{"pages":[{"id":1,"text":"رسالة المذاكرة مع الإخوان المحبين من أهل الخير والدين\r-----------\rالمقدمة\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ }البقرة32\rالحمدلله رب العالمين، الذي خلق الإنسان من طين، وجعل نسله من ماء مهين، و أخرج المؤمنين المتواصلين بالصبر و الحق من زمرة الخاسرين، باستثنائه إياهم بعد أن عم بالخسران نوع الإنسان الذي هو سائر الآدميين. وأمر عباده الذين آمنوا بالتعاون على البر و التقوى، وأخبرهم أن أكرمهم عند الله أتقاهم، و أنه وليّ المتقين. وأنه ما خلق الجن و الانس الا ليعبدوه، لا ليعمروا الدنيا ويجمعوا الاموال، بل قد حذرهم ذلك على لسان رسوله الأمين القائل: ((ما أوحي إليّ أن أجمع المال وكن من التاجرين، ولكن أن سبّح بحمد ربك وكن من الساجدين، و أعبد ربك حتى يأتيك اليقين)). فإذاً سعادة كل أحد و كماله في إلتزام الأمر الذي لأجله خُلق، و التفرغ له بقطع ما يمنع منه و يصد عنه من ترهات الحمقاء المغرورين، وتهويسات الاغبياء الباطلين. و صلى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين و خاتم النبيين، الذي أرسله رحمةً للعالمين، و على آله و أصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"أمابعد: فإن جِماع الخير الخير و ملاكه تقوى الله في السرّ و العلانية، في الغيب و الشهادة؛ و التقوى هي الخصلة التي تجمع لصاحبها خير الدنيا و الآخرة. و لعظم موقعها من الدين وجلالة قدرها عند العلماء الراسخين صدروا بها الخطب و المواعظ و الوضايا. ولكونها جامعة للخير كله اكنفي بذكرها في الوصية الواجبة في الخطبة، وكثيراً ما يقتصر عليها الأكابر في وصيةِ مَن إستوصاهم، و التقوى وصية الله رب العالمين للأولين و الآخرين. قال تعالى { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ }النساء131.. الاية. و قال سبحانه و تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً }الأحزاب70. و قال عز و جل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}آل عمران102. وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}التغابن16، أي اتفرغوا الطاقة والامكان في ذلك: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا}الطلاق7، والآيات في الامر بالتقوى كثيرة. و قد جمع اللع للمتقين خيرات الدنيا و الآخرة، فمن ذلك المخرج من الشدة، و الرزق من حيث لا يحتسبون. قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}الطلاق2-3. و من ذلك الهدى، قال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}البقرة2. ومنها العلم، قال تعالى: {وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ }البقرة282. ومنها الفرقان و الكفارة للسيئات والمغفرة للذنوب، قال سبحانه و تعالى: {إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ}الأنفال29. قال بعض المفسرين: يجعل لكم فرقاناً هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق و الباطل. ومنها الولاية، قال","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"الله تعالى: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ }الجاثية19. ومنها المعية، قال الله سبحانه و تعلالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}البقرة194، أي بالنصر و الرعاية و الحراسة. ومنها المناجاة، قال الله سبحانه و تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا}مريم72. ومنها الوعد بالجنة، قال عز من قائل: {جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ}** الفرقان15، {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ }القلم34، {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ }ق31، إلى غير ذلك من الخيرات الجميلة، والفضائل الجليلة، والمواهب الجزيلة. و يكفي في شرف التقوى ان الله ذكرها في أكثر من تسعين موضعاً من كتابه. وفي الأمر بالتقوى وفضيلته، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((اتق الله حيثما كنت، و اتبع السيئة الحسنة تمحها، و خالق الناس بخلق حسن)). وقال عليه الصلاة و السلام: ((أوصيكم بتقوى الله والسمع و الطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي)).. الحديث. وقال عليه الصلاة و السلام: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدو فبكلمة طيبة)). وكان عليه الصلاة و السلام يقول في دعائه: ((اللهم اني اسئلك الهدى و التقى و العفاف و الغنى)). وقال عليه الصلاة و السلام: ((لا فضل لأبيض على اسود ولا لعربي على عجمي الا بتقوى الله، أنتم من آدم وآدم من تراب)). وقيل يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: ((أتقاهم)).. الحديث. وروي أنه عليه الصلاة و السلام قال: ((لا تأكل الا طعام تقي، ولا يأكل طعامك الا تقي)). وقالت عائشة رضي الله عنها: ((ما عجب رسول الله شيء من الدنيا ولا أعجبه أحد إلا أن يكون ذا تقى)). وقال علي كرم الله وجهه: \"لا يهيج على التقوى زرع قوم\"، ومعنى يهيج يهلك. وقال قتادة: \"مكتوب في التوراة: اتق الله ومت حيث شئت\". وقال الاعمش: \"من كان رأس ماله التقوى كلت الألسنة عن وصف ربحه\". وكان بشر","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"الحافي ينشد:\rموت التقي حياةٌ لا نفاذ لها قد مات قومٌ وهم في الناس أحياء\rوفضل التقوى و المتقين أكثر من أن يحر، و قد بسط الكلام في التقوى الامام الغزالي في منهاجه. و قد لخصنا من كلامه بعض ما ذكرناه.\rفصل\r(في معاني التقوى**)\rقال الامام الغزالي: التقوى في القرأن تطلق على ثلاث معاني. أحدها بمعني الخشية و الهيبة، و الثاني بمعنى الطاعة و العبادة، و الثالث بمعنى تنزيه القلب عن الذنوب، و هذا هو الحقيقة ... انتهى مختصرأ. وعلى الجملة، فالتقوى عبارة عن اتقاء سخط الله و عقابه و بإمتثال ما به أمر، واجتناب ما عنه نهى و زجر. و حقيقة التقوى أن لا ياراك مولاك حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك.\rفصل\r(في جزاء الأعمال)","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"وقد علمت أولو القلوب السليمة والعقول المستقيمه أنهم يجزون ما يعملون، و يحصدون ما يزرعون، و كما يدينون يُدانون، وعلى ماقدّموه يقدمون. و كيف لايعلمون ذالك ويوقِنون بما هنالك وهم يسمعون ما به يؤمنون، ويصدقون من تزيل الله المحكم وحديث نبيه -صلى الله عليه وسلم- ما يوجب العلم واليقين القطعي لمن نوَّر الله قلبه وشرح صدره. فأحضر قلبك وأصغ بأُذنِك إلي طرفٍ من ذلك لعلك بسماعه تستيقض من غفلتك وتتنبه من نومتك فتعمل لنفسك صالحا تنجو به {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }الشعراء88- 89. قال تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى }النجم31. وقال تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى، وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى}النجم39-42. وقال تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً}النساء123-124. وقال تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}الزلزلة7-8. قال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}البقرة286. قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}فصلت46. وقال تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ}آل عمران30. و قال تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}البقرة281. و يقال أن هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (( إن روح القدس نفث في روعي: عش ما عشت فإنك ميت، و أحبب ما أحببت فإنك مفارقه، و أعمل ما شئت فإنك مجزى به)). وقال عليه الصلاة و السلام: (( البر لا يُبلى، و الذمب لا يُنسى، و الديان لا يُفنى، كما تدين تُدان)). وقال عليه الصلاة و السلام فيما يرويه عن ربه: (( يا عبداي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه)). وقال عليه الصلاة و السلام: (( لا تسبوا الموتى فقد أفضوا إلى ما قدموا)). و ورِدَ: \"إن العبد قد يرفع على سيده في درجات الجنة .. فيقول السيد: أيا رب هذا كان عبدي في الدنيا، فيقول سبحانه إنما جزيته بعمله\". وقال علي كرم الله و جهه: \"الدنيا دار عمل ولا جزاء فيها، و الآخرة دار جزاء و لا عمل فيها. فأعملوا في دار لا جزاء فيها لدارٍ لا عمل فيها\". و قال الحسن البصري –رحمه الله-: \"يقول الله لأهل الجنة: ادخلوا الجنة برحمتي وأخلدوا فيها بنياتكم الصالحة، و اقتسموها بأعمالكم\". و ما ذكرته من الادلة على وقوع المجازاة أردت به التنبيه؛ و إلا فهوا أمر معلوم للخاص و العام؛ معروف لا يكاد يخفى منه شيءً على الأغباء من العوام.\rفصل\r(في رضا الله و سخطه**)","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"وقد جعل الله بمشيئته رضاه في طاعته، و سخطه في معصيته. و وعد من أطاعه دخول جنته برحمته و أوعد من عصاه دخول ناره بعدله و حكمته، فقال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}النساء13-14. و قد أمر سبحانه عباده الذين آمنوا بالمسارعة الى مغفرته و جنته. وأن يقوا أنفسهم وأهليهم ناراً بامتثال أمره و إجتناب معصيته. فقال تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }آل عمران133. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }التحريم6.\rفَصْل\r(في ذِكْرِ شَيءٍ ممّا يُكرِمُ الله به مَنْ أطاعَه وَ عَمِل الصَّالِحاتِ لوَجْههِ)","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}النحل97... الآية، وقال سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً}النور55. وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً، أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً}الكهف30-31. وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً}مريم96، قال (فيها) ابن عباس –رضي الله عنهما-: \"يُحِبَهُمْ و يُحَبِّبْهُم إلى المؤمنين\". وقال رسول الله -صلى الله عليه و سلم-: \"إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب. وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليّ بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها و رجله التي يمشي بها؛ وإن سألني لأعطينه، و لئن استعاذني لأعيذنه\". أكرم الله بهذه المحبة العظيمة التي تصير معها حركات العبد و سكناته كلها بالله و لله من أدَّى ما إفترضه عليه و أكثر من نوافل الطاعات تقرباً إليه. وقال عليه الصلاة و السلام: ((إذا تقرّب إليّ عبدي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإذا تقرب إليّ ذراعاً تقربت منه باعاً، وإذا أتى يمشي أتيته هرولة)). فتَقَرَّبَ","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"العبدُ إلى ربه بطاعته و خدمته، و تقرب الرب من عبده بفضله و رحمته. و قال عليه الصلاة و السلام ’فيما يحكي عن ربه’: ((أعددات لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر)). وفي الزبور: ((ابن آدم أطِعْنِي أملأ قَلْبَكَ غنى، ويديك رزقاً، وجسمك صحة)). و أوحى الله إلى الدنيا: ((يا دنيا من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه)). وقال بشر بن الحارث رحمه الله: \"أبناء الدنيا تخدمهم العبيد، وأبناء الآخرة تخدمهم الأحرار. فإن أردت يا أخي أن تكون لك عز لا ينقضي وسؤدد لا ينقطع وشرف لا يذهب و مجد لا يبلى، فأطع ربك. فإن الله قد جعل ذلك كله في طاعته، يكرم به من أطاعه من عباده. وقد أكرم الله عباداً أطاعوه فحررهم من رق الشهوات و طهر قلوبهم من دنس الالتفات إلى الفانيات، وأجرى على أيديهم خوارق العادات وعجائب الكرامات؛ من الإخبار بالمغيبات و إدرار البكرات و إجابة الدعوات. فأصبح الناس يقتبسون من أنوارهم و يقتدون بآثارهم و يتوجهون بهم إلى الله في كشف مهماتهم، ويسألونه بحقهم في دفع ملماتهم و يستشفون بمواطئ أقدامهم بتربة ضرائحم. و قد أكرمهم سبحانه بما هو أعلى مما هنالك و أعطاهم ما هو أجل من ذلك. فقذف في قلوبهم من نوره، وحشاها من خالص معرفته و محبته، وآنسهم في خلواتهم بذكره فاستوحشوا من خليقته و أعدّ لهم النعيم المقيم في جنات النعيم، و وعدهم النظر إلى وجهه الكريم، و رضاه عنهم أكبر: {فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}الدخان57، {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ}الصافات61\rفَصْل\rفي ذِكْرِ شَيءٍ ممّا يترَتّب على المعَصيَة مِنَ الخِزي وَالدَّمار وَالهَوَان وَالبَوار في الدّنيَا وَالآخِرَةِ","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"قال الله تعالى: {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى}طه74. وقال: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ}العنكبوت4، ومعنى يسبقونا: يعجزونا و يفوتونا. وقال تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً}الأحزاب36. و قال رسول الله -صلى الله عليه و سلم-: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)). وقال عليه الصلاة و السلام: ((إذا أذنب العبد ذنباُ كانت نكتة سوداء في قلبه، وإن عاد زاد ذالك حتى يَسْوَدَّ قلبه. فذلك قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}المطففين14)). وقال عليه الصلاة و السلام: ((قسوة القلب من كثرة الذنوب)). وقال -صلى الله عليه و سلم-: ((إن العبد ليحرم الرزق لذنب يصيبه))... الحديث. وأوحى الله إلى موسى –عليه السلام-: \"يا موسى أوّل من مات من خلقي إبليس -لعنه الله- لأنه أوّل من عصاني، ومن عصاني كتبته ميتاً\". وقال سعيد بن المسيب -رحمه الله-: \"ما أكرمت العباد نفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانتها بمثل معصية الله. ويكفي المؤمن من نصر الله له أن يرى عدوّه يعمل بالمعاصي\". وقال محمد بن واسع: \"الذنب على الذنب يميت القلب\". وقال بعض السلف: \"إن كنت تعصي الله وأنت ترى أنه يراك فأنت مستهزىء بنظر الله، وإن كنت تعصيه وترى أنه لا يراك فأنت كافر\". وقيل لوهيب بن الورد: \"هل يجد لذة العبادة من يعصي الله؟ قال:لا، ولا من يهمّ بالمعصية\". وكان السلف الصالح يقولون: \"المعاصي بريد الكفر، أي رسوله\". وعلى الجملة فعلامة السقوط من عين الله والكون في مقت الله العمل بمعصية الله. فالمصرّ عليها مقيت الرحمن ووليّ الشيطان و بغيض أهل الإيمان. فإياك يا أخي و التعرض لسخط الله و عقابه","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"بارتكاب معصيته. ومهما دعتك نفسك إلى ارتكابها فذكرها بإطلاع الله عليك و نظره إليك، وخوِّفها بما توَعّد الله من عصاه من أليم العذاب و عظيم العقاب. ولو لمن يكن في ارتكابها إلا فوات منازل الصادقين وحرمان ثواب المحسنين لكان كافياً؛ كيف و في ارتكابها العار والنار وسخط الجبار وغضبه الذي لا تقوم له السماوات و الأرض، نسأل الله العافية بمنّه.\rفَصْل\r( في العمل الصالح و التوبة )\rقال رسول الله -صلى الله عليه و سلم-: ((من سرته حسنته وسائته سيئته فهو مؤمن)).\rفإذا وفقك الله أيها المؤمن للعمل بطاعته فلْيَعْظُم فرحك ولتبالغ في شكر الذي أكرمك بخدمته و اختارك لمعاملته، وأسئلة أن يقبل منك بفضله ما يسره عليك من صالح العمل. قال عليّ -كرّم الله وجهه-: \"كونوا بقبول العمل أهمّ منكم بالعمل، فأنه لا يقلّ عمل مقبول\". ولا تزل معترفاً بتقصيرك عن القيام بواجب حق ربك عليك و إن عظم في طاعته جدك وتشميرك، فإن حقه عليك عظيم. أوجدك من العدم و أسبغ عليك النعم وعاملك بالفضل والكرم، و بحوله و قوَّته أطعته، و بتوفيقه و رحمته عبدته. وإياك أن تدنس قميص إيمانك وتسوّد وجه قلبك بإتيان ما نهاك عنه مولاك. ومهما وقع منك ذنب ولو على سبيل الندور فعليك أن تبادر بالتوبة و تحسن الأوبة وتكثر الندم و الاستغفار، ولا تزال خائفاً وجلاً. فإن المؤمن لا يزال في غاية من الخوف والوجل وإن أخلص الطاعة وأحسن المعاملة وأنت تعلم ما كانت عليه الأنبياء مع عصمتهم و الأولياء مع حفظهم من الخوف و الإشفاق مع صلاح أعاملهم و قلة ذنوبهم أو عدمها، فأنت بذلك أولى وأحرى. فقد كانوا أعرف منك بسعة رحمة الله و أحسن منك ظنّاً بالله وأصدق منك طمعاً في عفوه، وأعظم منك رجاءً في كرمه وفضله. فاقتد بآثارهم تنج و تسلم، واتبع سبيلهم تفز و تغنم، واعتصم بالله و من يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم.\rفَصْل\r( في أهم أسباب الانصراف إلى الدنيا )","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"فلما كانت هذه الدار قد أسست على المحن والآفات و عجنت بالمنغصات و المكدرات وحُشِيت بالمشغلات و الملهيات، كثرت لذلك الصوارف عن الطاعات وتوفرت الدواعي إلى المخالفات، ثم إنها وإن كثرت تلك الصوارف وتوفرت تلك الدواعي، تكاد تحصر في أربع أشياء: أحدها: الجهل؛ الثاني: ضعف الإيمان؛ الثالث: طول الأمل؛ الرابع: أكل الحرام و الشبهات.\rونحن إن شاء الله نشير إلى كل واحد من هذه الأربعة بكلمات وجيزة تنبه على ذمها وضرورة التثبط عنها، و سبيل الخلاص منها، وبالله التوفيق.\rفَصْل\r( في التحذير من الجهل )\rأما الجهل فهو أصل كل شرٍّ و منشأ كلِّ ضرر، وهو وأهله داخلون في عموم قوله -صلى الله عليه و سلم-: ((الدنيا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ ما فيها إلا ذكر الله و عالمٌ و متعلم)). ويروى: \"إن الله لما خلق الجهل قال له اقبل فأدبر، فقال له أدبر فأقبل، فقال له: و عزتي ما خلقت خلقاً أبغض إليّ منك، و لأجعلنك في شرار خلقي)). وقال علي -كرم الله وجهه-: \"لا عدوّ أعدى من الجهل، والمرء عدوَّ ما جهل؛ و ذمُّ الجهل معلوم بالنقل و العقل، لا يكاد يخفى على أحد\". والجهل واقع في ترك الطاعات وفعل المعاصي شاء أم أبى فإنه لا يدري أي شيء الطاعة التي أمره الله بفعلها، ولا أي شيء المعصية التي نهاه الله عن ارتكابها، ولا يخرج من ظلمات الجهل الا بور العلم، ولله درّ الشيخ علي بن أبي بكر، حيث يقول:\rالجهل نار لدين المرء يحرقه *** والعلم ماء لتلك النار يطفيها\rفعليك أن تعلم ما أوجب الله عليك علمه، وليس بواجب عليك أن تتسع في العلم، بل عليك أن تتعلم ما لا يصلح إيمانك بدونه من علوم الإيمان. وعليك أن تتعلم كيف تؤدي ما افترض الله عليك من طاعته، وكيف تتجنب ما نهاك عنه من معصيته. وجوباً فورياً في الفوريات، و موسعاً في المُوَسَّعَات. وقد كان مالك بن دينار -رحمه الله- يقول: \"من طلب العلم لنفسه فالقليل منه يكفيه، ومن طلب العلم للناس فحوائج الناس كثيرة\".","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"فَصْل\r(في التحذير من ضعف الإيمان)\rوأما ضعف الإيمان فهو بلية عظيمة، وخلة ذميمة تنشأ عنها أمور مذمومة: مثل ترك العمل بالعلم، و ترك الأمر و الاهتمام بالرزق و خوف الخلق إلى غير ذلك من الأخلاق المشؤومة، و على قدر إيمان العبد يكون امتثاله للأمر واجتنابه للنهي. وأول دليل على ضعف إيمانه تركه للموافقات و ارتكابه للمخالفات. فعلى كل مؤمن أن يسعى في تقوية إيمانه. والأمور التي يقوى بها الإيمان و يزيد ثلاثة: أحدها أن يصغي بسمعه إلى الآيات و الأخبار التي فيها ذكر الوعد و الوعيد و أمور الآخرة، وإلى قصص الأنبياء وما أُيِّدوا به من المعجزات، وما حلَّ بمعانديهم من المثلات. وإلى ما كان عليه السلف الصالح من الزهادة في الدنيا و الرغبة في الآخرة؛ وإلى غير ذلك من الأدلة السمعية. الثاني أن ينظر بعين الاستبصار و الاستدلال إلى ملكوت السموات و الأرض و ما بينهما من عجائب الآيات و بدائع المصنوعات. الثالث أن يواظب على العمل بالصالحات و يحترز من الوقوع في المعاصي و السيئات، فإن الإيمان قول و عمل، يزيد بالطاعة و يقل بالمعصية. وكل هذه المذكورات يزيد بها الإيمان ويقوى بها الإيقان، والله المستعن.\rفَصْل\r( في التحذير من طول الأمل )","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"وأما طول الأمل فهو مذموم جداً. بل هو الذي يدعو إلى خراب الآخرة و عمار الدنيا، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه و سلم-: ((ينجو أوَّلُ هذه الأمة بالزهد في الدنيا و قصر الأمل، ويهلك آخرها بالحرص و طول الأمل)). و قال عليه الصلاة و السلام: ((من الشقاء أربع: جمود العين، وقسوة القلب، والحرص، وطول الأمل)). ومن دعائه عليه الصلاة والسلام: ((أعوذ بك من كل أملٍ يلهيني)). وقال علي كرم الله وجهه: \"أخوف ما أخاف عليكم اتِّباع الهوى و طول الأمل. أما اتِّباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة\". ومن المأثور: من أطال أمله نسي عمله، فطل الأمل عبارة عن استشعار طول البقاء في الدنيا. وهو دالّ من صاحبه على فرط الحماقة و نهاية الغباوة فإنه قد ضيع الحزم و تمسك بالوهم. ولو قيل له مساءً: هل تثق بالبقاء إلى الصباح؟ أو صباحاً: هل تثق بالبقاء إلى المساء؟ لقال: لا. ثم هو يعمل لدنياه عمل من لا يموت حتى لو أنه أُخبر أنه يخلد في الدنيا لم يجد موضعاً للزيادة على ما هو عليه من الحرص و الرغبة في الدنيا؛ فمن أعظم حماقة ممن هذه صفاته؟ ثم ان طول الأمل أصل لجملة من سيئات الأخلاق و الأعمال التي تثبط عن الطاعة وتدعو إلى الوقوع في المعصية، مثل الحرص و البخل و خوف الفقر، ومن أعظمها قبحاً الاستئناس بالدنيا و الأخذ في عمارتها و السعي لجمع حطامها، وقد قال عليه الصلاة و السلام: ((بعثت لخراب الدنيا، فمن عمرها فليس مني)).","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"و عن طول الأمل يكون التسويف، وهو العقيم الذي لا يلد خيراً قط. يقال إن أكثر صياح أهل النار من سوّف، فلا يزال المسوّف يتثاقل عن الطاعات و يؤخر التوبة عن السيئات حتى ينزل به الموت؛ فيقول: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ }المنافقون10، فيقال له: {وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا}(المنافقون11){أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ}فاطر37. فيخرج من الدنيا بخسارة لا آخر لها و ندامة لا انتهاء لهاز فقصّر يا أخي أملك وليكن أجلك نصب عينيك، وأملك وراء ظهرك. واستعن على ذلك بالإكثار من ذكر هادم اللذات و مفرق الجماعات، وتفكر فيما اندرج أمامك من المعارف و القربات. واستشعر فرب الموت فإنه أقرب غائب ينتظر، وكن مستعداً له متخوّفاً هجومه في جميع الحالات. وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((والذي نفسي بيده ما رفعت طرفي وظننت أني اخفضه حتى أقبض، ولا أكلت لقمة فظننت أني أسيغها حتى أغص بها من الموت)) ... الحديث، وربما ضرب عليه السلام بيده على الحائط للتيمم، فيقال له: إن الماء منك قريب، فيقول: لا أدري لعلي لا أبلغه. وكان الصديق رضي الله عنه ينشد:\rكل امرىء مصبح في أهله *** والموت أدنى من شِراك نعله\rقال حجة الإسلام -رحمه الله-: اعلم أن الموت لا يهجم في وقتٍ مخصوص ولابُدَّ من هجومه، فالاستعداد له أولى من الاستعداد للدنيا.\rفَصْل\r(في التحذير من أكل الحرام و الشبهات)","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"وأما تناول الحرام و الشبهات فهو لا محالة يصرف عن الطاعة و يدعو إلى المعصية، وقد رُوِيَ مرفوعاً إلى رسول الله -صلى الله عليه و سلم-: ((من أكل الحلال أطاعت جوارحه شاء أم أبى، ومن أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى)). وفي الخبر أو الأثر: \"كل ما شئتَ فمثله تعمل\". وقال بعض العارفين: ما قطع الخلق عن الحق وأخرجهم من دائرة الولاية إلا عدم تفتيشهم عن هذه اللقمة، وآكل الحرام و الشبهة وإن أطاع الله فطاعته غير مقبولة لأن الله إنما يتقبل من المتقين، و الله طيب لا يقبل إلا طيباً؛ فأمسك أخي عن تناول الحرام وجوباً، و عن تناول الشبهات ورعاً، و عليك بطلب الحلال، فإن طلبه فريضة بعد الفريضة، فإذا ضفرت به فكل منه قصداً والبس منه قصداً ولا تسرف فإن الحلال لا يحتمل السرف. وإياك و الشبع فإنه من الحلال مبدأ كل شر، فكيف من الحرام؟ وقال عليه الصلاة و السلام: ((ما ملأ ابن آدم وعاء شرّاً من بطنه حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه و ثلث لشرابه وثلث لنفسه))، و السلام.\rفَصْل\r( في الحثِّ على الإخلاص )","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}الذاريات56. و قال تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ }العنكبوت56. فعليك أيها المؤمن -وفقك الله- بالتفرغ لعبادة ربك بقطع ما يقطع عنها من القواطع، وصرف ما يصرف عنها من الصوارف و الموانع. وأعلم أن العبادة لا تصح بدون العلم، و العلم و العبادة لا ينفعان الا مع الإخلاص. فعليك به فإنه القطب الذي عليه المدار والأصل الذي عليه المعوّل. وهو كما قال أبو القاسم القشيري -رحمه الله-: الإخلاص إفراد الحق في الطاعة بالقصد، وهو أن تقصد بطاعتك التقرب إلى الله دون شيء آخر مِنْ تصنُّعٍ لمخلوق أو اكتساب مَحْمَدَة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله\". قال: \"ويصح أن يقال: الإخلاص تصفية الفعل عن ملاحظة الخلق\". انتهى، وهو القصد في هذا الباب.\rفَصْل\r( في التحذير من الرِّيا )\rو إيَّاك و الرياء فإنه يحبط العمل و يبطل الثواب\rفَصْل\r( في التحذير من الإعجاب بالنفس )\rوأحذر العجب فإنه من المحبطات. قال رسول الله -صلى الله عليه و سلم-: ((العجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)). وقال -صلوات الله عليه وسلامه-: ((ثلاث مهلكات: شح مُطاع، وهوى مُتَّبع، وإعجاب المرء بنفسه)). والعجب عبارة عن نظر الإنسان إلى نفسه بعين التعظيم و إلى ما يصدر منه بعين الاستحسان. وعنه نشأ الإدلال بالعلم و التعاظم على الناس و الرضى عن النفس. وهو كما قال ابن عطاء الله -رحمه الله-: \"أصل كل معصية و غفلة وشهوة الرضى عن النفس\" انتهى. ومن رضي عن نفسه عمي عن عيوبها، ومتى يفلح من يجهل عيوب نفسه؟\rوعين الرضى عن كل عيب كليلة *** كما أن عين السخط تبدي المساويا\rفَصْل\r( في التحذير من حبِّ الدنيا )","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"قال رسول الله -صلى الله عليه و سلم-: ((حب الدنيا رأس كل خطيئة)). فإذا كان حبها رأس كل خطيئة وأصل كل بلية وأساس كل 'رذية**' ومعدن كل فتنة ومنبع كل محنة، وهو أمر قد عم في هذا الزمان ضرره و طار شرره وعظم خطره و أطبق عليه الخاص والعام و تظاهر الناس به بلا احتشام كأنه لا عار فيه ولا ملام. وقد تمكن من قلوبهم كل التمكن، فأتمر لهم الحرص البالغ على عمارة الدنيا و جمع الحطام، فغدوب وراحوا بشبكاتهم لاصطياد الشبهات و الحرام. كأن الله قد فرض عليهم عمارة الدنيا كما فرض الصلاة و الصيام. ولذلك درست معالم الدين وطُمِسَت أنوار اليقين وخُرِّسَت ألسنة المذكرين، وعَفَت سبلُ الهدى واقتُحِمَت سُبلُ الردى. وهذه والله هي الفتنة العمياء الصماء الملهمة السوداء التي لا يُجاب فيها من دعا ولا يُسمع فيها من نادى. حقَّ ما أخبر به سيد الأنبياء -صلى الله عليه و سلم- إذ يقول: ((لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال، ولكل أمة عجل و عجل أمتي الدينار و الدرهم)). معناه -والله أعلم-: أن لكل أمة شيئاً يشتغلون به عن عبادة الله تعالى كل الاشتغال كما اشتغلت بنو إسرائيل بعبادة العجل عن عبادة الله تعالى.\r* * * * *\rوبعد فمن الحسن أن نختم هذه النبذة بشيء مما ورد في ذمّ الدنيا وذم مؤثرها. وينبغي أن نصدّر ذلك بقاعدة يعوّل عليها ويرجع إليها. فنقول و بالله التوفيق:","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"الدنيا على ثلاث طبقات: فدنيا فيها الثواب، وأخرى فيها الحساب، وثالثة فيها العذاب. فأما التي فيها الثواب فهي التي تصل بواسطتها إلى الخير و تنجو بواسطتها عن قلع الشر، وهي مطية المؤمن ومزرعة الآخرة، وهي الكفاف عن الحلال. وأما التي فيها الحساب فهي التي لا تشتغل بسببها عن أداء مأمور ولا ترتكب في طلبها أمراً محظوراً، وهذه الدنيا فيها الحساب الطويل وأربابها هم الأغنياء الذين يسبقهم الفقراء إلى الجنة بنصف يوم وهو خمس مائة عام. وأما التي فيها العذاب فهي التي تقطع عن أداء المأمورات و توقع في إرتكاب المحظورات، وهي زاد صاحبها إلى النار و مُدْرِجَته إلى دار البوار، وإليه الإشارة بما روي: ((إن الله يأمر بالدنيا إلى النار فتقول: أشياعي و أتباعي؟ فيقول سبحانه و تعالى: ألحقوا بها أشياعها و أتباعها، فيلحقون بها)).","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"وأعلم أن طلاب الدنيا على أنواع: فمنهم من يطلبها على نية صلة الأقربين و مواساة المقلين، وهذا يعد من الأسخياء وله ثوابٌ إن وافق عمله نيته. ولكنه لاحكمة عنده لأن الحكيم لا يطلب أمراً لا يدري ما ذا يكون الحال عند حصوله؛ وليعتبر من كان يطلبها على هذه النية بقصة ثعلبة المُشار إليه في قوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ }التوبة75... الآيات. وكم من طالب نيته نيل الشهوات و التمتع باللذات، وهذا يعد في جملة البهائم ويدخل في حيز الأنعام. وإلى نوعه الإشارة بقوله تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً }الفرقان44. وكم من طالب يطلب الدنيا ليفاخر بها و يكاثر بها و يباهي بها، وهو معدود من الحمقى المغرورين، بل من المثبورين، و {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ}البقرة60 {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ }القصص69. فأنصح يا أخي لنفسك وإياك أن تغشها فتدّعي أمراً ليس من نيتك، فتكون قد جمعت بين الإفلاس و الدعوى فتخسر الدنيا و الآخرة: {ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}الحج11. إذا تقرر هذا فلنشرع في الخاتمة و نقول:","part":1,"page":20}],"titles":[{"id":1,"title":"رسالة المذاكرة","lvl":1,"sub":0}]}