتب معها:\rنعلٌ بعثت بها لتلبسها ... تمشي بها قدمٌ إلى المجد\rلو كان يحسن أن أشرِّكها ... خدّي جعلت شراكها خدِّي\rأهدى الطائي إلى الحسن بن وهب قلماً، وكتب إليه:\rقد بعثنا إليك أكرمك الل ... ه بشيءٍ فكن له ذا قبول\rلا تقسه إلى ندى كفِّك الغم ... ر ولا نيلك الكثير الجزيل\rواغتفر قلَّة الهديَّة منِّي ... إن جهد المقلِّ غير قليل\rأولم إسحاق بن إبراهيم الموصلي وليمة، فأهدى إليه إخوانه هدايا، وأهدى إليه إبراهيم بن المهدي جراب ملح وجراب أشنان مطيب، وكتب إليه رقعة:فداك أخوك عنده، لولا أن البضاعة تقصر لجزت السَّابقين إلى برِّك، وكرهت أن تطوى صحيفة البرّ ولاحظّ لي فيها ،فوّجهت إليك بالمبتدأ به ليمنه وبركته، والمختوم به لطيبه ونظافته، جراب ملح وجراب أشنان هدية من يحتشم إلى من لا يغتنم، وكتب أسفل الرقعة:\rهديَّتي تقصر عن همّتي ... وهمّتي تعلو على مالي\rوخالص الودِّ ومحض الهوى ... أحسن ما يهديه أمثالي\rبعث رجل إلى دعبل بأضحية، فكتب إليه دعبل:\rبعثت إلينا بأضحيَّةٍ ... وكنت حريَّاً بأن تفعلا","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"ولكنَّها خرجت غثَّةً ... كأنك أرعيتها حرملا\rفإن قبل الله قربانها ... فسبحان ربِّك ما أعدلا\rقال قتادة:يعرف سخف الرجل في سخف هديته. قال ذلك في نعل أهديت إليه.\rولي في هذا:\rسخافة المرء تدرى في هديَّته ... والنَّوك والُّلؤم فيها يظهران معا\rإنّ اللئيم إذا أهدى هديّته ... أبدى نذالته فيها لمن سمعا\rولخلف الأحمر:\rسقى حجَّاجنا نوء الثُّريّا ... على ما كان من بخلٍ ومطل\rهم جمعوا النِّعال وأحرزوها ... وسدُّوا دونها باباً بقفل\rإذا أهديت فاكهةً وشاةً ... وعشر دجائجٍ بعثوا بنعل\rومسواكين طولهما ذراعٌ ... وعشرٌ من رديء المقل خشل\rفإن أهديت ذاك لتحملوني ... على نعل فدقّ الله رجلي\rأناسٌ يأنفون لهم رواءٌ ... تغيم سماؤهم من غير وبل\rإذا انتسبوا ففرعٌ من قريشٍ ... ولكنّ الفعال فعال عكل\rوقال آخر في جار له أتى من الحج لم يهد إليه شيئاً:\rعبّاس ما وجهك بالهشِّ ... ولا أبرئك من الغشِّ\rلم تهد لي نعلاً ولا مقلةً ... كأنَّما جئت من الحشِّ\rولمنصور الفقيه - يداعب صديقاً يكنى أبا النصر ويسمى فتحاً، قدم من الحج - شعرٌ حسن النظم مليح المعنى، رأيت إيراده لحسنه:\rسألت الحجيج وقد أقبلوا ... يؤمُّون مصر من أرض الحرم\rفقلت لهم بعد إيناسهم:أفتحٌ بمكَّة أم قد قدم؟\rفقالوا:ترحَّل من قبلنا ... لعشر ليالٍ توالت حرم\rفقلت بحرمة من زرتم؟ ... أحقّاً تقولون؟ قالوا: نعم\rفأقبلت في صرخةٍ منهم ... وقلبي ممّا به يضطرم\rأعدِّد آلاءه والجفون ... مسافيح بالدَّمع والدَّمع دم\rفصادفني صالحٌ عبده ... فقال: فديتك لم تلتدم؟\rوماذا دعاك إلى ما أرى ... فقلت: الحذار على ذي الكرم\rأبى نصرٍ البحر من جوده ... إذا المزن ضنّت بصوب الدِّيم\rفقال: ألم يأت من جمعةٍ ... فقلت كذبت فأين الأدم؟\rوأين القفاف الحسان القدود ... وأقداح جيشان تلك السُّلم\rوأين النِّعال وأين الفراء ... وأين البرود وأين البرم\rوأين القديد قديد الظِّباء ... وأين الملوَّز مثل العنم\rفقال: وحقّك ما جاءنا ... بشيءٍ سوى نفسه فاغتنم\rقدوم صديقك واستهده ... حديث الوفود وفود الأمم\rإلى البيت يشهدك أخباره ... عجائب عربهم والعجم\rفقلت: ألا ليت أخباره ... وناقلها خلف قافٍ ولم\rولخلف بن خليفة الأقطع من بني قيس بن ثعلبة في جار له غاب ثم قدم، ولم يهد له، وكانت بينهما مصافاة:\rأتانا أخٌ من غيبةٍ غاب أشهراً ... وكنت إذا ما غاب أنشده الرَّكبا\rفجاء بمعروفٍ كثيرٍ فدسَّه ... كما دسَّ راعي السُّوء في حضنه الوطبا\rفقلت له: هل جئتني بهديَّةٍ ... فقال: بنفسي. قلت: آثر بها الكلبا\rهي الَّنفس لا آسى عليها وإن نأت ... ولا أتمنّى الدَّهر يوماً لها قربا\rإذا هي أوفت من ثمانين قامةً ... فلا السَّهل لقَّاها الإله ولا الرَّحبا\rأهدى أبو أسامة الكاتب إلى بعض إخوانه في يوم نيروز وسهماً وديناراً ودرهماً، وكتب إليه:\rلا زلت كالورد نضير الميسم ... ونافذاً مثل نفوذ الأسهم\rفي عزّ دينارٍ ونجح درهم\rأهدى أبو إسحاق بن هلال الصابي إلى عضد الدولة في يوم مهرجان اصطرلاباً على قدر الدرهم محكم الصنعة وكتب إليه:\rأهدى إليك بنو الحاجات واحتشدوا ... في مهرجانٍ عظيمٍ أنت تعليه\rلكنّ عبدك إبراهيم حين رأى ... سموّ قدرك عن شيءٍ تساميه\rلم يرض بالأرض يهديها إليك فقد ... أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"وأهدى شمس المعالي إلى عضد الدولة سبعة أقلام، وكتب إليه:\rقد بعثنا إليك سبعة أقلا ... م لها في البهاء حظٌ عظيم\rمرهفاتٍ كأنّها ألسن الحيَّ ... ات قد جاز حدَّها التّقويم\rوتفاءلت أن ستحوى الأقالي ... م بها كلُّ واحدٍ إقليم\rوقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: كانت الهدية فيما مضى هدية، أما اليوم فهي رشوة. وقال كعب الأحبار: قرأت في ما أنزل الله على بعض أنبيائه: الهدية تفقأ عين الحكيم.\rوقال الشاعر:\rإذا أتت الهدية باب قومٍ ... تطايرت الأمانة من كواها\rباب الجار\rقالت عائشة: يا رسول الله! إن لي جارين فإلى أيِّهما أهدي؟ قال: \" إلى أقربهما باباً \" .\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: \" لا يؤمن جارٌ حتى يأمن جاره بوائقه \" وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه \" .\rكان داود عليه السلام يقول: الّلهم إني أعوذ بك من جار سوءٍ، عينه ترعاني، وقلبه لا ينساني.\rمكتوب في التوراة: إنّ أحسد النّاس لعالمٍ وأنعاه عليه قرابته وجيرانه.\rوقال عكرمة: أزهد النّاس في عالم جيرانه.\rقال رجل لسعيد بن العاص: والله إنّي لأحبُّك. فقال له:ولم لا تحبنّي ولست بجار لي ولا ابن عم.\rكان يقال:الحسد في الجيران،و العدواة في الأقارب.\rروى يحيى بن يحيى الباجي، قال حدثني محمد بن الفضل المكّي. قال حدثني أبي عن إبراهيم عن عبد الله،قال:مرَّ مالك بن أنسٍ بقينة تغني شعر مسلم:\rأنت أختي وأنت حرمة جاري ... وحقيقٌ عليّ حفظ الجوار\rإنَّ للجار إن تغيبّ غيباً ... حافظاً للمغيب والأسرار\rما أبالي أكان للباب سترٌ ... مسبل أم بقي بغير ستار\rفقال مالك:علموا أهليكم هذا ونحوه.\rوعن مالك، أيضاً، قال مالك بن أنس،قال أبو حازم:كان أهل الجاهلية أحسن جواراً منكم، فإن قلتم: لا .فبيننا وبينكم قول شاعرهم:\rناري ونار الجار واحدةٌ ... وإليه قبلي تنزل القدر\rما ضرَّ جاراً لي أجاوره ... ألاَّ يكون لبيته ستر\rأعمى إذا ما جارتي برزت ... حتّى يواري جارتي الخدر\rقال أبو عمر: هذا الشاعر مسكين الدارميّ.\rوقال آخر: ؟أقول لجاري إذ أتاني معاتباً مدلا بحقٍّ أو مدلا بباطل\rإذا لم يتصل خيري وأنت مجاوري ... إليك فما شرِّي إليك بواصل\rقال الأصمعي: ومن أحسن ما قيل في حسن الجوار:\rجاورت شيبان فاحلولى جوارهم ... إن الكرام خيار النّاس للجار\rمن كلام عليّ رحمه الله: الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق، أخذه الشاعر فقال:\rيقولون قبل الدّار جارٌ مجاورٌ ... وقبل الطَّريق الّنهج أنس رفيق\rوقال آخر:؟\rاطلب لنفسك جيراناً تجاورهم ... لا تصلح الدّار حتّى يصلح الجار\rوقال آخر:\rيلومونني أن بعت بالرُّخص منزلي ... ولم يعرفوا جاراً هناك ينغِّص\rفقلت لهم كفُّوا الملام فإنّها ... بجيرانها تغلو الدِّيار وترخص\rقال الحسن البصري رحمه الله:إلى جنب كلِّ مؤمن، منافقٌ يؤذيه.\rوقال بشَّار بن بشر المجاشعي:\rوإني لعفٌّ عن زيارة جارتي ... وإنّي لمشنوءٌ لدى اغتيابها\rإذا غاب عنّي بعلها لم أكن لها ... زؤوراً ولم تأنس إليّ كلابها\rولم أك طلاّباً أحاديث سرِّها ... ولا عالماً من أي جنسٍ ثيابها\rقال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه:من حق الجار أن تبسط له معروفك وتكف عنه أذاك. قال علّي للعباس رضي الله عنهما:مابقي من كرم أخلاقك؟قال: الإفضال على الإخوان وترك أذى الجيران.\rكان يقال:ليس من حسن الجوار ترك الأذى، ولكنه الصبر على الأذى.\rقال منصور الفقيه يمدح بعض إخوانه من جيرانه: ؟يا سائلي عن حسينٍ وقد مضى أشكاله\rأقل ما في حسينٍ ... كفُّ الأذى واحتماله\rقال الحطيئة:\rلعمرك ما المجاور في كليبٍ ... بمقصىً في الجوار ولا مضاع\rهم صنعوا لجارهم وليست ... يد الخرقاء مثل يد الصَّناع","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"ويحرم سرُّ جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أنف القصاع\rوقال الحسن بن عرفطة:\rولم أر مثل الجهل يدعو إلى الرّدى ... ولا مثل جار السُّوء يكره جانبه\rوقال آخر:\rلا يأمن الجار شرّاً في جوارهم ... ولا محالة من شتم وألقاب\rومثل هذا قول الآخر:\rأجلُّ العشيرة إمّا حضرت ... ولا أتعلّم ألقابها\rوقال حاتم الطائي ويروى لغيره:\rأيا ابنة عبد الله وابنة مالكٍ ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد\rإذا ما عملت الزَّاد فاتَّخذي له ... أكيلاً فإنّي لست آكله وحدي\rبعيداً قصيّا أو قريباً فإنّني ... أخاف مذ مّات الأحاديث من بعدي\rوكيف يسيغ المرء زاداً وجاره ... خفيف المعي بادي الخصاصة والجهد\rوقال غيره:\rسقياً ورعياً لأقوامٍ نزلت بهم ... كأنّ دار اغترابي عندهم وطني\rإذا تأملت من أخلاقهم خلقاً ... علمت أنَّهم من حيلة الزَّمن\rوقال ابن حبناء:\rإذا ما رفيقي لم يكن خلف ناقتي ... له مركبٌ فضلٌ فلا حملت رجلي\rولم يك من زادي له نصف مزودي ... فلا كنت ذا زادٍ ولا كنت ذا رحل\rشريكين فيما نحن فيه وقد أرى ... عليَّ له فضلاً بما نال من فضلي\rويروى لحاتم الطائي.\rتذاكر أهل البصرة من ذوي الآداب والأحساب في أحسن ما قاله المولدون في حسن الجوار من غير تعسف ولا تعجرف، فأجمعوا على بيتي أبي الهندي وهما:\rنزلت على آل المهلَّب شاتياً ... غريباً عن الأوطان في زمنٍ محل\rفما زال بي إكرامهم وافتقادهم ... وبرُّهم حتّى حسبتهم أهلي\rباب الضَّيف\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ليلة الضّيف حقٌ واجب \" .\rوقد أوضحنا في كتاب \" التمهيد \" معنى هذا الحديث وغيره في الضيافة، وذكرنا قول من أوجبها ومن ندب إليها؟ ووجوه أقوالهم واعتلالهم والحمد لله وحده.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، وما زاد فهو صدقة، ولا يحل أن يثوي غيره حتى يحرجه \" . قيل للأوزاعي: رجل قدِّم إلى ضيفه الكامخ والزيتون، وعنده اللحم والعسل والسمن؟ فقال: هذا لا يؤمن بالله واليوم الآخر.\rقال أبو ذؤيب:\rلا درَّ درِّى إن أطعمت نازلهم ... خبز الشَّعير وعندي البرُّ مكنوز\rقال نافع: كان ابن عمر إذا نزل على قوم لا يأكل لهم شيئاً فوق ثلاث، ويقول بعد الثلاث: أمسكوا عنا صدقتكم، ويقول لي: أنفق من عندك.\rذكر أبو عبيدة أن معاوية قال يوماً لجلسائه: أي أبيات العرب في الضيافة أحسن؟ فاختلفوا وأكثروا، فقال معاوية: قاتل الله أبا النجم حيث يقول:\rلقد علمت عرسي فلانة أنَّنى ... طويلٌ سنا ناري بعيدٌ خمودها\rإذا حلَّ ضيفي با لفلاة ولم أجد ... سوى منبت الأطناب شبَّ وقودها\rوقالوا: أحسن شيء في الضيافة قول مسكين الدارميّ:\rطعامي طعام الضَّيف والرَّحل رحله ... ولم يلهني عنه غزالٌ مقنَّع\rأحدِّاثه إنّ الحديث من القرى ... وتعلم نفسي أنّه سوف يهجع\rوقال العلوي صاحب الزنج:\rيستأنس الضَّيف في أبياتنا أبداً ... فليس يعلم خلقٌ أيُّنا الضَّيف\rولخالد عينين، وإنما قيل له خالد عينين لأنه كان ينزل أرضا بالبحرين: يقال لها عينين:\rأيها الموقدان شبَّا سناها ... إنّ للضَّيف طارفي وتلادي\rوقال عوف بن الأحوص.\rومستنبحٌ يغشى الغداة ودونه ... من الَّليل بابا ظلمةٍ وستورها\rرفعت له ناري فلمّا اهتدى لها ... زجرت كلابي أن يهرَّ عقورها\rفلا تسأليني واسألي عن خليقتي ... إذا ردَّ عافي القدر من يستعيرها\rترى أن قدري لا تزال كأنَّها ... لدى الغرث المقرور أمٌ يزورها\rوقال حسان بن ثابت:\rيغشون حتّى ما تهرُّ كلابهم ... لا يسألون عن السَّواد المقبل\rوقال أبو الطحان القيني","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"وقد عرفت كلابهم ثيابي ... كأنّي منهم ونسيت أهلي\rوقال المَّرار الحملي:\rألف النَّاس فما يهجمهم ... من عسيف يبتغي الخير وحرّ\rوقال امرؤ القيس:\rأعرف الحقّ ولا أجهله ... وكلابي أنسٌ غير عقر\rما يرى كلبي إلا آيساً ... إن رأي خابط ليلٍ لم يهر\rوقال حاتم الطائي:\rإذا ما بخيل النّاس هَّرت كلابه ... وشقّ على الضَّيف الغريب عقورها\rفإن كلابي قد أقرَّت وعوِّدت ... قليلٌ على من يعتريها هريرها\rوقال يعقوب الخريمي:\rأضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ويخضب عندي والمحلُّ جديب\rوما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنَّما وجه الكريم خصيب\rوللشماخ في عبد الله بن جعفر بن أبي طالب:\rإنك يا ابن جعفر خير الفتى ... وخيرهم لطارقٍ إذا أتى\rوربَّ نضوٍ طرق الحيّ سرىً ... صادف زاداً وحديثاً ما اشتهى\rإنّ الحديث جانبٌ من القرى\rوقال سهل الوراق:\rوضيفك قابله بِّبرك وليكن ... له منك أبكار الحديث وعونه\rوقال آخر:\rسلي الطارق المعترَّ ياأمّ مالكٍ ... إذا ما أتاني بين ناري ومجزري\rأأبسط وجهي؟ إنَّه أوّل القرى ... وأبذل معروفي له دون منكري\rتمثل بهذين البيتين عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في جوابه معاوية.\rأما قول الشاعر:\rبئس عمر الله قوماً طرقوا ... فقروا أضيافهم لحماً وحر\rفإنه أراد لحماً دبت عليه الوحرة، وهي دويبَّة كالعظاية خضراء إذااجتمعت تلتصق بالأرض: الجمع: وحر، ومنه قيل وحر الصدر، كما قيل للحقد ضبّ، ذهبوا به إلى لزوقه بالصَّدر التزاق الوحرة بالأرض، يقال:لحم وحر،إذا دبّت عليه الوحرة.ولبن فئر إذا وقعت فيه الفأرة.\rوقال رجل من بني فقعس، وهو الحارث بن يزيد، يمتدح نفسه بخدمة الضيف:\rلعمر أبيك الخير إني لخادمٌ ... لضيفي وإني إن ركبت لفارس\rوقال المقنّع الكندي:\rوإني لعبد الضِّيف مادام نازلاً ... وما شيمةٌ لي غيرها تشبه العبدا\rوما امتدح به ذم بضده، قال الشاعر:\rتراهم خشية الأضياف خرساً ... يصلُّون الصَّلاة بلا أذان\rوقال حمّاد عجرد:\rوجدت أبا الصَّلت ذا خبرةٍ ... بما يصلح المعدة الفاسده\rتخوّف تخمة أضيافه ... فعلّمهم أكلة واحده\rوقال عمرو بن الأهتم التَّميمي المنقري من أشرافهم، وكان شاعراً محسناً،يقال: كأن شعره حللٌ منشَّرة، وله صحبة:\rذريني فإنَّ الشُّحَّ يا أم مالكٍ ... لصالح أخلاق الرِّجال سروق\rذريني وحظِّي في هواي فإنَّني ... على الحسب العالي الرفيع شفيق\rومستنبحٍ بعد الهدوء أجبته ... وقد حان من ساري الشتاء طروق\rفقلت له: أهلاً وسهلاً ومرحباً ... فهذا مبيتٌ صالحٌ وصديق\rأضفت ولم أفحش عليه، ولم أقل:للأحرمهإنَّ الفناء يضيق\rلعمرك ما ضاقت بلادٌ بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق\rوقال آخر:\rوطريد ليل ساقه سغبٌ ... وهناً إليَّ وقاده برد\rأوسعت جهد بشاشةٍ وقرىً ... وعلى الكيم لضيفه الجهد\rثم اغتدى ورداؤه نعمٌ ... أسديتها وردائي الحمد\rوقال القاسم بن أميَّة بن أبي الصّلت:\rقومٌ إذا نزل الغريب بأرضهم ... ردُّوه ربَّ صواهل وقيان\rباب المعروف\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" كلُّ معروفٍ صدقة \" .\rقال أبو جرى الهجيمي: يارسول الله أوصني. فقال: \" لا تحقرنَّ شيئاًمن المعروف أن تأتيه، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقى، ولو أن تلقي أخاك ووجهك منبسطٌ إليه \" .\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" أهل المعروف في الدُّنيا، هم أهل المعروف في الآخرة \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: \" إذا طلبتم المعروف فاطلبوه عند حسان الوجوه \" .","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"وقال صلى الله عليه وسلم: \" ألا أدلُّكم على شيءٍ يحبُّه الله ورسوله؟ \" قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: \" المعروف والتَّغابن للضَّعيف \" .\rقال عيسى عليه السلام: استكثروا من شيء لاتمسّه النار. قالوا: وما هو يا روح الله؟ قال: المعروف.\rقال عبد الله بن عباس: ما رأيت رجلاً أوليته معروفاً إلا أضاء مابيني وبينه،ولا رأيت رجلاً فرط إليه مني شيء إلا أظلم ما بيني وبينه.\rقال زيد بن علي بن حسين: ما شيء أفضل من المعروف ولا ثوابه ولا كلُّ من رغب فيه يقدر عليه ولا كلّ من قدر عليه يؤذن له فيه، فإذا اجتمعت الرغبة والقدرة والإذن تمت السعادة للطالب والمطلوب منه.\rقال ابن عباس: المعروف أيمن زرع، وأفضل كنز، ولا يتم إلا بثلاث خصال: بتعجيله وتصغيره وستره. فإذا عجّل هني، وإذا صغّر فقد عظم،وإذا ستر فقد تمِّم.\rقال زهير:\rومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتَّق الشَّتم يشتم\rوقال أخر:\rإنَّ ابتداء العرف مجدٌ باسقٌ ... والمجد كلُّ المجد في استتمامه\rإنَّ الهلال يروق أبصار الورى ... حسناً وليس كحسنه لتمامه\rأنشد الزبير بن بكّار:\rأبل من شئت تقله ... عن قليلٍ لفعله\rضاع معروف واضع ال ... عرف في غير أهله\rقال القاسم بن معن، قال رجل لعون بن عبد الله بن عتبة:ما السخاء؟ قال:التأني للمعروف. قال فما البخل؟قال:الاستقضاء على الملهوف.\rقال ابن عباس لا يزهِّدنك في المعروف كفرٌ من كفر،فإنه يشكرك عليه من لم يصنعه.\rكان يقال:في كل شيء سرفٌ إلاّفي المعروف.\rقال حبيب:\rوإذا امرؤٌ أهدى إليك صنيعةً ... من جاهه فكأنَّها من ماله\rكان يقال: لا يزهِّدنك في المعروف دمامة من يسديه إليك،ولا ينبو بصرك عنه،فإن حاجتك في شكره ووفائه لا منظره، وإن لم يكن أهله فكن أنت أهله.\rقال الشاعر:\rولم أر كالمعروف أمَّا مذاقه ... فحلوٌ وأمَّا وجهه فجميل\rتمثل رجل عند عبد الله بن جعفر بقول الشاعر:\rإنَّ الصَّنيعة لا تكون صنيعةً ... حتَّى يصاب بها طريق المصنع\rفإذا أصبت صنيعةً فاعمد بها ... لله أو لذوي القرابة أو أودع\rفقال عبد الله بن جعفر:هذان البيتان يبخّلان الناس، لا. ولكن أمطر المعروف إمطاراً، فإن أصاب الكرام كانوا له أهلاً، وإن أصاب اللئام كنت له أهلا.\rكان يقال:من أسلف المعروف كان ربحه الحمد.\rقال عمرو بن العاص:في كل شيءٍ سرفٌ إلا في ابتناء المكارم أو اصطناع معروف، أو إظهار مروءة.\rوكان يقال:كما يتوخَّى للوديعة أهل الأمانة والثقة، كذلك ينبغي أن يتوخَّى بالمعروف أهل الوفاء والشكر.\rكان يقال:إعطاء الفاجر يقوّيه على فجوره،ومسألة اللئيم إهانة للعرض،وتعليم الجاهل زيادة في الجهل، والصّنيعة عند الكفور إضاعة النعمة، فإذا هممت بشيء من هذا، فارتد الموضع قبل الإقدام على الفعل.\rقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" إنَّ الصَّنيعة لا تكون إلاَّفي ذي حسبٍ أو دين،كما أنَّ الرِّياضة لا تكون إلا في نجيب \" .\rمكتوب في التوراة :افعل إلى امرئ السُّوء خيراً يجزك شراً.\rكان يقال:صاحب المعروف لا يقع،فإذا وقع أصاب متكئاً.\rقال الشاعر:\rودون النَّدى في كلِّ قلبٍ ثنيةٌ ... لها منجدٌ حزنٌ ومنحدرٌ سهل\rيودُّ الفتى في كلِّ نيلٍ ينيله ... إذا ما انقضى لو أنَّ نائله جزل\rكان الحجاج بن يوسف يقول:خير المعروف ما أنعشت به الكرام.\rكان يقال:من لم يرب معروفه فكأنه لم يصطنعه.\rكان يقال:أحي معروفك بإماتته.\rكتب أرسطو طاليس إلى الإسكندر: املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها،وطلبك ذلك منها بالإحسان أدوم بقاء لإحسانك منه باعتسافك، وأعلم أنك إنما تملك الأبدان فتخطَّها إلى القلوب بالمعروف،واعلم أن الرعية إذا قدرت على أن تقول، قدرت على أن تفعل، فاجهد ألاّ تقول تسلم من أن تفعل.\rكان يقال: اتق أن يسدّ عنك طريق المعروف بالكفر أو بالمنّ، فإن المنّ يفسد الصنيعة والكفر يمحوها، والشكر يمحوها والشكر يجلب النعمة.\rقال الشاعر:\rأفسدت بالمنّ ماأوليت من حسنٍ ... ليس الكريم بما أسدى بمنَّان\rوقال الحسن بن هانئ:","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"فامض لا تمنن عليَّ يداً ... منك المعروف من كدره\rقال معاوية ليزيد:يابني اتخذ المعروف منالا عند ذوي الأحساب تشتمل به مودتهم، وتعظم في أعينهم، وتكف به عاديهم، وإياك والمنع، فإنه ضد المعروف.\rكان يقال: حصاد من يزرع المعروف في الدنيا،اغتباط في الآخرة.\rذم أعرابي رجلا،فقال: كان سمين المال، مهزول المعروف.\rقال الزهيري:من زرع معروفاً حصد خيراً، ومن زرع شراً حصد ندامة.\rقال الشاعر:\rمن يزرع الخير يحصد ما يسرُّ به ... وزارع الشَّرِّ منكوسٌ على الرَّأس\rوقال الراجز:\rمن يزرع الخير يحصد حصاده ... موفَّراً يوماً إذا ماأراده\rقال بشر بن أبي خازم:\rوأيدي النَّدى في الصَّالحين فضول\rوقال الحطيئة:\rمن يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس\rوقال عبد الله بن مبارك رضي الله عنه:\rيد المعروف غنمٌ حيث كانت ... تحمَّلها شكورٌ أو كفور\rففي شكر الشَّكور لها جزاءٌ ... وعند الله ما كفر الكفور\rقال الأصمعي: سمعت أعرابيّاً يقول:أسرع الذنوب عقوبة كفر المعروف.\rولابن دريد وقيل إنه أنشدها:\rوماهذه الأيَّام معارةٌ ... فما اسطعت من معروفها فتزوَّد\rفإنَّك لا تدري بأيَّة بلدةٍ ... تموت ولاما يحدث الله في غد\rقال بزرجمهر: خير أيام المرء ما أغاث فيه المضطر،واحتسب فيه الأجر،وارتهن فيه الشكر، واسترقّ فيه الحرّ.\rجمع كسرى مرازبته وعيون أصحابه، فقال لهم:على أي شيء أنتم أشد ندامة؟ قالوا:على وضع المعروف في غير أهله،وطلب الشكر ممن لا يشكره.\rقال الشاعر:\rوزهَّدني في كلِّ خيرٍ منعته ... إلى النَّاس ماجرَّبت من قلَّة الشُّكر\rوقال آخر:\rالنَّاس من شاكرٍ للعرف محتملٍ ... ومن كفورٍ لما أوليته زمر\rفابسط يد الجود تحمل بعض نائلها ... وإنّما النَّاس والمعروف كالغرر\rوقال آخر:\rومن يجعل المعروف في غير أهله ... يلاقي الّذي لاقى مجير أمَّ عامر\rقال المهلب: عجبت لمن يشتري المماليك بماله،ولا يشتري الأحرار بمعروفه.\rوقال: ليس للأحرار ثمن إلا الإكرام فأكرم حرّاً تملكه.\rقال المتنبي:\rإذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت الَّلئيم تمرَّدا\rقال عبد مناف:دواء من لم يصلحه الإكرام الهوان.\rقال الشاعر:\rمن لم يؤدِّبه الجمي ... ل ففي عقوبته صلاحه\rوقال محمود الوراق:\rفكَّرت في المال وفي جمعه ... فكان ما يبقى هو الفاني\rوكان ما أنفقت في أوجه ال ... برِّ بمعروفٍ وإحسان\rهو الَّذي يبقى وأجزى به ... يوم يجازى كلُّ إنسان\rومن فساد العرف إحصاؤه ... وذكره في كلِّ إبَّان\rفانشر إذا أوليت عرفاً وإن ... أوليته فاستر بنسيان\rباب الشُّكر\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" من أولى معروفاً فلم يجد إلا الثنا فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره \" .\rوقال صلّى الله عليه وسلّم: \" من أهدى إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء \" .\rسمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عائشة رضي الله عنها تنشد لليهودي:\rارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يوماً فتدركه العواقب قد نما\rيجزيك أو يثنى عليك وإنَّ من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى\rفقال: \" قاتله الله ما أحسن ما قال!، من لم يجد إلا الدعاء والثناء فقد كافأ \" .\rوفي رواية أخرى لهذا الخبر عن عائشة أنها قالت:قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلّم: \" أنشدي شعر ابن الغريض اليهودي حيث قال:إن الكريم \" فأنشدته:\rإنَّ الكريم إذا أراد وصالنا ... لم يلف حبلي واهياً رثَّ القوى\rأرعى أمانته وأحفظ غيبه ... جهدي فيأتي بعد ذلك ماأتى\rأجزيه أو أثني عليه فإنَّ من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"وهذا الشعر لا يصح فيه إلا ماروي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة:أنه للغريض اليهودي وهو الغريض بن السموءل بن عادياء اليهودي، من ولد الكاهن هرون بن عامر بن ساعر، وأما أهل الأخبار،فاختلفوا في قائله، فقيل: هو لورقة بن نوفل، وقيل هو لزهير بن جناب الكلبي، وقيل: لعامر بن المجنون وقيل ليزيد بن عمرو بن نفيل، ومنهم من قال:إنه ليزيد عن عمرو أو ورقة بن نوفل البيتان الأولان، والصحيح فيها وفي الأبيات غيرها أنهما للغريض اليهودي والله أعلم.\rقال ابن أبي الدنيا: أنشدني الحسين بن عبد الرحمن:\rلوكنت أعرف فوق الشُّكر منزلةً ... أعلى من الشكر عند الله في الثَّمن\rإذا منحتكها منِّي مهنَّدةً ... شكراً على صنع ما أوليت من حسن\rوقال آخر في يحيى بن خالد البرمكي:\rطلبت ابتغاء الشُّكر فيما فعلت بي ... فقصَّرت مغلوباً وإنِّي لشاكر\rلقد كنت تعطيني الجزيل بديهةً ... وأنت لما استكثرت من ذاك حاقر\rفأرجع مقنوطاً وترجع بالَّتي ... لها أوَّلٌ في المكرمات وآخر\rومما أنشده الرياشي:\rشكري لفعلك فانظر في عواقبه ... تعرف بفضلك ما عندي من الشُّكر\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: \" ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله له شكرها،وما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر له إن يستغفر،وإن الرجل ليلبس الثوب فيحمد الله فما يبلغ ركبته حتى يغفر له \" .\rوقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: \" من لم يشكر الناس لم يشكر الله عز وجل \" .\rوقال: \" أشكر الناس لله عز وجل أشكرهم لعباده،ومن لم يشكر القليل لم يشكر الكثير \" .\rوفي التفسير: \" اعملوا آل داود شكراً \" . قالوا: الطاعات كلها شكر، وأفضل الشكر الحمد.\rوفي قوله في نوح عليه السلام: \" إنَّه كان عبداً شكوراً \" ، وقالوا:كان لا يقوم ولا يقعد، ولا يلبس ثوباً، ولا يأكل ولا يشرب إلا حمد الله، فأثنى عليه الله بذلك.\rمكتوب في التوراة: اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك،فإنه لا زوال للنعم إذا شكرت،ولا مقام لها إذا كفرت، والشكر زيادة في النعم، وأمان من الغير.\rقال أبو نخيلة: ؟شكرتك إنَّ الشُّكر حبلٌ من التُّقى وما كلُّ من أوليته نعمةً يقضي\rوأحييت من ذكري وما كنت خاملاً ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض\rقال حذيفة بن اليمان: ماعظمت نعمة الله على أحد إلاّ ازداد حقّ الله عليه عظما.\rقال عروة بن الزَّبير:من لم يعرف سوء ما يبلى لم يعرف خير مايولى.\rقال جعفر بن محمد: ماأنعم الله على عبد نعمة فعرفها بقلبه وشكرها بلسانه فما يبرح حتى يزداد.\rقال ابن عباس: لوقال لي فرعون خيراً لرددت عليه مثله.\rقيل لسعيد بن جبير: المجوسيّ يوليني خيراً فأشكره؟ قال: نعم قال أوس بن حجر:وقيل:إنه لأبي يعقوب الخريمي:\rسأجزيك أو يجزيك عنِّي ربُّنا ... وحسبك منِّي أن أودَّ وأحمدا\rولأبي المعافي يعقوب بن إسماعيل بن رافع، مولى مزينة في بكار بن عبد الله الزبيري:\rإنَّني أثني بما أوليتني ... لم يضع حسن بلاءٍ من شكر\rإنَّني والله لا أكفركم ... أبداً ما صاح ديكٌ في السَّحر\rوقال آخر:\rفلو كان يستغني عن الشُّكر ماجدٌ ... لعزَّة ملكٍ أو علوِّ مكان\rلما ندب الله العباد لشكره ... فقال اشكروني أيُّها الثَّقلان\rوقال آخر:\rسأشكر عمرا ما تراخت منيَّتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلَّت\rفتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشَّكوى إذاالنَّعل زلَّت\rوقال آخر:\rرأى خلَّتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتَّى تجَّلت\rوقال آخر:\rلئن طبت نفساً عن ثنائي فإنَّني ... لأطيب نفساً من نداك على عسري\rفلست إلى جدواك أعظم حاجةً ... على شدَّة الإعسار منك إلى شكري\rقال عمر بن عبد العزيز:ذكر النعمة شكر.\rقال جعفر بن محمد: من لم يشك الجفوة لم يشكر النعمة.\rقال الشاعر:\rإذا أنا لم أعرف لذي الفضل فضله ... ولم ألم الخبَّ الَّلئيم المذمَّما","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"ففيم عرفت الخير والشَّرَّ باسمه ... وشقَّ لي الله المسامع والفما\rوقال آخر:\rوالكفر مخبثةٌ لنفس المنعم\rوقال آخر:\rوماتخفي الصَّنيعة حيث كانت ... ولا الشُّكر الصَّحيح من السَّقيم\rوقال العتابي:\rفلوكان للشُّكر شخصٌ يرى ... إذا ما تأمَّله النَّاظر\rلمثَّلته لك حتَّى تراه ... فتعلم أنَّي امرؤٌ شاكر\rوقال آخر:\rوإنَّك إن ذوّقتني ثمر الغنى ... حمدت الَّذي تجنيه من ثمر الشُّكر\rوإن يفن ما أعطيتني اليوم أو غداً ... فإنَّ الَّذي أعطيك يبقى على الدَّهر\rوقال آخر:\rلأشكرنَّك معروفاً هممت به ... إنَّ اهتمامك بالمعروف معروف\rولا ألومك إن لم يمضه قدرٌ ... فالرِّزق بالقدر المحتوم مصروف\rقال سليمان التيميّ: إن الله عز وجل أنعم على عباده بقدر طاقته،وكلفهم من الشكر بقدر طاقتهم.\rقالوا:كلّ شكر وإن قلّ،ثمن لكل نوال وإن جلّ.\rكانت هند بنت المهلب تقول:إذا رأيتم النعمة مستبدرة فبادروها بالشكر قبل حلول الزوال. وقال أبو النواس:\rأنت امرؤٌ أوليتني نعماً ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا\rلا تجدثنَّ إليَّ عارفةً ... حتَّى أقوم بشكر ماسلفا\rوقال البحتري:\rمن لا يقوم بشكر نعمة حبِّه ... فمتى يقوم بشكر نعمة ربِّه\rأنشد المبرد لمحمود الوراق:\rإذا كان شكري نعمة الله نعمةً ... عليَّ له في مثلها يجب الشُّكر\rفكيف بلوغ الشُّكر إلاّ بفضله ... وإن طالت الأيَّام واتَّصل العمر\rإذا سرَّ بالسَّراء عمَّ سرورها ... وإن مسَّ بالضَّراء أعقبها الأجر\rومامنهما إلاّ له فيه نعمةٌ ... تضيق بها الأوهام والبرُّ والبحر\rقال أبو العباس المبرد: هذا معنى لطيف، يقول: إن الله عز وجل لا يحمد إلا بتوفيقه، فيجب أن يحمد على التوفيق، ثم يجب في الحمد الثاني مايجب في الحمد الأول أبداً إلى حيث لا نهاية،ولقد أحسن أبو العتاهية في قوله:\rإذا أنت لم تزدد على كلِّ نعمةٍ ... قد آتاكها شكراً فلست بشاكر\rومن أبيات ليزيد بن محمد المهلبي في هذا المعنى:\rفكيف بشكر ذي نعم إذا ما ... شكرت له فشكري منه نعمه\rقال رجل من قريش لأشعب الطمع: ياأشعب! أحسنت إليك فلم تشكر! فقال:إن معروفك خرج من غير محتسب إلى غير شاكر.\rقالوا: لا تثق بشكر من تعطيه حتى تمنعه.\rقال الشاعر: ؟إذا الشَّافع استقصى لك الجهد كلَّه وإن لم تنل نجحاً فقد وجب الشُّكر وقال آخر:\rوالحمد شهدٌ لا يرى مشتاره ... يجنيه إلا من نقع الحنظل\rوقال آخر:\rدنوت للمجد والسَّاعون قد بلغوا ... جهد النُّفوس وشدُّوا دونه الأزرا\rوساوروا المجد حتَّى ملَّ أكثرهم ... وعانق المجد من وفّي ومن صبرا\rلا تحسب المجد تمراً أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتَّى تلعق الصَّبرا\rقال جعفر بن محمد: مامن شيء أسرُّ إليَّ من يد أتبعها أخرى، لأنَّ مع الأواخر يقطع لسان شكر الأوائل.\rبابٌ في طلب الحاجات\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيِّه ماشاء \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: \" استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان،فإنَّ كلّ ذي نعمة محسود \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إنَّ لله عباداً خلقهم لحوائج النَّاس، هم الآمنون يوم القيامة \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اطلبوا الخير عند حسان الوجوه \" .\rقال الشاعر:\rأنت وصف الَّنبيِّ إذ قال يوماً ... اطلبوا الخير من حسان الوجوه\rوقال محمد بن واسع لقتيبة بن مسلم: إنِّي أتيتك في حاجة رفعتها إلى الله قبلك، فإن أذن الله فيها قضيتها وحمدناك، وإن لم يأذن الله فيها لم تقضها وعذرناك.\rقال يونس رحمه الله:\rأنزلت بالحرِّ إبراهيم مسألةً ... أنزلتها قبل إبراهيم بالله\rفإن قضى حاجتي فالله يسَّرها ... هو المقدِّرها والآمر والنَّاهي","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"إذا أبى الله شيئاً ضاق مذهبه ... على الكبير العريض القدر والجاه\rوقال أبو العتاهية:\rخير المذاهب في الحاجات أنجحها ... وأضيق الأمر أدناه إلى الفرج\rكتب سوار بن عبد الله بن سوار القاضي إلى محمد بن عبد الله بن طاهر:\rلنا حاجةٌ والعذر فيها مقدَّمٌ ... خفيفٌ معنَّاها مضاعفة الأجر\rفإن تقصنها فالحمد لله ربِّنا ... وإن تكن الأخرى ففي أوسع العذر\rعلى أنَّه الرَّحمن معطٍ ومانعٌ ... وللرِّزق أسبابٌ إلى قدرٍ تجري\rفأجابه محمد بن عبد الله بن طاهر:\rفسلها تجدني موجباً لقضائها ... سريعاً إليها لا يخالطني فكر\rشكورٌ بإفضالي عليك بمثلها ... وإن لم تكن فيما حوته شكر\rفهذا قليلٌ لَّلذي قد رأيته ... لحقِّك لا منٌّ من لديّ ولا فخر\rقال معاوية يوماً لعمرو بن العاص: لي إليك حاجة. قال:ولي إليك حاجة ياأميرالمؤمنين. قال :تهب لي الوهط.قال:هو لك يا أمير المؤمنين. قال معاوية: اذكر حاجتك قال: ترده علي.\rقال جعفر بن محمد: حاجة الرجل إلى أخيه فتنة لهما،إن أعطاه شكر من لم يعطه،وإن منعه ذم من لم يمنعه. قال خالد بن صفوان: لاتطلبوا الحوائج عند غير أهلها،ولا تطلبوها في غير حينها، ولا تطلبوا مالا تستحقون منها،فإن من طلب مالا يستحق استوجب الحرمان.\rكان يقال: إذا طلب العاقل إلى كريم حاجة انقضت، لأن العاقل لا يطلب إلا ما يمكن،والكريم إذا سئل ما يمكن لم يمنع.\rكان يقال:إذا أحببت أن تطاع، فلا تسل مالا يستطاع.\rقال عامر بن خالد بن جعفر ليزيد بن الصَّعق:\rإنك إن كلَّفتني ما لم أطق ... ساءك ما سرَّك منِّي من خلق\rقال رجل للأحنف:أتيتك في حاجة لا تزرؤك ولا تنكؤك. قال: إذاً لا تقضى،أمثلي يؤتي فيما لا يرزأ ولا ينكأ.\rقال رجل للعباس بن محمد،أو لعبد الله بن عباس: أتيتك في حاجة صغيرة، قال: فاطلب لها رجلاً صغيراً.\rقيل لآخر:أتيتك في حاجة.قال: اذكرها،فإن الحرّ يقوم بصغير الحاجات وكبيرها.\rكان يقال:لا تستعن على حاجة بمن هي طعمته، ولا تستعن بكذاب، فإنه يقرب البعيد ويباعد القريب،ولا تستعن على رجل بمن له إليه حاجة.\rقال ابن المقفع: الحاجة يعتري صاحبها الخيفة من مكانين: الاستقبال بها قبل وقتها،والثاني حتى تفوت، وأنشد:\rوقد يفوت أناساً بعض ما طلبوا ... عند التَّأنِّي فكان الحزم لو عجلوا\rقال أبو فزارة الغاضريّ: أصل العبادة ألا تسأل سوى الله حاجة،فلكل أحد في الله عوض من كل أحد،وليس لأحد من الله عوض بأحد.\rسأل رجل مطرّف بن عبد الله بن الشِّخّير حاجة،فقال :من كانت له إلي حاجة فليكتبها في رقعة،فإني أرغب بوجوهكم عن مكروه السؤال.\rكان يقال: لا تصرف حوائجك إلى من معيشته في رءوس المكاييل والموازين.\rقال العرزمي وروى لأبي الأسود الدؤلي:\rوإذا طلبت إلى كريم حاجةً ... فلقاؤه يكفيك والتَّسليم\rوإذا طلبت إلى لئيمٍ حاجةً ... فألحَّ في رفقٍ وأنت مديم\rوقال آخر:\rلا تطلبنَّ إلى لئيمٍ حاجةً ... واقعد فإنَّك قائماً كالقاعد\rياخادع البخلاء عن أموالهم ... هيهات تضرب في حديدٍ باردٍ\rوقال أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان:\rأأطلب حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إنَّ شيمتك الحياء\rكريمٌ لا يغيِّره صباحٌ ... عن الفعل الجميل ولا مساء\rإذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرُّضه الثَّناء\rوقال جرير يخاطب عمر بن عبد العزيز:\rأأذكر الضُّرَّ والبلوى التي نزلت ... أم أكتفي بالذي بلِّغت من خبري\rوقال آخر:\rكفاك مذكِّراً وجهي بأمري ... وحسبي أن أراك وأن تراني\rوقال آخر:\rأروح بتسليمٍ عليك وأغتدي ... وحسبك بالتَّسليم منِّي تقاضيا\rكفى بطلاب المرء ما لا يناله ... عناءً وباليأس المصرَّح ناهيا\rوقال آخر:\rتخلَّ لحاجتي واشدد قواها ... فقد أمست بمنزلة الضَّياع\rإذا أرضعتها بلبان أخرى ... أضرَّتها مشاركة الرَّضاع\rوقال آخر:","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"ولا تستعيننَّ في حاجةٍ ... بمن يبتغي حاجةً مثلها\rفينسى الَّذي كنت كلَّفته ... ويبدأ بحاجته قبلها\rوقال آخر:\rوإذا يصيبك والحوادث جمَّةٌ ... حدثٌ حداك إلى أخيك الأوثق\rوقال أبو العتاهية:\rاقض الحوائج ما استطع ... ت وكن لهمِّ أخيك فارج\rفلخير أيَّام الفتى ... يومٌ قضى فيه الحوائج\rوقال الحارثي:\rوما روضةٌ علويَّةٌ أسديَّةٌ ... منمنمةٌ زهراء ذات ثرى جعد\rسقاها النَّدى في غفلة الدَّهر نوءها ... فنوَّارها يهتز كالكوكب السَّعد\rبأحسن من حرٍّ تضمَّن حاجةً ... لحرٍ فأوفى بالنَّجاح وبالرِّفد\rقال عمر بن أبي ربيعة:\rإنَّ لي حاجةً إليك فقالت ... بين أذني وعاتقي ما تريد\rكان يقال:من بكر يوم السبت في حاجة،كان حقاً على الله قضاؤها.\rقال بشار بن برد:\rبكِّرا صاحبيَّ قبل السَّحور ... إنَّ جلَّ النَّجاح في التَّبكير\rقالوا: من صبر على حاجة ظفر بها ومن أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له.\rقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:\rاصبر على مضض الإدلاج في السَّفر ... وفي الرَّواح إلى الحاجات والبكر\rلا تضجرنَّ ولا يعجزك مطلبها ... فالنُّجح يتلف بين العجز والقصر\rإنِّي رأيت وفي الأيَّام تجربةٌ ... للصَّبر عاقبةً محمودة الأثر\rوقلَّ من جدَّ في شيءٍ يطالبه ... واستصحب الصَّبر إلاَّفاز بالظَّفر\rوقال محمد بن بشير:\rإنَّ الأمور إذا انسدَّت مسالكها ... فالصَّبر يفتق منها كلَّ ماارتتجا\rلا تيأسنَّ وإن طالت مطالبةٌ ... إذا استعنت بصبرٍ أن ترى فرجا\rأخلق بذي الصَّبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا\rسأل عبد الرحمن بن حسان بن ثابت رجلاً حاجة فلم يقضها له،وسألها غيره فقضاها إليه فكتب هذه الأبيات:\rذممت ولم تحمد وأدركت حاجتي ... تولَّى سواكم أجرها واصطناعها\rأبى لك كسب الحمد رأيٌ مقصِّرٌ ... ونفسٌ أضاق الله في الخير باعها\rإذا هي حثَّته على الخير مرَّةً ... عصاها وإن همَّت بسوءٍ أطاعها\rالإلحاح لا يصلح ولا يحمل إلا على الله عز وجل. قال مؤرق العجلي: سألت ربي حاجة عشرين سنة، فماانقضت لي ولا يئست منها.\rقال أبو العتاهية:\rفي النَّاس من تسهل المطالب أح ... ياناً عليه وربَّما صعبت\rما كلُّ ذي حاجةٍ بمدركها ... كم من يدٍ لا تنال ما طلبت\rمن لم يسعه الكفاف معتدلاً ... ضاقت عليه الدُّنيا بما رحبت\rوقال القطامي:\rقد يدرك المتأنِّي بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزَّلل\rكان بنو يربوع يوصون أولادهم،فيقولون: استعينوا على الناس في حوائجكم بالتثقيل فذلك أنجح لكم.\rقال أبو نواس:\rولن يدرك الحاجات من حيث ينبغي ... من النَّاس إلاَّ المصبحون على رجل\rوقال أشجع السلمي:\rليس للحاجات إلا ... من له وجهٌ وقاح\rوابتكارٌ ودوامٌ ... وغدوٌّ ورواح\rإن تكن أبطأت الحا ... جة عنِّي والسَّراح\rفعليَّ الجهد فيها ... وعلى الله النَّجاح\rوقال آخر:\rهيبة الإخوان قاطعةٌ ... لأخي الحاجات عن طلبه\rفإذا ماهبت ذا أملٍ ... مات ما أمَّلت من سببه\rوقال آخر:\rطلب الحوائج كلّها تغرير ... لا ترض معجزةً وأنت قدير\rوقال دعبل بن علي الخزاعي:\rجئتك مستشفعاً بلا سبب ... إليك إلاَّ بحرمة الأدب\rفاقض ذمامي فإنَّني رجلٌ ... غير ملحٍّ عليك في الطَّلب\rوقال آخر:\rمن عفَّ خفَّ على الصَّديق لقاؤه ... وأخو الحوائج وجهه مملول\rوقال آخر:\rوإذا هممت فأمض همَّك إنّما ... صلب الحوائج كلها تغرير\rاختلف أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع في حاجة زماناً فلم يقضها له، فكتب إليه:","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"أكلّ طول الزِّمان أنت إذا ما ... جئت في حاجةٍ تقول غدا\rلا جعل الله لي إليك ولا ... عندك ما عشت حاجةً أبدا\rوقال آخر وأظنه محمود الوراق:\rوذي ثقةٍ تبدَّل حين أثرى ... وما شيمي موافقة الثِّقات\rفقلت له عتبت عليَّ ظلماً ... فراراً من مؤونات العدات\rفعد لمودَّتي وعليَّ نذرٌ ... سؤالك حاجةً حتَّى الممات\rكتب أبو العتاهية إلى أحمد بن يوسف:\rلئن عدت بعد اليوم إنِّي لظالمٌ ... سأصرف نفسي حين تبغى المكارم\rمتى ينجح الغادي إليك لحاجةٍ ... ونصفك محجوب ونصفك نائم\rوقال الصلتان العبدي:\rنروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي\rتموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجةٌ ما بقي\rوقال أبو العتاهية:\rمتى تنقضي حاجات من ليس واصلاً ... إلى حاجةٍ حتَّى تكون له أخرى\rوقال آخر:\rإنَّما تنجح المقالة في المر ... ء إذا صادفت هوىً في الفؤاد\rسئل بعض الحكماء حاجة فامتنع، فعوتب في ذلك، فقال:لأن يحمر وجهي مرة خير من أن يصفر وجهي مراراً.\rقال منصور الفقيه:\rمن قال لا في حاجةٍ ... مطلوبةٍ فما ظلم\rوإنَّما الظَّالم من ... يقول لا بعد نعم\rوقال آخر:\rإذا قلت في شيءٍ نعم فأتمَّه ... فإن نعم دينٌ على الحرِّ واجب\rوإلاَّ فقل لا تسترح وترح بها ... لئَّلا يقول النَّاس إنَّك كاذب\rوقال آبو العتاهية:\rلا يزال المرء ما عاش له ... حاجةٌ في الصَّدر منه تعتلج\rربَّ أمرٍ قد تضايقت به ... ثمَّ يأتي الله منه بالفرج\rوقال آخر:\rلئن أخطأت في مدحي ... ك ماأخطأت في منعي\rلقد أحللت آمالي ... بوادٍ غير ذي زرع\rوقال آخر:\rقد تخرج الحاجات ياأمَّ مالكٍ ... كرائم من ربٍّ بهنَّ ضنين\rوقال أشجع السلمي:\rقد خرجت حاجات أهل الحجا ... بنجحها وامتنع المنهج\rوليس فيهم رجلٌ واحدٌ ... منِّي إلى حاجته أحوج\rيريبني أنِّي أرى حاجتي ... تدخل في الحاج ولا تخرج\rأقول إذا أقلقني عاذلٌ ... بكلِّ ما أكرهه ملهج\rقد يدرك الأمر أناة الفتى ... ويسبق في الحاجة من يدلج\rباب السُّلطان والسِّياسة\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" كلُّكم راع وكلُّكم مسؤلٌ عن رعيَّته،فالإمام الّذي على النَّاس راعٍ عليهم ومسؤلٌ عنهم، والمرأة راعيةٌ على مال زوجها وهي مسؤلةٌ عنه \" .\rوقال عليه السلام: \" الإمام العدل لا تكاد تردُّ دعوته \" .\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" المقسطون يوم القيامة على منابر من نورٍ عن يمين الرَّحمن وكلتا يديه يمين لا يفزعون إذا فزع النَّاس \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" كلُّ أميرٍ لم يحط رعيَّته بالنَّصيحة لم يرح رائحة الجنة \" قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لا يصلح هذا الأمر إلاّ شدةٌ في غير عنف، ولين في غير ضعف.\rقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لن يقيم أمر الناس إلا امرؤ حصيف العقدة بعيد الغور، لا يطّلع الناس منه على غوره، ولا يخاف في الله لومة لائم.\rوعن عمر رضي الله عنه قال أيضاً: لا يقيم أمر الله إلاّ رجلٌ يتكلم بلسانه كله، يخاف الله في الناس، ولا يخاف الناس في الله.\rلعليّ بن أبي طالب في أول كتاب كتبه: أمّا بعد، فإنه أهلك من كان قبلكم أنهم منعوا الحق حتى اشتري، وبسطوا الجور حتى اقتدي.\rقال مجّاعة بن مرارة الحنفي لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما: إذا كان الرأي عند من لا يقبل منه، والسلاح عند من لا يستعمله، والمال عند من لا ينفقه، ضاعت الأمور.\rقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الملك والدين أخوان، لا غنى بأحدهما عن الآخر،فالدّين أّس، والملك حارس فما لم يكن له أس فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع.\rقال عبد الله بن مبارك:\rإنَّ الجماعة حبل الله فاعتصموا ... منه بعروته الوثقى لمن دانا","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"كم يدفع الله بالسُّلطان معضلةً ... في ديننا رحمةً منه ودنيانا\rلولا الخلافة لم تأمن لنا سبلٌ ... وكان أضعفنا نهباً لأقوانا\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا يؤمّ أحد على سلطانه، ولا يجلس على تكرمة إلا بإذنه \" .\rكان يقال: شرّ الأمراء أبعدهم من العلماء،وشر العلماء أقربهم من الأمراء.\rقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: من الملوك من إذا ملك زهّده الله فيما في يديه، ورغبه فيما يد غيره،وأشرب قلبه الإشفاق على ماعنده،فهو يحسد على القليل، ويتسخّط على الكثير.\rولّي عليُّ بن أبي طالب عمَّ المختار بن أبي عبيد عكبرا،وقال له بين يدي أهلها: استوف منهم خراجهم، ولا تجدن عندك ضعيفاً ولا رخصة. ثم قال له: رح إليَّ، قال: فرحت إليه، فقال لي: قد قلت لك بين أيديهم ما قلت، وهم قومٌ خدعٌ،وأنا الآن آمرك بما إن قبلته وإلا أخذك الله به دوني، وإن بلغني خلاف ما أمرتك به عزلتك، لا تتبعنّ لهم رزقاً يأكلونه، ولا كسوة شتاء ولا صيف، ولا تضربن رجلا منهم سوطاً في طلب درهم،ولا تقمه في السجن في طلب درهم، فإنا لم نؤمر بذلك، ولا تستعر لهم دابّة يعملون عليها، فإن أمرنا أن نأخذ منهم العفو.\rقال عمرو بن العاص لابنه: يا بنيّ!! احفظ عني ماأوصيك به، إمام عدل خير من مطر وبل، وأسدٌ حطوم خيرٌ من إمام ظلوم، وإمام ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم.\rرسالة أردشير بن بابك إلى الملوك بعده.\rمن أردشير ملك الملوك، إلى الملوك الكائنين بعده: الخراج عمود المملكة بكنفه تعيش الرعية، وتحفظ الأطراف والبيضة، فاختاروا للعمل عليه أولى الطينة الحرة، من ذوي العقل والحنكة، وكفّوهم بسني الأرزاق يحموا أنفسهم من الارتفاق، فمااستغزر بمثل العدل، ولا استنزر بمثل الجور.\rومن كلام الفرس في هذا الباب: لا ملك إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة ،ولا عمارة إلا بعدل.\rومن قولهم أيضاً: مثل الملك الذي يأخذ أموال رعيته ويجحف بهم، مثل من يأخذ الطّين من أصول حيطانه، فيطيَّن به سطوحه فيوشك أن تقع عليه البيوت.\rومن كلامهم أيضاً، وينسب إلى أرسطاطاليس: العالم بستانٌ سياجه الدولة، الدولة سلطان تحيه به السُّنة، السُّنة سياسة يسوسها الملك، الملك راع يعضّده الجيش، الجيش أعوان يكنفهم المال، المال رزق تجمعه الرعية، الرعية عبيدٌ يتعبّدهم العدل، العدل مألوفٌ وهو صلاح العالم.\rقال عبد الملك بن عمير: كان مكتوباً في مجلس زياد الذي يجلس فيه للناس بالكوفة، في أربع زوايا بقلم جليل: الوالي شديدٌ في غير عنف،ليِّنٌ في غير ضعف، العطية لأربابها والأرزاق لأوقاتها، البعوث لا تجمر، المحسن يحازى بإحسانه، والمسيء يؤخذ على يديه. فكان كلّما رفع رأسه قرأه.\rقال قتيبة بن مسلم: ملاك الأمر في السلطان: الشِّدة على المذنب، والِّلين للمحسن، وصدق القول.\rقال أشجع بن عمرو السلمي:\rلا يصلح السُّلطان إلاَّ شدَّةٌ ... تغشى البريء بفضل ذنب المجرم\rقال الوليد بن عبد الملك لأبيه عبد الملك: ياأمير المؤمنين! ماالسياسة؟ فقال: هيبة الخاصة مع شدع عفتها، واقتياد قلوب العامة بالإنصاف منها. قال مسلمة بن عبد الملك: ماحمدت نفسي على ظفر ابتدأته بعجز، ولا ذممتها على مكروه ابتدأته بحزم.\rقال معاوية لابنه يزيد: أعط من أتاك صادقاً بما تكره،كما تعطي من أتاك بما تحب، واعلم أنه إذا أعطى الأمير على الهوى لا على الغنى فسد ملكه.\rقيل لأنو شروان: إنك اصطنعت فلاناً ولا نسب له. فقال: اصطناعنا له نسبه.\rقال أبو جعفر المنصور: الذي عليّ للرعية أن أحفظ سبلهم،فينصرفون آمنين في سبيلهم ولا يصدّون عن حجهم، وقضاء نسكهم، وأن أضبط ثغورهم، وأحصّنها من عدوهم وأن أختار قضاتهم، وأعزل بالحق كيلا يصل ظلم بعضهم إلى بعض، وأن أرفع أقدار فقهائهم وعلمائهم، وأكف جهالهم عن حكمائهم.","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجَّاج: صف لي الفتنة حتى كأني أراها رأي العين. فكتب إليه: لوكنت شاعراً لوصفتها لك في شعري، ولكني أصفها لك بمبلغ رأيي وعلمي، الفتنة تلقح بالنجوى، وتنتج بالشكوى، فلما قرأ كتابه، قال: إن ذلك لكما وصفت، فخذ من قبلك بالجماعة، وأعطهم عطايا الفرقة، واستعن عليهم بالفاقة،فإنها نعم العون على الطاعة، فأخبر بذلك أبو جعفر المنصور فلم يزل عليه حتى مضى لسبيله.\rقال بعض الحكماء من ملوك الفرس، لحكيم من حكماء مملكته: أي الملوك أحزم؟ قال:من غلب جدُّه هزله، وقهر لبُّه هواه، وأعرب عن ضميره فعله، ولم يختدعه رضاه عن خطئه، ولاغضبه عن كيده.\rلما أراد عمرو بن العاص المسير إلى مصر، قال له معاوية: إني أريد أن أوصيك. قال: أجل. فأوص. قال: انظر فاقة الأحرار فاعمل في سدها، وطغيان السفلة فاعمل في قمعها، واستوحش من الكريم الجائع واللئيم الشبعان، فإنما يصول الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع.\rقال بعض الحكماء: الرعية للملك كالروح للجسد،فإذا ذهب الروح فني الجسد.\rوروى الهيثم بن عديّ، عن مجالد، عن الشعبي، قال عمر بن الخطاب: دلّوني عن رجل أستعمله فقد أعياني أمر المسلمين. قالوا له: عبد الرحمن بن عوف، قال لهم: ضعيف، قالوا له: فلان. قال: لا حاجة لي به. قالوا :فمن تريد؟ قال: رجل إذا كان أميرهم كان كأنّه رجل منهم، وإذا لم يكن أميرهم كان كأنه أميرهم. قالوا: ما نعلمه إلا الرّبيع بن زياد الحارثي. قال: صدقتم.\rقال أبو عمر: والربيع بن زياد هذا، كان فاضلا جليلا في قومه،ولاَّه معاوية خراسان، فاستكتب الحسن بن أبي الحسن فكان كاتبه، فلما بلغه قتل معاوية حجر بن عديّ، قال: الَّلهم إن كان للربيع عندك خير فاقبضه إليك وعجّل، فزعموا أنه لم يبرح من مجلسه حتى مات. كتب بعض ملوك العجم إلى ملك آخر منهم: قلوب الرعية خزائن ملوكها، فما أودعوها فليعلموا أنه فيها.\rقال الإسكندر لأرسطاطاليس:أوصني. قال: فانظر من كان له عبيد فأحسن سياستهم فولّه الجند، ومن كانت له ضيعةٌ فأحسن تدبيرها فولّه الخراج.\rوقال بعض الحكماء: لا تصغِّر أمر من جاء يحاربك، فإنك إن ظفرت لم تحمد وإن عجزت لم تعذر.\rقيل لكسرى ذي الأكتاف، وكان ضابطاً لمملكته: بم ضبطت ملكك؟ قال: بثمان خصال، لم أهزل في أمر ولا نهي، ولم أخلف وعداً ولا وعيداً، وولّيت للغنى لا للهوى، وعاقبت للأدب لا للغضب، وأوطأت قلوب الرعية الهيبة من غير ضغينة،وملأتها محبة من غير جرأة،وأعطيتها القوت، ومنعتها الفضول.\rقال عبد الملك بن عمير: سمعت زياداً وهو يخطب، فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي ملّكنا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خوَّلنا، فلنا عليكم الطاعة فيما أحسنَّا، ولكم العدل فيما ولينا، فاستوجبوا عدلنا بطاعتكم ومحض ودّنا بمناصحتكم، ومهما قصَّرت فيه من أداء حقكم فلن أقصر في ثلاث:لست محتجباً عن ذي حاجة ولو أتاني طارقاً بليل، ولا مجمِّراً لكم جيشاً، ولا حابساً عنكم عطاء ولا رزقاً لإبّانة، فادعوا الله لأئمتكم بالصلاح، فإنهم ساستكم المذبُّون وكهفكم الذي إليه تأوون،فإن تصلحوا يصلحوا، ولا تشعروا قلوبكم بغضتهم فيشتدَّ عيظكم، ويطول حزنكم، ولا تدركوا حاجتكم، فإنه لو استجيب لكم فيهم كان شراً لكم، نسأل الله أن يعين كلاًّ على كلّ.\rكان يقال: ينبغي للملك أن يعمل بثلاث خصال: تأخير العقوبة عند الغضب، وتعجيل مكافأة المحسن بإحسانه، والعمل بالأناة فيما يحدث له، فإن له في تأخير العقوبة إمكان العفو،وفي تعجيل المكافأة بالإحسان: المسارعة إلى الطاعة، وفي الأناة انفساح الرأي وإيضاح الصواب. كان يقال: من سعى بدليل في التدبير لم يقعد به إلاّ سابق قضاء لا يملك.\rذكر المبرّد قال: كان بعض عقلاء ملوك الفرس إذا شاور من قد رتّبهم لمشورته فقصّروا في الرأي، دعا الذين قد وكّلهم في أرزاقهم فعاقبهم، فيقولون: يخطئ أهل مشورتك فتعاقبنا نحن. فيقول: نعم. إنهم لم يخطئوا إلاّ بتعلق قلوبهم بأرزاقهم فإذا اهتمُّوا لحاجاتهم أخطأوا.","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"قال بعض الحكماء لبعض الملوك: أوصيك بأربع خصال ترضى بهن ربَّك، وتصلح معهن رعيتك: لا يغرنَّك ارتقاء السهل إذا كان المنحدر وعراً، ولا تعدن وعداً ليس في يديك وفاؤه، واعلم أن الأمور بغتاتٌ فبادر، واعلم أن الأعمال جزاء، فاتَّق العذاب.\rقال زياد: كمال الرأي شدةٌ في غير إفراط، ولين في غير إهمال.\rضرب مصعب بن الزبير وجه الأسقف بالقضيب، فقال:إني أجد في الإنجيل: لا ينبغي للإمام أن يكون سفيهاً ومنه يلتمس الحلم، ولا ينبغي له أن يكون جائراً ومن عنده يلتمس العدل. سألت بنو إسرائيل موسى عليه السلام أن يعرّفهم الزمان الذي يرضى فيه الله عن الناس، فقال: إذا استعمل منهم الهيِّن البرّالخّير.\rوفي خبر آخر: علامة رضا الله عن عباده أن يستعمل عليهم خيارهم، وأن ينزل الغيث في أوانه، وعلامة سخطه عليهم أن يولى عليهم شرارهم، وينزل عليهم الغيث في غير أوانه.\rقال معاوية لابن الكوَّاء: صف لي الزمان، فقال: أنت الزمان إن تصلح يصلح، وإن تفسد يفسد.\rخير من هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" صنفان من أمَّتي إذا صلحا صلح الناس، الأمراء والعلماء \" .\rقال الأحنف بن قيس: كلّ ملك غدور، وكلّ دابة شرود، وكل امرأة خئون؟؟.\rقال الأعور السلمي: يا معشر بني سليم أنذركم السلطان فإنه أصبح صعباً حنوطاً يغضب كما يغضب الصبي، ويفترس كما يفترس الأسد.\rقال عبد الملك بن مروان: لقد كنت أمشي في الزرع فأتقي الجندب أن أقتله، وإن الحجاج اليوم ليكتب إليّ بقتل فئام من النّاس فما أحفل بذلك.\rقال بعض الولاة لأعرابي: قل الحق وإلا أوجعتك ضرباً، فقال وأنت فاعمل به، فما توعَّدك الله به أشدُّ مما توعدني به.\rقيل لملكٍ زال عنه ملكه: لم زال عنك مللك؟ قال:لمدافعتي عمل اليوم إلى غد.\rقال ابن شبرمة: من أكل من حلوائهم انحطّ؟ في أهوائهم.\rقال كسرى لوزيره: إياك أن تدخل عليّ كثيراً فأملّك فتثقل عليّ حوائجك، ولا تطل الغيبة عني فأنساك.\rقال بعض الحكماء: من زال عن أبصار الملوك زال عن قلوبهم.\rقال ابن المعتز: أشقى النَّاس بالسُّلطان صاحبه، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقاً.\rقال الشاعر:\rإنَّ الملوك بلاءٌ حيثما حلُّوا ... فلا يكن لك في أفنائهم ظلُّ\rوما تريد بقومٍ إن هم سخطوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملُّوا\rوإن مدحتهم ظنُّوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلُّ\rفاستغن بالله عن أبوابهم أبداً ... إنَّ الوقوف على أبوابهم ذلُّ\rقالوا: السلطان كالنار، من تباعد منها لم ينل من دفئها شيئاً،ومن تقرب منها أحرقته.\rذكر أعرابي الملوك فقال: الملك أقرب ما تكون إليه أخوف ما تكون منه، شاهده يظهر حبك، وغائبه يبتغي غيرك.\rقال المأمون: لو كنت مع العامة لم أصحب السلطان.\rقال أبو قردودة:\rإنِّي نهيت ابن عمَّارٍ وقلت له ... لا تأمنن أحمر العينين والشَّعره\rإنَّ الملوك متى تنزل بساحتهم ... يطر بثوبك من نيرانهم شرره\rوقال آخر:\rإذا ضحك الأمير إليك فاعلم ... بأنَّ ضميره لك مستقيم\rولا تحفل بضحكٍ من كفيٍّ ... فكلُّ النَّاس ضحكهم سقيم\rقال العباس بن محمد المنصور: ياأمير المؤمنين؟ إنما هو سيفك ودرعك،فادرع بدرعك من شكرك واحصد بسيفك من كفرك.\rقالوا:لا تغتر بالأمير إذا غشك الوزير.\rومنهم من قال: لا تثق بالأمير إذا خانك الوزير.\rجلس معاوية يأخذ البيعة على الناس من عليّ. فقال رجل ياأمير المؤمنين إنا نطيع أحياءكم، ولا نبرأ من موتاكم. فالتفت معاوية إلى المغيرة بن شعبة فقال: رجل فاستوص به خيراً.\rكان يقال:إذا نزلت من الوالي بمنزلة الثّقة فاعزل عنه كلام الخنا والملق، ولا تكثرنّ له الدعاء في كل كلمة،فإن ذلك يشبه الوحشة، وعظّمه ووقّره في الناس.\rقال الشعبيّ: أخطأت عند عبد الملك بن مروان في أربع: حدثني بحديث يوماً فقلت :أعده عليّ فقال: أما علمت أن أمير المؤمنين لا يستعاد وقلت له حين أذن لي عليه: أن الشعبي فقال: ما أدخلناك حتى عرفناك. وكنيت عنده رجلا، فقال أما علمت أنه لا يكنى أحد عند أميرالمؤمنين. وحدثني بحديث فسألته أن يكتبه. فقال:إنا نكتِّب ولا نكتَّب.","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"وهذا الخبر عندي غير صحيح، لأن المحفوظ عن الشَّعبي أنه قال: مااستعدت حديثاً قط. ولا تشبه سائر الحكاية أخلاق الشعبي.\rقال الشعبي:قال لي عبد الملك جنبني ثلاثاً وأورد عليَّ ما شئت، لا تطرني في وجهي، فأنا أعلم بنفسي، وإياك أن تغتاب عندي أحداً، واحذر أن أجد عليك كذبة فلا أسكن إلى قولك أبداً. وهذا مأخوذ من قول العباس لابنه عبد الله رضي الله عنهما. قال عبد الله بن عباس، قال لي أبي:إني أرى أمير المؤمنين - يعني عمر بن الخطاب - يدنيك دون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فاحفظ عني ثلاثاً: لا يجدنّ عليك كذباً، ولا تغتابن عنده مسلماً،ولا تفشين له سرّاً. فقيل له:يا ابن عباس كل واحدة خير من ألف،فقال: كل واحدة خير من عشرة آلاف.\rقال عمر بن الخطاب لهنيّ إذ ولاه الحمى:يا هني اضمم جناحك، واتق دعوة المظلوم.\rقال الفرزدق:\rقل لنصرٍ والمرء في دولة السُّل ... طان أعمى ما دام يدعى أميرا\rفإذا زالت الولاية عنه ... واستوى بالرجال كان بصيرا\rقال المهلب لابنه:يا بني اخفض جناحك واشتدّ في سلطانك،فإن الناس للسلطان أهيب منهم للقرآن.\rكان يقال: ثلاثة من عازّهم رجعت عزّته ذلاًّ، السَّلطان والوالد والعالم.\rكان يقال: أربعة تشتد معاشرتهم المتواني، والفرس الجموح، والسلطان الشديد المملكة والعالم.\rبصق عبد الملك يوماً فقصر بصاقه، فوقع فوق البساط، فقام رجل من المجلس يمسحه بثوبه. فقال عبد الملك: أربعة لا يستحيا من خدمتهم: السلطان، والوالد، والضيف، والدابة. وأمر للرجل بصلة.\rكتب إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عامل له: إنّ مدينتنا قد احتاجت إلى مرمّة. فكتب إليه عمر: حصّن مدينتك بالعدل، ونقّ طريقها من الظلم. قال معاوية بن أبي سفيان:من وليناه من أمورنا شيئاً فليجعل الرفق بين الأمانة والعدل.\rقال محمد بن كعب القرظي: قال لي عمر بن عبد العزيز:صف لي العدل يا ابن كعب. قلت: بخٍ بخٍ، سألت عن أمر عظيم. كن لصغير الناس أباً، ولكبيرهم ابناً،وللمثل منهم أخاً،وللنساء كذلك،وعاقب الناس بقدر ذنوبهم على قدر احتمالهم، ولا تضربن لغضبك سوطاً واحداً فتكون من العادين.\rكان يقال: ليس شيءٌ أحسن عند الله من حلم إمام ورأفته.\rقال زياد لابنه عبيد الله يا بنيّ:إذا دخلت على أمير المؤمنين فادع له، واصفح صفحاً جميلا، ولا تريّن متهالكا عليه، ولا منقبضاً عنه.\rقال مالك: قيل لأبي الدرداء: يردُّك معاوية، وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الّلهمَّ غفراً. من يأت أبواب السلطان يقم ويقعد.\rقال معاوية: لا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي.\rقال معاوية يوماً، وقد ذكر من كان قبله:أما أبو بكر فهرب عن الدنيا،وهربت عنه. وأما عمر فأقبلت إليه وهرب منها، وأما عثمان فأصاب من الدنيا وأصابت منه، وأما أنا فقد داستني الدنيا ودستها.\rقال أبو عمر رضي الله عنه: سكت عن عليّ، وأنا أقول: وأما عليّ فأصابت الدنيا منه ولم يصب منها.\rوروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:إني لأستعمل الرجل، وأدع خيراً منه، وذلك أني أستعمله لأن يكون أنقص عيباً وأوسع رأياً، وأشد جرأة، وأصبر على الجوع والعطش. وقد روي هذا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.\rكان يقال: يوم من أيام إمام عادل أفضل من مطر أربعين صباحاً أحوج ما تكون الأرض إليه. قال المهلب: خير الولاة من كان في رعيته كأنه غائب عنها، وهو شاهد فيها وكان المحسن في أيامه آمناً والمسيء خائفاً.\rوقال بعض الحكماء الناس يحبّون سلطانهم على الدِّين، والتواضع ولين الجانب، وينقادون لشدة الطّيش.\rقال أبو العتاهية:\rرضيت ببعض الذُّلِّ خوف جميعه ... وليس لمثلي بالملوك يدان\rوكنت امرءاً أخشى العقاب وأتَّقي ... مغبَّة ما تجني يدي ولساني\rولوأنَّني عاندت صاحب قدرةٍ ... لعرَّضت نفسي صولة الحدثان\rفهل من شفيعٍ منك يقبل توبتي ... فإنِّي امرؤٌ أو في كلِّ ضمان\rوقال الحسن بن سهل :\rفرضت عليَّ زكاة ما ملكت يدي ... وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا\rفإذا ملكت فجد وإن لم تستطع ... فاجهد بجهدك كلّه أن تنفعا\rوقال آخر:","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"ليس في كلِّ ساعةٍ وأوان ... تتهيَّا صنائع الإحسان\rفإذا أمكنت فبادر إليها ... حذراً من تعذُّر الإمكان\rكان زياد إذا أتي بصاحب زلة، أخرّ عقوبته أياماً يسأل عن قضيته مخافة الزيادة في العقوبة. صعد عبد الملك المنبر، فقال في خطبته: يا معشر رعيتنا سألتمونا سيرة أبي بكر وعمر، ولم تسيروا فينا ولا في أنفسكم سيرة رعية أبي بكر وعمر، ولكن نسأل الله أن يعين كلاً على كل. تعرَّض رجل للحسن بن سهل، فقال:من أنت؟ فقال: أنا الذي أحسنت إليَّ عام كذا فقال الحسن: مرحباً بمن توسل إلينا بنا.\rوهذا عندي مأخوذ من قول معاوية: أحب الناس إلي، من له عندي يد ثم أحبهم إليّ بعده من لي عنده يد.\rقال الشعبي:دخلت يوماً على ابن هبيرة وبين يديه رجل يريد قتله، فقلت: أصلح الله الأمير، أنت على فعل مالم تفعل أقدر منك على ما فعلت، ولأن تندم على العفو خير من أن تندم على العقوبة. قال: صدقت يا شعبي. وأمر بالرجل إلى السجن.\rقال المأمون: تحتمل الملوك لأصحابهم كل شيء إلا ثلاث خصال:القدح في الملك، وإفشاء الأسرار، والتعرض للحرم.\rروى ابن دريد، عن ابن أخي الأصمعي، عن عمه عن أبي عمرو بن العلاء أنه دخل على سليمان بن علي،فسأله عن شيء فصرفه عنه، فغضب سليمان بن علي فخرج أبو عمرو وهو يقول:\rأنفت من العار عند الملوك ... وإن أكرموني وإن قرَّبوا\rإذا ما صدقتهم خفتهم ... ويرضون منِّي بأن يكذبوا\rقيل للعتابي: لم لا تخدم الأمير؟ أو لا تكتب للأمير، فقال: لأني رأيته يعطي رجلاً ألف مثقال بلا خصلة، ويرمي آخر من أعلى السور على الرأس بلا ذنب، فلا أدري أي الرجلين أكون عنده، مع أن الذي أعطي في ذلك، أكثر من الذي آخذ - يريد مهجته - وركوب الغرر فيها معه، والعتابي هو القائل:\rتلوم على ترك الغنى باهلِّيةٌ ... زوى الدَّهر عنها كلَّ طرفٍ وتالد\rرأت حولها النِّسوان يرفلن في الكسى ... مقلَّدةً أجيادها بالقلائد\rيسرُّك أنِّي نلت ما نال جعفرٌ ... من الملك أو ما نال يحيى بن خالد\rوأنَّ أمير المؤمنين أغصَّني ... مغصَّهما بالمرهفات البوارد\rذريني تجئني ميتتي مطمئنَّةً ... ولم أتجشَّم هول تلك الموارد\rوإنَّ كريمات المعالي مشوبةٌ ... بمستودعاتٍ في بطون الأساود\rوقال الغزال:\rوإن أعطيت سلطاناً ... فحاذر صولة الزَّمن\rأخو السُّلطان موصوفٌ ... بحسن الرَّأي والفطن\rفساعة ما يزاوله ... رماه النَّاس بالَّلعن\rويصبح رأيه المحمو ... د منسوباً إلى الأفن\rوتبصر في مطَّيته ... سقوط العين والأذن\rوتسترخي مفاصله ... وتكسى كسوة الحزن\rكأن بشاشة السُّلطا ... ن حين تزول لم تكن\rوقال إدريس بن مقيم الإشبيلي:\rقالوا تقرَّب من السُّلطان قلت لهم: ... يعيذني الله من قرب السَّلاطين\rإن قلت دنيا فلا دنيا لممتحنٍ ... أو قلت دينٌ فلا ديناً لمفتون\rقيل لأعرابي: من أنعم الناس عيشاً؟ قال: من لم يعرف السلطان ولم يعرفه السلطان، وكان في كفاف وغنى.\rوأما أهل الآخرة فطريقتهم الإعراض عنهم، وترك معاشرتهم.\rقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:حدثونا أن الحسن البصري نظر إلى قوم صحبوا السلطان واتسعت دنياهم، فقال:ماتنظرون إليهم، فوالله لئن كانوا من أهل الجنة لقد عجل لهم قليل من كثير ذخرلهم، ولئن كانوا من أهل النار لقد أعطوا قليلاً من كثير صرف عنهم فأتاهم، فارحموا ولا تغبطوا.\rأنشدني عبد الله بن محمد بن يوسف لنفسه:\rمايشتهي قرب السَّلاطين ... غير ضعيف العقل مجنون\rلا تكذبن عنهم فما صحبهم ... منهم على دنيا ولا دين\rدنياهم بالخزي موصولةٌ ... ولا تسل عن دين مفتون\rخيرهم فاعلمه لا يرتجى ... وشرُّهم ليس بمأمون\rلا رأي لهم في نيل دنياهم ... حسبي بأن يسلم لي ديني","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"شكت الرعية بعض العمال، فارتضى العامل بسهل بن عاصم فسأله الأمير:فقال: مافي عاملك مايشتكى إلا أن الله أمر بأمرين، امتثل فينا أحدهما وترك الآخر، قال الله عز وجل: \" إنَّ الله يأمر بالعدل والإحسان \" ، فعدل فينا ولم يحسن إلينا، وفي العدل بغير إحسان عطب الرعية، فقال له الأمير: صدقت قد وليتك مكانه.\rومن كلام ابن المعتز في هذا الباب: لا يدرك الغنى بالسلطان إلا نفس خاشعة، وجسم متعب، ودين منثلم.\rمن شارك السلطان في عز الدنيا، شاركه في ذل الآخرة.\rفساد الرعية بلا ملك، كفساد الجسم بلا روح.\rإذا زادك الملك إيناساً فزده إجلالا.\rلا تلبسن بالسلطان في وقت التباس الأمور عليه واضطرابها، فإن البحر لا يكاد يسلم راكبه في حال سكونه، فكيف عند اختلاف رياحه واضطراب أمواجه.\rريح السلطان على قوم سموم، وعلى قوم نسيم.\rالملك حقُّ الملك، من نشر أنواع الفضل وبسط أنواع العدل، وجانب المطامع الرديئة، والمطاعم الدنيئة.\rقال مطرِّف لا تنظر إلى خفض عيش الملوك،ولكن انظر إلى سرعة ظعنهم، وسوء منقلبهم. سئل رجل من بني أمية عاقل، فقيل له: أخبرنا عن أول شيء كان بدء زوال ملككم، فقال: سألت فاسمع، وإذا سمعت فافهم. تشاغلنا عن تفقد ما كان تفقده يلزمنا، ووثقنا بوزراء آثروا مرافقهم على منافعها، وأبرموا أموراً أسروها عنا، فظلمت رعيتنا، ففسدت نياتهم لنا، وجدب معاشنا فخلت بيوت أموالنا، وقل جندنا فزالت هيبتنا، واستدعاهم أعداؤنا فظاهروهم علينا، وكان أكثر الأسباب في ذلك استتار الأخبار عنا.\rأنشدني أبو القاسم محمد بن نصير الكاتب لنفسه:\rإذا ما الله شاء صلاح قومٍ ... أتاح لهم أكابر مصلحينا\rذوي رأيٍ ومعرفةٍ وفهمٍ ... وإعداد لما قد يحذرونا\rفلم يستأثروا بكثير جمعٍ ... وكانوا للمصالح مؤثرينا\rويسَّرهم لفعل الخير فيما ... إليهم من أمور المسلمينا\rوإن يشأ الإله فساد قومٍ ... أتاح لهم أكابر معتدينا\rذوي كبرٍ ومجهلةٍ وجبنٍ ... وإهمالٍ لما يتوقَّعونا\rفظلُّوا يشرهون ويجمعونا ... وليسوا في العواقب يفكرونا\rوجاروا حيثما أمروا بعدلٍ ... كأن قد قيل كونوا جائرينا\rوقال الأفوه الأودي:\rلا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهَّالهم سادوا\rإذا تولَّى سراة القوم أمرهم ... نما على ذاك أمر القوم وازدادوا\rتلقى الأمور بأهل الرأي قد صلحت ... وإن تولت فبالأشرار تنقاد\rوقال محمد بن نصر:\rلا تحقرنَّ امرءاً إن كان ذا ضعة ... فكم وضيعٍ من الأقوام قد رأسا\rفربّ قومٍ حقرناهم فلم نرهم ... أهلا لخدمتنا صاروا لنا رؤسا\rمن الأمثال في السُّلطان وصحبته\rإذا رغب الملك عن العدل رغبت الرعية عن الطاعة.\rلا صلاح للخاصَّة مع فساد العامة، ولا نظام للدَّهماء مع دولة الغوغاء.\rالحكم ميزان الله في الأرض.\rكلُّ الناس أحقّاء بالسجود لله عزّ وجلّ، وأحقّهم بالسجود لله والتواضع له من رفعه الله عن السجود لأحد من خلقه.\rكفارة عمل السلطان الإحسان إلى الإخوان.\rلا رحم بين الملوك وبين أحد.\rللملوك بدوات.\rالملك عقيم.\rالملك يبقي على الكفر، ولا يبقى على الظلم.\rسكر السلطان أشدُّ من سكر الشراب.\rالسلطان كالنار:إن باعدتها بطل نفعها، وإن قاربتها عظم ضررها.\rجاور ملكاً أو بحراً.\rصاحب السلطان كراكب الأسد، يهابه الناس وهو لمركبه أهيب.\rأجرأ الناس على الأسد أكثرهم له رؤية.\rالسُّلطان كالسُّوق ما نفق فيها جلب إليها.\rإن كان البحر كثير الماء فإنه بعيد المهوى.\rالسُّلطان إذا قال لعماله :هاتوا، فقد قال: خذوا.\rالناس على دين الملك.\rعفو الملوك أبقى للملوك.\rمن خدم السلطان خدمه الإخوان.\rثلاثة لا أمان لهم: السّلطان والبحر والزمان.\rمن تحسَّى مرقة السُّلطان أحرقت شفتاه ولو بعد حين.\rمثل أصحاب السلطان كقوم رقوا جبلا ثم وقعوا منه، فكان أبعدهم في المرتقى أقربهم من التلف.\rباب الكتّاب والكتابة\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" نحن أمّة أمِّيةٌ لا نكتب ولا نحسب \" .","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"وروي عنه عليه السلام أنه قال: \" من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويقبض المال،ويكثر التجار،و يظهر القلم \" .يعني الكتابة.\rقال الحسن البصري: لقد أتى علينا زمان وإنما يقال:تاجر بني فلان وكاتب بني فلان، ما يكون في الحي إلا التاجر الواحد والكاتب الواحد، قال الحسن: لقد كان الرجل يأتي الحي العظيم فلا يجد به كاتباً.\rوفي الحديث المرفوع: \" فشوُّ القلم، وفشو التجارة من أشراط الساعة \" يعني بقوله فشو القلم: ظهور الكتابة وكثرة الكتّاب.\rروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" أتربوا الكتب وسجُّوها من أسفلها فإنه أنجح للحاجة \" .\rوفي خبر آخر عنه عليه السلام: \" إذا كتب أحدكم في حاجة فليترب كتابه، فالبركة في التراب \" .\rوروى عن بعض أهل التفسير في قول الله عز وجل حاكياً عن يوسف عليه السلام: \" اجعلني على خزائن الأرض إنِّي حفيظٌ عليمٌ \" . قال كاتب حاسب.\rكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة منهم: أبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعلي وعثمان، وحنظلة الأسديّ،ومعاوية، وعبد الله بن الأرقم، وكان كاتبه المواظب له في الرسائل والأجوبة زيد بن ثابت، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعلم السريانية ليجيب عنه من كتب إليه بها،فتعلمها في ثمانية عشر يوماً.\rقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكاتبه عبيد الله بن أبي رافع: إذا كتبت فألن دواتك، وأطل من قلمك،وفرج بين السطور، وقارب بين الحروف.\rكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله:إذا كتبتم فأرقّوا الأقلام، وأقلوا الكلام واقتصروا على المعاني، وقاربوا بين الحروف، تكتفوا من القراطيس بالقليل.\rكانت العرب تسمي كل صانع قيناً إلاّ الكاتب.\rقالوا: القلم أحد اللسانين.\rقالوا: الخطّ الحسن يزيد الحق وضوحاً.\rقال المأمون: الخطّ لسان اليد، وهو أفضل أجزاء اليد.\rقال بعض الملوك:للكاتب الناصح ثلاث خصال: رفع الحجاب عنه، واتهام الوشاة عليه،و دفع غائلة العدوّ عنه.\rقال ابن القرِّيّة:خط القلم يقرأ بكل مكان، وفي كل زمان، ويترجم كل لسان، ولفظ الإنسان لا يجاوز الآذان.\rقال أبو ساسان حضين بن المنذر:ما رأيت بارياً لا يقيم الخط إلا رأيته لا يقيم الشعر.\rقيل لنصر بن سيار: فلان لا يخطّ، قال :تلك الِّزمانة الخفية.\rقال بعض البلغاء:صورة الخط في الإبصار سواد، وفي الأنصار بياض، وهذا عندي مأخوذ من قول ابن المعتز: القلم يخدم الإرادة، ولا يمل الاستزادة، على أرض بياضها مظلم، وسوادها مضيء. أمر أبو جعفر المنصور بسجن طائفة من الكتاب غضب عليهم،فكتب إليه بعضهم من طريق السجن:\rأطال الله عمرك في صلاحٍ ... وعزٍّ ياأمير المؤمنينا\rبعفوك نستجير فإن تجرنا ... فإنَّك رحمةٌ للعالمينا\rونحن الكاتبون وقد أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبينا\rوذكر هذا الخبر الحارث بن أسامة في كتابه المعروف بكتاب الخلفاء، وفي أخبار المنصور: أن أحزاباً من الكتاب ترددوا في ديوان داره، فأمر بإحضارهم وتقدم من تأديبهم، فقال واحد منهم، وهو يضرب: أطال الله عمرك،وذكر الأبيات الثلاثة فعفا عنهم وأمر بتخليتهم.\rقال ابن القاسم: سئل مالك عن النصراني أيستكتب؟ قال: لا أرى ذلك، وذلك أن الكاتب يستشار، فيستشار هذا في أمور المسلمين! ، ما يعجبني أن يستكتب.\rقال بعض الحكماء لبنيه: يا بني تزيوا بزيّ الكتّاب، فإن فيهم أدب الملوك وتواضع السوقة. قدم كتاب أبي عبيدة على عمر بن الخطاب، وعنده أبو موسى، فقال له: يا أبا موسى! ادع كاتبك حتى يقرأ كتاب أبي عبيدة بالفتح. فقال: إنه لا يدخل المسجد.قال: ولم، أجنبٌ هو؟ قال: لا. ولكنه نصرانيّ، فصاح عليه صيحة وانتهره، قال: عزمت عليك إلا عزلته، ثم قال: لا تقرّبوهم بعد أن أبعدهم الله، ولا تكرموهم بعد أن أهانهم الله، ولا تشاوروهم بعد أن جهّلهم الله، قال أبو موسى: فعزلته وطردته.\rقال أبو عمر رحمه الله: كيف يؤتمن على سر أو يوثق به في أمر، من دفع القرآن وكذب النبي عليه السلام.","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"استأذن على المأمون بعض شيوخ الفقهاء، فأذن له، فلما دخل عليه رأى بين يديه رجلاً يهوديَّاً كاتباً، كانت له منزلة وقربه لقيامه بما يصرفه فيه ويتولاه من خدمته، فلما رآه الفقيه قال - وقد كان المأمون أومأ إليه بالجلوس - : أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إنشاد بيت حضر قبل أن أجلس قال: نعم، فأنشده:\rإنَّ الَّذي شرِّفت من أجله ... يزعم هذا أنَّه كاذب\rوأشار إلى اليهوديّ، فخجل المأمون ووجم، ثم أمر حاجبه بإخراج اليهودي مسحوباً على وجهه، وأنفذ عهداً باطّراحه وإبعاده، وألاّ يستعان بأحد من أهل الذمة في شيء من أعماله. اسم الكتّاب بالفارسية ديوان، أي شياطين، لحذقهم بالأمور ولطفهم، فسمي الديوان باسمهم.\rقال الزبير بن أبي بكر: كتب إليّ المغيرة بن محمد يستبطئ كتبي، فكتبت إليه:\rماغيَّر النَّأي ودَّاً كنت تعهده ... ولا تبدَّلت بعد الذكر نسيانا\rولا حمدت إخاءً من أخي ثقةٍ ... إلاَّ جعلتك فوق الحمد عنوانا\rباب الظُّلم والجور\rقال الله عز وجل: \" وقد خاب من حمل ظلماً \" .\rوقال عزوجل: \" ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً \" .\rوفي صحف إبراهيم عليه السلام:اتق دعوة المظلوم، فإني لا أردّها، ولو كانت من كافر أقول: وعزتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ليس منَّا من ظلم مسلماً أو ضرَّه أو عزَّه أو ناكره \" . وروي عنه عليه السلام أنه قال: \" ما تبالي حسَّنت جوراً أو دخلت فيه، وفتحت عدلا، أو خرجت منه \" . وقد روي هذا من كلام علي رضي الله عنه فالله أعلم.\rلمرة بن محكان في الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي:\r؟؟أحار تبيَّن في الأمور فإنَّه ... إذا الأمير عدا في الحكم أو فسدا\rفإنَّك محلولٌ عليك وظاعنٌ ... فمهما تصبه اليوم تدرك به غدا\rوقال آخر:\rنخاف على حاكمٍ عادلٍ ... ونرجو، فكيف لمن يظلم\rإذا جار حكم امرئٍ ملحدٍ ... على مسلمٍ هلك المسلم\rالظلم في وضع كلام العرب: وضع الشيء في غير موضعه، وأخذ المرء ما ليس له،ومن ذلك قولهم: من أشبه أباه فما ظلم، أي ما وضع الشبه في غير موضعه.\rفكل مسيءٍ ظالم، تقول العرب للمسيء المفرط في الإساءة: هذا أظلم من حية، وأظلم من ذئب، قال عمرو بن بحر: لأن الحية لا تتخذ لنفسها بيتاً،وهي تقصد كل بيت يصلح لها من بيوت الخشاش والهوامِّ فيهرب أهله عنه ويخلّونه لها خوفا منها.\rقال مضرّس بن لقيط الفقعسي:\rإذا قلت الداء بيني وبينهم ... أتى حاطبٌ منهم لآخر يقبس\rلعمرك لو أنّي أخاصم حيّةً ... إلى فقعسٍ ما أنصفتني فقعس\rفما لكم إليَّ كأنَّكم ... ذئاب الغضا والذئب بالَّليل أطلس\rويقولون أيضاً:هو أظلم من ذئب، وأظلم من ورل، كما يقولون:أظلم من حية، وذلك أن الورل يقوى على الحيات كلها، ويأكلها أكلا ذريعاً، وكل شدة يلقاها ذو جحر من الحية تلقى مثل ذلك من الورل، والورل ألطف بدناً من الضب، ولكنه أشد من الضب وأجود سلاحاً، وله شحمة والأعراب يستطيبون لحم ذنبه،والورل دابة خفيفة الرأس والحركات ذاهباً وجائياً، ويميناً وشمالاً، وليس شيء بعد العظاء شيء أكثر تلفتاً منه، وبراشن الورل أقوى من براشن الضب،حكى ذلك كله عمرو بن بحر.\rقال: ومن أمثال العرب: من استرعى الذئب ظلم، وأنشد لبعض بني جعفر ابن كلاب يضرب المثل بجور الحية والذئب:\rكأنَّني حين أحبو جعفراً مدحي ... أسقيهم طرق ماءٍ غير مشروب\rولو أخاصم أفعى نابها لثقٌ ... أو الأساود من صمِّ الأهاضيب\rلكنتم معها إلباً وكان لها ... نابٌ بأسفل ساقٍ أو بعرقوب\rولو أخاصم ذئباً في أكيلته ... لجاءني كلُّهم يسعى مع الذيب\rقال بعض الحكماء:أعجل الأمور عقوبة وأسرعها لصاحبها: سرعة ظلم من لا ناصر له إلا الله، ومجاورة النعم بالتقصير، واستطالة الغنيّ على الفقير.\rروي عن مجاهد أنه قال: المعلم إذا لم يعدل بين الصبيان كتب من الظلمة.","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"إنما شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية حرب الفجار، وظهرت العرب على الفرس يوم ذي قار، فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا فيها مظلومين.\rفأما حرب الفجار فكانت بين بني عامر بن صعصعة وبين قريش، وذلك أن بني عامر بن صعصعة طالبوا أهل الحرم من قريش وكنانة، بجريرة البرَّاض بن قيس في قتله عروة الرجال، وكان البراض خليعاً فاتكاً، فأقامهم إلى حربهم، فألزموهم ذنب غيرهم ظالمين لهم، فلذلك شهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم دافعوا عن أنفسهم وديارهم وأموالهم، ونصروا بحضور النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك نصرت العرب على فارس يوم ذي قار برسول الله صلى الله عليه وسلم.\rقال أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي: كانت وقعة ذي قار قبل وقعة بدر بأشهر، والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فلما بلغه ذلك، قال: \" هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم \" .\rقال هشام: حدثني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: ذكرت وقعة ذي قار عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: \" ذلك أوّل يومٍ انتصفت فيه العرب من العجم \" .\rخرج الأضبط بن قريع السعدي من بني سعد، فجاور ناساً، فلما رأى مذهبهم وظلمهم لم يحمدهم ورجع إلى قومه، وقال: بكل واد بني سعد، فأرسلها مثلا.\rوقال الأشعر الرَّقبان الأسدي في قصيدة له:\rوأنت مليخٌ كلحم الحوار ... فلا أنت حلوٌ ولا أنت مرّ\rوحسبك في النَّاس أن يعلموا ... بأنَّك فيهم غنيٌّ مضرّ\rومن أمثالهم: من لم يكن ذئباً أكلته الذئاب، وكان الشعبي إذا تمثل بذلك يقول ومن ذا الذي يرضى أن تأكله الذئاب.\rولعبيد بن أيوب وكان قد تاب فظلم، فهم بمراجعة الضلال، فقال:\rظلمت الناس فاعترفوا بظلمي ... فتبت فأزمعوا أن يظلموني\rفلست بصابرٍ إلا قليلاً ... فإن لم يرعووا راجعت ديني\rقال زهير:\r..ومن لا يظلم النَّاس يظلم\rأخذه ابن دريد فقال:\rمن ظلم النَّاس تحاموا ظلمه ... وعزَّ عنه جانباه واحتمى\rوقال المتنبي:\rوالظُّلم من شيم النُّفوس فإن تجد ... ذا عفَّةٍ فلعلَّةٍ لا يظلم\rوله أيضاً:؟\rومن عرف الأياَّم معرفتي بها ... وبالنَّاس روَّى رمحه غير راحم\rوهذه الأخلاق أخلاق الفسّاق، ومن لم يتأدب بأدب القرآن،ولا استن بسنن الإسلام في الأخذ بالعفو والصفح والرحمة والرأفة، وأين قول المتنبي من قول محمود الوراق:\rإنِّي وهبت لظالمي ظلمي ... وغفرت ذاك له على علمي\rورأيته أسدى إليَّ يداً ... فأبان منه بجهله حلمي\rرجعت إساءته عليَّ له ... حسناً فعاد مضاعف الجرم\rوغدوت ذا أجرٍ ومحمدةٍ ... وغدا بكسب الذَّمِّ والإثم\rفكأنَّما الإحسان كان له ... وأنا المسيء إليه في الحكم\rمازال يظلمني وأرحمه ... حتَّى بكيت له من الظُّلم\rوله أيضاً:\rاصبر على الظُّلم ولا تنتصر ... فالظُّلم مردودٌ على الظَّالم\rوكل إلى الله ظلموماً فما ... ربِّي عن الظَّالم بالنَّائم\rوقال آخر:\rنامت جفونك والمظلوم منتبهٌ ... يدعو عليك وعين الله لم تنم\rوقال آخر:\rومامن يدٍ إلاَّ الله فوقها ... ولا ظالمٌ إلاَّ سيبلى بظالم\rوقال آخر:\rفإن قلتم إنَّا ظلمنا فلم نكن ... ظلمنا ولكنَّا أسأنا التَّقاضيا\rوقال آخر:\rتأنَّ ولا تعجل وكن مترفِّقا؟ً ... وكن راحماً بالنَّاس تبلى براحم\rكان يقال:إذا دعتك الضرورة إلى ظلم من هو دونك فاذكر قدرة الله تعالى على عقوبتك، فأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه.\rقال الشاعر: ؟ونستعدي الأمير إذا ظلمنا فمن يعدي إذا ظلم الأمير\rإذا كان الأمير عليك خصماً ... فلا تكثر فقد غلب الأمير\rوقال آخر:\rوالخصم لا يرتجى النَّجاح له ... يوماً إذا كان خصمه القاضي\rوقال آخر:\rمن يكن القاضي أباه فليبت ... في راحةٍ من خصمه لا يلتفت","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"قال كعب لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما:ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء،فقال عمر:إلا من حاسب نفسه، قال كعب:والذي نفسي بيده إنها لكذلك إلا من حاسب نفسه ما بينهما حرف. يعني في التوراة.\rخرج عمر بن عبد العزيز يوماً،فقال: ما شاء الله! كان الوليد بن عتبة بالشام، والحجاج بالعراق وقرَّة بن شريك بمصر، وعثمان بن حيَّان بالحجاز، ومحمّد بن يوسف باليمن، امتلأت الأرض ظلماً وجورا.\rولعون بن عبيد الله بن عتبة بن مسعود: ؟؟وأوَّل ما نفارق غير شكٍّ نفارق ما يقول المارقونا\rوقالوا: مؤمنٌ دمه حلالٌ ... وقد حرمت دماء المؤمنينا\rوقالوا: مؤمنٌ من أهل جورٍ ... وليس المؤمنون بجائرينا\rوقال أبو العتاهية:\rأماوالله إنَّ الظُّلم لؤمٌ ... وما زال المسيء هو الظَّلوم\rإلى دياَّن يوم الدّين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم\rستعلم في الحساب إذا التقينا ... غداً عند الإله من الملوم\rوكتب بها مع يحيى بن خالد بن برمك.\rقال الشاعر:\rإذا جار الأمير وكاتباه ... وقاضي الأرض داهن في القضاء\rفويلٌ ثمَّ ويلٌ ثمَّ ويلٌ ... لقاضي الأرض من قاضي السماء\rباب العفو والتجاوز وكظم الغيظ\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: \" مازاد الله عبداً بعفوٍ إلاَّ عزَّاً \" .\rوقال صلى الله عليه وسلم: \" من لا يرحم لا يرحم، إنما يرحم الله من عباده الرحماء \" .\rوقال عليه السلام: \" مانزعت الرَّحمة إلا من شقيٍّ \" .\rوقال: \" ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر الله لكم \" .\rوعنه صلى الله عليه وسلم قال: \" ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السَّماء \" .\rوفي الأثر المرفوع أنه: \" ينادي المنادي في بعض مواقف القيامة:ليقم من له عند الله ما يحمد له،فلا يقوم إلاّ من عفا \" .\rوفي الحديث أيضا: ً \" إن الله عفوٌّ غفور يحبُّ العفو عن عباده \" .\rوقال صلّى الله عليه وسلّم: \" أقيلوا ذوي الهيئات زلاّتهم \" .\rقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أفضل العفو عند القدرة،وأفضل القصد عند الجدة.\rقال سعيد بن المسيب:لأن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة.\rقال جعفر بن محمد: لأن أندم على العفو خير من أن أندم على العقوبة.\rطلب عبد الملك بن مروان رجلا فأعجزه ثم ظفر به، فقال رجاء بن حيوة: ياأمير المؤمنين! قد صنع الله ما أحببت من ظفرك به، فاصنع ماأحبَّ الله من عفوك عنه.\rقال رجل للمنصور حين ظفر بأهل الشام،وقد أجلبوا عليه وخالفوه مع عبد الله ابن علي: الانتقام عدلٌ،والتجاوز فضل، ونحن نعيذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين ولا يبلغ أرفع الدرجتين.\rكان يقال: أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه. قال المهلب بن أبي صفرة: خير مناقب الملوك العفو.\rقال المأمون: وددت أن أهل الجرائم عرفوا رأيي في العفو، فسلمت لي صدورهم.\rقال معاوية رحمه الله: ماوجدت شيئاً ألذَّ عندي من غيظٍ أتجرعه، ولم يعرف قيمة الأبَّهة من لم يجرعه الحلم غصص الغيظ.\rاعتذر رجل إلى الهادي فقال: ياأمير المؤمنين! إقراري بما ذكرت يوجب عليَّ ذنباً لم أجنه،وردِّي عليك لا أقدم عليه لما فيه من التكذيب لك، ولكني أقول:\rفإن كنت ترجو في العقوبة راحةً ... فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر\rفعفا عنه.\rقال منصور الفقيه:\rوقال نبيُّنا فيما رواه ... عن الرحمن في علم الغيوب\rمحالٌ أن ينال العفو من لا ... يمنُّ به على أهل الذُّنوب\rوقال آخر:\rفهبني مسيئاً كالذي قلت ظالماً ... فعفوٌ جميل كي يكون لك الفضل\rفإن لم أكن للعفو أهلاً لسوء ما ... أتيت به جهلاً فأنت له أهل\rسئل ثعلب عن معنى:فهبني مسيئاً، قال:معناه اعددني مسيئاً.\rقال محمّد بن علي بن حسين: من كظم غيظا يقدر على إمضائه حشا الله قلبه إيماناً وروي هذا مرفوعاً إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.\rومما ينسب إلى عمرو بن العاص:\rوبعض انتقام المرء يزري بعقله ... وإن لم يقع إلاَّ بأهل الجرائم","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"وذكر ذنوب الوغد ترفع ذكره ... فدعه صريع النوم تحت القوادم\rوفي معنى هذا البيت الأخير قول ذي الرمة:\rقيل لي: قد هجاك مولى زياد ... فأجبه فقلت: ليس بكفوي\rلست أهجوه إنه خامل الذِّك ... ر لعلَّ الخسيس يعلو بهجوي\rهو كالكلب ينبح الَّليث رعباً ... فذروه يهرّ بعدي ويعوي\rهو من سطوتي وبأس هجائي ... في أمانٍ ما بين حلمي وعفوي\rكتب علي بن الجهم إلى الحسن بن وهب:\rإن تعف عن عبدك المسيء ففي ... فضلك مأوىً للصّفح والمنن\rأتيت ما أستحقُّ من خطإٍ ... فجد بما تستحقُّ من حسن\rفجاوبه الحسن بن وهب بأبيات منها:\rأعوذ بالودِّ الَّذي بيننا ... أن يفسد الأوَّل بالآخر\rوله أيضاً:\rأقلني أقالك من لم يزل ... يقيك ويصرف عنك الرَّدى\rوقال آخر:\rألا إنَّ خير العفو عفوٌ معجَّل ... وشرُّ العقاب ما يجاز به القدر\rوقال أعرابي:\rياربِّ قد حلف الأقوام واجتهدوا ... أيمانهم أنَّني من ساكني النَّار\rأيحلفون على عمياء ويحهم ... جهلاً بعفو عظيم العفو غفَّار\rوقال آخر:\rياربِّ عفوك عن ذي توبةٍ وجل ... كأنَّه من حذار النَّار مجنون\rقد كان قدَّم أعمالاً مقاربةً ... أيّام ليس له عقلٌ ولا دين\rباب الغضب\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب \" .\rقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يارسول الله دلَّني على عملٍ إذا عملته دخلت الجنة، وأقلل لعلّي أحفظه. قال: \" لا تغضب \" .\rوروي عنه عليه السلام أنه قال: \" إذا غضبت قائماً فاقعد، وإذا غضبت قاعداً فقم أو قال:فاضطجع \" .\rأوحى الله إلى موسى: اذكرني عند غضبك،أذكرك عند غضبي، فلا أمحقك فيمن أمحق،وإذا ظلمت فارض بنصرتي لك، فإنها خيرٌ من نصرتك لنفسك.\rقال عيسى عليه السلام: يباعدك من غضب الله ألا تغضب.\rأنشد ثعلب:\rمتى ترد الشِّفاء بكلِّ غيظٍ ... تكن ممَّا يغيظك في ازدياد\rقال سليمان بن داود عليهما السلام: أعطينا ماأعطي الناس وما لم يعطوا،وعلِّمنا ما علِّم الناس ومالم يعلَّموا، فلم نر شيئاً أفضل من العدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وخشية الله في السِّر والعلانية.\rقال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه:إنما يعرف الحلم ساعة الغضب.\rوعنه أيضاً:عدوُّ العقل الغضب.\rكان يقال: أول الغضب جنون، وآخره ندم ولا يقوم عزّ الغضب بذلِّ الاعتذار.\rوروي: كل العطب في الغضب.\rقيل للشعبي: لأي شيء يكون السّريع الغضب سريع الفيئة، ويكون بطيء الغضب بطيء الفيئة؟ قال: لأن الغضب كالنار فأسرعها وقوداً أسرعها خموداً.وهذا الخبر أصح عن عبد الله بن حسن،حكاية عن كسرى، ذكره ابن عائشة القرشي التيميّ عنه. قال: قيل لعبد الله بن حسن: مابال الرجل الحديد أسرع رجعةً من البطيء؟ فقال: سئل كسرى عن ذلك، فقال:مثلهمامثل النار في الحطب، أسرعها وقوداً أسرعها خموداً.\rأراد المنصور خراب المدينة لإطباق إهلها على حربه مع محمد بن عبد الله بن حسن، فقال له جعفر بن محمد: ياأمير المؤمنين! إن سليمان أعطي فشكر، وإن أيوب ابتلي فصبر، وإن يوسف قدر فغفر، وقد جعلك الله من قبيل الذين يعفون ويصفحون فطفئ غضبه وسكت.\rشهد سوَّار القاضي مجلس أبي جعفر المنصور يوماً فرآه قد غضب على أهل البصرة، فقال له: ياأمير المؤمنين! لا تغضب لله بما يغضب الله.\rالعرب تمدح بترك الغضب.\rكان يقال: من أغضبته أنكرته.\rقال الشاعر:\rلم أقض من صحبة زيدٍ أربي ... فتىً إذا نهنهته لم يغضب\rأبيض بسّامٌ وإن لم يعجب ... ولا يضنُّ بالمتاع المحقب\rموكَّل الَّنفس بحفظ الغَّيب ... أقصى رفيقيه له كالأقرب\rقال عبد الله بن قيس الرقيات:\rمانقموا من بني أميَّة إلاَّ ... أنَّهم يحملون إن غضبوا\rوأنَّهم سادة الملوك ولا ... تصلح إلاَّ عليهم العرب\rقالوا: إذا غضب الرجل فليستلق، وإذا أعيا فليرفع رجليه.\rباب الرجاء والخوف","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض أصحابه يعوده،فقال: كيف تجدك؟ قال: أجدني أرجو وأخاف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده، مااجتمعا في قلب رجلٍ إلاّ أعطاه الله خير مايرجو منه،وآمنه من شر ما يخاف \" .\rقال أبو الدَّرداء: من خاف أدلج،ومن أدلج بلغ المنزل.\rقال مطرِّف بن عبد الله الشِّخِّير: لووزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا.\rقال لقمان لابنه: يا بنيّ ارج الله رجاءٍلا تأمن فيه مكره، وخف الله مخافة لا تأيسنّ فيها من رحمته، فقال: كيف أستطيع ذلك، وإنما لي قلب؟ فقال يا بني! إن المؤمن كذي قلبين قلب يخاف به، وقلب يرجو به.\rقال عليّ بن أبي طالب: خذوا عني هذه الكلمات، فلو رحَّلتم فيها المطيَّ حتى أنضيتموها لم تبلغوها: لا يرجو عبد إلاّ ربّه، ولا يخاف إلاّ ذنبه. وذكر كلاماً قد ذكرته بتمامه في كتاب \" بيان العلم وفضله \" .\rكان يقال: من خاف الله ورجاه آمنه خوفه، ولم يحرمه رجاءه.\rوقف محمد بن سليمان على قبر أبيه،فقال: اللهم إني أمسيت أخافك عليه وأرجوك له، فحقق رجائي، وآمن خوفي عليه.\rقال مسلم بن يسار: ماأدري فيم خوف امرئ ورجاؤه إذا لم يمنعاه من ركوب شهوة إن عرضت له، أو لم يصبّراه على مصيبة إن نزلت به.\rكتب بعض العلماء إلى بعض إخوانه: أمابعد، فإنه من خاف الله أخاف الله منه كل شيء ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء.\rللحسن بن هانئ وتنسب للشافعي رضي الله عنهما، والله أعلم:\rخف الله وارجوه لكلِّ عظيمةٍ ... ولا تطع النَّفس الّلجوج فتندما\rوكن بين هاتين من الخوف والرَّجا ... وأبشر بعفو الله إن كنت مسلما\rوفيها:\rفلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرَّجا منِّي لعفوك سلَّما\rوله:\rقد كنت خفتك ثمَّ آمنني ... من أن أخافك خوفك الله\rوقال العتابي:\rرحل الرَّجا إليك مرتقباً ... حشدت إليه نوائب الدّهر\rردَّت إليك ندامتي أملي ... وثنا إليك عنانه شكري\rوجعلت عتبك عتب موعظةٍ ... ورجاء عفوك منتهى عذري\rوقال أعرابي، وقد أدخله البعيث في شعره:\rوإني لأرجو الله حتّى كأنما ... أرى بجميل الظَّنِّ ماالله صانع\rوقال منصور الفقيه:\rقطعت رجائي من بني آدم طرَّا ... فأصبحت من رقّ الرَّجاء لهم حرَّا\rوعدّل يأسي بينهم فأجلُّهمإذا ذكروا قدراً كأدناهم قدرا\rغنيٌ لهم بالله لا متطاولاً ... على أحدٍ منهم ولا قائلاً هجرا\rوكيف يعيب النَّاس بالمنع مؤمنٌ ... يرى النَّفع ممن يملك النَّفع والضُّرَّا\rعليه اتّكالي في الشَّدائد كلِّها ... وحسبي به عند الشَّدائد لي ذخرا\rأنشدني عبد الله بن محمد بن يوسف رحمه الله لنفسه:\rأسير الخطايا عند بابك واقف ... على وجلٍ ممَّا به أنت عارف\rيخاف ذنوباً لم يغب عنك غيبها ... ويرجوك فيها فهو راجٍ وخائف\rفمن ذا الّذي يرجو سواك ويتَّقي ... ومالك من فصل القضاء مخالف\rفياسيّدي لا تخزني في صحيفتي ... إذا نشرت يوم الحساب الصَّحائف\rوكن مؤنسي في ظلمة القبر عندما ... يصدُّ ذوو ودِّي ويجفو المؤالف\rلئن ضاق عنِّي عفوك الواسع الَّذي ... أرجِّى لإسرافي فإنِّي لتالف\rوقال أبو العتاهية:\rإذا ما اتَّقى الله امرؤٌ لان جانبه ... وقارب بالإحسان من لا يقاربه\rيقول الفتى أرجو وأرجو وما له ... نزوعٌ عن الذَّنب الذي هو راكبه\rألا ليس يرجو الله من لاّ يخافه ... وليس يخاف الله من لا يراقبه\rمن النَّاس من يبصر الدَّهر جهله ... ويزداد فيه الضِّعف حتّى يعاتبه\rكفي بصروف الدهر علماً وحكمة ... لمن لم يخنه علمه وتجاربه\rومن لم يثق بالله لم يصف عيشه ... ومن ضاق عنه الحقّ ضاقت مذاهبه\rكان أبو سعيد السيره في كثيراً ما ينشد في مجلسه:\rاسكن إلى سكنٍ تسرُّ به ... ذهب الزَّمان وأنت منفرد","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"ترجو غداً وغدٌ كحاملةٍ ... في الحيِّ لا يدرون ما تلد\rقرأت على سعيد بن نصر، أن قاسم بن أصبغ حدثهم، قال حدثنا عبد الله ابن روَّاح المدائنيّ، قال يزيد بن هرون، قال: حدثنا أبو موسى التميمي، قال: توفيت النَّوار امرأة الفرزدق فخرج في جنازتها وجوه أهل البصرة وخرج فيها الحسن، فقال للفرزدق: ماأعددت لهذا اليوم يا أبا فراس؟ قال: شهادة ألاَّ إله إلا الله منذ ثمانين سنة، فلما دفنت قام الفرزدق على قبرها فقال:\rأخاف وراء القبر إن لم يعافنيأشدَّّ من القبر التهاباً وأضيقا\rإذا جاءني يوم القيامة قائدٌ ... عنيفٌ وسوَّاقٌ يسوق الفرزدقا\rلقد خاب من أولاد آدم من مشى ... إلى النار مغلول القلادة أزرقا\rقال: فبكى وأبكى.\rباب العافية والبلاء\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" سلوا الله العافية والمعافاة في الدُّنيا والآخرة،فإنه لم يؤت عبدٌ بعد اليقين بالله بأفضل من المعافاة \" .\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" من يرد لله به خيراً يصب منه \" .\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: \" أشدُّ الناس بلاءً النبيُّون، ثم الأمثل فالأمثل \" . والأحاديث عنه صلّى الله عليه وسلم في هذا الباب كثيرة جدّاً.\rقال عيسى عليه السلام: إنما النّاس مبتلًى ومعافًى، فإذا رأيتم أهل البلاء فارحموهم، وسلوا الله العافية.\rقال علي بن الحسين: ماصاحب البلاء الذي قد طال به أحقّ بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء.\rقال مطرِّف بن الشِّخِّير: لأن أعافى فأشكر،أحبّ إليَّ من أن أبتلى فأصبر، قال مطرِّف: ونظرت في النعمة التي لا يشوبها كدر فإذا هي العافية.\rقال سليمان التَّيمي:إن المؤمن ليبتلى ويعافى، فيكون بلاؤه كفارةً واستعتاباً، وإن الكافر ليبتلى ويعافى فيكون مثل بعيرٍ عقل،لا يدري فيم عقل ولا لم أرسل.\rقال منصور الفقيه:\rرأيت البلاء كقطر السَّماء ... وما تنبت الأرض من ناميه\rفلا تسألنّ: إذا ما سألت ... إلهك شيئاً سوى العافية\rوله أيضاً:\rحفظ الفتى لسانه ... محبةً في العافيه\rواقية من البلاء إن ... كان منه واقيه\rقال أكثم بن صيفي:العافية الملك الخفيّ.\rكان يقال: لا خير في بدن لا ينكأ ولا في مال لا يرزأ.\rكان يقال: من عمل بالعافية فيمن هو دونه رزقها ممن هو فوقه.\rقال الشاعر:\rبلاءٌ ليس يشبهه بلاءٌ ... عداوة غير ذي حسبٍ ودين\rيبيحك منه عرضاً لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون\rوقال آخر، وهو أبو راسب:\rفلوأنِّي بليت بهاشميِّ ... خؤولته بنو عبد المدان\rصبرت على عدواته ولكن ... تعالوا فانظروا عن ابتلاني\rقال بشار بن برد:\rإنِّي وإن كان جمع المال يعجبني ... فليس يعدل عندي صحَّة الجسد\rفي المال زينٌ وفي الأولاد مكرمةٌ ... والسُّقم ينسيك ذكر المال والولد\rقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" البلاء موكَّلٌ بالقول \" .\rأخذه الشاعر:\rإنَّ البلاء موكَّلٌ بالمنطق\rوقال آخر:\rفإذا رأيت أخا البليّة فاستعذ ... بالله من شرِّ البلاء النَّازل\rقال إبراهيم النَّخعي: كانوا يكرهون أن يسألوا الله العافية بحضرة المبتلى.\rباب المرض والطِّبِّ\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: \" أنزل الدَّاء الذي أنزل الأدواء \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من خير ما تداويتم به الحجامة \" .\rوقال عليه السلام: \" إن كان دواءٌ يبلغ الداء فالحجامة تبلغه \" .\rقال محمد بن سيرين كنا بساباط المدائن، فمر بي رجل، فقيل لي:هذا حجم كسرى، فدعوته فقلت له:أنت حجمت كسرى؟ قال: نعم. قال وكم حجمته؟ قال:واحدة. قلت: ولم اقتصر على واحدة؟ قال: كان يقول: آخذ من الدواء أدناه، فإن كان نافعاً من نفعه، وإن كان ضارَّاً لم أكن استكثرت من ضرره.","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"روى النزَّال بن سبرة عن عليّ، أنه قال: من ابتدأ غداءه بالملح أذهب الله عنه كل دائه،ومن أكل إحدى وعشرين زبيبة كل يوم لم يرفي جوفه شيئاً يكرهه، واللحم ينبت اللحم، والثريد طعام العرب، ولحم البقر داء، ولبنها دواء، وسمنها شفاء، والشحم يخرج مثله من الداء.قال النزال: أظنه يريد شحم البقر.قال عليّ رضي الله عنه:وما استشفي بأفضل من السمن،والسمك يذيب البدن، أو قال:الجسد، ولم تستشف النفساء بشيء أفضل من الرطب ، والسواك وقراءة القرآن يذهبان البلغم، ومن أراد البقاء - ولا بقاء - فليباكر الغداء، وليخفف الرِّداء، وليقلّ غشُّيان النّساء. قيل له: ياأمير المؤمنين وما خفة الرِّداء؟ قال: خفة الدَّين.\rقال شريح: امش بدائك ماحملك.\rقال حسَّان بن خريم بن الأغر: دع الدَّواء ما احتمل جسمك الداء.\rسئل الحارث بن كلدة طبيب العرب: ماالدواء الذي لا داء فيه؟ قال: هو ألا يدخل بطنك طعام وفيه طعام.\rقال غيره: هو أن يقَّدم الطعام إليك وأنت تشتهيه، ويرفع عنك وأنت تشتهيه. قالوا: ثلاثة تقتل: الحمَّام على الكظَّة، والجماع على البطنة، والإكثار من أكل القديد اليابس.\rكانوا يقولون: لو أمات العليل الداء أعاشه الدواء.\rقال الربيع بن خيثم: ذكرت عاداً وثمود وأصحاب الرسّ وقروناً بين ذلك كثيرا،ً كانت فيهم الأدواء، وكانت فيهم الأطباء، فلا المداوي بقي ولا المداوى.\rوقيل له في علَّته: ألا ندعو لك طبيباً؟ فقال: قد نظر إلي الطبيب. فقيل له:ما قال لك؟ فقال إنِّي فعال لما أريد.\rوهذا نحو قول أبي الدرداء وقد قيل له: ألا ندعو لك طبيباً؟ قال الطبيب أمرضني. وقد أوردنا عن العلماء في هذا المعنى ما فيه كفاية يكتفى بها في كتاب \" التمهيد \" والحمد لله.\rولأبي العتاهية، ويروى لغيره:\rإنَّ الطَّبيب بطبِّه ودوائه ... لا يستطيع دفاع مكروهٍ أتى\rماللطَّبيب يموت بالدَّاء الذي ... قد كان يبرئ مثله فيما مضى\rكان سفيان بن عيينة، يستحسن قول عديّ بن زيد، حيث يقول:\rأين أهل الدِّيار من قوم نوح ... ثمَّ عادٌ من بعدهم وثمود\rبينما هم على الأسرَّة والأن ... ماط أفضت إلى التُّراب الجلود\rثمَّ لم ينقض الحديث ولكن ... بعد ذا الوعد كلُّه والوعيد\rوالأطبَّاء كلُّهم لحقوهم ... ضلَّ عنهم سعوطهم والّلدود\rوصحيحٍ أضحى يعود مريضاً ... وهو أدنى للموت ممن يعود\rأخذه علي بن الجهم، فقال:؟\rكم من عليلٍ قد تخطَّاه الرَّدى ... فنجا ومات طبيبه والعوَّد\rوقال أبو العتاهية:\rنعى لك ظلَّ الشَّباب المشيب ... ونادتك باسم سواك الخطوب\rوقبلك داوي المريض الطبيب ... فعاش المريض ومات الطّبيب\rيخاف على نفسه من يتوب ... فكيف ترى حال من لا يتوب\rوقال منصور الفقيه:\rكذبت إن أنا سمَّي ... ت محسناً أو مصيبا\rمن لاّ يعاشر إلاَّ ... منجِّماً أو طبيباً\rوقال آخر،وهو يزيد بن خذاق العبدي:\rهل للفتى من بنات الدَّهر من واق ... أم هل له من حمام الموت من راق\rهوِّن عليك ولا تولع بإشفاق ... فإنَّما مالنا للوارث الباقي\rوقال ابن الطَّثريَّة:\rوكنت كذي داءٍ تبغَّي لدائه ... طبيباً فلمَّا لم يجده تطبَّبا\rوقال محمود الوراق: ؟قد قلت لمّا قال لي قائلٌ قد صار بقراط إلى رمسه\rفأين ما دوِّن من كتبه ... وجمعه الأحجار مع جسِّه\rلم يغنه إذا حمَّ مقداره ... ولم يساو العشر من فلسه\rهيهات لا يدفع عن غيره ... من كان لا يدفع عن نفسه\rوقال منصور الفقيه:\rياسيداً باتت القلوب لأنبات كما لا يحبُّ محترقه\rإنّ ذوي الطِّبِّ لا أقول بمالا يعلم ربّي خلافه فسقه\rفلا تشاورهم فليس لهم ... على شحيح بدينه شفقه\rواتل من الوحي ما استطعت ولو ... في كل يومٍ وليلةٍ ورقه\rفما يداوي العليل يرحمك الله ... بمثل القرآن والصَّدقه","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"جاء في الخبر: \" من كان به مرض قديم فليأخذ درهماً حلالاً، فليشتر به عسلاً ثم ليشربه بماء السماء فإنه يبرأ بإذن الله \" .\rقال منصور الفقيه يخاطب بعض إخوانه: ؟ياذا الَّذي أنزلني منزلي علمي بما أنزله منزله\rإن كنت في الصِّحَّة ذا رغبةٍ ... فاعتض من المجزرة المبقله\rواستعمل الماشَّ وأشباهه ... وباعد الميل عن المكحله\rفإنَّما الجاهل كلّ امرئ ... يأكل في الصِّحَّة ماعنَّ له\rقال أبو عمر رضي الله عنه: دخلت على الشيخ أبي الوليد بن عباد، عائداً له من بطن كان يشكوه قد اشتد عليه، فوجدته قد أخذ شيئاً من حسو، فقلت له: يا سيدي ما لصاحب البطن والحسو؟فقال: شيء تاقت نفسي إليه،وسئمت أكل الجامد واليابس، فانصرفت من عنده ثم كتبت إليه:\rياسليل الكرام من آل لخم ... وأخا الرَّأي والدَّها والوفاء\rإنَّ لي من سقام جسمك سقماً ... ثابتاً في الفؤاد والأحشاء\rوبقلبي ممَّا بجسمك ضعفٌ ... للذي تشتكي من الأدواء\rوبودِّي لو كنت عنك فداءً ... بدلاً عند هجمة الضَّراء\rفاقبل النُّصح سيِّدي واسمع القو ... ل فإنِّي أحكي عن الحكماء\rلا يداوي الإسهال بالإحتساء ... لا ولا بالأمراق والباقلاء\rإنَّما الطبُّ طردك الضِّدَّ بالضِّ ... دِّ ودفع الأهواء بالإحتماء\rحسم ذا الدَّاء ما كان قوتاً ... يألف الطَّبع في قوام الغذاء\rوعليك الدُّعاء فالله يشفي ... ليس شافٍ سواه من كلِّ داء\rنعم عون العليل توبة صدق ... وكذا البرُّ جالبٌ للشفاء\rوسلامٌ عليك منِّي دأباً ... ما جرى الدَّمع قاطعاً للسَّماء\rولمنصور الفقيه أيضاً:\rياشريفاً طيُّ أمثا ... لي عنه النُّصح بدعه\rلو مطلت النَّفس بالفرُّو ... ج بعد اليوم جمعه\rلم تمت همَّاً ولم تل ... مم بك الحمَّى بسرعه\rفاحترس بعد فحسب ال ... مرء أن يخدع خدعه\rباب الطَّاعة والمعصية\rقال الله عزوجل: \" يا أيُّها الَّذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرَّسول وأولي الأمر منكم \" . وقيل في تأويل أولي الأمر قولان: أحدهما أمراء السرايا كان يرسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخر العلماء.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا طاعة إلا في معروف، ومن أمر بمعصية فلا طاعة له \" .\rقال عبد الله بن مسعود في قول الله عزَّوجل: \" اتَّقوا الله حقَّ تقاته \" : أن يطاع فلا يعصى،ويشكر فلا يكفر،ويذكر فلا ينسى.\rوقال قتادة، مثل ذلك وزاد عليها: \" فاتَّقوا الله ما استطعتم \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يقول الله عزَّوجلَّ يا ابن آدم! ما أنصفتني أتحبَّب إليك بالنِّعم، وتتبغّض إليّ بالمعاصي، خيري إليك نازلٌ، وشرُّك إليّ صاعدٌ، كم من ملك كريم يصعد إليَّ منك بعمل قبيح \" .\rقال الهلاليّ: من لم يصلح على أدب الله لم يصلح على اختياره لنفسه، ومن تعزز بمعصية الله،أذاقه الله ذلاً بحقّ.\rقال علي بن عبد الله بن عباس: من لم يجد نقص الجهل في عقله، وذل المعصية في قلبه، ولم يستبن موضع الخل من لسانه عند كلال حده، فليس ممن يرغب عن ذنبه، ولا ينزع عن حال معجزةٍ، ولا يكترث لفضل ما بين حجّة وشبهة.\rقال جعفر بن محمد: من نقله الله عزوجل من ذل المعاصي إلى عزّ الطاعة أغناه بلا مال، وآنسه بلا أنيس وأعزّه بلا عشيرة.\rأخذه محمود الوراق فقال:\rهاكّ الدَّليل لمن أرا ... د غنىً يدوم بغير مال\rوأراد عزَّاً لم توطِّ ... ده العشائر بالقتال\rومهابةً من غير سل ... طانٍ وجاهاً في الرِّجال\rفليعتصم بدخوله ... في عزِّ طاعة ذي الجلال\rوخروجه من ذلة ال ... عا صي له في كلِّ حال","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"قال الحسن: لا يغرك توطّيهم رقاب المسلمين، وإن هملجت بهم خيولهم ورفرفت بهم ركابهم، إن ذل المعصية في قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه.\rكان يقال: من أحبك نهاك ومن أبغضك أغراك.\rقال العتبي: خطب يزيد بن الوليد فأرجز وقال: أيها الناس! الأمر أمر الله، والطاعة طاعة الله،فأطيعوني ما أطعت الله، يغفر الله لي ولكم.\rقالت هند: الطاعة مقرونة بالمحبة، فالمطيع محبوب، وإن نأت داره، وقلَّت آثاره، والمعصية مقرونةٌ بالبغضة، فالعاصي ممقوت، وإن مسَّتك رحمته، ونالك معروفه.\rكتب ابن السَّماك إلى أخ له: أفضل العبادة الإمساك عن المعصية، والوقوف عند الشبهة، وأقبح الرغبة أن تطلب الدنيا بعمل الآخرة، وقاله سفيان بن عيينة.\rذكر إبليس عند أبي حاتم،فقال: وماإبليس! فوالله لقد عصى فما ضرَّ، وأطيع فما نفع.\rقال محمود الوراق وتنسب إلى الشافعي:\rتعصي الإله وأنت تظهر حبَّه ... هذا محالٌ في القياس بديع\rلو كان حبُّك صادقاً لأطعته ... إن المحبَّ لمن يحبُّ مطيع\rفي كل يوم يبتديك بنعمةٍ ... منه وأنت لشكر ذاك مضيع\rوقال إسحاق الموصلي:\rالملك والعزّ والمروءة والفط ... نة والنبل واليسار معا\rمجتمعاتٌ في طاعة العبد لل ... ه إذا العبد أعمل الورعا\rوالُّلؤم والذُّلُّ والضَّراعة وال ... فاقة في أصل أذن من طمعا\rوقال أبو العتاهية:\rأراك امرءاً ترجو من الله عفوه ... وأنت على مالا يحبُّ مقيم\rفحتّى متى تعصي ويعفو إلى متى ... تبارك ربِّي إنَّه لرحيم\rوله أيضاً:؟\rأطع الله بجهدك ... صادقاً أو بعض جهدك\rأعط مولاك كما تط ... لب من طاعة عبدك\rباب الغيبة والنَّميمة\rقال الله عزوجل: \" ويلٌ لكلِّ همزةٍ لمزةٍ \" ، قال مجاهد: هو الطّعَّان الآكل لحوم الناس.\rقال الله عزوجل: \" ولا يغتب بعضكم بعضاً، أيحبُّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه وهو في بيته \" .\rقال عمر بن الخطاب: من أدى الأمانة، وكف عن أعراض المسلمين فهو الرجل.\rوقع بين سعد وخالد كلام،فذهب رجل يقع في خالد عند سعد فقال سعد:مه، إن ما بيننا لم يبلغ ديننا.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إذا قلت في أخيك ما فيه مما يكره فقد اغتبته، وإن قلت فيه ما ليس فيه فذلك البهتان. \" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من كف عن أعراض المسلمين لسانه أقاله الله يوم القيامة عثرته \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" شراركم أيها الناس المشَّاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون لأهل البر العثرات \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ثلاثةٌ لا غيبة فيهم: الفاسق المعلن بفسقه، وشارب الخمر، والسُّلطان الجائر \" .\rقال رجل لابن سيرين: إني وقعت فيك، فاجعلني في حلّ، قال: لا أحب أن أحل لك ما حرم الله عليك.\rقال رجل للحسن البصري: إني اغتبت فلاناً وإني أريد أن أستحله فقال: لم يكفك أن أغتبته حتى تريد أن تبهته.\rقال ابن عباد الصاحب:\r؟؟احذر الغيبة فهي ال ... فسق لا رخصة فيه\rإنَّما المغتاب كالآ ... كل من لحم أخيه\rقال حذيفة: كفارة من اغتبته أن تستغفر له.\rقال عبد الله بن مبارك لسفيان بن عيينة:التوبة من الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته،قال سفيان:بل تستغفره مما قلت فيه:قال ابن المبارك:لا تؤذه مرتين.\rقال عديّ بن حاتم: الغيبة مرعى الّلئام.\rقال أبو العتاهية: الصَّائم في عبادةٍ ما لم يغتب.\rقال ابن محيريز: مامن ذنبٍ أجدر أن تجده من الرجل - وإن أعجبك - من الغيبة.\rقال أبو حاتم: أربح التّجارة ذكر الله، وأخسر التجارة ذكر النّاس.\rقال الفضيل بن عياض:ذكر الناس داء، وذكر الله شفاء.\rسمع قتيبة بن مسلم رجلا يغتاب آخر،فقال:لقد مضغت مضغة طالما لفظها الكرام.","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"سمع أعرابيّ رجلا يقع في الناس، فقال:قد استدللت على عيوبك بكثرة ذكرك لعيوب النّاس، لأنّ الطالب لها يطلبها بقدرما فيه منها.\rقال الشاعر:\r؟ويأخذ عيوب النَّاس من عيب نفسه ... مرادٌ لعمري ما أراد قريب\rوقال آخر:\rواجرأ من رأيت بظهر غيبٍ ... على عيب الرِّجال أخو العيوب\rوقال آخر:\rفكلّ عيَّابٍ له منظرٌ ... مشتمل الثَّوب على عيب\rكان يقال: ظلم منك لأخيك أن تقول أسوأ ما تعلم فيه.\rقال أبو عاصم النبيل: لا يذكر الناس بما يكرهون إلا سفلة لا دين له.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ارعونَّ عن ذكر الفاسق بما فيه يعرفه الناس \" .\rقال الحجاج بن الفرافصة: قلت لمجاهد: الرجل يكون وقّاعاً في الناس، فأقع فيه،أله غيبة؟ قال:لا. قلت:من ذا الذي تحرم غيبته؟ قال:رجلٌ خفيف الظّهر من دماء المسلمين، خميص البطن من أموالهم، أخرس الّلسان عن أعراضهم،فهذا حرام الغيبة، ومن كان سوى ذلك فلا حرمة له، ولا غيبة فيه.\rقال رجل لعمرو بن عبيد:إنّي لأرحمك مما يقول النّاس فيك. قال:فما تسمعني أقول فيهم؟قال:ما سمعتك تقول إلاّ خيراً.قال:إيَّاهم فارحم.\rقال عتبة بن أبي سيفيان لابنه عمرو: يا بنيّ نزّّه نفسك عن الخنا، كما تنزّه لسانك عن البذّا، فإن المستمع شريك القائل.\rوهذا عندي مأخوذ من قول كعب بن زهير:\r؟إن كنت لا ترهب عن ذمِّي لما ... تعرف من صفحي عن الجاهل\rفاخش سكوتي إذ أنا منصتٌ ... فيك لمسموع خنا القائل\rفالسَّامع الذَّمِّ شريكٌ له ... ومطعم المأكول كالآكل\rمقالة السُّوء إلى أهلها ... أسرع من منحدرٍ سائل\rومن دعا النَّاس إلى ذمِّه ... ذمُّوه بالحقِّ وبالباطل\rفلا تهج إن كنت ذا ريبةٍ ... حرب أخي التَّجربة العاقل\rفإنَّ ذا العقل إذا هجته ... هجت به ذا حبل حابل\rيبصر في عاجل شدَّاته ... عليك غبَّ الضَّرر الآجل\rومن هذا المعنى قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:\rفلو شئت أدلي فيكما غير واحد ... علانيةً أو قال عندي في السِّرِّ\rفإن أنا لم آمر ولم أنه عائباً ... ضحكت له حتَّى يلجَّ ويستشري\rومن هذا أيضاً قول محمود الوراق:\rتحرَّ من الطُّرق أوساطها ... وعدّ عن الجانب المشتبه\rوسمعك صن عن سماع القبي ... ح كصون الِّلسان عن النُّطق به\rفإنك عند استماع القبي ... ح شريكٌ لقائله فانتبه\rقالت الحكماء: حسبك من شرٍّ سماعه.\rقال الله عزّوجلّ: \" سماعون للكذب أكَّالون للسُّحت \" .\rقال عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنه،قال لي أبي:إني أرى أمير المؤمنين - يعني عمر - يدنيك ويقربك، فاحفظ عني ثلاثاً:إياك أن يجرّب عليك كذبة، وإياك أن تفشي له سرَّاً، وإيَّاك أن تغتاب عنده أحداً، ثم قال:يا عبد الله! ثلاثاً وأيّ ثلاث. فقال له رجل: يا ابن عباس كلُّ واحدةٍ خير من ألف. فقال: بل كلُّ واحدةٍ خيرٌ من عشرة آلاف.\rقال عبد الصمد بن المعذّل:\rقد هجرنا مجلس الغي ... بة هجران التَّقال\rألَّفته عصبة نو ... كى لقيلٍ ولقال\rربّ من يشجيه ذكري ... وهو لا يجري ببالي\rقلبه ملآن من خو ... في وقلبي منه خال\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يرفع إلينا عورة مسلم \" .\rوقال صلى الله عليه وسلم: \" لا يدخل الجنة قتّات \" .\rوقال عليه السلام: \" إياك ومهلك الثلاثة \" قيل: وما مهلك الثلاثة؟ قال: \" رجل سعى بأخيه المسلم فقتله، فأهلك نفسه وأخاه وسلطانه \" .\rوقالوا: قبول السِّعاية شرٌّ من السعاية، لأن السعاية دلالة والقبول إجازة.\rقال يحيى بن أبي كثير: يفسد النَّمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة.\rقال سابق:\r؟إذ الواشي بغى يوماً صديقاً ... فلا تدع الصَّديق لقول واشٍ","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"وقول سابق هذا - والله أعلم - أخذه من قول معاذ بن جبل في قوله:إذا كان لك أخ في الله فلا تماره، ولا تسمع فيه من أحد، فربما قال لك ماليس فيه فحال بينك وبينه.\rتنقّص ابن عامر بن عبد الله بن الزبير عليَّ بن أبي طالب، فقال له أبوه: مهلا يا بنيّ لا تنقّصه، فإن بني مروان شتموه ستين سنة، فلم يزده الله بذلك إلا رفعة، وإن الدين لم يبن شيئاً فهدمته الدنيا، وإن الدنيا لم تبن شيئاً إلا عادت على ما بنت فهدمته.\rكان يقال: المعرِّض بالناس اتقى صاحبه، ولم يتق ربه.\rقال الفرزدق:\rتصرَّم عنِّي ودَّ بكر بن وائلٍ ... وما خلت عنِّي ودَّهم يتصرَّم\rقوارص تأتيني وتحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم\rوقال يزيد بن الحكم الثقفي:\rتكاشر من لاقيت لي ذا عداوةٍ ... وأنت صديقي ليس ذاك بمستوى\rبدا منك غشٌّ طالما قد كتمته ... كما كتّمت داء ابنها أمُّ مدّوى\rجمعت وفحشاً غيبةً ونميمةً ... ثلاث خلالٍ لست عنها بمرعوي\rوقال زياد الأعجم:\rإذا لقيتك تبدى لي مكاشرة ... وإن أغب فأنت الهامز الُّلمزه\rما كنت أخشى وإن طال الزمان به ... حيفٌ على النّاس أن يغتابني غمزه\rوقال منصور الفقيه:\rهبني تحرَّزت ممَّن ... ينمُّ بالكتمان\rفكيف لي باحتراسٍ ... من قائل البهتان\rوقال أيضاً:\rلي حيلةٌ فيمن ينمُّ ... وليس في الكذَّاب حيله\rمن كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليله\rقال موسى عليه السلام: ياربّ إن الناس يقولون فيَّ ماليس فيَّ، فاجعلهم ياربّ يقولون فيما فيّ. فأوحى الله تعالى إليه: ياموسى لم أجعل ذلك لنفسي، فكيف أجعله لك.\rقال المسيح عليه السلام: لا يحزنك قول الناس فيك،فإن كان كاذباً كانت حسنة لم تعملها، وإن كان صادقاً كانت سيئة عجلت عقوبتها.\rباب البغي والحسد\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" مامن ذنبٍ هو أجدر أن يعجّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع مايدّخره له في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إذا حسدتم فلا تبغوا، وإذا ظننتم فلا تحقّقوا، وإذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا \" .\rوفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" ثلاثةٌ لا يكاد يسلم منهن أحد: الطِّيرة، والحسد والظَّن \" . قيل: فماالمخرج منهنّ يارسول الله؟ قال: \" إذا تطيرت فلا ترجع وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقّق \" .\rروي عن مجاهد عن ابن عبَّاس أنه قال: لو بغى جبلٌ على جبلٍ ،لدكّ الباغي منهما.\rأخذه الشاعر فقال:\r؟ولو بغى جبلٌ يوماً على جبلٍ ... لدكَّ منه أعاليه وأسفله\rوقال آخر:\rذر البغي إنَّ البغي موبق أهله ... ولم يعدم الباغي من النَّاس مصرعا\rقال عمر بن الخطّاب:ما كانت على أحد نعمةٌ إلا كان لها حاسد، ولو كان الرجل أقوم من القدح لوجد له غامزاً.\rقال ابن مسعود: لا تعادوا نعم الله عزّوجل. قيل: ومن يعادي نعم الله؟ قال:الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.\rقال الحسن البصري: ليس أحدٌ من خلق الله إلا وقد جعل معه الحسد، ومن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظّلم لم يتبعه منه شيء.\rوعن أنس بن مالك أنه مرّ على ديار خربةٍ خاوية، قال: هذه أهلكها وأهلك أهلها البغي والحسد، إن الحسد ليطفئ نور الحسنات، والبغي يصدِّق ذلك أو يكذبه، فإذا حسدتم فلا تبغوا. قيل للحسن: يا أبا سعيد! أيحسد المؤمن؟ قال: لاأمَّ لك! أنسيت إخوة يوسف.\rقال بعض الحكماء: البغي من فروع الحسد، وأقدم الناس على البغي من جهل المعرفة بسرعة نصر الله لمن بغي عليه.\rوقالوا: ثلاثةٌ عائدة على فاعلها: البغي والمكر والنِّكث.\rقال الله عزوجل: \" إنَّما بغيكم على أنفسكم \" ، وقال: \" ولا يحيق المكر السَّيِّءُ إلاَّ بأهله \" ، وقال تعالى: \" ومن نكث فإنَّما ينكث على نفسه \" .\rوقال يزيد بن الحكم:\rإنَّ الأمور دقيقها ... مما يهبج به العظيم\rوالبغي يصرع أهله ... والظلم مرتعه وخيم","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: \" لا حسد إلاّ في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه في الحق، ورجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب \" . وقد ذكرنا كثيراً من الآثار المرفوعة وغيرها في الحسد عند قوله عليه السلام: \" لا تحاسدوا \" في كتاب \" التمهيد \" بما فيه كفاية والحمد لله.\rسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المؤمنين أفضل؟ قال: \" المؤمن النقي القلب، ليس فيه غل ولا حسد \" .\rكان يقال: أقبح الأشياء بالسلطان اللجاج،وبالحكماء الضجر، وبالفقهاء سخافة الدين، وبالعلماء إفراط الحرص، وبالمقاتلة الجبن، وبالأغنياء البخل، وبالفقراء الكبر وبالشباب الكسل، وبالشيوخ المزاح، وبجماعة الناس التباغض والحسد.\rكان يقال: كادت الفاقة تكون كفراً، وكاد الحسد يغلب القدر، والهم نصف الهرم، والفقر الموت الأكبر.\rقال عليُّ بن أبي طالب في خطبة خطبها على المنبر بالكوفة: ما لنا ولقريش بلى. ولهم، إن الله فضلنا فأدخلهم في فضلنا.\rقال عليُّ بن أبي طالب،قال إبليس لجنوده:ألقوا بين الناس التحاسد والبغي، فإنهما يعدلان الشرك.\rكان يقال: أول ما عصى الله به في السماء والأرض الحسد والحرص. ذهبوا إلى أن إبليس حسد آدم فلم يسجد له، وحرص آدم على الخلود فأكل من الشجرة، وحسد ابن آدم أخاه حين تقبِّل منه قربانه فقتله.\rروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" احذروا ثلاثاً: الحرص فإنه أخرج آدم من الجنة، والكبر فإنه حطّ إبليس عن مرتبته، والحسد فإنه دعا ابن آدم إلى قتل أخيه \" .\rقال عمر بن أبي ربيعة:\rوقديماً كان في النَّاس الحسد\rقال سابق:؟\rجنى الضَّغائن آباءٌ لنا سلفوا ... فلن تبيد وللآباء أبناء\rقال أبو الدرداء:مكتوب في التوراة:إن أحسد الناس لعالم وأبغاهم عليه قرابته وجيرانه.\rكان يقال :الحسد في الجيران، والعداوة في الأقارب.\rقال ثمامة بن الأشرس في أحمد بن خالد:\r؟أفكِّر ماذنبي لديك فلا أرى ... عليَّ سبيلاً غير أنَّك حاسد\rوإنا لموسومان كلٌ بسيمةٍ ... أقرَّ مقرٌ أو أبى ذاك جاحد\rقال بكر بن عبد الله المزني: حظُّك من الباغي حسن المكاشرة، وذنبك إلى الحاسد دوام النعمة. قال الحسين الخليع:\rما للحسود وأشياعه ... ومن كذب الحقَّ إَّلا الحجر\rقال عبد الله بن المقفع:إن الحسد خلق دنيء ومن دناءته أنه موكّل بالأدنىفالأدنى.\rقال يزيد بن الحكم الثَّقفي:\rتكاشرني كرهاً كأنَّك ناصحٌ ... وعينك تبدى أنَّ قلبك لي دوى\rبدا منك عيبٌ طالما قد كتمته ... كما كتمت داء ابنها أمُّ مدَّوى\rلسانك ماذىّ وقلبك علقم ... وشرُّك مبسوطٌ وخيرك منطوي\rتمَّلأت من غيظٍ عليَّ فلم يزل ... بك الغيظ حتَّى كدت بالغيظ تشتوي\rومابرحت نفسٌ حسودٌ حشيتها ... تذيبك حتَّى قيل: هل أنت مكتوي\rوقال النَّطاسيُّون إنك مشعرٌ ... سلالاً ألا بل أنت من حسدٍ جوى\rأراك إذا لم أهو أمراً هويته ... ولست لما أهوى من الأمر بالهوى\rوكم موطنٍ لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلّة النِّيق منهوي\rعدوُّك يخشى صولتي إن لقيته ... وأنت عدوِّي ليس ذاك بمستوي\rوفي رواية أخرى:؟\rتصافح من ألفيت لي ذا عداوةٍ ... وأنت صديقي ليس ذاك بمستوي\rقال ابن المعتز:\rماعابني إلاّ الحسو ... د وتلك من خير المعايب\rوالخير والحسَّاد مق ... رونان إن ذهبوا فذاهب\rوإذا ملكت المجد لم ... أملك مذمَّات الأقارب\rوإذا فقدت الحاسدي ... ن فقدت في الدُّنيا المطايب\rوأنشد ابن عائشة:\rخليليَّ إنّي للثّريّا لحاسدٌوإني على ريب الزمان لواجد أيجمع منها شملها وهي سبعةوأفقد من أحببته وهو واحد\rوقال سويد بن أبي كاهل:","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"كيف ترجُّون سقوطي بعدما ... عمَّم الرَّأس بياضٌ وصلع\rبئس ما ظنُّوا وقد عرَّفتهم ... عند غايات المدى كيف أقع\rربَّ من أنضجت غيظاً صدره ... قد تمنّى لي موتاً لم يطع\rويراني كالشَّجا في حلقه ... عسراً مخرجه ما ينتزع\rمزبداً يخطر ما لم يرني ... فإذا أسمعته صوتي انفقع\rلم يضرني غير أن يحسدني ... فهو يزقو مثل ما يزقو الضُّوع\rويحيِّيني إذا لاقيته ... وإذا يخلو له لحمي رتع\rقد كفاني الله ما في نفسه ... وإذا ما يكف شيئاً لم يضع\rوقال أبو الأسود الدُّؤلي، ويقال إنها للعرزمي:\rتلقي الّلبيب محسَّداً لم يجترم ... شتم الرِّجال وعرضه مشتوم\rحسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالنَّاس أعداءٌ له وخصوم\rوقال المرَّار الفقعسيّ:\rلاتسأل النَّاس عن مالي وكثرته ... قد يقتر المرء يوماً وهو محمود\rأمضي على سنَّةٍ من والدٍ سلفت ... وفي أورمته ما ينبت العود\rمطالبٌ بتراتٍ غير مدركةٍ ... محسَّدٌ والفتى ذو الُّلبِّ محسود\rوقال أبو الطيب:\rأعادي على ما يوجب الحبَّ للفتى ... وأهدأ والأفكار فيَّ تجول\rسوى وجع الحسَّاد داو فإنَّه ... إذا حلَّ في قلبٍ فليس يزول\rولا تطمعن من حاسدٍ في مودةٍ ... وإن كنت تبديها له وتنيل\rوقال لبيد بن عطارد بن حاجب التَّميمي:\rإن يحسدوني فإنَّي غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا\rفدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظاً بما يجد\rأنا الّذي يجدوني في حلوقهم ... لا أرتقي صعداً فيها ولا أرد\rوقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:\rماضرَّني حسد اللئام ولم يزل ... ذو الفضل يحسده ذوو النُّقصان\rوقال مروان بن أبي حفصة:\rماضرَّه حسد اللئام ولم يزل ... ذو الفضل يحسده ذوو التَّقصير\rقال معاوية بن أبي سفيان:كل الناس أرضيته إلا حاسد نعمة،فإنه لا يرضيه إلا زوالها.\rأخذه الشاعر فقال:\rكلُّ العداوة قد ترجى إماتتها ... إلاَّ عداوة من عاداك من حسد\rقال معاوية بن أبي سفيان:ليس في خلال الشر أشر من الحسد، لأنه قد يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود.\rكان يقال: الحاسد إذا رأى نعمة بهت،وإذا رأى عثرة شمت.\rقال الخليل بن أحمد:لا شيء أشبه بالمظلوم من الحاسد.\rقال محمود الوراق:\r؟أعطيت كلَّ النَّاس من نفسي الرِّضا ... إلاَّ الحسود فإنَّه أعياني\rلا أنَّ لي ذنباً لديه علمته ... إلاَّ تظاهر نعمة الرَّحمن\rيطوي على حنقٍ حشاه لأن رأى ... عندي كمال غنىً وفضل بيان\rماإن أرى يرضيه إلاَّ ذلَّتي ... وذهاب أموالي وقطع لساني\rوقال آخر:؟\rإن يكثر الله حسُّاداً لهم فعلي ... مقدار ما كثرت فيهم من النِّعم\rوقال محمّد بن زياد الحارثي:\rإذا ما حملت الشُّكر في كلِّ نعمةٍ ... يحقُّ عليك شكرها واحتمالها\rفدع لحسودٍ بعد ذلك خطَّةً ... يكون عليه همُّها ووبالها\rلك الأجر والمهنى وللحاسد الَّذي ... يكيدك فيها جرمها ونكالها\rوقال آخر:\rتمنَّى لي الموت المعجَّل خالدٌ ... ولا خير فيمن ليس يعرف حاسده\rوقال نصر بن أحمد:\rكأنَّما الدَّهر قد أغرى بنا حسداً ... ونعمة الله مقرونٌ بها الحسد\rوقال آخر:\rإنَّ العرانين تلقاها محسَّدةً ... ولن ترى للئام النَّاس حسَّادا\rوقال آخر:\rمحسَّدون على ما كان من نعمٍ ... لا ينزع الله عنهم ماله حسدوا\rوقال آخر:\rإنِّي نشأت وحسَّادي ذوو عددٍ ... ياذ المعارج لا تنقص لهم عددا\rوقال بشار العقيلي:","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"فالله أسأله إدوام دائهم ... وأن يديم لنا ما يوجب الحسدا\rوقال أيضاً:\rقد أذهب الدَّاء حسَّادي بكثرتهم ... ولو فنوا عزَّ دائي من يداويني\rلا عشت خلواً من الحسَّاد إنَّهم ... أعزُّ فقداً من الَّلائي أحبُّوني\rأبقى لي الله حسَّادي وغمَّهم ... حتَّى يموتوا بداءٍ غير مكنون\rوقال محمود الوراق:\rلا تحسدنَّ أخاك وار ... ع له على الأيَّام عهده\rحسد الصَّديق صديقه ... وأخاه من سقم المودَّه\rوقال حبيب:؟\rوإذا أراد الله نشر فضيلةٍ ... طويت أتاح لها لسان حسود\rلولا اشتعال النَّار فما جاورت ... ما كان يعرف فضل عرف العود\rوقال أبو القاسم الداعية: أدنى الأعراض عرض لا يرتع فيه ذم.\rولأحد بني الطيفان:\r؟ومولى كمولى الزِّبرقان دملته ... كما دملت ساقٌ يهاض بها كسر\rتراه كأنَّ الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر\rوقال ابن أبي طاهر:\rياحاسداً فضل امرئٍ سيِّدٍ ... أصبح قد أحسن في فعله\rلا زلت إلاَّ باغياً حاسداً ... لكلِّ ذي نبلٍ على نبله\rوزاد من تحسده نعمةً ... دائمةً تبقى على مثله\rولم يزل ذو النَّقص من نقصه ... يحسد ذا الفضل على فضله\rوقال أبو فراس الحمداني،وهو الحارث بن سعيد بن حمدان:\rلمن جاهد الحسَّاد أجر المجاهد ... وأعجز ما حاولت إرضاء حاسد\rولم أر مثل اليوم أكثر حاسداً ... كأنَّ قلوب النََّاس في قلب واحد\rباب السّباب والمشاتمة\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" إيّاكم والفحش، فإنّ الله لا يحبُّ الفحش ولا التَّفحُّش \" .\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" المتسابَّان ماقالا، فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم.\rقال بعض الحكماء:ما استبّ رجلان إلاّ غلب ألأمهما.\rقال الزِّبرقان بن بدر: خصلتان كبيرتان في امرئ السُّوء: شدة السّبِّ، وكثرة الّلطام.\rكان يقال: الغالب في الشر مغلوب.\rشتم رجلٌ أبا ذر، فقال له: ياهذا لا نغرقنَّ في شتمنا ودع للصلح موضعا، فإنّا لا نكافئ من عصى الله فينا، بأكثر من أن نطيع الله فيه.\rقال أبو مسلم صاحب الدعوة، عصبة الأشراف تظهر بأفعالها، وعصبة الأدنياء تظهر بألسنتها.\rوروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: \" إن الله جعل الحقَّ على لسان عمر وقلبه \" . كان يقال:ظنُّ الحكيم كهانة. ويروى هذا لمعاوية رضي الله عنه.\rسئل بعض العرب عن العقل،فقال: الإصابة بالظُّنون، ومعرفة ما لم يكن بما كان.\rقال علي بن أبي طالب :لله درّ ابن عباس إنه لينظر إلى الغيب من ستر رقيق.\rقال بلعاء بن قيسٍ:\r؟وأبغي صواب الظَّنِّ أعلم أنَّه ... إذا طاش ظنُّ المرء طاشت مقادره\rوقال أوس بن حجر:\rالألمعيُّ الذي يظنُّ بك الظنَّ ... كأن قد رأى وقد سمعا\rكان يقال: صحة الظن أول اليقين، أخذه سعيد بن حميد فقال:\rأهابك أن أدلَّ عليك ظنَّا ... لأنَّ الظَّن مفتاح اليقين\rوقال آخر:\rيظنُّ فلا يعدو الضَّمير كأنَّما ... له في الأمور الغائبات رقيب\rوقال كثير بن عبد الملك:\rرأيت أبا الوليد غداة جمع ... به شيبٌ وما فقد الشَّبابا\rولكن تحت ذاك الشَّيب عزمٌ ... إذا ما ظنَّ أمرض أو أصابا\rوقال آخر:؟\rوإنِّي لطرف العين بالعين زاجرٌ ... فقد كدت لا يخفى عليَّ ضمير\rوقال عبد الله بن محمد الأشبوني:\rذكيٌّ يرى ما في الضمير بظنِّه ... كأن له غيباً على غامض السِّرِّ\rوقال آخر:\rأحسن الظَّنَّ بمن قد عوَّدك ... حسناً أمس وسوَّى أودك\rإنَّ ربَّا كان يكفيك الذي ... كان بالأمس سيكفيك غدك\rسمع أعرابي رجلا يقول: إن الله تعالى يتولى محاسبة عباده بنفسه. فقال الأعرابي:إن الكريم إذا تولى شيئاً أحسن فيه.\rقال ابن عباس رضي الله عنه:الجبن والبخل والحرص غرائز سوء يجمعها كلها سوء الظن بالله عزوجل.","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"قيل لبعض العلماء:من أسوأ الناس حالا؟ قال:من اتسعت معرفته، وضاقت مقدرته، وبعدت همته، وأسوأ منه حالا:من لم يثق بأحد لسوء ظنه ولم يثق به أحدٌ لسوء فعله.\rقال غيره من الحكماء: حسب البعيد الهمة أن تكون غايته الجنة.\rقال أبو العتاهية:\rالظَّنُّ يخطئ تارةً ويصيب\rوقال آخر:\rوإنِّي بها في كل حالٍ لواثقٌ ... ولكنّ سوء الظَّنِّ من شدّة الحبِّ\rقال المتنبي:\rإذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصَّدق ما يعتاده من توهُّم\rقال ابن هرمة:\rوحسبك تهمةً لنصيح قومٍ ... يمدُّ على أخي غدرٍ جناحا\rقال أبو حازم: العقل التَّجارب، والحزم سوء الظن.\rقال الحسن البصري: لو كان الرجل يصيب ولا يخطئ، ويحمد في كل ما يأتي لداخله العجب.\rقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أفرس الناس كلِّهم - فيما علمت - ثلاثة: العزيز في قوله لامرأته حين تفرّس في يوسف: \" أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتّخذه ولداً \" ، وصاحبة موسى حين قالت: \" ياأبت استأجره إنّ خير من استأجرت القويُّ الأمين \" . وأبو بكر حين تفرّس في عمر رضي الله عنهما فاستخلفه.\rنظر إياس بن معاوية يوماً، وهو بواسط، في الرحبة إلى آجرّة، فقال:تحت هذا الآجرّة حيّة، فنزعوا الآجرة فإذا تحتها حيةٌ منطوية، فسئل عن ذلك فقال: إنِّي رأيت ما بين الآجرتين نديَّاً من بين تلك الرحبة، فعلمت أن تحتها شيئاً يتنفس.\rقال عمرو بن بحر: إذا نظر الأعرابي موضع منتفخ في أرض مستوية، فإذا رآه يتصدع في تهيّل، وكان تفتحه مستوياً علم أنها كمأة وإن خلط في التصدع والحركة علم أنها دابّة، فاتقى مكانها.\rنظر إياس بن معاوية يوماً إلى صدع في الأرض، فقال:في هذا الصدع دابة. فنظروا فإذا فيه دابة، فقال: إن الأرض لا تنصدع إلا عن دابة أو نبات.\rقال معن بن زائدة:ما رأيت قفا رجل قطّ إلا عرفت عقله، فقال له الفضل بن شهاب:فإن رأيت وجهه؟ قال:فذلك حينئذ في كتاب أقرأه.\rومر إياس بن معاوية ذات يوم بماء،فقال: أسمع صوت كلب غريب،قيل له: كيف عرفت ذلك؟ قال بخضوع صوته وشدة نباح غيره من الكلاب. قالوا:فإذا كلب غريب مربوط، والكلاب تنبحه.\rوأماقول العماني:\rويفهم قول الحكل لو أنّ ذرّةً ... تساود أخرى لم يفته سوادها\rفالحكل:كل من لم يكن له صوت تستبان مخارجه، أو كلام يفهم من الجواب كله. وأما قوله: تساود فمعناه تسارّ، والسَّواد:السِّرار،ومنه قول ابنة الخسِّ:حملني على هذا قرب الوساد، وطول السِّواد.\rوفي حديث ابن مسعود: تعالى أساودك، أي أسارّك.\rقال وهب بن منبّه خصلتان إذا كانتا في الغلام رجيت نجابته:الرَّهبة والحياء.\rقال غيره: إذا استثقل الصبي الأدب، وضج من الحصر إلا أنه إذا حفظ وعي، وإذا فهم أدّى، كان ذلك ممن يرجى.\rقال غيره:إذا كان الغلام حازماً في الخلاء، فظيع اللسان في الملاء، يبغض التعليم، ويوارب المعلم، ويقدم أباه على أمه، ويؤخِّر خاله على عمه، وكنيته أحبُّ إليه من اسمه، فإنه يرجى خيره وينتظر عزّه.\rوقال ابن الزيّات: إذا رأيت الصبي يحب عاجل المكروه من غير أن يعرف عاجل المنفعة فهو مضعوف، قاله إذ رأى ابنه عمر يحب الكتاب فاغتّم له، فسئل عن ذلك،فقال ما ذكرنا، قال أبو عمر رضي الله عنه:قوله عندي هذا ليس بشيء.\rوقال غيره:يستدل على نجابة الصبي بشيئين الحياء وحبّ الكرامة، أما الحياء فهو خير كله، وأما حب الكرامة فيدعو إلى اكتساب الفضائل واجتناب الرذائل.\rقال عمرو بن العاص: أنا للبديهة ومعاوية للأناة، والمغيرة للمعضلات، وزياد لصغار الأمور وكبارها.\rأراد يوسف بن عمر بن هبيرة أن يولّي بكر بن عبد الله المزنيّ القضاء،فاستعفاه، فأبى أن يعفيه، فقال: أصلح الله الأمير،ما أحسن القضاء، فإن كنت كاذباً فلا يحلّ لك أن تولّي الكاذبين، وإن كنت صادقاً، فلا يحل أن تولّي من لا يحسن.","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"قال رجل من الأعراب ضرير النظر لابنته، وهي تقوده في المرعى:يا بنية انظري كيف ترين السماء؟ قالت كأنها قرون المعزي. قال:ارعي.فرعت ساعة، فقال: انظري كيف ترين السماء؟ قالت كأنها خيل دهم تجرّ جلالها.قال:ارعي. فرعت ساعة ثم قال:انظري كيف ترين السماء؟ قالت: كأن الرباب نعام تعلق بالأرجاء من السماء، قال:ارعي. ثم قال:انظري كيف ترين السماء ؟قالت. ابيضت واسودت ودنت فكأنها عين نفسٍ تطرف. قال: أنجي ولا أراك ناجية.\rقال الشاعر:\rأكلُّ وميض بارقةٍ كذوب ... أمافي الدَّهر شيءٌ لا يريب\rأشار ضيف لقوم إلى بنت لهم لتقبله، فقالت والله إني إذاً لطويل العنق.فسمعها الشيخ، فقال: أشار والله إليها لتقبله.\rللبيد أو للبعيث:\rلعمرك ما تدري الطّوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطّير ما الله صانع\r/باب الظّنّ والزّكانة قد تقدم في الباب الذي قبل هذا ، قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : \" إذا ظننتم فلا تحققوا \" وقال اللّه تعالى : \" إنّ الظّنّ لا يغنى من الحقّ شيئاً \" وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إياكم والظنّ ، فإن الظنّ أكذب الحديث .\rقال عمر بن الخطاب : لا يحل لامرئٍ مسلم سمع من أخيه كلمة أن يظن بها سوءاً ، وهو يجد لها في شئ من الخير مخرجاً.\rوقال عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه : لا ينتفع بنفسه من لا ينتفع بظنه.\rقال علىّ بن طالب : حسن الظنّ باللّه ألا ترجو إلا اللّه ، ولا تخاف إلا ذنبك.\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : \" لا يموتنّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللّه \" .\rقال الحسن البصرىّ : إنّ المؤمن إذا أحسن الظن أحسن العمل.\rقال أبو مسلم الخزلانى : أتّقوا ظنّ المؤمن ، فإن اللّه جعل الحقّ على لسانه وقلبه.\rقال عبد اللّه بن عباس : كفى بك ظلما ألا تزال مخاصماً ، وكفى بك إثماً ألا تزال ممارياً.\rوعن ابن مسعود : قال عبد الرحمن بن أبى ليلى : ما أمارى أخي أبداً ، لأنى أرى أنى إما أن أكذبه وإما أن أغضبه.\rقال عبد اللّه بن حسين على رضى اللّه عنهم : المراء رائد الغضب ، فأخزى اللّه عقلا يأتيك به الغضب.\rقال محّمد بن على بن حسين : الخصومة تمحق الدين وتنبت الشحناء في صدور الرجال.\rكان يقال : لاتمار حليماً ولا سفيهاً ، فإن الحليم يغلبك ، والسفيه يؤذيك. قيل لعبد الله بن حسين : ما تقول في المراء ؟ قال : يفسد الصداقة القديمة ،ويحلّ العقدة الوثيقة ، وأقل ما فيه أن يكون دريثة للمغالبه والمغالبه ، أمتن أسباب القطيعه. قال عبد الله بن عباس لمعاويه : هل لك في المناظرة فيما زعمت أنك خاصمت فيه أصحابى ؟ قال : وما تصنع بذلك ؟ أشغب بك وتشغب بي ، فيبقى في قلبك ما لا ينفعك ، ويبقى في قلبى ما يضرك.\rقال إبراهيم التّيمى : إياكم والمخاصمات في الدين ، فإنها تحبط الأعمال.\rقال عمر بن عبد العزيز : من جعل دينه عرضاً للخصومات أكثر التنقل.\rقال الأوزاعىّ : إذا أراد اللّه بقوم شراً ألزمهم الجدل ، ومنعهم العمل.\rقال ابن أبي الزناد : ما أقام الجدل شيئاً إلا كسره جدل مثله.\rوقد أفردنا في كتاب \" بيان العلم \" باباً فيما تجوز فيه المناظرة والجدال ، وباباً فيما تكره فيه المناظرة والمجادلة ، وأوردنا فيهما من الآثار عن السلف وأئمة الخلف ما فيه كفاية وبيان ، والحمد للّه وهو المستعان.\rقال الأصمعى : سمعت أعرابيا يقول : من لاحى الرجال وماراهم قلت كرامته ، ومن أكثر من شئ عرف به.\rوقال مسعر بن كدام الهلالى يوصى ابنه كداما :\rإّني منحتك يا كدام نصيحتي ... فاسمع لقول أب عليك شفيق\rأمّا المزاحة والمراء فدعهما ... خلقان لا أرصاهما لصديق\rإّني بلوتهما فلم أحمدهما ... لمجاورٍ جار ولا لرفيق\rوالجهل يزرى بالفتى في قومه ... وعروقه في النّاس أىّ عروق\rوقال وصعب الزبيرى :\rأأقعد بعدما وجفت عظامى ... وكان الموت أقرب ما يلينى\rأجادل كلّ معترض خصيمٍ ... وأجعل دينه غرضاً لدينى\rفأترك ما علمت لرأى غيرى ... وليس الرّأى كالعلم اليقين\rوما أنا والخصومة وهى لبس ... تصرف في الشّمال وفي اليمين","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"في أبيات قد ذكرناها بتمامها في كتاب \" بيان العلم وفضله \" والحمد للّه.\rقال أبو العبّاس النّاشئ :\rوإذا بليت بجاهل متحاملٍ ... يجد المحال من الأمور صوابا\rأوليته منّى السّكوت وربّما ... كان السّكوت على الجواب جوابا\rباب المراء والخصومة والملاحاة\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : \" أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة ، وبيت في وسط الجنة ، وبيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقّا ، ولمن ترك الكذب وإن كان لاعباً ، ولمن حسنت مخالفته للنّاس \" .\rقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لما أسرى بي كان أول ما أمرني به ربى أن قال : إيّاك وعبادة الأوثان ، وشرب الخمر ، وملاحاة الرجال .\rقال قيس بن السّائب : كان رسول اللّه عليه وسلم شريكى في الجاهلية ، فكان خير شريك ، فكان لا يدارى ولا يمارى.\rقال معاذ بن جبل : إذا كان لك أخ في اللّه فلا تماره ، ولا تساره الحديث.\rقال لقمان لابنه : يا بنى لا تمارين حكيماً ، ولا تجادلن لجوجاً ، ولا تعاشرن ظلوماً ، ولا تصاحبنّ متهماً.\rقال لقمان لابنه : يا بنى من قصّر في الخصة خصم ، ومن بالغ فيها أثم فقل الحق ولو على نفسك ، ولا تبال من غضب.\rوفي الحديث المرفوع : \" احذروا جدال كل مفتون ، فإنّه يلقّن حجّته إلى انقطاع مدته \" .\rسب أعرابي أعرابياً ، فسكت. فقيل له : لم سكتّ عنه ؟ فقال : مالى علم بما فيه ، وكرهت أن أبهته بما ليس فيه.\rولمحمد بن زياد الحارثى :\rوأرفع نفسى عن نفوسٍ وربّما ... تذلّلت في إكرامها لنفوس\rوإن رامني يوماً خسيس بجهله ... أبى اللّه أن أرضى بعرض خسيس\rوقال حسان بن ثابت :\rما أبلى أنتّ بالحزن تيس ... أم لحانى بظهر غيب لثيم\rوقال آخر :\rوقل ليزيد إن شتمت سراتنا ... فلسنا بشتّامين للمتشتّم\rولكننا نأبى الجواب ونقتضى ... بكلّ رقيق الشّفرتين غشمشم\rقال الخليل : الغشمشم : الجرئ الماضى ، قال الشاعر :\rعبل الشّوى غشمشماً غاشما\rوقال آخر :\rوتبطش أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتّكلم\rوقال الأخطل :\rأنبئت كلبا تمنّى أن تسافهنا ... وطالما سافهونا ثمّ ما ظفروا\rقد أنذروا حيّة في رأس هضبتهٍ ... وما يكاد ينام الحيّة الذّكر\rوقال آخر :\rفإن تشتمونا على لؤمكم ... فقد تقرض العثّ ملس الأدم\rالعث دويّبة صغيرة ليس بها إلاّ أنّها تقرض كل شئٍ وقال آخر :\rهل يشتمنى لا أبا لكم ... دنس الثّياب كطابخ القدر\rجعلٌ تمطّى في غثاثته ... زمن المروءة ناقص الشّبر\rأعطى الحسن بن على شاعراً ، فقيل له : تعطى من يقول البهتان ، ويعصي الرحمن ؟ فقال : إن خير ما بذلت به من مالك ما وقيت به من عرضك ، ومن ابتغى الخير اتقى الشر. وقد روى عن ابن شهاب مثل ذلك فى شاعر مدحه فأعطاه. وقد كان يقال : إعطاءُ الشاعر من بر الوالدين. قال جرير :\rوما حملت أمّ امرئٍ في ضلوعها ... أعق من الجاني عليها هجائيا\rوقال آخر :\rاصحب الأخيار وأرغب فيهم ... ربّ من صاحبته مثل الجرب\rودع الناس ولا تشتمهم ... وإذا شاتمت فاشتم ذا حسب\rإنّ من سبّ لئيماً كالّذي ... يبدّل الصّفر بأعيان الذّهب\rوقال آخر :\rمالى أكفكف من \" وتشتمنى \" ... ولو شتمت بني سعد لقد سكتوا\rوقال آخر :\rجهلاً علينا وجبنا عن عدوّهم ... لبئست الخلّتان الجهل والجبن\rقيل للشعى : فلان يتنقصك ويشتمك. فتمثل بقول كثيّر :\rهنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامرٍ ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت\rأسيئى بنا أو أحسنى لاملومةً ... لدينا ولا مقليّة إن تقلّت\rوقال قيس المجنون :\rحلال لليلى شتمنا وانتقاصنا ... هنيئاً ومغفوراً لليلى ذنوبها\rوقال آخر :\rإذا ما شئت سبئك غير قومٍ ... وإن كنت المهذب واللّبابا\rيها بك كلّ ذى حسب ودينٍ ... وأمّا في اللثام فلن تهابا\rوقال آخر :","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"من شاتم النّاس رموه بما ... لم يك يعتدّه في الحساب\rكأنه أخذه من قول كعب بن زهير :\rومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذموه بالحقّ والباطل\rوقال آخر :\rولست مشاتماً أحداً لأّبى ... رأيت الشّتم من عىّ الرّجال\rإذا جعل اللئيم أباه نصباً ... لشاتمه فديت أبى بمالى\rوقال آخر :\rوتجزع نفس المرء من شتم مرّة ... ويشتم ألفاً بعد ذاك فيصبر\rوقال آخر :\rلعمرك ما سبّ الأمير عدوّه ... ولكنّما سبّ الأمير المبلّغ\rوقال آخر :\rمن يخبّرك بشتم عن أخٍ ... فهو الشّاتم لا من شتمك\rذاك شتم لم يواجهك به ... إنّما اللّوم على من أعلمك\rوقال آخر :\rأبا حسنٍ يكفيك ما فيك شاتماً ... لعرضك من شتم الرّجال ومن شتمى\rوقال آخر :\rوما يقى عنك قوماً أنت خائفهم ... كمثل دفعك جهّالاً بجهّال\rفاقعس إذا حدبوا واحدب إذا قعسوا ... ووازن الشّرّ مثقالاً بمثقال\rوقال آخر :\rثالبنى عمرو وثالبته ... فقد أثم المثلوب والثّالب\rقلت له خيراً فقال الخنا ... كلّ على صاحبه كاذب\rباب الكبر والعجب والتّيه\rقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، حاكياً عن اللّه عزّ وجل : \" الكبرياء ردائي ، والعظمة إزارى ، فمن نازعنى واحداً منهما أدخلته النار \" .\rوقال رسول اللّه صلى اللهّ عليه وسلم : \" لا ينظر اللّه عزّ وجلّ إلى من جرّ ثوبه خيلاء ، وفي حديث آخر : لاينظر اللّه عزّ وجلّ إلى من جرّ ثوبه بطرا \" .\rقال رسول اللّه صلى اللهّ عليه وسلم : إنما الكبر أن يسفّه الحقّ ، ويغّمض النّاس.\rقال محمّد بن علىّ بن حسين : ياعجباً من المختال الفخور الذي خلق من نطفه ، ثم يصير جيفة ثم لا يدرى بعد ذلك ما يفعل به.\rقال إسحاق بن إبراهيم الموصلى : سمعت أحمد بن يوسف ، وذكر رجلا كان يذهب بنفسه في التيه ، فقال : يتيه فلان ، وما عنده فائدة ولا عائده ولا رأى جميل.\rقال الشاعر :\rيامظهر الكبر إعجاباً بصورته ... أبصر خلاءك إنّ المين تثريب\rلو فكر النّاس فيما في بطونهم ... ما استشعر الكبر شبّانٌ ولا شيب\rقيل لعيسى عليه السلام : طوبى لبطن حملك ، فقال : طوبى لمن علمه اللّه كتابه ، ولم يكن جباراً.\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : \" لا يزال الرّجل يذهب بنفسه في التّيه حتى يكتب في الجبّارين ، فيصيبه ما أصابهم \" .\rقال مالك بن دينار : كيف يتيه من أوله نطفة مذرة ، وآخره جيفة قذرة ، وهو فيما بين ذلك حاملٌ عذرة.\rأخذه أبو العتاهية فقال :\rما بال من أوّله نطفةٌ ... وجيفة آخره يفخر\rأصبح لا يملك تقديم ما ... يرجو ولا تأخير ما يحذر\rوأصبح الأمر إلى غيره ... في كل ما يقضى وما يقدر\rوقال منصور الفقه :\rتتيه وجسمك من نطفة ... وأنت وعاءٌ لما تعلم\rوله أيضاً :\rقولوا لزوّار الكنف ... والمنشئين من نطف\rيا جيفاً من الجيف ... ما لكم وللصّلف\rكان يقال : لولا ثلاثٌ سلم النّاس : شحّ مطاع ، وهوى متّبع ، وإعجاب المرء بنفسه.\rقال جعفر بن محمد : علم اللّه عز وجل أن الذنب خير للمؤمن من العجب ، ولولا ذلك ما ابتلى مؤمن بذنب.\rقال بلال بن سعيد : إذا رأيت الرجل لجوجاً ممارياً فقد تمت خسارته.\rقال بعض الحكماء : البلية التي لا يؤجر عليها المبتلى بها : العجب ، والنعمة التي لا يحسد عليها : التواضع.\rكان يقال : لاشئ أكلم للمحاسن من العجب والتيه قال نصر بن أحمد :\rومن أمن الآفات عجباً برأيه ... آحاطت به الآفات من حيث يجهل\rوقال منصور الفقيه :\rلاتحلقنّ بتيّاه فتحمله ... على التّزيّد مما يسخط اللّه\rواهجره للّه لا للنّاس مبتغياً ... ثواب ربّك في هجران من تاها\rوقال آخر :\rإن عيسى أنف أنفه ... أنفه ضعفٌ لضعفه\rلو تراه راكباً والتّيه ... قد مال بعطفه","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"لرأيت الأنف في السّر ... ج وعيسى مثل ردفه\rوقال ابن السّلمانى :\rأتيه على جنّ البلاد وإنسها ... ولو لم أجد خلقاً لتهت على نفسى\rأتيه فلا أدرى من التّيه من أنا ... سوى ما يقول الناس فيّ وفى جنسى\rفإن زعموا أنّى من الإنس مثلهم ... فما لي عيبٌ غير أنّى من الإنس\rوقال خلف الحمر :\rلنا صاحبٌ مولعٌ بالخلاف ... كثير الخطاء قليل الصّواب\rألجّ لجاجاً من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب\rولأبى العتاهية ، ويروى لمنصور الفقيه :\rحّذتك الكبر لا يعلقك ميسمه ... فإنّه ملبسٌ نازعته اللّه\rيا بوس حامل رجسٍ ليس يغسله ... بالماء عنه إذا كلّمته تاها\rيرى عليك له فضلاً ومنزلةً ... إن نال في العاجل السّلطان والجاها\rمثنٍ على نفسه راضٍ بسيرته ... كذبت يا صاحب الدّنيا ومولاها\rوقال منصور الفقيه :\rقلت للمعجب لمّا ... قال مثلى لا يراجع\rيا قريب العهد بالمخ ... رج لم لا تتواضع\rقال على بن محمد : إنما أهلك الناس العجلة والعجب ، ولو ثبتوا ولم يعجلوا لم يهلك منهم أحد.\rقال ابن أبى ليلى : ما رأيت ذا عجب قطّ إلا اعتراني بعض دائه. يريد أنه يبعثه على مكافأته بالتكبر عليه.\rقال بعض الحكماء : من استطاع أن يمنع نفسه أربعاً كان جديرا ألا ينزل به مكروه : العجلة ، واللجاجة ، والتواني ، والعجب. ولإبراهيم بن العبّاس الصولى في محمد بن عبد الملك الزيات :\rأبا جعفرٍ عرّج على خلطائكا ... وأقصر قليلاً عن مدى غلوائكا\rفإن كنت قد أوتيت بالأمس رفعةً ... فإنّ رجائي في غد كرجائكا\rولمنصور الفقيه :\rقد كنت أيام كنت مثلكم ... أرى الهلال الخفيّ بالعجله\rلو مرّ بي تائهٌ على جمل ... لم أره الآن قلّةً ولا جمله\rباب التّواضع والإنصاف\rقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما تواضع عبدٌ للّه إلاّ رفعه اللّه.\rوقال صلى اللّه عليه وسلم : تواضعوا يرفعكم اللّه ، واعفوا يعزكم اللّه.\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : طوبى لمن تواضع من غير منقصة ، وذل نفسه من غير مسكنة ، وأنفق مالاً جمعه من غير معصية ، طوبى لمن طاب كسبه ، وصلحت سريرته ، وكرمت علانيته.\rانتسب رجلٌ عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى بلغ عشر آباء ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : لاحسب إلا في التواضع ، ولا نسب إلا بالتقوى ، ولا عمل إلا بالنية ، ولا عبادة إلا باليقين.وعنه عليه السلام أنه قال : من عظمت نعمة اللّه عليه فليطلب بالتواضع شكرها ، فإنه لا يكون شكوراً حتى يكون متواضعاً.\rقال بعض الحكماء : رأس الحكمة طاعة اللّه ، وتقديم حسن النية ، وعراها التواضع في الحقّ ، والإنصاف في المناظرة ، والإقرار بما يلزم من الحجة ، وثمرتها حفظ الثواب ، في العاجلة ، والنجاة في العاقبة ، وحقّها العمل بها ، وألاّ تمنع من من مستحقها ، وأن توقر أوعيتها لوقارها.\rقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه : ما من أحدٍ إلاّ وفي عنقه حكمةٌ موكل بها ملك ، يقول اللّه به : إن تواضع عبدى فارفعه ، وإن ارتفع فضعه.\rقال بكر بن عبد اللّه المزنى : ما أرى امرءًا إلاّ رأيت له الفضل علىّ ، لأنّي من نفسى على يقيين ، وأنا من النّاس على شك.\rقال عبد اللّه بن مسعود : إن من التواضع الرّضا بالدّون من شرف المجلس ، وأن تسلّم على من لقيت.\rقال عبد اللّه بن المبارك : التعزّز على الأغنياء تواضع.\rكان يقال : بالتواضع تتمّ النعمة ، وبالتكبر تحق النقمة.\rكان سليمان عليه السلام يجئ إلى أوضع المجالس بنى إسرائيل فيجلس معهم فيقول : مسكينٌ بين ظهرانى مساكين.\rكان يقال : ثمرة القناعة الرّاحة ، وثمرة التواضع المحبة.\rقال لقمان لابنه : يا بنىّ تواضع للحقّ ، تكن أعقل الناس قال أبو الدّرداء : ليس الذي يقول الحق ويفعله بأفضل من الذي يسمعه فيقبله.\rقال بعض الحكماء : إذا نسك الشريف تواضع ، وإذا نسك الوضيع تكبّر.ولذى الرّمّة الأسدىّ :","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"إذا اصطحب الأقدام كان أذلّهم ... لأصحابه نفساً أبرّ وأفضلا\rوما الفضل في أن يؤثر المرء نفسه ... ولكنّ فضل المرء أن يتفضلا\rقال سالم بن قتيبه : ما تكبّر في ولايته إلا من كبرت عنه ، ولا تواضع فيها إلا من كبر عنها.\rقال بعض الفلاسفة : أظلم الناس لنفسه من تواضع لمن لا يكرمه ، ورغب فيمن يبعده.\rقال بزر جمهر : وجدنا التواضع مع الجهل والبخل ، أحمد من الكبر مع الأدب والسخاء فأعظم بحسنه سترت من صاحبها سيئتين ، وأقبح بسيئة غطّت من صاحبها حسنتين.\rقال عبد الملك بن مروان : أفضل النّاس من تواضع عن رفعة ، وزهد عن قدرة ، وأنصف عن قوة كان يقال : من حقوق الشّرف أن تتواضع لمن هو دونك ، وتنصف من هو مثلك ، وتنبل على من هو فوقك.\rقال ابن السّماك للرشيد : تواضعك في شرفك أشرف من شرفك قال جعفر بن محمد : من أنصف النّاس من نفسه قضى به حكماً لغيره قال معن بن أوس :\rإذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل\rقال مالك بن الرّيب :\rفإن تنصفونا يال مروان نقترب ... إليكم وإلا فأذنوا ببعاد\rففي الأرض عن المذلّة مذهبٌ ... وكلّ بلاد أوطنت كبلادى\rقال العباس بن عبد المطلب :\rأبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت ... قواطع في أيماننا تقطر الدّما\rتركناهم لا يستحلون بعدها ... لذي رحمٍ يوماً من الدّهر محرماً\rقال الحكم بن المنذر الجارود في الإنصاف :\rبنى عمنّا لا تجزعوا من طعاننا ... فقد كان قبل اليوم مبكى ومجزعاً\rوذوقوا كما ذقنا من الحرب إنّنا ... نرى شر أهل الأرض من قد تضعضعاُ\rونادى مناد يال بكر بن وائل ... ونادى بعبد القيس ناد فأسمعا\rفما خذلتنا الأزد إذ دارت الرّحى ... ولكنّهم يحمون عزّاً ممنّعا\rخطنا البيوت بالبيوت فأصبحوا ... بنى عمّنا من يرمهم يرمنا معا\rوقال أبو الأسود الدؤلى :\rإذا قلت أنصفنى ولا تظلمنّنى ... رمى كلّ حقّ أدّعيه بباصل\rفما طلته حتّى ارعوى وهو كاره ... وقد يرعوى ذو الشّغب عند التجادل\rوإنك لم تعطف إلى الحق ظالماً ... بمثل خصيم عاقل متجاهل\rقالوا : ثلاثة من حقائق الإيمان : الاقتصاد في الإنفاق ، والابتداء بالسلام والإنصاف من نفسك.\rوفي سماع أشهب ، قال مالك رضى اللّه عنه :ليس في الإنسان شئٌ أقل من الإنصاف.\rقال جعفر بن سعد : ما أقلّ الإنصاف ، وما أكثر الخلاف ، الخلاف موكل بكلّ شئ حتى القذاة في رأس الكوز ، فإذا أردت أن تشرب الماء جاءت إلى فيك ، وإذا أردت أن تصب من رأس الكوز لتخرج رجعت.\rقال الشاعر :\rآخ الكرام المنصفين وصلهم ... واقطع مودّة كلّ من لا ينصف\rوقال أبو العتاهية :\rإذا ما لم يكن لك حسن فهم ... أسأت إجابةً وأسأت سمعا\rوقال أبو عثمان الشريشى :\rلو جرحت رأسى يدا منصف ... لما تمنّيت بأن أبرا\rباب الرّأى والمشورة\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما تشاور قومٌ إلاّ هداهم اللّه لأرشد أمورهم.\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لن يهلك امرؤٌ عن مشورة.\rقال صلى اللّه عليه وسلم : المستشار مؤتمن.\rقال الحسن : إن اللّه لم يأمر نبيّه بمشاورة أصحابه حاجة منه إلى رأيهم ، ولكنه أراد أن يعرفهم ما في المشورة من البركة.\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من نزل به أمر فشاور فيه من هو دونه تواضعاً منه عزم له على الرّشد.\rقال عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه : شاور في أمرك من يخاف اللّه عز وجل.\rقيل لرجل من بنى عبس. ما أكثر صوابكم ؟ ! قال : نحن ألفٌ وفينا حازم واحد ، ونحن نشاوره ونطيعه ، فصرنا ألف حازم.\rقال عامر بن الظّرب : الرأى نائم والهوى يقظان ، فلذلك يغلب الهوى الرأى.\rكان يقال : بإجالة الفكرة يستدرّ الرأى المصيب كان علىّ بن أبى طالب يقول : رأى الشيخ خير من مشهد الغلام","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"قال بزر جمهر : حسب ذا الرأي ومن لا رأى له أن يستشير عالماً ويطيعه. مرّ حارثه بن زيد بالأحنف بن قيس فقال : لولا أنك عجلان لشاورتك في بعض الأمر. فقال : يا حارثه أجل ، كانوا لايشاورون الجائع حتى يشبع والعطشان حتى ينقع ، والأسير حتى يطلق ، والمضلّ حتى يجد ، والراغب حتى يمنح. كان يقال : استشر عدوّك العاقل ، ولا تستشر صديقك الأحمق ، فإن العاقل يتقي على رأيه الزّلل ، كما يتقي الورع على دينه الجرح. قال ابن المقفع : ثلاثة لا آراء لهم : صاحب الخف الضيق ، وحاقن البول وصاحب المرأة السليطة. قال بعض البلغاء : لا نتيجة لرأى إلا عن طاعة ونصيحة ، ولا نتيجة لمشورة إلا عن محبة ومودة. وقال بعضهم : لاتترك الأمر مقبلا ، وتطلبه مدبراً ، فإن ذلك من ضعف العقل وقلة الرأى.\rكان يقال : لا تدخل في رأيك بخيلا فيقصّر فعلك ، ولا جباناً فيخوّفك مالا تخاف ، ولا حريصاً فيعدك مالا يرجى.\rقال بعض الأعراب :\rولو أنّ قومى أكرمونى وأتأموا ... سجالاً بها أسقى الذّين أساجل\rكففت الأذى ما عشت عن حلمائهم ... وناضلت عن أعراضهم من يناضل\rولكنّ قومى عزّهم سفهاؤهم ... على الرّأى حتّى ليس للرأى حامل\rقال النبى صلى اللّه عليه وسلم : الحزم : في مشاورة ذوى الرّأى وطاعتهم.\rقال الملهب : إذا كان الرأى عند من يملكه دون من يبصره ضاعت الأمور.\rقال الحكماء : إذا كنت مستشيراً فتوخّ ذا الرأى والنصيحة ،فإنه لا يكتفى برأى من لا ينصح ، ولا نصيحة لمن لا رأى له.\rولبشار بن برد ، وقيل إنها لعنترة ، وقيل : إنها للعجّاج الأسدى :\rإذا بلغ الرّأى المشورة فاستعن ... برأى نصيحٍ أو نصاحة حازم\rولا تحسب الشورى عليك غضاضةً ... فإنّ الخوافى رافدٌ للقوادم\rوآذن من القربى المقدّم نفسه ... ولا تشهد الشورى امرءًا غير كاتم\rوما خير كفّ أمسك الغلّ أختها ... وما خير سيف لم يوتّد بقائم\rفإنّك لا تستطرد الهمّ بالمنى ... ولا تبلغ العليا بغير المكارم\rأنشدنى الأعرابي :\rوأنفع من شاورت من كلّ ناصحاً ... شفيقاً فأبصر بعدها من تشاور\rوليس بشافيك الصّديق ورأيه ... غريبٌ ولاذو الرّأى والصّدر واغر\rوقال بكر بن أذينة :\rولا أشير على من لاّ يشاورنى ... إذا طوى ذات يومٍ أمره دونى\rقال أكثم بن صيفى : المشورة مادة الرأى.\rقال ابن هبيرة لبعض ولده : ولا تشر على مستبدّ ، ولا على عدوّ ، ولا على متّلون ، ولا على لجوج ، ولا تكون أول مستشار ، ولا أول مشير ، وإياك والرأى الفطير ، وخف اللّه في المستشير ، فإن التماس موافقه لؤم ، وسوء الاستماع منه خيانة.\rقال سليمان عليه السلام لابنه : يا بنى لا تقطع أمراً حتى تشاور مرشداً فإنك إذا فعلت ذلك لم تندم.\rكان يقال : من اجتهد رأيه وشاور صديقه ، قضى ما عليه.\rقال عمر بن العاص : ما نزلت بى قطّ عظيمةٌ فأبرمتها حتى أشاور عشرةً من قريش مرتين فإن أصبت كان الحظّ لى دونهم ، وإن أخطأت لم أرجع على نفسى بلائمة.\rقال بعض الأعراب :\rخليلىّ ليس الرأى في صدر واحد ... أشيرا علىّ اليوم ما تريان\rأأركب صعب الأمر إنّ ذلوله ... بنجران لا يقضى بحين أوان\rوأظن هذين البيتين من الأعرابى القائل :\rلقد هزئت منّى بنجران إذ رأت ... مقامى في الكبلين أمّ أبان\rكأن لم تر قبلى أسيراً مكبلاً ... ولا رجلاً يرمى به الرّجوان\rوقد تمثل بهذا البيت عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه ، وكتب به إلى بعض أمرائه وقضاته.\rكان يقال : أمران جليلان لا يصلح أحداهما إلاّ بالتفرّد ، ولا يصلح الآخر إلا بالتّعاون ، الملك والرّأى ، فإن استقام الملك بالشركاء استقام الرأى بالاستبداد ، وهذا لا يكون أبداً.\rقال صالح بن عبد القدوس\rوإن باب أمرٍ عليك التوى ... فشاور لبيباً ولا تعصه\rوإن ناصح منك يوماً دنا ... فلا تنأ عنه ولا تقصه","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"قال الأحنف : اضربوا الرأى بعضه ببعض يتولّد منه الصّواب ، وتجنّبوا منه شدة الحزم ، واتّهموا عقولكم ، فإن فيها نتائج الخطأ ، وذمّ العاقبة.\rكان يقال : خذ الأمر مقلا ، فشرّ الرأى : الدّبرىّ.\rقال الشاعر ، وهو القطامىّ :\rوخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعا\rقال بعض العرب : قبل الرّمى يراش السّهم وقال سابق : وقبل أوان الرّمى تملا الكنائن وقال الفارسىّ : بادر الفرصة قبل أن تكون غصّة ، وأنشد :\rتدارك الأمر قبل نهبته ... أبلغ فيما تحبّ من دركه\rقال بعض الحكماء : حقيق أن يوكّل إلى نفسه ، من أعجب برأيه.\rقال عبد الملك : اللحن هجنة الشريف ، والعجب آفه الرأى.\rقال قتيبه بن مسلم : من أعجب برأيه ، لم يشاور كفيا ، ولم يوات نصيحاً.\rقال بزر جمهر : أفره الدّواب لاغنى به عن السّوط ، وأعفّ النساء لا غنى بها عن الزواج ، وأعقل الرجال لا غنى به عن المشورة.\rقال عبد الملك بن مروان : لأن أخطئ وقد استشرت أحب إلىّ من أن أصيب من غير مشورة.\rقال قتيبه بن مسلم : الخطأ مع الجماعة خيرٌ من الصواب مع الفرقة ، وإن كانت الجماعة لا تخطئ ، والفرقة لا تصيب.\rقال المأمون : ثلاثٌ لا يعدم المرء الرشد فيهنّ : مشاورة ناصح ، ومداراة حاسد ، والتحبب إلى الناس.\rكان عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه يستشير في الأمر ، حتى إن كان ربما استشار المرأة ، فأبصر في رأيها فضلا.\rكان يقال : ما من قوم تمالئوا على أمرهم ، ثم شاوروا امرأة إلا تبّر اللّه أمرهم.\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لايفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة.\rكان يقال : من طلب الرّخصة من الإخوان عند المشورة ، ومن الفقهاء عند الشبهة ، من الأطباء عند المرض ، أخطأ الرّأى ، وحمل الوزر ، وازداد مرضاً.\rقال الشاعر ، وأظنها لمنصور الفقيه :\rإذا الأمر أشكل إنفاذه ... ولم تر منه سبيلا فسيحا\rفشاور بأمرك في سترةٍ ... أخاك اللبيب المحبّ النّصيحا\rفربّتما فرّج النّاصحون ... وأبدوا من الرّأى رأياً صحيحا\rولا يلبث المستشير الرّجال ... إذا هو شاور أن يستريحا\rوقال آخر :\rإنَّ الَّلبِيب إذا تفرّق أمره ... فتق الأمور مناظراً ومشاور\rأخو الجهالة يستبدّ برأيه ... فتراه يعتسف الأمور مخاطرا\rوقال آخر :\rوعاجز الرّأى مضياعٌ لفرصته ... حتّى إذا فات أمر عاتب القدرا\rوقال آخر :\rأنتم أناسٌ عظامٌ لا حلوم لكم ... لا تعلمون أجاء الرّشد أم غابا\rلا تبصرون وجوه الرّأى مقبلة ... وتبصرون إذا ولين أذنابا\rقال أبو عمر : الاستبداد مذموم عند جماعة الحكماء ، والمشورة محمودة عند غاية العلماء ، ولا علم أحداً رضى الاستبداد وحمده ، إلا رجل واحد مفتون ، مخادع لمن يطلب عنده لذته فيرقب غرته ، أو رجلٌ فاتك يحاول حين الغفلة ، ويرتصد الفرصة ، وكلا الرّجلين فاسقٌ مائق ، مثال أحدهما قول عمر بن أبى ربيعة. يخاطب من يخدعه.\rليت هنداً أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد\rواستبدت مرّة واحدةً ... إنّما العاجز من لا يستبد\rومثال الآخر ، قول سعيد بن ثابت العنبرى الأعرابى\rإذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكّب عن ذكر العواقب جانبا\rولم يستشر في رأيه غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السّيف صاحبا\rسئل الحسن البصرىّ ، عن قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا تستضيئوا بنار المشركين فقال : أراد لا تستشيروا المشركين في أموركم ولا تأخذوا برأيهم.\rباب كتمان السّر وإفشائه\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من أسّر إلى أخيه سرّاً لم يحلّ له أن يفشيه عليه.\rقال عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه : من كتم سره كان الخيار بيده ، ومن عرّض نفسه للتّهمة فلا يلومنّ من أساء الظنّ به.\rقال عباس بن عبد المطلب لابنه عبد اللّه رضى اللّه عنهما : يابنى إن أمير المؤمنين يدنيك - يعنى عمر بن الخطاب - فاحفظ عنى ثلاثاً : لا تفشينّ له سراً ، ولا تغتابن عنده أحداً ، ولا يطّلعنّ منك على كذبة.","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"قال أكثم بن صيفي : إن سرّك من دمك ، فانظر أين تريقه.\rكان يقال : احفظوا أسراركم كما تحفظون أبصاركم وكان يقال : أكثر ما يتم به التدبير الكتمان.\rقال قيس بن الخطيم :\rأجود بمضمون التّلاد وإنّنى ... بسرّك عمنّ سالنى لضنين\rوإن ضيّع الإخوان سراً فإنّنى ... كتومٌ لأسرار الخليل أمين\rيكون له عندى إذا ما ائتمنته ... مكان بسوداء الفؤاد مكين\rإذا جاوز الإثنين سرٌّ فإنّه ... بنشرٍ وإفشاء الحديث قمين\rوفي مثل هذا : إن السرّ لا يسمّى سرّاً حتى يسره رجلٌ واحد إلى رجل آخر.\rقال الصّلتان العبدى :\rوسرّك ما كان عند امرئ ... وسرّ الثّلاثة غير الخفى\rوقال سابق :\rفلا تخبر بسرِّك ،كلُّ سرًّ ... إذا ما جاوز الإثنين فاشى\rوقال آخر :\rلكلَّ امرىء يا أمّ عمرو طبيعةٌ ... وتفضيل ما بين الرّجال الطّبائع\rفلا يسمعن سرّى وسرّك ثالثٌ ... ألا كلّ سرًّ جاوز اثنين ضائع\rوكيف يشيع القلب سرّاً وفوقه ... حجابٌ وما فوق الحجابٌ الأضالع\rوذهبت طائفة إلى أن السرَّ ما أسررته في نفسك ،ولم تبده إلى أحد.\rقال عمرو بن العاص : ما استودعت رجلا سرّاً فأفشاه فلمته ، لأنى كنت به أضيق صدراً حين استودعته إياه.\rوإلى هذا ذهب القائل حيث قال :\rإذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه ... فعدر الّذى يستودع السّرّ أضيق\rوأنشد الأصمعى قال :أنشدنى أعرابي :\rلا أكتم الأسرار لكن أبثّها ... ولا أدع الأسرار تقتلنى غمّا\rوإنّ سخيف الرّأى من بات ليله ... حريباً بكتمان كأنّ به حمّى\rوفي بثّك الأسرار للقلب راحةٌ ... وتكشف بالإنشاء عن قلبك الهمّا\rوقال سحيم الفقعسىّ :\rلا أكتم الأسرار لكن أذيعها ... ولا أدع الأسرار تغلى على قلبي\rوإنّ ضعيف العقل من بات ليله ... تقلّبه الأسرار جنباً إلى جنب\rومثله قول الآخر :\rلا تفشين سرّك إّلا إليك ... فإنّ لكلّ نصيح نصيحاً\rفإّنى رأيت غواة الرّجال ... لا يتركون أديماً صحيحاً\rوقال رجل من بني سعد :\rإذا ما ضاق صدرك عن حديثٍ ... فأفشته الرّجال فمن تلوم\rإذا عاتبت من أفشى حديثى ... وسرّى عنده فأنا الظّلوم\rوإنّى حين أسأم حمل سرّى ... وقد ضمّنته صدري سؤوم\rولست محدثاً سرّى خليلاً ... ولا عرسي إذا خطرت هموم\rوأطوى السّرّ دون النّاس إنّي ... لما استودعت من سرّ كتوم\rوقال المتنبي :\rرضاك رضاي الذي أوثر ... وسرّك سرّى فما أظهر\rكفتك المروءة ما تتّقى ... وآمنك الودّ ما تحذر\rوسرّكم في الحشا ميّتٌ ... إذا انتشر السّرّ لا ينشر\rوقال حارثة بن بدر الغداني :\rخليليّ لولا حب زينب لم أسل ... أفي اليوم لقّيت المنيّة أم غدا\rخليليّ إن أفشيت سرّى إليكما ... فلا تجعلا سرّى حديثاً مبددّا\rفإن أنتما أفشيتماه فلا رأت ... عيونكما يوم الحساب محمّدا\rوقال آخر :\rإذا أنت لم تحفظ لنفسك سرّها ... فسرّك عند النّاس أفشى وأضيع\rوقال ابن ميّادة واسمه الرّمّاح :\rيا خليليّ هجّرا كي تروحا ... هجتما للرّواح قلباً قريحا\rإن تروحا لتعلما سرّ سعدي ... تجداني بسرّ سعدي شحيحاً\rإنّ سعدي كمنية التمنّى ... جمعت عفّةً ووجهاً صبيحا\rكلمتني وذاك ما نلت منها ... إنّ سعدي ترى الكلام ربيحا\rقيل لرجل : كيف كتمانك للسر ... قال : أجحد المخبر. وأحلف للمستخبر.\rأسر رجل إلى رجلٍ سراً ، فلما فرغ قال له : حفظت ؟ قال : لا. بل نسيت.\rقال أبو محجن الثقفي :\rقد أركب الهول مسدولا ستائره ... وأكتم السرَّ فيه ضربة العنق","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"وقال مسكين الدرامى :\rوإني امرؤٌ منّى الحياء الذي ترى ... أعيش بأخلاق قليلٌ خداعها\rأواخى رجالاً لست مطلع بعضهم ... على سرّ بعض غير أنّى جماعها\rيظلّون شتّى في البلاد وسرّهم ... إلى صخرةٍ أعيا الرّجال انصداعها\rوقال آخر :\rولو قدرت على نسيان ما اشتملت ... منّى الضّلوع من الأسرار والخبر\rلكنت أول من ينسى سرائره ... إذا كنت من نشرها يوماً على خطر\rقال أبو الشِّيص :\rضع السِّرَّ في صمَّاء ليست بصخرةٍ ... صلودٍ كما عاينت من سائر الصَّخر\rولكنَّها قلب امرئٍ حفيظةٍ ... يرى ضيعة الأسرار شراً من الشَّرِّ\rيموت وما ماتت كرائم فعله ... فيبلى وما يبلى ثناه على الدَّهر\rكان يقال : لا تطلعوا النّساء على سركم ، يصلح لكم أمركم قال الشاعر :\rختمت الفؤاد على حبهَّا ... كختم الصحيفة بالخاتم\rهوت بي في حبَّها نظرةٌ ... هوىَّ الفراشة في الجاحم\rوقال آخر :\rفإن تلك ليلى حمَّلتني أمانةً ... فلا وأبي ليلى إذاً لا أخونها\rحفظت لها السَّرَّ الّذي الذي كان بيننا ... ولا يحفظ الأسرار إلا أمنها\rكان يقال : كل شئ تكتمه عن عدوك ، فلا تظهر عليه صديقك وقال آخر :\rإذا كتم الصديق أخاه سرّاً ... فما فضل الصَّديق على العدوِّ\rوقال آخر :\rفبثثت عمراً بعض ما في جوانحي ... وجرَّعته من مرِّ ما أتجرَّع\rولا بد من شكوى إلى حفيظةٍ ... إذا جعلت أسرار نفسي تطلَّع\rوقال أبو الشص :\rلا تأمن على سرِّي و سرَّكم ... غيري و غيرك أو طيَّ القراطيس\rوقال ابن وطيع :\rإذا كنت ذا سرًّ تخاف من أعدا ... عليه ظهوراً فاطوه دون ذي الودَّ\rفيا ربَّ خلًّ حال عمَّا عهدته ... فظل لما قد كنت أودعته يبدي\rوقال تشبيب بن البرصاء :\rوإني لأكمن السِّرَّ عندي وإن أتى ... لذلك من عهد الأمانة حين\rكمون النوى لايشعر النَّاس أنَّه ... ثوى في رفاق الأرض وهو دفين\rوقال آخر :\rتبوح بسرِّك ضيقاً به ... وتبغي لسرِّك من يكتم\rوكتمانك السِّرَّ ممن تخاف ... ومن لا تخوَّفه أحزم\rوقال آخر :\rأداري خليلي ما أستقام بودِّه ... وأمنحه ودي إذا يتحبب\rولست ببادي صاحبي بقطيعةٍ ... ولا أنا مبدي سرَّه حين أغضب\rومما أنشده الرِّياشي رحمه الله :\rبديهته قبل تدبيره ... متى رمته فهو مستجمع\rوفي كفّه للغنى مطلبٌ ... وللسِّرَّ في صدره موضع\rباب الحرب والشَّجاعة والجبن\rقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : \" لا تمنَّوا لقاء العدوّ ، وإذا لقيتموهم فاثبتوا \" قال أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه في كتابه إلى خالد بن الوليد : احرص على الموت توهب لك الحياة : أخذه الشاعر فقال :\rتأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياةً مثل أن أتقدَّما\rومن هذا قول الخنساء :\rنهبن النفوس وهون النُّفو ... س عند الكريهة أوقى لها\rقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبعض بني عبسٍ : كم كنتم في يوم كذا ؟ قال : كنا مائه ، لم نكثر فنتوا كل ونفشل ، ولم نقلَّ فنذلَّ. قال : فيم كنتم تظهرونّ على أعدائكم ، ولستم بأكثر منهم ؟ قال : كنا نصبر بعض الناس هنيهة.\rقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، لابنه الحسن ، وقد قيل لابنه محمد : يا بني! لاتدعون أحداً إلى البراز ، فإنه بغي ، ولا يدعونَّك أحد إله إلا أجبته.\rوقد وفد على عمر بن الخطاب بفتح ، فقال : متى لقيتم عدوكم ؟ قالوا : أول النهار. قال : فمتى انهزموا ؟ قالوا : آخر النهار ، فقال : إناّ للّه! وأقام الشرك للإيمان من أول النهار إلى آخره!! واللّه إن كان هذا إلاّ عن ذنب بعدى ، أو أحدثته بعدكم ، ولقد استعملت يعلى بن أميّة على اليمن استنصر لكم بصلاحه.","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"قيل لعنترة : كم كنتم يوم الفروق ؟ قال : كنا ألفاً مثل الذهب الخالص ، ليس فينا غيرنا ، لم نكثر فنفشل ، ولم نقل فنذل. لم يكن قبيل في العرب ألف فارس إلا ثلاث قبائل : مرّة وعبس وبنو الحارث بن كعب.\rقال عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه ، لعمرو بن معدى كرب : أخبرنى عن السّلاح.قال : سل عما شئت. قال : الرّمح ، قال : أخوك وربما خانك. قال النّبل ؟ قال : منايا تخطئ وتصيب. قال : التّرس ، قال : ذلك المجنّ وعليه تدور الدوائر. قال : الدّرع ، قال : مشغلة للرّاجل متعبةٌ للفارس ، وإنها لحصنٌ حصين. قال : السيف ؟ قال : قارعتك أمّك على الثّكل. قال عمر : بل أمّك. قال : أخبرني عن الحرب ، قال : مرّة المذاق ، إذا قلصت عن ساق ، من صبر لها عرف ، ومن ضعف عنها تلف ، وهى كما قال الشاعر :\rالحرب أولّ ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكلّ جهول\rحتّى إذا اشتعلت وشبّ ضرامها ... عادت عجوزاً غير ذات خليل\rشمطاء جزّت رأسها وتنكرت ... مكروهةً للشّمّ والتقبيل\rقال حذيفة بن اليمان : الفتنة تلقح بالنجوى ، وتنتج بالشكوى. أخذ نصر بن سيار قول حذيفة هذا ، واللّه أعلم ، حين قال : إن الحرب أوّلها الكلام وهى أبيات كتبها إلى مروان بن محمد :\rأرى خلل الرّماد وميض نار ... ويوشك أن يكون لها ضرام\rفإن النّار بالعودين تذكى ... وإنّ الحرب أوّلها الكلام\rفقلت من التّعجب ليت شعري ... أأيقاظٌ أميّة أم نيام\rبلغ أبا الأغر أن أصحابه ، وقع بينهم شر ، فوجه ابنه الأغر ، وقال له : يا بنى كن يداً لأصحابك على من قاتلهم ، وإياك والسيف ، فإنه ظل الموت ، واتق الرمح ، فإنه رسالة المنية ، ولا تقرب السهام ، فإنها رسل لا تؤامر من يرسلها ، قال : فبم أقاتل ؟ قال : بما قال الشاعر :\rجلاميد أملاء الأكفّ كأنّها ... رءوس رجالٍ حلّقت بالمواسم\rوهذا الشعر هو :\rتغطّى نميرٌ بالعمائم لؤمها ... وكيف يغطّ اللؤم طىّ العمائم\rفإن تضربونا بالسّياط فإنّنا ... ضربناكم بالمرهفات الصّوارم\rوإن تحلقوا منّا الرّءوس فإننا ... حلقنا رءوساً باللّحى والغلاصم\rوإن تمنوا منّا السّلاح فعندنا ... سلاحٌ لنا لا يشترى بالدّراهم\rجلاميد أملاء الأكفّ كأنّها ... رءوس رجالٍ حلقت بالمواسم\rومن أحسن ما قيل في الصبر على الحرب قول نهشل بن حرّى بن ضمرة :\rويومٍ كأنّ المصطلين بحرّه ... وإن لم يكن نارٌ قيامٌ على الجمر\rصبرنا له حتّى تقضّى وإنّما ... تفرّج أيام الكريهة بالصّبر\rومثله قول الآخر :\rبكى صاحبي لما رأى الموت موقناً ... مطّلاً كإطلال السّحاب إذا اكفهرّ\rفقلت له : لاتبك عينك إنّما ... يكون غداً حسن الثناء لمن صبر\rفما أخّر الإحجام يوماً مقدّماً ... ولا عجّل الإقدام ما أخّر القدر\rومن أحسن ما قيل في النظم في الصبر على الحرب ، قول قطرى بن الفجاءة التميمى الخارجي :\rأقول لها وقد طارت شعاعاً ... من الأبطال ويحك لن تراعى\rفإنك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لم تطاعي\rفصبراً في مجال الموت صبراً ... فما نيل الخلود بمستطاع\rولا ثوب البقاء بثوب عزّ ... فيطوي عن أخي الخنع اليراع\rسبيل الموت غاية كلّ حيّ ... وداعيه لأهل الأرض داعي\rومن لم يعتبط يهرم ويسقم ... وتسلمه المنون إلى انقطاع\rوقال أصرم بن حميد :\rحرامٌ على أرماحنا طعن مدبرٍ ... ويندقّ قدماً في الصّدور صدورها\rمسلّمةٌ أعجاز خيلي في الوغى ... وداميةٌ لبّاتها ونحورها\rوقول الآخر :\rوقد يلتقى الجمعان والموت فيهما ... فيقتل من ولى ويسلم من ثبت\rوقد ذكرت في \" باب الاعتذار \" ... احسن ما قيل في النظم ،في الاعتذار\rومن أحسن ما قيل في الإنصاف في صفة الحرب ،واللقّاء والصّدق في ذلك ،قول عبد الشّارق","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"بن عبد العزّى الجهنى :\rتنادوا يال بهثة يوم صبر ... فقلنا : أحسني ضرباً جهينا\rسمعنا دعوةً عن ظهر غيبٍ ... فجلنا جولةً ثم ارعوينا\rفلما أن تواقفنا قليلاً ... أنخنا للكلاكل فارتمينا\rولما لم ندع قوساً وسهماً ... مشينا نحوهم ومشوا إلينا\rتلألؤ مزنةٍ برقت لأخرى ... إذا جاءوا بأسيافٍ ردينا\rشددنا شدّةً فقتلت منهم ... ثلاثة فتيةٍ وقتلت قينا\rوشدّوا شدّةً أخرى فجروّا ... بأرجل مثلهم ورموا جوينا\rوكان أخي جوينٌ ذا حفاظٍ ... وكان القتل للفتيان زينا\rفآبوا بالرّماح مسكّراتٍ ... وأبنا بالسّيوف قد انحنينا\rفباتوا بالصّعيد لهم أحاحٌ ... ولو خفّت لنا الكلمى سرينا\rوقال العديل العجلى :\rإذا ما حملنا حملةً ثبتوا لنا ... بمرهفةٍ تفرى السّواعد من بعد\rوإن نحن نازلناهم بصوارم ... ردوا في سرابيل الحديد كما نردى\rوقال آخر :\rنصل السّيوف إذا قصرن بخطونا ... قدماً ونلحقها إذا لم تلحق\rوقال آخر :\rإنّ الرّماح نصيرة بالجاسر\rوقال آخر :\rوقلت لنفسي إنّما هو عامرٌ ... فلا ترهبيه وانظري أين يركب\rقال قطرىّ بن الفجاءة :\rلا يركنن أحدٌ إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوّفاً لحمام\rفلقد أراني للّرماح دريئةً ... من عن يميني مرّة وأمامي\rحتى خضبت بما تحدّر من دمى ... أحناء سرجي بل عنان لجامي\rثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام\rقال عمر بن الخطاب :الجرأة والجبن غرائز يضعها الله حيث يشاء ،فالجبان يفر عن أهله وولده ،والجرئ يقاتل عمن لا يؤؤب به إلى رحله : ومن شعر لأبى يعقوب الخريمى :\rيفرّ جبان القوم عن عرس نفسه ... ويحمى شجاع القوم من لا يناسبه\rويرزق معروف الجواد عدوّه ... ويحرم معروف البخيل أقاربه\rوقال قطرىّ بن الفجاءة :\rيا ربّ ظلّ عقاب قد وقيت بها ... مهري من الشمس والأبطال تجتلد\rوربّ بوم حمى أرعيت عقوته ... خيلى امتساراً وأطراف القنا قصد\rويوم لهو لأهل الخفض ظلّ به ... لهوى اصطلاء الوغى أو ناره تقد\rمشهرّاً موقفي والحرب كاشفةٌ ... عنها القناع وبحر الموت مطرّد\rوربّ هاجرةٍ تغلى مراجلها ... مخرتها بمطايا غارةٍ تخد\rتجتاب أودية الأفزاع آمنةً ... كأنّها أسدٌ يقتادها أسد\rفإن أمت حتف أنفي لا أمت كمداً ... على الطّعان وقصر العاجز الكمد\rقالت الخنساء :\rومن ظنّ مّمن يلاقى الحروب ... بألا ّيصاب فقد ظنّ عجزا\rوقال حبيب الطائى :\rودنونا ودنوا حتّى إذا ... أمكن الضّرب فمن شاء ضرب\rتركوا القاع لنا إذ كرهوا ... غمرات الموت واختاروا الهرب\rوقال دريد بن الصّمة ، ويقال : إنها لعمرو بن معدى كرب :\rأعاذل إنَّما أفنى شبابي ... ركوبي في الصّريخ إلى المنادى\rمع الفتيان حتّى سلّ جسمي ... وأقرح عاتقي حبل النّجاد\rوقال آخر :\rقوم إذا اشتجر القنا ... جعلوا القلوب لها مسالك\rالّلابسين قلوبهم ... فوق الدّروع لدفع ذلك\rومن أحسن ما قيل في صفة الطعن ،قول الحارث بن حلّزة :\rفرددناهم بضربٍ كما يخ ... رج من جرية المزاد الماء\rوفعلنا بهم كما علم الل ... ه وما إن للخائنين ذماء\rوقال الفند الزّمّاني :\rوطعن كفم الزّقّ ... إذا والزّق ملآنّ\rوقال آخر :\rومثلك قد كسرت الرّمح فيه ... فآب بدائه وشفيت دائى\rوقالت بنت المنذر بن ماء السماء :\rوقالوا : فارس الهيجاء ،قلنا : ... كذاك الرّمح يكلف بالكريم\rوقال آخر :","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"ضممت إليه بالقناة قميصه ... فخرّ صريعاً لليدين وللفم\rوقال عنترة :\rفشككت بالرّمح الطويل ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرمّ\rوقال آخر :\rصراعنا طريفاً بأرماحنا ... ولا تأكل الحرب إلاّ السّمينا\rوقال عليّ بن محمد العلوى ، المعروف بالمبرقع ، صاحب الزّنج :\rينثني الصّارم المهنّد والرّم ... ح الرّد ينيّ والشجاع الجرىّ\rحيث لا أنثني ولا يتثنّى ... بيدى صارمٌ ولا سمهرىّ\rمن رآني فقد رأى مشرفيّاً ... ماضياً في يمينه مشرفيّ\rشأني الفارس المدجّج في النّق ... ع إذا نازل الكمىّ الكمىّ\rورأيت الفضاء أضيق ما يس ... ى به حتى كأنّه مطوىّ\rياابنة العمّ أوقدي النّار في الليّ ... ل فإنّي لكل آتٍ أتىّ\rأكرم الضيف ما أستطعت لآنّ ... مطعمي حاضرٌ وكأسي روئ\rكيف لا تزهق النفوس لشخصي ... حين أغشى الوغى وجدّي على\rذو التقى والنبل وذو العلم والحل ... م ومن خير طينة والوصي\rوالّذي قال إنّه البوم منى ... مثل هارون منه أخيه النبيّ\rوقال عبيدة بن هلال :\rيهوى وترفعه الرماح كأنه ... شلوٌ تنشّب في مخالب ضار\rفيرى صريعاً والرّماح وتنوشه ... إن السّراة قصيرة الأعمار\rوقال مهلهل :\rلم يطيقوا أن ينزلوا ونزلنا ... وأخو الحرب من أطاق النزول\rوقال ابن مقوم الضبى :\rودعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل\rوقال أعشى همدان :\rأبلغ يزيد بنى شيبان مالكه ... أنّ الكتائب لا يهزمن بالكتب\rإنّ الوعيد بظهر الغيب معجزةٌ ... فإن أردت قتال القوم فاقترب\rمن ها هنا واللّه أعلم أخذ حبيب :\rالسيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب\rوقال آخر :\rوخارج أخرجه حبّ الطّمع ... فرّ من الموت وفي الموت وقع\rمن كان يهوى أهله فلا رجع قال السموءل بن مادياء اليهودى :\rيقرّب حبّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول\rكان معاوية رضى اللّه عنه يتمثل بهذين البيتين :\rكأنّ الجبان يى أنه ... سيقتل قبل انقضاء الأجل\rوقد تدرك الحادثات الجبان ... ويسلم منها الشّجاع البطل\rأشعار الجبناء\rقال أيمن بن خريم :\rإنّ للفتنة ميلاً بيّناً ... فرويد الميل منها يعتدل\rفإذا كان عطاء فأقم ... وإذا كان قتال فاعتزل\rإنّما يسعرها جهالها ... حطب النّار فدعها تشتعل\rوقال آخر :\rأضحت تشجّعنى هند وقد علمت ... أنّ الشّجاعة مقرونٌ بها العطب\rللحرب قوم أضل اللّه سعيهم ... إذا دعتهم إلى نيرانها وثبوا\rولست منهم ولا أبغى فعالهم ... لاالقتل يعجبني منهم ولا السّليب\rلا والذي جعل الفردوس جنته ... مايشتهي الموت عندي من له أرب\rوقال أبو الغمر المدني كاتب الحسن بن زيد :\rقد هان عندي لسان العار والعذل ... فلست آنف من جبن ولا فشل\rإنّي بخلت بنفس لا يجاد بها ... ولست بالمال أفديها من البخل\rهيهات تأبى لي التغرير فلسفةٌ ... ترى حضور الوغى من أكثر الزّلل\rمتى رأيت شجاعاً مات بالأجل ... ونال من لذّة الدنيا مدى الأمل\rكأنّ آجال شجعان الورى خلقت ... في أنفس البيض والخطبّة الذّبل\rوقال أيضاً :\rإني أضن بنفس لا يجاد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية السّرف\rما أبعد القتل من نفس الجبان وما ... أحلّه بالفتى الحامي عن الشّرف\rوقال أيمن بن خريم :\rيقول لي الأمير وقد رآني ... تقدم حين جدّ بنا المراس","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"فمالي إن أطعتك غير نفسي ... ومالي غير هذا الراس راس\rوقال الهذلى يصف جباناً :\rتحول قشعريراته دون لونه ... فرائصه من الموت ترعد\rوقال آخر :\rوكتيبةٍ لبستها بكتيبةٍ ... حتّى إذا التبست نفضت لها يدى\rفتركتهم تقص الرّماح ظهورهم ... من بين منجدلٍ وآخر مسند\rما كان ينفعني مقال نسائهموقتلت دون رجالهملاتبعد\rوروينا أن مروان بن الحكم ، دعا أيمن بن خريم إلى القتال بمرج راهط ، فقال له : إن أبى وعمى شهداء بدر ، وعهدوا إلى ألا أقاتل مسلما ، ثم أنشأ يقول\rولست بقاتلٍ رجلاً يصّلى ... على سلطان آخر من قريش\rله سلطانه وعلى أثمي ... معاذ اللّه من سفه وطيش\rأأقتل مسلماً في غير جرمٍ ... فلست بنافعي ما عشت عيشى\rوقد روى أن هذه القصة جرت لأيمن بن خريم مع عبد الملك بن مروان.\rولأبى الغمر كاتب الحسن بن زيد أمير المدينة :\rلست غداة الكر بالكرّار ... ولا على الطّعان بالصّبّار\rهانت علىّ سبلات العار ... وما أبالي قبلوا اعتذاري\rأو وسموني سمة الغدّار ... أنا طليق الرّكض والفرار\rفديت نفسي منه بالإضمار ... فلو تراني أو ترى إحضاري\rلا أعرف اللّيل من النّهار ... لخلتني عجلان ذا انشمار\rطرفاً نجا من وخزة البيطار ... أحكم منه الصنّع في المضمار\rأو عدو عير غير ما عثار ... أو كنجاء النقنق الطّيّار\rقيل لأسلم بن زرعة : إن انهزمت من أصحاب مرداس غضب عليك الأمير عبيد اللّه بن زياد فقال : لأن يغضب علىّ وأنا حىّ ، أحب إلىّ من أن يرضى عنى وأنا ميت.\rوأسلم بن زرعة هذا هو القائل وقد عبأ جيشاً عظماً ليفزع به الخوارج ، فلما رآهم لم يفزعوا ، وجعلوا يقبلون إليه ، قال لهم : عزمتم خار اللّه لنا ولكم ثم ضرب وجوه أصحابه وانصرف عنهم ، ولما هزمه مرداس قال شاعرهم - وكانوا أربعين - وأسلم بن زرعة في ألفين :\rأألفا مؤمنٍ منكم زعمتم ... ويهزمهم رجالٌ أربعونا\rكذبتم ليس ذلكم كذا كم ... ولكنّ الخوارج مؤمنونا\rهم الفئة القليلة قد علمتم ... على الفئة الكثيرة ينصرونا\rوجه أبو جعفر المنصور ، روح بن حاتم إلى قتال بعض الخوارج ، فلقيه أبو دلامة ، فقال له روح : يا أبا دلامة! لو خرجت معنا في هذا الوجه ، فقاتلت فأبليت ، فذكرت بالشجاعة كما ذكرت بالشعر ، فضحك ، وقال : اسمع أبا خالد ، قال : هات ، فأنشأ يقول :\rآني أعوذ بروح أن يقربني ... إلى القتال فيشقى بي بنو أسد\rإن الدّنوّ من الأعتداء تعلمه ... مما يفرّق بين الروح والجسد\rقال : فضحك وأمر له بجائزة.\rوقال أبو الغمر :\rظلّت تشجعني ضلاّ بتضليل ... وللشّجاعة خطبٌ غير مجهول\rهل غير أن عذلوني أنني فشلٌ ... فكلّ هذا نعم فاغروا بتعذيلى\rالحرب تعقب من يصلى بها حزناً ... يتم البنين وإرمال المثاكيل\rواللّه ل أنّ جبريلاً تكفّل لي ... بالنّصر خفت على علمي بجبريل\rاللّه خلصني منهم وفلسفتي ... حتّى تخلصت مخضوب السّراويل\rوله أيضاً :\rلست بداء الحرب بوقاف ... ولا على القرن بعطّاف\rقد أمّن اللّه عدوّى فما ... يخاف رماحي وأسيافي\rإذا رأيت الحرب من فرسخٍ ... خذرفت رجلي آي خذراف\rباب الاعتذار\rروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : \" من اعتذر إليه أخوه المسلم فليقبل عذره ، مالم يعلم كذبه \" قال عمر بن الخطّاب : لا تلم أخاك على ما يكون العذر في مثله قال الأحنف : إيّاك وما يعتذر منه ، فإنّه قلمّا اعتذر أحدٌ فسلم من كذب قال الحسن بن علىّ رضى اللّه عنهما : لو أنّ رجلا شتمني في آذني هذه ، واعتذر إلى في أذني هذه لقبلت عذره.\rومن النظم في معناه :\rقيل لي قد أسا إليك فلانٌ ... وقعود الفتى على الضّيم عار","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"قلت : قد جاءنا فأحدث عذراً ... دية الذنب عندنا الآعتذار\rوقال الأحنف :إذا اعتذر إليك معتذر ،فلتلقه بالبشر.\rاعتذر إلى قتيبة بن مسلم رجل فقبل منه ،ثم قال :لا يدعونك أمرٌ قد تخلصت منه إلى الدخول فيما لعّلك لا تتخلص منه.\rقال صالح بن أبى النجم :\rولربّما جاء الفتى بد نيّةٍ ... ووراءها عذرٌ له لم يفهم\rوكان يقال :اعتذار بمنع خير من وعد ممطول وقال صالح بن عبد القدوس :\rيلومني النّاس فيما لو أخبّرهم ... بالعذر منى فيه لم يلوموني\rقال البحتري :\rاقبل معاذير من يأتيك معتذراً ... إن برّ عندك فيما قال أو فجرا\rفقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلك من يعضيك مستترا\rوله أيضاً :\rإذا محاسني اللاتي أدل بها ... عدّت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر ؟\rوقال محمود بن داود القياسي :\rالعذر يلحقه التخويف والكذب ... وليس في غير ما برضيك لي أرب\rفإن أسأت فبالنعمى التي سلفت ... لمّا منيت بعفو ماله سبب\rوقال أبو على البصير :\rلم أجن ذنبا فإن زعمت بأن ... جنيت ذنباً فغير معتمد\rقد تطرف الكف عين صاحبها ... فلا يرى قطعها من الرّشد\rوقال عاىّ بن الجهم :\rإنّ ذلّ السّؤال والإعتذار ... خطّةٌ صعبةٌ على الأحرار\rليس جهلاً بها تورّطها الحرّ ... ملكن سوابق الأقدار\rارض للسّائل الخضوع وللقا ... رف ذنباً مذلّة الإعتذار\rوقال آخر :\rوما كنت أخشى أن ترى لي زلّةٌ ... ولكن قضاء الله ما عنه مهرب\rإذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه ... وكلّ امرئ لا يقبل العذر مذنب\rكان يقال :من وفّق لحسن الاعتذار خرج من الذنب.\rاعتذر رجلٌ إلى أبى عبيد الله الوزير الكاتب ،فأساء الاعتذار ،فقال أبو عبيد الله : ما رأيت اعتذاراً أشبه باستئناف ذنب من هذا.\rوللشافعي رضى الله عنه ، وقد قيل :أنما تمثّل بها :\rيالهف نفسي على مال أفرّقه ... على المقلّين من أهل المروءات\rإن اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما ليس عندي من إحدى المصيبات\rومما ينشد للفراء من قوله :\rأردت لكيما لا ترى لي عثرةٌ ... ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل\rوقال محمود الوراق :\rأراني إذا ما زدت مالاً ورفعةً ... وخيراً إلى خيرٍ تزيّدت في الشّرّ\rفكيف بشكر اللّه إذ كنت إنما ... أقوم مقام الشكر للّه بالكفر\rبآي اعتذار أم بأية حجةٍ ... يقول الذي يدرى من الأمر : ما أدرى\rإذا كان وجه العذر ليس بواضحٍ ... فإنّ اطّراح العذر خيرٌ من العذر\rقال أبو الصولى ، أخبرنى أبو بكر بن عبد اللّه ، قال : سألني أبو سليمان الشاشى حاجة فاعتذرت بشغل في تأخيرها ، فكتب إلىّ :\rسكنت نفسي لمّا ال ... تف حبلى بحبالك\rإنما أطلب من جا ... هك نفعاً لا بمالك\rلا تصيّر شغلك اليو ... م اعتذاراً لطلابك\rلو تفرغت من الشغ ... ل استوينا في المسالك\rوهذا عندي مأخوذ من قول أبى العتاهية :\rليس ذا الشغل عاذرٌ لك عندي ... إنّما ترتجى إذا كان شغل\rوقال آخر :\rولا تعتذر بالشغل عنّا فإنّما ... تناط بك الآمال ما اتّصل الشّغل\rولا ترتفع عنّا بشئ وليته ... كما لم يصغرّ عندنا شأنك العزل\rوقال آخر :\rوقد علمت لو انّ العلم ينفعني ... أنّ انطلاقي إلأى الحجاّج تغرير\rلئن رحلت إلى الحجّاج معتذراً ... إنّي لأحمق من تجرى به العير\rوقال آخر :\rلا ترج توبة مذنب ... خلط احتجاجاً باعتذار\rوقال ابن الدّمينة :\rبنفسي ومالي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب\rولم يعتذر عذر البرئ ولم يزل ... به سكتةٌ حتّى يقال مريب\rوقال آخر :","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"فلا تعذراني في الإساءة إنّه ... شرار الرّجال من يسئ ويعذر\rوقال آخر :\rوما حسنٌ أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر النّاس عاذر\rوقال آخر :\rهي المقادير فلمنى أو فذر ... إن كنت أخطات فما أخطأ القدر\rوقال آخر :\rوعاجز الرأي مضياعٌ لفرصه ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا\rوقال آخر :\rإذا عيّروا قالوا مقادير قد جرت ... وما العار إلاّ ما تجرّ المقادر\rقال بعض الحكماء : إياك وما يسبق للقلوب إنكاره ، وإن كان عندك اعتذاره.\rقال محمود الوراق :\rأراني مع الأحياء وأكثري ... على الدهر ميتٌ قد تخونّه الدّهر\rفما لم يمت منّى لما مات ميّتٌ ... وبعض لبعض قبل قبر البلى قبر\rفيا ربّ قد أحسنت بدءاً وعودةً ... إلىّ فلم ينهض بإحسانك الشّكر\rفمن كان ذا عذر لديك وحجةٍ ... فعذري إقراري بأن ليس لي عذر\rوفي الأشعار في الأعتذار من الفرار قال الأصمعي : أحسن ما قيل في الأعتذار من الفرار ، قول الحارث بن هشام المخزومى :\rاللّه يعلم ما تركت قتالهم ... حتّى علوا مهرى بأشقر مزبد\rوعلمت أنّى إن أقاتل واحداً ... أقتل ولا يحزن عدوّى مشهدي\rفصدرت عنهم والأحبّة فيهم ... طمعاً لهم بعقاب يوم مفسد\rوقال خلف الأحمر : أحسن ما قيل في الأعتذار في الفرار ، قول هبيرة بن أبى وهب المخزومى :\rلعمرك ما وليت ظهري محمداً ... وأصحابه جبناً ولا خفية القتل\rولكنني قّلبت آمري فلم أجد ... لسيفي غناء إن ضربت ولا نبلى\rوقفت فلما خفت ضيعة موقفي ... رجعت لعود كالهزبر أبى الشّبل\rفر ابن مطيع يوم الحرّة ، وسار إلى ابن الزبير ، فلما قوتل ابن الزبير ، جعل يجتهد معه في القتال ، ويقول :\rأنا الذي فررت يوم الحرّة ... والحرّ لا يفرّ إلا مرّة\rفاليوم أجزى فرّة بكرّه ... يا حبّذا الكرّة بعد الفرّه\rوقال أوس بن حجر :\rأتونا فردوا حافتينا بزاعقٍ ... من الضّرب ضرم النّار في الحطب اليبس\rوما بفرار اليوم عارٌ على الفتى ... إذا عرفت منه الشّجاعة بالأمس\rقال الأحنف بن قيس : أسرع النّاس إلى الفتنة ، أقلّهم حياء من الفرار وقال آخر :\rالعبد يذيب والمولى يقوّمه ... والعبد يجهل والمولى يعلّمه\rإنّي ندمت على ما كان من ذلل ... وزلّة المرء يمحوها تندّمه\rباب المواعيد\rأثنى اللّه عز وجل على إسماعيل عليه السّلام ، فقال : \" إنّه كان صادق الوعد \" ، وقال كعب : كان لا يعد أحداً إلا أنجزه ، وقال : انتظر رجلا وعده سنة كاملة.\rورى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم انتظر رجلاً وعده في موضع من طلوع الشمس إلى غروبها.\rوروى عنه عليه السلام : أنه انتظره ثلاثاً ، والمنتظر عبد اللّه بن أبى الحمساء.\rوروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : \" من وعده اللّه على عمل ثواباً فهو منجز له ما وعده ، ومن أوعده على عمل عقاباً فإن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له \" \" ، وعن ابن عباس مثله.\rوقال المثنى بن حارثة لشيباني : لأن أموت عطشاً أحبّ إلى من أن أخلف موعداً.\rقال بعض الحكماء : وعد الكريم نقد ، ووعد اللئيم تسويف كان يحيى بن خالد يقول : المواعيد شباك الكرام يصيدون بها محامد الإخوان ، ألا تراهم يقولون : فلانٌ ينجز الوعد ، ويفي بالضمان ، ويصدق في المقال ، ولولا ما تقدم من حسن موقع الوعد ، لبطل حسن هذا المدح.\rوكان يحيى بن خالد ، يقول : إنّ الحاجة إذا لم يتقدمها وعدٌ تنتظر نجحه ، لم تتجاوب الأنفس سرورها ، فدع الحاجة تختمر بالوعد ، ليكون لها عند المصطنع حسن موقع ولطف محل.\rومن كلام يحيى بن خالد بن برمك أيضاً : \" لا \" الكريم أنجح من \" نعم \" الئيم ، لأنّ \" لا \" الكريم ، ربما كانت في وقت غضب ، وإبّان سآمة ، \" ونعم \" الئيم تصدر عن تصنع وفساد نيّة وقبح مآل.\rأنشد أبو عمرو بن العلاء :","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"ولا يرهب ابن العمّ ما عشت صولتى ... ويأمن منّى صولة المتهّد\rوإنّي وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\rوقال آخر :\rلسانك أحلى من جنى النّحل وعده ... وكفّاك بالمعروف أضيق من نعل\rتمنّى الذي يأتيك حتّى إذا انتهى ... إلى أملٍ ناولته طرف الحبل\rوقال زياد الأعجم :\rللّه درّك من فتى ... لو كنت تفعل ما تقول\rلا خير في كذب الجلوا ... دو حبّذا صدق البخيل\rوقال آخر :\rوإن جميع الآفات فالبخيل شرها ... وشر من البخل المواعيد والمطل\rقال ابن عيينة : وعد رجل ابن شبرمة عدة فمطله بها ، فكتب إليه ابن شبرمة :\rالخير أنفعه للناس أعجله ... وليس ينفع خيرٌ فيه تطويل\rومثل هذا قول سابق :\rوتأخير ما يرجى بلاء ٌمبرحٌ ... وأفضل ما يرجى من الخير عاجله\rوقال كعب بن زهير :\rكانت مواعيد عرقوبٍ لها مثلاً ... وما مواعيدها إلا الأباطيل\rوقال الأشجعى :\rوعدت وكان الخلف منك سجيّة ... مواعيد عرقوبٍ أخاه بيتربٍ\rقال ابن منبّه : هكذا قرأته على البصريين بيترب بالتاء ،وفتح الراء.\rقال ابن الكلبي ، عن أبيه : كان عرقوبٌ رجلا من العماليق ، فأتاه أخ له يسأله شيئاً ،فقال له عرقوب : إذا طلع نخلى فلما طلع أتاه فقال له : إذا بلح ، فلما بلح أتاه ، فقال :إذا زهى ،فلما زهى أتاه ،فقال :إذا أرطب ،فلما أرطب أتاه ، فقال : إذا ثمر ، فلمّا ثمر جذّه ليلا ، ولم يعطيه شيئاً ، فضربت به العرب المثل في خلف الوعد.\rوقال غيره : عرقوب جبل مكلّل بالسحاب أبداً ، ولايمطر شيئاً.\rوقال الحكماء : من خاف الكذب ، أقل المواعيد.\rوقالوا : أمران لا يسلمان من الكذب ، كثرة المواعيد ، وشدة الاعتذار.\rقال الأصمعي : سمعت أعرابيا يقول : أنا والله منه في مواعيد ، تهيض العظم ،وخلفٍ يذكر العدم ، ولكنه إذا وعد الحريص علق نفسه لديه وأتعب رجليه ، وأنشد :\rأمّلت منك نوالاً لست أدركه ... متى أقول الّذي أمّلت يأتينى\rأفي حياتي فأرجوه وينفعني ... أم في مماتي فإنّ الموت يغنيني\rوقال الشاعر :\rفلا تعد عدةً إلا وفيت بها ... ولا تكن مخلفاً يوماً تعد\rوأظن هذا من قول المثقب العبدي :\rلا تقولنّ إذا ما لم ترد ... أن يتمّ الوعد في شئٍ نعم\rوإذا قلت نعم فاصبر لها ... بنجاح الوعد إنّ الخلف ذم\rوروى لعمار الكلبي ، وأظن من شعره هذا :\rقم لوجه اللّه وكن ... صادق الوعد فمن يخلف يلم\rوقال آخر :\rإذا قلت في شئٍ نعم فأتمّه ... فإنّ نعم دين على الحرّ واجب\rوإلا فقل لا واسترح وأرح بها ... لئلا يقول النّاس إنّك كاذب\rوقال آخر :\rإنّ الكريم إذا حباك بموعدٍ ... أطاكه سلساً بغير مطال\rوقال عمر بن أبى ربيعة المخزومى :\rليت هنداً أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد\rواستبدّت مرّةً واحدةً ... إنّما العاجز من لا يستبد\rوقال آخر :\rتمنيت ما أرجوه من حسن وعدكم ... فكنت كمن يرجو منال الفراقد\rهبونى لم أستأهل العرف منكم ... أما كنتم أهلاً لصدق المواعد\rوقال عباس بن الأحنف :\rما ضرّ من قطع الرّجاء ببخله ... لو كان عللنى بوعد كاذب\rوقال آخر :\rإن لم يكن وصل لديك لما ... يشفي الصبّابة فليكن وعد\rوقال آخر :\rفإن تدعى نجداً أدعه ومن به ... وإن تسكني نجداً فيا حبّذا نجد\rوإن كان يوم الوعد يوم لقائنا ... فلا تعذليني أن أقول متى الوعد\rوقال محمد بن مناذر :\rأنل المال ولا تبخل به ... فإذا اعسرت بالمال فعد\rلا تعد شراً وعد خيراً ولا ... تخلف الوعد وأنجز ما\rباب عيونٍ من المدح","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : \" أرحم أمتي بأمّتي أبو بكر ، وأقواهم على دين اللّه عمرُ ، وأصدقهم حياء عثمان ، وأقضاهم علىّ بن أبي طالب ، وأقرأهم أبىّ ابن كسب ، وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وما أظلت الخضراء ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجةٍ أصدق من أبى ذرّ ولكل أمة أمين ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح \" .\rمدح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الأنصار ، فقال : \" إنكم لتقلّون عند الطّمع ، وتكثرون عند الفزع \" .\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : \" خير دور الأنصار دور بنى عبد الأشهل ، وفي كل دور الأنصار خيرٌ \" .\rوقال عليه السلام : \" إن اللّه اختارني ، واختار لي أصحاباً وأنصاراً ، وجعل لي منهم مزراء وأصهاراً \" .\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : \" خير نساء ركبن الإبل نساء قريش ، أحناهنّ على ولد في صغره ، وأرعاهن لبعلٍ في ذات يده \" .\rذكر أبو بكر الصديق عند ابن عباس ، فقال : كان واللّه بالمسلم حفيا ، وعلى الكافر قسيا ، وعن اللذة سليا ، يتواضع حيث لا توهن نصرته ، ويعلو حين لا تخاف سطوته ، القرآن قائده ، الموت إمامه ، لأن الأمر بين عينيه ، وعاقبته بين يديه ، رحمه اللّه وأحسن عنا مجازاته.\rذكر ابن عباس أبا بكر رضى الله عنهما ،فقال :كان ثاني اثنين إذهما فى الغار ، وثاني اثنين في العريش ،وثاني اثنين في القبر.\rقال الشّعبيّ : لما مات على بن أبي طالب رضى اللّه عنه ، قام ابنه الحسن على قبره ، فحمد اللّه وأثنى عليه وصلى على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، واستغفر اللّه لآيه ، ثم قال : نعم أخو الإسلام كنت يا أبي ، جواداً بالخلق ، بخيلا بالباطل عن جميع الخلق ، تغضب حين الغضب ، وترضى حين الرّضا ، عفيف النظر ، غضيض الطّرف ، لم تكن مداحاً ولا ستاماً ، تجود بنفسك في المواطن التي تبخل بها الرجال ، صبوراً على الضّراء ، مشاركاً في النّعماء ، ولذلك ثقلت على أكتاف قريش.\rذكر على بن أبي طالب عند ابن عباس رضى اللّه عنهما ، فقال : كان واللّه يسكنه الحلم ، وينطقه العلم.\rذكر علي بن أبي طالب عند صعصعة بن صوحان العبدىّ ، فقال : هو باللّه عليم ، واللّه في عينيه عظيم.\rقال معاوية لضرار الصّدائي : صف لي علياً. قال : اعفني يا أمير المؤمنين. قال : لتصفنّه. قال : أما إذ لا بد من صفته ، فكان واللّه بعيدة المدى ، شديدة القوى ، يقول فصلاً ، ويحكم عدلاً ، يتفجرّ العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة عن نواحيه ،يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل ووحشته ، وكان واللّه غزير العبرة ،طويل الفكرة ، يقلب كفه ويحاسب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما خشن ، يعظم أهل الدين ، ويقرب المساكين ، لا يطمع القوى في باطله ، ولا ييأس اللضعيف من عدله ، كان فينا كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه ، وينبئنا إذا استنبأناه ، ونحن واللّه مع تقريبه إيانا ، وقربه منا لا نكاد نكلمه لهيبته ، ولا نبتدئه لعظمته ، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، وقد تمثل في محرابه قابضاً على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكى بكاء الحزين ، يقول : يا دينا! غرّى غيري ، إلىّ تعرضت ؟ أم إلىّ تشوقت ؟ هيهات هيهات ، فد باينتك ثلاثاً لا رجعة لى فيها ، فعمرك قصير ، وخطرك قليل ، آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.\rفبكى معاوية ، وقال : رحم اللّه أبا حسن ، كان واللّه كذلك ، فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟ قال حزن من ذبح واحدها في حجرها.\rسئل عبد اللّه بن عباس عن علىّ بن أبى طالب ، فقال : ما شئت من ضرس قاطع في العلم بكتاب اللّه ، والفقه في سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكانت له مصاهرة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والتبطن في العشيرة ، والنجدة في الحرب ، والبذل للماعون.\rنظر علىّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه ، إلى زيد بن صوخان مقتولا ، فقال : واللّه لقد كنت ما علمت : عظيم المعونة ، خفيف المؤونة.\rوقف علىّ على قبر طلحة بن عبيد اللّه رضى اللّه عنهما ، فقال :\rوما تدرى إذا أزمعت أمراً ... بآي الأرض يدركك المقيل\rثم قال :\rفتى كان يدنبه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"وقال أبو خراش في الذي ألقى على أبيه رداءه\rولم أدر من ألقى عليه رداءه ... ولكنه قد سلّ عن ماجد محض\rولأعرابي في يحيى بن خالد :\rسألت النّدى هل انت حمٌّ فقال لا ... ولكنني عبدٌ ليحيي بن خالد\rفقلت شراءً قال لا بل وراثةً ... توارثها عن والدٍ بعد والد\rوقال آخر :\rإنّ للنّاس غايةً في المعالي ... وقفوا عندها وأنت تزيد\rقد تناهيت في الكلام والمج ... د وحزت العلى فأين تريد\rولحبيب ويروي لإسحاق الموصلى :\rإن يكن شئٌ جميلٌ حسنٌ ... فهو في دور عبد الملك\rعقدت ألسنتهم عن قول لا ... فهي لا تحسن إلاّ هو لك\rومن عيون ما قيل في المدح نظماً ، قول حسان بن ثابت في بني جفنة :\rيغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل\rبيض الوجوه أغفةٌ أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطراز الأول\rقال جبلة بن الأيهم لحسان بن ثابت : أين أنا من النعمان ؟ فقال : واللّه لشمالك أندى من يمينه ، وقفاك أحسن من وجهه ، ولأمك أكرم من أبيه.\rوقول الأعرابي في عمر بن عبد العزيز كأنه مأخوذ من قول حسان هذا ، وذلك قوله حين دخل عليه ، وهو خليفة ، فقال :\rوأنت الذي كلتا يديك مفيدةٌ ... شمالك خيرٌ من يمين سواكبا\rبلغت مدى الجارين قبلك إذ جروا ... ولم يبلغ الجارون بعد مداكما\rفجدّاك لا جدّين أكرم منهما ... هناك تناهى المجد ثم هناكا\rوقال لقيط بن زرارة :\rوإني من القوم الذين عرفتهم ... إذا مات منهم سيّدٌ قام صاحبه\rنجوم سماء كلّما غار كوكبٌ ... بدا كوكبٌ تأوى إليه كواكبه\rأضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى اللّيل حتّى نظّم الجزع ثاقبه\rوقال ظفيل الغنوىّ :\rنجوم ظلام كلّما غاب كوكب ... بدا ساطعاً في حندس اللّيل كوكب\rوقال آخر :\rدرارى نجومٍ كلّما انقضّ كوكبٌ ... بدا كوكبٌ ترفضّ عنه الكواكب\rوقال المريمي يمدح بنى خريم من آل شيبان بن حارثة :\rبقيّة أقوامٍ من العزّ لو خبت ... لظلّت معدٌّ في العلا تتسكّع\rإذا قمرٌ منها تغوّر أو كبا ... بدا قمرٌ في جانب الأفق يلمع\rومدح بعض بنى عمرو إخوته فقال :\rخبّر ثناء بنى عمرٍو فإنّهم ... أولو فضول وأنفالٍ وأخطار\rإن يسألوا الخير يعطوه وإن جهدوا ... فالجهد يخرج منهم طيب أخبار\rهينون لينون أيسارٌ بنو يسرٍ ... سوّاس مكرمة أبناءٌ إيسار\rمن تاق منهم فقد لاقيت سيّدهم ... مثل النجوم التي يهدى بها السّارى\rلا ينطقون عن العمياء إن نطقوا ... ولا يمارون إن ماروا بإكثار\rوقد قيل :إن هذا الشعر لبعض بنى كلاب يمدح بعض بنى غنىّ ،وكان أبو عبيدة ينكر هذا ،ويقول :محال يمدح كلابي غنوياً قالت الخنساء :\rأشمّ أبلج يأتمّ الهداة به ... كأنّه علمٌ في رأسه نار\rوقال آخر :\rإذا قيل أىّ فتًى تعلمون ... أهشّ إلى الطّعن بالذّابل\rوأضرب للقرن في مفرقٍ ... وأطعم في الزّمن الماحل\rأشارت إليك أكفّ الورى ... إشارة غرقى إلى ساحل\rومن أحسن ما قيل في المدح أيضاً في النظم ،قول أبى الجهم العدوى في معاوية رضى اللهّ عنه :\rتقلّبه لتخبر حالتيه ... فتخبر منهما كرماً ولينا\rنميل على جوانبه كأنّا ... نميل إذا نميل على أبينا\rوفى هذا الشأن قول زهير في هرم بن سنان :\rإن تلق يوماً على علاته هرماً ... تلق السّماحة منه والنّدى خلقا\rأغرّ أبيض فيّاض يفكّك عن ... أيدي العقاة وعن أعناقها الرّبعا\rوقوله أيضاً :\rأخو ثقة لا تذهب الخمر ماله ... ولكنّه قد يذهب المال نائله\rتراه إذا ما جئته متهلّلاً ... كأنّك تعطيه الذي أنت سائله\rوقوله أيضاً :","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"على مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلّين السّماحة والبذل\rوقول جرير :\rألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح\rوقول القاسم بن أمية بن أبى الصلت الثقفى :\rقومٌ إذا نزل الغريب بدارهم ... ردّوه ربّ صواهل وقيان\rوإذا دعوتهم ليوم كريهةٍ ... سدّوا شعاع الشّمس بالفرسان\rلا ينقرون الأرض عند سوالهم ... لنطلب العلاّت بالعيدان\rبل يبسطون وجوههم فترى لهم ... عند اللّقاء كأحسن الألوان\rوالجيّد من النظم لا يحصى كثرة ،وحسبنا أن نأتي منه بما يقرب حفظه للمذاكرة ، ويقوم ببهاء مورده في المجالسة.\rقال عمر وبن أمية الضّمرىّ للنجاشى ،حين وجهّه إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :أيها الملك!كأنك في الرّأفة علينا منّا ،لم نرجك قطّ لأمر إلا نلناه ،ولم نخفك قطّ على أمر إلا أمنّاه.\rووقف حيّان بن مالك بن جعفر على قبر عامر بن الطّفيل ،فقال :كان واللّه لا يضل حتى يضل النّجم ،ولا يعطش حتى يعطش البعير ،ولا يهاب حتى يهاب السيل.\rمدح أعرابىٌّ رجلا فقال :كان يغنى في طلب المكارم غير ضال في مصالح طريقها ولا متشاغل عنها بغيرها.\rوذكر أعرابي جلد أخيه ،فقال :ما بعثته في سوادٍ إلاّ جلاّه ومحاه ،ولا في بياض إلا أزكاه وأضاءه.\rوصف أبو مهديةّ الأعرابي قوماً ،فقال :أدبتهم الحكمة ،وأحكمتهم التجربة ،ولم تغررهم السلامة المنطوية على الهلكة ،ورحل عنهم التسويف الذى قطع الناس به مسافة آجالهم ،فذلت ألسنتهم بالوعد ،وأنبسطت أيديهم بالإنجاز ،فأحسنوا المقال وشفعوه بالفعال.\rومدح أعرابي رجلا فقال :كالمسك إن تركته عبق ،وإن خبّأته عبق.\rقال محمد بن زياد الحارثي :\rتخالهم للحلم صماً عن الخنا ... وخرساً عن الفحشاء عند التّفاخر\rومرضى إذا لاقوا حياءً وعفّةً ... وعند الحفاظ كاللّيوث الكواسر\rلهم ذلّ إنصافٍ ولين تواضعٍ ... بهم ولهم ذلّت رقاب العشائر\rكأنّ بهم وصماً يخافون عاره ... وما وصمهم إلا اتقّاء المعاير\rوقال آخر :\rلو قيل لا بن محمّد : ياذا النّدى ... قل لا ، وأنت مخلدٌ ما قالها\rإنّ المكارم لم تزل معقولة ... حتّى حللت براحتيك عقالها\rمدح أعرابي رجلاً ، فقال : كان إذا خرست الألسن عن الرأي حذق بالصواب كما يحذق الأريب.\rأثنى عمرو بن زياد العتكىّ على الحجاج بن يوسف عند عبد الملك بن مروان فقال : يا أمير المؤمنين! هو سيفك الذي لاينبو ، وسهمك الذي لا يطيش ، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم. وكان الحجاج يقصيه فلما قال ذلك أدناه.\rقال ابن شهاب : قال لي سعيد بن المسيب : ما مات من ترك مثلك.\rومن أحسن ما قيل في المدح نظماً ، وإن كان الحسن منه كثيراًَ جداً ، ما ذكره أو لي البندادي رواية عن شيخوخه : أن علىّ بن الحسين بن على بن أبي طالب رآه هشام بن عبد الملك وهو خليفة في حجة حجها ، وعلى يطوف بالبيت والناس يفرجون له عند الحجر تعظيما له ، وينظرون إليه مبجلين له ، فغاظ ذلك هشاماً ، فقال : من هذا ؟ كأنه لم يعرفه ، فقال الفرزدق منكراً لقول هشام ، ومادحاً لعلى بن حسين :\rهذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... بالبيت يعرفه والحلّ والحرم\rهذا ابن خير عباد اللّه كلّهم ... هذا التّقّى النّقّي الطّاهر العلم\rإذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتمي الكرم\rينمى إلى ذروة العزّ التي قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم\rيكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم\rيغضى حياءً ويغضى من مهابته ... فلا يكلم إلا حين يبتسم\rبكفه خيزران ريحها عبقٌ ... من كف أروع في عرنينه شمم\rمشتقّةٌ من رسول اللّه نبعته ... طابت عناصره والخيم والشيم\rينجاب ثوب الدجى عن نور غرّته ... كالشمس ينجاب عن إشراقها الظّلم","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"حمال أثقال أقوام إذا قرحوا ... حلو الشّمائل تحلو عنده نعم\rهذا ابن فاطمه إن كنت جاهله ... بجده أنبياء اللّه قد ختموا\rفليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم\rاللّه فضّله قدماً وشرّفه ... جرى بذاك له في لوحة القلم\rمن جدّه دان فضل الأنبياءٍ له ... وفضل أمته دانت له الأمم\rسهل الخليفة لا تخشى بوادره ... تزينه خلتان الحلم والكرم\rمصدّق الوعد ميمون نقيبته ... رحب الفناء أريبٌ حين يعتزم\rأىّ القبائل ليست في رقابهم ... لأوّلية هذا أو له نعم\rمن يعرف اللّه يعرف أولية ذا ... فالدّين من بيت هذا ناله الأمم\rوفيها أبيات لم أذكرها لأني أظنها مضافة مفتعلة ،وقد أنشد بعض هذا الشعر حبيب في الحماسة للحر بن عبد اللّه الليثى في على بن الحسين بن على بن أبى طالب.\rهذا وذكر الفاكهى في أخبار مكة ،وقال :حدثنى أبو سعيد عبد اللّه بن شبيب ، قال حدثني ابن عائشة ،قال :أخبرني أبى ،قال :دخل الفرزدق مكة ،فإذا هو بعلىّ بن عبيد اللّه بن جعفر يطوف بالكعبة في حلّةٍ وهو محرم ،فقال :ويحكم يا معشر أهل مكة ،من هذا الرجل الذي يطوف بالبيت ،فو اللّه ما رأيت أحسن من وجهه ، ولا من حلّته ،فقالوا :هذا على بن عبيد اللّه بن جعفر بن أبى طالب ،ولفاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأنشأ يقول هذه الأبيات التي ينشدها الناس.\rهذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم\rفذكر هذه الأبيات ولم يتمهّا ،قال الفاكهىّ :ويقال إن الرجل الذي قال فيه الفرزدق هذا هو محمد بن علىّ بن حسين ،قال :وحدثني أبو سعيد ،قال :حدثني الزبير ،قال :قيل هذا الشعر فى قثم بن العباس ،قاله : بعض شعراء أهل المدينة ، وزاد في الشعر بيتين أو ثلاث منها قوله :\r؟كم صارخٍ بك مكروبٍ وصارخةٍ ... يدعوك يا قثم الخيرات يا قثم\rوأما قوله في الخبر الأول : ولفاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فإن علىّ بن عبد اللّه أمه زينب علىّ بن أبي طالب ، وأمّها فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقول من قال : إن هذا الشّعر قيل في علىّ بن عبيد اللّه بن جعفر ، أو في محمد بن علي بن حسين أصح عندي من قول من قال : إنه في علىّ بن حسين ، لأن على بن حسين توفي سنة ثلاث أو أربع وتسعين ، وهشام بن عبد الملك إنما ولى الخلافة سنة خمس ومائة ، وعاش خليفةً عشرين سنة ، وجائز أن يكون الشعر للحر بن عبد اللّه في محمد بن علي بن حسين ، وممكن أن يكون للفرزدق في محمد ابن علي بن حسين بن أبي جعفر - وإن كان له في أبيه علي بن حسين - فلم يكن هشام يومئذ خليفةً كما قال أبو علي في روايته ، وأما قول الزبير : إنه قيل في قثم ابن عباس ، فليس بشئ ، وإنما ذاك شعر قيل في قثم على قافية هذا الشعر وعروضه ليس هو هذا.\rقال عبدة بن الطبيب في قيس بن عاصم المنقرى : ؟؟عليك سلام اللّه قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترّحما\rتحيّة من أوليته منك نعمةً ... إذا زار عن شحط مزارك سلماً\rفما كان قيسٌ هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قومٍ تهدّماً\rوقال آخر :\rكريمٌ يغضّ الطّرف فضل حيائه ... ويدنو وأطراف الرّماح دوان\rوكالسيف إن لاينته لان متنه ... وحداه إن خاشنته خشنان\rوللخريمي :\rيلام أبو الفضل في جوده ... وهل يقدر البحر ألا يفيضا\rوقال أبو جعفر محمد بن مناذر :\rأتانا بنو الأملاك من آل برمك ... فيا طيب أخبار ويا حسن منظر\rلهم رحلةٌ في كلّ عام إلى العدى ... وأخرى إلى البيت الحرام المستّر\rإذا نزلوا بطحاء مكّة أشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر\rفتظلم بغدادٌ ويجلو لنا الدّجى ... بمكّة ما حجوا ثلاثة أقمر\rفما خلقت إلا لجود أكفهم ... وأقدامهم إلاّ لأعواد منير\rإذا راض يحيى الأمر ذات صعابه ... وناهيك من راع له ومدبّر","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"ترى النّاس إجلالاً لهم وكأنّهم ... غرانيق ماءٍ تحت باز مصرصر\rوقال آخر :\rإذا سألت الناس أين المكروه ... والعزّ والجرثومة المقدّمه\rوأين فاروق الأمور المحكمه ... تتابع النّاس على ابن شبرمه\rوقال آخر :\rما لقينا من جود فضل بن يحيى ... صيّر النّاس كلّهم شعراء\rأنشد الأصمعى : ؟كلّ يومٍ كأنّه يوم أضحى عند عبد العزيز أو يوم فطر وهذا عبد العزيز بن مروان بن الحكم ، وله يقول نصيب :\rلعبد العزيز على قومه ... وغيرهم نعمٌ غامره\rفبابك ألين أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره\rوكلبك آنس بالمعتفين ... من الأمّ بالأبنة الزّائره\rوكفك حين ترى السّائلي ... ن أندى من اللّيلة الماطره\rفمنك العطاء ومنّى الثناء ... بكلّ محبّرةٍ سائره\rوذكر رجل عند الحسن ، فقال : كان له خشوع الصابرين وبهاء الملوك.\rومن المدح :\rله خلقان لم يدعا ... له مالاً ولا نشبا\rسخاءٌ ليس يملكه ... وحلمٌ يملك الغضبا\rوقال آخر : ؟فل كنت يوماً كنت يوم سعادةٍ ترى شمسه والمزن تهضب بالقطر\rولو كنت ليلاً صيّبٍ ... من المشرقات البيض في وسط الشهر\rوقال آخر :\rبديهته وفكرته سواءٌ ... إذا ما نابه الحدث الكبير\rوأحزم ما يكون الدّهر رأياً ... إذا عمى المشاور والمشير\rوصدرٌ فيه للهمّ اتساعٌ ... إذا ضاقت عن الهمّ الصدّور\rوقال حمزة بن بيض في مخلد بن يزيد بن المهلب :\rبلغت لعشرٍ مضت من سنيّ ... ك ما يبلغ السّيد الأشيب\rنهمّك فيها جسيم الأمور ... وهم لدارتك أن يلعبوا\rوقال ذو الرمة :\rعطاء فتى بنى وبنى أبوه ... فأعرض في المكارم واستطالا\rقال أبو اليقظان : ولىّ الحجاج محمد بن القاسم بن محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي ، قتال الأكراد فأبادهم ، ثم ولاه السند والهند ، وقاد الجيوش وهو ابن سبع عشرة سنة ، فقال فيه الشاعر :\rإن السّماحة والمروءة والنّدى ... لمحمد بن القاسم بن محمّد\rقاد الجيوش لسبع عشرة حجّةً ... يا قرب سورة سؤدد من مولد\rقال أبو اليقظان : وهو الذي جعل شيراز معسكرا ومنزلا لولاة فارس.\rقال الحطيئة :\rأولئك قومٌإن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا\rأقلوا عليهم لا أباً لأبيكم ... من اللّوم أوسدوا المكان الذي سدوا\rوقال أبو الغول الطّهوىّ يمدح قومه :\rفدت نفسي وما ملكت يميني ... فوارس صدّقوا فيهم ظنوني\rمعاشر لا يملوز المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الزبون\rولا يجزون من حسنٍ بشرّ ... ولا يجزون من غلظ بلين\rولا تبلى بسالتهم وإن هم ... صلوا بالحرب حينا بعد حين\rهم منعوا حمى الوقبى بضربٍ ... يؤلف بين أشتات المنون\rفنكب عنهم ظلم الأعادي ... وداووا بالجنون من الجنون\rوقال آخر\rبديهته مثل تدبيره ... متى رمته فهو مستجمع\rوفي كفه للغنى مطلبٌ ... وللسّرّ في صدره موضع\rوباب المديح أوسع الأبواب ، لا يحيط به كتاب ، والاختصار أولى بنا فيه على ما شرطنا من الإكثار.\rقال عبد اللّه بن مسعود : لا تعجلن بمدح أحد ولا بذمه ، فإنه رب من يسرك اليوم يسوءك غدا.\rقال النّجاشى الشاعر ، واسمه قيس بن عمرو الحارثي ، من بني الحارث ابن كعب.\rإنّي امرؤٌ ما أثنى على أحد ... حتّى أرى بعض ما يأتى وما يذر\rلا تحمدن امرءًا حتّى تجرّبه ... ولا تذمّنّ من لم تبله الخبر\rقال عليّ بن حسين : إذا قال فيك رجلٌ مالا يعلم من الخير ، أوشك أن يقول فيك ما يعلم من الشّر.\rباب عيون من الذّمّ","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"قالت عائشة رضى اللّه عنها :استأذن رجلٌ على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ،وأنا معه في البيت :فقال : \" ائذنوا له فبئس ابن العشيرة ،أو قال :بئس أخو العشيرة ،ثم قال :إنّ من شرار النّاس من اتقّاه الناس لشرهّ ،أو تركه الناس لشره \" .هذا حديث ابن عيينة ،عن المنكدر ،عن عروة ،عن عائشة ،وليس بلفظ حديث مالك المرسل.\rقال الحسن :ذمّ الرجل نفسه في العلانيه مدحٌ لها في السرّ.\rكان يقال :من أظهر عيب نفسه فقد زكّاها.\rذمّ بعض البلغاء رجلا ،فقال :ما الحمام على الإصرار ، والدّين على الإقتار ، وشدة السّقم في الأسفار ،بآلم من فلان.\rقيل لأعرابىّ :ما تنقم من أميرك ؟قال :يقضى بالعشوة ،ويأكل الرّشوة ،ويطيل النّشوة.\rقال ثعلب :النّشوة بالفتح :السّكر ،والنّشوة بالكسر :الريح.\rذمّ رجلٌ رجلا ،فقال :كان واللّه سيىّ الرّوية ، قليل التقية ،شديد السعاية ،ضعيف النكاية.\rذم خالد بن صفوان شبيب بن شيبة ،فقال :أنت واللّه ممن إذا سأل ألحف ،إذا سئل سوّف ، وإذا حدّث حلف ،وإذا وعد أخلف ،تنظر نظر حسود ،وتعرض إعراض حقود.\rقال حسان بن ثابت : ؟أبوك أبوك وأنت ابنه فبئس البنىّ وبئس الأب\rوأمّك سوداء نوبيّةٌ ... كأنّ أناملها العنظب\rيبيت أبوك بها معرساً ... كما ساور المهرة الثعلب\rوقال أعرابىٌّ : ؟أكثر ما يأني على فيه الكذب وإنّما الشّاعر مجنون كلب\rحيّاكم اللّه فإنىّ منقلب\rمر سفيان الثّورىّ رضى اللّه عنه ،بقوم في السوق ،أو غيرها ، فقال لمن معه أما ترون النعمة عند غير أهلها ،كأنها مسخوط عليها ،أخذه الشاعر فقال : ؟يا حجة اللذه في الأرزاق والنّعم يا محنة لذوى الأخطار والهمم\rما نراك أصبحت في نعماء ظاهرةٍ ... إلاّ وربّك غضبانٌ على النّعم\rقال بعض البلغاء :كفانى سقوط فلان إسقاكه.\rذم رجل رجلا فقال :ذلك أعيا ما يكون عند جلسائه ،ابلغ ما يكون عند نفسه.\rلعمر بن سليمان البجلى ،في إسماعيل بن عبد اللّه أخى خالد بن عبد اللّه القسرى : ؟لو كنت ماء كنت ماء آسناً أو كنت مرعى لم يردك الورّد\rأو كنت من شجرٍ لكنت إلاءةً ... أو كنت من ورقٍ نفاك النّاقد\rقال الحرمازىّ : ؟قبّحتم آل فقيمٍ عدداً لو كنتم قولاً لكنتم فندا\rأو كنتم ماء لكنتم زبداً ... أو كنتم شيئاً لكنتم نقدا\rأو كنتم لحماً لكنتم غدداً\rالنّقد :المعز ،وفى المثل :لهو أدل من النّقد.\rقال أبو عثمان العروضى :\rلو كان حرفاً كان لا معنى له ... أو كان ظرفاً لم يكن إلاّ متى\rوقال آخر : ؟لو كنت ماء كنت غير عذب أو كنت سيفاً كنت غير غضب\rأو كنت لحماً كنت لحم كلب ... أو كنت عيراً كنت غير ندب\rوقال آخر : ؟لو كنت برداً كنت زمهريرا أو كنت ريحاً كانت الدّبورا\rأو كنت غيما لم تكن مطيرا ... أو كنت ماءً لم تكن طهورا\rأو كنت مخّا كنت مخّاريرا\rومما أنشده ثعلب : ؟للّه درّك أيّما رجلٍ يبنى أبوك وشأنك الهدم\rلو كنت تصعد في السماء كما ... تنحط قصّر دونك النجم\rمر عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه ،بقوم يتبعون رجلا أخذ في ريبة ،فقال :لا مرحباً بهذه الوجوه التي لا ترى إلا في الشر.\rقال القطامي :\rألا إنما نيران قيس إذا اشتووا ... لطارق ليلٍ مثل نار الحباحب\rيقال : نار الحباحب ، ونار أبي الحباحب ، لكل نارٍ تراها العين ولا حقيقة لها قال دريد بن الصمّة :\rياآل سفيان ما بالى وبالكم ... أنتم كثير وفي الأحلام عصفور\rوخير من هذا ، قول حسان بن ثابت يذم قوماً :\rلاعيب في القوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير\rوقال آخر :\rقبحت مناظرهم فحين خبرتهم ... حسنت مناظرهم لقبح المختبر\rوقال آخر :\rله صورة تعمى العيون سماجة ... وإن تختبر يوماً فأقبح مخبر\rوقال محمد بن مناذر ،في خالد بن طليق قاضى البصرة : جعل الحاكم يا للناس من آل طليق\rحاكمٌ يحكم في النا ... س بحكم الجاثليق\rيدع الحقّ ويهوى ... في ثنّيات الطريق","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"أىّ قاضٍ أنت للنق ... ص وتعطيل الحقوق\rيا أبا الهيثم ما أن ... ت لهذا بخليق\r\" لا ولا أنت بما حملت منه بمطيق\rحبله حبل غرورٍ ... عقده غير وثيق\rوله فيه أيضاً : ؟قل لأمير المؤمنين الذي في هاشم سرّها والّلباب\rإن كنت للسّخطة عاقبتنا ... بخالدٍ فهو أشدّ العقاب\rأصمّ أعمى عن طريق الهدى ... وقد ضرب النّوك عليه الحجاب\rكان قضاء الله فيما مضى ... من رحمة الله وهذا عذاب\rيا عجباً من خالدٍ كيف لا ... يخطئ فينا مرّةً بالصّواب\rقال أبو العتاهية : ؟وليس بحاكم من لا يبالى أأخطأ في الحكومة أم أصابا وقال آخر : ؟؟؟؟؟؟؟؟فإن تصبك من الأيّام داهيةٌ لم نبك منك على دنيا ولا دين وقال آخر : ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟إذا ما لقيت بنى عامر لقيت جفاءً ونوكاً كثيراً\rنعامٌ تجود بأعناقها ... ويمنعها نوكها أن تطيرا\rوقال آخر : ؟وإنّك إن حللت بدار قومٍ رحلت بخزيةٍ وتركت عارا وقال آخر :\rخنازير ناموا عن المكرمات ... فنبّههم قدر لم ينم\rفيا قبحكم في الّذي خوَّلوا ... ويا حسنهم في زوال النّعم\rوقال آخر :\rفخير منك مالا خير فيه ... وخير من زيارتك القعود\rوقال آخر : ؟وما ينفع الأصل من هاشمٍ إذا كانت النّفس من باهله وقال آخر :\rكأنَّ ريحهم من قبح فعلهم ... ريح الكلاب إذا ما مسّها المطر\rوقال خلف الأحمر :\rإذا انتسبوا ففرعٌ من قريشٍ ... ولكنّ الفعال فعال عكل\rوقال أبو على البصير :\rلعمر أبيك ما نسب المعلّى ... إلى كرم وفي الدّنيا كريم\rولكنّ البلاد إذا اقشعرّت ... وصّح نبتها رعى الهشيم\rوللحطيئة في أمة ، لا عفا اللّه عنه :\rتنحّى فاقعدى منّى بعيداً ... أراح اللّه منك العالمينا\rألم أوضح لك البغضاء منّى ... ولكن لا إخالك تعقلينا\rأغربا لاً إذا استودعت سراً ... وكانوناً على المتحّدثينا\rجزاك اللّه شراً من عجوزٍ ... ولقّاك العقوق من البنينا\rوللفقيه أبى عمر بن عبد البر :\rواصلت في شرب الشّمول سفاهةً ... حتّى غدوت كأنّ أنفك دمّل\rقال أعرابيّ : أتيت بغداد فإذا ثياب أجواد على ألأم أجساد ، إقبال حظّهم إدبار حظوظ الكرام ، شجرٌ فروعه عند أصوله ، شغلهم عن المعروف رغبتهم في المنكر.\rقال أبو العتاهية :\rأذمّ بغداد والمقام بها ... من بعد ما خبرةٍ وتجريب\rما عند أملاكها لمر تغبٍ ... رفدٌ ولا فرجةٌ لمكروب\rخلّوا سبيل العلا لغيرهم ... ونازعوا في الفسوق والحوب\rيحتاج راجي النّوال عندهم ... إلى ثلاث من غير تكذيب\rكنوز قاروق أن تكون له ... وعمر نوحٍ وصبر أيوب\rوقال آخر :\rأما لو أنّ جهلك كان علماً ... إذا لنفذت في علم الغيوب\rومالك في الغريب يدٌ ولكن ... تعاطيك الغريب من الغريب\rوقال الناشئ :\rلو كما تجهل تدري ... كنت للّه رسولا\rوقال حماد بن الزبرقان في حمّاد عجرد :\rنعم الفتى لو كان يعرف ربّه ... ويقيم وقت صلاته حمّاد\rهدلت مشافره الشّمول فأنفه ... مثل القدوم يسنّها الحدّاد\rوابيض من شرب المدامة وجهه ... فبياضه يوم الحساب سواد\rوقال رافع بن إبراهيم اليربوعي :\rألستم أقلّ النّاس تحت لوائهم ... وأكثرهم عند الذبيحة والقدر\rوأمساه بالشّئٍ المحقّر بينهم ... وأعجزهم عند الجسيم من الأمر\rوقال أعرابي :\rالعبد يجتنب الهجاء لشينه ... ولك الهجاء إذا هجيت جمال\rلم يبق عارٌ في البريّة كلّها ... إلا وأخبث منه فيك يقال\rوقال أبو عيينة :\rخالدٌ لولا أبوه ... كان والكلب سواء\rلو كما ينقص يز ... داد إذا نال السّماء","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"أنا ما عشت عليه ... أسوأ النّاس ثناء\rإنّ من كان مسيئاً ... لحقيق أن يساء\rوله أيضاً :\rداود محمود وأنت مذمّمٌ ... عجباً لذاك وأنتما من عود\rولرب عودٍ قد يشقّ لسجدٍ ... نفصاً وسائره لحشّ يهود\rوقال الفرزدق :\rأترجو كليباً أن تجئ صغارها ... بخير وقد أعيا عليك كبارها\rوقال أبو نواس :\rلأبي نوحٍ رغيفٌ ... أبداً في حجر دايه\rبرّةٍ تمسحه الدّه ... ر بكم ووقاية\rوله كاتب سوءٍ ... خطّ فيه بعنايه\rفسيكفيكهم الل ... ه إلى آخر آلايه\rوقال فيه أيضاً :\rأبو نوحٍ دخلت عليه يوماً ... فغدّائي برائحة الطّعام\rفكان كمن سقى الظمآن آلا ... وكنت كمن تغدى في المنام\rقال رجل خياط أعور لبعض الشعراء : واللّه لأخيطن لك قباء لا تدري أقباءٌ هو أم دوّاج ، فقال : وأنا واللّه أقول فيك شعراً ، لا تدري أمدح هو أم هجاء ، فلما خاطه له قال فيه :\rخاط لي عمرو قباء ... ليت عينيه سواء\rقل لمن يسمع هذا ... أمديح أم هجاء\rفلم يدروا ما أراد : صحة عينيه أم عماه.\rولرجل من بني تميم :\rأمن عوز الرّجال وهم كثيرٌ ... حبا نصرٌ بإمرته عقيلا\rفلو بكت المنابر من لئيم ... سمعت لعود منبره عويلا\rوقال آخر :\rمن دون سيبك لون ليل مظلم ... وحفيف رائحةٍ وكلبٌ مرصد\rوالضيف عندك مثل أسود سالخٍ ... لا بل أحبّهما إلأيك الأسود\rوقال آخر :\rورثنا المجد عن آباء صدقٍ ... أسأنا في ديارهم الصّنيعاً\rإذا الحسب الرفيع تعاورته ... بناة السّوء أوشك أن يضيعا\rوأحسن من هذا :\rلسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوماً على الأحساب نتّكل\rنبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا\rوقال آخر :\rإن تلق ريب المنايا أو تردّفها ... لم نبك منك على دين ولا حسب\rوقال آخر :\rوإن تصبك من الأيام قارعةٌ ... لم أبك منك على دنيا ولا دين\rقيل لمسلمة : أجرير أشعر أم الفرزدق ؟ قال الفرذدق يبني ، وجرير يخرب ، وليس بقوّم الخراب شئ.\rقال أعرابي في سعيد بن سلم :\rمدحت ابن سلمٍ والمديح مهزّةٌ ... فكان كصفوانٍ عليه تراب\rلكلّ أخي مدح ثوابٌ يعدّه ... وليس لمدح الباهلّي ثواب\rقال أبو بكر السّامرى :\rيا شاعراً يهتك من عقله ... أضعاف ما يهتك من عرضى\rإذا هجاني جاءني شعره ... وبعضه يضحك من بعض\rوهذا الباب أكثر من الحصى والتراب.\rباب العقل والحمق\rأما العقل فقد أوردت في معناه واشتقاقه والدّلالة عليه ، وما جاء في ذلك من النثر والنّظم كتاباً كافياً ، ونوردها هنا من صفات العاقل والأحمق ما تحسن به المذاكرة ، ويجعل إيراده في المجالسة إن شاء اللّه تعالى.\rومن حديث ابن عمر ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : لا يعجبنكم إيمان الرجل حتى تعلموا ما عقدة عقله \" وروى عن النبي عليه وسلّم ، أنه قال : \" حقٌ على العاقل أن يكون له أربع ساعات ، ساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يناجي فيها ربّه ، وساعة يفضى فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ، ويصدقونه عن نفسه ، وساعة يخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحلّ ويجعل ، فإن هذه الساعة عونٌ له على هذه الساعات ، وإجمام للقلوب.\rوحقٌ على العاقل ألا يظعن إلا في إحدى ثلاث : زادٌ لمعاده ، ومرمّة لمعاشه ، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون عارفاً بزمانه ، مالكاً للسانه ، مقبلاً على شانه \" .\rأوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السّلام : أتدرى لم رزقت الأحمق ؟ قال : لا قال : ليعلم العاقل أن الرزق ليس باحتيال.\rقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : \" ثلاثٌ من حرمهنّ فقد حرم خير الدنيا والآخرة : عقلٌ يداري به الناس ، وحلمٌ يردّ به السفيه ، وورعٌ يحجزه عن المحارم \" .","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"افتخر رجلان عند عليّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه ، فقال : أتفتخران بأجساد بالية ، وأرواح في النار ؟! إن يكن لكما عقلٌ فلكما أصل ، وإن لم يكن لكما خلق فلكما شرف ، وإن يكن لكما تقوى فلكما كرم ، وإلاّ فالحمار خير منكما ، ولستما خيراً من أحد.\rوقال عليّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه : العاقل من لم يحرمه نصيبه من الدنيا حظّه من الآخرة.\rقال عليّ بن أبي طالب في وصيته لابنه : لا مال أعوذ من العقل ، ولا قفر أشدّ من الجهل ، ولا وحده أوحش من العجب ، ولا مظاهرة كالمشاورة ، ولا حسب كحسن الخلق.\rكان يقال :إذا كان علم الرجل أكثر من عقله ،كان قميناً أن يضرّه علمه.\rقال عمرو بن العاص :ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر ،ولكنه الذي يعرف خير الشرين.\rقال العتبيّ :العقل نوعان ،فأحدهما ما تفرد الله بصنعته ،والآخر ما يستفيده المرء بأدبه وتجربته ،ولا سبيل إلى العقل المستفاد إلاّ بصحة العقل المركب ،فإنهما إذا اجتمعنا قوّى كلٌّ منهما صاحبه ،كما أن النار في الظلمة نور للبصر ،وأنشد :\rإذا لم يكن للمرء عقلٌ يزينه ... مع النّاس لم يجعل له مشفقٌ عقلا\rوقال آخر :\rولا خير في حسن الجسوم وطولها ... إذا لم يزن حسن الجسوم عقول\rوقال أردشير بن بابك :نموّ العقل بالعلم.\rوكتب عمر بن عبد العزيز رضى اللّه عنه ، إلى بعض عماله : أمّا بعد ، فإنّ العقل المفرد لا يقوى به على أمر العامّة ،ولا يكتفي به في أمر الخاصّة ،فأحي عقلك بعلم العلماء والأشراف من أهل التّجارب والمروءات ،والسّلام.\rقال أيوب بن القرّيّة :الناس ثلاثة :عاقلٌ ،وأحمق ،وفاجرٌ ،فالعاقل :الدّين شريعته ،والحلم طبيعته ،والرأى الحسن سجيتّه ،إن نطق أصاب ،وإن سمع وعى ،وإن كلّم أجاب.والأحمق :إن تكلّم مجل ،وإن حدّث وهل ،وإن استنزل عن رأيه نزل.وأما الفاجر :فإن ائتمنته خانك ،وإن صحبنه شانك.\rقال مطرّف بن الشّخّير :عقول كلّ قوم على قدر زمانهم.\rكان يقال :ستّ خصال تعرف في الجاهل :الغضب في غير شئ ،والكلام في غير نفع ،والعطيّة في غير موضعها ،وإفشاء السّر ،والثقة بكلّ أحد ،ولا يعرف صديقه من عدوه.\rقيل لابن شبرمة :ما حدّ الحمق ؟قال :لا جدّ له.\rسئل بعض الحكماء عن العقل ،فقال :الإصابة بالظّنون ،ومعرفة ما لم يكن بما قد كان.\rكان يحيى بن خالد ،يقول :ثلاثة أشياء تدلّ على عقول أربالها :الكتاب على مقدار عقل كاتبه ،والرسول على مقدار عقل مرسله ،والهديّة على مقدار عقل مهديها.\rقال ابن الأعرابي :سمّى الرجل أحمق ،لأنه لا يميز كلامه من رعونته قال :والحمق أيضاً الكساد ،يقال :انحمقت السّوق إذا كسدت ،ومنه الرجل الأحمق لأنه كاسد العقل لا ينتفع برأيه ولا بعزمه.\rوالحمق أيضاً :الغرور ،يقال :سرنا في ليالٍ محمّقات ،إذا كان القمر فيهن يستتر بغيم أبيض رقيق ،فيغتّر الناس بذلك يظنون أن قد أصبحوا فيسيرون حتّى يملوا.\rقال :ومنه أخذ اسم الأحمق لأنه يغرّك في أوّل مجلسه بتعاقله ،فإذا انتهى إلى آخر كلامه تبيّن حمقه.\rوقيل للرّجلة البقلة الحمقاء ، لأنّها تنبت في مسيل الماء ،وفي طريق الإبل ،فهي أبداً مدوسة.\rوفي الخبر المرفوع : \" للعاقل خصال يعرف بها :يحلم عّمق ظلمه ،ويتواضع لمن هو مثله ،ويسابق بالبّر من هو فوقه ،وإذا رأى باب فرصة انتهزها ،لا يفارقه الخوف ،ولا يصحبه العنف ،يتدبرّ ثم يتكلم غنم ،وإن سكت سلم ، وإن عرضت له فتنة ،اعتصم بالله ثم تنكّبها ،وللجاهل خصالٌ يعرف بها :يظلم من خالطه ، ويتكلم بغير تدبّر فيندم ، فإن تكلّم أثم ، وإن سكت سها ، وإن عرضت له فتنةٌ أردته ، وإن رأى باب فضيلةٍ أعرض عنها.\rذكر المغيرة بن شعبة يوماً عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه ، فقال : كان واللّه أفضل من أن يخدع ، وأعقل من أن يخدع.\rفي كتاب \" كليلة ودمنة \" : رأس العقل التمييز بين الكائن والممتنع.\rقال الحجاج يوماً : العاقل من يعرف عيب نفسه ، قال عبد الملك : فما عيبك ؟ قال : أنا حسودٌ حقود ، قال عبد الملك : ما في إبليس شرٌ من هاتين.\rقال الحسن البصرى : صلة العاقل إقامةٌ لدين اللّه ، وهجران الأحمق قربة إلى اللّه ، وإكرام المؤمن خدمةٌ للّه وتواضعٌ له.","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"قال عبد بن الحسن : حمق الرجل يفسد دينه ، ولا دين لمن لا عقل له. وكان لا يجيز شهادة الأحمق العفيف ، فكلّم في ذلك ، فقال : سأريكم. ودعا بحاجبه فقال : يا ممدود ، انظر لي ما الرّيح ؟ فخرج ثم رجع ، فقال : هي شمالٌ يشوبها شئٌ من الجنوب.فقال : أترون أن أجيز شهادة مثل هذا ؟! فقال أردشير : رضاء المرء عن نفسه دليل على عقله.\rقال أنو شروان : ثقة الرجل برأيه ، وإقراره بتوفير عقله ، دليل على عقله ، قيل : هل ينتهي من أول الزّجر أحمق كان يقال : إذا تمّ العقل نقص الكلام.\rقال على بن أبي طالب : لا تؤاخ الأحمق ، ولا الفاجر ، أمّا الأحمق فمدخله ومخرجه شين عليك ، وأما الفاجر : فيزيّن لك فعله ، ويود أنك مثله.\rقال سابق :\rالمرء يجمع والزّمان يفرّق ... ويظلّ يرفع والخطوب تمزّق\rولئن يعادى عاقلاً خيرٌ له ... من أن يكون له صديقٌ أحمق\rوقال آخر :\rعدوّك ذو العقل أبقى عليك ... من الصّاحب الجاهل الأحمق\rوذو العقل يأتى حسان الأمور ... ويعمد للأرشد الأوفق\rوقال دعبل بن على الخزاعى :\rعداوة العاقل خيرٌ إذا ... حصّلتها من خلةً الأحمق\rلأنّ ذا العقل إذا لم يرع ... عن ظلمك استحيا فلم يخرق\rولن ترى الأحمق يبقى على ... دين ولا ودّ ولا يتّقى\rوقال آخر :\rعداوة العاقل خيرٌ لمن ... عاداه من ودّ امرئٍ جاهل\rبوائق الجاهل مبثوثةٌ ... وليس تخشاها من العاقل\rوقال صالح بن عبد القدوس :\rألا إنّما الإنسان غمدٌ لعقله ... ولا خير في غمدٍ إذا لم يكن نصل\rفإن كان للإنسان عقلٌ فإنّه ... هو النّصل والإنسان من بعده فضل\rوقال أيضاً :\rوما المرء إلاّ اثنان عقلٌ ومنطقٌ ... فمن فاته هذا وذاك فقد دمر\rولا سيمّا إن كان ممّن نصيبه ... من الدّين والدّنيا قليلٌ إذا حضر\rوقال ابن الرومى :\rوليس عتاب المرء للمرء نافعاً ... إذا لم يكن للمرء عقل يعاتبه\rوقال آخر :\rزعمت أبا سهلٍ بأنّك جامعٌ ... فنوناً من الآداب يجمعها الكهل\rفهبك تقول الحقّ أىّ فضيلةٍ ... تكون لذي علمٍ وليس له عقل\rوقال آخر :\rلكلّ امرئٍ شكلٌ من النّاس مثله ... فأكثرهم شكلاً أقلهم عقلاً\rلأنّ صحيح العقل ليس بواجدٍ ... له في طريقٍ حين يسلكها مثلا\rولا خير في طول السّبال وعرضها ... إذا الله لم يجعل لصاحبها عقلا\rوقال آخر :\rقد عرفناك باختيارك إذ كان ... دليلاً على اللّبيب اختباره\rوقال بشار بن برد :\rوما أنا إلا كالزّمان إذا صحا ... صحوت وإن ماق الزّمان أموق\rوقال آخر :\rوأنزلني طول النّوى دار غربةٍ ... إذا شئت لاقيت امرءا لا أشاكله\rتحامقته حتّى يقال سجيّةٌ ... ولو كان ذا عقلٍ لكنت أعاقله\rوقال آخر :\rتحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم ... ولا تلقهم بالعقل إن كنت ذا عقل\rفإنّى رأيت المرء يشقى بعقله ... كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل\rوقال أبو يزيد البسطامى رحمه الله :\rياذا الذي ليس له والدٌ ... يسعى على الأرض ولا والده\rقد مات من قبلهم آدم ... فأىّ نفس بعده خالده\rإن جئت أرضاً أهلها كلّهم ... عورٌ فغمّض عينك الواحده\rسمع عمر بن العزيز رجلا يكنى أبا العمرين ،فقال :لو كان لك عقل كفاك أحدهما.\rقال الحسن :هجرة الأحمق قربة إلى الله تعالى.\rقال منصور الفقيه :\rأجالس كلاّ وإن لم يكن ... على ما أحبّ سوى الأموق\rفإبّى أجالسه مرّةً ... وأنهض عنه فلا نلتقى\rفما نعمةٌ بعد تقوى الإله ... أفضل من هجرة الأحمق\rقال بعض الحكماء :ينبغي للعاقل أن يتمسك بستّ خصال :أن يحفظ دينه ،ويصون عرضه ،ويصل رحمه ،ويحفظ جاره ،ويرعى حقّ إخوانه ،ويحزن عن البذاء لسانه.","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"كان الحسن البصرىّ إذا أخبر عن أحد بصلاح ،قال :كيف عقله ؟ثم يقول :ما يتم دين أمرئٍ حتّى يتم علقه.\rروى أنه أهبط الله عزّ وجل آدم إلى الأرض ،أتاه جبريل ،فقال :ياآدم! إن الله تعالى قد أحضرك ثلاث خصالٍ لتختار منهنّ واحدة ،وتخلّى عن اثنتين.\rقال :وما هنّ ؟قال :الحياء والدين والعقل :قال آدم :إنى اخترت العقل.\rقال جبريل للحياء والدين :ارتفعا فقد اختار العقل ،قالا :لا نرتفع ،قال :ولم عصيتما ؟قالا :لا ،ولكنا أمرنا ألاّ نفارق العقل حيث كان.\rكان يقال :لا تعتمدّ بمن ليس له عقدهٌ من عقل.\rقال بعض الحكماء :وكّل الحرمان بالعقل ،والرزق بالجهل ،ليعتبر العاقل فيعلم أنّ الرزق ليس عن حيلة.\rقيل لزرعة بن ضمرة :متى عقلت ؟قال :يوم ولدت.قيل :وكيف ذلك ؟ قال :منعت الثّدى فبكيت ،وأعطيتها فسكتّ.\rقال الحسن :لأنا للعاقل المدبر ،أرجى منّى للأحمق المقبل.\rقال الأوزاعى :قيل لعيسى عليه السلام يا روح الله!أنت تبرئ الأكمه والأبرص وتحيى الموتى بإذن الله ،فما دواء الأحمق ؟قال :ذلك أعيانى.\rقال قيس بن الخطيم :\rوبعض الداء ملتمسٌ دواه ... وداء النوّك ليس له دواء\rوقال آخر :\rجنونك مجنون ولست بواجدٍ ... طبيباً يداوى من جنون جنون\rوقال آخر :\rقالوا جننت بمن تهرى فقلت لهم ... ما لذّة العيش إلاّ للمجانين\rالحبّ لا يستفيق الدّهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين\rكان يقال :الأحمق بشأنه أعلم من العاقل بشأن غيره.\rقال زيد بن أسلم ، قال لقمان لا بنه : يا بنّي لئن يقصيك الحكيم خيرٌ من أن يدنيك الأحمق.\rقال عمر بن عبد العزيز : خصلتان لا تعدمك إحداهما من الأحمق ، أو قال من الجاهل : كثرة الالتفاف ، وسرعة الجواب.\rكانوا يعبّرون عن الأحمق بالجاهل ، ومن ثم قالوا : غضب كسرى على عاقل فسجنه مع جاهل. يريدون سجنه مع أحمق ، ويعبّرون أيضاً عن العاقل بالحلم ، قال الشاعر :\rفلا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإيّاه\rفكم من جاهلٍ أردى ... حليماً حين واخاه\rيقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه\rقال سهل بن هارون : ثلاثة من المجانين وإن كانوا عقلاء : الغضبان : والغيران ، والسّكران. قيل : فما تقول في المنعظ ؟ قال :\rوما شرّ الثّلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذّي لا تصبحينا\rقال تمام بحيح : إذا قام ذكر الرجل ، ذهب ثلثا عقله قال محمود الوراق ، وقد نسب إلى ابن الزّيات :\rليس شئٌ مما يدبرّه العا ... قل إلاّ وفيه شئٌ يريبه\rفأخو العقل ممسكٌ يتوقّى ... ويخاف الدّخول فيما يعيبه\rوأخو الجهل لا يقدر في الأم ... ر وإن أشكلت عليه ضروبه\rراكب ردعه كحاطب ليلٍ ... يخطئ الأمر كلّه أو يصيبه\rتتأتّى له الأمور على الجه ... ل إذا ما أرادها وتحبيبه\rوأخو العقل بعد ينتتج الرّأ ... ى فيرضى ومرّة يستريبه\rوإذا صيّر البعيد قريباً ... عاد فيه فازداد بعداً قريبه\rفهو الدّهر شاخص القلب فكراً ... ما تقضّى همومه وكروبه\rوقال آخر :\rألا إنّ عقل المرء عينا فؤاده ... فإن لم يكن عقلٌ فلن يبصر القلب\rوقال آخر :\rأى زمناً نوكاه أسعد أهله ... ولكنّما يشقى به كلّ عاقل\rمشى فوقه رجلاه والرأس تحته ... فكبّ الأعللى بارتفاع الأسافل\rوقال آخر :\rعذلوني على الحماقة جهلاً ... وهي من عقلهم ألذّ وأحلى\rلو لقوا ما لقيت من حرفة العق ... ل لساروا إلى الحماقة رسلا\rحمقى قائم بقوت عيالى ... ويموتون إن تعاقلت هزلا\rقال هشام بن عبد الملك : يعرف حمق الرجل بأربع : بطول لحيته ، وشناعة كنيته ونقش خاتمه ، وإفراط شهوته. فدخل عليه ذات رجل طويل العثنون ، فقال هشام : أمّا هذا فقد جاء بواحدة ، فانظروا أين الثلاث ؟ قالوا : أنا أبو الياقوت الأحمر.قالوا : فما نقش خاتمك ؟ قال : \" وجاءوا على قميصه بدمٍ كذب \" .","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"وفي خبر آخر : أن معاوية جرت له مثل هذه الحكاية ، إلاّ أنّ في خبر معاوية ، قيل له : فما كنيتك ؟ قال : أنا أبو الكوكب الدرىّ. قيل له : فما نقش خاتمك ؟ قال : \" وتفقد الطير فقال مالى لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين \" قال يحيى بن الحكم الغزال :\rيعرف عقل المرء في أربع ... مشيته أوّلها والحرك\rودورعينيه وألفاظه ... بعد عليهنّ يدور الفلك\rوقال آخر :\rطلبت الرّزق بالعقل ... من الغرب إلى الشّرق\rفلم يكسبنى العقل ... سوى البعد من الرّزق\rفأدبرت عن العقل ... وأقبلت على الحمق\rفلم أتعب ولم أنصب ... ولم أضرع إلى الخلق\rقال بعض الحكماء : من الحمق التماس الإخوان بغير وفاء ، والتماس الآخرة بالرّياء. والتماس مودة النّساء بالغلظة ، والتماس العلم والفضل بالدّعة والخفض .\rسمع الأنف رجلا يقول : ما أبالى أمدحت أم هجيت. فقال : استرحت من حيث تعب الكرام.\rوقالت العرب : استراح من لا عقل له.\rوقالت الفرس : مات من لا عقل له.\rأنشدني بعض شيوخي رحمهم اللّه :\rكم كافرٍ باللّه أمواله ... تزداد أضعافاً على كفره\rومؤمنٍ ليس له درهم ... يزداد إيماناً على فقره\rلا خير فيمن لم يكن عاقلاً ... يمدّ رجليه على قدره\rوقال آخر :\rما إن يزال يبغداد يزاحمنا ... على البراذين أشباه البراذين\rأعطاهم اللّه أموالاً منزّلةً ... من الملوك بلا عقلٍ ولا دين\rما شئت من بغلةٍ شقراء ناجيةٍ ... أو من أتان وقول غير موزون\rباب من أجوبة الحمقى\rومراجعة السّخفاء ، وألفاظ النّوكى والجهلاء استعمل معاوية رجلاً من كلب ، فذكر المجوس يوماً ، فقال : لعن اللّه المجوس ينكحون أمهاتهم ، واللّه لو أعطيت عشرة آلاف درهم ، ما نكحت أميّ فبلغ ذلك معاوية ، فقال : قبحه اللّه! أترونه لو زيد فعل ؟!! قال أبو عبيدة : أجريت الخيل فطلع منها فرسٌ سابق ، فإذا رجلٌ من النظّارة يكرّ ويثب من الفرح ، فقال له رجل إلى جنبه : يا فتى! هذا الفرس فرسك ؟ قال : لا ،ولكنّ اللجام لجامي.\rأرسل رجلٌ من بنى عجل بن لجيم فرساً في الحلبة ،فجاء سابقاً ،فقال لابنه : يا بنىّ!بأىّ شئ أسميه ؟فقال :ياأبت افقأ عينه وسمه الأعور.قال الشاعر :\rرمتنى بنو عجل بداء أبيهم ... وأىّ عباد الله أنوك من عجل\rأليس أبوهم عار عين جواده ... فأضحت به الأمثال تضرب بالجهل\rقال أبو كعب القاصّ في قصصه :إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كبد حمزة ما علمتم ، فادعوا الله أن يطعمنا من كبد حمزة.\rوقال أيضاً في قصصه :إن اسم الذئب الذي أكل يوسف كذا وكذا ،قالوا له :فإن يوسف لم يأكله الذئب ،قال :فهذا اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف.\rوتلا في قصصه يوماً قول الله عز وجل : \" يتجرعه ولا يكاد يسيغه.\rفقال :اللهم اجعلنا ممن يتجرعه ويسيغه.\rقيل لبرذعة الموسوسر :أيّما أفضل غيلان أم معلّى ؟قال :معلّى ، قالوا : ومن أين ؟قال : لأنه لما مات غيلان ،ذهب معلّى إلى جنازته ، فلما مات معلّى لم يذهب غيلان إلى جنازته.\rرفع رجلٌ من العامة ببغداد إلى بعض ولاتها على جار له أنّه يتزندق ،فسأله الوالي عن قوله الذي نسبه به إلى الزندق ،فقال :هو مرجى قدرىّ ناصبيّ رافضى ،من الخوارج ،يبغض معاوية بن الخطاّب الذي قتل علىّ بن العاص.فقال له ذلك الوالي :ما أدرى على أي شيء أحسدك ؟أعلى علمك بالمقالات ،أم على بصرك بالأنساب.\rكان قوم من أهل العلم يتناظرون في أمر معاوية وعلّى ،ويذكرون أبا بكر وعمر ، وكان قريباً منهم رجل من العامة ،ينسب إلى أنه من أعقلهم ،وكان ذا سبلةٍ طويلة ،فقال لهم :كم تطنبون في أمر علىّ ومعاوية وفلان وفلان!!فقال له أحد القوم :وتعرف أنت من على ومعاوية وفلان وفلان ؟قال :نعم!أو ليس هو أبو فاطمة ؟قال :ومن كانت فاطمة ؟ قال :امرأة النبي صلى الله عليه وسلم بنت عائشة أخت معاوية.قال :فما كان قصة علىّ ؟قال :قتل في غزاة حنين مع النبي صلى الله عليه وسلّم.\rدخل رجلٌ من العامة الجهلة الحمقاء على شيخ من شيوخ أهل العلم ،فقال :أصلح الله الشيخ ،لقد","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"سمعت في السوق الساعة شيئاً منكراً ،ولا ينكره أحد قال :وما سمعت ؟قال :سمعتهم يشتمون الأنبياء!قال :ومن المشتوم من الأنبياء ؟ قال :سمعتهم يشتمون معاوية.قال : يا أخي ليس معاوية بنبىّ.قال :فهبه نصف نبىّ لم يشتم.\rقال عمرو بن بحر :ذكر لي شيخٌ من الإباضية أنه جرى عنده ذكر الشيعة يوماً فغضب وشتمهم ،وأنكر ذلك عليهم إنكاراً شديداً.قال فأتيته يوما فسألته عن سبب إنكاره على الشيعة ولعنه لهم فقال :لمكان الشين في أول الكلمة ،لأني لم أجد ذلك قطّ إلا في مسخوط ،مثل شومٍ وشرّ وشيطانٍ وشيصٍ وشحّ وشغبٍ وشعبٍ وشركٍ وشتمٍ وشقاقٍ وشطرنج وشينٍ وشانى وشحطٍ وشوصة وشوكٍ وشكوى وشنآن.فقلت له :إن هذا كثير ،ما أظنّ أن القوم تقيم لهم علماً مع هذا أبداً كان عندنا رجل شاهدناه ،وكان من جيراننا على غاية من الجهل والغباوة ،وكان إذا سلّم من صلاته في جماعة أو وحده ،يقول :السّلام على الملكين الكاتبين لأبي بكر وعمر ،وكان ألثغ يجعل مكان الكاف تاء.\rاشترى باقل ،وهو رجل من قيس بن ثعلبة عنزاً بأحد عشر درهما ،فقالوا له :بكم اشتريت الغز ؟ففتح كفّيه وفرّق أصابعه ،وأخرج لسانه ،يريد أحد عشر درهماً ،فلما عيروه ،قال :\rيلومون في حمقه باقلاً ... كأنّ الحماقة لم تخلق\rفلا تكثروا العذل في عيّه ... فللعىّ أجمل بالأحمق\rخروج اللسان وفتح البنان ... أحب إلينا من المنطق\rذكر الصّولى عن ابن الجوهريّ ضروباً من العىّ والحماقة والجهل ،وكان له تسبيح ظريف يسبحه بإثر كل صلاة :سبحانك يا عالمين ،والحمد لله الأكرمين ،ولا إله إلا الله الطيبين ،والصلاة على النبي المباركين ،وأزواجه أمهات المؤمنين ،ونسأل الله خير عوائق الأمور.\rرأى معاوية بن مروان بن الحكم حمار طاحونةٍ في عنقه جلجل في حانوت طحان ،فقال له : ما بال هذا الحمار في عنقه جلجل ؟فقال :أنا مشتغل في علاجى وطلب معيشتى خارج الحانوت ،وبحركة الجلجل أعرف وقوف الحمار فأحرّكه للمشى ،فقال له معاوية له :أرأيت إن وقف الحمار وحرّك رأسه فتحرك الجلجل ؟قال الطحان :ومن لحمارى بمثل عقل الأمير ؟! ومعاوية هذا هو الذي أمر بغلق باب المدينة إذ انفلت له البازى.\rقال طحطاح لابنه يوماً :ما الذي تشتهى ؟ قال : رأسي كبشٍ.\rفقال له أبوه : لا يكون للكبش رأسان ، قال : فرأس كبشين ، فضحك منه.\rقيل لمخنث : مالكم تحلقون لحاكم ؟ فقال : إن البرد لا تعرف إلا بحذف أذنابها.\rدخل راكب البريد يوماً على المأمون ، فقال له : متى خرجت ، أو متى قدمت ؟ فقال له :بعد غد يا أمير المؤمنين. فقال له المأمون : فإذاً أتيتنا وبيننا وبينك مرحلتان.\rمرض رجلٌ من الأعراب ، فعاده جاره ، وقال له : ماتجد ؟ قال : أشكو دمّلا أهلكني ، وزكاماً أضربى. قال له : فقد بلغنا أن إبليس لا يحسد على شئ من الأمراض إلاّ على هاتين العلتين لما فيهما من الأجر والمنفعة. فأنشأ الأعرابي يقول :\rأيحسدني إبليس داءين أصبحا ... برأسي وإستى دملاً وزكاما\rفليتهما كانا به وأزيده ... رخاوة زبّ لا يطيق قياما\rوقال أبو نواس :\rقد أضرت بي دمامي ... ل على الظّهر ملحّه\rليتها في عين من يح ... سبه مالاً وصحّه\rسلم فزارة صاحب المظالم بالبصرة على يساره في الصلاة ، فقيل له في ذلك فقال : كان على يميني إنسان لا أكلمه.\rوقال فزارة يوماً في مجلسه : لو غسلت يدى مائة مرة ما تنظفت ، أو أغسلها مرتين وفيه يقول ابن المعذّل :\rومن المظالم أن تكو ... ن على المظالم يا فزارة\rتقديم رجل مع خصمه إلى قاض ، فقال : أصلح اللّه القاضى ، لي عند هذا الزاني ابن الزانية كذا وكذا. فقال القاضي لخصمه : ما تقول فيما سمعت من دعوى خصمك ؟ فقال : لا أعرف شيئاً فيما يقول ، وأنا منكر لما يدعيه. فقال للمدعى : هات بينه إن كان لك. فأتاه برجلين فجلسا بين يديه ، فقال لهما : بم تشهدان ؟ قالا : نشهد أن لهذا الرجل على هذا الزاني ابن الزانيه كذا وكذا لدعوى خصمه.\rفقال لهما :قد قبلتكما.قم يازاني ابن الزانية ،فأد ما شهدا به. فقال المشهود عليه :","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"أيها القاضي! إن كان هؤلاء استحلوا قذفى وقذف أمي بجهلهم ، فما الذي استحللت به أنت ذلك منى ؟ فقال : واللّه يا ابن أخي ما حسبت إلا أنه اسمك واسم أمك ، لأنك لم تنكر ذلك على خصمك ولا على شاهديه.\rمر قاض بواسط أو بحمص على السوق في يوم رمضان ، فرأى رجلا قد صنع معزفاً ، فوقف عليه وقال : أيها الفاسق في الشهر المبارك تعمل آلات اللهو وظروف الشرّ فقال : أصلح اللّه القاضي ، إنما هي مقلاة قال : لعن اللّه الشيطان ما حسبتها إلا معزفا ،فنهض شيئاً ثم عاد إليه ، فقال له :يا فاسق ؟؟؟؟؟؟؟؟وكيف تكون مقلاة من خشب ؟هذا محال. فقال له :يا قاضي إني أطليها بالقار ، فلا تؤثر فيها النار. قال :صدقت ، ثم انصرف عنه.\rوُلّى رجلٌ مقلّ قضاء الأهواز ، فأبطأ عليه رزقه ، وحضر عيد الأضحى وليس عنده ما يضحى به ولا ما ينفق ، فشكا ذلك إلى زوجته ، فقالت له : لا تغتم ، فإن عندي ديكاً جليلا قد سمنته ، فإذا كان عيد الأضحى ذبحناه. فلما كان يوم الأضحى ، وأرادوا الديك للذبح ، طار على سقوف الجيران ، فطلبوه وفشا الخبر في الجيران ، وكانوا مياسير ، فرقوا للقاضي ، ورثوا لقلة ذات يده ،فأهدى إليه كلّ واحد منهم كبشاً ، فاجتمعت في داره أكبش كثيرة ، وهو في المصلى لا يعلم ، فلما صار إلى منزله ، ورأى ما فيه من الأضاحي قال لامرأته :من أين هذا ؟ قالت أهدى إلينا فلان وفلان - حتى سمَّت جماعتهم - ما ترى. قال : ويحك احتفظي بديكنا هذا فما فدى إسح اق بن إبراهيم إلا بكبش واحد ،وقد فدى ديكنا بهذا العدد.\rباب الملح وما به النّفس ترتاح\rمن مباح المزاح\rقال الأصمعىّ : وصلت بالعلم ، وكسبت بالملح.\rقال عبد الرحمن بن أبي الزّناد : قلت لأشعب : أنت شيخ كبير ، فهل رويت شيئاً من الحديث ؟ قال : بلى! حدثني عكرمة عن ابن عباس ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : خصلتان من حافظ عليهما دخل الجنة. قلت : وما هما ؟ قال : نسيت أنا واحدة ، ونسى عكرمه الأخرى.\rكان أشعب الطّمع كثير الإلمام بسالم بن عبد اللّه بن عمر ، فأتاه يوماً وهو في حائط مع أهله ، فمنعه البواب من الدخول عليه من أجل عياله ، وقال : إنّهم يأكلون. فمال عن الباب ، وتسوّر عليهم الحائط ، فلمّا رآه سالم ، قال : سبحان اللّه يا أشعب! على عيالى وبناتي تتسوّر. فقال له \" لقد علمت مالنا في بناتك من حقّ ، وإنك لتعلم ما نريد \" . فقال له : انزل يأتك من الطّعام ما تريد.\rأخذ قومٌ في قطع ، فقدّموا لضرب أعناقهم ، فقام منهم واحدٌ ، وقال : اللّه اللّه فيّ ، فو اللّه ما كنت في شئٍ مما كانوا فيه ، وإنما كنت أشرب معهم وأغنّى لهم ، فقالوا : هات فغنّ لنا ، فارتجت عليه الأشعار إلاّ قول الشاعر :\rعن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكلّ قرينٍ بالمقارن مقتدى\rفقالوا : صدق. اضربوا عنقه.\rكان بعض أمراء خراسان يتشاءم بالحول ، فمتى رأى أحول ضربه بالسّياط ، وربما ضرب بعضهم خمسائة سوط ، وحدث أنه ركب في بعض الأيام ، فرأى أحول فأمر بضربه ، وكان الأحول جلداً ، فلما فرغ من ضربه ، قال له : أيها الأمير! أصلحك اللّه ، لم ضربتني ؟ قال : لأني أتشاءم بالحول. قال : فأينا أشدّ شؤماً على صاحبه ، أنت رأيتني ولم يصبك إلاّ خير ، وأنا رأيتك فضربتني خمسائة سوط ، فأنت إذا أشد شؤماً. فاستحيا منه ولم يضرب بعده أحداً.\rكانت في سعيد بن فروخ بن القطان ، والد يحيى سعيد الفقيه ، غفلة شديدة مشهورة ، فخرج يوم الجمعة وقد تهيأ للصلاة ، فلقى رجلا من أهل البصرة كثير المزاح ، فقال له : قد أخروا الجمعة إلى غد ، فقال : حسن. ورجع إلى منزله.\rكان إسماعيل بن يسار الشاعر قد خفّ على عروة بن الزبير حتى زامله مرّةً بعض أسفاره ، فقال ليلةً في سفره ذلك لغلامه : انظر هل اعتدل المحمل ؟ فقال الغلام : ما هو إلاّ معتدل ، فقال إسماعيل : واللّه ما اعتدل الحقّ والباطل قبل هذه الليلة ، فمحك عروة.\rقال الأصمعىّ : قدم تاجرٌ من أهل الكوفوفة المدينة بأحمزة فباعها كلها إلاّ السّود منها ، فلم تنفق ، وكان صديقاً للدرامىّ الشاعر ، فشكا ذلك إليه ، وقد كان الدرامىّ تنسّك ، وترك الشعر والغناء. فقال له : لا تهتمّ بذلك فإنّي سأنفقها لك حتى تبيع جميعها إن شاء اللّه تعالى ، ثم قال :","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"قل للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا صنعت بزاهدٍ متعبّد\rقد كان شمر للصلاة ثيابه ... حتّى عرضت له بباب المسجد\rردّى عليه صيامه وصلاته ... لا تقليه بحقّ دين محّمد\rفشاع قول الدرامىّ هذا في الناس : وقالوا : رجع الدرامىّ عن نسكه ، وعاد إلى فتكه ، فلم يبق في المدينة امرأة ظريفة إلا ابتاعت خماراً أسود حتى نفد ما كان منها مع العراقي ، فلما علم الدراميّ ذلك ، رجع إلى نسكه ولزم المسجد. والدراميّ هذا أصله مكىّ ، ثم انتقل إلى المدينة زمن عمر بن عبد العزيز ، وعاش إلى خلافة بني العباس ، وانقطع إلى عبد الصمد بن على وكان شاعراً مطبوعاً ، ترك ذلك وتنسك ، وهو القائل :\rولما رأيتك أوليتني ال ... قبيح وباعدت عنّي الجميلا\rتركت وصالك في جانب ... وصادفت في النّاس خلاّ بديلا\rطويسٌ الذي تضرب به العرب المثل في الشّؤم ، هو رجلٌ من أهل المدينة مولى لبني مخزوم ، واسمه عيسى بن عبد اللّه ، وهو أول من أظهر الخنا والمجون بالمدينة ، وكان مغنيا يضرب الدف ، وسئل عن والده ، فقال : ولده ، فقال ، ولدت يوم مات النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفطمت يوم مات أبو بكر ، وختنت يوم قتل عمر ، وتزوجت يوم قتل عثمان ، وولد لي يوم قتل على بن أبي طالب فيقولون في أمثالهم السّائرة. أشأم من طويس.\rكان الشّعبي يوماً جالساً في مجلسه ، والناس يتناظرون في الفقه عنده ، معه شيخ يطيل السكوت ، فقيل له يوماً : لو سألت عن مسألة تنتفع بها ، فقال : إني لأجد في قفاي حكّة ، أفترى لي أن أحتجم ؟فقال الشعبي :الحمد لله الذي صرنا من الفقه إلى الحجامة.\rمر بالشعبي يوماً رجل يقود حماراً ،فقال له :ما اسمك ؟قال :وردان.قال :وما اسم حمارك ؟قال :عمران.قال الشعبي :واخلافاه!! مر رجل معه كلب بابن أبي عتيق ،فقال له :ما اسمك ؟قال :وثاّب.\rقال :وما اسم كلبك ؟قال :عمروزفقال ابن أبى عتيق :واخلافاه ،وأنشد :\rولو هيّا له الله ... من التّوفيق أسبابا\rلسمّى نفسه عمراً ... وسمّى الكلب وثاّبا\rأنشد رجل زبّان السّوّاق ،قول إسماعيل بن يسار :\rما ضرّ أهلك لو تطوّف عاشقٌ ... بفناء بيتك أو ألمّ فسلّها\rفبكى زبّان ،وقال :لاشئ والله ،إلا الضّجر وسوء الخلق وضيق الصدر ،وجعل يبكي ويمسح عينيه.\rقيل لمدنّى :أما تتقى الله ،تؤذي جيرانك ؟!قال :فمن أوذى إذاً ؟ أوذى من لا أعرفه ؟! كان الفرزدق جالساً في حلقة الحسن رحمه الله ،فقال رجل :يا أبا سعيد!ما تقول في الرجل يحكي عن غيره ،يقول :قال فلانٌ طلقت امرأتى ،وأعتقت عبدي ،وفعلت وفعلت ولانّية له في ذلك.فقال الفرزدق :ياأبا سعيد :قد قلت أنا في ذلك.فقال :وما قلت يا أبا فراس ؟فليس كلّ قول يؤخذ به.\rقال :قلت :\rولست بمأخوذٍ بشئ تقوله ... إذا لم تعمّد عاقدات العزائم\rقال الحسن :صدق أبو فراس ،القول ما قال.\rاعترض الإسكندر جيشه يوماً ،فرأى فيهم رجلا أعرج ،فأمر بإسقاطه ،فضحك الأعرج.فقال له الإسكندر :مم ضحكك ؟وقد أسقطتك.فقال :تعجبا منك لحبك آلة الهروب ،وكراهتك آلة الوقوف ،لأن معى آلة الوقوف في الحرب وتسقطني ،فأمر بإثباته في خاصته ،وأسنى رزقه.\rسمع ابن أبي عتيق يوما نصيباً الشاعر ،وكان أسود ،ينشد لنفسه :\rوددت ولم أخلق من الطّير أنّني ... أعار جناحي طائر فأطي\rفقال له ابن أبي عتيق :يا ابن أخي!قل :غاق تطر.شبهه بالغراب لشدة سواده.هاج بأبي علقمة الأعرابيّ الدّم ،فأتوه بحجّام ،قال له :يا حجّام!اشدد قصبة الملزم ،وأرهف ظبة المشرط ، وأسرع الوضع ، وأسرع الوضع ، وعجل النّزع ، وليكن شرطك وخزاً ، ومصّك نهزاً. فقام الحجام ناهضاً ، وقال : انتظر حتى يأتيك ابن القريّة فيحجمك.","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"قال الهيثم بن عدىّ : كنت يوماً بكناسة الكوفة إذ أنا برجل قد وقف على نخّاس الدّواب ، فقال له : اطلب لي حماراً ليس بالصغير المحتقر ، ولا بالكبير المشتهر ، إن خلا الطريق تدفق ، وإن كثر الزحام ترفق ، لا يصادم في السّوارى ، ولا يدخل تحت البواري ، إن أقللت علفه صبر ، وإن أكثرت له شكر ، وإن ركبته هام ، وإن ركبه غيري نام. فقال له النخاس : اصبر يا عبد اللّه ، فإذا مسخ القاضي حماراً ، أصبت حاجتك إن شاء اللّه تعالى.\rخطب أبو القطوف إلى قوم وليةً لهم ، فأجابوه ، وقالوا لها من الضياع والمال كذا وكذا ، فما مالك أنت ؟ قال : إن كنتم صادقين فإن مالها يكفيني وإياها ما عشنا ، فما سؤالكم عن مالى ؟! وقال عبد الملك بن عبد الحميد الحارثي :\rيا أخت كندة عافي شرب عثمان ... وأزمعى لبنى عوف بهجران\rيا أخت كنده سيرى سير ساخطةٍ ... كي تنتوي غضبي وغضبان\rيا أخت كنده ليس الرّزق في يده ... الرّزق قي يد من لو شاء أغناني\rالماء في دار عثمان له ثمن ... والخبز فيها له شانٌ من الشّان\rعثمان يعلم أنّ الحمد ذو ثمن ... لكنّه يشتهى حمداً بمجّان\rوالناس أكيس من أن يمدحوا أحداً ... حتّى يروا عنده آثاره إحسان\rاغسل يديك بأشنانٍ وأنقهما ... غسل الجنانة من معروف عثمان\rواسلح على كلّ عثمان مررت به ... إلاّ الخليفة عثمان بن عفّاف\rوقال الليث الحجام :\rحلقت بموسي الهجر ناصية الصّدّ ... وأخريت مشط الصّدّ في طرّة الودّ\rقصصت بمقراض القلا حجّة الوفا ... فجبهة رأس الودّ مكشوفة الجلد\rوشعر سبال الوصل صرت منتفاً ... ظلوماً بمنقاش القطيعة والصَّدَّ\rوما زلت مصَّاصاً بغير إساءةٍ ... بمحجمة الخلف القبيح دم الوعد\rوذكروا أن إبليس قال :ماذا ألقى من أصحاب البلغم ؟ ينسون ويلعنونني.\rقال حسين المعروف بالجمل الشاعر : كان أحمد بن المدبر بدمشق يقصده الشعراءفمن مدحه بشعر جيد أثابه ، ومن مدحه بشعر رديء وكل به من يحمله إلى الجامع فلا يفارقه حتى يصلى مائة ركعة. قال فدخلت عليه ، فقلت :\rأردنا في أبى حسن مديحاً ... كما بالمدح تنتجع الولاة\rفقالوا يقبل المدحات لكن ... جوائزه عليهن الصلاة\rفقلت لهم : وما يغنى عيالي ... صلاتى إنما الشأن الزكاة\rليأمر لي بكسر الصاد منها ... فتضحى لي الصلاة هي الصلات\rقال ،فقال لي : أخذت هذا من قول أبى تمام :\rهن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام\rقال الرياشي : خرج الناس بالبصرة ينظرون هلال رمضان ، فرآه رجل منهم ،ولم يزل يومئ إليه حتى رآه غيره وعاينوه ، فلما كان هلال الفطر ، جاء الجار إلى ذلك الرجل ، فدق عليه الباب ، وقال له : تعال أخرجنا مما أدخلتنا فيه.\rباب المزاح إباحة وكراهة\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لأمزح ولا أقول إلا حقَّا.\rقال ابن عباس : المزاح بما يحسن مباح ، وقد مزح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يقل إلاّ حقا.\rقال غالب القطان : أتيت محمد بن سيرين ، وكان مزاحاً فسألته عن هشام ابن حسان ، فقال لي : توفى البارحة ، أما شعرت ؟ فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون. فضحك وقال : ؟ \" الله يتوفى الأنفس حين موتها ، والتي لم تمت في منامها ، فيمسك التي قضى عليها الموت ، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى \" .\rجاءت إمرأة إلى الحسن ، فقالت : إني نذرت أن أهدي البصرة إلى مكة ،فقال :ويحك إن أهل البصرة لا يدعونك تهدى بصرتهم ، ولو تركوك ما قدرت ، كفري عن يمينك.\rوفي الحديث المأثور : \" أنّ عيسى عليه السلام كان يبكي ويضحك ، وكان يحيى عليه السلام يبكي ولا يضحك ، فكان خيرهما المسيح عليه السلام \" .\rقال خليفة بن زيد : كان خليفة الأقطع مزاحاً ، وكان يقف على أيوب السختياني فيمازحه.\rقال حماد : وجاء خليفة الأقطع يوماً إلى أيوب ، وأنا غلام بين يديه ، فقال له :يا أبا بكر متى استحدث هذا ؟ يعنى متى طلب هذا الحديث.","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"وروى هارون بن موسى الأعور عن سالم العلوى ، قال : قال لي الحسن : خلّ بين الناس وبين هلالهم حتى يراه معك غيرك.\rوكان شعبة يقول : سالم العلوي يرى الهلال قبل الناس بليلتين.\rقال الخليل بن أحمد : الناس في سجن ما لم يمازحوا.\rمزح الشعبي يوماً ، فقيل له : يا أبا عمرو أفتمزح ؟ قال : إن لم يكن هذا متنا من الغم ، داخل ، وهواء خارج.\rكان محمد بن سيرين يداعب ويضحك حتى يسيل لعابه ، فإذا أردته على شئ من دينه كانت الثريا أقرب إليك من ذلك.\rأتت ابن سيرين امرأة الفرزدق شاكية ، فلما خرجت تمثل :\rلقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزاً ... ولو رضيت زب استه لاستقرت\rقيل لابن سيرين : إن قوماً يقولون من الشعر ما يوجب الوضوء ، فعجب من جهلهم ، وكان في المسجد ، فتمثل :\rنبئت أن فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول\rثم قام فاستقبل القبلة وكبر مفتتحا لصلاته.\rوقال شعبة : أقيمت الصلاة فأنشدنا عمرو بن مرة بيت شعر غزل ، ثم افتتح الصلاة ، وكان إمامهم.\rوقد كره جماعة من العلماء الخوض في المزاح لما فيه من ذميم العاقبة ، ومن التوصل إلى الأعراض ، واستجلاب الضغائن ، وإفساد الإخاء.\rكان يقال : لكل شئ بدء ، وبدء العداوة المزاح.\rكان يقال : لو كان المزاح فحلاً ، ما ألقح إلا الشر.\rقال سعيد بن العاص : لا تمازح الشريف فيحقد ، ولا الدنيء فيجترئ عليك.\rقال ميمون بن مهران : إذا كان المزاح أمام الكلام فآخره الشتم واللطام.\rقال جعفر بن محمد : إياكم والمزاح ، فإنه يذهب بماء الوجه.\rكان خالد صفوان يكره المزاح ، ويقول : يسعط أحدهم أخاه بأحر من الخردل ويضحكه بأصلب من الجندل ، ويفرغ عليه أشد من إلى المرجل ، ويقول : مازحته.\rقال إبراهيم ال نخعي : لا يكون المزاح إلا في سخف أو بطر.\rقال أبو هفان :\rمازح صديقك ما أحب مزاحاً ... وتوق منه في المزاح جماحاً\rفلربما مزح الصديق بمزحةٍ ... كانت لباب عداوةٍ مفتاحاً\rوقال ابن وكيع :\rلا تمزحنَّ فإن مزحت فلا يكن ... مزحاً تضاف به إلى سوء الأدب\rواحذر ممازحةً تعود عداوةً ... إن المزاح على مقدمة الغضب\rولأبي جعفر محمد بن جرير الطبري :\rلي صاحب ليس يخلو ... لسانه عن جراح\rيجيد تمزيق عرضي ... على سبيل المزاح\rروى عن النبي صلى الله عليه وسلم : \" إياكم وكثرة الضحك ، فإنه يميت القلب ، ويذهب بنور الوجه \" .\rقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : من كثر ضحكه استخف به وذهب بهاؤه.\rوقال غيره من الحكماء : إياك والمشي في غير أرب ، والضحك من غير سبب.\rقال قتيبة بن مسلم لبنيه : لا تمازحوا فيستخف بكم ، ولا تدخلوا الأسواق فترقَّ أخلافكم ، ولا تبخلوا فيزدريكم أكفاؤكم.\rقال أبو موسى بن الحسن بن عبد الصمد بن علي بن المعتصم :\rالكبر ذل والتواضع رفعة ... والمزح والضحك الكثير سقوط\rوالحرص ذل والقناعة عزة ... واليأس من صنع الإله قنوط\rوقال آخر :\rفإياك إياك المزاح فإنه ... يجرى عليك الطفل والدنس النذلا\rويذهب ماء الوجه بعد بهائه ... ويورثه من بعد عزته ذلاَّ\rوقال آخر :\rما أقبح الكذب المذموم صاحبه ... وأحسن الصدق عند الله والناس\rوقال آخر :\rللجد ما خلق الإنسان فالتمسن ... بالجدّ حظك لا بالهزل واللعب\rلا يلبث الهزل أن يجنى لصاحبه ... ذما ، ويذهب عنه بهجة الأدب\rلا خير في الهزل فاتركه لقائله ... واهرب بعرضك منهم أوشك الهرب\rوقال محمود الوراق :\rتلقى الفتى يلقى أخاه وخدنه ... في لحن منطقه بما لا يغفر\rويقول كنت ممازحاً وملاعباً ... هيهات نارك في الحشا تتسعر\rألهيتنا وطفقت تضحك لاهياً ... عما به وفؤاده يتفطر\rأو ما علمت ومثل جهلك غالب ... أن المزاح هو السباب الأكبر\rفهؤلاء كرهوا المزاح وذموه ، ولم يستثنوا منه قليلا من كثير ، وأما منصور الفقيه فنهى عن الإكثار منه ، فقال :","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"لا تكثرن من الفكا ... هة في حديثك والدعابه\rودع الغريب من الكلا ... م لأهله عند الخطابه\rوإذا أصبت فكل ما ... أغفلته دون الإصابه\rوقد أكثر أهل الأدب في المزاح من النظم ،وختلق ابن وكيع أكثر ذلك ، ورأيت الأقتصار فيه على الأختصار أولى من الإكثار.كان المأمون يعجبه القائل :\rأخو الجدي إن لاقاك أرضاك جده ... وذو باطل إن شئتألهاك باطله\rباب مدح الصدق والأمانه ذم الكذب والخيانه\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" المؤمن إذا حدث صدق ،وإذ وعد انجز ، وأذا اؤتمن وفى ، والمنافق إذا حدث كذب ،وإذا واعد أخلف ،وإذا اؤتمن خان \" .\rوقال صلى الله عليه وسلم : \" لاتزال أمتي بخير مااتخذو الأمانه مغناً والصدق مغرماً قالت عائشة رضى الله عنها ،قالت : يارسول الله بم يعرف المؤمن ؟ قال \" بوقاره ولين كلامه ، وصدق حديثه \" وقال صلى الله عليه وسلم : \" أد الأمانه إلى من أئتمنك ،ولاتخن من خانك \" وقال سعد :كلا لخصال يطبع عليها المؤمن ، إلا الخيانه والكذب.\rوقال علي بن أبي طالب رضى الله عنه :من كانت له عند الناس ثلاثة وجبت له عليهم ثلاث : من إذا حدثهم صدقهم ،وإذا ائتمنوه لم يخنهم ،وإذا وعدهم وفى لهم ، وجب له عليهم أن تحبه قلوبهم ، وتنطق بالثناء عليهم ألسنتهم ،وتظهر له معونتهم.\rقيل للقمان الحكيم : ألست عبد بن فلان ؟ قال : بلى. قيل : فما بلغ بك ما نرى ؟قال :تقوى الله ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانه وترك ما لا يعنينى.\rقال نافع : طاف ابن عمر سبعاً ،وصلى ركعتين ،فقال له رجل من قريش : ما أسرع ما طفت وصليت يا أبا عبد الرحمن وخرجت فقال أبن عمر :أنتم أكثر منا طوافاً وصياماً ،نحن نلتزم صدق الحديث ،وأداء الأمانة ، وإنجاز الوعد.\rقتل محمود الوراق : اصدق حديثك إن في الصدق الخلاص من الدنس\rودع الكذب لشأنه ... خير من الكذب ، الخرس\rوقال منصور الفقيه :\rالصدق أولى ما به ... دان امرؤ فاجعله دينا\rودع النفاق فما رأي ... ت منافقا إلا أهينا\rوله أيضاً :\rالحمد الله شكراً ... فالشكر أيسر حقه\rأمسى الصدوق كثير ال ... عدو من اجل صدقه\rوقال أبو العتاهية :\rالحمد لله كل ذو مكاذبهٍ ... أمسى التصادق لايسقى به الماء\rقال الحسن البصري :لا تستقيم أمانة رجل حتى يستقيم لسانه ، و لا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه.\rكان يقال :كفى بالمرء خيانه أن يكون أمينا للخونه قال الشاعر :\rإن الأميرإذا استعان بخائنٍ ... كان الأمير شريكه المأثم\rقال الفارابي :كنت على الأوزعى إذ جاءه رجل فقال :يا ابا عمرو هذا كتاب صديقك فلان من بلاد كذا ،وهو يقرأ عليك السلام. فقال له : متى قدمت ؟ قال أمس.قال :ضيعت أمانتك لا كثر الله في المسلمين أمثالك.\rقال الشاعر :\rإذا أنت حملت الخئون أمانة ... فإنك قد أسندتها شر مسند\rوقال محمود الورق :\rتصنّع كي يقال له أمينٌ ... وما معني التّصنّع للأمانه\rولم يرد الإله به ولكن ... أراد به الطّريق إلى الخيانة\rوقال آخر :\rهو الذّئب أو للذّئب أوفى أمانة ... وما منهما إلا أذلّ خئون\rأستراح رجل إلى جليس له في السلطان ،فرفع ذلك عليه ،فلما أوقف السلطان ذلك القائل على قوله ،أنكر أن يكون أحد سمع ذلك منه ، فقال : بل فلان سمع ذلك منك ، فهل ترضى به ؟ قال : نعم. فكشف الستر عن الرجل ، فقال : بلى. أنت قلت ذلك لي ، فسكت المرفوع عليه ساعة ، ثم أنشأ يقول :\rأنت امرؤٌ إمّا ائمنتك خالياً ... فخنت وإمّا قلت قولاً بلا علم\rفأنت من الأمر الذّي قلت بيننا ... بمنزلةٍ بين الخيانة والإثم\rأنشدني على بن إسماعيل لنفسه :\rلا يرى إلا لدينا ... طالباً فيها ديانه\rوإذا قيل أمينٌ ... قد تحلّى بالأمانه\rوقع التحصيل منه ... بين غدر وخيانه\rوقال آخر :\rلايخون الأمين شيئاً ولكن ... ربّما تحسب الخؤون أمينا\rوقال آخر :","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"ألا ربّ من تعتده لك ناصحاً ... ومؤتمناً بالغيب غير أمين\rوقال أبو يعقوب الخريمي :\rيا للرجال لقومٍ قد بلوتهم ... أرى جوارهم إحدى البليّات\rماذا تظنّ بقوم خبر كسبهم ... مصرّح السّحت سمّوه الامانات\rوفي الحديث المرفوع : \" الصدق يهدي إلى البرّ ، والبرّ يهدي إلى الجنّة ، والكذب يهدي إلى الفجور ، والفجور يهدي إلى النّار \" .\rيقال : صدق وبرّ ، وكذب وفجر.\rقال بعض الحكماء : من عرف بالصدق جاز كذبه ، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه.\rوقال محمود الوراق :\rإذا عرف الكذاب بالكذب لم يكن ... لدي النّاس ذا صدقٍ وإن كان صادقا\rومن آفة الكذّاب نسيان كذبه ... وتلقاه ذا حفظ إذا كان حاذقاً\rوقال آخر :\rلا يكذب المرء إلاّ من مهانته ... أو عادة السّوء او من قلّة الأدب\rقال بغضهم : ما أراني أوجر في ترك الكذب. قيل له : ولم ؟ قال : لأني أدعه اتقاء.\rقالوا : الصدق عز ، والكذب خضوع.\rقال الحسن : خرج عندنا رجل بالبصرة ، فقال : لأ كذبن كذبه يتحدث بها الوليد ، قال الرجل : فما رجعت إلى منزلي حتّى ظننت أنها حق لكثرة ما رأيت الناس يتحدثون بها.\rوقال كعب بن زهير :\rومن دعا النّاس إلى دمّه ... ذموه بالحقّ وبالباطل\rمقالة السّوء إلى أهليها ... أسرع من منحدرٍ سائل\rقال لقمان لابنه : يا بني! احذر الكذب فإنه شهى كلحم العصفور ، من أكل شيئا منه لم يصبر عنه.\rعوتب بعض الأعراب على الكذب ، فقال للذي عاتبه : واللّه لو غرغرت به لهاتك ما صبرت عنه.\rوقال الأصمعي : قيل لكذّاب : ما يحملك على الكذب ؟ فقال : أما إنك لو تغرغرت به مرة ما نسيت حلاوته.\rقيل لكذاب : هل صدقت قط ؟ قال : أكره أن أقول لا فأصدق.\rقال جميل العذرى :\rلحا اللّه من لا ينفع الودّ عنده ... ومن حبله إن مد غير متين\rومن هو ذو لو نين ليس بدائم ... على خلق خوّان كلّ أمين\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : \" أد الأمانة لمن ائتمنك ، ولا تخن من خانك \" .\rباب الحقّ والباطل\rقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : \" الحق ثقيلٌ ، فمن قصّر عنه عجز ، ومن جاوزه ظلم ، ومن انتهى إليه فقد اكتفى \" . ويروي هذا لمجاشع بن نهشل.\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : \" لا يبطل حق امرئ وإن قدم \" .\rوقال عليه السّلام : \" رحم اللّه عمر بن الخطّاب ، تركه الحقّ ليس له صديق \" .\rلما استخلف أبو بكر عمر ، قال لمعيقيب الدّوسى : ما يقول النّاس في استخلافي عمر ؟ قال : كرهه قومٌ ، ورضيه آخرون. قال : فالذين كرهوه أكثر أم الذين رضوه ؟ قال : بل الذين كرهوه. قال : إن الحقّ يبدو كريها وله تكون العاقبة ، والعاقبة للتقوى.\rقالوا : من قصد إلى الحقّ اتسمت له المذاهب حجة ، ومن تعداه ضاق به أمره ، وما هلك امرؤٌ عرف قدره.\rقالوا : الحكمة تدعو إلى الحقّ ، والجهل يدعو إلى السّفه ، كما أنّ الحجة تدعو إلى المذهب الصّحيح ، والشبهة تدعو إلى المذهب الفاسد.\rقال بعض الحكماء : من جهلك بالحق والباطل ، أن تريد إقامة الباطل بإبطال الحق.\rقال الأعرابي ، وقد ذكر عنده الإصلاح والإفساد ، فقال : لاتمنعن كثيراً من حقّ ، ولا تضعنّ قليلاً في الباطل ، فما حرّك حقّ وباطلّ إلا كان لهما شهود. قال بعض الحكماء : لها يعيد الرجل عاقلا ، حتى يستكمل ثلاثاً : إعطاء الحق من نفسه في حال الرّضا والغضب ، وأن يرضى للناس ما يرضى لنفسه ، وألاّ ترى له زلّة عند ضجره. وقد تقدّم قول أبي العتاهية في باب الرّجاء والخوف :\rومن ضاق عنه الحقّ ضاقت مذاهبه\rولأبي العتاهية أيضاً :\rالباطل الدّهر يلفي لا ضياء له ... والحقّ أبلج فيه النور يأتلق","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"لما احتضر أبو بكر الصّدّيق ، أرسل إلى عمر ، فقال : ياعمر! إن ولّيت على النّاس فاتق اللّه ، والزم الحق ، فإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم ، وحقّ لميزان إذا وضع فيه الحقّ غداً أن يكون ثقيلاً ، وإنما خفت موازين من خفت يوم القيامة ، باتباعهم الباطل في الدّنيا وخفّته عليهم ، وحقّ لميزان وضع فيه الباطل أن يكون خفيفاً ، واعلم أن اللّه عملاً بالليل لا يقبله بالنهار لا يقبله بالليل ، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة ، وأن اللّه عز وجل ذكر أهل الجّنة بأحسن أعمالهم ، وتجاوز عن سيئاتهم ، فإذا كوتهم قلت : إنّي الخائف ألا ألحق بهم ، وأن اللّه عز وجل ذكر أهل النار بأسوأ أعمالهم ، وردّ عليهم أحسنها ، فإذا ذكرتهم ، قلت : إني لخائف أن أكون مع هؤلاء ، وأن اللّه عزّ وجل ذكر آية الرّحمة مع آية العذاب ، ليكون المؤمن راغباً راهباً لا يتمنى على اللّه ولا يقنط من رحمة اللّه فإن أنت حفظت وصيّتي ، فلا يكوننّ غائبٌ أحب إليك من الموت وهو أيتك ، وإن ضيعت وصيتي فلا يكوننّ غائبٌ أبغض إليك من الموت ولست بمعجزه.\rكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية : أن الزم الحقّ ، ينزلك الحقّ في منازل أهل الحقّ ، يوم لا يقضى إلا بالحقّ ، أول كتاب كتبه علىّ بن أبي طالب في خلافته : أمّا بعد ، فإنّما هلك من كان قبلكم ، أنّهم منعوا الحق حتى اشترى ، وبسطوا الباطل حتى اقتدى.\rوقال علىّ بن أبي طالب لرجل من الخوارج : واللّه ما عرفت حتى ظهر الباطل قال وبرة المكىّ : سمعت عن ابن عباس كلمات لهى أحبّ إلى من الدّهم الموقفة ، قال : لا تتكلمن فبما لا يعينك حتى ترى له موضعاً ، فرب متكلم بالحقّ في غير موضعه قد غيب ، لا تمارينّ سفيهاً ولا حليماً ، فإنّ السّفسه يؤذيك ، والحلم يقليك ، ولا تذكرنّ أخاك إذا غاب عنك إلاّ بمثل ما تحبّ أن ذكرك به إذا غبت عنه ، واعمل عمل رجل يعلم أنه مجزىٌّ بالإحسان ، ومأخوذٌ بالأجرام ، فقال : رجل عنده : يا ابن عباس! لهذه خير من عشرة آلاف. قال : كلمة منها خير من عشرة آلاف.\rقال ابن مسعود : من كان على الحقّ ، فهو جماعةٌ وإن كان وحده.\rقال غيره : الحقّ ثقيل ، وطلابه قليل.\rوقال غيره : الحق كثير ، والقائلون به يسير.\rوقال غيره : الأحمق يغضب من الحق ، والعاقل يغضب من الباطل وكان يقال : من هلك في دولة الباطل ، أكثر ممن حيى بالباطل.\rقال أنو شروان : إذا اشتبهت الأمور فالحق بين التقصير والإفراط.\rقال عبد اللّه بن مسعود : تكلّموا بالحق تعرفوا به ، واعملوا به تكونوا من أهله.\rقال أبو العتاهية :\rوللحقّ برهانٌ وللموت فكرةٌ ... ومعتبرٌ للعالمين قديم\rقال مالك ابن أنس : إذا ظهر الباطل على الحقّ ظهر الفساد في الأرض.\rوقال : إن لزوم الحق نجاة ، وإن قليل الباطل وكثيره هلكة.\rقال سعد بن أبي وقاص لسلمان : أوصني. قال : أخلص الحقّ يخلّصك. وأظنّ هذا من قول القائل : أعزّ الحق يذلّ لك الباطل.\rكان يقال : من لم يعمل من الحق إلاّ بما وافق هواه ، ولم يترك من الباطل إلا ما خف عليه لم يؤجر فيما أصاب ، ولم يفلت من إثم الباطل.\rقال العتابي :\rوما كلّ موصوف له الحقّ يهتدي ... ولا كلّ من أمّ الصوى يستبينها\rالصّوى : جمع صوّة ، وهي حجارة تجعل أعلاماً في الطريق.\rقال رجل لخصمه : لئن هملجت إلى الباطل إنك لقطوف على الحق وقال بعض الحكماء : المنعة نفور ، ولقلما اقشعت نافرة فرجعت في نصابها ، فاستدع شاردها بالتوبة ، واستدم والرّاهن منها بكرم الجوار ، واستفتح باب المزيد بحسن التوكل ، فقد أعرب لك الحقّ عن نفسه ، وصدقك عن أمره.\rقال منصور الفقيه : ؟إن بين الحقّ والب - طل فرقاً لا يحيل\rوعلى نيّة ذي القو ... ل من القول دليل\rفقل الحقّ وإن قي ... ل لك الحقّ ثقيل\rفاتق اللّه إذا ... شوورت وانظر ما تقول\rلا يضرنّك إن قا ... ل من النّاس جهول\rإن قول المرء فيما ... لم يسل عنه فضول\rوقال الصّلتان العبدى : ؟؟؟؟؟؟؟وللحقّ بين النّاس راضٍ وجازع وللأذناب فيه للرّءوس توابع","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"وليس الذنابي كالقدامي وريشه ... وما تستوي في الرّاحتين الأصابع\rروى عبد الملك بن عمير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : \" أصدق كلمة قالها الشاعر ، قول لبيد : ألا كلّ شئٍ ما خلا اللّه باطل \" قالوا : أصدق بيت قالته العرب ، قول القائل : ؟؟وما حملت من ناقةٍ فوق ظهرها أبرّ وأوفى ذمّةً من محمّد قال الحاتمي : أشعر بيت قالته العرب ، قول امرئ القيس بن عانس لا ابن حجر.\r؟اللّه أنجح ما طلبت به والبرّ خير حقيبة الرّحل وأنشد ثعلب :\rوإنّ أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا\rقال جعفر بن محمد : ما ناصح اللّه عبدٌ مسلم في نفسه فأخذ الحق لها ، وأعطى الحق منها ، إلا أعطي خصلتان : رزق من اللّه يقنع به ، ورضى من اللّه عنه.\rكان بعض الصالحين يقول : اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض ، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع.\rقال عبد الحميد بن يحيى الكاتب :\rترحّل ما ليس بالقافل ... وأعقب ما ليس بالآفل\rفلهفي على السّلف الراحل ... ولهفي من الخلف النّازل\rأبكّى على ذا وأبكى لذا ... بكاء المولّهة الثّاكل\rتبكّى على ابن لها قاطع ... وتبكى على ابن لها واصل\rتقضّت غوايات سكر الصّبا ... وردّ التقى عنت الباطل\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rباب الحياء والوقار\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : \" لكلّ دين خلق ، وخلق الإسلام الحياء \" .\rوقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم \" الحياء خيرٌ كلّه \" .\rوقال صلى اللّه عليه وسلم : \" المؤمن حيّى كريم ، الفاجر خبّ لئيم \" .\rوقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم \" إن اللّه يحب الحيّى الحليم المتعفّف ، ويبغض الفاحش البذئ السائل الملحف \" .\rقال سليمان عليه السلام : الحياء نظام الإيمان ، فإذا نحل النظام ذهب ما فيه.\rوفي التفسير : \" ولباس التقوى \" . قالوا : الحياء.\rوقالوا : الوقار من اللّه ، فمن رزقه اللّه الوقار فقد وسمه بسيماء الخير.\rوقالوا : من تكلّم بالحكمة لا حظته العيون بالوقار.\rقال الحسن : أربع من كنّ فيه كان كاملا ، ومن تعلّق بواحدة منهن كان من صالحي قومه : دين يرشده ، عقل يسدّده ، وحسب يصونه ، وحياء يقوده.\rقالت عائشة رضى اللّه عنها : رحم اللّه نساء الأمصار ، لم يمنعهن الحياء أن يسألن عن أمر دينهن.\rوقالت عائشة أيضاً : رأس مكارم الأخلاق الحياء.\rقال الشاعر :\rما إن دعاني الهوى تفاحشةٍ ... إلا نهاني الحياء والكرم\rولا إلى محرم مددت يدى ... ولا مشت بي لريبةٍ قدم\rوروى عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : \" إنّ مما أدرك الناس من كلام النبوّة الأولى ، إذا لم تستحي فاصنع ما شئت \" .\rوقال حبيب بن أوس :\rإذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء\rفلا واللّه ما في العيش خيرٌ ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء\rيعيش المرء ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقى اللحاء\rوقال أبو دلف العجلى :\rإذا لم تصن عرضاً ولم تخش خالقاً ... ولم ترع مخلوقاً فما شئت فاصنع\rوقال صالح بن جناح :\rإذا قلّ ماء الوجه قلّ حياؤه ... ولا خير في وجه إذا قل ماؤه\rوقال آخر :\rإذا رزق الفتى وجها وقاحا ... تقلب في الأمور كما يشاء\rورب دينّةٍ ما حال بيني ... وبين ركوبها إلاّ الحياء\rوقال الحزين بن عبد اللّه اللّيثي ، وتنسب إلى الفرزدق :\rيغضى حياءً ويغضى من مهابته ... فلا يكلّم إلاّ حين يبتسم\rوقال آخر :\rكريمٌ يغضّ الطّرف فضل حيائه ... ويدنو وأطراف الرّماح دواني\rوكالسيف إن لا ينته لان متنه ... وحداه إن خاشنته خشنان\rوقالت ليلى الأخيليّه :\rومخزّق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما\rوقال أمية بن أبي الصّلت في ابن جد عان التيمى :","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء\rكريمٌ لا يغيّره صباحٌ ... عن الفعل الجميل ولا مساء\rإذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء\rقال الأصمعي : سمعت أعرابيا يقول : من كساه الحياء ثوبه ، خفي عن الناس عبيه.\rأخبرنا عبد الرحمن بن يحيى ، حدثنا أحمد بن سعيد ، حدثنا ابن الأعرابي ، حدثنا العباس بن محمد ، حدثنا يحيى بن معين ، قال ابن كناسة :\rفيّ اقباض وحشمةٌ فإذا ... لاقيت أهل الوفاء والكرم\rأرسلت نفسي على سجيتها ... وقلت ما قلت غير محتشم\rباب حسن الخلق وسوئه\rقال رسول اللّه عليه وسلم : \" أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقا \" .\rقال معاذ بن جبل : آخر ما أرضاني به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين وضعت رجلى في الغرز أن قال : \" حسن خلقك للناس يا معاذ بن جبل \" .\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: \" أثقل شئ في ميزان المؤمن يوم القيامة خلق حسن \" قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : \" حسن الخلق يمن ، وسوء الخلق شؤم \" .\rقال كعب الأحبار : إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة القائم بالليل ، الصائم بالنهار ، الظامئ بالهواجر.\rوفي الخبر المرفوع أيضاً : \" من سعادة المرء حسن خلقه ، ومن شقائه سوء خلقه \" .\rمكتوب في الحكمة ، الرفيق خير قائد ، وحسن الخلق خير رفيق ، والوحدة خير من جليس السوء ، والجليس الصالح حير من الوحدة.\rكان يقال : من ساء خلقه قلّ صديقه.\rوروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : \" يا بني عبد المطلب! إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ، فليسعهم منكم حسن الخلق ، والقوهم بطلاقة الوجه وحسن البشر \" .\rقال أبو الدراء : إنا لنكثر في وجوه أقوام ، وإن قلوبنا لتلعنهم.\rروى في قول اللّه تبارك وتعالى : \" \" وثيابك فطهرّ \" ، قالوا : وخلقك فحسّن.\rقال سفيان بن عيينة : من حسن خلقه ساء خلق خادمه.\rكان يقال : حسن الخلق يكسب حسن الذكر.\rقال أبو العتاهية :\rعامل الناس بوجهٍ طليق ... والق من تلقى ببشر رفيق\rفإذا أنت جميل الثنا ... وإذا أنت كثير الصّديق\rوقال محمد بن حازم :\rوما اكتسب المحامد طالبوها ... بمثل البشر والوجه الطليق\rوقال آخر :\rخالق الناس بخلق حسن ... لاتكن كلباً على الناس يهرّ\rوقال أخر هو المغيرة بن حبناء :\rوما حسنٌ أن يمدح المرء نفسه ... ولكن أخلاقاً تذمّ وتمدح\rوقال ابن وكيع :\rلاق بالبشر من لقيت من النا ... س وعاشر بأحسن الإنصاف\rلا تخالف وإن أتوا بخلافٍ ... تستدم ودهم بترك الخلاف\rوإذا خفت فرط غيظك فانهض ... مسرعاً عنهم إلى الإنصراف\rإنما الناس إن تأملت داءٌ ... ماله غير أن تداويه شافي\rوقال آخر :\rقد يمكث الناس دهراً ليس بينهم ... ودٌ فيزرعه التسليم واللّطف\rوقال العتّابي يذم رجلا :\rفكم نعمةٍ آتاكها اللّه جزلة ... مترّأةً من كل خلق يذيمها\rفسلطت أخلاقاً عليها دميمةً ... تعاورنها حتى تفرّى أديمها\rوكنت امرءًا لو شئت أن تبلغ المدى ... بلغت بأدنى نعمةٍ تستديمها\rولكن فطام النفس أثقل محملا ... من الصّخرة الصّماء حين ترومها\rباب مكارم الأخلاق والسّؤدد\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : \" بعثت لأتمم مكارم الأخلاق \" . ويروى \" محاسن الأخلاق \" .\rأخذه أبو العتاهية فقال\rليس دينا بغير دين وليس الد ... ين إلاّ مكارم الأخلاق\rإنّما المكر والخديعة في النا ... س هما من فروع أهل النّفاق\rولإبراهيم بن المهدىّ :\rلا خير في الدّنيا بلا دين ولا ... في المال إلاّ منه فيما يبذل\rفأصب وأتلف واستفد وأفد وعش ... فيما اشتهت ممّا يحلّ ويجمل\rوقال آخر :\rوما المرء إلاّ حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل\rوقال آخر :","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"تزين الفتى أخلاقه وتشينه ... وتذكر أفعال الفتى حيث لا يدري\rخطب ثلاثة إخوة من العرب إلى عمّهم ثلاث بنات له ، فقال : مرحباً بكم ، لا أذم عهدكم ، ولا أستطيع ردّكم ، خبّروني عن مكارم الأخلاق. فقال الأكبر : الصّون العرض ، والجزاء بالقرض. قال الأوسط : النهوض بالثقل ، والأخذ بالفضل. قال الأصغر : الوفاء بالعهد ، والإنجاز للوعد. قال : أحسنتم في الجواب ، ووفقتم إلى الصواب.\rوقال صلى اللّه عليه وسلم : \" إن اللّه يحبّ معالى الأخلاق وأشرفها ، ويكره سفسافها \" قال الحسن : مكارم الأخلاق للمؤمن : قوة في لين ، وحزم في دين ، وإيمانٌ في يقين ، وحرصٌ على العالم ، واقتصاد في النفقة ، وبذلٌ في السّعة ، وقناعة في الفاقة ، ورحمةٌ للمجهود ، وإعطاءٌ في حقّ ، وبرّ في استقامة.\rقالت عائشة رضي اللّه عنها : خلال المكارم عشر ، تكون في الرّجل ولا تكون في أبيه ولا في ابنه ، وقد تكون في العبد ولا تكون في سيّده ، يقسمها اللّه لمن أحبّ : صدق الحديث ، ومداراة النّاس ، وصلة الرحم ، وحفظ الأمانة ، والتذمّم للجار ،وإعطاء السّئل ،والمكافأة بالصنّائع ، وقرى الضّيف ،والوفاء بالعهد ،ورأسهنّ كلهنّ الحياء.\rقيل لبزر جمهر :أي شئ أنت به أسرّ ؟قال :قدرتي على مكافأة من أحسن إلى.\rقال مصقلة بن هبيرة الشّبياني :سمعت صعصعة بن صوحان ،وقد سأله ابن عباس ما السؤدد فيكم ؟قال :إطعام الطعام ،ولين الكلام ،وبذل النّوال ،وكفّ المرء نفسه عن السؤال ،والتودّد للصّغير والكبير ،وأن يكون النّاس عندك في الحق شرعا.\rسئل عبد الله بن عمر عن السّؤدد ،فقال :الحلم والجود.\rكان يقال :خير أيام المرء ما أغاث فيه المضطر ،واكتسب فيه الأجر ،وارتهن فيه الشكر ،واسترقّ فيه الحّر.\rقال الأحنف بن قيس يوماً لقومه :إنّما أنا رجل منكم ليس لي فضل عليكم ،ولكني أبسط لكم وجهي ،وأبذل لكم مالي ،وأفضى حقوقكم ،وأحفظ حرمتكم ،فمن فعل مثل فعلي فهو مثلي، ومن زاد علىّ فهو خير مني ،ومن زدت عليه فأنا خير منه.قيل له :يا أبا محمد!ما يدعوك إلى هذا الكلام ؟قال :أحضّنهم على مكارم الأخلاق.\rوقال عبد الله بن عمر :نحن معشر قريش نعدّ الحلم والجود الؤدد ،ونعدّ العفاف وإصلاح المال المروءة.\rقال أسد بن عبد الله لرجل من بني شيبان :إن السؤدد فيكم لرخيص.\rفقال له :أمّا نحن فما نسّود إلا فتى يوطئنا رحله ،ويفرشنا عرضه ،وببذل لنا ماله.\rقال :أشهد أن السؤود فيكم لغالٍ.\rقيل لبعض العرب :من السيد فيكم ؟قال :الأحمق في ماله ،الذليل في عرضه ، المطّرح لحقده ،المعتنى بأمر عامته.\rورويت هذه القصة للأحنف ،أنه سئل :من أسود الناس فيكم ؟فقال :الأخرق في ماله ثم ذكر مثله.\rقال أبو عمرو بن العلاء :كان أهل الجاهلية لا يسوّدون إلاّ من كانت فيه ست خصال وتمامها في الإسلام سابة :السّخاء والنجدة ،والصّبر والحلم ،البيان والحسب.وفي الإسلام زيادة العفاف.\rذكر لعبد الله بن عمر أبو بكر وعمر وعثمان وعلىّ ومعاوية.فقال :كان معاوية أسود منهم ،وكانوا خيراً منه.\rروى عن النّبي صلىّ الله عليه وسلّم أنه قال : \" من رزقه الله مالاً فبذل معروفه وكفّ أذاه ،فذلك السّيد \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار يوماً : \" من سيّدكم ؟ \" فقالوا :الجدّ بن قيس على بخل فيه.فقال عليه الّلام : \" أيّ داءٍ أدوأ من البخل ؟!بل سيّدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح \" .فقال شاعرهم في ذلك :\rوقال رسول الله والحقّ قوله ... لمن قال منا من تسمون سيّدا\rفقالوا له الجدّ بن قيس على التي ... نبخّله فيها وإن كان أسودا\rفتىً ما تخطّى خطوةً لدنّيةٍ ... ولا مدّ في يوم إلى سوءٍة يداً\rفسوّد عمر بن الجموح بجوده ... وحق لعمر بالندى أن يسوّدا\rقال بكر بن وائل :ما كان فينا أسود من ثعلبة بن أوس ،كان يحلم عن جاهلنا ويعطى سائلنا.\rكان سالم بن نوفل سيد بني كنانة في زمانه ، فوثب رجل على ابنه وابن أخيه فجرحهما ، فأتى به سالم ، فقال له : ما أمنك من انتقامي ؟ قال : فلم سوّدناك إذاً ؟ إلا لتكظم الغيظ وتحلم عن الجاهل ، وتحتمل المكروه. وفي سالم هذا يقول الشاعر :","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"نسود أقواماً وليسوا بسارة ... بل السيّد المعلوم سلم بن نوفل\rأنشد ابن عائشة :\rلا يبلغ المجد أقوامٌ وإن كرموا ... حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام\rويشتموا فترى الألوان مسفرةً ... لا عفو ذلّ ولكن عفو أحلام\rوإن دعا الجار لبوا عند دعوته ... في النائبات بإسراج وإلجام\rمستلئمين ، لهم عند الوغى زجلٌ ... كأن أسيافهم أغرين بالهام\rقال الأصمعي : كان يقال : لا يجتمع عشرة إلاّ وفيهم مقاتل أو أكثر ، ويجتمع ألف ليس فيهم حليم.\rكان يقال : ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة حليم من سفيه ، وبر من فاجر ، وشريف من دنئ.\rقال الأحنف بن قيس : ما نازعني أحد إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث خصال ، إن كان فوقي عرفت له قدره ، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه ، وإن كان مثلي تفضلت عليه. أخذ هذا المعنى محمود الوراق فقال :\rسألزم نفسي الصفح عن كلّ مذنب ... وإن كثرت منه علىّ الجرائم\rوما الناس إلا واحد من ثلاثةٍ ... شريفٌ ومثلى مقاوم\rفأما الذي فوقي فأعرف فضله ... وألزم فيه الحقّ والحقّ لازم\rوأما الذي دوني فإن قال صنت عن ... مقالته نفسى وإن لام لائم\rوأما الذي مثلى فإن زلّ أو هفا ... تفضّلت إن الفضل للحرّ حاكم\rوقال آخر :\rلقد أسمع القول الذّي كاد كلّما ... تذكرّنيه النفس قلبي يصدّع\rفأبدي لمن أبداه منّي بشاشةً ... كأنّي مسرورٌ بما منه أسمع\rوما ذاك من عجبٍ به غير أنّني ... أرى أن ترك الشرّ للشرّ أقطع\rقال الحسن البصرّى : ما سمعت اللّه عزّ وجلّ نحل عباده شيئاً أقل من الحلم ، فقال عزّ وجلّ : \" إن إبراهيم لأوّاه حليمٌ \" ، قال : \" فبشرناه بغلام حليم \" .\rقال العتابيّ :\rإذا سرّني دهري قبلت وإن أبي ... أبيت عليه أن أضيق له صدراً\rفكم من مسئٍ قد لقيت ومحسن ... فأوسعت ذا حلماً وأوسعت ذا شكراً\rقال عمر بن أبي طالب رضى اللّه : إنّ السّفيه إذا أعرضت عنه اغتمّ ، فزده إعراضاً.\rكان يقال : يحسن السّيرة يقهر المناوئ ، وبالحلم عن السّفيه يكثر أنصارك عليه.\rقال الشاعر :\rسكت عن السّفيه فظن أبي ... عييت وما عييت عن الجواب\rمتاركة السّفيه بلا جوابٍ ... أشدّ على السّفيه من العذاب\rولا شئ أحبّ إلى سفيه ... إذا وقع الكريم من السّباب\rسبّ الشعبيّ رجل ،فقال له :إن كنت كاذباً يغفر الله لك ،وإن كنت صادقاً يغفر الله لي.\rقال الشعبيّ :الغضب غول الحلم.\rقال خالد بن صفوان :شهدت عمرو بن عبيد ورجل يشتمه ،فقال :آجرك الله على ما ذكرت من صواب ،وغفر لك على ما ذكرت من خطأ ، قال :فما حسدت أحداً حسدي عمرو بن عبيد على هاتين الكلمتين.\rمرّ الشّعبي بقوم ينتقصونه ،فأنشد :\rهنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامرٍ ... لعزّة من أعراضنا ما استحلت\rقال النّابنة الجعديّ :\rولا خير في حلمٍ إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا\rولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليمٌ إذا ما أورد الأمر أصدرا\rوقال آخر :\rوفي الحلم والإسلام للمرء وازع ... وفي ترك أهواء الفؤاد المتيمّ\rبصائر يرشدن الفتى مستبينةٌ ... وأخلاق صدق علمها بالتعلم\rقيل للحصين بن المنذر :بم سدت قومك ؟قال :بحسب لا يطمع فيه ،ورأى لا يستغنى عنه.\rوذكر السّؤدد عند معاوية بن أبي سفيان ،فقال :إنّه لينتقل في اليّ كما ينتقل الظلّ.\rقال إياس بن قتادة :\rوإن من السّادات من لو أطعته ... دعاك إلى نار يفور سعيرها\rقال :كان سفيان بن عيينة يتمثل :\rخلت الديار فسدت غير مسوّد ... ومن الشّقاء تفرّدى بالسّؤدد\rقال :قال عمر بن عبد العزيز لرجل :من سيّد قومك ؟قال :أنا.قال :لو كنته لم تقله.\rقال الشاعر :\rوإنّ بقوم سوّدوك لفاقةً ... إلى سيدّ لو يظفرون بسيّد","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"قيل للملهب :ما السّؤدد ؟ قال : أن يركب الرجل في منزله وحده ،ويرجع إلى منزله في جماعة.\rقيل لبعض العرب :ما علامة السيّد قيكم ؟ قال : هو الذّي إذا أقبل هبناه ،وإذا أدبر عبناه ،ويروى اغتبناه.\rقال عبيد بن الأبرص :\rإذا أنت لم تعمل برأىٍ ولم تطع ... أولى الرّأي لم تركن إلى أمر مرشد\rولم تجتنب ذمّ العشيرة كلهّا ... وتدفع عنها باللسّان وباليد\rوتحلم عن جهّالها وتحوطها ... وتقمع عنها نخوة المتهدّد\rفلست ولو عللت نفسك بالمنى ... بذي سؤدد باد ولا قرب سؤدد\rقال أنس بن مدرك :\rعزمت على إقامة ذي صلاح ... لأمر ما يسوّد من يسود\rوقال أبو الحسن الموسوى :\rما السّؤدد المكسوب إلاّ دون ما ... يومي إليه السّؤدد المولود\rفإذا هما اتفقا تكسّرت القنا ... إن غولبا وتضعضع الجلمود\rكان يقال :خصلتان لا يسود صاحبهما :الاستطالة في الأقرباء ،والبطر في الأغنياء.\rقال المرّار بن سعيد :\rإذا شئت يوماً أن تسود قبيلة ... فبا لحلم سد لا بالسّفاهة والشّتم\rوقال بعض أهل العلم :لا سؤدد إلاّ بالبخت والجدّ والسعّد ،وذلك أنا قد رأيناهم يقولون :الأفعال المحمودة والأخلاق الجميلة توجب السؤدد والرياسة ،والأفعال المذمومة والأخلاق الدنّية تمنع من السّؤود ،ثم رأينا قوماً سادوا بأخلاق لا تحمد ،وبأفعال لا ترضى ،فمن ذلك :أن الحمق يمنع من السّؤدد ،وقد ساد عيينة ابن حصن ،وكان محمّقاً ،وساد أبو سفيان وكان بخيلا ،والبخيل يمنع من السّؤدد ،وساد عامر بن الطّفيل ،وكان عاهراً ،ولا سؤدد مع العهر ،وساد أبو جهل وما طرّ شاربه ،ودخل دار النّدوة وما استوت لحيته ،والحداثة تمنع من السؤدد ،وساد شبل بن معبد البجلى ،وما بالبصرة بجلىّ غيره ، وهم يقولون :لا سؤود إلاّ بالعدد ،ولما قال قومٌ للأحنف :لولا أنا سوّدناك ما سدت.قال فمن سودّ شبل بن معبد البجلى ،وليس بالبصرة بجليّان.\rوساد عتبة بن ربيعة وكان فقيراً إلى أن مات ،حتى قيل :إنه لم يشبع قطّ ،ولم يفضل عن قوت أهله قوت ضيفٍ واحد ،وهم يقولون إنّ الفقر يمنع من السؤدد.\rهذا كلّه يدلّك على أن السّؤدد بالبخت.\rوقال غيره :أسباب السّؤدد سبعة :العقل والعلم والصيانة وأداء الأمانة والحذق والحلم والسخاء.\rأبو سلمى :\rلا بدّ للسّؤدد من أرماح ... ومن سفيهٍ دائم النّباح\rومن عديد يتّقى بالرّاح\rأي لا يتقى بالدّعاء.\rوقال غيلان بن سلمة الثقفيّ :\rلا بدّ للسّؤدد من عديد\rقال النابغة الذبيانيّ :\rتعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتّقى صولة المستنفر الحامي\rقال الحسن بن سهل يوماً : الشّرف في السّرف ،فقيل له : لا خير في السّرف ،فقال : لا سرف في الخير ، فردّ اللّفظة واستوفى المعنى.\rقال إسماعيل بن جعفر بن سليمان الهاشمي : عجبت لمن لا يكتب العلم كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة.\rابن بشّار :\rوإذا جزيت أخاً بذنب ... كان منه لم تسده\rولقلّما طلب الفتى ... لأخيه عيبا لم يجده\rالهذلي :\rوإنّ سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلبها طويل\rلما توفى عبد الله بن طاهر ،صلىّ عليه ابنه طاهر بن عبد الله ودفنه ،وأعتق عند كل زاوية من زوايا قبره رقبةً من غلمانه ،وفعل ذلك إخوته ،ودفع كل نجلٍ منهم إلى كلّ غلام خمس مائة درهم ،وكان عبد الله بن طاهر قد خلف أربعين ولداً ذكراً ،فقال أبو العميثل الشاعر لمصعب بن عبد الله وكان يختص بطاهر وينادمه :ألا أدلّك على شئ تفعله فتقدم به سائر إخوتك عند الأمير طاهر ؟قال : بلى.فأنشده هذه الأبيات وقال :اكتب بها إلى الأمير ،وهي :\rيا من يحاول أن تكون خلاله ... كخلال عبد الله أنصت واسمع\rفلأقصدنّك بالنصيحة والذّي ... حجّ الحجيج إليه فاقبل أو دع\rإن كنت تطمع أن تحلّ محلّه ... في المجد والشّرف الأشم الأرفع\rفاصدق وعفّ وبرّ وارفق واتئّد ... واحلم ودار وكاف واصبر واشجع","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"والطف ولن وتأنّ وانصر واحتمل ... واحزم وجدّ وحام واحمل وادفع\rهذا الطريق إلى المكارم مهيعاً ... فاسلك فقد أبصرت قصد المهيع\rفاستحسن طاهرٌ الأبيات ،وقال :والله لقد أفدتني ما يجب به شكرك ،فقلده نيسابور وأعمالها ثلاث سنين ،وأكسبه ألف ألف درهم.\rوقال آخر :\rإذ هلكت أسد العرين ولم يكن ... لها خلفٌ في الغيل ساد الثعالب\rكذا القمر السّاري إذا غاب لم يكن ... له خلفٌ في الجو إلاّ الكواكب\rقال بعض الحكماء :من ابتغى المكارم فليجتنب المحارم.\rباب حمد الحلم وذمّ السّفه\rقال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم لأشجّ عبد لقيس : \" يا أشج عبد لقيس أو يا منذر!فيك خصلتان يرضاهما الله ورسوله :الحلم والأناة \" فقال :يا رسول الله!أشئ جبلني الله أم شئ اخترعته من قبل نفسي ؟.\rفقال : \" بل شئ جبلك الله عليه \" .فقال :الحمد لله الذي جبلني على خلق يرضاه الله ورسوله.\rقال الشّعبي :زين العلم حلم أهله.\rقال رجاء بن أبي سلمة :الحلم أرفع من العقل ،لأن الله تسمّى به.\rقال معاوية :إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أرجح من حلمي.\rوقال معاوية لعمرو بن العاص :من أبلغ الناس ؟قال :من ترك الفضول ،واقتصر على الإيجاز.\rقال :فمن أصبر الناس ؟قال :من بذل دنياه في صلاح دينه قال :فمن أشجع الناس ؟قال :من ردّ جهله بحلمه.\rقال محمد بن أبي شحاذ :\rإذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل ... عليك بروقٌ جمةٌ ورواعد\rسئل الأحنف عن الحلم ،فقال :هو الذلّ والصبّر.\rكان الأحنف إذا عجبوا من حلمه ،قال :إني لأجد ما تجدون ،ولكنّي صبور.\rوقال أيضاً :وجدت الحلم أنصر لي من الرجال.\rقال عمر بن عبد العزيز :ما قرن شئ إلى شئ أحسن من حلم إلى علم ،ومن عفو إلى قدرة.\rوقد روينا هذا الكلام لمن هو أسنّ من عمر وأكبر.\rوقال بلعاء بن قيس :\rأبيت لنفسي الخسف لما رضوا به ... وأوليتهم سمعي وما كنت مفحما\rوقال شريح :الحلم كنز موقر ،والحليم مطية الجهول.\rقالوا :بالعقل استخرج غور الحكمة ،وبالحلم استخرج غور العقل.\rقال أبو العتاهية :\rفياربّ هب لي منك حلماً فإنني ... أرى الحلم لم يندم عليه حليم\rويارب هب لي منك عزماً على التقي ... أقيم به ما عشت حيث أقيم\rألا إنّ تقوى الله أكرم نسبةٍ ... تسامى بها عند الفخار كريم\rقال الخريمي :\rأرى الحلم في بعض المواطن ذلّةً ... وفي بعضها عزّاً يسودّ فاعله\rقال عمارة بن عقيل :\rإذا أغضبت ذا كرمٍ تخطّى ... إليك ببعض أخلاق اللثيم\rوإن الله ذو حلمٍ ولكن ... بقدر الحلم منتصف الحليم\rوقال آخر :\rبني هلال ألا تنهوا سفيهكم ... إنّ السّفيه إذا لم ينه مأمور\rوقال حسان بن ثابت :\rرب حلمٍ أضاعه عدم المال ... وجهلٍ غطّى عليه النعيم\rوقال أوس بن حجر :\rإذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليماً أو أصابك جاهل\rوقال صالح بن جناح ،ويروي لغيره :\rلئن كنت محتاجاً إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج\rوما كنت أرضى الجهل خدناً ولا أخاً ... ولكنني أرضى به حين أحرج\rفإن قال بعض الناس فيّ سماجةٌ ... فقد صدقوا والذّلّ بالحرّ أسمج\rوقال أبو يعقوب الخريمي :\rوإنك تلقى صاحب الجهل نادماً ... عليه ولا يأسى على الحلم صاحبه\rوقال حبيب الطائي :\rإذا جاريت في خلق دنيّا ... فأنت ومن تجاريه سواء\rإذا ما رأس أهل البيت وليّ ... بدا لهم من الناس الجفاء\rولآخر :\rأبا حسن ما أقبح الجهل بالفتى ... وللحلم أحيانا من الجهل أقبح\rإذا كان حلم المرء عون عدوّه ... عليه فإن الجهل أعفى وأروح\rوفي العفو ضعفٌ والعقوبة قوةٌ ... إذا كنت تخشى كيد من عنه تصفح\rوقال عمرو بن كلثوم :\rألا لا يجهلن أحدٌ علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا\rقال آخر :","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"إذا نهى السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف\rكان عبد الله بن عمر إذا سافر سافر معه بسيفه ،فقيل له في ذلك ،فقال :إن جاءنا سفيهٌ ردّ عنا سفهه ،لأنا لا ندري ما نقابل به السّفهاء.\rوقال ابن المعتز :\rولكلّ عقلٍ غفوةٌ أو سهوةٌ ... والحرّ محتاجٌ إلى التّنبيه\rوالعاقل النّحرير محتاجٌ إلى ... أن يستعين بجاهل معتوه\rوقال آخر :\rولربما اعتضد الحليم بجاهلٍ ... لا خير في اليمنى بغير يسارٍ\rوقال آخر :\rوليس الحليم الذي كلّ ساعةٍ ... به غضبٌ في لأنفه بتوقّد\rإذا أمن الجهّال جهلك لم تزل ... عليك بوادي جهلهم تتورّد\rوإن عقاب الجاهلين لذاهب ... بحلمك فانظر أي هاتين تعمد\rكان يقال :ليس الحليم من قذف فكظم ، ولكن من صدم فصبر.\rقال البحتري :\rأرى الحلم بؤساً في المعيشة للفتى ... ولا عيش إلاّ ما حباك به الجهل\rوقال آخر :\rقل ما بدا لك من زورٍ ومن كذبٍ ... حلمي أصمُّ وأذني غير صماَّء\rوقال آخر :\rولا خير في عرض امرئٍ لا يصونه ... ولا خير في حلم امرئٍ ذلَّ جانبه\rوقال مروان بن الحكم :\rإذا أمن الجهال جهلك مرةً ... فعرضك للجهال غنم من الغنم\rوإن أنت باذيت السفيه إذا بذا ... فأنت سفيه مثله غير ذي حلم\rفلا تقرضن عرض السفيه وداره ... بحلم فإن أعيا عليك فبالصرم\rومن عاتب الجهال لم يشف غيظه ... ولكنه يزداد سقماً إلى سقم\rفدع عنك في كل الأمور عتابه ... فإنك إن عاتبته صار كالخصم\rوغمَّ عليه الحلم والجهل والقه ... بمنزلةٍ بين العداوة والسلم\rفيرجوك أحياناً ويخشاك تارةً ... ويأخذ فيما بين ذلك بالحزم\rفإن لم تجد بداً من الجهل فاستعن ... عليه بجهالٍ فذاك من العزم\rوقال أبو دهبل الجمحي :\rوكانوا أناساً كنت آمن غيبهم ... فلم ينههم حلم ولم يتحرجوا\rقال منصور الفقيه :\rإذا رشوةٌ من باب قومٍ تقحمت ... لتدخل فيه والأمانة فيه\rسعت هرباً منه وولت كأنها ... حليمٌ تنحى عن جواب سفيه\rوقال آخر :\rالعفو عند لبيب القوم مكرمةٌ ... وبعضه لسفيه الرأي تدريب\rباب مدح الجود والكرم وذم البخل واللؤم\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إياكم والشح ، فإنه أهلك من كان قبلكم ، أمرهم بالقطيعة فقطعوا ، وأمرهم بالبخل فبخلوا ، وبالفجور ففجروا \" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لولا ثلاث صلح الناس :شحٌ مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه \" .\rقال الزبير بن العوام في خطبة خطبها بالبصرة : أيها الناس إن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ يوماً بعمامتي من ورائي فقال : \" يا زبير إن الله يقول : أنفق أنفق عليك ، ولا توكئ فيوكأ عليك.\rأوسع يوسع عليك ، ولا تضيق فيضيق عليك. واعلم أن الله يحبّ الإنفاق ولا يحب الإقتار ، ويحب السماحة ولو على فلق تمرة ، ويحب الشجاعة ولو على قتل حية أو عقرب ، واعلم يا زبير أن لله كنوز أموال سوى الأرزاق التي قسمها بين العباد ، محتبسة عنده لا يعطى أحداً منها شيئاً إلا من سأله من فضله ، فاسألوأ الله من فضله \" .\rقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : البخل جلباب المسكنة ، وربما دخل السخي بسخائه الجنة.\rقال : ومن البخل ترك حقّ قد وجب لخوف شيء لم يقع.\rروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" أقيلوا الكرام عثراتهم \" ويروى. \" أقيلوا ذوى الهبات زلاتهم \" .\rوروي عنه عليه السلام أنه قال : \" المؤمن كريم ، والفاجر لئيم \" .\rقال جعفر بن محمد : قال الله عز وجل : أنا جواد كريمٌ ، لا يجاورني في جنتي لئيم.\rقيل للأحنف : ما الجود ؟ قال : بذل القرى ، وكف الأذى. قيل : فما البخل ؟ قال طلب اليسير ومنع الحقير. وقد روى هذا من كلام أكثم بن صيفي والله أعلم.\rسئل الخليل بن أحمد عن الجود ، فقال. بذل الموجود.\rقال بعض الحكماء : من أيقن بالخلف جاد بالعطية.","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"قال أحمد بن أبي دواد : من نال دنيا فلم يرفع وليا ،ولا وضع عدوا فليس بكريم.\rقال شعيب بن حرب :ليس السخى من أخذ المال من غير حله فبذره ، وإنما السخىّ من عرض عليه ذلك المال فتركه ، أوجمع من حق ووضع في حق.\rكان زياد بن أبيه يقول :من منع ماله سبل الحمد أورثه من لا يحمده.\rقال إبراهيم بن أبي عبلة : سمعت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز ،يقول : أف للبخل والله لو كان طريقاً ما سلكته ، ولو كان ثوبا طريفا ما لبسته.\rقال معاوية بن أبي سفيان لأبي مسلم الخولاني : إنكم معشر العباد فيكم النكاح والحدة والسماح. قال : أما النكاح فإنا لا نعدل عن أهلينا ، وأما الحدة فإن قلوبنا ملئت خيراً فلا موضع فيها للشر ، وأما السماح فبحسن الظن منا بالخلف من الله تعالى.\rقال سفيان بن عيينة : ما استقصى كريمٌ قط ، ألم تسمع إلى قوله الله تعالى : \" عرف بعضه وأعرض عن بعض \" .\rقال أسماء بن خارجة : لو لم يدخل على البخلاء في بخلهم إلا سوء ظنهم بربهم في الخلف لكان ذلك عظيماً.\rقال زهير :\rومن يك ذا فضلٍ فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم\rوقال محمد بن يسير :\rكم مانع نفسه لذاتها حذراً ... للفقر ليس له من ماله ذخر\rإن كان إمساكه للفقر يحذره ... فقد تعجل فقراً قبل يفتقر\rوقال آخر :\rما أعلم الناس أن الجود مدفعةٌ ... للبخل لكنه يأتي على النشب\rوقال ابن مطير الأسدي :\rوما الجود عن فقر الرجال ولا الغنى ... ولكنه خيم الرجال وخيرها\rوقال آخر :\rإني امرؤ أجزى الكريم بوده ... وأصد عن وصل اللئيم وأقطع\rوقال منصور الفقيه :\rجهلوا القياس للطفه فتوهموا ... أن البخيل وكلبه مثلان\rوالكلب يحفظ أهله ويقيهم ... ويكف طارقهم عن العدوان\rوالنذل يوحش أهله ويجيعهم ... ويحض ناصرهم على الحذلان\rفها ومن جعل الكلاب أعزة ... والباخلين أذلةً ضدان\rقال أردشير : احذروا صولة الكريم إذا جاع ، واللئيم إذا شبع ، واعلموا أن الكرام أصبر نفوساً ، واللئام أصبر أجساماً.\rقال الشاعر :\rإن ذا اللؤم إذا أكرمته ... حسب الإكرام حقا لزمك\rوأخا الفضل إذا أكرمته ... لم يصغرك ولكن عظمك\rقال أبو الطيب المتنبي :\rإذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا\rوقال آخر :\rأراك تؤمل حسن الثنا ... ء ولم يرزق الله ذاك البخيلا\rوقال آخر :\rتريدين أن أرضى وأنت بخيلة ... ومن ذا الذي يرضي الأخلاء بالبخل\rوقال آخر :\rندبتكم لنفعي أن قدرتم ... فلم أر فيكم حراً كريما\rومالي عندكم ذنب أراه ... سوى أني عرفتكم قديما\rوقال زيد بن عمرو النخعي :\rلقد كذب المعاشر حين قالوا ... عليٌ والمخارق سيدان\rهما حجران من جبل صلودٍ ... إذا قيل ارشحا لا يرشحان\rفلولا البخل إن البخل عارٌ ... أبا عمرو إذا أعجبتماني\rوقال ابن أبي فنن :\rوإن أحق الناس باللوم شاعرٌ ... يلوم على البخل الرجال و يبخل\rوقال الحطيئة :\rسئلت فلم تبخل ولم تعط طائلا ... فسيان لاذم عليك ولا حمد\rوقال منصور الفقيه :\rزاد البخيل إذا مضى لسبيله ... ذم العدا وقطيعة الوراث\rوأخو السماحة فحظه من أهله ... ومن الغريب مدائحٌ ومراث\rولمنصور الفقيه أيضاً :\rأما رغيف بني السلي ... ل فمن حمامات الجرم\rما إن يحس ولا يمس ... ولا يذاق ولا يشم\rفإذا نزلت بدارهم ... فانزل بشدقٍ ملتثم\rحتى تعيش مسلَّماً ... يا من يعيش بغير فم\rولمنصور الفقيه أيضاً :\rإذا تغدوا ربطوا قطهم ... بخلاً بما تطرحه المائدة\rما عرضت قطُّ لهم تخمةً ... ولا تشكوا معدة فاسدة\rقال الحسن بن هانئ :\rوباخل جئته فقدّم ... كسرة خبز وعينه عبرى","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"فقال ما تشتهي فقلت له ... قطعة جبنٍ وكسرةً أخرى\rوله أيضاً :\rعلى خبز إسماعيل واقية البخل ... فقد حل في دار الأمان من الأكل\rوما خبزه إلا كآوى يرى ابنه ... ولم ير آوى في الحزون ولا السهل\rوما خبزه إلا كعنقاء مغربٍ ... تصور في بسط الملوك وفي المثل\rيحدث عنها الناس من غير أن يروا ... سوى صورةٍ ما إن تمر ولا تحلى\rوما خبزه إلا كليب بن وائلٍ ... ليالى يحمى عزه منبت البقل\rوإذ هو لا يستب خصمان عنده ... ولا الصوت مرفوعٌ بجدٍّ ولا هزل\rفإن خبز إسماعيل حل به الذي ... أصاب كليباً لم يكن ذاك عن بذل\rولكن قضاءٌ ليس يسطاع دفعه ... بحيلة ذي ذهنٍ ولا فكر ذي عقل\rقلت : أراد بقوله : وإذ هو لا يستب خصمان عنده قول مهلهل :\rأودى الخيار من المعاشر كلهم ... واستب بعدك يا كليب المجلس\rوتنازعوا في أمر كل عظيمةٍ ... لو قد تكون شهدتهم لم ينبسوا\rوكليب هذا هو الذي أراده النابغة الجعدي بقوله :\rكليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر جرماً منك ضرج بالدم\rقال عُبيد الله بن عكراش ، ويروى لأبي يعقوب الخريمي :\rوإني لأرثي للكريم إذا غدا ... على طمع عند اللئيم يطالبه\rوأرثي له من وقفةٍ عند بابه ... كمرثيتي للطرف والعلج راكبه\rوقال جرير :\rإن الكرية ينصر الكرم ابنها ... وابن اللئيمة للئام نصور\rوقال آخر :\rإن من عضت الكلاب عصاه ... ثم أثرى فمعجزٌ أن يجودا\rوقال منصور الفقيه :\rقل للكرام اعرفوا حقَّ للئام لكم ... إن اللئام لهم عند الكرام يد\rلولا اللئام لما عدوا الكرام ولا ... بانوا بفضلٍ إذا ما حصل العدد\rلكنهم جنحوا للنقص فانتقصوا ... وزاد غيرهم فضلاً بما اعتقدوا\rجادوا فسادوا وضنَّ الآخرون فما ... يغدو على والد من لؤمه ولد\rقد ساء ظني بما قد كنت أخمده ... لما رأيت جميع الناس قد فسدوا\rتدارسوا البخل حتى دقَّ مذهبهم ... فيه ودانوا بإخلاف الذي وعدوا\rفاستعقلوا كل من أصغى لبخلهم ... واستجهلوا كل من واسى بما يجد\rفصار للبخل حق الجود بينهم ... وألزموا الجود عار البخل لا رشدوا\rوقال آخر :\rفإن سمعت بهلكٍ للبخيل فقل ... بعداً وسحقاً له من هالكٍ مودى\rقال محمود الوراق :\rإذا أعطاك قترّ حين يعطى ... وإن لم يعط قال أبي القضاء\rيبخلّ ربّه سفهاً وظلما ... ويعذر نفسه فيما يشاء\rتنقّل عن فعال الخير جهلا ... مخافة أن يضرّ به العناء\rوقال الحسن بن هاني :\rرأيت الفضل متكئاً ... يناعي الخبر والسّمكا\rفقطّب حين أبصرني ... ونكس رأسه وبكى\rفلما أن حلفت له ... بأني صائمٌ ضحكا\rولمنصور الفقيه أيضاً\rأتيت عمراً سحراً ... فقال : إبّي صائم\rفقلت : إني قاعدٌ ... فقال : إني قائم\rفقلت : آتيك غداً ... فقال : صومي دائم\rقال جحظة :\rدخلت على باخل بالطعام ... فمات من الخوف لمّا دخلت\rفقلت له : لا يرعك الدخول ... فما جئت بيتك حتى أكلت\rوقال أبو نواس :\rأبو نوح دخلت عليه يوماً ... فغدّاني برائحة الطعام\rفكان كمن سقى الظمآن آلاً ... وكنت كمن تغدى في المنام\rوقال منصور الفقيه :\rإن لم يصبك من الكر ... يم الحرّ وابله فطّله\rإن الكريم له على ... معرفة نفسٌ تدلّه\rيبدي مكارمه كما ... يبدي فرند السّيف صقله\rقال آخر :\rوإن جمع الآفات فالبخل شرّها ... وشرّ من البخل المواعيد والمطل\rوقال منصور الفقيه :","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"إذا كان في بخله محكماً ... وحلّ من المجد أعلى الدّرج\rوجاءك يخطب زنجيةً ... مشوّهة الخلق فيها هوج\rفلا تحفلنّ به خاطباً ... ولا تفرحنّ ولا تبتهج\rوإن كان سمحاً جميل الفعال ... كريماً جواداً فإنّ الحرج\rوإن القطيعة في صرفه ... ولو جاء يخطب إحدى المهج\rبغير صداق لإعساره ... وما عسر منتظر للفرج\rقال حمّاد عجرد ، وتروى للعتّابي :\rإن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيّاً وهو مجهود\rوللبخيل على امواله عللٌ ... رزق العيون عليها أوجهٌ سود\rإذا تكرهت أن تعطى القليل ولم ... تقدر على سعةٍ لم يظهر الجود\rأورق بخير ترجّى للنوال فما ... ترجى الثمار إذا لم يورق العود\rبثّ النوال ولا تمنعك قلته ... فكلّ ما سدّ فقراً فهو محمود\rوقال منصور الفقيه :\rما بالبخيل انتفاعٌ ... ولكلب ينفع اهله\rفنزّه الكلب عن أن ... ترى أخا الكلب مثله\rأخبرنا عبد الوارث ،قال :حدثنا أبو عيسى ،قال :انشدني ابن المعلم لعلى بن الجهم :\rوإذا الكريم أتيته بخديعةٍ ... ألفيته فيما تروم يسارع\rليس الكريم كما ظننت بجاهلٍ ... إن الكريم لفضله يتخادع\rقال آخر :\rلا تطلبن إلى لئيم حاجةً ... واقعد فإنّك قائماً كالقاعد\rيا خادع البخلاء عن أموالهم ... هيهات تضرب في حديدٍبارد\rقال آخر :\rطعامه النجم لمن رامه ... وخبره أبعد من أمسه\rكأنّه في جوف مرآته ... يرى ولا يطمع في لمسه\rقال آخر :\rإن كنت تطمع في كلامه ... فارفع يمينك عن طعامه\rسيّان كسر رغيفه ... أو كسر عظمٍ من عظامه\rوقال دعبل بن على الخزاعي :\rلئن كنت لا تولى يداً دون إمرةٍ ... فلست بمولٍ نائلاً آخر الدّهر\rوأىّ جواد لم يجد في ملمٍة ... وأي بخيل لم ينل ساعة الوفر\rوقال منصور الفقيه :\rراجى البخيل وضيعٌ ... كما البخيل وضيع\rوما يقول سوى ذا ... في ذين إلاّ رقيع\rللعرزمي ويروى لأبي الأسود الدؤلي :\rوإذا طلبت إلى كريم حاجةً ... فلقاؤه يكفيك والتسليم\rوإذا طلبت إلى لثيم حاجة ... فألحّ في رفق وأنت مديم\rوقال آخر :\rإذا سست قوماً فاجعل الودّ بينهم ... وبينك تأمن كلّ ما تتخوّف\rفإن خفت من أهواء قومٍ تشتّتاً ... فالبالجود فا جمع بينهم يتألفّوا\rفإن كشفت عنك الملمات عورةً ... كفاك غطاء الجود ما يتكشف\rقال ابن شهاب :الكريم لا تبخله التجارب.\rويروى عنه أنه قال :إن الكريم لا تحكمه التجارب.\rوسئل الحسن بن علي رضى الله عنهما عن البخل ،فقال :هو أن يرى الرجل ما ينفقه تلفاً ،وما أمسكه شرفا.\rقال طاووس :البخل أن يبخل الإنسان بما في يديه ،والشّح أن يشح بما في أيدي الناس ،ويحب أن يكون له ما في أيديهم بالحلّ والحرام ولا يقنع .\rوقال أبو العتاهية :\rوإن امرءا لم يربح الناس نفعه ... ولم يأمنوا منه الأذى للثيم\rوإن امرءًا لم يجعل البّر كنزه ... وإن كانت الدنيا له لعديم\rباب المروءة والفتوة\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : \" حسب المؤمن دينه ، وكرمه تقواه ، ومروءته عقله \" . ويروى نحو هذا من كلام عمر أيضاً.\rوروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال لرجل من ثقيف : \" ما المروءة قال الصلاح في الدين ، وإصلاح المعيشة ، وسخاء النفس ، وصلة الرحم. فقال عليه السلام : \" هكذا هي عندنا في حكمة آل داود \" .\rتذاكروا المروءة عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأكثروا فيها ، فقال : \" أما مروءتنا فأن نعفو عمن ظلمنا ، ونعطى من حرمنا ، ونصل من قطعنا \" .\rقال منصورالفقيه :\rأعلن وهبٌ كرمه ... في وصله من صرمه","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"وعفوه عن كل من ... أسخطه أو ظلمه\rوبرّه بنفسه ... وماله من حرمه\rفما يراه معظمٌ ... للحق إلاّ أعظمه\rأبقى عليه اللّه ما ... أبقاه فينا نعمه\rوزاد فيها عنده ... وحاطه وسلمه\rمن حديث عطاء عن ابن عباس ، قال : رفع إلى عمر بن الخطاب رجل في جرم ، فأراد أن يعاقبه ، فأخبر أن له مروءة ، فقال : استوهبوه من صاحبه.\rسئل عبد الله بن عمر ، عن المروءة والكرم والنجدة. فقال : أما المروءة : فحفظ الرجل نفسه ، وإحرازه دينه ، وحسن قيامه بصنعته ، وحسن المنازعة ، وإفشاء السلام ، وأما الكرم : فالتبرع بالمعروف ، والإعطاء قبل السؤال ، والإطعام في المحل. وأما النجدة : فالذب عن الجار ، والصبر في المواطن ، والإقدام على الكريهة.\rوفي رواية أخرى ، أن معاوية قال في مجلسه يوماً لمن حضره : من يخبرني عن المروءة والجود والنجدة ؟ فقال عبد اللّه بن هاشم بن عتبة ، وكان بعده عفوه عنه يحضر مجلسه : قال : يا أمير المؤمنين! أما المروءة فالصلاح في الدين ، والإصلاح في المال ، والمحاماة عن الجار. وأما النجدة فالجرأة على الإقدام ، والصبر عند ازورار الأقدام.\rقال طلحة بن عبيد اللّه : جلوس الرجل ببابه من المروءة ، وليس من المروءة حمل الكيس في الكم.\rسئل الأحنف عن المروءة ، فقال : التفقه في الدين ، وبرّ الوالدين ، والصبر على النوائب.\rويروى عن الأحنف أيضاً أنه قال : لا مروءة لكذوب ، ولا أخ لملول ، ولا سؤدد لسيئ الخلق.\rسئل ابن شهاب الزّهري عن المروءة ، فقال : اجتناب الريب ، وإصلاح المال ، والقيام بحوائج الأهل.\rسئل إباس بن معاوية عن المروءة ، فقال : أما حيث تعرف فالتقوى ، وأما حيث لا تعرف فاللّباس.\rوقال الزهري أيضاً : الفصاحة من المروءة.\rقال إبراهيم النخعى : ليس من المروءة كثرة الالتفات في الطريق.\rقال غيره : من كما المروءة أن تصون عرضك ، وتكرم إخوانك ، وتقيل في منزلك.\rقال منصور الفقيه :\rمن فارق الصبرّ والمرو ... ءة أمكن من نفسه عدوّه\rقال ربيعة بن عبد الرحمن : للسفر مروءة ، وللحضر مروءة. فالمروءة في السفر : بذل الزاد ، وقلة الخلاف على الأصحاب ، وكثرة المزاح في غير مساخط اللّه. المروءة في الحضر : إدمان الاختلاف إلى المساجد ، وتلاوة القرآن ، وكثرة الإخوان في اللّه عزّ وجلّ.\rوفي رواية أخرى عن ربيعة أنه قال : المروءة ست خصال : ثلاث في الحضر ، وثلاث في السفر ، فأما التي في السفر : فبذل الزاد ، وحسن الخلق ، ومداعبة الرفيق. وأما التي في الحضر ، فتلاوة القرآن ، ولزوم المساجد ، وعفاف الفرج.\rقيل لبعض الحكماء : من يجب لذى المروءة إخفاء نفسه وإظهارها ؟ قال : على قدر ما يرى من نفاق المروءة وكسادها.\rكان يقال : صن عقلك بالحلم ، ومروءتك بالعفاف ، وبجدتك بترك الحياء ، وجهدك بالإجمال في الطب.\rأخبرنا عيسى بن سعيد ، حدثنا مقسم ، حدثنا أبو بكر محمد بن حمدان ،حدثنا أبو محمد أحمد بن عبد اللّه بن العباس بن عثمان بن شافع بن السّائب ، عن عبد يزيد بن هشام بن عبد المطلب بن عبد مناف ، قال : حدثني عمي عن إبراهيم بن محمد بن العباس ، قال : سمعت سفيان بن عيينة ، وقد سئل عن المروءة ماهي ؟ فقال : الأنصاف من نفسك ، والتفضل على غيرك ، ألم تسمع قول اللّه تعالى \" إن اللّه يأمر بالعدل والإحسان \" لاتتمّ المروءة إلاّ بهما ، العدل هو الإنصاف ، والإحسان التفضل.\rروى عن الفضيل بن عياض رحمة الله ، أنه سئل عن الرجل الكامل التام المروءة فقال : الكامل من برّ والديه ، ووصل رحمه ، وأكرم إخوانه ، وحسن خلقه ، وأحرز دينه ، وأصلح ماله ، وأنفق من فضله ، وحسن لسانه ، ولزم بيته.\rقال الشاعر :\rإذا الفتى جمع المروءة والتقى ... وحوى مع الأدب الحياء فقد كمل\rقال رجل من بني قريع :\rإذا المرء أعيته المروءة ناشئاً ... فمطلبها كهلا عليه شديد\rقال جعفر بن محمد : لا هين لمن لا مروءة له.\rقال أحمد بن العدل : زعموا أن الأحنف بن قيس لم يسمع له شعرٌ غير هذين البيتين ، وهما :\rفلو مدّ سروى بمال كثير ... لجدت وكنت له باذلا","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"فإنّ المروءة لا تستطاع ... إذا لم يكن مالها فاضلا\rوقال آخر :\rرزفت لباً ولم أرزق مروءته ... وما المروءة إلا كثرة المال\rإذا أردت مساماة تقعدّني ... عما ينوّه باسمى رفة الحال\rوقال منصور الفقيه :\rكلّ من فارق المروءة عاشا ... ونما وفره وزاد رياشا\rوأخو الفضل والمروءة والدّي ... ن مقلٌ أموره تتلاشى\rوقال سفيان الثورى : من لم يحسن يتقرّا.\rذكرت الفتوة عند سفيان رحمه اللّه ، فقال : ليست بالفسق ولا الفجور ،ولكن الفتوة كما قال جعفر بن محمد : طعام موضوع ، وحجابٌ مرفوع ، ونائل مبذول ، وبشر مقبول ، وعفاف معروف ، وأذى مكفوف.\rقال محمد بن داود : من كان ظريفاً فليكن عفيفاً ، وأنشد لا بن هرمة :\rولرب ليلة لذة قد نلتها ... وحرامها بحلالها مدفوع\rوقال صريع الغواني :\rوما ذمى الأيام أن ليست حامداً ... لعهد ليلليّ التي سلفت قبل\rألا رب يومٍ صادق العيش نلته ... بها ونداماى العفافة والبذل\rوقال منصور الفقيه :\rفضل التقى أفضل من ... فضل اللّسان والحسب\rإذا هما لم يجمعا ... إلى العفاف والأدب\rوقال آخر :\rوليس فتى من راح واغتدى ... لشرب صبوح أو لشرب غبوق\rولكن فتى الفتيان من راح واغتدى ... لضرّ عدوّ أو لنفع صديق\rوقال جحظة :\rألا يأهل بغداد جميعاً ... عصيتم في المروءة من براكم\rتذمون الزمان بغير جرمٍ ... وما بزمانكم عيبٌ سواكم\rباب امتحان أخلاق الرّجال\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : \" الأرواح أجنادٌ مجنده ، فما تعارف منها ائتلف : وما تناكر منها اختلف \" .\rأخذه بعض الشعراء فقال :\rإن القلوب لأجناد مجندةٌ ... للّه في الأرض بالأهواء تعترف\rفما تعارف منها فهو مؤتلف ... وما تناكر منها فهو مختلف\rقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : \" الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة \" .\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : \" إن الأمير إذا تجسس على الناس أفسدهم \" .\rقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : \" وجدت الناس اخبر تقله \" . وقد روى هذا مرفوعاً عن أبي الدراء.\rوفي خبر آخر : \" إن الناس سواسيةٌ كأسنان المشط \" .\rكان يقال : لا يزال الناس بخير ما تباينوا ، فإذا تساووا هلكوا قال الشاعر :\rسواءٌ كأسنان الحمار فلا ترى ... لذي شيبة منهم على ناشئ فضلاً\rقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه :الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم قال على بن أبي طالب رضي اللّه عنه : خالط المؤمن بقلبك ، وخالط الفاجر بخلقك.\rكان يقال : يمتحن الرجل في ثلاثة أشياء : عند هواه إذا هوى ، وعند غضبه إذا غضب ، وعند طمعه إذا طمع.\rقال أبو عمرو بن العلاء : إذا أردت أن تعرف مالك عند صديقك فاعرف ما كان لصديقه قبلك عنده.\rقال سفيان الثورى : إذا أردت أن تعرف مالك عند صديقك فأغضبه ، فإن أنصفك في غضبه وإلا فاجتنبه.\rقال الفضل بن عباس بن عتبه بن أبي لهب\rإذا أردت وداد امرئٍ ... فسل كيف كان لإخوانه\rفإمّا رضيت فأحببته ... وإما ترغبت عن ثيانه\rقال الأحنف بن قيس : ما كشفت أحداً قط إلاّ وجدته دون ما كنت أظن قال تأبط شرّاً :\rلتقرعنّ على السّنّ من ندم ... إذا تذكرت يوماً بعض أخلاق\rوقال آخر :\rإنّ المودة بالتجارب ... قضتّ من النّاس المآرب\rلم تترّك لي صاحباً ... أصبو إليه ولا أعاتب\rمتفرداً بتوحّدي ... دون الأباعد والأقارب\rارغب إلى اللّه الذي ... يعطى الجزيل من المذاهب\rباللّه تتسع الفجا ... ج إذا تضايقت المذاهب\rكان سفيان الثوري يتمثل بهذه الأبيات :\rابل الرجال إذا أردت إخاءهم ... وتوسمنّ أمورهم وتفقد\rوإذا ظفرت بذى الأمانة والتقى ... فبه اليدين قرير عين فاشدد","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"ودع التذلل والتخشّع تبتغي ... قرب الذّي إن تدن منه يبعد\rوقال آخر :\rأهلكني بزيادٍ ثقتي ... وظنونٌ بزيادٍ حسنه\rليس يستوجب شكرا رجلٌ ... نلت خيراً منه من قبل سنه\rوقال يزيد بن محمد المهلبي :\rومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلاً أن تعدّ معايبه\rوقال آخر :\rإن الرجال إذا اختبرت طباعهم ... ألفيهم شتى على الأخبار\rلا تعجلنّ إلى شريعة موردٍ ... حتى تبين صفحة الإصدار\rوقال آخر :\rاترك مكاشفة الصديق إذا ... غطّى على هفواته ستر\rوتجاف عنه بلا مصارمةٍ ... فلنعم صائن عرضك الصبر\rوقال آخر :\rلا تحمدن امرءاً حتى تجربه ... ولا تذمنه من غير تجريب\rوقال محمود الوراق :\rلا يغلبنك غالب الحرص ... واعلم بأن النّاس نقص\rوالبس أخاك على تصنعه ... فلرب مفتضحٍ على النّص\rما كدت أفحص عن أخي ثقة ... إلا ذممت عواقب الفحص\rوقال آخر :\rإذا أنكرت أخلاق الصديق ... فلست من التحيز في مضيق\rطريقاً كنت تسلكه سليماً ... فأسبع فاجتنبه إلى طريق\rوقال آخر :\rلا تحمدن امرءاً حتى تجربه ... فربّما لم يوافق خبره خبره\rوقال آخر :\rإذا أنت لم تستقبل الأمر لم تجد ... لكفّك في إدباره متعلّقا\rإذا أنت لم تترك أخاك وزلةً ... إذا زلها أوشكتما أن تفرّقا\rقال آخر :\rقد كنت أحمد أمرى فيك مبتدئاً ... فقد ذممت الذي أحمدت في صدري\rفاذهب فأنت امرؤٌ لا شك أوّله ... حلوٌ وآخره مرٌّ على الخبر\rقال معاذ بن جبل : إذا أحببت أخاً في اللّه ، فلا تماره ولا تشاره ولا تسل عنه أحداً ، فلربما أخبرك بما ليس فيه ، فحال بينك وبينه.\rقال الشاعر :\rأردت لكيما لا ترى لي زّلةٌ ... ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل\rأجمعوا على القول بأن اللّه تعالى تفرّد بالكمال ، ولم يبرئ أحداً من النقصان.\rقال أبو بكر بن دريد :\rإذا تصفحت أمور النّاس لم ... تلف امرءا حاز الكمال فاكتفى\rمن لك بالمهذب النّدب الذي ... لا يجد العيب إليه مختطا\rكم من أخ مسخوطةٍ أخلاقه ... أصفيته الودّ لخلق مرتضى\rوقال النابغة الذبياني :\rولست بمستبقٍ أخاً لا تلمّه ... على شعثٍ أيّ الرجال المهذّبوقال ابن وكيع :\rمن لم يكن مؤاخياً إلاّ الذّي ... لا عيب فيه عاش فردا في الورى\rوقال آخر :\rما بالمنازل من ضيقٍ ومن ضجر ... بل الطّبائع منها الضّيق والضّجر\rوقال آخر :\rكل خليل كنت خاللته ... لا ترك اللّه له واضحه\rكلهم أروع من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحه\rوقال آخر :\rكل امرئ صائرٌ يوماً لشيمته ... وإن تخلّق أخلاقاً إلى حين\rوقال عباس بن الأحنف :\rوما مرّ يومٌ أرتجى فيه راحةً ... فأخبره إلا بكيت على أمس\rوقال آخر :\rعليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إن التخلق يأبى دونه الخلق\rولا يواتيك فيما ناب من حدث ... إلا أخو ثقةٍ فانظر بمن تثق\rوقال زهير بن أبي سلمى :\rومهما تكن عند امرئ من خليفةٍ ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم\rوقال نصيب الأصفر ، مولى المهدى :\rإن البقاع إذا استسر بها الندى ... أنس النبات بها وطاب المربع\rوإذا جهلت من امرئ أخلاقه ... وقديمه فانظر إلى ما يصنع\rوقال محمود الوراق :\rذممتك أولا حتّى إذا ما ... بلوت سواك عاد اللوم حمداً\rولم أحمدك من خيرٍ ولكن ... رأيت سواك شرّاً منك جداً\rفعدت إليك محتملا خليلا ... لأني لم أجد من ذاك بدّا","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"كمجهودٍ تحامى أكل ميتٍ ... فلما اضطرّ عاد إليه شدّا\rوقال أيضاً :\rلم أبك من خبث خلّ ... إلا بكيت عليه\rولم أمل عن صديقٍ ... للزّهد فيما لديه\rإلى سواه فأبلو ... إلاّ رجعت إليه\rكلّ امرئ مستبد ... بحفظ ما في يديه\rذكرا بن مقسم ، حدثنا محمد بن يحيى النديم ، قال : حدثنا المبرد ، قال : كان بين عمارة بن حمزة وبين إسماعيل بن علىّ مودة ، ثم تنافرا. فكتب إليه عمارة :\rسأترك ما بيني وبينك ساكنا ... فإن عدت عدنا والوصال سليم\rولو قد خبرت الناس حق اختبارهم ... رجعت إلى وصلى وأنت ذميم\rأخبرنا عبد الوراث ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : أنشدنا عيسى الأعمى ، قال أنشدنا ابن المعلم لعلى بن الجهم :\rالناس إخوانك حتى إذا ... عرضت للخوان بالدّرهم\rساءك ما سرك من خلقهم ... وصرت وسط الحلق كالعلقم\rوقال آخر :\rعتبت على سلم فلما فقدته ... وجربت أقواماً بكيت على سلم\rوقال آخر :\rلم أبك من زمن لم أرض خلته ... إلا بكيت عليه حين ينصرم\rوقال آخر :\rمتى تحسب صديقك لم يقلوا ... وإن تخبر يقلّوا في الحساب\rوقال آخر :\rونعتب أحياناً عليه ولو مضى ... لكنّا على الباقي من الناس أعتبا\rوقال آخر :\rسبكناه ونحسبه لجيناً ... فأبدى الكير عن خبث الحديد\rوقال آخر :\rومن يبتدع ماليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه إلى النفس خيمها\rوقال آخر :\rإذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم ... فرش والتمس نفع الذّي بهم ترمى\rوقال محمود الوراق :\rأثمّ الناس أعرفهم بنقصه ... وأقمعهم لشهوته وحمصه\rفدان على السّلامة من تدانى ... ومن لم ترض صحبته فأقصه\rوخلّ الفحص ما استغنيت عنه ... فكم من جالب غيظا بفحصه\rولا تستغل عافيةً بشئ ... ولا تستر خصنّ أذى لرخصه\rوقال آخر :\rارض من المرء في مودته ... بما يؤدّي إليك ظاهره\rمن يكشف الناس لم يجد أحداً ... تصح منهم له سرائره\rوقال آخر :\rيكفيك من قومٍ شواهد أمرهم ... فخذ عفوهم قبل امتحان السّرائر\rفإن امتحان القوم يوحش بينهم ... ومالك إلا ما ترى في الظواهر\rوإنك إن كشفت لم تر طائلا ... وأبدي لك التكشيف خبث الضمائر\rوقال آخر :\rولا خير في ودّ إذا لم يكن له ... على طول مرّ الحادثات بقاء\rوقال منصور الفقيه :\rإذا جمع الفتى حسبا وديناً ... فلا تعدل به أبداً قريناً\rولا تسمح بحظك منه بل كن ... بحظك من مودّته ضنينا\rوقال آخر :\rلعمرك ما مال الفتى بذخيرةٍ ... ولكنّ إخوان الثقاب الذخائر\rوقال ابن الرومى :\rإذا شئت تعرف أصل الفتى ... أجل لحظ طرفك في منظره\rفإن لم بين لك فانظر إلى ... أفاعيله فهي من جوهره\rفإن غاب عنك بهذا وذا ... فلا تطلبن سوى محضره\rفإن المحاضر سرّ الرجال ... بها يعرف النذل من خيّره\rبلوت الرجال وأفعالهم ... فكلٌّ يعود إلى عنصره\rوقال ربيعة الرّقى :\rإن اللئيم وإن خلته ... كريماً يذودك عن عرفه\rويرجع محصول أخلاقه ... إلى أصله وإلى صنفه\rباب التودّد إلى الناس\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : \" مداراة الناس صدقه \" .\rوقال صلى اللّه عليه وسلم : \" أمرني ربي بمداراة الناس ونهاني عن ملاحاتهم \" .\rروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : \" رأس العقل بعد الإيمان باللّه التودد إلى الناس \" .\rوقد روى في خبر مرفوع : \" التودّد إلى الناس نصف العقل ، وحسن التدبير نصف المعيشة ، وما عال من اقتصد \" .","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"قال عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه : إنّ مما يصفى لك ودّ أخيك أن تبدأه بالسلام إذا لقيته ، وأن تدعوه بأحبّ الأسماء إليه ، وأن توسّع له في المجلس.\rقال بعض الحكماء : رأس المداراة ترك المماراة.\rوفي الحديث المرفوع : \" إذا أحب اللّه عبداً أحبّه الناس \" .\rأخذه الشاعر فقال :\rإذا أحبّ اللّه يوماً عبده ... ألقى عليه محبةً في الناس\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : \" ألا أنبئكم بشراركم \" ؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه. قال : \" من لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة. ألا أنبئكم بشر من ذلكم \" قالوا : بلى. قال : \" من يبغض الناس ويبغضونه \" .\rروينا أن داود عليه السلام ، جلس كئيباً خاليا ، فأوحى اللّه إليه : مالى أراك خاليا ؟ قال : هجرت الناس فيك. قال : أفلا أدلّك على شئ تبلغ رضاي؟ خالق الناس بأخلاقهم ، واحتجز الإيمان فيما بيني وبينك.\rكان يقال : من رضى من الناس بالمسامحة طال استمتاعه بهم.\rقال أكثم بن صيفي : من تشدّد فرّق ، ومن تراخى تألف ، والسرور في التغافل.\rقال علي رضى اللّه عنه : شرط الصحبة إقاله العثرة ، ومسامحة العشرة ، والمواساة في العسرة.\rقيل للعتّابي : إنك تلقى الناس كلهم بالبشر! قال : دفع ضغينةٍ بأيسر مؤونة ،واكتساب إخوان بأيسر مبذول.\rقال محمود الوراق :\rأخو البشر محمود على كلّ حالةٍ ... ولن يعدم البغضاء من كان عابساً\rويسرع بخل المرء في هتك عرضه ... ولم أر مثل الجود للعرض حارساً\rقال أعرابي يمدح رجلا بساماً هو زياد الأعجم يمدح عبد اللّه بن عامر ابن كريز.\rأخ لك ما تراه الدّهر إلاّ ... على العلات بساماً جواداً\rسألناه الجزيل فما تلكا ... وأعطى فوق منيتنا وزادا\rوأحسن ثم أحسن ثم عدنا ... فأحسن ثم عدت له فعادا\rمراراً ما أعود إليه إلاّ ... تبسم ضاحكاً وثنى الوسادا\rوقال آخر :\rولي صاحبٌ كالموت يوم فراقه ... تغيّر والأيام جمّ عجيبها\rأريد له هجراً لبعض خلاله ... فتعطفي أخرى له فأجيبها\rوقال آخر :\rأخ لي كأيام الحياة إخاؤه ... تلون ألواناً كثيراً خطوبها\rإذا عبت منه خلّةً فهجرته ... دعتني إليه خلّة لا أعيبها\rوقال ابن وكيع :\rمن لم يدار الناس عن علم بهم ... انصرفوا وكلّهم له عدا\rوقال كثير :\rومن لا يغمّض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب\rومن يتبع جاهداً كل عثرةٍ ... يجدها ولا يسلم الدّهر صاحب\rوقال آخر :\rوكم من أخٍ لم يحتمل منه خلّةً ... قطعت ولم يمكنك منه بديل\rومن لم يرد إلا خليلاً مهذباً ... فليس له في العالمين خليل\rقال آخر :\rوأحبب إذا أحببت حبّاً مقارباً ... فإنك لا تدري متى أنت نازع\rوأبغض إذا أبغضت بغضاً مقارباً ... فإنك لا تدري متى أنت راجع\rهذا مأخوذ من الحديث المرفوع : \" أحبب حبيبك هوناً ما فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما ، وابغض بغيضك هوناً ما فعسى أن يكون حبيبك يوماً ما \" .\rوأحسن ما نظم في هذا المعنى قول أبي العتاهية :\rقل لمن يعجب من ... حسن رجوعي ومقالي\rربّ صدّ بعد ودّ ... وهوى بعد تقالى\rقد رأينا ذا كثيراً ... جارياً بين الرجال\rأنشد حبيبٌ للفند الزّمّاني وقال الجاحظ لا أظنها له :\rصفحنا عن بنى ذهل ... وقلنا : القوم إخوان\rعسى الأيام أن يرجع ... ن قوما كالذي كانوا\rقال آخر :\rوكنت إذا صبحت رجال قوم ... صحبتهم وشيمتي الوفاء\rفأحسن حين يحسن محسونهم ... وأجتنب الإساءة إن أساءوا\rوأبصر ما ينقصني بعين ... عليها من عيونهم غطاء\rوقال آخر :\rما نالت النفس على شهوة ... ألذ من ودّ صديقٍ أمين\rمن فاته ودّ أخٍ صالحٍ ... فذلك المغبون حقّ اليقين\rقال آخر :\rاستوحش الناس علىّ جدّا ... ولا أرى لي من أناس بدّأ","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"إن لم أعاشرهم بقيت فردا وقال آخر :\rأغمض للصديق عن المساوى ... مخافة أن أعيش بلا صديق\rقال آخر :\rأغمّض عيني عن صديقي تغافلا ... كأنّي بما يأتي من الأمر جاهل\rوما بي جهلٌ غير أن خليقتي ... تطيق احتمال الكره فيما يحاول\rمتى ما يربني مفصل فقطعته ... بقيت ومالي في النهوض مفاصل\rوقال آخر :\rوكنت إذا الصديق أراد غيظي ... فأشرقني على حنق بريقي\rغفرت ذنوبه وصفحت عنه ... مخافة أن أعيش بلا صديق\rوقال آخر :\rإذا ما خليلي رابني بعض خلقه ... ولم يك عما ساءني بمفيق\rصبرت على أشياء منه تريبني ... مخافة أن أبقى بغير صديق\rوأنشد ابن الأنباري عن أبيه :\rإذا ما صديقي ساءني بفعاله ... ولم يك عما ساءني بمفيق\rصبرت على الضَّرَّاء من سوء فعله ... مخافة أن أبقى بغير صديق\r\" قالوا :لا خير في الناس ،ولابد من الناس \"\rباب الاستيحاش من الناس والفرار منهم\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" خير الناس منزلةً يوم القيامة ، رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله يخيف العدو ويخيفونه \" . وفي رواية أخرى : \" حتى يموت أو يقتل ، والذي يليه رجل معتزل في شعب من الشّعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ، ويعتزل شرور النّاس \" .\rقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه الطمع فقرٌ واليأس غنيٌ ، والعزلة راحةٌ من جليس السوء ، وقرين الصدق خير من الوحدة.\rقال أبو الدردّاء : نعم صومعة الرجل المؤمن بيته ، يصون دينه وعرضه ، وأياكم والأسواق ، فإنها تلغي وتلهي.\rقال مكحول :إن كان في الجماعة فضل ، فإن في العزلة سلامه.\rقال عمر بن الخطاب : خالطوا الناس في معايشكم ، وزايلوهم بأعمالكم.\rقال أبو الدّرداء : كان الناس ورقاً لا شوك فيه ، وهم اليوم شوك لا ورق فيه.\rيقال : إن فيما أنزل اللّه في الإنجيل على عيسى عليه السلام. كن وسطاً وامشي جانباً.\rقال ابن المقفع : وحشة الانفراد أبقى على المرء من أنس التلاقي.\rقال بعض العلماء العزلة عن الناس توقي العرض ، وتبقي الجلالة ، وترفع مؤونة المكافأة في الحقوق اللازمة ، وتستر الفاقة.\rقال أوس ابن حجر :\rوإنّي رأيت النّاس إلا أقلهم ... خفاف العهود يكثرون التّنقّلا\rبنى أمّ ذي المال الكثير يرونه ... وإن كان عبداً سيّد القوم جحفلا\rوهم لمقلّ الممال أولاد علّةٍ ... وإن كان محضاً في العمومة مخولا\rوليس أخوك الدائم العهد بالذي ... يسوءك إن ولّي ويرضيك مقبلا\rولكن الأخ النّائي إذا كنت آمناً ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا\rوقال الحسن بن عبد الرحمن.\rتوحشت ولكنّي ... أسرّ بالوحشة أحيانا\rوفي الوحشة ما يؤ ... نس من صحبة من خانا\rوقال أيضاً :\rيا حبّذا الوحشة من أنيس ... إذا خشيت من أذى الجليس\rوقال أبو العتاهية :\rبرمت بالناس وأخلاقهم ... فسرت أستأنس بالوحده\rما أكثر النّاس لعمري وما ... أقلّهم في حاصل العدّه\rكتب شيخ من أهل الرّى على باب داره : جزى اللّه عنا من لا نعرفه ولا يعرفنا خيراً ، وأما أصدقاؤنا الخاصة فلا جزاهم اللّه خيراً ، فإن لم نؤت إلا منهم.\rقال سفيان وما وجدت من يغفر لي ذنباً ، ولا يستر لي عيباً ، فرأيت في الهرب من الناس السّلامة.\rقال الفضيل بن عياض لسفيان الثوري : دلّني على رجل أجلس إليه ، قال : تلك ضالّة لا توجد.\rقال أكثم ابن صيفي : الانقباض عن الناس مكسبه للعداوة ، وإفراط الأنس مكسبة لقرناء السوء.\rوقال سهل الوراق :\rألا ما لذا الناس قد بدّلوا ... فهم كذئاب عليها ثياب\rتواطئوا على كلّ مستقبحٍ ... فما لقبيح لديهم معاب\rوخانوا الأمانة ما بينهم ... وهل بالأمانة توفى الذئاب\rقال الأضبط بن قريع :\rأذود عن حوضه ويدفعني ... يا قوم من عاذري من الخدعه\rأنشد الخريري لنفسه :","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"مخالط الناس في الدّنيا على خطر ... وفي بلاءٍ وصفو شيب بالكدر\rكراكب البحر إن تسلم حشاشته ... فليس يسلم من خوف ومن حذر\rوقال قدامة بن إبراهيم الجمحى :\rالعجز ضعف ومالجزم من ضررٍ ... وأحزم الحزم سوء الظنّ بالناس\rلا تترك الحزم في أمر تحاذره ... فإن أصبت فما بالحزم من باس\rأنشدني عبد الرّحمن بن أبان ، عن عثمان ، قال : أنشدني أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدى لنفسه :\rأشعرن قلبك ياسا ... ليس هذا الناس ناسا\rقد مضى الإبريز منهم ... وبقوا بعد بحاسا\rسامريين يقولو ... ن جميعاً مساسا\rلهلال بن العلاء :\rلما عفوت ولم أحقد على أحدٍ ... أرحت نفسي من هم العداوات\rإني أحيّى عدّوى عند رؤيته ... لأدفع الشرّ عنّى بالتحيات\rوأحسن البشر للإنسان أبغضه ... كأنه قد ملا قلبي محبّات\rولست أسلم ممن لست أعرفه ... فكيف أسلم من أهل المودات\rوقال ابن الرومى :\rيا ذا الذي منه التغي ... ر والتّنكر والنبوّ\rإن كان أدر كك الملا ... ل فقد تداخلني السّلوّ\rوقال آخر :\rقد كنت عبداً والهوى مالكى ... فصرت حرّا والهوى خادمى\rوصرت بالوحدة مستأنساً ... من شرّ أولاد بني آدم\rما في اختلاط الناس خير ولا ... ذو الجهل بالأشياء كالعالم\rيا عاذلى في تركهم جاهلا ... عذرى منقوش على خاتمي\rوكان في خاتمه منقوشاً : \" وما وجدنا لأكثرهم من عهد \" وقال منصور الفقيه :\rنفرت من كلّ من وثقت به ... إذ كلهم خانني ولم أخن\rمن لان لي جانباه لنت له ... ومن أبي أن يلين لم ألن\rوقال آخر :\rهذا زمانٌ ليس إخوانه ... يامعشر الناس بإخوان\rإخوان سوءٍ كلّهم فاسقٌ ... له لسانان ووجهان\rيلقاك بالبشر وفي قلبه ... داءٌ يواريه بكتمان\rحتّى إذا ما غبت عن وجهه ... رماك في الغيب ببهتان\rيأيها المرء فكن واحداً ... فرداً ولا تأنس بإنسان\rمنصور الفقيه :\rالناس بحرٌ عميقٌ ... والبعد منهم سفينه\rوقد نصحتك فانظر ... لنفسك المسكينه\rطرفة بن العبد :\rكلّ خليل كنت خاللته ... لا ترك اللّه له واضحه\rكلهم أروع من ثعلب ... ماأشبه الليلة بالبارحه\rوقال منصور الفقيه :\rيا أخا الدّهر إن وفا ... وأخا الدهر إن غدر\rكن من الناس كيف شئ ... ت على غاية الحذر\rكان يقال : صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار وقال ابن وكيع :\rفسد الناس كلّهم وانقضى الودّ ... فما في الورى أخٌ ذو صفاء\rوأرى طالب الفرار من النا ... س ومرتاد مربهم في بلاء\rذاك بالانقباض يكسب المق ... ت ويعزى به إلى الكبرياء\rوأخو الانبساط يخشى انقلاباً ... من صديق يضيع حق الإخاء\rوإذا ما الصديق عاد عدواً ... فهو مستفرهٌ من الأعداء\rوقال منصور الفقيه :\rفي الناس خيرٌ كثيرٌ ... والشرفى الناس أكثر\rوقد نصحتك حهدى ... فانظر لنفسك واحذر\rفإن وثقت بقولي ... فيهم وإلا فغرر\rوله أيضاً :\rإنما الناس فزعةٌ ... ليس في الناس مفزع\rذم من شئت منهم ... فهو للذمّ موضع\rولما حضرته الوفاة ، قال : أستغفر اللّه من هذين البيتين.\rقال سويد بن منجوف :\rقبلغّ مصبعاً عنّي رسولا ... وهل تجد النصيح بكل واد\rتعلّم أن كثر من تناجى ... وإن ضحكوا إليك هم الأعادي\rأنشد الزبير لأبي همهمة :\rإخوة ما حضرت سرّون برّو ... ن فإن غبت فالسّباع الجياع","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"با ينوي حتى إذا عانيوني ... بان منهم تضاؤلٌ واجتشاع\rفهم يغمزون مني قناةً ... ليس يألون عمزها ما استطاعوا\rما كذا يفعل الكرام ولكن ... هكذا يفعل اللثام الوضاع\rقال أبو غسان مالك بن الله غلام أبي العتاهية :كنت عند أبي العتاهية قبل موته بثلاثة أيام ،وإنه لشديد العلّة لما به ،فرفع رأسه إلى وقال :يا أبا غسان!\rلله درّ أبيك أيّ زمان ... أصبحت فيه وأيّ أهل زمان\rكلٌّ يوازنك المودة دائباً ... يعطى ويأخذ منك بالميزان\rلإغذا رأى رجحان حبة خردلٍ ... مالت مودته مع الرّجحان\rفي كلّ يومٍ منه تبدو قصّةً ... تنعي إليك مودّة الإخوان\rوقال منصور الفقيه :\rأيّ زمان نشأت فيه ... كذي ضلالٍ بأرض تيه\rما شئت من عالم خبيثٍ ... فيه ومن جاهلٍ سفيه\rوقال أبو العتاهية :\rإن الزمان يغرّني بأمانه ... ويذيقني المكروه من حدثانه\rفأنا النذير من الزمان لكلّ من ... أمسي وأصبح وائقاً بزمانه\rما الناس إلا للكثير المال أو ... لمسلّط ما دام في سلطانه\rفإذا الزمان رماهما بملمّةٍ ... كان الثّقات هناك من أعوانه\rقال إبراهيم بن العباس الصولى :\rبلوت الزمان وأهل الزمان ... فكلّ بذم ولوم حقيق\rوأوحشني من صديقي الزمان ... وآنسني بالعدوّ الصديق\rوله أيضاً\rوربّ أخ ناديته في ملمةٍ ... فألفيته منها أجلّ وأعظما\rأنشدني محمد بن نصير الكاتب لنفسه :\rتطلّب سبيل الهدى جاهداً ... ودع عنك مشتبهات السّبل\rوأصبح من الناس مستوفزاً ... فأكثرهم راصدٌ للزّلل\rوأجبن من قد ترى منهم ... لعمرك يردى الشجاع البطل\rوتصمى المقاتل أقوالهم ... بألسنةٍ وقعها كالأسل\rومن حكّم الناس في عرضه ... فمن جار أكثر ممن عدل\rوقال آخر :\rوإذا دعوت أخا إخائك ... عند نائبةٍ تنوب\rألفيته أحد الخطوب ... إذا تتابعت الخطوب\rوهذا كله عندي والله أعلم مأخوذ من قول القائل :\rكنت من كربتي أفر إليهم ... فهم كربتي فأين الفرار\rمنصور الفقيه :\rتبارك من لو شاء ملكني نفسي ... وصيّر في الإيحاش من خلقه أنسي\rوباعد داري عاجلاً عن ديارهم ... كعبد مغيب الشمس عن مطلع الشمس\rلعلّى أن أمسي من الشر آمنا ... وأصبح مسروراً بذاك كما أمسي\rفما نكّد الدنيا على طيب ظلها ... وقرب جناها العذب شئ سوى الإنس\rقال أعرابي ،وهو جابر بن ثابت ،ويعرف بتأبط شرا :\rعوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوّت أنسان فكدت أطير\rدرى الله أني للأنيس لشانئٌ ... وتبغضهم لي مقلةٌ وضمير\rوقال آخر :\rقد بلوت النّاس طرّا ... لم أجد في الأرض حراً\rصار أحلى الناس في عيني ... إذا ما ذيق مرّا\rووجدت الحلو منهم ... عندما جرّبت صبرا\rوقال منصور الفقيه :\rإن بني دهرنا أفاع ... ليس لمن ساورت طبيب\rفلا يكن فيك بعد هذا ... لواحدٍ منهم نصيب\rوقال آخر :\rقد لزمت السّكوت من غير عىّ ... ولزمت الفراش من غير علّه\rوهجرت الإخوان لما أتتني ... عنهم كلّ خصلة مضمحلّه\rفعلى أهل ذا الزمان جميعاً ... ضعف قطر السّماء من لعنة الله\rوقال آخر :\rلا تعرفن أحداً فلست بواجدٍ ... أحداً أضرّ عليك ممن تعرف\rأما نظيرك فهو حاسد نعمةٍ ... أو دون ذاك فذو سؤال ملحف\rأو فوق ذلك حال دون لقائه ... بواب سوءٍ واليفاع المشرف\rوللشافعي الفقيه رحمه الله ،وقيل إنه تمثل بها ،وهي :","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"ليت الباع لنا كانت مجاورةً ... وليتنا لا نرى مما نرى أحدا\rإن السباع لتهدا في مرابضها ... والناس ليس بهاءٍ شرّهم أبدا\rفاهرب بنفسك واستأنس بوحدتها ... تعش سليماً إذا ما كنت منفرداً\rوقال منصور الفقيه :\rأحذّرك الناس إلاّ قليلا ... فلا تبغين إليهم سبيلا\rوفارقهم عن قليّ واتخذ ... إذا ما خشيت انفراداً خليلا\rمن الجنّ والجنّ إن تلقهم ... تجدهم أبرّ فعالا وقليلا\rمن الإنس ،لا كان مستأنساً ... بهم طالبٌ من سواهم بديلاً\rوقال أبو العتاهية :\rأياربّ إنّ الناس لا ينصفونني ... وإن أنا لم أنصفهم ظلموني\rوإن كان لي شيْ تصدّوا لأخذه ... وإن جئت أبغي شيئهم منعوني\rوإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم ... وإن أنا لم أبذل لهم شتموني\rوإن طرقتني نكبةٌ فرحوا بها ... وإن صحبتني نعمةٌ حسدوني\rسأمنع قلبي أن يحنّ إليهم ... وأحجب عنهم ناظري وجفوني\rأنشدني حكم بن المنذر لنفسه :\rوكنتم أخلائي الذين أعدّهم ... لصرف زمان إن ألمّ بداهيه\rفأخلفتم ظني بكم فقليتكم ... فنفسي عنكم أخر الدهر ساليه\rوقال آخر :\rولما رأيت الناس لا عهد عندهمصدفتوبيت اللهعن صحبة الناس\rوصرت جليس الكتب ما عشت فيهم ... وأعلمت حسن الصبّر عنهم مع الياس\rرأيت لهم كاساً من الغذر بينهم ... تدار وما بالقوم صبرٌ عن الكاس\rوهذا الباب وما جانسه من معاني صحبة الناس والفرار منهم ،واتخاذ الإخوان والزهد فيهم ،قد أكثر الناس فيه جدا ،وقد جمع فيه ابن وكيع فتقصىّ وكثّر وجوّد وغزر ،وغرضنا في الكتاب أن نورد فيه ما تصلح المذاكرة به من غير تطويل ،لأن الحفظ أكثر ما يكون مع التقليل ،وبالله العون والتأييد والحول والقوة.\rباب الصّديق والعدو\rقال جعفر بن محمد : لقد عظمت منزلة الصّديق حتى عند أهل النار ، ألم تسمع إلى قوله الله تعالى حاكيا عنهم : \" فما لنا من شافعين ، ولا صديق حميم \" .\rقال علىّ بن أبي طالب رضي الله عنه : لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ صديقه في غيبته وبعد وفاته.\rقال سويد بن الصّامت :\rألا ربّ من تدعو صديقاً ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري\rمقالته كالشّهد ما كان شاهداً ... وبالغيب مأثورٌ على ثغره النّحر\rتبين لك العينان ما هو كاتمٌ ... من الشرّ بالبغضاء والنظر الشّزر\rيسرّك باديه وتحت أديمه ... تميمة غشّ تبترى عقب الظهر\rفرشني بخير طالما قد بريتني ... وخير الموالى من يريش ولا يبرى\rكان أبو العباس السّفاح إذا تعادى اثنان من أهل بطانته لا يسمع من أحد منهما في صاحبه شيئاً ،وإن كان عدلا ،ويقول :العداوة تزيل العدالة.\rكان يقال :لا تجالس عدوّك فإنه يحفظ عليك عيوبك ،ويماريك في صوابك.\rقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه :ابذل لصديقك كلّ المودة ،ولا تبذل له كلّ الطمأنينة ،وأعطه من نفسك كلّ المواساة ،ولا تفضي إليه بكلّ الأسرار.\rروى عن علىّ بن الحسين رحمه الله ،أنه قال :لا يكون الصديق صديقاً حتى بقطع لأخيه المؤمن قطعةًمن دينه يرقّعها بالاستغفار.\rقال غيره :من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقاً ،ولعدوّ صديقه عدوا.\rقال يزيد بن الحكم الثّقفي :\rتصافح من لا قيت لي ذا عداوه ... وأنت صديقي ليس ذاك بمستوى\rفي أبيات قد ذكرتها في باب البغي والحسد وغيره ،وفي رواية أخرى :\rعدوّك يخشى صولتي إن لقيته ... وأنت صديقي ليس ذاك بمستوى\rوقال آخر :\rعدوّ صديقي داخلّ في عداوتي ... وإنّي لمن ودّ الصديق ودود\rفلا تقترب مني وأنت عدوّ من ... أصادقه فالخير منك بعيد\rوقد أنشد المبرد هذين البيتين على قافية القاف على ما رواه شيخنا عيسى عن ابن مقسم ،قال :أنشدني أبو على إسماعيل بن محمد الصّفّار ،قال :أنشدني أبو العباس المبردّ :","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"صديق عدوى داخل في عداوتي ... وإنيّ على ودّ الصديق صديق\rأعادي الذي عادى وأهوى له الهوى ... كأنّي منه في هواه شقيق\rوقال العتّابي :\rتودّ عدوّى ثم تزعم أنّني ... صديقك إنّ الرأي عنك لعازب\rوليس أخي من ودّني رأى عينه ... ولكن أخي من ودّني وهو غائب\rقال آخر :\rإذا والى صديقك من تعادى ... فقد عاداك وانقطع الكلام\rقال معاوية : النبل مؤاخاة الأكفاء ، ومداجاة الأعداء.\rقيل لعبد الحميد الكاتب : أيّما أحب إليك أخوك أو صديقك ؟ قال : إنما أحب أخي إذا كان صديقي.\rقال بعض العلماء أهل المدينة : من ثقل على صديقه خفّ على عدوه ، ومن أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه مالا يعلمون.\rعذل رجل رجلا ، فقال : أراك رطب اللسان من عيوب أصدقائك ، فلا تزدهم في أعداءك ، فإن الصديق يحوّل بالجفاء عدوا ، وكذلك العدو يحول بالصلة صديقا.\rكان يقال : لا تجترئ على عداوة رجل بصداقة ألف.\rقال الشاعر :\rتكثّر من الإخوان ما استطعت أنّهم ... بطونٌ إذا استنجدتهم وظهور\rوليس كثيراً ألف خلًّ وصاحبٍ ... وإن عدواً واحداً لكثير\rومما أنشده المبرد :\rترفّع عن مخاشنة الصّديق ... ولا تلج العدوّ إلى مضيق\rوإن يسنح من المعروف شئٌ ... فبادر خوف إمكان الطريق\rوأحسن من مجاهدة الأعادي ... مجاهدة النفوس على الحقوق\rكان المغيرة بن شعبة يقول : إن أنكأ لعدوك ألاّ تعلمه أنك أتخذته عدوّا.\rسئل أعرابي عن ابن العمّ ، فقال : عدوّك وعدوّ عدوّك.\rكان يقال : من سعادة المرء أن يرى عدوّه خلفه في حياته ، ويقدمه أمامه في وفاته.\rكان يقال : لا تلتمس معاونة ذي عداوة بإعطائه فضل قوة يستكثر بها عليك في مخالفتك.\rجمع كسرى يوما مرازبته وعيون أصحابه ، فقال لهم : من أي شئ أنتم أشد حزراً ؟ قالوا من العدوّ الفاجر ، والصديق الغادر.\rقال موسى بن جعفر : أتّق العدوّ ، وكن من الصديق على حذر فإن القلوب إنما سميت قلوباً لتقلّبها.\rمنصور الفقيه :\rاحذر مودة ماذقٍ ... مزج المرارة بالحلاوه\rيحصى الذنوب عليك أيّام الصداقة للعداوه وقال جحظة البرامكي :\rلا تعدّنّ للزمان صديقاً ... وأعدّ الزمان لللأصدقاء\rقال آخر :\rدار الصديق إذا أستشاط تغضباً ... فالغيظ يخرج كامن الأحقاد\rولربما كان التغيظ باحثاً ... لمعايب الأباء والأجداد\rاستعدى أعرابي على بلاد ابن جرير بن الخطفي إلى قثم بن العبّاس فقال :\rأعوذ بالعبّاس وحقوى محمّد ... وحقويك من طول الأذى والغوائل\rفإنّ بلالاً يابن عمّ محمدٍ ... عدوٌ إذا جاملته لم يجامل\rإذا نال يوماً رشوة من مخاصمٍ ... رمى كلّ حقٍّ أدعيه بباطل\rقال ابن وكيع :\rليس بالمنكر انقلاب صديقٍ ... ربما غصّ شاربٌ بالشراب\rوتلاقى الأخوان بعد فسادٍ كتلاقي ... كتلاقي الأرواح بعد الذهاب\rلا تضيعّ مودةً من صديقٍ ... فانقلاب الصديق شرّ انقلاب\rقال آخر :\rوروّعت حتّى ما أراع من النّوى ... وإن بان جيرانٌ علىّ كرام\rفقد جعلت نفسي على النأى تنطوي ... وعيني على هجر الصديق تنام\rوقال صالح بن عبد القدوس :\rإذا وتر امرءًا فاحذر عداوته ... من أن يزرع الشوك لا يحصد به عنبا\rإن العدوّ وإن أبدي بشاشته ... إذا رأى منك يوماً فرصة وثبا\rقال الصاحب بن عبّاد :\rلقد صدقوا والراقصات إلى مني ... بأنّ مداراة العدى ليس تنفع\rولو أنني دارأت عمري حيةً ... إذا استمكنت يوما من اللسع تلسع\rوقال آخر :\rليس الصديق الذي إن زالّ صاحبه ... يوماً رأى ذنباً غير مغفور\rإن الصديق الذي تلقاه يعز في ... ما ليس صاحبه فيه بمعذور\rوقال آخر :","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"كان صديقي وكان خالصتي ... أيام نجري مجاري السّوق\rقال أبو تمام الطائي :\rوحسبك حسرةً لك من صديقٍ ... رأيت زمامه بيدي عدوّ\rقال العطوي :\rإذا أنكرت أخلاق الصديق ... فلست من التحيّر في مضيق\rطريقاً كنت تسلكه سليماً ... فأسبع فاجتنبه إلى طريق\rفإن قابلت يسرى منه عسرى ... فراجع من قطعت من الصّديق\rوقال عبد بني الحسحاس :\rرأيت الحبيب لا يملّ حديثه ... ولا ينفع المشنوء أن يتودّدا\rوقال زياد اللأعجم :\rعدوّك مسرور وذو الودّ بالذي ... أتى منك من غيظ علىّ كظيظ\rتلين لأعل الغلّ والغمز منهم ... وأنت على أهل الصفاء غليظ\rنسىّ لما أوليت من صالحٍ مضى ... وأنت لتأنيب علىّ حفيظ\rوسميت غيّاظاً ولست بغائظ ... عدوّا ولكنّ الصديق يغيظ\rوقال أبو الطيب :\rوأرحم أقواماً من العىّ والغبا ... وأعذر في بغضي لأنهم ضدّ\rومن نكد الدّنيا على الحرّ أن يرى ... عدوّا له من صداقته بدّ\rوقال آخر :\rشر البلاد مكانٌ لا صديق به ... وشرّ ما يكسب الإنسان ما يصم\rوقال منصور الفقيه :\rإذا تخلفت عن صديق ... فلم يعاتبك في التخلف\rفلا تعد بعدها إليه ... فإنما وده تكلف\rوإن تعد بعدها إليه ... فلا تلمه على التصلف\rوقال آخر :\rإذا كتم الصديق أخاه سرّا ... فما فضل الصّديق على العدوّ\rوقال ابن الروّمى :\rعدوّك من صديقك مستفادٌ ... فأقلل ما استطعت من الصّحاب\rفإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطّعام أو الشراب\rوإنّك قلّما استكثرت إلاّ ... وقعت على ذئابٍ في ثياب\rفدع عنك الكثير فكم كثيرٍ ... يعاب وكم قليلٍ مستطاب\rوما اللّجج الملاح بمروياتٍ ... وتلقى الرّىّ في النطف العذاب\rإذا انقلب الصديق غدا عدوّا ... مبيناً والأمور إلى انقلاب\rوقال منصور الفقيه :\rاحذر عدوّك مرة ... واحذر صديقك ألف مرّة\rفلربمّا انقلب الصديق ... فكان أعلم بالمضرّة\rقال آخر :\rكن من صديقك خائفاً ... فلربّما حال الصديق\rوقال أخر :\rأحذر صديقك لا عدوّك إنما ... مستور سرّك عند كلّ صديق\rقال أبو بكر الخالدى :\rما في زمانك ما يعزّ وجوده ... إن رمته إلاّ صديقٌ مخلص\rوقال الكميت يخاطب بني العباس :\rإذا نحن خفنا في زمان عدوّ كم ... وخفنا كم إنّ البلاء لراكد\rوقال آخر :\rوبغضك للتقّى أقل ضراً ... وأسلم من مودة ذي الفسوق\rولن تنفك تحسد أو تعادى ... فأكثر ما استطعت من الصديق\rخالفه ابن الرومي فقال :\rعدوك من صديقك مستفادٌ ... فأقلل ما استطعت من الصديق\rفإن الداء أكثر ما تراه ... من الأشياء تحلو في الحلوق\rأكثر رجل على رجل بالسّلام وقال له : أنا صديقك. قال : وكيف ؟ قال : لأني أسلم عليك. فأنشأ يقول :\rلئن كان من قال السّلام عليكم ... يعد صديقاً فالصديق كثير\rوقال عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر :\rلا تهن للصديق تكرمه ... نفسك حتى تعدّ من خوله\rيحمل أثقاله عليك كما ... يحمل أثقاله على جمله\rليس الفتى بالذي يحول عن ال ... عهد ويؤتي الصّديق من قبله\rولست مستبقاً أخاً لك لا ... تصفح عن جهله رعن زلله\rوقال آخر :\rإن الصّديق فلا تأمن بوائقه ... أسواء العدوّ إذا ما سؤته أثرا\rوقال رجل من بنى سليم :\rلعمرك إنني وأبا رباحٍ ... على حال التّكاثر شر منذحين\rفأبغضه ويبغضنى وأيضاً ... يراني دونه وأراه دوني\rفلو أنّا على حجرٍذبحنا ... جرى الدّميان بالخبر اليقين","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"وقال المتلمّس :\rأحارث أنا لو تشاط دماؤنا ... تزايلن حتى لا يمسّ دمٌ دما\rوقال آخر :\rإذا كنت مما لا ترى نافعاً ... صديق ولا بالعدوّ تضرّ\rفسيان إن متّ أو إن حييت ... فلا ذا يسوء ولا ذا يسرّ\rلأبي عيينة المهلب ، أو علي بن جبلة :\rولما رأيتك لا فاجراً ... قوياً ولا أنت بالزاهد\rوليس عدوّك بالمتقي ... وليس صديقك بالحامد\rدخلت بك السّوق سوق الرقيق ... وناديت هل فيك من زائد ؟\rفما جائني رجلٌ واحدٌ ... يزيد على درهم واحد\rسوى رجل حان منه الشقا ... ء وحلت به دعوة الوالد\rمحاط به معه درهمٌ ... ردئ فأقبل كالراصد\rفبعتك منه بلا شاهدٍ ... مخافة ردّك بالشاهد\rوأبت إلى منزلي غانماً ... وحلّ البلاء على الناقد\rوقال آخر :\rسأصبر من صديقي إن جفاني ... على كلّ الأذى إلاّ الهوانا\rقال العطوى :\rإذا ما الحرّ فاز بحسن حالٍ ... أجاز صديقه من سوء حال\rإذا أثرى رأى حقّا عليه ... له الإفضال من قبل السؤال\rلعمرك ما رأيت فتى كريماً ... يحب المال إلا للنوال\rأبا حسن ثكلت الحزم فيما ... أحاول من مقالي أو فعالى\rلقد كذبت ظنوني فيك أن لم ... أتب من حسن ظنّي بالرجال\rوقال آخر :\rإذا ما المرء كان له صديقٌ ... فبرّ صديقه فرضٌ عليه\rفإن عنه الصّديق أقام يوماً ... فوجه البرّ أن يسعى إليه\rوإن كان الصديق قليل مالٍ ... يضيق بذرعه ما في يديه\rفمن أسنى فعال المرء ألا ... يضنّ على الصديق بما لديه\rوقال آخر :\rما ضاقت النفس على شهوةٍ ... ألذّ من ودّ صديق أمين\rمن فاته ودّ أخ صالح ... فذلك المغبون حق اليقين\rعبد الله طاهر ،ويروى لعلى بن الجهم ،وهي له لا غيره ،حدثنا عبد الوارث ،حدثنا قاسم بن أصبغ ،حدثنا أبو عيسى الأعمى الخباز ببغداد ،قال :أخبرني يحيى بن المعلم ،قال :مررت بعليّ بن الجهم ،وقد أذّن لصلاة الظهر ،وقد دخل المسجد يريد أن يركع ،فسلمت عليه وقلت له :لا يمكنني أن أقيم حتى تصلى لأني مبادر ،قال :فيم ذا ؟فقلت :أبيع قميصي هذا وأكافئ به صديقا له قبلى يدٌ.\rقال :فلم أمش إلاّ قليلا حتى ردني ،فقال لي :اكتب وأنشدني :\rأميل مع الصديق على ابن أميّ ... وأحمل للصّديق على الشقيق\rوإن ألفيتني ملكاً مطاعاً ... فإنّك واجدي عبد الصديق\rأفرّق بين معروفي ومنّي ... وأجمع بين مالي والحقوق\rقالوا :أحذر من وترته وإن أحسنت إليه ،ومن أوحشته فلا تثق به.\rقال الشاعر :\rإذا وترت امرءا فاحذر عداوته ... من يزرع الشّوك لا يحصد به عبنا\rإن العدوّ وإن أبدي بشاشته ... إذا رأى منك يوماً فرصةً وثبا\rوقد تقدم في باب التودد إلى الناس أبياتٌ تصلح في هذا الباب ،فلم أروجهاً لتكرارها.\rبابٌ جامعٌ متخيّرٌ في الإخوان\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" المرء على دين خليله ،فلينظر امرؤٌ من يخالل \" .\rقال الأوزاعىّ : الصاحب للصاحب كالرقعة للثوب ،إن لم تكن مثله شانته.\rقال الشاعر :\rوما صاحب الإنسان إلا كرقعةٍ ... على ثوبه فليتخذه مشاكلا\rوقال صلى الله عليه وسلم : \" لا خير في صحبة من لا يرى لك كالذي يرى لنفسه \" .\rوفي الخبر المرفوع أيضا \" شيئان لا يزدادان إلاّ قلة :درهمٌ حلال ،وأخٌ في الله تسكن إليه \" وقد روى مرفوعاً : \" المرء كثيرٌ بأخيه \" .\rقال علىّ بن أبي طالب ،رضي الله عنه :لا خير في صحبة من تجتمع فيه هذه الخلال :من إذا حدّثك كذبك ، وإذا ائتمنته خانك ،وإذا ائتمنك اتهمك ،وإذا أنمت عليه كفرك ،وإذا أنعم عليك منّ عليك .","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"وعن ابن عباس أنه قال :أحبب في الله ،وأبغض في الله ،وعاد في الله ،فإنه لا تنال موالاة الله إلا بذلك ،ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان ولو كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك.\rقال :ولقد صارت عامة مؤاخاه الناس على أمر الدنيا ،وذلك لا يجدي علىأهله ،ثم قرأ ابن عباس : \" الأخلاّء يومئذ بعضهم لبعض عدوٌ إلا المتقين \" ،وقرأ : \" لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادٌ الله ورسوله \" ألآية.\rقال المغيرة بن شعبة :النّازل للإخوان منزول.\rقال اامنصور لإسحق بن مسلم العقيلي :ما بقي من لذّتك ؟ قال :أخٌ أشتهي معه طول السهر ،ودابةٌ أستهي معها طول السّفر.\rقال جعفر بن محمد :حفظ الرجل أخاه بعد وفاته في تركته كرم.\rكان يقال :أنصح الناس لك من خاف الله فيك.\rقال موسى بن جعفر :من لك بأخيك كلّه ،لا تستقص عليه فتبقى بلا أخ.\rكان يقال :الأخوّة قرابةٌ مستفاده.\rكان يقال :ما شئٌ أسرع في فساد رجل وصلاحه من صاحبه.\rذكر الرياشي ،عن الأصمعى ،قال :ما رأيت شعراً أشبه بالسنة من قول عديّ بن زيد :\rعن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكلّ قرين بالمقارن مقتدى\rوصاحب أولى التّقوى تنل من تقاهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الرّدى\rوقال أبو العتاهية :\rمن ذا الذي يخفي عليك ... إذا نظرت إلى قرينه\rقال الخوارزمي :\rلا تصحب الكسلان في حاجاته ... كم صالحٍ بفساد آخر يفسد\rعدوي البليد إلى الجليد سريعةٌ ... والجمر يوضع في الرماد فيخمد\rكان سفيان بن عيينة يتمثل :\rلكلّ امرئٍ شكلٌ يقرّ بعينه ... وقرة عين الفسل أن يصحب الفسلا\rوقال صالح بن جناح :\rوصاحب إذا صاحبت حراً مبرّزا ... يزين ويزرى بالفتى قرناؤه\rوقال سهل الوراق :\rتخيّر قريناً لا يعيب فإنّه ... يقاس لعمري بالقرين قرينه\rوشرّ خدين قاطعٌ لخدينه ... إذا حاد يوماً عن هواه خدينه\rوقال آخر :\rإن النّديم وإن الكأس صيّرني ... كما تراني سليب العقل والدين\rقالوا : من أراد أن يدوم له ودّ أخيه ،فلا يمازحه ، ولا يعده موعداً فيخلفه.\rأوصى رجلٌ ابنه فقال : يابنىّ! اصحب من إذا غبت عنه خلفك ، وإن حضرت كنفك ، وإن لقي صديقك استزاده لك ، وإن لقي عدوّك كفّه عنك.\rوقال بعضهم : لا تؤاخ شاعراً ، فإنه يمدحك بثمن ، ويهجوك مجاناً.\rلابن أخي زرّ بن حبيش :\rوما استخبأت في رجل خبيئاً ... كدين الصّدق أو حسب عتيق\rكان من كلام خالد بن صفوان : اصحب من إن صحبته زانك ، وإن خدمته صانك ، وإن أصابتك فاقة مانك ، وإن رأى حسنة عدها ، وإن رأىسيئة كتمها وسترها ، لا تخاف بوائقه ، ولاتختلف طرائقه.\rقال أبو العتاهية :\rلك الخير إنّي ناصحٌ لك فاسمع ... طمعت من الإنسان في غير مطمع\rطمعت من الإنسان في صفو ودّه ... ألا ليس يصفو ذو طبائع أربع\rخذ العفو من كلّ امرىءٍ سمت ودّه ... وإن ضاق عما سمته فتوسع\rولأبي العتاهية أيضاً :\rياربّ خدن كنت آمن غيبه ... أصبحت تنطف في يديه جراحي\rسلحته ليردّ بأس عدوّه ... فعدا علىّ فبزّني بسلاحي\rوقال العاقولي :\rمن يكرم الناس يكرموه ... ومن يهنهم يجد هوانا\rومن يقل عثرة يقلها ... ومن يعن لم يزل معانا\rكان أخا صاحباً زمانا ... فمال عن وصلنا وخانا\rتاه علينا ،وصدّ عنّا ... فما نراه ولا يرانا\rوقيل لخالد بن صفوان :أيّ إخوانك أحب إليك ؟قال :الذّي يغفر زللي ،ويقبل عللي ،ويسدّ خللي.\rقال المأمون :الإخوان على ثلاث طبقات :فإخوان كالغذاء لا يستغنى عنهم أبدا ،وهم إخوان الصّفاء ، وإخوان كالدواء يحتاج إليهم في بعض الأوقات ،وهم الفقهاء ،وإخوان كالدّاء لا يحتاج إليهم أبدا ، وهم أهل الملق والنفاق لا خير فيهم.\rقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : اصحب من ينسى معروفه عندك ،ويذكر حقوقك عليه.","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"كان ابن عيينه ماشياً بمكة مع بعض إخوانه ، فنظر فإذا أحداث يتبعونه ،فقال له : انظر من صار جلاّسى اليوم بعد ثمانين سنة... لقد كنت ابن عشرين سنة وما كنت أجالس أبناء العشرين ،وإنما كنت أجالس الشيوخ والكهول ، ألم تسمع إلى قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ؟ قلت : لا. قال : قال عبيد الله :\rألا أبلغا عني عراك بن مالك ... فإن أنتما لم تفعلا فأبا بكر\rويروى : ولا تدعا أن تثنيا بأبي بكر\rفكيف تلومان ابن سبعين حجةً ... على ما أتى وهو ابن عشرين أو عشر\rوقال آخر :\rابن لي فكن مثلي ، أو ابتغ صاحباً ... كمثلك إني مبتغ صاحباً مثلي\rولا يلبث الإخوان أن يتفرقوا ... إذا لم يؤلف روح شكل إلى شكل\rقيل لبعض المدنين :أي الهى أغلب ؟ قال : هوى متشاكلين.\rولعبد الصمد بن المعذل :\rالناس أشكال فكل امرئ ... يعرفه الناس بمنتابه\rلا تسألن المرء عن حاله ... ما أشبه المرء بأصحابه\rوقال أبو الأسود الدؤلي :\rلكل امرىءٍ شكل من الناس مثله ... وكل امرىء يهوى إلى من يشاكله\rومالك بدٌ من نزيل فلا تكن ... نزيلاً لمن يسعى به من ينازله\rوإن أنت نازلت الكريم فلاقه ... بما أنت من أهل المروءة قائله\rوإن أنت نازلت اللئيم فكن فتىً ... تزايله في فعله وتحامله\rإذا لم تداخل عزَّ من كان ذا حجاً ... وعزمٍ وحزم لم تجد من تداخله\rوما الناس إلا بالأصول فإنما ... يثبت أعلى كل بيتٍ أسفله\rوقال جرير :\rوإني لأستحي أخي أن أرى له ... على من الحق الذي لا يرى ليا\rوفي هذا الشعر يقول جرير :\rألا تخافا نبوتي في ملمة ... وخاف المنايا أن تفوتكما بيا\rتعرضت فاستمررت من دون حاجتي ... فحالك إني مستمرٌ لحاليا\rوإني مغرور أعلل بالمنى ... ليالي أرجو أن مالك ماليا\rفأنت أخي ما لم تكن لي حاجةٌ ... فإن عرصت أيقنت ألا أخا ليا\rوهذا البيت من شعر جرير هذا قد أدخله عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر فيأبياته التي يقول فيها ، فلا أدرى من تقدم صاحبه إليه :\rرأيت فضلاً كان شيئاً ملففاً ... فكشفه التمحيص حتى بدا ليا\rفأنت أخي ما لم تكن لي حاجةٌ ... فإن عرضت أيقنت ألا أخا ليا\rفلا زاد ما بيني وبينك بعدما ... بلوتك في الحاجات إلا تنائيا\rولست براء عيب ذي الود كله ... ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا\rفعين الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ ... ولكن عين السخط تبدي الساويا\rكلانا غنى عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا\rوقد أدخل بعضهم في هذه الأبيات بيتين ، وهما :\rولست بهياب لمن لايهابني ... ولست أرى للمرء ما لا يرى ليا\rمتى تدن مني تدن منك مودتي ... وإن تنأ عني تلفني عنك نائيا\rوقال روح أبو همام :\rفعين السخط تظهر كل عيبٍ ... وعين أخو الرضا عن ذاك تعمى\rوقال معن بن أوس :\rإذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل\rستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كفٍ تبدِّل\rكتب ابن عمار إلى برجوان كتاباً فيه قول الشاعر :\rستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كف تبدل\rفدعا برجوان شاعراً كان قد استخصه يعرف بابن أعين ، وقال له :أجب عن هذا البيت ، فقال :\rوما زلت أهدى النصح حتى اطَّرحته ... وأقبلت عن سبل الهداية تعدل\rفهبك يميني استخبثت فقطعتها ... لتسلم لي نفسي أم الهلك أجمل\rوهذا المعنى مأخوذ من قول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر :\rألم تر أن المرء تدوى يمينه ... فيقطعها عمداً ليسلم سائره\rفكيف تراه بعد يمناه فاعلاً ... بما ليس منه حين تدوى سرائره","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"أنشدني أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان ، قال : أنشدنا أبو محمد قاسم ابن أصبغ ، قال : أنشدنا أبو بكر بن أبي خيئمة لأبي الشيص محمد بن عبد الله ابن رزين:\rصاحبً كان لي وكنت له ... أشفق من والدٍ على ولدٍ\rكنا كساق تسعى بها قدمٌ ... أو كذراع نيطت إلى عضد\rوكان لي مؤنساً وكنت له ... ليست بنا حاجةٌ إلى أحد\rحتى إذا حلت الحوادث من ... ساحتي وحل الزمان من عقدي\rاحول عني وكان ينظر منعيني ويرمي بساعدي ويدي حتى إذا استرفدت يدي يدهكنت كمسترفدٍ يد الأسد\rوقال آخر :\rواني لأستحي أخي أن أبره ... قريباً وأن أجفوه وهو بعيد\rوقال آخر :\rقلت للفرقدين إذ طال ليلي ... وهما في السماء مقترنان\rابقيا كيف شئتما عن قليل ... سوف تطوى السما وتفترقان\rقيل لأعرابي : لم قطعت أخاك من أبيك ؟ فقال : إني لأقطع الفاسد من جسدي الذي هو أقرب إلي من أبي وأمي وأعز فقدا.\rوقال آخر :\rلا تهني بعد أن أكرمتني ... فشديدٌ عادةٌ منتزعته\rوقال آخر :\rوكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان\rوقال آخر :\rلن يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليلٌ يكر عليهم ونهار\rوقال محمد بن أبي حازم الباهلي :\rلم يكن من شكلي ففارقته ... والناس أشكالٌ وألاف\rوقال ابن الرومي : \" وبعض السجايا ينتمين إلى بعض \" قال حبيب :\rولن تنظم العقد الكعاب لزينةٍ ... كما ينظم الشّمل الشتيت الشمائل\rوقال المساحقي :\rتزهّدني في ودّك ابن مسافع ... مودتك الأرذل دون ذوي الفضل\rوأن شرار الناس سادوا خيالاهم ... زمانك إن الرّذل للزمن الرّذل\rقال أكثم بن صيفي : أحقّ من يشر كك في شر كاؤك في المكاره.\rأخذه دعبل فقال ، ويروي لحبيب :\rوإن أولى البرايا أن تواسيه ... عند السّرور لمن واساك في الحزن\rإنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن\rوقال آخر :\rإذا ماخليلي أسا مرّةً ... وقد كان من قبلها مجملا\rشكرت المقدّم من فعله ... ولم يفسد الآخر الأوّلا\rوقال امرؤ القيس بن عانس الكندي :\rإني بحبلك واصلٌ حبلي ... وبريش نبلك رائشٌ نبلي\rوشمائلي ما قد علمت وما ... نبحت كلا بك طارقاً مثلي\rقال عبيد :\rلا ألقينّك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زوّدتني زادي\rالخير أبقي وإن طال الزمان به ... والشّرّ أخبث ما أوعيت من زاد\rقال آخر :\rوإذا تكون عظيمةٌ أدعي لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب\rوقال آخر :\rإذا كنت تأتي المرء تعرف حقّه ... ويحمل منك الحقّ فالتّرك أجمل\rوفي البعد منجاة وفي الصرم راحةٌ ... وفي الأرض عمن لا يواتيك مرحل\rوقال آخر :\rله حقٌ وليس عليه حقٌ ... ومهما قال فالحسن الجميل\rوقد كان الرسول يرى حقوقاً ... عليه لأهلها وهو الرسول\rقال آخر :\rوددتك لما كان ودّك خالصاً ... وأعرضت لما صار نهباً مقسّماً\rولن يلبث الحوض الجديد بناؤه ... على كره الورّاد أن يتهدّما\rوقال إبراهيم بن العباس الصولى :\rنعم الزمان زماني ... والشّان في إخواني\rممن رماني لمّا ... رأى الزمان رماني\rلو قيل لي خذ أماناً ... من أعظم الحدثان\rلما أخذت أماناً ... إلا من الإخوان\rوقال أيضاً :\rوكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حرباً عوانا\rوكنت أذمّ إليك الزمان ... فأصبحت فيك أذم الزمانا\rوكنت أعدك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا\rوقال آخر وهو كثيّر عزّة:\rخير إخوانك المشالاك في المرّ ... وأين الشريك في المرّ أينا","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"الذي إن حضرت زانك في الحيّ ... وإن غبت كان أذناً وعينا\rأنت في معشر إذا غبت عنهم ... بدّلوا كل ما يزينك شينا\rوإذا ما حضرت قالوا جميعاً : ... أنت من أكرم العباد علينا\rوقال آخر :\rلحا الله وصلا إن تغيبت ساعة ... فأنت وأقصى الناس فيه سواء\rوخلاّ إذا لم تأته بهديةٍ ... بدت لك منه غفلةٌ وجفاء\rوقال المثقب العبدي :\rتواعدني مواعد كاذبات ... تمرّ بها رياح الصيف دوني\rفإما أن تكون أخي بحقّ ... فيعرف منك غثّى من سميني\rوإلا فاطّرحني واتخذني ... عدوّا أتقيك وتتقيني\rفإني لو تعاندني شمالي ... عنادك ما وصلت بها يميني\rإذا لقطعتها ولقلت بيني ... كذلك أجتوى من يجتويني\rوقال آخر :\rأفّا وتفّا لمن مودّته ... إن زلت عنه سويعةً زالت\rإن مالت الريح هكذا وكذا ... مال مع الريح حيثما مالت\rوقال صالح بن عبد القدّوس :\rقل الذي لست أدري من تلوّنه ... أناصحٌ أم على غشّ يداجيني\rإني لأكثر مما سميتني عجباً ... يد تشجّ وأخرى منك تأسوني\rتغتابني عند أقوامٍ وتمدحني ... في آخرين ،وكلّ عنك يأتيني\rهذان أمران شتّى البون بينهما ... فاكفف لسانك عن ذمي وتزييني\rلو كنت أعلم منك الودّ هان إذاً ... عليّ بعض الذي أصبحت توليني\rلا أسأل الناس عما في ضمائرهم ... ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني\rأرضي عن المرء ما أصفى مودّته ... وليس شئ من البغضاء يرضيني\rوالله لو كرهت كفّى مصاحبتي ... لقلت إذ كرهت قربي لها بيني\rثم انثنيت على الأخرى فقلت لها : ... إن تسنديني وإلا مثلها كمني\rلا أبتغي ودّ من يبغي مقاطعتي ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني\rإنّي كذاك إذا أمر تعرّض لي ... خشيت منه على دنياي أو ديني\rخرجت منه وعرضني ما أدنّسه ... ولم أقم غرضاً للنّذل يرميني\rربّ امرئ أجنبيّ عن ملاطفتي ... محض المودّة في البلوى يواسيني\rوملطفٍ بي مدارٍ ذي مكاشرة ... مغض على وغرٍ في الصدر مكنون\rليس الصّديق الذي تخشى بوادره ... ولا العدو على حال بمأمون\rوقال آخر :\rلسانك معسولٌ ونفسك شحّةٌ ... ودون الثريا من صديقك مالكا\rوقال آخر :\rبنو عبسٍ أشدّ الناس بغضاً ... لنا وأشدهم بغضا إلينا\rفلا تقبل شهادتنا عليهم ... ولا تقبل شهادتهم علينا\rقال لقمان لابنه :ثلاثةٌ لا يعرفون إلاّ في ثلاثة مواطن :لا يعرف الحليم إلا عند الغضب ،ولا الشجاع إلاّ عند الحرب ،ولا الأخ إلا عند الحاجة.\rقال بعض الحكماء :الإخوان بمنزلة النار ،قليلها متاع ،وكثيرها بوار ،فلا تسرّنّ بكثرة الإخوان إذا لم يكونوا أخياراً.\rقال أسماء بن خارجة :إذا قدمت المودة سمج الثناء.\rقال أبو العتاهية :\rانت ما استغنيت عن صاحبك ... الدهر أخوه\rفإذا أحتجت إليه ... ساعةً مجك فوه\rلو رأى الناس نبياً ... سائلاً ما رحموه\rوقال سويد منجوف :\rفأبلغ مصعبا عني رسولا ... وهل تجد النصيح بكل واد\rتعلّم أن أكثر من تناجي ... وإن ضحكوا إليك هم الأعادي\rوقال آخر :\rلعمرك ما ودّ اللّسان بنافع ... إذا لم يكن أصل المودّة في القلب\rكان يقال :تناس مساوئ الإخوان ،يدم لك ودّهم.\rوقال آخر :\rيا غارساً الكروم ... بجهله وسط السبّاخ\rومحضناً بيض القطا ... تحت الحد الرجا الفراخ\rإن الذين تودّهم ... هم ناصبو شبك الفخاخ\rذهب الزّمان بأهله ... فانظر لنفسك من تؤاخ\rوقال عبدة بن الطّيب :","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفش صداع رءوسهم أن تصرعوا\rفضلت عداوتهم على أحلامهم ... وأبت ضباب صدورهم ما تنزع\rلا تأمنوا قوماً يشبّ صبيهم ... بين الوابل بالعداوة يرضع\rقال لقمان لابنه :يا بني!إياك وصاحب السوء ،فإنه كالسيف المسلول ،يعجبك منظره ،ويقبح أثره.\rقال المثقّب العبدي :\rوصاحب السّوء كالدّاء العياء إذا ... ما ارفض في الجوف يجري هاهنا وهنا\rينبي ويخبر عن عورات صاحبه ... وما رأى عنده من صالحٍ دفنا\rكمهر سوءٍ إذا رفعّت سيرته ... رام الجماح وان أخفضته حرنا\rإن يحي ذاك فكن منه بمعزلةٍ ... أو مات ذاك فلا تقرب له جننا\rولقعنب بن أم صاحب ،وهو قعنب بن حمزه ،أحد بني عبد الله بن غطفان ، يهجو بني ضبة حيّ من غطفان :\rصمّ إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا\rفطانة فطنوها لو تكون لهم ... مروءةٌ أو تقًى لله ما فطنوا\rإن يسمعوا سيئاً طاروا به فرحاً ... منّي ،وما سمعوا من صالحٍ دفنوا\rجهلا علينا وجبناً عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن\rفلن يراجع ودّى ودهم أبنا ... وكنت من بغضهم مثل الذي زكنوا\rروى عن معاذ بن جبل ، وقد رفعه بعضهم ، قال : إذا أحببت أخاً في اللّه فلا تماره ولا تساره عنه أحداً ، فربما صادفت له عدوّا فأخبرك بما ليس فيه ، فحال بينك وبينه.\rقال أبو الأسود الدؤلى :\rوصله ما استقام الوصل منه ... ولا تسمع به قيلاً وقالا\rقال محمود الوراق :\rلست ممن يماذق الصاحب ال ... ود إذا أظهر الجفاء الصريحا\rأنا أنهاه ما استطعت فإن لجّ ... أعرت الفؤاد يأسا مريحا\rغير أني على القطيعة لا أظ ... هر هجراً ولا أقول قبيحا\rباب العتاب\rقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : أعقل الناس أعذرهم لهم.\rقال الأحنف : العتاب مفتاح التّقالى ، والعتاب قرين الحقد.\rوعن الأصمعيّ قال : قال أعرابي : عاتب من ترجو رجوعه.\rقال بعض الحكماء : العتاب علامة الوفاء ، وسلاح الأكفاء ، وحاصد الجفاء.\rقال العتابي : ظاهر العتاب خير من مكنون الحق ، وضربة الناصح خير من محبة الشّاني.\rقال بعض الحكماء : من كثر حقده قلّ عتابه.\rقال محمد بن داود : من لم يعاتب على الزلة ، فليس بحافظٍ للخلّه.\rقال أسماء بن خارجة الإكثار من العتاب ، داعية إلى الملال.\rقيل لبعض الأعراب : من الأديب العاقل ؟ قال : الفطن المتغافل.\rقال بعض الأدباء : من أحب أن يسلم له صديقه ، فليقبل عذره ، وليقل عتابه ، فإن العتاب يجرّ الملال.\rقال غيره : العتاب مفتاح القطيعة.\rقال عمرو بن بحر العتاب رائد الإنصاف وشفيع المودة ، ويد للمحافظة.\rأنشدنا الرّياشي ،وهي لهشام الرقاشي : ؟أبلغ أبا مسمع عني مغلغلةً وفي العتاب حياةٌ بين أقوام\rقدّمت فبلي رجالا لم يكن لهم ... في الحق أن يلجوا الأبواب قدّامي\rلو عدّ قبرٌ كنت أمرمهم ... قبراً وأبعدهم من منزل الذّام\rوقال عبيد الله بن طاهر : ؟أعاتب من يحلو بقلبي عتابه وأترك من لا أشتهينلا أعاتبه وقال آخر : ؟وليس عتاب المرء للمرء نافعاً إذا لم يكن للمرء لبّ يعاتبه وقال آخر : ؟أعلتب من أحببت في كلّ زلّةٍ ليحتمى الأمر الذي معه العتب\rفإني أرى التأديب عند وجوبه ... بمنزلة الغيث الذي قبله الجدب\rوقال على بن الجهم : ؟أعاتب ذا المودّة من صديق إذا ما رابني منه اجتناب\rإذا ذهب العتاب فليس ودٌّ ... ويبقى الودّ ما بقي العتاب\rوقال آخر :\rلولا محبتكم لما عاتبتكم ... ولكنّم عندي كبعض الناس\rوقال نصر بن أحمد : ؟وتعاتب الإخوان فيما بينهم بعثٌ على الإجلال والإكرام\rلولا اعترافي باعترافك في الذي ... تأتي وتترك ما أتاك ملاميوهذا يشبه قول البحتري :\r؟أبا حسن ما كان عتبيك دونهم لواحدةٍ إلاّ لأنك تفهم وقال نصر بن أحمد :","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"؟إن كان لفظي كريها فاصطبر فعلى كره العلاج يصحّ الله أبدانا\rلولا العوارض ما طاب العتاب لنا ... لولا قصارتنا للثوب ما زانا\rإني أعاتب إخواني وهم ثقتي ... طوراً وقد تصقل الأسياف أحيانا\rهي الذنوب إذا ما كشفت درست ... من القلوب وإلا صرن أضغانا\rوقال ابن وكيع : ؟عتابي أخي في كل ذنب أتى به مخوفٌ على حال الأخوة في الودّ\rولست أرى وجهاً لترك عتابه ... على ما جني إذ كان خيراً من الحقد\rوقال ابن بسّام : ؟عاتب أخاك إذا هفا واعطف بودّك واستعده\rوإذا أتاك بغيبه ... واشٍ فقل لم يعتمده\rمن ناقش الإخوان لم ... يبد العتاب ولم يعده\rوقال محمد بن أبي حازم : ؟خلّ عنك العتاب إن خان ذو الودّ أو هفا\rعين من لا يحب وص ... لك تبدي لك الجفا\rوقال بشار العقلي : ؟إذا كنت في كلّ الأمور معاتباً صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه\rفعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه\rإذا أنت لم تسرب مراراً على القذى ... ظمئت وأى الناس تصفو مشاربه\rوقال آخر : ؟البس الناس ما استطعت على النّقص وإلاّ لم تستقم لك خلّه\rعش وحيداً إن كنت لا تقبل العذ ... ر وإن كنت لا تجاوز زلّة\rوقال آخر :\rخذ من صديقك ما صفا ... لك لا تكن جمّ المعايب\rإن الكثير عتابه ال ... إخوان ليس لهم بصاحب\rوقال أحمد بن يوسف :\rرأيتك لا تميل إلى صوابٍ ... ولا ترضى الصواب من الجواب\rوتركك ما يريبك في كثيرٍ ... أحفّ عليك من طول العتاب\rولعبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر :\rخليليّ لو كان الزمان مساعدي ... وعاتبتماني لم يضق عنكما صدري\rفأمّا إذا كان الزمان معاندي ... فما لكما أن تؤذياني مع الدهر\rوقال آخر :\rإن الظّنين من الإخوان يبرمه ... طول العتاب وتغنيه المعاذير\rوذو الصفاء إذا مسته معتبةٌ ... كانت له عظةٌ منها وتذكير\rوهذا قول مميّز منصف ، حكم فعدل وشرح فأوضح.\rأنشد نفطويه :\rوكم من ملين لم يصب بملامةٍ ... ومتّبع بالذّنب ليس له ذنب\rوكم من محبّ صد من غير بغضة ... وان لم يكن في ودّ خلته عتب\rوقال أبو العباس الناشئ :\rوليست معاتبا خلاّ لأبي ... رأيت العتب يغري بالعقوق\rولو أني أوقف لي صديقاً ... على ذنبٍ بقيت بلا صديق\rوله :\rإني ليهجرني الصديق تجنّباً ... فأريه أن لهجره أسبابا\rوأخاف إن عاتبته اغريته ... فأرى له ترك العتاب عتابا\rوقال آخر :\rعتبت علىّ ولا ذنب لي ... بما الذنب فيه بلا شك لك\rوحاذرت لومي فبادرتني ... إلى اللّوم من قبل أن أدّرك\rفكنّا كما قيل فيما مضى ... خذ اللّص من قبل أن يأخذك\rباب الثّقلاء والطفيليين\rسئل جعفر بن محمد عن المؤمن ،هل يكون بغيضاً ؟قال :لا يكون بغيضاً ،ولكن يكون ثقيلا.\rقال سفيان بن عيينة :قلت لأيوب السّختياني :لم لم تكتب عن طاووس ؟قال :أتيته فوجدته بين ثقلين ،عبد الكريم بن أبي الخارق ،وليث بن أبي سليم.\rقال الحسن البصري ،في قوله عز وجل : \" فإذا طعمتم فانتشروا \" نقال :نزلت في الثقلاء.\rوقال السّري :ذكر الله تعالى الثقلاء في القرآن ،في قوله : \" فإذا طعمتم فانتشروا \" .\rوقال أبو أسامة :كنا عند الأعمش ،فجاء زائدة بن قدامة ،فقال الأعمش حين رآه :\rوما الفيل تحمله ميتّاً ... بأثقل من بعض جلاّسنا\rكان أبو هريرة إذا استثقل رجلا ،قال اللّهم اغفر لنا وله ،وأرحنا منه.\rرواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه ،عن أبي هريرة.\rكان حمّاد بن سلمة إذا رأى من يستثلقه ،قال : \" ربنّا اكشف عناّ العذاب إنّا مؤمنون \" .\rوعن حمّاد بن سلمة أيضاً ،أنه قال :الصوم في البستان من الثقل.\rكان يقال. مجالسة الثقيل حمّى الروح .","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"قيل لأبي عمرو الشيباني :لأيّ شئ يكون الثقيل أثقل على الإنسان من الحمل الثقيل ؟ فقال : لأن الثقيل يقعد على القلب ، والقلب لا يحتمل ما يحتمل الرأس والبدن من الثقل.\rكان فلاسفة الهند يقولون : النظر إلى الثقيل يورث موت الفجأة.\rقال ثقيل لمريض : ما تشتهي ؟ قال : أشتهي ألا أراك.\rمرض الأعمش فعاده أبو حنيفة ، فقال : يا أبا محمد!لولا أنه يثقل عليك ،لعدتك كل يوم.\rفقال الأعمش : والله إنك على لّثقيل وأنت في بيتك ، فكيف إذا عدتني ؟ قال معمر : ما بقي من لذّات إلاّ ثلاثة : محادثة الإخوان ، وحكّ الجرب ،والوقعة في الثقلاء ، وهي أفضل الثلاث.\rوقال عبد الرزّاق عن معمر ، قال : ما بقي من لذّات الدنيا إلاّ ثلاثة :محادثة الإخوان ، وأكل القديد ، وحكّ الجرب.وأزيدكم واحدة : الوقيعة في الثقلاء ، وأنشد :\rليتني كنت ساعةً ملك المو ... ت فأفني الثّقال حتى يبيدوا\rقال : وسمعت معمرا يقول : رحم الله عبد الكريم أبا أمية ، إن كان لثقيلا غير ثقة.\rقيل لأبي النضر : لم تكثر عن شعبة ؟ قال : كان يستثقلني ، وكنت أهلا لذالك.\rقال أبو هفان :\rمشتمل بالبغض لا تنشني ... إليه طوعاً مقلة الرّمق\rيظل في مجلسنا قاعداً ... أثقل من واشٍ على عاشق\rكان الأعمش إذا قام من مجلسه ثقيل يتمثل :\rإن غاب عنك ثقيل كلّ قبيلةٍ ... ممن يشوب حديثه بمراء\rفهناك طاب لك الحديث وإنما ... طيب الحديث بخفة الجلساء\rوقال آخر :\rإني أجالس معشراً ... نوكى أخفّهم ثقيل\rقوم إذا جالستم ... صدئت بقربهم العقول\rلا يفقهون مقالتي ... ويدقّ عنهم ما أقول\rوقال آخر :\rإذا جلس الثقيل إليك يوماً ... أتتك عقوبة من كل باب\rفهل لك يا ثقيل إلى خصالٍ ... تنال ببعضها كرم المآب\rإلى مالي فتأخذه جميعاً ... أحلّ لديك من ماء السّحاب\rوتنتف لحيتي وتدقّ أنفي ... وما في فيّ من ضرس وناب\rعلى ألاّ أراك ولا تراني ... مقاطعةً إلى يوم الحساب\rكان يقال :مجالسة الثقيل عذابٌ وبيل.\rقال عبد الأعلى بن مسهر : كان نقش خاتم أبي : \" أبرمت فقم \" فكان إذا استثقل جليسه ناوله خاتمه ليقرأنقشه.\rوهذا الخبر رواه أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر ، قال : قال لي هشام بن يحيى :كان نقش خاتم أبيك... فذكر الخبر.\rسلم ثقيل على إبراهيم بن عبد الله القارئ صاحب هارون ، فقال له : يا هذا! قد واللّه بلغت منى غاية الأذى ، أسلفنى سلام شهر وأرحنى منك.\rقال معمر : كنت جالساً مع سماك بن الفضل في مجلس بصنعاء ، فدخل علينا صاحبٌ له ثقيل فلمّا جلس قال لي سماك : يا معمر! تعال حتى ندعو على كل ثقيل بصنعاء.\rقال الشاعر :\rأنت يا هذا ثقيل ... وثقيلٌ وثقيل\rأنت في المنظر إنسا ... نٌ وفي الميزان فيل\rوقال ابن أبي أمية :\rشهدت الرقاشى في مجلس ... وكان إلى بغيضاً مقيتا\rقال : اقترح بعض ما تشتهي ... فقلت : اقترحت عليك السكوتا\rفقال أبو حازم : عود نفسك الصبر الجليس والسوء ، فإنه لا يكاد يخطئك.\rقال الهيثم بن عدّى : كنت يوماً عند مسعر بن كدام ، فأتاه رقبة بن مصقلة العبدى ، فقال له معسر : مالك يا ابن مصقلة ؟ قال : صريع فالوذج. قال : وأين ؟ قال : عند من قضى أبوه في الجماعة ، وحكمّ في الفرقة.\rدعانا الوليد بن الحارث بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ، فأتينا بخوان كجوبة من الأرض ، وأتينا برقاق كأذان الفيلة ، وجرجبرٍ كآذان المعزي ، ثم أتينا بساكبة الماء كأن ظهرها ظهر طائرٍ قيراطيّ ، ثم أتينا بفالوذج عديد ، كأنّ الزئبق والجادى ينبعان من خلاله ، يرى نقش الدرهم من تحته ، فوضع على رأس حبّ فنحن على لذة من هذا وعلى يقين من ذلك. فقال له مسعر : أراك طفيفاً.\rفقال : يا أبا محمد! كل من ترى طفيلي إلا أنهم يتكاتمون ، فو اللّه ما برحنا حتى طلع علينا الحارث من بعض أبواب المسجد يخطر بيديه ، فقال رقبة : انظروا إلى هذا وكيف يمشى ؟! لو كان أبوه جدع أنف عمرو بن العاص مازاد على هذا","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"قال له مسعر : أجل ، قد مضى إلى لعنة اللّه وسقره.\rوقال حبيب بن أوس :\rيا من تبرمت الدّنيا بطلعته ... كما تبرمت الأجفان بالسهد\rيمشى على الأرض مختالاً فأحسبه ... لبعض طلعته يمشى على كبدى\rوقال آخر :\rلخرط قتادة ولحمل فيل ... وماء البحر يغرف في زبيل\rوفك الماضغين وقلع ضرسٍ ... لأهون من مجالسة الثقيل\rولأبي الحسن على بن العبّاس الرّومى :\rولى أصدقاءٌ كثيرو السّلام ... علىّ وما فيهم نافع\rإذا أنا أدلجت في حاجة ... لها مطلبٌ نازخٌ شاسعٌ\rفلى أبداً معهمٌ وقفةٌ ... وتسليمةٌ وقتها ضائعٌ\rوفي موقف المرء عن حاجة ... يتممها شاغلٌ قاطع\rترى كلّ غثٍّ كثير الفضول ... ومصحفه مصحفٌ جامع\rيقول الضمير إذا ما بدا : ... ألا قبّح الرجل الطالع\rيحدثنى من أحاديثه ... بمالا يلد به السامع\rأحاديث هن ّمثال الضريع ... فآكله أداً جائع\rغدوت وفي الوقت لى فسحةٌ ... فضاق بي المنهل الواسع\rتقدمت فاعتاقنى أسرة ... إلى أن تقدمنى التابع\rوقالت بلقيانه حاجتي : ... ألاهكذا النكد البارع\rأولئك لاحيهّم مؤنسٌ ... صديقاً ولا ميتهم فاجع\rدق طفيليٌّ دار قوم فيها طعامٌ ،فقيل :من هذا ؟فقال :أنا الذي كفاكم مؤونة الرّسول.\rلطفيليّ :\rنحن قومٌ إذا دعينا أحببنا ... ومتى ننس يدعنا التطفيل\rفنقل :علّنا دعينا فغبنا ... أو أتانافلم يجدنا الرّسول\rدخل طفيليٌّ دار قوم بغير إذن ،فاشتد عليه صاحب الدار في القول ،فأغلظ له الطفيلي في الجواب ،وقال :والله لئن قمت لأدخلنّك من حيث خرجت.\rفقال له صاحب المنزل :أما أنا فأخرجك من حيث دخلت.وأخذ بيده فأخرجه.\rقيل لبعض الطفيليين :كم اثنين في اثنين ؟قالكأربعة أرغفة.\rقال مطرّف بن مازن ،قاضي اليمن : قال لي الرشيد يوماً : من عبد الرزاق ابن همام الصنعاني ؟ فقلت : رجل من أهل الحديث ، سليم الحديث ثقة. فقال : إن صاحب خبرنا في اليمن كتب يذكر أنه كتب ثقلاء اليمن. فقلت : صدق يا أمير المؤمنين فكتبني فيهم. قال : ولم كتبك فيهم ؟ إنك لحسن الحديث خفيف المجلس ، فما أستثقل منك ؟ قلت : عظم قلنسوتي ، وطول عنقي بغلتي. فضحك هرون ، فما خرجت من عنده حتى أمر لي بكسوة وحملان.\rولطفيلي :\rكل يومٍ أدور في عرصة الحي ... أشم القتار شم الذباب\rفإذا ما رأيت نار عروسٍ ... أو ختاناً أو دعوةً لصحاب\rلم أعرج دون التقحم لا أره ... ب شتماً ووكزة البواب\rمستخفا بمن دخلت عليهم ... غير مستأذنٍ ولا هياب\rفتراني ألف بالرغم منهم ... كلَّ ما قدموا كلفِّ العقاب\rذاك أهنا من الغر ... م وغيظ البقال والقصاب\rكان يقال : ثمانية إن أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم : الذاهب إلى مائدة لم يدع إليها ، والمتآمر على ربّ البيت... وقد ذكرنا الحكاية بتمامها في جامع النوادرمن هذا الكتاب.\rباب الشماتة\rقال الله عز وجل حاكيا عن موسى عليه السلام : \" فلا تشمت بي الأعداء ،ولا تجعلني مع القوم الظالمين \" .\rوقيل لأيوب عليه السلام : أي شيء من بلائك كان أشد عليك ؟ شماتة الأعداء.\rقال ابن الكلبي : لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، شمتت به نساء كندة وحضرموت ، وخضبن أيديهن ، وأظهرن السرور لموته ، وضربن بالدفوف ، فقال شاعر منهم :\rأبلغ أبا بكر إذا ما جئته ... أن البغايا رمن شرَّ مرام\rأظهرن من موت النبي شماتة ... وخضبن أيديهن بالعنام\rفاقطع هديت أكفهن بصارمٍ ... كالبرق أو مض في متون غمام\rقال النبي عليه السلام : \" لا تظهر الشماتة لأخيك ، فيعافيه الله ويبتليك \" من منتقى الدعاء : اللهم اجعل رزقي رغدا ، ولا تشمت بي أحداً.","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"ومن دعائه صلى الله عليه وسلم : \" اللهم إني أعوذ بك من درك الشقاء ، ومن جهد البلاء ، ومن شماتة الأعداء \" .\rقال عدي بن زيد العبادي :\rأيها الشامت المعير بالده ... ر أأنت المرأ الموفور\rأم لديك العهد الوثيق من الأيام ... بل أنت جاهلٌ مغرور\rمن رأيت المنون خلدن أم من ... ذا عليه من ألاَّ يضام خفير\rوقال أبو ذؤيب :\rوتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع\rقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : سمعت أشهب بن عبد العزيز يدعو على محمد ابن إدريس الشافعي بالموت ، أظنه قال في سجوده ، فذكرت ذلك للشافعي رحمه الله ، فتثمل :\rتمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيلٌ لست فيها بأوحد\rفقل للذي يبغى خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد\rقال محمد : فمات الشافعي رحمه الله ، واشترى أشهب من تركته مملوكاً ، ثم مات أشهب بعده بنحو من شهر ، أو قال : خمسة عشر يوماً أو ثمانية عشريوماً ، واشتريت أنا ذلك المملوك من تركة أشهب ، والبيتان الذي تمثل بهماالشافعي لطرفة.\rقال مهلهل :\rكأن الشامتين بقبر جدي ... على ملك الخورنق والسدير\rكأن رماحنا فينا وفيهم ... إذا ما أشرعت أشطان بير\rوقال العلاء بن قرظة ، خال الفرزدق :\rإذا ما الدهر جرَّ على أناسٍ ... حوادثه أناخ بآخرينا\rفقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا\rوقال نصيب :\rأتصر منى عند الألى هم لنا العدا ... فتشمتهم بي أم تدوم على العهد\rوقال عدىّ بن زيد ، وتمثل به معاوية عند موته :\rفهل من خالدإما هلكنا ... وهل بالموت يا للناس عار\rعبد الله بن أبي عيينة :\rكل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الحساد\rوقال منصور الفقيه :\rيا من يسر بموتي ... إذا أتاه البشير\rإن البشير بموتي ... فلا تسر نذير\rواسمع فما أنت ممن ... تخفى عليه الأمور\rأليس من كان مثلي ... إلى مصيري يصير\rوله :\rأيها المظهر الشما ... تة إن مت قبله\rعن قليلٍ يصير مث ... لي من كنت مثله\rوله :\rيا شامتين بمصرعي ... اليوم لي ولكم غد\rوله :\rيا شامتاً بي إن هلكت ... لكل حيٍ مدى ووقت\rوللمنايا وإن تراخت ... في السير يا ذا الشمات بغت\rوأنت في قبضة الليالي ... تخاف منها الذي أمنت\rوالكأس ملأى فعن قريبٍ ... تشرب منها كما شربت\rوقال أيضاً :\rما بين يوم المهنيات ... وبين يوم المعزيات\rوإن توهمته طويلا ... إلا كما بين ها وهات\rومما ينسب لابن المبارك وليست له وإنما هي للمبارك الطبري :\rلولا شماتة أعداء ذوي حسدٍ ... أو اغتمام صديق كان يرجوني\rلما طلبت من الدنيا مراتبها ... ولا بذلت لها عرضي ولا ديني\rوقال آخر :\rفمن يك عني سائلا لشماتةٍ ... بما نالني أو شامتاً غير سائل\rفقد أبرزت مني الخطوب ابن حرةٍ ... صبوراً على ضراء تلك الزلازل\rإذا سرّ لم يفرح وليس لنكبةٍ ... إذا نزلت بالخاشع المتضائل\rلأعرابي وقد أغير على إبله :\rالا والذي أنا عبد في عبادته ... لولا شماتة أعداء ذوي إحن\rما سرني أن إبلي في مباركها ... وأن شيئاً قضاه الله لم يكن\rباب مؤاخاة من ليس على دينك\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" المرء على دين خليله ، فلينظر امرؤ من يخالل \" . وهذا معناه والله أعلم أن المرء يعتاد ما يراه من أفعال من صحبه ، والدين العادة ، فلهذا أمر ألا يصحب إلا من يرى منه ما يحلّ ويجمل ، فإن الخير عادة. وفي معنى هذا الحديث قول عديّ بن زيد :\rعن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن مقتدي","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"وقول أبي العتاهية :\rمن ذا الذي يخفى علي ... ك إذا نظرت إلى خدينه\rوهذا كثير جداً ، والمعنى في ذلك : ألا يخالط الإنسان من يحمله على غير ما يحمد من الأفعال والمذاهب ، وأما من يومن منه ذلك فلا حرج في صحبته.\rقال ابن عباس : لو قال لي فرعون خيراً لرددت عليه مقاله.\rقال الله عز وجل : \" وإذا حييتم بتحيةٍ فحيوا بأحسن منها أو ردوها \" وجاء في التفسير : أحسن منها لأهل الإسلام ، أو ردوها لأهل الذمة.\rوقيل لسعيد بن جبير : المجوسي يوليني خيراً فأشكره ؟ قال : نعم. قيل : فإن سلم علي أفأرد عليه ؟ قال : نعم.\rوأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال في أهل الذمة : \" لا تبدءوهم بالسلام ،وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه \" فقد قال بذلك طائفة من أهل العلم منهم مالك بن أنس رحمه الله. روى بشير بن عمر الزهراني ، عن مالك ، أنه كان يكره السلام على أهل الذمة كلهم. قال بشير : فقلت : أترى أن يبدءوا بالسلام ؟ قال : معاذ الله أما سمعت قوله تعالى : \" يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوَّي وعدوكم أولياء \" .\rوقال مالك : أكره مؤاكلة أهل الذمة ، لأن المؤاملة توجب المودة.\rوقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم ، أنهم كانوا يبدءون بالسلام كل من لقوه من مسلم أو ذمى. فالمعنى في ذلك ، والله أعلم ، أنه ليس بواجب أن يبدأ المسلم المار القاعد الذمىَّ ، والراكب المسلم الذمى الماشي ، كما يجب ذلك بالسنة على من كان على دينه ، فإن فعل فلا حرج عليه. فكأنه قال صلى الله عليه وسلم : \" ليس عليكم أن تبدءوهم بالسلام \" بديل ما روى الوليد بن مسلم عن عروة بن رويم ، قال : رأيت أبا أمامة الباهلي يسلم على كل من لقي من مسلم وذمىّ ، ويقول : هي تحيةٌ لأهل ملتنا ، وأمان لأهل ذمتنا ، واسم من أسماء الله نفشيه بيننا.ومحال أن يخالف أبو أمامة السنة ، لو صحت في ذلك. بل المعنى على تأويلنا والله أعلم ، وعلى هذا يصح تخريج هذه الأخبار ووجوهها.\rذكر ابن أبي شبيب ، عن إسماعيل بن عياش ، عن محمد بن زياد الألهاني ، وشرحبيل بن مسلم ، عن أبي أمامة ، أنه كان لا يمر بمسلمٍ ولا يهودي ولا بصراني إلا بدأه بالسلام.\rوروي عن ابن مسعود وأبي الدراء ، وفضاله بن عبيد ، أنهم كانوا يبدءون أهل الذمة بالسلام.\rوقال ابن مسعود : إن من التواضع أن تبدأ بالسلام كلَّ من لقيت.\rوعن ابن عباس ، أنه كتب إلى رجل من أهل الكتاب : السلام عليك.\rوسئل عبد الله بن وهب ، صاحب مالك ، عن غيبة النصراني ، فقال : أو ليس من الناس ؟ قالوا : بلى. قال : فإن الله عز وجل يقول : \" وقولوا للناس حسناً \" .\rوقيل لمحمد بن كعب القرظي : إن عمر بن عبد العزيز سئل عن ابتداء أهل الذمة بالسلام فقال ترد عليهم ولا تبدؤهم. فقال محمد بن كعب : أما أنا فلا أرى بأساً أن تبدأهم بالسلام ، قيل له : لم ؟ فقال : لقوله عز وجل : \" فاصفح عنهم وقل سلام \" .\rومن حجة من ذهب إلى هذا قوله عز وجل : \" لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين \" .\rوذهب جماعة من العلماء إلى مثل ما ذهب إليه عمر بن عبد العزيز في ذلك.\rوروى ابن المبارك عن شريك عن أبي إسحاق ، قال : كان يقال : من الحمق أن تؤاكل غير أهل دينك.\rقال أبو الطمحان الأسدي :\rكأن لم يكن بالقصر قصر مقاتل ... وزورة ظلٌ ناعمٌ وصديق\rوإني وإن كانوا نصارى أحبهم ... ويرتاح قلبي نحوهم ويتوق\rولبعضهم في مجوسي ساق عنه صداق امرأته ، وهو الأقيشر الأسدي :\rشهدت عليك بطيب المشاش ... وأنك حرٌ جوادٌ خضم\rوأنك سيِّد أهل الجحيم ... إذا ما ترديت فيمن ظلم\rكفاني المجوسي مهر الرباب ... فدى للمجوسي خالٌ وعم\rروى إسماعيل بن إسحاق ، قال : سمعت ابن أبي أويس ، يقول : سئل مالك ، أترى بأساً إذا أهدى اليهودي أو النصراني للمسلم أن يكافئه ، فقال : معاذ الله وما للمسلم أن يقبل هديته حتى يكافئه.\rوقال آخر :\rوجدنا في اليهود رجال صدقٍ ... على ما كان من دينٍ يريب\rخليلان اكتسبتهما وإني ... لخلة ماجدٍ أبداً كسوب","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"للمريمي الشاعر ، وهو القاسم بن يحيى ، من ولد أبي مريم السلمى صاحب النبي عليه السلام ، يخاطب أبا يعقوب إسحاق بن نصر الكاتب العبادي عند إسلام الوليد ابن أخيه ، وكان إسحاق هذا كاتب أبي الجيش بن طولون صاحب مصر :\rتعزَّ فإنَّ الحرَّ لا بدَّ يخلق ... وكل امرئ للخير والشرِّ يخلق\rوما فرج الأيام إلا مواهبٌ ... فمن بين محرومٍ وآخر يرزق\rوما الحزم إلا أن ينزه نفسه ... فتىً كاد في بحرٍ من الهمِّ يغرق\rإذا لم يكن في ردِّ ما فات حيلة ... فإن الفتى بالصبر أحرى وأخلق\rأتاني غمٌ من سرورٍ سمعته ... فلا أنا مأسورٌ ولا أنا مطلق\rسررت بإسلام الوليد ديانةً ... وأقلقني علمي بأنك مقلق\rفقلبي به شطران جذلان واحدٌ ... وآخر محزونٌ من أجلك محرق\rأنار لكم فينا وأشرق كوكبٌ ... لنا مثله فيكم ينير ويشرق\rفكم راعنا من مسلمٍ متنصرٍ ... فهذا بهذا والسعيد الموفق\rلزيبا النصراني وكان يتشيع :\rعدىٌّ وتيم لا أحاول ذكركم ... بسوءٍ ولكني محبٌ لهاشم\rوما تعتريني في عليٍّ ورهطه ... إذا ذكروا في الله لومة لائم\rيقولون ما بال النصارى تحبهم ... وأهل النهى من أعرب وأعاجم\rفقلت لهم : إني لأحسب حبهم ... سرى في قلوب الخلق حتى البهائم\rوله أيضاً :\rعلى أمير المؤمنين خليفةٌ ... وما لسواه في الخلافة مطمع\rفلو كنت أبغى ملة غير ملتي ... لماكنت إلا مسلما أشيع\rباب الولد والوالد\rقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : من أب يا رسول الله ؟ قال : \" أمك قال : ثم من يا رسول الله ؟ قال : أمك : ثم من ؟ قال : أباك ثم أدناك \" ومنهم من يرويه : أمك ثلاث مرات ، والأول أثبت.\rوسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال أفضل ؟ فقال : \" الصلاة لوقتها وبر الوالدين \" .\rوقال صلى الله عليه وسلم : \" البر والصلة وحسن الجوار ، عمارة الديار وزيادة في الأعمار \" .\rوقال الحسن : البر أن تطيعهما في كل ما أمراك به ، ما لم تكن معصية الله ،والعقوق هجرانهما ،وأن تحرمهما خيرك.\rقال عروة في قوله تعالى : \" واخفض لهما جناح الذل من الرحمة \" . هو ألا يمنعهما من شيء أراده قال يزيد بن أبي حبيب : كان العلماء يقولون : حق الأم أعظم من حق الأب ،ولكل حق.\rرأى ابن عمر رجلا يطوف بالبيت حاملا أمه ، وهو يقول لها : أتريني جزيتك يا أمه ؟ فقال ابن عمر : ولا طلقة واحدة ، أو قال : ولا زفرة واحدة.\rوروى في الخبر المرفوع : \" ما بر أباه من سدّد النظر إليه \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من أراد أن يصل أباه بعد موته ، فليصل إخوان أبيه \" .\rوقال صلى الله عليه وسلم : \" الود يتوارث ، والبغض يتوارث \" .\rوقال عليه السلام : \" ثلاثٌ يطفئن نور العبد : أن يقطع ودّ أهل بيته ، ويبدّل سنّة صالحة ، ويرمي بصره في الحجرات \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لا يدخل الجنة عاقّ ، ولا منان ، ولا مدمن خمر ، ولا مدمن سحر ، ولا قتات \" .\rللربيع بن ضبع :\rألا أبلغ بنيِّ بني ربيع ... فأشرار البنين لكم فداء\rبأني قد كبرت ورقَّ جلدي ... فلا تشغلكم عنيِّ النِّساء\rإذا كان الشتاء فأدفئوني ... فإن الشيخ يهرمه الشتاء\rوأما حين يذهب كل قُرٍ ... فسربالٌ خفيف أو رداء\rإذا بلغ الفتى مائتين عاماً ... فقد ذهب البشاشة والفتاء\rوسئل ابن عباس ، عن رجل قتل امرأته وما توبته ؟ قال : إن كان له أبوان فليبرهما ماداما حيين ، فلعل الله أن يتجاوز عنه. وقد جاء عنه مثل ذلك في المرأة التي تعلمت السحر ثم جاءته تطلب التوبة.\rقال مكحول : بر الوالدين كفارة للكبائر.\rقال محمد بن المنكدر : بت أغمز رجل أمّي ، وبات عمي يصلي ليلته ، فما تسرني ليلته بليلتي.\rقال الشاعر في ابنه :\rيود الردى لي من سفاهة رأيه ... ولو متّ بانت للعدوّ مقاتله","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"إذا ما رآني مقبلاً غضّ طرفه ... كأن شعاع الشمس دوني يقابله\rومثله :\rإذا أبصرتني أعرضت عنّي ... كأن الشمس من قبلي تدور\rولعبد الله بن بكر السهمي :\rخالل خليل أخيك وارع إخاءه ... وعلم بأن أخا أخيك أخوكا\rوبنيك ثم بني بنيك فكن لهم ... براً فإنّ بني بنيك بنوكا\rوالطف بجدك رحمةً وتعطفاً ... واعلم بأن أبا أبيك أبوكا\rروي عن ابن عباس أنه قال : إنما ردَّ الله عقوبة سليمان بن داود عن الهدهد لبره كان بأمه.\rرأى أبو هريرة رجلا يمشي خلف رجل ، فقال : من هذا ؟ فقال : أبي. قال : لا تدعه باسمه ولا تجلس قبله ، ولا تمش أمامه.مكتوب في كتب الله عز وجل : لا تقطع ما كان أبوك يصله فيطفأ نورك قال كعب : مكتوبٌ في التوراة ، اتق ربك ، وبرّ والديك ، وصل رحمك ، يمدّ لك في عمرك ، وييسِّر لك يسرك ، ويصرف عنك عسرك.\rوالآثار في بر الوالدين كثيرة جداً ، وقد نص الله في كتابه من خفض الجناح لهما ، والحضّ على برهما ما يكفي.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" الولد الصالح من ريحان الجنة \" .\rونظر يوماً إلى الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ، فقال : \" إنكم لتجبنون وتبخلون ، وإنكم لمن ريحان الجنة \" .\rدخل عمرو بن العاص على معاوية ، وعنده بنت له ، فقال : ابعدها عنك ياأمير المؤمنين ، فوالله ما علمت إلا أنهن يلدن الأعداء ، ويقربن البعداء ، ويورئن الضغائن. قال معاوية : لا تقل هذا ياعمر ، فو الله ما مرض المرضى ، ولا ندب الموتى ، ولا أعولّ على الأحزان مثلهن ، ولربّ ابن أخت قد نفع خاله.\rقال محمد بن سليمان : البنون نعمٌ ، والبنات حسنات ، والله عز وجل يحاسب على النعم ، ويجازي على الحسنات.\rقال منصور الفقيه :\rلولا بناتي وسيّآتي ... لذبت شوقاً إلى الملمات\rلأنني في جوار قومٍ ... نغّصني قربهم حياتي\rوله أيضاً :\rأحبّ البنات ،فحبّ البنات ... فرضٌ على كلّ نفسٍ كريمه\rلأن شعيباً لأجل البنات ... أخدمه الله موسى كليمه\rوقال آخر :\rلقد زاد الحياة إلىّ حبّاً ... بناتي إنّهن من الضعاف\rمخافة أن ين البؤس بعدي ... وأن يشربن رنقاً بعد صاف\rولأبي محمد الحسن بن عبيدة الريحاني :\rحبذا من نعمة الل ... ه البنات الصالحات\rهن للنسل وللأ ... نس وهن الشجرات\rوبإحسانٍ إليهنّ تكون البركات\rإنّما الأهلون أرضو ... ن لنا محترثات\rٍفعلينا الزرع فيها ... وعلى الله النّبات\rكان لأبي حمزة الأعرابيّ زوجتان فولدت إحداهما ابنة ،فعزّ عليه ،واجتنبها وصار في بيت ضرتها إلى جنبها فأحست به يوماً في بيت صاحبتها ،فجعلت ترقّص ابنتها الطفلة وتقول :\rما لأبي حمزة لا يأتينا ... يظلّ في البيت الذي يلينا\rغضبان ألاّ نلد البنينا ... تا الله ما ذلك في أيدينا\rبل نحن كالأرض لزارعينا ... يلبث ما قد زرعوه فينا\rوإنما نأخذ ما أعطينا\rفعرف أبو حمزة قبح ما فعل ، وراجع امراته.\rقال منصور الفقيه :\rلولا البنات والذنوب لم أكن ... يروعني ذكر الحنوط والكفن\rوقال آخر :\rلولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أجب في الليالي حندس الظّلم\rوزادني رغبةً في العيش معرفتي ... ذل اليتيمة يجفوها ذوو الرّحم\rأحاذر الفقر أن يلمم بساحتها ... فيهتك الستر من لحمٍ على وضم\rأخشى إضاعة عمٍ أو جفاء أخٍ ... وكنت أحنو عليها من أذى الكلم\rما أنس لا أنس منها إذ تودّعني ... والدمع يجري على الخدّين ذا سجم\rلا تبرحن فإن متنا فإنّ لنا ... ربّاً تكفل بالأرزاق والقسم\rتهوى حياتي وأهوى موتها شفقاً ... والموت أكرم نزال على الحرم\rوقال آخر :\rأحب بنيّتي ووددت أنّي ... سترت بنّيتي في قعر لحد\rوما إن ذاك من بغض ولكن ... مخافة أن تذوق البؤس بعدي","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"رأى ابن عباس رجلا ومعه ابنٌ له ، فقال : أما إنّه لو عاش فتنك ، ولو مات أحزنك.\rقال محمد بن علىٌّ بن حسن لابنه جعفر : يابنيّ! إن الله رضيني لك وحذّرني منك ، ولم يرضك لي فأوصاك بي ، يا بنيّ! إن خير الأبناء من لم يدعه البر إلى الإفراط ،ولم يدعه التقصير إلى العقوق.\rكان يقال : الولد ريحانتك سبعاً ، وخادمك سبعاً ، وهو بعد ذلك صديقك أو عدوّك أو شريكك.\rسأل معاوية بن أبي سفيان الأحنف بن قيس عن الولد ،فقال : يا أميرالمؤمنين أولادنا ثمار قلوبنا ، وعماد ظهورنا ، ونحن لهم أرض ذليلة ، وسماء ظليلة ، وبهم نصول عند كل جليلة ، فإن طلبوا فأعطهم ، وإن غضبوا فأرضهم ، يمنحوك ودهم ، ويحبّوك جهدهم ، ولا تكن عليهم قفلا فيتمنّوا موتك ويكرهوا قربك ويملوا حياتك. فقال له معاوية : لله أنت !لقد دخلت علىّ وإني لمملوء غيظا على يزيد ولقد أصلحت من قلبي له ما كان فسد. فلما خرج الأحنف من عند معاوية بعث معاوية إلى يزيد بمائتي ألف درهم ، فبعث يزيد إلى الأحنف بنصفها.\rقال علىّ بن أبي طالب :ينبغي لأحدكم أن يتخيّر لولده إذا ولد الاسم الحسن.\rوفي الخبر المرفوع : من نعمة الله عز وجل على الرجل أن يشبهه ولده.\rقال عمر بن الخطاب : عجّلوا بكني أولادكم لا تسرع إليهم الألقاب السّود.\rقال أبو جعفر محمد بن علي : بادروا بالكني قبل الألقاب.\rقال : وإنا لنكني أولادنا في الصغر مخافة اللقب أن يلحق بهم.\rقال قتادة : رب جاريةً خير من غلام ، ورب غلام قد هلك أهله على يديه.\rروى عن النبي صلى عليه وسلم ،أنه قال : \" ما نحل والد ولده خيراً من أدب حسن \" .\rوروى عنه صلى الله عليه وسلم ،أنه قال : \" من عال ثلاث بنات ، أو ثلاث أخوات أو ابنتين أو أختين كنّ له حجاباً من النار ، فإن صبر عليهن حتى يزوّجهن دخل الجنة.\rكان يقال : من بلغت ابنته النكاح فلم يزوجها فزنت فعليه مثل إثمها ، وإثمها عليه\rوكما لا يصبحّ الجسد بلا رأس ... لا تصلح المرأة بغير زوج.\rكان عقيل بن علّفة غيوراً ،فحمل يوماً ابنةً له وأنشأ يقول :\rإنّي وإن سيق إلىّ المهر ... ألفٌ وعبدان وذودٌ عشر\rأحبّ أصهاري إلىّ القبر قال عبد العزيز بن مروان لسعيد بن العاص :كيف حبّك لبناتك ؟قال :إني لأحبهن ،على أنهن يلدن الأعداء ويقربن البعداء ،وهن عددٌ ولسن بولد.\rكتب عمر بن الخطاب إلى أهل الأمصار :علّموا أولادكم العوم والفروسيّة ،ورووهم ما سار ،من المثل ، وما حسن من الشعر.\rكان يقال : من تمام ما يجب للأبناء على الآباء ، تعليم الكتابة والسباحة.\rقال الحجّاج لمعلّم ولده :علّم ولدي السباحة قبل أن تعلمهم الكتابة ، فإنهم يجدون من يكتب عنهم ، ولا يجدون من يسبح عنهم.\rقال الشاعر :\rخير ما ورّث الرجال بنيهم ... أدبٌ صالح وحسن الثناء\rذاك خيرٌ من الدنانير والأو ... راق يوم شدةٍ أو رخاء\rوهي أبيات كثيرة قد ذكرناها وذكرنا الاختلاف في قائلها في باب التعليم في الصغر ،من كتاب العلم.وفي ذلك الباب كثير من معاني هذا الباب ،والله الموفق للصواب.\rقال أعرابي ،وهو حطّان بن المعلي :\rأبكاني الدهر ويا ربّما ... أضحكني الدّهر بما يرضي\rأنزلني الدّهر على حكمه ... من شاهق عالٍ إلى خفض\rوابتزّني الدهر ثياب الغني ... فليس لي ثوبٌ سوى عرضي\rلولا بنيّات كزغب القطا ... ينهضن من بعض إلى بعض\rإن هبّت الريح على بعضهم ... لم تطعم العين من الغمض\rلكان لي مضطربٌ واسعٌ ... في الأرض ذات الطول والعرض\rوإنّما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشى على الأرض\rكان الزبير بن العوام يرقص ابنه عروة ويقول :\rأبيض من آل أبي عتيق ... مباركٌ من ولد الصّديق\rألذّه كما ألذّ ريقي\rقالوا :من كان له صبّي فليستصب له.\rكانت أعرابية ترقّص ابنها ،أو بعض الأعراب يرقص ابنه ويقول :\rأحبّه حبّ شحيحٍ ماله ... قد ذاق طعم الفقر ثم ناله\rإذا أراد بذله بداله","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"قال محمد بن يحيى النديم :أول شعر قاله عليّ بن الجهم وهو غلام في المكتب ،وذلك أن أباه أمر المؤدّب أن يجلسه يوم الخميس عنده في المكتب حتى يحفظ حزبه ،فحبسه فكتب إلى أمه :\rأمّي جعلت فداك من أمّ ... أشكو إليك فظاظة الجهم\rقد سرّح الصبيان كلّهم ... وحسبت بالعدوان والظّلم\rقال الزيادي :كنت رجلا مئناثاً ،فقيل لي :أكثر من الاستغفار وقت الجماع ،واستغفر الله عند الجماع ،فف علت فولد لي بضعة عشر ولداً ذكراً.\rقال الشاعر :\rوما كل مئناث سيشقى ببنته ... وما كلّ مذكار بنوه سرور\rومن هذا المعنى ذكرٌ في باب النساء.\rقال أبو العلاء محمد بن أحمد بن جعفر الوكيعي :ما سمعت بكار بن قتيبة القلضي قط ينشد بيت شعر إلاّ مرة ،كنت عنده وأختصم إليه رجل وابنه ،فكان من كل واحد منهما إلى صاحبه ما لم يحمد بكار ،فالتفت إليهما وأنا أسمع.\rفقال :\rتعاطتيما ثوب العقوق كلا كما ... أب غير بر وابنه غير واصل\rكان لعبد الملك بن مروان بيت ملٍ كان قد حجزه من خالص غلاته وضياعه ،لا يدخله شئ من الغلول ،يعدّه للتزويج وشراء الجواري اللواتي يطلب أولادهن ،وكان يقول :إنّ الغلول يبقى في الولد.\rقال أعرابي لأبيه وهو عمر بن ذّر الهمداني يعاتبه :يا أبت!إن عظيم حقك علىّ لا يذهب صغير حقيّ عليك ،والذي تمتّ به إلىّ أمت بمثله إليك ،ولست أزعم أنا سواء ولكني أقول لا يحل الاعتداء.\rقيل لأعرابي ،وكان له ابن عاقّ :كيف ابنك ؟قال :عذابٌ أزغف علىّ به الدهر ،فليتني قد أودعته القبر ،فإنه بلاء لا يقاومه الصبر ،وفائدة لا يلزم عليها الشكر.\rدخل إلى جعفر بن القاسم بن جعفر بن سليمان الهاشمي أعرابي ،فسأله جعفر عن بنيه فقال :\rإنّ بنّي خيرهم كالكلب ... أبرّهم أولعهم بسبّي\rلم يغن عنهم أدبي وضربي ... فليتني كنت عقيم الصّلب\rولبعض العقلاء البررة الأدباء :\rبنفسي أنت لا بأبي فإني ... رأيت الجود بالآباء لؤما\rكان يقال :من فوائد الدهر موت الابن العاقّ.\rقال أمية بن أبي الصلت ،وهو قد عتب على ابنه :\rغذوتك مولوداً وغلتك يافعا ... تعلّ بما أسعى عليك وتنهل\rإذا ليلةٌ جاءتك بالشكو لم أكن ... بشكواك إلاّ ساهراً أتملتل\rكأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني عيني تهمل\rتخاف الرّدى نفسي عليك وإنها ... لتعلم أن الموت وقتٌ مؤجل\rفلما بلغت السنّ والغاية التي ... إليها مدى ما كنت قبل أؤمل\rجعلت جزائي غلظةً وفظاظةً ... كأنك أنت المنعم المتفضل\rفليتك إذ لم ترع حقّ أبوّتي ... كما يفعل الجار المجاور تفعل\rورضى أبو الشغب العبسي عن أبنه فقال :\rرأيت رباطا حين تمّ شبابه ... وولىّ شبابي ليس في برّه عتب\rإذا كان أولاد الرجال حزازةً ... فأنت الحلال الحلو والبارد العذب\rلنا جانبٌ منه دميثٌ وجانب ... إذا رامه الأعداء ممتنعٌ صعب\rيخبرني عما سألت بهيّنٍ ... من القول لا جافي الكلام ولا لغب\rوقال آخر :\rفلو كنتم لكيّسة أكاست ... وكيس الأمّ أكيس البنينا\rباب الأقارب والموالى\rقال رجلٌ لرسو ل اللّه صلى اللّه عليه وسلم. \" يا رسول اللّه إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني ، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : \" لا يزال معك من اللّه ظهيرٌ ما كنت على ذالك \" .\rقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : \" ما من ذنبٍ أجدر بأن تجّعل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة ، من البغي وقطيعة الرحم \" .\rويروي عنه صلى اللّه عليه وسلم : \" حقّ كبير الإخوة على صغيرهم كحقّ الوالد على ولده \" .\rوقال أبو الدرداء :مكتوب في التوراة : إن أحسد الناس لعالمٍ وأبغاهم عليه ، قرابته وجيرانه \" .\rقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : \" مولى القوم منهم \" .","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"قال ابن عباس : قد تقطع الرحمّ ، وقد تكفر النعمى ، ولا شئ كتقارب القلوب. وفي رواية أخرى عنه ، تكفر النعمة ، والرحم تقطع ، واللّه يؤلف بين القلوب ، وإذا قارب بين القلوب لم يزحزها شئٌ أبداً ، ثم تلا : \" لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم ولكنّ اللّه ألّف بينهم \" .\rكان يقال : لا تؤدى حقّ الرحم إلا بأن تصل من أدلى بها إذا قطعك ، وتعطيه إذا حرمك.\rقال الشاعر :\rوجدت قريب الودّ خيراً وإن نأى ... من الأبعد بعدّ الود القريب المناسب\rورب أخ لم يدنه منك ولدٌ ... أبرٌ من ابن الأم عن النوائب\rورب بعيد حاضرٍ لك نفعه ... وربّ قريبٍ شاهدٍ مثل غائب\rولمنصور الفقيه :\rمناسبك الأدنى أشدّ عداوةً ... وكفراً لما أوليته من عداتكا\rيقول الذي بيني وبينك موجبٌ ... عليك لعمري أثرتي بحياتكا\rوما خير من يمسي ويصبح ساخطا ... على اللّه في تأخيره لمماتكا\rوقال آخر :\rأشدّ عداوةً وأفلّ نفعاً ... من الرجل البعيد الأقربونا\rوقال آخر :\rولا خير في قربي لغيرك نفعها ... ولا في صديق لا تزال تعاتبه\rيخونك ذو القربى مراراً وربمّا ... وفي لك عند الجهد من لا تناسبه\rقالت الأعرابي :ابن عمك عدوك وعدو عدوك.\rقال الفضل بن العباس اللهبي في بني امية :\rمهلا بني عمنا عن نحت أثلتنا ... سيروا قليلاً كما كنتم تسيرونا\rلا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكفّ الأذى عنكم وتؤذونا\rمهلا بني عمنا مهلاً موالينا ... لاتنشروا بيننا ما كان مدفونا\rاللّه يعلم أنّا لا نحبكم ... ولا نلومكم ألا تحبونا\rكل يداجى على البغضاء صاحبه ... بنعمة اللّه نقليكم وتقلونا\rقال مضرّس بن لقيط الفقعسى :\rفقدت موالى الذين كأنهم ... دماميل في وجهى على تنخس\rولما قتل الحسين بن علىّ ، قالت بنت عقيل بن أبي طالب :\rماذا تقول إن قال النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم\rبعترتي وبأهلى عند منطلقى ... منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم\rما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمى\rلسويد الحارثي أو غيره :\rبني عمنا لا تذكروا الشّعر بعدما ... دفنتم بصحراء الغميم القوافيا\rفلسنا كما كنتم تصيبون مثله ... فيقبل عقلاً أو يحكم قاضيا\rولكن حكم السيف فيكم مسلطٌ ... فنرضى إذا ما السيف أصبح راضيا\rفإن قلتم إنا ظلمنا فإنكم ... بدائم ولكنا أسأنا التّقاضيا\rوقال الأضبط بن قريع :\rفصل حبال البعيد إن وصل ال ... حبل وأوقص لبقريب إن قطعه\rقال قيس بن زهير :\rشفيت النفس من حمل بن بدرٍ ... وسيفي من حذيفة قد شفاني\rقتلت إخوتي سادات قومي ... وقد كانوا لنا حلى الزمان\rفإن أك قد شفيت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلا بناتي\rقال ذو الإصبع العدواني :\rولى ابن عمّ على ما كان من خلقٍ ... مخالف لى أقليه ويقلني\rأزرى بنا أننا شالت نعامتنا ... فخالني دونه بل خلته دوني\rالله يعلمني والله يعلمكم ... والله يجزيكم عني ويجزيني\rماذا علىّ وإن كنتم ذوي رحمٍ ... ألا أحبكم إذ لم تحبؤني\rقال الأعشى :\rوإنّ القريب من يقرّب نفسه ... لعمر أبيك الخير لا من تنسّبا\rوقال آخر :\rوإنّي للبّاس على المقت والقلى ... بني العمّ منهم كاشحٌ وحسود\rأذبّ وأرمي بالحصى من ورائهم ... وأبدأ بالنعمى لهم وأعود\rقال ابن العميد :\rآخ الرجال من الأبا ... عد والأقارب لا تقارب\rإن الأقارب كالعقا ... رب أو أشدّ من العقارب","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"كان عبد الله بن العباس صديقاً لعمر بن عبد الرحمن بن عوف فليقه يوماً مغتاظاً.فقال له : مالك ؟ قال : لقيني فلان - لرجل من أهله - فشتمني وآذاني.\rفقال له : هوّن عليك فما من ضارٍ على طريدةٍ بأسرع إليها من ابن عم دنٍّي إلىابن عمسرىّ ، فهوّن عليك.\rمن شعر طرفة ، ويروي في شعر عدي بن زيد :\rوظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً ... على المرء من وقع الحسام المهنّد\rوقال أبو فراس الحمداني :\rوهل أنا مسرور بقرب أقاربي ... إذا كان لي منهم قلوب الأباعد\rقال العتابي : عشيرتك من أحسن عشرتك ، وابن عمك من عمك خيره ،وقرابتك من قرب منك نفعه ، وأحب الناس إليك أخفّهم ثقلا عليك.\rوقال :\rإني بلوت الناس في أحوالهم ... وخبرت ما وصفوا من الأسباب\rفإذا القرابة لا تقرب قاطعاً ... وإذا المودة أقرب الأنساب\rوقال آخر :\rكم من أخ لك لم يلده أبوكا ... وأخٍ أبوه أبوك قد يجفوكا\rوهذا مأخوذ والله أعلم من قول أكثم بن صيفي : رب أخ لم تجمعه معك ولادة.\rقال آخر :\rقومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت أصابني سهمي\rفلئن عفوت لأعفون جللاً ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي\rوقال أبو الأسود الدؤلي :\rإذا المرء ذو القربى وذو الود أجحفت ... به سنةٌ حلت مصيبته حقدي\rقال آخر :\rسآخذ منكم آل حزن لحوشبٍ ... وإن كان مولائي وكنتمبني أبي\rفإن كنت لا أرمى وترمى عشيرتي ... نصب جائحات النبل كشجى ومنكبي\rوقال آخر :\rفلم أر عز المرء إلا عشيرة ... ولم أر ذلاَّ مثل نأيٍ عن الأهل\rوقال آخر :\rأخاف كلاب الأبعدين ونبحها ... إذا لم تجاوبها كلاب الأقارب\rوقال المقنع الكندي ، واسمه محمد بن عمير بن أبي شمر الكندي ، وكان من أجمل أهل زمانه وأحسنهم وجها ،وأتمهم قامة ، فكان إذا كشف وجهه يؤذى ،فكان يتقنع دهره ، فسمي لذلك : المقنع. وشعره هذا من أحسن ما قيل في معناه جزالة ونقاوة وسباطة وحلاوة :\rيعاتني في الدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا\rأسد به ما قد أخلوا وضيعوا ... حقوق ثغورٍ ما أطاقوا لها سداّ\rولي جفنةٌ لا يغلق الباب دونها ... مكللةٌ لحماً مدفقةٌ ثردا\rولي فرسٌ نهدٌ عتيقٌ جعلته ... حجاباً لبيتي ثم أحدمته عبدا\rوإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلفٌ جداً\rإذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجداً\rوإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غيَّي هويت لهم رشداً\rوليسوا إلى نصري سراعاً وإن هم ... دعوني إلى نصرٍ أتيتهم شدا\rوإن زجروا طيري بنحس يمر بي ... زجرت لهم طيراً يمر بهم سعدا\rولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا\rلهم جل مالي أن تتابع لي غنى ... وإن قلت مالي لم أكلفهم رفدا\rوإني لعبد الضيف مادام نازلا ... وما شيمةٌ لي غيرها تشبه العبدا\rوقال طرفة :\rوأعلم علماً ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل\rوقال عوف التميمي :\rولست لقومي بعيابةٍ ... وشر العشيرة من عابها\rأعف وابذل مالي لها ... ولا أتعلم ألقابها\rوقال أبو الطمحان القيني :\rإذا كان في صدر ابن عمك إحنةٌ ... فلا تستثرها سوف يبدو دفينها\rقال آخر :\rأخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح\rوان ابن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح\rقال الثقفي :\rمن كان ذا عضد يدركظلامته ... إن الذليل الذي ليست له عضد\rتنبو يداه إذا ما قلَّ ناصره ... ويأنف الضيم إن أثرى له عدد\rوقال أشجع السلمى :\rنسيبك من أمسى يناجيك طرفه ... وليس لمن تحت التراب نسيب","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"وقال محمد بن أبي حازم الباهلي :\rرب غريبٍ ناصح الجيب ... وابن أبٍ متهم الغيب\rورب عيابٍ له منظرٌ ... مشتمل الثوب على العيب\rقال محمد بن أبان اللاحقي يخاطب أخاه إسماعيل :\rتلوم على القطيعة من أتاها ... وأنت سننتها للناس قبلي\rواللاحقي هو القائل :\rإخفض الصوت إن نطقت بليلٍ ... والتفت بالنهار قبل الكلام\rوفي معنى قول اللاحقي في البيت الأول قول الهذلي :\rفلا تفزعن من سيرة أنت سرتها ... فأول راضٍ سنةً من يسيرها\rباب المملوك والمالك\rروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" لا يدخل الجنة سيء المملكة \" .\rكان يقال : التسلط على المملوك دناءة.\rوقال بعض الحكماء : اذكر عند قدرتك وغضبك قدرة الله عليك ، وعند حكمك حكم الله فيك.\rكان يقال : أنعم الناس عيشاً من حسن عيش غيره في عيشه.\rكان يقال : اللإحسان إلى الخادم يشجي العدو ، ويذهب البؤس ، والكسوة تظهر الغنى.\rقال عمر بن الخطاب : أكثروا شراء الرقيق ، فرب عبد يكون أكثر رزقاً من سيده.\rاشترى عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي عبد بني الحسحاس واسمه سحيمٌ ، وكان حبشياً سمحاً شاعراً ، وكتب إلى عثمان بن عفان : إني قد اشتريت لك غلاماً حبشياً شاعراً فكتب إليه عثمان : لا حاجة لي به ، فإنما حظ أهل العبد الشاعر إذا شبع أن يشبِب بنسائهم ، وإذا جاع أن يهجوهم.\rقال لقمان لابنه : يا بني إياك وخدمة العين. قال : وما خدمة العين ؟ قال : ألا يكون لك عبد لا يخدمك إلا حيث يراك.\rباع أعرابي غلاماً له من قومٍ من أهل البصرة ، فجعلوه سقاءً على ظهر بعير لهم ،فلبث الأعرابي حيناً ثم لقيه فسأله عن حاله ؟ فقال : أنا في سفر لا ينقضي ، وغديرٍ لا ينزح ، وقوم لا يروون.\rقال بعض الحكماء : أفضل المماليك الصغار ، لأنهم أحسن طاعة ، وأقل خلافاً ،وأسرع قبولا.\rكان يقال : استخدم الصغير حتى يكبر ، والأعجمي حتى يفصح.\rروى سفيان بن عيينة ، عن سليمان الأحول ، عن ابن معبد ، عن ابن عباس ،قال : من حلف على ملك يمينه أن يضربه فكفارته تركه ، ومع الكفارة حسنة.\rقال أبو الفتح :\rبطرتم فطرتم والعصا زجر من عصا ... وتقويم عبد الهون بالهون رادع\rوقالآخر :\rإذا لم يكن في منزل المرء حرةٌ ... رأى خللاً فيما تدير الولائد\rفلا يتخذ منهن حرٌ قعيدةً ... فهن لعمر الله بئس القعائد\rقال آخر :\rالعبد يزجر بالعصا ... والحر تكفيه الملامة\rوقال آخر :\rالعبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه الإشارة\rأخده من قول مالك بن الريب :\rالعبد يقرع بالعصا ... والحر يكفيه الوعيد\rوقال بشار :\rالحر يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الردِّ\rكان يقال الحر حرٌ وإن مسه الضر ، والعبد عبد ولو مشى على الدر أخذه الشاعر فقال :\rوإن الحر في الحالات حرٌ ... وإن الذل يقرن بالعبيد\rوقال يزيد المهلبي :\rإن العبيد إذا أذللتهم صلحوا ... على الهوان عن أكرمتهم فسدوا\rقال المتنبي :\rلا تشتري العبد إلا والعصا معه ... إن العبيد لأنجاسٌ مناكيد\rوقال آخر :\rإذا برم المولى بخدمة عبده ... تجنى له ذنباً وإن لم يكن ذنب\rباب الذكر والثناء\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم \" ؟ قالوا :بم ذا يا رسول الله ؟ قال : \" بالثناء الحسن والثناء السيء ، أنتم شهداء الله في الأرض ، بعضكم على بعض \" .\rقال عبد الله بن مسعود : عنوانصحيفة الميت ثناء الناس عليه.\rوروى ذلك عن ابن عمر أيضاً.\rقال كعب الأحبار : إذا أحببتم أن تعملوا ما للعبد عند ربه فانظروا ما يتبعه من حسن ثناء.\rقال مطرف بن الشخير : عنوان كرامة الله لعبده حسن الثناء عليه ، وعنوان هوانه سوء الثناء عليه.\rقال بعض الحكماء : الناس أحاديث ، فإن استطعت أن تكون أحسنهم حديثاً فافعل.\rومن ها هنا والله أعلم أخذ ابن دريد قوله :\rوإنما المرء حديثٌ بعده ... فكن حديثاً حسناً لمن وعى\rقال آخر :","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"أرى الناس أحدوثةً ... فكوني حديثاً حسن\rقال آخر :\rوكل جديد يا أميم إلى البلى ... وكل امرئٍ يوماً يصير إلى كان\rوقد مضى قوله حاتم الطائي : أخاف مذمات الأحاديث من بعدي مات ابن لحبيب بن الملهب ، فقدم أخاه يزيد ليصلي عليه ، فقيل له : أتقدمه وأنت أسن منه ؟ قال : إن أخي قد شرفه الناس وشاع له فيهم الصيت ، ورمته العرب بأبصارها ، فكرهت أن أضع منه ما رفع الله.\rقال رجل من غنىّ :\rفإذا بلغتم أهلكم فتحدثوا ... ومن الحديث مهالكٌ وخلود\rقال آخر :\rفأثنوا علينا لا أباً لأبيكم ... بإحساننا إن الثناء هو الخلد\rقال الأسدي :\rفإني أحب الخلد لو أستطيعه ... وكالخلد عندي أن أموت ولم ألم\rكان أبو عمرو بن العلاء يتمثل :\rوسيبقى الحديث بعدك فانظر ... خير أحدوثة تكون فكنها\rقال داود بن جهور ، وتنسب إلى منصور ، وليست له وقد رويناها لداود ،والله أعلم :\rإذا أعجبتك طباع امرئٍ ... فكنه يكن منك ما يعجبك\rفليس على الجود المكرمات ... حجابٌ إذا جئته يحجبك\rقال آخر :\rذكر الفتى عمره الباقي وحاجته ... ما قاته وفضول العيش أشغال\rقال التهامي :\rبينا يرى الإنسان فيها مخبراً ... حتى يرى خبراً من الأخبار\rباب البكاء على ما مضى من الأزمان\rوالتلهف على صالح الإخوان، والحنين إلى الأوطان\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر : \" فكيف بك يا عبد الله إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وخفت أمانتهم \" ؟ قيل لبعض الحكماء : بأي شيء يعرف وفاء الرجل دون تجربة واختبار ؟ قال : بحنينه إلى أوطانه ، وتلهفه على ما مضى من زمانه.\rروى أبو العلاء زكريا بن يحيى بن خلاد ، عن الأصمعي ، قال : قال أعرابي : إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل ودوام عهده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه ، وبكائه على ما مضى من أزمانه.\rروى عروة عن عائشة : أنها تمثلت بقول لبيد :\rذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلفٍ كجلد الأجرب\rيتحدثون ملالة وخيانةً ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب\rثم قالت : كيف لو أدرك لبيد زماننا هذا ؟ قال عروة : كيف لو أدركت عائشة زماننا هذا ؟.\rبلغ ابن عباس قول عائشة : رحم الله لبيداً ، لو أدرك زماننا هذا ؟ فقال ابن عباس : رحم الله لبيداً ورحم عائشة ، لقد أصبت باليمين سهما في خزائن عاد ، كأطول ما يكون من رماحكم هذه ، مريشٌ مفوق مكتوب عليه :\rفهل لي إلى أجبال هند بذي اللوى ... لوى الرمل من قبل الممات معاد\rبلاد بها كنّا ونحن نحبها ... إذ الناس ناسٌ والبلاد بلاد\rقال أبو العتاهية :\rلله أزمنة عهدت رجالها ... في النائبات وإنهم لكرام\rماذا أقول لوافد الزمن الذي ... هلك الأرامل فيه والأيتام\rزمن هوت أعلامه وتقطعت ... فرقاً فليس لأهله أعلام\rزمن مكاسب أهله مدخولةٌ ... جداً فروع أصوله الآثام\rزمن تحامى المكرمات سراته ... حتى كأن المكرمات حرام\rروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دخلت عليه عجوز وهو في بيت عائشة ، فأكرمها وقربها ووصلها ، فقالت له عائشة : من هذه العجوز ؟ فقال : \" كانت تأتينا وتزورنا أيام خديجة ، وحفظ العهد من الإيمان \" .\rوقال آخر :\rذهب الزمان برهط حسان الألى ... كانت مناقبهم حديث الغابر\rوبقيت في خلف تحلّ ضيوفهم ... منهم بمنزلة اللئيم الغادر\rسود الوجوه لئيمةٌ أحسابهم ... فطس الأنوف من الطرز الآخر\rوقال آخر :\rمضى الذين إذا ما جئت أسألهم ... قالوا برحبٍ : على العينين والرّاس\rوقد بقيت بأوغادٍ أكابرهم ... ليسوا بناسٍ بلى أشباه نسناس\rوقال عتيبة الأعور :\rذهب الذين أحبهم ... وبقيت فيمن لا أحبه\rإذ لا يزال كريم قو ... مٍ فيهم كلبٌ يسبّه","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"وقال الحارث بن الوليد :\rذهب الذين إذا رأوني مقبلا ... هشوا وقالوا مرحباً بالمقبل\rوبقيت في خلف كأنّ حديثهم ... ولغ الكلاب تهارشت في منهل\rوقال الأحوص :\rذهب الذين أحبهم سلفا ... وبقيت كالمفقود في خلف\rمن كلّ مطوىّ على حنق ... متصنعٍ يكفي ولا يكفي\rوقال بشار :\rفسد الزمان وساد فيه المقرف ... وجرى مع الطّرف الحمار الموكف\rكان سفيان الثوري يقول : ذهب الناس فلا مرتع ولا مفرع ولعبد اللّه بن المبارك الفقيه ، وتروى لغيره :\rدهب الرجال المتقدى بفعالهم ... والمنكرون لكلّ أمرٍ منكر\rوبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضاً ليأخذ معورٌ من معور\rركبوا ثنيات الطريق فأصبحوا ... متنكبين عن الطريق الأكبر\rما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدرٌ وأبعدها إذا لم يقدر\rالعلم زين للرجال مروءةٌ ... والعلم أنفع من كنوز الجوهر\rأأخي إن من الرجال بهيمةً ... في صورة الرجل السميع المبصر\rفطن لكلّ مصيبة في ماله ... وإذا يصاب بدينه لم يشعر\rولأبي حفص عمرو بن علىّ بن بحر الفلاس ، وكان أحد أئمة أهل الحديث الحفاظ الجلية :\rألا ذهب التّكرم والوفاء ... وباد رجاله وبقى الغثاء\rوأسلمي الزمان إلى رجالٍ ... كأمثال الذئاب لهم عواء\rصديق كلما استغنيت عنهم ... وأعداء إذا نزل البلاء\rوقال منصور الفقيه :\rيا زماناً أورث الأح ... رار دلاّ ومهانه\rلست عندي بزمانٍ ... إنما أنت زمانه\rكيف نرجو منك خيراً ... والعلا فيك مهانه\rأجنوناً ما نراه ... منك يبدو أم مجانه\rوقال آخر :\rكنا نعيّر من يأتي بفاحشةٍ ... والناس يرعون حقّ الدين والحسب\rفالناس قد تركوا التعيير كلهم ... لما استوى النّاس في الفحشاء والكذب\rوقال آخر :\rذهب الوفاء ذهاب أمس الذّاهب ... فالناس بين مجاملٍ وموارب\rوقال آخر :\rذهب التكرم والوفاء من الورى ... وتقّرضا إلاّ من الأشمار\rوفشت خيانات الثقات وغيرهم ... حتى اتّهمنا رؤية الأبصار\rولعبد الله بن عبد العزيز بن ثعلبة اليعقوبي الشّذني :\rمضى دهر السّماح فلا سماح ... ولا يرجى لدي أحدٍ فلاح\rرأيت الناس قد مسخوا كلابا ... فليس لديهم إلاّ النّباح\rوأضحى الظّرف عندهم قبيحا ... ولا والله إنّهم القباح\rسلام أهل إبليس عليكم ... فإن البين أوشكله الرّواح\rنروح فنستريح اليوم منكم ... ومن أمثالكم قد يستراح\rإذا ما الحرّ هان بأرض قومٍ ... فليس عليه في هرب جناح\rوقال آخر : ؟مضى الجود والإحسان واجتثّ أصله وأخمد نيران النّدى والمكارم\rوصرت إلى ضرب من الناس آخر ... يرون العلا والمجد جمع الدّراهم\rكأنهم كانوا جميعاً تعاقدوا ... على اللؤم والإمساك في صلب آدم\rكان بلال لما قدم المدينة ينشد تشوقا إلى المكة ، ويرفع عقيرته : ؟ألا ليت شعرى هل أبيتّن ليلةً بوادٍ وحولى إذخر وجليل\rوهل أردن يوماً مياه مجنّةٍ ... وهل يبدون لى شامةٌ وطفيل\rولا بن ميادة واسمه الرّمّاح : ؟ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلةً بحرة ليلى حيث ربيّننى أهلى\rبلادٌ بها نيطت على تمائمي ... وقطعن عني حين أدركني عقلي\rوقال آخر : ؟أحبّ بلاد اللّه ما بين منعجٍ إلى وسلمى أن يصوب سحابها\rبلادٌ بها عقٌ الشباب تمائمي ... وأول أرض مسّ جلدي ترابها\rوقال آخر : ؟أحنّ إلى دهرٍ مضى بغضارةٍ إذا العيش رطبٌ والزمان مواتي\rوأبكى زماناً صالحا قد فقدته ... يقطع قلبي ذكره حسرات\rتمطّى علينا الدّهر في متن قوسه ... ففرقنا منه بنبل شتات\rوقال متمم بن نويرة :","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"؟؟وكنا كندماني جذيمة حقبةً من الدّهر حتى قبل لن يتصدعا\rفلما تفرّقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا\rوقال آخر :\rخمسون عاماً تولت من تصرّفها ... عسرٌ ويسرٌ على الحالين أشهده\rلم أبك من زمن صعب لشدته ... إلا بكيت عليه حين أفقده\rوما جزعت على ميتٍ فجعت به ... إلاّ ظللت لستر القبر أحسده\rوما ذممت زمانا في تقلّبه ... إلاّ وفي زمني قد صرت أحمده\rولأبي عبد الرحمن العطوى ، واسمه محمد بن عطية :\rسألت عن سبب الإقتار والعدم ... وعن زوال النّدى في العرب والعجم\rنودى : هوت أنجم الإفضال واشتملت ... أم التواصل في الدنيا على عقم\rأنعمى إليك مواساة الصديق وما ... قد كان يرعى من الأخلاق والذمم\rأنعمى إليك خلال الفضل قاطبةً ... لم يبق منهنّ إلا دارس العلم\rأين الوفاء الذي قد كان يعرفه ... قومٌ لقومٍ وأين الحفظ للحرم\rأين الجميل الذي قد كان ملتبسا ... أهل الوغاء وأهل الفضل والكرم\rأيسر أنت صديق الناس كلّهم ... ثم ابل سرهم في حالة العدم\rفإن وجدت صديقا عند نائبةٍ ... فلست من طرقات الخبير في أمم\rلما أناخ علىّ الدهر كلكله ... وخاننى كلّ ذي ودٍّ وذي رحم\rناديت ما فعل الأحرار كلهم ... أهل الندى والهدى والبعد في الهمم\rقالوا : حدا بهم ريب الزّمان فسل ... أحداثه عنهم تخبرك عن رمم\rروينا عن عبد اللّه بن مصعب الزبيري أنه قال : خرجنا إلى الغزو زمن مروان بن محمد حتى إذا كنّا ببعض الطّريق أصابنا مطرٌ وابل ، قملنا إلى قصر رفع لنا فصرنا إلى فنائه ، إذ خرجت وليدة فقالت : بأبي وأمي! من أين أنتم فقلنا : من مكة. فتنفست الصّعداء ، وأنشأت تقول :\rمن كان ذا سكن بالشام يألفه ... فإن في غيره أمسى لى السّكن\rوإنّ ذا القصر حىّ مابه وطنى ... لكن بمكة أمسى الأهل والوطن\rمن ذا يسائل عنّا أين منزلنا ... فالأقحوانة منّا منزلٌ قمن\rإذ نلبس العيش صفواً ما يكدره ... ضغن الوشاة ولا ينبوبنا الزّمن\rقال : فمضينا في غزونا حتى إذا قضينا شأننا وقفلنا راجعين ، أخذنا المساء عند ذلك القصر ، فأضافنا صاحبه وأحسن ضيافتنا ، فقلت له : ثمّ حاجة. فقال : وما هي ؟ قلت : وليدة صفتها كذا ، إما أن تبيع وإما أن تهب ، فقال : ما شاء اللّه كان ، واللّه لو كانت حية ما مضيت إلاّ بها ، ولكنها ماتت منذ أيام تلهفاً على مفارقة من نشأت معه.\rروينا من وجوه أن أبا خالد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج فقيه مكة رضى اللّه عنه ، خرج إلى اليمن إلى معن بن زائدة في دين ركبه ، قال : فلما نزلت عليه رحبّ بي وسهّل ، وقال : ما أقدمك هذه المدرة ؟ فقلت : دينٌ ركبني لم تف به جائزة أمير المؤمنين ، فضاق ذرعي فلم أر له سواك ، فخرجت إليك. فقال : قدمت خير مقدم ، يقضي دينك وتنصرف محبوراً إلى وطنك. قال : فأقمت عنده شهوراً في أحسن مثوى وأكرم ضيافة ، فإني لخارج من عنده يوماً إذ رأيت الناس يتأهبون إلى الحج ، فأدركتني وحشة ، ولم أملك العبرة ، وحنّت نفسي إلى الوطن ، فرجعت إليه وقد اغرورقت عيناي بالدموع ، فقال لي : مالك ؟ قلت : رأيت الناس في أهبة الحج والخروج إلى مكة فذكرت أبياتاً لعمر بن أبي ربيعة حملتني على ما ترى قال : وأى أبيات عمر هي ؟ فقلت : قوله :\rهيهات من أمة الوهّاب منزلنا ... إذا نزلنا بسيف البحر من عدن\rواحتّل أهلك أجيادا فليس لنا ... إلا التذكر أو خظٌ من الحزن\rبل ما نسيت غداة الخفيف موقفها ... وموقفي ، وكلانا ثمّ ذو شجن\rوقولها للثريّا وهي باكية ... والدمع منها على الخدين ذو سنن\rباللّه قولى له في غير معتبةٍ ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن\rإن كنت حاولت دنيا أو رضيت بها ... فما أخذت بترك الحجّ من ثمن","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"فقال : أتعزم على الرحيل والرجوع إلى وطنك ؟ قلت : نعم. قال : صحبتك السلامة ، ورزقت العافية. وخرجت من عنده فما وصلت إلى موضعي ، حتى سبقني خمسة عشر بغلا عليها عصب اليمن ، ودراهم ، وضروب من الخير ، فقضيت ديني وتأثّلت منه كنزاً مما بيدي اليوم.\rباب مدح مغالبة الهوى وذم اتباعه\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" حبّك الشئ يعمي ويصمّ \" .\rقال وهب بن ممبهّ : العقل والهوى يصطرعان ، فإيّهما غلب مالٌ بصاحبه.\rقال ابن دريد :\rوآفة العقل الهوى فمن علا ... على هواه عقله فقد نجا\rقال عمر بن عبد العزيز : أفضل الجهاد جهاد الهوى.\rقال بعض الحكماء : من نظر بعين الهوى خاف ، ومن حكم بالهوى جار قال سفيان الثوري : أشجع الناس أشدهم من الهوى أمتناعاً.\rوقال : من المحقّرات تنتج الموبقات.\rويقولون : إن هشام بن عبد الملك لم يقل بيت شعرٍ قطّ إلاّ هذا :\rإذا أنت لم تعصي الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال\r\" قلت : لو قال : إلى كلّ ما فيه عليك مقال \" كان أبلغ وأحسن.\rقال بعض الحكماء : إنما يحتاج اللبيب ذو الرأى والتّجربة إلى المشاورة ليتجرّد له رأيه من هواه.\rقال بعضهم : اعص النساء وهواك ، واصنع ما شئت.\rقلت : لو قال اعص الهوى لا كتفي.\rقيل للمهلّب : بم ظفرت ؟ قال : بطاعة الحزم وعصيان الهوى.\rقالوا : ما ذكر الله تعالى الهوى في شيئ من القرآن إلاذمه.\rقيل لشريح : أحمد الله لما سلمك من الفتن.قال : كيف أصنع بقلبي وهواي ؟ قال : الهوى غالب ، والقلوب مغلوبة.\rقال امتدح بترك الهوى من الحكماء ، قال الزبير بن عبد المطلب :\rوأجتنب البوائق حيث كانت ... وأترك ما هويت لما خشيت\rأخبرنا عبد الوارث ، حدثنا قاسم ، حدثنا نصر بن محمّد الأسديّ الكوفيّ ، حدثنا إبراهيم بن عثمان المصّيصي ، حدثنا مخلّد بن حسين ، حدثنا هشاّم ابن حسان ، عن محمد بن سيرين قال : بيتا عمر بن الخطاب يجوس ذاتة ليلة إذ سمع امرأة وهي تقول :\rهل من سبيلٍ إلى خمرٍ فأشربها ... أم من سبيل إلى نصر بن حجاج\rفلما أصبح قال : عليّ بنصر. فجيء به ، فإذا هو أجمل الناس ، فقال : إنها المدينة فلا تساكنيِّ فيها. فخرج إلى البصرة فنزل على ابن عمٍّ له ، هو أمير البصرة ، فبينما هو جالس مع ابن عمه وامرأته ، إذ كتب في الأرض : إني لأحبك حبّاً لو كان فوقك لأظلك ، ولو كان تحتك لأقلك. فقرأته وكتبت تحته : وأنا. وكان الأمير لا يقرأ ، فعلم أنه جواب كلام ، فأكفأ عليه إناءً وقام وبعث إلى من يقرأه ، فبلغ ذلك نصراً ، فلم يجئ إليه ، ومرض حتى سلّ وصار شبه الفرخ ، فأخبر الأمير بذلك ، فقال : اذهبي إليه ، فأبت ، فقال : عزمت عليك إلاّ ذهبت إليه وأسندته إلى صدرك وأطعمته.\rقال : فلما أتت الباب قيل له : هذه فلانة. فكأنه انتعش شيئاً ، فصعدت إليه وأسندته إلى صدرها وأطعمته ، فأفاق ، فخرج من البصرة واستحيا من ابن عمه فلم يلقه بعدها.\rقال إبراهيم بن عثمان : الأمير مجاشع بن مسعود السلمى ، وامرأته الخضراء.\rقال إبراهيم بن عثمان : وأخبرني محمد بن كثير ، أن نصر بن حجاج كتب إلى عمر رضي الله عنه :\rلعمري لئن سيرتني وحرمتني ... وما جئت ذنباً إن ذا لحرام\rومالي ذنبٌ غير ظنّ ظننته ... وفي بعض تصديق الظنون أثام\rأأن غنّت الذلفاء يوماً بمنيةٍ ... وبعض أماني النساء غرام\rظننت بي الأمر الذي لو أتيته ... لمل كان لي في الصالحين مقام\rويمنعني مما تمنت حفيظتي ... وآباء صدقٍ صالحون كرام\rويمنعها مما تمنت صلاتها ... وبيتٌ لها في قومها وصيام\rفهاتان حالانا فهل أنت راجعي ... فقد جبَّ منّي غاربٌ وسنام\rقال بعض الحكماء : الهوى عدو العقل ، فإذا عرض لك أمران ولم يحضرك من تشاوره فاجتنب أقربهما إلى هواك.\rومما ينسب إلى الشافعي ، وأظنه لسهل الوراق :\rإذا حار ذهنك في معنيين ... وأعياك حيث الهوى والصواب\rفدع ما هويت فإن الهوى ... يقود النفوس إلى ما يعاب","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"قال غيره : اغتنم من الخير ما عجلت ، ومن الهوى ما سوفت.\rكان يقال : إذا غلب عليك عقلك فهو لك ، وإن غلب عليك هواك فهو لعدوك.\rقال عمر لمعاوية : من أصبر الناس ؟ قال : من كان رأيه راداً لهواه.\rقال أعرابي : ما أشد جولة الرأي عند الهوى ، وأشد فطام النفس عند الصبر.\rقال نفطويه :\rإن المرائي لا تريد ... ك خدوش وجهك في صداها\rوكذلك نفسك لا تريد ... ك عيوب نفسك في هواها\rوعن نفطويه ، قال : تضيّف صديقٌ لي من أهل الأدب إلى إمرأة من أهل البصرة ، فتعرض لها ، فقالت : أيها الرجل مالك حظ في غيرة الرجال على الحرم ، فيكون ذلك زاجراً لك عن التعرض لحرم غيرك ، إن لم يكن لك ناه من دين ؟ أما علمت أن الأمور إلى أواخرها تؤول إلى أوائلها ، وإن من عوّد نفسه الرفث والخنا كان كمن اتخذ المزابل مجلساً ، وقلما مجن رجل إلا هلك.\rقال الشاعر :\rالحب زورٌ والهوى باطل ... والقلب ما أجريته يجري\rوترك ما تهوى يسيرٌ إذا ... أعملت فيه سعة الصدر\rوقال منصور النمري :\rوإن امرءاً أودى الغرام بلبه ... لعريان من ثوب الفلاح سليب\rقال آخر :\rعين المحب كليلةٌ ... عن عيب كلِّ فتىً يود\rقال عمر بن أبي ربيعة :\rحسنٌ في كلِّ عينٍ من تود\rوقال روح أبو همام :\rوعين السخط تبصر كلَّ عيبٍ ... وعين أخي الرضا عن ذاك تعمى\rوقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر :\rفعين الرضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ ... ولكنَّ عين السخط تبدي المساويا\rقال أبو العتاهية :\rوالمرء يعمى عمن يحب فإن ... أقصر عن بعض ما به أبصر\rباب معنى عشق النساء والهوى فيهن\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" ما رأيت من ناقصات عقل ودين ، أسلب لعقول ذوي الألباب منكن \" .\rسئل بعض الحكماء عن العشق ، فقال : شغل قلبٍ فارغ.\rوجد في صحيفةٍ لبعض أهل الهند : العشق ارتياحٌ جعل في الروح ، وهو معنى تنتجه النجوم بمطارح شعاعها ، وتتولد الطوالع بوصلة أشكالها ، وتقبله النفوس بلطيف خواطرها ، وهو بعد جلاء للقلوب ، وصقيل للأذهان ما لم يفرط ، فإن أفرط عاد سقما قاتلا ، ومرضا منهكا ، لا تنفد فيه الآراء ، ولا تنجع فيه الحيل ، العلاج منه زيادة فيه.\rحضر عند المأمون يوماً يحيى بن أكثم ، وثمامة بن أشرس ، فقال المأمون ليحيى : خبرني عن حد العشق فقال : يا أمير المؤمنين سوانح تسنح للعاشق يؤثرها ويهيم بها تسمى عشقا. فقال ثمامة : اسكت يا يحيى ، فإنما عليك أن تجيب في مسألة من الفقه ، وهذه صناعتنا. فقال المأمون : أجب يا ثمامة. فقال : يا أمير المؤمنين إذا تقادحت جواهر النفوس المتقاطعة بوصل المشاكلة أثقبت لمحنورٍ ساطع تستضيء به بواطن العقل فتهتز لإشراقه طبائع الحياة ، ويتصور من ذلك اللمح نور حاضر بالنفس متصل بجوهرها فيسمى عشقا.\rوصف أعرابي عاشقا ، فقال : كان يستر عيناً قد درت مآقيها ، ويحنو على كبد قد أعيت مداويها.\rذكر رجلٌ أيام شبابه وامرأة كان يهواها ، فقال : ذلك هوى شربته النفس أيام شبابها ، فاستخفت بالعاذلات وعتابها.\rوصف بعض الحكماء الهوى الذي هو عشقٌ للنساء ، فقال : بطن فرقَّ ، وظهر فكثف ، وامتنع وصفه عن اللسان فهو بين السحر والجنون ، لطيف المسلك والكمون.\rوقال بعض الأدباء : الهوى جليسٌ ممتع ، وأليف مؤنس وصاحب مملّك ، مسالكه لطيفة ، ومذاهبه متضادة وأحكامه سائرة ، ملك الأبدان وأرواحها ، والقلوب وخواطرها ، والعيون ونواظرها ، والعقول وآراءها ، وأعطى عنان طاعتها ، وقاد نصرفها ،توارى الأبصار مدخله ، وغمض في القلوب مسلكه.\rقال عباس بن الأحنف ،فيما أنشده إسحاق الموصلي له.\rفلو كان لي قلبان عشت بواحدٍ ... وخلّيت قلباً في هواك يعذّب\rولكنّما أحيا بقلبٍ مروّع ... فلا العيش يصفو لي الموت يقرب\rتعلمت ألوان الرّضا خوف سخطها ... وعلّمها حبّي لها كيف تغضب\rولي ألف وجهٍ قد عرفت مكانه ... ولكن بلا قلبٍ إلى أين أذهب\rوللصّمّة القشيري :\rلعمري لئن كنتم على النّأى والغني ... بكم مثل مابي إنّكم لصديق","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"إذا زفرات الحبّ صعّدن في الحشى ... رددن ولم يفتح لهن طريق\rللعباس بن الأحنف :\rأرى الطّريق قريباً حين أسلكه ... إلى الحبيب بعيداً حين أنصرف\rأنشدنا أبو القاسم محمد بن نصر الكاتب رحمه الله لنفسه في معنى بيت عباس هذا :\rأمر نشيطاً إذا زرتكم ... وأرجع كسلان لا أنشط\rوسير المطية ما كدني ... ولكن هوى لكم مفرط\rوقال العباس بن الأحنف :\rيقرب الشوق داراً وهي نازحةٌ ... من عالج الشوق لم يستبعد الدارا\rوله :\rمت على من غبت عنه أسفاً ... لست منهم بمصيبٍ خلفا\rلن ترى قرة عين أبداً ... أو ترى نحوهم منصرفا\rقلت لما شفَّني وجدي بهم ... حسبي الله لما بي وكفى\rبين الدمع لمن يبصرني ... ما تضمني إذا ما ذرفا\rولمحمد اليزيدي :\rأتيتك عائداً بك من ... ك لما ضاقت الحيل\rوصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل\rفإن سلمت لكم نفسي ... فما لاقيته جلل\rوإن قتل الهوى رجلاً ... فإني ذلك الرجل\rكتب المهدي إلى الخيزران وهو بمكة :\rنحن في أفضل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتم السرور\rعيب ما نحن فيه يا أهل ودي ... أنكم غبتم ونحن حضور\rفأجدوا المسير ، بل إن قدرتم ... أن تطيروا مع الرياح فطيروا\rفأجابته :\rقد أتانا الذي وصفت من الشو ... ق فكدنا وما فعلنا نطير\rليت أنّ الرياح كن يؤدي ... ن إليكم ما قد يجنّ الضمير\rلم أزل صبّةً فإن كنت بعدى ... في سرورٍ فدام ذاك السرور\rقال بعض الأدباء : ما أشد جولة الرأي عند الهوى وفطام النفس عند الصبّا ، لقد تصدعت كبدي للمحبّين لو العاذلين قرطة في آذانهم ونيران متأججة في أبدانهم لهم دموع غزيزةٌ على المغائي ، كغروب السّواني وأنشد :\rسقى الله أطلالاً لليلي وشقّقت ... عليهنّ من غرّ الغمام جيوب\rفما تقشعرّ الأرض إن نزلت بها ... ولكنها تزهي بها وتطيب\rوقال آخر :\rوقال أناسٌ : لا يضريك نأيها ... يلي كلّ ما شفّ النفوس يضيرها\rأليس يضير العين أن تكثر البكاء ... ويمنع منها نومها وسرورها\rوقال آخر :\rفلو أن شرق الشّمس بيني وبينها ... وأهلي وراء الشمس حيث تغيب\rلحاولت قطع الأرض بيني وبينه ... وقال الهوى لي إنه لقريب\rوقال الصمّة بن عبد الله القشيري :\rإذا ما أتتنا الريح نحو أرضكم ... أتينا برياكم فطاب هبوبها\rأتينا بريح المسك خالط عنبراً ... وريح الخزامي باكرتها جنوبها\rوقال آخر :\rضاف قلبي الهوى فأكثر سهوى ... وجوى الحب مفظع كلّ حلو\rلو علا بعض ما علاني ثبيراً ... ظلّ ضعفاً ثبير من ذاك يهوى\rمن يكن من هوى الغواني خلواً ... يا ثقاتي فإنني غير خلو\rقال العبّاس بن الأحنف :\rجرى السّيل فاستبكاني السيل إذ جرى ... وفاضت له من مقلتيّ غروب\rوما ذاك إلاّ أن تيقنت أننّي ... أمرّ بوادٍ أنت منه قريب\rيكون أجاجا قبلكم فإذا انتهى ... إليكم تلقّى طيبكم فيطيب\rأيا ساكني شرقيّ دجلة كلكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب\rقال بعضهم : لو لم يكن في العشق إلاّ أنه يشجع قلب الجبان ، ويسخي كف البخيل ، ويصفّي ذهن الغبي ، ويبعث حزم العاقل ، ويخضع له عزّ الملوك ، وتصرع له صولة الشجاع ، وينقاد له كلّ ممتنع ، لكفي به شرفا.\rقال الأصمي :سمعت أعرابيّا يقول : إذا ترعت هتوف الضحى على الغصون ، أرسلت الشئون مياها إلى العيون ،فمن ذاد عينيه عن البكا أورث قلبه حزنا.","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"عشق أبو القمقام بن بحر السقا امرأة موسرة ، فأطمعته في نفسها ، فبعث يستهديها طعاماً ، حتى فعل ذلك غير مرة ، فلما أكثر عليها ، بعثت إليه :رأيت العشق يكون في القلب ويفيض إلى الكبد ، ثم يستبطن الأحشاء ، وحبّك لا أراه تجاوز المعدة.\rقال أعرابيّ من فزارة : عشقت امرأة من طّي ، فكانت تظهر لي مودّة ، فو الله ما جرى بيني وبينها شئ من ريبة ، غير أني رأيت بياض كفها ليلة ، فوضعت كّفي على كفها ، فقالت : مه! لا تفسد ما صلح ، فأرفضضت عرقا من قولها ، فما عدت لمثل ذلك.\rقال بعضهم : الرجل يكتم بغض المرأة أربعين يوماً ، ولا يمكنه أن يكتم حبها يوماً واحدا ، والمرأة تكتم حب الرجل أربعين يوماً ، ولا يمكنها أن تكتم بغضه يوما واحداً.\rقال يوسف بن هرون :\rدقّت معاني الحبّ عن أذهانهم ... فتأوّلوها أقبح التأويل\rوقال كثيرّ :\rإذا ما رادت خلّةً أن تستميلنا ... أبينا وقلنا الحاجبية أوّل\rوقال حبيب :\rأتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكّنا\rلعلىّ بن الجهم :\rيا سائلي ما الهوى اسمع إلى صفتي ... الحّب أعظم من وصفي ومقداري\rماء المدامع نار الشوق تحدره ... فهل سمعت بماءٍ فاض من نار\rوقال أبو العتاهية :\rأذاهب الهوى جسمي ولحمي وقوّتي ... فلم يبق إلاّ الروح والجسد النضو\rرأيت الهوى حجر الغضا غير أنّه ... على كلّ حال عند صاحبه حلو\rوقال آخر :\rأسرّ الذي بي والدموع تبوح ... وجسمي سقيم والفؤاد قريح\rوبين ضلوعي لوعة لم أزل بها ... أذوب اشتياقاً والفؤاد صحيح\rوقال الصّمّة القشيري :\rأما وجلال الله لو تذكرينني ... كذكريك ما كفكفت للعين مدمعا\rفقالت : بلى والله ذكراً لو انّه ... يصبّ على صمّ الصفا لتصدّعا\rوأكثرهم ينسون إليه في هذا الشعر قوله :\rحننت إلى ريّا ونفسك باعدت ... مزارك من ليلي وشعبا كما معا\rفما حسن أن تأتي الأمر طائعاً ... وتجزع أن داعي الصّبابة أسما\rبكت عيني اليسرى فلمّا زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا\rوأذكر أيّام الحمى ثم أنثي ... على كبدي من خشيةٍ أن تصدّعا\rفليست عشيّات الحمى برواجعٍ ... إليك ولكن خلّ عينيك تدمعا\rومهم من ينسبها إلى قيس بن ذريح ، وللمجنون أيضا تنسب ، والأكثر أنّها للصّمّة.\r/باب في وصف النساء بالحسن والرقة وما يحمد من نعوتهن، ووصف منطقهن قال أنس بن مالك: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره في حجة الوداع، ومعه نساؤه، وكان له حادٍ يحدو بهن يقال له أنْجَشةَ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا أنجشة رفقاً! رويداً بالقوارير \" . يعني أنهن ضعاف يسرع إليهن الكسر، ولا يقبلن الجبر.\rذكر أعرابي امرأة، فقال: كاد الغزال يكونها لولا ماتم فيها ونقص منه.\rوصف أعرابي النساء، فقال: ظعائن في سوالفهن طول، غير قبيحات العطول، إذا مشين أسبلن الذيول، وإذا ركبن أثقلن الحمول.\rكتب الحجاج بن يوسف إلى محمد أخيه، وهو أمير على اليمن: أن اخطب على ابني امرأة حسناء من بعيد، مليحة من قريب شريفة في قومها، ذليلة في نفسها، أمة لبعلها. فكتب إليه: قد أصبتها لك، وهي خولة بين مسمع، على عظم ثدييها. فكتب إليه: إن المرأة لا يحسن صدرها حتى يعظم ثدياها.\rقال المهلب: عليكم من بنات خراسان بمن عظمت هامتها، وطالت قامتها.\rقال محمد بن حسين: عليكم بذوات الأعجاز فإنهن أنجب.\rكان يقال: إذا طال ساعد المرأة وعنقها وساقها لم يشك أنها تنجب.\rقيل لأعرابي: أي النساء أفضل؟ قال: الطويلة السالفة، الرقيقة الرادفة، العزيزة في قومها، الذليلة في نفسها، التي في حجرها غلام، وفي بطنها غلام، ولها في الغلمان غلام.\rوصف علي بن أبي طالب رضى الله عنه امرأةً، فقال: تدفئ الضجيع، وتروى الرضيع. يعني بعظم ثدييها.\rقال ابن شبرمة: سمعت محمد بن سيرين يقول: ما رأيت على رجل لباساً أزين من فصاحة، ولا رأيت لباساً على امرأة أزين من شحم.\rكان يقال: لو قيل للشحم أين تذهب؟ لقال: أقوم العوج.","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"وقال مصعب بن الزبير: المرأة فرش فاستوثروا.\rكان يقال: من تزوج امرأة فليستجد شعرها، فإن الشعر أحد الوجهين.\rكان يقال: النساء لعب فتخيروا.\rمن الأمثال السائرة: لن تعدم الحسناء ذاماً.\rوقالوا: عقل المرأة في جمالها، وجمال الرجل في عقله.\rوصف رجل امرأة فقال: كأن عينيها السقم لمن رآها، وكلامها البرء لمن ناجاها.\rقال أشهب بن عبد العزيز. سئل مالك بن أنس: أيسلم الرجل على المرأة؟ فقال: أما المتجالّة فلا بأس، وأما التي كلامها أشهى من الرطب فلا.\rوقال سحنون: سمعت أشهب يقول: المكيات أخنث النساء، والمدنيات أغنج النساء.\rوشبه الأخطل كلام امرأة بعقد انقطع فتحدر لؤلؤه، فقال:\rقد يكون بها سلمى تُحَدّثني ... تَسَاقُطَ الْحَلْيِ حاجاتي وأَسْرَارِي\rوقال القطامي:\rفهن يَنْبِذْنَ من قولٍ يَصِبْن به ... مواقعَ الماء من ذي الغُلَّةِ الصّادِي\rوقال الراعي:\rلهنَّ حديثٌ فاترٌ يترُك الفَتَى ... خفوقَ الْحَشَا مُسْتَهلَكَ اللُّبِّ طامِعاَ\rوقال أعرابي:\rوحديثها كالقَطْرِ يسمعُهُ ... راعى سِنينَ تتابَعَتْ جَدْبَا\rفأصاخ يرجو أن يكون حَياً ... ويقولُ من فرحٍ هيا رباَّ\rوفي رواية أخرى:\rفأصاخ مُسْتَمِعاً لِدَرَّتِها\rوقال جِرَانُ العَوْد:\rحَديثٌ لو أنّ اللّحمَ يصلى بحرِّه ... غَرِيضاً أتى أصحابَه وهو مُنْضَجُ\rوقال بشار:\rكأنّ حديثَها سكَرُ الَّشراب\rولبشّار أيضاً:\rوحديثٍ كأنه قطعُ الرّو ... ضِ وفيه الحمراءُ والصفراءُ\rوله:\rوكأنّ تحتَ لِسَانِها ... هاروتَ ينفثُ فيه سِحراَ\rوكأنّ رجْعَ حديثها ... قِطَعُ الِّرياض كسينَ زَهْرا\rوله:\rولها مَبْسِمٌ كغُرِّ الأقَاحي ... وحديثُ كالوَشْيِ وشْىِ الْبُرُودِ\rوقال علي بن العباس الرومي:\rوحديثُها السِّحْرُ الحلالُ لو أنّه ... لم يَجْنِ قتلَ الْمُسْلِمِ المتحرِّزِ\rوإن طال لمُ يمْلَلْ وإن هي أوْجَزتْ ... ودّ المحدِّث أنها لم تُوجِزِ\rشَرَكُ العقول ونُهْزَهٌ ما مِثْلُها ... للمطمئن وعُقلة المستوفز\rوقال امرؤ القيس:\rوهي هيفاءُ لطيفٌ خصْرُها ... ضخمةُ الثِّدْي وَلمّا ينكسرْ\rوقال المرار بن سعد الجبلي:\rصَلْتَةُ الخَدّ طويلٌ جيدُها ... ضخمةُ الثّدْيِ ولمّا يَنْكَسِرْ\rوقال غيره:\rموسومةُ بالحسن ذات حواسدٍ ... إنّ الحسان مَظَنةٌ للحُسَّدِ\rوترى مَآقِيَها تقلِّبُ مُقْلَةً ... سوداءَ ترغبُ عن سَوَاد إحد\rوقال آخر:\rإن النّساءَ رياحينٌ خلقنَ لَنا ... وكلنا يَشتهى شمَّ الرَّيَاحِينِ\rوقال آخر:\rونحن بَنْو الدُّنْيَا وهنّ بَنَاتُها ... وعيشُ بنى الدُّنيا لقاءُ بَناتِها\rوقال حسان بن ثابت:\rلو يدبُّ الحَوْلِيُّ من وَلَدِ الّذ(م) ... رِّ عليها لأدمَأَتْها الكُلُومُ\rالحولي من ولد الذر لا يعرف من المسن، وإنما أراد الصغير من ولد الذر، كما قال الآخر:\rيُلَقَّطُ حَوْلِيُّ الحصا من منازِلٍ ... من الحيِّ أمست بالجَبِيبَيْنِ بَلْقَعَا\rوحولي الحصا صغارها، فشبهه بالحولي من ذوات الأربع.\rوقال حميد بن ثور:\rمنعمةٌ لو يًصْبح الذَّرُّ سارياً ... على جلدها بَضَّت مَدَارِجُهُ دَمَا\rوقال عمر بن أبي ربيعة:\rلو دَبّ ذَرٌّ فوق ضَاحِي جِلْدِها ... لأبَان مِنْ آثارهن حُدُورَا\rوقال آخر:\rمن القاصَرات الطَّرْفِ لو دب مُحْوِلٌ ... من الذَّرِ فوق الإتْبِ منها لأثّرا\rوقال الحسنُ بن هانئ:\rوكأن مَنْثُور رُمَّانٍ بوجنتها ... لو دبَّ فيها خيالُ الذَّرِ لا نجرها\rوقال النظام:\rرقَ فلو دبَّ به نملةٌ ... لخضبّتُه بدمٍ جاَرِى\rأُضمرُ أن أضمرَ حبِّي له ... فيشتكى إضمارَ إضماري\rوبلغ قول النظام هذا أبا الهذيل، فقال: لقد رقّ هذا الموصوف حتى لا يناكُ إلا بزب الوهم.","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"وأخذ ابن الرومي قول النظام، فقال:\rرقّ فلو دبّ به ذرةٌ ... منعَّلةٌ أَرْجُلها بالحريرِ\rلأثّرت فيه كما أثّرت ... مَدَامَةٌ في العارض المستدير\rقال بعض حكماء أهل الأدب، كمال حسن المرأة أن تكون أربعة أشياء منها شديدة البياض، وأربعة أشياءٍ شديدة السواد، وأربعة أشياء شديدة الحمرة، وأربعة أشياء مدورة، وأربعة واسعة، وأربعة ضيقة، وأربعة رقيقة، وأربعة عظيمة، وأربعة صغاراً، وأربعة طيبة الريح. فأما الأربعة الشديدة البياض. فبياض اللون، وبياض العين، وبياض الأسنان، وبياض الظفر.\rوأما الأربعة الشديدة السواد، فشعر الرأس، والحاجبين، والحدقة والأهداب.\rوأما الشديدة الحمرة: فاللسان، والشفتان، والوجنتان، واللثة.\rوأما المدورة: فالرأس، والعين، والساعد، والعرقوبان.\rوأما الواسعة: فالجبهة، والعين، والصدر، والوركان.\rوأما الضيقة: فالمنخران، والأذنان، والسرة، والفرج.\rوأما الصغار: فالأذنان، والفم، واليدان، والرجلان.\rوأما الرقاق: فالحاجب، والأنف، والشفتان، والخصر.\rوأما الطيبة الريح: فالأنف، والفم، والأبط، والفرج.\rوأما العظيمة: الهامة، والمنكبان، والأضلاع، والعجز.\rأنشد ابن أبي طاهر لشريك الجعدي:\rولو كنتُ بَعْد الشَّيْبِ طالبَ صَبوَةٍ ... لأَصْبَى فؤَادِي نِسْوَة بِحُلاَحِلِ\rعفيفاتُ أسْوَارٍ بَعِيدَاتُ ريبةٍ ... كثيراتُ إخْلافٍ قليلاتُ نائلِ\rتعلَّمْنَ والإِسْلاَم فيهن والتقى ... شَوَاكِلَ من علمِ الذّين ببَابلِ\rمِراضُ العُيون في احْمِرار مَحَاجِرٍ ... طوالُ المتونِ راحجاتُ الأسَافِلِ\rهضيماتُ ما بين الَّترائب والحشَا ... لِطَافُ البُطونِ ظامِئاتُ الخلاخِلِ\rتعوضن يوم الغيدِ من جَدَل المَهَا ... عيوناً وأعناقَ الظباءِ العَواطلِ\rكأن ذُرَا الأنْقَاءِ من رَمْلِ عَالِجٍ ... خَبَتْ وَالْتَقَتْ منهنّ تحت المفاصلِ\rولدعبل بن علي الخزاعي:\rله منظر وَطْفٌ ومنسدل وحفُ ... ومبتسم يحيى إذا قتل الطّرفُ\rوللظَّبى عينَاه وللدًّرِّ ثغرُه ... وَللقُضُبِ الأعْلى وللكُثُب الرِّدْفُ\rظلمتُكَ لما قلتُ أشْبَهَكِ الخِشْفُ ... أو القمرُ المعدود من شهره النصف\rولكنك الُّنورُ المركبُ جوهراً ... من الحُسْن لم يبلغ له الوهُم وَالوصفُ\rأنشدني أبو عمر يوسف بن هَرون لنفسه:\rبحتُ بُحبِّي ولو غَرَامِي ... ويكونُ في صخرةٍ لَباحاَ\rضيَّعْتمُ الرُّشْدَ من مُحبٍّ ... ليسَ يَرَى في الَهَوى جُنَاحاَ\rلم يستطع حَمْلَ ما يُلاقى ... فشقَّ أثْوابَهُ وَصَاحاَ\rمُحيِّرَ المقلَتْين قل لِى ... هل شَرِبَتْ مُقْلَتَاكَ رَاحاَ\rنَفْسيِ فدى لَمٍ وخدٍّ ... قد جَمَعَا اللَّيْل والصبَّاَحاَ\rوَعَقْرَبٍ سُلِّطَتْ عَلَيْنا ... تَملأُ أكبادَنا جِراحاَ\rقد طارَ من شوقِهِ فؤادي ... فصارَ شَوْقِي له جَنَاحاَ\rأنشدني أبو القاسم محمد بن نصير الكاتب لنفسه:\rلَثَاتُك ياقوتٌ وَثَغْرُك لُؤْلؤ ... وريقُك شهدٌ والنَّسيِمُ عَبيِرُ\rومن وَرَقِ الْوَرْدِ الجنيِّ مُقَبَّلٌ ... تَرَشُّفُهُ عند المماتِ نشُورُ\rوخدُّكَ وردُ الرَّوضِ والصّدغ عَقْربٌ ... وطرْفكَ سحرٌ والمجسُّ حريرُ\rوحاجبُك المَقْرُون نونان صُفِّفَا ... وقد لاح سَوْسَانٌ عليه نضيرُ\rوشعرُكَ ليلٌ فاحُم اللونِ حالكٌ ... ووجهْكَ بدرٌ تحت ذاكَ مُنِيرُ\rوأنفُك من دُرًّ مذَابٍ مركّبٌ ... وجيدُك جيدُ الظّبْيِ وهو غريرُ\rوصدرُك عاجٌ أبيضُ اللون مشرِقٌ ... ورُمّانُ كافورٍ عليه صَغِيرُ\rومن فضةٍ بيضاءَ كَفّاك صِيغَتَا ... ولكنْ بمحِّمر العَقِيق تشيرُ","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"وقدُّك غصنٌ حين هبَّت به الصبَّاَ ... وردْفكَ دعصٌ للرمال وثيرُ\rوتخطو على أنبوبتين حًكاَهما ... من النخل جُمَّارٌ يجذّ؟ُ قشير\rوتحتهما مشطان رَخْصاَنِ دَلّها ... عُقُولَ ذوى الألْبَابِ حين تدورُ\rودَلُّكَ سحرٌ يَخْلِسُ العقل فاتنٌ ... ولفظُك دُرٌّ إن نطقت نشيرُ\rفمالك في الدُّنيا من الناسِ مُشبْهٌ ... ولاَلَكَ في حوُر الجنان نظيرُ\rوهذا الشعر من أحسن ما قاله متقدم أو متأخر في عموم وصف المرأة وأجمعه وأطبعه إن شاء الله تعالى، على أن هذا الوصف معدوم.\rباب النظر إلى الوجه الحسن\rقال الله عز وجل \" قُلْ للمُؤْمِنين يَغُضُّوا من أبْصاَرِهم \" ، \" وقلْ للمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ من أبصاَرِهِنّ \" .\rومنع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفضل بن العباس وهو رديفه، عام حجة الوداع، من النظر إلى الخثعمية، وصرف وجهه عنها.\rومنع بعض أصحابه الدخول عليه من أجل صفية زوجته، وقال لهم: إنها صفية.\rومنه امرأتين من نسائه من النظر إلى ابن أم مكتوم، فقالتا: أليس أعمى؟ فقال: أفعمياوان أنتما؟.\rقال عقيل بن علفة: لأن ينظر إلى ابنتي مائة رجل خير من أن تنظر هي إلى رجل واحد.\rنظر أبو حازم بن دينار إلى امرأة حسناء ترمى الجمار أو تطوف بالبيت، وقد شغلت الناس بالنظر إليها لبراعة حسنها، فقال لها: أمة الله! خمري وجهك، فقد فتنت الناس، فهذا موضع رغبةٍ ورهبة. فقالت له: إحرامي في وجهي أصلحك الله يا أبا حازم، وأنا من اللواتي قال فيهن العرجي:\rمن اللاّءِ لم يَحْجُجْنَ يبغين حِسْبةً ... ولكنْ ليقْتُلْن التَّقَّى المُغَفّلاَ\rفقال أبو حازم لأصحابه: تعالوا ندع الله ألا يعذب هذه الصورة الحسنة بالنار، فقيل له: أفتنتك يا أبا حازم، فقال: لا، ولكن الحسن مرحوم.\rهكذا روينا هذا الخبر عن أبي حازم من وجوه بألفاظ مختلفة ومعنى متقارب.\rوذكر المدائني عن عبد الله بن عمر العمري، قال: خرجت حاجاً فرأيت امرأة جميلة تتكلم بكلامٍ أرفثت فيه، فأدنيت ناقتي منها، وقلت: يا أمة الله! ألست خاجة؟ أما تخافين الله؟ فسفرت عن وجه يبهر الشمس حسنا، ثم قالت: تأمل يا عمري، فإني ممن عناه العرجي بقوله:\rأماطت كِساَءَ الخزّ عن حُرِّ وجهها ... وأدْنَتْ على الخدين بُردْاً مُهَلهْلاَ\rمن اللاّءِ لم يَحْجُجْنَ يبغين حِسبَةً ... ولكنْ ليقتُلْنَ البريءَ المغَفّلاَ\rوترمى بعينيها القلوبَ ولحظِها ... إذا ما رَمَتْ لم تُخْط منهن مَقْتَلاَ\rقال: فقلت: فأنا أسأل الله ألا يعذب هذا الوجه بالنار، قال: وبلغ ذلك سعيد بن المسيب؛ فقال: أما والله لو كان من أهل العراق، لقال: اغربي قبحك الله، ولكنه ظرف عباد أهل الحجاز.\rقال عبد الله بن طاهر:\rوجه يدلُّ الناظرين ... عليه في اللّيلِ البَهِيمْ\rفكأنه روحُ الحَيا ... ةِ يَهْبُّ مِسْكيّ النسيمْ\rفي خدِّه ورد الجَمَا ... لِ يُعَلُّ من ماءِ النعيمْ\rسقْمُ الصّحيح المُستَقِلِّ ... وصحة الرَجُلِ السَّقيم\rنظر رجلان إلى جارية حسناء في بعض طرق مكة فمالا إليها فاستسقياها ماءً، لسقتهما فجعلا يشربانه ولا يسيغانه فعرفت ما بهما فجعلت تقول:\rهما استسقيا ماءً على غير ظمأة ... ليستمتعا باللحظ ممن سقاهما\rفعجبا من ذلك ودفعا الإناء إليها فمرت وهي تقول:\rوكنتَ متى أرسلتَ طَرْفَك رائداً ... لقلبك يوماً أتعبَتْكَ المناظرُ\rرأيتَ الذي لا كلّه أنت قادرٌ ... عليه ولا عَنْ بعضهِ أنت صابر\rوقال آخر:\rخليليَّ للبغضاء عينٌ مُبيِنَةٌ ... وللحبِّ آياتٌ تُرَى ومعارفُ\rألا إنّما العينانِ للقلبِ رَائدٌ ... فما تألفُ العينانِ فالقلبُ يألفُ\rيحبُّ ويُدْنِى من يقلُّ خلافُهُ ... وليس بمحبوبٍ حبيبٌ مخالفُ\rقال آخر:\rومَالَكَ منها غير أنَك رائدٌ ... بعينيْك عينيها فهلْ ذاكَ نافِعُ","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"دخل الشعبي على عبد الملك بن مروان، فقال له: يا شعبي! بلغني أنه اختصم إليك رجلٌ وامرأته، فقضيتَ للمرأة على زوجها، فقال فيك شعراً، فأخبرني بقصتيهما وأنشدني الشعر إن كنت سمعته. فقال: يا أمير المؤمنين! لا تسألني عن ذلك. فقال: عزمت عليك لتخبرني. قال: نعم، اختصمت إلى امرأة وبعلها، فقضيت للمرأة إذ توجه لها القضاء، فقام الرجل وهو يقول:\rفُتِن الشّعْبيُّ لّما ... رَفَعَ الطَّرْفَ إليها\rبفتاةٍ حين قامتْ ... رفَعَتْ مَأكَمَتَيْها\rومشت مشياً رُوَيْداً ... ثم هزّت مِنْكبَيْها\rفتنتهُ بقوامٍ ... وبخطَّىْ حاجبيها\rوبنانٍ كالمَدَارِي ... واسْودادِ مُقْلتَيْها\rقال للجِلْوَازِ قَرّب ... هَاوأحْضِر شاهديْها\rفقضى جوراً علينا ... ثم لم يَقْضِ عَلَيها\rكيف لو أبْصر منها ... نحرَها أو سَاعِدَيها\rلصَباَ حتى تَرَاهُ ... ساجداً بينَ يَدَيْها\rبنتُ عيسى بن حَرادٍ ... ظُلِمَ الخَصْمُ لَدَيْها\rقال عبد الملك: فما صنعت يا شعبي؟ قال: أوجعتُ ظهرهَ حين جوّرني في شعره.\rهذا ما رواه سفيانُ بن عيينة، عن سالم بن أبي حفصة، عن الشعبي، وهو أصح إسنادٍ لهذا الخبر. وذكر الهيثم بن عدي، قال: خاصمت أم جعفر بين عيسى بن حراد زوجها إلى الشعبي، فلما قامت بين يديه، قيل لها: ما صعنت؟ قالت: سألني البينة، ومن سأل البينة فقد فلج، ثم قضى لها، فقال هذيل الأشجعي:\rفنن الشّعبىّ لما ... رفع الطرفَ إليها\rوذكر الأبيات: وفي رواية الهيثم بن عدي: أن الشعر لهذيل الأشجعي فيها، فبلغ ذلك الشعبي، فقال: أبعده الله، ما قضينا إلا بحق. قال الهيثم: فحدثني ابن أبي ليلى، قال: خرجنا مع الشعبي من المسجد، وقد قام من مجلس القضاء، فمررنا بجارية تغسل في إجانة فلما رأت الشعبي قالت:\rفُتن الشّعبيّ لما\rفقال الشعبي:\rرفع الطّرفَ إليها\rخاصم الوليد بن صريع، مولى عمرو بن حريث، أخته أم كلثوم ابنة صريع إلى عبد الملك بن عمير، قاضي الكوفة، وكان يقال له: القبطي، لفرسٍ كان له فقضى لها على أخيها، فقال هذيل الأشجعي:\rلقد عثرَ القبطيُّ أو زَلَّ زلةً ... وما كان منه لا العثارُ ولا الزّللْ\rأتاه وليدٌ بالشُّهودِ يقودُهُمْ ... على ما ادّعَى من صامتِ المالِ والخَوَلْ\rيقودُ إليه كلْثُماً وكلاُمها ... شفاءٌ من الدَّاءِ المخامرِ والخَبَلْ\rفأدْلى وليدٌ عند ذاك بحجةٍ ... وكان وليدٌ ذا مِراءٍ وذا جَدَلْ\rوكان لها دَلٌّ وعينٌ كحيلةٌ ... فأدْلَتْ بحُسنِ الدَّلِّ منها وبالكَحَلْ\rفأفْتنَت القبطيَّ حتّى قضى لها ... بغيرِ قضاءِ الله في مُحْكَم الطُّوَلْ\rفلو أنّ من في القصرِ يعلمُ علْمَه ... لما اسْتَعملَ القبِطيَّ يوماً على عَمَلْ\rله حين يقضي للنساء تَخَاوُصٌ ... وكان ومات فيه التخَاوص والحَوَلْ\rإذا ذاتُ دَلٍّ كلمتهُ بحاجةٍ ... فهمَّ بأنْ يقضى تَنَحْنَح أو سَعَلْ\rوبرّقَ عينيه ولاكَ لسانَهُ ... ويَرَى كل شيءٍ ما خلا شخصَها خَلَلْ\rفبلغ ذلك عبد الملك بن عمير، فقال: ما لهذيل أخزاه الله؟ والله لربما جاءتني النحنحة أو السعلة وأنا في المتوضأ فأردها مخافة ما قال.\rلعبد الله بن سليمان النحوي المكفوف:\rتقولُ من للعمى بالحُسْن قلتُ لَها ... كَفَى عَن الله في تحقيقهِ الخبرُ\rالقلبُ يُدرك مالا عينَ تدركُهُ ... والحُسْنُ ما استحسنتْه النفس لا البَصرُ\rوما العيونُ التي تعمى إذا نظرَتْ ... بل القلوبُ التي يَعْمىَ بها النظرُ\rوقال أيضاً ينقُضه:\rما إن يُمتِّع بالمعشوقِ عاشِقَهُ ... سمعٌ إذا لم يمتّعْهُ به البَصرُ\rوكل قلبٍ له حبٌّ يقلبه ... وأعذب الحبِّ ما أحباكه النظرُ","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"ولو تكافي الهوى مرأى ومستعماً ... لما تبَاينَت الأصواتُ والصورُ\rأنشد إسحق بن إبراهيم لعمر بن أبي ربيعة في محمد بن عروة بن الزبير، وكان جميلاً:\rإني امرؤٌ مُولَعٌ بالحسن أتبعُه ... لاحظَّ لي فيه إلاّ لذةُ النظرِ\rوقال محمود الوراق:\rمن أطلق الطَّرْفَ اجتنى شَهْوَةً ... وحارس الشَّهوةِ غضُّ البَصَرْ\rوالطّرْفُ للقلبِ لسانٌ فإنْ ... أرادَ نطقاً فليكرَّ النَّظَرْ\rيُفْهَمُ بالعينِ عن العينِ ما في الْ ... قلبِ من مكنونِ خيرٍ وشَرْ\rيَطْوِي لسانُ المرءِ أَخبارَه ... والطرفُ لا يملكُ طيَّ الخَبرْ\rوقال آخر:\rلا تكثرنَّ تأمُّلاً ... وامْلِكْ عَلَيْك عنانَ طَرْفِكْ\rفَلرُبَّما أرسلتَه ... فَرَمَاكَ في ميدانِ حَتْفِكْ\rوقال أعرابي:\rنظرتُ إليها نظرةً ما يَسرُّنِي ... وإِنْ كنت محتاجاً بها ألفُ دِرْهَمِ\rقال شيخ من بني نمير: نظرت إلى مولدةٍ باليمامة، فقالت: ملأت عينيك وملك غيرك.\rوقال ذو الرمة:\rعلى وجهِ مَيٍّ مِسْحةٌ من مَلاَحَةٍ ... وتحتَ الثِّيابِ العارُ لو كان باَدياَ\rألم ترَ أنّ الماءَ يخبُثُ طعمهُ ... ولو كان لونُ الماءِ أَبيضَ صافياَ\rوقال بعض الأعراب:\rجزى الله البراقعَ من ثيابِ ... عن الفتيانِ شراً ما بَقِيناَ\rيوارينَ الملاَحَ فلا أرَاها ... ويوهِمْنَ القِبَاحَ فيزْدَهيِناَ\rوقال آخر:\rلقد أعجبَتْها نفسُها فتملّحت ... بأيِّ جمالٍ ليتَ شِعْرِى تَمَلَّحُ\rوقال إسماعيل القراطيسي:\rوقد أتانِي خبرٌ راعني ... مِنْ قولِها في السِّرِّ واضَيْعَتَاهْ\rأمثلُ هذا يبتغى وصلنَا ... أما يرى ذا وجهْهَ في المرَاهْ\rوقال عباس بن الأحنف:\rهَمّتْ بإتيانِنا حتّى إذا نظرتْ ... إلى المِرَاةِ نهاها وجههُا الحَسَنُ\rما كان هذا جزائِي من مَحاسِنِهَا ... أغَرتْ بي الشَّوْق حتى شفَّني الشَّجَنُ\rكان يقال: أربعة تزيد في البصر: النظر إلى الوجه الحسن، وإلى الخضرة وإلى الماء الجاري، والنظر في المصحف.\rدخل الشعبي سوق الرقيق، فقيل له: هل من حاجة؟ فقال: حاجتي صورة حسنة، يتنعم فيها طرفي، ويلتذ بها قلبي، وتعينني على عبادة ربي.\rأدام إبراهيم النظام النظر إلى جاريةٍ حسناء، فقال مولاها: أراك تديم النظر إليها، فقال: مالي لا أتأمل منها ما أحل الله، وفيه دليل على حكمة صنعة الله، ومعه اشتياق إلى ما وعد الله.\rقال الحسن البصري: ينبغي للوجه الحسن ألا يشين وجهه بقبيح فعله وينبغي لقبيح الوجه ألا يجمع بين قبيحين.\rقال الشاعر:\rإنّ حُسْنَ الوجهِ يحتا ... جُ إلى حُسْنِ فِعَال\rحاجةَ الصَّادِي من الما ... ءِ إلى العَذْبِ الزَّلاَلْ\rباب جامع ذكر النساء وتزويج الأكفاء\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الدُّنيا كلها متاع، وخير متاع الدُّنيا المرأةُ الصالحة \" .\rويروى أن داود عليه السلام قال لابنه سليمان: يا بني! إن المرأة الصالحة كمثل التاج على رأس الملك، والمرأة السوء كمثل الحمل الثقيل على ظهر الشيخ الكبير.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" المرأة كالضلع العوجاء؛ إن رفقت بها استمتعت منها \" أخذه الشاعر فقال:\rهي الضِّلَعُ العوجاءُ لستَ تُقِيمُها ... ألاَ إنّ تقويمَ الضلوعِ انكسارُها\rقيل لبعض الأعراب: من تركت عند نسائك؟ فقال: حافظين: الجوع والعري، عرين فلا يظهرن، وجعن فلا يأشرن.\rمما أوصى به محمد بن عبد الله بن حسين ابنيه، فقال: واعلما أن لن تسقط امرأة واظبت على ثلاث خلال: الماء والسواك والكحل فعليكما بهن.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إياكم وخضراء الدمن. قالوا: وما خضراء الدمن؟ فقال: المرأة الحسناء في المنبت السوء \" . شبهها بنبات أخضر نضر نبت على دمنة، وهي الأبعار والأبوال تبلبل بعضها على بعض.","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"قال معاذ بن جبل: أخوف ما أخاف عليكم النساء، إذا تسورن الذهب، ولبسن عصب اليمن، ورباط الشام، فأتعبن الغنىّ وكلفن الفقير مالا يجد.\rقال سمرة بن جندب: سمعت عمر بن الخطاب يقول: النساء ثلاث والرجال ثلاثة: امرأة عاقلة مسلمة عفيفة هينة لينة ودود ولود، تعين أهلها على الدهر، ولا تعين الدهر على أهلها، وقليلا ما تجدها. وأخرى وعاء للولد لا تزيد على ذلك، وأخرى غلٌ قملٌ يجعله الله في عنق من يشاء، ثم إذا شاء أن ينزعه نزعه.\rوذكر الرجال بما قد ذكرته في باب ثلاثة.\rقال منصور الفقيه:\rأفضلُ ما نال الفَتَى ... بعد الهُدَى وَالْعَافِيَهْ\rقرينةٌ مُسْلمِةٌ ... عفيفةٌ موَاتَيهْ\rذكر ثعلب عن ابن الأعرابي، قال: قالوا: النساء خلقن من ضعف، فداووا ضعفهن بالسكوت، وعوراتهن بالبيوت.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" تُنكح المرأة لمالها وحسبها وجمالها ودينها، فعليك بذوات الدين تربت يداك \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" عليكم بالأبكار؛ فإنهن أطيب أفواهاً، وأرتق أرحاماً، وإياكم والعجائز \" .\rوروي عنه عليه السلام أنه قال: \" أعظم النساء بركةً أحسنهنّ وجوها، وأرخصهن مهوراً \" .\rوروي عنه عليه السلام أنه قال: \" ترفقوا ولا تطلقوا، وانكحوا الأكفاء واختاروا لنطفكم، فإن العرق دساس \" .\rكان يقال: إياكم ومناكحة الحمقاء، فإن صبحتها أذى ومناكحتها أذى \" .\rقال أبو الأسود لبنيه: يا بني! قد أحسنت إليكم صغاراً وكباراً، وقبل أن تولدوا، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: التمست لكم من النساء الموضع الذي لا تعابون به.\rوشوور بعض الحكماء في تزويجٍ، فقال للمشاور: يا ابن أخي! إياك أن تزوج لأهل دناءةٍ أصابوا من الدنيا، فإنك تشركهم في دناءتهم، ويستأثرون عليك بدنياهم. قال: فقمت عنه وقد اكتفيت بما قال لي.\rكان يقال: لا تسترضعوا الحمقاء؛ فإن اللبن ينزع بالشبه إليها.\rقال عمر بن الخطاب: لا تسكنوا نساءكم الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، واستعينوا عليهن بالعرى.\rقال عمر بن الخطاب رحمه الله: استعيذوا بالله من شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر.\rوقال أيضاً: عليكم بالسراري؛ فإنا رأيناهن يأخذنَ بعز العرب وملك العجم.\rقال علي بن أبي طالب: خيرُ نسائكم الطيبة الرائحة، الطيبة الطعام، التي إن أنفقت أنفقت قصدا، وإن أمسكت أمسكت قصدا، فتلك من عمال الله، وعامل الله لا يخيب.\rقال علي بن أبي طالب: من أراد البقاء - ولا بقاء - فليخفف الرداء، وليباكر الغداء، وليقل مجامعة النساء. قيل له: وما خفة الرداء؟ قال: الدين. ثم قال: المرء بجدّه والسيف بحدّه، والثناء بعد البلاء.\rقال عمرو بن العاص: الناكح مغترس، فلينظر امرؤ حيث يقع غرسه.\rقال المغيرة بن شعبة: صاحب المرأة الواحدة امرأة مثلها، إن بانت بان معها، وإن حاضت حاض معها، وإن مرضت مرض معها، وصاحب المرأتين على جمرتين، وصاحب الثلاث على رستاق، وصاحب الأربعة كل ليلةٍ عروس، أخذه الشاعر فقال:\rوصاحبُ ضرتَّينِ على الليالي ... كما قد قيل بين الْجَمْرَتَيْنِ\rرضَا هذِى يُهيَجّ سُخْط هَذِى ... فما يَعْرَى من إحدَى السُّخْطَتين\rدخل أعرابي على الحجاج فسمعه يقول: لا تكمل النعمة على المرء حتى ينكح أربع نسوة يجتمعن عنده، فانصرف الأعرابي فباع متاع بيته، وتزوج أربع نسوة، فلم توافقه منهن واحدة، خرجت واحدة حمقاء رعناء، والثانية متبرجة، والثالثة فارك أو قال فروك، والرابعة مذكرة، فدخل على الحجاج فقال: أصلح الله الأمير، سمعت منك كلاماً أردت أن تتم لي به قرة عين؛ فبعت جميع ما أملك، حتى تزوجت أربع نسوةٍ، فلم توافقني منهن واحدة، وقد قلت فيهن شعراً، فاسمع مني، قال: قُل. فقال:\rتزوجتُ أبغي قُرّةَ العينِ أربَعا ... فياليتَ أنّى لم أكن أتزوَّجُ\rوياليتنى أَعْمَى أصمُّ ولم أكُنْ ... تزوجتُ بل ياليت أنى مُخَدَّجُ\rفواخدةٌ ما تعرفُ الله ربَّها ... ولا ما التُّقَى تدري وَلا ما التَّحرُّجُ\rوثانيةٌ ما إن تقرَّ ببيتها ... مذكّرة مشهورة تتبرَّجُ\rوثالثة حمقاءُ رَعْنَا سخيفةٌ ... فكل الذي تأتي من الأمر أعوجُ","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"ورابعةٌ مفروكةٌ ذاتُ شِرَّةٍ ... فليستْ بها نفسي مَدَى الدهر تُبْهَجُ\rفهنَّ طلاقٌ كلُّهُن بوائنُ ... ثلاثاً ثلاثاً فاسْهَدُوا لا تلجلجوا\rفضحك الحجاج حتى كاد يسقط من سريره، ثم قال له: كم مهورهنّ؟ قال: أربعة آلاف درهم. فأمر له بثمانية آلاف درهم.\rقال أكثم بن صيفي لبنيه: يا بني لا ينكبنكم جمال النساء عن صراحة النسب، فإن المناكح الكريمة مدرجة للشرف.\rروى أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر: أن عبد الله بن رواحة وقع على جارية له، فاتهمته امرأته، فقال: ما فعلت. فقالت: فاقرأ القرآن إذاً. فقال:\rوفينا رسولُ اللهِ يتلوُ كتابَهُ ... كما انشقّ مشهورٌ من الصبح سَاطِعُ\rأتانا الهُدى بعد العَمى فقلوبُنَا ... به موقنات أن ما قال واقعُ\rيبيتُ يجافى جنبه عن فِرَاشه ... إذا استثقلَتْ بالهَاجعينَ المضاجعُ\rفقالت: أولى لك. وفي رواية أخرى في هذه القصة أنها لما قالت له: فاقرأ إذاً شيئاً من القرآن، قال:\rسمعتُ بأنّ وعدَ الله حقٌّ ... وأن النَّار مثوى الكاَفِرِينا\rوأن العرشَ فوقَ الماءِحقٌّ ... وفوقَ العرشِ ربُّ العالَمِينا\rقالت: ما شاء الله! كذبت عيني، وأنت الصادق. أو نحو هذا.\rقال المغيرة بن شعبة: إذا كان الرجل مذكراً والمرأة مذكرة تصادما العيش، وإذا كان الرجل مؤنثا والمرأة مؤنثة ماتا هزلاً، وإذا كان الرجل مؤنثاً والمرأة مذكرة كان الرجل هو المرأة، والمرأة هي الرجل، وإذا كان الرجل مذكراً والمرأة مؤنثة طاب عيشهما.\rقال الحسن: إياكم وسمنة البنات، فإن كنتم لابد فاعلين، فاحفظوهن.\rقال إياس بن معاوية: من يمن المرأة الولد، ومن بركتها مياسرتها في المهر.\rكان يقال: لا تزوج كريمتك إلا من عاقل، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها أنصفها.\rقال غيره: لا تزوج وليتك إلا من ذي دين، فإن أحبها أحسن إليها، وإن أبغضها لم يظلمها.\rروى أبو العباس عن الأصمعي قال: قال أعرابي لامرأته: صفيني بما تعلمي مني ولا تكتمي. فقالت: أما والله إن كنت لخفيفاً على ظهر الفرس، ثقيلاً على العدو، ضحوكاً مقبلا، كسوباً مدبراً، لا تشبع ليلة تضاف، ولا تنام ليلة تخاف.\rوعن الأصمعي أيضاً، قال: هلك رجل من العرب، فقيل لامرأته: صفي بعلك، فقالت: والله إن كان - فيما علمت - لضحوكاً إذ ولج، كسوباً إذا خرج، آكلا ما وجد، غير سائلٍ ما فقد.\rقال الأصمعي، قال الحسن: كان أهل الجاهلية إذا خطب الرجل المرأة تقول: ما حسبه، وما حسبها؟ فلما جاء الإسلام، قالوا: ما دينه، وما دينها؟ وأنتم اليوم تقولون: ما ماله، وما مالها؟.\rقال الشاعر:\rلا يأمننَّ على النساءِ أخٌ أَخَا ... ما في الرجالِ على النساءِ أَمينُ\rإن الأمينَ وإنْ تحفّظَ جَهْدَهُ ... لابدّ أنّ بنظرةٍ سيخونُ\rقيل لبعضهم: ما تقول في الباه؟ قال: عندي ما يقطع حجتها، ولا يقضي حاجتها.\rقيل لمدني: ما عندك من هذا الأمر؟ قال: إن منعت غضبت، وإن تركتُ عجزت.\rقيل لآخر: ما عندك للنساء؟ قال: أطيل الظمأ، ثم أرد فلا أشرب.\rمرت بعيسى بن موسى جاريةٌ، فقام إليها فصرعها، فلما رامها عجز عنها فقال:\rالقلبُ يطمعُ والأسبابُ عاجزةٌ ... والنفسُ تهلكُ بين العجزِ والطمع\rكان يقال: لعن كل فاجر عند الجماع!!.\rقالوا: لذة المرأة على قدر شهوتها، وغيرتها على قدر محبتها.\rتزوج رجل - وهو روح بن زنباع - أم جعفر بنت النعمان بن بشير، زوجها له عبد الملك بن مروان، وقال: إنها جارية حسناء، فاصبر على بذاء لسانها، فصحبها ثم أبغضها. فمن قوله فيها:\rريحُ الكرائِم معروفٌ لَهَا أَرَجٌ ... وريحُها ريحُ كلبٍ مسَّهُ مطرُ\rوقد هجته هي أيضاً، فمن قولها فيه:\rبكى الخَزُّ من رَوْحٍ وأنكرَ جلْدَهُ ... وعجَّتْ عجيباً من جُذامَ المطارِفُ\rقال بعض الأعراب:\rمن منزلي قد أخْرجتنِي زوجَتِي ... تهرُّ في وجْهِي هَرِيَر الكلبةِ\rزُوِّجتُها فقيرةً منْ حِرْفَتِي ... قلتُ لها لمّا أراقَتْ جَرَّتِي","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"أمّ هلالٍ أبْشري بالحسرةٍ ... وأبْشري منّي بوقع الضرّةِ\rخطب النوار بنت أعين بن ضبعة المجاشعية رجل من قيس، فجعلت العقد عليها إلى الفرزدق، وكان أبوها قتلته الخوارج أيام الحكمين، وكان علي رضى الله عنه بعثه إلى البصرة، فقال لها الفرزدق: أشهدي لي أنك جعلت أمرك إلى فإني أخاف من هو أقرب إليك مني من أوليائك. فأشهدت له. فأنكحها الفرزدق من نفسه، وأشهدهم، فلم ترض النوار، فتنازعا. فخرجا إلى عبد الله بن الزبير، وكان العراق والحجاز يومئذ إليه. فتشفعت النوار يومئذ بخولة بنت منظور بن زبان الفزاري، وتشفع الفرزدق بابنها حمزة بن عبد الله بن الزبير، فأنجحت خولة وشفّعها زوجها ابن الزبير وقال الفرزدق: لا تقربها حتى تصير إلى البصرة فتحكم معها إلى عاملي بها، فقال الفرزدق:\rأمّا بِنوه فلم يقبلْ شفاعَتَهمُ ... وشّفعوا بنتَ منظورِ بنِ زَبَّانَا\rليس الشفيعُ الذي يأتِيكَ مُئْتَزراً ... مثلَ الشفيعِ الذي يأتيك عُرْيَانَا\rخطب العريان بن الهذيل البرجمي امرأةً، فكان أصم وكانت عوراء، فقالت: تسأل عنا ونسأل عنك، فقال:\rفإن تسألِى عنّا وَعَنْكِ فإنَّنا ... كِلانَا به داءٌ أصمَّ وأعْورَا\rفقالت: أمّا إذ عرفت الداء فاجلس، فبعثت إلى وليها فزوجها إياه.\rقال الأصمعي:قيل لأعرابي: من لم يتزوج امرأتين لم يذق لذة العيش، فتزوج امرأتين ثم ندم، فقال:\rتزوجتُ اثنتين لفرطِ جَهْلي ... بما يَشْقَى به زوجُ اثنتين\rفقلتُ أصِيرُ بينهما خروفاً ... أنَّعم بين أَكرمِ نعجتينِ\rفصرتُ كنعجةٍ تُمْسِى وتُضْحِى ... تَرَدَّدُ بين أخبثِ ذئبتينِ\rرضى هَذِى يهيّجُ سُخطْ هذى ... فما أعْرَى من إحدى السّخْطتينِ\rوأَلْقَى في المعيشة كلَّ بُوسٍ ... كذاك المرءُ بين الضّرَّتينِ\rلَهذِى ليلةُ ولتلك أُخرْى ... عِتابٌ دائمٌ في الليلتينِ\rوقال الغزال:\rإن الفتاةَ وإن بَدَا لك حبهُّا ... فبقلبها داءٌ عليكَ دفينُ\rوإذا ادّعين هوى الكبير فإنّما ... هو للكبير خديعةٌ وقُرُونُ\rوإذا رأيتَ الشيخَ يهوىَ كاعباً ... فَعَلَيْه من دركِ القُرُون دُيُونُ\rوقال الغزال أيضاً:\rأنا شيخٌ وقلتُ في الشيخ مَا يَعْ ... لمُه كلُّ أبْلهٍ وذَهِينِ\rكلُّ شيخ تراه يكثر من كس ... ب الجوارِي فخذه لي بالقرونِ\rقال الأحنف بن قيس: إذا أردتم الحظوة عند النساء فأفحشوا في النكاح، وأحسنوا الأخلاق.\rقيل لأعرابي: ما تقول في نساء طيى؟ قال: إذا شئت. قيل: فما تقول في نساء ضبة؟ قال: نك ودحرج.\rروى عن النبي عليه السلام أنه قال: \" النساء حبائل الشيطان \" .\rقال معاوية: ما رأيت منهوماً في النساء إلا رأيت ذلك في ضعف منته.\rقال عبد الملك: من أراد النجابة فبنات فارس، ومن أراد النكاح فبنات البربر، ومن أراد الخدمة فالروميات.\rقال سعيد بن المسيب: ما عرفنا أولادنا حتى عرفنا بنات فارس.\rقال أبو هلال الراسبي: جاء رجل إلى أهله بجزر، فقال: يا هذه! اطبخيه أو اشويه وكليه، فإن المطبوخ جيد للبطن، والمشوي جيد للظهر، والنِّئ جيد للجماع، قالت: ليس عندنا نار فكله.\rغاضب رجلٌ امرأته ثم ترضاها، فلجت فكابرها حتى جامعها، فقالت: أخزاك الله، كلما وقع بيني وبينك شيء جئتني بشفيع لا يمكنني رده.\rقال الشاعر أيمن بن خريم:\rلقيتُ من الغانياتِ العُجَابَا ... لو أدركَ منى العَذَارى الشَّبابَا\rولكنّ جِمَاعُ العذاري الحِسَانِ ... عذابٌ شديدٌ إذا المرءُ شاباَ\rيُرَضْنَ بكلِّ عَصَا رائضٍ ... ويُصْبحْنَ كلَّ غداةٍ صِعَاباَ\rعَلاَمَ يكَحِّلْن حور العُيونِ ... ويُحْدثْنَ بعد خَضابٍ خِضَاباَ\rويبرُقْنَ إلاّ لما تَعْلَمُون ... فلا تحْرِمُوا الغانياتِ الضّراباَ\rفلو كلْتَ بالمُدِّ للغانياتِ ... وظاهَرْتَ بعد الثيابِ الثياباَ","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"ولم تُنِلْهُنّ من ذاك قُرْباَ ... كأنَّك حَدَّثْتَهُنّ الكذَابَا\rإذا لم يُخَالَطْنَ كلَّ الخِلاَ ... طِ أصْبَحْنَ مُخْرَ نْطِماتٍ غِضاباَ\rيميتُ العتابَ خِلاَطْ النساءِ ... ويُحْيى اجتنابُ الخلاطِ السّبَاباَ\rقضى سلمان بن ربيعة على رجل بأن يأتي امرأته في كل أربع ليلة، فرضى ذلك عمر، وجعله قاضياً بالكوفة، وخبره مشهور قد ذكرناه في مواضع.\rوروى يعقوب بن طلحة، وإسحق بن محمد السني أن عمر بن الخطاب شكت إليه امرأة أن زوجها لا يأتيها إلا في كل طهر مرة، فقال لها: ليس لك غير ذلك ولا كرامة.\rروى عن أبي هريرة، وبعضهم يرويه مرفوعاً: أنه قال: فضلت المرأة على الرجل بتسعةٍ وتسعين جزءاً من اللذة، أو قال من الشهوة، ولكن الله ألقى عليهن الحياء.\rقال المأمون: النساء شر كلهن، وشر ما فيهن قلة الاستغناء عنهن.\rقال غيره: الصبر عنهن أهون من الصبر عليهن.\rقال معاوية: هن يغلبن الكرام، ويغلبهن اللئام.\rكان يقال: النكاح فرح شهر، وغم دهر، ووزن مهر، ودق ظهر.\rودخل معاوية بن أبي سفيان على ميسون بنت بحدل الكلبية أم يزيد، ومعه خديج الخصى فاستترت منه، فقال لها معاوية: إن هذا بمنزلة المرأة، فعلام تستترين منه. فقالت: كأنك ترى المثلى به أحلت له مني ما حرم الله.\rكان محمد بن حسين يقول: اللهم ارزقني امرأة تسرني إذا نظرت، وتطيعني إذا أمرت، وتحفظني إذا غبت.\rقالت أسماء بنت أبي بكر: النكاح رق النساء، فلتنظر المرأة عند من تضع رقها.\rضرب عبد الملك بن مروان بعثاً إلى اليمن، فأقاموا سنين، جنى إذا كان ذات ليلة وهو بدمشق، قال: والله لأعسن الليلة مدينة دمشق، ولأسمعن ما يقول الناس في البعث الذي غربت فيه رجالهم، وغرمت فيه أموالهم. فبينما هو في بعض أزقتها إذا هو بصوت امرأة قائمة تصلي، فتسمع إليها، فلما انصرفت إلى مضجعها قالت: اللهم يا غليظ الحجب، ويا منزل الكتب، ويا معطي الرغب، ويا مؤدي الغرب. أسألك أن ترد غائبي، فتكشف به همي، وتصفي به لذتي، وتقر به عيني، وأسألك أن تحكم بيني وبين عبد الملك بن مروان الذي فعل بي هذا، فقد صير الرجل نازحاً عن وطنه، والمرأة مقلقةً على فراشها، ثم أنشأت تقول:\rتطاول هذا اللّيلُ فالعينُ تدمَعُ ... وأَرّقني حُزْنِي وقلبِيَ مُوجَعُ\rفبتّ أقاسي الليلَ أرعَى نجومَهُ ... وباتَ فؤادي هامداً يتفزّعُ\rإذا غابَ منها كوكبٌ في مغيِبهِ ... لمحتُ بعيني آخراً حين يطلعُ\rإذا ما تذكرتُ الذي كان بينَنَا ... وجدتُ فؤادي للهَوَى يتقطّعُ\rوكلُّ حبيبٍ ذاكرٌ لحبيبِهِ ... يرَجِّى لِقاهُ كلّ يومٍ ويطمعُ\rفذا العرشِ فُرج ما ترى من صَبابتي ... فأنت الذي ترعى أموري وتسمعُ\rدعوتُك في السّراءِ وَالضُّرِّ دعوةً ... على غُلة بين الشراشيف تلْذَعُ\rفقال عبد الملك لحاجبه: تعرف لمن هذا المنزل؟ قال: نعم، هذا منزل زيد بن سنان. قال: فما المرأة منه؟ قال: زوجته. فلما أصبح سأل كم تصبر المرأة عن زوجها؟ قالوا: ستة أشهر. فأمر ألا يمكث العسكر أكثر من ثلاثة أشهر.\rقال سليمان بن داود صلى الله عليهما: يا بني! لا تكثر الغيرة على أهلك من غير ريبة، فترمى بالشر من أجلك وإن كانت بريئة.\rقال طفيل الغنوي:\rإنّ النساءَ كأشجارٍ نَبَتْنَ معاً ... منها المُرَارُ وبعضُ المرِّمأ كولُ\rإن النساءَ متى يُنْهَيْنَ عن خُلُقٍ ... فإنّه واجبٌ لابدَّ مفعولُ\rوجد صبي منبوذ في بعض مساجد أصفهان، ومعه صرة فيها مائة دينار، ورقعة مكتوب فيها: هذا جزاء من لا يزوج ابنته.\rكان رجل من أهل الشام مع الحجاج بن يوسف يحضر طعامه، فكتب إلى أهله يخبرهم بما هو فيه من الخصب، وأنه قد سمن، فكتبت إليه امرأته:\rأُتُهدى ليَ القرطاسَ والخبزُ حاجتي ... وأنتَ على بابِ الأميرِ بطينُ\rإذا غبتَ لم تذكْر صديقاً وإن تُقِمْ ... فأنت على ما في يديك ضنينُ\rفأنت ككلبِ السُّوءِ جوَّعَ أَهلَه ... فيهزلُ أهلُ البيت وهو سمينُ","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"لأبي عيينة المهلبي في رجل من قومه، تزوج امرأة قد تزوجت قبلة مائة زوج فماتوا عنها:\rرأيتَ أثاثها فرغبت فيه ... وكم نصبتْ لغيرك بالأثاث\rإلى دارِ المنُون فرحّلَتْهم ... بأجنحةٍ تطيرُ بهم حِثاثِ\rفصيّر أمرَها بيديّ كَميْا ... أبثُّ حبالها لك بالثلاثِ\rوإلاّ فالسلامُ عليك مِنّى ... سآخذُ من غدٍ لك في المراثيِ\rقال إسحاق الموصلي، أنشدني ابن كناسة لنفسه:\rلقد كان فيها للأَمانِة موضعٌ ... وللسِّرِّ كتمانٌ وللعينِ منظرُ\rفقلت: ما بقى؟ فقال: أين الموافقة.\rقال ابن المقفع: وطءُ العجوز وأكل القديد يهرم.\rقال الشاعر:\rلا تَنكِحَنّ عجوزاً إن دَعَوْكَ لها ... ولو حَبَوْكَ على تزويجها الذَّهَبَا\rوإنْ أَتَوْك فقالوا: إنّها نَصَفُ ... فإنّ أَطيبَ نصفيها الَّذي ذَهَبَاَ\rكتب رجل إلى صديق له نكح عجوزاً:\rأمسكتَ نفسَكَ حتى إذا ... أتيتَ على الخمسِ والأرْبَعيِنَا\rتزوجتَها شارفاً فَخْمَةً ... فَلاَ بالرِّفَاءِ ولا بالبنينَا\rفلا ذاتُ مالٍ تزوجْتَها ... ولا ولدٍ تَرْتجي أن يكوناَ\rبِهَا أبداً فالتمسْ غيرها ... لعلَّك تُعْطَى بَغثٍ سميناَ\rقال دعبل، ويقال: إنها لأبي دلف:\rتعجَّبَتْ إذ رأتْ شيبي فقلتُ لها ... لا تعجبي، من يطل عمرٌ بهِ يُشِبِ\rشيبُ الرجالِ لهم زينٌ وَمكْرُمةٌ ... وشيبُكُنّ لكنَّ الويلُ فاكتئبي\rفينا لكنَّ وإن شيبٌ بدا أربٌ ... وليس فيكنّ بعد الشيب من أَرَبِ\rولبعض الأعراب:\rعجوز تُرَجّى أن تكونَ صبيهً ... وقد شابَ منها الرأسُ واحدودب الظهر\rتَدُسُّ إلى العطار ميرةَ أَهلِهَا ... وَهَلْ يصلح العطارُ ما أفسد الدهر؟\rوقال امرؤ القيس:\rأراهُنّ لا يُحْبِبْنَ من قلَّ مالُه ... ولا مَنْ بدا في عارضَيْهِ مشيبُ\rوقال آخر:\rكَفَاكَ بالشيب ذنباً عند غانيةٍ ... وبالشَّبَابِ شفيعاً أيُّها الرَّجُلُ\rوقال الأعشى:\rوأرى الغوانِي لا يُواصلن امْرَءا ... فقد الشبابَ وقد يَصِلْنَ الامْرَدَا\rوقال علقمة بن عبدة:\rفإن تسألُوني بالنساءِ فإنّني ... بصيرٌ بأدواء النساءِ طبيبُ\rإذا شابَ رأسُ المرءِ أو قلَّ مالُه ... فليس له في وُدِّهِنّ نصيبُ\rيُردْنَ ثراءَ المالِ حيثُ علمنَهُ ... وشرخُ الشبابِ عندَهُنّ عجيبُ\rقال منصور الفقيه:\rإذا ما استحَرَّ ولم يتَّسِعْ ... ولم يكُ رَطْباً ولا يابساً\rوحلَّ وأمكَنَ من نفسِهِ ... فنبِّه له جَارَكَ النّاعِساَ\rوقال منصور النمري:\rما واجه الشيبَ من عين وإن وَمِقَتْ ... إلاّ لها نبوةٌ عنه ومرتَدعُ\rوقال حبيب:\rأحْلى الرجالِ من النساءِ مواقعاً ... من كان أشبههم بهنّ خُدودَا\rوقال آخر:\rأرى شيب الرجال من الغوانِي ... بموقع شيبهنّ من الرّجَالِ\rشاورَ رجلٌ رجلا في النكاح، فقال له: إيّاك والجمالَ الفائق، فإن الشاعر قال:\rولن تصادِفَ مرعًى مُونقاً أبداً ... إلاّ وجدتَ به آثارَ مأكُولِ\rقال آخر:\rلا تأمنَنْ أُنْثى حبَتَك بودّها ... إن النساءَ ودادُهُنّ مُقَسَّمُ\rاليومَ عندك دَلُّهَا وحديثُها ... وغداً لغيِرك كفَهُّا والمعصمُ\rوقال ابن هبيرة:\rيا راعى الذَّودِ لا تَرْحل لِمكْرُمَةٍ ... إنّ القلاصَ إذا ما غَابَ رَاعيها\rلم يَثْنِها أَحدٌ دون الفحولِ فلا ... تهملْ قلوصَكَ إمّا كنت تَحميِها\rولا تَلمُهَا على وِرْدٍ وقد ظَمِئَتْ ... لو شئتَ أَرْوَيْتها إذْ كنتَ سَاقيِها\rاحُظرْ مشاربَها، واحففْ جوانبهِا ... وارْمُمْ مذاهِبَها، تسلم قَوَاصِيها","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"خليّتَها لفحولٍ غير فاخرةٍ ... في كلَ برِيَّةٍ قفْرٍ فَيَافِيها\rحتى إذا أَخْدَجَت في كل منزلةٍ ... بكيتَ، أبْكى إلهي عينَ مُبْكيِها\rباب الأمثال السائرة في النساء\rلا تحمد الحرة عام هدائها، ولا الأمة عام شرائها.\rمن ينكح الحسناء يعط مهراً.\rمن يمدح العروس إلا أهلها؟.\rلكل فتاة خاطب، ولكل أمر طالب.\rكل ذات دل تختال.\rكاد العروس أن يكون أميراً.\rوليس لمخضوب البنان يمين.\rلا تسد الثغور بالمحصنات.\rقال الشاعر:\rكُتِبَ القتلُ والقتالُ علينا ... وعلى المُحْصَنَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ\rوهذا الشعر لعبد الرحمن بن حسان، وذلك أنه كانت عند المختار بن أبي عبيد امرأتان، إحداهما أم ثابت بنت سمرة بن جندب، والأخرى عمرة بنت النعمان بن بشير الأنصاري، فعرضهما مصعب على البراءة من المختار، فأما بنت سمرة فتبرأت منه فخلاها، وأما الأنصارية فامتنعت فقتلها، فقال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في ذلك:\rإنّ من أعجبِ العَجائبِ عِندِي ... قتلُ بيضاءَ حرةٍ عُطبولِ\rقُتِلَتْ باطلاً على غير جُرْمٍ ... إن للهِ دَرَّهَا من قتيلِ\rكُتبَ القتلُ والقتالُ علينا ... وعلى الغانياتِ جَرُّ الذُّيولِ\rالنساء بالنساء أشبه من الماء بالماء، ومن الغراب بالغراب، ومن الذئاب بالذئاب. كل غانية هند.\rنعم لهوُ المرأة المغزل.\rالبياض نصف الحسن، والعجيزة أحد الوجهين.\rلا عطر بعد عروس. أخذه الشاعر فقال:\rمن كان يبكى لِمَا بِي ... من طولِ وَجْدٍ رَسيِسِ\rفالآنَ قبلَ وفاتِي ... لا عِطْرَ بعد عَرُوسِ\rالعوان لا تعلم الخمرة.\rلما زوج أسماء بن خارجة ابنته، دخل عليها ليلة بنائها، فقال: يا بنية، إن كان النساء أحق بتأديبك، ولا بدّ من تأديبك، كوني لزوجك أمةً يكن لك عبداً، ولا تقربي منه جداً فيملك أو تمليه، ولا تباعدي عنه فتثقلي عليه، وكوني له كما قلت لأمك:\rخُذِي العَفْوَ منّى تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سوْرَتِي حينَ أغضبُ\rولا تَنْقٌرِيني نَقْرَةَ الدُّفِّ مَرَّةً ... فإنّك لا تدرِين كيفَ الْمُغَيّبُ\rفإنّي رأيتُ الحبّ في القلب والأذى ... إذا اجتمعا لم يَلْبث الحبُّ يذهبُ\rبابُ اللّباس\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الحريرُ حلالٌ لباسهُ لإناث أمتي، حرامٌ على ذكورها \" .\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إنّما يلبس الحريرُ من لا خلاق له في الآخرة \" .\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من لبس ثوبَ شهرةٍ وعزةٍ في الدنيا أكسبه الله ثوب مذلة يوم القيامة \" .\rسئل عمر بن الخطاب عن لبس الحرير للنساء، فقال: هن لعبكم؛ فزينوهن بما شئتم.\rوروى مرفوعاً أيضاً: \" من ليس منظوراً، وركب مشهوراً، لم يزل الله عنه معرضاً، وإن كان عليه كريماً \" .\rقال عبد الله بن عمر: من لبس ثوب شهرة أعرض الله عنه وإن كان ولياً.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما أسفل من ذلك في النار، لا ينظر الله عزّ وجل إلى من جرّ ثوبه خُيَلاَء \" .\rولما ذكر الإزار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت أم سلمة: إذاً ينكشف عنها. قال: \" فذراعٌ لا تزيد عليه \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" كم من كاسيةٍ في الدنيا، عاريةٍ يوم القيامة \" .\rوقال صلى الله عليه وسلم: \" كاسياتٌ عاريات، مائلاتٌ مميلاتٌ، لا يدخلن الجنة ولا يجدنَ ريحها \" وريحها يوجد من مسيرة خمس مائة عام.\rكان يقال: كل من الطعام ما اشتهيت، وألبس من الثياب ما اشتهى الناس.\rنظمه الشاعر، فقال:\rإن العيونَ رَمَتْك مُذ فَاجَأتَهَا ... وعليك من شَهْرِ اللِّباسِ لباسُ\rأمّا الطعامُ فكلْ لنفسك ما اشتهتْ ... واجعل لباسَك ما اشتهاه الناسُ\rويروى:\rأمّا الطعام فكل لنفسك ما اشتهتْ ... والبس لباساً يَشْتهيه الناسُ\rوقال هلال بن العلاء الرقي:\rأجِدِ الّثيابَ إذا اكتسيتَ فإنّها ... زينُ الرجالِ بها تُهاب وتُكْرَمُ","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"ودع التَّواضُعَ في اللّباس تحرّياً ... فاللهُ يعلم ما تجنُّ وتكتمُ\rفَدَنِىّ ثوبِك لا يزيدُك زُلْفَةً ... عند الإله وأنت عبدٌ مُجْرمُ\rوبهاءُ ثوبِك لا يضرُّك بعد أنّ ... تخشى الإله، وتَتّقى ما يَحْرُمُ\rكان بكر بن عبد الله المزني، يقول: البسوا ثياب الملوك، وأميتوا قلوبكم بالخشية.\rوقال الحسن: إن قوماً جعلوا خشوعهم في لباسهم، وكبرهم في صدورهم، وشهروا أنفسهم بلباس هذا الصوف، حتى إن أحدهم بما يلبس من الصوف أعظم كبراً من صاحب المطرف بمطرفه.\rقال الوليد بن مزيد: كان الناس عندنا يلبسون الأردية، وكان الأوزاعي يلبسها، فترك الناس لبسها ولبسوا السيجان، فرأيت الأوزاعي قد ترك لبس الأردية ولبس الساج، فقلت له: يا أبا عمرو! كنت تلبس الأردية فتركتها ولبست الساج، فما الذي دعاك إلى ذلك، فقال: يا ابن أخي! رأيت الناس يلبسون الأردية فلبستها معهم، وتركوها فتركتها معم، ولبسوا السيجان فلبست معهم، ولو عادوا إلى الأردية لعدت معهم.\rقال سفيان بن حسين: قلت لإياس بن معاوية: ما المروءة؟ قال: أما في بلدك فالتقوى، وأما حيث لا تعرف فاللباس.\rروى بقية عن الأوزاعي، قال: بلغني أن لباس الصوف في السفر سنة، وفي الحضر بدعة.\rكان النبي صلى الله عليه وسلم، يحب من الألوان الخضرة ويكره الحمرة، ويقول: \" هي زينة السلطان \" .\rقال مالك بن الأشتر لعلي بن أبي طالب: تمام جمال المرأة في خفها، وتمام جمال الرجل في عمامته.\rبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسامة بن زيد في بعض السرايا فعممه بيده وسدل طرف عمامته.\rقيل لأعرابي: إنك لتديم لبس العمامة؟ قال: إن عضواً فيه السمع والبصر لحقيق أن يوقى من الحر والقر.\rروى عن النبي عليه السلام، أنه قال: \" الشعر الحسن كسوة الله، فأكرموه \" .\rوقال عليه السلام لأبي قتادة: \" رجل جمتك وأحسن إليها وأكرمها \" .\rقال أبو هريرة: إذا كان في الرجل ثلاث فهو الكامل، إذا فخر في المجلس وأحسن جوابات الكتب، وأحسن كور العمامة.\rروى الرياشي وأبو حاتم عن الأصمعي، قال: ألا أدلك على لباس إن لبسته كان سريا، وإن رفعته كان بهيا، وإن ذخرته كان طرياً؟ قال: نعم. قال: عليك بالتقوى. قال: ألا أدلك على خليلٍ إن صحبته صانك، وإن احتجت إليه مانك، وإن تجرت به أربحك، وإن ترحلت به حملك؟ قال: نعم. قال: عليك بالأدب. ثم قال: ألا أدلك على بستانٍ تكون منه في أكمل روضة، وميت يخبرك عن المتقدمين، ويذكرك إذا نسيت، ويؤنسك إذا استوحشت، ويكف عنك إذا سئمت؟ قال: نعم. قال: عليك بالكتاب.\rقالت ابنة العوام أخت الزبير لزوجها حكيم بن حزام - وكان كثير المال - : مالك لا تلبس لباس الناس اليوم؟ قال: وما تنكرين من لباسي، وإزاري قطري، وردائي مغافري، وقميصي سابري، وعمامتي خرقانية.\rنظر بعض الأمراء إلى رجلٍ في أطماره فازدراه، فقال له: أصلحك الله، لا تنظر إلى هيئتي، ولكن انظر إلى همتي، فأنا - والله - كما قال عبد الله بن زياد:\rفإنْ أَكُ قَصْداً في الرجالِ فإنّني ... إذا حلَّ امرؤٌ ساحتي لجسيمُ\rوكما قال الآخر:\rلا تنظرنّ إلى الثيابِ فإنّني ... خَلِقُ الثَّيَاب، من المُروءةِ كاَسِي\rأنشد ثعلب:\rوإنما الشّعر عقلٌ أنت تَعْرِضه ... على المجالس إنْ كَيْساً وإن حُمُقا\rوإنّ أشعرَ بيتٍ أنت قائُلهُ ... بيتٌ يقالُ إذا أنشَدتَه صَدَقا\rالبس جديدَك إنّي لابسٌ خَلَقي ... ولا جديدَ لمن لا يلبسُ الخَلَقا\rقال عبد الله بن المبارك: مخامر الرجال في اللحى والأكمام، ومخامر النساء تحت القمص.\rوأنشد غير واحد للشافعي رحمه الله تعالى:\rعلّى ثيابٌ لو تباعُ جميعُها ... بفَلْسٍ لكان الفَلْسُ منهنّ أكثّرا\rوفيهنّ نفسٌ لو يقاسُ ببعضها ... نقوسُ الورى كانت أجلَّ وأكبراَ\rوأخذ هذا المعنى ابن أبي الفضل البصري الشاعر يخاطب المتنبي، فقال:\rلئن كان ثوبي فوقَ قيمته الفَلْسُ ... فلي فيه نفسٌ دون قيمتها الإِنسُ\rفثوبُك بدر تحت أنواره دُجًي ... وثوبَي ليلٌ تحتَ أطمارِه شمسُ\rوسبق إلى هذا المعنى ابن هرمه، فقال:","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"قد يدركُ الشرفُ الفَتَى وردَاؤُهُ ... خَلَقٌ وجَيبُ قميصِهِ مرقوعُ\rكان القاسم بن محمد يلبس الخز، وسالم بن عبد الله يلبس الصوف، وكانا يتجالسان في المجلس ويتحدثان الدهر، لا ينكر واحد منهما لباس صاحبه.\rنظر ابن المبارك ببغداد إلى رجل عليه ثياب صوف لا تخالطها غيرها، فقال من هذا؟ فقيل له: هذا أبو العتاهية الشاعر، فكتب إليه ابن المبارك:\rأيُّها القارئ الذي لبس الصُّو ... ف وأضحى يُعَدُّ في العُبّادِ\rالْزَمِ الثَّغْرَ والتعبُّدَ فيهِ ... ليس بغدادُ موضعَ الزُّهَّادِ\rإن بغدادَ للملوكِ محلٌّ ... ومناخ للقارئ الصَّيَّادِ\rوقال محمود الوراق:\rتصَوَّف فازْدَهَي بالصُّوف جَهْلاً ... وبعضُ النّاسِ يَلْبَسهُ مَجاَنَه\rيُريكَ مَهَانَةً ويُجِنّ كِبْراً ... وليس الكبر من شكل المَهَانَه\rتصنّع كيْ يُقال له أمين ... وما معنَى التَّصَنُّع للأَمَانْه\rولم يردِ الإلَه به ولكنْ ... أرادَ به الطريقَ إلى الخيَانَهْ\rوقال آخر:\rوثياب المرء جِلْوا ... زٌ له بَيْنَ يديَهْ\rوقال آخر:\rلا يعجبنّك من بَصُون ثيابَهُ ... حَذَرَ الْغُبَارِ وَعِرْضُهُ مَبْذولُ\rولربّما افتقرَ الفتى فرأيَتهُ ... دنسَ الثيابِ وعِرْضُهُ مَغسُولُ\rأنشدني إبراهيم بن محمد، قال: أنشدني أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي لنفسه في أبي مسلم ابن فهد الهذلي الإشبيلي، وذكر حكاية عرضت له معه:\rأبا مُسْلم إنّ الفَتَى بجَنَانِهِ ... ومِقْوَلِهِ لا بالمراكبِ واللُّبْسِ\rوليسَ ثيَابُ المرءِ تُغْنِى قُلاَمةً ... إذا كان مقصوراً على قِصَرِ النَّفْسِ\rوليس يُفيدُ العلمَ والحلمَ والُّتقى ... أبا مُسْلمٍ طولُ القُعود على الكُرْسِي\rولا تُبْتني العليا بكأسٍ وقينةٍ ... وصهباءَ لم تَنْغَرْ بها القِدْرُ كالوَرْسِ\rأعيَّرْتَني أن لم أفرِّه مَطِيَّتي ... وأنّ ثيابِي غيرُ بيضٍ ولا مُلْسِ\rفربَّ ثيابٍ رثّة حشوُها فتىً ... أجدُّ مُمِرٌّ غيرُ فَسْلٍ ولا نِكْسِ\rوآخرُ بَرَّاقُ الثيابِ وعِرْضُهُ ... من العَارِ والتَّدْنِيسِ رجِسٌ عَلَى رِجْسِ\rفإمَّا تَهوُلَنْكَ البغالُ فإنّها ... منوّعةٌ عند اليّهُوديِّ والقَسِّ\rقال رجل للحسن بن أبي الحسن: يا أبا سعيد! إنا قد وسع الله علينا أفنناك من كسوة وعطر ما لو شئنا اكتفينا بدونه، فما نقول؟ قال: أيها الرجل! إن الله قد أدب أهل الإيمان فأحسن أدبهم، قال تعالى: \" ليُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ من سَعَتِهِ، ومَنْ قُدِرَ عليه رِزْقُهُ فلينفِقْ مما آتاهُ اللهُ \" ، وإن الله ما عذب قوماً أعطاهم الدنيا فشكروه، وما عذر قوماً زوى عنهم الدنيا فعصوه.\rروى عن لقمان الحكيم، أنه قال: التقنع بالليل ريبة، وبالنهار مذلة. وقد روى هذا عن نبيّنا صلى الله عليه وسلم.\rقال رجل لإبراهيم النخعي: ما ألبس من الثياب؟ فقال: مالا يشهرك عند العلماء، ولا يحقرك عند السفهاء.\rباب المراكب من الخيل وغيرها\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة، الأجرُ والمغتم \" .\rوقد ذكرنا في الآثار الثابتة في الخيل وفضلها، وفضل رباطها، والأجر في اكتساب ذلك، في كتاب - التمهيد - ما فيه شفاء، وإشراف على المعنى والحمد لله.\rكان يقال: لا تقودوا الخيل بنواصيها فتذلوها، ولا تجزوا أعرافها فإنها أدفاؤها، ولا تجزوا أذنابها فإنها مذابُّها. وقد روى هذا الكلام مرفوعاً.\rقال عمر بن الخطاب: عليكم بإناث الخيل، فإن بطونها كنز، وظهورها حرز. وقد روى هذا مرفوعاً أيضاً.\rقال علي بن أبي طالب: الخيل المطلب والمهرب.\rقال ابن عباس رضى الله عنه:\rأحبُّوا الخيل واصْطبروا عَلَيْها ... فإنّ العزَّ فيها والَجمَالا\rإذا ما الخيلُ ضَيّعها رجالٌ ... رَبَطْنَاها فشاركتِ العِيَالا","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"نُقاَسُمها المعيشةَ كلَّ يومٍ ... ونكسوها البراقِعَ والجِلاَلاَ\rقال الحسن البصري: الجفاء مع أذناب الإبل، والذلة مع أذناب البقر، والسكينة مع أذناب الغنم، والعز مع نواصي الخيل وقد روى بعض هذا مرفوعاً. قال خالد بن صفوان: الخيل للرغبة والرهبة، والبراذين للدعة، والبغال للسفر البعيد والأثقال، والإبل للتحمل، والحمير للزينة وخفة المؤونة.\rساير شبيب بن شيبة بعض الأمراء، وهو على برذون، والأمير على فرس، فقال له الأمير: سِر، فقال: كيف أسايرك وأنت على فرس، إن تركته سار، وإن حركته طار، وأنا على برذون، إن تركته وقف، وإن ضربته قطف. فأمر له بفرس فاره.\rقيل لأعرابي: صف لنا فرسك. قال: سوطه عنانه، وهمه أمامه، وما ضربته قط إلا ظالماً له.\rبعث الحجاج بن يوسف إلى عبد الملك بفرس، وكتب إليه: قد وجهت إليك بفرس حسن المنظر، محمود المخبر، أسيل الخد، رشيق القد.\rقال بعض الحكماء: أكرم الخيل أجزعها من الضرب، وأكرم الصفايا أشدها ولها إلى أولادها، وأكرم الإبل أشدها حنيناً إلى أوطانها، وأكرم المهار أشدها ملازمة لأمهاتها.\rللحسن بن يسار:\rيا فارساً تَرْهَبُ الفرسانُ صَوْلَتَهُ ... أما عَلمِتَ بأن النَّفْسَ تُفْتَرَسُ\rيا راكبَ الفرسِ السّامي بغُرَّتِهِ ... ولابسَ السَّيْفِ يحكي لونَهُ القبسُ\rلا أنت تبقى على سيفٍ ولا فَرَسٍ ... وليس يبقى عليك السَّيْف والفَرَسُ\rوهو شعر جيد محكم، فيه مواعظ وحكم، وأوله:\rإنّ الحبيبَ من الأحبابِ مُخْتَلسُ ... لا يمنعُ الموتَ حُجَّابٌ ولا حَرَسُ\rقال بعض البلغاء: البغل تواضع عن خيلاء الخيل، وارتفع عن ذلّة العير، فهو وسط، وخير الأمور أوساطها.\rقال ابن أبي طاهر: ما وصف برذون بأحسن من قول المسلمي من ولد مسلمة بن عبد الملك، واسمه محمد بن يزيد:\rفإذا احْتَبَى قَرَبُوسَه بِعنَانِه ... عَلَكَ الشَّكيِمَ إلى انْصِرافِ الزَّائر\rباب الطعام والأكل\rكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعجبه الذراع.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" سيد أدام الدنيا والآخرة، اللحم \" .\rقال سفينة: أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حباري، وقال في الضب: \" لست بآكله ولا بمحرمه \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فلا تأكلوا الثوم ولا البصل، ومن أراد أكلهما فليمتهما طبخاً \" .\rوالكراث والفجل في معنى الثوم والبصل.\rقال عمر بن الخطاب: إياكم واللحم، فإن له ضراوةً كضراوة الخمر.\rإنما كره الإدمان عليه، والله أعلم، لما فيه من التنعم والتشبه بالأعاجم، ألا ترى أنه كتب إلى عماله: اخشوشنوا، وإياكم والتنعم وزي العجم.\rذكر عند بعض العرب اللحم، فقال: إنه ليقتل السباع. يريد إدخال بعضه على بعض قبل تمام الهضم - والله أعلم.\rخطب عمر بن الخطاب يوماً، فقال: إياكم والبطنة، فإنها مكسلة عن الصلاة، مؤذية للجسم. وعليكم بالقصد في قوتكم، فإنه أبعد من الأشر، وأصح للبدن، وأقوى على العبادة، وإن امرءًا لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه.\rمر علي بن أبي طالب بمجلسٍ من مجالس الأنصار، فسلم عليهم، فقاموا له وحفوا به ورحبوا وقالوا: لو نزلت فأكلت من طعامنا، فقال لهم: إما حلفتم علينا، وإما انصرفنا.\rقال علي بن أبي طالب: المعدة حوض البدن، والعروق واردة عليها وصادرة عنها، فإذا صحت صدرت العروق عنها بالصحة، وإذا سقمت صدرت العروق بالسقم.\rقال بعض الأطباء: اللحم ينبت اللحم، والشحم لا ينبت اللحم ولا الشحم.\rقال علي بن أبي طالب: الشحم يخرج مثله من المدا.\rأتى عمر بن عبد العزيز بيته يوماً، فقال: هل عندكم من طعام؟ فأصاب تمراً وشرب من ماء، وقال: من أدخله بطنه النار فأبعده الله.\rقيل للشعبي: أي الطعام أحب إليك؟ قال: ما صنعه النساء، وقل فيه العناء.\rقال سلمان: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نجد في التوراة أو قال في الإنجيل: البركة في الطعام غسل اليد قبله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" البركة في الطعام غسل اليد قبله وبعده \" .","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن للطعام حقا. قيل: وما حقه يا رسول الله؟ قال: ذكر الله في أوله وحمده في آخره \" .\rومن حديث على بن ثابت، عن حمزة بن أبي حمزة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من نَسِى أن يُسم الله على طعامه، فليقرأ: قل هو الله أحد \" .\rنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأكل بالشمال، والشرب بالشمال، وعن الاستنجاء باليمين.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لربيبه عمر بن أبي سلمة: يا بني: \" قل بسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك \" .\rكان علي بن أبي طالب إذا دعى إلى طعام أكل شيئاً قبل أن يأتيه، ويقول: قبيح بالرجل أن يظهر نهمته في طعام غيره.\rوقال رحمه الله: من أراد البقاء - ولا بقاء - فليباكر الغداء، وليخفف الرداء، وليقل غشيان النساء.\rقال منصور الفقيه:\rقارب فديتُك إن أكلْ ... تَ وإن شربتَ وإن غَشِيتاَ\rوأنا الكفيلُ لك الحيا ... ةَ بأن تعافَى ما حييتاَ\rقال قيس بن أبي حازم: نزل بي أعرابي من أحمس، فلم آله تكرمةً، فقال لي: أكل الحي يجد مثل هذا الذي أرى عندك؟ فقلت: إن أخبثهم عيشاً يشبع من الخبز والتمر، فقال: أقسم بالله لئن كنت صادقاً ليوشكن أن يقتتلوا، فإن العرب - والله - ما زالت إذا شعبت اقتتلت. قال قيس: فلم ألبث إلا أربعة أشهر حتى قتل عثمان، ثم كانت وقعة الجمل، ثم وقعة صفين والنهروان.\rقال الشعبي: الناس في جنة الله تعالى ستة أشهر - يعني أيام الرطب.\rذكر أبو الحسن بن مقسم، قال: سمعت محمد بن مسلم الزجاج جارنا، قال: سمعت عباس الدوري، يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: لا يمل الباذنجان عاقل.\rوسمعت القاضي أبا عمرو، يقول: لو علم الثور الذي يحمل الباذنجان أنه عليه، تاه على الثيران.\rقلت: هذا لمن استطابه، وعذب عنده، وأما من جهة الطب، فذمه عندهم أكثر من مدحه.\rقال طريح بن إسماعيل الثقفي:\rدَعْ بَعْضَ أكلك ربّ آكلِ أكلةٍ ... يوماً سيلفظها إذا هُو لاكَهَا\rولبعض المتأخرين في رجل مات من أكلةٍ أكلها في شعرٍ له فيه:\rيا مَنْ جنت كَفُّه على جَسَدِه ... يَرْحَمُك الله يا قَتِيلَ يَدِهْ\rقال الفضيل بن عياض: خصلتان يقسيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل.\rقال حميد الأرقط:\rأتانا ولم يَعْدِلْه سحبان وائِلُ ... بياناً وعلماً بالّذي هو قائلُ\rفما زال عنه اللقُم حتّى كأنّه ... من العيِّ لما أن تكلّمَ باقلُ\rدعا عبد الملك بن مروان رجلاً إلى غدائه، فقال له قد تغديت. قال عبد الملك: ما أقبح بالرجل أن يأكل حتى لا تكون فيه بقية للطعام! فقال: يا أمير المؤمنين! بي فضل، ولكنى كرهت أن آكل فأصير إلى ما استقبح أمير المؤمنين.\rقال إبراهيم النخعي: ما رأيت راكباً أحسن من زبدٍ على تمر.\rقال الشاعر:\rألم تَرَ أن الزُّبْد بالتّمرِ طيبٌ ... وأنّ الحُبَاري خالةُ الكَرَوَانِ\rقال عمر بن بحر: العامة لاتشك بأن الكروان ابن الحباري.\rوقال آخر:\rنُنَافِسُ في طيبِ الطَّعام وكلُّه ... سواءٌ إذا ما جَاوَز اللَّهَوَاتِ\rدعا الحجاج رجلا إلى غدائه، فقال: قد تغدّيت. قال: إنك لتباكر الغداء قال: لخلالٍ ثلاث: إن ناجيتُ رجلا لم يجد في خلوفا، وإن شربت ماء شربته على ثقل، وإن حضرت قوماً على طعام حضرتهم ومعي بقية من غرض. فعجب منه.\rقال سليمان بن عبد الملك لسالم بن عبد الله، وقد رآه حسن السحنة: أي شيء تأكل؟ قال: الخبر والزيت، وإذا وجدت اللحم أكلته. قال له: وتشتهيه؟ قال: إذا لم أشتهه تركته حتى أشتهيه.\rقيل لأعرابي: أتحسن تأكل الرأس؟ قال: نعم. فقيل له: كيف تأكله؟ فقال: أبخص عينيه، وأسحي خديه، وأفك لحييه، وأعفص أذنيه، وأرمى بالدماغ إلى من هو أحق به مني.\rقيل لبعض العقلاء: أي الطعام أطيب؟ قال: الجوع أعلم.\rكان يقال: نعم الإمام الجوع، ما ألقيت إليه شيئاً إلا قبله وطاب عنده.\rروى معن بن عيسى، عن مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: الخبيص يزيد في الدماغ.\rوروى عن جعفر بن محمد رحمه الله، أنه قال: الخلال بعد الطعام يشد اللثات، ويجلب الرزق، ويطيب نكهة الفم.","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"دخل جنادة بن أبي أمية على معاوية، وهو يأكل، فدعاه إلى الأكل، فقال: أنا صائم، قلم تزل الألوان تختلف بين يدي معاوية حتى جئ بجدي محنوذ سمين، فقال جنادة: ليأمر لي أمير المؤمنين بماء أغسل يدي وآكل من هذا الجدي. فقال له: ألم تقل إنك صائم؟ قال: بلى. ولكنى على رد يوم أقدر منى على رد مثل هذا الجدي. فضحك معاوية وأمر بالماء، فغسل يده وأكل معه.\rقال الحسن البصري: غسل اليد قبل الطعام ينفي الفقر. وبعد الطعام ينفي اللحم.\rكان يقال: أحب الطعام إلى الله عز وجل ما كثرت عليه الأيدي.\rقال أبو بكر الهذلي: إذا جمع الطعام أربعاً كمل، إذا كان حلالاً، واجتمعت عليه الأيدي، وسمى الله في أوله، وحمد في آخره.\rكان يحيى بن معين يتمثل:\rالمالُ يَنْفدُ حِلُّهُ وحَرَامُه ... يوماً وتَبْقَى في غدٍ آثامُهُ\rليسَ التقىّ بُمّتقٍ في دِيِنِه ... حتى يَطِيب شَرابُه وطعامُهُ\rقال لقمان لابنه: يا بني! لا تأكل شيئاً على شبع، فإنك إن تركته للكلب خير لك من أن تأكله.\rكان الحسن بن علي رضى الله عنه، يقول: ائتونا بالخوان نأتنس به حتى يأتي الطعام.\rكان لكسرى جامٌ فيه حب رمان يسف منه بين كل لونين ملعقة ليعرف اختلاف الألوان.\rروى عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رجل من أهل الشام: أنعت لكم الأكل؟ قالوا: نعم. قال: إذا أكلت فابرك على ركبتيك. وافتح فاك، وأحدج عينيك، وفرج أصابعك، وعظم لقمتك، واحتسب نفسك. قال عبد الله بن دينار: ما سمعت عبد الله بن عمر يحدث بهذا الحديث قط، فبلغ قوله: واحتسب نفسك، إلا ضحك حتى بدت نواجذه.\rقال أبو الهندي، وهو من ولد شبث بن ربعي:\rأكلت الضِّبَاب فما عِفْتُها ... وإني لأهوى قديدَ الغَنَمْ\rورَكَّبْتُ زُبْداً على تمرةٍ ... فنعم الطعامُ ونعم الأُدُمْ\rوما في البُيُوض كبيض الدجاج ... وبيضُ الجرادِ شفاء القَرَمْ\rومُكْنُ الضِّباب طعام العُرَيْبِ ... ولا تشتهيِه نفوسُ العَجَمْ\rقال عمرو بن بحر: الجراد المأكول منه، ضروب: منه الأهوازي، وفيه المذنب، وأطيبه الأعرابي، وأهل خراسان لا يأكلونه. قال: والجراد الأعرابي لا يتقدمه في الطيب شيء، وما أحصى كم سمعت من الأعراب من يقول: ما شبعت منه قط، وما أدعه إلا خوفاً من عاقبته، أو لأني أعيا فأترك. قال: والجراد يطيب حاراً وبارداً ومشوياً ومطبوخاً، منظوماً في الخيط، أو مجعولا في المسلة. قال: والبيض المقدم في الطيب ثلاثة أجناس: بيض الأشبور، وبيض الدجاج، وبيض الجراد. - وبيض الجراد - فوق بيض الأشبور في الطيب؛ وبيض الأشبور فوق بيض الدجاج. قال: والجرد يؤكل يابساً وغير يابس، ويجعل إداما ونقلا. قال: وذكرت امرأةٌ الجراد، فقالت لها أخرى: كيف حبك فيه؟ قالت: والله إنه لأحب إلى من الحبل.\rكان بشر بن المعتمر، خاصاً بالفضل بن يحيى، فقدم عليه رجل من مواليه - وهو أحد بني هلال - فجاء به يوماً إلى الفضل ليكرمه بذلك، وحضرت المائدة، وذكر الضب ومن يأكله، فأفرط الفضل في ذمه وتابعه القوم، ونظر الهلالي فلم ير على المائدة عربياً غيره، وغاظه كلامه، فلم يلبث أن أتى الفضل بصفحةٍ ملأى من فراخ الزنابير ليتخذ له منها بزماورد، والدبر والنحل عند العرب أجناس من الذبان، فلم يشك الهلالي أن الذي رأى من ذبان البيوت والخشوش، وكان الفضل حين ولي خراسان، قد استطرف بها بزماورد الزنابير، فلما قدم العراق كان يتشهاها، فتطلب له وتساق من كل مكان، فشمت به وأصحابه لما رأى من ذلك، وخرج وهو يقول:\rوعِلْجٍ يعافُ الضَّبَّ لؤماً وبطنةَ ... وبعضُ إدامِ العِلْج هامُ ذُبَابِ\rولو أنَّ مَلْكا في الوري ناك أمَّهُ ... لقالوا له: أوتيتَ فصلَ خطابِ\rقال الحسن بن هانئ:\rإذا ما تميميٌّ أتاك مُفَاخِراً ... فقلْ: عَدِّ عن ذا، كيف أَكْلُكَ للضَّبّ\rتفاخرُ أَبْنَاءَ الملوكِ سفاهةً ... وبَوْلُكَ يجري فوق سَاقِكَ والكَعْبِ\rوقال ابن المعتز:\rرأيت بيوتاً زُيِّنَت بنمارقٍ ... وزُيِّن ما فيهنَّ بالوَشْيِ والطُّرْزِ","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"فلم أر ديباجاً ولم أَرَ سُنْدُساً ... بأحسنَ في بيتِ الكريم من الخبزِ\rوقال آخر:\rفكم من أكْلةٍ مَنَعَتْ أَخَاهَا ... بلَّذةِ ساعةٍ أَكَلاَتِ دَهْرِ\rوكم من طالبٍ يَسْعَى لشيءٍ ... وفيه هلاكُهُ لو كان يدرِي\rقال المأمون: سبعة أشياءٍ لا تمل، أكل خبز البر، وشرب ماء العنب، وأكل لحم الضان، والثوب اللين، والرائحة الطيبة، والفراش الوطئ، والنظر إلى كل شيء حسن. فقال له الحسن ابن سهل: أين محادثة الإخوان يا أمير المؤمنين؟ قال: هن ثمانٍ وهي أولهن.\rوروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يرويه عن علي، أنه قال: لا يقام عن الطعام حتى يرفع.\rقال ابن عباس: من السنة إذا دعوت أحداً إلى منزلك أن تخرج معه حتى يخرج.\rروى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، أنه قال: رب البيت آخر من يغسل يديه.\rوقال أبو الزناد: من إكرام الضيف وحسن الأدب في مؤاكلته، أن تغسل يديك قبله أولا، وبعده آخراً.\rلعبد الله بن المبارك، وتمثل بها المأمون:\rاحضر طعامَك وابْذُلْه لمن أكلا ... واحَلِفْ على من أبى، واشكرْ لمن فَعَلاَ\rولا تكن سَابريَّ العَرْضِ مُحْتَشِماُ ... مِنَ القليلِ، فلستَ الدَّهْرَ مُحْتَفِلاَ\rوقال آخر في ذم الشراب:\rلا تفتكنّ على الكؤوس بِشُرْبها ... فهيَ التي بكَ عن قليلٍ تَفْتِكُ\rيكفيك منْها أنَّ عقَلكَ تَارةً ... يبكي عَلَيْك، وَأنَّ جَهْلك يضحكُ\rوقال آخر:\rوإني لأستحيي أكيلِيَ أن يَرَى ... مكانَ يدي من جانبِ الزَّاد أقْرَعَا\rأبيتُ هضم الكَشْح مضطمر الحشا ... من الجُوع أحْشى الذَّمَ أن أتضَلَّعَا\rوإنَّك إنْ أَعطيتَ بطنك سُؤْلَهُ ... وَفَرْجَكَ نالا مُنْتَهَى الذِّم أَجْمَعَا\rوقال كعب بن سعد الغنوي:\rوزادٍ رفعتُ الكفَّ عنه تَجَمُّلاً ... لأوثَر في زادِي علىَّ أكيِلي\rوما أنا للقول الذَّي لَيْس نَافِعِي ... ويغضبُ منه صاحبي بَقؤُولِ\rباب النوم وتصرف المعاني فيه\rروى أن المسيح عليه السلام قال: خلقان أكرههما، النوم من غير سهر، والضحك من غير عجب، والثالثة وهي العظمى: إعجاب الرجل بعلمه.\rقال داود لابنه سليمان عليهما السلام: إياك وكثرة النوم، فإنه يفقرك إذا احتاج الناس إلى أعمالهم.\rقال لقمان لابنه: يا بني! إياك وكثرة النوم والكسل والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤد حقا، وإذا ضجرت لم تصبر على حق.\rكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله: بلغني أنك لا تقيل، وإن الشياطين لا تقيل.\rقال علي: من الجهل النوم في أول النهار من غير سهر، والضحك من غير عجب، والقائلة تزيد في العقل.\rقال عبد الله بن مسعود: النوم - عند الموعظة من الشيطان - .\rقال عبد الله بن عمرو بن العاص: النوم على ثلاثة أوجه، نوم خرق، ونوم خلق، ونوم حمق. فأما النوم الخرق، فنومة الضحى، يقضى الناس حوائجهم وهو نائم، وأما نوم الخلق، فنوم القائلة نصف النهار، وأما نوم الحمق، فالنوم حين تحضر الصلوات.\rقال غيره: نوم أول النهار خرق، ونوم القائلة خلق، ونوم العشى حمق، والنوم بين العشاءين يحرم الرزق.\rقيل لأعرابي: ما يدعوك إلى نومه الضحى؟ قال: مبردة في الصيف، مسخنة في الشتاء.\rقال بعض العلماء: النعاس يذهب العقل، والنوم يزيد فيه.\rقال عبد الله بن شبرمة: نوم نصف النهار يعدل شربة دواء، يعني في الصيف.\rقال عباس بن الأحنف:\rقالوا: تنامُ، فقلت: الشّوْق يمنعُني ... من أن أنامَ وعيني حشَوها السُّهُدُ\rأبكي الذَّين أذاقُوني مَوَدّتَهُمْ ... حتّى إذا أيقظوني للهوى رَقَدُوا\rهم قد دَعَوْني فلما قمتُ مقتضيا ... للجبِّ نحوَهُمُ من قُرْبهم، بَعُدُوا\rلأخرجنّ من الدنيا وحُبُّهُمُ ... بين الجوانِحِ لم يَشْعرْ به أحدُ\rكان يقال: لإبليس لعوق وكحل وسعوط، فلعوقه الكذب، وكحله النعاس عند سماع الخير، وسعوطه الكبر.\rقال علي بن الجهم، يهجو قوما:\rأكثرُ ما يعرفُه القّوْمُ ... الأكْلُ والراحةُ والنّومُ","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"نوكي مياسيرٌ إذا عدت الْ ... أيّام لم يُعْرَف لهم يومُ\rوقال آخر:\rعجبتُ لطّرْفي والكَرَى إذ تنافَرَا ... وقد كانَ قبلَ اليومِ بينهُمَا وَصْلُ\rكأنّ البكا أغراهُما بتفرُّقِ ... فلم يجتمعْ من بعدهِ لهما شملُ\rأنشد ابن دريد:\rولذِّ كطَعْمِ الصَّرْخَدِيّ تركُتُه ... بأرض العِدَا من خَشْيةِ الْحَدَثَانِ\rومُبْدٍ لي الشَحْناءَ بيني وبينّهُ ... دعوتُ وقد طال السُّري فَدَعَانيِ\rوفسر اللذَّ فقال: اللذُّ: اللذيذ، وأراد به هنا النوم. والصرخدي: الخمر، وقيل العسل.\rوللفرزدق، أو غيره:\rيقولُون طالَ الليلُ والليلُ لم يَطُلِ ... ولكنّ من يَبْكِ من الشّوّقِ يَسْهرِ\rوقال بشار:\rلم يطل ليلى ولكن لم أنَمْ ... ونَفَى عنّي الكَرَى طيفٌ أَلَمّ\rقال أبو ملجم الأعرابي:\rأبيتُ أُرَاعِي النَّجْمَ حتّى كأنّنِي ... بناصيتي حَبْلٌ إلى النَّجْم مُوثَقُ\rوما طال ليلى غير أنّي أَحبُّها ... أُعَلّلُ نفسي بالأماني فتَعْلَقُ\rوقال علي بن بسام:\rلا أظلمُ الليلَ ولا أدّعي ... أنّ نجومَ السّماءِ ليستْ تَغُورْ\rلَيْلِى كما شَاءَتْ فإن لم تَزُرْ ... طَالَ، وإنْ زارت فليِلى قصيرْ\rقال عدي بن الرقاع:\rوكأنّ ليِلى حينَ تَغْرُبُ شمسُهُ ... بسَوادِ آخرَ مثّلهُ مَوصُولُ\rلأبي جندب الهذلي، فيما ذكر المدائني:\rتعَالَوْا أعينوني على اللّيل إنَّهُ ... على كلِّ عينٍ لا تَنَامُ طويلُ\rقال المدائني، وهو القائل أيضاً:\rألاّ أَيُّها النُّوامُ ويحكُمُ هُبُّوا ... أسَائلكم هَلْ يقتلُ الرَّجُلَ الحبُّ\rقال: وهو القائل:\rقل للمليحِة في الخمارِ الأسْوَدِ\rوذكر الأبيات، وليس هذا موضعها، وغير المدائني ينشد قوله: ألا أيها النوام... لجميل بن معمر، وينشد: قل للمليحة في الخمار الأسود...للدارمي.\rقال صالح بن حسان يوماً لجلسائه: أيكم ينشد بيتاً نصفه لمخنث يتفكك بالعقيق، ونصفه لأعرابي في شملة بالبادية؟ قالوا: ما نعرفه. قال: هو قول ابن معمر:\rألا أيُّها الركب النِّيامُ ألا هبّوا ... أسَائِلكُم هل يقتلُ الرجلَ الحبُّ؟\rولعباس بن الأحنف:\rأيّها النَّائِمون حَوْلِي أَعيِنُو ... نِي عَلَى اللَّيلِ حِسْبَةً وائْتِجَارَا\rحَدِّثُونِي عن النّهارِ حديثاً ... أوصفُوهُ فقد نسيتُ النّهَارَا\rوقال خالد الكاتب:\rرَقَدْتَ ولم تَرْثِ للسَّاهِرِ ... ولَيْل الْمُحِبْ بلا آخِرٍ\rولم تَدْرِ بعدَ ذهابِ الرُّقَادِ ... ما فعلَ الدَّمع بالنّاظِر\rوقال سعيد بن حميد:\rيا ليلُ بل يا أَبَد ... أنائمٌ عَنْك غَدُ\rيا ليلُ لو تَلْقَى الذي ... أَلْقَى بها أو تجدُ\rقُصِّر من طُولِك أَوْ ... ضُعِّفَ منك الجَلَدُ\rولبعض أهل عصرنا:\rإلْفِي قريبٌ وأُنْسِي ما يتمُّ بِهِ ... واللَّيْلُ يَقطَعُ صَبْرِي كلَّه طُولاَ\rإذا كواكبُهُ الأخْرَى أردتُ بها ... مِنْ غُمَّتِي فَرَجاً عَادَتْ لِيَ الأولَى\rوللمنتصر بالله:\rرأيتُك في المَنَامِ أَقلَّ بخْلاً ... وأطوعَ منك في غَيْر المَنَامِ\rفليتَ الصُّبْح زَالَ فلا تراه ... وليت الليل أُخِّرَ ألفَ عامِ\rفلو أنّ النُّعاسَ يُبَاع بيعاً ... لأغليتُ النُّعَاس على النيامِ\rباب الحمام\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إنَّكم سَتَفْتَحُون الشَّامَ، فَتجدون فيها بيوتاً تُدعى الَحمامات، فلا يَدخلها من النساء إلا مريضةٌ أو نُفَسَاء، ولا يحلّ دخولها لرجل إلاّ بمئزَر \" .\rقال أبو هريرة: بئس البيت الحمام، يكشف العورة، ويذهب الحياء.\rقال أبو الدرداء: نعم البيت الحمام، يذهب الدرن، ويذكر النار.","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"قال ابن القاسم: سئل مالك عن القراءة في الحمام. فقال: القراءة بكل مكان حسنة، وليس الحمام بموضع قراءة، فمن قرأ الآية والآيتين فليس بذلك بأس، وليس الحمام من بيوت الناس الأول.\rكان الحسن إذا دخل الحمام أغمض مخافة أن تقع عينه على عورة أحد، وربما قادة غلامه.\rودخل أبو حنيفة الحمام فرأى فيه قوماً لا مآزر لهم ، فأغلق عينيه، وجعل يتهدي بيديه. فقال له أحدهم: متى ذهب بصرك يا أبا حنيفة؟ قال: منذ انكشفت عورتكم.\rكان يقال: إذا جمع الحمام خمس خصال فقد كمل: أن يكون قديم البناء، عذب الماء، كثير الضياء، مرتفع الهواء، وأفضل ذلك كله: أن يكون الحوض نقياً معتدل الحر.\rقال أصبغ: سألت ابن القاسم عن دخول الحمام، فقال: ما أن وجدته خالياً، أو كنت تدخل مع قوم يستترون ويتحفظون فلا أرى بذلك بأسا، وإن كان يدخله من لا يبالي ولا يتحفظ لم أر أن تدخله، وإن كنت متحفظاً.\rقال أصبغ: وأدركت ابن وهب يدخله مع العامة متحفظاً، ثم ترك ذلك، وكان لا يدخله إلا مختليا.\rقال شمس المعالي:\rأَنتَ في الحمّام موقو ... فٌ على قَلْبِي وَسَمْعي\rفتأَمّلها تجدْهَا ... كُوِّنَتْ من بعضِ طَبْعِي\rحَرّهَا من حَرّ أَنْفَا ... سِي وفيضُ الماءِ دَمْعي\rودخل أعرابي البصرة، قدمها من البادية فنزل على قريب له، فلما رآه أشعث الرأس عزم عليه في دخول الحمام، وقال له: إنه يوم جمعة تطهر في الحمام وتنظف، فلما دخل الأعرابي الحمام، زلقت رجله وسقط، فأصابته شجة فوق حاجبه، فخرج وهو يقول:\rوقالوا: تَطَهّرْ إنه يوم جُمْعَةٍ ... فأُبْتُ من الحَّمامِ غيرَ مطهّرِ\rتزوَّدْتُ منه شَجّةً فوق حاجِبِي ... بغيِر جهادٍ بئسَ ما كان متجرِي\rتقول لَي الأعرابُ لما رأونني ... بِهِ لا تَلَبَّثْ، بالصَّرِيَمةِ أَعْقِرِ\rفما تَعْرِفُ الأعرابُ في السُّوقِ مِشْيَةً ... فكيفَ ببيتٍ ذيِ رخام وَمَرْمَرِ\rباب في البراغيث والبق والبعوض\rفي الحديث المرفوع: لا تلعنوا البرغوث فإنه نبه نبياً من الأنبياء لصلاة الصبح، حديث ليس بقوي الإسناد.انفرد به سويد أبو حاتم، يباع الطعام عن قتادة، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم.\rقال أعرابي بالبصرة:\rظللتُ بالبَصْرَة في مِرَاشِ\rوفي براغيثَ أَذَاهَا فَاشِي\rمن نافرٍِ منها وذِي خِرَاشِ\rيَرْفَعُ جنبيّ عن الفِرَاشِ\rفأنا في حرب وفي تَخْرَاشِ\rيَترك في جَنْبَّي كالحَوَاشِي\rوزوجةٍ دائمة الهرَاشِ\rتَغْلِي كغَليِ المِرْجَل النَشْنَاشِ\rوقال رجلٌ من بني حمان، وقع في جند الشام، مندوباً في بعض حصون الساحل:\rأَأَنْصُرُ أهلَ الشَّام ممن يكيدُهُمْ ... وأَهْلِي بنجدٍ ذات حرص على النصرِ\rبراغيثُ تُؤذْيني إذَا النَّاسُ نَوَّمْوا ... وبقٌّ أقاسيِهِ على سَاحِلِ البَحْرِ\rتضيف عمرو بن سعيد بن العاص الأموي، رجلا من الأعراب كان يأتيه يتصيد عنده، ففرش له في بيت خال من ناحية داره، فبات فيه، ثم غدا عليه فقال: يا أبا عثمان! ماذا رأيت هذه الليلة! قال: وما ذاك؟ قال: سود حدب زرق آذينني، وقد قلت فيهن شعراً، قال: وما هو؟ قال: قلت:\rالليل نصفان نصف للهموم فما ... أقضى رقاداً ونصف للبراغيث\rأبيت حيث تساميني أوائلها ... أنزو وأخلط تسبيحاً بتغويث\rسود مداليج في الظلماء مؤذية ... وليس ملتمس منها بمشبوث\rكأنهن وجلدي إذ خلون به ... أيتام سوءٍ أغاروا في مواريث\rليل البراغيث أنكاني وأرقني ... لا بارك الله في ليل البراغيث\rقال أعرابي:\rإن البراغيث لهن عض ... وحكة وألم ممض\rكأنما تنبتهن الأرض\rوذكرت البراغيث عند أعرابي من قيس، فقال: ليلها ناصب ومددها دائب.\rوذكرت البراغيث عند رجل من كلب، فقال: أخزاها الله، ما أدنأ صغارها، وما أشر كبارها، وأخفى أنظارها، وأقبح آثارها.\rقال أحمد بن إسحاق:\rما للبراغيث أفنى الله جملتها ... حتى يقوم برغوث بدينار","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"لروضة من رياض الحزن معشبة ... بها الظباء تراعي غب أمطار\rأشهى لقلبي من درب به نبط ... ومنزل بين حجامٍ وجزار\rوقال آ خر:\rما للبراغيث أخزى الله ليلتها ... من يلق منهن ما لاقيت لم ينم\rكأنهن وجلدي إذ ظفرن به ... وضمني مضجعي، يطلبنني بدم\rقال أعرابي:\rلم أر كاليوم ولا مذ قط ... أطول من ليلي بنهر بط\rكأنما نجومه في ربط ... أبيت بين خطتي مشتط\rمن البعوض، ومن التغطي ... إذا تغنين غناء الزط\rوكن مني بمكان القرط ... وخزنني وخزاً كوخز الشرط\rوقال آخر، يصف بعوضة وخرطومها:\rمثل السفاة دائم طنينها ... ركب في خرطومها سكينها\rولأبي إسحق الصابي، وهو إبراهيم بن هلال الكاتب في البعوض قال:\rألحت صروف الدهر من كل جانب ... على بأصناف الأذى والجوائح\rوأخرجنني من مواطن كان جنتي ... لحسن مرابعه وحسن الروائح\rوعوضنني من ذلك الظل والجني ... على الرغم من أنفي بسكني البطائح\rمحل خسيس لا يطيب مساؤه ... لثاويه والإصباح ليس بصابح\rبليت ببقً ذي مناسر طعمه ... لحوم صناديد الرجال الجحاجح\rوقد كنت في بغداد أشكو بغاثه ... فكيف اصطباري للبزاة الجوارح\rأجاور في جنح الدجى كل جحفلٍ ... يجالدني أبطاله بالصفائح\rإذا سفكت كفى دماً من بغوضةٍ ... فذلك جزء من دمٍ لي طائح\rله وخزة في السمع قبل وقوعه ... على الجسم من تغريد نشوان صابح\rفكم مستغيث ساهر العين صائح ... إلى مثله من شاهر العين صائح\rوكم غائص في النوم يصفح نفسه ... لنبلة رامٍ أو لطعنة رامح\rلسويد بن منجوف العبدي، وكان قديماً جاهلياً:\rأبي القلب أن يأتي السدير وأهله ... وإن قيل عيش بالسدير غرير\rبه البق والحمى وأسد خفية ... وعمرو بن هند يعتدي ويجور\rولأعرابي من بني جفنة مازحاً:\rمر الجراد على زرعي فقلت له: ... الزم طريقك لا تولع بإفساد\rفقال منهم خطيب فوق سنبلةٍ ... أنا على سفرٍ لابد من زاد\rولابن المعتز في البعوض أيضاً:\rبت ليلى كله لم أطرف ... لجرجس كالزئبر المنتف\rيلسعننا بالسعر المخوف ... يعذب المهجة إن لم تتلف\rويثقب الجلد وراء المطرف ... حتى يرى فيه كشكل المصحف\rولي أصف ما لاقيت من البغوض بإشبيلية في الشرف، وفي مدينة قبتور ومدينة قبطيل، وذلك حين مبيتي بها، وما منه تلقي المدينة أيضاً:\rبعوض قبتور والقبطيل والشرف ... قد آذنت بذهاب النفس والتلف\rفمن مثير دخانٍ يستجير به ... وآخرٍ مختفٍ في الثوب ملتحف\rقد غيب الرأس والرجلين مستتراً ... بالبيت من طرفٍ فيه إلى طرف\rويلي من الجرجس المثنى عقربه ... ينصب مثل عقابٍ جاع مختطف\rيؤم أذني هجماً كالمهدد لي ... وكالمنادي بأخذ الهارب النطف\rخرطومه كسنان لا يقوم له ... ثوب مثنى ولو قد كان من خزف\rيا ويله من عدو لست تدفعه ... إلا بلطم على الأعضاء منصرف\rنفي البعوض أناساً من مساكنهم ... على البحيرة في غربٍ من الشرف\rوساحل البحر طولا أصل منبته ... يغشى المدينة في الأبيات والغرف\rوليس عنهم بستر أو مدافعةٍ ... أو حيلةٍ قد أعدوها بمنحرف\rولغيري في البعوض ببلنسية:\rضاقت بلنسية بي ... وذاد عنها غموضي\rرقص البراغيث حولي ... على غناء البعوض\rباب في السجن\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر \" .\rروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه حبس رجلا في تهمة.","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"سجن عمر بن الخطاب الحطيئة في قوله في الزبرقان بن بدر:\rدع المكارم لا ترحل لبغيها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي\rبعد أن سأل حساناً ولبيداً فقالا: إنه هجاء له وضعة منه، فأمر به فحبس، وقيل إنه رماه في بئر لا ماء فيها، فقال الحطيئة:\rماذا تقول لأفراخ بذي مرخٍ ... زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجر\rألقيت كاسبهم في قعر مظلمةٍ ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر\rأنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقت إليك مقاليد النهى البشر\rلم يؤثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الإثر\rفامنن على صبيةٍ في الرمل مسكنهم ... بين الأباطح يغشاهم بها القدر\rأهلي فداؤك كم بيني وبينهم ... من عرض داويةٍ يعمى بها الخبر\rفكلمه فيه عبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن العاص، واسترضياه حتى أخرجه من السجن، ثم دعاه فهدده بقطع لسانه إن عاد يهجو أحداً.\rكتب على باب سجن بالعراق: هاهناتلين الصعاب، وتختبر الأحباب.\rمكتوب على باب سجن كبير من سجون الملوك: هذه منازل البلوي، وقبور الأحياء، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء.\rولأعرابي مسجون:\rولما دخلت السجن كبر أهله ... وقالوا: أبو ليلى الغداة حزين\rوفي الباب مكتوب على صفحاته ... بأنك تنزو ثم سوف تلين\rوقال علي بن الجهم في السجن في شعر له:\rخرجنا من الدنيا من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى\rإذا جاءنا السجان يوماً لحاجةٍ ... فرحنا وقلنا جاء هذا من الدنيا\rونفرح بالرؤيا فجل حديثنا ... إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا\rفإن حسنت لم تأت عجلي وأبطأت ... وإن هي ساءت بكرت وأتت عجلي\rولبعض السجان:\rما يدخل السجن إنسان فتسأله ... ما بال سجنك إلا قال مظلوم\rوقال آخر:\rأسجن وقيد واغتراب وعبرة ... وفقد حبيب إن ذاك عظيم\rوإن امرءًا تبقى مواثيق عهده ... على كل هذا إنه لكريم\rكتب أبو العتاهية من السجن إلى الرشيد يستعطفه ويسترحمه، فوقع له في رقعته: لا بأس عليك. فأعاد عليه أبو العتاهية رقعةً أخرى فيها:\rأرقت وطار عن عيني النعاس ... ونام السامرون ولم يواسوا\rأمين الله أمنك خير أمنٍ ... عليك من التقى فيه لباس\rتساس من السماء بكلب بر ... وأنت به تسوس كما تساس\rكأن الخلق ركب فيه روح ... له جسد وأنت عليه راس\rأمين الله إن الحبس باس ... وقد وقعت ليس عليك باس\rلما سجن عضد الدولة فناخسرو أبا إسحق الصابي وقبض عليه، واستصفى أمواله، وذلك في حين قتله عز الدولة بختيار بن أحمد بن بويه الديلمي، وكان الصابي كاتب بختيار على ديوان الإنشاء، فزار أبو الفرج الببغاء الشاعر أبا إسحق الصابي في السجن ثم قطعه، فكتب إليه الصابي:\rأبا الفرج اسلم وابق وانعم ولا تزل ... يزيدك صرف الدهر حظاً إذا نقص\rمضت مدة تستام ودي غالياً ... فأرخصته والبيع غالٍ ومرتخص\rوآنستني في محبسي بزيارةٍ ... شفت كمداً من صاحبٍ لك قد خلص\rولكنها كانت كحسوة طائرٍ ... فواقاً كما يستفرص السارق الفرص\rوأحسبك استوحشت من ضيق محبسٍ ... وأوجست خوفاً من تذكرك القفص\rتحوشيت يا قس الطيور فصاحةً ... إذا نثر المنظوم أو درس القصص\rمن المنسر الأشغى ومن حزة المدى ... ومن بندق الرامي ومن قصة المقص\rومن صعدة فيها من الدبق لهذم ... لفرسانكم عند الطعان بها قعص\rفهذي دواهي الطير وقيت شرها ... إذا الدهر من أحدائه جرع الغصص\rفأجابه أبو الفرج الببغاء:\rأيا ماجداً في حلبة المجد ما نكص ... ويا كاملاً في رتبة الفضل ما نقص","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"ستخلص من هذا السرار وأيما ... هلالٍ تواري في السرار وما خلص\rبدولة تاج الملة الملك الذي ... له في أعالي قبة المشتري حصص\rتقنصت إلطافي وما كنت قبل ذا ... أظن بأن المرء بالبر يقتنص\rفأصبحت لا أخشى أذية جارحٍ ... ورأيك لي وكر وقلبك لي قفص\rباب الوكلاء\rقال بعض الحكماء: لا مال لمن لا صبر له على خيانة الوكلاء وإضاعة الكفاة.\rقال نصر بن سيار: لا تتخذ الوكيل داهيةً أريباً، ولا ذا عشيرة منيعة، فإنك إن قاومته أيام حياتك، عجز عنه ولدك بعد وفاتك.\rكان عمر بن مهران يكتب في نهاية اسمه: اللهم احفظه ممن يحفظه.\rلما مرض يعقوب بن حميد التاجر، قال له بعض ولده: أي شيءٍ تشتهي؟ قال: كبد وكيل.\rقال نصر بن سيار: لعن الله وكيل الضيعة، إن عشت أكلها دونك، وإن مت ادعاها بعدك، وإن كان عاجزاً جاهلا استهلكها، وإن كان قوياً ذا عارض أعملها فيك ولم يعملها لك.\rذكر أن القحذمي مات وله ضيعة في يد وكيل، فكابر عليها.\rقال شقران العلامي:\rذكرت أبا أروى فبت كأنني ... برد الأمور الماضيات وكيل\rباب العادة ومالا ينسى\rقال أكثم بن صيفي: ما يسرني أني مكفي أمر الدنيا. قيل: ولم؟ قال: أخاف عادة العجز.\rقال العرب: العادة أملك بالإنسان من الأدب.\rوقالوا: العادة طبيعة ثانية.\rكان يقال: ما دخل باللبن لم يخرج إلا مع الروح.\rقالوا: الخير عادة، والشر لجاجة.\rقال الراجز:\rتعود الخير فالخير عادة ... تدعو إلى الغبطة والسعادة\rقال الشاعر:\rما إن تخلقت إلا شيمتي خلقاً ... إن الخلائق تأبى دونها الخلق\rقال الشاعر:\rكل امرئٍ صائرٌ يوماً لشيمته ... وإن تخلق أخلاقاً إلى حين\rوقال آخر:\rفإن يشرب أبو عثمان أشرب ... وإن كانت معتقةً عقارا\rوإن يأكل أبو عثمان آكل ... وإن كانت خنانيصاً صغارا\rوقال آخر:\rوإذا صاحبت فاصحب ماجداً ... ذا عفافٍ وحياءٍ وكرم\rقوله للشيء لا إن قلت لا ... وإذا قلت نعم قال نعم\rوقال آخر:\rوكنت إذا علقت حبال قومٍ ... صحبتهم وشيمتي الوفاء\rفأحسن حين يحسن محسنوهم ... وأجتنب الإساءة إن أساءوا\rأشاء سوى مشيئتهم فآتى ... مشيئتهم وأترك ما أشاء\rباب في المنجمين\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من تعلم باباً من النجوم، فقد تعلم باباً من السحر، ما زاد زاد \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا \" .\rقال عمر بن الخطاب: تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم أمسكوا.\rقال الخليل بن أحمد:\rأبلغا عني المنجم أني ... كافر بالذي قضته الكواكب\rشاهد أن من تكهن أو نجم ... زار على المقادير كاذب\rعالم أن ما يكون وما كان ... قضاء من المهيمن واجب\rوقال آخر:\rعلم النجوم على العقول وبال ... وطلاب شيءٍ لا ينال وبال\rهيهات ما أحد مضى ذو فطنةٍ ... يدري متى الأرزاق والآجال\rإلا الذي هو فوق سبع سمائه ... ولوجهه الإعظام والإجلال\rوقال أبو العباس الناشئ:\rسألت المنجم عن رحلةٍ ... أؤمل براً عليها وبحرا\rفقال المنجم لي: لا تسر ... فإنك إن سرت لاقيت شرا\rفإن كان يعلم أني أسير ... فقد جاء بالنهي لغواً وهجرا\rوإن كان يجهل سيري فكيف ... تراني إذا سرت لاقيت ضرا\rوقال أبو تمام الطائي:\rوالعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لاقى السبعة الشهب\rيقضون بالأمر عنها وهي غافلة ... ما كان في فلك منها وفي قطب\rوفيها يقول أبو الطيب المتنبي:\rفتبا لدين عبيد النجوم ... ومن يدعى أنها تعقل\rوقال منصور الفقيه:\rقول المنجم شيء ... دعا إليه التوهم","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"فلا تصدق بشيءٍ ... مما يقول المنجم\rوله أيضاً:\rإذا كنت تزعم أن النجوم ... تضر وتنفع من تحتها\rفلا تنكرن على من يقول ... بأنك بالله أشركتها\rوله أيضاً:\rلو أن نجماً تكلم ... لقال: صكوا المنجم\rلأنه قال جهلاً ... بالغيب ما ليس يعلم\rوقال أيضاً:\rقالوا أعد فلان ... لخوف هذا القران\rزادا كثيراً وداراً ... وثيقة البنيان\rفقلت بات فلان ... يرجو النجاة بذان\rهلا استعان على ما ... يخشى من الحدثان\rبمن وقاه وليداً ... مكروه كل زمان\rومن غذاه جنيناً ... في ضيق ذاك المكان\rوقال أحمد بن محمد بن عبد ربه:\rفأين الزيج والقانو ... ن والأركند والكمه\rوأين السند هند البا ... طل الجدول هل ثمه\rسوى الإفك على الله ... تعالى منشر الرمه\rإذا كان أخو النجم ... يرى الغيب بما ضمه\rفلم ذا يطلب الرزق ... طلاب العاجز الهمه\rوهذي الأرض قد وارت ... كنوزاً عدةً جمه\rفلا والله ما لل ... ه وخلق يحتوي علمه\rأخبرني عبد الله بن محمد بن يوسف، قال أخبرنا أحمد بن مالك بن عابد، قال: أخبرني أحمد ابن محمد بن عبد ربه أبو عمر الشاعر، قال: دخلت على الوزير جهور بن الضيف، وكان القحط قد ألح، والغيث قد احتبس واغتم الناس لذلك، وتحدث المنجمون بتأخر الغيث مدة طويلة، فوجدت عنده ابن عزر المنجم وجماعةً من أصحابه، وقد أقاموا الطالع وعدلوا، وقضوا بتأخير الماء شهراً. فقلت للوزير: إن هذا من أمور الله المغيبة، وأرجو أن يكذبهم الله بفضله، ثم خرجت عنه وأتيت داري، فجاء أول الليل والسماء قد تغيمت، ونمت ساعة، فما أيقظني إلا نزول الماء، فقمت وقربت مني المصباح، ودعوت بالدواة والقلم، فما رفعت يدي حتى نسخت هذه الأبيات، ثم صابحت بها الوزير، فسر بها واستحسنها. وهي:\rما قدر الله هو الغالب ... ليس الذي يحسبه الحاسب\rقد صدق الله رجاء الورى ... وما رجاء عنده خائب\rوأنزل الغيث على راغبٍ ... رحمته إذ فنط الراغب\rقل لابن عزرا السخيف الحجا ... زري عليك الكوكب الثاقب\rما يعلم الشاهد من حكمنا ... كيف بأمرٍ حكمه غائب\rوقل لعباس وأشياعه ... كيف ترى؟ قولكم الكاذب\rخانكم كيوان في قوسه ... وغركم في لونه الكائب\rفكلكم يكذب في علمه ... وعلمكم في أصله كاذب\rما أنتم شيءٌ ولا علمكم ... قد ضعف المطلوب والطالب\rتغالبون الله في حكمه ... والله لا يغلبه غالب\rمحبوب الحبر الذي ماله ... في فهمه ند ولا صاحب\rقد أشهد الله على نفسه ... بأنه من جهلكم تائب\rوأنشدني عباس بن يحيى بن قزمان لعمه عيسى بن قزمان:\rهذا بإذن الله ما شاء قدره ... وليس فيما قضى كيوان والقمر\rلو كان عند النجوم السابحات بما ... يجري على الخلق من أنبائهم خبر\rلم يحتلل بذراهم ريب حادثةٍ ... بل كان ينجيهم الإنذار والحذر\rما كان ينجل منهم عالم ولداً ... في ساعةٍ ما بها نحس ولا كدر\rتقيه أنجمه صرف الزمان فلا ... يأتي عليه ولا يفني له عمر\rهيهات ذلك أمر لا يطاق ول ... كن الفتى ينتهي حيث انتهى القدر\rوللقرشي سعيد بن العاص المرواني:\rمستحيل أن تدرك الأوهام ... علم غيب تغيب عنه الأنام\rكيف يحتاز علمه بشري ... وهو علم قد حازه العلام\rلست ممن يقول فيه يجهلٍ ... ما يقول الكندي والنظام\rكل من قال إن للنجم حكما ... لم يجز فاعلمن عليه السلام","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"سطر الأولون فيه أساطي ... ر ولم يلهموا الرشاد فهاموا\rإذا أرادوا بالسند هند وبالأركند والزيج روم مالا يرام\rخبطوا في أمورها خبط عشوا ... ء حين ضلت في كنهها الأوهام\rوالذي هينموا به من قريبٍ ... هذيان آثاره البرسام\rإنما السبعة الدراري أجرا ... م ولكن لا تعقل الأجرام\rوصفوها بالفهم وهي شخوص ... ما لديها فهم ولا إفهام\rوحكوا أنها تؤثر في العا ... لم والعالمون عن ذا نيام\rكذبوا ليس للكواكب نقض ... في جميع الورى ولا إبرام\rوالذي قاله الأوائل فيها ... فهو مالا يقوله الإسلام\rإنما سخرت بقدرة باري ... ها إلى أن يحين منه انصرام\rفهي تجري في رتبة ليس تعدو ... ها ولا يستحيل فيها النظام\rكل يومٍ تساق فيه إلى الغر ... ب سراعاً كما تساق السوام\rليس يقضي كيوان أمراً كما قا ... لوا، ولا المشتري ولا بهرام\rلا ولا الشمس في البروج ولا البد ... ر الذي ينجلي به الإظلام\rإنما الأمر الذي خلق الخل ... ق وتمضي بعزمه الأحكام\rباب ثلاثةٍ من الحكم\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: \" يا علي! ثلاثة لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤاً \" .\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ثلاثٌ منجيات، وثلاث مهلكات، فأما المنجيات: فالعدل في الرضى والغضب، وخشية الله في السر والعلانية، والقصد في الغني والفقر. وأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه \" .\rوروى عنه عليه السلام، أنه قال: \" ثلاثة من سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، وثلاث من شقوة ابن آدم: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء \" .\rوفي الخبر المأثور: \" الخير كله في ثلاث: السكوت والكلام والنظر، فطوبى لمن كان سكوته فكره، وكلامه حكمة، ونظره عبرة \" .\rكان الحسن يقول: أصول الشر ثلاثة: الحرص والحسد والكبر، فالكبر منع إبليس من السجود لآدم، والحرص أخرج آدم من الجنة، والحسد حمل ابن آ دم على قتل أخيه.\rقال ابن عجلان: ثلاثة لا يصلح العمل إلا بهن: التقوى، والنية الحسنة، والإصابة.\rروى سفيان، عن جامع بن أبي راشد، عن ميمون بن مهران، قال: ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر، الأمانة تؤدي الى البر والفاجر والعهد يوفي به للبر والفاجر، والرحم توصل برةً كانت أو فاجرة.\rثلاثة لا شيء أقل منهن، ولا يزددن إلا قلة: درهم حلال تنفقه في حلال وأخ في الله تسكن إليه، وأمين تستريح إلى الثقة به.\rقال عمر بن الخطاب: الفواقر في ثلاث: جار سوء في دار مقام، إن رأى حسنةً سترها، وإن رأى سيئة أذاعها. وامرأة سوء إن دخلت لسنتك، وإن غبت عنها لم تأمنها. وسلطانٍ جائر إن أحسنت لم يحمدك، وإن أسأت قتلك.\rقال الحسن: لولا ثلاث ما وضع ابن آدم رأسه: المرض والفقر والموت.\rقال الضحاك أو غيره من الحكماء: إذا ظفر إبليس من ابن آدم بثلاث لم يطلبه بغيرهن: إذا أعجب بنفسه، واستكثر عمله، ونسى ذنوبه.\rقال مسلمة بن عبد الملك: العيش في ثلاث: سعة المنزل، وكثرة الخدم، وموافقة الأهل.\rقال الخليل بن أحمد: ثلاث ينسين المصائب: مر الليالي، والمرأة حسناء، ومحادثة الإخوان.\rوقال غيره: ليس لثلاثٍ حيلة: فقر يخالطه كسل، وخصومة يداخلها حسد، ومرض يداخله هرم.\rوقال غيره: ثلاثة تجب مداراتهم: الملك السليط، والمرأة، والمريض.\rثلاثة يعذرون في سوء الخلق: المريض، والمسافر، والصائم.\rثلاثة لا يستخف بهم: عامل السلطان، والعالم، والصديق: لأن من استخف بالسلطان أفسد ونياة ومن استخف بالعالم أفسد دينه ومن استخف بالصديق أفسد مروءته.\rثلاثة أشياء تخلق العقل، وتفسد الذهن: طول النظر في المرآة، والاستغراق في الضحك، ودوام النظر في البحر.\rومما يفسد الذهن ثلاثة: الهم والوحدة والفكر.\rثلاثة تهرم وربما قتلت صاحبها: الجماع على الامتلاء، ودخول الحمام على البطنة، وأكل القديد اليابس.","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"ثلاثة يفرح بهن الجسد ويربو: الطيب، والثوب اللين، وشرب العسل.\rثلاثة تورث الهزال: شرب الماء البارد على الريق، والنوم من غير وطاء، وكثرة الكلام برفع الصوت.\rفال سليمان بن موسى: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: حليمٌ من سفيه، وبر من فاجر، وشريف من دنئ.\rقال أبو الدرداء: ثلاث لا يحبهن غيري: أحب الموت اشتياقاً إلى ربي، وأحب المرض تكفيراً لخطيئتي، وأحب الفقر تواضعاً لربي، فذكر ذلك لابن شبرمة، فقال: ولكني لا أحب واحدة من الثلاث، أما الفقر فو الله للغني أحب إلى منه، لأن الغنى به توصل الرحم، ويحج البيت، وتعتق الرقاب، وتبسط اليد بالصدقة. وأما المرض فو الله لأن أعافي فأشكر أحب إلى من أن أبتلي فأصبر، وأما الموت فو الله ما يمنعنا من حبه إلا ما قدمناه وسلف من أعمالنا، فنستغفر الله.\rيقال: ثلاث موبقات: الحرص، وهو أخرج آدم من الجنة: والحسد دعا ابن آدم إلى قتل أخيه، والكبر حط إبليس عن مرتبته.\rقال سفيان الثوري: دخلت على جعفر بن محمد، فقال لي: يا سفيان! إذا أنعم الله عليك نعمةً فاحمد الله ، وإذا استبطأت رزقاً فاستغفر الله، وإذا حزبك أمر فقل: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال لي: يا سفيان! ثلاث وأي ثلاث.\rثلاث خصال من حقائق الإيمان: الاقتصاد في الإنفاق، والإنصاف من نفسك، والابتداء بالسلام.\rثلاث من لم تكن فيه لم يطعم الإيمان: حلم يرد به جهل الجاهل، وورع يحجزه عن المحارم، وخلق يداري به الناس.\rثلاث لا يعرفون إلا في ثلاثة: الحليم عند الغضب، والشجاع عند الحرب، والأخ عند الحاجة.\rقال ابن مسعود: ثلاث من كن فيه، ملأ الله قلبه إيماناً: صحبة الفقيه، وتلاوة القرآن، والصيام.\rقال عمر بن الخطاب: الرجال ثلاثة: رجل عاقل عفيف مسلم ينظر في الأمور فيوردها مواردها ويصدرها مصادرها إذا أشكلت على عجزة الرجال وضعفتهم، ورجل يلبس عليه رأيه، فيأتي ذوي الرأي والمقدرة فيستشيرهم، وينزل عند ما يأمرونه به، ورجل جاهل لا يهتدي لرشد، ولا يشاور مرشداً.\rقال: والنساء ثلاث. وقد ذكرتها في باب النساء.\rمن فقد ثلاثاً ساء عيشه: النساء، والمال، والإخوان.\rثلاث لا يأنف الكريم من القيام عليهن: أبوه، وضيفه، ودابته.\rثلاث يسهرون: قرض فأر، وأنين مريض، ووكف بيت.\rثلاثة لا راحة منها إلا بالمفارقة لها: السن المتآكلة والمتحركة، العبد الفاسد على مولاه، والمرأة الناشز عن زوجها.\rثلاث إذا كن في الرجل لم يشك في عقله وفضله: إذا حمده جاره، ورفيقه، وقرابته.\rكدر العيش في ثلاث: الجار السوء، والولد العاق، والمرأة السيئة الخلق.\rثلاث الإقدام عليهن غرر: شرب السم على التجربة، وركوب البحر للغناء، وإفشاء السر إلى النساء.\rقال الشاعر:\rولن يشرب السم الزعاف أخو الحجا ... مدلا بترياقٍ لديه مجرب\rثلاثة من عازهم عادت عزته ذلة: السلطان، والوالد، والعالم. وقد قيل: السلطان والوالد، والغريم.\rثلاثة تبنو الموعظة عن قلوبهم كنبو الماء عن الصفاة: امرأة مغرمة برجل، وشيخ مغرم بشرب الخمر، وملك فاجر.\rثلاث لا يستحيا منهن: طلب العلم، ومرض البدن، وذو القرابة الفقير.\rثلاث من أحسن شيءٍ فيمن كن فيه: جود لغير ثواب، ونصب لغير دنيا، وتواضع لغير ذل.\rقال سفيان الثوري: ما بقي لي من نعيم الدنيا إلا ثلاث: أخٌ ثقة في الله أكتسب في صحبته خيراً، إن رآني زائغاً قومني، أو مستقيماً رغبني، ورزق واسع حلال ليست لله على فيه تبعة، ولا لمخلوق على فيه منة، وصلاة في جماعة أكفى سهوها وأرزق أجرها.\rقال بزر جمهر: ثلاث نواطق وإن كن خرسا: كسوف البال دليل على رقة الحال، وحسن البشر دليل على سلامة الصدر، والهمة الدنية دليل على العزيزة الردية.\rقال الشاعر:\rوما ضربوا لك الأمثال إلا ... لتحذو إن حذوت على مثال\rباب أربعة\rأربع خصال من السعادة، وأربع من الشقاوة، فأما التي من السعادة: فالمركب الهني. أو قال: الوطي، والزوجة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح. وأما التي من الشقاوة: فالمركب الصعب، والزوجة السوء، والمسكن الضيق، والجار السوء.\rأربع تعرف بهن الأخوة: الصفح قبل الاستقالة، وتقدم حسن الظن قبل التهمة، ومخرج العذر قبل العتب، وبذل الود قبل المسألة.","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"وقال الحسن: أربع من كن فيه ألقى الله عليه محبته، ونشر عليه رحمته. من بر والديه، ورفق بمملوكه. وكفل اليتيم. وأغاث الضعيف.\rأربع من سنن المرسلين: التعطر، والنكاح، والسواك، والختان.\rأربع لا ينبغي للشريف أن يأنف منهن: قيامه عن مجلسه لأبيه، وحديثه ضيقه، وقيامه على فرسه - وإن كان له مائة عبد - ، وخدمته العالم ليأخذ من علمه.\rذكر بعض قريش عبد الملك بن مروان، فقال: كان آخذاً لأربع، تاركا لأربع: يأخذ بأحسن الحديث إذا حدث، وبأحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسر المئونة إذا خولف، وبأحسن البشر إذا لقى، وكان تاركاً لمحادثة اللئيم، ومنازعة اللجوج، ومماراة السفية، ومصاحبة المأفون.\rقال الحسن البصري: لما هبط آدم آوحى الله إليه: أربع فيهن جماع الأمر لك ولولدك من بعدك، أما واحدة فلى، والثانية فلك، وأما الثالثة فبيني وبينك، وأما الرابعة فبينك وبين الناس. أما التي لي: فتعبدني ولا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك فعملك أجزيكه أفقر ما تكون إليه، وأما الني بيني وبينك: فعليك الدعاء وعلى الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فتصاحبهم بما تحب أن يصاحبوك به.\rأربعة تحتاج إلى أربعة: الحسب إلى الأدب، والسرور إلى الأمن، والقرابة إلى المودة، والعقل إلى التجربة.\rأربعة لا بقاء لها: مودة الأشرار، والبيت الذي ليس فيه تقدير، والمال الحرام، والكسب الذي ليس معه تقدير.\rأربع من حصل عليها واجتمعت عنده، اجتمع له خير الدنيا والآخرة: امرأة عفيفة، وخدين موافق، ومال واسع، وعمل صالح، قال منصور الفقيه:\rأفضل ما نال الفتى ... بعد الهدى والعافية\rامرأة جميلة ... عفيفة مواتية\rقال عبد الله بن عمر: أربع من كن فيه بوئ بهن بيتاً في الجنة: شهادة ألا إله إلا الله، وإن أصاب ذنباً استغفر الله، وإن جرت عليه نعمة، قال: الحمد الله، وإن أصابته مصيبة استرجع فقال: إنا الله وإنا إليه راجعون.\rأربع تفسد العقل وتؤثر فيه: الإكثار من أكل البصل، ومن أكل الباقلاء، ومن الجماع، ومن السكر.\rأربع من كن فيه كان كاملا، ومن تعلق بواحدة منهن كان من صلحاء قومه: دين يرشده، وعقل يسدده، وحسب يصونه، وحياء يقوده.\rقال منصور الفقيه:\rفضل التقى افضل من ... فضل اليسار والحسب\rإذا هما لم يجمعا ... إلى العفاف والأدب\rأربع من سلم منهن سلم من مكاره الدنيا والآخرة في الأغلب: العجلة، والتواني، واللجاجة، والعجب.\rأربعة تقبح وهي في أربعة أقبح البخل في الأغنياء والفحش في النساء والكذب في القضاة والظلم في الحكام.\rأربعة قالها جعفر بن محمد، لا تستقل القليل منها: الدين، والنار، والعداوة، والمرض.\rقال الشاعر:\rأربعة يعجب منها النهي ... يجهلها ذو مرةٍ حاسره\rفواحد دنياه قدامه ... ليست له من خلفه آخره\rوآخر دنياه منقوصة ... من خلفه آخره وافره\rوثالث فاز بكلتيهما ... قد جمع الدنيا مع الآخره\rورابع مطرح بينهم ... ليست له دنيا ولا آخره\rالأذلاء أربعة: النمام، والكذاب، والمديان، والفقير.\rقالوا: أربعة تشتد معاشرتهم: الرجل المتواني، والرجل العالم، والفرس المرح، والملك الشديد المملكة.\rأربعة تشتد مؤونتهم، النديم المعربد، والجليس الأحمق، والمغني التائه، والسفلة إذا أثرى.\rأربعة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والذاكر حتى يفتر، والإمام العدل، ودعوة المظلوم.\rأربعة لا يقدرن على أن يشبعن: النار من الحطب، والبحر من الماء، والموت من الأرواح، والشره من المال.\rأربعة يهدمن الجسم وربما قتلن: دخول الحمام على البطنة، وأكل القديد الجاف، والغشيان على الامتلاء، ومجامعة العجوز.\rأربع لا يشبعن من أربع: عينٌ من نظر، وأذن من خبر، وأنثى من ذكر، وأرض من مطر.\rأربع إذا كن في الرجل أهلكنه: حب النساء، وحب الصيد، وحب الفخار، وحب الخمر.\rقال عمر بن عبد العزيز: أحب الأشياء إلى الله أربعة: القصد عند الجدة، والعفو عند المقدرة، والحلم عند الغضب، والرفق بعباد الله في كل حال.","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"قال المأمون: الناس في تصرفهم ومعايشهم بين أربعة أمور، من لم يكن منها كان عيالا عليها وكلاّ: الإمارة، والتجارة، والزراعة، والصناعة.\rأربعة لا يستحيا من الختم عليها: المال لنفي التهمة، والجوهر لأمن البدل، والدواء للاحتياط، والطبب للصيانة.\rقال العتبي: اجتمعت الحكماء على أربع كلمات، وهي: لا تحملن على قلبك مالا تطيق، ولا تعمل عملا ليس لك فيه منفعة، ولا تثقن بامرأة، ولا تغتر بالمال وإن كثر.\rباب خمسة\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" بُنى الإسلام على خمس... \" الحديث.\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر: \" يا عبد الله! اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك \" .\rقال بعض الحكماء: خمسة أشياء من أعطيها فقد كمل عيشه: صحة البدن، وهو الجزء الأكبر، والسعة في الرزق، وهو الثاني، والأمن وهو الثالث، والأنيس الموافق وهو الرابع، والدعة، فمن حرمها فقد حرم العيش.\rواجتمع الحكماء أنه لا ينبغي للمرء أن ينزل بلدةً ليس فيها خمسة أشياء: سلطان قاهر، وقاضٍ عادل، وسوق قائمة، وطبيب عالم، ونهر جارٍ.\rروى الأصمعي، قال: حدثنا الفضل بن عبد الملك بن أبي شهبة، قال: قال الأحنف: لا ينبغي أن تنزل بلداً حتى يكون فيه خمس خصال، فذكرها سواء.\rذكر الشافعي عن مالك، عن الزهري، قال: الذل في خمسة أشياء: حضور المجلس بلا نسخة، وعبور المعبر بلا قطعة، ودخول الحمام بلا خادم، وتذلل الشريف للدنئ لينال منه، والتذلل للمرأة لينال من مالها.\rخمسة لا يستحيا من خدمتهم: السلطان، والوالد، والعالم، والضيف، والدابة.\rخمسة أشياء تقبح في خمسة أصناف: الحدة في السلطان، وقلة الحياء في ذوي الأحساب، والبخل في ذوي الأموال، والفتوة في الشيوخ، والحرض في العلماء والقراء.\rقال وبرة بن خداش: أوصاني عبد الله بن عباس بخمس كلماتٍ هي أحب إلى من الدهم الموقوفة في السبيل، قال لي: إياك والكلام فيما لا يعنيك أو في غير موضعه، فرب متكلم فيما لا يعنيه أو في غير موضعه قد عنت، ولا تمار سفيهاً ولا فقيها، فإن الفقيه يغلبك والسفيه يؤذيك، واذكر أخاك إذا غاب عنك أن يذكرك به، ودع ما تحب أن يدعه منك، واعمل بما تحب عمل رجل يعلم أنه يجازي بالإحسان ويكافى بالإجرام.\rقال عمر بن الخطاب: من لم يكن فيه خمس فلا ترجوه لشيء من الدنيا والآخرة: من لم يعرف بالوثيقة في أرومته، والكرم في طبيعته، وبالدماثة في خلقه، وبالنبل في نفسه، وبالمخافة لربه.\rخمس من طبيعة الجهال: الغضب في غير شيء، والإعطاء في غير حق، وإتعاب البدن في الباطل، وقلة معرفة الرجل لصديقه من عدوه، وتضييعه لسره.\rخمسة أشياء أضيع شيءٍ في الدنيا: سراج يوقد في الشمس، ومطر وابل في أرض سبخة، وامرأة حسناء تزف إلى عنين، وطعام يستجاد ثم يقدم إلى سكران أو شبعان، ومعروف تصنعه عند من لا يشكرك.\rخمس لا يشبعن من خمس: أذن من خبر، وعين من نظر، وأنثى من ذكر، وأرض من مطر، وعالم من أثر.\rخمس يزدن في النسيان: إلقاء القملة، وأكل التفاح، والحجامة في النقرة، والبول في الماء الراكد، وأكل سؤر الفأرة.\rومما يدخل في هذا الباب قول الأحنف: لا راحة لحسود، ولا مروءة لبخيل، ولا إخاء لكذوب، ولا وفاء لملول، ولا سؤدد لسيء الخلق.\rقال الأوزاعي: خمسة كان عليها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المسجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله.\rباب نوادر من الرؤيا مختصرة\rقال رسول الله صلى الله وسلم: \" إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا، رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللبن فطرة، والقيد ثبات في الدين، والغرق نار؛ لقوله تعالى: \" أغرقُوا فأُدخلُوا ناراً \" ، ومن رآني فقد رآني، فإن الشيطان لا يتشبه بي.\rقال أبو بكر: يا رسول الله! ما أزال أرى كأني أطأ في عذرات الناس، قال: لتلين أمور الناس قال: ورأيت في صدري كالرقمتين. قال: سنتين. قال: ورأيت كأن على حلة حبرة، قال: ولد تحبر به، وفي رواية أخرى: قال له: يا رسول اللهّ! ورأيت كأن في صدري كبتين، قال النبي عليه السلام: \" على أمر الناس سنتين \" .","part":1,"page":201},{"id":202,"text":"رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه: أنه دخل الجنة، وأنه رأى فيها عذقاً مدلى فأعجبه وقال: \" لمن هذا! فقيل: لأبي جهل. فشق ذلك عليه صلى الله عليه وقال: ما لأبي جهل والجنة؟ والله لا يدخلها أبداً، فإنها لا يدخلها إلا نفس مؤمنة. فلما أتاه عكرمة بن أبي جهل مسلماً فرح به، وقام إليه، وتأول ذلك العذق عكرمة ابنه \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" رأيت أني دخلت الجنة فسقيت لبنا فشربت حتى رأيت الري - أو قال: اللبن - خرج من أظفاري، قالوا: فما تأولته يا رسول الله؟ قال: العلم \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" رأيت كأن يتبعني غنم سود يتبعها غنم عفر \" قال أبو بكر: يا رسول الله تلك العرب تتبعها العجم، قال: \" كذلك عبرها الملك \" .\rمر صهيب بأبي بكر الصديق، فأعرض عنه، فقال أبو بكر: مالك؟ أبلغك عني شيء؟ فقال: لا. إلا رؤيا رأيتها لك كرهتها. قال: وما هي؟ قال: رأيتك مجموع اليدين إلى عنقك على باب أبي الحشر الأنصاري. قال: نعم ما رأيت جمع لي ديني إلى الحشر.\rقالت عائشة لأبي بكر الصديق: رأيت كأن ثلاثة أقمار سقطن في حجري، فقال لها: إن صدقت رؤياك دفن في بيتك ثلاثة من خير أهل الأرض، فلما دفن النبي عليه السلام في بيتها، قال أبو بكر: هذا أحد أقمارك وهو خيرها.\rجاء رجل إلى أبي بكر فقال: رأيت كأني أبول دماً، قال: أنت رجل تأتي امرأتك وهي حائض، فاتق الله ولا تفعل.\rجاء رجل إلى أبو بكر الصديق رضى الله عنه، فقال: رأيت كأني أحدث ثعلباً، قال: أنت رجل كذاب، فاتق الله ولا تفعل.\rرأي النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا، فقصها على أبي بكر، فقال: \" يا أبا بكر! رأيت كأني أنا وأنت نرقي درجة فسبقتك بمرقاتين ونصف \" قال: يا رسول الله! يقبضك الله إلى مغفرته ورحمته فأعيش بعدك سنتين ونصفاً.\rقالت عائشة لأبي بكر: رأيت كأن بقراً نحرن حولي. قال: إن صدقت رؤياك قتل حولك فئة.\rقال رجل لأبي بكر الصديق: إني رأيت الليلة في المنام نوراً عظيماً يخرج من جحر صغير فجعلت أتعجب من صغر الجحر وعظم النور، ثم إن النور أراد أن يعود في الجحر فلم يقدر. فقال أبو بكر: هي الكلمة العظيمة تخرج من الرجل يريد أن يردها فلا يستطيع.\rرأى رجل في المنام كأنه يطلب بطة معها ثلاثة فراخ، فأدرك البطة وفاتته الفراخ فسئل فقيل: هذا رجل صلى العتمة، ونام عن الوتر حتى أصبح، فقال الرجل: ما تركت الوتر منذ ثلاثين سنة إلا البارحة.\rقام عمر بن الخطاب رضى الله عنه قبل أب يقتل بأيام، فقال: إني رأيت ديكاً نقرني نقرتين أو ثلاثا. فوجأه أبو لؤلؤه غلام المغيرة وجئتين أو ثلاثا فقتله.\rقال بعض أمراء الشام لعمر: يا أمير المؤمنين! رأيت كأن الشمس والقمر اقتتلا ومع كل واحد منهما فريق من النجوم. قال: مع أيهما كنت؟ قال مع القمر. قال: مع الآية الممحوة، لا عملت لي أبداً. فعزله وقتل مع معاوية بصفين.\rقال علي بن أبي طالب: لا رؤيا لخائف. إلا أن يرى ما يحب.\rرأى عامر بن عبد الله بن الزبير في النوم، امرأةً ثائرة الشعر بين الركن والمقام، وهي تقول:\rآذنت زينة الحياة ببينٍ ... وانقضاءٍ من أهلها وفناء\rفتأول الناس من رؤيا عامر الدنيا.\rقال رجل لابن سيرين: رأيت كأني آكل خبيصاً في الصلاة. قال: الخبيص حلال طيب، ولا يحل الأكل في الصلاة، أنت رجل تقبل امرأتك وأنت صائم. قال: نعم. قال: فلا تعد.\rكان ابن سيرين يعبر الأذان في النوم عملاً صالحا فيه شهرة.\rوقال ابن سيرين في جنازة يتبعها الناس: هذا قائد له أتباع.\rأتى رجل إلى ابن سيرين فقال: رأيت البارحة امرأة من جيراني كأنها ذبحت في بيتٍ من دارها. فقال: هذه المرأة نكحت الليلة في ذلك البيت. فعز على السائل ما ذكره؛ لأن زوج المرأة كان غائباً عنها، فلما انصرف قال له أهله: رأيت فلاناً؟ - يعنون الغائب جاره - فقال: وهل أتى؟ قالوا: نعم. وفي داره بات البارحة. فقصده وسأله، فكان كما قال ابن سيرين.\rقال رجل لابن سيرين: رأيت في المنام كأن قرداً يأكل معي على مائدة. فقال: هذا غلام أمرد اتخذه بعض نسائك.\rقال رجل لابن سيرين: رأيت في المنام كأن في حجري صبياً يصيح. فقال له ابن سيرين: اتق الله ولا تضرب العود.\rقال رجل لابن سيرين: رأيت في المنام كأني أطير بين السماء والأرض. فقال: أراك تكثر الأماني.","part":1,"page":202},{"id":203,"text":"قال رجل لابن سيرين: رأيت في المنام كأن لحيتي بلغت سرتي، وأنا أنظر إليها. فقال له: أنت رجل مؤذن تنظر في دور الجيران.\rكان ابن سيرين يستحب الطيب في النوم، يقول: هو ثناء حسن. وكان يعجبه الطيب الأسود كالمسك والغالية وشبه ذلك، ويقول: يتبعه عيش وثناء حسن.\rسئل ابن سيرين عن الفيل في النوم، فقال: أمر جسيم قليل المنفعة.\rقال رجل لابن سيرين: ما تقول يا أبا بكر في امرأة كانت ترى في المنام كأنها تأكل رأس جزور؟ فقال: تتقي الله ولا تبغض العرب.\rكان ابن سيرين يستحب الزيت في النوم، ويقول: هو بركة كله، إن أكلته أو أدخلته بيتك أو شربته أو ادّهنت به أو تلطخت، لأنه من شجرةٍ مباركة.\rكان ابن سيرين يقول: الماء في لا نوم فتنة، وبلاء في الدين، وأمر شديد؛ لأن الله تعالى يقول: \" إنَّ الله مُبتلِيكم بنهرٍ \" . وقال: \" ماءً غدقاً، لنفتنهم فيه \" .\rقال ابن سيرين: ومن عبر نهراً، قطع بلاءً وفتنة ومشقة، ونجا من ذلك.\rأتى رجل ابن سيرين، فقال له: خطبت امرأة فرأيتها في المنام. فقال له ابن سيرين: كيف رأيتها؟ قال: رأيتها سوداء قصيرة مكسورة الفم. فقال ابن سيرين: أما الذي رأيت من سوادها فإنها امرأة لها مال، وأما ما رأيت من كسر فمها فإنها امرأة فظيعة اللسان، وأما ما رأيت من قصرها، فإنها امرأة قصيرة العمر، وتوشك أن تموت عاجلاً، فذهب فتزوجها.\rكان ابن سيرين يعبر الرجل إذا رأى أنه حل إزاره أو انحل، قال: هذا رجل يرزق امرأة.\rوكان ابن سيرين لا يعبر الخاتم في المنام إلا امرأة يستفيدها. وكذلك كان هشام بن حسان: لا يعبر الفص في الخاتم: إلا أنه يقول: امرأة فيها قسوة.\rقال هشام بن حسان: كان ابن سيرين يسأل عن مائة رؤيا، فلا يجيب فيها بشيء إلا أنه يقول: اتق الله وأحسن في اليقظة، فإنه لا يضرك ما رأيت في النوم، وكان يجيب في خلال ذلك، ويقول: إنما أجيب بالظن، والظن يخطئ ويصيب.\rقيل لابن سيرين: إنك تستقبل الرجل بما يكره، قال: إنه علم أكره كتمانه.\rرأى الرشيد رؤيا فهمته، فوجه في الكرماني بريداً، فلما أتاه ومثل بين يديه خلا به وقال: بعثت فيك لرؤيا رأيتها. فقال: وما هي؟ قال: رأيت كلبين ينهشان قبل جارية من جواري. فقال له الكرماني: ما رأيت إلا خيراً يا أمير المؤمنين، فقال له الرشيد: قل ما تراه وهات ما عندك، فقال له: هذه جارية دعوتها لتجامعها، وكان لا عهد لك معها بذلك، وكانت ذات شعر، فكرهت أن تحلق فتجد أثر الموسي، وكرهت أن تبقى على هيئتها، فأخذت جلماً فحلقت بعض الشعر وتركت بعضه، فأشار الرشيد إليه بالقعود، وقام فدخل إلى نسائه، ودعا بتلك الجارية فسارها مستفهماً منها عن ذلك، فأقرت به وصدقت الكرماني، فخرج إليه الرشيد، فقال له: أصبت وسررتني، وأمر له بصلة سنية، ثم قال له: إياك أن تحدث بها ما كنت حياّ. قال: فو الله ما حدثت بها ما دام الرشيد حيا.\rقال الزبير: حدثني أبو ضمرة أنس بن عياض، قال: قيل لجعفر بن محمد: كم تتأخر الرؤيا؟ فقال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن كلباً أبقع يلغ في دمه، فكان شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين رضى الله عنه، وكان أبرص، فكان تأويل الرؤيا بعد خمسين سنة.\rذكر ابن المنتاب القاضي المالكي، قال: حدثنا بن أبي خيثمة، قال: حدثنا خالد بن خداش قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: وجه إلى جعفر بن سليمان ليلا، وهو أمير البصرة، فدخلت عليه، فقبلت يده فقبل يدي، وإذا هو مروع، فقال: رأيت البارحة مالك بن أنس في النوم وهو يقول: بيني وبينك الله. فقلت له: مالك بن أنس من العلم بمكان، وإنه لا يطالبك إلا بما بينك وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرابة والنسب. قال: فما ترى؟ قلت له: تعتق. فأعتق عن كل سوط رقبة. قال القاضي ابن المنتاب: وكان عدد الأسواط نيفاً وثلاثين سوطاً.\rباب من نوادر الأخبار","part":1,"page":203},{"id":204,"text":"أخبرنا أحمد بن عمر، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا علي بن عمرو، حدثنا أبو عبد الله محمد ابن أحمد بن إبراهيم الكاتب الحكمي، قال: حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح، قال: حدثنا محمد ابن يزيد بن سنان الزيادي، قال: حدثنا شرقي بن قطامي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: قدم وفد بكر بن وائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: فيكم أحد من إياد؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل لكم علم بقس بن ساعدة الإيادي؟ قالوا: هلك يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كأني أنظر إليه بسوق عكاظ يخطب الناس على جمل أحمر، يقول: أيها الناس! اجتمعوا واسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، أما بعد: فإن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، نجوم تغور وتمور، ونجوم تغور ولا تمور، وسقف ومرفوع، ومهاد موضوع، أقسم قس قسما، ما كذب ولا أثم، لئن كان في الأمر رضا، ليكونن بعده سخط، وما هذا بلعب، وإن من وراء هذا لعجبا، أقسم قس قسما، فما كذب ولا أثم، إن لله ديناً هو أرضى من دين نحن عليه، ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا. قال النبي عليه السلام: وسمعته ينشد شعراً فأيكم يحفظه؟ فقال بعضهم: أنا. فأنشده يا رسول الله؟ قال: نعم. فقال:\rفي الذاهبين الأولي ... ن من القرون لنا بصائر\rلما رأيت موارداً ... للموت ليس لها مصادر\rورأيت قومي نحوها ... يمضي الأكابر والأصاغر\rلا يرجع الماضي إلى ... ولا من الباقين غابر\rأيقنت أني لامحا ... له حيث صار القوم صائر\rبينما عمر بن الخطاب رضى الله عنه جالس مع أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم علي بن أبي طالب وجماعة من المهاجرين، فالتفت إليهم، فقال: إني سائلكم عن خصال فأخبروني بها، أخبروني عن الرجل بينما هو يذكر الشيء إذ نسيه، وعن الرجل يحب الرجل ولم يلقه، وعن الرؤيين إحداهما حق، والأخرى أضغاث أحلام، وعن ساعة من الليل ليس أحد إلا وهو فيها مروع، وعن الرائحة الطيبة مع الفجر، فسكت القوم. فقال: ولا أنت يا أبا الحسن؟ فقال: بلى والله. إن عندي من ذلك لعلماً، أما الرجل بينما هو يذكر الشيء إذ نسيه، فإن على القلب طخاءً كطخاء القمر، فإذا سرى عنه ذكر، وإذ أعيد عليه نسى وغفل. وأما الرجل يحب الرجل ولم يلقه فإن الأرواح أجناد مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. وأما الرؤيا إحداهما حق والأخرى أضغاث؛ فإن في ابن آدم روحين، فإذا نام خرجت روح فأتت الحميم والصديق، والبعيد والقريب والعدو، فما كان منها في ملكون السموات فهي الرؤيا الصادقة، وما كان منها في الهواء فهي الأضغاث، وأما الروح الأخرى فللنفس والتقلب، وأما الساعة من الليل التي ليس أحد إلا وهو فيها مروع، فإن تلك هي الساعة التي يرتفع فيها البحر يستأذن في تغريق أهل الأرض، فتحسه الأرواح فترتاع له، وأما الرائحة الطيبة مع الفجر، فإن الفجر إذا طلع خرجت ريح من تحت العرش حركت الأشجار في الجنة فهي الرائحة الطيبة. خذها يا عمر، قال: صدقت.\rقال محمد بن علي بن عبد الله بن عباس: دخلت على عمر بن عبد العزيز، وعنده رجل من النصاري، فقال له: من تجدون الخليفة بعد سليمان قال النصراني: أنت. قال: فأقبل عمر بن عبد العزيز علي فقال: دمي في ثيابك يا أبا عبد الله، قال: فقلت: سبحان الله! المجالس بالأمانة. قال محمد بن علي: فلما كان بعد ذلك جعلت ذلك النصراني من بالي، فرأيته يوماً فأمرت غلامي أن يحبسه علي، وذهبت به إلى منزلي، وسألته عما يكون، وقلت: عد لي خلفاء بني مروان واحداً واحداً. فعد لي خلفاء بني مروان واحداً واحداً. وتجاوز عن مروان بن محمد، قال محمد بن علي، فقلت له: ثم من؟ قال: ثم ابنك من الحارثية، وهو اليوم حمل.","part":1,"page":204},{"id":205,"text":"كتب صاحب الروم إلى معاوية يسأله عن أفضل الكلام وما هو؟ والثاني والثالث والرابع؟ وكتب إليه يسأله عن أكرم الخلق على الله، وعن أكرم الإماء على الله، وعن أربعة من الخلق لم يركضوا في رحم، وعن قبر سار بصاحبه، وعن المجرة، وعن القوس، وعن مكان طلعت فيه الشمس لم تطلع فيه قبل ذلك ولا بعده. فلما قرأ معاوية الكتاب قال: أخزاه الله! وما علمي بما ها هنا؟ فقيل: اكتب إلى ابن عباس، فكتب إليه ابن عباس: أفضل الكلام لا إله إلا الله، كلمة الإخلاص لا عمل إلا بها، والتي تليها سبحان الله وبحمده، صلاة الخلق، والتي تليها الحمد الله، كلمة الشكر، والتي تليها الله أكبر، فاتحة الصلوات والركوع والسجود. وأكرم الخلق على الله آدم عليه السلام، وأكرم إماء الله مريم عليها السلام. وأما الأربعة الذين لم يركضوا في رحم: فآدم وحواء والكبش الذي فدى به إسماعيل، وعصا موسى حيث ألقاها فصارت ثعباناً مبيناً، وأما القبر الذي سار بصاحبه فالحوت الذي التقم يونس، وأما المجرة فباب السماء، وأما القوس فإنها أمان لأهل الأرض من الغرق بعد نوح، وأما المكان الذي طلعت عليه الشمس، لم تطلع فيه قبله ولا بعده، فالمكان الذي انفرج من البحر لبني إسرائيل مع موسى عليه السلام. فلما قدم عليه الكتاب أرسله إلى ملك الروم، فقال: لقد علمت أن معاوية لم يكن له بهذا علم، وما أصاب هذا إلا من أهل بيت النبوة.\rوجه ملك الروم إلى معاوية بقارورة، فقال: ابعث إلى فيها من كل شيء حي، فبعث بها إلى ابن عباس، فقال: تملأ له ماء. فلما ورد به على ملك الروم، قال له أخوه: ما أدهاه! فقيل لابن عباس: كيف اخترت ذلك؟ قال: يقول الله عز وجل: \" وجعلنا من الماء كل شيءٍ حي \" .\rقال المسيب بن واضح: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: حصر حصن بخراسان فأصابوا فيه رأس إنسان، فوزنوا سناً من أسنانه فوجدوها قدر منيين، فأنشأ عبد الله يقول:\rأتيت بسنين قد رمتا ... من الحصن لما أثاروا الدفينا\rعلى وزن منيين إحداهما ... تقل به الكف شيئاً رزينا\rثلاثون أخرى على قدرها ... تباركت يا أحسن الخالقينا\rفماذا يقوم لأفواههم ... وما كان يملأ تلك البطونا\rإذا ما تذكرت أجسامهم ... تقاصرت النفس حتى تهونا\rوكل على ذاك ذاق الردى ... وبادوا جميعاً فهل خالدونا","part":1,"page":205},{"id":206,"text":"روى أسامة بن زيد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: أخبرني عمر بن الخطاب قال: خرجت مع أناسٍ من قريش في الجاهلية في تجارة إلى الشام، فبينما أنا في سوق من أسواقها بدمشق إذ أنا ببطريق قد جاءني فأخذ بعنقي، فذهبت أنازعه نفسي، فقيل لي: لا تفعل فليس لك منه النصف، قال: فخرجت معه فأدخلني كنيسةً فإذا تراب كثير متراكم بعضه على بعض، فدفع إلى بمجرفة وفأساً وزنبيلا، فقال لي: انقل هذا التراب واحفر لي هاهنابئراً، قال: فجلست أفكر في أمري كيف أصنع، قال: فأتاني في الهاجرة وعليه سبنية قصب، أرى سائر جسده منها، ولم أحرك شيئاً، فقال لي: وإنك على ما أرى ما حركت شيئاً، ثم ضم كفه وأصابعه يضرب بها وسط رأسي، فقلت في نفسي: ثكلتك أمك يا عمر، أو قد بلغت ما أرى! قال: فقمت إليه بالمجرفة فضربت بها رأسه فنثرت دماغه وخر ميتاً، وخرجت إلى الطريق، وأنا لا أدري أين أسلك من بلاد الله تعالى، فمشيت بقية يومي وليلتي من الغد حتى أصبحت، ثم انتهيت إلى ديرٍ فاستظللت بظله، فخرج إلى رجل من أهل الدير، فقال: يا عبد الله! ما يقعدك ها هنا؟: فقلت: أضللت أصحابي. قال: والله ما أنت على طريق، وإنك لتنظر بعين خائف، قم فادخل الدير فأصب من الطعام والشراب، وأقم ما بدا لك، قال: فدخلت فأتاني بطعام وشراب وألطف لي، ثم صعد في النظر وخفضه، ثم قال: يا هذا! لقد علم أهل الكتاب أنه لم يبق على وجه الأرض رجل أعلم مني اليوم، وإني أجد صفتك، إنك الذي تخرجنا من هذا الدير، وتغلب على هذا البلاد. فقلت: أيها الرجل! ذهبت من الأمر في غير مذهب. قال: ما اسمك؟ قلت: عمر بن الخطاب. قال: أنت والله الذي لا إله إلا هو صاحبنا من غير شك، فاكتب لي على ديري هذا وأهله وما فيه أماناً، قال: قلت: أيها الرجل! قد صنعت معروفاً فلا تكدره، قال: إنما هو كتاب في رق، وليس عليك فيه مؤونة ولا شيء، فإن كنت صاحبنا فهو الذي أريد، وإن تكن الأخرى فأي شيءٍ يضرك؟ قلت: هات، فكتبت له أماناً ثم ختمته ودفعته إليه. قال: فدعا بنفقة وثوب فدفعها إلي، ثم دعا بأتان قد أوكفت، فقال: أتسمع؟ قلت: نعم. قال: اخرج على هذه الأتان فإنها لا تمر بقوم ولا أهل دير إلا علفوها، حتى إذا بلغت مأمنك فخل عنها واضرب وجهها مدبرة، فإنها تعلف وتسقي حتى تصل. قال: فركبتها ثم سرت عليها حتى أدركت أصحابي وهم متوجهون، فلم أمر بقوم إلا سقوها وعلفوها حتى لحقت أصحابي، فنزلت عنها، وضربت وجهها مدبرة، ثم سرت معهم حتى قدمت على أهلي. قال أسلم: فلما قدم عمر بن الخطاب الشام أتاه ذلك الراهب في خلافته، وهو صاحب دير العدس بذلك الكتاب، فلما قرأه عمر عرفه، فقال له الراهب: فِ لي بشرطي، فقال له عمر: جاء أمر غير ذلك، جاء ما ليس لعمر ولا لأبي عمر فيه شيء، فاستشار فيه عمر المسلمين، فقالوا: نرى أن تفي له يا أمير المؤمنين، قال عمر: هل عندك للمسلمين منفعة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فأنشأ عمر يحدثنا حديثه حتى أتى على آخره، ثم قال عمر للراهب: إن أضفتم المسلمين، وأرشدتموهم الطريق، وهديتم الضال، ومرضتم المرضى ممن يمر بكم من المسلمين فعلنا، قال: نعم يا أمير المؤمنين نفعل. قال: فوفي له عمر.","part":1,"page":206},{"id":207,"text":"روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبيه، قال: خرجت في الجاهلية بتجارة إلى الشام فنزلت في بعض الطريق لقضاء حاجة، وتقدمتني القافلة، فإني لكذلك إذ أقبل إلى راهب على أتانٍ له قد خرج في بعض الزيارات يريد فلسطين وهو يذهب عطشاً، وكان يوماً صائفاً، فسلم على واستسقاني ماء. ولم يكن معي غير فضلة في إداوةٍ معلقة على كفل الفرس، فآثرته بها، وتبين له ذلك، فشكر لي فعلى، وشكا تعباً لحقه، وأنه يريد النزول والراحة قليلا، وهو خائف من الوحدة وفساد الطريق، وكأنه أراد الأنس بي. فقلت له: انزل فإني أونسك ولا أتركك. وكنت عارفاً بالطريق، فعرجنا إلى ظل شجرة أرزٍ فعرسنا تحتها، وقلت: أعينه، ثم ألحق القافلة بعد تعريسها بساعة، وكان له غلام ورحل قد تأخرا عنه، فكان مع ذلك ينتظر، فلما نزلنا استلقى على جنبه ونام، وركبت فرسي أطلب بعض الحياض التي كنت أعرفها لأملأ إداوتي منها، فوجدت واحداً منها فملأت الإداوة، ورجعت والراهب نائم بحاله، وإذا بثعبان عظيم يسير إليه لينهشه، فاخترطت سيفي ونزلت إليه فلحقته، وقد كاد ينقره فقتلته، وجلست أخفر الراهب إلى أن قام وقد استراح من تعبه، فعرضت عليه الماء فشرب، ونظر إلى الثعبان فهاله أمره، فعرفته أنه قصده وأني قتلته فشكر، وقال: قد أحييتني مرتين، ووجب حقك علي، قد حبست نفسك علي، ونزلت معي حتى استرحت، وآنستني من الوحدة ووحشة الطريق، وأنا مع ذلك في غربة. ولا أدري بماذا أكافئك، ثم ركبنا وسرنا فما لحقنا القافلة إلا مساء، وطلبت رحلي وغلاماً كان معي إلى أن وجدته، فأنزلت الراهب معي إلى أن أصبحنا، فجاءه غلامه ورحله، فقال لي: أين تريد؟ فعرفته أني أريد دمشق بتجارةٍ معي، فسألني عنها فأخبرته، فقال لي: أي تريد؟ تدخل معي إلى مصر فإن لي بها حالا جميلة وجاهاً عريضاً، ولعلي أكافئك على ما أوليتني، فإن يدي تقصر هاهناعن مكافأتك، وعلي أن أربحك في تجارتك ضعف ما تأمله من الربح منها، فوقع كلامه بقلبي، فقلت له: على أن تخرج معي من يكفلني ويحملني في طريقي، أو تضيفني إلى من يبلغني هذا هذا المكان، فإني إذا بلغته عرفت الطريق إلى موضعي. قال: بل أردك إليه من طريق هو أقرب من طريقك هذا. فسرت معه فرأيت رجلاً جميل الصحبة والمرافقة، وكان فيه مع ذلك فهم وعلم، وكان من أبناء القبط الأولين، وكان يخبرني عن مصر وأهلها في القديم، وعن عجائبها وطلسماتها وملوكها، وخبر بخت نصر وكيف دخل البلد وأخذه بالحيلة التي تمت له حتى وصل إليه وما كان بعد ذلك، ولم نزل في أنس إلى أن دخلنا مصر، فلم نكن نمر بموضع ولا ديرٍ إلا تلقونا بالإكرام والجميل، وعدينا النيل، وسرنا حتى دخلنا الإسكندرية، فأنزلني عنده وأتاه جماعة من أهله وذوي قرابته وجماعة من وجوه أهل البلد، وكان مقدماً عندهم، فسلموا عليه وهنأوه بالسلامة وقضوا حوائجه وأكرموه وأتحفوه، ولم يكن يدخل إليه أحد من أهله وغيرهم إلا أخبرهم بخبري، وأني خلصته من العطش بما كان معي من الماء، وأني آثرته على نفسي، وخبرهم بما كان من أمر الثعبان. فما منهم أحد إلا برني وأكرمني. واجتمعت لي دنانير كثيرة، ووجه أقاربه وباع منهم ومن غيرهم البضاعة التي كانت معي، وأفضلت فيها فضلاً كثيراً، وأقمت أكثر من شهر وأنا أطوف بالإسكندرية، وأنظر إلى عجائبها ومنارها ثم استأذنته للخروج، فقال لي: إن لنا عيداً وقد حضر، فأقم عندي حتى تشاهده وأوجه معك من يخفرك إلى حدود أرض الحجاز، فأجبته إلى ذلك، وحضر العمد، وزينت كنائس الإسكندرية، وخصوا منها كنيسة مرخمة عظيمة كانوا يجتمعون إليها بأحدث الزي، وكان خارج الكنيسة أسطوان كبير واسع مفروش بالبسط، وقد جلس عليه رؤساؤهم وبطارقتهم، وكان من عاداتهم أن يضربوا خارج الأسطوان في فسيح هناك بصولجان وكرةٍ تطير إلى ذلك الأسطوان، فمن وقعت في حجره الكرة من أولئك البطارقة والرؤساء، حكم له بولاية مصر، قال عمرو: فأجلسني وسط أولئك الوجوه والبطارقة فإني لمشغول بالنظر إليهم وإلى زيهم، وأولئك خارج الأسطوان يضربون تلك الكرة إذ طارت إلى فسقطت في حجري فأكبروا ذلك، وجعلوا يتأملوني ويعجبون مني، ومن سقوط الكرة في حجري، ثم ردوا الكرة إلى خارج، وضربوها أيضاً مرة أخرى، فطارت حتى سقطت ثانية، فازدادوا عجباً، وجعل بعضهم ينظر إلى بعضٍ ويزمزمون بكلامهم، وأنا لا أعرف ما يقولون. ثم","part":1,"page":207},{"id":208,"text":"أخوجوا الكرة وضربوها مرة ثالثة فسقطت في حجري ودخلت في كمي، فزاد تعجبهم وقالوا: إن هذا الأمر يراد أو بطل فعل الكرة. وأقمت حتى انقضت أيام عيدهم، فسألته أن يأذن لي في الخروج إلى الحجاز، فأذن لي في ذلك، بعد أن شرط على أن لا أترك زيارته في كل وقتٍ يمكني، وأنفذني مع غلام له وجهزني بطريفٍ من ثياب الوشي التي كانت تعمل بالإسكندرية، وثياب من دبيق دمياط، وأكسية رقيقةً من صوف، وفصوص وغير ذلك، فانصرفت إلى أهل بوفر حال، وأخرجني الغلام من ناحية أستغني فيها عن الخفير، وكان الغلام الذي وجهه به معي يدري أمرهم، فسألته عن أمرة الكرة فعرفني أن من عاداتها ذلك اليوم، ألا يقع في حجر أحدٍ إلا ولي مصر، وأنهم عجبوا من ذلك، وقالوا: هذا رجل عربي وغريب. وكيف يلي هذا مصر؟! وصرفوا الأمر إلى فساد فعل الكرة، قال عمرو: فوقع في نفسي من ذلك أمر لم أعرف الوجه فيه، وسرت إلى منزلي وأنا أوفر التجار الذين خرجت معهم إلى الشام وأحسنهم حالا، وعرض في نفسي شيء من أمر مصر، فقلت: أحمل تجارة إلى بلد الروم، وأدخل إلى الملك ولعله أن يقلدني أمر مصر، ثم قلت: إن هذا النظر فاسد، وهل يترك الملك بطارقته وأصحابه ويوليني أنا وأنا عربي على غير دينه؟ فسمعت قائلاً يقول: لابد لفلان من ذلك ويصير منه إلى ما يحب. فزاد ذلك في قوة أملي في الولاية على مصر إلى أن كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ما كان، وجاءته هدية المقوقس، وقال: \" إنكم ستفتحون مصر فاستوصوا بالقبط خيراً، وجازوا أهلها بالجميل، فإنهم خؤولة إبراهيم \" ، فلما سمعت ذلك تحققت أنه سيكون لي يد على مصر.وا الكرة وضربوها مرة ثالثة فسقطت في حجري ودخلت في كمي، فزاد تعجبهم وقالوا: إن هذا الأمر يراد أو بطل فعل الكرة. وأقمت حتى انقضت أيام عيدهم، فسألته أن يأذن لي في الخروج إلى الحجاز، فأذن لي في ذلك، بعد أن شرط على أن لا أترك زيارته في كل وقتٍ يمكني، وأنفذني مع غلام له وجهزني بطريفٍ من ثياب الوشي التي كانت تعمل بالإسكندرية، وثياب من دبيق دمياط، وأكسية رقيقةً من صوف، وفصوص وغير ذلك، فانصرفت إلى أهل بوفر حال، وأخرجني الغلام من ناحية أستغني فيها عن الخفير، وكان الغلام الذي وجهه به معي يدري أمرهم، فسألته عن أمرة الكرة فعرفني أن من عاداتها ذلك اليوم، ألا يقع في حجر أحدٍ إلا ولي مصر، وأنهم عجبوا من ذلك، وقالوا: هذا رجل عربي وغريب. وكيف يلي هذا مصر؟! وصرفوا الأمر إلى فساد فعل الكرة، قال عمرو: فوقع في نفسي من ذلك أمر لم أعرف الوجه فيه، وسرت إلى منزلي وأنا أوفر التجار الذين خرجت معهم إلى الشام وأحسنهم حالا، وعرض في نفسي شيء من أمر مصر، فقلت: أحمل تجارة إلى بلد الروم، وأدخل إلى الملك ولعله أن يقلدني أمر مصر، ثم قلت: إن هذا النظر فاسد، وهل يترك الملك بطارقته وأصحابه ويوليني أنا وأنا عربي على غير دينه؟ فسمعت قائلاً يقول: لابد لفلان من ذلك ويصير منه إلى ما يحب. فزاد ذلك في قوة أملي في الولاية على مصر إلى أن كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ما كان، وجاءته هدية المقوقس، وقال: \" إنكم ستفتحون مصر فاستوصوا بالقبط خيراً، وجازوا أهلها بالجميل، فإنهم خؤولة إبراهيم \" ، فلما سمعت ذلك تحققت أنه سيكون لي يد على مصر.","part":1,"page":208},{"id":209,"text":"روى ابن جريج، قال: حدثني يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير، أنه قال: سمعته يقول: كان رجل من بني إسرائيل يقرأ، فإذا بلغ \" بعثنا عليكم عباداً لنا أولى بأسٍ شديد \" بكى وفاضت عيناه، ثم يطبق المصحف. فعل ذلك ما شاء الله من الزمان، ثم قال: أي رب! أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني إسرائيل على يديه، فأرى في المنام مسكيناً سائلاً يقال له: بخت نصر ببابل، فانطلق بمال وأعبدٍ له، وكان رجلاً موسراً، فقيل له: أين تريد؟ فقال: أريد التجارة. فنهض حتى نزل ببابل فاكتري بها منزلاً ليس فيه أحد غيره، وجعل يدعو المساكين ويعطيهم ويلطف بهم حتى لم يبق أحد منهم إلا جاء، فقال: هل بقى مسكين غيركم؟ قالوا: نعم، مسكين بفج آل فلان مريض يقال له: بخت نصر. فقال لغلمته: انطلقوا وانطلق معهم حتى أتاه، فقال له: ما اسمك؟ قال: بخت نصر، قال لغلمته: احتملوه. فنقله إليه فمرضه حتى براً، وكساه وأعطاه نفقةً، ثم أذن الإسرائيلي بالرحيل، فبكى بخت نصر، فقال له الإسرائيلي: ما يبكيك؟ قال: أبكي أنك فعلت معي ما فعلت ولا أجد شيئاً أجزيك به. قال: بل شيئاً يسيراً إن ملكت أطعتني. فجعل بخت نصر يلتوي ويقول: تستهزئ بي؟ ولا يمنعه أن يعطيه ما سأل إلا أنه يستهزئ به، وأبي عليه. فبكى الإسرائيلي وقال: لقد علمت أنه ما يمنعك أن تعطيني ما سألت إلا أن الله تعالى يريد أن ينفذ ما قضى وما قد كتبه عنده في كتابه، ثم ضرب الدهر ضرباته، فقال سيحون وهو ملك فارس ببابل: إنا لو بعثنا طليعةً إلى الشام كان حسناً. قالوا: وما يمنعك؟ قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان. فبعث رجلاً وأعطاه مائة ألف، فخرج وخرج بخت نصر في مطبخه لا يخرج إلا أن يأكل، لا همة له غير شبع بطنه، فلما قدم الشام رأى صاحب الطليعة أرضاً أكثر أرض الله خيلا ورجلا وسلاحاً، فكسر ذلك في ذرعه، فلم يسأل ولحقه جزع، وجعل بخت نصر يمشي في مجالس أهل الشام فلا يدع مجلساً إلا وهو يقول لأهله: ما يمنعكم أن تغزوا بابل مع كثرة ما أرى معكم من الخيل والرجل، فلو غزو تموها لأصبتم بها المال والعيال. قالوا: فلا نحسن القتال ولا نعرفه، حتى استنفد مجالس أهل الشام، ثم رجع إلى الطليعة ولم ينل منهم كثير نيلٍ لما رأى، وجعل بخت نصر يقول لمن يلج على الملك: لو دعاني الملك لأخبرته غير ما يخبره فلان - يعني الطليعة - فرفع ذلك إليه، فدعاه، فأخبره الخبر، وقال: إن فلاناً لما رآها أكثر أرض الله خيلا ورجلا حسبهم أجلد الناس، فكسر ذلك في ذرعه، ولم يسألهم عن شيء، وإن لم أدع مجلساً بالشام إلا جالست أهله، فقلت لهم كذا فقالوا لي كذا، فقال الطليعة لبخت نصر بعد خروجه من عند الملك: فضحتني أيها الرجل، فهل لك في مائة ألفٍ تأخذها وتنزع عما قلت؟ قال: لو أعطيتني بيت مال بابل لما نزعت. ثم أن الدهر ضرب ضربه، وقال الملك: لو بعثنا جريدة خيلٍ إلى الشام، فإن وجدوا مساغاً ساغوا، وإلا انهبوا ما قدروا عليه؟ قالوا: فما ضرك لو فعلت؟ قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان أو فلان. قال لهم: بل الرجل الذي أخبرني بما أخبر. فدعا بخت نصر، فأرسله وأرسل معه أربعة آلافٍ من فرسانهم، فانطلقوا فجاسوا خلال الديار، فسبوا ما شاءوا وخربوا ولم يقتلوا، ورمى في جنازة سيحون فمات، فقالوا: استخلفوا رجلا. فقالوا: على رسلكم حتى يأتي أصحابكم من وجهتهم، فأمهلوا حتى جاء بخت نصر فقسم ما جاء به في الناس، فقالوا: ما رأينا أحق بالملك من هذا؟ فملكوه. فلم ضرب له ملكه بجرانه، قال لهم يوماً: موعدكم ثالثة فمن استأخر بعدها منكم فليمش إلى خشبته، فغزا الشام، فذلك حين قتل، وخرب بيت المقدس وانتزع حليته وحملها، وجعل يشرب فيها الخمور وخواناً يأكل عليها الخنازير، وحمل التوراة معه ثم ألقاها في النار، وقدم فيما قدم بمائة وصيف منهم دانييل وعزير، وكان يقال له عزريا، وحنانيا وميشائيل، فقال لإنسان: أصلح لي أجسام هؤلاء، لعلي أختار منهم أربعة يخدمونني. فقال دانييل لأصحابه: اعلموا أنهم إنما نصروا عليكم بما غيرتم من دين آبائكم. لا تأكلوا لحم الخنزير، ولا تشربوا الخمور. فقالوا للذي يصلح أجسامهم: هل لك أن تطعمنا طعاماً هو أهون عليك في المؤونة مما تطعم أصحابنا، فإن لم نسمن قبلهم أكثر من سمنهم رأيت رأيك؟ قال: ماذا؟ قالوا: خبز الشعير والكراث. ففعل، فسمنوا قبل أصحابهم. فأخذهم بخت نصر يخدمونه. قال: فبينما","part":1,"page":209},{"id":210,"text":"هو كذلك إذ رأى بخت نصر رؤيا، فجلس ثم نسيها، ثم عاد فرآها، ففزع فقام من نومه، ثم عاد فرقد فرآها، فخرج إلى الحجر فنسيها، فلما أصبح. دعا العلماء والكهان، فقال: أخبروني بشيءٍ رأيت البارحة، وإذا أخبرتموني بما رأيت. فأولوا لي رؤياي، وإلا فليمش كل رجل منكم إلى خشبته، موعدكم ثلاث. فقالوا: هذا خبر قد أظلنا منه بلاء، فكيف بالنجاة منه، فجعل دانييل يقول كلما مر به رجل من رجاله: لو دعاني الملك لأخبرته بما رأى وأولت ذلك. فجعلوا يقولون: ما أحمق هذا الغلام الإسرائيلي! إلى أن مر به كهل فقال ذلك له، فرفعه إلى الملك وقال له: ماذا رأيت؟ قال: رأيت تمثالا. قال: إيه. قال: ورأسه من ذهب. قال: إيه، قال: وعنقه من فضة، قال: إيه: قال وصدره من حديد. قال: إيه. قال وبطنه من صفر. قال: إيه: قال ورجلاه من آنك. قال: إيه. قال: وقدماه من فخار. قال: نعم، هذا الذي رأيت. قال: فجاءت حصاة فوقعت في رأسه ثم في عنقه ثم في صدره ثم في بطنه ثم في رجليه ثم في قدميه فأهلكته، قال: نعم، فما تأويل هذا؟ قال: أما الذهب فملكك، وأما الفضة فملك ابنك من بعدك ثم ملك ابن ابنك، وأما الفخار فملك النساء. فكساه جبة سبنية وسوره وأجازه وأمر أن يطاف به في القرية، وأخبر أن خاتمة جائز على ما ختم، فلما رأت ذلك فارس، قالوا: ما الأمر إلا أمر هذا الإسرائيلي فكيف نهدمه؟ قالوا: ائتوه من نحو الفتية الثلاثة أصحابه، ولا تذكروا له دانييل فإنه لا يصدقكم عليه، فأتوه، فقالوا: إن هؤلاء الفتية الثلاثة ليسوا على دينك، وهم يكرهون ما تستحسنه، وآية ذلك أنك إذا قربت إليهم لحم الخنزير والخمر لم يأكلوا ولم يشربوا، فأمر بحطب كثير فوضع، ثم أوقدت النار ورماهم فيها، فلما كان من آخر الليل أمر بالنظر إليهم فإذا هم يتحدثون، وإذا معهم رابع يروح عليهم ودانييل يصلي، قال: من هذا يا دانييل؟ قال: هذا جبريل، ظلمت القوم. فأمر بهم فأنزلوا. قال: ومسخ الله عز وجل بخت نصر من الدواب كلها، فجعله من كل صنف من الدواب رأسه من السباع الأسد، ومن الطير النسر، وملك ابنه بعده، وكان دانييل يسدده، وكان معه ثم رماه عنه وأقصاه، ثم أنه رأى كفاً فرجت بين لوحين مكتوب فيها سطران، فدعا الكهان والعلماء، فلم يجد عندهم منه علماً، فقالت أمه: إنك لو دعوت دانييل وأعدت إليه منزلته ومنك ومن أبيك عرفك، فدعاه فقال: إني معيد إليك منزلتك من أبي، فأخبرني ما هذان السطران؟ قال: أما معيد لي منزلي من أبيك فلا حاجة لي بذلك، وأما السطران فإنك تقتل الليلة. فال: فأمر أن يخرج كل من في القصر، فأخرجوا أجمعين، وأمر بقفل أبوابه فغلقت الأبواب، وأدخل معه رجلا وضع بيده سيفاً، وقال له: كل من جاءك من خلق الله الليلة فاقتله، ولو قال: أنا فلان - يعني نفسه - وبعث الله عليه البطن، فجعل يمشي والآخر نائم، فبينما هو كذلك إذ استيقظ ونهض إليه، فقال: أنا فلان. فضربه بالسيف فقتله؟ قال الله تعالى: \" وإن عدتم عدنا \" . قال: فبعث الله عليهم العرب، فلم يزالوا يسومونهم سوء العذاب، ولا يزالون إلى يوم القيامة في ذلة وصغار. قال ابن جريج: فبلغني أن سعيد بن جبير كان يحدث بهذا الحديث، فلما بلغ هذا الموضع أخذه رسول الحجاج بن يوسف. كذلك إذ رأى بخت نصر رؤيا، فجلس ثم نسيها، ثم عاد فرآها، ففزع فقام من نومه، ثم عاد فرقد فرآها، فخرج إلى الحجر فنسيها، فلما أصبح. دعا العلماء والكهان، فقال: أخبروني بشيءٍ رأيت البارحة، وإذا أخبرتموني بما رأيت. فأولوا لي رؤياي، وإلا فليمش كل رجل منكم إلى خشبته، موعدكم ثلاث. فقالوا: هذا خبر قد أظلنا منه بلاء، فكيف بالنجاة منه، فجعل دانييل يقول كلما مر به رجل من رجاله: لو دعاني الملك لأخبرته بما رأى وأولت ذلك. فجعلوا يقولون: ما أحمق هذا الغلام الإسرائيلي! إلى أن مر به كهل فقال ذلك له، فرفعه إلى الملك وقال له: ماذا رأيت؟ قال: رأيت تمثالا. قال: إيه. قال: ورأسه من ذهب. قال: إيه، قال: وعنقه من فضة، قال: إيه: قال وصدره من حديد. قال: إيه. قال وبطنه من صفر. قال: إيه: قال ورجلاه من آنك. قال: إيه. قال: وقدماه من فخار. قال: نعم، هذا الذي رأيت. قال: فجاءت حصاة فوقعت في رأسه ثم في عنقه ثم في صدره ثم في بطنه ثم في رجليه ثم في قدميه فأهلكته، قال: نعم، فما تأويل هذا؟ قال: أما الذهب فملكك، وأما الفضة فملك ابنك من بعدك ثم ملك ابن ابنك، وأما الفخار فملك النساء. فكساه جبة سبنية وسوره وأجازه وأمر أن يطاف به في القرية، وأخبر أن خاتمة جائز على ما ختم، فلما رأت ذلك فارس، قالوا: ما الأمر إلا أمر هذا الإسرائيلي فكيف نهدمه؟ قالوا: ائتوه من نحو الفتية الثلاثة أصحابه، ولا تذكروا له دانييل فإنه لا يصدقكم عليه، فأتوه، فقالوا: إن هؤلاء الفتية الثلاثة ليسوا على دينك، وهم يكرهون ما تستحسنه، وآية ذلك أنك إذا قربت إليهم لحم الخنزير والخمر لم يأكلوا ولم يشربوا، فأمر بحطب كثير فوضع، ثم أوقدت النار ورماهم فيها، فلما كان من آخر الليل أمر بالنظر إليهم فإذا هم يتحدثون، وإذا معهم رابع يروح عليهم ودانييل يصلي، قال: من هذا يا دانييل؟ قال: هذا جبريل، ظلمت القوم. فأمر بهم فأنزلوا. قال: ومسخ الله عز وجل بخت نصر من الدواب كلها، فجعله من كل صنف من الدواب رأسه من السباع الأسد، ومن الطير النسر، وملك ابنه بعده، وكان دانييل يسدده، وكان معه ثم رماه عنه وأقصاه، ثم أنه رأى كفاً فرجت بين لوحين مكتوب فيها سطران، فدعا الكهان والعلماء، فلم يجد عندهم منه علماً، فقالت أمه: إنك لو دعوت دانييل وأعدت إليه منزلته ومنك ومن أبيك عرفك، فدعاه فقال: إني معيد إليك منزلتك من أبي، فأخبرني ما هذان السطران؟ قال: أما معيد لي منزلي من أبيك فلا حاجة لي بذلك، وأما السطران فإنك تقتل الليلة. فال: فأمر أن يخرج كل من في القصر، فأخرجوا أجمعين، وأمر بقفل أبوابه فغلقت الأبواب، وأدخل معه رجلا وضع بيده سيفاً، وقال له: كل من جاءك من خلق الله الليلة فاقتله، ولو قال: أنا فلان - يعني نفسه - وبعث الله عليه البطن، فجعل يمشي والآخر نائم، فبينما هو كذلك إذ استيقظ ونهض إليه، فقال: أنا فلان. فضربه بالسيف فقتله؟ قال الله تعالى: \" وإن عدتم عدنا \" . قال: فبعث الله عليهم العرب، فلم يزالوا يسومونهم سوء العذاب، ولا يزالون إلى يوم القيامة في ذلة وصغار. قال ابن جريج: فبلغني أن سعيد بن جبير كان يحدث بهذا الحديث، فلما بلغ هذا الموضع أخذه رسول الحجاج بن يوسف.","part":1,"page":210},{"id":211,"text":"وروى حماد، عن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: أن رجلاً من علماء أهل الشام وجد نعت بخت نصر وأنه غلام يتيم، وله والدة، وله ذؤابة في رأسه من أهل بابل، وأنه تقدم فسأل عنه وعن أمه حتى عرفهما بالنعت، فنزل عليهما وكان وهو غلام يسوق العجاجيل والدجاج، فقال له ذات يوم: إنك ستملك فارس والشام، فاكتب لي أماناً ولقومي. قال: ما أدري ما هذا الذي يذكر، فلم يزل به حتى قال له: اكتب أنت ما شئت، وكتب له ولقومه أماناً، فأراد أن يختمه، فلم يكن لبخت نصر خاتم فأخذ خاتم حديد من نطاق أمه فختمه، ثم أنه دخل الشام، فأتاه الرجل فحيل بينه وبينه، فقال لمقدمته: إن للملك ودخل عليه، فقال: ما تعرفني؟ قال: ما أعرفك. فقص عليه القصة وذكره، ودفع إليه الأمان. فقال: ما أدري ما هذا الذي تذكر، ورثث هذا كابراً عن كابر عن آبائي. فلم يزل به حتى أقر. فوفي له وأمنه، وقال: لا يسمع هذا منك أحد. ولما ظهر على الشام، إذ هو بدم يحيى بن زكريا يغلي، فقال: لأقتلن على هذا الدم حتى يسكن، فقتل عليه سبعين ألفاً، فجاء قاتله فقال: إن هذا الدم لا يسكن أبداً حتى تقتلني فأنا قتلته فقتله وسكن الدم، وظهر على الشام وخرب بيت المقدس وحرق التوراة، وجاء معه دانييل وميخائيل وعزير وحزقاييل ودفعهم إلى صاحب مطبخه، ثم ذكر الرؤيا وزاد فيها فيجىء بنيٌ من العرب فيغلب وينقض تلك الأوثان كلها ويكون الدين كله لله.\rوقال ابن الكلبي: كان سنمار الرومي من أصنع الناس للبنيان، فبنى لبعض ملوك العرب بنياناً سر به وأعجبه، وخاف إن استبقى سنمار بني بعده مثل ذلك البنيان، لغيره من الملوك، فأمر به فرمى من فوق القصر فمات، فضربت به العرب الأمثال في سوء الجزاء، حتى قال بعضهم:\rجزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمارٍ وما كان عن ذنب\rسوى رصه البنيان سبعين حجة ... يعلى عليه بالقراميد والسكب\rفلما رأى البنيان تم سحوقه ... وآض كمثل الطود ذي الباذخ الصعب\rوظن سنمار به كل حظوةٍ ... وفاز لديه بالمودة والقرب\rفقال اقذفوا بالعلج من رأس شاهقٍ ... فذاك لعمر الله من أعظم الخطب\rكتب ملك الروم إلى معاوية: إن الملوك لم تزل تراسل بعضهم بعضاً، وتجتهد أن يغرب بعضهم على بعض، أفتأذن في ذلك؟ فأذن له. فوجه إليه رجلين أحدهما طويل والآخر أيد، فقال معاوية لعمرو: أما الطويل فقد أصبنا كفؤاً له وهو قيس بن سعد بن عبادة، وأما الآخر الأيد فقد احتجنا إلى رأيك فيه. فقال: هاهنا رجلان كلاهما إليك بغيض: محمد بن الحنفية، وعبد الله بن الزبير. قال معاوية: الذي هو أقرب إلينا منهما فلما دخل الرجلان وجه إلى قيس ابن سعد فدخل، فلما مثل بين يديه معاوية نزع سراويله فرمى بها إليه فلبسها فبلغت ثندوته، فأطرق مغلوباً. وقيل لقيس في ذلك: لم تبذلت في حضرة معاوية؟ هلا فعلت غير ذلك؟ فقال:\rأردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيسٍ والوفود شهود\rوألا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عاديً نمته ثمود\rوإني من القوم اليمانين سيد ... وما الناس إلا سيد ومسود\rوبّ جميع الناس أصلي ومنصبي ... وجسم به أعلو الرجال مديد\rثم وجه إلى محمد بن الحنفية، فدخل فخبر بما دعى إليه، فقال: قولوا له: إن شاء فليجلس وليعطني يده حتى أقيمه أو يقعدني، وإن شاء فليكن القائم وأنا القاعد، فاختار الرومي الجلوس، فأقامته، فانصرف الطويل والأيد مغلوبين.\rقلت: أما هذا الخبر فمنكر ليس بصحيح، ولا له أصل لأنه يخالف أخلاق قيس ومحمد، وليس فيه كبير فائدة لمنزلتهما.\rباب جامع من المذكرات\rمما لم يذكر في الأبواب المتقدمات\rكان يقال: المتقون سادة، والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة - يعني في الخير.\rقال عبد الله بن عباس رضى الله عنه: حلق القفا مما يزيد في الحفظ.\rوقال عبد الله بن عباس أيضاً: حلق الرأس لا يصح في العقوبة، لأن الله عز وجل جعل حلق الرأس نسكاً لمرضاته.\rقال عمر بن عبد العزيز: إياكم والمثلة في العقوبة: حز الرأس واللحية.","part":1,"page":211},{"id":212,"text":"وقال عبد الله بن عباس: إني لأسمع بالحكم من حكام المسلمين يعدل فأفرح به، ولعلي لا أتحاكم أبداً، وإني لأسمع بالغيث يصيب البلدان فأفرح ومالي فيها سائمة، وإني لآتي على الآية فأود أن الناس يعملون بها، ويعلمون منها ما أعلم.\rسأل رجل مطرف بن الشخير عن شيء، فقال: يا ابن أخي لا تحمل سعة الإسلام على ضيق صدرك.\rكان يقال: لكل شيءٍ آفة، وآفة العلم النسيان، وآفة العبادة الرياء، وآفة الحياء الضعف، وآفة اللب العجب، وآفة الظرف الصلف، وآفة الجود الشرف، وآفة الجمال التيه، وآفة السؤدد الكبر، وآفة الحلم الذل.\rكان يقال: العجب ممن يخاف العقاب ولم يكفن ورجا الثواب ولم يعمل.\rقال حارثة بن بدر الغداني:\rطربت بقانونٍ وما كنت أطرب ... سفاها وقد جربت فيمن يجرب\rوما اليوم إلا مثل أمس الذي مضى ... ومثل الغد الجائي وكل سيذهب\rومن وصايا إبليس، من النوادر أبيات أنس بن إياس يخاطب حارثة بن بدر الغداني هذا:\rأحار بن بدرٍ قد وليت ولايةً ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق\rولا تحقرن يا حار شيئاً وجدته ... فحظك من ملك العراقين سرق\rوباه تميماً بالغني إن للغنى ... لساناً به المرء الهيوبة ينطق\rفإن جميع الناس إما مكذب ... يقول بما يهوى وإما مصدق\rيقولون أقوالاً ولا يعرفونها ... فإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا\rفأجابه حارثة:\rجزاك إله الناس خير جزائه ... فقد قلت معروفاً وأوصيت كافيا\rأشرت بشيءٍ لو أشرت بغيره ... لألفيتني فيه لذلك عاصيا\rامتحن يحيى بن أكثم رجلا أراده للقضاء، فقال: ما تقول في رجلين أنكح كل واحدٍ منهما الآخر أمه، فولد لكل واحد منهما ولد، فما قرابة ما بين الولدين؟ فلم يعرف. فسئل عن ذلك، فقال: كل واحدٍ منهما عم الآخر لأمه.\rدخل رجل على عبد الملك بن مروان فقال له: إني تزوجت امرأة وزوجت ابني أمها، ولا غناء بنا عن رفدك، فقال له عبد الملك: إن أخبرتني ما قرابة أولادكما إذا ولدتما، فعلت؟ فقال: يا أمير المؤمنين! هذا حميد بن بحدل، قد قلدته سيفك ووليته ما وراء بابك، سله عنهما، فإن أصاب لزمني الحرمان، وإن أخطأ اتسع لي العذر. فدعا به فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين! إنك ما قدمتني على العلم بالأنساب، ولكن على الطعن بالرماح. أحدهما عم الآخر والآخر خاله.\rلو تزوج رجل امرأة، وزوج ابنه ابنتها، ثم ولد لهما، كان أحد المولودين عم الآخر، والآخر ابن أخيه.\rكان يقال: ثمانية إن أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم؛ الذاهب إلى مائدة لم يدع إليها، وطالب الفضل من اللئام، والداخل بين اثنين في حديثهما من غير أن يدخلاه فيه، والمستخف بالسلطان، والجالس مجلساً ليس له بأهل، والمقبل بحديثه على من لا يسمع منه ولا يصغي إليه.\rذكر الخشني عن أبي حاتم عن الأصمعي، قال: تذاكر نفر من الجن عيافة بني أسد، فقالوا: لو نظرنا إلى بعض ذلك فأتوهم، وقالوا: إنا ضلت لنا ناقة، فلو أرسلتم معنا بعض من يقفو لنا أثرها، فقالوا لغليم منهم: انطلق معهم، فاستردفه أحدهم ثم ساروا، فلقيهم عقاب كاسر إحدى جناحيها، فاقشعر الغلام فبكى، فقالوا: ما بالك؟ فقال: كسرت جناحاً ورفعت جناحاً، حلفت بالله صراحاً ما أنت بإنسي ولا تبغي لقاحاً.\rقال الخشني: الجناح يؤنث ويذكر.\rنذرت امرأة أن تكسو ثوباً غزلته فأتقنته أفضل رجل بالبصرة، فقيل لها: الحسن، فأتت به الحسن فأرسل بها إلى أبي قلابة، فردها أبو قلابة، وقال: إن الناس أصابوا فيك وأخطأت في.\rقال أبو عبيد: العارضة كناية عن الندى، فإذا قيل: فلان شديد العارضة فذاك كناية عن سفه الكف بالعطاء. وإذا قيل: فلان يقتصد، فذلك كناية عن البخل. وإذا قيل العامل مستقص، فذلك كناية عن الجور. وأما قولهم في المثل: هذا أجل من الحرش، فإن الأصمعي ذكر في تفسيره ذلك، أن الضب قال لابنه: إذا سمعت صوت الحرش فلا تخرجن، قال: وذلك أنهم يزعمون: أن الحرش تحريك اليد عند حجر الضب ليخرج إذا ظن أنها حية. قال: وسمع ابنه يوماً صوت الحفر، فقال: يا أبت! هذا الحرش؟ فقال: يا بني! هذا أجل من الحرش، فأرسلهما مثلا وأنشد:","part":1,"page":212},{"id":213,"text":"وأفطن من ضب إذا خاف حارشاً ... أعد له عند الناس عقربا\rوفي المثل: تعلمني بالضب وأنا حرشته.\rلأبي البلاد الطهوي، وكان من شياطين العرب:\rلهان على جهينة ما ألاقى ... من الروعات يوم رحى بطان\rلقيت الغول تسري في ظلامٍ ... بسهبٍ كالعباية صحصحان\rفقلت لها: كلانا نقض أرضٍ ... أخو سفرٍ فصدي عن مكاني\rفصدت وانتحيت لها بعضبٍ ... حسامٍ غير مؤتشبٍ يماني\rفقد سراتها والبرك منها ... فخرت لليدين وللجران\rفقالت: زد، فقلت: رويد إني ... على أمثالها ثبت الجنان\rشددت عقالها وحططت عنها ... لأنظر غدوةً ماذا دهاني\rإذا عينان في وجهٍ قبيحٍ ... كوجه الهر، مشقوق اللسان\rورجلا مخدجٍ ولسان كلبٍ ... وجلدٍ من فراءٍ أو شنان\rأما قوله: فقالت: زد. فإنهم يزعمون - فيما ذكر عمرو بن بحر الجاحظ - : إن الغول يستزيد بعد الضربة الأولى، لأنها تموت من ضربة وتعيش من ضربتين إلى ألف، يقول: إذا ضربت ضربة ماتت، إلا أن يعيد عليها الضارب قبل أن تقضي ضربة أخرى، فإنه إن فعل ذلك لم تمت، ولذلك قال شاعرهم:\rفثنيت والمقدار يحرس أهله ... فليت يميني قبل ذلك شلت\rوهذا عندي من أكاذيب الأعراب، وحماقات عمرو بن بحر ومجونه.\rومن ذلك قول مدرج الريح، وهو عامر المجنون، وإنما قيل له مدرج الريح بشعر قاله في امرأة من الجن، زعم أنه كان يهواها وتتراءى له، فمن شعره يقول:\rلابنة الجني في الجو طلل ... دارس الآيات عافٍ كالخلل\rدرسته الريح من بين صبا ... وجنوبٍ درجت حيناً وطل\rوكان مدرج الريح محمقاً، وأما قول عبيد بن أيوب العنبري:\rفلله در الغول أي رفيقةٍ ... لصاحب قفرٍ خائفٍ يتقفر\rأرنت بلحنٍ بعد لحنٍ وأوقدت ... حوالي نيراناً تبوخ وتزهر\rفإن العرب تذكر أن الغيلان توقد النيران بالليل للعب والتخييل وإضلال أبناء السبيل.\rقلت: والدليل على أن الشياطين تضل الناس في الطريق، وتحيدهم عن سبيلهم، قوله الله تعالى: \" كالذي استهوتهُ الشياطينُ في الأرض حيرانَ \" ومن الدليل على صحة الغيلان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنشده كعب بن زهير قصيدته اللامية التي يقول فيها:\rكانت مواعيد عرقوبٍ لها مثلاً ... وما مواعيده إلا الأباطيل\rفما تدوم على حالٍ تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول\rفلم ينكره.\rقال أبو عمر: وكان عبيد بن أيوب هذا جوالا في مجهول الأرض، فلما اشتد خوفه وطال تردده، أمعن في الهرب، فقال:\rلقد خفت حتى لو تمر حمامة ... لقلت عدو أو طليعة معشر\rفإن قيل: أمن قلت: هذي خديعة ... وإن قيل: خوف قلت حق فشمر\rوخفت خليلي ذا الصفاء ورابني ... وقيل فلان أو فلانة فاحذر\rفلله در الغول أي رفيقةٍ ... لصاحب قفرٍ خائفٍ متنفر\rفي أبيات كثيرة، وأما قول أمية بن أبي الصلت:\rوالحية الذكر الرقشاء أخرجها ... من جحرها أمنات الله والقسم\rإذا دعا باسمها الإنسان أو سمعت ... ذات الإله أتت في مشيها رزم\rمن خلفها حمة لولا الذي سمعت ... قد كان بيتها في جحرها الحمم\rناب حديد وكف غير وادعةٍ ... والخلق مختلف واللون والشيم\rإذا دعين بأسماءٍ أجبن لها ... لنافثٍ يفتديه الله والكلم\rلولا مخافة لابً كان عذبها ... عرجاء تظلع في أنيابها عسم\rوقد بلته فذاقت بعض مصدقه ... فليس في سمعها من رهبةٍ صمم\rفكيف يأمنها أم كيف تألفه ... وليس بينهما قربى ولا رحم\rفإنه يقول: إنها خرجت لاستحلافه إياها، لا لرحمٍ بينها ولا نسب، وقد أوضحنا في كتاب \" التمهيد \" أن من الحيات صنفان من الجن، وأن منهم من أسلم، فغير نكير أن يخضع لذكر الله وأسمائه.","part":1,"page":213},{"id":214,"text":"ومن عجائب الدنيا، صنم قادس في غرب الأندلس على البحر من كورة شذونة، وقد ذكره الأوائل، ونقل أهل الأخبار خبره، ومن أحسن ما قيل في وصفه من النظم ما أنشده غير واحد لأبي عثمان الشذوني العروضي، يخاطب بعض قواد شذونة، إذ أدخله إليه فرآه على قرب في تلك الجزيرة، فقال:\rيا سيدا أبصرت عيني به عجباً ... فما أبالي يقول الناس عن رهبي\rلله ما أبصرته في شذونة من ... عجائب كنت في إبصارها سببا\rآثار مملكةٍ دلت على ملكٍ ... أذل بالملك أعناق الورى حقبا\rوأسودٍ واقفٍ في رأس صومعةٍ ... كأنه فوقها بالروح قد صلبا\rمقدماً رجله اليمنى ليرفعها ... كأنه يشتكي من طول ما تعبا\rيمد يمناه بالمفتاح تحسبه ... مناولا غيره عجلان مكتئبا\rوصكه في اليد اليسرى قد انقبضت ... كأنه ساتر عنا لما كتبا\rيومي إلى البحر نحو الغرب وجهته ... مستقبلاً لغروب الشمس منتصبا\rلابد والله من قفلٍ سيفتحه ... مفتاحه بعد الميقات أو قربا\rوسائلٍ لي عما ضل جوهره ... والذهن في فك معناه قد انتشبا\rأجبته إن في أخباره عجباً ... فلا تسل عنه صفراً كان أو ذهبا\rقال علي بن أبي طالب رضى الله عنه: ما خلق الله خلقاً أشر من الخزر، ما بعث منهم نبي ولا صديق.\rقال علي بن أبي طالب رضى الله عنه لابنه الحسن: يا بني! كم بين الإيمان واليقين؟ قال: أربع أصابع. قال: وكيف؟ قال: الإيمان ما سمعناه بآذاننا وصدقناه بقلوبنا، واليقين ما رأيناه بأعيننا فتيقنا، وبين السمع والبصر أربع أصابع. قال: أشهد أنك ابن رسول الله.\rقال الحكماء: شيئان أعيت الحكماء الحيلة فيهما، إذا أقبل الأمر أعيت الحيلة فيه أن يدبر، وإذا أدبر أعيت الحيلة فيه أن يقبل.\rقال خالد بن صفوان: احترس من العين فو الله لهي أنم من اللسان.\rكان يقال: من أحبك نهاك، ومن أبغضك أغراك.\rكان يقال: مثلت الدنيا بطائر، فالبصرة ومصر جناحان، والشام والعراق والجزيرة وما والاها الجوف، واليمن الذنب.\rتقول العرب: مضر رحاها خندف، وهامتها تميم، وفرسانها قيس، وأئمتها كنانة، ولسانها أسد.\rقال الخشني: لا تكرم ولا تعظم إلا من يرجى خيره، أو يخاف شره، أو يقتبس من علمه، أو من بركة دعائه.\rخطب أرسطو طاليس يوماً فأطال، وعنده شاب مطرق، فقال له: مالك لا تتكلم؟ قال: إن الله خلق الإنسان أذنين اثنين ولساناً واحداً ليسمع أكثر مما يقول.\rمن أمثال العرب: من يجمع بين الأروى والنعام! لأن الأروى لا تسهل، وإنما تسكن الجبال، والنعام يسكن السهل، ولا ترقى الجبال.\rومن قولهم: بيضة البلد؛ فمدح وذم، فمن المدح قول علي رضى الله عنه: أنا بيضة الإسلام، ومن المدح قول حسان:\rوابن الفريعة أمسى بيضة البلد\rيعني نفسه. وأما الذم فقول الراعي في عدي بن الرقاع:\rلو كنت من أحدٍ يهجي هجوتكم ... يا ابن الرقاع ولكن لست من أحد\rتأبى قضاعة أن تدري لكم نسباً ... وابنا نزارٍ فأنتم بيضة البلد\rابنا نزارٍ: ربيعة ومضر.\rقال قبيصة بن جابر الأسدي، يوم صفين:\rقد حافظت في حربها بنو أسد ... ما مثلها تحت العجاج من أحد\rلسنا بأوباشٍ ولا بيض البلد قيل للأموية: أي شيءٍ أحسن؟ قالت: القصور والبيض في الحدائق الخضر.\rقال أبو لبيد الرياحي: سألت شيخاً لنا: أي شيء أحسن؟ قال: بيضة في روضة.\rتقول العرب: لا شيء أظل من حجر، ولا أفيأ من شجر.\rقال الشاعر:\rإذا لم يكن فيكن ظل ولا جنى ... فأبعدكن الله من شجرات\rوقال آخر:\rفلا تجزعن على أيكةٍ ... أبت أن تظلك أغصانها\rوقال آخر، هو الحسن بن هانئ:\rلا أذود الطير عن شجرٍ ... قد بلوت المر من ثمره\rكلم الحجاج امرأة من الخوارج، وهي معرضة عنه، فقيل لها: يكلمك الأمير وأنت معرضة عنه؟ فقالت: إني لأستحي أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه.\rقال رجل من بني كلاب من الخوارج، يخاطب معاوية بن أبي سفيان رحمه الله:","part":1,"page":214},{"id":215,"text":"قد سرت سير كليب في عشيرته ... لو كان فيهم غلام مثل جساس\rالطاعن الطعنة النجلاء عاندها ... كطرة البرد أعيا فتقها الآسى\rقال عمر بن الخطاب: ما أبالي على أي حال أصبحت؟ أعلى ما أحب أم على ما أكره، لأني لا أدري فيم الخيرة، أفيما أحب أم فيما أكره. وما أبالي إذا استخرت الله في الأمر أكان أو لم يكن.\rوأما قول الشاعر:\rطلب الأبلق العقوق فلما ... لم ينله أراد بيض الأنوق\rفالأبلق لا يكون عقوقاً أبداً، يقال: أعقت الدابة إذا عظم بطنها للحمل، والذكر لا يكون عقوقاً، والأنوق الرخم لا يكاد يرى بيضة ولا يوجد لأنه في صدوع الصخر من الجبال الشامخة، ولا منفعة فيه، ولا يصاب إلا بمشقة ونيل مكروه.\rوأما الزجر بالغراب عندهم فلاشتقاق اسمه من الغربة والاغتراب، ومنه أخذ الغريب. وقيل له: حاتم بن بحير لهذا، ويشتقون من الصرد: التصريد والصرد، والصرد هو البرد، قال الشاعر:\rدعا صرد يوماً على غصن شوحطٍ ... وصاح بذات البين فيها غرابها\rفقلت: أتصريد وشحط وغربة ... فهذا لعمري نأيها واغترابها\rوقال آخر:\rتغني الطائران ببين سلمى ... على غصنين من غرب وبان\rفكان البين أن بانت سليمى ... وبالغرب اغتراب غير دان\rوقال سلامة بن جندل:\rومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لابد مشئوم\rوقال آخر:\rولست أبالي حين أغدو مسافراً ... أصاح غراب أم تعرض ثعلب\rوقد أوضحنا هذا المعنى بالآثار المرفوعة، والأخبار والأشعار في كتاب \" التمهيد \" ، والحمد الله تعالى.\rباب من منثور الحكم والأمثال\rمنتقى من نتائج عقول الرجال\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة \" .\rخير المقال ما صدقه الفعال.\rرأس الدين صحة اليقين.\rكفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم.\rمن الفساد إضاعة الزاد.\rامحض أخاك النصيحة، وإن كانت عنده قبيحة.\rالتجارب ليس لها غاية، والعاقل يستزيد منها إلى غير نهاية.\rمن بذل لك مودته، أجزل لك عطيته.\rالأحمق لا يبالي ما قال، والعاقل يتعاهد المقال.\rمن غلب عليه العجب، ترك مشورة الرجال.\rجانب مودة الحسود، وإن زعم أنه ودود.\rإذا جهل عليك الأحمق، فالبس له سلاح الرفق.\rمن طلب إلى لئيمٍ حاجةً، فهو كمن طلب صيد السمك في المفاوز.\rمؤمل النفع من اللئام، كزارع السمسم في الحمام.\rإذا صادقت الوزير، لم تخف الأمير.\rلا تثق بالأمير إذا خانك الوزير.\rمن كان السلطان يطلبه، ضاق عليه بلده.\rالزائر لمن يستثقله مذل لنفسه.\rصديقي درهمي، إذا سرحته فرج همي وقضى حاجتي.\rمن جالس عدوه فليحترس من منطقه.\rمن عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه.\rمن عرف من نفسه الكذب، لم يصدق الصادق.\rكثرة الذنوب مفسدة للقلوب.\rمن بذل لك نصحه، فاحتمل غضبه.\rمن بذل لك ماله، فاصبر على ما يأتي منه.\rلن يذهب من مالك ما وعظك.\rمن قل خيره على أهله، فلا ترج خيره.\rقتل أرضا عالمها، وقتلت أرض جاهلها.\rالإكثار من الملامة يولد القطيعة.\rصاحب الزلل موكل به الندم.\rالشجاعة لمن كانت له الدولة.\rلا ترسل الكسلان في حاجتك فيتكاهن عليك.\rعناء في غير منفعة خسارة حاضرة.\rمن ألح في المسألة على غير الله، استحق الحرمان.\rصحبة الفاسق شين، وصحبة الفاضل زين.\rمن أكثر الكلام على المائدة غش بطنه، واستثقله إخوانه.\rالكريم يواسي إخوانه في دولته.\rمن حفظ سره ركب أمره.\rمن جرى في ميدان أمله، عثر في عنان أجله.\rمن أحبك نهاك، ومن أبغضك أغراك.\rمن لم تقدر على مكافأته، فانصح له.\rمن لم يصبر على البلاء، لم يرض بالقضاء.\rمن استهوته الخمر والنساء، أسرع إليه البلاء.\rإذا احترق الفؤاد، ذهب الرقاد.\rمن تسلط على الناس بغير سلطان، لم يسلم ممن الهوان.\rالغريب الناصح خير من القريب الغاش.\rمن نسى إخوانه في الولاية، أسلموه في العزل والشدة.\rمن لم ينلك البر في حياته، لم تبك عيناك على وفاته.\rمن لم يقنع برزقه، عذب نفسه.\rمن اجترأ على السلطان، تعرض للهوان.\rإذا لم يواتك البازي في صيده، فاتنف ريشه.\rالهم ظلمة جلاؤها الفرج.","part":1,"page":215},{"id":216,"text":"فقد الصبر، أعظم مصائب الدهر.\rساعات السرور جالبة للمحذور.\rفكر في المعاد، تنس أمور العباد.\rالصعود إلى السماء، أيسر من صرف القضاء.\rمن مدحك بما لا يعلم منك جهراً، ذمك بما لا يعلم منك سرا.\rأمسك لسانك يسلم جنانك.\rالحجة تدعو إلى المذهب الصحيح، والشبهة تدعو إلى المذهب الفاسد.\rإن قدرت ألا تسمع أذنك سرك فافعل؛ فإن الدهر إذا عرف لذة كذرها.\rلقاء الأحبة مسلاة للهموم.\rحسن التدبير مع الكفاف، خير من التبذير مع الإيسار.\rأشد الأشياء تأييداً للعقل مشاورة العلماء، والأناة في الأمور، والاعتبار بالتجارب. وأشدها إضراراً بالعقل الاستبداد والتهاون والعجلة.\rأصعب من السلو التذلل للعدو قليل مهنً، خير من كثير مكدر.\rكلب شاكر، خير من صاحبٍ غادر.\rروضة العلم أزين من روضة الرياحين.\rالكتاب مفيد علم من سلف، باقٍ لمن خلف.\rالقلم لسان الغائب.\rرب خيرٍ جديد ألذ من مالٍ عتيد.\rالسلام وحسن البشر، ربما زرعا المودة في القلوب.\rالحسود مغتاظ على من لا ذنب له عنده.\rالمرأة العفيفة الجميلة المواتية جنة الدنيا.\rموت الولد العاق والزوجة المهارشة نعمة سابغة.\rفي الوجوه تظهر المودات.\rالقلوب تجازي، وبضميرك تستدل.\rمن الآفات كثرة الالتفات.\rومن كلام أكثر بن صيفي: مع كل حبرة عبرة، مع كل فرحة ترحة.\rلا جماعة لمن اختلف عليه.\rالانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والإفراط في الأنس مكسبة لقرناء السوء.\rرب عجلة تعقب ريثاً.\rالعجز والتواني سبب الفاقة.\rمن مأمنه يؤتى الحذر.\rاسع بجدً أو فذر.\rجدك لا كدك.\rستساق إلى ما أنت لاق.\rمن جهل شيئاً عاداه، ومن أحب شيئاً استعبده.\rويل عالم من امرىءٍ جاهل.\rإن قدرت أن ترى عدوك أنك صديقه فافعل.\rكم بين روعة الفراق، وفرح التلاق.\rمن أشد العذاب فرقه الأحباب.\rاحذر من وترته وإن أحسنت إليه.\rسوقي نفيس، خير من قرشي خسيس.\rالعقل كالزجاج إن يصدع لم يرقع.\rموت مريح خير من فقرٍ صريح.\rخير القريض والكلام ما إذا فرغ منشده وقائله، أحب إعادته سامعه.\rإذا لم تقبل الحجة منك فالسكوت أولى بك.\rمن وعظه اليسير استغنى عن الكثير.\rإذا جاء القدر عمى البصر.\rإذا جاء الحين غطى العين.\rإن غلبت على القول لم تغلب على السكوت.\rفي الإنصاف للعلماء زيادة، وفي الإنصاف للجهال سلامة.\rمن نظر أبصر، ومن فكر اعتبر.\rالعيال سوس المال.\rحسبك من المال ما نفعك، ومن الدين ما ورعك.\rلا ينطق لسانك إلا على ما يتسع به بنانك.\rمن حكم فليعدل، ومن قضى فليفصل.\rإذا صدق العيان لم يحتج إلى برهان.\rإذا خان البرهان فزعت إلى العيال.\rشفاء الصدور في التسليم للمقدور.\rشدة الحاجة ربما بعثت الحيلة.\rويح ابن آدم كيف ينهي ولا يرعوي، أم كيف يأمر ولا ينتهي.\rالكذب عار وربما نفع.\rالحلف لؤم، وربما افتقر إليه.\rالعذر قبيح، وربما حسن.\rالبخل مذموم وربما حمد.\rلا شيء تراه العين، أحلى من اجتماع إلفين.\rحفظك ما في يدك خير من طلبك ما في يد غيرك.\rمن التواني ما يكون سبباً للحرمان.\rمن حلم ساد، ومن تعلم ازداد.\rالعجب من ورثة الموتى، كيف لا يزهدون في الدنيا؟!.\rمن أيقن بالأجر، رغب في الصبر.\rالإفراط في العتاب، يدعو إلى الاجتناب.\rمن نم عندك، نم بك.\rمن سعى إليك سعى عليك.\rرب أخ لك لم تجمعك به ولادة.\rلا يرتفع الرجل فوق قدره إلا لذلً يجده في نفسه.\rمدح الغائب تعريض بالحاضر.\rأخر الشر إذا شئت تعجيله.\rما أحق من غدر بألا يوفى له.\rالحق أبلج، والباطل لجلج.\rالخط صورة فأحسنها أبينها.\rذم الإنسان لنفسه في الملاء، مدح منه لها في الخلاء.\rبطن جائع خير من ظلم شائع.\rالثقيل عذاب وبيل.\rرب بزة ظاهرة، تحتها خلة باطنة.\rعلم الرجل، ابنه الباقي بعده.\rمن عالته امرأة، لم يفقد ذلا.\rشهود الزور كلاب القبور.\rالعيان رائد الاستحسان.\rالاشتياق يذهب بالعناق.\rليس بالتحفظ في الأمور يسلم من المقدور.\rمن تردى بثوب السخاء غاب عن الناس عيبه.\rمن يفرغ للشر يطلبه، أتيح له من يغلبه.\rمن أمل أحداً هابه، ومن لم يدرك الشيء عابه.\rلا يضر السحاب نباح الكلاب.\rقال حسان:\rما أبالي أنب بالحزن تيسٌ ... أم لحاني بظهر غيب لئيمُ\rوقال الأخطل:","part":1,"page":216},{"id":217,"text":"ما ضر تغلب وائلٍ أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران\rوقال آخر:\rما يضر البحر أمسى زاخراً ... أن رمى فيه غلام بحجر\rوقال جرير:\rزعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً ... أبشر بطول سلامة يا مربع\rوقال آخر:\rتهددني لتقتلني نمير ... متى قتلت نمير من هجاها\rباب من نوادر الفلاسفة مختصرة\rقيل لأرسطو طاليس: ما الفلسفة؟ قال: فقر وصبر، وعفاف وكفاف، وهمة وفكرة.\rقيل لسقراط: بم فضلت أهل زمانك؟ قال: لأن غرضي في الأكل الحياة، وغرضهم في الحياة أن يأكلوا.\rقيل لسقراط: ما أتعب فلاناً بخضاب لحيته؟ فقال: لخوف المطالبة بالحكمة، ولا تطلب إلا من المشايخ.\rقال بقراط: أعظم آفة الحيوان الصامت من صممته، وأعظم آفة الحيوان الناطق من نطقه.\rقيل لجالينوس: بم فقت أصحابك في علم الطب؟ فقال: لأني أنفقت في زيت السراج لدرس الكتب مثل ما أنفقوا في شرب الخمر.\rكتب فيلسوف إلى طبيب: صناعتي أقرب الصناعات من صناعتك؛ لأنك تصلح الأبدان وأنا أصلح النفوس.\rقيل لفيلسوف: أين بلغت بك الحكمة؟ قال: إلى الوقوف على القصور عنها.\rقال أنوشروان لبزر جمهر: من أدبك؟ قال: قريحتيٍ، نظرت إلى ما استحسنت من غيري فاستعملته، وما استقبحته اجتنبته، ولقد تفقدت من كل شيء محاسنه، فأخذت من الخنزير قناعته، ومن الكلب محافظته، ومن القرد مساعدته، ومن الحمار صبره، ومن الغراب بكوره، ومن السنور لطافة المسألة عند الخوان.\rقيل لرجل من الحكماء: لمن أنت أرحم؟ قال: لعالمٍ جاز عليه حكم جاهل.\rوقيل له: متى يكون البليغ عييا، والعيُّ بليغاً؟ فقال: إذا وصف حبيباً، وإذا احتج البليغ على محبوب.\rقيل للإسكندر: رأيناك تعظم معلمك، أكثر من تعظيمك لأبيك؟ فقال: لأن أبي سبب موتى، ومعلمي سبب حياتي.\rنظر حكيم إلى قوم يرمون ولا يصيبون ويسبون الرمى، فجلس في الهدف إلى الغرض، فقيل له: جلست هناك! قال: لأني لم أر موضعا أوقى من هذا.\rقيل لبعض الحكماء: متى أثرت فيك الحكمة؟ قال: مذ بدا لي عيب نفسي.\rرأى أفلاطون رجلاً معجباً بنفسه، فقال: وددت أن أعدائي مثلك في الحقيقة، وأنا مثلك في ظنك.\rكان رجل مصوراً فترك التصوير وتتطبب، فقيل له في ذلك، فقال: الخطأ في التصوير تدركه العيون، وخطأ الطبيب تواريه القبور.\rسعى إلى الإسكندر بعض رجاله برجل من أصحابه فقال له: أتحب أن أقبل قولك فيه، على أن أقبل قوله فيك؟ قال: لا. قال: فكف إذاً عن الشر ليكف الشر عنك.\rقال الإسكندر لجلسائه: ينبغي للرجل أن يستحي من أن يأتي قبيحاً في منزله من أهله؛ وفي غير منزله ممن يلقاه.\rأتى الإسكندر يوماً جاسوس يخبره عن عسكر دارا الفارسي، وأخبره أن فيه خلقاً كثيراً، فقال له: إن الذئب وإن كان واحداً لا تهو له كثرة الغنم.\rكان في أصحاب الإسكندر رجل يسمى الإسكندر لا يزال ينهزم في الحرب، فقال له: إما غيرت اسمك، وإما غيرت فعلك.\rقيل للإسكندر: قد بسط الله لك في الملك، فأكثر من النساء ليكثر ولدك ونسلك، فقال لا يصح لمن غلب الرجال أن تغلب عليه النساء.\rسأل الإسكندر رجلان من خاصته أن يحكم بينهما، فقال: الحكم يرضي أحدكما ويسخط الآخر، فاستعملا الحق ليرضيكما جميعاً.\rوقال له أصحابه: قد بسط الله ملكك وعظم سلطانك، فبأي الأشياء أنت أسر: بما نلت من أعدائك، أم بما بلغت من سلطانك؟ قال: كلاهما يسير، وأعظم ما أسر به ما سننت في الرعية من السنن الجميلة والشرائع الحسنة.\rقال الإسكندر: ينبغي للرجل إذا صافى مصافياً أن يتوقى مباشرته، ولا يسترسل إليه فيما يشينه.\rقال بعض الحكماء لتلاميذه: استعملوا الكذب عند الضرورة كما تستعملون الدواء.\rولما مات الإسكندر قال نادبه: حركنا الإسكندر بسكونه.\rأخذه أبو العتاهية فقال:\rيا علي بن ثابتٍِ بان مني ... صاحب جل فقده يوم بنتا\rقد لعمري حكيت لي غصص المو ... ت وحركتني لها وسكنتا\rقال الموبذ بوم مات قباذ: كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس.\rأخذ أبو العتاهية هذا المعني، فقال:\rوكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا","part":1,"page":217},{"id":218,"text":"يقال: إن الإسكندر مات وكان عمره ستاً وثلاثين سنة، هذا قول الفرس ومنهم من يقول: كان عمره ثلاثاً وثلاثين سنة، وفي قول الفرس: إنه ملك أربع عشرة سنة. وأن قتله لدارا كان في السنة الثالثة من ملكه، وزعم الروم أن ملكه كان ثلاثاً وعشرين سنة وأنه مات وعمره ثلاث وأربعون سنة وهم أعلم به، وزعموا أنه مات بشهرزور، وأنه حمل إلى الإسكندرية ودفن بها، وأقامت عليه النوائح شهوراً. وقيل: بل مات بالإسكندرية.\rقال بعض الحكماء: لا تغترن بحسن الكلام وطيبه إذا كان الغرض المقصود منه ضاراً؛ فإن الذين يخدعون الناس إنما يخلطون السم بالحلو من الأطعمة والأشربة، ولا يصعبن عليك الكلام الغليظ، إذا كان الغرض المقصود إليه نافعاً؛ فإن أكثر الأدوية الجالبة للصحة مرة مستبشعة.\rقيل لبعض الحكماء: أي شيءٍ أنفع الأشياء؟ قال: الاعتدال. قيل: وما الاعتدال؟ قال: هو الشيء الذي الزيادة فيه والنقص منه ضرر.\rيروى أن المسيح عليه السلام قال: أمر لا تعلم متى يغشاك، ينبغي أن تستعد له قبل أن يفجأك.\rباب الرياء\rجاء رجل إلى البني صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أحب الجهاد في سبيل الله، وأحب أن يرى مكاني وموضعي، وإني أتصدق وأعمل العمل وأحب أن يراه الناس. فأنزل الله عز وجل: \" فمنْ كان يرجو لقاءَ ربهِ فليعمل عملاً صالحاً، ولا يشرك بعبادةِ ربهِ أحداً \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من راءى بعمله، راءى الله به، ومن سمع بعمله سمع الله به بين خلقه وحقره وصغره \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل لي عملاً أشرك فيه غيري فهو إلى غيري، ليس لي منه شيء، وأنا منه برئ \" .\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة، يوم يجازى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون فيهم خيراً \" .\rوروى في الحديث المرفوع: \" الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل \" .\rروى الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، قال: إن الملك ليصعد بعمل العبد مستفتحاً به، حتى إذا انتهى إلى ربه قال: اجعلوه في سجين، إني لم أرد بهذا. قال الأوزاعي: فما ظنك بما قد خفي عن الملك.\rوروى عن النبي عليه السلام أنه قال: \" أخوف ما أخاف عليكم الرياء، والشهوة الخفية، حبك أن تحمد بما لم تفعل \" وقيل: بما عملت من الخير. والأول أجود. لأنه قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل: يا رسول الله! أني أعمل العمل أريد به وجه الله، ثم يبلغني أن الناس يتحدثون به فيسرني. قال: \" ذلك عاجل بشري المؤمن \" .\rقال الشاعر:\rإذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل ... خلوت ولكن قل على رقيب\rولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما تخفيه عنه يغيب\rلهونا عن الأعمال حتى تتابع ... علينا ذنوب بعدهن ذنوب\rفيا ليت أن الله يغفر ما مضى ... ويأذن لي في توبةٍ فأتوب\rوقال آخر:\rكم من مصل لا يطي ... ل صلاته لسوى الطمع\rمتلهيا إما خلا ... وإذا بصرت به ركع\rيدعو وجل دعائه: ... ما للفريسة لا تقع\rوقال الغزال:\rومراء أخذ النا ... س بسمتٍ وقطوب\rوخشوع يشبه السق ... م وضعف في الدبيب\rقلت: هل تألم شيئاً ... قال أثقال الذنوب\rقلت: لا تعن بشيءٍ ... أنت في قالب ذيب\rإنما تنبي عن الوث ... بة في حال الوثوب\rليس من يخفى عليه ... منك هذا بلبيب\rقال محمود الوراق:\rأيها المغرور مهلا ... فلقد أوتيت جهلا\rكم إلى كم تحسن القو ... ل ولا تحسن فعلا\rظاهر يجعل والباطن لا ... يخفى على ربك كلا\rوقال محمود الوراق:\rتصنع كي يقال له أمين ... وما يغني التصنع للأمانة\rولم يرد الإله به ولكن ... أراد به الطريق إلى الخيانة\rباب في الشيب ومدحه","part":1,"page":218},{"id":219,"text":"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من شاب شيبةً في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة \" .\rقال جعفر الخواص: رأيت يحيى بن أكثم في النوم، فقلت ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه فسألني وناقشني، وقال: يا شيخ السوء! لولا شيبتك لأدخلتك النار - رددها ثلاثاً - فقلت: يا رب! ما هكذا حدثني عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري عن أنس، عن نبيك، عن جبريل، عنك. قال: وما هو؟ قلت: \" حدث أنه من شاب شيبةً في الإسلام لم تحرقه بالنار \" ، فقال الله عز وجل: \" صدق عبد الرزاق، وصدق معمر، وصدق الزهري، وصدق أنس، وصدق نبي، وصدق جبريل؟ انطلقوا به إلى الجنة \" .\rوقال أبو موسى الزمن: رأيت أبا الوليد الطيالسي في النوم فقلت: يا أبا الوليد، أليس قدمت؟ قال: بلى. قلت: فما فعل الله بك. قال: غفر لي ورحمني وطيبني بيده، وقال: هكذا أفعل بأبناء الخمسين والسبعين.\rوممن مدح الشيب من الشعراء الفرزدق، حيث يقول:\rتفاريق شيب في السواد لوامع ... وما خير ليلٍ ليس فيه نجوم\rوقال أبو هفان:\rتعجبت هند من شيبي فقلت لها ... لا تعجبي فبياض الصبح في السدف\rوزادها عجباً أن رحت في سملٍ ... وما درت هند أن الدر في الصدف\rوقال دعبل:\rأهلاً وسهلاً بالمشيب فإنه ... سمة العفيف وحلية المتحرج\rوكأن شيبي نظم درً زاهرٍ ... في تاج ذي ملكٍ أغر متوج\rوقال أيضاً:\rأحب الشيب لما قيل ضيف ... لحبي للصيوف النازلينا\rلمحمد بن عبد الملك الزيات:\rوعائبٍ عابني بشيبي ... لم يعد لما ألم وقته\rفقلت غذ عابني بشيبي ... يا عائب الشيب لا بلغته\rوقال آخر:\rلا يرعك المشيب يا بنة عبد الله ... فالشيب جلة ووقار\rإنما تحسن الرياض إذا ما ... ضحكت في خلالها الأنوار\rولأبي الفتح البستي:\rما استقامت قناة رأيي إلا ... بعدما عوج المشيب قناتي\rولدعبل بن علي:\rتعجبت أن رأت شيبي فقلت لها: ... لا تعجبي من يطل عمر به يشب\rشيب الرجال لهم زين وتكرمة ... وشيبكن لكن الويل فاكتئبي\rفينا لكن وإن شيب بدا أرب ... وليس فيكن بعد الشيب من أرب\rوقال أبو الحسن علي بن محمد السهواجي، وسهواج بلدة من أعمال مصر:\rومما زاد في طول اكتئابي ... طلائع شيبتين ألمتابي\rفأما شيبة ففزعت منها ... إلى المقراض من حب التصابي\rوأما أختها فكففت عنها ... لتشهد بالبراء من الخضاب\rفيا عجباً لذلك من مشيبٍ ... أقمت به الدليل على الشباب\rوروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: \" أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين، وأقلهم من تجاوز ذلك \" . قال أبو هريرة: وأنا من أقلهم، وقاله أبو سلمة ومحمد بن عمرو.\rومن حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: \" من تعظيم خلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم \" .\rرأى إياس بن قتادة شعرةً بيضاء في لحيته، فقال: أرى الموت يطلبني، وأراني لا أفوته، أعوذ بك يا رب من فجأة الموت. يا بني سعد! قد وهبت لكم شبابي فهبوا لي شيبي.\rوروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: \" خير شبابكم من تشبه بكهولكم، وشر كهولكم من تشبه بشبابكم \" . من حديث أنس.\rوروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: \" إن الله عز وجل ليكرم أبناء السبعين ويستحي من أبناء الثمانين أن يعذبهم \" .\rباب في خضاب الشيب ونتفه\rقال محمود الوراق:\rإذا ما الشيب جار على الشباب ... فعاجله وغالط في الحساب\rوقل لا مرحباً بك من نزيلٍ ... وعذبه بأنواع العذاب\rبنتفٍ أو بقص كل يومٍ ... وأحياناً بمكروه الخضاب\rفإن هو لم يحر وأتى لوقته ... فقل في رحب دار واقتراب\rولا تعرض له إلا بخيرٍ ... وإن عدي على شرخ الشباب\rوخذ للشيب أهبته وبادر ... وخل عنان رحلك للذهاب","part":1,"page":219},{"id":220,"text":"فقد جد الرحيل وأنت ممن ... يسير على مقدمة الركاب\rوقال محمود الوراق:\rوذي حيلةٍ في الشيب ظل يحوطه ... فيخضبه طوراً وطوراً ينتف\rوما لطفت للشيب حيلة عالمٍ ... على الدهر إلا حيلة الشيب ألطف\rوقال محمود أيضاً:\rاشتعل الشيب فأفنيته ... وكل مقراضي فأعتقته\rكنت إذا استقصيت قصي له ... وقلت في نفسي أفنيته\rعارضني من جانبٍ آخرٍ ... كأنني قد كنت زملته\rالشيب ما ليست له حيلة ... أعياني الشيب فخليته\rوله أيضاً:\rيا خاضب الشيبة نح فقدها ... فإنما تدرجها في كفن\rأما تراها منذ عاينتها ... تزيد في الرأس بنقص البدن\rأنشدني بعض شيوخي لابن محاسن في الخضاب:\rيا من يغير شببه بخضابه ... ليكون عند الغانيات وجيها\rهبك المشيب أحلته عن حاله ... فغضون وجهك كيف تصنع فيها\rهيهات توهمها بأنك تربها ... فإذا خلت بك كنت صنو أبيها\rولمنصور الفقيه:\rهبني سترت مشيبي ... تستراً عن حبيبي\rفهل أروح وأغدو ... إلا بوجه مريبٍ\rوقال آخر:\rصبغت الرأس ختلاً للغواني ... كما غطى على الريب المريب\rأعلل مرةً وأساء أخرى ... ولا تحصى على الكبر العيوب\rيقوم بالثقاف العود لدناً ... ولا يتقوم العود الصليب\rوقال آخر:\rفما منك الشباب ولست منه ... إذا سألتك لحيتك الخضابا\rولابن المعتز:\rماذا تريدين من جهلي وقد سلفت ... سنو شبابي وهذا الشيب قد وخطا\rأروح للشعرة البيضاء ملتقطاً ... فيصبح الشيب للسوداء ملتقطا\rوقد مدح ابن المعتز الخضاب فقال:\rوقالوا: النصول مشيب جديد ... فقلت: الخضاب شباب جديد\rإساءة هذا بإحسان ذا ... فإن عاد هذا فهذا يعود\rولمحمود الوراق:\rأتفرح أن ترى حسن الخضاب ... وقد واريت بعضك في التراب\rألم تعلم وفرط الجهل أولىبمثلك أنه كفن الشباب\rلقد ألزمت لهزمتيك هوناً ... وذلا لم يكن لك في الحساب\rأحين رمى سواد الرأس شيب ... فغيره فزعت إلى الخضاب\rفكنت كمن أطل على عذابٍ ... ففر من العذاب إلى العذاب\rتهي لنقلة لابد منها ... فقد أثبت رجلك في الركاب\rوقال آخر:\rيا أيها الرجل المسود شيبه ... كيما يعد به من الشبان\rأقصر فلو سودت كل حمامةٍ ... بيضاء ما عدت من الغربان\rوقال ابن الرومي:\rرأيت خضاب المرء عند مشيبه ... حداداً على شرخ الشبيبة يلبس\rوإلا فما يغني الفتى من خضابه ... أيطمع أن يخفي شباب مدلس\rفكيف بأن يخفي المشيب لخاضب ... وكل ثلاثٍ صبحه يتنفس\rوهبه يواري شيبه أين ماؤه ... وأين أديم للشبيبة أملس\rوقال محمود الوراق:\rطويت عوار الشيب من فرطٍ قبحه ... بأقبح منه فافتضحت وما انطوى\rوأصبحت مرتاداً لنفسك ضلةً ... وقبلك ما أعيا الفلاسفة الألى\rوله أيضاً، ويروي لغيره:\rيا خاضب الشيب الذي ... في كل ثالثةٍ يعود\rإن النصول إذا بدا ... فكأنه شيب جديد\rهذي بديهة روعةٍ ... مكروهها أبداً عتيد\rفدع المشيب لما أرا ... د فلن يعود كما تريد\rكان عقبة بن عامر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يخضب بالسواد، ويتمثل:\rاسود أعلاها وتأبى أصولها ... فياليت ما يسود منها هو الأصل\rوقال آخر:\rنصول الشيب طوقني بطوق ... يلوح على من تحت السواد\rإذا أبصرته فكأن وخزاً ... بأطراف الأسنة في فؤادي\rباب جامع مختصر في الشيب والبكاء\rعلى فقد الشباب\rقال منصور النمري:","part":1,"page":220},{"id":221,"text":"ما واجه الشيب من عين وإن ومقت ... إلا لها نبوة عنه ومرتدع\rأبكي شباباً سلبناه وكان وما ... توفي بقيمته الدنيا ولا تسع\rقد كدت تقضي على فوت الشباب أسًى ... لولا يعزيك أن العيش منقطع\rما كدت أوفي شبابي كنه عزته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع\rقال المبرد: هذا من الشعر البديع في معناه، الذي ليس لأحد من المحدثين مثله، وقد أخذه الباهلي في قوله:\rاذهب إليك فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيومٍ واحدٍ بدل\rقال الفرزدق:\rوتقول كيف يميل مثلك للصبا ... وعليك من سمة الكبير عذار\rوالشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار\rوقال الأخطل:\rهل الشباب الذي قد فات مردود ... أم هل دواء يرد الشيب موجود\rلن يرجع الشيب شباناً ولن يجدوا ... عدل الشباب له ما أورق العود\rوقال أيضاً:\rلقد لبست لهذا الدهر أعصره ... حتى تخلل رأسي الشيب واشتعلا\rوبان مني شبابي بعد لذته ... كأنما ضيفا نازلا رحلا\rوقال منصور الفقيه:\rمن شاب قد مات وهو حي ... يمشي على الأرض مشي هالك\rلو أن عمر الفتى حساب ... كان له شيبه فذلك\rوقال محمود الوراق:\rمني السلام على الدنيا وبهجتها ... فقد نعاها إلى الشيب والكبر\rلم يبق لي لذة إلا التعجب من ... صرف الزمان وما يأتي به القدر\rإحدى وسبعون لو مرت على حجر ... لكان من حكمه أن يفلق الحجر\rوقال نفطويه:\rشيئان لو بكت الدماء عليهما ... عيناي حتى بؤذنا بذهاب\rلم يبلغا المعشار من حقيهما ... فقد الشباب وفرقة الأحباب\rوقال آخر:\rكان الشباب رداءً قد بهجت به ... فقد تطاول فيه للبلى خرق\rوبان منشمراً عني ومنقبضاً ... كالليلِ ينهض في أعجازه الفلق\rوقال يوسف بن هارون:\rنظرت إلى بعين من لم يعدل ... لما تمكن طرفها من مقتلي\rفجعلت أطلب وصلها بتلطفٍ ... والشيب يغمزها بألا تفعلي\rوقال محمود الوراق:\rأمن بعد ستين تبكي الطلولا ... وتندب رسماً وانياً محيلا\rوقد نجم الشيب في عارضيك ... وجر على مفرقك الذيولا\rوله أيضاً:\rأليس عجيباً بأن الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه\rفمن بين باكٍ له موجع ... وبين معزٍ معذٍ إليه\rويسلبه الشيب شرخ الشباب ... وليس يعزيه خلق عليه\rوقال سهل الوراق:\rأرى الشيب مذ جاوزت خمسين حجةً ... يدب دبيب الصبح في غسق الظلم\rهو السقم إلا أنه غير مؤلمٍ ... ولم أر مثل الشيب سقماً بلا ألم\rوقال آخر:\rوالشيب أعظم جرماً عند غانيةٍ ... من ابن ملجم عند الفاطميينا\rوقال علي بن جبلة:\rجلال مشيبٍ نزل ... وأنس شبابٍ رحل\rطوى صاحب صاحباً ... كذاك اختلاف الدول\rأعاذلتي أقصري ... كفي بالمشيب العذل\rجلال ولكنه ... تحاماه حور المقل\rوقال ابن مقبل:\rقالت سليمى وقد كانت على مقةٍ ... لا خير في المرء بعد الشيب والكبر\rقال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: للموت تقحم على الشيب كتقحم الشيب على الشباب.\rوقال مسلم بن الوليد:\rالشيب كره وكره أن يفارقني ... أعجب بشيءٍ على البغضاء مردود\rوقال آخر:\rجانبك النوم والقرار ... أن منعت وصلها نوار\rرأت مشيباً وفي الغواني ... عمن بدا شيبه ازورار\rحتى إذا استيقنت بأني ... قد شاب صدغاي والعذار\rألوت بخدً إلى اللواتي ... زعمن أن المشيب عار\rتمسح رأسي وهي تنادي ... أحتى على رأسك الغبار","part":1,"page":221},{"id":222,"text":"نظر كسرى إلى رجلين من مرازبته أحدهما قد شاب رأسه قبل لحيته، والآخر قد شابت لحيته قبل رأسه، فأراد أن يعرف جواب كل واحد منهما عن حاله تلك. فقال لأحدهما: لم شاب رأسك قبل لحيتك؟ قال: لأن شعر رأسي خلق قبل شعر لحيتي، والكبير يشيب قبل الصغير. وقال للآخر: لم شابت لحيتك قبل رأسك؟ قال: لأنها أقرب إلى الصدر موضع الهم والغم.\rقال حبيب:\rشاب رأسي وما رأيت مشيب ال ... رأس إلا من فضل شيب الفؤاد\rقيل لعبد الملك بن مروان: أسرع إليك المشيب. قال: فكيف لا أشيب وأنا أعرض عقلي على الناس في كل أسبوع - يعني الخطبة.\rروى عن ابن عباس رحمه الله، قال: شيب الناصية من الكرم، وشيب الصدغين من الروع، وشيب الشارب من الفحش، وشيب القفا من اللؤم.\rقال مكي بن إبراهيم:\rمشيب لئام الناس في ذروة القفا ... وشيب كبار الناس فوق المفارق\rقال قيس بن عاصم: الشيب خضاب المنية.\rقال بعض الحكماء: الشيب موت الشعر.\rقال معمر بن سليمان: الشيب مراحل الموت.\rنظر بعض الأعاجم إلى شيبٍ في رأسه أو لحيته، فجمع نساءه وقال: تعالين فاندبنني إذا مات بعضي، لأبصر كيف تندبنني إذا مات كلي.\rباب الكبر والهرم\rقال الله تعالى: \" ومن نعمره ننكسه في الخلق \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اللهم إني أعوذ بك أن أرد إلى أرذل عمر \" .\rوكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الغم والهم والكسل والهرم.\rوفد عمرو بن مسعود السلمي على معاوية بن أبي سفيان، وكان صديقاً لأبي سفيان، فلما مثل بين يدي معاوية عرفه، فقال له: كيف أنت وحالك؟ فقال: ما يسأل أمير المؤمنين عمن سقطت ثمرته، وذبلت بشرته، وابيض شعره، وانخني ظهره، وكثر منه ما يحب أن يقل، وصعب منه ما كان يحب أن يذل، وترك المطعم وكان المنعم، وهجر النساء وكن الشفاء، وقصر خطوه، وذهب لهوه، وكثر سهوه، وثقل على الأرض، وقرب بعضه من بعض، فقل إيحاشه، وكثر ارتعاشه، فنومه سبات، وهمه تارات، وأنشد شعراً حسناً في معناه، تركته لطوله.\rوقال أبو عبيدة: عاش أنس بن مدرك الخثعمي مائة سنة وأربعا وخمسين سنة، وكان سيد خثعم في الجاهلية، وفارسها. وأدرك الإسلام فأسلم، وقال في كبره:\rإذا ما امرؤ عاش الهنيدة سالماً ... وخمسين عاماً بعد ذاك وأربعا\rتبدل مر العيش من بعد عذبه ... وأوشك أن يبلي وأن يتسعسعا\rونادي به الأدني وترضى به العدا ... إذا صار مثل الدال أحدب أخضعا\rرهينة قعر البيت ليس يريمه ... لقىً ثاوياً لا يبرح البيت مضجعا\rيخبر عمن مات حتى كأنما ... رأى الصعب ذا القرنين أو راء تبعا\rقال أبو عبيدة: عمر نصر بن دهمان الأشجعي مائة وتسعين سنة، واعتدل بعد ذلك وصار شاباً، واسود شعره، وكان أعجوبة غطفان في سائر العرب وفيه قال الشاعر:\rونصر بن دهمان الهنيدة عاشها ... وتسعين حولاً ثم قوم فانصاتا\rوعاد سواد الرأس بعد بياضه ... ولكنه من بعد ذا كله ماتا\rروى سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، قال: دخل عمرو بن حريث على أبي العريان الهيثم بن الاسود النخعي يعوده ويزوره، فقال: كيف تجدك يا أبا العريان؟ قال أجدني قد ابيض مني ما كنت أحب أن يسود، واسود مني ما كنت أحب أن يبيض، ولأن مني ما كنت أحب أن يشتد، واشتد مني ما كنت أحب أن يلين. وزاد غيره في هذا الخبر: وأجدني يسبقني من بين يدي، ويدركني من خلفي، وأنسي الحديث، وأذكر القديم، وأنعس في الملاء، وأسهر في الخلاء، وإذا قمت قربت الأرض مني، وإذا قعدت بعدت عني. ثم اتفقت الرواية:\rفاسمع أنبئك بآيات الكبر\rتقارب الخطو وضعف في البصر\rوقلة الطعم إذا الزاد حضر\rوكثرة النسيان ما بي مدكر\rوقلة النوم إذا الليل اعتكر\rأوله نوم وثلثاه سهر\rوسعلة تعتادني مع السحر\rوتركي الحسناء في حين الطهر\rوحذراً أزداده إلى حذر\rوالناس يبلون كما يبلي الشجر\rوقال يحيى بن الحكم الغزال:\rتسألني عن حالتي أم عمر ... وهي ترى ما حل بي من الغير","part":1,"page":222},{"id":223,"text":"وما الذي تسأل عنه من خبر ... وقد كفاها الكشف عن ذاك النظر\rوما تكون حالتي مع الكبر ... اربد مني الوجه وابيض الشعر\rوصار رأسي شهرة من الشهر ... ويبست نضرة وجهي واقشعر\rونقص السمع بنقصان البصر ... وصرت لا أنهض إلا بعد شر\rلو ضامني من ضامني لم أنتصر ... فانظر إلى واعتبر ثم اعتبر\rفإن للحلوم في معتبر\rقال معاوية بن أبي سفيان: من أخطأه سهم المنية قيده الهرم.\rمر شيخ قد انحنى بفتى شاب، فقال له: أتبيع القوس يا شيخ؟ فقال له: إن كبرت أخذتها بلا ثمن.\rلأعرابي في الصلع:\rقد ترك الدهر صفاتي صفصفا\rفصار رأسي جبهةً إلى القفا\rكأنه قد كان ربعاً فعفا\rأمسى وأضحى للمنايا هدفا\rوقال تميم بن مقبل العجلاني:\rكان الشباب لحاجاتٍ وكن له ... فقد فرغت إلى حاجاتي الأخر\rيا حر أمست بشاشات الصبا ذهبت ... فلست منها على عينٍ ولا أثر\rيا حر أمسى سواد الرأس خالطه ... شيب القذال اختلاط الصفو بالكدر\rيا حر من يعتذر من أن يلم به ... ريب الزمات فإني غير معتذر\rقد كنت أهدي ولا أهدي فعلمني ... حسن المقادة أني فاتني بصري\rقالت سليمى لأختيها وقد صدقت ... لا خير في العيش بعد الشيب والكبر\rقالت امرأة لرجل عهدته شابا ثم رأته شاخ: أين شبابك؟ قال: أودى به خصال من طال أمده، وكثر ولده، وضعف جلده، وذهب عدده.\rقال منصور الفقيه:\rيا من دعته الغواني ... عماً وقد كان شبا\rقد كنت ورداً جنيناً ... فصرت ورداً مربا\rمر أعرابي وهو شيخ كبير ببعض الغلمان، فقال له: من قيدك أيها الشيخ؟ قال: الذي هو دائب في فتل قيدك، وأنشده:\rالدهر أبلاني وما أبليته ... والدهر غيرني وما يتغير\rوالدهر قيدني بقيد مبرمٍ ... فمشيت فيه وكل يوم يقصر\rوقال آخر:\rحنتني حانيات الدهر حتى ... كأني خاتل أدنو لصيد\rقريب الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيداً أني بقيد\rقال عبد الرحمن بن أبي بكرة: من طالت أيامه، كانت مصيبته في أحبابه، ومن قصرت أيامه كانت مصيبته في نفسه.\rقال محمود الوراق:\rألا رب ذي أملٍ كاذب ... بعيد الرجاء قوي الطمع\rتمني البقاء تمادي به ... أجاب القضاء فماذا صنع\rتجرد أكثر جثمانه ... وفرق ما كان منه جمع\rودل المشيب على رأسه ... وأعقب من بعد شيبٍ صلع\rوقوس متنيه بعد اعتدالٍ ... وأثبت في الرجل منه الظلع\rفمن ذا يسر بطول البقاء ... إذا كان يبدع هذي البدع\rسأل الحجاج رجلاً من بني ليث، قد بلغ سناً كبيرة، قال: كيف طعمك؟ قال: إذا أكلت ثقلت، وإذا تركت ضعفت. قال: فكيف نكاحك؟ قال: إذا بذل لي عجزت، وإذا منعت شرهت. قال: كيف نومك؟ قال أنام في المجمع، وأسهر في المضجع. قال: كيف قيامك وقعودك؟ قال: إذا أردت الأرض تباعدت مني، وإذا أردت القيام لزمتني. قال: فكيف مشيتك؟ قال: تعقلني الشعرة، وأعثر بالبعرة.\rوذكر المبرد قال: نظر محمد بن عبد الله بن طاهر إلى حاجب له قد رفع حاجبه عن عينيه بعصابةٍ من الكبر، فقال له: كم أتى لك من السنين يا أبا المجد؟ فقال مجيباً له:\rيا ابن الذي دان له المشرقا ... ن من بعد أن دان له المغربان\rإن الثمانين وبلغتهاقد أحوجت سمعي إلى ترجمان\rوبدلتني بالشطاط انحنا ... وكنت كالصعدة تحت السنان\rوقاربت مني خطاً لم تكن ... مقاربات وثنت لي العنان\rوأنشأت بيني وبين الورى ... عيابة من غير نسج العيان\rلم تبق لي عظماً ولا مفصلاً ... إلا لساني وكفاني اللسان\rأدعو به الله وأثنى به ... على الأمير الطاهري الجنان\rفقرباني بأبي أنتما ... من وطني قبل اصفرار البنان","part":1,"page":223},{"id":224,"text":"وقبل منعاي إلى نسوةٍ ... أوطانها حران والرقتان\rقال عبد الرحمن بن أبي بكرة: من تمنى طول العمر، فليوطن نفسه على المصائب، وأقلها فقد الأحبة والقرابات.\rقال لبيد:\rالمرء يأمل أن يعي ... ش وطول عيشٍ قد يضره\rتفني بشاشته ويبقى ... بعد حلو العيش مره\rوتخونه الأيام حتى ... لا يرى شيئاً يسره\rقال التيمي:\rإذا كانت السبعون سنك لم يكن ... لدائك إلا أن تموت طبيب\rوإن امرءاً قد سار سبعين حجةً ... إلى منهلٍ من ورده لقريب\rإذا ما مضى القرن الذي كنت فيهم ... وخلفت في قرنٍ فأنت غريب\rقام أبو العباس عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب، فوجد في ظهره ما يجد الكبير، فأنشأ يقول:\rولقد كنت كالقناة قديماً ... ثم نادت بي الحوادث طاط\rفتضويت للحوادث رغماً ... بعد تعديل قامةٍ وشطاط\rوأديم قد كان يبرق حسناً ... فتغشى الأديم بعد انبساط\rقال محمود الوراق:\rابيض مني الرأس بعد سواده ... ودعا المشيب شبيبتي لنفاد\rواستحصد القوم الذي أنا منهم ... وكفى بذاك علامة لحصادي\rكان أبو بكر بن عياش قد بلغ ثمانين سنة، فكان يتمثل:\rبلغت ثمانين أو جزتها ... فماذا أؤمل أو أنتظر\rومما ينسب إلى بلعام بن راشد السكسكي:\rإذا ما المنايا أخطأتك وصادفت ... حميمك فاعلم أنها ستعود\rولما رأيك الشيب أيقنت أنه ... رجوع غضارات الشباب بعيد\rوقال منصور النمري:\rما تنقضي خسرة مني ولا جزع ... إذا ادكرت شباباً ليس يرتجع\rما كدت أوفي شبابي كنه عزته ... حتى مضى فإذا الدنيا له تبع\rوقال محمود الوراق:\rأيها النادب الشباب الذي قد ... كنت تجفوه مرةً وتعقه\rلو بكيت الشباب عمر الليالي ... لم تكن باكياً بما يستحقه\rقال أبو العتاهية:\rمضى عني الشباب بغير أمري ... فعند الله أحتسب الشبابا\rفزعت إلى خضاب الشيب منه ... وإن نصوله فضح الخضابا\rوما من غايةٍ إلا المنايا ... لمن خلقت شبيبته وشابا\rوقال محمود الوراق:\rسقياً لأيامٍ تولت بها ... أحسن ما كانت صروف الزمن\rإذ أنت في شرخ الشباب الذي ... يحسن فيه منك غير الحسن\rولي وما الدنيا بأقطارها ... لليوم والساعة منه ثمن\rولمحمود الوراق أيضاً:\rإذا ما دعوت الشيخ شيخاً هجوته ... وحسبك مدحا للفتى قول يا فتى\rأشبه أيام الشباب التي مضت ... وأيامنا في الشيب بالفقر والغنى\rوقال آخر:\rإذا رأيت صلعاً في الهامه ... وحدباً بعد اعتدال القامه\rوصار شعر الرأس كالثغامه ... فايئس من الصحة والسلامه\rوقال النمر بن تولب:\rيحب الفنى طول السلامة والبقا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل\rيرد الفنى بعد اعتدالٍ وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل\rوكان النضر بن شميل ينشد:\rيحب بقائي المشفقون ومدتيإلى أجل لو يعلمونقريب\rوما إن أرى في أرذل العمر بعدما ... لبست شبابي كله ومشيبي\rوأصبحت في قومٍ كأن لست منهم ... وبانت لداتي منهم وضروبي\rوقال رجل ليزيد بن هرون: يا أبا خالد! كيف أصبحت؟ فقال:\rأصبحت لا يحمل بعضي بعضا\rكأنما كان شبابي قرضا\rفاستؤدي القرض فكان فرضا\rوصرت عوداً نخراً مرفضاً\rوقال حميد بن ثور:\rأرى بصري قد رابني بعد صحةٍ ... وحسبك داءً أن تصح وتسلما\rولن يلبث العصران يوماً وليلةً ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما\rوقال لبيد بن ربيعة:\rكانت قناتي لا تلين لعامزٍ ... فألانها الإصباح والإمساء\rودعوت ربي في السلامة جاهداً ... ليصحني فإذا السلامة داء\rوقال لبيد أيضاً:","part":1,"page":224},{"id":225,"text":"أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع\rأخبر أخبار القرون التي مضت ... أدب كأبي كلما قمت راكع\rوقال أبو النجم العجلي:\rإن الفتى يصبح للأسقام\rكالغرضٍ المنصوب للسهام\rأخطأ رامٍ وأصاب رام\rوأظنه أخذه من قول زهير:\rرأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم\rوقال آخر:\rمن عاش أخلقت الأيام جدته ... وخانه ثقتاه السمع والبصر\rوقال أعرابي:\rإذا الرجال ولدت أولادها ... واضطربت من كبرٍ أعضادها\rوجعلت أسقامها تعتادها ... فهي زروع قددنا حصادها\rوقال عروة بن الورد:\rأليس ورائي أن أدب على العصا ... فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي\rرهينة قعر البيت كل عشيةٍ ... يطيف بي الوالدان أهدج كالرأل\rشبه هدجان الشيخ الضعيف في مشيه بهدجان الرأل، والرأل: ولد النعام والجميع: رئال ورئلان.\rقال أبو الرجف:\rأشكو إليك وجعاً بركبتي\rوهدجاناً لم يكن بمشيتي\rكهدجان الرأل خلف الهيقت\rوقال أبو حية النميري:\rوقد جعلت إذا ما قمت يوجعني ... ظهري فقمت قيام الشارب السكر\rوكنت أمشي على رجلي معتدلاً ... فصرت أمشي على أخرى من الشجرٍ\rوقال آخر:\rإن الأمور إذا الأحداث دبرها ... دون الشيوخ يرى في بعضها الخلل\rوإن أتت للشباب الغر نادرةً ... فإن أكثر ما يأتي لها الخطل\rقال أبو العتاهية:\rأسرع في نقصٍ امرىءٍ تمامه\rوقال أيضاً:\rمن يعش يكبر ومن يكبر يمت ... والمنايا لا تبالي من أتت\rوقال محمود الوراق:\rيحب الفتى طول البقاء وإنه ... على ثقةٍ أن البقاء فناء\rزيادته في الجسم نقص حياته ... وليس على نقص الحياة نماء\rإذا ما طوى يوماً اليوم بعضه ... ويطويه إن جن المساء مساء\rجديدان لا يبقى الجميع عليهما ... ولا لهما بعد الجميع بقاء\rقال محمد بن نصر: كنت بأرض الطفاوة، إذ سمعت امرأةً تكلم أخرى من طاقٍ إلى طاقٍ فقالت لها: ما تقولين في ابن العشرين؟ قالت ريحانة تشمين. قالت فما تقولين في ابن الثلاثين؟ قالت قرة عين الناظرين. قالت فما تقولين في ابن الأربعين؟ قالت: قوى الظهر في ماء مكين. قالت: فما تقولين في ابن الخمسين؟ قالت: تعرفين وتنكرين. قالت: فما تقولين في ابن الستين؟ قالت: كثير السعال والأنين. قالت: فما تقولين في ابن السبعين؟ قالت: اكتبيه في الضارطين.\rذكر ابن الأنباري، عن ثعلب، عن ابن الأعرابي، قال: كان العرب تقول: الرجل يزداد قوةً إلى الأربعين، فإذا بلغ الأربعين اصلهب إلى الستين، فإذا جاوز الستين أدبر. وقال: اصلهب بقي على حال واحدة. وأنشد:\rوفيت ستين واستكملت عدتها ... فما بقاؤك إذ وفيت ستينا\rفاحتل لنفسك يا حسان في مهلٍ ... فكل يوم ترى ناساً يموتونا\rوذكر أبو الحسن الأخفش، قال: أنشدني أبو العباس ثعلب لبعض حكماء العرب:\rابن عشرٍ من السنين غلام ... همه اللعب مولع بالغرام\rوابن عشرين مولع بالغواني ... لا يبالي ملامةً اللوام\rوالذي يبلغ الثلاثين عاماً ... فضروب لدى الوغى بالحسام\rفإذا جازها بعشر سنينٍ ... كان أقوى من كل قرن مسام\rوابن خمسين للنوائب يرجى ولنقض الأمور والإبرام\rوابن ستين حازم الرأي طب ... كامل العقل ضابط للكلام\rوابن سبعين قد تولى وأودى ... وتثنى فما له من قوام\rوالذي يبلغ الثمانين عاماً ... ذاهب الذهن دائب الأسقام\rوابن تسعين تائه قد تناهى ... إن تسعين غاية الأعوام\rفإذا جازها بعشرٍ فحي ... مثل ميتٍ مودع بالسلام\rباب الوصايا الموجزة\rقال جابر بن عبد الله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بأيام يقول: \" لا يموتن أحدكم إلا وهو حسن الظن بالله \" .","part":1,"page":225},{"id":226,"text":"قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أوصني يا رسول الله، وأقلل في القول لعلي أحفظه. قال: \" لا تغضب \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، أو تلقى أخاك ووجهك منبسط إليه \" .\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو بكلمةٍ طيبة \" .\rأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فقال: \" هيئ جهازك وقدم زادك، وكن وصي نفسك؛ فإنه لا خلف من التقوى، ولا عوض من الله عز وجل \" .\rقال أبو هريرة: أوصاني خليلي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم بثلاثٍ لا أدعهن أبداً؛ بالوتر قبل النوم، وبصيام ثلاثة أيام في كل شهر، وركعتي الضحى.\rوقال لي: أحبب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلماً.\rقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أوصني. فقال: \" أوصيك بالدعاء؛ فإن معه الإجابة، وعليك بالشكر؛ فإن معه الزيادة، وأنهاك عن المكر؛ فإنه لا يحيق المكر السيء إلا بأهله، وعن البغي؛ فإنه من بغي عليه نصره الله، وإياك أن تبغض مؤمناً أو تعين عليه \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من سألكم بالله فأعطوه، ومن دعاكم بالله فأجيبوه، ومن استغاثكم بالله فأغيثوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فأثنوا عليه \" .\rأوصى النبي عليه السلام رجلا، فقال: \" عليك بذكر الموت؛ فإنه يشغلك عما سواه، وعليك بكثرة الدعاء؛ فإنك لا تدري متى يستجاب لك، وأكثر من الشكر؛ فإنه زيادة \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إياكم والفحش؛ فإن الله لا يحب الفاحش المتفحش؛ وإياكم والشح؛ فإنه دعا من قبلكم فقطعوا أرحامهم، وسفكوا دماءهم، وإياكم والظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة \" .\rقال عبد الله بن عباس: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: \" يا غلام، احفظ الله يحفظك، واحفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت استعن فالله... \" .\rوذكر الحديث.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أوصاني ربي بتسع بالإخلاص في السر والعلانية، وبالعدل في الرضا والغضب، وبالقصد في الغنى والفقر، وأن أعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من قطعني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة \" .\rقال الأعشى:\rأجدك لم تسمع وصاة محمدٍ ... نبي الهدى في حين أوصى وأشهدا\rإذا أنت لم ترحل بزادٍ من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا\rندمت على ألا تكون كمثله ... وترصد للموت الذي كان أرصدا\rقال موسى بن عمران للخضر عليهما السلام: إني قد حرمت صحبتك؛ فأوصني. قال: إياك واللجاجة، والمشي في غير حاجة، والضحك من غير عجب.\rقال أبو بكر لعمر رضى اله عنهما في وصيته إياه: إذا جنيت جنيً فكف يدك، أو يشبع من جنيت له. من نازعتك نفسك إلى شركتهم، فكن فيهم كأحدهم، ولا تستأثر عليهم، وأعلم أن ذخيرة الإمام تهلك دينه وتسفك دمه.\rوأوصى أبو الدرداء رجلاً، فقال له: اعتقد لنفسك ما يدوم، واستدل بما كان على ما يكون.\rكان جندب بن عبد الله الأنصاري صديقاً لعبد الله بن عباس، فقال له حين ودعه: أوصني يا ابن عباس، فإني لا أدري أنجتمع بعدها أم لا. فقال: أوصيك يا جندب ونفسي بتوحيد الله، وإخلاص العمل لله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ فإن كل خير أتيت بعد هذه الخصال مقبول، وإلى الله مرفوع، ومن لم يكمل هذه الأعمال رد عليه ما سواها. وكن في الدنيا كالغريب المسافر، واذكر الموت، ولتهن الدنيا عليك، فكأنك قد فارقتها وصرت إلى غيرها، واحتجت إلى ما قدمت، ولم تنتفع بشيء مما خلقت. فم افترقا.\rكتب عمر بن الخطاب إلى ابنه عبد الله: أوصيك بتقوى الله، فإنه من اتقاه كفاه ووقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، فاجعل التقوى عماد بصرك، ونور قلبك، واعلم أنه لا عمل لمن لا نية له، ولا جديد لمن لا خلق له، ولا إيمان لمن لا أمانة له، ولا مال لمن لا رفق له، ولا أجر لمن لا حسنة له.","part":1,"page":226},{"id":227,"text":"كان علي بن أبي طالب إذا أراد أن يستعمل رجلا دعاه فأوصاه، وقال: عليك بتقوى الله الذي لابد من لقائه، ولا منتهى لك دونه، فإنه يملك الدنيا والآخرة، وعليك فيما أمرك به بما يقربك من الله، فإن ما عنده خلف من الدنيا.\rدخل عثمان بن عفاف على العباس بن عبد المطلب في مرضه الذي مات فيه، فقال: أوصني. قال: أوصيك بالصدق؛ فإنه يعرف في ثلاث: في حفظ اللسان، وترك المصانعة، واستواء السر والعلانية.\rوروى عاصم بن بهدلة، عن أبي العدبس الأسدي، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: فرقوا بين المنية؛ واجعلوا الرأس رأسين، ولا تلبثوا بدار معجزة، وأصلحوا مثاويكم، وأخيفوا الهوام قبل أن تخيفكم، واخشوشنوا وتمعددوا وانتعلوا.\rأوصى أعرابي انبه فقال: يا بني؟ اغتنم مسالمة من لا يدان لك بمحاربته، وليكن هربك من السلطان إلى الوحش في الفيافي وأطراف البلدان، حيث تأمن سعاية الساعي، وطمع الطامع منك، ولا تغرنك بشاشة امرئٍ حتى تعلم ما وراءها؛ فإن دفائن الناس في صدورهم، وخدعهم في وجوههم، ولتكن شكاتك الدهر، إلى رب الدهر، واعلم أن الله إذا أراد بك خيراً أو شراً أمضاه فيك على ما أحب العباد أو كرهوا، وأرح نفسك من التعب بقبول القيل والقال، فإن كلمة السوء حبة القلب، كما أن الحنطة حبة الأرض، إذا أصابها الماء نبتت، وكذلك الكلمة السوء إذا زرعت في صدرك نبتت منها الضغائن والبغضاء والعداوة.\rقال أبو العتاهية:\rرضيت ببعض الذل خوف جميعه ... وليس لمثلي بالملوك يدان\rقال شبيب بن شيبة: قال لي أبو جعفر المنصور - وكنت من سماره - عظني وأوجز. قال: فقلت يا أمير المؤمنين! إن الله لم يجعل فوقك أحداً من خلقه؛ فلا ترض من نفسك بأن يكون عبد هو أشكر منك. قال: والله لقد أوجزت وما قصرت. قلت: والله لئن كنت قصرت فما بلغت كنه النعمة فيك.\rقال سعد بن أبي وقاص لسلمان: أوصني. فقال له: اذكر الله عند همك إذا هممت، وعند لسانك إذا تكلمت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند يدل إذا بطشت.\rدخل محمد بن علي بن حسين على عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: أوصني. فقال: أوصيك أن تتخذ صغار المسلمين ولدا، وأوسطهم أخاً، وأكبرهم أباً، فارحم ولدك، وصل أخاك، وبر أباك.\rأوصى رجل ابنه، فقال: أوصيك يا بني بتقوى الله عز وجل؛ فإنه جنب أولياء الله محارمه، وألزم قلوبهم طاعته، فكذب الأمل، ولاحظ الأجل.\rلما التقى هرم بن حيان بأويس القرني، كان فيما أوصاه ووعظه به أن قال: يا هرم! توسد الموت إذا بت، واجعله أمامك إذا قمت، ولا تنظر إلى صغر ذنبك، ولكن انظر من عصيت، ومن عظم أمر الله فقد عظم الله. يا هرم! ادع الله أن يصلح لك قلبك ونيتك، فإنك لم تعالج شيئاً هو أشد عليك منهما، بينما قلبك مقبل إذ أدبر، فاغتنم إقباله قبل إداره.\rقال وبرة: أوصاني عبد الله بن عباس بكلماتٍ لهي أحب إلى من الدهم الموقفة في سبيل الله. قال: إياك والكلام فيما لا يعنيك، فإنه إثم ولا آمن عليك فيه الوزر، وإياك والكلام فيما يعنيك في غير موضعه، فرب مسلم تقي تكلم بما يعنيه في غير موضعه فعنت. فلا تمار سفيهاً ولا فقيهاً. فأما السفيه فيوذيك، وأما الفقيه فيغلبك، واذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن تذكر به، واعمل عمل رجلٍ يعلم أنه مكافأ بالإحسان، مجازيً بالإجرام.\rأوصى صالح بن علي بن عبد الله بن عباس أمير سرية أتت، فقال: تاجر الله بعباده، فكن كالمضارب الكيس الذي إن وجد ربحاً تجر، وإلا احتفظ برأس المال، لا تطلب الغنيمة حتى تحرز السلامة، وكن من احتيالك على عدوك، أشد حذراً من احتيال عدوك عليك.\rكان المهلب بن أبي صفرة يقول لبنيه: إياكم أن تروا في الأسواق: فإن كنتم لابد فاعلين، ففي سوق الدواب والسلاح، فإنها من صناعة الفرسان.\rقال زياد بن ظبيان لابنه عبد الله وهو يجود بنفسه: ألا أوصى بك الأمير؟ قال: إذا لم تكن للحي إلا وصية الميت، فالحن هو الميت أخذه الشاعر فقال:\rإذا ما الحي عاش بعظم ميتٍ ... فذاك العظم حي وهو ميت\rقال نافع بن خليفة العبدي: جمعنا أبونا فقال: يا بني! اتقوا الله بتقاته، واتقوا السلطان بحقه، واتقوا الناس بالمعروف. فقام وقد جمع لنا أمر الدنيا والآخرة.","part":1,"page":227},{"id":228,"text":"قال عمر بن عبد العزيز لمؤدبه وهو خليفة، كيف كانت طاعتي لك؟ قال: ما كان أطوعك! فقال: فقد وجببت طاعتي عليك، خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك، ومن قميصك حتى يبدو كعباك.\rأوصى رجل بنيه فقال: يا بني! عليكم بالنسك، فإنه إذا ابتلى أحدكم بالبخل.. قيل: مقتصد لا يرى الإسراف، وإن ابتلى بالعي، قيل: يكره الكلام فيما لا يعينه، وإن ابتلى بالجبن، قيل: لا يقدم على شبهة.\rقال محمد بن علي لابنه: أد النوائب ولا تتعرض للحقوق، ولا تجب أخاك إلى ما مضرته عليك أكثر من منفعته.\rقال معاوية بن أبي سفيان لسفيان بن عوف الأزدي: كل قليلا، تعمل طويلا، والزم العفاف تسلم من القول، واجتنب الرياء يشتد ظهرك عند الخصوم.\rقال يوسف بن أسباط: أتيت سفيان الثوري رحمه الله، فقلت: يا أبا عبد الله! أوصني. قال: أقلل من معرفة الناس. قلت: زدني يرحمك الله، قال: أنكر من عرفت. قلت: زدني يرحمك الله. قال:\rابلُ الرجال إذا أردت إخاءهم ... وتوسمن أمورهم وتفقد\rوإذا ظفرت بذي الأمانة والتقى ... فبه اليدين قرير عينٍ فاشدد\rقال عبد الملك بن مروان لمؤدب بنيه: إنه - والله - ما يخفى علي ما تعلمهم وتلقيه إليهم، فاحفظ عني ما أوصيك به: علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن، واحملهم على الأخلاق الجميلة، وعلمهم الشعر يسمحوا ويمجدوا وينجدوا، وجنبهم شعر عروة بن الورد، فإنه يحمل على البخل، وأطعمهم اللحم يقووا ويشجعوا، وجز شعورهم تغلظ رقابهم، وجالس بهم أشراف الناس وأهل العلم منهم، فإنهم أحسن الناس أدباً وهدياً، ومرهم فليستا كوا، وليمصوا الماء مصاً، ولا يعبوه عباً، ووقرهم في العلانية، وأدبهم في السر، واضربهم على الكذب كما تضربهم على القرآن، فإن الكذب يدعو إلى الفجور، والفجور يدعو إلى النار، وجنبهم شتم أعراض الرجال، فإن الحر لا يجد من شتم عرضه عوضاً، وإذا ولوا أمراً فامنعهم من ضرب الأبشار؛ فإنه على صاحبه عار باق ووتر مطلوب، واحثثهم على صلة الرحم. واعلم أن الأدب أولى بالغلام من النسب.\rكان يقال: صن عقلك بالحلم، ودينك بالعلم، ومروءتك بالعفاف، وجمالك بترك الخيلاء، ووجهك بالإجمال في الطلب.\rأوصى معروف الكرخي رجلا فقال: توكل على الله حتى يكون أنسك وموضع شكواك، واجعل ذكر الموت جليسك، واعلم أن الفرج من كل بلاء كتمانه، فإن الناس لن يعطوك ولن يمنعوك، ولن ينفعوك، ولن يضروك إلا بما شاء الله لك، وقضاه عليك.\rأوصى بعض الأكاسرة رجلاً وجهه أميراً، فكان فيما قال: واعلم أنه ليس من العدو أحد مكالبة ولا أصدق مخالبةً من مستنصرٍ في ملة، أو غيران على حرمة، أو ممتعضٍ من ذلة.\rومن قضاياهم: اخلع سربال الاتكال، وتنكب عثرات الاسترسال، وتدرع جلباب الاجتهاد، وتحرز من نكبات الانقياد.\rومما خرج من أشعار الحكماء مخرج الوصايا الموجزة، ما أنشدني أبو القاسم محمد بن نصير الكاتب - رحمه الله - لنفسه:\rتخير سبيل الهدى جاهداً ... ودع عنك مشتبهات السبل\rوأصبح من الناس مستوفزاً ... فأكثرهم راصد للزلل\rوأجبن من قد ترى منهم ... لعمرك يردي الشجاع البطل\rوتصمي المقاتل أقوالهم ... بألسنةٍ وقعها كالأسل\rولا تحسبن إن تكن عاقلاً ... مريدك بالضر حيناً عقل\rومن حكم الناس في عرضه ... فمن جار أكثر ممن عدل\rوقال أبو العتاهية:\rكن في أمورك ساكناً ... فالمرء يدرك في سكونه\rوألن جناحك تعتقد ... في الناس محمدةً بلينه\rواعمد إلى صدق الحدي ... ث فإنه أزكى فنونه\rوالصمت أجمل بالفتى ... من منطقٍ في غير حينه\rلا خير في حشو الكلام ... إذا اهتديت إلى عيونه\rرب امرئ متيقنٍ ... غلب الشقاء على يقينه\rفأزاله عن رأيه ... فاتباع ديناه بدينه\rوقال أبو العتاهية أيضاً:\rخفف على إخوانك المؤنا ... أولا فلست إذاً لهم سكنا\rلا تغترر بدنو ذي لطفٍ ... يوماً إليك وإن دنا ودنا\rواعلم جزاك الله صالحةً ... أن ابن آدم لم يزل أذنا","part":1,"page":228},{"id":229,"text":"مستسرفاً شرس الطباع له ... نفس تريه قبيحة حسنا\rوقال أيضاً:\rاكره لغيرك ما لنفسك تكره ... وافعل بنفسك فعل من يتنزه\rوكل السفيه إلى السفاهة وانتصف ... بالحلم أو بالصمت ممن يسفه\rودع الفكاهة بالمزاح فإنها ... تزري وتسخف من بها يتفكه\rوقال محمود الوراق:\rلا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا ... فيهتك الله ستراً عن مساويكا\rواذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحداً منهم بما فيكا\rوقال آخر:\rتصاون عن الأنذال ما عشت واكتسب ... لنفسك كسباً من خلال تصونها\rوما للفتى بر كمثل عفافه ... إذا نفسه اختارت لها ما يزينها\rإذا النفس لم تقنع يكسب مليكها ... على ما أتى منه، فما تم دينها\rولأبي العتاهية في ابن السماك الواعظ:\rيا واعظ الناس قد أصبحت متهماً ... إذ عبت منهم أموراً أنت تأتيها\rكالملبس الثوب من عريٍ وعورته ... للناس بادية ما إن يواريها\rوأعظم الإثم بعد الشرك نعلمه ... في كل نفسٍ عماها عن مساويها\rعرفانها بعيوب الناس تبصرها ... منهم، ولا تبصر العيب الذي فيها\rوقال أمية بن أبي الصلت:\rخصال إذا لم يحوها المرء لم ينل ... منالاً من الدنيا ينال به حمدا\rيكون له جاه وعز وثروة ... وحسن فعال حيث أحضر أو أبدى\rوتقوى فإن الفوز يدرك بالتقى ... ويورث في الدارين صاحبه مجدا\rوقال آخر:\rمن طالب الناس طالبوه ... واعتقب الحزن والندامه\rمن سالم الناس سالموه ... وكان في حيز السلامه\rوقال منصور الفقيه:\rنفسك رأس الغني فصنها ... من لم يصن نفسه يهنها\rإن صعبت حالة فدعها ... فاليأس منها غناك عنها\rوقال محمود الوراق:\rكن مع الله يكن لك ... واتق الله لعلك\rلا تكن إلا معداً ... للمنايا فكأنك\rإن للموت لسهماً ... واقعاً دونك أو بك\rوقال منصور الفقيه:\rيا أخا الدهر إن وفى ... وأخا الدهر إن غدر\rكن من الدهر كيف شي ... ت على غاية الحذر\rوقال آخر:\rتغنم كل ما ياتك ... ولا تأس لما فاتك\rولا نغتر بالدنيا ... أما تذكر أمواتك\rوقال آخر:\rاسعد بمالك في الحياة فإنما ... يبقى خلافك مصلح أو مفسد\rفإذا تركت لمفسدٍ لم يبقه ... وأخو الصلاح قليله يتزيد\rفإن استطعت فكن لنفسك وارثاً ... إن المورث نفسه لمسدد\rوقال منصور الفقيه:\rتخل عن القبيح ولا ترده ... ومن أوليته حسناً فزده\rستكفي من عدوك كل كيدٍ ... إذا كاد العدو ولم تكده\rوقال آخر:\rأحسن الظن بمن قد عودك ... حسناً أمس وسوى أودك\rإن رباً كان يكفيك الذي ... كان بالأمس سيكفيك غدك\rوقال محمود الوراق:\rقدم لنفسك توبةً مرجوةً ... قبل الممات وقبل حبس الألسن\rبادر بها علق النفوس فإنها ... ذخر وغنم للمنيب المحسن\rوقال منصور الفقيه:\rلا تلفين خليطاً ... لفاسقٍ أو كفورٍ\rفالقرب من ذين عار ... على الفتى المستور\rوقال محمود الوراق:\rلا تسألن المرء عما عنده ... واستمل ما في قلبه من قلبكا\rإن كان بغضاً كان عندك مثله ... أو كان حباً فاز منك بحبكا\rوقال منصور الفقيه:\rاسمع فهذا كلام ... ما فيه والله عله\rأقل من كل شيءٍ ... من لا يرى الناس قله\rوقال آخر:\rاغتنم في الفراغ فضل ركوعٍ ... فعسى أن يكون موتك بغته\rكم صحيحٍ رأيت من غير سقمٍ ... ذهبت نفسه العزيزة فلته\rوقال محمود الوراق:\rقل لهرون إن حلل ... ت به قول ذي مقه","part":1,"page":229},{"id":230,"text":"أطبق الموت والنفو ... س على اللهو مطبقه\rكيف يلهو من ليس من ... عشر يوم على ثقه\rوقال منصور الفقيه:\rخذ من زمانك ما صفا ... ودع الذي فيه الكدر\rفالعمر أقصر من معا ... تبة الزمان على الغير\rوقال محمود الوراق:\rرأيت صلاح المرء يصلح أهله ... ويعديهم داء الفساد إذا فسد\rويشرف في الدنيا بفضل صلاحه ... ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد\rوقال منصور الفقيه:\rلا تعرضن عن النصي ... ح للؤمه يا ابن الكريمه\rفالنصح أولى ما قبل ... ت وإن أتاك به بهيمه\rوقال محمود الوراق:\rإن القلوب على القلوب شواهد ... فبغيضها لك بين وحبيبها\rوإذا تلاحظت العيون تفاوضت ... وتحادثت عما تجن قلوبها\rينطقن والأفواه صامتة فما ... يخفي عليك صحيحها ومريبها\rوقال منصور الفقيه:\rهبك نلت المنى وفوق الأماني ... وتجاوزت حالة الإنسان\rهل ترى ذاك باقياً لك والده ... ر سريع الهجوم بالحدثان\rوقال صالح بن عبد القدوس:\rإذا وترت امرءاً فاحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا\rإن العدو وإن أبدي مسالمةً ... إذا رأى منك يوماً فرصةً وثبا\rوقال آخر:\rجالس كهول الناس واحفظ حديثهم ... ولا تك للأحداث خدناً محادثا\rوقال سهل الوراق، وتنسب إلى الشافعي رحمه الله ولا تصح له:\rإذا لم تكن تاركاً زينةً ... إذا المرء جاء بها يستراب\rتقع في مواقع تردي بها ... وتهوي إليك السهام الصياب\rتبين زمانك ذا واقتصد ... فإن زمانك هذا عذاب\rوأقلل عتاباً فما فيه من ... يعاتب حين يحق العتاب\rمضى الناس طرا وبادوا سوى ... أراذل عنهم تجل الكلاب\rيلاقيك بالبشر دهماؤهم ... وتسليم من رق منهم سباب\rفأحسن وما الحر مستحسن ... صيان له عنهم واجتناب\rفإن يغنه الله عنهم يفر ... وإلا فذاك البلاء العجاب\rإذا حار أمرك في معنيين ... ولم تدر فيما الخطا والصواب\rفدع ما هويت فإن الهوى ... يقود النفوس إلى ما يعاب\rوقال آخر:\rوإياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر\rفما حسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائرٍ الناس عاذر\rوقال آخر:\rفلا تقنطن من عظيم الذنوب ... فرب العباد رحيم رءوف\rولا تمضين على غير زادٍ ... فإن الطريق مخوف مخوف\rوقال عدي بن زيد:\rإذا ما رأيت الشر يبعث أهله ... وقام بناة الشر للشر فاقعدٍ\rوقال يزيد بن الحكم:\rيا بدر والأمثال يض ... ربها لذي اللب الحكيم\rدم للخليل بوده ... ما خير ود لا يدوم\rواعرف لجارك حقه ... والحق يعرفه الكريم\rواعلم بأن الضيف يو ... ماً سوف يحمد أو يلوم\rوالناس مبتنيان مح ... مود البناية أو ذميم\rواعلم بني فإنه ... بالعلم ينتفع العليم\rأن الأمور دقيقها ... مما يهاج به العظيم\rوالتبل مثل الدين تق ... ضاه وقد يلوي العزيم\rوالبغي يصرع أهله ... والظلم مرتعه وخيم\rولقد يكون لك الغري ... ب أخاً ويقطعك الحميم\rوالمرء يكرم للغنى ... ويهان للعدم العديم\rقد يقتر الحول التقى ... ويكثر الحمق الأثيم\rيملي لذاك ويبتلي ... هذا فأيهما المضيم\rما بخل من هو للمنو ... ن وريبها غرض رجيم\rويرى القرون أمامه ... همدوا كما همد الهشيم\rوستخرب الدنيا فلا ... بؤس يدوم ولا نعيم","part":1,"page":230},{"id":231,"text":"كل امرئ ستئيم من ... ه العرس أو منها يثيم\rما علم ذي ولد أيث ... كله أم الولد اليتيم\rوالحرب صاحبها الصلي ... ب على تلاتلها العزوم\rمن لا يمل ضراسها ... ولدى الحقيقة لا يخيم\rواعلم بأن الحرب لا ... يسطيعها المرح السؤوم\rوقال منصور الفقيه:\rتوكل على الله فيما اعتراك ... ولا تشركن سواه معه\rفما في سواه تعالى اسمه ... لراج ولا خائفٍ منفعه\rباب لمع من الدعاء\rقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علمني ما ينفعني. فقال: \" عليك بالدعاء فإنك لا تدري متى يستجاب لك، وأكثر من ذكر الموت يشغلك عما سواه \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الدعاء هو العبادة، ثم تلا: \" وقال ربكم ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي... \" . الآية.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اللهم إني أعوذ بك من دعاءٍ لا يسمع، وعلم لا ينفع، وقلبٍ لا يخشع، ونفسٍ لا تشبع، أعوذ بك من شر هؤلاء الأربع \" .\rومن دعائه عليه السلام: \" اللهم إني أعوذ بك من الفقر والفاقة، والقلة والذلة، ومن موقف الخزي في الدنيا والآخرة \" .\rومن دعائه عليه السلام: \" اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعافية والغنى، وأعوذ بك من درك الشقاء، ومن جهد البلاء، ومن سوء القضاء، ومن شماتة الأعداء \" .\rودعاؤه صلى الله عليه وسلم كثير قد جمعه جماعة من العلماء.\rدعا أعرابي فقال: اللهم إني أعوذ بك من الفقر والفاقة، والقلة والذلة، ومن مواقف الخزي في الدنيا والآخرة، قال: بينا أنا أصلى إذ سمعت متكلما يقول: اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير وكله، وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسره، أهل الحمد أنت، لا إله إلا أنت، إنك على كل شيء قدير. اللهم اغفر لي جميع ما سلف من ذنوبي، واعصمني فيما بقى من عمري، وأعني على عمل ترضى به عني. قال: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: \" ملك أتاك يعلمك تحميد ربك \" .\rكان رجل مظلوم في سجن الحجاج مغموماً، فأتاه آتٍ، فقال له: ادع الله. قال: وبم أدعو؟ قال: يا من لا يعلم كيف هو إلا هو، ولا يعلم قدرته إلا هو، فرج عني ما أنا فيه. فقالها فأطلق الله سبيله.\rومن الدعاء الحسن المرجوة إجابته: يا من لا يشغله شيء عن سماع الدعاء، يا فعال لما يشاء، يا من لا يغالطه السائلون، ولا يبرمه لملحون، اغفر لي وارحمني، يا من لا يغفر الذنوب غيره.\rومثله: يا سامع كل صوت، ويا بارئ النفوس بعد الموت، ويا من لا تغيبه الظلمات، ولا تشتبه عليه الأصوات، يا عظيم الشان، يا واضح البرهان، يا شديد السلطان، يا من هو كل يوم في شان، اغفر لي ذنوبي. وادع بهذا الدعاء فيما شئت: من دين أو دنيا، يستجب لك إن شاء الله تعالى.\rومثله من الدعاء: يا عظيم العفو، يا واسع المغفرة، يا قريب الرحمة، يا ذا الجلال والإكرام، هب لي العافية في الدنيا والآخرة.\rومن الدعاء الحسن: اللهم فرغني لما خلقتني له، ولا تشغلني بما قد تكفلت لي به، ولا تحرمني وأنا أسألك، ولا تعذبني وأنا أستغفرك.\rقال أعرابي في دعائه: تظاهرت يا رب على منك النعم، وتكاثفت مني عندك الذنوب، فأحمدك على النعم التي لا يحصيها أحد غيرك، وأستغفرك من الذنوب التي لا يحيط بها ألا عفوك.\rقال سفيان، قال مسعر: كنا إذا لقينا طلق بن حبيب، لا نكاد نفترق حتى يقول: اللهم أبرم للمسلمين أمراً رشداً، يعز فيه وليك، ويذل فيه عدوك، ويعمل فيه بطاعتك، ويتناهى فيه عن سخطك.\rومن دعاء بعض الأعراب: اللهم إني أعوذ بك من شهادة الزور، وركوب الفجور، وعذاب القبور، ومنكر ونكير.\rكان من دعاء شريح: اللهم إني أسألك الجنة بلا عملٍ عملته، وأعوذ بك من النار بلا ذنب ركبته.\rسأل أعرابي رجلاً فأعطاه، فقال: جعل الله المعروف عليك دليلا، والخير شاهداً، ولا جعل حظ السائل منك عذراً صادقاً.\rمن دعاء معروف الكرخي: اللهم اجعلنا ممن يؤمن بلقائك، ويرضى بقضائك، ويقنع بعطاياك، ويخشاك حق خشيتك.\rكان عمر بن هبيرة أمير العراق يدعو فيقول: اللهم إني أعوذ بك من صديق يطري، وجليس يغدي، وعدوً يسري.\rدعا أعرابي لرجل فقال: جنبك الله الأمرين، وكفاك شر الأجوفين.","part":1,"page":231},{"id":232,"text":"الأمران: الجوع والعرى، والأجوفان: الفم والفرج.\rدعا أعرابي فقال: اللهم أمسك قلبي عن كل شيءٍ لا أتزود به إليك ولا أنتفع به يوم ألقاك.\rدعا أعرابي فقال: اللهم إني أعوذ بك من الذل إلا لك، ومن الفقر إلا إليك.\rدعا أعرابي فقال: اللهم اجعل رزقي رغدا، ولا تشمت بي أحدا.\rدعا أعرابي فقال: اللهم إني أعوذ بك من السلطان والشيطان والإنسان.\rدعا علي بن أبي طالب يوماً فقال: يا خير من رفعت إليه الأيدي، وسمت إليه الأبصار، وتحاكم إليه العباد، نشكو إليك فقد نبينا، واختلافنا بيننا.\rوقف شيخ أعرابي عند باب الكعبة، فقال: يا رب! سائلك عند بابك، مضت أيامه، وبقيت آثامه، وانقطعت شهوته، وبقيت تبعته، فارض عنه يا رب، وإن لم ترض عنه فاعف عنه، فقد يعفو السيد عن عبده وهو عنه غير راضٍ، اللهم إنك أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا، وقد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا، اللهم هب لي حقك، وأرض عني خلقك.\rوقف محمد بن سليمان عند قبر أبيه، فقال: اللهم إني أرجوك له، وأخافك عليه، فحقق رجائي له، وآمن خوفي عليه.\rقال سعيد بن المسيب لصلة بن أشيم: ادع الله لي. فقال: رغبك الله فيما يبقى، وزهدك فيما يفنى، ووهب لك اليقين الذي لا تسكن النفوس إلا إليه، ولا يعول في الدين إلا عليه.\rوقف أعرابي بالموسم فقال: اللهم إن لك حقوقاً فتصدق بها علي، وللناس عندي تبعات فتحملها عني، وقد أوجبت لكل ضيفٍ قرى، وأنا ضيفك، فاجعل قراي في هذه الليلة الجنة.\rقال الأصمعي: سمعت أعرابية تقول في دعائها: يا من ليس له رب يدعى، ويا من ليس فوقه خالق يخشى، ويا من ليس دونه إله يبقى، ويا من ليس له وزير يؤتى، ويا من ليس له صاحب يرشي، ولا بواب ينادي، ويا من لا يزداد على كثرة السؤال إلا كرماً وجودا، وعلى كثرة الذنوب إلا رحمة وعفواً.\rقال العتبي: سمعت أعرابياً وهو يدعو في الصلاة ويقول: اللهم ارزقني عمل الخائفين، وخوف العاملين، وحتى أنعم بترك النعيم طمعاً فيما وعدت، وخوفاً مما أوعدت.\rهنأ رجل رجلاً بولاية فقال: إن النعم ثلاث، فنعمة هي في حال كونها، ونعمة ترجى مستقبلة، ونعمة تأتي غير محتسبة، فأبقى الله لك ما أنت فيه، وحقق طمعك فيما ترجوه، وتفضل عليك بما لم تحتسبه.\rويروى عن الأحنف، أنه كتب بذلك إلى صديق له.\rدعا أعرابي فقال: اللهم إني أعوذ بك من حلول النقم، وزوال النعم، وتحول العافية، اللهم هب لي بنين أتقوى بهم على عشيرتي، ومالاً أرغم به حسادي، واجعلني ملياً من العقل والدين، يا أرحم الراحمين.\rأوحى الله عز وجل إلى عيسى بن مريم عليه السلام: هب لي من قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، ومن عينك الدموع، وادعني فإني قريب مجيب.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة مخلصون، فإن الله لا يقبل دعاءً من قلبٍ لاهٍ \" .\rكان يقال: إنما يستجاب لمخلص أو مظلوم.\rولامرئ القيس بن عانس الكندي:\rالله أنحج ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل\rذكر الحميدي، عن سفيان، قال: سمعت أعرابياً يقول عند مقام إبراهيم عليه السلام: اللهم لا تحرمني خير ما عندك لشر ما عندي، اللهم إن كنت لا تقبل تعبي ولا نصبي، فأعطني أجر المصاب على مصيبته. اللهم إن لك عندي حقوقاً فلتهبها لي، وللناس على تبعات، فأسألك أن تحملها لهم، وقد أوجبت لكل ضيف قري، وأنا ضيفك، فاجعل قراي في هذه العشية الجنة.\rقال سفيان بن عيينة: وسمعت أعرابياً يقول في الموقف: اللهم إن ذنوبي لن تضرك، ورحمتك إياي لن تنقصك، فلا تمنعني مالا ينقصك، واغفر لي مالا يضرك.\rقال: وسمعت إعرابياً في الموقف جاثياً على ركبتيه يقول: يا رب! عجت إليك الأصوات بأنواع اللغات لطلب الحاجات، وحاجتي أن تذكرني بعد طول البلاء إذ نسيني أهل الأرض.\rقال بعض أهل العلم: بينا أنا أمشي بين منى وعرفات ليلاً، إذ أنا بأعرابي قد أقبل على قعود له، رافعاً صوته، يقول:\rيا ذا المعارج أنت الله أسأله ... وأنت يا رب مدعو ومسؤول\rأدعوك في ليلةٍ حرم وفي حرمٍ ... وكل داعٍ بحلو النوم مشغول\rتعطي إذا شئت من يسألك من سعةٍ ... والخير منك لمن ناداك مبذول\rفاجمع بعفوك شملاً أنت جامعه ... إن شئت ذاك وما حاولت مفعول","part":1,"page":232},{"id":233,"text":"قيل لعلي: كم بين السماء والأرض؟ قال: دعوة مستجابة. قيل: فكم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة يوم للشمس. من قال غير هذا فقد كذب.\rسألت هند بنت النعمان سعيد بن العاص حاجةً فقضاها، فدعت له فقالت: لا أزال الله عنك نعمةً، ولا أحوجك إلى لئام الناس عند حاجة، وإذا زالت عن كريمٍ نعمة يجعلك الله سبباً لردها عليه.\rودعا رجل لرجل فقال: لا جعلك الله آخراً تتكل على أول.\rكان يقال: أربعة لا ترد لهم دعوة: الصائم حتى يفطر، والذاكر حتى يفتر، والإمام العدل، ودعوة المظلوم.\rدعاء لي: اللهم اجعلني مكثراً لذكرك، مؤدياً لحقك، حافظاً لأمرك، راجياً لوعدك، راضياً في كل حالاتي عنك، راغباً في كل أموري إليك، مؤملاً لفضلك، شاكراً لنعمك، يا من تحب العفو والإحسان وتأمر بهما، اعف عني وأحسن إلي، فإنك بالذي أنت له أهل من عفوك، أحق مني بالذي أنا له أهل من عقوبتك، اللهم ثبت رجاءك في قلبي، واقطعه عمن سواك حتى لا أرجو غيرك، ولا أستعين إلا إياك.\rودعاء لي أيضاً: اللهم هب لي اليقين والعافية، وإخلاص التوكل عليك، والاستغناء عن خلقك، واجعل خير عملي ما قارب أجلي، رب! ظلمت نفسي فاغفر لي يا خير الغافرين، ويا أرحم الراحمين.\rقال بعض الأعراب، في وصف دعوة:\rوساريةٍ لم تسر في الليل تبتغي ... محلاً ولم يقطع بها البيد قاطع\rسرت حيث لم تسر الركاب ولم تنخ ... لوردٍ ولم يقصر لها القيد مانع\rتحل وراء الليل والليل ساقط ... بأرواقه فيه سمير وهاجع\rتفتح أبواب السماوات دونها ... إذا قرع الأبواب منهن قارع\rإذا أوفدت لم يردد الله وفدها ... على أهلها والله راءٍ وسامع\rوإني لأرجو الله حتى كأنما ... أرى بجميل الظن ما الله صانع\rأمر المنصور أبو جعفر بأشخاص سوار بن عبد الله القاضي إليه من البصرة بعد قتل إبراهيم ابن عبد الله بن حسن، فلما قدم عليه قال له: يا سوار! ضربني أهل البصرة بمائة ألف سيف من غير جناية، لأفعلن بهم ولأفعلن. فقال له سوار: يا أمير المؤمنين! إن لأهل البصرة سلاحاً لا تطيقه. قال: أبسلاحهم تخوفني لا أم لك يا أمير المؤمنين: إنه دعاء بالأسحار.\rووقف أعرابي على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أوصيتنا فقبلنا منك، وحفظنا عنك مما وعيت عن ربك: \" ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما \" ، وقد ظلمنا أنفسنا فاستغفر الله لذنوبنا، وقد أتيناك فاستغفر لنا. ثم بكى.\rومما جاء من الدعاء منظوماً عن الحكماء، قال محمود الوراق:\rيا رب كن لي ولياً ... بالحفظ حتى أطيعك\rفإن ذممت صنيعي ... فقد حمدت صنيعك\rأو كنت أعصيك إني ... أحب فيك مطيعك\rقال منصور الفقيه:\rأصلح الله كل من ... يتولى أمورنا\rووقانا شرورهم ... ووقاهم شرورنا\rوقال آخر:\rوإني لأدعو الله والأمر ضيق ... على فما ينفك أن يتفرجا\rورب فتىً سدت عليه وجوهه ... أصاب لها في دعوة الله مخرجا\rوقال آخر:\rبالله تتسع الفجا ... ج إذا تضايقت المذاهب\rوقال آخر:\rأيا من لا يخيب لديه راجٍ ... ولم يبرمه إلحاح المناجي\rويا ثقتي على ظلمي وجرمي ... وإيثاري التمادي في اللجاج\rأقلني عثرتي وتلاف أمري ... وهب لي منك عفواً واقض حاجي\rفما لي غير إقراري بذنبي ... لنفسي دون عذرٍ واحتجاج\rقال صحار بن عابد، رأيت حسن البصري بطريق مكة، وهو يحدو:\rيا فالق الإصباح أنت ربي\rوأنت مولاي وأنت حسبي\rفأصلحن باليقين قلبي\rونجني من كرب يوم الكرب\rكان يقال: عليكم بالدعاء في أوقات الصلوات، فإنها اختيرت في أفضل الأوقات.\rولمنصور الفقيه أو الشافعي:\rيا سميع الدعاء كن عند ظني ... واكفني من كفيته الشر مني\rوأعني على رضاك وخر لي ... في أموري، وعافني واعف عني\rباب ذكر الدنيا\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر \" .","part":1,"page":233},{"id":234,"text":"قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته احبني الله وأحبني الناس. قال: \" ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر: \" يا عبد الله! كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من أهل القبور \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع إليه \" .\rوقال عليه السلام: \" مثل الدنيا كركبٍ رفعت لهم شجرة في يوم صائف، فقالوا تحتها ساعةً من نهار ثم راحوا \" .\rوقال عليه السلام: \" إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخفلكم فيها، فانظروا كيف تعملون، ألا فاتقوا الهوى، واتقوا النساء \" .\rذكر المبرد أن علي بن أبي طالب رضى الله عنه سئل عن الدنيا والآخرة، فقال: هما كالمشرق والمغرب، بقدر ما تقرب من أحدهما تبعد عن الآخر.\rوروى عبد خير عن علي رضى الله عنه قال: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك، ويعظم حلمك، وأن تباهي الناس بعبادة ربك، وإن أحسنت حمدت الله عز وجل، وإن أسأت استغفرت، ولا خير في الدنيا إلا لرجلين: رجل أذنب ذنوباً فهو يتدارك ذلك بتوبته، ورجل يسارع في الخيرات ولا يقل عمل مع تقوى الله وكيف يقل ما يتقبل.\rوعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" الدنيا حلوة خضرة، فمن أخذها بحقها بورك له فيها، ومن أخذها بغير حقها كان كالذي يأكل ولا يشبع، ورب منحوضٍ من مال الله ورسوله له النار يوم القيامة \" .\rوروى عنه عليه السلام أنه قال: \" حب الدنيا رأس كل خطيئة \" . وروى أن ذلك من كلام المسيح عليه السلام.\rقال الأصمعي: ذكر لنا أن أنوشروان لما ضرب عنق بزرجمهر، وجد في منطقته كتاباً لطيفاً فيه ثلاث كلمات: إن كان القدر حقاً فالحرص باطل، وإن كان الغدر في الناس طباعاً فالثقة بكل أحدٍ عجز، وإن كان الموت لكل أحد راصداً، فالطمأنينة إلى الدنيا حمق.\rووعظ أعرابي ابنه، فقال: يا بني! إن الدنيا تسعى على من يسعى لها، فالهرب قبل العطب.\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا تسبوا الدنيا؛ فنعم مطية المؤمن يبلغ عليها الخير، وبها ينجو من الشر \" .\rقال علي بن أبي طالب رضى الله عنه: الدنيا دار صدقٍ لمن صدقها، ودار نجاةٍ لمن فهم عنها، ودار غنىً لمن تزود منها، مهبط وحي الله، ومصلى ملائكته، ومساجد أنبيائه، ومتاجر أوليائه، ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها، وقد أذنت ببينها، ونادت بفراقها، فيا أيها الذام لها، بم خدعتك الدنيا؟ أم بماذا استذمت إليك؟ أبمصارع أمهاتك في الثرى؟ أم بمضاجع آبائك للبلى، لقد تطلب علينا الشفاء، واستوصف الأطباء حين لا يغني عنه دواؤه، ولا ينفعه بكاؤه.\rقيل لنوح عليه السلام - حين حضرته الوفاة - : يا نبي الله! لقد بلغت من العمر ما بلغت، فصف لنا الدنيا. فقال: ما وجدت الدنيا مع طول عمري فيها إلا كبيتٍ له بابان، دخلت من أحدهما، وخرجت من الآخر.\rقال المسيح عليه السلام: حلو الدنيا مر الآخرة، ومر الدنيا حلو الآخرة، ومن حزن على دنياه سخط على الله.\rوعن المسيح عليه السلام أنه قال: الدنيا لإبليس مزرعة، وأهلها لها حراث.\rكان يقال: مثل صاحب الدنيا كخائض الماء، هل يستطيع ألا تبتل قدماه.\rقال عمر بن الخطاب: يا معشر القراء! لا تلقوا كلكم على إخوانكم، ولا تدعوا دنياكم لآخرتكم، ولا آخرتكم لدنياكم، واستعينوا بهذه على هذه.\rقال علي بن أبي طالب: الدنيا دار ممرً إلى دار قرار، والناس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها، ورجل ابتاعها فأعتقها.\rوعن علي رضى الله عنه، أنه قال: إن الله عز وجل يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب، وقد يجمعهما الله لأقوام. وقد روى هذا الكلام مرفوعاً عن النبي عليه السلام.\rأكثر قوم من ذم الدنيا عند رابعة القيسية، فقال: من أحب شيئاً أكثر من ذكره.\rوقال سفيان الثوري: من أحب الدنيا وسرته، نزع خوف الآخرة من قلبه.\rقال أبو الدرداء: من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصي إلا فيها، ولا ينال ما عند إلا بتركها.\rقال حذيفة بن اليمان: ليس خياركم الذين تركوا الدنيا للآخرة، ولا الذين تركوا الآخرة للدنيا، ولكن خياركم الذين أخذوا من هذه وهذه.\rقال الشاعر:","part":1,"page":234},{"id":235,"text":"إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فمهما زوت عنه فليس بضائر\rفما تعدل الدنيا جناح بعوضةٍ ... لدى الله أو مقدار زغبة طائر\rفما رضى الدنيا ثواباً لمؤمنٍ ... ولا رضى الدنيا عقاباً لكافر\rقال أبو العتاهية:\rويا دنياي مالي لا أراني ... أسومك منزلاً إلا نبا بي\rوما لي لا ألح عليك إلا ... نصبت الهم لي من كل باب\rأراك وإن طلبت بكل وجهٍ ... كحلم النوم أو ظل السحاب\rوكالأمس الذي ولى مريراً ... وكالحدثان أو لمع السراب\rوهذا الخلق منك على مسيرٍ ... وأرجلهم جميعاً في الركاب\rوموعد كل ذي سعىٍ وفعلٍ ... بما يبدو غداً يوم الحساب\rقال ابن مسعود: الدنيا كلها غموم، فما كان منها سرور فهو ربح.\rوقال الشاعر:\rومن يحمد الدنيا لعيشٍ يسره ... فسوف لعمري عن قليلٍ يلومها\rإذا أدبرت كانت على المرء حسرةً ... وإن أقبلت كانت قليلاً نعيمها\rوقال آخر:\rإنما الدنيا وإن سر ... ت قليل من قليل\rلبس يخلو أن تراءى ... لك في زيً جميل\rثم ترميك من المأ ... من بالخطب الجليل\rقال بعض الحكماء: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها.\rقال الخليل بن أحمد: الدنيا أمد، والآخرة أبد.\rوصف الحسن البصري الدنيا، فقال: أما اليوم فعمل، وأما أمس فأجل، وأما غد فأمل.\rقال محمود الوراق:\rتلذذت في الدنيا بك لطريفة ... على أنها أيضاً حرام محرم\rوتأمل جنات الخلود لبئسما ... تقدر، من يقضي بهذا ويحكم؟\rلئن كان حكم الله يخرج هكذا ... فإنك من يحيي على الله أكرم\rإذا قيل: من يقضي بهذا فقل له ... ومد له في الصوت: يحلم يحلم\rوقال منصور الفقيه:\rدنيا تروح بأهلها ... في كل يومٍ مرتين\rفغدوها لتجمعٍ ... ورواحها لشتات بين\rوقال آخر:\rإنما الدنيا شتات ... فتأهب لشتاتك\rواجعل الدنيا كيومٍ ... صمته عن شهواتك\rواجعل الفطر إذا ما ... صمته يوم وفاتك\rوقال آخر:\rأنت في دار شتاتٍ ... فاغتنم وقت حياتك\rاترك الدنيا وما ... فيها ودعها لعداتك\rتجمع المال وتوعي ... ه لأزواج بناتك\rأو لكناتٍ قريرا ... ت عيونٍ بوفاتك\rأو لبعل العرس من ... بعدك تحبوه بذاتك\rإنما الدنيا كحلم ... فانتبه من غفلاتك\rوقال آخر:\rنراع لذكر الموت ساعة ذكره ... وتعترض الدنيا فنلهو ونلعب\rونحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها ... وما كنت فيها فهو شيء محبب\rقال الخاسر: أشعر الجن والإنس أبو العتاهية في قوله:\rسكن يبقى له سكن ... ما بهذا يؤذن الزمن\rنحن في دارٍ يخبرنا ... عن بلاها ناطق لسن\rدار سوءٍ لم يدم فرح ... لامرئ فيها ولا حزن\rفي سبيل الله أنفسنا ... كلنا بالموت مرتهن\rكل نفسٍ عند ميتتها ... حظها من مالها الكفن\rإن مال المرء ليس له ... منه إلا ذكره الحسن\rكان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - يتمثل:\rولا خير في عيش امرئ لم يكن له ... من الله في دار الحياة نصيب\rفإن تعجب الدنيا أناساً فإنها ... متاع قليل والزوال قريب\rوقال الغزال:\rلقد فسدت فما تلقى ... بها من ليس ذا شجن\rوصار الحي منا يغ ... بط الملفوف في الكفن\rوقال سابق البربري:\rلسانك للدنيا عدو مشاحن ... وقلبك فيها للسان مباين\rوما ضرها ما قلت فيها وقد صفا ... لها منك ود في فؤادك كامن\rقال ابن الحنفية: من كرمت عليه نفسه، هانت عليه الدنيا.\rقال الشعبي: ما أعلم لنا وللدنيا مثلا إلا كما قال كثير عزة:","part":1,"page":235},{"id":236,"text":"أسيئي بنا أو أحسن لا ملومةً ... لدنيا ولا مقليةً إن تقلت\rوقال أبو العتاهية:\rأصبحت الدنيا لنا عبرةً ... والحمد الله على ذلكا\rقد أجمع الناس على ذمها ... وما أرى منهم لها تاركا\rوقال لسابق البربري:\rجمعنا لها أكلاً وذماً بألسنٍ ... أليس عجيباً ذمها واحنلاتها\rقال أبو الطيب:\rتفاني الرجال على حبها ... ولا يحصلون على طائلٍ\rوقال أيضاً:\rومن لم يعشق الدنيا قديماً ... ولكن لا سبيل إلى الوصال\rوقال آخر:\rيذمون دنياهم وهم يحلبونها ... ولم أر كالدنيا تذم وتحلب\rوقال سعيد بن حميد:\rولم أر كالدنيا تذم صروفها ... ونوسعها شتماً ونحن عبيدها\rوقال منصور الفقيه:\rضحكت دنياك يا إن ... سان من نهيك عنها\rمع تمنيك على ربك ... ما لم تؤت منها\rقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، في خطبة له: أيها الناس! إنما الدنيا أجل محترم، وأمل منتقص، وبلاغ إلى دارٍ غيرها، وسير إلى الموت ليس فيه تعريج، فرحم الله من فكر في أمره، ونصح لنفسه، وراقب ربه، واستقال ذنبه. أيها الناس! قد علمتم أن أباكم أخرج من الجنة بذنبٍ واحد، وأن ربكم وعد على التوبة خيراً، فليكن أحدكم من ذنبه على وجل، ومن ربه على أمل.\rقال بعض الحكماء. إنما الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر.\rقال محمود الوراق:\rما أفضح الموت للدنيا وزينتها ... جداً، وما أفضح الدنيا لأهليها\rلا ترجعن على الدنيا بلائمةٍ ... فعذرها لك بادٍ في مساويها\rلم تبق في غيبها شيئاً لصاحبها ... إلا وقد بينته في معانيها\rتفني البنين وتفني الأهل دائبةً ... ونستنيم إليها لا نعاديها\rفما يزيدكم قتل الذي قتلت ... ولا العداوة إلا رغبةً فيها\rقال أبو حفص عمر بن علي الفلاس: كتبت إلى صديق لي أشاوره في شيءٍ من أمر الدنيا، فكتب إلى رقعة فيها سطران، أحدهما: بسم الله الرحمن الرحيم، والآخر: اطلب الدنيا على قدر مكثك فيها، واطلب الآخرة على قد حاجتك إليها.\rكان صالح المري يتمثل:\rمؤمل دنيا لتبقى له ... فمات المؤمل قبل الأمل\rوبات يروي أصول الفسيل ... فعاش الفسيل ومات الرجل\rوقال آخر:\rنرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع\rفطوبى لعبدٍ آثر الله ربه ... وجاد بدنياه لما يتوقع\rوقال آخر:\rلقد غرت الدنيا رجالاً فأصبحوا ... بمنزلةٍ ما بعدها متحول\rفساخط أمرٍ لا يبدل غيره ... وراضٍ بأمرٍ غيره سيبدل\rوبالغ أمرٍ كان يأمل غيره ... ومختلج من دون ما كان يأمل\rوقال آخر:\rويح دنيا غرورها يضنيني ... كم إلى كم غررتني فدعيني\rكم تسومينني خداعاً عن الرش ... دٍ وكم ذا الخداع ويك ذريني\rأملي زائد وعمري يفني ... ويح نفسي عن رأيها المغبون\rهمتي تعتلي السماء وسعيي ... كسلاً سعي عاجزٍ مأفون\rويح نفسي أما كفاها من العي ... ش تقضى سنين بعد سنين\rليت شعري وما انتظاري وقد ... لاح شيب بعارضي وقروني\rويا ابن ستين ما اعتذارك من بع ... د بلوغ الأشد والستين\rقيل لراهب: كيف سخت نفسك بالخروج عن الدنيا؟ قال: أيقنت أني خارجها منها كارهاً، فأحببت أن أخرج منها طائعاً.\rقال بزرجمهر: من عيب الدنيا أنها لا تعطي أحداً ما يستحق، إما زادته وإما نقصته.","part":1,"page":236},{"id":237,"text":"لما قدم سعد بن أي وقاص القادسية أميراً عليها من عند عمر بن الخطاب أتته حرقة بنت النعمان بن المنذر في خدمها ووصائفها، فلما وقفن بين يديه قال: أيكن حرقة بنت النعمان؟ قالت: هأناذه، فما أردت بتكرارك الاستفهام، إن الدنيا دار زوال لا تدوم لأهلها على حال، تنتقل بهم انتقال الظلال، وتعقبهم حالاً بعد حال، إنا كنا ملوك هذا المصر قبلك، يجبي إلينا خراجة ويطيعنا أهله مدة من الدهر، فلما أدبر عنا الأمر صاح بنا صائح الأيام، فصدع شملنا، وشتت ملأنا، وكذلك الدهر يا سعد، فلا تغتر بحال الدنيا، فإنها زائلة عنك كما زالت إليك. ثم سألته حوائجها فقضاها، فدعت: لا أزال الله عنك نعمة أتمها عليك.\rكتب أبي بن كعب إلى أخٍ له: أما بعد، فإن الدنيا دار فناء، ومنزل قطيعة، رغب عنها السعداء، وانتزعت من أيدي الأشقياء، فغناها فقر، والعلم بها جهل.\rكان يقال: الدنيا والآخرة ضرتان، إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى.\rكان يقال: مثل الذي يريد أن تجتمع له الدنيا والآخرة، مثل عبدٍ له ربان فلا يدري أيهما يطيع.\rحج سليمان بن عبد الملك فلما أشرف في انصرفه على قديد، نظر من عسكره فأعجبه ما رأى من كثرته، ومعه عمر بن عبد العزيز، فقال له: كيف ترى يا أبا حفص؟ قال: أرى يا أمير المؤمنين دنيا تأكل بعضها، أنت المبتلي بها والمسؤول عنها.\rوروى عن أبي بكر الصديق رضى الله عنه، أو عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه أنه قال: الدنيا دول، ليس إلى أحد دون الله إدالتها، فما كان منها لأحد أتاه على ضعفه، وما كان منها على أحد لم يدفعه بقوته.\rقال أبو حازم: وجدت الدنيا شيئين: شيئاً لي وشيئاً لغيري، فما كان لي منها لم ينله غيري، ولو رامه بحيلة السموات والأرض، ففيم العناء والغم والتعب.\rذكرت الدنيا لأبي حازم فقال أبو حازم: الدنيا جيفة فمن أراد منها شيئاً فليصبر على مهارشة الكلاب.\rقال أبو حازم: تكدرت الدنيا وتعذرت، ما تمد يدك إلى شيءٍ منها إلا وجدت فاسقاً قد سبقك إليه.\rكان سفيان الثوري يقول: الدنيا داء التواءٍ لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، من عرفها لم يفرح برخائها، ولم يحزن لشقائها.\rقال وهيب بن الورد: من أراد الدنيا فليتهيأ للذل.\rسمع المسعودي رجلا يقول: أين الزاهدون في الدنيا، الراغبون فيما عند الله. قال: اقلب المعنى وضع يدك على من شئت.\rكان سفيان الثوري يتمثل:\rأرى أشقياء الناس لا يسأمونها ... على أنهم فيها عراةٌ وجوع\rأراها وإن كانت تحب فإنها ... سحابة صيفٍ عن قليل تقشع\rوقال أبو العتاهية:\rيا ساكن الدنيا لقد أوطنتها ... وأمنتها عجباً وكيف أمنتها\rوشغلت قلبك عن معادك بالمنى ... وشغلت نفسك بالهوى وفتنتها\rوأشعار أبي العتاهية في ذم الدنيا كثيرة جداً، وقد جمعتها شعراً على حروف العجم مما قاله في المواعظ والحكم.\rوقال آخر:\rما أعجب الدهر في تصرفه ... والدهر لا تنقضي عجائبه\rكم رأينا للدهر من أسدٍ ... بالت على رأسه ثعالبه\rقال محمد بن عبد الملك الزيات:\rهي السبيل فمن يوم إلى يومٍ ... كأنه ما تريك العين في النوم\rلا تعجلن رويداً إنها دول ... دنيا تنقل من قومٍ إلى قوم\rإن المنايا وإن أصبحت في شغلٍ ... تحوم حولك حوماً أيما حوم\rوقال آخر:\rتقنع بالذي قاتك ... ولا تأس لما فاتك\rولا تغتر بالدنيا ... أما تذكر أمواتك\rقال بعض الحكماء: استودقت الدنيا فأنعظ الناس.\rلأيوب بن حول الشاربي:\rفلم أر كالدنيا بها اغتر أهلها ... ولا كاليقين استوحش الدهر صاحبه\rوقال محمود الوراق:\rأيها الشيخ كم تروم وتبني ... ليس منك الدنيا ولا أنت منها\rلا تروميها؛ فأنت وإن كن ... ت مقيماً بها كمن زال عنها\rقيل لعامر بن عبد قيس: لقد رضيت من الدنيا باليسير. قال: أخبرك بمن رضى بدون ما رضيت. قيل: من؟ قال: من رضى بالدنيا حظاً عن الآخرة.\rقال المأمون: لو سئلت الدنيا عن نفسها ما زادت في وصفها عن وصف أبي نواس حيث يقول:\rإذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق","part":1,"page":237},{"id":238,"text":"قلت: وأظنه أخذه من قول أبو العتاهية:\rولم أر كالدنيا وكشفي لأهلها ... فما انكشفوا لي عن صفاءٍ وعن صدق\rوأول هذا:\rطلبت أخاً في الله في الغرب والشرق ... فأعوزني هذا على كثرة الخلق\rوقلت أنا: ولأبي نواس في صفة الدنيا بيت غاية أيضاً وهو قوله:\rومن يأمن الدنيا يكن مثل قابضٍ ... على الماء خانته فروج الأصابع\rقال عمر بن الخطاب: والله ما الدنيا في الآخرة إلا كنفخة أرنب، وتمثل:\rلاشيء فيما ترى إلا بشاشته ... يبقى الإله ويفنى الأهل والولد\rوقال آخر:\rوإن امرءاً دنياه أكثر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور\rوقال أبو العتاهية:\rيا من ترفع بالدنيا وزينتها ... ليس الترفع رفع الطين بالطين\rإذا أردت شريف الناس كلهم ... فانظر إلى ملكٍ في زي مسكين\rذاك الذي شرفت في الناس همته ... وذاك يصلح للدنيا وللدين\rوقال أبو العتاهية:\rكفاك عن الدنيا الدنية مخبراً ... غنى باخليها وافتقار كرامها\rوأن رجال النفع تحت مداسها ... وأن رجال الضر فوق سنامها\rوقال آخر:\rالفقر في زمن اللئا ... م لكل ذي كرمٍ علامه\rقال نفطويه: يروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال، قرضاً أو تمثلاً:\rولا خير في عيشٍ إذا لم يكن له ... من الله في يوم الحساب نصيب\rقال الفتح بن شخرف:\rكم يكون الشتاء ثم المصيف ... وربيع يمضي ويأتي خريف\rوانتقال من الحرور إلى الظ ... ل وسيف الردى عليك منيف\rيا قليل البقاء في هذه الدا ... ر إلى كم يغرك التسويف\rقال أبو العتاهية:\rإن الشقي لمن غرته دنياه\rوقال محمد بن عبد الملك الزيات:\rسل ديار الحي من غيرها ... وعفاها وعفى منظرها\rوكذا الدنيا إذا ما انقلبت ... جعلت معروفها منكرها\rإنما الدنيا كظل زائل ... أحمد الله كذا قدرها\rوقال محمود الوراق:\rكفلت لطالب الدنيا بهم ... طويلٍ لا يؤول إلى انقطاع\rوذلً في الحياة بغير عز ... وفقرٍ لا يدل على اتساع\rوشغلٍ ليس يعقبه فراغ ... وسعىٍ دائمٍ مع كل ساعي\rوحرصٍ لا يزال عليه عبدا ... وعبد الحرص ليس بذي ارتفاع\rقال الحسن البصري، لست أعجب ممن هلك كيف هلك، إنما أعجب ممن نجا كيف ونجا، شيطان مريد يحرس منه السماء، ونفس أمارة بالسوء، ودنيا مزينة.\rقال عبد الله بن الأرقم لعمر بن الخطاب: قد اجتمع عندي في بيت المال حلي كثير ومناطق من أموال فارس أفلا تقسمه؟ قال: بلى، فأتني به، فنقلته إليه في القفاف، فلما نظر إليه رأى شيئاً عجباً، فقال: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نحب ما حببت إلينا، ثم تلا هذه الآية: \" زين للناس حب الشهوات من النساء \" .\rالآية. ثم قال: اللهم قني شره، وارزقني أن أنفقه في حقه.\rقال يحيى بن خالد بن برمك: دخلنا في الدنيا دخولاً أخرجنا عنها.\rقال منصور الفقيه:\rقد صرف البواب والحاجب ... وقهرمان الدار والكاتب\rوأصبح الصاحب من بينهم ... بحيث لا جار ولا صاحب\rواعتاضت الناهد من بعده ... إلفاً سواه وكذا الكاعب\rوجد في تفريق ما لم يزل ... يجمعه وارثه اللاعب\rفكن من الدنيا على أهبةٍ ... يا زاهداً فيها ويا راغب\rفإنها أم لأبنائها ... منها عدو قاتل سالب\rوقال محمد بن أبي حازم الباهلي:\rألا إنما الدنيا على المرء فتنة ... على كل حالٍ أقبلت أو تولت\rقال رجل لداود الطائي: عظني. فقال له: أرض من الدنيا إذا سلم لك دينك بما رضى به أهل الدنيا من الآخرة حين سلمت لهم دنياهم، وأنشد في ذلك شعراً، ذكر أن سليمان الأعمش تمثل به:\rأرى رجالاً بدون الدين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا في العيش بالدون\rفاستغن بالله عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدين","part":1,"page":238},{"id":239,"text":"لابن أبي عيينة، أو لمحمد بن يسير:\rما راح يوم على حيً ولا ابتكرا ... إلا رأى عبرةً فيه إن اعتبرا\rولا أتت ساعة في الدهر وانصرمت ... حتى تؤثر في قوم لها أثرا\rوأن الليالي والأيام أنفسها ... عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا\rقال بكر بن حماد:\rالناس حرصي على الدنيا وقد فسدت ... فصفوها لك ممزوج بتكدير\rفمن مكب عليها لا تساعده ... وعاجزٍ نال دبياه بتقصير\rلم يدركوها بعقلٍ عندما قسمت ... وإنما أدركوها بالمقادير\rلو كان عن قوةٍ أو عن مغالبة ... طار البزاة بأرزاق العصافير\rويقال: إنها مكتوبة على قائم سيف الإمام علي بن أبي طالب رضى الله عنه.\rباب الزهد والقناعة\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ما قل وكفي، خير مما كثر وألهي \" .\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" القناعة مال لا ينفد، وما عال من اقتصد \" .\rوقال عليه السلام: \" خير الرزق ما يكفي، وأفضل الذكر الخفي \" .\rوقال عليه السلام: \" إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل، ودعوا ما حرم \" .\rقال أبو هريرة، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اقنع بما رزقت تكن أغنى الناس \" .\rقال علي بن أبي طالب: الزاهدون في الدنيا قوم وعظوا فاتعظوا، وأيقنوا فعملوا، إن نالهم يسر شكروا، وإن نالهم عسر صبروا.\rوفي الخبر المرفوع: \" عز المؤمن استغناؤه بربه عن الناس \" .\rقال سعيد بن المسيب: من استغنى بالله افتقر الناس إليه.\rقال الحطيئة:\rاستغن عن كل ذي قربى وذي رحم ... إن الغنى من استغنى عن الناس\rقال أوس بن حارثة لابنه: يا بني! خير الغنى القناعة، وشر الفقر الخضوع.\rقال الحسن وعكرمة في قول الله عز وجل: \" فلنحيينه حياة طيبةً \" ، قالا: القناعة.\rأبلغ شيءٍ جاء في القناعة، قول علي رضى الله عنه: لا تحمل قوت غدك الذي لم يأت، على يومك الذي قد أتى، فإنه إن يكن من أيام حياتك جاءك وفيه رزقك، وأعلم أنك لم تدخر أكثر من قوت يومك إلا كنت فيه خازناً لغيرك.\rقال عيسى عليه السلام: يا معشر الحواريين! بحقً ما أقول لكم: ما زهد في الدنيا من جزع على المصيبة فيها.\rوقيل له: يا روح الله! لو اتخذت حماراً تركبه؟ قال: أنا أعز على الله من أن يجعل لي شيئاً يشغلني به.\rقال أكثم بن صيفي: من لم يأس على ما فاته أراح نفسه.\rسئل ابن شهاب عن الزهد في الدنيا، فقال: الزهد ألا يغلب الحرام صبرك، ولا الحلال شكرك.\rقال مالك بن أنس، وسفيان الثوري: الزهد في الدنيا قصر الأمل.\rقال بعض الحكماء: إذا كان سعيك إنما هو لطلب الراحة في الدنيا، ثم سعيت لأكثر مما يكفيك لم تزدد من الراحة والدعة إلا بعداً.\rقال سفيان أو إبراهيم بن أدهم: الزهد زهدان؛ فزهد فرضٍ، وزهد فضل. فالزهد في الحرام فرض، و الزهد في الحلال فضل. والورع ورعان، فالورع عن المعاصي فرض، والورع عن الشبهات حذر وفضل.\rسئل الخليل بن أحمد عن الزهد في الدنيا، فقال: الزهد ألا تطلب المفقود حتى تفقد الموجود.\rقال إبراهيم بن أدهم: إذا بات الملوك على اختيارهم لأنفسهم، فبت على اختيار الله لك وارض به.\rأصيب مكتوباً على صخرة: لست مدركاً أملك، ولا فائتاً أجلك، ولا آخذاً ما ليس لك.\rوفي موضع آخر: القضاء غالب، والأجل طالب، والمقدور كائن، والهم فضل.\rقال بعض الحكماء: القفاعة. ثوب لا يبلى، وهي شعار الأنبياء.\rولابن المبارك:\rلله در القنوع من خلقٍ ... كم من وضيعٍ به قد ارتفعا\rيضيق صدر الفتى بحاجته ... ومن تأسى بدونه اتسعا\rقال بعض الحكماء لبنيه: يا بني! أظهروا الزهد والنسك، فإن رأى الناس أحدكم بخيلا قالوا: مقتصد لا يحب الإسراف، وإن رأوه عييا قالوا: يكره الكلام فيما لا يعنيه، ويؤثر الصمت خير من مقال يرديه، وإن رأوه جباناً قالوا: لا يقدم على الشبهات.\rقال العتبي، كان يقال: من عدم القناعة، لم تزده الثروة إلا عناءً.\rقال أبو العتاهية:\rتبغي من الدنيا الكثير وإنما ... يكفيك منها مثل زاد الراكب","part":1,"page":239},{"id":240,"text":"لا تعجبن بما ترى فكأنه ... قد زال عنك زوال أمس الذاهب\rقال منصور الفقيه:\rكل من في هذه الدن ... يا من الناس ذليل\rوأذل الناس من لم ... يرضه منها القليل\rوقال آخر:\rكم كافرٍ بالله أمواله ... تزداد أضعافاً على كفره\rومؤمن ليس له درهم ... يزداد إيماناً على فقره\rلا خير فيمن لم يكن عاقلاً ... يمد رجليه على قدره\rوقال منصور الفقيه:\rمنافسة الفتى فيما يزول ... على نقصان همته دليل\rومختار القليل أقل منه ... وكل فوائد الدنيا قليل\rوله أيضاً:\rإذا قال لي قائل كيف أن ... ت أقول له: أنا في عافيه\rلأشياء منها الرضى بالكفاف ... وما كل نفسٍ به راضيه\rوقال أيضاً:\rألا إن رزق الله ليس يفوت ... فلا ترعن إن القليل يقوت\rرضيت بقسم الله حظاً لأنه ... تكفل رزقي من له الملكوت\rسأقنع بالمال القليل لأنني ... رأيت أخا المال الكثير يموت\rوقال الحسين بن الضحاك:\rيا روح من حسمت قناعته ... سبب المطامع من غدٍ وغد\rمن لم يكن لله متهماً ... لم يمس محتاجاً إلى أحد\rويروى لأبي العتاهية أو العطوي:\rعندي من الناس أنباء وتجربة ... على اختلافهم في العقل والشيم\rحسبي بظل جدارٍ من مهادهم ... ومن مياههم ما أستقي بفم\rكم قد أهابت بي الدنيا فقلت لها: إليك عني ففي أذني كالصمم\rإني قنعت بقوتٍ لا أجاوزه ... وصون وجهي عن لالا وعن نعم\rولست أذخر فضل القوت عن أحدٍ ... في كل يوم يجىء الله بالطعم\rلعبد الله بن المبارك وقيل إنها لغيره:\rومن البلاء وللبلاء علامة ... ألا يرى لك عن هواك نزوع\rالعبد عبد النفس في شهواتها ... والحر يشبع مرة ويجوع\rوقال آخر:\rإذا لم يهن عرضي على ولم يكن ... بوجهي من ذل السؤال كدوح\rفقوت بلا ذمً وبيت يكنني ... وطمران أغدو فيهما وأروح\rهو العيش لا ظل انتظار لموعدٍ ... ولا مالك أمري على شحيح\rولي أمل في الناس ليس شقاوةً ... سوى دين سياح عليه مسوح\rوقال آخر:\rيا رب ساع له في سعيه أمل ... أودى ولم يقض من لذاته الوطرا\rما ذاق طعم الغني من لا قنوع له ... ولا ترى قانعاً ما عشت مفتقرا\rوقال منصور الفقيه:\rإذا شئت أن تحيا بلا عائبٍ أصلا ... فكن راضياً بالقوت واجتنب الفضلا\rوكاف ذوي الإجرام بالصفح عنهم ... وقل لهم إما لقيتهم أهلا\rولا تلق خلقاً سائلا وزن ذرةٍ ... ولو جاد بالدنيا نسائله بذلا\rفما وضع المرء الحسيب ولا ارتقى ... بأدنى الورى بيتاً إلى المنزل الأعلى\rسوى صبر هذا عن سواه وحرص ذا ... فبع بالغني فقراً وبالعزة الذلا\rوقال آخر:\rما سرني أن نفسي غير قانعةٍ ... وأن أرزاق هذا الخلق تحت يدي\rوقف أعرابي على الحسن، وهو يعظ جلساءه، فقال: يا أعرابي! ما أظنك تعلم شيئاً مما نحن فيه، فأنشأ يقول:\rمهما جهلت فقد علم ... ت بأنني بشر أموت\rوالناس في طلب الغنى ... وغناهم من ذاك قوت\rشادوا لغيرهم وبا ... دوا والقبور هي البيوت\rوقال أبو العتاهية:\rطال همي بغير ما يعنيني ... واشتغالي بكل ما يلهيني\rولو أني قنعت لم أبغ رزقي ... كان رزقي هو الذي يبغيني\rولعمري إن الطريق إلى الحق ... منير لناظر المستبين\rأحمد الله حمد عبد شكور ... ما عليها إلا ضعيف اليقين\rوقول أبي العتاهية: كان رزقي هو الذي يبغيني، مأخوذ - والله أعلم - من قول ابن أذينة:\rأسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنيني\rوقد ذكرت هذه الأبيات في باب الرزق.\rقال العطوي:","part":1,"page":240},{"id":241,"text":"إن القناعة من يحلل بساحتها ... لم يلق في دهره هماً يؤرقه\rقال الأضبط بن قريع:\rاقنع من الدهر ما أتاك به ... من قر عيناً بعيشه نفعه\rقد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه\rقال سليمان بن داود عليه السلام: كل العيش قد جربناه، لينه وشديده، وبلوناه فوجدناه يكفي منه أدناه.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسمه، معه قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا \" .\rقال منصور الفقيه:\rإذا القوت تأتي لك ... والصحة والأمن\rوعف الفم والفرج ... تقي لله والبطن\rوأصبحت أخا حزنٍ ... فلا فارقك الحزن\rوقال آخر:\rإذا ما كساك الله سربال صحةٍ ... ولم تخل من قوتٍ يحل ويعذب\rفلا تحسدن الكمثرين فإنهم ... على قدر ما يكسوهم الدهر يسلب\rوقال هلال بن خثعم في أبيات له، ونسبت إلى بشار بن بشر المجاشعي:\rإن قراب البطن يكفيك ملؤه ... ويكفيك سوءات الأمورٍ اجتنابها\rقال يحيى بن خالد: دخلت على الرشيد يوماً فأصبته متكئاً يسطر في ورقةٍ فيها كتابة بالذهب، فلما رآني تبسم، فقلت: فائدة أصلح الله أمير المؤمنين؟ قال: نعم، وجدت هذين البيتين في بعض خزائن بني أمية، وقد أضفت إليهما ثالثاً، وأنشدني:\rإذا سد باب عنك من دون حاجةٍ ... فدعه لأخرى ينفتح لك بابها\rفإن قراب البطن يكفيك ملؤه ... ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها\rولا تك مبذالا لعرضك واجتنب ... ركوب المعاصي يجتنبك عقابها\rوعن أبي محمد اليزيدي، قال: دخلت على الرشيد.. فذكر مثله حرفاً بحرف.\rروى أبو خليفة الفضل بن حباب، عن محمد بن سلام، قال: قال حماد الراوية: أفضل بيت روى من أشعار العرب، قول الحطئية:\rيقولون يستغني ووالله ما الغنى ... من المال إلا ما يكف وما يكفي\rوقال محمود الوراق:\rإن القناعة ما علمت غنىً ... والحرص يورث ذا الغنى فقرا\rوقال منصور الفقيه:\rإذا قنعت بقوتٍ ... ولبس ثوبٍ مرقع\rولم يكن لي عيال ... نفسي لهم تتفجع\rولا بنون صغار ... قلبي لهم يتقطع\rولا صديق مصافٍ ... فراقه أتوقع\rوقد عزفت عن الله ... و والغنى والتمتع\rوكان لله نسكي ... فما بي الدهر يصنع\rوقال آخر:\rقنع النفس بالكفاف وإلا ... طلبت منك فوق ما يكفيها\rقال الأصمعي: أحكم بيتٍ قالته العرب، بيت أبي ذؤيب الهذلي:\rوالنفس راغبةً إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليلٍ تقنع\rوقال محمد بن أبي حازم:\rلعمرك للقليل أصون وجهي ... به في الأوحدين وفي الجميع\rأحب إلى من طلبي كثيراً ... تمد إليه أعناق الخضوع\rفعش بالقوت يوماً بعد يومٍ ... كمص الطفل فيقات الضروع\rولا ترغب إلى أحدٍ بحرصٍ ... رفيعٍ في الأمور ولا وضيع\rقال الخليل بن أحمد:\rإن لم يكن لك لحم ... كفاك خبز وزيت\rأو لم يكن لك هذا ... فكسرة ثم بيت\rتظل فيه وتأوى ... حتى يجيئك موت\rهذا كفاف وأمن ... فلا تغرنك ليت\rوقال ابن بسام أو غيره:\rرضيت بالقوت من زماني ... وصنت عرضي عن الهوان\rمخافةً أن يقول قوم ... فضل فلانٍ على فلان\rمن كنت عن ماله غنياً ... رأيته مثل ما يراني\rأزوره إن أراد وصلي ... وأقطع الوصل إن جفاني\rفاستغن بالله عن فلانٍ ... وعن فلان وعن فلان\rولعبد الله بن المبارك:\rأرى رجالاً بدون الذين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا في العيش بالدون\rفاستغن بالله عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدين\rلعمر بن محمد بن عبد الملك الزيات:","part":1,"page":241},{"id":242,"text":"شره النفوس على النفوس بلية ... فتعوذوا من كل نفسٍ تشره\rما من فتى شرهت له نفس وإن ... نال الغنى إلا رأى ما يكره\rوقال آخر:\rإذا ما شئت أن تعر ... ف يوماً كذب الشهوه\rفكل ما شئت يغنيك ... عن المرةٍ والحلوه\rوطا ما شيت يغنيك ... عن الحسناء والذروه\rفكم أسلاك ما تهوا ... ه فعل الشيء لم تهوه\rوقال منصور الفقيه:\rمن كفاه من مساعي ... ه رغيف يغتذيه\rوله بيت يواري ... ه وثوب يكتسيه\rفلماذا يبذل العر ... ض لنذلٍ أو سفيه\rكل مالٍ منعته ال ... بر أيدي باذليه\rفهو للوارث والوز ... ر على مكتسبيه\rوقال محمود الوراق:\rمروءة معسر عف قنوعٍ ... يقدر في معيشته ويمسك\rتزيد على مروءة كل مثرٍ ... يروح ويغتدى جم التملك\rوأكثر من سخاتك بالعطايا ... سخاء النفس عما ليس تملك\rوقال سهل الوراق:\rترى المرء مشغوفاً بدنياه متعبا ... وراحته لو صح فيها يقينه\rصباحاً مساءً في طلاب وماله ... من الرزق إلا ما الإله ضمينه\rوقال كعب بن زهير:\rإن يفن ما عندنا فالله يرزقنا ... ومن سوانا، فلسنا نحن نرتزق\rوقد مضى في باب الرزق أشياء من معاني هذا الباب.\rوقال محمود الوراق:\rغنى النفس يغنيها إذا كنت قانعاً ... وليس بمغنيك الكثير من الحرص\rوإن اعتقاد الهم للمرء جامع ... وقلة هم المرء يدعو إلى النغص\rولمحمود الوراق أيضاً:\rمن كان ذا مالٍ كثير ولم ... يقنع فذاك الموسر المعسر\rوكل من كان قنوعاً وإن ... كان مقلا فهو المكثر\rالفقر في النفس وفيها الغنى ... وفي غنى النفس الغنى الأكبر\rوقال منصور الفقيه:\rليس هذا زمان قولك ما الحك ... م على من يقول: أنت حرام؟\rوالحقى بائناً بأهلك أو أن ... ت عتيق محرر يا غلام\rومتى تنكح المصانة في العد ... ةٍ عن شبهةٍ، وكيف الكلام؟\rفي حرامٍ أصاب سن غزالٍ ... فتولى وللغزال بغام\rإنما ذا زمان كدً إلى المو ... ت، وقوتٍ مبلغٍ والسلام\rلأبي العتاهية رحمه الله:\rأتدري أي ذل في السؤال ... وفي بذل الوجوه إلى الرجال\rيعز على التنزه من بغاه ... ويستغنى العفيف بغير مال\rإذا كان النوال ببذل وجهي ... فلا قربت من ذاك النوال\rمعاذ الله من خلق دنىً ... يكون الفضل فيه على لالي\rتوق يداً تكون عليك فضلا ... فصانعها إليك عليك غال\rيد تعلو يداً بجميل فعلٍ ... كما علت اليمين على الشمال\rوجوه العيش في سعةٍ وضيقٍ ... وحسبك والتوسع في الحلال\rأتنكر أن تكون أخا نعيمٍ ... وأنت تصيف في الظل الظلال\rوأنت تصيب قوتك في عفافٍ ... ورياً إن ظمئت من الزلال\rمتى تمسى وتصبح مستريحاً ... وأنت الدهر لا ترضى بحال\rتكابد جمع شيءٍ بعد شيءٍ ... وتبغي أن تكون رخي بال\rوقد يجري قليل المال مجرى ... كثير المال في سد الخلال\rإذا كان القليل بسد فقرى ... ولم أجد الكثير فلا أبالي\rهي الدنيا رأيت الحب فيها ... عواقبه التفرق عن تقال\rتسر إذا نظرت إلى هلالٍ ... ونقصك إن نظرت إلى الهلال\rتعالى الله يا سلم بن عمروٍ ... أذل الحرص أعناق الرجال\rهب الدنيا تساق إليك عفواً ... أليس مصير ذاك إلى زوال\rفما ترجو بشيءٍ ليس يبقى ... وشيكاً ما تفرقه الليالي\rفلما اتصل بسلم الخاسر، وهو سلم بن عمرو، قول أبي العتاهية، كتبت إليه:\rما قبح التزهيد من واعظٍ ... يزهد الناس ولا يزهد","part":1,"page":242},{"id":243,"text":"لو كان في تزهيده صادقاً ... أضحى وأمسى بيته المسجد\rإن رفض الدنيا فما باله ... يستكثر المال ويسترفد\rيخاف أن تنفد أرزاقه ... والرزق عند الله لا ينفد\rالرزق مقسوم على من ترى ... يسعى له الأبيض والأسود\rوقد قيل: إن الأبيات التي فيها ذكر سلم بن عمرو، ليست في الشعر المذكور، وإنما هي في قول أبي العتاهية:\rنعى نفسي إلى من الليالي ... تصرفهن حالاً بعد حال\rفما لي لست مشغولا بنفسي ... ومالي لا أخاف الموت مالي\rلقد أيقنت أني غير باقٍ ... ولكني أراني لا أبالي\rتعالى الله يا سلم بن عمروٍ ... أذل الحرص أعناق الرجال\rباب من المواعظ الموجزة\rقال ر سول الله صلى الله عليه وسلم: \" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من ائتمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب \" .\rقال عليه السلام لعبد الله بن مسعود: \" يا عبد الله! لا تكثر همك ما يقدر يكن، وما ترزق يأتك \" .\rقال عليه السلام لعبد الله بن عمر يعظه: \" يا عبد الله! اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك \" . أخذه محمود الوراق، والله أعلم، فقال:\rبادر شبابك أن تهرما ... وصحة جسمك أن تسقما\rوأيام عيشك قبل الممات ... فما قصر من عاش أن يسلما\rووقت فراغك بادر به ... ليالي شغلك في بعض ما\rفقدر فكل امرئٍ قادم ... على علم ما كان قد قدما\rسئل علي عليه السلام: من الزاهد في الدنيا؟ قال: من لم ينس المقابر والبلى وترك فضل زينة الدنيا، وآثر ما يبقى على ما يفنى، وعد نفسه في الموتى.\rقال عليه السلام: \" ما ينتظر أحدكم إلا غنى مطغياً، أو فقراً منسياً، أو مرضاً مفسدا، أو هرماً مقيداً، أو موتاً مجهزاً، والدجال شر غائب، تنتظره الساعة، والساعة أدهى وأمر \" .\rقال ر سول الله صلى الله عليه وسلم: \" لم أر كالنار نام هاربها، ولم أر كالجنة نام طالبها \" .\rقال جعفر بن محمد: الناقص من الناس من لا ينتفع من المواعظ إلا بما آلمه أو لزمه.\rكان يقال: اجعل عمرك كنفقةٍ رفعت إليك، فأنت لا تحب أن يذهب ما ينفق منها ضياعا، فلا يذهب عمرك ضياعاً.\rقال أبو عمرو بن العلاء: أول شعر قيل في ذم الدنيا، قول يزيد بن خذاق العبدي:\rهل للفتى من بنات الدهر من راق ... أم هل له من حسام الموت من واق\rقد رجلوني وما بالشعر من شعث ... وألبسوني ثياباً غير أخلاق\rورفعوني وقالوا أيما رجلٍ ... وأدرجوني كأني طي مخراق\rوأرسلوا فتيةً من خيرهم حسباً ... ليسندوا في ضريح القبر أطباقي\rوقسموا المال وارفضت عوائدهم ... وقال قائلهم مات ابن خذاق\rهون عليك ولا تولع بإشفاق ... فإنما مالنا للوارث الباقي\rقال ابن عباس: ما انتفعت بشيءٍ بعد وعظ ر سول الله صلى الله عليه وسلم منفعتي بشيءٍ كتب به إلى علي بن أبي طالب رضى الله عنه: أما بعد، فإن المرء يسره درك ما لم يدركه، فليكن سرورك بما نلت من أمر آخرتك، وليكن أسفك على ما فات منها، وليكن همك لما بعد الموت.\rقال أبو سليمان الداراني: رأيت على باب دمشق:\rوكم من فتىً يمسي ويصبح لاهياً ... وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري\rقال أعرابي لابنه: يا بني! من خاف الموت بادر الفوت، ومن لم يصبر على الشهوات، أسرعت به إلى الهلكات.\rووعظ أعرابي أخاه فقال: يا أخي! أنت طالب ومطلوب، يطلبك من لا تفوته، وتطلب ما قد كفيته، فكأن ما قد غاب عنك قد كشف لك، وما أنت فيه قد نقلت عنه، يا أخي! كأنك لم تر حريصاً محروماً، ولا زاهداً مرزوقاً.\rكتب علي بن الحسين إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد، فإنك أعز ما تكون بالله، أحوج ما تكون إليه، فإذا عززت به فاعف له، فإنك به تقدر، وإليه ترجع والسلام.\rوفي الحديث المرفوع: \" عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه \" .","part":1,"page":243},{"id":244,"text":"كتب سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء: أما بعد، فإنك لا تنال ما تريد إلا بترك ما تشتهي، ولن تبلغ ما تأمل، إلا بالصبر على ما تكره، فليكن قولك ذكراً، وصمتك فكراً، ونظرك عبرة، واعلم أن أعجز الناس من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله، وأن أكيسهم من أتعب نفسه وعمل لما بعد الموت.\rقال الحسن البصري: يا معشر الشيوخ! الزرع إذا بلغ ما يصنع به؟ قالوا: يحصد. قال: يا معشر الشباب! كم زرع لم يبلغ قد أدركته آفة.\rقال مسلم بن الوليد:\rكم رأينا من أناسٍ هلكوا ... فبكى أحبابهم ثم بكوا\rتركوا الدنيا لمن بعدهم ... ودهم لو قدموا ما تركوا\rكم رأينا من ملوكٍ سوقةٍ ... ورأينا سوقةً قد ملكوا\rوقال آخر:\rرب قومٍ غبروا من عيشهم ... في نعيمٍ وسرورٍ وغدق\rسكت الدهر زمانا عنهم ... ثم أبكاهم دماً حين نطق\rوقال آخر:\rباتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال فلم تمنعهم القلل\rوقال محمود الوراق:\rأبقيت مالك ميراثاً لوارثه ... فليت شعري ما أبقى لك المال؟\rالقوم بعدك في حال تسرهم ... فكيف بعدهم دارت بك الحال\rملوا البكاء فما يبكيك من أحدٍ ... واستحكم القيل في الميراث والقال\rمالت بهم عنك دنيا أقبلت لهم ... وأدبرت عنك والأيام أحوال\rوقال تميم بن مقبل:\rما أنعم العيش لو أن الفتى حجر ... تنبو الحوادث عنه وهو ملموم\rوكل حصن وإن طالت سلامته ... على دعائمه لابد مهدوم\rومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لابد مشئوم\rوقال كعب بن زهير:\rكل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوماً على آلةٍ حدباء محمول\rكان عمر بن عبد العزيز يتمثل:\rمن كان حين تصيب الشمس جبهته ... أو الغبار يخاف الشين والشعثا\rويألف الظل كي تبقى بشاشته ... فسوف يسكن يوماً راغماً جدثا\rفي قعرٍ مظلمةٍ غبراء موحشةٍيطيل فيها ولا يختارها اللبثا\rتجهزي بجهازٍ تبلغين به ... يا نفس واقتصدي لم تخلقي عبثا\rوكان يتمثل أيضاً - رحمه الله - :\rأيقظان أنت اليوم أم أنت نائم ... وكيف يطيق النوم حيران هائم\rفلو كنت يقظان الغداة لحرقت ... مدامع عينيك الدموع السواجم\rنهارك يا مغرور سهو وغفلة ... ونومك ليل والردى لك لازم\rيغرك ما يفني وتشغل بالمنى ... كما غر باللذات في النوم حالم\rوتشغل فيما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم\rوقال محمود الوراق:\rأيها الشيخ المعل ... ل نفسه والشيب شامل\rوالليل يطوي لا يفتر ... والنهار بك المنازل\rاعلم بأنك نائم ... فوق الفراش وأنت راحل\rيتعاقبان بك الردى ... لا يغفلان وأنت غافل\rوقال ابن الكلبي، عن أبيه: خرج النعمان بن المنذر إلى الصيد، ومعه عدي بن زيد، فمر بشجرة، فقال له: أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ قال: لا. قال: تقول:\rرب ركبٍ قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال\rعصف الدهر بهم فانقرضوا ... وكذاك الدهر حالاً بعد حال\rقال: ثم مر بمقبرة، فقال له عدي: أتدري أيها الملك ما تقول هذه المقبرة؟ قال: لا. قال: تقول:\rأيها الركب المخبون ... على الأرض المجدون\rكما أنتم كنا ... كما نحن تكونون\rفقال النعمان: قد علمت أن الشجرة والمقبرة لم يتكلما، وإنما أردت موعظتي، فما السبيل الذي تدرك به النجاة؟ قال: تدع عبادة الأوثان، وتعبد الله، وتدين بدين المسيح. قال: فتنصر يومئذ.\rولعدي بن زيد:\rكفى واعظاً للمرء أيام دهره ... تروج له بالواعظات وتغتدي\rقال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم المدني: عظني. فقال: عظم ربك أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك.","part":1,"page":244},{"id":245,"text":"ومن مواعظ بعض العرب: كل من ازداد نقص، وكل من أقام ظعن وشخص، ولو كان يميت الناس الداء أعاشهم الدواء.\rوأنشد أبو العباس المبرد:\rتصرفت طورا كي أرى كل عبرةٍ ... وكان الصبا مني جديداً فأخلقا\rفما ازداد شيء قط إلا لنقصه ... وما اجتمع الإلفان إلا تفرقا\rوقال محمود الوراق:\rأراني في انتقاصٍ كل يومٍ ... ولا يبقى مع النقصان شيء\rطوى العصران ما نشراه مني ... فأخلق جدتي نشر وطي\rفإن أك قد فنيت ومات بعضي ... فإن الحرص باقٍ في حي\rعصيت الرشد إذ أدعى إليه ... وملك طاعتي ضعف وعي\rوقال عمرو بن هند:\rنعلل والأيام تنقص عمرنا ... كما تنقص النيران من طرف الوقد\rوقال محمود الوراق:\rإن عيشاً إلى الممات مصيره ... لحقيق ألا يدوم سروره\rوسرور يكون آخره المو ... ت سواء قليله وكثيره\rويروي: طويلة وقصيرة.\rكان يزيد الرقاشي يتمثل كثيراً بهذا البيت:\rإنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى يدني من الأجل\rروى من حديث مالك، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، قال: ما من أهل بيتٍ إلا وملك الموت يأتيهم، فمن وجده قد انقضى أجله قبض روحه، فإذا بكى أهله قال: لم تبكون، ولم تجزعون؟ والله ما نقصت لكم عمرا، ولا حبست عنكم رزقاً، ومالي ذنب، وإن لي فيكم لعودة ثم عودة وعودة حتى لا يبقى منكم أحد.\rقال أبو الدرداء في خطبة خطبها بدمشق: مالي أراكم تجمعون مالا تأكلون، وتبنون مالا تسكنون، وتأملون مالا تدركون، إن من كان قبلكم جمعوا كثيراً وبنوا شديداً وأملوا بعيداً، فأصبح جميعهم بوراً ومنازلهم قبوراً، وأملهم غروراً، هذه منازل عاد وثمود بين قطري الأرض ما يسرني أنها لي بدرهمين.\rوجد مكتوباً في حجر: ابن آدم! لو رأيت يسير ما بقى من أجلك؛ لزهدت في طول ما ترجوه من أملك، وإنما يلقاك ندمك، لو قد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وانصرف عنك القريب وودعك الحبيب، ثم صرت تدعى فلا تجيب، فلا أنت في عملك بزائد، ولا إلى أهلك بعائد؛ فاعمل لنفسك قبل يوم القيامة، وقبل الحسرة والندامة.\rقال محمود الوراق:\rيا ناظراً يرنو يعيني رافد ... ومشاهداً للأمر غير مشاهد\rمنتك نفسك ضلة فأجبتها ... طرق السفاهة فعل غير الراشد\rتصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى ... فوز الجنان ونيل أجر العابد\rونسيت أن الله أخرج آدما ... منها إلى الدنيا بذنبٍ واحد\rوجد حجر في بئر باليمامة، وهي بئر طسم وجديس، في قرية يقال لها معتق مكتوب فيه:\rيا أيها الناس سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يومٍ لا تسيرونا\rحثوا المطى وأرخوا في أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما تقضونا\rكنا أناساً كما كنتم فغيرنا ... دهر، فأنتم كما كنا تكونونا\rقال عبد الله بن ثعلبة: أمسك مذموم منك، ويومك غير محمودٍ لك، وغدك غير مأمون عليك.\rومما أنشده ابن أبي الدنيا - رحمه الله - :\rقل للمؤمل إن الموت في أثرك ... وليس يخفي عليك الموت في نظرك\rفيمن مضى لك إن فكرت معتبر ... ومن يمت كل يوم فهو من نذرك\rدار تسافر منها في غدٍ سفراً ... ولا تؤوب إذا سافرت من سفرك\rتضحى غدا سمراً للذاكرين كما ... كان الذين مضوا بالأمس من سمرك\rقال علي بن أبي طالب: يا ابن آدم! لا تحمل هم يومك الذي لم يأت على يومك الذي قد أنى، فإنه إن يكن من أجلك أتى الله فيه برزقك، واعلم أنك إن تكسب شيئاً فوق قوتك إلا كنت خازناً لغيرك.\rقال بعض الحكماء: الأيام ثلاثة، فأمس صديق مؤدب، أبقى لك عظةً وترك فيك عبرة، واليوم صديق مودع، أتاك ولم تأته، كان عنك طويل الغيبة، وهو عنك سريع الظعن، فخذ لنفسك فيه، وغد لا تدري ما يحدث الله فيه، أمن أهله أنت أم لا.\rلأسقف نجران، ويروى لتبع الحميري:\rمنع البقاء تصرف الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسى\rوطلوعها بيضاء صافيةً ... وغروبها صفراء كالورس","part":1,"page":245},{"id":246,"text":"اليوم تعلم ما يجئ به ... ومضى بفصل قضائه أمس\rوقال أبو العتاهية:\rالشمس تنعي ساكن الدنيا ... ويسعدها القمر\rأين الذين عهدتهم ... لهم المهابة والأثر\rأودوا وصار عليهم ... ركم الجنادل والمدر\rأفناهم غلس العشا ... ء وهز أجنحة السحر\rما للقلوب رقيقةً ... وكأن قلبك من حجر\rولقلما تبقى وعو ... دك كل يومٍ يعتصر\rوقال أبو العتاهية:\rسبحان ذي الملكوت أية ليلةٍ ... مخضت صبيحتها بيوم الموقف\rلو أن عيناً أوهمتها نفسها ... يوم الحساب تمثلاً لم تطرف\rوقال أبو العتاهية أيضاً:\rأيا عجباً كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد\rوالله في كل تحريكةٍ ... وفي كل تسكينةٍ شاهد\rوفي كل شيءٍ له آية ... تدل على أنه الواحد\rوقال آخر:\rومنتظرٍ للموت في كل ساعةٍ ... يشيد ويبني دائباً ويحصن\rله حين تبلوه حقيقة موقنٍ ... وأفعاله أفعال من ليس يوقن\rعيان كإنكارٍ وكالجهلٍ علمه ... لمذهبه في كل ما يتيقن\rوقال العطوي:\rنحن أهل اليقين بالموت والبع ... ث وعرض الأقوال والأعمال\rثم لا نرعوي وقد أمهل الل ... ه بطول الإيقاظ والإمهال\rأي شيءٍ تركت يا عارفاً ... بالله للممترين والجهال\rمكتوب في التوراة: البر لا يبلي، والذنب لا ينسى، والمال يفنى، والخير يبقى، والديان حي لا يموت، فكن كما شئت، كما تدين تدان.\rوجد حجر مكتوب فيه: ما أكلنا نلنا، وما قدمنا وجدنا، وما تركنا ندمنا.\rوخير من هذا قول ر سول الله صلى الله عليه وسلم: \" ليس للإنسان من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأمضى، وغير ذلك فإلى وارثه \" .\rولأعرابي من بني أسد:\rيقولون ثمر ما استطعت وإنما ... لوارثه ما ثمر المال كاسبه\rفكله وأطعمه وجنبه وارثا ... شحيحا ودهراً تعتريك نوائبه\rوقال آخر:\rوللمنايا تربى كل مرضعةٍ ... وللخراب يجد الناس عمرانا\rوقال آخر:\rفإن يكن الموت أفناهم ... فللموت ما تلد الوالده\rوقال أبو العتاهية:\rلدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلكم يصير إلى تباب\rلمن نبني ونحن إلى ترابٍ ... نصير كما خلقنا للتراب\rألا يا موت لم تقبل فداءً ... أتيت فما تحيف ولا تحابي\rكأنك قد هجمت على مشيبي ... كما هجم المشيب على شبابي\rوقال آخر:\rكم من مصيخٍ إلى أوتار مسمعةٍ ... ناحت عليه وقد كانت تغنيه\rوقال منصور الفقيه:\rتراوح ما ليس يرضى الإله ... وتغدو عليه وتخشى البلاء\rكفعل النساء إذا ما أسأن ... فعاتبتهن أطلن البكاء\rولو كنت داويت قرح الذنوب ... بترك الذنوب جمعت الدواء\rوقال عروة بن أذينة:\rنراع إذا الجنائز قابلتنا ... ويحزننا بكاء الباكيات\rكروعة ثلةٍ لمغار سبعٍ ... فلما غاب عادت راتعات\rوقال أبو العتاهية:\rإذا ما رأيتم ميتين جزعتم ... وإن لم تروا ملتم إلى صبواتها\rقال علي بن أبي طالب: لا وجع إلا وجع القلوب من الذنوب، ولا شيء أشد من الموت، وكفى بما سلف تفكرا، وكفى بالموت واعظاً.\rقال عبد الله بن المبارك:\rرأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها\rوترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها\rوهل بدل الدين غير الملوك ... وأحبار سوءٍ ورهبانها\rقال أبو العتاهية:\rمالي أراك بغير نفسك لا أبالك تشتغل\rخذ للوفاة من الحيا ... ة بحظها قبل الأجل\rواعلم بأن الموت ... ليس بغافلٍ عمن غفل\rأين المرازبة الجحا ... جحة البطارقة الأول","part":1,"page":246},{"id":247,"text":"وذوو التفاضل في المجا ... لس والترفل في الحلل\rقال عمر بن عبيد للمنصور: إن الله قد وهب لك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها.\rكتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز: خف ما خوفك الله يكفك ما خوفك الناس، وخذ مما في يديك لما بين يديك، فعند الموت يأتيك الخبر اليقين.\rقال الحسن بن أبي الحسن، وقد نظر إلى الناس يلعبون ويضحكون في يوم العيد: إن الله قد جعل شهر رمضان مضمار الخلق، يستبقون فيه لطاعته إلى مرضاته، فالعجب من الضاحك واللاعب في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون، أما والله لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه، ومسيء بإساءته عن تجديد ثوب أو ترجيل شعر.\rوقال منصور الفقيه:\rأتلهو وقد ذهب الأطيبان ... وأنذرك الشيب قرب الأجل\rكأنك لم تر حياً يموت ... ولم تر ميتاً على مغتسل\rكان بعض الحكماء يقول: لئن كانت الحظوظ بالجدود فما الحرص، وإن كانت الأيام ليست بدائمةٍ فما السرور، وإن كانت الدنيا غرارة فما الطمأنينة.\rقال أحمد بن زهير: سمعت مصعب بن عبد الله الزبيري يقول: أبو العتاهية أشعر الناس، فقلت: بأي شيءٍ استحق ذلك عندك؟ فقال: بقوله:\rتعلقت بآمالٍ ... طوالٍ أي آمال\rوأقبلت على الدنيا ... ملحاً أي إقبال\rأيا هذا تجهز ل ... فراق الأهل والمال\rفلابد من الموت ... على حالٍ من الحال\rثم قال مصعب: هذا كلام حق لا حشو فيه ولا نقصان، يعرفه العاقل، ويقر به الجاهل.\rقال عمر بن عبد العزيز: خلقنا لأمر إن كنا نؤمن به إنا لحمقى، وإن كنا تكفر به إنا لهلكي.\rقال أبو العتاهية:\rأتطمع أن تخلد لا أبا لك ... أمنت قوى المنية أن تنالك\rأما والله إن لها رسولا ... أقسم لو أتاك لما أقالك\rتوقع حيث كنت نزول يومٍ ... يشتت بعد جمعهم عيالك\rكأني بالتراب عليك يحثى ... وبالباكين يقتسمون مالك\rولست بحاملٍ منه نقيراً ... ولا متزوداً إلا فعالك\rقال داود الطائي: من خاف الوعيد قصر عليه البعيد، ومن طال أمله قصر عمله.\rوقال سابق البربري:\rأين الملوك التي عن خطبها غفلت ... حتى سقاها بكاس الموت ساقيها\rنرجو ونأمل أياماً تعد لنا ... سريعو المر تطوينا ونطويها\rأموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودارنا لخراب الدهر نبنيها\rقال ميمون بن مهران: دخلت على عمر بن عبد العزيز يوماً، وعنده سابق البربري ينشده شعراً، فكان مما حفظت منه:\rفكم من صحيحٍ بات للموت آمناً ... أتته المنايا بغتةً بعد ما هجع\rفلم يستطع إذ جاءه الموت بغتةً ... فراراً ولا منه بحيلةٍ امتنع\rولا يترك الموت الغنى لماله ... ولا معدماً في المال ذا حاجةٍ يدع\rوقال مصبح الأسدي:\rكفى خيبةً بالمرء يا أم مالكٍ ... ركوب المعاصي عامداً واحتقارها\rوقال محمود الوراق:\rدب في السقام سفلا وعلوا ... وأراني أموت عضواً فعضوا\rلهف نفسي على ليال وأيا ... مٍ تمليتهن لعباً ولهوا\rبليت جدتي بطاعة نفسي ... وتذكرت طاعة الله نضوا\rويروى لمنصور الفقيه:\rإذا لم يكن لك في المحكمات ... وفي الموت ناه عن المنكرات\rفلا تغدون إلى واعظٍ ... فلست بمنتفع بالعظات\rوقال أيضاً:\rمن لم تعظه المنايا ... ولم يعظه الكتاب\rفليس ينجع فيه ... فلا تعن عتاب\rالحسن بن هانئ، ويروى لأبي العتاهية:\rوعظتك أجداث صمت ... ونعتك أزمنة خفت\rوأرتك قبرك في القبو ... ر وأنت حي لم تمت\rوتكلمت عن أوجهٍ ... تبلي وعن صورٍ شتت\rوقال محمود الوراق:\rحياتك أنفاس تعد وكلما ... مضى نفس منها انتقصت به جزءا\rفتصبح في نقصٍ وتمسى بمثله ... وما لك معقول تحس به رزءا","part":1,"page":247},{"id":248,"text":"يميتك ما يحييك في كل ساعةٍ ... ويحدوك حادٍ ما يريد بك الهزءا\rوقال منصور الفقيه:\rيا رسوم الجدث المه ... جور قولي لابن سعد\rلو رأت عيناك عيني ... كيف سالت فوق خدي\rبعد دفني بثلاثٍ ... ما هناك العيش بعدي\rوقال آخر:\rمن كان لا يطأ التراب بنعله ... وطئ التراب بصفحة الخد\rمن كان بينك في التراب وبينه ... شبران فهو بغاية البعد\rلو كشفت للناس أغطية الثرى ... لم يعرف المولى من العبد\rخرج النعمان بن المنذر يتنزه بظاهر الحيرة ومعه عدي بن زيد العبادي، فمرا على المقابر فقال له عدي: أبيت اللعن! أتدري ما تقول هذه المقابر؟ قال: لا. قال: فإنها تقول:\rمن رآنا فليحدث نفسه ... أنه موفٍ على قرن الزوال\rوصروف الدهر لا تبقى لها ... ولما تأتي به صم الجبال\rرب ركبٍ قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال\rوالأباريق عليها فدم ... وجياد الخيل تردي في الجلال\rعمروا الدهر بعيشٍ حسنٍ ... آمني دهرهم غير عجال\rثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالاً بعد حال\rكان عمر بن الخطاب يتمثل:\rلا شيء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودي المال والولد\rلم تغن عن هرمزٍ يوماً خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا\rولا سليمان إذ تجري الرياح له ... والإنس والجن فيما بينها ترد\rأين الملوك التي كانت لعزتها ... من كل أوبٍ إليها وافد يفد\rحوض هنالك مورود بلا كذبٍ ... لابد من ورده يوماً كما وردوا\rوقال آخر:\rوإذا مضت للمرء من أعوامه ... خمسون وهو إلى التقى لم يجنح\rعقدت عليه النابحات وقلن قد ... أرضيتنا فأقم كذا لا تبرح\rوإذا رأى الشيطان غرة وجهه ... حياً، وقال: فديت من لم يفلح\rنظر مالك من ملوك الفرس يوماً إلى ملكه فأعجبه، فقال: إن هذا لهو الملك لو لم يكن بعده هلك، وإنه لسرور لولا أنه غرور، وإنه ليوم، لو كان يوثق له بغد.\rقال مالك بن أنس: سكن القبور رجل مجاوراً لها ملازماً، فعوتب في ذلك، فقال: إنهم جيران صدق لا يؤذونني، ولي فيهم عبرة.\rقال ابن المعتز:\rوجيران صدق لا تزاور بينهم ... على قرب بعض في التجاور من بعض\rكأن خواتيماً من الطين فوقهم ... فليس لها حتى القيامة من فض\rوقال الخليل بن أحمد:\rكن كيف شئت فقصرك الموت ... لا مزحل عنه ولا فوت\rبينا غنى بيتٍ وبهجته ... زال الغنى وتقوض البيت\rوقال آخر:\rاسمع فقد أسمعك الصوت ... إن لم تبادر فهو الفوت\rكل كل ما شئت وعش ناعماً ... آخر هذا كله الموت\rوقال آخر:\rإذا ما وعظت الجاهلين بحكمةٍ ... فلم يعرفوها أنزلوها على هجر\rفعظ كل ذي عقلٍ على قدر عقله ... ولا تعظ الحمقى على ذلك القدر\rباب العمل\rقال ر سول الله صلى الله عليه وسلم: \" اعملوا، وخير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن \" .\rوقال عليه السلام: \" لا تعمل شيئاً رياءً ولا تتركه حياء \" .\rقال أبو ذر: قلت يا رسول الله! الرجل يعمل العمل لنفسه ويحبه الناس عليه؟ قال: \" ذلك عاجل بشري المؤمن \" .\rقال أبو الدرداء: اعملوا ما شئتم أن تعملوا، فإنه لن يأجركم الله حتى تعملوا.\rقال القاسم بن محمد: أدركت الناس وما يعجبهم القول، إنما يعجبهم العمل.\rقيل لمحمد بن المنكدر: أي الأعمال أفضل؟ قال: إدخال السرور على المؤمن.\rقال بعض العلماء: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس، ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: \" ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء عند المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط \" .\rلما قدم عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون من العراق، وسئل عن أهلها، قال:","part":1,"page":248},{"id":249,"text":"بها ما شئت من رجلٍ نبيلٍ ... ولكن الوفاء بها قليل\rيقول فلا ترى إلا جميلا ... ولكن ليس يفعل ما يقول\rوقال دعبل:\rولي صاحب أسترزق الله قوته ... خفيف عليه قول ما ليس يفعل\rقيل لسفيان الثوري: ما العمل الصالح؟ قال: مالا تحب أن يحمدك عليه أحد.\rقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. قال: \" ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس \" .\rقال المأمون: نحن إلى أن نوعظ بالأعمال، أحوج منا إلى أن نوعظ بالأقوال.\rكان أبو معاوية الأسود يقول: الله أكرم من أن ينعم بنعمةٍ إلا يتمها، ويستعمل بعمل إلا يقبله.\rقال بعض الحكماء: لو ثقل الكلام على الواعظين كما ثقل على العاملين، قل كلامهم.\rقال ابن السماك: قليل من توفيق، أحب إلى من كثير من عمل.\rكان يقال: العمل قرين لا يستطاع فراقه، فمن استطاع أن يكون قرينه صالحا فليعمل، فإنه لا يصحبه في آخرته غير عمله.\rقال الشاعر:\rالموت داء لا دواء له ... إلا التقى والعمل الصالح\rرأى أعرابي جنازة حمزة الزيات وقد حشد لها الناس، فقال: ما رأيت أرفع لخساسة من عمل صالح.\rقال عمرو بن العاص: اعمل لدنياك عمل من يعيش أبداً، واعمل لآخرتك عمل من يموت غداً.\rكان يقال: اعمل وأنت مشفق، ودع العمل وأنت تحبه.\rقيل لرابعة القيسية: هل عملت عملاً ترين أنه يقبل منك؟ قالت: إن كان فمخافة أن يرد علي.\rقال أبو بكر المزني: رحم الله من كان قوياً فأعمل قوته في طاعة، أو كان ضعيفاً فكف عن معصية الله.\rكان أبو حنيفة رحمة الله يتمثل:\rكفى حزناً ألا حياة هنيةً ... ولا عمل يرضى به الله صالح\rوقال آخر:\rيا أيها الناس كان لي أمل ... أعجلني من بلوغه الأجل\rفليتق الله ربه رجل ... أمكنه في حياته العمل\rوقال محمود الوراق:\rلقد رأيت الصغير من عمل الخي ... ر ثواباً عجبت من كبره حذ\rوقد رأيت الحقير من عمل الشر ... جزاء أشفقت من خدره\rوقال أيضاً:\rقطع الدهر بأسباب العلل ... وأعار السهو أيام الأجل\rألف اللذة حتى اعتادها ... واشتهى الراحة واستوطا الكسل\rفهو الدهر يقضي أملاً ... ولعل الموت في طى الأمل\rيحسن القول إذ قال ولا ... يتحرى حسناً فيما فعل\rصير القول بجهلٍ عملاً ... ثم أجراه على مجرى العمل\rليته كان كما قال ولا ... يقطع الأيام إلا بالجدل\rباب مختصر من التعازي في المصائب\rوالصبر على النوائب\rروى عن النبي عليه السلام، من حديث ابن عمر، أنه قال: \" من كنوز البر كتمان المصائب \" .\rقال ر سول الله صلى الله عليه وسلم: \" ليعز المسلمين في مصائبهم المصيبة بي \" .\rوفي حديث آخر: \" من عظمت مصيبته فليذكر مصيبتي، فإنها ستهون عليه مصيبته \" .\rكان أبو بكر الصديق رضى الله عنه إذا عزى قوماً، قال: ليس مع العزاء مصيبة، وليس مع الجزع فائدة، والموت أشد مما قبله، وأهون مما بعده، اذكروا فقد ر سول الله صلى الله عليه وسلم تسهل عليكم مصيبتكم.\rقال أبو العتاهية:\rاصبر لكل مصيبةٍ وتجلد ... واعلم بأن المرء غير مخلد\rأو ما ترى أن المصائب جمة ... وترى المنية للعباد بمرصد\rمن لم يصب ممن ترى بمصيبةٍ؟ ... هذا قبيل لست فيه بأوحد\rوإذا أتتك مصيبة تشجي بها ... فاذكر مصابك بالنبي محمد\rوقال منصور الفقيه:\rألا أيها النفس السئوم تنبهي ... وألقى إلى السمع إلقاء حازمه\rضلال لأذهان وظن مكذب ... رجاؤك أن تبقى على الدهر سالمه\rوقد غص بالكأس الكريهة أحمد ... ومات فمات الحق إلا معالمه\rعليه سلام الله ما فصل الندى ... وصدق ذو الشح المطاع لوائمه\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" تنزل المعونة على قدر المئونة، وينزل الصبر على قدر المصيبة \" .","part":1,"page":249},{"id":250,"text":"وقال عليه السلام: \" إنما الصبر عند الصدمة الأولى \" .\rوقال عليه السلام: \" ثلاث من رزقهن فقد رزق خير الدنيا والآخرة؛ الدعاء في الرخاء، والرضا بالقضاء، والصبر عند البلاء \" .\rقال علي رضى الله عنه: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له.\rقال محمد بن علي بن الحسين: الصبر صبران؛ فصبر عند المصيبة حسن جميل، والصبر عما حرم الله أفضل.\rمات ابن لداود عليه السلام، فجزع عليه جزعاً شديداً، فأوحى الله إليه: أتفرح إذ جعلته فتنة، وتجزع إذ جعلته صلاة ورحمة.\rمات ابن لخالد بن عبد الله القسري، فقامت الخطباء تعزيه فأطنبت، فقام دهقان فقال: أيها الأمير! إن رأيت أن تقدم ما أخرت من الصبر، وتؤخر ما قدمت من الجزع فافعل. فلم يحفظ إلا كلامه.\rمات ابن لعمر بن عبد العزيز، فكتب إليه بعض إخوانه يعزيه عنه، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإن هذا أمر كنا نعرفه، فلما وقع لم ننكره، والسلام.\rعزى ابن عباس عمر عن ابن له، فقال له: عوضك الله منه ما عوضه منك.\rعزى عبد الله بن عباس عبد الله بن جعفر، فقال: لا أعدمك الله الأجر على الرزية، ولا الخلف من الفقيد، وثقل به ميزانك.\rقال العتبي:\rكل حزن يبلي على قدم الدهر ... وحزني يجده الأبد\rفجعت باثنين ليس بينهما ... إلا ليالٍ ليست لها عدد\rما عالج الحزن والحرارة في الأح ... شاء من لم يمت له ولد\rقال سهم بن عبد الحميد: شهدت يونس بن عبيد وقد عزاه عمرو بن عبيد على ابنٍ له هلك، فقال: إن أباك كان أصلك، وإن ابنك كان فرعك، وإن امرءاً ذهب أصله وفرعه لحرى أن يقل بقاؤه.\rقال عمر بن عبد العزيز: ما أحسن تعزية أهل اليمن، فكانت تعزيتهم: لا يحزنكم الله ولا يفتنكم، وأثابكم ما أثاب المتقين، وأوجب لكم الصلاة والرحمة.\rعزت امرأة المنصور عن أخيه أبي العباس، فقالت: أعظم الله أجرك، فلا مصيبة أعظم من مصيبتك، وبارك الله لك فيما أتاك، فلا عوض أحسن من خلافتك.\rكتب بعض العلماء إلى المنصور يعزيه: أما بعد، يا أمير المؤمنين، فإن أحق الناس بالرضا والتسليم لأمر الله من كان إماماً بعد الله، ولم يكن له إمام إلا الله.\rعزى الزبير عبد الرحمن بن عوف عن بعض نسائه فقام على قبرها، فقال: لا اصفر الله ربعك، ولا أوحش بيتك، ولا أضاع أجرك، رحم الله متوفاك، وأحسن الخلافة عليك.\rمات لرجل بنون فترك كلام الناس حيناً ثم انبسط وضحك، فقيل له في ذلك، فقال: كان قرحاً فبرأ.\rقال حذيفة: إن الله لم يخلق شيئاً قط إلا صغيراً ثم يكبر، إلا المصيبة فإنه خلقها كبيرةً ثم تصغر.\rقال الطائي:\rومهما يدم فالوجد ليس بدائم\rوقال آخر:\rوكما تبلى وجوه في الثرى ... فكذا يبلى عليهن الحزن\rخرجت امرأة من العرب تريد المقابر حتى جلست على قبر ابنها، فقالت بصوتٍ لها ضعيف: هذا والله المنزل الحق، والوعد الصدق، والوعيد الشديد، والمسكن الذي ليس لأهل الدنيا عنه محيد، هذا والله المفرق بين الأحباب، والمقرب من الحساب، وبه يعرف الفريقان منازلهم، أهل السعادة وأهل الشقاء، لا أقول هجراً، ولكني أحتسب على الله مصابي بك يا بني، ففسح الله لك في ضريحك، وجمع بينك وبين نبيك، أما إني أقول علمي بك، كنت - والله عليم بباطنك - جواداً، إن أتيت أتيت رشاداً، وإن اعتمدت وجدت عماداً. ثم أنشأت تقول:\rيا ليت شعري كيف غيرك الردى ... أم كيف صار جمال وجهك في الثرى\rلله درك أي كهلٍ غيبوا ... تحت الجنادل لا يحس ولا يرى\rلباً وحلماً بعد حزمٍ زانه ... بأس وجود حين يطرق للقرى\rلما نقلت إلى المقابر والبلى ... دنت الهموم فغاب عن عيني الكرى\rقال: ثم لم تزل تبكي وتشهق وتضرب على قرنيها حتى ماتت.\rكان خالد بن برمك يقول: التعزية بعد ثلاث تجديد للمصيبة، والتهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودة.","part":1,"page":250},{"id":251,"text":"دخل عبد الله بن عمر بن عتبة على المهدي يعزيه بالمنصور، فقال: آجر الله أمير المؤمنين على أمير المؤمنين، وبارك له فيما خلفه فيه، فلا مصيبة أعظم من المصيبة بإمام، ولا عقبي أفضل من خلافة الله على أمة نبيه عليه السلام، فاقبل يا أمير المؤمنين من الله أفضل العطية، واحتسب عنده أفضل الرزية.\rقال عبد الصمد بن المعذل، أو صالح بن عبد القدوس:\rإن يكن ما به أصبت جليلا ... فذهاب العزاء فيه أجل\rوقال محمود الوراق:\rتعز بحسن الصبر عن كل هالك ... ففي الصبر مسلاة الهموم اللوازم\rإذا أنت لم تسل اصطباراً وحسبة ... سلوت على الأيام مثل البهائم\rوليس يذود النفس عن شهواتها ... من الناس إلا كل ماضي العزائم\rوقال أيضاً:\rيمثل ذو العقل في نفسه ... مصائبه قبل أن تنزلا\rفإن نزلت لم تكن بغتة ... لما كان في نفسه مثلا\rرأى الهم يفضي إلى آخرٍ ... فصير آخره أولا\rوذو الجهل يأمن أيامه ... وينسى مصارع من قد خلا\rفإن بدهته صروف الزمان ... ببعض مصائبه أعولا\rولو قدم الحزم في رأيه ... لعلمه الصبر عند البلا\rوقال أبو تمام الطائي:\rأتصبر في البلوى عزاءً وحسبةً ... فتؤجر أم تسلو سلو البهائم\rكتب رجل إلى صديق: أما بعد، فإن الصبر سجية المؤمن، وعزيمة المتوكل، وسبب درك النجح في الحوائج، وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب: أصيب الأحنف بمصيبةٍ فلم يجزع لها، فقيل له: إنك لصبور! فقال: الجزع شر الحالين، يباعد المطلوب، ويورث الحسرة، ويوقع على صاحبه العار.\rوقيل لامرأة أصيبت بولدها: كيف أنت والجزع؟ فقالت: لو رأيت فيه دركاً ما اخترت عليه، ولو دام لي لدمت عليه.\rجزع أعرابي على موت ابنه؟ فليم على ذلك، فقال: أعلى قدر الله أتجلد؟ والله للجزع من قدر الله أحب إلي، لأن الجزع استكانة، والصبر قساوة.\rسئل محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن الرجل المسلم تموت له أم نصرانية كيف يعزى فيها؟ فقال: تقول: الحمد الله على ما قضى، قد كنا نحب أن تموت على الإسلام ويسرك الله بذلك.\rوسئل أيضاً عن الجار النصراني يموت وله ولي من النصارى، كيف نعزيه؟ قال: تقول: إن الله كتب الموت على خلقه، والموت حتم على الخلق كلهم.\rعزى أعرابي عمر بن عبد العزيز في ابنه، فقال:\rتعز أمير المؤمنين فإنه ... لما قد ترى يغذى الصغير ويولد\rلما قطعت رجل عروة بن الزبير تمثل بأبيات معن بن أوس:\rلعمرك ما أهديت كفى لريبة ... ولا حملتني فوق فاحشةٍ رجلي\rولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي\rوأعلم أني لم تصبني مصيبة ... من الدهر إلا قد أصابت فتىً قبلي\rقدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك حين دويت رجله، فقيل له: اقطعها. فقال: إني لأكره أن أقطع مني طائفة، فارتفعت إلى الركبة، فقيل: إن وقعت في ركبتك قتلنك فقطعها، فلم يقبض وجهه ولا تأوه. ويقال: إنه لم يترك حزبه في تلك الليلة. وقيل له قبل أن يقطعها: نسقيك دواءً لا تجد لها ألما؟ قال: ما يسرني أن هذا الحائط وقاني أذاها. فلما كان بعد أيام قام ابنه محمد بن عروة ليلا فسقط من أحد الأسطح في اصطبل دواب الوليد، فضربته بقوائمها حتى قتلته. فأتى رجل عروة يعزيه، فقال له عروة: إن كنت جئت تعزي برجلي فقد احتسبتها. فقال: بل أعزيك في محمد ابنك. قال: وماله؟ فخبره بشأنه، فقال:\rوكنت إذا الأيام أحدثن نكبة ... أقول شوى، ما لم يصبن صميمي\rاللهم أخذت عضواً وتركت أعضاء، وأخذت ابناً وتركت أبناء، ولئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت ابتليت لقد عافيت.\rولما قدم المدينة نزل قصره بالعقيق، فأتاه محمد بن المنكدر، فقال له: كيف كنت؟ قال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا. وجاءه عيسى بن طلحة، فقال لبعض بنيه: اكشف لعمك عن رجلي ينظر إليها، ففعل. فقال عيسى بن طلحة: أما والله يا أبا عبد الله ما أعددناك للصراع ولا للسباق، ولقد أبقى الله لنا ما كنا نحتاج إليه منك، رأيك وعلمك، فقال عروة: ما عزاني أحد عن رجلي مثلك.","part":1,"page":251},{"id":252,"text":"قال سهل بن هارون: التهنئة على آجل الثواب أولى من التعرية على عاجل المصيبة.\rقال عيينة بن حصن الفزاري، وقد قدم من سفر، وقد أصابه مصيبة، فأتاه قومه فقال لهم: اجعلوا لقاءكم سلاماً، ولا يأتي أحدكم معزياً، فإن التعزية تهيج التذكرة، ومن أراد أن يدعو بخير في الرزية فليظهر العتب.\rأصيب محمود الوراق بجارية يقال لها نشوى، كان علمها وخرجها وأعطى فيها مالا كثيراً فأبى، فأتى بعض إخوانه يعزيه عنها، وهو عنده أنه شامت، فجعل يعذله على ما كان يحمل إليه من ثمنها ويذكر حاله، ويطنب في وصفها، فأنشأ محمود يقول:\rومنتصح يكرر ذكر نشوى ... على عمدٍ ليبعث لي اكتئابا\rفقلت وعد ما كانت تساوي سيحسب ذاك من خلق الحسابا\rعطيته إذا أعطى سرور ... وإن أخذ الذي أعطى أثابا\rفأي النعمتين أعم فضلا ... وأحمد في عواقبها إيابا\rأنعمته التي أهدت سروراً ... أم الأخرى التي أهدت ثوابا\rبل الأخرى وإن نزلت بكرهٍ ... أحق بشكر من صبر احتسابا\rوقال محمود أيضاً في نشوى:\rلعمري لئن غال صرف الزمان ... نشوى لقد غال نفساً حبيبه\rولكن علمي بما في الثواب ... عند المصيبة ينسى المصيبة\rروى يحيى القطان، عن خالد بن أبي عثمان، قال: أتاني سعيد بن جبير يعزيني عن أبي، فرآني مستكيناً، فقال لي: أما علمت أن الاستكانة من الجزع.\rكان علي رحمه الله إذا عزى قوماً قال: عليكم بالصبر؛ فبه يأخذ الحازم، وإليه منصرف الجازع.\rولما دفن علي فاطمة رضى الله عنهما تمثل على قبرها بهذين البيتين:\rلكل اجتماع من خليلين فرقة ... وكل الذي دون الممات قليل\rوإن افتقادي واحداً بعد واحدٍ ... دليل على ألا يدوم خليل\rيقال: إنها له، وقال ابن الأعرابي: هي أبيات لسقران السلاماني.\rكان يقال: جزعك على مصيبة أخيك أحمد من صبرك، وصبرك على مصيبتك أحمد من جزعك.\rومن أبيات لضابئ بن الحارث البرجمي:\rولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب\rعزى رجل رجلاً فقال: لا أراك الله بعد مصيبتك ما ينسيكها.\rقال بعض تميم:\rلقد عزى ربيعة أن يوماً ... عليها مثل يومك لا يعود\rومن عجبٍ قصدن له المنايا ... على عمدٍ، وهن له جنود\rأخذه يعقوب بن الربيع في رثائه جاريته، فقال:\rلئن كان قربك لي نافعاً ... لبعدك أصبح لي أنفعا\rلأني أمنت رزايا الدهور ... وإن جل خطب فلن أجزعا\rوقال محمود الوراق:\rلا تطل الحزن على فائتٍ ... فقلما يجدي عليك الحزن\rسيان محزون لما قد مضى ... ومظهر حزنٍ لما لم يكن\rوقال أخو ذي الرمة:\rتعزيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاءً وجفن العين ملآن مترع\rولم تنسني أوفى المصائب بعده ... ولكن نكء القرح بالقرح أوجع\rوقال آخر:\rأترجو البقاء وهذا محال ... ولله عز وجل البقاء\rفلو كان للفضل يبقى كريم ... لما مات من خلقه الأنبياء\rتموت النفوس وتبقى الشخوص ... وعند الحساب يكون الجزاء\rدخل أبو العتاهية على الفضل بن الربيع يعريه بابنه العباس، فقال: الحمد الله الذي جعلنا نعريك عنه، ولم يجعلنا نعزيه عنك. فدعا الفضل بالطعام فأكل، وقد كان قبل ذلك امتنع من الأكل.\rومن أحسن ما قيل في رثاء البنين قول العتبي:\rألا يزجر الدهر عنا المنونا ... يبقى البنات ويفنى البنينا\rوأخنى على بلا رحمةٍ ... فلم يبق لي فوق جفنٍ جفونا\rوكنت أبا صبية كالبدور ... أفقي بهم أعين الكاشحينا\rفمروا على حادثات الزمان ... كمر الدراهم بالناقدينا\rوما زال ذلك دأب الزمان ... حتى أماتهم أجمعينا\rوحتى بكى لي حسادهم ... وقد أقرحوا بالدموع العيونا\rوحسبك من حادثٍ بامرئٍ ... ترى حاسديه له راحمينا","part":1,"page":252},{"id":253,"text":"رأيت بني على ظهرها ... فصاروا إلى بطنها ينقلونا\rفمن كان يسليه مر الزمان ... فحرني تجدده لي السنونا\rومما يسكن وجدي بهم ... بأن المنون ستلقى المنونا\rوقال آخر:\rفإن تصبرا فالصبر خير مغبةٍ ... وإن تجرعا فالأمر ما تريان\rقال يونس بن حبيب: أشعر بيت قالته العرب، قول دريد بن الصمة:\rقليل التشكي للمصيبات ذاكر ... من اليوم أعقاب الأحاديث من غد\rوقال آخر:\rوما كثرة الشكوى بأمرٍ حزامة ... ولا بد من شكوى إذا لم يكن حرم\rوقال منصور الفقيه:\rماذا جنته الليالي ... فيما جلبن إلينا\rوفي كل يوم نعزى ... فيمن يعز علينا\rوقال آخر:\rغز امرؤ منته نف ... س أن تدوم له السلامه\rهيهات أعيا الأولي ... ن دواء دائك يا دعامه\rعرى رجل رجلاً ماتت امرأته من نفاسها، فقال: أعظم الله أجرك فيما أباد، وبارك لك فيما أفاد.\rقال جرير:\rوأهون مفقودٍ إذا الموت غاله ... على المرء من أحبابه من تقنعا\rوقال آخر:\rولم أر نعمةً شملت كريماً ... كنعمة عورةٍ سترت بقبر\rوقد مضى من هذا المعنى ذكر في باب الولد.\rومن شعر جرير في رثاء امرأته:\rلن يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليل يكر عليهم ونهار\rصلى الملائكة الذين تخيروا ... والطيبون عليك والأبرار\rقال عمر بن الخطاب: أفضل الصبر التصبر.\rقال يونس بن عبيد: لو أمرنا بالجزع لصبرنا.\rقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: اصبر إذا عضك الزمان، ومن أصبر عند الزمان.\rوقال محمود الوراق:\rأئن فات ما كنت أملته ... جزعت وماذا يرد الجزع\rففوض إلى الله كل الأمور ... فليس يكون سوى ما صنع\rولا يخدعنك صرف الرمان ... فإن الرمان كثير الخدع\rوقال آخر:\rإذا ضيقت أمراً زاد ضيقاً ... وإن هونت ما قد عز هانا\rفلا تهلك لشيءٍ فات حرناً ... فكم أمرٍ تصعب ثم لانا\rوقال آخر:\rفإذا أتتك مصيبة فاصبر لها ... عظمت مصيبة مبتلىّ لا يصبر\rوأنشد ابن عائشة:\rيعزى المعزى ساعةً ثم ينقضى ... ونفس المعزى في أحر من الجمر\rلأن المعزى إلفه في مكانه ... وإلف المعزى في ضريحٍ من القبر\rوأنشد ابن عائشة أيضاً:\rخليلي إني للثريا لحاسد ... وإني على صرف الزمان لواجد\rأيجمع منها شملها وهي سبعة ... وأفقد من أحببته وهو واحد\rوقال ربيعة الرقي:\rأليس الزمان كما قد علمت ... فمالك تجزع من صرفه\rوعندك علم به ثاقب ... وعين تدل على وصفه\rوأيامه دول والنفوس ... رهون الحوادث من حتفه\rفأين المعافى من النائبات ... ومن صاحب الدهر لم يعفه\rومن صاحب الدهر لاقى الذي ... يخاف على الرغم من أنفه\rفكن حازم الرأي واصبر له ... فللحر صبر على ضعفه\rوقال أبو العتاهية:\rليس لمن ليست له حيلة ... موجودة خير من الصبر\rوقال آخر:\rرمن لم يسلم للنوائب أصبحت ... خلائقه طراً عليه نوائبا\rوقال آخر:\rلعمرك ما يدري الفتى كيف يتقى ... نوائب هذا الدهر أم كيف يحذر\rيرى الشيء مما يتقى فيخافه ... وما لا يرى مما يقي الله أكثر\rوقال أبو العتاهية:\rحيلة من ليست له حيلة ... حسن عزاء النفس بالصبر\rلضابئ بن الحارث البرجمي:\rوما عاجلات الطير تدنى من الفتى ... رشاداً ولا عن ريثهن يخيب\rورب أمور لا تضيرك ضيرةً ... وللقلب من مخشاتهن وجيب\rولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب\rوفي الشك تفريط وفي الحزم قوة ... ويخطىء في الظن الفتى ويصيب\rوقال آخر:\rكم نعمةٍ مطويةٍ ... لك بين أثواب النوائب","part":1,"page":253},{"id":254,"text":"ومسرةٍ قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب\rوقال آخر:\rكم نعمةٍ لا يستقل بشكرها ... لله في طى المكاره كامنه\rباب من كلام المحتضرين\rروى وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله البهمي مولى الزبير، عن عائشة رحمها الله، قالت: لما احتضر أبو بكر قالت:\rلعمرك ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر\rفقال: يا بنية! لا تقولي هكذا، ولكن قولي: \" وجاءت سكرة الحق بالموت، ذلك ما كنت منه تحيد \" . وكذلك كان يقرأها فيما زعموا. ثم قال: انظروا إلى ثوبي هذين، فاغسلوهما وكفنوني فيهما، فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت. وقد روى من وجوه في هذا الخبر أن أبا بكر - رحمه الله - قال لها: قولي: \" وجاءت سكرة الموت بالحق \" على ما في مصحف عثمان.\rقيل لبعض الصالحين - وهو يجود بنفسه - : كيف تجدك؟ وكيف حالك؟ فقال: كيف حال من يريد سفراً بعيداً بلا زاد، ويدخل قبراً موحشاً بلا مؤنس، وينطلق إلى رب ملك بلا حجة.\rلما احتضر عمر بن الخطاب بكي، فكلمه ابن عباس أو غيره بكلام فيه ثناء عليه، فقال: المغرور من غررتموه، ليت أمي لم تلدني. ثم أوصى بوصايا حسان.\rلما احتضر معاوية، قيل له: قل: لا إله إلا الله، فضعف عنها حتى كررت عليه ثلاثاً، كل ذلك لا يقدر يقولها، ثم قال في آخر ذلك: أولست من أهلها؟!.\rوفي خبر آخر: أن معاوية لما احتضر، قال لابنه: يا بني! كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني أخذت من شعره بمشقص، وهو عندي في موضع كذا، فإذا أنا مت فخذوا ذلك الشعر واحشوا فمي ومنخري، ثم قال:\rإن تناقش يكن نقاشك يا رب ... عذاباً لا حاق لي بالعذاب\rأو تجاوز وأنت رب رحيم ... عن مسىءٍ ذنوبه كالتراب\rثم أغمى عليه، ثم أفاق فقال:\rفهل من خالدٍ إما هلكنا ... وهل بالموت يا للناس عار\rثم قال لأهله الذين حضروا: اتقوا الله؛ فإن الله يقى من اتقاه. ثم قضى.\rوفي خبر آخر: أن معاوية لما حضرته الوفاة احتوشه أهله، فجعلوا يقبلوا به. فقال: إنكم لتقبلون حولاً قلبا إن نجا من النار. ثم قال: لا يدفع ريب المنية الحيل.\rوفي خبر آخر: أنه لما احتضر معاوية، رفع يديه؛ وهو يجود بنفسه، وقال متمثلا:\rهو الموت لا منجى من الموت والذي ... أحاذر بعد الموت أدهى وأفظع\rثم قال: اللهم أقل العثرة، واعف عن الزلة، وجد بحلمك على من لا يرجو غيرك، ولا يثق إلا بك، فإنك واسع الرحمة، نعفو بقدرة، وما وراءك مذهب لذي خطيئة موبقة، يا أرحم الراحمين.\rوفي خبرٍ آخر عن سعيد بن المسيب، قال: لما احتضر معاوية قال: أقعدوني. فأقعد. فجعل يذكر الله، وقال: يا رب! ارحم الشيخ العاصي ذا القلب القاسي، وعزتك إن لم تغفر لي فقد هلكت، ثم غشى عليه فبكى أهله، ثم أفاق، فأنشأ يقول متمثلاً:\rلعمري لقد عمرت في الملك برهةً ... ودنت لي الدنيا بوقع البواتر\rوأضحى الذي قد كان منى يسرني ... كلمحٍ مضى في السالفات الغوابر\rفاليتني لم أغن في الملك ساعةً ... ولم أغن في لذات عيشٍ نواضر\rوكنت كذي طمرين عاش ببلغةٍ ... من الدهر حتى زار ضيق المقابر\rثم مات رحمه الله: لما احتضر عمرو بن العاص قال: اللهم أمرتني فلم ائتمر، وزجرتني فلم أزدجر، ووضع يده في موضع الغل، فقال: اللهم لا قوى فأنتصر، ولا برئ فأعتذر، ولا مستكبر بل مستغفر، لا إله إلا أنت. فلم يزل يرددها حتى مات. رحمه الله.\rوفي خبر آخر، قيل لعمرو بن العاص في مرضه الذي مات فيه: كيف تجدك؟ قال: أجدني أذوب ولا أثوب. فلما قربت نفسه من أن تفيض قال له ابنه: قد كنت تحب أن ترى عاقلاً فطناً قد احتضر؛ فتسأله عما يجد المحتضر وقد احتضرت، وأنا أحب أن تصف لي الموت. فقال: أجد كأن المساء منطبقة على الأرض، وكأني أتنفس من خرم إبرة.\rلما نزل بهشام بن عبد الملك الموت، نظر إلى ولده يبكون حوله، فقال لهم: جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم له بالبكاء، وترك لكم ما جمع، وتركتم عليه ما اكتسب، ما أعظم منقلبه إن لم يغفر الله له.","part":1,"page":254},{"id":255,"text":"وقال معمر المتكلم صاحب المعاني: حضرت الوفاة رجلاً كان معي في الحبس، وكان داؤه البطن، فقلت له: كيف تجدك؟ قال: أجد تحرري أكثر من تبردي، وأجد روحي قد خرج من نصفي الأسفل، وكأن السماء قد دنت مني فلو شئت أن ألمسها بيدي لفعلت، ومهما شككت في شيءٍ فلا تشك أن الموت برد ويبس، وأن الحياة رطوبة وحرارة.\rليعقوب بن الربيع يرثي جاريته:\rحتى إذا فتر اللسان وأصبحت ... للموت قد ذبلت ذبول النرجس\rوتسهلت منها محاسن وجهها ... وغدا الأنين تحثه بتنفسٍ\rرجع اليقين مطامعي يأساً كما ... رجع اليقين مطامع المتلمسٍ\rلما احتضر سعيد بن المسيب، وجه إلى القبلة، فقال: ما هذا؟ فقالوا: وجهناك إلى القبلة. فقال: أولست على القبلة؛ أليس وجهي إلى الله حيث كان.\rقال عطاء بن يسار: تبدي إبليس لرجل عند موته، فقال: نجوت قال ما أمنتك بعد.\rلما احتضر عمرو بن عبيد، قال: جاءني الموت ولم أتأهب له، اللهم إنك تعلم أنه لم يسنح لي أمران لك في أحدهما رضى، ولي في الآخرة هوىً، إلا اخترت رضاك على هواي، اللهم فاغفر لي.\rقيل لبعضهم، وقد احتضر: أي شيءٍ تشتكي؟ قال: تمام العدة، وانقضاء المدة.\rقيل لأعرابي في مرضه: ما الذي تجدٍ؟ قال: أجد مالا أشتهي، وأشتهي مالا أجد.\rقال: لما احتضر الحجاج قال: والله لئن كنت على سبيل هدىً فليس حين جزع، وإن كنت على سبيل ضلالة فليس حين فزع.\rقال عبد الأعلى بن حماد البرقي: دخلت على بشر بن منصور، وهو في الموت: فرأيته مستبشراً، فقلت له: ما هذا السرور؟ قال: أخرج من بين الحاسدين والباغين والمغتابين، وأقدم على رب العالمين، ولا أفرح.\rلما مرض أمية بن أبي الصلت - اسم أبي الصلت عبد الله بن أبي ربيعة بن عوف من ثقيف - مرضه الذي مات فيه، جعل يقول: قد دنا أجلي، وهذه المرضة منيتي، وأنا أعلم أن الحنيفية حق، ولكن الشك يداخلني في محمد، فلما دنت وفاته أغمى عليه قليلاً، ثم أفاق وهو يقول: لبيكما لبيكما، هأنذا لديكما. لا مال فيقذيني ولا عشيرة فتنجيني. ثم أغمى عليه أيضاً بعد ساعة حتى ظن من حضر من أهله أنه قد مضى، ثم أفاق وهو يقول: لبيكما لبيكما، هأنذا لديكما، لا برئ فأعتذر، ولا قوى فأنتصر. ثم إنه بقى يحدث من حضره ساعة، ثم أغمى عليه مثل المرتين الأوليين، حتى يئسوا من حياته، وأفاق وهو يقول: لبيكما لبيكما، هأنذا لديكما محفوف بالنعم، محفوظ من الريب:\rإن تغفر الله تغفر جما ... وأي عبدٍ لك لا ألما\rثم أقبل على القوم، فقال: قد جاء وقتي، فكونوا في أهبتي، وحدثهم قليلا، ثم يئس القوم من موته، وأنشأ يقول:\rكل عيشٍ وإن تطاول دهراً ... قصره مرةً إلى أن يزولا\rليتني كنت قبل ما إن بدا لي ... في رؤوس الجبال أرعى الوعولا\rاجعل الموت نصب عينيك واحذر ... غولة الدهر إن للدهر غولا\rثم قضى نحبه، ولم يؤمن بالنبي عليه السلام.\rلما احتضر سيبويه، جعل رأسه في حجر أخيه، فقطرت قطرة من دموع أخيه على وجهه، فأفاق من غشيته، وقال:\rأخيين كنا فرق الدهر بيننا ... إلى المنزل الأقصى ومن يأمن الدهرا\rقال محمد بن إبراهيم الكاتب، دخلنا على أبي نواس نعوده في مرضه الذي مات فيه، ومعنا صالح بن علي الهاشمي، فقال له صالح: تب إلى الله يا أبا علي؛ فإنك في أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا، وبينك وبين الله هنات. فقال: أسندوني. فأسندوه، فقال: إياي تخوف الله؟ قد حدثني حماد بن سلمة، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي \" ، أتراني لا أكون منهم؟ وقد حدثني حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله، فإن حسن الظن بالله ثمن الجنة \" . ورآه بعض إخوانه بعد موته بأيام في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بأبيات قلتها، وهي الآن تحت وسادتي. فنظروا وإذا برقعة تحت وسادته في بيته فيها مكتوب:\rيا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم\rإن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يدعو إليه المجرم","part":1,"page":255},{"id":256,"text":"أدعوك رب كما أمرت تضرعاً ... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم\rمالي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل ظني ثم أني مسلم\rحدث محمد بن يعقوب البزاز: كنت جارا لأبي نواس، فعدته في مرضه الذي مات فيه، ودخل عليه طبيب نصراني اسمه سعيد، فنظر إليه ووصف له دواء يعلله به، ثم خرج وخرجت بخروجه، فغمزني وقال: مرهم لا يعذبوه بالدواء؛ فإنه الساعة يموت، فرجعت إليه فقال: سألتك بالله ما قال لك النصراني، فإني رأيته قد غمزك؟ فقلت: ما عسى أن يقول؟! فقال: أقسمت عليك لما أخبرتني. فأخبرته، فرفع عينيه إلى السماء، وسالت دموعه على خديه، وقال:\rيا رب إني لم أزل ... في مثل حال السحره\rحين استلاذوا بعرى ... الدين وكانوا كفره\rفآمنوا يوماً ففا ... زوا بثواب البرره\rولم أزل مستشعر ال ... إيمان ياذا المقدره\rفاغفر فإني منك أو ... لي منهم بالمغفره\rويروى أن آخر بيت قاله محمود الوراق في مرضه الذي مات فيه:\rإن ظني بحسن عفوك يا رب ... جميل وأنت مالك أمري\rصنت سري عن القرابة والأهل ... جميعاً وأنت موضع سري\rثقة بالذي لديك من السر ... فلا تخزني به يوم نشري\rيوم هتك الستور عن حجب الغيب ... فلا تهتكن للناس ستري\rلمحمد بن مناذر من شعره المطول:\rنحن للآفات أغراض فإن\rإنما أنفسنا عارية","part":1,"page":256}],"titles":[{"id":1,"title":"مقدمة المؤلف","lvl":1,"sub":0},{"id":1,"title":"بسم الله الرحمن الرحيم","lvl":1,"sub":1},{"id":1,"title":"باب أدب المجالسة وحق الجليس الصالح","lvl":1,"sub":2},{"id":5,"title":"باب حمد اللسان وفضل البيان","lvl":1,"sub":0},{"id":6,"title":"باب ذم العي وحشو الكلام","lvl":1,"sub":0},{"id":7,"title":"باب في اجتناب اللحن وتعلم الإعراب","lvl":1,"sub":0},{"id":7,"title":"وذم الغريب في الخطاب","lvl":1,"sub":1},{"id":9,"title":"باب اختلاف عبارتهم عن البلاغة","lvl":1,"sub":0},{"id":9,"title":"باب من خطب فأريج عليه","lvl":1,"sub":1},{"id":10,"title":"باب حمد الصمت وذم المنطق","lvl":1,"sub":0},{"id":13,"title":"باب من مزدوج الكلام","lvl":1,"sub":0},{"id":14,"title":"باب من الأجوبة المسكتة وحسن البديهة","lvl":1,"sub":0},{"id":18,"title":"باب الأدب","lvl":1,"sub":0},{"id":20,"title":"باب ترويح القلوب وتنبيهها","lvl":1,"sub":0},{"id":20,"title":"باب قولهم في وصف العيش","lvl":1,"sub":1},{"id":20,"title":"وما تتمناه النفس","lvl":1,"sub":2},{"id":22,"title":"باب اختلاف الهمم في أنواع المال","lvl":1,"sub":0},{"id":23,"title":"باب التجارة","lvl":1,"sub":0},{"id":24,"title":"باب الرزق","lvl":1,"sub":0},{"id":28,"title":"باب الحرص والأمل","lvl":1,"sub":0},{"id":30,"title":"باب الطمع واليأس","lvl":1,"sub":0},{"id":31,"title":"باب ذم السؤال","lvl":1,"sub":0},{"id":31,"title":"وحمد ما جاء عن غير مسألة من النوال","lvl":1,"sub":1},{"id":34,"title":"باب انتظار الفرج","lvl":1,"sub":0},{"id":36,"title":"باب الجد والحد","lvl":1,"sub":0},{"id":38,"title":"باب المال حمدا وذما","lvl":1,"sub":0},{"id":41,"title":"باب جامع القول في الغنى والفقر","lvl":1,"sub":0},{"id":43,"title":"باب الدين","lvl":1,"sub":0},{"id":44,"title":"باب الاقتصاد والرفق","lvl":1,"sub":0},{"id":44,"title":"باب السفر والاغتراب","lvl":1,"sub":1},{"id":49,"title":"باب التحول عن مواطن الذل","lvl":1,"sub":0},{"id":50,"title":"باب التوديع والفراق","lvl":1,"sub":0},{"id":53,"title":"باب الزيارة والعيادة","lvl":1,"sub":0},{"id":54,"title":"باب العيادة أيضا","lvl":1,"sub":0},{"id":55,"title":"باب الحجاب","lvl":1,"sub":0},{"id":57,"title":"باب المصافحة وتقبيل اليد والفم","lvl":1,"sub":0},{"id":58,"title":"باب الرسول صلى الله عليه وسلم","lvl":1,"sub":0},{"id":58,"title":"باب الهدية","lvl":1,"sub":1},{"id":61,"title":"باب الجار","lvl":1,"sub":0},{"id":62,"title":"باب الضيف","lvl":1,"sub":0},{"id":63,"title":"باب المعروف","lvl":1,"sub":0},{"id":65,"title":"باب الشكر","lvl":1,"sub":0},{"id":67,"title":"باب في طلب الحاجات","lvl":1,"sub":0},{"id":70,"title":"باب السلطان والسياسة","lvl":1,"sub":0},{"id":76,"title":"من الأمثال في السلطان وصحبته","lvl":2,"sub":0},{"id":76,"title":"باب الكتاب والكتابة","lvl":1,"sub":1},{"id":78,"title":"باب الظلم والجور","lvl":1,"sub":0},{"id":80,"title":"باب العفو والتجاوز وكظم الغيظ","lvl":1,"sub":0},{"id":81,"title":"باب الغضب","lvl":1,"sub":0},{"id":81,"title":"باب الرجاء والخوف","lvl":1,"sub":1},{"id":83,"title":"باب العافية والبلاء","lvl":1,"sub":0},{"id":83,"title":"باب المرض والطب","lvl":1,"sub":1},{"id":85,"title":"باب الطاعة والمعصية","lvl":1,"sub":0},{"id":86,"title":"باب الغيبة والنميمة","lvl":1,"sub":0},{"id":88,"title":"باب البغي والحسد","lvl":1,"sub":0},{"id":91,"title":"باب السباب والمشاتمة","lvl":1,"sub":0},{"id":94,"title":"باب المراء والخصومة والملاحاة","lvl":1,"sub":0},{"id":95,"title":"باب الكبر والعجب والتيه","lvl":1,"sub":0},{"id":96,"title":"باب التواضع والإنصاف","lvl":1,"sub":0},{"id":97,"title":"باب الرأى والمشورة","lvl":1,"sub":0},{"id":99,"title":"باب كتمان السر وإفشائه","lvl":1,"sub":0},{"id":101,"title":"باب الحرب والشجاعة والجبن","lvl":1,"sub":0},{"id":104,"title":"أشعار الجبناء","lvl":2,"sub":0},{"id":105,"title":"باب الاعتذار","lvl":1,"sub":0},{"id":107,"title":"باب المواعيد","lvl":1,"sub":0},{"id":108,"title":"باب عيون من المدح","lvl":1,"sub":0},{"id":113,"title":"باب عيون من الذم","lvl":1,"sub":0},{"id":116,"title":"باب العقل والحمق","lvl":1,"sub":0},{"id":120,"title":"باب من أجوبة الحمقى","lvl":1,"sub":0},{"id":122,"title":"باب الملح وما به النفس ترتاح","lvl":1,"sub":0},{"id":122,"title":"من مباح المزاح","lvl":1,"sub":1},{"id":124,"title":"باب المزاح إباحة وكراهة","lvl":1,"sub":0},{"id":126,"title":"باب مدح الصدق والأمانه ذم الكذب والخيانه","lvl":1,"sub":0},{"id":127,"title":"باب الحق والباطل","lvl":1,"sub":0},{"id":129,"title":"باب الحياء والوقار","lvl":1,"sub":0},{"id":130,"title":"باب حسن الخلق وسوئه","lvl":1,"sub":0},{"id":130,"title":"باب مكارم الأخلاق والسؤدد","lvl":1,"sub":1},{"id":134,"title":"باب حمد الحلم وذم السفه","lvl":1,"sub":0},{"id":135,"title":"باب مدح الجود والكرم وذم البخل واللؤم","lvl":1,"sub":0},{"id":138,"title":"باب المروءة والفتوة","lvl":1,"sub":0},{"id":140,"title":"باب امتحان أخلاق الرجال","lvl":1,"sub":0},{"id":142,"title":"باب التودد إلى الناس","lvl":1,"sub":0},{"id":144,"title":"باب الاستيحاش من الناس والفرار منهم","lvl":1,"sub":0},{"id":147,"title":"باب الصديق والعدو","lvl":1,"sub":0},{"id":150,"title":"باب جامع متخير في الإخوان","lvl":1,"sub":0},{"id":155,"title":"باب العتاب","lvl":1,"sub":0},{"id":156,"title":"باب الثقلاء والطفيليين","lvl":1,"sub":0},{"id":158,"title":"باب الشماتة","lvl":1,"sub":0},{"id":159,"title":"باب مؤاخاة من ليس على دينك","lvl":1,"sub":0},{"id":161,"title":"باب الولد والوالد","lvl":1,"sub":0},{"id":164,"title":"باب الأقارب والموالى","lvl":1,"sub":0},{"id":167,"title":"باب المملوك والمالك","lvl":1,"sub":0},{"id":167,"title":"باب الذكر والثناء","lvl":1,"sub":1},{"id":168,"title":"باب البكاء على ما مضى من الأزمان","lvl":1,"sub":0},{"id":168,"title":"والتلهف على صالح الإخوان، والحنين إلى الأوطان","lvl":1,"sub":1},{"id":171,"title":"باب مدح مغالبة الهوى وذم اتباعه","lvl":1,"sub":0},{"id":172,"title":"باب معنى عشق النساء والهوى فيهن","lvl":1,"sub":0},{"id":177,"title":"باب النظر إلى الوجه الحسن","lvl":1,"sub":0},{"id":179,"title":"باب جامع ذكر النساء وتزويج الأكفاء","lvl":1,"sub":0},{"id":185,"title":"باب الأمثال السائرة في النساء","lvl":1,"sub":0},{"id":185,"title":"باب اللباس","lvl":1,"sub":1},{"id":187,"title":"باب المراكب من الخيل وغيرها","lvl":1,"sub":0},{"id":188,"title":"باب الطعام والأكل","lvl":1,"sub":0},{"id":191,"title":"باب النوم وتصرف المعاني فيه","lvl":1,"sub":0},{"id":192,"title":"باب الحمام","lvl":1,"sub":0},{"id":193,"title":"باب في البراغيث والبق والبعوض","lvl":1,"sub":0},{"id":194,"title":"باب في السجن","lvl":1,"sub":0},{"id":196,"title":"باب الوكلاء","lvl":1,"sub":0},{"id":196,"title":"باب العادة ومالا ينسى","lvl":1,"sub":1},{"id":196,"title":"باب في المنجمين","lvl":1,"sub":2},{"id":198,"title":"باب ثلاثة من الحكم","lvl":1,"sub":0},{"id":199,"title":"باب أربعة","lvl":1,"sub":0},{"id":201,"title":"باب خمسة","lvl":1,"sub":0},{"id":201,"title":"باب نوادر من الرؤيا مختصرة","lvl":1,"sub":1},{"id":203,"title":"باب من نوادر الأخبار","lvl":1,"sub":0},{"id":211,"title":"باب جامع من المذكرات","lvl":1,"sub":0},{"id":211,"title":"مما لم يذكر في الأبواب المتقدمات","lvl":1,"sub":1},{"id":215,"title":"باب من منثور الحكم والأمثال","lvl":1,"sub":0},{"id":215,"title":"منتقى من نتائج عقول الرجال","lvl":1,"sub":1},{"id":217,"title":"باب من نوادر الفلاسفة مختصرة","lvl":1,"sub":0},{"id":218,"title":"باب الرياء","lvl":1,"sub":0},{"id":218,"title":"باب في الشيب ومدحه","lvl":1,"sub":1},{"id":219,"title":"باب في خضاب الشيب ونتفه","lvl":1,"sub":0},{"id":220,"title":"باب جامع مختصر في الشيب والبكاء","lvl":1,"sub":0},{"id":220,"title":"على فقد الشباب","lvl":1,"sub":1},{"id":222,"title":"باب الكبر والهرم","lvl":1,"sub":0},{"id":225,"title":"باب الوصايا الموجزة","lvl":1,"sub":0},{"id":231,"title":"باب لمع من الدعاء","lvl":1,"sub":0},{"id":233,"title":"باب ذكر الدنيا","lvl":1,"sub":0},{"id":239,"title":"باب الزهد والقناعة","lvl":1,"sub":0},{"id":243,"title":"باب من المواعظ الموجزة","lvl":1,"sub":0},{"id":248,"title":"باب العمل","lvl":1,"sub":0},{"id":249,"title":"باب مختصر من التعازي في المصائب","lvl":1,"sub":0},{"id":249,"title":"والصبر على النوائب","lvl":1,"sub":1},{"id":254,"title":"باب من كلام المحتضرين","lvl":1,"sub":0}]}