{"pages":[{"id":1,"text":"كتاب صلاة الخوف - صلاةُ العيدين - صلاةِ الخُسوفِ\rبسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي\rكتاب صلاة الخوف\r(وهي أربعةُ أنواعٍ:\rالأولُ: صلاةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ببطْنِ نَخْل (إذ صَدَعَ أصحابَهُ صَدْعَيْنِ، فصلَّى بكُلِّ طائفِةٍ ركعتينِ وسلَّم، ثُم صلَّى بالطائفِةِ الأُخرى ركعتينِ)، هي له سُنةٌ\r\rولهُم فريضةٌ، وليس فيه إلا اقتِداءُ مُفترِضٍ بمُتَنَفِّلٍ، وهو جائزٌ من غيرِ خوفٍ)\rالشرح\rليس المرادُ من هذه الترجمةِ أن الخوفَ يقتضي صلاةً على حالها، كقولنا: «صلاة العيد» «صلاة الاستسقاء»، ولا أن يؤثرَ في قدْرها أو وقتها كقوله: «صلاة السفر» ولا أن يؤثرَ في أركانها وسننها كقولنا: «صلاة المريض» بل المرادُ أن الخوفَ يؤثر في كيفية إقامة الفريضة، ويقتضي الحالُ احتمالَ أمور فيها لا تُحتمل عند انتفاء الخوف، ثم هو لا يؤثر في مطلق الفريضة في الأكثر، وإنما يؤثر في إقامتها جماعةً على ما سنبينُه إن شاء الله تعالى\rوذهب بعضُ الصحابةِ والتابعين إلى أن الخوف يؤثر في عدد الصلاة، وأنها في الخوف ركعةٌ؛\rلما رواه مسلم عن ابن عباس أنه قال: «فُرضت الصلاةُ على لسان نبيِّكم - صلى الله عليه وسلم - في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة» ولحصول المشقة في الخوف يقتضي التخفيفَ كما اقتضاه حصولُها في السفر وحكى العباديُّ في «الطبقات»\rعن أبي عبد الله محمد بن نصر المروزي من أصحابنا أن الصبح يُرد في الخوف إلى ركعة، وهو قولُ ابن عباس وقد تقدم الجوابُ عن الحديثِ بأن المرادَ أن المأموم يصلي ركعةً مع الإمام والأخرى وحدَه وقد ثبت بالأحاديثِ الصحيحةِ الآتيةِ في الباب أنه عليه الصلاة والسلام صلى في الخوفِ ركعتين، فيتعين هذا التأويلُ جَمْعًا بين الأحاديث\rوعن الثاني فإنه يُنتقض بالمرض، فإن مشقتَه شديدةٌ","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"ولا تؤثر في قصْر الصلاة إجماعًا مع أن الخوف يؤثر في تخفيفِ هيئة (  أ) الصلاة وصفتها والأصلُ في الباب قولُه تعالى: {} الآية، والأخبار الآتية في الباب إن شاء الله تعالى وصلاةُ الخوف ثابتةٌ عند العلماء كلِّهم إلا أبا يُوسف\rوالمزني\rأما أبو يُوسف، فقال: كانت مختصةً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ومن يصلي معه،\rوذهبتْ بوفاته وأما المزني فقال: (نُسخت) في زمنه عليه الصلاة والسلام واحتج أبو يوسف بقوله تعالى: {} وظاهرُها اختصاصُها به\rوبأن (التغيير) الداخل عليها كان ينجبرُ بصلاتها معه عليه الصلاة والسلام بخلافِ غيرِه\rواحتج المزنيُّ بأنه عليه الصلاة والسلام فاتته صلواتٌ يومَ الخندق لاشتغاله بالقتال، ولوكانت صلاة الخوف جائزة لفعلها، ولم يفوّت الصلاة\rوحجةُ الجمهور: أن الأصل التأسِّي به - صلى الله عليه وسلم - والخطابُ معه خطابٌ مع أُمته كما في قوله تعالى: {} مع قوله: {} وقولُه - صلى الله عليه وسلم -: «صلُّوا كما رأيتموني أصلي» وهو عامٌّ وإجماعُ الصحابة، فقد ثبت عن جماعةٍ من الصحابة أنهم صلَّوها بعده عليه الصلاة والسلام في مواطِنَ عديدةٍ: صلاها عليُّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في حروبه بصِفِّين وغيرها،\rوحضرها معه من كبار الصحابة جمْعٌ كثيرٌ\rوروي أن سعيد بن العاص قال لأصحابه بطَبَرِسْتَان وهو بإزاء العدو: أيُّكم حضر رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وقد صلى صلاةَ الخوف فقال حُذيفة: أنا  وذكر الخبر، فأمَرَهُ سعيدُ بنُ العاص فصلى بهم وصلاها أبو موسى ببلاد فارس","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"قال البيهقيُّ: والصحابةُ الذين رَوَوْا صلاةَ الخوف عنه عليه الصلاة والسلام لم يحمِلْهَا أحدٌ منهم على تخصيصها به، (أو على أنها تركت)، بل رواها كلٌّ منهم وهو يعتقدُها مشروعةً على الصفة التي رواها\rقلتُ: ومعنى قولِهِ: {وإِذَا} [الآية] إذا صليتَ بهم لمخاطبتِهِ بكونِهِم معه، كما تقولُ لمن يؤُمُّ بالناسِ: إذا صليتَ بالناسِ، فسَوِّ صفوفهم، ونحوه\rوالجواب عن حجة أبي يوسف الأولى ما تقدم (  أ) أن الأصلَ التأسِّي\rوعنِ الثانيةِ: أنَّ الصلاةَ خلْفه عليه الصلاة والسلام فضيلةٌ، ولا يُتْركُ الواجبُ لتحصيلِ الفضيلةِ\rوعن حُجةِ المزنيِّ أنَّ النسْخَ لا يَثبتُ إلَّا إذا عُلمَ تقدُّمُ المنسوخِ وتعذّر الجمعُ بيْن النَّصينِ، وذلك مُنتفٍ هُنا، بلِ المشهورُ: أنَّ صلاةَ الخوفِ نزلتْ بعْدَ الخندقِ، وكانَ المسلمون قبْل نزولِهَا يؤخِّرون الصلاة في الخوفِ عن وقتِها ثُم يَقضونها، فكيف يُنسخُ بها، وكانت غزوةُ الخندقِ في شوَّالَ سنةَ أربعٍ، وقد ثبتَ أنَّه عليه الصلاة والسلامصلَّى صلاة الخوفِ في غزوةِ ذاتِ الرِّقَاع، وكانت في العشرين منَ المُحرَّمِ سنةَ خمسٍ\rوقد روى أبو هريرةَ: أنَّه صلَّى صلاةَ الخوفِ معَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وإسلامُه كان سنةَ سبعٍ ولأنَّ صلاةَ الخوفِ جائزةً لا واجبةً، فلا يلزمُ مِن تَرْكِها النسخُ ولأنَّ الصحابةَ فعلوها، ولو كانت منسوخةً لعلموا ذلك ولمْ يفعلوها، ولأنكروا على فاعلِها\rإذا تَقرَّر ذلك، فقد وردتْ صلاةُ الخوفِ عنه عليه الصلاة والسلام على ستةَ عشرَ نوعًا مُفصَّلةً في كتبِ الحديثِ كَـ: «سُننِ أبي داودَ»\rو «صحيحِ مسلمٍ»","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"قال الخطابيُّ: صلاةُ الخوفِ أنواعٌ، صلاَّها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في أيامٍ مختلفةٍ وأشكالٍ مُتباينةٍ، يُتحرَّى فيها كلَّها ما هو أحوطُ للصلاةِ وأبلغُ في الحراسةِ، فهي على اختلافِ صُورِها مُتفقةُ المعنى انتهى\rواختارَ الشافعيُّ منها ثلاثةَ أنواعٍ، وضمَّ إليها النوعَ الرابعَ المذكورَ في القرآنِ، فصارتْ أربعةَ أنواعٍ\rقال الرافعيُّ: وسبيلُ ضبطِها: أنْ يقالَ: للخوفِ حالتان:\rإحداهُما: أنْ يشتدَ الخوفُ بحيثُ لا يتمكنُ أحدٌ من تركِ القتالِ، وفيها يقعُ النوعُ الرابعُ\rوالثانيةُ: أنْ لا يبلغَ هذا الحدَّ، فإمَّا أنْ يكونَ العدوُّ في جهةِ القبلةِ أوْ لا، فإنْ كان فيها فيصلِّي النوعَ الثاني وهو: صلاةُ عُسْفَانَ، وإنْ لم يكنْ فيجوزُ أنْ يُصلِّي فيها صلاةَ بطْنِ نخلٍ، وهو النوعُ الأولُ، وأنْ يُصلِّي فيها صلاةَ ذاتِ الرقاعِ وهي النوعُ الثالثُ انتهى\rوأيُّهما أولى فيه وجْهان أصحُّهما: أنَّ صلاةَ ذاتِ الرقاعِ أولى لوجهين: أحدُهما: أنَّها أعدلُ بين الطائفتين\rوثانيهما: أنَّها صحيحةٌ إجماعًا، وتلك صلاةُ مُفْتَرِضٍ خلْف مُتنفِّلٍ، وفي صحَّتها خلافٌ للعلماءِ\rوالثاني: وهو قولُ أبي إسحاق: أنَّ صلاةَ بطنِ نخلٍ أفضلُ ليحصل لكلِّ طائفةٍ صلاةٌ تامةٌ بالجماعةِ\rالنوعُ الأولُ\rصلاةُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ببطنِ نخلٍ\rوهو موضعٌ من أرضِ نَجْدٍ من أرضِ غَطَفانَ، وهي وذاتُ الرقاعِ من أرضِ غطفانَ، لكنَّهما صلاتان في وقتين\rوهذه غيرُ نخلٍ التي جاءَ إليها الجن، فإنَّ تلك عند مَكَّةَ","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"وهي: أنْ يُقسِّمَ الإمامُ الناسَ فرقتين، فرقةً يجعلُها في وجْهِ العدوِّ وتحرسُ، وفرقةً يُصلِّي بهمُ الفريضةَ كما هي عليه، تامةً كانت أو مقصورةً، فإذا فرغَ مِن الصلاةِ بهم وسلَّمَ [إنصرفَت] هذه الفرقةُ إلى وجْهِ العدوِّ وتحرسُ، وجاءتِ الفرقةُ الحارسةُ فأحْرمَ بهم وصلَّى الصلاةَ بتمامِهَا، فتكونُ له نافلةً ولهم فريضةً، وليس فيه إلاَّ اقتداء مُفْتَرِضٍ بِمُتَنفِّلٍ، وهو جائزٌ حالةَ الأمنِ وروى «البخاريِّ» و «مسلمٍ» هذه الكيفيةُ عن صلاتهِ عليه الصلاة والسلام ببطنِ نخلٍ\rقالَ العراقيون: وإنَّما يُصلِّي هذه الصلاةُ بثلاثةِ شروطٍ:\r- أنْ يكونَ العدوُّ في غيرِ جهةِ القبلةِ\r- وفي المسلمين كثرةٌ، وفي العدوِّ قِلَّةٌ\r- وأن يخافَ إكبابُهم عليهم في الصلاةِ\rقال الرافعيُّ: ولا شكَّ في أنَّ اعتبار هذهِ الأمورِ ليس على معنى الاشتراطِ في الصحةِ، فإنَّ الصلاةَ على هذا الوجه جائزةٌ وإنْ لمْ يكنْ خوفٌ، إذْ ليس فيها إلاَّ اقتداء مُفْتَرِضٍ بِمُتنفِّلٍ في المرةِ الثانيةِ، فإنَّ المعنى: أنَّ إقامةَ الصلاةِ هكذا إنَّما تُختارُ وتُندبُ إليه عند اجتماعِ هذه\rقولُه في الكتابِ: «إذْ صدعَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه صدعَيْن» أيْ: فرَّقهم فرقتين، وأصلُ الصَدْعِ: الشقُّ، يقال: تَصدَّعَ القومُ: أيْ: تَفرَّقوا\rقال ابنُ الصلاحِ: واختارَ بعضُ شارحي «الوجيزِ» تَشديدَ الدالِ، ولمْ يَخترْ مُختارٌ، والمختارُ التخفيفُ\rوقوله: «صدعَيْن» دلَّ عليه ظاهرًا، كأنَّ المشدَّدُ يجيءُ مصدرُه تصديعين\rقالَ:\r(النوعُ الثاني صلاتُه بِعُسفانَ","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"حيثُ لمْ تشتدِّ الحربُ إذا كانَ العدوُّ في جهةِ القبلةِ، وكان خالدُ بنُ الوليدِ مع الكفارِ بعدُ، فدخلَ وقتُ العصرِ، فقالوا: قد دخلَ عليهم وقتُ صلاةٍ هي أعزُّ عليهم من أرواحهم، فإذا شرعوا فيها حملنا عليهم حملةً، فنزلَ جبريلُ عليه السلام فأخبره بهِ فرتَّبَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه صفَّين وصلَّى بهم، فحرسَه الصفُّ الأولُ في السجودِ الأولِ، ولمْ يسجدوا حتى قامَ الصفُّ الثاني فسجدَ الحارسون ولحقوا\rوكذلك فعلَ الصفُّ الثاني في الركعةِ الثانيةِ وهذا إنمَّا يَتمُّ إذا كانَ العدوُّ في قبالةِ القبلةِ وليس فيها إلاَّ تَخلفٌ عن الإمامِ بأركانٍ، وذلك لا يجوزُ إلاَّ لعذرٍ، ثُم لو اختصَّ بالحراسةِ فرقتان من أحدِ الصفَّين جازَ، ولو ابتدأ بالحراسةِ الصفُّ الثاني جازَ، ولكنَّ الحراسةَ بالصفِّ الأولِ ألْيقُ\rقال الشافعيُّ:\rولو تَقدَّمَ الصفُّ الثاني في الركعةِ الثانيةِ إلى الصفِّ الأولِ وتأخَّرَ الصفُّ الأولُ ولمْ تكثرْ أفعالُهم كان ذلك حَسنًا، ولو حرسَ في الثانيةِ الحارسون في الأُولى فَقَولان:\rأحدُهما: المنعُ؛ لأنَّه يتكررُ عليهم التخلفُ، ولمْ يرخِّصِ الشرعُ إلاَّ في مرةٍ واحدةٍ\rوالأقيسُ الجوازُ، إذِ الأوَّلُ انْمحى أثرُه بتخللِ فصلٍ، وإنَّما قصدَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بذلك التسويةَ بيْن الصفَّين)\rالشرح\rالنوعُ الثاني: صلاتُه عليه الصلاة والسلام بِعسفَانَ عامَ الحديبية سنةَ ستٍّ، وهو ماءٌ، وقيل: قريةٌ جامعةٌ بها منبرٌ، على ستةٍ وثلاثين ميلًا مِن مكةَ، سُميتْ عسفانَ لعسفِ السيولِ فيها\r[و] روى أبو داودَ بإسنادٍ حسنٍ\rعن أبي عياشٍ الزرقيِّ بياءٍ مثناةٍ مِن تحت وشينٍ معجمةٍ-، وأبو عياشٍ صحابيٌّ أنصاريٌّ اسمُه: زيدُ بنُ الصامتِ؛ أنه قالَ:","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"كُنَّا معَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِعُسفانَ، وعلى المشركين خالدُ بنُ الوليدِ، فصلَّينا الظهرَ، فقالَ المشركون: لقد أصبْنَا غِرَّةً وغَفلةً لو كُنا حَملنا عليهم وهُم في الصلاةِ فقالَ بعضُهم إنَّ بيْن يديهم صلاةً هي أحبُّ إليهم مِن أولادِهم\rفنزل جبريلُ فأخبرَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فلمَّا حضرتِ العصرُ قامَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مستقبلَ القبلةِ، والمشركون أمامَه، فصفَّ خلْفه صفًّا وصفًّا بعد ذلك، وركعَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وركعوا جميعًا، ثُم سجدَ وسجدَ الذين يَلُونَه، وقامَ الآخرون يحرسُونهمفلمَّا صلَّى هؤلاء السجدتَيْن [و] قامَ وسجدَ الآخرون، وتَقدَّم الصفُّ الآخرُ إلى مقامِ الصفِّ الأولِ، ثُم ركعَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وركعوا معه، ثُم سجدَ وسجدَ الصفُّ الذي يليهِ، وقامَ الآخرون يحرسونهم، فلمَّا جلس رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - والصفُّ الذي يليه سجد الآخرون، ثُم جلسوا جميعًا، فَسلَّمَ بهم جميعًا","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"ورواه مسلمٌ عن جابرٍ فقالَ: شهدتُ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوفِ، فَصَفَّنَا صفَّين خلْفه، والعدوُّ بيْننا وبيْن القبلةِ، فكبَّر رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وكبَّرنا جميعًا، فركعَ وركعنا جميعًا، ثُم رفعَ رأسَه مِن الركوعِ ورفعنا جميعًا، ثُم انحدرَ بالسجودِ والصفُّ الذي يليهِ، وقامَ الصفُّ المؤخَّرُ في نحْوِ العدوِّ، فلمَّا قَضى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - السجودَ وقامَ الصفُّ الذي يليهِ انحدرَ الصفُّ المؤخَّرُ بالسجودِ وقامُوا، ثُمَّ تَقدمَ الصفُّ المؤخَّرُ، وتأخَّرَ الصفُّ [المقدَّم]، ثُم ركعَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وركعنا جميعًا، ثُم رفعَ رأسَه ورفعنا جميعًا، ثُم انحدرَ بالسجودِ والصفُّ الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعةِ الأولى، وقامَ الصفُّ المؤخَّرُ في نحوِ العدوِّ، فلمَّا قضى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - السجودَ والصفُّ الذي يليهِ انحدرَ الصفُّ المؤخرُ بالسجودِ فسجدوا ثم سَلَّمَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وسلمَّنا جميعًا فهذه الكيفيةُ الثانيةُ فيها، وهي صريحةٌ في سجودِ الصفِّ الأولِ أولًا مع الإمامِ في الأولى، وتقدمِ الثاني وسجودِه أولًا في الثانيةِ","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"وقالَ الشافعيُّ في «الأمِّ» و «المختصرِ»: يُصلِّي بهم الإمامُ ويركعُ ويسجدُ جميعًا، إلاَّ ما يليهِ أو بعضَ صفِّه ينتظرون العدوَّ، فإذا قاموا بعد السجدتَيْن سجدَ الذين حرسوهم، فإذا ركعَ ركعَ بهم جميعًا، وإذا سجدَ سجدَ معه الذين حرسوا أولًا، إلاَّ صفًّا أو بعضَ صفٍّ يحرسُه منهم، فإذا سجد سجدتَيْن وجلسوا سجدَ الذين حرسوه، ثُم يَتشهَّدُ، ثُم يُسلِّمُ بهم جميعًا، وهذا نحْوَ صلاتِه عليه الصلاة والسلام بِعَسفانَ، فلو تأخَّرَ الصفُّ الذي حرسَ الصفَّ الثاني، وتَقدمَ الثاني فحرسَ فلا بأسَ [انتهى] وهذا مخالفٌ لِمَا في الحديث؛ فإنَّه جعلَ الذين يَسجدون معَ الإمامِ أولًا الصفُّ الثاني، والأولُ يحرسون ويَلحقونه بعدَ سجودِهِ واختلف الأصحابُ في ذلك\rفأخذ القَفَّالُ ومتابعوه من الخراسانيِّيْن\rوالقاضي الطبريُّ بنصِّ الشافعيِّ وقالوا: يسجدُ الصفُّ الثاني معَ الإمامِ، ويحرسُهم الأولُ في الركعةِ الأولى، وفي الثانيةِ بالعكسِ\rوقال الشيخُ أبو حامدٍ\rومُتابعوه: البندنيجيُّ والمحامليُّ وابنُ الصبَّاغ\rوالشيخُ نصرُ وغيرُهم: هذا خلافُ الثابتِ في السُّنةِ، والصوابُ ما ثبتَ فيها من أنَّ الصفَّ الأولَ يسجدون في الأُولى مع الإمامِ، والثاني في الثانيةِ\rوهذا مذهبُه لا ما نَصَّ عليه؛ فإنَّه قال: إذا وجدتُم في كتابي خلافَ سُنةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقولوا بالسُّنةِ ودعوا ما قلتُه قالوا: ولعلَّه لمْ يبلغْه الخبرُ أو ذهلَ عنه ولمْ يثبتوا نَصَّه قولًا وقال المصنِّفُ والبغويُّ والرويانيُّ\rوغيرُهم من المحققين: يجوز الأمران:\r- ما ثبتَ في الحديثِ وما نَصَّ عليه\rولا فرقَ في المعنى وإنَّما اختارَ الشافعيُّ حراسةَ الصفِّ الأولِ لأمورٍ:\rأحدُها: قربه مِن العدوِّ؛ فهو أمكنُ في الحراسةِ","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"وثانيها: أنَّهم إذا حرسوا كان جُنَّةً لمَن وراءهم؛ فينفون عنهم ما يرميهم المشركون به وثالثهُا: أنهم يمنعون المشركين من الاطلاعِ على عددِ المسلمين وعدَّتِهم\rووجُه ما وردَ في الحديثِ: أن الصفَّ الأولَ أفضلُ؛ فَيُخَصُّوا بفضيلةِ السجودِ مع الإمام، ويدل عليه: أنَّه ذكرَ الحديثَ في «الأُم» كما تقدمَ وصرحَ فيه بسجودِ الصفِّ الأولِ مع الأُولى، والثاني معه في الثانيةِ، ثُم ذكرَ الكيفيةَ المذكورةَ، وأشارَ إلى جوازِها؛ فاستغنى بالحديثِ الذي ذكَره عن أنْ يقولَ: ويجوزُ أيضًا ما ثبت في الحديثِ\rثُم إنَّه لم يقلْ إنَّ الكيفيةَ المذكورةَ صلاتُه - صلى الله عليه وسلم - بِعُسفانَ كما ذكَره غيرُه، بل قال: وهذا نحوَ صلاتِه عليه الصلاة والسلام بعسفان، فدلَّ على تجويزِ كلٍّ منهما، لكنّه ذكَرَ في «الأم» أنَّ الكيفيةَ التي نَصَّ عليها - وهو سجودُ الصفِّ الأولِ معه- رواها أبو عياشٍ، وهذا غيرُ مُسلَّمٍ\rقالَ الرافعيُّ: وفي بعضِ الرواياتِ: أنَّ طائفةً سجدتْ معه، ثُم في الركعةِ الثانيةِ سجدَ معه الذين كانوا قيامًا، وهذا يحتملُ الروايتين جميعًا\rوذكرَ صاحبُ «المهذبِ» الكيفيةَ الواردةَ في الحديثِ، إلاَّ أنه تركَ منها تأخيرَ الصفِّ المُقدَّمِ في الثانيةِ وتقديمَ المؤخَّرِ، وذلك غيرُ قادحٍ\rوقد ذكرَ الشافعيُّ في النصِّ المتقدمِ جوازَ التقديمِ والتأخيرِ\rفتلخَّصَ من ذلك: أنَّ الكيفياتِ الثلاثِ جائزةٌ، وأفضلُها ما جاءتْ بهِ السُّنةُ وهو: أنَّ الصفَّ الأولَ يسجدُ مع الإمام السجدتين، فإذا قامَ قاموا معه، وسجدَ الصفُّ الثاني، فإذا قاموا وتأخرَ الصفُّ الأولُ، تبعوا الإمامَ وسجدوا معه، فإذا رفعوا سجدَ الصفُّ الثاني، فتكون الحراسةُ في الركعتين بِمَنْ في الصفِّ الثاني، وهُم فرقتان","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"وثانيها: ما ذكَرهُ صاحبُ «المهذب» بأنَّهم يفعلون كذلك مِن غيْر تَقدُّمٍ وتأخرٍ، بل يستقرُّ كلُّ صفٍّ مكانَه، فتكون الحراسةُ في الركعتين من الصَّفَّيْن\rوثالثهُا: أن الذي يسجد معَ الإمامِ في الأولى الصفُّ الثاني، ويحرسُ الأولُ، في الثاني عكسُه، ثُم الحراسةُ مختصةٌ بالسجود دونَ الركوعِ على المذهبِ المنصوصِ الذي قطعَ به الجمهورُ، وفيه وجهٌ؛ أنهم يحرسون في الركوعِ أيضًا\rقالَ الرافعيُّ: وفي بعضِ الرواياتِ ما يدل عليه، والفرقُ على المذهبَ أنَّ الركوعَ لا يمنع من الحراسةِ والنظرِ، بخلافِ السجودِ\rولهذه الصلاةِ ثلاثةُ شروطٍ:\rأحدُها: أنْ يكونَ العدوُّ في جهةِ القبلةِ ليتمكن الحارسون مِن رؤيتِه\rوثانيها: أنْ يكونوا على جبلٍ أو مُسْتوٍ مِن الأرضِ لا يمنعُهم شيءٌ من رؤيةِ المسلمين\rوثالثُها: أنْ [تكثر] المسلمون بحيث يمكنُ جعلهُم فرقتين: إحداهما تُصلِّي والأخرى تحرسُ\rوفي هذِه الصلاةِ تخلفٌ عنِ الإمامِ بأركانٍ ثلاثةٍ: السجدتان والجَلْسةُ بيْنهما، ولا يجوزُ إلاَّ بِعُذرٍ إذا عُرفَ ذلك؛ فالكلامُ في أمورٍ:\rالأول: لا تختصُّ الحراسةُ بصفٍّ أولٍ ولا بِثَانٍ، ولو حرسَ فرقتان من صفٍّ واحدٍ في الركعتين على المناوبةِ ودامَ من سواهم على المتابعة جازَ لحصولِ الغرض بحراستهم، ويجوزُ أن يُرتِّبَهم صفوفًا كثيرةً، ثُم يحرسُ صفَّان كما تقدمَ\rالثاني: لو صلوا على الصفةِ التي نصَّ عليها الشافعيُّ من حراسةِ الصفِّ الأولِ [في الأولى]، فيتقدمُ الصفُّ الثاني في الركعةِ الثانيةِ إلى موضعِ الأولِ ليحرسوا، وتأخَّرَ الأولُ إلى موضع الثاني جاز إذا لمْ تكثر أفعالُهم، بأنْ يتقدمَ كلُّ واحدٍ إلى الصفِّ الثاني خطوتين، ويتأخرُ كلُّ واحدٍ من أهلِ الأولِ خطوتين، ويدخلُ المتقدمُ بيْن موقفين، وهل هو أَولى أمِ الأَولى أن يلزمَ كلٌّ منهم موقفَه فيه وجْهان:","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"أحدُهما: هذا، واختاره جماعةٌ، منهم: الصيدلانيُّ، والمسعوديُّ، والمصنِّفُ: أنَّ التقدمَ أفضلُ؛ لأنَّ الحراسةَ بالصفِّ الأولِ أليقُ\rوثانيهما - وهو قولُ العراقيين-: أنَّ الملازمةَ أفضلُ؛ لأنَّ الأَوْلى تقليلُ الحركاتِ، ولفظُ الشافعيِّ المتقدمُ على «المختصرِ» يدلُّ عليهِ؛ فإنَّه قال: ولا بأسَ\rويُشترط أيضًا على الكيفيةِ الأُولى الثابتةِ في الخبرِ: أنْ لا تكثرَ الأفعالُ بالتقدُّمِ والتأخُّرِ، فيتقدَّمُ كلُّ مَن في الصفِّ الثاني خطوتين، ويتأخرُ مَن في الأولِ خطوتين، فلو خطوا ثالثةً بطلتْ\rالثالثُ: لو حرسَ في الركعةِ الثانيةِ الحارسون في الأُولى على كلتا الكيفيتين ثم سجدوا ولحقوا الإمامَ، ففي صحةِ صلاتِهم قولان عند المصنِّفِ، ووجهان عند غيرهِ\rقال الرافعيُّ: وهو قريبٌ؛ لأن الخلافَ على ما ذكَره صاحبُ «التهذيب» وغيرُه مَبْنيٌّ على القولين فيما إذا زادَ الإمامُ على انتظارين في الركوعِ في النوعِ الثالثِ من صلاةِ الخوفِ، وسيأتي انتهى\rأحدُهما: لا يجوزُ؛ لأن ذلك يوجبُ تكرارَ التخلفِ بالإضافةِ إلى ما كان يوجدُ لو تناوبوا، والنَّصُّ وردَ بالمسامحةِ به، فلا يحتملُ الزيادةُ عليهِ، وأصحُّهما وهو نصُّه في «الأم» وبه قطعَ الشيخُ أبو حامدٍ وجماعةٌ بالجوازِ؛ لأنَّ هذا التخلفَ ثبتَ احتمالُه في ركعةٍ للعذرِ، فوجودُه في ركعةٍ أخرى لا يضرُّ\rألاَ ترى أنَّ القدْرَ الذي يُحتمل بَينَ التخلفَ بلا عذرٍ، لا يفرقُ الحالُ فيه بين أنْ يوجدَ في ركعةٍ أو ركعاتٍ، وإنَّما قصدَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - التسويةَ بيْن الصفَّين\rواعلمْ؛ أنَّ أبا حنيفةَ أنكرَ هذا النوعَ وقال: لا يُصلِّي الإمامُ بهم إذا كانَ العدوُّ في جهةِ القبلةِ، إلاَّ كما يصلِّي بهم لو لم يكن فيها على ما سيأتي في النوعِ الثالثِ، والحديثُ المتقدمُ حُجَّةٌ عليه","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"قولُه في الكتابِ: «وكان خالدٌ مع الكفارِ بعدُ» أيْ: لمْ يُسْلمْ، وخالدٌ هذا هو: ابنُ الوليدِ بنِ المغيرةِ بنِ عبدِ اللهِ بن عُمرَ بنِ مخزومٍ القرشيُّ المخزوميُّ، أُمُّه: لُبابةُ - الصغرى، وقيل: الكبرى- بنتُ الحارثِ الهلاليةُ\rخالتُه: ميمونةُ أمُّ المؤمنين، وخالتُه الأخرى: لبابةُ الكبرى أمُّ عبدِ اللهِ بنِ عباسِ\rوكان أحدُ أشرافِ قريشٍ في الجاهليةِ، كان مُقدَّمًا على الخيَّالةِ في الحروبِ، وأسْلمَ بعدَ وقعةِ الحديبيةِ هذه، وقيل: بلْ سنةَ ثمانٍ، مع عَمرو بن العاصِ، وجعله عليه الصلاة والسلام على مقدمةِ الخيلِ، وشهد معه فتحَ مكةَ، وأبلى فيها، وبعثَه في سرايا، وكانَ على مقدمةِ المسلمين يومَ خيبرَ، وأمَّره أبو بكرٍ رضي الله عنه على الجيوشِ ففتحَ الله تعالى على يدهِ اليمامة وغيرَها\rورُوي أنَّه عليه الصلاة والسلام قال: «هُوَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ، يسلُّهُ اللهُ [تَعَالَى] عَلَى الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِيْنَ»\rولما حضرتْه الوفاةُ قالَ: لقد شهدتُ مائةَ زحفٍ أو زُهَاءهَا، وما في جسدي موضعٌ شبرٌ إِلاَّ وفيهِ ضربةٌ أو طعنةٌ أو رميةٌ، ثُمَّ ها أنا ذا أموتُ على فراشي كما يموتُ البعير، فلا نامتْ أعينُ الجبناء\rوتُوفِّي بِحمْصٍودُفن بقريةٍ على ميلٍ منها سنة إحدى وعشرين أو [اثنين] وعشرين، في خلافةِ عُمَرَ\rوأوصى إليه، وقيل: تُوفِّي بالمدينةِ\rوقوله: «هي أعزُّ عليهم مِن أرواحِهم»: المرْويُّ في الحديث: «مِن أبنائهم» أو «مِن أولادهم»\rوقوله: «فحرسَ الصفُّ الأولُ» إلى قولِه: «وكذا يفعلُ الصفُّ الثاني في الركعةِ الثانيةِ» غلطٌ؛ فإنَّ المرْويَّ: أنَّ الصفَّ الأولَ سجدوا معه،","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"وحرسَه الصفُّ الثاني كما تَقَدَّمَ وقوله: «وليس فيها إلَّا تخلفٌ عنِ الإمامِ بأركانٍ هي: السجدتان والجَلْسة بينهما»، وهو ظاهرٌ وقال في الوجيز: بِرُكنين واعترضَ عليه الرافعيُّ، ثُم قالَ:\rفإنْ قيل: الجَلْسةُ بيْن السجدتين ليست ركنًا مقصودًا، والتخلفُ المؤثِّرُ هو التخلفُ بالأركانِ المقصودةِ\rفالجوابُ أنَّ الأظهرَ عنده: أنَّ الجَلْسةَ بيْن السجدتين ركنٌ طويلٌ؛ فيكون كسائرِ الأركانِ\rوقولُه: «ولو ابتدأَ بالحراسةِ الصفُّ الثاني جازّ» معناه أنه يجوزُ [الأمران]، كما اختاره المحققون\rوقولُه: «قال الشافعيُّ: لو تقدَّمَ الصفُّ» إلى قوله: «كان ذلك حَسنًا»: المنقولُ عنِ الشافعيِّ: أنه لا بأسَ [به]، وذلك لا يَقتضي حُسْنَه، بلِ اقتضاء خلافه أقربُ\r(قالَ:\rالنوعُ الثالثُ صلاةُ ذاتِ الرقاعِ\rوهو: أنْ يلتحمَ القتالُ، فلا يحتملُ الحالُ تخلفَ الكلِّ واشتغالَهم بالصلاةِ، وكان ذلك في ذاتِ الرقاعِ، فصدعَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه صدعَيْن، وانحازتْ طائفةٌ بحيثُ لا يبلغُهم سهامُ العدوِّ، وصلَّى بهم ركعةً، وقامَ بهم إلى الثانيةِ، فانفردوا بالركعةِ الثانيةِ، وسلَّموا، وأخذوا مكانَ إخوانِهم في الصفِّ، وانحازت الفئةُ المقاتلة إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قائمٌ ينتظرهم، واقتدَوا بهِ في الركعةِ الثانيةِ، فلمَّا جلسَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - للثانيةِ قاموا وأتموا الركعةَ الثانيةَ، ولحقوا به وتشهَّدوا، وسلَّم بهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -\rهذه روايةُ صالحِ بنِ خوَّاتِ بنِ جبيرٍ، وليس فيها الا الإنفراد عنِ الإمامِ في الركعة الثانيةِ وانتظارِ الإمامِ الطائفةَ الثانيةَ مرَّتين: في القيامِ والتشهدِ","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"وروى ابن عُمر: أنَّه لمَّا قام إلى الثانية ما انفردوا بالركعةِ، لكنْ أخذوا مكانَ إخوانِهم في الصفِّ وهُمْ في الصفِّ، وانحاز الآخرون وصلُّوا ركعةً، فتخلَّفَ بهم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ورجعوا إلى مكان إخوانهم وعليهم بعدُ ركعةٌ، ثُم رجعَ الفريقُ الأول وأتموا الركعةَ الثانيةَ منفردين، ونهضوا إلى الصفِّ، وعادَ الآخرون وأتمُّوا كذلك وأخذَ الشافعيُّ بروايةِ صالحٍ لمعنيين:\rأحدُهما: أنَّ الرواةَ لها أكثرُ، وهي: أنَّ الاحتياطَ وتركَ الأفعالِ المستغنى عنها أقربُ\rوالثاني: لأنَّ روايةَ ابنِ خوَّاتٍ مقيدةٌ بِذاتِ الرِّقاعِ، وهي آخرُ الغزواتِ\rوروايةُ ابنِ عُمرَ مطلقةٌ ومن أصحابِنا مَن قال: تصحُّ الصلاةُ على وفقِ روايةِ ابنِ عُمرَ لصحةِ الروايتين، لكنَّ الأَولى روايةُ ابنِ خوَّاتٍ، وهو بعيدٌ؛ لأنَّه تخييرٌ في أفعالٍ كثيرةٍ مستغنًى عنها)\r\rالشرحُ\rالنوعُ الثالثُ: صلاةُ ذاتِ الرِّقاعِ، ومعظم مسائلِ الكتابِ فيها، وذاتُ الرقاعِ بِكسرِ الراء وبالقافِ: موضعٌ قُبَيل نَجْدٍ من أرضِ غَطفانَ\rواخْتُلِفَ في سببِ تسميتهِ بذلك، والصحيحُ في ذلكَ: ما في «الصحيحين»: عن أبي موسى الأشعريِّ أنَّه قالَ: نقبتْ أقدامُنا، فكُنا نَلُفُّ على أرْجُلِنا الخِرَقَ، فَسُمِّيتْ غزوةُ ذاتِ الرقاعِ، كمَا كُنا نعصبُ على أرْجلنا الخِرَقَ\rوقولُه: «نقبت» [هو] بضمِّ النونِ وبفتحِها، وبالقافِ، أيْ: تقرضت وتقطعتْ جلودُها\rوقيل: سُميتْ بِاسْمِ شجرةٍ هناك كانت تُعلَّقُ فيها خروقٌ وقيل: بِاسْمِ جبلٍ فيه بياضٌ وحُمْرةٌ وسوادٌ يقال له: الرقاع","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"وقيل: لأنَّ أرضَها مُلوَّنةٌ وقيل: لِرقاعٍ كانت في ألْويتهم وقولُ أبي موسى يدلُّ على أنه اسمٌ للغزوةِ لا الموضعِ، لكنْ في «صحيحِ مسلمٍ» عن جابرٍ: حتى إذا كُنَّا بِذاتِ الرقاعِ فدلَّ على أنَّه اسمٌ للموضع ويُجْمَعُ بيْنهما: بأنَّه اسمٌ للغزوةِ، ثُم عُرف المكانُ به وتقديرُه: فكان غزوةُ ذاتِ الرقاعِ\rوهذا النوعُ إذا كانَ المشركون في غير جهةِ القبلةِ أو في جِهتِها لكنْ بيْنهم وبيْن المسلمين حائلٌ يمنعُ من رؤيتهم لو هجموا، وقد يكون في حالِ التحامِ القتالِ إذا كانَ في المسلمين كثرةٌ، وأمْكنَ الانحيازُ بطائفةٍ، وشغلَ الكفارُ بالباقين، فإنْ لمْ يمكنْ فالحالُ حالُ شدةِ الخوفِ، وهذا النوعُ الرابعُ الآتي وقد يكونُ قبلَ القتالِ إذا خافوا من هجومهم لو اشتغلوا كلُّهم بالصلاةِ ثُم هذه الصلاةُ قد تكون ثنائيةً أصالةً كالصُّبحِ، أو لعارضٍ كالعصرِ، أو غير ثنائيةٍ كالظهرِ الثانية والمغربِ:\rالقسمُ الأول: أنْ تكون ثنائيةً، فيفرق الإمامُ القومَ فرقتين، يجعلُ فرقةً تِجاهَ العدوِّ، وينحازُ بفرقةٍ إلى حيثُ لا تبلغهم سهامُ العدوِّ، فيفتتحُ بهم الصلاةَ، ويُصلِّي بهم ركعةً، فإذا قامَ هو وهَمْ إلى الثانية فَفِيمَ يفعلون بعدَ ذلك روايتان ثابتتان في «الصحيحين»:\rإحداهما: أنَّ المُقْتدين ينوون مفارقتَه، ويتمون الصلاةَ لأنفسهم، وينصرفون إلى جهةِ العدوِّ، ويطيلُ الإمامُ القيامَ في الركعةِ الثانيةِ حتى تجيءَ الفرقةُ التي كانت تِجاهَ العدوِّ فيحرمون خلفه، فإذا قرأ الفاتحةَ ركعَ بهم وسجدَ، فإذا جلسَ للتشهدِ قاموا وصلُّوا ثانيتَهم، وانتظرهم في التشهدِ، فإذا لحقوه فيه سلَّم بهم\rكذلك رُوي في «الصحيحين» عن صالحِ بنِ خواتِ بن جبير عن سهل بنِ أبي حثْمةَ وفي روايةٍ عن مَن صلَّى مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّه عليه الصلاة والسلام صلَّى كذلك في ذات الرقاعِ","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"والروايةُ الثانيةُ أخرجاها أيضًا عن ابن عُمر: أنه عليه الصلاة والسلام صلَّى بإحدى الطائفتين ركعةً، ثُم انصرفوا، فقامَ مقامَ أصحابِهم، وجاء أولئك فصلَّى بهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ثُم قضى هؤلاء ركعةً وهؤلاء ركعةً هذا لفظُ مسلمٍ، ولفظُ البخاريِّ قريبٌ منه ومعنى هذا: أنهم إذا قاموا إلى الثانيةِ لا تتمُّ الفرقةُ الأُولى الصلاةَ، بلْ [  ] إلى مكانِ إخوانهم تِجاهَ العدوِّ، وهُم في الصلاةِ سكونًا، وتجيءُ الطائفةُ الأخرى فتصلِّي مع الإمامِ ركعتَه الثانيةَ، فإذا سَلَّمَ ذهبتْ إلى تجاه العدوِّ، وجاء الأولون إلى مكانِ الصلاةِ، ويتمون لأنفسهم واختارَ الشافعيُّ والأصحابُ رحمهم الله تعالى ما رواهُ خواتٌ لثلاثةِ أوجهٍ:\rأحدُها: أنه أوفقُ؛ لقوله تعالى: {ٹ ٹ ٹ}\rوذلك مشعرٌ بأن الأُولى قد صلَّت، والمرادُ بالسجودِ فيها الركعةُ الباقيةُ للطائفةِ الأُولى، والسجدةُ قد يعبرُ بها عنِ الركعةِ كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنَ الصَّلاَةِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلاَتَهُ» أيْ: ركعة\rوالثاني: أنَّه أَلْيقُ بحالِ الصلاةِ لما في الرواية الأخرى من زيادةِ الذهابِ والرجوعِ، وكثرةِ الأفعالِ، والاستدبارِ من غيرِ ضرورةٍ\rوالثالث: أنَّها أحوطُ لأمرِ الحربِ وأخفُّ على الطائفتين؛ فإنَّ الحراسةَ في غيرِ صلاةٍ أهونُ\r\rوبه قال مالكٌ وأحمدُ، إلاَّ أنَّ مالكًا قال في رواية ٍ: إنَّ الإمامَ يتشهدُ بالطائفةِ الثانيةِ ويُسلِّم، ثُمَّ يقومون إلى تمامِ صلاتِهم كالمسبوقوهو قولٌ قديمٌ ثالثٌ: أنهم يقومون بعدَ التشهد وقبلَ السلامِ وسيأتي","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"واختار أبو حنيفة روايةَ ابنِ عمرَ، وقال: الفرقةُ الأُولى يتمون الصلاةَ بعد سلامِ الإمامِ بغيرِ قراءةٍ؛ لأنهم أدركوا تحريمه، فسقطتْ عنهم القراءةُ في جميعِ الصلاةِ، والثانيةُ يتمونها بقراءةٍ؛ لأنهم ما أدركوا تَحرَّمَه\rوفي صحة الصلاة على رواية ابنِ عُمرَ قولان أحدهما: لا تصحُّ لكثرةِ الأفعالِ فيها بغيرِ ضرورةٍ وحملَ القائلون به روايةَ ابن عُمرَ على النسخِ؛ فإنها مطلقةٌ، وروايةُ ابنِ خوَّاتٍ مقيدةٌ بذاتِ الرقاعِ، وهي آخرُ الغزواتِ وأصحُّهما، وهو نصُّه في الجديدِ في كتابِ «الرسالة»،وبه قالَ أحمدُ أنها تصحُّ بصحةِ الحديثِ وانتفاءِ التعارضِ، وروايةُ خوَّاتٍ لا تعارضُها، فكانت هذه في يومٍ وتلك في يومٍ آخرَ ودعوى النسخِ باطلةٌ، لتوقفِها على معرفةِ التاريخ وتعذرِ الجمعِ؛ وهُما مُنْتَفِيَان\rوقولهم: «غزوة ذاتِ الرقاعِ» غيرُ صحيحٍ، فقدْ قالَ محمدُ بنُ إسحاقَ: إنَّ غزواتِه عليه الصلاة والسلام سبعٌ وعشرون آخرُها غزوةُ تبوكَ\rوقال المحدّثون وأهلُ السيرِ: أولُ صلاةٍ صلاَّها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - للخوفِ صلاتُه بذاتِ الرقاعِ نقله النواويُّ\rوقيل: كانت ذاتُ الرقاعِ في المحرَّمِ سنةَ خمسٍ، وأولُ ما شُرعتْ صلاةُ الخوف فيها\rوقيل: في غزوة بني النضيرِ، وهي في السنةِ الثالثةِ\rثُم على الكيفيةِ الأُولى تنوي الفرقةُ الأُولى المفارقةَ إذا انتصبَ الإمام في الثانيةِ؛ لأنه موضعُ الحاجةِ إلى المفارقةِ وقالَ البغويُّ وغيرُه: يجوزُ أن يفارقوه عند الرفعِ من السجودِ قبلَ الانتصابِ، والمفارقةُ بعده أَولى لتتمَّ القدوةُ، ولو صلَّى، الإمامُ في الثانية سهوًا أو عجزًا فارقوه","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"وفي الكيفيةِ [الأولى] مخالفةٌ للقواعدِ من وجهٍ، فإنَّ فيها على المذْهب قضاءَ الفرقتين صلاتَهم قبلَ سلامِ الإمامِ، وفي الثانيةِ كثرةُ الأفعالِ واعلمْ؛ أن إقامة الصلاةِ على الوجهين المذكورين في الروايتين ليست عزيمةً لابدَّ منها، بل مندوبٌ إليها، فلو صلَّى الإمامُ بطائفةٍ وأمره غيرُه فصلَّى بالأخرى أو صلَّى بعضُهم أو كلُّهم منفردين جازَ، لكن كانتِ الصحابةُ رضي الله عنهم لا يسمحون بتركِ الجماعةِ لعظمِ فضلِها، سِيَّما معه عليه الصلاة والسلام، فنسب لهم هذه الصفةَ ليحصلَ لكلِّ واحدٍ فضيلة الجماعةِ وفضيلةُ الوقوفِ قبالةَ العدوِّ، وتختصُّ الأُولى بفضيلةِ إدراكِ تكبيرةِ الإحرامِ، والثانيةُ بفضيلةِ التسليمِ معه\rوهل تصحُّ الصلاةُ على الصفةِ المذكورةِ في الروايةِ الأُولى في حالةِ الأمنِ\rأمَّا صلاةُ الإمامِ ففيها طريقان:\rإحداهما: أنها تصحُّ قولًا واحدًا، وهو قولُ الشيخِ أبي حامدٍ والبندنيجيِّ، ونسبَه العمرانيُّ إلى عامةِ الأصحابِ؛ لأنها ليسَ فيها إلاَّ تطويلها بالقراءةِ والتشهدِ، وهو غيرُ ممتنعٍ\rوثانيهما: وبه قال الأكثرون على ما رواه الرافعيُّ: فيها قولان؛ لأنه ينتظرُ المأمومين من غيرِ عذرٍ، وبناهُما القاضي أبو الطيب على القولين الآتيين فيما إذا فرَّقهم أربعَ فرقٍ في الصلاةِ الرباعيةِ، من حيثُ إنه في المسألتين انتظر في غيرِ محلِّ الحاجةِ\rوأمَّا الطائفةُ الأُولى: ففي صحةِ صلاتها القولان السابقان في بطلانِ صلاةِ مَن فارقَ بغيرِ عذرٍ، والأصحُّ الصحةُ\rوأمَّا الطائفةُ الثانية: ففي صحةِ صلاتِهم طريقان، أصحُّهما أنها تنبني على صحة صلاة الإمام فإن قلنا: هي باطلة امتنعَ عليهم الاقتداءُ به إنْ علموا، وإنْ صحَّحناها صحَّ إحرامُهم، فإذا قاموا إلى الركعةِ الثانيةِ ففي بطلانِ صلاتِهم خلافٌ يَنْبني على خلافٍ يأتي في أنهم منفردون بها، أو يعتقدون حكمًا","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"إنْ جعلناهم منفردين ففي بطلانِها قولان مبنيان على أصلين تقدَّما:\rأحدهما: أنهم انفردوا من غير عذرٍ\rوالثاني: أنهم اقتدوا بعد الانفرادِ\rفإنْ لمْ يبطلْها بالأولِ ففي بطلانِها بالثاني القولان، وإن جعلناهم مُقتدين - وهو المذهبُ- بطلتْ صلاتُهم لانفرادهم بركعةٍ عمدًا مع بقاءِ القدوةِ\rوإنما احتملَ هذا في الخوفِ للحاجةِ، والطريقُ الثاني قاله الشيخُ أبو حامدٍ: أنها تصحُّ قولًا واحدًا وفي ظاهر نصِّ الشافعيِّ إشارةٌ إليه، لأنه قالَ: أحببتُ أن يعيدوا الصلاةَ\rقال النواويُّ: وهو ضعيفٌ أو باطلٌ، ولا يصحُّ على الصفةِ المذكورةِ في روايةِ ابنِ عُمَر في الأمنِ بِلا خلافٍ، فإنْ صلُّوا صلاةَ بطنِ نخلٍ صحتْ قطعًا؛ لأنه ليس فيها إلاَّ اقتداءُ مفترضٍ بِمُتَنفلٍ، وإنْ صلّوا صلاةَ عسفانَ صحتْ صلاةُ الإمامِ ومَن سجدَ معه\rوفي صلاة الحارسين القولان المتقدمان في باب صلاة الجماعةِ [فيما] إذا تخلَّفَ المأمومُ في الاعتدالِ حتى سجدَ الإمامُ السجدتين، أصحُّهما أنها تصحُّ\rقالَ الشيخُ أبو حامدٍ: وصلاةُ هذه الصلواتِ الثلاثِ في القتالِ المحرَّمِ كصلاتِها في الأمنِ، وأما صلاةُ شدةِ الخوفِ فلا تصحُّ في الأمنِ بلا خلافٍ لكثرة المُنافيات للصلاة\rقوله في الكتاب: «وهو أن يلتحمَ القتالُ» لا يشترطُ التحامُ القتالِ، والتحامُه [في] بعضُ أحوالِ هذه الصلاةِ، ولو كان العدوُّ [قارّين] في معسكرِهم ولم يقعْ قتالٌ بعدُ وخِيفَ هجومُهم لو اشتغلوا بالصلاةِ جازتْ هذه الصلاةُ أيضًا كما تقدمَ\rويشترطُ أن يكونَ العدوُّ في غيرِ جهةِ القبلةِ، أو أن يكونَ هناك حائلٌ يمنعُ من رؤيتهم لو هجموا إنْ كان العدوُّ فيها\rوقوله: «كان كذلك في ذاتِ الرقاعِ» قيل إنَّها [كانت] فيها خوفٌ من غيرِ قتالٍ في الصلاةِ","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"قال ابنُ إسحاقَ: وقوله: «فصدعَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -  » إلى آخرِه قالَ الشيخُ ابنُ الصلاحِ: رُوي الحديثُ بالمعنى على مذهبهِ في جواز [روايته]بالمعنى ، وقد وقعَ فيه ما لا يجوز وهو قولُه: «وانحازتِ الفئةُ  المقابلة»، وهذه الغزوةُ كان فيها خوفٌ من غيرِ قتالٍ قالَه إمامُ  المغازي محمدُ بنُ إسحاقَ: وإنْ أمكنَ تأويلُ لفظِ «المقابلة» بمثلِ ذلك غير جائزٍ لمن يَروي بالمعنى يعني: تأويل لفظِ «المقابلةِ» على: أنها المُعدَّةُ للقتالِ، أو: أنَّها ستقاتلُ فإنه خلافُ الظاهر انتهى\rويجوزُ أن تُقرأَ الِمُقاتلة –بالتاء- فيصحُّ\rوقولُه في الفرقِة الأُولى: «فانفردوا بالركعةِ الثانيةِ»،\rوفي قولِه في الثانية: «فأتوا فأتموا الركعةَ الثانيةَ» بِنيَّتِهِ على المغايرةِ بينهما، وذلك أنَّ الأُولى ينفردون بنيَّةِ المفارقةِ، والثانيةُ يستمرون  على حكم القدوةِ\rوقولُه: «هذه روايةُ صالحِ بنِ خواتِ بنِ جبيرٍ» كذا هو في بعض النسخِ، وفي بعضِها: «روايةُ خواتِ بنِ جبيرٍ» قال الشيخُ أبو عُمر : الأولُ أَولى؛ لأنه أجمعُ للرواياتِ، إذْ في روايةٍ قليلةٍ عن صالح بن خواتٍ عن أبيه خوَّات عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وفي أكثرِ الرواياتِ: عن صالحِ بنِ صالحِ بنِ خواتٍ عن سهلِ بن أبي حثمةَ عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وفي روايةٍ: عن صالحٍ عن مَن صلَّى مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -  انتهى\rقالوا: والمرادُ بهذا المبهمِ سهلٌ، وقد بُيِّنَ في «الصحيحين» ، وخواتٌ: بخاءٍ معجمةٍ، وواوٍ مشدَّدةٍ، ثُم تاءٍ مثناةٍ فوقَ، وهو صحابيٌّ بدريٌّ، كان أحدَ فرسانِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، تُوفي بالمدينةِ سنةَ أربعين وهو ابنُ أربعٍ وتسعين سنةً ","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"وبعضُهم ينسبُ إليهم في الجاهليةِ قصةً مشهورةً مع ذاتِ النحيين المضروبِ بهم المثلُ في قولهم: «أشعلُ من ذات النحيين» ، والنحيُ: الزق، محاها الإسلامُ\rوقيل: إنه عليه الصلاة والسلام سألَه عنها وتبسَّم فقالَ: يا رسولَ اللهِ، قدْ رزقَ الله خيرًا\rوأعوذُ باللهِ من الحورِ بعدَ الكورِ   \rوأبوه صالحٌ تابعيٌّ وقولُه: (وليس فيها إلا الانفرادُ عن الإمامِ) أيْ: في حقِّ الفرقةِ الأولى، وفيه إشارةٌ إلى مثلِ [فعل]  هذه الصلاةِ في الأمنِ\rوقولُه في رواية ابنِ عمَرَ: «ورجعوا إلى مكانِ إخوانِهم وعليهم  بعدُ ركعةٌ» إلى آخرِهِ، هذه الزيادةُ ليست في روايةِ ابنِ عمرَ في الصحيحين وغيرها ، وإنما فيها بعد ذكرِ سلامِ الإمامِ: أنَّ كلَّ طائفةٍ قضتْ ركعةً كما تقدمَ، وهو الأصحابُ ذكروا هذه الزيادةَ عنِ ابن عُمرَ، وليست في روايتِهِ، لكنْ كأنهم فهموا ذلك منها \rوقولُه: «وهي آخرُ الغزواتِ» تقدَّم أنه ليس بصحيحٍ \rوقولُه: «ومِن أصحابِنا  مَن قالَ: تصحُّ الصلاةُ»، وهو بعيدٌ ، غلطَ في هذا في شيئين :\rأحدهما: لنسبته إلى بعضِ الأصحابِ، وهو قولٌ مشهورٌ  للشافعيِّ، حكاهُ الشيخُ أبو حامدٍ وغيرُه\rوثانيهما: استبعادُه، وهو الأصحُّ المنصوصُ في الجديد \r(قال:\rثم النظرُ في هذه الصلاةِ في طرفين:\rأحدهما: في كيفيتها، وقدْ تشككوا (النسختان والوسيط  ) في ثلاثةِ أمورٍ في مواضعِ:\rالأولِ: نقلَ المزنيُّ أن الإمام يقرأُ بالطائفةِ الثانيةِ الفاتحةَ وسورةً، ومعناه: أنه يسكتُ قبْله منتظرًا\rوغلّطه الأصحابُ وقالوا: لا يسكتُ لكنهم إذا لحقوا مدَّ هو القراءة بحيثُ يتسعُ عليهم قراءةُ  الفاتحةِ، وهو قولُ الربيعِ \rوتوجيه نقلِ المزنيِّ التسويةُ بيْن الفرقتين؛ فإنه قرأَ الفاتحةَ بالأُولى فليقرأْ بالثانيةِ \rالثاني: هل يتشهدُ قبلَ لحوقِ الفرقةِ الثانيةِ أمْ يصبرُ حتى يعودوا فيه طريقان:","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"أحدهما: أنه كالفاتحةِ\rوالثاني: أنه يتشهدُ؛ إذْ ليس فيه تفوتُ التسويةِ من الفرقتين في التشهدِ \rالثالث: أنَّ مالكًا ذهب إلى أنَّ الفريق الثاني يتشهدون مع الإمامِ، ثُم يقومون عند سلامِهِ إلى الثانيةِ قيامَ المسبوقِ، وهو قولٌ قديمٌ، ولا شك في جوازِهِ، ولكنْ ما رواه خوَّاتُ [جائز] \rأيضًا خلافًا لِمالكٍ رحمه الله )\rالشرح\rالنظرُ في طرفين:\rأحدُهما: في كيفيتها، وقد ترددَ الأصحابُ في ثلاثةِ أمورٍ:\rالأول: إذا قامَ الإمامُ إلى الثانيةِ فهل يقرأُ في حالِ انتظارهِ فراغَ الفرقةِ الأولى ومجيءَ الثانيةِ فيه نصَّان للشافعيِّ:\rأحدُهما – وهو نصُّه - في «الأم»: أنه لا يقرأُ، بلْ يسبحُ ويذكرُ اللهَ تعالى حتى تأتي الثانيةُ \rويوافقُه ما رواه المزنيُّ: أنه يقرأ بعدَ لحوقهم بأمِّ القرآنِ والسورةِ؛ فإن الفاتحة لا تكررُ \rوثانيهما: وهو روايةُ الربيعِ في «الإملاءِ»: أنه يقرأُ ويطيلُ القراءةَ، فإذا جاءتِ الثانيةُ قرأَ معها الفاتحةَ وسورةً قصيرةً، واختلف الأصحابُ على طرقٍ: أشهرُها وأصحُّها: أن في المسألةِ قولين:\rأحدهما: أنه يستحبُّ أنْ لا يقرأَ حتى تجيءَ الثانيةُ؛ لأنه قرأَ مع الأُولى الفاتحةَ في الأَولِ؛ فليقرأْها مع الثانيةِ في الثانيةِ تسويةً بينهما، وغير الفاتحةِ لا يشرعُ قبلها، فيشتغل بالتسبيح والتكبير\rوأصحُّهما : أنه يستحبُّ أن يقرأَ الفاتحةَ وسورةً طويلةً، حتى تجيءَ الثانيةُ، فإذا جاءتْ قرأَ  من السورةِ قدرَ الفاتحةِ وسورةٍ قصيرةٍ ليحصلَ لهم قراءةُ الفاتحةِ وشيءٌ من السورةِ؛ لأن الصلاةَ مبنيةٌ على أنْ لا سكوتَ فيها، فينبغي أنْ يقرأَ؛ لأن القيامَ لا يشرعُ فيه إلاَّ القراءةُ ، وبه قالَ أحمدُ ","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"والطريقُ الثاني: عن أبي إسحاق: أن النَّصين مُنزلان على حالين، فحيثُ قال: «لا يقرأُ» أرادَ إذا كان الإمامُ  يريدُ قراءةَ سورةٍ قصيرةٍ، فتفوتُ القراءةُ على الفرقةِ الثانيةِ، وحيثُ قال: «يقرأُ» أراد إذا كان الإمامُ يريد قراءةَ سورةٍ طويلةٍ، فيمكنُه استدامةُ القراءةِ إلى لحوقِهِ \rوالثاني وبهِ قالَ الصيدلانيُّ: القطعُ  بأن القراءةَ تُستحبُّ\rوغلَّطوا المزنيَّ  في النقلِ وقالوا: لفظُ الشافعيِّ: يقرأُ بعد إتيانهم بقدرِ أُمِّ القرآنِ وسورةٍ لا بأُمِّ القرآنِ، لكنَّ هذا التغليطَ غلطٌ، فقد نصَّ على ذلك في الأم، وسواءٌ قرأَ الإمامُ في الانتظارِ أمْ لا: يستحبُّ أنْ لا يركعَ حتى تفرغَ الثانيةُ من الفاتحةِ، فلو لم ينتظرْهم وأدركوه راكعًا أدركوا الركعةَ كمَا في غيرِ حالةِ الخوفِ، ويجيءُ فيه  الوجهُ البعيدُ المتقدمُ عنِ ابنِ خزيمةَ :أن الركعةَ لا تُدركُ إلاَّ بإدراكِ شيءٍ من القيامِ مع الإمامِ\rقال الأصحابُ: ويُستحبُّ للإمام أن يخففَ القراءةَ في الأُولى؛ لأنها حالةُ شغلِ وجوبٍ وخوفٍ من خداعِ العدو \rويُستحبُّ أيضًا للطائفتين تخفيفُ قراءةِ ركعتِهم الثانيةِ لئلاَّ يطولَ الانتظارُ \rالأمرُ الثاني والثالثُ: والثاني مبنيٌّ على الثالثِ، فتقديمُه عليه أنسبُ، وهو: أن الفرقةَ الثانيةَ متى تفارقُ الإمامَ: فيه طريقان:\rأشهرُهما: أن فيه ثلاثةَ أقوالٍ: أصحُّها وأشهرُها: أنهم يفارقونه عُقيبَ السجدةِ الثانيةِ؛ لأنه ينتظرهم ليسلِّمَ بهم، وهذه الصلاةُ مَبنيةٌ على التخفيفِ \rوثانيهما: أنهم يفارقونه بعدَ التشهدِ وقبلَ السلامِ، فيطولُ الدعاءَ حتى يأتوا بركعتِهم، ثُم يسلمُ بهم، وهو نصُّه في سجودِ السهوِ من «الأمِّ» \rوالثالثُ، وهو القديمُ ومذهبُ مالك: أنهم يفارقونه عقبَ السلامِ كالمسبوقِ ","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"والطريقُ الثاني: القطعُ بالقولِ الأولِ، وحملوا نصَّه على ما إذا صلُّوا في الحضرِ، فإنه يُصلِّي بالأُولى ركعتين، ويفارقونه بعدَ التشهدِ \rقال الشيخُ أبو حامدٍ: وقد أصابَ  هذا القائلُ في هذا التأويلِ، قالوا: ونصُّ الشافعيِّ في سجودِ السهوِ: أنهم إذا صلوا رباعيةً يتشهدون معه؛ لأنه موضعُ تشهدٍ أيضًا \rقالَ القاضي أبو الطيبِ: وهذا غلطٌ؛ لأن سياقَ نصِّ الشافعيِّ يردُّه، ولا شكَّ في جوازِ تشهدِهم معه وقيامِهم بعد سلامهِ  وعلى الأصحِّ: هل يتشهد [في حالِ]  انتظارِهم فيه طريقان:\rأحدُهما: أنه على القولين المتقدمين في أنه هل يقرأُ في انتظارهم في الركعةِ\rوالطريق الثاني – وهو الأظهرُ-: أنه يتشهدُ قولًا  واحدًا، وفرَّقوا بينه وبين القراءةِ بأنه لا يقرأُ في قولٍ ليسوّي بين الفرقتين في إدراكهِ قراءة الفاتحةِ معه، وذلك لا يفرضُ في التشهدِ، وفي هذا شيءٌ، فإنه يقتضي أنْ يتشهدَ لئلاَّ تختصَّ الثانيةُ بالتشهدِ  فإن قلنا: «لا يتشهدُ» اشتغلَ في انتظارهم بالذكر كما تقدمَ في القراءةِ\rقولُه في الكتابِ: «ومعناه: أنه يسكت قبله منتظرًا» ليس ذلك معناه، فقد نصَّ على أنه يشتغلُ بالذكرِ قبله، ولم يصرح المزنيُّ بالسكوتِ\rوقولُه: «وغلَّطه الأصحابُ» لا يحسنُ نسبةُ ذلك إلى الأصحابِ كلهم لِمَا تقدمَ، فحكايته عنهم تغليطُه معَ توجيهِه مستغربٌ، فإن الغلطَ لا وَجْه له\rوأمَّا قولُه: «وقالوا: لا يسكتُ» فهذا متفقٌ عليه؛ لأنه على القولِ بأنه لا يتشهدُ بذكرِ اللهِ تعالى، لكنْ أرادَ أنه لا يسكتُ عن التشهدِ\r(قال: الطرف الثاني في تعديةِ النصِّ إلى صلاة  المغربِ وصلاةِ الخوفِ والجُمُعةِ","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"أمَّا المغربُ: فليصلِّ الإمامُ فيها  بالطائفةِ الأُولى ركعتين، وبالطائفةِ الثانيةِ ركعةً ، ثُم إنِ انتظرهم في التشهدِ فجائزٌ، وإنِ انتظرهم في القيامِ في الركعةِ الثالثةِ فحسنٌ؛ لأن التطويلَ بالقيامِ أَلْيقُ ونُقل عن «الإملاءِ» إلى الانتظارِ في التشهدِ أَولى\rورُوي  عن عليٍّ كرَّم الله وجهه  -: أنه صلَّى بالطائفةِ الأُولى ركعةً، وبالثانيةِ ركعتين في ليلةِ الهرير ، وهو قولٌ نُقِلَ من «الإملاء» \rوالصحيحُ الأولُ ؛ لأن في هذا تكليفُ الطائفةِ الثانيةِ بزيادةِ تشهدٍ لا يُحسبُ لهم)\rالشرحُ\rصلاةُ الخوفِ المرْوية عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وردتْ في الصلاةِ الثنائيةِ غيرِ الجمعةِ، فعقَدَ هذا الطرفَ في تعديتها إلى الصلاةِ الثلاثيةِ والرباعيةِ والجمعة \rفأمَّا المغربُ: فلا يتهيأُ [فيها]  التسويةُ بين الطائفتين فيما يصلّونه مع الإمامِ، بل لا بدَّ من تفضيلِ إحداهما ، فيجوزُ أنْ يُصلِّيَ بالأُولى ركعتين، وبالثانيةِ ركعةً، وأنْ يصلِّيَ بالأُولى ركعةً ، وبالثانيةِ ركعتين\rوأيهما أولى فيه طريقان:\rأشهرُهما وأصحُّهما:  أن فيه قولين أصحُّهما – وهو نصُّه  في «الأم»  -: أن الأولَ أَولى؛ لأن الطائفةَ الأُولى سابقون فَهُم أَولى بالتفضيلِ، ولأن أولَ الصلاةِ أكملُ من آخرِها لِمَا تضمنتُه من إدراكِ فضيلةِ التكبيرةِ وقراءةِ السورةِ، فلمَّا اختصَّ الأولون بأكملِ الطرفين وجبَ أن يختصوا بأكملِ البعضَيْن، ولأنه لو صلى بالأُولى ركعةً وبالثانيةِ [اثنتين]  لوقع في صلاةِ الطائفةِ الثانيةِ تشهدٌ غيرُ محسوبٍ لهم؛ فإنهم يتشهدون معه في الركعةِ الثانيةِ، وهي أُولاهم لا تشهدَ فيها، واللائقُ بالحالِ التخفيفُ لا التطويلُ\rوالثاني: وهو نصُّه في «الإملاء»","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"ومذهبُ مالكٍ وأبي حنيفةَ : أن الثاني أَولى؛ لأن عليًّا – كرم الله وجهه – صلاَّها ليلةَ الهريرِ، بالطائفةِ الأُولى ركعةً، وبالطائفةِ الثانية  ركعتين \rولأنه عليه الصلاة والسلام فضَّل الثانيةَ على الأُولى؛ فإنه انتظرهم مرَّتين وانتظرَ الأُولى مرةً، فدلَّ على تفضيلها، ويقعُ به المعادلةُ بيْن الطائفتين، فإن الأُولى حازتْ فضيلةَ الأوَّليةِ \rوهذا القولُ حكاهُ الإمامُ عن بعض المصنِّفين، وقال: هو مزيفٌ، لا أعدهُ من المذهبِ \rوالطريقُ الثاني: القطعُ بالقولِ الأولِ، ونسبه الشيخُ أبو حامدٍ إلى عامةِ الأصحابِ، فإنْ قلنا به جاز أن تنتظرَهم الفرقةُ الثانيةُ في التشهدِ الأولِ، وفي قيامِ الركعةِ الثالثةِ، وأيهما أوْلى وفيه قولانِ أحدُهما وهو نصُّه في «الإملاء»: أن انتظارَهم في التشهدِ أَولى ليدركوا معه الركعةَ بكمالها، فإذا أحرموا قام مكبرًا\rقال الشيخُ أبو حامدٍ: ويكبرون متابعةً له \rوأصحهما: أن انتظارَهم في قيامها أَولى؛ لأنَّ القيامَ مبنيٌّ على التطويلِ، وهو أبعدُ من غيره، والجلسةُ الأُولى مبنيةٌ على التخفيفِ، ولأنه ينتظرُهم في الصلاةِ الثانيةِ قائمًا \rفكذا في الثلاثيةِ، ولأنه إذا انتظرهم في الجلوسِ لا تدري الفرقةُ الأُولى وقتَ قيامِهم\rوهذا ظاهر نصِّه في «الأم»، فإنه قال: إنِ انتظرهم قائمًا فحسنٌ، وإنِ انتظرهم جالسًا فجائزٌ  فجعلَ الأولَ حسنًا والثانيَ جائزًا، وعلى هذا: هل يقرأُ في القيامِ الفاتحةَ وما بعدها أو ينتظرهم بها ويشتغلُ بالذكرِ فيه الخلافُ المتقدمُ في الثانيةِ، ولا خلافَ في أنَّ الطائفةَ الأُولى لا تفارقُه إلاَّ بعد التشهدِ؛ لأنه موضعُ تشهدِهم","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"وهل تفارقُه الثانيةُ عُقيب السجودِ في الثالثةِ أمْ بعدَ التشهدِ فيه القولان المتقدمان في الثانيةِ، ويجري الخلافُ أيضًا: هل يتشهدُ في حالِ انتظارهم في التشهدِ الأولِ، فإن قلنا: «يصلي بالأُولى ركعةً» فارقتْه الفرقةُ الأُولى إذا قامَ إلى الثانيةِ وهم (  )  كما تقدمَ في ذاتِ الركعتين \rقولُه في الكتابِ: «فليصلِّ الإمامُ فيها بالطائفةِ الأُولى ركعتين» أنه استحبابٌ لا إيجابٌ\rوقولُه في عليٍّ: «كرَّم الله وجهه»  قال: إنما خُصَّ عليٌّ بهذه الدعوةِ دون بقيةِ الصحابة لأنه لمْ يسجدْ لصنمٍ قطّ  و «ليلة الهرير» هي ليلةٌ من ليالي صفِّين، سُميت بذلك لأن بعضَهم كان يهرُّ على بعضٍ إذا حمل عليه –وهي بفتحِ الهاءِ وكسرِ الراءِ- في قتالِ معاويةَ ، وقيل: في قتال الخوارجِ \r=================\r\r(قال:\rأمَّا الرباعيةُ في الحضر فليصلِّ الإمامُ بالطائفةِ الأُولى [ركعتين]  وبالثانيةِ ركعتين، فلو فرَّقهم أربعَ فرقٍ، وصلَّى بكلِّ فرقةٍ ركعةً: فهل يحرمُ الانتظارُ الثالثُ\rفعلى قولين \rفإن قلنا: «يحرمُ» فهل تبطلُ بهِ الصلاةُ\rفعلى قولين :\rأحدُهما: يجوزُ ذلك كما جازَ بالمرة الأُولى والثانية\rوالثاني: لا؛ لأنه رخصةٌ، ولا يزادُ على كل النص\rفعلى هذا يمتنعُ الانتظارُ [في الركعه]  الثالثة وما جرى قبلها جرى على وجهِه \rوقال ابن سُريجٍ \rتخريجًا : المنعِ يختصُّ بالركعةِ الرابعةِ، فإن الانتظارَ في الثالثةِ هو الانتظارُ الثاني للإمامِ بدلًا عنِ انتظارهِ في التشهدِ، إِلاَّ أن المنتظرَ في التشهدِ هو المنتظرُ في القيامِ بعينِه، وها هنا المنتظرُ ثانيًا غيرُ المنتظرِ أولًا، وهذا لا يقدحُ في الصلاةِ، وهو متجهٌ)\rالشرحُ\rإذا كانتِ الصلاةُ رباعيةً: فإن كان الخوفُ في السفرِ فالأَولى أن يقصرَ؛ لأن القصر أفضلُ مطلقًا، ولأنه الأليقُ بحالةِ الخوفِ ، وحينئذٍ يؤدي كما سبقَ","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"فإذا أرادوا إتمامها أو كان في الحضرِ وقد جاءهم العدوُّ؛ فالأَولى أن يفرقَ الإمامُ الناسَ فرقتين، ويصلّي بكلِّ فرقةٍ ركعتين\rوهل الأفضلُ أن ينتظرَ الثانيةَ في التشهدِ الأولِ أوْ في قيامِ الثالثةِ فيه  القولان السابقان في المغربِ\rويتشهدُ بالطائفتين قطعًا؛ لأنه موضعُ تشهدٍ لكلٍّ منهما، وعلى القولِ بأنه ينتظرُهم في القيام: ففي قراءتهِ الخلافُ السابقُ \rوقال مالكٌ  في روايةٍ: لا يجوزُ أن يصلّي بهم الصلاة الرباعية كذلك، و  لنا قولُه تعالى: {فإذا    }  الآية فإنها عامةٌ، تشملُ السفرَ والحضرَ والرباعيةَ وغيرَها؛ ولأن صلاةَ الخوفِ جُوّزِتْ للاحتياط للصلاةِ والحربِ، وذلك موجودٌ في الحضرِ \rفإن قيل: انتظارُ مَن يأتي بركعتين أطولُ مِن انتظارِ مَن يأتي بركعةٍ، والشرعُ  إنما ورد بانتظار ركعةٍ فقط\rفالجوابُ: إن الانتظارَ ليس له حدٌّ محدودٌ","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"قال القاضي أبو الطيبِ : ولهذا يجوزُ لكلِّ واحدٍ من الطائفتين أن يطولَ الركعةَ التي يأتي بها مقدارَ ركعاتٍ، وينتظرُها الإمامُ، فلو فرَّقهم أربع فرقٍ وصلَّى بكلِّ  فرقةٍ ركعةً، فإن صلَّى بالأُولى ركعةً وفارقتْه عند اعتدالِه في الثانيةِ وأتمتْ لنفسِها ثلاث  أي ثلاث ركعات على نية حذف المضاف، وتوجهتْ إلى العدوِّ، وجاءتْ  أخرى فاقتدتْ به في الثانيةِ، فلمَّا فرغَ [منها]  فارقتْه في التشهدِ أو في قيام [الثالثة] ، وأتمتْ لنفسِها ثُم توجهتْ وجاءتِ الثالثةُ فاقتدتْ به في الثالثةِ، فلمَّا قامَ منها  فارقتْه وأتمتْ لنفسِها، ثُم توجهتْ وأتتِ الرابعةُ فاقتدتْ به فيها، فلمَّا جلسَ للتشهدِ فارقتْه وأتمتْ صلاتَها، ثُم لحقتْه فيهِ وسلمتْ معه؛ ففي جوازِ ذلك قولان: أصحُّهما : نَعَمْ؛ لأن جوازَ انتظارين إنما كان للحاجة، وقد تقتضي الحاجةُ أكثرَ منها، بأن لا يكون في وقوفٍ بصفِّ المقابلين في وجهِ العدوِّ ولقائِه، ويحتاجُ إلى وقوفِ ثلاثةِ أرباعِهم بكلِّ حالٍ، وذلك بأن يكونوا أربعمائة، والمشركون ستمائة، فيقفُ بإزائهم ثلاثمائة، ويصلي معه مائةٌ مائةٌ\rوإنما اقتصرَ عليه الصلاة والسلام على انتظارين لأنه القدرُ الذي احتاجَ إليه ولعلّه لو احتاجَ إلى زيادةٍ زاد، ولأن الانتظارَ إنما هو بالاشتغالِ بالذكرِ والقراءةِ، وذلك لا يبطلُ الصلاةَ \rوثانيهما: لا؛ لأن الأصلَ أن لا يحتملَ الانتظارَ في الصلاةِ لِمَا فيه من شغلِ  القلبِ بالإجلالِ والخشوعِ ، لكن صحَّ أنه عليه الصلاة والسلام انتظرَ انتظارين، وذلك رخصةٌ فلا يتجاوزُ به ما وردَ، والخلافُ كالخلافِ في: أن الوترَ ينحصرَ في عددٍ محصورٍ وهو إحدى عشرة أو ثلاث عشرة أمْ لا، وكالخلافِ في: أن المسافرَ إذا أقامَ لحاجةٍ يرجو قضاءها، هل يقصرُ أبدًا أمْ لا يتجاوزُ ثمانية عشر يومًا\rالتفريعُ:","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"إن قلنا: «يجوزُ»، قال الإمامُ : شرطُه الحاجةُ، فإن لم يكن حاجةٌ، فهو كما لو فعله حالةَ الاختيارِ \rقال النواويُّ : ولم يذكرْه الأكثرون، بل في كلامِ الأصحابِ إشارةٌ إلى أنه لا يشترط، فإنهم قالوا: لأنه قد يحتاجُ إليه\rوهو تصريحٌ بأن الحاجةَ ليست شرطًا، وفيما قاله نظرٌ، وعلى هذا القولِ تكونُ الطائفةُ الرابعةُ كالثانيةِ في ذاتِ الركعتين، فتعودُ فيهم الأقوالُ في أنهم يفارقون  قبل التشهدِ أمْ بعده، وقبل السلامِ أمْ بعدَ السلام أصحُّهما الأولُ\rوهل تتشهدُ الطائفةُ الثانيةُ معه أو تفارقُه قبل التشهد فيه وجهان:\rأصحُّهما: أولُهما، وتصحُّ  صلاةُ الإمامِ والطائفةِ الرابعةِ؛ لأنها لمْ تفارقِ الإمامَ، بلْ أتمتِ الصلاةَ على حُكم المتابعة\rوفي الطوائفِ الثلاثِ قولان:\rأحدهما: وهو نصُّه في «الأم» أنها صحيحةٌ\rوثانيهما: وهو نصّه في «الإملاء»، أنها باطلةٌ \rوهُما مبنيان  على القولين  في أن المأمومَ هل تبطلُ صلاتُه بمفارقةِ الإمامِ من غيرِ عذرٍ والثلاثُ فارقوه بغير عذرٍ، لأن وقتَ المفارقةِ ما نقل عن فعلِ المُقتدين [به]  عليه الصلاة والسلام، وهو نصفُ الصلاةِ، وكلُّ طائفةٍ فارقتْه قبل ذلك، وكان يمكنهم أن يصلّوا معه فرقتين أو فرادى، بخلافِ الرابعةِ فإنها تتابعُه \rقال الرافعيُّ: وليس هذا البناءُ والفرقُ صافيان  عنِ الإشكالِ \rوحكى الشيخُ أبو حامدٍ والماورديُّ  طريقًا أنهم يفارقونه بعذرٍ، ولا تبطلُ صلاتُهم قال الماورديُّ: وهو الأظهرُ؛ لأن إخراجَ أنفسهم ليس إلى اختيارهم، فإنهم لو أرادوا البقاءَ مع الإمامِ لم يمكنهم، فإنه عذرٌ قال النواويُّ: والمشهورُ الذي قطعَ  به الأصحابُ أنه ليس بعذرٍ\rوإن قلنا: «لا يجوز» – وهو التفريعُ المذكورُ في الكتابِ- فصلاةُ الإمامِ باطلةٌ، وفي وقتِ بطلانها وجْهان ","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"وقال بعضهم قولان ، منصوصٌ ومخرج، أصحهما وهو ظاهرُ نصِّ الشافعيِّ، وقولُ أبي إسحاق المروزيِّ  والجمهور : أنها تبطلُ في الانتظارِ الثاني الواقعُ في الركعةِ الثالثةِ وإنْ كان ثابتًا لمخالفتهِ الانتظارَ  الثانيَ الثابتَ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في المنتظرِ وفي القدْرِ :\rأمَّا المنتظرُ: فإن المنتظرَ هناك في المرَّتين الطائفةُ الثانيةُ، والمنتظرُ هنا في الثاني طائفةٌ أخرى غير المنتظرةِ في الأُولى\rوأمَّا في القدرِ: فلأنه عليه الصلاة والسلام انتظرَ في الثاني فراغَ الطائفةِ الثانية فقط، وهو هنا ينتظرُ فراغَها وذهابَها إلى وجْهِ العدوِّ ومجيءَ الثالثةِ\rوالثاني خرَّجه ابنُ سريجٍ : أنها تبطلُ بالانتظارِ الثالثِ الواقعِ في الرابعةِ، ولا تبطلُ بالواقعِ في الثالثةِ؛ لأنه ثبت لها انتظاران، وقد انتظر مرةً في الركعةِ الثانيةِ وثانيًا في الثالثةِ، وهو نظيرُ الانتظارِ الثاني الواقعِ في التشهدِ هناك، فالواقعُ في الرابعةِ هو الثالثُ الزائدُ، ولا يضرُّ تغايرُ المنتظرِ ولا حالُ الانتظارِ، كما لا يضرُّ طولُه إذا فرَّقهم فرقتين وصلَّى بكلِّ طائفةٍ ركعتين\rوعلى الأولِ فيما يبطلُ به في الانتظارِ الثاني وجهان:\rأحدُهما: أنها تبطلُ بمجيءِ الطائفةِ الثانيةِ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لمْ ينتظرْهم في الثاني إلاَّ بعدَ إتمامِ الصلاةِ، فإذا زاد عليه بطلَ ","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"وثانيهما – وهو قولُ الشيخِ أبي حامدٍ  -: أنها تبطلُ بِمُضيِّ قدرِ ركعةٍ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لمْ ينتظرِ الطائفتين معًا إلاَّ بقدرِ تلك الصلاةِ مع الذهابِ والمجيءِ، وهذا قد انتظرَ في المرةِ الأُولى قدرُ ما صلّتِ الطائفةُ الأُولى ثلاثَ ركعاتٍ [وذهبَت]  وجاءتِ الثانيةُ، فإذا مضى قدرُ ركعةٍ فقد تمَّ قدرُ الانتظارِ المنقولِ فتبطلُ صلاتُه بالزيادةِ هذا الكلامُ في صلاة الإمامِ تفريعًا على هذا القولِ وأمَّا صلاةُ المأمومين فتنبني على صلاتِه، فتصحُّ صلاةُ الطائفةِ الأُولى والثانيةِ  على ظاهرِ النصِّ وتخريجِ ابنِ سريجٍ معًا؛ لأنهم فارقوه قبلَ بطلانِ صلاتِه كذا أطلقه الجمهورُ والرافعيُّ \rوقال النواويُّ: في بطلانِ صلاتِهم القولان فيمن فارقَ بغيرِ عذرٍ كما سبق في التفريعِ على صحةِ صلاتِه، ويجيءُ فيه الوجهُ المحْكيُّ هناك عن الشيخِ أبي حامدٍ والماورديِّ\rوجزْمَ الجمهورُ هُنا بصحةِ صلاتهم تفريعٌ على الأصحِّ أن المفارقةَ بغيرِ عذرٍ لا تبطلُ الصلاةَ، وإلَّا فقد ذكروا كلُّهم الخلافَ فيما إذا قلنا: صلاةُ الإمامِ صحيحةٌ، وهُنا أَولى بجريانهِ، وقد ذكره هنا المتولِّي وآخرون \rوأمَّا الطائفةُ الرابعةُ فتبطلُ صلاتُهم قطعًا إنْ علموا ذلك، وإن لم يعلموا لمْ تبطلْ، وفيما يعتبر عليهم به وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب وابنُ الصباغِ :\rأحدهما – وهو ظاهرُ نصِّه  في «المختصر» -: أن يعلموا أن الإمامَ انتظرَ من لا يجوز انتظارُه، ولا يشترطُ أن يعلموا أن ذلك يُبطلُ الصلاةَ، كما أن من صلى خلفَ من عرفه جنبًا تبطلُ صلاتُه، وإن لمْ يعلمْ كونَ الجنابةِ تُبطلُ الصلاةَ، وأصحُّهما وبه قطعَ الجمهورُ أن المراد أن يعلموا بطلانَ الصلاةِ بهذا الانتظارِ؛ لأن هذا يخفى على أكثرِ الناسِ، سيَّما إذا رأوا الإمامَ قد فعله، بخلافِ الجنابةِ، فإنّ خفاءَ حُكمها نادرٌ جدًّا ","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"وأمَّا الطائفةُ الثالثةُ: فَحُكمها حُكمَ الطائفةِ الأُولى والثانيةِ على قولِ ابنِ سريجٍ؛ لأنها فارقت الإمامَ قبلَ بطلانِ صلاتِه\rوعلى ظاهرِ النصِّ حُكمها حُكم الرابعةِ، فتبطلُ؛ لأنها اقتدتْ به بعدَ بطلانِ صلاتِه\rويتلخصُ من الخلاف في المسألةِ في حقِّ الفرقِ الأربعِ خمسةُ أقوالٍ أوَّلُها  –أصحها-: صحةُ صلاةِ الجميعِ \rوثانيها: بطلانُ صلاةِ الجميعِ \rوثالثها: صحةُ صلاةِ الإمامِ والطائفةِ الرابعةِ فقط \rورابعها: صحةُ صلاةِ الأُولتين، وبطلانُ صلاةِ الإمامِ والأخيرتين \rإِنْ علمتا \rوخامسها: صحةُ صلاة الطوائف  الثلاثِ، وبطلانُ صلاةِ الإمام والرابعةِ إن علمتْ، وهو قولُ ابنِ سريجٍ \rولو فرَّقهم أربعَ فرقٍ في الرباعيةِ، فإن منعناه فصلاةُ الأولتين صحيحةٌ، وصلاةُ الثالثةِ  باطلةٌ إن علموا\rوبماذا يعتبرُ العلمُ  فيه الخلاف المتقدم، هذا على قولِ الجمهورِ، وأما عند ابنِ سريجٍ: فصلاةُ الطوائفِ الثلاثِ صحيحةٌ\rولو فرَّقهم في الرباعية فرقتين وصلى بالفرقةِ الأُولى ركعةً وبالثانيةِ ثلاثًا أو عكسُه: فالمنصوصُ في «الأم» وبه قالَ الجمهورُ: أن صلاةَ الإمامِ والطائفتين صحيحةٌ بلا خلافٍ، لكنها مكروهةٌ؛ لأن الشرعَ وردَ بالتسويةِ بين الطائفتين، ويسجدُ الإمامُ والطائفةُ الثانيةُ سجودَ السهوِ للمخالفةِ بالانتظار في غير موضعهِ \rقالَ ابنُ الصباغِ بعد حكايةِ هذا عن النصِّ: وهذا يدلُّ على أن العامدَ كالساهي في سجودِ السهوِ \rوعلى أنه إذا فرَّقهم أربعَ فرقٍ وقلنا «تصحُّ صلاتُهم» أن عليهم سجودَ السهوِ\rوقال المتولي :\rصحةُ صلاةِ الإمامِ تنبني على ما إذا فرّقهم أربعًا \rفإن قلنا هناك: «تصحُّ» فهُنا أولى، وإن قلنا: «لا تصحُّ» هناك فقد انتظره في غير موضعهِ فيكون كمتى قمت في غير موضعه","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"وأمَّا [المأمومونَ]  فعلى التفصيلِ فيما لو فرَّقهم أربعَ فرقٍ، قال النواويُّ: وهو شاذٌّ، والصوابُ ما قاله الشافعيُّ والأصحابُ \rولو كان العدوُّ في جهتين أو ثلاثٍ أو أربعٍ، فإن أمكنَ أن يفرّقهم فرقتين كما لو كانوا في جهةٍ واحدةٍ جاز، وإن لم يمكن، فإن جوّزنا تفريقَهم أربع فرقٍ إذا كان العدوُّ في جهةٍ واحدةٍ فرَّقهم لذلك ، وإنْ منعناه ففرقتين جميع الصلاةِ، وصلاَّها بالفرقتين الأخرتين  ثانيًا فتكونُ له نافلةً\rقولُه في الكتابِ: «أما الرباعيةُ في الحضرِ» فلا حاجةَ إلى قوله: «في الحضرِ»؛ لأن ذلك حكمُ الرباعيةِ في الحضرِ والسفرِ، وإنما قيده به لأن الغالبَ في السفرِ القصرُ، سيَّما في الخوفِ وقولُه: «فليصلِّ» أمرُ استحبابٍ\rوقولُه: «فإن قلنا يحرم فهل تبطلُ به الصلاةُ فعلى قولين» قال الشيخُ ابنُ الصلاحِ: هذا شاذٌّ غيرُ معروفٍ، والمعروفُ أن في بطلان الصلاةِ قولين دون البناءِ والترتيبِ المذكورِ وكما أنه بعيدٌ من حيثُ النقلِ فهو بعيدٌ من حيثُ إنه لا يتجه مع القولِ بتحريمه تردد في البطلانِ \rوقال الرافعيُّ: لم يذكرِ المعظم  هذا الترتيبِ وذكرَ الشافعيُّ مع القولِ بصحةِ صلاةِ الجميعِ أنهم مسيئون بذلك، وهذا يشعرُ بالحرم والتحريمِ \rوقولُه: «أحدهما يجوزُ  »  إلى آخرهِ تعليلٌ للقولين الأوَّلين\rوقولُه: «فعلى هذا يمتنعُ الانتظارُ في الركعةِ الثالثةِ  » إلى آخرهِ: قالَ الشيخُ أبو عُمر: وهذا يوهمُ أن مطلق الانتظارِ في الثالثةِ ممتنعٌ مبطلٌ ، وليس كذلك اتفاقًا، فإنه ينتظرُ فيها فراغَ الثانيةِ، وتجيءُ الثالثةُ\rوالأولُ غير ممتنعٍ، فإنه ليس زائدًا على ما ورد به  النصُّ ، والممتنعُ الثاني، وبه يقعُ الإبطالُ على النصِّ \rقلتُ: تقدمَ خلافٌ في [أن]  المبطل الانتظار الثاني أو انتظارٌ يزيدُ على ركعةٍ، وعلى كلِّ حالٍ فمطلقه غيرُ ممتنعٍ","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"وقولُه: «فإنَّ الانتظارَ في الثالثةِ هو الانتظارُ الثاني للإمام» إلى آخرهِ: قال الشيخُ أبو عُمر: وهذا غيرُ مُسلَّمٍ؛ فإن الانتظارَ في الثانيةِ الذي هو بدلٌ عن الانتظارِ في التشهدِ إنما هو انتظاره فراغَ الثانيةِ دون ما يصلُ  به من انتظارِ مجيءِ الثالثةِ\rوهذا غيرُ ما ألقاه من الفرق بأن المنتظرَ ثانيًا غيرُ المنتظرِ أولًا، ولا يتجهُ قولُ ابنِ سريجٍ إلاَّ بأن يتكلفَ ويقولَ: لمَّا اتصلَ انتظارُهم بمجيءِ الثالثةِ بانتظارِ  فراغِ الثانيةِ ينزلا منزلةَ انتظارِ واحدٍ، فلا يكونُ زائدًا  من حيثُ العددِ، بل من حيثُ القدرِ ، والزيادة في القدرِ  لا تضرُّ كما لو فرَّقهم فرقتين، وصلى بكلِّ فرقةٍ ركعتين \r================\r(قال:\rأمَّا الجمعة: ففي إقامتها على هذا الوجه وجْهان، ووجهُ المنعِ أن العددَ فيها شرطٌ، فكيف ينفرد الإمامُ في الثانيةِ معَ انفضاضِ الفرقةِ الأولى إلى عودِ الفرقةِ الثانيةِ )\r} الشرح {\rإذا كان الخوفُ في بلدٍ يومَ الجمعةِ فأرادَوا إقامةَ الجمعة على هيئةِ صلاةِ ذات الرقاع فوجهان – وقيل: قولان  -:\rأحدُهما: لا يجوزُ؛ لأن العددَ شرطٌ فيها، وتجويزُه يفضي إلى انفرادِ الإمامِ في الركعةِ الثانيةِ، وأصحُّهما وهو نصُّه في «الأم»  وقَطعَ به كثيرون: أنه يجوز كسائرِ الصلواتِ الثنائية واختلفوا فيه على طريقين :\rأحدهما: أنه جوابٌ على أحدِ الأقوالِ في مسألةِ الانفضاضِ، وهو: أنهم إذا انفضوا عنه وبقي وحده أتمَّها جمعةً، فأمَّا على غيرِ هذا القولِ فيمتنع إقامتُها على هذا الوجهِ\rوالثاني –وهو ما أورده المتولي  -: القطعُ بجوازه مطلقًا، والفرقُ بينه وبين  مسألةِ الانفضاضِ أنه معذورٌ هنا بسببِ الخوفِ، وأنه يترقبُ مجيءَ الطائفةِ الثانيةِ ","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"قال الرافعيُّ : ويجوزُ أن يرتبَ فيقالُ: إن جوّزنا إتمامَها في الانفضاضِ جاز إقامةُ الجمعةِ على هذه الهيئةِ، وإلاَّ فوجهان، وإيرادُ الغزاليِّ إلى هذا أقربُ ثُم للجوازِ شرطان:\rأحدهما: أن يخطبَ بجمعِهم ثُم يفرقَهم فرقتين، أو يخطبُ بفرقةٍ ويجعلُ منها في كلِّ واحدةٍ من الطائفتين أربعين فصاعدًا، فلو صلَّى ركعةً بأربعين سمعوا الخطبةَ والأخرى بمن لم يسمعْها، أو خطبَ بفرقةٍ وصلَّى بأخرى: لم يَجُزْ\rوثانيهما: أن تكون الفرقةُ الأُولى أربعين فصاعدًا، فلو نقصتْ عن الأربعين لمْ تنعقدِ الجمعةُ، وإنْ نقصتِ الثانيةُ عن الأربعين فطريقان:\rأصحُّهما وبه قالَ الشيخُ أبو حامدٍ والبندنيجيُّ: أنه لا يضرُّ قطعًا انعقادُها بالأُولى؛ لأن الحالَ حالُ المسامحةِ ","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"وثانيهما: [أنه]  على القولين في مسألةِ الانفضاضِ وتجهرُ الطائفةُ الأولى في الركعةِ الثانيةِ؛ لأنهم منفردون، ولا تجهرُ الثانيةُ في الثانيةِ؛ لأنهم مقتدون  ولو خطبَ الإمامُ بالناسِ وأراد أن يصلّي بهم صلاةَ الجمعةِ على هيئةِ صلاةِ عسفانَ، فإن جوزنا إقامتَها على هذه الهيئة، فتلك أولى بالجواز، ولو أراد إقامتها على هيئةِ صلاةِ بطنِ نخلٍ لمْ يَجُزْ، ولو خطبَ ثانيًا بالثانيةِ لمْ يَجُزْ؛ إذْ لا تقامُ جمعةٌ بعدَ جمعةٍ في بلدٍ واحدٍ، فإن فعلَ صحتِ الجمعةُ الأُولى للإمامِ والطائفةِ الأُولى دون الثانيةِ، ولو لم يمكن الإمامُ الجمعةَ فيصلي  بهم الظهرَ، ثُم أمكنه  أن يصلي الجمعةَ  قال الصيدلانيُّ: لم يجبْ عليهم، لكن يجبُ على من لم يصلِّ معهم، ولو أعادَ لم أكرهه، ويقدمُ غيرَه ليخرج من الخلافِ حكَاهُ العمرانيُّ  قال الشيخُ أبو حامدٍ: وجوازُ إقامة الجمعةِ على هيئةِ صلاةِ ذات الرقاعِ ينزل على أن الإمامَ إذا سبقَ بعضَ المأمومين بركعةٍ من الجمعةِ ثُم سلَّم ومَن معه فقامَ  المسبوقون لقضاءِ ما عليهم فقدموهم، والإمامُ رجلًا ليؤمَّ بهم –وجوزنا ذلك- فأدركهم رجلٌ وصلى معهم ركعةً يكون مدركًا للجمعةِ، فيقومُ ويأتي بركعةٍ  أخرى، لأنه وإنِ استفتحَ الجمعةَ فهو تبعٌ للإمامِ، والإمامُ مستديمٌ لها لا مستفتحٌ كالطائفةِ الثانيةِ \rفَرْعٌ\r\rقال الشافعيُّ – رحمه الله تعالى-: والطائفةُ: ثلاثةٌ فأكثرُ ، ويكرهُ أن يصلِّي بأقلِّ من طائفةٍ وأن يحرسَه أقلُّ من طائفةٍ  واعترض عليه أبو بكر بنُ داودَ الظاهريُّ  فقال: الطائفةُ تنطلقُ على الواحدِ لغةً وشرعًا:\rأمَّا لغةً: فقد حكى ثعلبٌ  عن الفراءِ  أنه قال: مسموعٌ من العربِ أن الطائفةَ واحدٌ ","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"وأمَّا في الشرعِ: فقد احتجَّ الشافعيُّ على قبولِ خبرِ الواحدِ بقوله تعالى: {     }  وقال: المرادُ بالطائفةِ [واحدٌ]  ، وقال تعالى: {    }  والمراد: واحدٌ \rوأجاب الأصحابُ  بعد تسليم ما ادَّعاه بأن الشافعيَّ قال: الطائفةُ في صلاةِ الخوفِ يستحبُّ أن لا تكونَ أقلَّ من ثلاثةٍ؛ لأن الله تعالى أعادَ على الطائفتين ضميرَ الجمعِ في قولهِ تعالى: {      }  وفي قوله تعالى: { ٹ  ٹ ٹ ٹ  }  وأقلُّ الجمعِ ثلاثةٌ\rوأمَّا قولُه تعالى: {     }  فإنما حُملتِ الطائفةُ على الواحدِ لقرينةٍ وهي : حصولُ الإنذارِ بالواحدِ، كما حملناهُ هُنا على الثلاثةِ لقرينةِ ضميرِ الجمعِ\rولا يُقالُ: القرينةُ المذكورةُ موجودةٌ هنا أيضًا؛ فإنه أعادَ ضميرَ الجمعِ عليها في قولهِ تعالى: {          } لأنَّا نقول: الجمعُ هنا عائدٌ على الطوائفِ التي دلَّ عليها قوله: {  } \rوأمَّا قولُه تعالى: {    }  فالمرادُ بالطائفة فيهِ: أربعةٌ \rقال الأصحابُ: فيستحبُّ أن يكون كل واحدة من الطائفتين ثلاثة فصاعدًا ويكره أن يكونَ أقلَّ منهم، فيكره صلاةُ الخوفِ إذا كان القومُ خمسةً، فإن صلاَّها بهم كره وصحتِ، والأَولى أن يصليَ الإمامُ بثلاثةٍ، ويسلّمون ويذهبون إلى وجهِ  العدوِّ، ويصلّي الاثنان يأتمُّ أحدُهما بالآخرِ \rوقال القاضي الحسينُ : لمْ يُردِ الشافعيُّ أن العَسْكرَ كلهم ستةٌ، ولكن كان يقول: إنِ اشتغلَ أكثرُ الناس بالقتالِ فأقلُّ من يُصلَّى بهم ثلاثةٌ، وإنِ اشتغلَ أكثرُ الناسِ بالصلاةِ فأقلُّ من يحرسُ ثلاثةٌ، حتى لو كان ثَمَّ مَضيقٌ فقالَ شجاعٌ: «أنا أَسُدّ هذا الشعبَ لكم فاشْتَغِلوا بالصلاةِ» جاز، لكنه يكره\r==================\r\r(قالَ:\rفَرْعَان\rالأول: في وجوبِ رفعِ السلاحِ في هذه الصلاة وصلاةِ عسفانَ قولان ","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"الوجه أن يقال: إن كان في البُعدِ عن السلاحِ خطرٌ ظاهرٌ فهو محرمٌ في الصلاةِ وغيرها، وإن كانتِ الموضوعةُ والمحمولةُ واحدًا يتعسرُ أخذُها فلا يحرمُ، وإن لم يظهر في تنحية السلاحِ خللٌ فهذا محلُّ الحزْم ، ففي وجوبِ الأخذِ به واستحبابِه ترددٌ، وكيفما كان فلا تبطلُ الصلاةُ بتركهِ؛ لأن العصيان لا يتمكنُ من نفس الصلاةِ)\rالشرح\rنصَّ الشافعيُّ [رضي الله تعالى عنه]  في «المختصرِ» وفي موضعٍ من «الأُم» على استحبابِ حملِ السلاحِ في صلاةِ الخوفِ، ونصَّ في موضعٍ من «الأم» والقديمِ على وجوبهِ \rواختلف الأصحابُ على طرقٍ، أصحُّها أن فيه قولين:\rأحدهما: أنه يجبُ؛ لظاهرِ قولِه تعالى: { }  وقولِه تعالى: {چ چ چ}  الآية ورفعُ الجناحِ عند العذرِ يقتضي وجودَه عند عدمِ العذر، والجناح، الإثم \rوأصحُّهما  وبه قال أبو حنيفةَ  ومالكٌ  وأحمدُ : أنه لا يجبُ بل يستحبُّ؛ لأنه لا خلافَ أنَّ تركَ حملِهِ لا [يفسدُ]  الصلاةَ فلا يجبُ حملُه، لسائرِ ما لا يفسد تركه الصلاةَ، والأمرُ محمولٌ على الاستحبابِ ورفعِ الجناحِ لا يلزمُ منه الوجوبُ؛ فإن معناهُ رفعُ الكراهةِ، وإذا قلنا  باستحبابه كرهْنا تركَه\rوالطريق الثاني: القطعُ بالوجوبِ\rوالثالث: القطعُ بالاستحبابِ \rوالرابع: أن ما يدفع به عن نفسهِ خاصةً كالسيفِ والسكين يجب حملُه، وما يدفع به عن نفسِه وعن غيرهِ كالرمحِ والقوسِ والنشابِ  لا يجبُ حملُه؛ لأنه تتحققُ الحاجةُ إلى ما يدفع به عن نفسه دون ما يدفعُ  به عن غيرِه، ولأنه يلزمُه الدفعُ عن نفسِه دونَ غيرهِ، أو هي أَولى، والقائلون به نزَّلوا النصَّيْن على هذين النوعين وللخلافِ شروطٌ :","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"أحدُها: طهارةُ السلاحِ، فأمَّا النجسُ كالسيفِ الملطخِ بالدمِ أو الذي يسقى سُمًّا نجسًا  والنشابِ المريشِ بريشِ طائرٍ غيرِ مأكولٍ أو طائرٍ ميتٍ على المذهبِ في نجاستهِ، فلا يجوزُ حملُه بحالِ النجاسةِ \rالثاني: أن لا يكون مانعًا من بعضِ أركانِ الصلاةِ، فإن منع كالحديدِ المانعِ من الركوعِ، والبيضةِ  المانعةِ من مباشرةِ المصلّي بالجبهةِ لم يجز قطعًا، إلاَّ إن تمكنَ رفع البيضةِ في السجودِ\rوالثالث: أنه لا يتأذَّى به الغيرُ كالرمحِ، فإن حملَه في وسطِ الصفِّ يؤذي فيكره، إلاَّ أن يكونَ طرفاً  لصفٍّ لعله لا يتأذى أحدٌ \rالرابع: قال الإمامُ: موضعُ الخلافِ؛ أن يكون في تركِ السلاحِ خطرٌ محتملٌ غيرُ مقطوعٍ به ولا مظنونٍ، وأمَّا إذا تعرضَ بتركِه للهلاكِ ظاهرًا فيجبُ القطعُ بوجوبِ أخذهِ في الصلاةِ وغيرِها، وإلاَّ فهو استسلامٌ  للكفارِ، ثُم إن الاصحابَ ترجموا المسألةَ بحملِ السلاحِ \rقالَ الإمامُ : وليس الحملُ متعينًا، بل لو وضعَ السيف بين يديهِ وكانت سهولةُ مدِّها إليهِ كسهولةِ مدِّها إليه وهو محمولٌ كان ذلك بمنزلةِ حملهِ قطعًا\rقال القاضي ابنُ كُجِّ : والسلاح: السيفُ والسكينُ والرمحُ والنشابُ ونحُوها، فأمَّا الترسُ والدرعُ  فليس بسلاحٍ\rقال الشيخ أبو حامدٍ وتبعه القاضيان الماورديُّ والبندنيجيُّ: السلاحُ أربعةُ أقسامٍ: حرامٌ، ومكروهٌ، ومختلفٌ في وجوبهِ، ومختلفُ الحالِ:\rفالحرامُ: النجسُ كالنشابِ المريشِ بريشٍ نجسٍ، والملطخِ بالدمِ، وما يمنعُ من الركوعِ والسجود كالعود والبيضةِ السابغةِ ، والخوذةِ  التي لها أنفٌ\rوالمكروهُ: ما كان ثقيلًّا يشغلُه عن الصلاةِ كالجوشنِ  والترسِ والجفنة \rوالمختلفُ في وجوبه: ما سوى ذلك\rوالمختلفُ الحال: كالرمحِ؛ فإن كان في أثناءِ الناسِ كره، وإن كان في طرفهم: فلا","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"قالَ العمرانيُّ : فإن قلنا بالطريقِ الرابعِ أن المسألةَ على حالين كان السلاحُ على خمسةِ أقسامٍ: محرمٌ، ومكروهٌ، وواجبٌ، ومستحبٌ – وهو ما يدفعُ به عن غيره-، ومختلفُ الحالِ \rولا خلافَ أنَّ  تركَ حملِه لا يَقتضي بطلانَ الصلاةِ وإن أتمَّ به على قولِ الوجوبِ؛ لأنَّ العصيانَ بأمرٍ خارجٍ عنها كالصلاةِ في الدارِ المغصوبةِ، وأَولى بالصحةِ\rقالَ الإمامُ وصاحبُ الكتابِ في «البسيط»: ويحتملُ أن يقالَ: المرخصُ في تغييرِ هيئةِ الصلاةِ هو الأخذُ بالحزمِ، فتاركُه لمن صلى هذه الصلاةَ بلا خوفٍ\rويجوزُ تركُ الصلاةِ لعذرِ مرضٍ أو مطرٍ ؛ لقوله تعالى: {چ چ چ چ            } \rقولُه في الكتابِ: «في وجوبِ حملِ السلاحِ في هذه الصلاةِ وصلاةِ عسفانَ قولان» تخصيص للقولين ما بين الصلاتين لا وجهَ له، والجمهورُ أطلقوهما في صلاة الخوفِ فيجريان في صلاةِ بطنِ نخلٍ أيضًا\rوقد صرحَ به المتأخرون \rوقولُه: «والوجه أن يقال» هو ما تقدمَ عن الإمامِ\rوقولُه: «فهذا محلُّ الحَزْمِ» هو بالحاءِ المهملةِ، أيْ: الاحتياطَ\r(قال:\rالفرعُ الثاني: في السهوِ \rولا شكَّ أن سهوَ الطائفةِ الأُولى في الركعةِ الأُولى وسهوَ [الطائفة]  الثانيةِ في الركعةِ الثانيةِ مع الإمامِ محمولٌ، وسهوُ الطائفةِ الأُولى في ركعتهم غيرُ محمولٍ لانفرادهم\rويبتدأُ  الانفرادُ آخرَ الركعةِ الأُولى، وهو رفعُ الإمامِ رأسَه من السجودِ، أو أولُ الركعةِ الثانيةِ، وهو اعتدالُه في القيامِ، فيه وجهان \rأمَّا سهوُ الطائفةِ الثانيةِ في ركعتهم الثانيةِ وهُم على [عدم]  اللحوقِ بالإمام ففيه وجهان ينظرُ في أحدهما إلى آخرِ الأمرِ، وفي الثاني إلى صورة التفردِ في الحالِ \rوهُما جاريان في المزْحومِ إذا سها وقتَ التخلفِ، وفيمن انفردَ بركعةٍ وسها ثُم أنشأَ القدوةَ في الثانيةِ على أحدِ القولين )\rالشرحُ","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"تقدمَ في بابِ سجودِ السهوِ: أن سهوَ [المأموم]  يتحملُه الإمامُ، وأن المأمومَ يسجدُ لسهوِ إمامهِ ، فإذا سها بعضُ المأمومين في صلاةِ ذاتِ الرقاعِ الواقعةِ على روايةِ ابنِ خواتٍ المختارةِ، فإمَّا أن يكونَ في ركعته الأولى، أو في ثانيةٍ، فإن كان في ركعتهِ الأُولى  يحمل الإمامُ عنه سهوَه؛ لأنه مقيدٌ به حقيقةً، سواء كان من الطائفةِ الأُولى أو الثانيةِ، وإن كان في ركعتهِ الثانيةِ، فإن كان من الطائفةِ الأُولى لم يتحملِ الإمامُ سهوَه؛ لانفرادِه عنِ الإمامِ فعلًا وحُكمًا\rوفي مبدأِ الانفرادِ وجهان حكاهما الإمامُ عن شيخه:\rأحدُهما: أن مبدأَهُ رفعُ الإمامِ رأسَه من السجدةِ الثانيةِ لأن الركعةَ تنتهي به،\rوثانيهما: أن مبدأَهُ الاعتدالُ في الركعةِ الثانيةِ؛ لأن القومَ والإمامَ صائرون إلى القيامِ، فلا تنقطعُ القدوةُ ما لم يعتدلوا قائمين، وتظهرُ فائدتهما فيما لو عرضَ السهوُ للمأمومِ قبلَ رفعِ رأسهِ من السجودِ، وبعد رفعِ الإمامِ منه فيحملُه الإمامُ على الثاني دونَ الأولِ \rقال الرافعيُّ: ولكَ أن تقولَ «اقضوا» على أنهم ينوون مفارقةَ الإمامِ، وأنه يجوزُ ذلك عند رفعٍ [الرأس]  عند الاعتدالِ كما سبقَ\r[وإذا]  كان كذلك فلا معنى لعرضِ الخلافِ في أن الانقطاعَ يحصلُ بهذا أو بذاك، فإنه ليس شيئًا يحصلُ بنفسهِ، بل هو منوطٌ بنيةِ المفارقة، فوجبَ القصرُ على وقتها انتهى  وهذا واضحٌ قويٌّ، وإن كان من الطائفةِ الثانيةِ، وفرَّعنا على الجديدِ أنهم يقومون قبلَ الركعةِ الثانيةِ عند جلوسِ الإمامِ للتشهدِ فوجهان:\rأصحُّهما – وهو المنصوصُ وقطع به الأكثرون -: أن الإمامَ يحملُه، لأن حكمَ القدوةِ باقٍ، ولذلك يقتدون به إذا اجتمعوا معه في التشهدِ، وإلاَّ لَمَا كان لانتظارهِ إياهم معنًى \rولولا دوامُ حُكمِ القدوةِ لاحتاجوا إلى إنشاءِ  القدوةِ إذا جلسوا للتشهدِ، ولا يحتاجُ إلى ذلك اتفاقًا","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"وثانيهما – وهو قولُ ابنِ سريجٍ وأبي عليِّ بنِ خيرانَ  أنه لا يحملُه؛ لأن المأمومين منفردون بها حقيقةً \rوعبَّر جماعةٌ عن الوجهين بأنهم يفارقونه حكمًا أمْ لا ويجري الوجهان فيما إذا سها المزحومُ في [الجمعة في]  وقتِ تخلفِه ، وأجْروهما أيضًا فيمن صلى منفردًا فسَها ثمُ أنشأَ القدوةَ في أثنائها، وجوزناه على أحدِ القولين، واستبعدَ الإمامُ جريانَهما هنا وقال: الوجهُ القطعُ بأن حكمَ السهوِ لا يرتفعُ بالقدوةِ اللاحقةِ، أو لا يتعلقُ حكُمها على الانفرادِ المتقدمِ\rقال النواويُّ: وهو الأظهرُ هنا وأمَّا إذا قُلنا بالقديمِ أنهم يقومون إلى الثانيةِ بعدَ سلامِ الإمامِ لمْ يتحملِ الإمامُ سهوَهم فيها بلا خلافٍ كالمسبوقِ، هذا حكمُ سهوِ المأمومين \rأمَّا لو سها الإمامُ: فإن سها في الركعةِ الأُولى لحقَ سهوُه الطائفتين معًا، فتسجدُ الطائفةُ الأُولى إذا تمتْ صلاتُهم\rقال الشافعيُّ :فيشيرُ إليهم إشارةً يفهمون  منها إنْ سها ليسجدوا آخرَ صلاتِهم \rفقال أبو إسحاقَ: إنما يشيرُ إليهم إذا كان سهوُه خفيَ عليهم، فإن كان جليًّا لمْ يُشِرْ \rقال البندنيجيُّ: وقد نصَّ عليهِ في «الإملاءِ» \rوقال آخرون: يشيرُ إليهم مطلقًا؛ لأن المأمومَ قد يجهلُ السجودَ بعد مفارقةِ الإمامِ، والأولُ أصحُّ \rوإن سها المأمومُ ثانيًا في ركعتِه الثانيةِ: فهل يقتصرُ على سجدتين أمْ يسجدُ أربعًا لكونه سها في حالتي انفرادٍ واقتداءٍ  فيه وجهان أصحُّهما أولُهما \rوعلى هذا : فهل يقعان عن سهوهِ فيكون سهوُ إمامهِ تابعًا أو بالعكسِ أو عنهما معًا فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أصحُّها آخرُها، ويظهرُ فائدتُها فيما لو نوى خلافَ ما جعلناهُ مقصودًا\rوقد تقدمَ ذلك كلُّه في بابِ سجودِ السهوِ ","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"والطائفةُ  الثانيةُ  يسجدون معه آخرَ صلاتِه، وإن سها في الركعةِ الثانيةِ لم يلحقْ سهوُه الطائفةَ الأُولى؛ لأنهم فارقوه قبل السهوِ، وتسجدُ الثانيةُ معه آخرَ صلاتِه، وحيث يسجدون معه آخرَ صلاتِه، فلو اجتمعوا في التشهد فسجدَ للسهوِ قبل تشهدِهم فهل يتابعونه فيه وجهان :\rأحدهما: لا، بل يتشهدون ثُم يسجدون للسهوِ ثُم يسلمُ بهم\rوثانيهما: يسجدون؛ لأنهم تابعون له\rوعلى هذا: هل يعيدونه بعد تشهدهم فيه القولان\rقال النواويُّ: وينبغي أن يقطعَ بأنهم لا يعيدون \rوهذا إذا قلنا: يقومون قبل تشهدهِ، فإن قلنا: يتشهدون معه ثُم يقومون سجدوا معه، فإذا قاموا وأتوا بركعتَهم  ففي إعادتِهم السجودَ في آخرِ صلاتهم القولان في المسبوقِ في آخرِ صلاةِ الخوفِ، والأصحُّ: أنهم يعيدونه\rولو سها في انتظارهِ إيَّاهم فهل يلحقُهم سهوه فيه الخلافُ المتقدمُ في أنه هل يُحملُ سَهْوُهم في هذه الحالةِ \r============\r\r (قالَ:\rالنوعُ الرابعُ: صلاةُ شدةِ الخوفِ \rوذلك إذا التحمَ القتالُ ولم يحتملْ تخلف طائفةٍ عن القتالِ فلا سبيلَ إلاَّ الصلاة رِجالًا ورُكبانًا، مستقبلَ القبلةِ وغيرَ مستقبلِها إيماءً بالركوعِ والسجودِ، ولا يُحتملُ فيها الصَّيْحَةُ والزَّعْقةُ للاستغناءِ عنها، ولا يُحتملُ الضرباتُ الكثيرةُ من غيرِ حاجةٍ، ويُحتملُ القليلةُ مع الحاجةِ، وفي الكثيرةِ يُنظرُ فإن كان في أشخاصٍ فيُحتمل ما يتوالى منه، وإن كان في شخصٍ واحدٍ فلا يُحتمل لكونه عذرًا نادرًا\rوفيه قولٌ أنه يُحتملُ في الموضعين، وهو مُنقاسٌ؛ لأن الواحدَ أيضًا قد يدفعُ عن نفسهِ بسلاحهِ [ودِرْعِهِ]  فيحتاجُ إلى الموالاةِ\rوفيه قولٌ ثالثٌ: أنه لا يُحتملُ في الأشخاصِ أيضًا؛ لندورِ الحاجةِ وضيقِ بابِ الرخصةِ ","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"وممَّا يحتملُ أيضًا: تلطُّخُ السلاحِ بالدمِ مهما ألقاهُ عُقيب التلطخِ، فإن أمسكَه مختارًا لزمه القضاءُ، وإن كان بهِ  حاجةٌ إلى الإمساكِ\rوظاهرُ كلامِ الأصحابِ وجوبُ القضاءِ أيضًا لندورِ العذر، والأقيسُ أنه لا يجبُ، لأن الأصلَ القتالُ وإن كان نادرًا ألْحقَ بالأعذارِ العامةِ في إسقاطِ القضاءِ مع الإيماءِ وتركِ الاستقبالِ هذه كيفيةُ الصلاةِ)\rالشرحُ\rالنوعُ الرابعُ: إذا التحمَ القتالُ ولم يُحتملْ تَخلفُ طائفةٍ عنِ القتالِ لقلّتهم وكثرةِ العدوِّ واشتدّ الحرب\rوإن لمْ يحتملِ القتالُ فلن [يأمنوا]  أن يركبوا أكتافَهم إذا ولّوا عنهم أو انقسموا فرقتين وجبَ عليهم الصلاةُ بحسبِ الإمكان \rوليس لهم تأخيرها عن الوقتِ ، خلافًا لأبي حنيفةَ فإنه قال: يجوزُ تأخيرُها إذا التحمَ القتالُ  لنا عمومُ قولِه تعالى: {    }  أيْ: يصلوا رِجالًا ورُكبانًا، ورجالًا جمعُ راجلٍ  كـ[صحاب]  وصاحبٍ، لا جمعَ رجلٍ\rولا حُجةَ له في تأخيرهِ عليه الصلاة والسلام يومَ الخندقِ؛ لأن ذلك كان  قبل نزولِ هذهِ الآيةِ والأمرُ بصلاةِ الخوفِ هذه بعد ذلك \rويجوزُ أن  يُصلوا ركبانًا على الدوابِّ ومشاةً على الأقدامِ ، خلافًا له  أيضًا؛ فإنه قال: ليس للراجِلِ أن يصلّي، بل يؤخرَها \rوالآيةُ حجةٌ عليه، وأن يصلوا إلى غيرِ القبلةِ إذا لم يقدروا على استقبالها، لما روى البخاريُّ عن ابنِ عُمرَ أنه قال في \"تفسيرِ الآيةِ الكريمةِ\":مستقبل القبلةِ وغير مستقبلها، قال نافعٌ :لا أراهُ ذكرَ ذلك إلاَّ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - \rوقد تقدمَ في بابِ الاستقبالِ \rوخالفَ  أبو حنيفةَ فيه أيضًا\rهذا في الانحرافِ عنها من أجلِ العدوِّ ، فأمَّا لو انحرفَ بجماحِ الدابةِ ، فإن طالَ الزمانُ بطلَ، وإلاَّ فلا؛ كما في غير حالةِ الخوفِ","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"ويجوزُ اقتداءُ بعضِهم ببعضٍ مع اختلافِ الجهةِ كالمصلِّين في الكعبةِ وحولها، والصلاةُ في جماعةٍ أفضلُ من الانفراد كما في حالةِ الأمنِ؛ لعمومِ الأحاديث في فضلِ الجماعةِ، ولا يضرُّ تقدمُ المأمومِ في بعضِ الأحوال \rقال الشيخُ أبو حامدٍ :\rفإن قيل: إذا صلوا جماعةً لا يمكنهم الاقتداءُ؛ لعدم المشاهدةِ\rفالجوابُ: أن المعتبر في الاقتداءِ العلمُ بصلاةِ الإمامِ لا المشاهدةُ، كما لو صلى في آخرِ المسجدِ بصلاةِ الإمامِ يعلمُ صلاتَه ولا يراه فإنها تصحُّ إجماعًا \rوقال أبو حنيفةَ : لا تصحُّ صلاتُهم جماعةً، وإذا لم يتمكنوا جماعةً أو فرادى من إتمامِ الركوعِ والسجودِ اقتصروا على الإيماءِ وجعلوا السجودَ أخفضَ من الركوعِ، ولا يلزمُ الماشي استقبال القبلةِ في الركوعِ والسجودِ، ولا عند التحرمِ ولا وضعِ الجبهةِ على الأرضِ، بخلافِ المتنفلِ في السفرِ، والفرقُ شدةُ الحاجةِ والضرورةُ وخوفُ الهلاكِ ولا يُحتملُ فيها الصَّيْحةُ ولا الزَّعْقةُ ولا غيرُهما من الكلامِ بلا خلافٍ؛ لأنه لا حاجةَ إليهِ\rقالوا: والسكوتُ أهيبُ في نفوسِ الأقرانِ ، فإن صاحَ وبانَ منه حرفان بطلتْ صلاتُه، ولا بأس بالأعمالِ القليلةِ فإنها محتملةٌ  من غير خوفٍ، ففي حالةِ الخوفِ أَولى، وأمَّا الأعمالُ الكثيرةُ فإن لم تتعلقْ بالقتالِ أبطلتِ الصلاةَ بلا خلافٍ، وإن تعلقتْ به كالطعناتِ والضرباتِ المتوالياتِ، فإن لم يُحْتَجْ إليها بطلتْ بلا خلافٍ لأنها [عبث]  وإنِ احتاجَ إليها فثلاثةُ أوجهٍ، وذكرها المصنِّفُ وبعضُهم أقوالًا أصحها عند الأكثرين  وبه قال ابنُ سريجٍ وأبو إسحاق والقفَّالُ أنها تُحتملُ ولا تبطلُ قياسًا على المشي وتركِ الاستقبالِ؛ ولأن مدارَ القتالِ على الضربِ، ولا يحصلُ المقصودُ غالبًا بضربةٍ وضربتين، ولا يمكنُ التفريقُ بين الضرباتِ ","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"وثانيها: لا يُحتملُ وتبطلُ، وهو مذهبُ أبي حنيفةَ ،ورجّحه البندنيجيُّ  وصاحبُ «المهذب»  وحكياه عن النصِّ وكثيرٍ من العراقيين؛ لأن الأصلَ أن لا يحتمل شيئًا من ذلك، لكن رخصَ بنصِّ الآيةِ في المشي والركوبِ، وفي تركِ الاستقبالِ بما رُوي عنِ ابنِ عُمرَ ، فيبقى فيما عداه على المنعِ\rولأن الحاجةَ إلى تتابعِ الضرباتِ نادرةٌ، ومَن رجح الأولَ حملَ  النصِّ على توالي الضرباتِ بغيرِ ضرورةٍ\rوثالثُها: أن  يحتملَ في أشخاصٍ ولا يُحتملُ في الشخصِ الواحدِ؛ لأن الضربةَ الواحدةَ لا تدفعُ الأشخاصَ فيحتاجُ إلى الضرباتِ لكثرةِ الأشخاصِ، والضربةُ الواحدةُ تدفعُ الشخصَ الواحدَ غالبًا وتوقُّفُ دفعةً على ضرباتٍ نادرٌ \rوإيرادُ المصنفِ يُشعرُ بترجيحه، ولو تلطَّخَ سلاحُه بالدمِ فليبادرْ إلى إلقائهِ أو يجعلُه في قِرابةٍتحتَ رِكابهِ إنِ احتملَ الحالُ ذلك كذا قاله الإمامُ \rوقال الرويانيُّ في «تلخيصه» : الظاهرُ فيما إذا ردَّه إلى قرابهِ  تحت وركِه: أنها تبطلُ؛ لأنه كان يمكنُه أن يطرحَه من يدهِ في الحالِ، وإن أمسكَه من غيرِ ضرورةٍ بطلتْ صلاتُه\rقالَ العمرانيُّ : قالَ الصيدلانيُّ: فإنْ تنحَّى ليغسله فوجهان، وإن احتاجَ إلى إمساكهِ فله إمساكُه للضرورةِ \rوظاهرُ كلامِ الأصحابِ القطعُ بوجوبِ القضاءِ لندورِ العددِ، وحكاهُ القاضي الحسينُ عنِ النصِّ ","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"وحكاهُ الإمامُ  عن بعضهم ثُم منعه وقال: تلطخُ السلاحِ بالدمِ من الأعذارِ العامةِ في حقِّ القاتلِ، ولا سبيل إلى تكليفهِ تنحية السلاح، فتلك النجاسةُ ضروريةٌ كنجاسةِ المستحاضةِ في حقِّها، وجعل المسألة على قولَيْن مُرتَّبَيْن على القولين فيما إذا صلَّى في حشٍّ  أو غيرِه من المواضعِ النجسةِ و هذه الصورةُ أَولى بنفي القضاءِ لإلحاقِ الشرعِ القتالَ بسائرِ سقطاتِ القضاءِ في سائرِ المحتملاتِ كالاستدبارِ والإيماءِ بالركوعِ والسجودِ، وجعلَ المصنفُ عدمَ وجوبهِ أقيسُ  ونقلَ العمرانيُّ  الخلافَ والبناء عن صاحبِ «الإبانةِ» \r\rفَرْعٌ:\rقال في «الأم»: لو حملوا في صلاةِ الخوفِ على العدوِّ متوجهين إلى القبلةِ بطلتْ صلاتُهم وإن حملوا عليهم قدرَ خطوةٍ \rقالَ الأصحابُ: هذا في غيرِ صلاةِ شدةِ الخوفِ\rوإنما أبطلنا بالخطوةِ الواحدةِ [لأنهم]  قصدوا عملًا كثيرًا بغير  ضرورةِ وعملوا بعضَه\rقالَ: ولو نووا أن العدوَّ إذا أطلَّ بهم قاتلوه لم تبطلْ في الحالِ؛ لأنهم لم يغيروا نيةَ الصلاةِ \rفَرْعٌ ثَانٍ:\rقالَ الشافعيُّ : لا بأسَ أن يُصليَ صلاةَ الخوفِ ممسكًا عِنَانَ فرسِهِ؛ لأنه عملٌ يسيرٌ، فإن نازعه فجبذهُ إليه جَبْذَةً أو جبذتَيْن أو ثلاثًا أو نحوَها غيرَ منحرفٍ عن القبلةِ فلا بأسَ، وإن كثرتْ مجاذبتُه  بطلتْ صلاتُه\rقال صاحبُ «الشاملِ »: وهذا بخلافِ ما تقدَّم في الضرباتِ والطعناتِ، وإنما فرَّق الشافعيُّ بيْنهما لأن الجبذاتِ أخفُّ عملًا من الضرباتِ، وهذا يدلُّ على اعتبارِكثرةِ العملِ دونَ العددِ \rفرعٌ ثالثٌ\rيجوزُ صلاةُ العيدِ والكسوفِ في شدةِ الخوفِ على هيئةِ صلاةِ الخوفِ، ولا يجوزُ صلاةُ الاستسقاءِ كذلك، والفرقُ أنها لا يُخشى فواتُها بخلافهما؛ فإنهما قد يفوتان بخروجِ الوقتِ أو الانجلاءِ، ويجوزُ صلاةُ الاستسقاءِ في غيرِ شدةِ الخوفِ كغيرهِ نصَّ عليه في «الأم» ","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"قولُه في الكتابِ: «وذلك إذا التحمَ الفريقان» لا يختصُّ ذلك بحالةِ [الالتحام] ، بلْ يجوزُ في حالةِ الخوفِ الشديدِ وإن لم يقعْ قتالٌ كما مرَّ\rوقولُه: «ألْقاهُ عُقيبَ التلطخِ» يقعُ في نسخِ الكتابِ وأكثرِ كتبِ الفقه «عقيب» بالياء، وهي لغةٌ قليلةٌ، والمشهورُ في اللغةِ «عَقِب» بغيرِ ياءٍ \r===========\r(قال: والنظرُ الآنَ في سببِ الترخيصِ  وهو خوفٌ مخصوصٌ  ويبين خصوصه بمسائلَ:\rالأولى: لو انهزمَ المسلمون لم يصلوا صلاةَ الخوفِ، إلاَّ إذا كان الكفارُ فوقَ الضعفِ: فعند ذلك يجوزُ، وإلاَّ فالهزيمةُ محرمةٌ، والرخصُ لا تستفادُ بالمعاصي، فأمَا إذا انهزمَ الكفارُ لمْ يجزْ لنا صلاةُ الخوفِ في اتباعِ أقْفيتهم لأنه لا خوفَ \rالثانية: القتالُ المباحُ كالواجبِ في الرخصِ، وذلك كالذبِّ عن المال، وقد نقلَ [عن]  الشافعيُّ: أنه لو ركبه سيلٌ ولم ينج مالُه إلا بصلاةِ الخوفِ لم يصلِّ، وظاهرُ المنصوصِ الجديدِ خلافُه وخرج من هذا أن قتلَ القبائلِ على المالِ لا يجوزُ، وهو بعيدٌ؛ لأن المالَ كالنفْسِ، قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قُتِلَ دُوْنَ مَالِهِ فَهُوَ شهيدٌ» \rالثالثة: لو يغشاه حريقٌ أو [غرق]  أو تبعه سَبْعٌ أو مُطالِبٌ بالدِّين وهو معسرٌ خائفٌ من الحبسِ عاجزٌ عن بيّنةِ الإعسارِ: فله صلاةُ الخوفِ \rوكذا من هربَ من حقِّ القصاصِ في وقتٍ يتوقعُ من التأخيرِ سكون العليلِ وحصولُ العفوِ \rهكذا ذكره الأصحاب \rفَرْعٌ:\rلو خافَ المحرمُ فواتَ الوقوفِ فيصلي مسرعًا في مشيهِ على وجهٍ، ويتركُ الصلاةَ على وجهٍ، وتلزمُه الصلاةُ ساكناً  على وجهٍ \rوسببُ الترددِ: أنه من قبيلِ طلبِ شيءٍ أو خوفِ فواتٍ في محصلِ)\rالشرح","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"الكلامُ في السبب المرخصِ في هذه الصلاةِ، ولا شكَّ في أنها ليستْ جائزةً في حالةِ الأمنِ، وإنما تجوزُ في حالةِ الخوفِ، ثُم ليس هو مطلقُ الخوفِ بلْ خوفٌ [خاص]  (  )  وفيه مسائل :\rالأولى: لو انهزمَ المسلمون من الكفارِ نُظِرَ؛ فإن كانتِ الهزيمةُ مباحةً بأن يكونَ الكفارُ أكثرَ من ضعفِ المسلمين، أو كان المسلمُ متحرِّفًا لقتالٍ أو متحيزًا إلى فئةٍ: فله أن يصليَ صلاةَ شدةِ الخوفِ لتعرضِهم  للهلاكِ لو أتوا بالصلاةِ على وجهها، وإن لم تكنْ مباحةً كما لو كانَ في مقابلةِ كلِّ مسلمٍ كافران أو أقلُّ، وليس المسلمُ منحرفًا ولا متحيزًا: لمْ يجزْ له ذلك؛ لأن الهزيمةَ معصيةٌ، والصلاةُ على هذا الوجهِ رخصةٌ، والرخصةُ لا تناطُ المعاصي \rولو انهزمَ الكفارُ فاتَّبعهم المسلمون ولو أتوا بالصلاةِ كاملةً لفاتوهم: لم يكن  لهم صلاةُ شدةِ الخوفِ؛ لأنهم ليسوا خائفين محذورًا، وغايةُ الأمرِ فواتُ مطلوبٍ، والرخصُ لا تتعدىمواضعَها، ولو خافوا كمينًا أو كثرةً كان لهم أن يصلّوها \rالثانيةُ: صلاةُ شدةِ الخوفِ جائزةٌ في كلِّ قتالٍ ليس بحرامٍ، سواءٌ كان واجبًا كقتال الكفار والبغاةِ  وقُطَّاعِ الطريقِ إذا قاتلهم الإمامُ أو نوابُه  وردُّ الصائلِ  على الحريمِ وعلى النفسِ على القولِ بوجوبِ الدفعِ عنها إذا اشتغل بالدفع أو كان مباحًا مستوي الطرفين كقتالِ من قصدَ أخْذَ مالٍ له أو مالِ غيره من المسلمين أو أهلِ الذمةِ على المذهبِ ","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"وقال جماعةٌ من الخراسانيين : إن كان [المال]  حيوانًا قصد إتلافه جازتْ صلاةُ شدةِ الخوفِ في الدفعِ عنه، وإن كان غيرَ حيوانٍ فوجهان، أحدُهما: المنعُ؛ لأن الأصلَ المحافظةُ على أركانِ الصلاةِ، وشروطها جواز ذلك في غيرِ المالِ لأنه أعظمُ حرمةً  وقد رُوي عن الشافعيِّ أنه قال : لو أدركه سيلٌ واحتاجَ في الاشتغالِ بنقلِ مالهِ إلى صلاةِ شدةِ الخوفِ لا يصلّيها، وخرجَ منه قولُ: إن قتلَ الصائلِ على  المالِ لا يجوزُ قتلُه، وأصحُّهما الجوازُ ؛ لقولهِ عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قُتِلَ دُوْنَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيْدٌ» \rولا يجوزُ في القتالِ المحرمِ إجماعًا ، فلا تجوزُ هذه الصلاةُ لأهلِ البغي والقُطَّاع ولا أهلِ القبائل المقاتلين [غصيبة] لأنه معصيةٌ، والرخصةُ لا تناطُ بالمعاصي \rالثالثةُ: لا يختصُّ جوازُ شدةِ الخوفِ بالقتالِ، بلْ يجوزُ في كلِّ خوفٍ، فلو هربَ من حريقٍ يغشاهُ أو من سيلٍ منحدرٍ إلى موضِعه ولم يجدْ في عرضِ الوادي مكانًا يتحفظُ فيه أو مكانًا يصعد منه بعدًا في طولِه، أو من سَبُعٍ أو كلبٍ عقورٍ أو جملٍ عقورٍ أو حيةٍ أو لصٍّ أو نحوِه ولم يجدْ عنه معدلًا، أو من غريمٍ يطالبه بِدَينٍ وهو عاجزٌ عن وفائِه، ولا بيّنةَ تشهدُ له بالإعسارِ والمستحِقُّ لا يصدقُه عليه ولو ظفرَ به يحبسُه: فله أن يصليها في هربِه لخوفِه من الهلاكِ في الصورِ الأُوَلِ، ومنَ الحبسِ في الأخيرةِ \rوحُكي قولٌ عن «الإملاء»: أنه لا يصليها في الهربِ –من [الغريم]  -؛ لأن الحبسَ [أمره]  أخفُّ وحكاه القفالُ في الهروبِ من السيلِ","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"قالَ الأصحابُ: وكذا مَن عليه قصاصٌ يرجو العفوَ عنه  إذا سكن الغليل أو انطفأَ الغضبُ فهرب: له أن يصليها في هروبِه وقد سبقَ أنه عذرٌ في التخلفِ عن الجماعةِ، واستبعده الإمامُ وقال: لا يجوزُ الهروبُ من هذا المستحِقِّ بهذا التوقعِ وكذا فعلَ الرويانيُّ، لكن قد مرَّ أن العفوَ مستحبٌّ، وفي جوازِ الهروبِ إعانةٌ للمستحِقِّ على حصولِ هذا المستحب قال المتولي والرويانيُّ وغيرُهما : وليس للهاربِ من إقامةِ حدٍّ وجبَ عليه أن يصلّيَ صلاةَ شدةِ الخوفِ، وإذا صلاها بالأسباب المبيحة لها لا يلزمه الإعادة على المذهب\rوخرَّج الزبيريُّ قولًا للشافعيِّ: أنها تلزمُه إذا صلى في غيرِ القتالِ لأنه عذرٌ نادرٌ، وأجيب بأنه من جملة الخوفِ؛ فلا يُنظر إلى ندرتِه، كما لا يُنظر إلى ندرةِ المرضِ، والجميعُ داخلٌ في اللفظِ العامِّ \rفرعٌ مِن الأصلِ\rالمحرمُ بالحجِّ لو خافَ فواتَ الوقوفِ إن صلى لابثًا على الأرضِ، فإن كان قريبًا من أرضِ عرفةَ ليلةَ النحرِ وبقي بينه وبين طلوعِ الفجرِ قدرَ ما يسعُ صلاةَ العشاءِ فقط ولم يكن صلاّها فماذا  يفعل\rفيه  ثلاثةُ أوجهٍ للقفالِ :\rأحدُها: أنه يصلي صلاةَ شدةِ الخوفِ ويحتمل فيها العذر ؛ لأنَّ الحجَّ في حقِّ المحرمِ كالحاصلِ والفواتُ طارئٌ عليه، فأشبَهَ ما لو خافَ فواتَ مالٍ حاصلٍ أو لم يهربْ به، ولأن الضررَ اللاحقَ بفواتِ الحجِّ لا يتقاعدُ عن ضررِ الحبسِ أيامًا في حقِّ المديون \rوالثاني: أنه يؤخر الصلاةَ ويذهبُ إلى عرفاتٍ؛ لأن في تفويت الحجِّ ضررًا ظاهرًا ومشقةً شديدةً بتكرارِ السفرِ، ولزوم دمٌ الفواتِ وقد يمنع كل ما يمنعُ من الإتيانِ به وتأخيرِ الصلاة ليجمع بينها وبين ما بعدها يجوزُ بالسفرِ، ومشقتُه دون هذا، وصححه النواويُّ \rوالثالث: أنه يأتي بالصلاةِ لابثًا على وجهها لأنها آكدٌ من الحجِّ؛ فإنها تِلْو الإيمانَ وتجبُ على الفورِ","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"ولا سبيلَ إلى إخلاءِ الوقتِ عنها لعظمِ حرمتها ، ولا سبيلَ إلى إقامتها على الصورةِ المذكورةِ في شدةِ الخوفِ؛ لأنه لا يخافُ فوات حاصلٍ هنا، فهو كما لو تبعَ الكفارَ المنهزمين  قال الرافعيُّ: ونسبهُ أن يكونَ هذا الوجهُ أوفقَ لكلامِ الأئمةِ انتهى \rونسبهُ أن يكون لهذا الخلافِ التفاتٌ إلى الكلامِ في أنَّ مراتبَ الوجوبِ هل تتفاوتُ وقد مرَّ الكلامُ فيه في آخرِ كتابِ التيمم وأنه المنقولُ عنِ الأشعريِّ  عدم التفاوتِ\rوالوجهان الأخيران يقربان من الوجهين الآتيين في أن من أصبحَ في رمضان وفي فمهِ طرفُ خيطٍ وطرفُه الآخرُ في معدتِه: هل عليه  الصلاةُ أو الصومُ\rقولُه في الكتابِ:\r«إلاَّ إذا كان الكفارُ فوقَ الضِّعْفِ» وكذا إذا كان المسلمون متحرِّفين لقتالٍ أو متحيزين إلى فئةٍ \rوقولُه: «كذا ذكرهُ الأصحابُ» إشارةٌ إلى ما ذكره شيخُه من استبعادِه جوازَ الهروبِ في هذه الحالةِ فتمتنعُ هذه الصلاةُ \r================\r(قال:\rالرابعة: لو رأى سوادًا فظنّه عدوًّا لا يُطاقُ فصلى صلاةَ الخوفِ، فإذا هو إبلٌ تسرح، ففي وجوبِ القضاءِ قولان مشهوران، يُنظرُ في أحدهما إلى تحققِ الخوفِ، وفي الثاني إلى الخطأِ في السببِ \rوالقولانِ جاريان في كلِّ سببٍ جهله، ولو عرفه لبطلَ الخوفُ لجهلهِ بحصن  على القربِ منه، أو بِنَهْرٍ جارٍ بينه وبين عدوِّه)\r\rالشرح\rلو أخطأوا في الخوفِ كما لو رأوا سوادًا؛ إبلًا أو بقرًا أو أشجارًا أو غيرَها فظنوه عدوًّا ؛ فصلّوا  صلاةَ شدةِ الخوفِ ثُم تبينوا الحالَ: ففي وجوبِ القضاءِ قولان:\rأحدهما – وهو ما رواه المزنيُّ- عن نصُّه: في «الإملاءِ»: أنه لا يجبُ؛ لوجودِ الخوفِ حالةَ الصلاةِ \rوهذا أصحُّ عند المحامليِّ والشيخِ نصرٍ  والشيخِ أبي إسحاقَ الشيرازيِّ  وصاحبا «العدة» و «البيان»  ","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"وثانيهما: وهو نصُّه في «الأم»  و «المختصر»  وقولُ أبي حنيفة  وأحمد : أنه يجبُ؛ لأنهم تركوا في الصلاةِ فروضًا بسببٍ هُم فيه مخطئون، فيقضون كما لو أخطأوا في الطهارةِ، وصححه الشيخُ أبو حامدٍ والماورديُّ والمصنفُ في «البسيط»  والبغويُّ  والرافعيُّ ونسبه إلى الجمهورِ، وقال الإمامُ: لعلّه الأصحُّ ، وقال جماعةٌ: هو اختيارُ المزنيِّ \rوقال الشيخُ أبو حامدٍ: ليس هو مذهبًا له، بلْ هو إلزامٌ ألزمه الشافعيُّ؛ لأن مذهبَ المزنيّ: أنَّ كلَّ من صلَّى بحسبِ طاقتِه لا يعيدُ\rواختلفوا في محلِّ القولين على طرقٍ:\rإحداها: أنها فيما إذا أخبرهم ثقةٌ بالخوفِ فبانَ خلافُه، فإن ظنوا العدوَّ من غيرِ إخبارٍ  لزمَ القضاءُ قولًا واحدًا \r[وثانيهما] : أنها فيما إذا كان المسلمون في دارِ الحربِ لغلبةِ الخوفِ  فيها، فإن كانوا في دارِ الإسلامِ وجبَ القضاءُ قولًا واحدًا، وحكاهُ البغويُّ  عن نصِّه في القديم \rوأصحابُ هاتين الطريقتين نسبوا المزنيَّ إلى السهوِ فيما أطلقه عنِ «الإملاءِ» وادعى كلُّ فريقٍ منهم أنه إنما نفى وجوبَ الإعادةِ في «الإملاء»  بالشرط المذكورِ\rوثالثها – وهو الأظهر-: أنهما في الأحوالِ كلِّها، وهو الموافقُ من إطلاقِ المصنفِ\rويتحررُ من ذلك أربعةُ أقوالٍ:\rأصحُّها: يجبُ القضاءُ\rوالثاني: لا يجبُ\rوالثالثُ: إن كان في دارِ الإسلامِ وجبَ، وإلا فلا\r\rوالرابعُ: يجبُ إن لم يخبرهم ثقةٌ \rولو اعتقدوه عدوًّا ولم يبيِّنِ الحالَ وشكّوا في أنه كان عدوًّا أمْ لا فهو كما لو تيقنوا أنه ليس بعدوٍّ، ونصَّ عليه في «المختصرِ» \rولو تحققوا العدوَّ فصلوا صلاةَ شدةِ الخوفِ ثُم بانَ أنه كان دونه حائلٌ من خندقٍ أو ماءٍ أو نارٍ، وإن كان يقربُهم حصنٌ يمكنهم التحصنُ به أو ظنوا أنه كان بإزاء كلِّ مسلمٍ أكثرُ من مشركَيْن فبانَ خلافُه: فطريقان :","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"أحدُهما: القطعُ بوجوبِ القضاءِ؛ لتقصيرهم\rوأصحَّهما: أنه على القولين السابقين  واتفقوا على أن الأصحَّ هنا وجوبُ القضاءِ، والقولان في المسألةِ كالقولين فيما إذا تركَ الترتيبَ في الوضوء ناسيًا، أو الفاتحةَ ناسيًا، أو نسي الماءَ في رحلهِ، وفيمن صلى أو صام بالاجتهاد فصادف ما قبلَ الوقتِ، وفيمن يتعينُ الخطأَ في القبلةِ، أو صلى بنجاسةٍ جهلَها أو نسيَها على أحدِ الطريقين، وفيما إذا دفعَ الزكاةَ إلى مَن ظنَّه مستحقًّا فبانَ خلافُه، وفيما إذا [استنابَ] المغصوبَ في الحج وترًا\r\rقال البغويُّ  وغيرُه: ولو صلّوا في هذه الأحوالِ صلاةَ عسفانَ جرى القولان \r[وإن صلوا صلاة ذات الرقاع، فإن جوزناها في الأمن فهنا أولى، وإن منعناها، ففيها القولان] \rوقال القاضي الماورديُّ : لا يلزمهم الإعادةُ في هاتين الصلاتين قولًا واحدًا؛ لأنهم لم يُسقطوا فرضًا ولا غيَّروا ركنًا، كما لو صلوا صلاةَ بطنِ نخلٍ، بِخلافِ صلاةِ شدةِ الخوفِ\rقال البندنيجيُّ: ولو بانَ أن العدوَّ الذي رأوه كان على المصلحةِ والمشارطةِ فلا إعادةَ قولًا واحدًا \rقولُه في الكتابِ: «فظنَّه عدوًّا لا يُطاقُ» أيْ: يزيدُ على ضعفِ المسلمين \rوقولُه: «فإذا هو إبل [تسْرَحُ]»  لا يخفى أنه [عسيل] ،ولا اختصاصَ لذلك بالإبلِ\r===============\r\r(قال:\rفرعان\rالأول : لو ركب في أثناءِ الصلاةِ لهجومٍ فبنى على صلاته قال الشافعيُّ: لا يصحُّ، ولو انقطعَ الخوفُ ونزلَ وصلى بقيةَ الصلاةِ متمكنًا صحتْ صلاتُه، فظنَّ المزنيُّ أن الفرقَ كثرةُ [أفعال]  الركوبِ فاعْتُرض بأن ذلك يختلفُ بالأشخاصِ\rوقيل: سببُه أنه شرعَ في صلاته تامةً فلا يتمها على النقصانِ وهو منقوصٌ بمن مرضٍ في أثناءِ الصلاةِ، فإنه يقعدُ في البقيةِ ولكن أرادَ الشافعيُّ ما إذا بادرَ الركوبَ أخذًا بالحزم مع إمكانِ إتمامِ البقيةِ قبل الركوبِ","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"فإن فرض تحققَ الخوفُ أو انقطاعه فلا فرقَ بين النزولِ والركوبِ، بلْ إن قلَّ فعلُه مع الحاجةِ لم يضر، وإن كثُرَ مع الحاجةِ فوجهان كما في الضرباتِ المتواليةِ )\rالشرح\rلو كان يصلي متمكنًا من الأرضِ إلى القبلةِ فحدثَ خوفٌ في أثناءِ الصلاةِ فركبَ: نصَّ الشافعيُّ في «المختصر»  على أن صلاته تبطلُ ويستأنفُها، ونصَّ  في موضعٍ آخر أنه يَبني\rواختلفَ الأصحابُ فيه  على ثلاثِ طرقٍ:\rإحداها : أن في المسألة قولين:\rأحدهما: تبطلُ صلاتُه؛ لأن الركوبَ عملٌ كثيرٌ، وصحَّحه المحامليُّ \rوثانيهما: لا تبطلُ؛ لأن العملَ الكثيرَ مُغتفرٌ في شدةِ الخوفِ، وصحَّحه المتولي وآخرون \rوالثانيةُ: القطعُ بأنها تبطلُ، وهي طريقةُ القاضي أبي الطيبِ ، واختاره صاحبُ «التنبيه» \rوالثالثةُ وبها قالَ الجمهورُ وابنُ سريجٍ وأبو إسحاقَ، وهي المنصوصةُ في «الأم»  والمذكورةُ في الكتاب:-\rأنه إنِ اضطُرَّ إلى الركوبِ لم تبطلْ صلاتُه فَيبني، وإن لمْ يضطرْ إليه بأنْ قدرَ على إتمامِ الصلاةِ راجلًا فركب احتياطًا: بطلتْ ولزمه الاستئنافُ، وحملوا النّصين المختلفين على هاتين الحالتين\rقال القائلون بها: وحيث لا تبطلُ في الحالةِ الأُولى فذلك إذا قلّ الفعلُ، فإن كثرَ ففي بطلانِها الوجهان المتقدمان في الضربِ الكثيرِ، والعملِ الكثيرِ للحاجةِ \rولو صلى راكبًا في شدةِ الخوفِ فانقطعَ الخوفُ وأمِنَ: قال الشافعيُّ: ينزلُ ويبني على صلاتِه \rوفرَّق بينه وبين الركوبِ على قوله: «إنه إذا ركبَ استأنفَ» بأن  النزولَ أخفُّ وأقلُّ عملًا من الركوبِ، فاعترضَ المزنيُّ عليه: بأنَّ  هذا لا ينضبطُ، فقد يكونُ الفارسُ أخفَّ ركوبًا وأقلَّ عملًا من نزولِ فارسٍ ","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"واختلفَ الأصحابُ في جوابِه بحسبِ اختلافهم في مسألةِ الركوبِ، فمن قال بأن الركوبَ يبطلُ مطلقًا جزمًا وعلى أحدِ القولين، فرَّقوا بينه وبين النزولِ؛ بأن نزولَ كلِّ فارسٍ أخفُّ من ركوبه، وإن أمكنَ أن يكونَ أثقلَ من ركوبِ فارسٍ آخرَ\rقال: والشافعيُّ اعتبر  الحال في الشخصِ الواحدِ لا في شخصين\rومنهم من فرَّقَ بأن الرَّاكبَ في أثنائهاكانْ شرعَ في صلاةٍ تامةٍ فلا يكملها ناقصةً وضعفه المصنفُ بأن مَن مرضَ في أثناءِ الصلاةِ يقعدُ في بقيتها وإن كان شرعَ فيها تامةً\rومن قال بتنزيلِ النصين على الحالين المذكورين في الركوبِ اختلفوا، فأجابَ أكثرُهم بالجوابِ الأولِ، ومنهم من قال: ما ذكره الشافعيُّ المرادُ به غالبُ عاداتِ الناسِ وما ذكره المزنيُّ نادرٌ فيلحقُ بالغالبِ، ومنهم من قال: لا فرقَ بينَ الركوبِ والنزولِ، فإن حصلا بفعلٍ قليلٍ مع الحاجةِ لم يُبطِلا، وإن حصلا بفعلٍ كثيرٍ فوجهان كالضرباتِ المتواليةِ\rفإنْ قلنا: «يبني النازلُ على صلاتِه» فشرطُه: أن لا يَستدبرَ القبلةَ في نزولهِ، فإنِ استدبرَها بطلتْ، نصَّ عليه، وإن لم يستدبرها لكنِ انحرفَ يمينًا أو شمالًا لم تبطلْ ولم يكره، والمذهبُ الذي قطعَ به الجمهورُ، أنَّ النازلَ يَبني \r================\r(قالَ:\rالفرعُ الثاني\rو  لبسُ الحريرِ وجِلْدُ الكلبِ والخنزيرِ جائزٌ عند مفاجأةِ القتالِ، وليس جائزًا في حالِ الاختيارِ، بخلافِ الثيابِ النجسةِ، وفي جلدِ الشاةِ المِّيتةِ وجهان  ينبنيان على أن تحريمَ لبسِ جِلْدِ الكلبِ للتغليظ أو لنجاسةِ العينِ\rوكذلك في تجْليلِ الخيلِ [بِجُلٍّ] \rمن جلدِ الكلبِ ترددٌ ، والظاهرُ جوازُه\rوفي الاستصباحِ بالزيتِ النجسِ قولان \rوأمَّا تسميدُ الأرضِ بالزِّبْلِ فجائزٌ لمسيسِ الحاجةِ ، والله أعلمُ)\rالشرحُ","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"ختمَ الشافعيُّ رضي الله تعالى عنه كتابَ صلاةِ الخوفِ ببابِ ما يجوزُ لبسُه وما لا يجوزُ ؛ فاقتدى به أكثرُ أصحابهِ وأوردوا أحكامَ الملابسِ هنا، وأوردها بعضُهم في بابِ صلاةِ  العيدِ؛ لأن التزيُّنَ يُستحبُّ يومَ العيدِ، فذكروا التزيُّنَ الجائزَ وغيرَه\rوالمصنفُ ذكرَ بعضَ أحكامِ الملابسِ هنا وبعضها هناك، فالذي ذكرَهُ هنا مسائلُ :\rإحداها: استعمالُ الحريرِ محرمٌ على الرجال لِمَا سيأتي في بابِ صلاةِ العيدِ، ومن الاستعمالِ لبسهُ، والجلوسُ عليه، والتدثرُ به ، والاستنادُ إليه، والتوسدُ بهِ، ويجوزُ لبسُه إذا فاجأَهُ القتالُ ولم يجدْ غيرَه للضرورةِ \rويجوزُ أن يلبسَ منه أيضًا ما هو جُنَّةٌ للقتالِ  إذا لم يَقم غيرُه مقامَه كالديباجِ الصفيقِ، فإنْ وجدَ ما يقومُ مقامَه فوجهان حكاهما المحامليُّ والبندنيجيُّ:\rأصحُّهما: أنه لا يجوز استعمالُه كالدرعِ  المنسوجِ بالذهبِ \rوثانيهما: يجوزُ قياسًا على المضبب بالفضةِ فإنه يجوز  للحاجةِ، وإن وجدَ ما يقومُ مقامَها\rوالفرقُ بينه وبين الدرعِ المنسوجِ بالذهبِ: أنَّ أمْرَ الحريرِ أسهلُ؛ بدليلِ أنه يُسامَحُ بقليلهِ دون الذهبِ\rوأجابَ القاضي ابنُ كَجٍّ : اتخاذُ القَباءِ  ونحوِه ممَّا يصلح في الحربِ من الحريرِ، ولبسُه فيها مطلقًا لما فيهِ من حُسنِ الهيئةِ والزينةِ وكسرِ قلوبِ الكفارِ، كتحليةِ السيفِ \rوأبعدَ عليه البندنيجيُّ، وكذا ابنُ الصباغِ وقال: المستحبُّ أنه لا يلبسُه، والمذهبُ الأولُ ويجوزُ لبسُه لدفعِ الحرِّ والبردِ الشديدين إذا لمْ يجدْ غيره، ويجبُ لبسُه للاستتارِ عن العيونِ إذا لمْ يجدْ غيرَه\rوكذا في الخلوةِ على القولِ بوجوبِ التسترِ فيها ","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"لثانية: اختلفَ نصُّ الشافعيِّ رضي الله تعالى عنه في جواز استعمالِ الأعيانِ النجسةِ، فقال في موضعٍ: لا يدهنُ في عظمٍ [فيل] أيْ: لا يستعملُ الدهنَ الذي فيه، وقال في موضعٍ: لو جبرَ عظمَه بعظمٍ نجسٍ أجبرهُ السلطانُ على قلعهِ \rوقال: ولبسُ دابتهِ جلدَ ما لا يؤكل لحمُه إلاّ جلدَ الكلب والخنزير \rوقال: لا بأسَ أن [يسجر]  التنورَ بعظم الميتاتِ، ولا أن يستصبح بالزيتِ النجس وقال: لو عجن بالماءِ النجسِ فلا بأسَ أن يُطعمَه دوابَّه  ونواضحه \rواختلفَ الأصحابُ  على طريقين:\rأحدهما: في جوازهِ قولان :\rأحدُهما: يجوزُ كما يجوزُ لبسُ الثوبِ النجسِ\rوالثاني: لا يجوزُ، لقولهِ تعالى: {  } \rوالطريق الثاني: أن النجاسةَ إن كانت محققةً جاز استعمالُها في البدنِ والثوبِ، وإن كانت مغلظةً وهي نجاسةُ الكلبِ  والخنزير، وفرعَ أحدِهما: فلا يجوزُ إلاَّ لضرورةٍ، ونزلوا  النصوصَ على هذا التفصيلِ، وبه قال أبو بكرٍ الفارسي  والقفالُ وأصحابُه والعراقيون \rوالفرقُ بين نجاسةِ الكلبِ والخنزيرِ ونحوهِما غِلَظُ نجاستِهما، وكذلك لا يجوز الانتفاعُ بالخنزير بحالٍ، ولا بالكلبِ، إلاَّ [في]  أغراضَ مخصوصةٍ، وأَولى أن لا يجوز\rالانتفاعُ بهما بعدَ موتِهما \rوعلى هذا؛ فلا يجوز لبسُ جلدِ الكلبِ ولا الخنزير في حالةِ الاختيارِ ، بخلافِ الثيابِ المتنجّسة؛ فإنه لا يجوزُ لبسُها والانتفاعُ بها في غيرِ الصلاةِ ونحوِها كسجودِ الشكرِ والطوافِ؛ لأن نجاستهما عارضةٌ، ويجوزُ لبسُ جِلديهما في حالِ الاضطرارِ عند مفاجأةِ القتالِ والخوفِ من حرٍّ أو بردٍ مُهلكَيْن إذا لم يجدْ غيرهما، كما يجوزُ له أكلُ الميتةِ عند الاضطرارِ \rوأمَّا جلدُ الآدميِّ والثوبُ المتخذُ من شعرهِ فلا يجوز  استعمالُه في اللبسِ وغيرهِ بلا خلافٍ لكرامتِه","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"وأمَّا لبسُ جلد الشاةِ الميتةِ وغيرها من الحيواناتِ غير الآدمي والكلبِ والخنزيرِ؛ ففي جوازهِ في حالةِ الاختيارِ وجهان مبنيانِ على أن تحريمَ استعمالِ جلدِ الكلبِ والخنزير لنجاسة عينه  أمْ لتغليظ نجاستهما، والأصحُّ الذي قطعَ به الأكثرون: أنه لا يجوزُ \rقالَ البندنيجيُّ: وعلى القولِ بجوازهِ يكرهُ كما يكرهُ لبسُ الثوبِ النجسِ  ويجوزُ أن يُلبِسَ دابتَه هذه الجلودَ، [و] ، على المذهبِ الصحيحِ الذي قطعَ بهِ الجمهورُ  وحكى الشيخُ أبو حامدٍ وغيرهُ وجهًا: أنه يحرمُ، ولا يجوز إلباسَها جلدَ الآدميِّ والكلبِ والخنزير قطعًا وفي جواز تجليلِ الكلبِ والخنزيرِ بجلدِ كلبٍ أو خنزيرٍ وجهان، أحدُهما: لا؛ لأنه استعمالٌ للنجاسةِ بغيرِ ضرورةٍ، وأصحُّهما: يجوزُ لاستواءِ الكلِّ في غلظِ النجاسةِ  قال النواويُّ: ولعلَّ مرادَهم تجليلُ كلبٍ: اقتناؤه حلالٌ، وخنزيرٍ: لا يؤمرُ بقتلهِ؛ فإن في قتلهِ خلافًا وتفصيلًا يأتي في كتاب السنن  وأما الجلودُ الطاهرةُ: فيجوزُ لبسُها إجماعًا ، لكن قال الشيخُ أبو حامدٍ والماورديُّ: لبسُ غيرِها أولى ؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرَ بنزعِ الخفافِ والفراءِ عن شهداءِ أُحُدٍ دون سائرِ ثيابِهم الباليةِ  في جواز الاستصباحِ بالدهنِ النجسِ ، سواء كان نجسَ العينِ كَودكِ الميتةِ، أو بعارضٍ كَودكِ المذكاةِ، وزيتٍ ودهنٍ أصابتْه نجاسةٌ قولان :","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"أحدُهما: لا يجوزُ؛ لأن الإنسانَ قد يَقربُ من السراجِ فيصيبُ الدخانُ بدنَه وثيابَه، وأصحُّهما وقطع به العراقيون وجماعةٌ من الخراسانيين- : أنه يجوز؛ لما رُوي: أنه عليه الصلاة والسلام سُئلَ عنِ الفأرةِ تقعُ في السمنِ والودكِ، فقال: «اسْتَصْبِحُوا بِهِ ولا تأكلوه »، أمَّا الدخان فقد لا يصيبُه، وبتقديرِ إصابتهِ له فقد تقدمَ خلافٌ في نجاستِه، فإن لم نقُلْ بنجاستِه فلا بأسَ أنه  كما في بخارِ المعدةِ فإنه لا ينجسُ الفمَ، وإن قلنا بنجاستِه –وهو الأظهرُ- فقليله معفوٌّ عنه، والذي يحصلُ من الاستصباحِ قليلٌ لا يُنجِّسُ غالبًا \rوقال الإمامُ : إنْ بَعُدَ السراجُ إلى حدٍّ لا يلحقُ دخانُه المستصبحَ، فلا وجه للتحريم لجواز الانتفاعِ بالنجسِ، كما في تزبيلِ الأرضِ، ويحتملُ طردُ الخلافِ مع بُعدِ السراجِ لأنه مستغنًى عنه بخلافِ التزبيلِ، إذْ لا يقومُ غيرُه مقامَه، كما لا يقومُ غيرُ الكلبِ مقامَه وفصَّل في الدخانِ بين دخانِ النجسِ والمتنجس، فدخانُ  النجسِ نجسٌ إنْ قلنا بنجاسةِ الرمادِ، ودخانُ المتنجسِ طاهرٌ لطهارتهِ؛ لأنه من أجزاءِ الدهن، ثُم اُعترض عليه  بأن الدهنَ قد حُكمَ بنجاسته؛ فالمعنى المقتضي للنجاسةِ قائمٌ فيه كنَجِسِ العينِ\rوعلى الصحيحِ: يجوزُ أن يَتخذَ من الزيتِ النجس الصابونَ، ويستعملَه، ولا يبيعَه، ويجوزُ أن يدهنَ السفنَ بشحمِ الميتةِ، وأن يُطعمَ المتنجسَ الدوابَّ ، وبذلك كلِّه قال مالكٌ  وأبو حنيفةَ ، خلافًا لأحمدَ \rوحكى الرويانيُّ في باب ما لا يحلُّ أكلُه عن بعضِ الأصحابِ أنهم منعوا إطلاءَ السفنِ بشحمِ الميتةِ ؛ لما رُوي أنه عليه الصلاة والسلام سُئلَ عن شحمِ الميتةِ يُطلى بها السفنُ ويُدهَنُ به الجلود ويُستصبَحُ بهِ؛ فقال: «لاَ، هُوَ حَرَامٌ»  أخرجه البيهقيُّ ","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"وإنهم اختلفوا في الاستصباحِ به، وإنْ أجازوه بالزيتِ النجسِ، فمنهم من أجازَه كالزيتِ  ومنهم من منعَه وفرَّقَ بينه وبين دهنِ السفينةِ، فإن الاستصباحَ إتلافٌ له، ودهنَها ليس بإتلافٍ له لبقاءِ عينهِ، وربما يصيبُ الراكبَ  فينجسُه، وبأن المصباحَ لا يَمسُّه غالبًا إلاَّ من يعلمُ بحالهِ في النجاسةِ فيتوقَّاها والسفينةُ يمسُّها غالبًا من لا يعلمُ بالنجاسةِ\rقال: والزَّيتُ النجِسُ على هذا كالشَّحمِ النَّجسِ، أي: في طلاء السفينة، قال: على هذا؛ لو طُلي به بهيمةٌ فإن كانت مستعملةً لم يجز كالسفينةِ؛ لوجود العينين\rومنهم مَن منعَه إلاَّ لضرورةٍ؛ لأن نجاسَته أغلظُ من نجاسةِ الزيتِ النجسِ، فإن نجاسةَ هذا بنصِّ القرآنِ دون الزيتِ، ولهذا أذنَ عليه الصلاةُ والسلام في الاستصباحِ بالزيتِ النجسِ ومنعَ من دهنِ السفنِ بشحمِ الميتةِ، وقيل: دخانه كثيرٌ ودخانُ الزيتِ قليلٌ فعُفي عنه \r\rقال: ولو [سجر]  التنورُ بالسرقين : فإن قلنا بنجاسةِ [دخانِه]  ففي العفوِ عنه وجهان:\rأحدُهما: نَعم؛ للمشقةِ، كدمِ البراغيثِ، فعلى هذا يجعل الخبز فيه من غير مسحٍ\rوالثاني: لا يعفى عنه، لأنه يمكنُ أن يتباعَد عنه عند استعمالهِ، فعلى هذا لو تدخنَ به ثوبُه لزمه غسلُه، ويجبُ مسحُ التنورِ قبل الخبْزِ فيه بخرقةٍ؛ لأن التنورَ يابسٌ والدخانُ يابسٌ فيزولُ السوادُ بالمسحِ، فإن خَبزَ فيه قبل مسحهِ نجُسَ ظاهرُ الخبزِ \rقلتُ: القياسُ: نجاسةُ الخبزِ جميعِه؛ لأن [ظاهره]  متصل بباطنِه  وهو رطبٌ فتسري النجاسةُ قولُه في الكتابِ: «وفي تجليلِ الخيلِ بُجِلٍّ من جلدِ الكلبِ ترددٌ» هذا غلطٌ، والخلافُ في تجليلِ الكلب بجلدِ الكلب، وكذا هو في «النهايةِ» و «البسيطِ» وغيرِهما من كتبِ الأصحابِ \rقال الشيخُ ابنُ الصلاحِ: وكذا ذكره في درسِه، وعللَ الجوازَ بأن هذا اللباسَ لائقٌ بهذا اللابسِ","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"قال: ويبعدُ عندي طردُه في الخيلِ وإن لم يكن عليها تعبُّد؛ لأن المنعَ إنما هو لاستعمالِ النجاسةِ المغلظةِ في غير معدنها، وهذا موجودٌ في استعمالها في الخيل دون الكلبِ\rوأما قولُه: «وتسميدُ الأرضِ» هو: جعلُ السَّمادِ فيها، وهو بفتحِ السين والدالِ المهملتين: زبلٌ ورمادٌ، والأحسنُ حذفُ لفظِ «الزِّبْلِ» من عبارةِ المصنفِ، واللهُ سبحانه وتعالى أعلم\rكتابُ صلاةُ العيدين\r(وهي سُنةٌ مؤكدةٌ على مَن يلزمُه حضورُ الجمعةِ\rوالأصلُ فيه: الإجماعُ،\r\rوالفعلُ المتواترُ من رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقولُه تعالى: {ڑ} قيل: أرادَ به صلاةَ عيدِ النحرِ\rوذهبَ الإصطخريُّ إلى أنها من فروضِ الكفاياتِ، وطرد ذلك في جميعِ الشعائر\rوأصلُ هذه الصلاةِ ركعتان كسائرِ النوافلِ، والتكبيراتُ الزائدةُ ليس من أبعاضِها، فلا يتعلقُ بتركها سجودُ السهوِ\rووقتُها: ما بين طلوعِ الشمسِ إلى زوالها\rوشرطُها كشرطِ سائرِ الصلواتِ\rوقال في القديمِ: شرطُها كشرطِها إلاَّ أن خطبتها تتأخرُ\rويجوزُ أداؤها في الجبَّانةِ البارزةِ من خطةِ البلدِ)\rالشرحُ\r«العيدُ» مشتقٌ من العَوَدِ، وهو الرجوعُ لعودهِ، وقيل: يعودُ السرورُ بعودهِ، وقيل: لكثرةِ عوائدِ الله تعالى على عباده في ذلك اليومِ، وهو من ذواتِ الواوِ، أصله «عَوِدَ» بكسرِ الواوِ قلبتْ ياءً لانكسارها\rو «الميزان» من الوقتِ والوعدِ، وجمعُه «أعياد»، وإنما جُمع بالياءِ، وإن كان الجمعُ يردُّ الشيء إلى أصلهِ للزومِ الثاني واحدَه، وقيل: للفرقِ بينه وبين أعوادِ الخشبِ\rوالأصلُ في مشروعيةِ صلاةِ العيدِ قوله تعالى: {ڑ} قال جماعةٌ من المفسرين: المرادُ صلاةُ عيدِ النحرِ، ولذلك قرنها بالأمر بالنحر","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"وكذا قال بعضُهم في قوله تعالى: {} المرادُ صلاةُ عيدِ الفطرِ، أيْ: أخرجْ زكاةَ عيدِ الفطرِ وصلّى العيدَ وهذان القولان في الآيتين عند من جعلَ السورتين مدنيَّتين، والمشهورُ أنهما مكيَّتان، والنقلُ المتواترُ من فعلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - والسلفِ والإجماع\rوأخرج النسائيُّ عن أنسٍ: أنه عليه الصلاة والسلام رأى أهلَ المدينةِ يخرجون إلى الصحراءِ في السَّنةِ يومين ويلعبون، فقال: «مَا هَذَانِ اليَوْمَانِ» فقالوا: يومان كُنا نلعبُ فيهما في الجاهليةِ، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنَّ اللهَ تَعَالَى أَبْدَلَكُمَا عَنْهُمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الفِطْرِ ويَوْمَ الأَضْحَى»\rورُوي: أن أولَ صلاةِ عيدٍ صلاَّها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عيدُ الفطر، في السنةِ الثانيةِ من\rالهجرةِ، وواظبَ على صلاةِ العيدين حتى ماتَ\rوفي الفصلِ مسائلٌ:\rالأولى: صلاةُ العيدِ سُنةٌ مؤكدةٌ، نصَّ عليه الشافعيُّ في صلاةِ التطوعِ، حيثُ عدَّها من التطوعاتِ التي شُرِعتْ فيها الجماعةُ وبه قال مالكٌ وأبوحنيفة\rوروى بعضُهم عن أبي حنيفةَ أنه قال: إنها واجبةٌ وليست مفروضةً\rوقال أبو سعيدٍ الإصطخريُّ: هي فرضُ كفايةٍ، لو اتفقَ أهلُ بلدٍ على تركِها قُوتلوا وهو روايةٌ عن أحمدَ، لأنها من شعارِ الإسلامِ، وفي تركِها تهاونٌ بالدِّينِ، ويدلُّ على عدمِ وجوبها قولُه عليه الصلاة والسلام للأعرابي في الحديثِ الصحيحِ المتقدمِ في كتابِ الصلاةِ في جوابِ قولهِ بعد أن أخبره: «إنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ»: هل عليَّ غيرُها «لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ»، ولو كانت فرضَ كفايةٍ لمَا صَحَّ قولُه: «لا»، فإن فرضَ الكفايةِ واجبٌ على الكلِّ،","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"ويسقطُ بفعلِ البعضِ، ولأنها صلاةٌ مؤقتةٌ لم يُشرعْ لها أذانٌ ولا إقامةٌ، فلا تكونُ واجبةً كصلاةِ الأضحى، ولأنها صلاةٌ ذاتُ ركوعٍ وسجودٍ، ولم يشرعْ لها أذانٌ فلا تجبُ كصلاةِ الاستسقاءِ، وليست فرضَ عينٍ إجماعًا\rوأمَّا قولُ الشافعيِّ رحمه الله تعالى في «المختصرِ»: «مَن وجبَ عليه حضورُ الجمعةِ وجبَ عليه حضورُ [العيديْن]» \" فليس على ظاهرهِ:\rقال أبو إسحاق: معناهُ: من لزمتْه الجمعةُ لزمتْه ندبًا واختيارًا، وقد يُعبَّرُ عن الاستحبابِ المؤكدِ بالوجوبِ كما في قولهِ عليه الصلاة والسلام: «غُسْلُ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ»\rقالَ الأصحابُ: ومرادُ الشافعيِّ أن صلاةَ العيدِ تتأكدُ في حقِّ مَن لزمتْه الجمعةُ فرضَ عينٍ لزمتْه صلاةُ العيدِ فرضَ كفايةٍ؛ لأن الكلامَ متروكُ الظاهرِ إجماعًا\rوعلى المذهبِ: إنها سنةٌ، لو تركَها أهلُ بلدٍ من غيرِ عذرٍ يجوزُ تركُ الجمعةِ، ففي قتالِهم وجهان:\rأحدُهما: نَعَم، وهو قولُ أبي إسحاقَ\rقال الرويانيُّ: وهذا أظهرُ وأصحُّ عندي، واختارهُ ابنُ أبي عصرون لأنها من الشعائرِ الظاهرةِ، وتركُها تهاونٌ بالدِّينِ\rقالَ ابنُ الصبَّاغِ: وعندي: أنَّ هذا القائلَ رجعَ إلى قولِ الإصطخريِّ؛ لأن القتالَ\rلا يجوِّزُ إلاَّ بمعصيةٍ؛ فإنه إثمٌ\rوقيل: وأصحُّهما: لا كسائرِ السنن، وهُما كالوجهين في الأذانِ\rالثانية: الكلامُ في هذه الصلاةِ في الأقلِّ والأكملِ\rأمَّا أقلُّها: فهي ركعتان كسائرِ النوافلِ في الأفعالِ والأركانِ والشروطِ، وينوي بها صلاة العيدِ، وليستِ التكبيراتُ الزوائدُ ركنًا فيها ولا أبعاضًا تُجبرُ بالسجودِ، بل هي سُنةٌ كدعاءِ الاستفتاحِ والتعوذِ وقراءةِ السورةِ","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"ولا خلافَ في خروجِ وقتِها بزوالِ الشمسِ من يومِ العيدِ، واستدلوا [له] بأنه إذا دخل وقتُ صلاةٍ خرجَ وقتُ التي قبلها كما دلَّ عليه الخبرُ وبالزوالِ يدخلُ وقتُ الظهرِ فيخرجُ به وقتُ صلاةِ العيدِ\rوأمَّا وقتِها ففيه وجهان، أصحُّهما على ما قاله النواويُّ: طلوعُ الشمسِ، والأفضلُ [تأخيرها] حتى ترتفعَ الشمسُ قِيدَ رمحٍ،\r\rوهو ما أورده الإمامُ والمصنفُ، وابنُ الصَّباغِ، والرّويانيُّ، والقاضي الطبريُّ هُنا،\rوحكاهُ عن «النصِّ»، وصاحبُ «المهذب» فيه، وجماعةٌ، وابتعدَ على النواويِّ تصحيحُ هذا؛ فإنه في «تصحيح التنبيهِ» وافقَ الشيخَ على القولِ الثاني، ولم يخالفه، ولا يقدحُ فيه كراهةُ الصلاةِ في ذلك الوقتِ، فقد يكون وقتُ الكراهةِ وقتًا كما في آخرِ وقتِ صلاةِ العصرِ وقال القاضي أبو الطيبِ في بابِ صلاةِ الكسوفِ: فعلُها أولُ وقتها مكروه وأشارَ إليهِ ابنُ الصبَّاغِ قال: هذا يستقيمُ على قولِ من يقولُ: إنَّ الصلاةَ في الوقتِ المكروهِ لا تحرمُ وتصحُّ\rفأمَّا من قال: «إنها لا تصحُّ» أو «إنها حرامٌ» فلا يستقيمُ منه أولُ وقتها الطلوعِ، إلاَّ أن يُستثنى هذا الوقتُ من الأيامِ\rوثانيهما: أن وقتها يدخلُ بارتفاعِ الشمسِ قِيدَ رمحٍ، وبه قطعَ صاحبُ «التنبيه» فيه، والبغويُّ، والبندنيجيُّ، والصيدلانيُّ، والقاضي الحسينُ، والقاضي أبو الطيب في كتابِ الأضحيةِ،\r\rويؤيدُه اتفاقُهم على أن وقتَ التضحيةِ لا يدخلُ حتى ترتفعَ الشمسُ بحيثُ يجوزُ التطوعُ ويمضي قدر صلاةِ العيدِ والخطبتين","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"وقال الماورديُّ: يدخلُ وقتُها بتمامِ طلوعِ الشمسِ، فلو صلاَّها مع الطلوعِ لم يجزئْه لأنه وقتُ نهيٍ عنِ الصلاةِ، والظاهرُ أن هذا وجهٌ ثالثٌ، وهو مُفرَّعٌ على القولِ بأن وقتَ الكراهةِ ينتهي بتمام الطلوعِ كما تقدمَ ذكرُ المصنفِ له وإذا خرجَ وقتُها ففي استحبابِ [قضائها] القولان السابقان في بابِ صلاةِ التطوعِ في قضاءِ النوافلِ الأصحُّ استحبابُه، والقولُ بأنها لا تقضى هو نصُّه في «الأم»، واختاره المزنيُّ وقال: هو أشبهُ بقولهِ، أيْ: من حيث إنه عللَه بأنه عملٌ في وقتٍ، فإذا جاوزه لم يُعملْ في غيرهِ [لفوته]، والتعليلُ لأحدِ القولين دون الآخرِ يستدلُّ به على ترجيحه كما لو فُرِّعَ عليه دون الآخرِ\rقال القاضي الحسينُ: والصحيحُ أن هذين القولين مستقلان بأنفسِهما، ليسا مبنيَّين على قضاءِ النوافلِ، وقال الماورديُّ في كتابِ الصيامِ: القولان في قضاءِ النوافل مأخوذان من هذين القولين، وقال بعضُهم: القولان جاريان وإن قلنا: «النوافلُ لا تُقضى لأن هذه من الشعائر» فيصحُّ أن لا تقامَ على الصفةِ المعهودةِ في كلِّ عامٍ، سيَّما وسببُها الهلاكُ، والغلطُ فيه كثيرُ الوقوعِ فيكونُ عذرًا في القضاء وهذان القولان مُفرَّعان على الجديدِ الصحيحِ الآتي أنه لا يُشترطُ فيها شروطُ الجمعة وأمَّا على القديمِ في اشتراطِها فلا يَقضي قولًا واحدًا، قاله الفُورانيُّ، والإمامُ أبْداهُ فقهًا لنفسِه، وهو واضحٌ في حقِّ الأفرادِ فإلى متى يَقضي فيه خلافٌ يأتي آخرَ الكتابِ -إن شاءَ الله تعالى-","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"الثالثةُ: هل يُشترط في صلاةِ العيدِ شروطُ الجمعةِ قال الشافعيُّ في «المختصرِ» ومعظمِ كتبهِ الجديدةِ: يجوزُ للمنفردِ - في بيتهِ- والعبدِ والمرأةِ والمسافرِ صلاةُ العيدِ وقالَ في «الإملاءِ» في الصيدِ والذبائحِ من «الأم»: تجبُ إقامةُ العيدِ حيثُ تجبُ إقامةُ الجمعةِ، وتسقطُ حيثُ تسقطُ (ويقربُ منه قولُهُ في القديمِ: يصلّي العيدُ حيثُ تصلَّى الجمعةُ، رواه بعضُهم: «لا تُصلَّى العيدُ حيثُ لا تُصلَّى الجمعةُ»، وظاهرُه يقتضي أن هؤلاء لا يصلون العيدَ كما لا يصلون الجمعةَ إلاَّ تبعًا لغيرهم واختلف الأصحابُ على طريقين:\rأحدهما -وهو الذي في الكتاب-: أن يأتيَ في المسألةِ قولان أحدهما أنه يشترطُ فيها شروطُ الجمعةِ، وبه قالَ أبو حنيفةَ وأحمدُ في روايةٍ، ونسبَه بعضُهم إلى القديمِ لما ثبتَ أنه عليه الصلاة والسلام كان بِمِنًى مسافرًا يومَ النحرِ ولم يصلّها، ولأنها صلاةٌ تشرعُ لها الخطبةُ واجتماعُ الناسِ، فاُعتُبر فيها شروطُ الجمعةِ قياسًا عليها\rوأصحُّهما: أنه لا يُشترطُ لأنها نافلةٌ، ولا يُشترطُ فيها ذلك كصلاةِ الخسوفِ والاستسقاءِ، وإنما ترك رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صلاةَ العيدِ بِمِنًى لاشتغالهِ بالمناسكِ وتعليمِ الناسِ أحكامَها، فكان ذلك أهمُّ من العيدِ\rوالطريقُ الثاني -وبه قال أبو إسحاق-: القطعُ بأنه لا يُشترطُ، وحملوا نصَّه في القديم، وما وافقه على أنَّ صلاةَ العيدِ لا تُقام في محالِّ البلدِ بجماعةٍ وخطبةٍ كما لا تُصلَّى الجمعة كذلك لأن فيه أهابًا على الإمامِ\rقال البندنيجيُّ: وهذا تأويلُ من لم يقف على نصِّه في الصيدِ والذبائحِ ، فإن قلنا: «يشترط» اعُتُبر فيها الجماعةُ والعددُ بصفاتِ الكمالِ وغيرِها من شروطِ الجمعةِ، فلا تُشرعُ للعبيدِ والمسافرين والنساءِ، ولا للمنفردِ، إلا أنه يجوز فعلُها خارجَ البلدِ لتطابقِ الناسِ عليهِ","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"وعنِ الشيخ أبي محمدٍ : أنه لا يستثنى\rقال النواويُّ : وهو غلطٌ ظاهرٌ منابذ  للسُّنةِ مردودٌ على قائلهِ، واستثنى بعضُهم اعتبارَ الأربعين، وجوَّزها بدونهم\rوحكى البندنيجيُّ عنِ الشيخِ أبي حامدٍ : أنه يُشترطُ على هذا أن يكونوا أربعين، لكن لا يُشترطُ أن يكونوا كلُّهم بصفاتِ الكمالِ، ويُستثنى أيضًا الخطبةُ؛ فإن خُطبتَي الجمعةِ قبلَ الصلاةِ وخُطبتَي العيدِ بعدَها\rقالَ الإمامُ : ولو أخلَّ بالخطبةِ فيبعدُ جدًّا في التفريع على هذا القولِ انعطافُ البطلانِ على الصلاةِ\rوإن قلنا بالمذهبِ أنه لا يُشترطُ فصلاَّها المنفردُ، لم يخطبْ على المذهبِ الصحيحِ، وفيه وجهٌ شاذٌّ: أنه يخطبُ \rقال الرافعيُّ : وهو قريبٌ من الخلافِ في أن المنفردَ هل يؤذّنُ\rقالَ الشافعيُّ : وإنْ صلاَّها مسافرون خطبَ بهم إمامُهم\rقال: ولو تركها من لا تجبُ عليه كرهت ذلك، وكذلك الكسوفُ \rفرعٌ\rقال الماورديُّ في «الأحكامِ» : ليس لمن وليَ إمامةَ الصلواتِ الخمسِ أو إمامةَ الجمعةِ حقٌّ في الإمامةِ في صلواتِ العيدِ والخسوفِ والاستسقاءِ، إلاَّ إنْ تقلَّدَ جميعَ الصلواتِ فيدخلَ [فيه] \r\rقال : وإذا قُلِّدَ صلاةَ العيدِ في عامٍ جاز له مع إطلاقِ ولايتها أن يصليها في كلِّ عامٍ، وإذا قُلِّدَ صلاةَ الخسوفِ أوِ الاستسقاءِ في عامٍ لم يكن له أن يصليهما بهم في كلِّ عامٍ\rوالفرقُ: أن لصلاةِ العيد وقتًا معينًا تتكررُ فيه بخلافها \rقولُه في الكتابِ: «وهي سُنَّةٌ مؤكدةٌ على من يلزمُه حضورُ الجمعةِ»: معنى تأكدِ السُّنةِ كراهةُ تركِها \rوقولُه: «على مَن يلزمُه حضورُ الجمعة» متعلقٌ بـ «مؤكدة» لا بقولهِ «سُنة»، فإنها سُنةٌ في حقِّ من يلزمُه حضورُ الجمعةِ وغيره، ومتأكّدة في حقِّهِ \rوقولُه: «والفعل المتواتر» كذا هو في بعضِ النسخِ","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"قال ابنُ الصلاحِ : وهو تصحيفٌ، صوابُه ما وقعَ في بعضها و «النقلِ» بالنونِ والقافِ؛ فإن المتواترَ عند العلماء من صفةِ النقلِ لا الفعلِ، إلا أن يعني به نقلَه فيقع إذًا في تطويلٍ مستكرهٍ\r\rوقولُه: «وأقلُّها ركعتان كسائرِ النوافلِ» ليس المرادُ أن الأكملَ فوقَ الركعتين، وإنما المرادُ أنها ركعتان بصفةِ كونها كسائرِ النوافلِ، والأكملُ ركعتان بصفاتٍ أخرى زائدةٍ كالتكبيراتِ الزوائدِ، وهي مشبهةٌ بغيرها من النوافلِ في الأركان لا في الشرائطِ، فإنها تختصُّ من الشروطِ بوقتٍ معينٍ ونيةِ صلاةِ العيدِ\rوقولُه: «وقال في القديم»  هذا لا يختصُّ بالقديمِ، فقد نقله صاحبُ «المهذب»  وغيرُه عن  «الإملاءِ» و «الأم»، وهُما جديدان\rوقولُه: «ويجوزُ أداؤها في الجبَّانِة» هو استثناءٌ ثانٍ، والجبانةُ: الصحراءُ وتُسمى المقبرةُ جبانةً لكونها في الصحراءِ \r(قال:\rأمَّا الأكملُ فيذكُره بسوابقِه وبواجبِه على ترتيب الوجود\rوله سننٌ:\r\rالأُولى: إذا غربتِ الشمسُ ليلةَ العيدِ اسْتُحِبت التكبيراتُ المرسلةُ إلى أن يحرمَ الإمامُ بصلاةِ العيدِ فالناسُ يصبحون مكبّرين حيث كانوا في الطرقِ رافعي أصواتِهم، كذلك كان يفعلُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -\rونصَّ في موضعٍ آخرَ: أنهم يكبّرون إلى خروجِ الإمامِ وقيل: إنه قولٌ آخرُ،\rوالصحيحُ: أن المرادَ به تحريمُ الإمامِ لأنه متصلٌ بهِ غالبًا\rونُقل نصٌّ آخرُ: أنه يدومُ إلى آخرِ الخطبةِ\rوهل تُستحبُّ هذه التكبيراتُ أدبارَ الصلواتِ ليلةَ العيدِ وصبيحتَه فعلى وجهين، ووجهُ المنعِ: أن يتميزَ هذا الشعارُ عن شعارِ التكبيراتِ المقيدةِ في عيدِ النحرِ كما سيأتي)\rالشرحُ\rترجمُ المصنفُ بقيةَ البابِ بذكرِ أكملِ الصلاةِ، ثمُ شرعَ في ذكرِ الأمورِ\rالمستحبةِ في العيدِ مطلقًا على ترتيبها في الوجود، منها التكبيرُ والتكبيرُ المستحبُّ في العيدِ ثلاثةُ أضربٍ:","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"- ضربٌ يشرعُ في الصلاةِ\r- وضربٌ يشرعُ في الخطبةِ [ومتباينان]\r- وضربٌ يشرعُ في غيرهما ويدلُّ عليه ما في الصحيحين: عن أمِّ عطيةَ  أنها قالتْ: «كُنا نؤمرُ بخروجِ الحُيَّضِ [فيكبرن] بتكبيرهم» ورُوي عن نافعٍ عن عبدِ اللهِ بن عُمرَ: أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يخرجُ في العيدين مع الفضلِ\rوعبدِ الله ابني عباسٍ وعليٍّ وجعفرَ والحسنِ والحسينِ وأسامةَ\rوزيدٍ\r\rوأيمنَ ابنِ أُمِّ أيمنَ رافعًا صوتَه بالتهليلِ والتكبيرِ، ويأخذُ [طريق] لحدَّادين، حتى يأتيَ المصلَّى رواهُ البيهقيُّ وروى الشافعيُّ التكبيرَ ورفعَ الصوتِ [موقوفًا] على ابنِ عُمرَ قال البيهقيُّ: وهو الصحيحُ وطريقُ الحدَّادين -بالحاءِ وقيل بالجيمِ-: أيْ: الذين يجدُّون الثمارَ ويُستحبُّ رفعُ الصوتِ به ثُمَّ هذا الضربُ نوعان : مرسلٌ مقيدٌ \rفالمرسلُ: المطلقُ الذي لا يتقيدُ بزمانٍ ولا حالٍ، بل يؤتى به في المساجدِ والمنازلِ والأسواقِ والطرقِ ليلًا ونهارًا\rوالمقيدُ: الذي يُؤتى به في أدبارِ الصلواتِ\rوالمرسلُ مشروعٌ في العيدين\rوقال أبو حنيفةَ في روايةٍ: لا يشرعُ إلاَّ في عيدِ الفطرِ \rلنا الحديثان المتقدمان، وأولُ وقتِه فيهما: غروبُ الشمس من ليلتهما\rوقال مالكٌ  وأحمدُ: إنما يكبرُ في يومِ العيدِ \rلنا قولُه تعالى: {} أيْ: عند إكمالِ عدةِ صومِ شهرِ رمضانَ بغروبِ الشمسِ آخرَ يومٍ منه، والتكبيرُ يقعُ بعده، إذْ ليس المرادُ مقارنتَه إجماعًا، فتعينَ أن المرادَ به عقبَه شكرًا على إكمالِها \rوفي آخرِ وقتِه طريقانِ: أشهرُهما: أن فيه ثلاثةَ أقوالٍ :","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"أصحُّها -وهو روايةُ البويطي واختيارُ المزنيِّ-: أن آخرَه يحرمُ الإمامُ بصلاةِ  العيدِ؛ لأن الكلامَ مباحٌ إلى ذلك الوقتِ، ويُكره بعده، والتكبيرُ أولى ما يشتغلُ به؛ فإنه ذكرُ اللهِ تعالى وشعارُ اليوم \rوالثاني - وهو نصُّه في «الأُمِّ»  -: أن آخرَه خروجُ الإمامِ للصلاةِ، فإنه إذا خرج احتاجَ الناسُ إلى التأهُّبِ للصلاة والاشتغالِ بالقيامِ بها\rوالثالثُ -وهو نصُّه في القديم  -: أن آخره فراغُ الإمامِ من الصلاةِ، ورواهُ الشيخُ أبو حامدٍ والمصنفُ وآخرون على وجهٍ آخرَ فقالوا: إلى أن يفرغَ الإمامُ من الخطبتين\rويُروى عن مالكٍ وأحمدَ\rوإنما يجيءُ هذا القولُ في حقِّ مَن لمْ يصلِّ مع الإمام فيكبرُ حتى يفرغَ الإمامُ من الخطبةِ \rوأمَّا من يصلي معه فلا يكبرُ في الخطبة، بل يسمعها\rوالطريقُ الثاني القطعُ بالقولِ الأولِ، وحُمل الخروج في النصِّ على التحرم لتقاربهما، وحُمل التكبيرُ في الثالثِ على جنسِ التكبيرِ الذي يؤتى به في الصلاةِ وقبلها\rوهذا نسبه النواويُّ إلى ابنِ سريجٍ وأبي إسحاقَ، والرافعيُّ نسبَ إليهما الأولَ\rويرفعُ الناسُ أصواتَهم بهذا التكبيرِ في المساجدِ والمنازلِ والطرقِ والأسواقِ، ويُستثنى من ذلك الحاجُّ فلا يكبّرون ليلةَ الأضحى، وذكْرُهم التلبيةُ وهلِ الأفضلُ التكبيرُ ليلةَ الفطرِ أو ليلةَ الأضحى فيه قولان، أصحُّهما -وهو الجديدُ-: ليلة الفطرِ؛ لأن القرآنَ وردَ به في قوله تعالى: {} \rالنوعُ الثاني: التكبيرُ أدبارَ الصلوات: وهو مشروعٌ في عيدِ الأضحى إجماعًا، وسيأتي بيانُه من بعدُ وفي استحبابهِ في عيدِ الفطرِ وجهان، وقال المتولي وآخرون: قولان:\rأصحهما عند الجمهورِ -وهو منصوصٌ في الجديد-: أنه لا يستحبُّ، وبه قطعَ الماورديُّ والجرجانيُّ والبغويُّ؛ لأنه لم ينقل عنه عليه الصلاة والسلام [و]  لا عن أصحابِه،","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"ولو كان مشروعًا لفُعل ونُقل\rوثانيهما ونسبه القاضي والمتولي إلى  القديمِ، وصحَّحه الشيخُ أبو حامدٍ والبندنيجيُّ والمحامليُّ  أنه يستحبُّ لأنه عيدٌ [يسن]  فيه التكبيرُ المرسلُ فَيُسنُّ كالمقيدِ بالأضحى \rوقال القاضي أبو عليٍّ الفارقيُّ : لا يصحُّ هذا القياسُ، فإن القياسَ إلحاقُ مسكوتٍ عنه بمنطوقٍ به، وكلُّ واحدٍ منهما منصوصٌ عليه، فإن العيدين وُجِدَا في زمنهِ عليه الصلاة والسلام، ونُقلَ عنه التكبيرُ المقيدُ في أحدِهما دونَ الآخرِ، ولو كان مسنونًا لَفَعلَهُ \rفإذا كان فِعلُه في الأضحى دليلًا على مشروعِيتِه كانَ تركُه في الفطرِ دليلًا على عدمِ مشروعيتهِ، وإنما يصحُّ القياسُ إذ لو لم يقعْ عند الفطر في زمنهِ عليه الصلاة والسلام\rفَعلى هذا؛ يكبِّرُ خلفَ ثلاثِ صلواتٍ: المغربِ، والعشاءِ، [ليلةِ العيدِ] وصُبْحِه\rوحكمُ النوافلِ والفوائتِ في هذه المدةِ يقاسُ بما سيأتي فيها في الأضحى \rويستوي في التكبير المطلقِ والمقيدِ: الحاضرُ والمسافرُ، والرجلُ والمرأةُ والصبيُّ المميَّزُ، والمصلي منفردًا وفي جماعةٍ وعن أبي حنيفةَ: أن المسافرَ لا يكبرُ\rقال الشيخُ تقيُّ الدين ابنُ الصلاحِ : واختصاصُ العيدِ باستحبابِ هذا التكبيرِ إنما هو من حيثُ كونه شعارًا يُظهَرُ ويُرفعُ بالأصواتِ، وإلاَّ فالتكبيرُ ذكرٌ يُستحبُّ في جميع الأوقاتِ\rقولُه في الكتابِ: «أمَّا الأكملُ» يحملُ على الأكملِ في إقامةِ العيدِ لا في الصلاةِ، ويمكنُ إجراؤه على ظاهرِه في الصلاةِ، ويجعلُ الأمورَ [المذكورة] من كمالِ الصلاةِ وسُننِها السابقة واللاحقة؛ لكنه بعيدٌ","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"قولُه: «والصحيحُ أنَّ المرادَ به تحرُّمُ الإمامِ» كلامه  يشعر بأن في المسألةِ ثلاثةُ أقوالٍ على طريقةٍ، وقولان على طريقةٍ؛ فإنه أولُ النصَّ الثاني على قولٍ دون الثالثِ، ولم يَقُلْ ذلك أحدٌ من الأصحابِ، ومن أوَّلَ الثاني أوَّلُ الثالثَ \rوقولُه: «ليلة العيدِ وصبيحته» يعني: عيد الفطرِ، أمَّا عيدُ النحرِ فيستحبُّ فيه قطعًا\rوقولُه: «ووجهُ المنعِ» أن يتميزَ هذا الشعارُ عن شعارِ التكبيراتِ المقيدةِ في عيدِ النحرِ» هذا ضعيفٌ؛ فإن التمييزَ يجعلُ بغير ذلك، وليس يجب هذا التمييز معنًى، ووجهُه ما تقدمَ \r==============-==\r(قال:\rالثانيةُ إحياءُ ليلتي العيدِ: قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أحْيَى لَيْلَتَي العِيْدِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ حَتَّى تَمُوْتَ القُلُوبُ» \rالثالثةُ الغسل بعد طلوعِ الفجرِ\rأمَّا قبلَه: فهل يجزئُ فيه وجهان:\rأحدهما: لا؛ كالجمعةِ\rوالثاني: نَعَم؛ لأن أهلَ القرى يُبكّرون ليلًا فيعسرُ عليهم الغسلُ بعدَ الخروجِ فيجعل جميعَ الليلِ وقتًا \rالرابعةُ التطيبُ والتزيُّنُ بالثيابِ البيض  للقاعدِ والخارجِ لأنه يومُ السرورِ\rوأمَّا العجائزُ \rفيخرجْن في بِذلةِ الثيابِ \rوقال أبو حنيفة: لا يخرجْنَ )\r\rالشرح\rالسُّنةُ الثانيةُ من سُنن العيدِ:\rإحياءُ ليلتَي العيدَين بالعبادةِ بصلاةٍ أو غيرها مستحبٌّ ؛ لما روى الشافعيُّ وابنُ ماجه \rعن أبي الدرداء  أنه قالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَتَي العَيْدِ مُحْتَسِبًا للهِ تَعَالَى لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ حِيْنَ تَمُوت القُلُوبُ» \rوروى غيرُهما عن أبي أمامةَ : أنه عليه الصلاة والسلام قالَ: «مَنْ أحْيَى لَيْلَتَي العِيْدِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يوم تَمُوْتُ القُلُوبُ» \rورُوي موقوفًا على  أبي أمامة، وأسانيدُ الجميعِ ضعيفةٌ\rلكنِ استحبَّ الشافعيُّ ذلك؛ لأن أحاديثَ الفضائلِ يُعملُ فيها بالضعيفِ ","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"والمراد: لمْ يفزعْ قلبُه يومَ تفزعُ القلوب، وهو يومُ القيامِة، وعبّر عنِ الفزعِ الشديد بالموتِ لعظمِ هول ذلك اليومِ  وقيل: المرادُ: لمْ يشغفْ قلبُه بحبِّ الدنيا؛ لأن مَن شُغفَ قلبُه من حبها مات قلبُه، قال عليه الصلاة والسلام: «لاَ تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاَءِ المَوْتَى» قيل: يا رسولَ اللهِ منِ الموتى قال: «هُمُ الأَغْنِيَاءُ»\rوقيل: المرادُ أن اللهَ يحفظُه من الشركِ فلا يُختمُ له بهِ، قال الله تعالى: {} أيْ: كافرًا فهديناه\rقال الصيدلانيُّ: وقيل: إنه لم يردْ شيءٌ من الفضائل مثل هؤلاء؛ لأنَّ ما أُضيفَ إلى القلبِ فهو أعظمُ، لقولِه تعالى: {}\rقالَ الشافعيُّ رحمه الله تعالى: وبلغنا: أن الدعاءَ يُستجابُ في خمسِ ليالٍ:\rليلةِ الجمعةِ، وليلةِ الأضحى، وليلةِ الفطرِ، وأولِ ليلةٍ مِن رجبَ، وليلةِ النصفِ مِن شعبانَ\rقالَ: وأخبرنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ قال: رأيتُ مشيخةً من خيارِ أهلِ المدينةِ يظهرون على مسجدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ العيدِ فيدْعون ويذكرون اللهَ\rحتى تذهبَ ساعةٌ من الليلِ وبلغنا: أن ابن عُمرَ كان يُحيي ليلةَ النحرِ\rوالصحيحُ: أن فَضيلةَ [هذا] الإحياءِ لا تحصلُ إلا بمعظمِ الليلِ\rقال الشيخُ أبو عَمرٍو: وقالَ بعضُ فقهاءِ نيسابورَ ممن شرح «الوسيط»: لا خلافَ أنها تحصلُ بالبعض انتهى ويؤيدُه ما نقله الشافعيّ عن مشيخةِ أهلِ المدينةِ\rوحكى القاضي الحسينُ عن ابن عباسٍ أنّ إحياءَ ليلةِ العيدِ تحصلُ بأن يصلِّي العشاءَ في جماعةٍ وينوي أن يصلِّي الصبحَ في جماعةٍ وينامَ، قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلاةٍ مَا دَامَ يَنتَظِرُ الصَّلاةَ» انتهى","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"قلت: ويؤيدُه ما صحَّ: أنَّه عليه الصلاة والسلام قالَ: «مَنْ صَلَّى العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلَ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ»، ومعناه: من صلاَّهما في جماعةٍ فكأنما قامَ الليلَ كله، وقد جاءَ مصرحًا به في روايةٍ كما تقدمَ\rالسنةُ الثالثة: الغسلُ مستحبٌّ للعيدين وروى مالكٌ في «الموطأ»: أن ابنَ عمرَ كانَ يغتسلُ يومَ الفطرِ قبلَ أنْ يغدو وروى الشافعيُّ والبيهقيُّ الاغتسالَ للعيدِ عن عليٍّ وسلمةَ بنِ الأكوعِ وعن عروةَ بنِ الزبيرِ أنه قالَ: هو السنةُ\rروى ابن ماجه عن ابنِ عباسٍ: أنه عليه لصلاة والسلام كانَ يغتسلُ يومَ الفطرِ ويومَ الأضحى لكن إسناده ضعيف\rولأنهما يومان يجتمعُ فيهما الناسُ للصلاةِ؛ فيستحبُّ فيهما الغسلُ كالجمعةِ ويجزئُ بعد الفجرِ قطعًا\rوفي \"إجزائه\" قولان:\rأحدُهما: لا يجزئ، كغسلِ الجمعةِ، وبه قالَ أحمدُ:\rوأصحُّهما - وهو نصه في البويطيِّ-: أنه يجزئ؛ لأنَّ أهلَ القرى يبكرون إليها من قُراهم، فلو لم يجوِّز الغسلَ قبلَ الفجرِ تعسَّرَ عليهم\rوالفرقُ بينه وبينَ غسلِ الجمعةِ تقدمَ هناك وحكى الماورديُّ  والدارميُّ والفورانيُّ والمصنفُ والمتولي وآخرون [في] \r\rهذا الخلافِ [وجهين]\rونسبَ الماورديُّ الأولَ إلى أبي إسحاق والثاني إلى ابنِ أبي هريرةَ، والأكثرون حكوه قولين\rقال القاضي أبو الطيبِ: نصَّ الشافعيُّ في البويطيِّ [على إجزائه قبل الفجر ولا يعرف له غيره، قال: وحكى بعضهم فيه قولين، وحكى بعضهم وجهين، قال النواوي  وسبب]  الاختلافَ في أنه قولان أو وجهان أنَّ الشافعيَّ نصَّ في البويطيِّ على صحتهِ صريحًا","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"وقال في «المختصرِ»: «وأحبُّ الغسلَ بعدَ الفجرِ للعيدِ»، فمنهم من فَهِمَ منه اشتراطَه كونه بعد الفجرِ فجعلَه قولًا، ومنهم من لم يفهمْه\r\rوصرحَ البندنيجيُّ بأنه نصَّ في «الأم» على أنه لا يجزئه قبلَ الفجرِ\rوعلى الصحيحِ أنه يصحُّ قبلَ الفجرِ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها -وبه قالَ الإمامُ والمصنفُ، وأبداه ابن الصباغِ احتمالًا-: أنه يصحُّ في جميعِ الليلِ، كنيَّةِ الصومِ، وأصحُّها: أنه يختصُّ بالنصفِ الثاني من الليلِ، كأذانِ الصبحِ، ولأنَّ غرضَ المبكرِ لا يتجاوزهُ\rوقطعَ به القاضي أبو الطيبِ، وصاحبُ «المهذبِ»، والمتولي، والقاضي الحسينُ -وادعى أنه لا خلافَ فيه-، وآخرون\rوفرقَ الأولون بينه وبين الأذانِ: أن النصفَ الأولَ وقت اختيارِ العشاءِ فالأذان فيه يوهم أن الأذان لها فامتنع للإلباسُ، بخلافِ الغسلِ\rوالثالثُ إنما يصحُّ قبيلَ الفجرِ عندَ السحرِ، وبه جزمَ البغويُّ\rثُم هذا الغسلُ مستحبٌّ لكلِّ أحدٍ يحضرُ الصلاةَ أو لمْ يحضرْها؛ لأن القصدَ منه إظهارُ الزينةِ والجمالِ\rويُستحبُّ التنظيفُ أيضًا بإزالةِ الشعرِ المستحبِّ إزالتُه، وتقليمُ الأظفارِ، وإزالةُ الرائحةِ الكريهةِ من بدنِه وثيابِه؛ كما مرَّ في الجمعةِ\rالرابعةُ: يُستحبُّ التطيبُ:\rرُوي عنِ الحسنِ بن عليٍّ رضي الله تعالى عنهما أنه قال: أمرنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن نتطيبَ أجودَ ما نجدُ في العيدِ قال النواويُّ: وهو غريبٌ\rويستحبُّ أن يلبسَ أحسنَ ثيابهِ ويَتعممَ: روى الشافعيُّ: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يلبس في العيدين بردةَ حَبرَةً\rوالحَبِرة: بفتح الحاءِ وكسرِ الباءِ الموحدةِ، وهو نوعٌ من الثيابِ معروفٌ باليمنِ","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"وأفضلُ ألوانِ الثيابِ: [البياضُ] ، فإنِ استوى أو كان في الحُسنِ والنفاسةِ فالأبيضُ أفضلُ، فإن كانَ الأحسنُ ليسَ بأبيضَ فهو أفضلُ من الأبيضِ، فإن لم يجد إلا ثوبًا استحبَّ أن يغسلَه للجمعةِ والعيدِ\rويستحبُّ في استحبابِ ذلكَ كلِّه الخارجُ إلى الصلاةِ والقاعدِ في بيته كالغسلِ، لأنه يومُ زينةٍ فاستووا فيه، هذا في حقِّ الرجال ، أمَّا النساءُ :\rفقد قال البندنيجيُّ: إنهنَّ يحضرن صلاةَ العيدِ، سواء الشابةُ والعجوزُ على المذهبِ \rوحكاهُ الماورديُّ  عن بعضِ أصحابنا البغداديين ، وهو مقتضى إطلاقِ صاحبِ «التنبيه»، واستدلوا [له] بما أخرجه مسلمٌ  عن أُمِّ عطيةَ أنها قالت: أمرنَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نُخرج في العيدِ العواتقَ والحُيَّض وذوات الخدور، فأما الحُيَّض فيعتزلن [الصلاة] ويشهدن دعوة المسلمين\rو «الخدور» جمع «خدر»، وأصله: ما خدر من البيت يجعل عليه ستر يكون فيه البكر ، وأنه عليه الصلاة والسلام كان يخرج أزواجه وبناته \rوالذي أورده الرافعي  والماوردي  أنه يكره للشابة وذوات الجمال منهن حضور المصلى؛ لما فيه من خوف الفتنة عليهن وبهن،\r\rلقول عائشة : لو أدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل \rوقال المتولي : الأولى أن لا يخرجن\rوأما العجائز غير ذوات الهيئات فيستحب لهن الحضور في الثياب البذلة غير المصبوغة ، كما تقدم في كتابي الجماعة والجمعة\rوقال الصيدلاني: لا يستحب لهن الخروج بحال \rقال: والرخصة في خروجهن وردت في ذلك الوقت، فأما الآن فيكره، وهو قول أبي حنيفة ، والمذهب الأول \rقال الشافعي في «الأم» : أحب شهود النساء العجائز وغير ذوات الهيئات الصلاة والأعياد، وأنا لشهود الأعياد أشد استحبابًا مني لشهودهن غيرها من الصلوات المكتوبات","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"واستحسن المتولي للنساء أيضًا لبس ثيابهن الحسنة، ومقتضى  كلامه أن ذلك إذا كن في بيوتهن دون ما إذا خرجن إلى المصلى كما تقدم  قوله في الكتاب: «والتزين بالثياب البيض»: تقدم أن التزين لا يختص بالبيض منها \r===================\r(قال: ويحرمُ على الرجلِ التزينُ بالحريرِ والإبريْسِمِ  المحْضِ\rوفيه مسائل:\rالأولى: المركبُ من الإبريْسِمِ وغيرِهِ فيه طريقان، منهم من نظر إلى القِلَّة والكثرةِ في الوزنِ، ومنهم من نظر إلى الظهورِ [فأحل الخزّ وحرم العتابي ]  \rالثانية: الثوب المطرز والمطرف بالديباج مباحٌ إذ كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثوب كذلك ، والمحشو بالإبريسم والحرير مباحٌ إذ لا يعدُّ لابسُه لابسَ حرير، فإن كانتِ البطانة من حرير لم يجز؛ لأنه لم يحرم بسبب الخيلاء، بل لأنه ترفُّهٌ في خنوثة لا تليق بشهامة الرجل، وأمر الحرير أهون من الذهب، إذ المطرف بغير حاجة جائز، والمضبب غير جائز)\rالشرح\rالتزين بالحرير حرام على الرجال دون النساء، لما في الصحيحين : عن حذيفة أنه قال: نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لبس الحرير والديباج، زاد البخاري: وأن يجلس عليه ، وفي رواية لغيرهما: «هو لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» \rوالضمير في [لهم]  للكفار، وليس المراد أنها تباحُ لهم في الدنيا، فإن الصحيح أن الكفار مخاطبون بالفروع ، فهي حرام عليهم والمعنى: أنهم ينتفعون بها في الدنيا وإن كانت حرامًا عليهم وروي عن علي رضي الله تعالى عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يومًا وفي يمينه قطعة حرير وفي شماله قطعة ذهب فقال: «إن هذين حرامٌ على ذُكور أمتي» أخرجه أبو داود \rورواه البيهقي وغيره ","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"عن عقبة بن عامر ، وزاد فيه: «حل لإناثها» وقوله : «إن هذين حرام»: أي: حرام استعمالهما أو لبسهما ، والحل بكسر الحاء: الحلال  ويحرم على الخنثى  أيضًا لاحتمال كونه رجلًا، قطع به الأكثرون  قال الرافعي: ويجوز أن ينازع فيه  قال النواوي : وقياس قول المتولي جوازه؛ فإنه أجاز له لبس حلي النساء على ما سيأتي\rوذكر الأصحاب أن الفرش الحرير قطعوا بتحريمه على الرجل وإن كان كمد اللون، ونص عليه الشافعي في «الأم» ، وادعى الإمام  الاتفاق عليه، لكن المتولي والروياني  حكيا وجهًا أنه لا يحرم؛ لأنه ليس من الزينة، وفرق بعضهم  بينهما بأن الإبريسم: ما حل عن الدود بعد موته، والقز: ما قطعته الدودة وخرجت منه؛ فإنه لا يمكن حُلَّه وغزله ويجوز لبس الثياب من الكتان والقطن والصوف والشعر والوبر وإن كانت نفيسة؛ لأن نفاستها بصنعتها لا بحسنها، بخلاف الحرير وهو مجمع عليه ((، ولا فرق فيها بين الأبيض والأحمر والأخضر والأصفر والمخطط، فقد ثبت في الصحيحين : أنه عليه الصلاة والسلام لبس حلة حمراء وفي «سنن أبي داود» و «الترمذي»: أنه عليه الصلاة والسلام كان عليه ثوبان أخضران  وفي «صحيح مسلم» : أنه عليه الصلاة والسلام دخل مكة وعليه عمامة سوداء وفيه أيضًا عن عائشة : أنه عليه الصلاة والسلام خرج يومًا وعليه مرط مُرَّحل من شعر أسود والمرط بكسر الميم: الكساء\r\rوالمُرَّحل بالحاء المهملة: [الذي فيه صورة رحال الإبل] ، وهي الأكوار \rوفي الصحيحين : (أنه عليه الصلاة والسلام لبس جبة شامية من صوف ضيقة الكمين)\rلكن يحرم على الرجل لبس الثوب المزعفر، رواه البيهقي عن الشافعي، وحكاه العمراني أيضًا ","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"قال البيهقي: وأباح له العصفر وقال: إني إنما رخصتُ فيه لأني لم أجد أحدًا يحكي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - النهيَ عنه، إلَّا ما قالَ عليٌّ: نَهاني- ولا أقول: نهاكم- عن تختمِ الذهبِ ولباسِ العصفرِ رواه مسلم  قالَ البيهقيُّ : وقد ثبتَ ما دلَّ على عمومِ النهي وروى رواياتٍ تدلُّ عليه\rوقد أخرجَ مسلمٌ  عن عبدِ الله بن عمرٍو  بنِ العاصِ  قال: رآني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وعليَّ ثوبان معصفران فقال: «هَذِهِ من ثيابِ الكفارِ، فَلَا تَلْبَسْها»\rقالَ البيهقيُّ : ولو بلغَ الشافعيَّ لقالَ به، وروى بإسنادِه عنه أنَّه قالَ كلما قلتُ وكانَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - خلافه مما يصحُّ، فحديثُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أولى، ولا تقلدوني\rقالَ: وكره العصفرَ بعض السلفِ، وبه قالَ أبو عبدِ اللهِ الحليميُّ  – من أصحابنا- وظاهرُ كلامِ الأصحابِ:\r\rأن ما جاز لبسُه مصبوغًا لا فرقَ فيه بين أن يكونَ صبغُه قبلَ النسجِ أو بعدَه \rوعن القاضي  أنه قالَ في بابِ هيئةِ الجمعةِ: ما صُبغ بعدَ النسجِ إن كان صبغُه ليمنعَ الوسخَ جازَ لبسُه، وإن كان للزينةِ لم يجزْ للرجالِ لبسُه لأنه لباسُ النساءِ\rوفي الفصل مسائلُ:\rالأولى: الثوبُ المركَّبُ من الحريرِ وغيرِه فيه طريقان، أصحُّهما وبه قطعَ الجمهورُ : أنه إن كان الحريرُ أقلَّ وزنًا جازَ، وإن كان أكثرَ حَرُمَ، وإن استويَا فوجهان  أحدُهما: أنه يحرمُ تغليبًا للتحريمِ، ونسبه الماورديُّ  إلى البصريين من العراقيين وصحَّحه، وأصحُّهما وبه قطعَ الشيخُ أبو حامدٍ والبغداديون من العراقيين (: أنه لا يحرمُ لأن الأصلَ الحلُّ، والشارعُ إنما حرمَ الثوبَ للحرير، وهذا ليسَ بحريرٍ \rوقد روى أبو داود والبيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن ابنِ عباسٍ أنه قال: إنما نهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الثوبِ المصْمتِ ","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"من الحريرِ ، فأمَّا المقلَّم  وسدا الثوبِ  فليسَ فيه بأسٌ، وكأن  السرفُ يظهرُ في الكثيرِ دون غيرِه\rوالطريقُ الثاني –قاله  القفالُ وطائفةٌ من الخراسانيين، واختاره الإمامُ-: أنه لا اعتبارَ بالقلةِ والكثرةِ في الوزنِ ، بل المعتبرُ الظهورُ، فإن كان الحريرُ ظاهرًا: حَرُمَ وإن قلَّ وزنُه، وإن كان متسترًا لم يَحْرُمْ وإن كثر وزنه، لأن الخيلاءَ والمفاخرةَ إنما يجعلان لما يظهرُ، ويخرج من الطريقين القطعَ بالتحريمِ إن كان الحريرُ ظاهرًا وأكثرَ وزنًا لاجتماعِ المعنيين والقطعَ بحلِّ الخزِّ؛ فإنَّ سُداه حريرٌ ولُحمته صوفٌ، والسدا فيه أقلُّ من اللُّحمةِ، وهو لا يظهرُ، فيحلُّ لانتفاءِ الكثرةِ والظهورِ، وإنْ وُجدَ الظهورُ دون تمكنِه الوزنَ كالعتابي؛ فإنه مركَّبٌ من الحريرِ والقطنِ والحريرُ فيه أظهرُ، وإن قل وزنًا حلَّ على الأولِ دون الثاني \rقالَ الشيخُ أبو عمرٍو : [و]  لا يُتوهمُ [مما ذكر]  في الخزِّ أن سدا كلِّ ثوبٍ مطلقًا أظهرُ من لحمتِهِ، وأنَّ اللحمةَ مطلقًا أكثرُ من السدا فليس كذلك، بل يختلفُ باختلافِ الصنعةِ واختلافِ أنواعِ الثيابِ، فمنها ما يدفنُ الصانعُ اللحمةَ منه في السدا ويجعل السدا هو الظاهرُ، ومنها ما يُظهر اللحمةَ منه على السدا ويدفنُ السدا فيها\rوكذلك أيضًا منها ما يكونُ السدا منه أكثرَ وزنًا، ومنها ما يكونُ اللحمةُ أكثرَ وزنًا وإنما وقع الخزُّ على الوجهِ المذكورِ بسببِ الصنعةِ وكيفيتِها، وقد أطلق الخزُّ في هذا الزمانِ على نوعٍ أخرَ جميعُه إبريسم، فهو حرامٌ \rالثانية: يجوز لبسُ الثوبِ المطرزِ بالحرير ما لم يجاوزْ قدرَ أربعِ أصابعَ، فإن جاوزها حرمَ؛ لما رواه مسلمٌ: عن عمرَ بنِ الخطابِ: أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن الحرير إلَّا في موضعِ أصبعين أو ثلاثٍ أو أربعٍ \rويجوزُ لبسُ الثوبِ المطرَّفِ والمحببِ الديباجِ ما لم يجاوزِ العادةَ فيه","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"روى مسلمٌ : أنه عليه الصلاة والسلام كان له جبةٌ مكفوفةُ الفرجين بالديباج\rفلو جاوزَ العادةَ حرم اتفاقًا\rوترقيعُ الثوبِ بالديباجِ  كتطريزِه، وأطلقَ البغويُّ جوازَ ترقيعِه بقليلِ الديباجِ\rقالَ النواويُّ: وهو محمولٌ على هذا، ولو خاطَ ثوبًا بإبريسمَ جازَ لبسُه قطعًا، بخلافِ الدرعِ المنسوجةِ بذهبٍ، فإنها حرامٌ وإن قلَّ لكثرةِ الخيلاءِ فيه، وكلُّ أحدٍ يعرفُه \rولا يُخرَّجُ على التفصيلِ في الإناءِ المضببِ، فإن أمرَ الحريرِ أهونُ من أمرِ الذهبِ، بدليلِ: أنه يحرمُ على النساءِ أواني الذهبِ دون الحريرِ، ولو نظمَ سبحة في خيطٍ حريرٍ لم يحرمِ استعمالُها لعدمِ الخيلاءِ ذكرهُ النواويُّ وغيرُه \rولو أخذَ جبةً من غيرِ الحريرِ وحشاها إبريسمَ أو قزًّا، أو حشا القباءَ أو المخدةَ ونحوَها: جاز لبسُه واستعمالُه، نصَّ عليه الشافعيُّ في «الأمِّ» ، وقطعَ به الجمهورُ \r\rونقلَ الإمامُ الاتفاقَ عليه ،لأن الحشوَ ليس ثوبًا منسوجًا، ولا يعدُّ لابسُ هذا لابسَ حريرٍ\rوأشارَ  البغويُّ  إلى خلافٍ فيه فقالَ: يجوزُ على الأصحِّ، وهو ضعيفٌ \rوذكرَ الفورانيُّ في «العمدة» أنه يخرجُ على الخلافِ في استعمالِ الإناءِ من الذهبِ المطليِّ برصاصٍ، ولو لبس جبةً بطانتُها حريرٌ، لم يجزْ؛ لأنه لابسُ حريرٍ\rقالَ المتوليُّ : ومعنى الفخرِ والخيلاءِ وإن كان مرعيًّا في الحريرِ لكن فيه شيء آخر وهو أنه ثوبُ رفاهيةٍ وزينةٍ\rوإبداءُ زيٍّ يليقُ بالنساءِ دون شهامةِ الرجالِ\rقالَ الرافعيُّ : وهذا حسنٌ، لكنه لا يقتضي التحريمَ عند الشافعيِّ؛ لأنه قالَ في «الأمِّ»: ولا أكرهُ لبسَ اللؤلؤِ إلا للأذنِ، لأنه  من زيِّ النساءِ، لا للتحريمِ \rقالَ الإمامُ : ولو لبسَ ثوبًا ظهارتُه وبطانتُه قطنٌ وفي وسطه حريرٌ منسوجٌ فظاهرُ كلامِ الأئمةِ جوازُه وفيه نظرٌ واحتمالٌ","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"وعلى الجملةِ: فأمرُ الحريرِ أخفُّ من أمرِ الذهبِ؛ لأن المطرَّفَ بالحريرِ جائزٌ، بغير حاجة، والمضببُ لا يجوزُ من غيرِ حاجةٍ\rوهل يجوزُ أن يجعلَ في كلِّ طرفٍ من طرف  العمامةِ قدر أربع أصابعَ من حريرٍ\rقالَ صاحبُ  «الكافي» : يحتملُ وجهين، قال: وحكمُ الْكُمَيّن حكمُ طرفي العمامةِ، وفي «فتاوى الشيخِ عزِّ الدين» : أنه لا بأسَ باستعمالِ العمامةِ التي في طرفها من الحريرِ قدرَ شبرٍ، إلا أنه \rبين كلِّ قدر أصابعَ منها فوقَ قلمٍ من كتانٍ أو غيرِه \rقولُه في الكتابِ: «التزيُّنُ بالحريرِ والإبريسمِ : قالَ الشيخُ أبو عمرٍو: الإبريسمُ أعمُّ\rقالَ صاحبُ كتابِ «العين»: المموهُ ثيابٌ من إبريسم فخصَّصه بالثيابِ، وفي الإبريسم لغاتٌ: فتحُ الهمزةِ وكسرِها مع فتحِ الراءِ فيهما، وكسرِ الهمزةِ والراءِ\rقولُه: «ومنهم من نظرَ إلى الظهورِ فأحلَّ  الخزَّ وحرَّمَ العتابي»: المخصوصُ من هذه الطريقةِ تحريمُ العتابي لا تحليلُ الخزِّ فإنه حلالٌ في الطريقين لعدم ظهورِ الحريرِ فيه وقلتِه فإنه سداه\rوقوله: «والمحشو بالإبريسم والحرير مباحٌ» إذا قلنا: «الحريرُ مختصُّ به» فالمنسوجُ كأن فيه تعرضُ للمسألةِ المتقدمةِ وهي ما إذا جعل حشو الجبةِ إبريسم منسوجًا\rوقولُه: «فإن كانت البطانةُ من حريرٍ» لا يتعلقُ بمسألةِ الحشو، بل هي مسألةٌ مستقلةٌ\r\r(قالَ:\rالثالثةُ: افتراشُ الحريرِ محرمٌ على الرجالِ، وفي تحريمِه على النساءِ خلافٌ [تلقيًا]  من المفاخرةِ \rوفي تحريمِ إلباسِ الصبيان الديباجَ [خلاف] من حيث إن شهامةَ الصبي لا تأبى ذلك\rالرابعةُ: حيث حرمنا الحريرَ أبحناه لحاجةِ القتالِ، ولحاجة الحكةِ مع السفر، ولو انفردت عن السفرِ وأمكنَ التعهد ففيه خلافٌ، ووجهُ الجوازِ: أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أرخصَ لحمزةَ ولعبدِ الرحمنِ في الحريرِ لحكةٍ كانت به ولم يخصصْ )\rالشرح","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"الثالثة: تحريمُ الحريرِ على الرجالِ لا يختصُّ باللبسِ، بل يعمُّ سائرَ وجوه الاستعمالِ من الإفراشِ والتدبرِ والاستنادِ إليه والاستتارِ به ،\rوقالَ أبو حنيفة: يختصُّ باللبسِ \rوحكى الرافعيُّ عن أبي الفضلِ العراقي من أصحابنا وجهًا غريبًا: أنه يجوزُ لهم الجلوسُ عليه، والحديثُ المتقدمُ [رادٌّ]  عليهما وفيه التصريحُ بتحريمِ الجلوسِ؛ ولأنَّ السرفَ والخيلاءَ في سائرِ وجوهِ الاستعمالِ أظهرُ منه في اللبسِ فيكون بالتحريمِ أولى، ولأنه إذا حرم اللبسُ مع الحاجةِ فغيرُه أولى  ولو فرشَ على ثوب من حريرٍ ثوبًا من غيره وجلسَ عليه جاز، كما لو لبسَ الجبةَ المحشوة أو توسَّد الوسادةَ المحشوة،\r وكما لو بَسطَ على النجاسةِ ثوبًا وصلى  وفي تحريمِ افتراشِ الحريرِ على النساءِ طريقان : أحدهما: أن فيه وجهين: أحدهما: لا يحرم كاللبسِ، ولإطلاقِ قولِه عليه الصلاة والسلام: «حِلٌّ لِإِنَاثِهَا» \rثانيهما – وبه قطع البغويُّ  والشيخُ نصرالمقدسيِّ  -: أنه يحرمُ، كاستعمالِ الأواني للسرفِ والخيلاءِ، بخلافِ اللبسِ فإنه للزينةِ، فصارَ كالتحلي، وصححه الرافعيُّ والشيخُ ابنُ الصلاح \rوالطريق الثاني: القطعُ بجوازِه، وبه قالَ العراقيون بأسرِهم والمتوليُّ، وصحح النواويُّ الجوازَ  وهل لأولياء الصبيانِ إلباسُهم الحرير فيه ثلاثةُ أوجهٍ : أحدها: لا، فلا يلبسونَهم ولا يمكنونهم منه، لقولِه عليه الصلاة والسلام: «هذان  حرامٌ على ذكورِ أمتي» ،وكما يمنعه من شربِ الخمرِ والزنا وأكلِ مالِ غيرِه ونحوِه، وهو ما ذكره المقدسيُّ  في «تهذيبِه»، ورجَّحه ابنُ الصلاح \rوثانيهما: نعم؛ لأنَّ الصبيَ ليس مكلفًا، ولا هو في معنى  الرجلِ، إذ ليست له شهامة  لىذلك، وقطعَ به الفورانيُّ، وقالَ العمرانيُّ هو المشهورُ ،وصحَّحه الرافعيّ في «المحرر ","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"وثالثها:أنه يجوزُ إلى سبعِ سنين، فإذا بلغها حَرُمَ إلباسُه إياه لئلا يعتادَه؛ ولأن ابنَ السبع له حكمُ البالغين في أشياء قالَ النواويُّ: ولو ضبطَ سني التمييز كان حسنًا، لكن الشرعَ اعتبرَ السبع في الأمرِ بالصلاةِ وغيره  قالَ الرافعيُّ: ولم يذكرْ في التهذيبِ غيره  قالَ النواويُّ: قالَ في «التهذيب» : يجوزُ للصبيانِ لبسُ الحريرِ، غير أنه إذا بلغَ سبعَ سنين نُهي عنه، وليس صريحًا فيما قاله الرافعيُّ \rوتجري الأوجهُ الثلاثةُ في إلباسِهم حلي الذهبِ، وسيأتي إن شاءَ اللهُ تعالى، فعلى الصحيحِ تزين الصبيانِ في العيدِ بالحريرِ والحلي من الذهبِ وغيره، والصبغ  ذكورًا كانوا أو إناثًا\rقالَ الشيخُ عزُّ الدينِ: والأولى اجتنابُه خروجًا من الخلافِ، وإذا حرمناه فألبسه قريبه عصى ربَّه وقطعَ رحمَه، بخلافِ إلباسِ الأجنبيِّ والإساءةِ إلى الأقاربِ أقبح من الإساءةِ إلى الأجانبِ، كما في الإحسانِ وعلى ذلك؛ من قال: الطفلُ أقبحُ من عملِه من مالِ نفسِه؛ لأنه في الأول أساء إليه في نفسِه ومالِه، وفي الثاني في نفسِه خاصة \rالرابعة: حيث حرمنا لبسَ الحريرِ فذلك عند عدم الضرورةِ والحاجةِ، فإن اضطرَّ إليه كما إذا فاجأه القتالُ أو أصابه حرٌّ شديدٌ أو بردٌ ولم يجدْ ما يستر به عورةَ غيرِه جازَ على المذهبِ، وقد تقدمَ في آخر بابِ صلاةِ الخوفِ، و [هو]  يتكررُ هنا، وكذا إن احتاجَ إليه كما لو كان به حكةٌ أو جربٌ؛ لما ثبتَ في الصحيحين  عن أنسٍ: أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رخَّص للزبيرِ  وعبدِ الرحمنِ بن عوفٍ في لبسِ الحريرِ لحكةٍ بهما\r\rوفي «التنبيه»  رواية وجه أنه لا يجوز،\rوحكاه الرافعيُّ عنه وكذا؛ يجوز لبسُه لرفعِ القملِ، وجاء في بعضِ الرواياتِ في الزبير وعبد الرحمن بن عوف شكيا القملَ في بعضِ الأحوالِ فرخَّص لهما عليه الصلاة والسلام في لبسِ الحريرِ ","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"وهل يشترطُ السفرُ في ذلك أو لم يجزْ لمجردِ الحكةِ في الحضرِ فيه وجهان:\rأصحُّهما وأشهرهما وقطعَ به كثيرون : أنه لا يشترطُ، ويجوز في الحضرِ\rوثانيهما وأختارَه الشيخُ أبو محمدٍ وابنُ الصلاح : أنه يشترطُ؛ لأنه ثبتَ في روايةٍ في الصحيحين  في الحديثِ: أرخَصَ لهما في ذلك في السفرِ ؛ ولأنَّ السفرَ محل الحاجة؛ فإنه يشاغلُ عن المعالجةِ والإصلاحِ \rفَرْعٌ الكتابةُ في الحريرِ \rإن كان مما ينتفعُ به الرجالُ الكثيرو  المراسلات: لم يجزْ، وإن كانت للنساءِ ككتابةِ الصدقاتِ على العادةِ، فقد خرَّجه الشيخُ عز الدينِ على الخلافِ في جوازِ افتراشِهن الحرير؛ قال: وهذا أولى بالمنعِ؛ لأنه لا حاجةَ إليه، ولا يزينُ  به؛ وهو أبلغُ في الإسرافِ، وجزم النواويُّ بالمنعِ، ونقلَه عن الأصحابِ \rويشهدُ للأولِ وجهٌ ذكرَه الأصحابُ: أنه يجوزُ تحليةُ المصحفِ بالذهبِ إذا كان لامرأة خاصةً \rقولُه في الكتابِ: «أنه عليه الصلاةُ والسلامُ أرخصَ لحمزةَ وعبدِ الرحمنِ» : هذا غلط في حمزة، وليس له ذكر في ذلك، والذي أرخصَ له عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام، وهو ابن أخت حمزة، شقيقته صفية ، وحمزةُ المرادُ هو عمُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وليس شقيق أبيه ولا شقيق العباس، ولم يدركِ الإسلامَ من أعمامِه عليه الصلاة والسلام إلا أربعة: حمزةُ، والعباسُ  وأسلما، وأبو طالب –وهو شقيق أبيه عليه السلام  - وأبو لهبٍ ولم يسلما، وكانوا اثني عشر: هؤلاء الأربعة، والحارث –وهو أكبرهم-، والزبير، وعبد الكعبة ، والمقوم، وحجل – واسمه: المغيرة، وضرار، ومتم، والغيداق\rومنهم من قال: هم عشرة وقال: المقومُ وعبدُ الكعبة واحد، والغيداقُ وحجل واحد","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"ومنهم من قالَ: تسعة وأسقطَ: متم وكنية حمزة: أبو عُمارة، وقيل: أبو يعلى، وهما ابنان له، أسلمَ في السنةِ الثانيةِ من البعثِ، وقيل: في السادسةِ بعدَ دخولِه عليه الصلاة والسلام دارَ الأرقمِ، قيل: وكان أسنَّ من النبي - صلى الله عليه وسلم - بأربعِ سنين \rقالَ ابنُ عبد البر : ولا يصحُّ عندي؛ لأنه وردَ أنه أخوه من الرضاعِ، أرضعتهما ثويبة، إلا أن يرادَ: أرضعتهما في زمانين\rوقيل: كانَ أسنَّ منه بسنتين وشهد حمزة بدرًا وأبلى  بلًاء حسنًا مشهورًا، وكان\rمشهورًا، وقتله وحشُي  بنُ حرب ، الحبشي مولى جبير بن مطعم \rيوم أُحدٍ على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة ، بعد أن قاتل قتالًا شديدًا، وهو ابن تسع وخمسين سنة\rودفن مع ابن اخته عبد الله بن جحش  في قبر واحد وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال عنه: «حمزة سيد الشهداء»  وفي رواية جبير: ومثَّلَتْ به هند بنت عتبة  وأصحابها وبأصحابه، وأخرجت كبده [فلاكتها]  ولفظتها وكان قَتَل أباها [وقتل]  عمها شيبة، وأقسم عليه السلام لئن ظفر بقريش [ليمثل بهم ويقتل ] تسعين، فأنزل الله تعالى: { } ، { }  فكفَّر عن يمينه","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"وأما عبد الرحمن بن عوف فهو الزهري كنيته أبو محمد، وكان اسمه عبد عمرو، وقيل: عبد الكعبة، فسماه عليه الصلاة والسلام عبد الرحمن ولد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم قبل أن يدخل عليه الصلاة والسلام: دار الأرقم، من أصحاب الهجرتين هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة قبل الهجرة، وهاجر إلى المدينة، وآخى عليه الصلاة والسلام بينه وبين سعد بن الربيع ، وشهد المشاهد كلها، وهو أحد العشرة الذين شهد لهم عليه الصلاة والسلام بالجنة وأحد الستة الذين جعل عمر فيهم الشورى في الخلافة، وأخبر أنه عليه الصلاة والسلام تُوفي وهو راضٍ عنهم، وصلى رسول الله ج خلفه في سفره، وروي أنه قال: «إنه أمين في أهل السماء، وأمين في أهل الأرض»  وهو الذي جعل الخلافة في عثمان، وكان عليه الصلاة والسلام آخى بينهما ولم يحزها لنفسه، وجرح في يوم أحد إحدى وعشرين جراحة، واكتسب مالًا عظيمًا جله ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومائة فرس [  ]  زوجته التي طلقها في مرضه عن ملك اليمين على ثلاثة وثمانين ألفًا، توفي سنة إحدى وقيل: اثنتين  وثلاثين، وهو ابن خمس\rوقيل: اثنتين، وقيل: ثمان وسبعين سنة بالمدينة، وصلى عليه عثمان ، وهذا كله على شرط هذا الشرح في بيان حال من يذكر فيه وقوله: «ولم يصحح» قال ابن الصلاح : يقال عليه: إنه تُعُوِّد في الأصول؛ أن التمسك  بعموم الأفعال ووقائع الأعيان لا يصح؛ لجمعه عليه الصلاة والسلام في السفر وقوله: قضى بالشفعة فيما لم يقسم  أنها لا تقع [إلا على وجه]  واحد معين وإن كان لفظ  الناقل مطلقًا، وجوابه أن التمسك هنا واقع بإطلاق إذنه عليه السلام في اللبس للحكة من غير تفصيل بين سفر وحضر، فيكون تمسكًا بعموم قولٍ لا فعلٍ، لكنه بطل من وجه آخر وهو أن الإطلاق منتفٍ لثبوت التقييد بالسفر في رواية\rفروعٌ تتعلق باللباس\rالأول:","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"قالالشيخ أبو حامد: يحرم تعليق ستور الحرير لأنه سرف، وقال الشيخ نصر في «تهذيبه» : يحرم تنجيد البيوت بالثياب المصورة وغيرها من الحرير وغيره، لنهيه عليه الصلاة والسلام عن ستر الجدر\rقال النواوي : تحريمه عن المصورة من غير الحرير ضعيف، والصواب أنه مكروه لا حرام، وأما ما في «صحيح مسلم»  عن عائشة؛ أنها قالت: أخذت  غطاءً فسترته على الباب، فلما قدم النبي – صلى الله عليه وسلم - رأى النمط عرفت الكراهة في وجهه فجذبه حتى هتكه أو قطعه، وقال: «إن الله لم يأمرنا أن نكسوا الحجارة والطين»\rفجوابه من وجهين :\rأحدهما: أن هذا النمط كان فيه صورة الخيل وغيرها، وقد صرح به في باقي الروايات\rوثانيهما: أنه ليس فيه تصريح بتحريمه، بل فيه أن الله تعالى لم يأمره به، وهذا يقضي نفي الوجوب والندب فقط، وقال المصنف في «الإحياء» : تزيين الحيطان بالحرير لا ينتهي إلى التحريم، إذ الحرير محرّم على الرجال، وأما على الحيطان ليس لبسًا منسوبًا إليهم، ولو حرم هذا لحرم تزيين الكعبة، بل الأولى إباحته بموجب قوله تعالى: {   ٹ ٹ}  لا سيما في وقت الزينة إذا لم تتخذ عادة للتفاخر، وإن تخيل بأن الرجال ينتفعون بالنظر إليه\rقيل: لا يحرم عليهم الانتفاع بالنظر إلى الديباج مهما لبسه الجواري فالحيطان في معناهن  انتهى\rلكن الفرق بين إلباس الجدران والنسوة واضح، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : لا بأس بستر جدر المسجد  بالثياب من غير الحرير للإحرام، وأما الثياب الحرير فيحتمل أن يلتحق بالزيت لقناديل الذهب والفضة، ويحتمل أن يجوز قولًا واحدًا؛ لأن أمر الحرير أهون من الذهب والفضة؛ ولذلك يجوز استعمال الثياب المتخذة من الحرير وغيره إذا كان الحرير مغلوبًا، ولا يجوز مثله في الفضة، ولم تزل الكعبة تستر بالحرير، فلا يبعد إلحاق غيرها من المساجد بها، وأما مشاهد العلماء والصلحاء فحكمها حكم البيوت في الجواز والمنع انتهى","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"وقد نقل ابن يونس  في «اختصار الوجيز» جواز إلباس الكعبة الحرير\rالثاني: يجوز اتخاذ الستور على الأبواب ونحوها إذا لم تكن حريرًا ولا فيها صور محرمة \rالثالث: تحرم إطالة الثوب والإزار والسراويل عن الكعبين للخيلاء، ويكره لغير الخيلاء  رواه البويطي عن الشافعي  وقد ورد فيه أحاديث\rقال النواوي : والإسبال في العمامة وهو: إرسال طرفها إرسالًا فاحشًا كإسبال الثوب، لما رواه أبو داود والنسائي  بإسناد صحيح؛ أنه عليه الصلاة والسلام قال: «الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر شيئًا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» ويجوز للمرأة إرسال الثوب على الأرض لما أخرجه الترمذي ؛ أنه عليه الصلاة والسلام قال: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» قالت أم سلمة: كيف تصنع النساء بذيولهن فقال: «يرخين شبرًا» قالت: إذًا تنكشف أقدامهن فقال: «ترخينه ذراعًا ولا تزدن عليه»\rالرابع: يكره المشي في نعل واحدة أو خُفٍّ واحدة ونحوه لغير عذر، نص عليه النواوي وغيره ، والنواوي: وإذا انقطع شسع نعله فينبغي له أن يخلع الأخرى، وقد ثبت في «صحيح مسلم»  أنه عليه الصلاة والسلام قال: «لا يمشي أحدكم في النعل الواحدة ولينتعلهما جميعًا أو ليخلعهما جميعًا»","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"والمعنى فيه: أن مشية تخيل بذلك لما فيه من رفع إحدى الرجلين عن الأخرى وربما كان السبب للفناء؛ ولأن فيه مثلة وقلة وقار، وقيل: لما فيه من العدل بين الرِّجْلَين، والعدل مأمور به قال النواوي : ويكره أن يلبسهما قائمًا لما رواه  أبو داود عن جابر أنه عليه الصلاة والسلام نهى أن ينتعل الرجل قائمًا قال الخطابي: سبب النهي عثره وخوف انقلابه إذا انتعل قائمًا قال: ويدخل في النهي كل لباس [شفع كالخفين]  وإدخال اليدين في الكمين فيكره أن يدخل يدًا في كمه ويخرج الأخرى لاستواء الجميع في أنه قد يشق عليه قال النواوي : وما قاله في الكم لا نوافق عليه\rالخامس: مستحب ترك الترفع في اللباس تواضعًا، وأن يتوسط فيه ولا يقتصر على ما يزرى  به لغير حاجة ولا مقصود شرعي\rقال المتولي والروياني : يكره لبس الثياب الخشنة مع الاستغناء إلا لغرض\rقال النواوي : والمختار ماتقدم ويدل عليه ما خرجه الترمذي  أنه عليه الصلاة والسلام قال: «من ترك اللباس تواضعًا لله تعالى وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره الله من أي حلل الإيمان يلبسها» قال: ويستحب تقصير الكم لما أخرجه  الترمذي  عن أسماء ؛ أن قميص رسول الله ج كان إلى الرسغ قال: ويجوز لبس العمامة بإرسال طرفها وبغير إرساله، ولا كراهة في واحدٍ منهما، ولم يصح في النهي عن ترك إرسالها شيء\rالسادس: يستحب أن يبدأ في لبس الثوب والنعل والسراويل والخف باليمين، ويخلع باليسار؛ فقد ورد فيه أحاديث، ويستحب لمن لبس شيئًا جديدًا من ذلك أن يقول ما رواه أبو داود والترمذي  عنه عليه السلام أنه كان إذا استجد ثوبًا؛ أو عمامة أو قميصًا أو رداءً يقول: «اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه أسألك خيره وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له»","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"السابع: يستحب غسل الثوب إذا توسخ، وإصلاح الشعر إذا تشعَّث؛ لحديث جابر قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى رجلًا شعثًا قد تفرَّق شعرُه فقالَ: «أما كان هذا يجدُ ما يسكن شعره»، ورأى رجلًا عليه ثيابٌ وسخةٌ فقال: «أما كان هذا يجد ما  يغسلُ به ثوبَه» ، ورواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ على شرطِ الشيخين\rقالَ الشيخ عزُّ الدينِ : ولا يحرمُ استعمالُ النشاءِ في الثيابِ؛ لأنه استعمالٌ في مصلحةٍ  من غير استهانةٍ بالطعامِ، والأولى اجتنابُه\rالثامن: قالَ: يجوزُ لبس القميصِ و [القباء] والفرجية ونحوها مزرورًا ومحلول الأزرار إذا لم تتعرَّ عورتُه، ولا كراهةَ في واحدٍ منها قلتُ: ينبغي اختصاصُ عدم كراهةِ القباءِ عن معتادِه، وكذا من لا يعتاده ولبسه تحتَ ثيابِه، أما إذا لبسه ظاهرًا ينبغي [أن]  يكره كلبسِ القميصِ القباء في بلادنِا وقد تعرضوا له في كتابِ القضاءِ، وأن ذلك فعل بالمروءة قالَ الشيخُ عزُّ الدينِ : وإفراطُ توسيعِ الثيابِ والأكمامِ بدعةٌ وسرف وتضييع للمالِ ولا بأسَ بلبسِ شعارِ العلماءِ ليعرفوا بذلك فيُسألوا ، [فقال: إني]  كنتُ محرمًا فأنكرت على جماعةٍ من المحرمين –لا يعرفوني- ما أخلوا به من آدابِ الطوافِ؛ فلم يقبلوا فلما لبست ثياب الفقهاء وأنكرت على الطائفين ما أخلو به من آداب الطواف [سمعوا]  وأطاعوا، فإذا لبس ثياب الفقهاء لمثل هذا الغرض كان فيه [أجر لأنه سبب]  إلى امتثالِأمرِ اللهِ تعالى \rالتاسع: يَحْرُمُ على الرجلِ أن يتشبَّه بالمرأةِ في اللباسِ وغيرِه، وعلى المرأةِ أن تتشبَّه بالرجلِ في ذلك على المذهبِ  وقالَ صاحبُ «المعتمد» : يكره ولا يحرم \rويدلُّ على التحريمِ: ما أخرجَه البخاريُّ  عن ابنِ عباسٍ أنه قالَ: لعنَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - المتشبهينَ من الرجالِ بالنساءِ، والمتشبهاتِ من النساءِ بالرجال","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"قالَ النواويُّ : وفي «صحيحِ مسلمٍ» :أنه عليه الصلاةُ والسلامُ قال: «صِنْفَانِ  مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ  بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مميلات مَائِلاَتٌ، رُءُوسُهُنَّ كأَسْنِمَةِ  الْبُخْتِ\r[المائلة]  لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مسيرة كَذَا وَكَذَا»\rمعنى «كاسياتٌ عارياتٌ»: أنها تلبسُ ثوبًا رقيقًا يصفُ لونَ بدنِها، وقيلَ: كاسياتٌ من نعمةِ اللهِ، عارياتٌ من شكرِها وقيلَ: تسترُ بعضَ بدنِها وتكشفُ بعضَه  إظهارًا لجمالِها \rومعنى «مائلاتٌ»: أي: عن طاعةِ اللهِ تعالى وما يلزمهنَّ حفظُه\r«ممثلاتٌ»: أي: يعلِّمن غيرَهُنَّ فعلهنَّ المذمومَ، وقيلَ: يَمشينَ متبختراتٍ ممثلاتٍ لآدابِهن\rوقيل: «مائلاتٌ»: يمشطنَ المشطَةَ المثلى وهي مشطةُ البغايا، و «ممثلاتٌ»: يمشطنَ غيرَهُنَّ تلك المشطةَ\rومعنى «رءوسهُنَّ كأسنِمَةِ البختِ»: أي: يكبرنَها ويعظِّمنَها بلفِّ عمامةٍ أو عصابةٍ ونحوِهِ \rقالَ الرويانيُّ : قالَ بعضُ أصحابِنا: يكرهُ للنساءِ البيضُ والفضةُ لِمَا فيه من التشبِّه بالرجالِ، قال: وفيه نظرٌ عندي\rالعَاشِرُ: سئل الشيخُ عزُّ الدينِ بن عبدِ السلام عمَّا إذا عُرفَ  ببلد اختصاصُ بعضِ المنتسبين إلى التديُّنِ بنوعٍ من اللباسِ كفوطةٍ وعمامةٍ  لطيفةٌ هل ينبغي أن يُجتنبَ حذرًا من الشهرةِ \rفأجابَ: بأنَّ فاعلَه إن كان قويًّا لا يخشى على نفسِه الفتنةَ فلا يتركُه كما لا يتركه غيرُه من الصالحين، وإن خَشي على نفسِه الفتنةَ والرياء فليتركْه، ولا فرقَ بين من عُرف بالصلاحِ وبين من لمْ يُعرف بِه\r==================\r(قالَ:\rالسُّنَّةُ الخَامسةُ\rإذا اغتسلَ وتزينَ وتطيبَ فينبغي أن يقصدَ الصحراءَ ماشيًا فهو أولى من الركوبِ","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"وليُبكِّرْ في عيدِ الأضحى ليتسعَ وقتُ التضحيةِ بعد الصلاةِ، وليتأخرْ قليلًا في الفطرِ ليتسعَ تفرقة الصدقاتِ وليفطرْ في عيدِ الفطرِ قبل الصلاةِ، وليمسك في عيدِ النحرِ حتى يصليَ والصلاةُ في الصحراءِ أفضلُ إلا بمكةَ، فإن اتسعَ المسجدُ ببلدٍ أخرى فوجهان :\rأحدُهما: المسجدُ أولى كمسجدِ مكة\rوالثاني: لا؛ لأنَّ مكةَ مخصوصةٌ بالشرفِ)\r\rالشرحُ\rلما ذكرَ حجةُ الإسلامِ استحبابَ التزينِ للعيدِ   أعرضَ النظرَ في التزين المباحِ والمحرمِ فبيَّن حكمَه ثم عادَ بعده إلى ترتيب السننِ فإذا اغتسلَ وتزينَ وتطيبَ فليقصدِ المصلى ماشيًا ولا يركب؛ لما رُويَ: أنه عليه الصلاة والسلام لمْ يركبْ في عيدٍ ولا جنازةٍ\rرواه الشافعيُّ وابنُ خزيمة  \rوروى الترمذيُّ  عن عليٍّ كرَّم اللهُ وجهَه أنه قال: من السُّنَّةِ أن يخرجَ إلى العيدِ ماشيًا وقال: حديثٌ حسنٌ\rوقالَ النواويُّ : وليس بحسن؛ فإن مدارَه على الحارثِ الأعورِ  واتفقوا\rعلى ضعفِه \rفإن عجزَ أو ضعفَ لكبرٍ أو مرضٍ فله أن يركبَ، وأما الرجوعُ: فإنْ شاءَ ركبَ وإن شاءَ مشي، إلا أن يتضررَ الناسُ بركوبِه لزحمةٍ أو غيرها فيكره، ولا يعذرُ في ركوبِه ذاهبًا لمنصبِه ورئاستِه، ويستوي في ذلك الإمامُ وغيرُه،  ويستحبُّ لغيرِ الإمامِ أن يبكرَ لصلاة العيدِ بعد الفجرِ ليأخذَ مجلسَه وينتظر الصلاةَ \rوأما الإمامُ: فيستحبُّ له تأخيرُ الخروجِ إلى الوقتِ الذي يصلى فيه؛ للأحاديثِ الصحيحةِ : أنه عليه الصلاة والسلام كانَ إذا خرجَ يومَ العيدِ فأول شيء يبدأ به: الصلاة؛ ولأنه أبلغُ في مهابتِه\rويستحبُّ له أن يبكرَ في عيدِ الأضحى قليلًا ليتسعَ وقتُ التضحيةِ، ولا يتأخر، وأن يؤخرَ في عيدِ الفطرِ ليتسع وقتُ إخراجِ صدقةِ الفطرِ ","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"وروى الشافعيُّ والبيهقيُّ : أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كتبَ إلى عمرِو بن حزم : «أن عَجِّل الأضحى  وأخِّر الفِطرَ»\rقالَ النواويُّ: لكنَّه مرسلٌ ضعيفٌ\rويستحبُّ للإمامِ وغيرِه أن يأكلَ يومَ الفطرِ قبلَ الصلاةِ، وأن يأكلَ التمرَ وترًا، وأن لا يأكل يوم النحرِ حتى يفرغَ من الصلاةِ \r\rوعن بريدةَ : أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يخرجُ يومَ الفطرِ حتى يطعمَ، ويوم النحر حتى يرجعَ فيأكلَ من نسكِه أخرجَه الترمذيُّ وأحمدُ والحاكمُ   وصحَّحه وغيرُهم\rوقولُه: «يطعمُ» بفتح الياء والعين، أي: يأكلُ\rوروى البخاريُّ  عن أنس: أنه - صلى الله عليه وسلم - كانَ لا يخرجُ يومَ الفطرِ حتى يأكلَ تمراتٍ ويأكلهُن وترًا\rقالَ العلماءُ: وإنما فرَّق بينهما لأنَّ السنةَ أن يتصدقَ في عيدِ الفطرِ قبل الصلاةِ، فاستحبَّ له الأكلُ ليشاركَه المساكين في ذلك \rوالصدقةُ في عيدِ الأضحى بعدَ الصلاةِ من الأضحيةِ، فاستحبَّ موافقتَهم  ولأنَّ الأكلَ حرامٌ فيما قبلَ يومِ الفطرِ فندبَ [إلى] الأكل فيه قبلَ الصلاةِ لتتميزَ عمَّا قبلَها، وفي الأضحى ليسَ كذلك \rوقالَ بعضُ الفقهاءِ : كان الفطرُ في ابتداءِ الإسلام حرامًا قبل الصلاةِ فقدم ليعلم نسخه\rقالَ الشافعيُّ في «الأمِّ» : ونحنُ نأمرُ من يخرجُ إلى المصلى أن يأكلَ ويشربَ قبل أن يغدوَ إليه، فإنْ لم يفعلْ أمرناه بذلك في طريقِه أو المصلى إن أمكَنَه، فإنْ لمْ يفعلْ فلا شيءَ عليه، ويكره له أن لا يفعَلَه\rويجوزُ إقامةُ صلاةِ العيدِ في المسجدِ الجامعِ وفي المصلى، وأيُّهما أولى ينظر؛ فإنْ كانَ بمكةَ؛ فالمسجدُ الحرامُ أولى بلا خلافٍ؛ لأنَّ الأئمةَ لم يزالوا يصلُّونها فيه، والمعني فيه فضيلةُ البقعةِ، ونظافتها، ومشاهدةُ الكعبةِ ","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"وإن كانَ في غيرها فإنْ كانَ في بيتِ المقدسِ فقد قالَ الصيدلانيُّ والبندنيجيُّ والمصنفُ في «الخلاصةِ»،والرويانيُّ: صلاتُها في المسجدِ الأقصى أفضلُ ولم يتعرضْ له الجمهورُ، وظاهرُ إطلاقِهم: أن بيتَ المقدسِ كغيرِه، وإنْ كانَ في غيرِهِما من البلادِ \rفإنْ كانَ عُذِرَ في تركِ الخروج  إلى الصحراء من مطرٍ أو ثلجٍ أو بردٍ أو وحلٍ أو خوفٍ أو نحوِه: فإقامتُها في المسجدِ أولى؛ لما روي عن أبي هريرةَ قال: أصابَنا مطرٌ في يومِ عيدٍ فصلى بنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في المسجدِ أخرجَه أبو داود والحاكمُ وصحَّحه \rورُوي عن عُمرَ وعثمان أيضًا \rوإنْ لم يكنْ عذرٌ فإنْ كانَ المسجدُ ضيقًا: فإقامتُها بالصحراءِ أولى؛ لما في الصحيحين: أنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ كانَ يخرجُ إلى المصلى \rولأنَّ الناسَ يكبرون في صلاةِ العيدِ، فإذا  كانَ المسجدُ ضيقًا تأذوا وشقَّ عليهم \rويكرَهُ إقامتُها في المسجدِ وإنْ كانَ المسجدُ واسعًا فوجهان :\rأصحُّهما – وهو نصُّه في «الأمِّ»  وبه قطعَ العراقيون-: أن صلاتَها في المسجدِ أفضلُ كما في مكةَ، ولفضيلةِ المسجدِ ونظافته وسهولة الأمرِ على الناسِ عند سعتِه\rوالثاني: أن إقامتَها في الصحراءِ أفضلُ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام واظب على إقامتها بها؛ ولأنَّ ذلك أرفقُ بالناسِ؛ فإنمَّا حضرها الداني والقاصي والفرسانُ والرَّجَّالة، والنساءُ الحُيَّضُ ولا يتأتى دخولُهن المسجدَ، وهذا  أصحُّ عند جمهورِ الخراسانيين، وقطع به جماعةٌ منهم، وأجابَ الأولون عن هذا بأنَّ مسجدَ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يضيقُ عليهم لكثرةِ الخارجين إليها \rقالَ الماورديُّ : فصار  مصلى المدينةِ [اليوم]  داخلَ البلدِ؛ لأنَّ العمارةَ زادت واتصلت به، فصارَ مصلاهُم اليومَ عند رحبةِ دارِ عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"قالَ الرافعيُّ  وفي كلامِهم ما يوهم بناء هذا الخلافِ على أنَّ إقامةَ الصلاةِ بمكةَ كان لفضيلةِ المسجدِ الحرامِ؛ أو لسعةِ الخطة\rفإن قُلنا بالثاني فالمسجدُ أولى في سائرِ البلادِ، وإنْ قلنا بالأولِ فلا انتهى\rولو تركَ المسجدَ الواسعَ وصلَّى في الصحراءِ فينبغي أن يستخلفَ من يصلي في البلد بضعفةِ الناسِ كالشيوخِ والمرضى والزمنى \rروى الشافعيُّ : أن عليًّا رضيَ اللهُ [تعالى] عنه استخلفَ أبا مسعود الأنصاري  ليصليَ بضعفةِ الناسِ في المسجدِ، وهذا على المذهبِ في أنَّ صلاةَ العيدِ لا يشترطُ فيها ما يشترطُ في الجمعةِ، فإن شرطناه ولم يستثنَ إقامتها خارجَ البلدِ لم تُقْمْ في الصحراءِ، وإن استثنيناه امتنعَ استخلاف من يصلي بالضعفة، ولم تقم إلا في موضع واحد كالجمعة، وإذا أقامها في المسجدِ لعذرٍ أو غيرِه وضاقَ عنهم: استخلفَ من يصلي بالناسِ في موضعٍ آخرَ يكونُ أرفق بهم\rوإذا حضرَ النساءُ المسجدَ أو المصلى: اعتزلَه  الحُيَّضُ منهن ووقفنَ عند بابِه؛ لحديثِ أمِّ عطية \rفَرْعٌ\rهل يثبتُ لمصلى العيدِ والجنائزِ ونحوهِما حكمُ المسجدِ حتى يؤمرَ الداخلُ إليه بأن يصليَ تحيةَ المسجدِ فيه وجهان حكاهما الدارميُّ :\rأشهرهُما وأصحُّهما: لا ؛\rلأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر برجمِ ماعزٍ  لما اعترفَ بالزنا فرُجم في مصلى الجنائزِ  والبقيعِ، ولو ثبتَ له حكمِ المسجدِ لحرمَ رجمُه [فيه]  لما فيه من تلويثِه بالدمِ \rوثانيهُما: أنه يثبتُ له ذلك، فإنْ وقَّفَ مسجدًا ثبت له حكمُ سائرِ المساجدِ\rقولُه في الكتابِ: «فليقصدِ الصحراءَ ماشيًا» مرادُه: ذكرُ استحبابِ المشي لا قصدُ الصحراءِ، فإنه ذكَرَهُ  من بعدُ، وهو عامٌّ في حقِّ كلِّ أحدٍ ","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"وقولُه: «وليبكرْ في عيد الأضحى  » إلى آخرِه: التفرقةُ مختصَّة بالإمامِ، أما غيرُه فيستحبُّ أن يبكرَ فيهما مطلقًا، و «الأضحى» جمعُ «أضحاة»، يقالُ: أضحاة وأضحى كـ: أرطاة وأرطى، وهي شجرة تسمى اليوم بذلك لوقوعِ الأضحيةِ فيه، والأضحى يذكرُ ويؤنثُ، وقيلَ: الأضحى لغةٌ في الأضحيةِ \rوقولُنا: «يوم الأضحى» أيْ: يومُ الأضحيةِ أو يومُ الأضاحي، والأولويةُ المذكورةُ في الفعلِ كلها على جهةِ الندبِ\rوقولُه: «والصلاةُ في الصحراءِ أفضلُ إلا بمكةَ» هذا عند ضيقِ المسجدِ لما ذكَرَه منِ بعدُ\r================\r(قالَ:\rالسَّادِسَةُ\r(ينبغي أن يخرجَ القومُ قبلَ الإمامِ ينتظرونَه، ولا بأسَ لو صلَّوْا متنفِّلين، فإذا خرجَ الإمامُ يحرم بالصلاةِ ولم ينتظرْ أحدًا، فإذا انتهى إلى الصلاةِ نُودي: «الصلاةَ جامعةً» \rويُحرمُ بالصلاةِ فيقرأ دعاءَ الاستفتاحِ أولًا، ثم يكبِّرُ سبعًا سوى تكبيرةِ الإحرامِ والْهَوِىِّ، ويقولُ بينَ كلِّ تكبيرتين:  «سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا الله، واللهُ أكبرُ» ؛ فإذا فرغَ منها تعوذَ وقرأ الفاتحةَ وسورةَ {ھ} ويستحبُّ رفعُ اليدين في هذهِ التكبيراتِ \rوقالَ أبو حنيفةَ: التكبيراتُ ثلاثٌ  في كلِّ ركعةٍ )\rوقالَ مالكٌ: الأولى ستٌّ وفي الثانيةِ خمسٌ\rوهو مذهب ابنِ عباسٍ \rالشرحُ\rالسُّنةُ: أن يبكرَ القومُ بالخروجِ إلى الصلاةِ بعدَ الفجرِ ينتظرونَ الإمام، وهو لا يخرج إلا عند الصلاة  كما تقدَّم؛ لأنَّ انتظارَهم إياه أولى من انتظارِه إيَّاهم\rولا يُكره للقوم التنفلُ قبلَ الصلاةِ ولا بعدَها ، وقالَ أحمدُ: يكره التنفلُ قبلَهاوبعدَها ، وقالَ أبو حنيفةَ: يُكره قبلَها لا بعدَها \rوقالَ مالكٌ: يكره في المصلى، وعنه: في المسجدِ روايتان ","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"لنا: أنه ليسَ وقتًا منهيًّا عن الصلاةِ فيه، وليس هناك ما هو أهمُّ من الصلاةِ فلم يمنعْ منها، ورُوي ذلك عن جماعةٍ من الصحابةِ والتابعين منهم: أنس، وأبو هريرة، والحسن البصري ، وأبو بردة، وغيرهم \rوليسَ ذلك بِسُنَّةٍ؛ إذْ لا سنةَ لصلاةِ العيدِ قبلَها ولا بعدَها، ويُكره للإمامِ أن يصليَ قبلَها ولا بعدَها في المصلى؛ لئلا يوهمُ أن ذلك سنةٌ، ولا يُصلِّي التحيةَ؛ فإنها جعلتْ كصلاةِ العيدِ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يصلِّ قبلَها ولا بعدَها ، ثم يشتغلُ بالصلاةِ عقبَ خروجِه، وينادَى لها: «الصلاةَ جامعةً» وهما منصوبانِ على الإغراءِ والحالِ، أو يقول: «الصلاةُ»، وقد تقدَّم بسطُه في بابِ الأذانِ \rوقالَ القاضي الحسن  في تعليقِه يقولُ: «الصلاةَ الصلاةَ»\rولا يقولُ: «الصلاةَ جامعةً»، وهو غريبٌ ، وإذا أحرمَ يصلي العيدُ مطلقًا، فيستحب أن يقرأَ دعاءَ الاستفتاحِ كسائرِ الصلواتِ وحكى صاحبُ «البيان»  قولًا أنه يقرأه بعد التكبيراتِ، والمذهبُ الذي قطعَ به الجمهورُ: الأولُ  ثم يكبِّر سبعَ تكبيراتٍ سوى تكبيرتي الإحرامِ والهَوِيِّ؛ لما رواه عمرُو بنِ شعيبٍ  عن أبيه عن جدِّه: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ يكبِّر في الفطرِ في الأولى سبعًا، وفي الثانيةِ خمسًا، سوى تكبيرة الصلاةِ رواه أبو داود والترمذيُّ \rوقالَ في كتاب «العلل» : سألتُ البخاريَّ عنه فقالَ: حديثٌ صحيحٌ\rوقالَ الترمذيُّ عن كثير بن عبد الله  عن أبيه عن جدِّه: أنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ كان يكبِّر في العيدين في الركعةِ الأولى سبعًا، وفي الثانيةِ خمسًا قبلَ القراءةِ \rونصَّ بحسنِه وقالَ: إن البخاريَّ قال: ليسَ في البابِ أصحُّ منه \rوبه قالَ أكثرُ العلماءِ من الصحابةِ والتابعين ","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"قالَ الشافعيُّ : ويستحبُّ أن يقفَ بين كل تكبيرتين من الزوائدِ قدرَ قراءةِ آيةٍ لا طويلةَ ولا قصيرة، يهلل اللهَ تعالى ويكبِّرَه ويحمده ويمجده\rقالَ الجمهورُ: فيقولُ بينَ كلِّ تكبيرتين: «سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلا الله، واللهُ أكبر»، وهو المذكورُ في الكتابِ، ولو زادَ عليه جازَ \rوقالَ القاضي في «الفتاوى»: قالَ المسعوديُّ: لا يقول: «واللهُ أكبرُ»؛ لأنَّه إذا قاله يصير آتيًا تكبير العيدِ ؛ لأنَّ القصدَ إليه ورفعُ اليدِ غيرُ شرطٍ، بل سنةٌ كرفعِ الصوتِ، فيكفيه أن يقولَ بينَ كلِّ تكبيرتين: «سبحانَ اللهِ وبحمده» و: «سبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ» \rوحكى الصيدلانيُّ  عن بعضِ الأصحابِ أنه يقولُ: «لا إله إلا الله، وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير»وقالَ ابنُ الصباغ (  أ) : لو قالَ ما اعتادَه الناسُ: «اللهُ أكبرُ كبيرًا، والحمدُ للهِ كثيرًا، وسبحانَ اللهِ بكرةً وأصيلًا، وصلى اللهُ على [سيدِنا]  محمد وآلِه وسلّم كثيرًا» كان حسنًا قالَ الشيخُ أبو عمرٍو : وكذا قالَه أبو نصر البندنيجي الأخير: لكن في ذكرِ الصلاة نظرٌ\rوقد وجدتُه في كتابِ المستظهريِّ  من غيرِ ذكرِ الصلاةِ \rقلتُ: والحديثُ الآتي دالٌّ على الصلاةِ\rقالَ الشيخُ أبو زكريا النواويُّ : وقالَ الإمامُ أبو عبدِ اللهِ محمدٌ بنِ عبدِ الله بن مسعود المسعودي –من أصحابِ القفالِ- يقولُ: «سبحانك اللهم وبحمدك، تبارَك اسمُك، وتعالى جدُّك، وجلَّ ثناؤك، ولا إلهَ غيرك» حكاه الفورانيُّ عنه في «العُدة»، وفيه دلالةٌ على فضلِ المسعوديِّ؛ فإنه معاصرُه وصاحبُه وروى عنه\rقلتُ: وكذا ما تقدَّم من نقلِ القاضي الحسين عنه؛ فإنهم أجمعوا تلامذةِ القفالِ\rوقالَ أبو حنيفةَ : يوالي بين التكبيرات ولا يقفُ وقالَ مالكٌ: يقفُ ولا يذكرُ شيئًا ","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"لنا ما رُوي: أن الوليدَ بن عقبةَ  خرجَ على عبدِ اللهِ بنِ مسعود  وحذيفةَ والأشعري وقال: إنَّ هذا العيدَ غدًا فكيفَ التكبيرُ فقالَ عبدُ الله: تكبر وتحمد ربَّك، وتصلي على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وتدعو وتكبر، وتفعل مثلَ ذلك أخرجَه البيهقيُّ بإسنادٍ حسنٍ \rوفي روايةٍ لغيرِه: فقالَ الأشعريُّ وحذيفةُ: صدقَ \rولأنَّ كلَ تكبيرٍ مشروعٌ في الصلاة يعقُبه ذكرٌ مسنونٌ، فكذلك هذه التكبيرات، ولا يأتي بهذا الذكرِ من تكبيرةِ الإحرامِ والأولى من الزوائدِ، نصَّ عليه في «الأمِّ» \rويكفي بينهما دعاءُ الاستفتاحِ، وكذا لا يأتي به بعد التكبيرةِ السابعةِ، بل يتعوذُ بعدها ويقرأ\rوروى بعضُهم عن أبي حنيفةَ: أنه يتعوذُ قبلَ التكبيرات \rلنا: أن التعوذَ للقراءةِ؛ فلا يفعل بينهما شيء\rقالَ الرافعيُّ : وأشارَ الصيدلانيُّ إلى ترددٍ في المسألةِ فقالَ: الأشبهُ بالمذهبِ: أن التعوذَ بعد التكبيرات\rونقلَ الشيخان ابنُ الصلاحِ والنواويُّ عن إمامِ الحرمين  أنه يأتي بالذكر بينَ تكبيرةِ الرفعِ في الثانيةِ، والأولى من الزوائدِ\rقالَ ابنُ الصلاحِ : ولم أجدْ لغيرِه –وفي النفسِ منه- جَوَازَهُ\rوالصوابُ  في المذهبِ والدليلِ الأول، وبه قطعَ الأصحابُ \rقالَ الشافعيُّ في «الأمِّ»:  ولو وصلَ التكبيرات الزوائدَ بعضَهن ببعضٍ، ولمْ يفصلْ بينهنَّ بذكرٍ كرهت ذلك، ويستحبُّ أن يرفعَ يديهِ حذوَ منكبيه في كلِّ واحدةٍ من هذه التكبيرات ، روى البيهقيُّ  ذلك من فعلِ ابنِ عمر، وأراه من يقتدي به ولم يسمعْ تكبيره فيُكبرُ\rوقالَ مالكٌ:  لا يرفعهما، وأن يجهرَ بهنَّ، ويُسرُّ بالذكرِ بينهن\rويضعُ اليمنى على اليسرى بين كلِّ تكبيرتين\rقالَ الرافعيُّ:  وحُكي عن «العُدَّة» ما يشعرُ بخلافٍ فيه\rقالَ الشافعيُّ في «الأمِّ» : فإنْ تركَ الرفعَ في التكبيرات أو بعضِها كرهتُ ذلك","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"فإذا فرغَ الإمامُ منها تعوذَ وقرأَ الفاتحةَ ثم سورة  ؛ لِمَا رواهُ مسلمٌ ، عن أبي واقدٍ الليثي : أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يقرأُ في الفطرِ والأضحى بقاف وھ ھ   يعني: في الركعتين \rوالحكمةُ في قراءتِهِما: أنَّ فيهما ذكر يوم القيامة، ويومُ العيدِ شبيهٌ بيومِ القيامةِ؛ لما فيه من اجتماعِ الناسِ في فضاءٍ واحدٍ؛ ولأنَّ الناسَ في زينةٍ  وسرورٍ، وقد يفضي بهم ذلك إلى التساهلِ في ارتكابِ الشهواتِ فناسبَ تذكُّرَهم بيومِ القيامةِ \rوقالَ مالكٌ  وأحمدُ : يقرأُ في الأولى ں     ، وفي الثانيةِ:   ٹ ٹ \rقالَ النواويُّ : وهذا أيضًا سنةٌ، فقد ثبتَ ذلك في «صحيحِ مسلمٍ» \rوقالَ أبو حنيفةَ : ليسَ بعض [السور] أولى من بعضٍ\rفإذا قامَ إلى الثانيةِ كبَّرَ خمسَ تكبيراتٍ زوائد بالصفةِ المذكورةِ: يذكرُ اللهَ بين كلِّ [اثنتين] منها كما تقدَّم في الأولى\rوفي الذكرِ بينَ تكبيرةِ الرفعِ والأولى ما تقدَّم عن الإمامِ\rويتعوذُ بعدَ الخامسةِ على الصحيحِ: أنَّ التعوذَ مستحبٌّ في كلِّ ركعةٍ ، ويقرأُ الإمامُ فيها بعدَ الفاتحة: ھ  أو:   ، ويجهرُ بالقراءةِ فيهما؛ لأنَّه نَقْلُ الخَلَفِ عنِ السلفِ \rوقالَ أبو حنيفةَ: ِ  التكبيراتُ الزوائدُ ثلاث في كلِّ ركعةٍ، وهي في الثانيةِ بعدَ القراءة\rقالَ الشيخُ فخرُ الدينِ الرازيُّ : ولمْ تقمْ صلاةُ العيدِ في بلدٍ على مذهبِه\rوَوَليَ واحدٌ من الحنفيةِ الرئاسةَ بِبَلْخٍ  فأقامَ صلاةَ العيدِ  على مذهبِهم، فَتَشَوَّشَ الناسُ وفسدتْ صلاةُ أكثرِهِم لكونِها خلافَ المعهودِ ","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"وقالَ مالكٌ  والمزنيُّ  وأحمدُ : يُكَبَّرُ في الأولى ستٌّ، وفي الثانيةِ خمسٌ، والحديثُ المتقدمُ حجة عليهم  واستدلَّ الحنفيةُ بما رُويَ: أنَّ سعيد  بنَ العاصِ  سأل [أبا]  موسى وحذيفةَ: كيفَ كانَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُكَبِّرُ في الأضحى والفطرِ فقَالَ أبو موسى: كانَ يُكَبِّرُ أربعًا كتكبيرِه على الجنائزِ، وقَالَ حذيفةَ: صَدَقَ \rوأجابَ أصحابُنا بأنَّه حديثٌ ضعيفٌ ؛ ضعَّفَه البيهقيُّ  وقالَ: هو مخالفٌ لروايةِ الثقاتِ، والحديثُ الذي استدلَلْنَا به صحيحٌ وأكثرُ رواةً، ومع رواته  زيادةٌ فَتُقْبَلُ \rويُكْرهُ تركُ التكبيراتِ، وتركُ بعضهِا والزيادةُ عليه مِن نصٍّ عليهِ في «الأمِّ» \rولو شكَّ في عددِ التكبيراتِ أخذ  بالأقلِّ كَمَا في الركعاتِ، ولو كَبَّر ثمانيَ تكبيراتٍ وشكَّ هل نَوَى الإحرامَ بإحداهنَّ: استأنفَ الصلاةَ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ النيةِ\rولو شكَّ في التكبيرة التي نَوَى بها التحرُّمَ جعلَهَا الأخيرةَ، فَيُعِيدُ  التكبيراتِ\rولوْ صلَّى بِخَلفِ منْ يُكبِّرُ ثلاثًا أو ستًّا فقولان:\rأحدُهما: أنَّه يُكبرُ سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانيةِ، كما لوْ تَركَ إمامَه التعوذَ يأتي بِه\rوأصحُّهُما: أنه يتابعُه ولا يزيدُ؛ لئلَّا يخالفُه \rقالَ الإمامُ في كتابِ الجنائزِ : والذي عندي أنَّه كبَّر وتركَ المتابعةَ في التكبيراتِ، أو لمْ يُكبرْ وكانَ الإمامُ يكبرُ لم ينتهِ الأمرُ فيهِ إلى الحكمِ ببطلانِ الصلاةِ؛ فإنَّ هذه التكبيراتِ ليستْ مِن الأركانِ حتى يقالَ سبقَ الإمامُ بها أو سبقَ المأمومُ بها، وفيهِ احتمالٌ ظاهرٌ والعلمُ عندَ اللهِ تعالى انتهى","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"ويؤيدُ هذا الاحتمالُ أنَّ وجوبَ المتابعةِ لا تختصُّ بالأركانِ، بدليلِ أنَّه لو تَرَكَها في سجودِ السهوِ بطلتْ صلاتُه، وهو سنةٌ، فإن فرَّقَ بأنَّ السجودَ من جنسِ الأركانِ قيلَ: تكبيرةُ الإحرامِ منها أيضًا\rوقد يُفرَّقُ بأنَّ السجداتِ من الأفعالِ والتكبيراتِ من الأقوالِ، والمخالفةُ في الأقوالِ لا تُؤثرُ \rقالَ القاضيُ : ولوْ تَركَ الإمامُ التكبيراتِ كلِّها ففي إتيانِ المأمومِ بها وجْهانِ، وهما قَريبانِ من القولينِ المتقدمينِ\r\rولو قَضَى صلاة العيدِ: قَالَ العجليُّ : لا يُكبرُ؛ لأنَّ التكبيراتِ من سنةِ الوقتِ وقدْ فاتَ انتهى \rويظهرُ: أن يأتيَ فيه خلافُ القاضي الحسينِ الآتي فيما إذا فاتَتْهُ صلاةٌ في أيامِ التشريقِ فقضاهَا في غيرِها هل يكبرُ خلفَها \rويستحبُّ إقامتُها جماعةً؛ لنقلِ الخلفِ عن السلفِ \rقولُه في الكتابِ: «ويُحرمُ بالصلاةِ فيقرأ دعاءَ الاستفتاحِ  » إلى آخرِه: هذا لا يختصُّ بالإمامِ، بل [هو]  عامٌّ في كلِّ من يُصلِّي العيدَ؛ إلا قراءةُ السورتين فإنه مختصٌّ به\rوقولُه: «وهوَ مذهبُ ابنِ عبَّاسٍ»: حكى النواويُّ عنه أنَّ مذهبَه كمذهبِنا، قال: وحكى ابنُ المنذرِ عنه أنَّه قالَ: يُكبرُ في كلِّ ركعةٍ سبعًا \r===================\r\r(قالَ:\rالسَّابِعَةُ: الخطبةُ بعدَ الصلاةِ، وهي كخطبةِ الجمعةِ، إلَّا في شيئين:\rأنه يُكبرُ قبلَ الخطبةِ الأولى  تسعَ تكبيراتٍ وقبلَ الثانيةِ سبعَ تكبيراتٍ، على مِثالِ الركعتين \rالثاني: أنَّ الخطيبَ في الجمعةِ كما يجلسُ لسماعِ الأذانِ وهاهنا يجلسُ للاستراحةِ؛ إذْ لا أذانَ\rوقالَ أبو إسحاق المروزيُّ: لا يجلسُ هُنا )\rالشرحُ","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"يُسَنُّ للإمامِ أنْ يخطبَ بعدَ صلاةِ العيدِ خطبتين على منبرٍ ؛ لِمَا ثبتَ في الصحيحين  عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ أبا بكر ثُمَّ عُمرَ ثُمَّ عثمانَ كانوا يصلونَ العيدين قبلَ الخطبةِ\rو [فيهما]  عن جابرٍ: أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قامَ يومَ الفطرِ يصلِّي فبدأَ بالصلاةِ، ثُمَّ خَطَبَ، فلمَّا فرغَ نزلَ فأتى النساءَ فذكَّرهنَّ  أيْ: نزلَ مِن المنبرِ\rفيصعدُ الإمامُ المنبرَ، ويُقبلُ على الناسِ ويُسلمُ عليهم، و [يردون] \rوهلْ يستحبُّ أنْ يجلسَ قبلَ الخطبةِ كما قبلَ خطبةِ الجمعةِ فيهِ وجهان:\rأصحُّهُما وهو نصُّه في «الأمِّ» : نَعم، ليستريحَ من تعبِ الصعودِ وتتأهَّبُ الناسُ للاستماعِ \rوثانيهما –وهو قولُ أبي إسحاق-: لا؛ لأنَّ الجلوسَ إنَّما يشرعُ في الخطبةِ ليفرغَ المؤذنُ من الأذانِ، ولا أذانَ هنا \rوحكى الرويانيُّ  عَنْ بعضِ الخُراسانيِّيْن أنهُ حُكي عنِ الشافعيِّ رضي الله عنه أنهُ قالَ يجلسُ بقدرِ ما يؤذِّنُ المؤذنُ يومَ الجمعةِ\rقالَ: وهُو غلطٌ؛ وإنما هي جلسةٌ خفيفةٌ قدرَ ما يستريحُ، ثُمَّ يُكبرُ قبلَ الخطبةِ الأولى تسعَ تكبيراتٍ وقبلَ الثانيةِ سبعًا؛ لما رُويَ عن عبيد الله  بنِ عبدِ الله  أنَّه قالَ:\r\rهو منِ السنةِ  رواه الشافعيُّ  فى \"الأم\"  قال المارودى :يحتمل أن يريد سنته عليه الصلاه والسلام وأن يريد سنة الصحابة: قال الأمام : وهي كالتكبيرات التي في الصلاة فإن في الأولى تسع تكبيرات تكبيرة الأحرام والهوي، وفي الثانية سبع بتكبيرة القيام والهوي، قال الشافعي  والأصحابُ :","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"ولوْ أدخلَ بينها الحمدَ والتهليلَ والثناءَ جازَ  وقَالَ الشافعيُّ: كان حسنًا  وكانَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ  يفعلُه ، وقَالَ الشيخُ أبو حامدٍ: يُستحبُّ أن يواليَ بينهما؛ وهو خلافُ النصِّ، وقَالَ في «البسيطِ»: الأولى أن يواليَ بينها\r\rوفيهِ وجهٌ: أن كيفيةَ هذه التكبيراتِ كما سبقَ في كيفيةِ التكبيراتِ المرسلةِ والمقيدةِ \rقال الرويانيُّ : وليستِ التكبيراتُ من الخطبةِ، وإنَّما هي مقدمةٌ لها ونصَّ عليه الشافعيُّ وكثيرون، فقَالَ البندنيجيُّ: يُكبرُ قبلَ الخطبةِ الأولى تسعًا، وقبلَ الثانيةِ سبعًا  وكذا قالَه المصنفُ و [قال]  الشيخُ أبو حامدٍ: هوظاهرُ نصِّ الشافعيِّ \rقالَ النواويُّ : ولا يُغترُّ بقولِ صاحبِ «المهذبِ» وجماعةٍ: «يَستفتحُ الأولى بتسعٍ»؛ فإنَّه مُتأوَّلٌ على معنى: أنهُ يَستفتحُ الكلامَ  قبلَ الخطبةِ بهذهِ التكبيراتِ، وافتتاحُ الشيءِ قد يكونُ ببعضِ مقدماتِه التي ليستْ منهُ، كما جَعَلَ  عليهِ الصلاةُ والسلامُ الطهارةَ مفتاحَ الصلاةِ  وليستْ مِنهَا\rقالَ ابنُ الصلاحِ : وراجعتُ نصوصَ الشافعيِّ في «جمعِ الجوامعِ» فوجدتُه روى قولَ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ: السُّنةُ أن يبتدئَ الإمامُ قبلَ الخطبةِ بتسعِ تكبيراتٍ، لا يفصلُ بينها بكلامٍ، ثُمَّ يخطبُ، ثُمَّ يجلسُ، ثُمَّ يقومُ في الخطبةِ الثانيةِ فيفتتحُها بسبعِ  تكبيراتٍ [تترى]  لا يفصلُ بينها بكلامٍ، ثُمَّ يخطبُ فقَالَ عبدُ اللهِ: فيفصلُ بينَ خطبتِه وتكبيرِهِ ونقلَ ذلك عنْ أبي هريرةَ وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيز\rقالَ: وقَالَ الشاشي  في المستظهريُّ  : في كونِها ليستْ من الخطبةِ نظرٌ ويُشبه أن يكونَ منها، والنصُّ يردُّه","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"ثُمَّ يخطبُ خطبتين، أركانُهما  كأركانِ خطبتي الجمعةِ، فيحمدُ اللهَ [تعالى]  ويثني عليه، ويصلِّي على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويُوصي بتقوى اللهِ، ويقرأُ، ويدعو، ويقومُ فيهما، لكنْ لا يجبُ القيامُ هُنا، ويجوزُ القعودُ  معَ القدرةِ على القيامِ، كما يجوزُ صلاتُها قاعدًا مع القدرةِ\rوقدْ روى أبو سعيدٍ الخدريُّ :\rأنه عليهِ الصلاةُ والسلامُ خَطَبَ العيدَ على راحلتِه \rوحكى الرويانيُّ  عن «منهاجِ الجوينيِّ» وجهًا أنه لا يجوزُ أن يخطبَ قاعدًا قالَ: وهو غلطٌ؛ لأنَّ الصلاةَ نفلٌ \rويُردُّ عليه: أن النفلَ قد يشترطُ فيهِ ما يشترطُ في الفرضِ كالطهارةِ والستارةِ، ويجلسُ بَيْنَهما\rفإنْ كانَ يخطبُ قاعدًا سكتَ بَيْنهما بقدرِ جلوسِه لو خطبَ قائمًا \rوحكى العمرانيُّ  وجهًا: أنَّ الجلوسَ غيرُ مقصودٍ، والمقصودُ الفصلُ بَيْنَهما بسكوتٍ أو كلامٍ أو غيرِه\rويستحبُّ أن يعلمهم في عيدِ الفطرِ أحكامَ صدقةِ الفطرِ، وفي الأضحى أحكامَ الأضحيةِ تعليمًا واضحًا يفهمونه \rفقدْ ثبتَ في الصحيحين : أنَّه عليهِ الصلاةُ والسلامُ ذكرَ لهم في خطبتِه حُكمَ الأضحيةِ\rويُستحبُّ للناسِ استماعَ الخطبة، وليستِ الخطبةِ ولا استماعُها [شرطًا]  لصحةِ صلاةِ العيدِ لكن قَالَ الشافعيُّ: لو تركَ استماعَ خطبةِ العيدِ أو الكسوفِ أو الاستسقاءِ أو خطب الحج أو تكلمَ فيها أو انصرفَ وتركَها: كرهتُه، ولا إعادةَ عليهِ  انتهى\rولوْ حضرَ إنسانٌ في أثناءِ الخطبةِ، فإنْ كانَ في المُصلَّى جلسَ واستمعَ الخطبةَ، ولا يُصلِّي تحيةً على المذهبِ، ولا العيدَ لأنَّ الخطبةَ من سُننِ الصلاةِ ويُخشى فواتُها، والصلاةُ لا يُخشى فواتُها فكانَ الاشتغالُ بسماعِهَا أَوْلَى  فإذا فرغَ الإمامُ فإنْ شاءَ صلَّى العيدَ فى [المصلى] ، وإنْ شاءَ [صلاها]  في بيتِه، نصَّ عليهِ في «المختصرِ»، وقطعَ به الجمهورُ ","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"وحكى البندنيجيُّ عن نَصِّه في «البويطيِّ»: أنهُ يُصلي العيدَ قبلَ أن يدنوَ من المُصلَّى، ثُمَّ يحضرُ ويستمعُ الخطبةَ، وإنْ كانَ في المسجدِ استُحبَّ له التحيةُ، [وفى الأولى وجهان:\rأحدهما: قول أبى إسحاق: الأولى أن يصلى العيد ويندرج فيها [التحية]  كما لو كانَ عليهِ مكتوبةٌ، وصلاةُ العيدِ أتمُّ من التحيةِ وآكدٌ، وصحَّحه الجمهورُ \rوثانيهُما وهو قولُ أبي عليِّ بنِ أبي هريرةَ : الأولى أن يُصلِّيَ التحيةَ ويؤخرَ صلاةَ العيدٍ إلى فراغِ الخطبةِ، فإنَّها تطولُ فيفوتُ عليهِ الاستماعُ، وقطعَ به سُليْمٌ الرازيُّ  في «الكفايةِ»، وصحَّحهُ صاحب «البيانِ» \rوعلى كلا الوجهين: لوْ صَلَّى التحيةَ استُحبَّ لهُ أنْ يصلِّيَ العيدَ بعدَ فراغِ الخطبةِ في المسجدِ، فلا يؤخرْها الى بيتهِ، بخلافِ  المُصلَّى فإنه يتخيرُ كما تقدمَ\rوالفرقُ: أنْ المُصلَّىُ لا َمَزِيَّة لهُ على بيتهِ، والمسجدُ أشرفُ البقاعِ فكانتِ الصلاةُ فيه أفضلَ، بخلافِ سننِ الصلواتِ؛ لأنَّ هذه الصلاة يُشرعُ لها الجماعةُ، فكانَ فِعلُها في المسجدِ أولى كالفرائضِ \rوإنَّما استُحبَّ المُصلَّى للإمامِ لتكثرَ الجماعةُ، وهذا مفقودٌ في حقِّ المنفردِ، ولو قدَّم الخطيبُ الخطبةَ على الصلاةِ فقدْ أساءَ","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"رُوي: أنَّ مروانَ بنَ الحكمِ  أخرجَ المنبرَ يومَ العيدِ، وخطبَ قبلَ الصلاةِ، وهو أميرُ المدينةِ، فقامَ رجلٌ فقالَ: يا مروانُ أخرجتَ المنبرَ في يومٍ لمْ يكن رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يأمرُ بإخراجِه! وخطبتَ قبلَ الصلاةِ! وكانَ  عليه الصلاةُ والسلامُ يخطبُ بعدها فقَالَ مروانُ: قد ترك ما هنالكَ فقَالَ أبو سعيدٍ الخدريُّ: أمَّا هَذَا فقدْ قَضَى ما عليهِ؛ سمعتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «مَنْ رَأَى [مِنْكُمْ] مُنْكَرًا فاسْتَطَاعَ أنْ يَرُدَّهُ بِيَدِهِ فَلْيَفْعَلْ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَهُوَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ»  أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ\rوفيهِ: أنَّ مروانَ أولُ من بدأَ بتقديمِ الخطبةِ على الصلاةِ يومَ العيدِ\rوروى القاضي عياضٌ \rعن بعضِهم: أن عُثمانَ أولُ مَن فعلهُ \rوعن آخرين: أنَّ عمرَ أولُ مَن فعلَه حينَ رأى الناسَ ينصرفون عند تمامِ الصلاةِ ولا ينتظرونَ الخطبةَ\rوقيلَ: بلْ ليُدركَ الصلاة مَن تأخَّرَ وبَعُدَ منزلُه\rوقيلَ: أولُ من فَعلهُ معاويةُ وقيلَ: ابن الزبيرِ\rوالذي صحَّ عنهُ عليه الصلاةُ والسلامُ وعنِ الخلفاءِ الأربعةِ تقديمُ الصلاةِ، وأنَّ مروانَ أولُ من خالفَ ذلك، وأنكرَ عليه ذلك، وعليه فقهاءُ الأمصارِ، وادعى بعضهم الإجماعَ عليهِ، فيُحْتَمَلُ أنْ يريدَ إجماعَ الصحابةِ قبلَ مخالفةِ مروان [وسنه فلا]  بعيد بخلافهم وأنْ يريدَ الإجماعَ بعدَ انقراضِهم تفريعًا على أنَّ الإجماعَ بعد الاختلافِ حجةٌ \rوالفرقُ بينَ خطبتي العيدِ والجمعةِ  وجهان :\rأحدُهما: أن تلكَ فريضةٌ وهذهِ نافلةٌ، فَخُولفَ بينهما تمييزًا للفرضِ عن النفلِ\rوثانيهُما: أنَّ تلكَ شرطٌ لصحةِ الصلاةِ فَقُدمتْ، وهذهِ ليستْ شرطًا لصحةِ الصلاةِ، وفي الاعتدادِ بالخطبةِ احتمالٌ للإمامِ","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"قال النواويُّ : والصحيحُ بلِ الصوابُ  أنَّها لا يعتدُّ بِها؛ لقولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «صلُّوا كما رأيتمونِي أصلي» ، وقياسًا على ما إذا أُدِّيَتِ السُّنَّةُ الراتبةُ بعدَ الفريضةِ قبلَها، وهو ظاهرُ نصِّ الشافعيِّ في «الأمِّ» \rوقد نقلَه القاضي أبو الطيبِ في «التجريد» عنه أنه قالَ: فإن بدأَ بالخطبةِ قبلَ الصلاةِ رأيتُ أن يعيدَ الخطبةَ بَعْدَ الصلاةِ، فإنْ لمْ يَفْعَلْ لمْ يَكُنْ عليهِ إعادةُ صلاةٍ ولا كفارةٌ، كما لو صلَّى ولمْ يخطبْ  انتهى\rولو فرغَ الإمامُ من الخطبةِ ثُمَّ علمَ أن قومًا فاتهم سماعُها: قَالَ البندنيجيُّ والمتوليُّ والنواويُّ : استحبَّ أن يعيدَها لهم، رجالًا كانوا أو نساءً؛ لما في الصحيحين : أنَّه عليه الصلاة والسلام خطبَ يومَ العيدِ، فرأى أنه لم يُسْمعِ النساءَ فأتاهنَّ وذكرهنَّ ووعظهنَّ وأمرهنَّ بالصدقةِ  وحكاه العمرانيُّ عن نصِّه في «الأمِّ» \r==================\r\rفَرْعٌ\rقالَ الشافعيُّ في «الأمِّ» : أكرهُ للمساكينِ إذا حضروا العيدَ المسألةَ في حال الخطبتين، بل يكفوا عنها حتى يفرغَ الإمامُ، فإنْ سألوا فلا شيءَ عليهم إلا تركَ الفضلِ من الاستماعِ\r==================\rفَرْعٌ ثانٍ\rالخطبُ المشروعةُ عشرٌ خُطبُ : الجمعةِ، والعيدَيْن، والكسوفَيْنِ، والاستسقاءُ، وأربعُ خطبٍ في الحجِ\rوكلُّها بعدَ الصلاةِ، إلا خطبةَ الجمعةِ وخطبةَ الحجِّ يومَ عرفةَ\rوكلُّها يشرعُ فيها خطبتان ، إلا الخطبَ الثلاثَ الباقيةَ في الحجِّ؛ فإنَّهن فرادى \rقولُه في الكتابِ: «وهي كخطبةِ الجمعةِ إلا في شيئين» لا ينحصرُ الاستثناءُ في هذين ، فإنه يجوزُ القعودُ فيها، ويستحبُّ أن يبينَ فيهما حكمُ الفطرِ والأضحى","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"وقد يجابُ عن الثاني بأنه لا مخالفةَ فيهِ؛ فإنَّه يستحبُّ للإمامِ في كلِّ خطبةِ من جمعةٍ وغيرِها أن يبينَ للناسِ ما يحتاجون إليهِ من الأحكامِ بينَ أيديهِم\rوقولُه: «على مثالِ الركعتين»: أي: في أن الأولى بتسعِ تكبيراتٍ بتكبيرتي التحرُّمِ  والركوعِ، والثانيةَ بسبعِ تكبيراتٍ: بتكبيرتي النهوضِ والركوعِ كذا صرَّحَ به الإمامُ \rوقال الرافعيُّ: يجوزُ أن يريدَ به: أن التفاوتَ بينَ عددِ التكبيراتِ في الخطبةِ الأولى وعددها في الثانيةِ كالتفاوتِ بينَهما في الركعتينِ؛ فإنَّ فضلَ التسعةِ على السبعةِ كفضلِ السبعةِ على الخمسةِ \r(قالَ:\rالثَّامِنَةُ\rإذا فرغَ من الخطبةِ انصرفَ إلى بيتِه من طريقٍ آخرَ، كان - صلى الله عليه وسلم - يخرجُ من طريقٍ ويعودُ من طريقٍ \rفقيلَ: كانَ يحذرُ من مكائدِ المنافقين ، وقيلَ: ليُستفتى في الطريقينِ\rوقيلَ: كان يسلكُ أطولَ الطريقينِ في الذهابِ؛ لأنه قربةٌ \rثُمَّ من يُشاركُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في هذه المعاني تأسى، ومنْ لمْ يشاركْه في السبِب  ففي التأسِّي به في الحكمِ وجهان)\rالشرحُ \rصَحَّ عن رسولِ اللهِ  - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا خرجَ لصلاةِ العيدِ خرجَ من طريقٍ  ورجعَ في آخرَ \rواختلفَ العلماءُ في سببِه على أحدَ عشرَ قولًا :\rأحدُها: أنَّه كانَ يحذرُ من مكائدِ المنافقين، ويخشى أن يرصدوه في طريقِه فيؤذوه\rوثانيهما: ليُعَلِّمَ أهلَ الطريقين ويُفْتِيَهم\rوثالثُها: أنَّه كانَ يذهبُ في أطولِ الطريقين ويرجعُ في أقصرِهِما؛ لأن َّالذهابَ عبادةٌ دونَ الرجوعِ، وهو الأصحُّ عندَ جمهورِ الأصحابِ \rورابعُها: ليتبرَّكَ به أهلُ الطريقين\rوخامسُها: ليتصدَّقَ على فُقرائِهِمَا\rوسادسُها: أنَّه كانَ يتصدقُ في ذهابِه فلا يَبْقى مَعَه شيءٌ، ويرجعُ في آخرَ لئلا يسألَه سائلٌ، فيردَّهُ\rوسابعُها: ليزورَ أقاربَه فيهما","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"وثامنُها: ليزدادَ غيظُ المنافقين\rوتاسعُها: للتفاؤل بتغيرِ الحالِ إلى المغفرةِ والرضا كما حَوَّلَ رداءَه في الاستسقاءِ\rوعاشرُها: أنه كان يجتمعُ في الأولى خلقٌ كثيرٌ فيكثُرُ الزحامُ، فيرجعُ في آخرَ فيُخففُ، واختارَه الشيخُ أبو حامدٍ وابنُ الصلاحِ؛ لأنَّه وَرَدَ في روايةِ لابْنِ عمرَ: لئلا يكثرَ الزحامُ \rوحادي عشرها: ليشهدَ له البقاعُ يومَ القيامةِ، وقد رُوي: «مَنْ مَشَى في خَيْرٍ أو بِرٍّ شَهِدَتْ له  البقاعُ يومَ القيامةِ» ، وفي شهادتِها وجهان :\rأحدُهما: أنَّ اللهَ تعالى ينطقُها فتَشَهدُ\rوالثاني: أن المرادَ: شهادةُ أهلِها؛ لقولِه تعالى: گ گ گوالأرض \rفإنْ لمْ يعلمِ المعنى الذي خالفَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من أجلِه الطريقَ استحبَّ لغيرِه مخالفةُ الطريقِ، وإنْ لم يوجدْ فوجهان:\rأحدُهما –وهو قولُ أبي إسحاق-: ويستحبُّ له المخالفةُ لفقدانِ السببِ\rوأصحُّهُما – وهو قولُ لابنِ أبي هريرةَ وقطعَ به الأكثرون-: أنه يستحبُّ لمطلق الأمرِ والاقتداءِ وقد يشرعُ الشيءُ لأمرٍ ويزولُ سببُه ويَبَقى كالرَّمَلِ والاضطباع والسعيِ، ويعتبرُ سببُ فعلِه التأسِّي والاقتداءِ، وهو موجودٌ\rويَسْتوي في هذهِ السُّنةِ الإمامُ وغيرُهُ، نصَّ عليهِ في «المختصرِ» والأصحابُ \rقال الشافعيُّ في «الأمِّ» : ويستحبُّ للإمامِ في رجوعِه أن يقفَ في طريقِه [فيستقبل]  القبلةَ ويدعو ، وروى فيه حديثًا \rفَرْعٌ\rلم أرَ لأحدٍ من أصحابِنا كلِّها في التهنئةِ بالعيدِ والأعوامِ كما يعتادُه الناسُ\rورأيتُ مما نُقِلَ من «منثوراتِ الفوائدِ» للشيخِ زكيِّ الدِّينِ عبدِ العظيمِ الحافظِ المنذريِّ : أنَّ الشيخَ الحافظ أبا الحسنِ المقدسيَّ سُئِلَ عن الهناء بأوائلِ الشهورِ والسنينِ: أهو بدعةٌ أم لا  فأفتى بأنَّ الناسَ لم يزالوا مختلفينَ في ذلك، والذي أراه: أنه مباحٌ ليسَ سُنةً ولا بدعةً ","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"قولُه في الكتابِ: «إذا فرغَ من الخطبةِ انصرفَ» يعني: الخطيبُ، والحكمُ لا يختصُّ به، بل يَعُمُّ\rوقولُه: «لأنه قربةٌ»: يقتضي أن الرجوعَ ليس بقربةٍ،\rوقد صرَّحَ به الإمامُ وغيرُه ، وليسَ كذلك؛ فإنه يثاب  في رجوعِه كما في الرجوعِ من المسجدِ\rوقد ثبتَ في «صحيحِ مسلمٍ» : أن رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، إني أريدُ أن يكتبَ لى ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعتُ إلى أهلي؛ فقَالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: «قد جمَعَ اللهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ»\rلكنَّ الذهابَ أكثرُ ثوابًا من العَوْدِ، وقد ردَّ عليهِ ذلكَ ابنُ الصلاحِ والنواويُّ \r===============\r(قالَ:\rالتَّاسِعَةُ\rيُستحبُّ في عيدِ النحرِ رفعُ الصوتِ بالتكبيرِ عُقيبَ خمسَ عشرةَ مكتوبةٍ، أولُها بالظهرُ  مِن يومِ العيدِ، وآخرُها الصبحُ آخرَ أيامِ التشريقِ، وهو مذهبُ ابنِ عباسٍ، وفيهِ قولانِ آخرانِ:\rأحدُهما: أنه يستحبُّ عُقيبَ ثلاتٍ وعشرينَ صلاةً، أولُها الصبحُ [من] يومِ عرفةَ، وآخرُها العصرُ مِن آخر أيامِ التشريقِ\rوالثاني : أنهُ يدخلُ وقتُه عُقيبَ صلاةِ المغربِ ليلةَ النحرِ، ولمْ يتعرضْ في هذا النصِّ [للأخيرِ] \rوالقولُ الثاني في التكبيرِ مذهبُ [عمرٍو، وأحدُ الروايتينِ عن أبي عمرٍو بنِ مسعود]، ومذهبُ المزنيِّ، واختيارُ ابنِ سُريجٍ، وقيلَ: مذهبُ الشافعيِّ هو الأولُ، وما عداهُ حكايةٌ لمذهبِ الغيرِ )\r[الشرح]\rيستحبُّ التكبيرُ المقيدُ  بأدبارِ الصلواتِ في عيدِ النحرِ إجماعًا ، ورفعُ الصوتِ سواءٌ في ذلك المنفردِ والمُصلِّي في جماعةٍ والرجلُ والمرأةُ والمقيمُ والمسافرُ ، خلافًا لأبي حنيفةَ فإنَّه قالَ: لا يكبَّرُ المنفردُ والمرأةُ والمسافرُ \rوعن أحمدَ موافقتُه في المنفردِ والمرأةِ \rثُمَّ الناسُ ضربان: حُجَّاجٌ، وغيرُهم","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"فأمَّا الحُجاجُ: فيبتدرونَ التكبيرَ عُقيب صلاةِ الظهرِ يومَ النحرِ، ويختمون  عُقيبَ صُبحِ آخرِ أيامِ التشريقِ، قطعَ به الجمهورُ ونقلَه صاحبُ «جمعِ الجوامعِ» عن نصِّ الشافعيِّ ، ووجهوه بأنَّ الحجاجَ وظيفتُهم وشعارُهم التلبيةُ، ولا يَقْطعونها إلَّا إذا شَرعُوا في رَمْي جمرةِ العقبةِ، وإنَّما يشرعون في رمْيِها بعدَ طلوعِ شمسِ يومِ النحرِ، فأولُ فريضةٍ تلقاهُم بعد ذلك الظهرُ، وآخرُ صلاةٍ يصلونها بمنى صلاةُ الصبحِ آخرَ أيامِ التشريقِ، لأنَّ نِيَّتَهم أن يَرْموا في الثالثِ بعدَ الزوالِ\rوهم  ركابٌ، ولا يُصلّون الظهرَ بمنى، وإنَّما يصلونها بعدَ انصرافِهم مِنها\rونقلَه الإمامُ  عن العراقيين، وقطعَ به فيما يرجعُ إلى الابتداءِ، وتَرددَ في الانتهاءِ، وسببُ ترددهِ أنه لم يبلغْه نصُّ الشافعيِّ المتقدمِ \rوأما غيرُ الحجاجِ: فللشافعيِّ فيهم ثلاثُ نصوصٍ:\rأشهرُها: وهو ما رواهُ المزنيُّ في «المختصرِ»  والبويطيُّ والربيعُ في «الأمِّ»  والزعفرانيُّ في القديمِ، وأكثرُ الكتبِ: أنهم يكبرونَ من ظهرِ يومِ النحرِ إلى صبحِ آخرِ أيامِ  التشريقِ\rوالثاني: قَالَ في «الأمِّ» : لو تركَ التكبيرَ خلفَ صلاةِ المغربِ ليلةَ النحرِ قياسًا على ليلةِ الفطرِ لم أكرهْ ذلك، وسمعتُ من يستحبُّ هذا وقَالَ به\rوالثالثُ: روى في «الأمِّ»  عن بعضِ السلفِ: أنه كان يبدأُ من صبحِ يومِ عرفةَ، قالَ: وأسألُ اللهَ التوفيقَ هذه نصوصُه\rواختلفَ الأصحابُ فيها على ثلاثةِ طرق:\rأشهرُها وأصحُّها وبه قَالَ الأكثرون: أن في المسألةِ ثلاثةَ أقوالٍ :","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"أصحُّها عند الأكثرين: أن يكبرَ خلفَ خمسَ عشرةَ صلاةً، أولُها ظهرُ يومِ النحرِ، وآخرُها صبحُ آخرِ أيامِ التشريقِ كالحجيجِ، وسائرُ الناسِ تبعٌ لهم في ذلك، ويُروى هذا عن عمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وغيرهِم، ورواه بعضُ أصحابِنا عن مالكٍ \rوالثاني: أنه يكبرُ خلفَ ثلاثةٍ وعشرين صلاةً، أولُها صبحُ يومِ عرفة، وآخرُها عصرُ آخرِ أيامِ التشريقِ وبه قَالَ أحمد  ومالكٌ \rي روايةٍ والمزنُّي ، واختارَه ابنُ سريجٍ وابنُ المنذرِ  والبيهقيُّ وجماعةٌ من الأصحابِ الجامعين بين الفقهِ والحديثِ آخرُهم النواويُّ ، قَالَ جماعة ٌ–منهم أبو بكر الصيدلانيُّ والقاضي الرويانيُّ  -: عليه العملُ في الأمصارِ، واحتجَّ البيهقيُّ له بما في الصحيحين عن محمد بنِ أبي بكرٍ الثقفي : أنه سأل أنسَ بنَ مالكٍ وهما غاديانِ من منى إلى عرفات: كيف كُنْتُم تصنعونَ في هذا اليومِ معَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: كانَ [يُهللُ التهللَ] بنا فلا ننكر عليهِ، ويكبرُ التكبيرَ فلا ننكر عليِه \rوبما رواهُ مسلمٌ عن ابنِ عمرَ: أنه قال: كنَّا معَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في غداةِ عرفة، فمنا المكبرُ ومنا المهللُ، فأما نحنُ فنكبرُ \rوروى البيهقيُّ : «التكبيرُ من صبحِ يومِ عرفةَ إلى عصرِ آخرِ أيامِ التشريقِ» بأسانيدِه عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ عباسٍ ، قال: ورُوي فيه حديثٌ مرفوعٌ لا يحتجُّ به وهو: أن جابرًا قال: كان النبيُ - صلى الله عليه وسلم - يكبرُ يومَ عرفة من صلاةِ الغداةِ إلى صلاةِ العصرِ آخرَ أيامِ التشريقِ لكن في إسنادِه عمرو بن شمر  وجابر الجُعْفِي ؛ لا يحتجُّ [بهما] ، وفي رواية الثقاتِ كفايةٌ \rقال النواويُّ : وروى الحاكمُ في «المستدرك»","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"عن عليٍّ وعمار : أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يجهرُ في المكتوباتِ بـ:    ، وكان يقنتُ في صلاةِ الصبحِ، وكان يكبرُ يومَ عرفةَ من صلاةِ الصبحِ، ويقطعُها صلاةُ العصرِ آخرَ أيامِ التشريقِ وصحَّحه\rقال: ورواه البيهقيُّ بإسنادِ  الحاكمِ وضعَّفه قال: وهو أتقنُ من شيخِه الحاكمِ وأشدُّ تَحَرِّيًا \rوالثالثُ: أنه يكبرُ مِن صلاةِ المغربِ ليلةَ النحرِ إلى صبحِ آخرِ أيامِ التشريقِ، فيكونُ مكبرًا خلفَ ثماني عشرةَ صلاةً\rقالَ الإمامُ  والمصنفُ والرافعيُّ: ولم يُبينِ الشافعيُّ الانتهاءَ على هذا القول، لكن حملَه الأصحابُ على ما ذكرَهُ في القولِ الأولِ \rوقالَ الشيخُ  أبو عمرٍو: وجدتُ النقلَ في «الحاوي» فقال: قَالَ الشافعيُّ: يبتدئُ من بعدِ المغربِ إلى بعدِ صلاةِ الصبحِ\rوالطريقُ الثاني: القطعُ بالقولِ الأولِ، ونسبه الماورديُّ إلى أبي إسحاقَ وابن أبي هُريرةَ \rقالَ أصحابُه: والنصان الآخران ليسا للشافعيِّ، وإنما حكاهما عن غيرِه \rقال الماورديُّ : وتأوَّلوا أيضًا نصَّه في مغربِ ليلةِ النحرِ على: أن المرادَ: التكبيرُ المرسلُ لا المقيدَ، ولا خلافَ في استحبابِ المرسلِ ليلتي العيدينِ إلى أن يحرمَ الإمامُ بصلاةِ العيدِ\rوالطريقُ الثالثُ رواه القاضي أبو الطيبِ عن الدَّارَانيِّ عن أبي إسحاقَ المروزيِّ القطعُ بالقولِ الثاني، وقالَ: ليستْ هذه النصوصُ لاختلافِ قولٍ، ولا خلافَ أنه يكبرُ من صبحِ يومِ عرفةَ إلى عصرِ آخرِ أيامِ التشريقِ\rوإنَّما ذكرَ الشافعيُّ في ثبوتِه ثلاثةَ أسبابٍ تذكرُ في ثبوتِه من يومِ عرفةَ إلى عصرِ آخرِ أيامِ التشريقِ\rوقولُ بعضِ السلفِ: «ويكبرُ في ليلةِ النحرِ» بالقياسِ على ليلةِ الفطرِ، وذكرَ في ظهرِ يومِ النحرِ القياسَ على الحجيجِ","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"قال النواويُّ : ونقلَ الدارميُّ ونحوُهُ في «الاستذكارِ» عن أبي إسحاقَ: وقَالَ أبو حنيفةَ : يكبرُ خلفَ ثماني صلواتٍ أولُهنَّ صُبحُ يومِ عرفةَ، وأخرُهنَّ عصرُ يومِ النحرِ\rفَرْعٌ\rلوْ نَسِيَ التكبيرَ خلفَ الصلواتِ فتذكَّرَ: فإنْ لمْ يَطُلِ الفصلُ استُحبَّ التكبيرُ قطعًا، سواءَ فارقَ مصلاه أم لا، وإن طالَ فطريقان أحدُهما فيه وجهان؛ بناء على ما إذا تركَ سجودَ السهوِ  فتذكره بعدَ طولِ الفصلِ هل يتداركُه وصحَّحَ الرافعيُّ  أنه لا يُستحبُّ التكبيرُ، وقَالَ القاضي: الخلافُ عند القفالِ مبنيٌّ على: أنَّ من فاتته صلاةٌ في أيامِ التشريقِ فقضاها فيها وكبر هل يكونُ ذلك أداءً أو قضاءً \rفإن قلنا قضاء: لايأتي به لأنَّ التكبيرَ لا يعودُ بالقضاءِ، وإن قلنا «أداء» أتى به قالَ: وهو المنصوصُ\rوالطريقُ الثاني: أنه يستحبُّ، وبه قَالَ جماعةٌ منهم المزنيُّ وابنُ الصباغ، ونسبَه الماورديُّ إلى العراقيين، وصحَّحه النواويُّ \rوفرَّق المتوليُّ بينه وبينَ سجودِ السهوِ بأنَّ سجودَ السهوِ لإتمامِ الصلاةِ وإكمالِ كيفيتِها، فلا يفعل بعد طول الفصلِ كما لا يَبني عليها بعدَ طُولِه\rفأمَّا التكبيرُ: فهو شعارُ هذه الأيامِ لا صفةً للصلاةِ ولا جزءًا منها \rوعن أبي حنيفةَ: أنَّه إنْ تكلَّم أو خرجَ من المسجدِ ثُمَّ تذكرَ: لا يكبرُ، والمسبوقُ لا يكبرُ مع الإمامِ، وإنما يكبرُ إذا أتمَّ صلاةَ نفسِه، خلافًا للحسنِ البصريِّ وغيرِه \r=================\r(قال:\rثُمَّ اختلفوا في أربعِ مسائلَ:\rالأولى: أنَّ إرسالَ هذه التكبيراتِ في هذه الأيامِ هل يستحبُّ من غيرِ صلاةٍ كما اختلفوا في أنَّ التكبيراتِ المرسلةَ ليلتي العيدِ   هل تستحبُّ عُقيبَ الصلواتِ\rالثانيةُ: أنها تستحبُّ عُقيبَ الفرائض وعُقيبَ النوافلِ؛ قولان ","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"الثالثةُ: لو قضيتْ صلواتُ هذه الأيامِ في غيرِها فلا يكبرُ، ولو قضيتْ فيها كبَّرَ، والتكبيرُ يقضى أو يؤدى فيه قولان ، فإنْ قُلنا «يؤدى» فلو قَضَى فيها صلاةً غير هذه الأيام كبرَ عَقِيبَها، وإن قُلنا «مقضية» فلا\rالرابعةُ: إذا كبرَ الإمامُ خلفَ صلاةٍ على خلافِ اعتقادِ المقتدي  فقد ترددَ ابنُ سريجٍ في أنه هل يوافقُ بسببِ القدوةِ كما يوافقُ في القنوتِ؛ من حيثُ إنَّ توابعَ الصلاةِ من الصلاةِ)\rالشرحُ\rاخْتلفُوا في أربعِ مسائلَ:\rالأولى: التكبيرُ المرسلُ في هذه الأيامِ التي استُحِبَّ فيها التكبيرُ المقيدُ فيه خلافٌ كالخلافِ المتقدمِ أولَ البابِ في: أن التكبيراتِ المقيدةَ هل تستحبُّ ليلةَ عيدِ الفطرِ قَالَ الشيخُ أبو عمرٍو: استحبابُها بعيدٌ انتهى \rوذكرَ القاضي أبو الطيبِ  في «المجرد»: أن الشافعيَّ نصَّ علي أنه يكبرُ خلفَ الفرائضِ والنوافلِ وعلى كلِّ حالٍ \rونصَّ في «الأمِّ» على أنَّ الحائضَ والجُنُبَ وغيرَ المتوضئ يكبرُون في جميعِ الساعاتِ من الليلِ والنهار حاشيةِ\rالثانيةُ: هل يستحبُّ التكبيرُ عَقيبَ النوافلِ قَالَ المزنيُّ: قَالَ الشافعيُّ: يكبرُ خلفَ الفرائضِ والنوافلِ\rوالذي قبلَ هذا أولى: أنَّه لا يكبرُ إلا خلفَ الفرائضِ \rواختلفَ الأصحابُ في المسألةِ على خمسةِ طُرقٍ :\rأصحُّها وأشهرُها وهو المذكورُ في الكتابِ: أنَّ فيه قولين :\rأحدُهما: لا يُستحبُّ؛ لأنَّ التكبيرَ تابعٌ للصلاةِ، والنافلةُ تابعةٌ للفرائضِ، والتابعُ لا يكونُ [تابعًا] ، وهو مذهبُ أبي حنيفةَ ومالكٍ \rوأصحُّهُما: أنه يستحبُّ؛ لأنها صلاةٌ مفعولةُ في وقتِ التكبيرِ فيكبرُ خلفَها كالفريضةِ \rوالطريقُ الثاني: القطعُ بأنَّه يكبرُ، حكاه جماعةٌ؛ منهم القاضي أبو الطيبِ ، واستدلَّ له بالنصِّ الذي ذكرتُه في المسألةِ الأولى عنه ","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"قال: وغلَّطَ الأصحابُ المتوليَّ في قولِه الذي قيلَ: «هذا أولى»؛ فإنَّه أوهمَ أنَّ الشافعيَّ نصَّ قبلَ هذا أنه لا يكبرُ خلفَ النوافلِ، وليسَ كذلِك، وصحَّح هذا الطريقَ،\r\rوصحَّحه البندنيجيُّ \rوالثالثُ: القطعُ بأنَّه لا يكبرُ، حكاهُ صاحبُ «الحاوي» ، قال: وبه جَرى العملُ تواترًا في الأمصارِ بينَ الأئمةِ \rقالَ: وأجابَ أصحابُ هذا الطريق عن نقلِ المزنيِّ بجوابين:\rأحدُهما: أنَّه غَلَطَ في اللفظِ من التلبيةِ إلى التكبيرِ\rوالثاني: أنه غلطَ في المعنى، ومرادُ الشافعيِّ بالتكبيرِ خلفَ الفرائضِ والنوافلِ ما تعلَّقَ بالزمانِ في ليلتي العيدين لا ما تعلقَ بالصلواتِ في أيامِ النحرِ \rوالطريقُ الرابعُ: أنَّه يكبرُ خلفَ ما يختصُّ منها بهذه الأيامِ، كالسننِ الرواتبِ وصلاةِ العيدِ، ولا يكبرُ خلفَ ما لا يختصُّ بها، وهي النوافلُ المطلقةُ\rوالطريقُ الخامسُ –حكاه صاحبُ «الحاوي)  (» -: أنه يكبرُ خلفَ ما يسنُّ فيه الجماعةُ، وحملوا النصين على هذين النوعينِ\r\rالثالثةُ: لو فاتته فريضةٌ من فرائضِ هذه الأيامِ فقضاهَا في غيرِها: لم يكبرْ؛\rلأن التكبيرَ من شعارِ هذه الأيامِ فلا يفعل في غيرِها \rوقالَ القاضي: يُحْتَملُ أن يقالَ يُكبَّرُ على القولِ بأن الاعتبارَ بحالةِ الوجوبِ فيما إذا فاتَتْه صلاةٌ في السفرِ فقضاهَا في الحضرِ: أنه يُقْصِرُ، وإنْ قضاهَا فيها فهل يكبرُ  فيهِ طريقانِ:\rأحدُهما –وهوَ الذي أورده الماورديُّ والبندنيجيُّ، وهو ظاهرُ كلامِ المصنفِ أنَّه يكبرُ، قولًا واحدًا؛ لأنَّ التكبيرَ شعارُ هذهِ الأيامِ \rوالثاني: فيه قولان في روايةِ الخُراسانيِّين ووجْهانِ فيما رَواهُ صاحبُ «البيانِ» عن العراقيينَ :\rأحدُهما: أنَّه يُكبِّرُ لما تَقدَّم\rوثانيهُما: لَا؛ لأنَّ التكبيرَ شعارُ وقتِ الفرائضِ، واختارَه صاحبُ «المرشدِ»  ","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"وعلى القولِ بأنه يُكبرُ: فهل التكبيرُ يُقضى أم يُؤدى فيه قولان، قَالَ الإمامُ: مخرجانِ من تصرفِ الأصحابِ \rقالَ الشيخُ أبو عَمرٍو : هما مُخَرَّجانِ من القولينِ في النوافلِ؛ لأنَّ مَأخَذَهُما: أنَّ النظرَ إلى الوقتِ حتى يكبرَ فيهما، أو إلى أنَّه شعارٌ ظاهرٌ في هذه الأيامِ، فيختصُّ بالظاهرِ من الصلواتِ، حتى لا يكبرَ في النوافلِ، وهو يقتضي إجراءُ الخلافِ هنا إن قُلنا «يُكبِّرُ هناك» فهو هنا إذا، وإن قلنا «لا» فتكبيرُه هنا ليسَ نظرًا إلى الوقتِ؛ فيكونُ قضاء للتكبيرِ الفائتِ في وقتِه تبعًا للصلاةِ المقضيةِ، ولو قضى فوائتَ غيرِ هذه الأيامِ فيهَا فثلاثُ طرقٍ:\rأحدُها –وبه قَالَ البندنيجيُّ والماورديُّ-: القطعُ بأنّه يستحبُّ التكبيرُ؛ لأنَّه شعارُ هذهِ الأيامِ \rوثانيُها: القطعُ بأنَّه لا يستحبُّ، وبه قَالَ صاحبُ «المهذب» وغيرُه من العراقيينَ \rوالثالث –وهو الذي أورَدَه الخراسانيُّون-: فيه قولان أخرجَهُما الإمامُ، وتابَعَه المصنفُ)  (\rعلى أن التكبيرَ خلفَ فائتةِ الوقتِ المقضيةِ فيه أداءً أم قضاءً، إن قُلنا «أداءً» كرهنا، وإنْ قُلنا «قضاءً» فلا\rقال الرافعيُّ:  وبنى طائفةٌ من الأئمةِ الخلافَ في النوافلِ والمقضياتِ، على أن المعنى في التكبيرِ بعد المؤداةِ [ما ذا] ، وذكروا فيه ثلاثةَ معانٍ:\rأحدُها: أنَّها فرائضُ مؤداةٌ في وقْتِها في أيامِ التكبيرِ\rوالثاني: أنَّها صلاةٌ مشروعةٌ في أيامِ التكبيرِ\rوالثالث: أنها فريضة مفعولة فى أيام التكبير ولا يَخفَى تخريجُ الاختلافِ عليها انتهى\rوفي التكبيرِ خلفَ صلاةِ الجنازةِ ثلاثُة  طرقٍ:\rإحداها: القطعُ بأنَّه لا يُكبِّرُ، وبه قَالَ القاضي الحسينُ والمتوليُّ والدارميُّ \rوثانيها – حكاه صاحبُ «الحاوي» وغيرُه-: فيهِ وجْهانِ ","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"وثالثها – قاله الشاشيُّ في «المستظهريِّ»  -: أنه مرتبٌّ على النوافلِ، فإن قُلنا «يكبِّرُ خلفَها» فَخَلْفَ هذه أولى، وإنْ قُلنا «لا» فَهِيَ كالفرائضِ  المقضيةِ في أيامِ التشريقِ\rوقالَ صاحبُ «الذخائرِ» : الأشبهُ أنْ يُكبِّرَ خلفَها وجهًا واحدًا؛ لأنَّها فريضةٌ مؤداةٌ وقعتْ في وقتِ التكبيرِ \rوأمَّا المندوبة : فقدْ قَالَ الإمامُ: هي في هذا كالنوافلِ بلا خلافٍ\rوالمذهبُ: استحبابُ التكبيرِ خلفَ النوافلِ والمقْضياتِ وصلاةِ الجنازة؛ وهي آكد من النافلةِ) )\rقالَ النواويُّ:)  (وقولُهم إنَّها مبنيةٌ على التخفيفِ ضعيفٌ؛ لأنَّ التكبيرَ ليس في نفسِها فتطولُ بهِ ويَتلخَّصُ من الخلافِ في الصلواتِ التي يُكبَّرُ خلْفَها خمسة أوجهٍ:\rأصحُّها: أنهُ يُكبِّرُ خلفَ كلِّ صلاةٍ مفعولةٍ في هذهِ الأيامِ، مُؤدَّاةً كانتْ أوْ مَقضيةً، فريضةً كانتْ أو نافلةً راتبةً أو غيرَها\rوالثاني: يَختصُّ بالفرائضِ المؤداةِ فيها\rوالثالث: يَختصُّ بالفرائضِ مقضيةً كانتْ أو مؤداةً\rوالرابعُ: يَختصُّ بالفرائض المؤداة والسنن الراتبة المؤداة\rوالخامس: يَختصُّ بالفرائضِ والنوافلِ التي شُرِعَ لها الجماعةُ \rقالَ إمامُ الحرمَيْن : وهذا كُلُّه في التكبيرِ الذي يُرْفَعُ بهِ الصوتُ ويَجعلهُ شعارًا، أمَّا لوِ استغرقَ عُمْرَهُ بالتكبيرِ في نَفسِه فلا يُمنعُ مِنْهُ ( (الرابعةُ: لوِ اقْتدى بِمَنْ يُخالفُه في اعتقادِ التكبيرِ كمَا لوْ كَبَّر الإمامُ في يومِ عرفةَ وهو لَا يَراهُ أَوْ تركَهُ المأمومُ فرآهُ أو كَبَّرَ فِي أيامِ التشريقِ والمأمومُ لَا يراهُ أوْ بِالعكسِ فهلْ يُتابعُه في التكبيرِ أو في التركِ أو يَفعلُ باعتقادِه فيهِ وجهانِ لابنِ سُريجٍ :\rأحدُهما: أَنَّهُ يُتابعُه كمَا يُتابعُه في القنوتِ؛ لأنَّ توابعَ الصلاةِ منَ الصلاةِ","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"وأصحُّها: أنهُ يتبعُ اعتقادَ نفسهِ؛ لأنَّ القدوةَ انقطعتْ بالسلامِ\rوقد تقدَّمَ نظيرُ هذا الخلافِ فيما إذا خالفَ اعتقادُهُ اعتقادَ الإمامِ في التكبيرِ في الصلاةِ، لكنْ صحَّحوا هُناك أنهُ يتابعُ الإمامَ؛ لأنَّ المخالفةَ تَحصلُ في نفسِ الصلاةِ\rقولُه في الكتابِ: «كمَا اخْتلفوا في أنَّ التكبيراتِ المرسلةَ ليلتَي العيدِ هلْ تُستحبُّ عُقيَبَ الصلواتِ»\rقالَ الشيخُ أبو عمرٍو : هذا سهوٌ، وصوابُه: «ليلةَ العيدِ بغيرِ سُنةٍ»؛ لأنَّ السنةَ وقع الخلاف في التكبيراتِ المقيدةِ ليلةَ عيدِ الفطرِ، أمَّا ليلةُ عيدِ النحرِ فَلَا يُتصوَّرُ فيها خلافٌ في التكبيرِ المُقيَّدِ  عندَ مَن جَعَلَها مِن هذِه الأيامِ، ولفظُهُ في أنَّ المرسلةَ هلْ تُستحبُّ عُقيبَ الصلواتِ مُسْتَنكرٌ، مِن حيثُ إنَّه تقييدٌ، والتقييدُ لا يوجد في المرسلِ، ويُعتذرُ عنه بأنَّ المرادَ هلْ يُستحبُّ مثلْها عُقيبَ الصلواتِ\rوقولُه: «عُقَيبَ» فيهِ لُغتانِ: إِثباتُ الياءِ وحَذْفُها، وهوَ الأفصحُ ( (\r==================\r(قال:\rوكيفيةُ هذهِ التكبيراتِ أنْ تقولَ: «اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ» ثلاثًا نَسَقًا \rوقالَ أبو حنيفةَ : مرَّتين\rثُمَّ تقولُ بعدَ ذلِك: «كبيرًا، والحمدُ للهِ كَثيرًا، وسُبْحانَ اللهِ بُكرةً وأَصِيلًا، لِا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَه لَا شَريكَ لَهُ، مُخْلصين لهُ الدينَ وَلَوْ كَرِهَ الكافرونَ، لَا إِلهَ إِلَّا الله وحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَه، لِا إِلهَ إِلَّا الله، واللهُ أكبرُ» )\rالشرح\rصفةُ التكبيرِ ، المستحبِّ في أدبارِ الصلواتِ والمُرْسَل ليلةَ العيدِ وصبيحتُه: أنْ يُكبِّرَ ثلاثًا متوالياتٍ، فيقولُ: «اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ»، وبهِ قالَ مالكٌ ،\rوقالَ أبو حنيفةَ  وأحمدُ : يُكبّرُ مرَّتين، وحكاه المتوليُّ  قولًا قديمًا","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"لنَا ما رُوي: أنَّه عليه الصلاة والسلام لمَّا صَعَدَ الصفا يومَ النَّحرِ  للسعي كبَّرَ ثلاثًا نَسقًا \rورُوي هكذا عنِ ابنِ عبَّاسٍ وجابرٍ أيضًا ؛ فإنَّه تكبيرٌ شُرعَ شعارًا للعيدِ، فكان وترًا لتكبيرِ الصلاةِ\rقالَ العمرانيُّ : قالَ في «الإبانةِ»: وهل يهلل فيهِ قولانِ \rقالَ الشافعيُّ: وما زادَ من ذكرِ اللهِ فهوَ حسنٌ \rقالَ فِي «الأُمِّ» : وأستحبُّ أن يكونَ زيادتُهُ: «اللهُ أكبرُ كبيرًا، والحمدُ للهِ كَثيرًا، وسُبحانَ اللهِ بُكرةً وأَصيلًا، لِا إِلَهَ إِلَّا الله، ولَا نَعبدُ إِلَّا إيَّاهُ مُخلصينَ ولوْ َكرٍهَ الكافرون، لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَه، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ، لِا إِلَهَ إِلَّا الله، واللهُ أكبرُ»\rرُوي: أنَّه عليهِ الصلاة والسلام قالَ ذلِك على الصفا \rقالَ النواويُّ : ورواه مسلمٌ عنْ جابرٍ، ما خصَّ مِن هذا اللفظِ\rقالَ الشيخُ أبو عمرٍو بنُ الصلاحِ : وقولُ الشافعيِّ: «اللهُ أكبرُ كبيرًا» حِكايةً منهُ للتكبيرةِ الثالثةِ لئلَّا يُفردَ «كبيرًا» بالذكرِ، مع أنَّه لا يَسْتقلُّ لِكونهِ من تتمةِ الثالثةِ وهوَ حَسنٌ غامضٌ\rوقد قالَ الإمامُ : ذكرَ الصيدلانيُّ عن الشافعيَّ: أنَّه كانَ يَرى أنْ يقولَ بَعدَ التكبيراتِ الثلاثِ  «كبيرًا» إلى آخرِه ونسبَه إلى الشافعيِّ، وأرَاه أخَذَه منْ هَذَا المأخذِ\rوقالَ في القديمِ: إذا زادَ على التكبيراتِ الثلاثِ يقولُ: «اللهُ أكبرُ كبيرًا، والحمدُ للهِ كثيرًا، اللهُ أكبرُ عَلَى مَا هَدَانا، والحمدُ للهِ على ما أبْلَانَا وأوْلَانَا» \rونَقَلَ الرويانيُّ  والبندنيجيُّ عن «نَصِّهِ» في البويطيِّ أنْه يقولَ بعدَ التكبيراتِ الثلاثِ: «لَا إِلهَ إِلَّا الله، واللهُ أكبرُ، وللهِ الحمدُ»، قَالَا: وعليهِ العملُ","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"قالَ البندنيجيُّ: وهوَ الذي يَنْبَغي أنْ يُعملَ بِه \rوقالَ ابنُ الصبَّاغِ: هذا يقولُه الناسُ، ولَا بأسَ بِهِ ولمْ يَحْكِهِ عِن «النصِّ» \rقولُه: «وَنَصَرَ عَبْدَهُ» يَعني: رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم\rوقولُهُ: «وَهَزَمَ الأحزابَ وَحْدَهُ» همُ الأعرابُ الذين تحزَّبوا على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم والمؤمنينَ وقَصَدُوا المدينةَ، المرادون بقولِه تعالى: {            چ چ چ چ} ، فدفَعَهم اللهُ من غيرِ قتالٍ ( (\r================\r\r(قالَ:\rفروعٌ أربعةٌ:\rالأولُ: لوْ تركَ تكبيراتِ الركعةِ ناسيًا وتذكَّرها بعدَ القراءةِ؛ فالمنصوصُ جديدًا: أنَّهُ لا يُكبّرُ؛ لفواتِ وقتهِ، وقالَ في القديمِ: يُكبرُ؛ لبقاءِ القيامِ\rومن الأصحابِ من طردَ القولَ القديمَ فيما تدارك دعاء الاستفتاحِ \rالثاني: إذا فاتتْ صلاةُ العيدين بِزَوالِ الشمسِ ففي قضائها أربعةُ أقوالٍ :\rأحدُها: لا يَقضي\rالثاني: يَقضي، ولكنْ يومَ الحادي والثلاثين إنْ فاتَ يومُ الثلاثين؛ لأنهُ يحتملُ هذا اليومُ الأداءَ\rالثالثُ: يَقضي طولَ هذا الشهرِ\rالرابعُ: أنهُ يَقضي أبدًا\rوقدْ سبقَ نظيرُهُ في النوافلِ )\rالشرح\rذكَرَ فروعًا:\rأحدُها: إذا تركَ تكبيرَ إحدى الركعتينِ ناسيًا، فإنْ تذكّرها في الركوعِ أوْ بَعْدَهُ، يَعني في صلاتِه، ولمْ يأتِ بها، ولا يسجدُ للسهوِ كمَا تركَ السورةَ، فإنْ عادَ ليُكبِّرَ بطلتْ صلاتُه إنْ علمَ تحريمَهُ، وإلَّا فلا ","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"وأنْ يذكرهنَّ بعدَ التعوذِ وقبلَ قراءةِ الفاتحةِ: أَتَى بِهنَّ؛ لأنَّ محلهنَّ قبلَ القراءةِ، وتقديمُهنَّ على التعوذِ سنةٌ لا شرطٌ؛ وأنْ يذكرهنَّ بعدَ القراءةِ، وقبلَ الركوعِ وهي مسألةُ الكتابِ فقولانِ  الجديدُ: أنَّه لا يُكبِّرُ لفواتِ محلهنَّ بالقراءةِ، كمَا لو نَسيَ دعاءَ الافتتاحِ وتَذَكَّرَ بعدَ القراءةِ: لا يأتي بِه، فلو أتى بِهنَّ ففي سجودِ السهوِ وجْهان مَبْنيَّاِن على الوجهين، فيما نقلَ ذِكْرًا هو سُنةٌ إلى ذكْرٍ آخرَ: فإنهُ ينظرُ فيهِ؛ فإنْ كانَ بعضًا ففي اقتضائِه السجودَ وجهانِ بناءً على أنَّه أدَّى ركنًا قوليًّا، وإنْ لمْ يَكنْ بعضًا فوجْهان مُرتَّبانِ على ما إذا كانَ بعضًا، وأَوْلَى أنْ لا يسجدَ، والقديمُ: [أنه يأتي بها ما لم يركع] وقيل: إنَّ مذهبَ أبي حنيفةَ  أنَّه يُكبِّرُ لأنِّ محلَّهنَّ القيامُ \rوأغربَ القاضي الحُسينُ فَنَسَبَ في تعليقِه الأوَّلِ إلى القديمِ وهذا إلى الجديدِ ، وعلى هذا لو تذكرَ في أثناءِ الفاتحةِ قطعَ القراءةَ وكبَّرَ ثُمَّ استأنفَ الفاتحةَ، وإنْ تَذَكَّرَ بعدَها كبّرهنَّ واستُحبَّ استئنافُ الفاتحةِ، وفيهِ وجهٌ أنهُ يجبُ استئنافُها، ولوْ أدركَ الإمامَ بعدَ التكبيراتِ أو في أثنائِها فعلى الجديدِ: لا يُكبِّرُ ما فاتهُ لأنَّهُ سُنَّةٌ، وعلى القديمِ: يُكبِّرُ لأنَّ محلَ القراءةِ القيامُ وقدْ أدركَهُ، وبِه قالَ أبو حنيفةَ \rولو أدركَهُ بعدَ القراءةِ عندَ إرادةِ الركوعِ قالَ الفورانيُّ: ففي الإتيانِ بِه قولان، فإن قُلنا: «يأتي بهِ» فهلْ يُعيدُ الفاتحةَ فيهِ وجْهانِ \rوإنْ أدركَهُ راكعًا تابَعَهُ ولمْ يُكبّرهنَّ قولًا واحدًا وقالَ أبو حنيفةَ: يُكبِّرهنَّ راكعًا ولوْ أدركهُ في الركعةِ الثانيةِ كبَّرَ معهُ خَمسًا على الجديدِ","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"فإذا قامَ إلى الثالثةِ كبَّرَ خَمسًا أيضًا؛ لأنَّ سُنَّةَ الركعةِ خمسٌ فقط وقالَ المتولي: على القديمِ يُكبرُ مع الإمامِ الخمسَ، ويأتي بالتكبيرتين تتمةَ السبعِ \rولو تركَ التكبيراتِ في الأُولى لا يُستحبُّ أن يأتيَ بها مع تكبيراتِ الثانيةِ، فإذا كبَّر اثنتي  عشرة تكبيرةً، قالَ فِي «الأُمِّ» فإنْ فعلَ كرهتُه، ولا إعادةَ عليهِ ولا سجودَ، وكَذَا لو تركَها كلَّها عمدًا أوْ سهوًا؛ لأنها تختصُّ بالصلاةِ؛ فإنَّها مشروعةٌ في الخُطبتينِ \rالفرعُ الثاني\rإذا فاتتْه صلاةُ العيدين بِزوالِ شمسِ يومهِ  فقدْ ذكرَ المصنفُ في قضائِها أربعةَ أقوالٍ: فالأولُ والرابعُ مَشهورانِ مَبْنيَّانِ على أنَّ النوافلَ تُقضى، والأصحُّ أنَّها تُقضى،  ويدلُّ عليهِ الحديثُ في الفرعِ الثالثِ والثاني أنَّها تُقضى يومَ الحادي والثلاثين إن فاتَ قضاؤها يومَ الثلاثين؛ لأنهُ يحتملُ أنْ يكونَ فيهِ أداءً؛ بأنْ يكونَ الشهرُ تامًّا وهوَ يوم العيدِ محافظةً على إقامةِ هذا الشعارِ الظاهرِ في غير أوانهِ حتى يلزمَ منه سبعةٌ ظاهره تركُ السُّنةِ أهونُ منها\rوالثالثُ أنهُ يُقضى إلى تَمامِ شهرِ شَوَّالَ\rوهذانِ الوجهانِ لمْ يذكرْهُما الإمامُ  إلَّا في الفرعِ الثالثِ وهو: ما إذا فاتَ العيدُ الكلَّ؛ لاشتباهِ أمرِ الهلالِ\rقالَ الرافعيُّ:  والمفهومُ من كلامِ الأصحابِ تخصيصُ هذا الخلافِ بصورةِ اشتباهِ الهلالِ وفواتِ العيدِ على جميعِ الناسِ\rفأمَّا إذا اختصَّ الفواتُ بالأفرادِ فلا يَجري إلَّا قولانِ؛ لأنَّ منعَ القضاءِ وجوازِه أبدًا) ) لا يَتجَّهُ التخصيصُ بالحادي والثلاثين لِمَا ذكرهُ الإمامُ: أنهُ يَجوزُ أنْ يكونَ عيدًا إذ لاتباعَ له في حقِّ الأفرادِ، والمصيرُ إلى القضاءِ في شهرِ العيدِ لمْ أرَ نَقلَهُ إلَّا الإمامُ في اشتباهِ الهلالِ خاصةً","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"ثُمَّ هذا الخلافُ على المذهبِ في أنَّ صلاةَ العيدِ لا يُعتبرُ فيها شرائطُ الجمعةِ، أمَّا إذا اعتبرناها: فلا يُقضى قولًا واحدًا كالجُمعةِ \rقولُهُ في الكتابِ: «ومِنَ الأصحابِ مَن طردَ القولَ القديمَ في تداركِ دعاءِ الافتتاحِ»: الظاهرُ أنَّهُ لمْ يُردْ بِهِ تخصيصَه بصلاةِ العيدِ، وقدِ اعتُرضَ عليهِ فيه على كلِّ حالٍ، وقيلَ: لمْ يوجدْ لغيرِه، وقد حكاهُ الإمامُ عن روايةِ الشيخِ أبِي عليٍّ \rوحكى القاضي الحسينُ في تعليقِه وجهًا عنِ ابنِ سُريجٍ\rوقولُهُ: «وقدْ سبقَ نظيرُه في النوافلِ» أيْ: نظير هذا الخلافِ، أمَّا الأولُ والرابعُ فظاهرٌ\rقالَ ابنُ الصلاحِ : وإطلاقُ النظيرِ عليها هو التحقيقُ لحصولِ التغايرِ بتعددِ المحلَّيْن\rوأمَّا الثاني والثالثُ: فلا وجودَ لهما هُناكَ، فلا يُنْظَرُ مُحققًا، لكنْ مرادُهُ النظرُ مِن حيثُ السُّنةِ، فالظاهرُ وهوَ الوجهُ الذي قيلَ فيه هناكَ: إنْ رأيته كلَّ صلاةٍ ما لمْ يدخلْ وقتُ الأُخرى، والوجهُ الآخرُ أنهُ يَقضى فوائتُ النهارِ نهارًا وفوائتُ الليلِ  ليلًا- هُو نظيرُهُ في تَقييدِ القضاءِ بوقتٍ\rهذا وجهُهُ مِن حيثُ النظر، وأمَّا من حيثُ التقريرِ: فلاشتمالِه على رعايةِ المعهودِ في هذا الشعارِ الظاهرةِ، ويبعد ممَّا توقع في شُبهةٍ لا يَعرفُ الناسُ كُنْهَهَا، وتخصيصُ القضاءِ بِشَهرِ العيدِ يَشتملُ على بعضِ هذا، وهذا يَقضي أنْ لا يطَّردُ في المنفردِ، وقد قالَ الإمامُ: إنَّ الظاهرَ ذلك\r==================\r(قالَ:\rالثالثُ\rإذا شهدوا على الهلالِ قبلَ الزوالِ أفْطَرْنَا وصلَّينَا، وإن أَنشأوا الشهادةَ بعدَ الغروبِ ليلةَ الثلاثين لم يُصْغَ إليها، إذْ لا فائدةَ إلا تركَ صلاةِ العيدِ، فإنْ أنشأوا بعدَ الزوالِ والغروبِ أَفْطَرْنَا وبانَ فواتُ العيدِ، فإنْ رأينا قضاءَها فبقيةِ اليومِ أولى، أو يوم الحادي والثلاثين","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"فيهِ وجْهانِ، يُنظرُ في أحدِهما إلى المبادرةِ، وفي الثاني إلى نسبةِ وقتِ القضاءِ بالأداءِ \rوفيهِ وجهٌ: أنَّا نُفْطَرُ ولا نحكمُ بفواتِ الصلاةِ؛ فإنَّ الغلطَ ممكنٌ ، وهذا ممكن، وهذا شعارٌ عظيمٌ لا يُمكنُ تفويتُه ، فيصلى يومَ الحادِي والثلاثينَ بِنِيَّةِ الأداءِ\rوأمَّا إذا شهدوا قبلَ الغروبِ ولكن عدلُوا بالليلِ: ففي فواتِ الصلاةِ وجهان :\rأحدُهما: لَا؛ لأنَّ النظرَ إلى وقتِ التعديلِ، وقدْ عدلَ في غيرِ وقتِه\rوالثاني: أنَّ النظرَ إلى وقتِ الشهادةِ)\r\rالشرحُ\rإذا شهدَ شاهدانِ يومَ الثلاثين مِن رمضانَ برؤيةِ الهلالِ ليلةَ الثلاثين، وإنْ كانَ قَبْلَ الزوالِ بِقدْرِ ما يُمكنُ جمعُ الناسِ فيه وإقامةِ الصلاةِ أَفطروا وصلُّوا، وكانتِ الصلاةُ أداءً \rوإن شهدوا بعدَ غروبِ الشمسِ يومَ الثلاثين لمْ يُقبلْ؛ لأنَّ شوالًا قد دخلَ يقينًا، وصومُ ثلاثين يومًا قَدْ تَمَّ، فلا فائدةَ في قبولِ شهادتهما إلَّا تركَ صلاةِ العيدِ، ويُصلّون العيدَ غدًا أداءً \rقال الرافعيُّ : كذا نقلَهُ الأئمةُ وأَطبقوا عليه\rقالَ هوَ وغيرُه: وفي قولِهم لَا فائدةَ إلَّا تركَ الصلاةِ إشكالٌ؛ فإنَّ لاستهلالِ الهلالِ فوائدَ أُخَرَ مِن وقوعِ الطلاقِ والعتقِ المعلَّقَيْن عليهِ والنذورِ والأيمانِ، وحلولِ الديونِ، واحتسابِ العِدَدِ، ونحوِ ذلك، فوجبَ قبولُ شهادتِهما لِمِثلِ هذهِ الفوائدِ \rقالَ: ولعلَّ مرادَهم عدمُ القبولِ فيما يرجعُ إلى صلاةِ العيدِ، لا عدمُ القبولِ مطلقًا، وإنْ أطلقوا العبارةَ \rقالَ النواويُّ: وهذا مرادُهم، ويُقبلُ فيما عدا العيدِ مطلقًا ","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"قالَ الشيخُ ابنُ الصلاحِ : ولا سبيلَ إلى القولِ بعدمِ قبولِها في غيرِ العيدِ وأوردَ إشكالًا ثانيًا وقالَ: هذا يُوهِمُ أنَّ المقضي إلى تركِ صلاةِ العيدِ لا يَثبتُ بِمُجردهِ ولا يُسمعُ فيه الشهادةُ، وهوَ باطلٌ؛ لأنَّ تركَ صلاةِ العيدِ إمَّا مِن الأمورِ المحدودةِ أو مِن غيرِها، وكِلاهُما ممَّا يَثبتُ بالنيةِ مَهما كان المقتضي له يدركُ ويعلمُ لِسائرِ ما يَشهدُ بهِ\rقالَ: وأيضًا؛ فَيَتَعيَّنُ قبولُ الشهادةِ لا بتركِ الصلاةِ على القولِ الصحيحِ أنَّها تُقضى، وإنما تصيرُ مَقضيةً فقطْ، فأيُّ مانعٍ من قبولِ الشهادةِ في ذلك!\rثُمَّ قالَ: والذي اقْتضاهُ البحثُ في تصحيحِ هذا الكلامِ أنه يُحملُ مُطلقُه على مُقيَّدٍ يصحُّ به، وأنْ يردَ أصلُه إلى ما اعتمدَ عليه الشافعيُّ\rوقولُه صلى الله عليه وسلم فيما رواه هو وغيرُه من حديثِ عائشةَ: «الفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُونَ، والأَضْحَى يَوْمَ يُضَحُّونَ، وَعَرَفَةُ يَوْمَ يَعْرفُونَ»،  ورواهُ أبو داودٍ بإسنادٍ جيدٍ: «فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ، وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ»  بأنْ يُقالَ: لا تُقبلُ هذه الشهادةُ بالنسبةِ إلى العيدِ؛ لأنَّ فائدةَ قبولِها تركُ صلاةِ العيدِ، وهي لا تصيرُ متروكةً بذلِك، أي: لا يُتبيَّنُ أنها تُركتْ في وقتِها، حَتَّى إنْ فُعلتْ كانتْ قضاءً مختلفًا في شرعيَّتِه، فإنَّ وقتَها الغدّ وإنْ بانَ أنه اليومُ الثاني؛ لأنَّ يومَ العيدِ ليسَ عبارةً عن أولِ يومٍ من شوالَ، بل عنْ أولِ يومٍ يَفطرُ فيهِ الناسُ للحديثِ المذكورِ؛ فإنَّهُ لا يُمكنُ حملُ قولهِ: «الفِطْرُ يَومَ يُفْطِرُونَ» على الإفطارِ نفسِهِ، إذْ لَا فائدةَ فيهِ، فيكونُ معناهُ: عيدُ الفطرِ يومَ يُفْطرونَ\rوسُمِّي عيدُ الفطرِ فِطرًا كمَا سُمَّيَ صلاةُ الظهرِ ظهرًا كمَا في «التعريفِ»؛ فإنهُ تابعٌ لِفعلِهم لا للثابتِ في نفسِ الأمرِ؛","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"فلو عَرَفوا اليومَ العاشرَ وقعَ موقعَه، وكانَ يومُ عرفةَ في حقَّهم انتهى \rوقدْ صرَّحَ الأصحابُ بأنَّ يومَ الفطرِ ليسَ أولَ شوالٍ مطلقًا؛ بلِ اليومُ الذي يُفطرُ فيهِ الناسُ، وكَذَا يومُ النحرِ، وكذا يومُ عرفةَ  هو اليومُ الذي يظهرُ للناسِ أنهُ يومُ عرفةَ سواء كانَ تاسعًا أو عاشرًا للحديثِ \rقالَ الشافعيُّ في «الأمِّ»  عُقيبَ روايتهِ لهُ: فبِهذَا نأخذُ، وإنَّما كُلِّفَ العبادُ بالظاهرِ، ولم يظهرِ الفطرُ إلَّا يومَ أفطروا\rوصحَّحَ الترمذيُّ الحديثَ،  وفي روايةٍ لهُ: «والصَّومُ يَومَ يَصُومُونَ» ((\rوإنْ شَهدَ أنه بينَ الزوالِ والغروبِ، أو قبلَ الزوالِ بزمنٍ يسيرٍ لا يُمكنُ الصلاةُ فيهِ فثبتَ شهادتُهُما في وجوبِ الفطرِ بِلا خلافٍ، وتبيَّنَ فواتُ العيدِ على المذهبِ الذي قطعَ به الجمهورُ لخروجِ وقتِها\rوعلى هذا؛ فهلْ يَقضي يَنبني على أنَّ النوافلَ المؤقتةَ هلْ تُقضى أمْ لا إن قلنا «لا» لمْ تُقْضَ، وإنْ قُلنا «تُقضى» فَيَنبني على أنها هلْ بِمنزلةِ الجمعةِ في الشرائطِ والأحكامِ أمْ لا إن قُلنا «نَعَم» لمْ تُقْضَ، وإنْ قُلنا «لا» -وهو المذهبُ- قَضَوْهَا وقد روى أبو داودَ وغيرُه  بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي عميرِ بنِ أنسٍ  عن عُمومةٍ له من أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنِّ رَكْبًا جاءوا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فَشهدوا أنَّهُمْ رأوا الهلالَ بالأمسِ؛ فأمَرَهُمْ أنْ يُفطروا، وإذا أصبحوا يَغْدوا إلى مصلَّاهُمْ\rقالَ البيهقيُّ:  وعُمومةُ أبي عُميرٍ صحابةٌ لا يضرُّ جهالتُهم؛ لأنَّ الصحابةَ كلَّهم عدولٌ\rوظاهرُ قولِه: «أمرَهم أن يخرجوا من الغدِ إلى المصلَّى» أنهم يَخرجون لصلاةِ العيدِ،\rوهو بَيَّنٌ في روايةِ هشيمٍ ، ولا يَجوزُ أن يُحملَ على أنه أمرهم بالخروج ليدعو وليَرى كثرتَهم بلا خلافٍ انتهى","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"وأبو عميرٍ المذكورُ هو عبدُ اللهِ بنُ أنسِ بن مالكٍ، أكبرُ أولادِه\rولَهُمْ قضاؤها في بقيةِ اليومِ أو في غُدوةِ غدٍ، وأيُّهما أولى فيهِ وجهانِ:\rأصحُّهما أولهما: مبادرتُه إلى القضاءِ تقريبًا له\rوالوجهُ الثاني: أن اجتماعَ الناسِ في غدوةِ الغدِ أيسرُ، والضحو بالضحوةِ أشبهُ، وهذا إذا سَهُلَ اجتماعُ الناسِ في بقيةِ اليومِ بِطَبلٍ أوْ بُوقٍ أَوْ نَشرِ عَلَمٍ أَوْ نَحوِه لِصِغرِ البلدةِ، فإنْ عَسُرَ فالغدُ أفضلُ بِلا خلافٍ، كي لا يفوتَ الناسَ حضورُها \rوهل يجوزُ تأخيرُها عنِ الحادي والثلاثين فيهِ قولانِ –وقيلَ: وجهان-: \rأصحُّهما: نَعَمْ؛ كالفرائضِ  إذا فاتتْ لا يَتعينُ وقتُ قضائِها\rوثانيهُما: لا؛ لأنَّ الحادي والثلاثين يجوزُ أنْ يكونَ عيدٌ إذا كانَ الشهرُ تامًّا، بخلافِ ما بَعْدَهُ \rوعلى الأولِ: هلْ يختصُّ ببقيةِ الشهرِ فيه وجهانِ حكاهُما الإمامُ والمصنفُ في الفرعِ المتقدِّمِ\rقالَ الإمامُ:  ولا أعتدُّ به من المذهبِ وقالَ الرافعيُّ:  لمْ أرَ نَقلَ هذا الوجهِ إلَّا للإمامِ وقد حَكاهُ الفورانيُّ فيما إذا تركَ الصلاةَ لشغلٍ، والقاضي في الإمامِ إذا تركَ الصلاةَ لاشتغالِهم بالجهاد أيامًا، ونَسبَهُ إلى «نصِّ الشافعيِّ» في رواية بَعضِهم، وقد تقدَّمَ \rوحكى الإمامُ  والمصنفُ في أصلِ المسألةِ وجهًا: أنَّ الصلاةَ لا تفوتُ بشهادتِهما، ويصلُّونها في الحادي والثلاثين أداءً؛ لأنَّ الغلطَ في الهلالِ ممكنٌ، وصلاةُ العيدِ شعارٌ عظيمٌ لا يُمكنُ تفويتُه، فَيُقامُ على النعتِ المعهودِ كل سَنةٍ، فيُشبهُ غلطَ الحجيجِ في الوقوفِ، فقامَ وقوفُهم في العاشرِ مقامَ وقوفِهم في التاسعِ","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"قالَ صاحبُ «الذخائرِ»  تفريعًا على هذا الوجهِ: إن أمكنَ جمعَ الناسِ بقيةَ النهارِ جَمَعَهُمْ وصَلَّى بِهِم بِنِيَّةِ الأداءِ، وإلَّا جَمَعَهم مِن الغدِ وصلَّى بِهِم بِنِيَّةِ الأداءِ، وهو شيءٌ لمْ يوجدْ لغيرهِ\rوهذا كلُّه إذا شهدَ عَدْلانِ مَقبولانِ أو مستورانِ وزُكِّيَا في الأوقاتِ المذكورةِ، أمَّا لو شهدَ مستورانِ قَبْلَ الغروبِ وعدلَا بَعْدَهُ فقولانِ –وقالَ المصنفُ وغيرُه: وجْهانِ-:\rأصحُّهما – وهو الذي أوردهُ الماورديُّ  -: أنَّ الاعتبارَ بوقتِ التعديلِ؛ لأنه وقتَ الحكمِ بالشهادةِ، فهوَ كما لو شهدا ليلًا؛ فَيُصلُّون العيدَ في الغَدِ أداءً\rوثانيهِما: أنَّ الاعتبارَ بوقتِ الشهادةِ؛ لأنَّ التعديلَ وإنْ تأخرَ فالحُكمُ مُسْتنِدٌ إلى الشهادةِ، فيعودُ الخلافُ المتقدمُ، وهُو ما أوردهُ المتوليُّ، والرويانيُّ، والقاضي أبو الطيبِ، والبندنيجيُّ، وابنُ الصبَّاغِ، وجزموا بأنها قضاءٌ، واستدلُّوا له بأنهُ لو شهدَ شاهدانِ على رجلٍ وماتا ثُمَّ عدلا فإنَّا نحكمُ بشهادتِهما، ولوْ كانَ الاعتبارُ بوقتِ التعديلِ لا يُمنعُ الحُكمُ، وخرَّجوا على الخلافِ ما إذا شهدا قَبْلَ الزوالِ وعَدَلا بَعْدَهُ \rقال الرافعيُّ:  فإنْ قُلنا بِتَخصيصِ القضاءِ بالحادي والثلاثين فَلَا شكَّ  أنَّ ذلك في عيدِ الفطرِ\rوهلْ يختصُّ بالحادِي عشرَ إذا فرضَ ذلك في عيد الأضحى\rقُلنا: نَعَم؛ لأنهُ يجوزُ أن يفرضَ يومَ عيدٍ، إلا أنْ يُقالَ: الشهادةُ بعدَ دخولِ ذي الحجةِ غيرُ مسموعةٍ، على قياسِ ما ذكَروه في الحادي والثلاثين، قالَهُ المراوزةُ \rولوْ شهدا يومَ الثلاثين ولمْ يعدلا إلَّا بعدَ طلوعِ الشمسِ من يومِ الحادي والثلاثين صلُّوا أداءً، ولا ينظر إلى حالةِ الشهادةِ؛ لأنَّ بطلوعِ الشمسِ دخلَ وقتُ صلاةِ العصرِ قطعًا، فلا يُعارضُه ما لا يقيدُ إلا الفطرُ","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"وقال البندنيجيُّ : تُعتبر حالةُ الشهادةِ هنا أيضًا، فيكونُ الحكمُ كما مرَّ\rقولُهُ في الكتابِ: «أَفْطَرْنَا وصلَّينا» الحرمُ بالصلاةِ مخصوصٌ بِما إذا وسعَ الوقتُ لاجتماعِ الناسِ وفعْلِها، أمَّا إذا لمْ يَسعْ فقد فاتتْ \rقولُه: «فإنَّ رَأْينَا قَضاءها» يشملُ إذا قُلنا بقضاءِ النوافلِ، وأنَّ العيدَ لا يُسلَكُ به مَسْلَكَ الجُمُعةِ\rوقولُهُ: «أوْ يوم الحادِي والثلاثين» أيْ: صبيحته\rوقولُهُ: «وفي الثاني إلى نسبةِ وقتِ القضاءِ للأداءِ» هُوَ بِالنونِ، أيْ: أيعدلُه انتسابٌ إلى الأداءِ، مِن حيثُ إنهُ وقتُ أداءٍ إذا وقعَ العيدُ فيهِ، ومَن قرأهُ «تشبه» بِالتاءِ والشينِ المثلثةِ والباءِ المشددةِ فقدْ صَحَّفَ، وهو غيرُ مستقيمٍ مِن حيثُ المعنى من جهةِ أنَّ القائلَ بالأولِ يُعارضُه بمثلِه، ويقولُ: فِعلُها بعدَ الزوالِ يُشبهُ الأداءَ مِن حيثُ وقوعِهِ في يومَي العيدِ، وفي كلِّ واحدٍ منهما مشابهةً للأداء فيتعارضَان قلتُ: ولا يَظهرُ بطلانُ كونِهِ «نسبة» بالسين، وكلامُ الرافعيِّ ظاهرٌ فيه \r(قالَ:\rالرابعُ: إذا كانَ العيدُ يومَ الجمعةِ وحضرَ أهلُ القرى ممَّنْ يبلغُهم النداءُ، فالقياسُ أنَّه لا يجوزُ لهمُ الانصرافُ حتى يُصلُّوا الجمعةَ \rوقالَ العراقيونَ: الصحيحُ الجوازُ، ورَوَوْا عنْ أَبِي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كانَ يُرخِّصُ لأهلِ السوادِ في مثلِ هذا اليومِ في الانصرافِ )\rالشرح\rإذا كانَ العيدُ يومَ الجمعةِ وحضرَ أهلُ القرى الذي يبلغُهم نداءُ الجمعةِ، ويلزمُهم حضورُها، وصلَّوا العيدَ لمْ تسقطِ الجمعةَ عن أهلِ الجمعةِ بلا خلافٍ، خلافًا لأحمدَ وعطاءِ بن أبي رباح، فأمَّا أحمدُ: فإنهُ أوجبَ الظهرَ،  وأمَّا عطاءٌ  فقالَ: لا تجبُ الجمعةُ ولا الظهرُ، ويكفي صلاةُ العيدِ عنِ الجمعةِ\rوأمَّا أهلُ القرى: ففي وجوبِ الجمعةِ عليهم وجْهانِ:","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"أحدُهما: أنهُ يجبُ عليهمْ كأهلِ البلدِ وكسائرِ الأيامِ، وهو قولُ أَبِي حنيفةَ \rوأصحُّهما –وهو المنصوصُ قديمًا وجديدًا في «الأم» - : أنَّها لا تجبُ عليهم، فينصرفون ويَتْركونها، لِمَا رواهُ أبو هريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: «قَدِ اجْتَمَعَ في يَومِكُمْ هذا عِيْدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ من الجُمُعَةِ، وَإنا  مُجَمِّعُونَ»  أخرجهُ أبو داودَ وابنُ ماجه\rوأخرجه أيضًا النسائيُّ عن زيدِ بنِ أرقمَ  أنهُ قالَ: شهدتُ معَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عيدَين اجتمعا، فَصلَّى العيدَ، ثُمَّ رخَّصَ في الجمعةِ فقال : «مَنْ شَاءَ أنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ» \rوروى البخاريُّ: أنَّ عثمانَ قالَ في خُطبتِهِ: أيُّها الناسُ، قدِ اجْتَمَعَ عيدانِ في يومِكُم، فَمَنْ أرادَ مِن أهلِ العاليةِ أنْ يُصلِّيَ مَعَنا الجمعةَ فليفعلْ، ومَن أرادَ أنْ ينصرفَ فلينصرفْ  ولمْ ينكرْ عليه أحدٌ \rوالعالية  بالعينِ المهملةِ: مدينةٌ مِن جهةِ الشرقِ؛ لأنهم إذا قعدوا في البلدِ لصلاةِ الجمعةِ لم يَتَغَنُّوا بِالعيدِ، وإنْ خَرجُوا ورَجعُوا للجمعةِ شقَّ عليهم، والجمعةُ تَسقطُ بالمشاقِّ\rومَن قالَ بالوجهِ الأولِ حملَ هذهِ الأخبارَ، ونصَّ الشافعيُّ على الذين لا يبَلغُهم نداءُ الجمعةِ،  واعتُرضَ عليهِ بأنَّ هذا باطلٌ، فإنَّ من لمْ يَبلغْهم نداءٌ الجمعةِ لا تَجبُ عليهمُ الجمعةُ في غيرِ يومِ العيدِ ففي يومِ العيدِ أولى\rوأُجيبَ عنهُ بأنَّ مَن لا يبلغُهم النداءُ إذا حَضَروا البلدَ يومَ الجمعةِ غيرَ يومِ العيدِ: يُكرهُ لهم أن يَخرجوا قَبلَ أنْ يصلُّوا الجمعةَ صرَّحَ بِه الشيخُ أبو حامدٍ والمحامليُّ وغيرُهما قالوا: فإِذَا كانَ يومُ العيدِ [زالت]  تِلكَ الكراهةُ فَبَيَّنَ عليهِ السلام وعثمانُ والشافعيُّ رضي الله عنهما ","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"واحتجَّ أحمدُ: رحمه الله تعالى بِمَا رَواهُ أبو هريرةَ وزيدُ بنُ أرقمَ؛ فإنَّهما يُطلقان فيتأولان أهل القرى وغيرهم\rواحتجَّ عطاءٌ بما رَواه: أنه اجتمعَ يومُ عيدٍ في عهدِ ابنِ الزبيرِ فقالَ: عيدانِ اجْتمعَا فَجَمعهما جميعًا وصلَّاهما ركعتين لمْ يزدْ عليهما حتى صلَّى العصرَ\rقالَ النواويُّ ورواهُ أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ على شرطِ مسلمٍ\rقالَ: وروى عطاءٌ أيضًا أنه قالَ: صلَّى ابنُ الزبيرِ في يومِ عيدٍ يومَ جمعةٍ أولَ النهارِ، ثُمَّ رُحْنَا إلى الجمعةِ، فلمْ يخرجْ إلينا، فَصَلَّينا وحْدنا، وكانَ ابنُ عباسٍ بالطائفِ، فلمَّا قَدِمَ ذكَرْنا ذلك لهُ فقالَ: أصابَ السُّنةَ رواهُ أيضًا أبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ\rوأجابَ الأصحابُ بحملِ ذلك كلِّه على أهلِ القرى، وفي بعضِ رواياتِ أبي هُريرةَ تخصيصه بهم، وأثرُ ابنِ عبَّاسٍ صريحٌ فيهِ وروى الشافعيُّ عن عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ذلك مُرسلًا: أنَّه عليه الصلاة والسلام قال: «فَمَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلَ العَالِيَةِ»\rقالَ النواويُّ: لكنَّ قولَ ابنِ عباسٍ أمينِ السُّنةِ مرفوعٌ، وتأويلُه صعبٌ\rقولُهُ في الكتابِ: «أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كانَ يُرخِّصُ لِأَهلِ السوادِ»: أهلُ السوادِ هُم أهلُ القُرى، وهذهِ روايةٌ ضعيفةٌ\rقالَ الشيخُ أبو عمرٍو: يحتملُ أن تكونَ روايةٌ فيه لحاصلِ حديثِ أبي هريرةَ بالمعنى، مِن حيثُ إنَّ مطلقَهُ خُصِّصَ بقولِ عُثمانَ مِن غيرِ نكيرٍ\r================\r) قالَ:\rكتابُ صلاةِ الخُسوفِ\rوهي سُنةٌ فِي سائرِ الأوقاتِ لأنَّ لها سببًا، خلافًا لأبي حنيفةَ \rولمَّا ماتَ إبراهيمُ -وَلدُهُ عليه الصلاة والسلام- كسفتِ الشمسُ، فقالَ بعضُ الناسِ: إنَّها كسفتْ لموتِه","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"فَخَطَب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لآيتان من آيات الله تعالى، لا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فِإذَا رَأيتُمُ ذَلِكَ فافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ والصَّلاةِ»\rثُمَّ أقلُّ هذهِ الصلاةِ ركعتانِ، يَنوي بهما صلاةَ الخسوفِ، ثُمَّ يقرأُ الفاتحةَ، ثُمَّ يركعُ، ثُمَّ يعتدلُ فيقرأُ الفاتحةَ، ثُمَّ يركعُ على ترتيبِ سائرِ الصلواتِ، وكذلك يفعلُ بالثانيةِ، وفي كلِّ ركعةٍ قيامانِ ورُكوعانِ\rفلو تَمادى الخسوفُ جازَ أن يزيدَ ثالثًا ورابعًا على أحدِ الوجهين، إذ روى أحمدُ بنُ حنبلَ أنَّ الركوعَ في كلِّ ركعةٍ ثلاثًا، فليُحملْ على صورةِ التمادي، والقياسُ المنعُ إنْ لمْ يصحِّ الخبرُ\rوكذا الوجهانِ في أنَّ بعدَ الفراغِ هل يستأنفُ صلاةً أخرى عندَ التمادي\rوكَذَا الوجهانِ في أنهُ يَقتصرُ على ركوعٍ واحدٍ إن أسرع الانجلاءُ)\r\rالشرح\rيُقالُ: «كُسِفتِ الشمسُ» و «كَسَفَ القَمَرُ» بفتحِ الكافِ والسينِ، و «كُسِفَ» بضمِّ الكافِ وكسرِ السينِ، و «انكسفا» و «خَسَفا» بفتحِ الخاءِ والسينِ، و «خُسِفا» بضمِّ الخاءِ وكسرِ السينِ، على ما لمْ يُسمَّ فاعلُه، و «انْخَسَفَا» فهذه سِتُّ لغاتٍ في الشمسِ والقمرِ، وقدْ جاءتْ كلُّها في الصحيحين\rوأصلُ الكسوفِ: التَّغَيُّرُ، يُقالُ: «كسف حالُ فلانٍ» إذا تَغَيَّرَ، ومن اللُّغويين مَن فرَّق بينَ الكسوفِ والخسوفِ فقالَ: الكسوفُ: ذهابُ بعضِ الضوءِ، والخسوفُ: ذهابُ جميعِهِ فيهما وبِه قالَ الليثُ بنُ سعدٍ\rوفرَّقَ بعضُهم بَيْنهما بوجهٍ آخرَ فقالَ: الكسوفُ: تَغَيُّرُ لونهِما، والخسوفُ: ذهابُ ضَوئِهما\rوفرَّقَ الجوهريُّ  وغيرُه بَيْنَهما بوجهٍ آخرَ فقالَ: الأصحُّ في الشمسِ الكسوفُ، وفي القمرِ الخسوفُ وهو الجاري على ألسنةِ الفقهاءِ","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"قالَ هؤلاءُ: وإطلاقُ الخسوفِ على الشمسِ مجازٌ وجعلوا قولَهُ عليه الصلاة والسلام: «لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ» مِن بابِ تغليبِ القمرِ على الشمسِ لتذكيرِه وتَأنيثِها\rوحكى القاضي عياضٌ عن بعضِ المتقدِّمين اللغويين عكسَه، أنهُ بالخاءِ في الشمسِ، وبالكافِ في القمرِ، وهو باطلٌ؛ لقولِه تعالى: {}\rوعن الأزهريِّ أنهُ قالَ في بابِ الخاءِ والعينِ والشينِ: إنَّه يقالُ: خشفتِ الشمسُ وخسفتْ وكسفتْ بِمعنىً واحدٍ\rوصاحبُ الكتابِ ترجمَ الكتابَ على المشهورِ في اللغةِ أنَّ الكسوفَ والخسوفَ يستعملُ فيهما\rوكذا ترجمتُه بـ (بابِ صلاةِ الخسوفِ)\rويُحتملُ أنهمُ استغنوا بترجمةِ أحدهما عنِ الآخرِ اختصارًا، والأصلُ فيهما قوله تعالى: {}، قالَ بعضُ المفسرين: أرادَ بِهِ الكسوفَ، أيْ: اسجدوا للهِ عندَ كسوفِهما، ولوْ أُريدَ بالسجودِ العبادةُ لمْ يُخَصَّا بالذكْرِ؛ لأنَّهمْ كانُوا يَعبدونَ المسيحَ والأصنامَ\r\rوما في «الصحيحين»: إنَّ الشمسَ كسفتْ على عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومَ ماتَ إبراهيمُ، فقالَ الناسُ: كسفتِ الشمسُ لموتِ إبراهيمَ، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُم ذَلِكَ فَصَلُّوا وادْعُوا اللهَ تَعَالَى»\rورُوِيَ: «لَا يَنْخَسِفَانِ»، وهوَ بفتحِ الياءِ ولا يقالُ بضمِّها، قيلَ: وكانَ وفاتُهُ في ذِي الحجةِ سنةَ ثمانٍ وهوَ ابنُ ثمانية عشرَ شهرًا، وقيلَ: بلْ وُلِدَ في ذي الحجةِ في سنةِ ثمانٍ، وتُوفِّي سنةِ عشرٍ\rوقالَ الواقديُّ: تُوفِّي يومَ الثلاثاءِ لِعشرِ ليالٍ خلتْ من ربيعٍ الأولِ سنةَ عشرٍ\rوقيلَ: وكسفتِ الشمسُ يومئذٍ على اثنتي عشرةَ ساعةً من النهارِ","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"والأحاديثُ الواردةُ في البابِ بعدَ ذلِكَ، وصلاة كسوفِ الشمسِ والقمرِ سُنةٌ مُؤكَّدةٌ  لأنه عليه الصلاة والسلام أمرَ بِهِمَا وصلَّى صلاةَ كسوفِ الشمسِ\rقالَ بعضُ العلماءِ: ولمْ يُتفقْ خسوفُ القمرِ في زمنِهِ صلى الله عليه وسلم فلمْ يُصلِّ لهُ ، وانعقدَ الإجماعُ عليهِ،  إلَّا أنَّ مالكًا \rوأبا حنيفةَ  قالَا: يُصلَّي لخسوفِ القمرِ فُرادى ركعتين كسائرِ النوافل\rلَنَا الأحاديثُ الصحيحةُ في التسويةِ بيْن الكسوفين، ولا فرقَ في استحبابِها بينَ الأوقاتِ المنهيِّ عنِ الصلاةِ فيها وغيرِها؛ لأنَّ لهَا سببًا، خلافًا لَهُمَا وقدْ تقدمَ في فضلِ الأوقاتِ المكروه بيانُ ذلك \rفإنْ قيلَ: قدْ قالَ الشافعيُّ في «الأُمِّ : ولا يجوزُ تركُ صلاةِ الكسوفِ عندي لمسافرٍ ولا مقيمٍ ولا أحدٍ جازَ له أن يصلّيها بحالٍ، فيصلّيها كلُّ من وصفَ بإمامٍ يقدمُه ومنفردًا إذا لم يجدْ إمامًا، وكذا خسوفُ القمرِ، وهو يَقتضي الوجوبَ\rفالجوابُ: أنَّ مُرادَه أنه يُكرهُ تركها لتأكيدِهَا لكثرةِ الأحاديثِ الواردةِ بالأمرِ بها الصحيحةِ، والمكروهةِ قد يُوصَفُ بأنهُ غيرُ جائزٍ، من حيثُ إنَّ الجائزَ يطلقُ على مستوي الطرفين والمكروهُ ليسَ كذلِك، وقد أوضَحَهُ في روايةِ البويطيِّ فقالَ: يُصلي صَلاةَ الكسوفِ بَعدَ الصبحِ وبعدَ العصرِ وفِي كلِّ حينٍ؛ لأنَّهما ليستا نافلتَيْن، ولكنّهما واجبتانِ وجوب سُنَّةٍ، وهو صريحٌ في أنَّهما سُنةٌ، وأنهُ أرادَ توكيدَ الأمرِ بهما \rوقولُهُ: «واجبتانِ وجوب سُنَّةٍ» لقولِه عليه الصلاة والسلام: «غُسْلُ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ»  أيْ: مُتَأَكَّدٌ وحكى الماورديُّ في (بابِ صلاةِ التطوعِ) وجهًا : أنها فرضُ كفايةٍ  ثُمَّ الكلامُ في أقلِّ هذهِ الصلاةِ وأَكْملِها","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"أمَّا أقلُّها: فركعتانِ: يَنوي بها  صلاةَ الكسوفِ، بزيادةِ رُكوعَينِ وقيامينِ، وصفتُهما: أنهُ يُحرمُ بِهمَا، ويقرأُ الفاتحةَ، ثُمَّ يركعُ، ثُمَّ يرفع فيقرأ الفاتحة ويركع مرة أخرى، ثُمَّ يرفعُ ويطمئنُ، ثُمَّ يسجدُ على ترتيبِ سائرِ الصلواتِ \rويفعلُ كذلك في الركعةِ الثانيةِ، خلافًا لأبي حنيفةَ فإنهُ قالَ: هي ركعتانِ كَالصبحِ  ولأحمدَ  فإنهُ قالَ في روايةٍ: يركعُ في كلِّ ركعةٍ ثلاثَ ركعاتٍ \rورواهُ ابنُ المنذرِ عن ابنِ عبَّاسٍ وحذيفةَ \rلنَا ما رُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: أنَّه عليهِ الصلاةُ والسلامُ رَكَعَ أربعَ ركعاتٍ في ركعتينِ، وأربعَ سجداتٍ  واشتهرتِ الروايةُ بذلك عنهُ عليه الصلاة والسلام،\rواحتجَّ الحنفيةُ بما رَواهُ قبيصةُ الهلاليُّ  قالَ: كسفتِ الشمسُ في عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم، فخرجَ فزعًا يَجرُّ ثوبَهُ، وأنا معهُ يومئذٍ بالمدينةِ، فَصَلَّى ركعتينِ فأطالَ فيهما القيامَ، ثُمَّ انصرفَ وانجلتْ فقالَ: «إِنَّمَا هَذِهِ الآثَارُ يُخَوِّفُ اللهُ بِهَا، فَإِذَا رَأَيْتُموها فَصَلُّوا كَأحْدَث صَلاةٍ صَلَيْتُمُوهَا مِنَ المَكْتُوبَةِ»  رَوَاهُ أبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ، والحاكمُ وصححهُ\rوبِمَا رواهُ النسائيُّ وأبو داودَ عنِ النعمانِ بنِ بشيرٍ : أنَّ الشمسَ كسفتْ على عهدِه عليه الصلاة والسلام، فَجَعَلَ يُصلي رَكعتينِ ركعتينِ \rوسُئِلَ عنها وأجابَ الأصحابُ بِجَوابَيْنِ :\rأحدهما: أنَّ الحديثَ الذي اسْتَدْلَلْنَا بِه أصحُّ وأشهرُ وأكثرُ رواةً\rوالثاني: حملُهُ هذينِ الحديثينِ على الجوازِ، وأحاديثُنا على الوجوبِ\rقال النواويُّ: وفيهِ تصريحٌ منهم بأنهُ لو صلَّاها ركعتينِ كَسُنةِ الظهرِ صَحَّتْ صلاةُ الكسوفِ، وكانَ تاركًا للأفضلِ \rقلتُ: وهذا الجوابُ أجابَ بِه جماعةٌ، مِنهمُ القاضيان – الماورديُّ والطبريُّ- وابنُ الصبَّاغِ ","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"والذي يظهرُ من كلامِ الأصحابِ أنَّ في المسألةِ خلافًا؛ فالعراقيُّونَ يَقولونَ: أقلُّها ركعتانِ كالصبحِ، والمراوزةُ يقولون: أقلُّها ركعتانِ بالصفةِ المذكورةِ، وكلامُ البندنيجيُّ يَقتضي موافقتَهم ؛ فإنهُ نقلَ عن «الأُمِّ»  أنهُ لو تركَ القراءةَ في ركعةٍ مِنْهَا  في القيامِ الأولِ والثاني لمْ يعتدَّ بِهَا، ويُصلِّي ركعةً أُخرى، ويسجدُ للسهوِ، كمَا لو تركَها في سُنةِ الفجرِ ساهيًا\rوأيَّدهُ: بأنَّ مَنْ لمْ يُدركْ مع الإمامِ الركعةَ الثانيةَ فإنْ كانَ الخسوفُ باقيًا أتَى بِرَكعةٍ ثانيةٍ ،وإنْ كانَ انجلى خَفَّفَ، ولا يكونُ التخفيفُ بِنُقصانِ عددِ الركوعِ، بل بتخفيفِ القراءةِ\rإذا تَقرَّرَ ذلكَ فلوْ تَمادى الخسوفُ فهلْ يزيدُ ركوعًا ثالثًا فأكثرَ فيه وجْهانِ :\rأحدهما – عن أبي إسحاقَ-: أنْ يُزيدَ ثالثًا ورابعًا وخَامسًا فأكثرَ حتى يَنجليَ الكسوفُ؛ لأنهُ ثَبتَ في «صحيحِ مسلمٍ»:  أنَّه عليه الصلاة والسلام صَلَّى ركعتينِ، في كلِّ ركعةٍ ثلاثَ (ركوعاتٍ) وفي ورايةٍ: في كلِّ ركعةٍ أربعَ (ركوعاتٍ) (( وفي روايةٍ غير زيادةٍ على هذا\rولا طريقَ للجمعِ بينَ الرواياتِ إلَّا الحمل على الزيادةِ لتمادي الكسوفِ، ويكونُ عليه الصلاة والسلام صلَّاها ثلاثَ مراتٍ:\rمرةً بركوعينِ في كلِّ ركعةٍ حيثُ أسرعَ الانجلاءُ\rومرةَ بثلاثةٍ حيثُ تَوَسَّطَ الانجلاءُ\rومرةً بأربعِ حيثُ تأخرَ  الانجلاءُ، واختارهُ جماعةٌ مِنْ أصحابِ الشافعيِّ الجامِعينَ بيْنَ الحديثِ والفقهِ: الإمامُ أبو بكرٍ بنُ خزيمةَ، وصاحبُهُ أبو بكرٍ بنُ إسحاقَ الصِّبْغيُّ  – بِكسرِ الصادِ وإسكانِ الباءِ الموحدةِ والغين المعجمة-، وأبو سليمانَ جدُّ الخطابيِّ،\rوابنُ المنذرِ \rوأصحُّهما – وهو المنصوصُ وقَطعَ بهِ جمهورُ الأصحابِ-: أنَّ الزيادةَ لا تجوزُ كمَا لا تَجوزُ في سائرِ الصلواتِ ","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"والرواياتُ متعارضةٌ، وكانتِ القصةُ واحدةً، فإنَّها في الكسوفِ الواقعِ يومَ ماتَ إبراهيمُ، فيُؤخذ بالترجيحِ\rورُواة الركوعينِ في كلِّ ركعةٍ فقط أصحُّ إسنادًا، وأوثقُ رجالًا، وأكثرُ عددًا، وأقربُ إلى القياسِ، فيعملُ بها \rورواياتُ الزيادةِ على الركوعينِ انفردَ بها عبيد ابنُ عميرٍ  عن عائشةَ وعبدِ الملكِ بنِ أبي سليمان  عن جابرٍ \rوهذا مذهبُ محمدِ بنِ إسماعيلَ البخاريِّ \rقالوا: وحملُ القائلينَ بالأولِ الرواياتِ على سرعةِ الانجلاءِ وتأخُّرهِ وتوسُّطهِ لا يصحُّ؛ فإنَّ ذلك لا يُعلمُ في أولِ الصلاةِ\rوقدِ اتفقتِ الرواياتُ على: أن عددَ الركوعِ في الركعتينِ  سواءٌ\rقلتُ: يجوزُ أنْ يُعلمَ في الأولى بالأخذِ في التراجعِ فَيَقتصرُ ثُمَّ يجعلُ الثانيةَ كالأولى حَتَّى يَتَمَّ الانجلاءُ بكمالِ الصلاةِ\rوخُرِّجَ على هذينِ الوجهينِ أيضًا: ما لوْ فَرَغَ منَ الصلاةِ والخسوفُ باقٍ هلْ لهُ أنْ يَستأنفَ صلاةَ الخسوفِ مرةً أخرى إنْ جوَّزنَا الزيادةَ على الركوعين جازَ، وإلَّا فَلَا ((\rوالمذهبُ المنصوصُ في «الأُمِّ»  وبِهِ قطعَ الجمهورُ: المنعُ، إِلَّا أنْ يكونَ صلَّاها منفردًا ثُمَّ أدركَهَا معَ الإمامِ فإنَّه يُصليها معه، كما في المكتوبةِ كذَا قالَه جماعةٌ\rلكنَّ القاضي الحُسينُ حكى في هذهِ المسألةِ قولَيْن ، وقالَ: إنِّ الوجْهَينِ في المسألةِ الأولى مُخَرَّجَانِ منهما، وخَرَّجَ عليهما أيضًا:\rقالُوا: انجلاءُ الكسوفِ في القيامِ الأولِ من الأولى والثانيةِ هلْ يجوزُ له أنْ يقتصرَ على قيامٍ واحدٍ وركوعٍ واحدٍ في كلِّ ركعةٍ\rإنْ قُلنا «يجوز الزيادةُ عنِ التمادي» جازَ الاقتصارُ، وإلِّا فَلَا، وهو الأصحُّ، ولا خلافَ أنَّ له أن يُتمَّها  على هيئتِها المشروعةِ، وأنَّ الصلاةَ لا تَبطلُ بالانجلاءِ \r* * *\r\rفائدةٌ","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"قالَ أربابُ علمِ الهيئةِ : كسوفُ الشمسِ لا حقيقةَ لهُ، فإنَّها لا تتغيرُ في نفسِهِا، وإنَّما القمرُ يحولُ بَيْنَنا وبَيْنها ونورُها باقٍ، وأمَّا خسوفُ القمرِ فحقيقةٌ، فإنَّ ضوءَه من ضوءِ الشمسِ، وكسوفُه لِحيلولةِ ظلِّ الأرضِ بينَ الشمسِ وبيْنهُ فيقطعُه التقاطعُ فَلَا يَبقى فيهِ ضوءٌ البتة، فكسوفهُ ذهابُ ضَوئِه حقيقةً\rقولُهُ في الكتابِ: «وهيَ سُنةٌ في سائرِ الأوقاتِ» أيْ: التي يقعُ فيها الخسوفُ\rوقولُهُ: «وأقلُّها ركعتانِ» أي: بالصفةِ المذكورةِ، وقدْ عُلِمَ ما فيهِ \rوأمَّا منْ قالَ «أقلُّها ركعتانِ كالصبحِ» فيكونُ هذا عندهم أكملَها في الأفعالِ، وما ذكَرَه بعدَ هذا أنَّه أكملُها يكونُ عندهُمْ أكملها في الأقوالِ \rوقولُهُ: «إذْ روى أحمدُ بنُ حنبلَ» قالَ الشيخُ ابنُ الصلاحِ : هذا لا يرتضيهِ أهلُ الحديثِ؛ فإنَّ أحمدَ وغيرَه منَ الحُفَّاظِ مشتركون في روايتِهِ، والمعتادُ في ذلك أن يُضافَ إلى من تَفرَّدَ  بِه، وهوَ في هذا فَوْقَ أحمدَ وطبقتِهِ [وهو]  عُبيدِ بنِ عميرٍ عن عائشةَ وعبدِ الملكِ بنِ أبي سليمان عن جابرٍ حاله\r\rوأمَّا قولُهُ: «القياسُ المنعُ» إنْ لمْ يصح الخبرُ فلا يَخفى أنَّ القياسَ المنعُ صحَّ الخبرُ أمْ لا، فإذًا فيهِ محذوفٌ تقديرُه: فالقياسُ المنعُ، فمنعَ منهُ إن لمْ يصحِّ الخبرُ \r==================\r(قالَ:\rأمَّا الأكملُ فهوَ أن يقرأَ في القومةِ الأولى بعدَ دعاءِ الاستفتاحِ الفاتحةَ والبقرةَ، وفي الثانيةِ الفاتحةَ وآلَ عمرانَ، وفي الثالثةِ الفاتحةَ والنساءَ، وفي الرابعةِ الفاتحةَ والمائدةَ، أو مقدارَها مِن القرآنِ وذلِكَ بعدَ الفاتحةِ فِي كلِّ قومةٍ \rأمَّا الركوعُ: فتسبيحٌ في الأولى قدرُ مائةِ آيةٍ، وفي الثانيةِ مقدارُ ثمانينَ، وفي الثالثةِ بقدرِ سبعينَ، وفي الرابعةِ بقدرِ خمسينَ ","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"وأمَّا السجداتُ: فلَا يُطوِّلُها، ونقلَ البويطيُّ عنهُ: أنَّها قَدْرَ الركوعِ الذي قبْلهُ، ولا خلافَ أنَّ القعدةَ بيْنَ السجدتينِ لَا تطولُ )\rالشرح\rأكملُ هذهِ الصلاةِ أنْ تُستفتحَ ثُمَّ يتعوذُ في الأولى قبلَ قراءةِ الفاتحةِ \rوهلْ يُتعوذُ في القيامِ الثاني والثالثِ والرابعِ قبلِ قراءتِها فيهِ الوجْهانِ المتقدمانِ في أنَّ التعوذَ هل يُستحبُّ في الركعةِ الثانيةِ في سائِرِ الصلواتِ، ثُمَّ يقرأُ في القيامِ الأولِ البقرةَ أو قدرَها إنْ لمْ يُحْسِنُها، وأمَّا القيامُ الثاني والثالثُ والرابعُ: فَللشافعيِّ فيهِ نَصَّانِ :\rأحدُهما –رواهُ البويطيُّ وابنُ الجارودِ ((وحُكي-: أنَّهُ يقرأُ في الثاني آلَ عمرانَ، وفي الثالثِ النساءَ، وفي الرابعِ المائدةَ، أو مقدارَ هذهِ السورِ إنْ لمْ يُحْسِنْها، وبِهِ أخذَ جمهورُ الخُراسانيِّين، وهوَ المذكورُ في الكتابِ \rوالثاني –وهو نَصُّه في «الأُمِّ»  و «المختصرِ» - : قالَ النواويُّ: وهو نصُّهُ في البويطيِّ أيضًا بعدَ هذا البابِ بنحوِ كرَّاستَيْنِ: أنهُ يقرأُ بعدَ الفاتحةِ في الثاني قدرَ مائتي آيةٍ من سورةِ البقرةِ، وفي الثالثِ قَدْرَ مائةٍ وخمسين آيةٍ، وفي الرابعِ قدرَ مائةٍ مِنها، وبهذا أخذَ العراقيون\rقالَ المحققونَ: ليس هذا اختلافًا محققًا، وهو للتقريبِ، وهُما متقاربانِ ","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"روى الشافعيُّ  بإسنادِهِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قالَ: انخسفتِ الشمسُ على عهدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فصَلَّى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقامَ قيامًا طويلًا نحوًا من قراءةِ سورةِ البقرةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طويلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيامًا هُوَ دونَ القيامِ الأولِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طويلًا وَهَوَ دُونَ الركوعِ الأولِ، ثُمَّ سجد، ثُمَّ قامَ قِيامًا طَويلًا وَهُوَ دَونَ القيامِ الأولِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَويلًا وَهُوَ دَونَ الركوعِ الأولِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وقَدِ انجَلتِ الشَّمْسُ وأخرَجَه البخاريُّ \rوأمَّا قدرُ مُكثهِ في الركوعِ: فللشافعيِّ فيهِ نصَّان:\rأحدُهما –وهو أحدُ نصيهِ في كتابِ البويطيِّ-: أنَّهُ يسبحُ في كلِّ ركعةٍ نَحوَ قراءتِه \rوأشهرُهما- وهو نصُّهُ في «الأُمِّ»  و «المُخْتَصرِ» \rوثانيهِ في «البويطيِّ» -: أنهُ يُستحبُّ أن يُسبِّحَ في الركوعِ الأولِ نَحوَ مائةِ آيةٍ من سورةِ البقرةِ، وفي الثاني قدرَ ثلثي ركوعِه الأولِ، وفي الثالثِ قدرَ سبعين آيةٍ مِنها، وفي الرابعِ قدرَ خَمسينَ، وأخذَ الأصحابُ بِهِ،  غيرَ أنهم اخْتلفوا في الركوعِ الثاني على خمسةِ أوجهٍ- من حيثُ إنَّ بعضَهم روى لفظَ الشافعيِّ «قَدْرَ ثُلُثَي رُكُوِعِه الأولِ» بالثاءِ المثلثةِ أولَهُ، ورَوَاهُ بعضُهم: «قَدْرَ مَا يَلِي» بالياءِ المثناةِ  من تحت أولِه، أيْ: دُونَه قليلًا:\rأحدُها: أنهُ قدرَ ثمانينَ آيةٍ، وهو قولُ الشيخِ أبي حامدٍ -من العراقيين- وصاحبِ «التقريبِ» من الخراسانيِّين  والبغويِّ  والمصنفُ ((\rوثانيها – وهوَ المذكورُ في «التنبيهِ»  وعزاهُ- بعضُهم إلى الشيخِ أبي حامدٍ أيضًا: أنها بقدرِ تِسعينَ آيةٍ [بالتاء في أوله أوله] \rوثالثُها: بِقدرِ خمسٍ وثمانينَ آيةٍ، وبِهِ قالَ سليمٌ الرازي  ","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"ورابعُها: بِقَدْرِ سبعينَ آيةٍ –بالسينِ- (في) أولُهُ، وهوَ المذكورُ في «المهذَّبِ»، وضُعِّفَ بأنهُ تسبيحٌ في الركوعِ الثالثِ قَدْرَ سبعينَ آيةٍ \rفتُبنى هذهِ الصلاةُ على أنَّ الفعلَ الثاني أخفُّ ممَّا قَبْلَهُ\rوخامسُها: بقدرِ الركوعِ الأولِ قالَ الشيخُ أبو عمرٍو : قالَه أبو حفصٍ الأبهريُّ  صاحبُ كتابِ «الهدايةِ»، رأيتُه بأبهرَ ، وهو غريبٌ في غريبٍ\rقالَ النواويُّ : وهو ضعيفٌ، والأمرُ في هذا على التقريبِ\rوكذلِكَ قالَ كثيرٌ من الأصحابِ: يُسبحُ في الركوعِ بقدرِ ثمانينَ آيةٍ إلى تسعينَ، والمرادُ الآياتُ المقتصدةُ \r\rواختلفوا في الثالث على وجهينِ:\rأشهرُهما ما تَقدَّمَ\rوثانيهما –وهوَ قولُ أبي  عليٍّ الطبريِّ في «الإفصاحِ»  -: أنَّه يُسبحُ في الركوعِ الثالثِ قدرَ خمسٍ وسبعينَ آيةٍ، ويقرأُ في الاعتدالِ من الركوعِ «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ربَّنَا لكَ الحمدُ  » إلى آخرهِ،  ثبتَ ذلكَ في الصحيحين)  (من فِعلِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ونصَّ عليهِ الشافعيُّ في «الأُمِّ»)  (\rوعنِ «الحاوي»)  (: أنَّ الشافعيَّ نصَّ على أنَّهُ يقولُ في رفعِهِ من الركوعِ الأولِ «اللهُ أكبرُ»، وفي الثاني «سمعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»\rولا يُطوّلُ الاعتدالَ منَ الركوعِ بلا خلافٍ\rوأمَّا السجودُ: ففي تطويلِه قولانِ :\rأصحُّهما عند جمهورِ الأصحابِ: أنَّه لا يُطوّلُه، بل يسجدُ بِقدرِ السجودِ في سائرِ الصلواتِ كما لا يُطوّلُ التشهدَ والجلسةَ بينَ السجدتين، ولظاهِرِ قولِهِ في الجديدِ: «فَأطالَ القيامَ جدًّا، وأَطَالَ الرُّكوعَ جدًّا، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَأطَالَ القِيَامَ»، ولمْ يَصِفِ السجودَ بطولٍ \r\rوثانيهُما –وهو نصُّه في موضعينِ من كتابِ البويطيِّ ، ورواهُ الترمذيُّ  والخطابيُّ: أنَّه يُطيلُه \rوقطعَ به ابنُ سريجٍ والبندنيجيُّ والشيخُ أبو محمدٍ ","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"واختارَه الرويانيُّ في «الحليةِ»   \rوقالَ صاحبُ «المهذبِ»:  إنهُ ليسَ بشيءٍ؛ لأنَّ البابَ بابُ توقيفٍ  ولم يثبتْ ذلك عنه عليه الصلاة والسلام\rوهذا الردُّ ليسَ بصحيحٍ، وقدْ صحَّ ذلِكَ عنه عليهِ الصلاةُ والسلامُ، ففي الصحيحين  عن أبي مُوسى الأشعريِّ في وصْفِه صلاة رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: فَصَلَّى بأطولِ قيامٍ وركوعٍ وسجودٍ رأيتُه يَفعلُه في صلاةٍ\rوفي «صحيحِ البخاريِّ»  عن عائشةَ في وصْفِها صلاة رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الكسوفَ: ثُمَّ سَجَدَ فَأطَالَ السُّجودَ، ثُمَّ فَعَلَ في الرَّكعةِ الأخرى مِثلَ مَا فَعَلَ فِي الأُولَى\rوفي روايةٍ: ثُمَّ سَجَدَ سُجودًا طويلًا، ثُمَّ قامَ قيامًا طويلًا إلى أنْ قالَ: ثُمَّ سَجدَ وَهوَ دُونَ السجودِ الأولِ \rوفي روايةٍ في الصحيحين:  أنَّها قالتْ: ما سَجدَ سُجودًا قطُّ كانَ أطولَ مِنها\rووَرَدَ فيها أحاديثُ كثيرةٌ صحيحةٌ، وصحَّحه الشيخُ ابنُ الصلاحِ  وقالَ: الصحيحُ خلافُ ما صحَّحه أكثرُ الأصحابِ، بل يتّجهُ، وبِهِ يُقالُ لا قولَ للشافعيِّ غيرُهُ؛ لِمَا علمَ من وصيتهِ، لأنَّه إذا صحَّ الحديثُ خلافَ قولِه فليُتركْ قولهُ ويُعملُ بالحديثِ\rوصحَّحه النواويُّ أيضًا \rقالَ الإمامُ  والمصنفُ: وإذا قُلنَا بتطويلِهِ يُطوّلهُ على قدرِ الركوعِ الذي قبلَهُ، وهو ظاهرُ نصِّهِ)  (\rوقالَ البغويُّ : يُطيلُ السجودَ الأولَ كالركوعِ الأولِ والسجودَ الثانيَ كالركوعِ الثاني \rوصحَّحه الشيخُ ابنُ الصلاحِ  والنواويُّ ، وصاحبُ «المهذبِ»  أنكرَ القولَ الثانيَ وقالَ: لمْ يذكرْ ذلِكَ الشافعيُّ، ولا نُقلَ في خبرٍ وغلطَ فيهما\rوأمَّا الجلوس بينَ السجدتين: فاتفقَ الأصحابُ على أنَّه لا يُطوّلُه ","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"قال الشيخُ أبو عمرٍو والنواويُّ:  وحديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو بنِ العاصِ يَقتضي استحبابَ إطالتِه، وهو ما (رواه) النبي صلى الله عليه وسلم قامَ في الكسوفِ فلْم يَكَدْ يَرْكَعْ، ثُمَّ رَكَعَ فلمْ يَكَدْ يَرْفَعْ، ثُمَّ رَفَعَ فلمْ يَكدْ يَسجدُ، ثُمَّ سجدَ فلمْ يكدْ يرفعُ، ثُمَّ رفعَ فلمْ يكدْ يسجدُ،\rثُمَّ سجدَ فلمْ يَكَدْ يرفع ، ثُمَّ فَعَلَ في الركعةِ الثانيةِ مثلَ ذلك  رواهُ ابنُ خزيمةَ في «صحيحهِ»، والحاكمُ في «مستدركِهِ»، وصحَّحه أبو داودَ\rقال النواويُّ:  لكنَّ في إسنادِ أبي داودَ عطاءُ بنُ السائبِ، وهو مختلفٌ فيه\rوحَكى صاحبُ  «الذخائرِ» عن بعضِ الأصحابِ احتمالًا في تطويلِه وفي تطويلِ الرفعِ من الركوعِ؛ لأنَّ حديثَ ابن عبَّاسٍ يتضمنُ تطويلَ الأولِ، وحديثُ جابرٍ يتضمنُ تطويلَ الثاني \rقولُهُ في الكتابِ: «الفاتحةَ والبقرةَ» قراءةُ الفاتحةِ من الأركانِ لا من الكمالِ، فهيَ داخلةٌ في الأقلِّ، فيحملُ على: أنَّ معناهُ أن يُجمعَ بينهما\rوكذا قولهُ في باقي الركعاتِ\rوقولُهُ: «أوْ مِقدارَها» الضميرُ فيه عائدٌ إلى السورِ المذكورةِ لا إلى المائدةِ خاصَّةً\rوقولُهُ: «وذلكَ بعدَ الفاتحةِ» أيْ: قراءة هذه السورةِ بعدَ الفاتحةِ، وبينَ ذلك؛ لأنَّ الواوَ لا تقتضي ترتيبًا، فلا يدلُّ قولُهُ «الفاتحةَ والبقرةَ» ونحوُه على تقديمِ الفاتحةِ\r===============\r(قالَ:\rثُمَّ إذا فرغَ من الصلاةِ يُستحبُّ أن يخطبَ خطبتين كما في العيدِ، إِلَّا أنَّه لا يجهرُ في الكسوفِ إنْ كانَ نهارًا، ويجهرُ بالخسوف لأنه بالليلِ ، والجماعةُ فيهما مسنونةٌ غيرُ واجبةٍ )\rالشرح\rفي الفصلِ ثلاثُ مسائلَ:","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"الأولى: يُستحبُّ أن يخطبَ الإمامُ بعدَ صلاةِ الكسوفِ  خطبتين بأركانِهما وشرائطِهما المتقدماتِ في بابِ صلاةِ الجمعةِ سواءٌ أقامَ بالجماعةِ في مصرَ أو قَريةٍ أوْ باديةٍ، أوِ المسافرون في الصحراءِ، وليستْ شرطًا في صحةِ الصلاةِ\rوقالَ مالكٌ  وأبو حنيفةَ  وأحمدُ في روايةٍ: لا تُشرعُ لها الخطبةُ \rلَنَا:  ما أخرجهُ البخاريُّ  ومسلمٌ عن عائشةَ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا كسفتِ الشمسُ صلَّى فوصفتْ صلاتَه ثُمَّ قالتْ: فلمَّا فرغَ من صلاتِه قامَ فخطبَ الناسَ، فحمدَ اللهَ تعالى، وأثنى عليهِ وقالَ: «الشَّمْسُ والقَمَرُ آيتانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ تَعَالَى، لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيِاتِهِ، فَإِذَا رَأّيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا»\rويَنبغي للخطيبِ أن يحثَّ الناسَ على: التوبةِ من المعاصي، وعلى فعلِ الخيرِ، والصدقةِ، والعتاقةِ، ويُحذّرهم الغفلةَ والاغرارَ، ويأمرُهم بإكثارِ الدعاءِ والاستغفارِ والذكرِ\rفقدْ صحَّ: أنَّه عليه الصلاة والسلام فعل ذلك في خطبتِه، ورُوي: أنَّه قالَ فيها: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا منْ أَعَزَّ مِنَ اللهِ يُرَبِّي عَبِيْدَهُ وَأُمَّتَهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، واللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَليلًا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» \rقالَ الشافعيُّ فِي «الأُمِّ» : ويَجلسُ قبلَ الخطبةِ الأولى كَمَا في الجمعةِ\rقالَ النواويُّ: ويجيءُ فيهِ الوجهُ السابقُ في خطبةِ العيدِ \rولا يَخطبُ مَن صلَّاها منفردًا؛ لأنَّ الغرضَ من الخطبةِ تذكيرُ السامعين، ولو اقتصرَ على خطبةٍ واحدةٍ أجزأهُ، حكاه البويطيُّ عن «نصِّه» \rولو انفردَ نسوةٌ بإقامتِها لم تشرعْ لهنَّ الخطبةُ؛ لأنَّها ليستْ من سنةِ النساءِ \rقالَ الشافعيُّ : فلوْ قامتْ واحدةٌ منهنَّ ووعظتْ وخوَّفت كانَ حسنًا","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"الثانيةُ: يُستحبُّ الإسرارُ بالقراءةِ في الصلاةِ في كسوفِ الشمسِ، والجهرُ في كسوفِ القمرِ، نصَّ عليه في «الأُمِّ»  و «المختصرِ» ، وقطعَ به الأصحابُ ، وبِه قالَ مالكٌ  وأبو حنيفةَ ، وقالَ أحمدُ: يَجهرُ فيهِما \rقال الرافعيُّ:  وقالَ أبو سليمان الخطابيُّ: الذي يجيءُ على مذهبِ الشافعيِّ: أنَّه يجهرُ فيهما، واحتجَّ له بِمَا رُوِيَ عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى بِهم في كسوفِ الشمسِ وجهرَ بالقراءةِ \rقالَ النواويُّ : ولمْ أَرَهُ في كتابِ الخطابيِّ\rواستدلَّ أصحابُنا بالحديثِ الصحيحِ  المتقدمِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ\rوقولُه فيهِ: «قامَ قيامًا طويلًا نحوًا من سورةِ البقرةِ»  قالوا: وهو دليلٌ على أنه لم يَسْمَعْه؛ لأنَّه لو سمعهُ لمْ يقدرْهُ لغيرِه، ولا يُقالُ: لعلَّه لمْ يَسمعْهُ لبعدِه، لأنَّه قالَ: كنتُ إلى جانبِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فأسمعتُ له حسًّا، ويقولُ سَمرةُ : صلَّى بِنَا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في كسوفٍ لا نَسمعُ له صوتًا رواهُ الترمذيُّ وصحَّحه \rولأنها صلاةُ نهارٍ لها نظيرٌ من صلاةِ الليلِ، فلا يُشرعُ فيها الجهرُ كالظهرِ والعصرِ\rوأمَّا ما في الصحيحينِ  من قولِ عائشةَ رضي الله تعالى عنها: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم جهرَ في صلاةِ الكسوفِ بقراءتِه، محمولٌ على أنَّه كانَ في خسوفِ القمرِ، والأولُ في كسوفِ الشمسِ؛ جَمعًا بينَ الأحاديثِ\rكذا قالوُه، وفيهِ نظرٌ؛ لأنَّ القاضي الحسينَ حكى عنِ الأصحابِ: أنَّه عليهِ الصلاةُ والسلامُ لم يصلِّ صلاةَ خسوفِ القمرِ، وقد تقدَّمَ ","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"لكنَّ الدارقطنيَّ  روى عنها أنها قالتْ: كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصلي في كسوفِ الشمسِ والقمرِ أربعَ ركعاتٍ وأربعَ سجداتٍ وهو يدلُّ على أنَّه صلى صلاةَ خسوفِ القمرِ أيضًا وأجابَ بعضُهم بأنَّ هذه الروايةَ يعارضُها الروايةُ الأخرى عنها أنها قالتْ: حزرتُ  قيامَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الأول بِقَدْرِ سورةِ البقرةِ، والثاني بِقَدْرِ آلَ عمرانَ، والثالثَ بِقَدْرٍ سورةِ النساءِ إلى آخرهِ،  ويدل على أنها لم تسمعه، فيتعارضُ الحديثانِ ويتساقطانِ، ويُرجعُ إلى روايةِ غيرِها وبعضُهم حملهُ على أنه جهرَ بالآيةِ والآيتين وقالَ الإمامُ : يُحتملُ أن يجهرَ في الكسوفِ كالعيدِ والجمعةِ\rالثالثةُ: يُستحبُّ أن تقامَ صلاةُ الكسوفين في جماعةٍ؛ لِمَا ثبتَ في الصحيحين : أنَّه عليه الصلاة والسلام صَلَّى صلاةَ الكسوفِ في الجماعةِ، وأنه أمرَ رجلًا أن يناديَ لها: الصلاة جامعة وعن الحسنِ البصريِّ قالَ: خسفَ القمرُ وابنُ عباسٍ بالبصرةِ، فصلَّى بنا ركعتينِ في كلِّ ركعةٍ ركعتانِ ، فلمَّا فرغَ ركبَ وخطبَ وقالَ: صليتُ بِكُمْ كمَا رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم صلَّى بنا وليستِ الجماعةُ شرطًا فيها\r (وحكى الإمامُ  وجهًا: أنَّ الجماعةَ شرطٌ فيها) كالجمعةِ، عن روايةِ الصيدلانيِّ \rقال الرافعيُّ:  ولمْ أجدْهُ في كتابٍ كَذَا لكنْ قالَ: خرَّجَ أصحابُنا وجْهَينِ في أنَّها هلْ تُصلَّى في كلِّ مسجدٍ أو تكونُ إلَّا في جماعةٍ واحدةٍ، كالقولَينِ في العيدِ انتهى\rوهذا الخلافُ مَحْكِيٌّ عن تعليقِ القاضي الحسينِ أيضًا\rقالَ النواويُّ:  وهذانِ الوجهانِ شاذَّانِ مردودانِ","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"ويَجوزُ أنْ تُقامَ جماعةً في مواضعَ من البلدِ، ولا يُتوقَّفُ صحتُها على صلاةِ الإمامِ ولا إذنِه، فإنْ لمْ يصلِّها الإمامُ طَلَبُوا منه إمامًا يُصلِّي بِهم، فإنْ لمْ يَجدُوا صَلَّوها فُرادى، فإنْ خافوا الإمامَ إن صلّوها علانيةً صلّوها سرًّا \rوقالَ أبو حنيفةَ:  لا يُصلى صلاةُ خسوفِ القمرِ جَماعةً، بَلْ فُرادى\rوأمَّا مالكٌ  فَرَأى أنَّه صلَّاه لخسوفِ القمرِ\rقولُهُ في الكتابِ: «يَخْطبُ خطبتين كمَا في العيدِ» يُستثنى من هذا التكبيرِ؛ فإنَّ هاتَين لا يُفتتحان بالتكبيرِ\rوقولُهُ: «إلَّا أنهُلا يجهرُ في الكسوفِ» أي: في الصلاةِ، وهو استثناءٌ منقطعٌ، ويُحتملُ أنْ يُجعلَ متصلًا بتقديرٍ؛ كأنَّه قالَ: يُصلي ويَخطبُ كما في العيدِ، إلِّا أنَّه لا يجهرُ بالصلاةِ\rوتعبيرُه عن كسوفِ الشمسِ بـ «الكسوفِ» والقمرِ بـ «الخسوفِ» جريًا فيهِ على عادةِ الفقهاءِ في التمييزِ بينهما بذلِك\rوقولُهُ: «والجماعةُ فيهَا مسنونةٌ» يجوزُ أنْ يكونَ داخلًا في الاستثناءِ، على معنى أنها لا يُشترطُ فيها قولًا واحدًا، وإنِ اختُلفَ في اشتراطِها في العيدِ على الطريقةِ المشهورةِ، ويجوزُ أنْ يُجعلَ مستأنفًا فيجيءُ فيهِ الخلافُ\r======================\r\r(قالَ:\rفُروعٌ ثلاثةٌ:\rالأولُ: المسبوقُ إذا أدركَ الركوعَ الثانيَ :\rنقلَ البويطيُّ أنَّه لا يكونُ مُدرِكًا؛ لأنَّ الأصلَ هوَ الأولُ\rوقالَ صاحبُ «التقريبِ»: يصيرُ مدرِكًا للقومةِ التي قبلها فيبقى عليهِ قيامٌ واحدٌ وركوعٌ واحدٌ\rوالأولُ أصح ","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"الثاني: تفوتُ صلاةُ الكسوفِ بالانجلاءِ وبغروبِ الشمسِ كاسفةً، وتفوتُ صلاةُ الخسوفِ بالانجلاءِ وبطلوعِ قرصِ الشمسِ، ولا تفوتُ بغروبِ القمرِ في جُنحِ الليلِ  خاسفًا؛ لأنَّ الليلَ باقٍ، وسلطانُ القمرِ في جميعِهِ  وهل  يفوتُ بطلوعِ الصبحِ فيه قولانِ: الجديدُ: أنهُ لا يفوتُ  لبقاءِ سلطنةِ القمرِ بِدوامِ الظلمةِ)\rالشرح","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"الفرعُ الأولُ: المسبوقُ بالتحرُّمِ إنْ أدركَ الإمامَ في الركوعِ الأولِ من الركعةِ الأولى كان مدركًا للصلاةِ، وإنْ أدركَه في الركوعِ الأولِ من الركعةِ الثانيةِ كان مدركًا للركعةِ، فإذا سَلَّمَ الإمامُ قَامَ وصَلَّى ركعةً بركوعين،  وإن أدركَه في الركوعِ الثاني من إحدى الركعتينِ: فقدْ روى البويطيُّ عن الشافعيِّ: أنَّه لا يكونُ مدركًا لشيءٍ من الركعةِ، ووجَّهه الأصحابُ بأنَّ الركوعَ الأولَ هوَ الأصلُ والثاني كالتابعِ له، بدليلِ أنه لا يصيرُ بإدراكِه مدركًا لجميعِ الركعةِ، ولو صارَ مدركًا بإدراكِه لصار مدركًا لجميعِ الركعةِ، كمَا لوْ أدركَ جزءًا من الركوعِ في سائرِ الصلواتِ أيضًا ، فَلَوْ جَعَلنَاهُ مدركًا لكانَ فيهِ تغييرٌ لنظمِ الصلاةِ وأجزأَ بحالِها عن وصفِها، فإنهُ يَبقى عليهِ قيامٌ وركوعٌ، فإذا أتى بِهما في آخرِ الصلاةِ فإنْ جلسَ عنِ الاعتدالِ وتشهدَ وسلمَ من غيرِ سجودٍ كانَ ذلكَ غيرَ معهودٍ في الصلاةِ، وفيه تقديمُ  السجودِ على الركوعِ، وإنْ سجد مرةً أخرى كان هذا السجودُ زائدًا مُغَيِّرًا نظمَ الصلاةِ، وقد وقعَ الأولُ موقعَه، فيفعلُ ما بقيَ منَ الركعةِ متابعةً لإمامهِ، وإنْ كانَ في الأولى صَلَّى معهُ الركعةَ الثانيةَ، فإذا سَلَّمَ الإمامُ قامَ وصلَّى الركعةَ الثانيةَ إنْ كانَ الخسوفُ باقيًا، وإنْ انجلى صلَّاها متجوّزًا فيها، وكذا الحكمُ لوْ أدركهُ في القيامِ الثاني لا يكونُ مدركًا للركعةِ وحكى صاحبُ «التقريبِ»  قولًا آخرَ أنهُ بإدراكِ الركوعِ الثاني يَصيرُ مدركًا للقومةِ التي قَبْلها وعلى هذا لوْ أدركَ الركوعَ الثانيَ مِن الأُولى يقومُ عندَ سلامِ الإمامِ، ويقرأُ ويركعُ ويعتدلُ ويجلسُ ويتشهدُ ويسلمُ ولا يَسجدُ؛ لأنَّ إدراكَ الركوعِ إذا أثَّرَ في إدراكِ القيامِ الذي قبْله كانَ السجودُ بَعدهُ محسوبًا قطعًا","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"وحكى صاحبُ «البيانِ»  عن البصريِّ  أنهُ روى: أنهُ لوِ اقتصرَ على ركوعٍ واحدٍ أَجزأهُ\rواتفقَ الأصحابُ على تصحيحِ القولِ الأولِ \rولا خلافَ أنهُ لا يكون مُدركًا للركعةِ بِتمامِهَا، كذا قالهُ النواويُّ \rلكنَّ  الفورانيُّ حَكى عن صاحبِ «التقريبِ» أنهُ يكونُ مدركًا للركعةِ، وهو غيرُ ما حكاهُ عنهُ القاضي والإمامُ \rوقد حكى ابنُ يونسَ قولًا، ويجوزُ أن يكونَ الكلامُ اشْتَبَهَ على الناقلِ عنهُ في إدراكِ الركوعِ والركعةِ\rالثاني: صلاةُ كسوفِ الشمسِ تفوتُ بأمرين :\rأحدُهما: الانجلاءُ، فإذا انجلتْ جميعُها لم يُصلِّ؛ لقولِه عليه الصلاة والسلام في الحديثِ المرويِّ في الصحيحين:  «فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوْا حَتَّى تَنْجَلِيَ» دلَّ على أنَّها لا يُصلَّى بَعدهَا، وإنِ انجلى بعضُها يشرعُ في الصلاةِ للباقي، كمَا لوْ لمْ تَنكسفْ إلَّا ذلكَ القدرَ \rولوْ حالَ سحابٌ فلمْ يدرِ انجلت أمْ لا صلَّاها بِلا خلافٍ؛ لأنِّ الأصلَ بقاءُ الكسوفِ\rولوْ كانتِ الشمسُ تحتَ غمامٍ وشكَّ هلْ كسفتْ أمْ لا لمْ يصلِّ بلا خلافٍ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الكسوفِ \rولا يُعملُ في الكسوفِ بقولِ المُنجَّمين \rوإنِ انجلتْ وهوَ في الصلاةِ: أتمَّها، وعلَّلوه بأنَّها صلاةٌ أصليةٌ، فلا يخرجُ منها بخروجِ وقتِها كسائِرِ الصلواتِ، وقولُهم «أصليةٌ» احترازًا من الجمعةِ، على القديمِأنها بدلٌ من الظهرِ ومنَ المسافرِ إذا خرجَ الوقتُ وهوَ في صلاةٍ نوى قصرَها وقُلنا: الواقعُ بعدَ الوقتِ قضاءٌ، وفائتةُ السفرِ لا تُقصرُ مطلقًا، فإنَّه يخرجُ من صلاةِ القصرِ إلى صلاةِ الإتمامِ\rالثاني: غُرُوبُ الشمسِ كاسفةً، فلا يُصلَّى لهَا لأنَّ سلطانَ الشمسِ بالنهارِ، وقدْ ذهبَ وبطلَ الانتفاعُ بضوئها نيرةً كانتْ أوْ مُنكسفةً\rوإنْ غابتْ في الصلاةِ أتمَّها \rوأمَّا صلاةُ خسوفِ القمرِ فتفوتُ بأمرين:","part":1,"page":156},{"id":157,"text":" الانجلاءُ كما تَقدمَ\rوالثاني: طلوعُ الشمسِ، فإذا طلعتْ والقمرُ خاسفًا بعدُ لمْ تُصلَّ؛ لأنَّ سلطانَ القمرِ بالليلِ، وقدْ ذهبَ وبطلتْ منفعتُه بطلوعِ الشمسِ، ولوْ طلعتْ وهوَ فيها: أتمَّها، ولوْ بدأ خسوفُه بعدَ طلوعِها لم يُصلِّ، ولا تفوتُ بغيبوبة القمرِ خاسفًا ليلًا، بلْ يجوزُ إنشاءُ الصلاةِ لأنَّ سلطانَ القمرِ –وهوَ الليلُ- باقٍ بغيبوبتِه كَسَترِه بالسحابِ خاسفًا \rقالَ الشيخُ أبو عمرٍو : وهذا بخلافِ ما إذا طلعتِ الشمسُ في الخسوفِ أو غربتْ في الكسوفِ، فإنهُ كَزوالِ الكسوفِ بالانجلاءِ، من حيثُ إنَّ القمرَ الخاسفَ أو الشمسَ  الكاسفةَ مجموعٌ يَتركَّبُ منْ ذاتٍ ووصف، فَكَمَا يَعْدمُ المجموعُ بانتفاءِ الوصفِ الذي هو الكسوفُ يعدمُ بانتفاءِ الذاتِ التي هيَ القمرُ، أوِ الشمسُ وإنْ بقيتْ بعدَ الغروبِ على الجُملةِ فلمْ يبقَ على الوجهِ الذي كانتْ باعتبارهِ شمسًا؛ لأنَّ الشمسَ نورٌ خاصِّيتُه إضاءةُ ما بيْنَ الخافقَيْنِ، فلا يبقى مع انتفائها شمسٌ، وإنْ بقي شمسٌ فلَا يبقى شمسٌ يصلى لِكسوفهِ؛ لأنَّ الصلاةَ مخصوصةٌ بخسوفِ ما يُضيءُ هذا العالَمَ، كما لا يَخفى مِن تأثيرهِ في اقتضاءِ الفزعِ والالتجاءِ عندَ فقدانِه، إذا ظهرَ ذلكَ فَفِيمَ إذا غابَ القمرُ في ليلٍ لم يثبتْ زوالُ الخسوفِ بواحدٍ مِن الطريقين، بخلافِ الباقي انتهى\rولوْ طلعَ الفجرُ وهوَ خاسفٌ أو خسفَ بعدَ طلوعِه وقبلَ طلوعِ الشمسِ: فقولانِ، الجديدُ الصحيحُ: أنَّها لا تفوتُ ، ويصلِّيها لبقاءِ ظُلمة الليلِ والانتفاعِ بضوئِه\rوعلى هذا؛ لو شرعَ فيها فطلعتِ الشمسُ قبلَ فراغِها لم تبطلْ، فَليتمَّها كمَا لوِ انجلى الكسوفُ في أثنائِها ","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"قالَ في «الأُمِّ» : وتَتخففُ صلاةُ الكسوفِ في هذهِ الحالةِ ليخرجُوا منها قبلَ طلوعِ الشمسِ، والقديم : أنَّها فاتتْ وليسَ لهُ أنْ يُصلّيها لذهابِ الليلِ بطلوعِ الفجرِ، وفي موضعِ القولينِ طريقانِ:\rأحدُهما: ما قالهُ القاضي ابنُ كجٍّ : أنَّهما فيما إذا غابَ خاسفًا، فإذا لمْ يغبْ وبقي خاسفًا فيجوزُ الشروعُ في الصلاةِ قطعًا\rوأصحُّهما: طردُ القولينِ في الحالينِ، صرَّحَ بهِ الشيخُ أبو حامدٍ والبندنيجيُّ وجماعةٌ، وهوَ ظاهرُ إطلاقِ الجمهورِ وتَعليلِهم \r=====================\r\rفَرْعٌ\rقالَ الشافعيُّ في «الأُمِّ» : ولوْ كسفتِ الشمسُ ثُمَّ حدثَ خسوفٌ صَلَّى الإمامُ صلاةَ الخسوفِ كمَا في المكتوبةِ\rقالَ: ويُصلّيها صلاةَ شدةِ الخوفِ بالإيماءِ، حيثُ توجهُ راكبًا وماشيًا\rفإنْ أمْكنهُ الخطبةُ والصلاةُ خطبَ، وإلَّا فلا\rوإنْ كسفتْ في حضرٍ فغشيهم عدوٌّ مَضوا إلى العدوِّ\rفإنْ أمْكنَهم في صلاةٍ ما يمكنهم منَ المكتوبة صلُّوا صلاةَ الخوفِ، وإنْ لمْ يمكنْهم ذلك صلّوها صلاةَ شدةِ الخوفِ طالبينَ ومَطلوبين، هذا نصُّه\rقولُهُ  في الكتابِ: «وقالَ صاحبُ (التقريبِ) يَصيرُ مدركًا» ظاهرُه يَقتضي أنَّ صاحبَ «التقريبِ» ذهبَ إليهِ، وكَذا قالهُ صاحبُ «الإبانةِ»، والرافعيُّ ذكَرَ أنهُ حكاهُ قولًا \rوقولهُ: «في جنحِ الليلِ» أيْ: في أثنائِه، وفيهِ لُغتانِ: ضمُّ الجيمِ وكسرُها \r=====================\r(قالَ:\rالثالثُ: إذا اجتمعَ عيدٌ وخسوفٌ وخِيفَ الفواتُ فالعيدُ أَولى لأنهُ قريبُ الفواتِ، وإنِ اتسعَ الوقتُ فقولانِ:\rأحدُهما: الخسوفُ أولى؛ لأنهُ على عرضِ الفواتِ بالانجلاءِ\rوالثاني: العيدُ أَولى؛ لأنهُ سُنَّةٌ مؤكدةٌ ورُبما يعوقُ عنهَا عائقٌ ولوْ أنكرَ مُنجِّمٌ وجودَ الكسوفِ يومَ العيدِ لمْ نزده على قولِنا: {گ     } ","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"ولوِ اجتمعَ كسوفٌ وجمعةٌ قدَّمنا الجمعةَ إنْ خِفْنَا فواتَها، وإلَّا فقولانِ كما في العيدِ\rثُمَّ قالَ الشافعيُّ: يخطبُ للجمعةِ  والكسوفِ خطبةً واحدةً، ويَتعرَّضُ فيها للخسوفِ والجمعةِ حتى لا يطولَ الوقتُ\rولا بأسَ بوقوعِ الخطبةِ قبلَ الخسوفِ؛ لأنَّها ليستْ مِن شرائطها\rوكَذا  يفعلُ عندَ اجتماعِ العيدِ والخسوفِ \rولوِ اجتمعَ جنازةٌ معَ هذهِ الصلواتِ فهيَ مُقدَّمةٌ، إلَّا معَ الجمعةِ عندَ ضيقِ الوقتِ ففيهِ خلافٌ، والأصحُّ تقديمُ الجمعةِ، ووجهُ تقديمِ الجنازةِ أنَّ الجمعةَ لهَا بدلٌ)\rالشرح\rقاعدةُ الفرعِ: أنهُ إذا اجتمعَ صلاتان في وقتٍ واحدٍ قُدِّمتْ التي يُخافُ فواتُها ثُمَّ الأوكد ، وفيه صورٌ:\rالأولى: إذا اجتمعَ عيدٌ وكسوفٌ: فإنْ خِيفَ فواتُ صلاةِ العيدِ لضيقِ وقتِها قُدّمتْ، وإنْ لم يُخَفْ فواتُها فطريقانِ أحدُهما فيهِ قولانِ:\rأصحُّهما: تقديمُ صلاةِ الكسوفِ لأنها تعرضُ للفواتِ بالانجلاءِ\rوثانيهما –وهوَ روايةُ البويطيِّ-: تقديمُ صلاةِ العيدِ لأنَّها أَأْكَدُ لمشابهتِها الفرائضِ بانضباطِ وقتِها، وقد يَعوقُ عنها عائقٌ\rوأصحُّهما القطعُ بالقولِ الأولِ ","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"واعلمْ؛ أنَّ ابنَ داودَ وبعضُ المُنجّمين اعترضُوا على الشافعيِّ فِي هذهِ المسألةِ  وقالُوا: اجتماعُ الكسوفِ والعيدِ مُحَالٌ؛ لأنَّ العيدَ إمَّا أولَ الشهرِ أو عاشِرَه، وكسوفُ الشمسِ لا يقعُ إلَّا في الثامنِ والعشرينَ أوِ التاسعِ والعشرينَ، فإنَّ انكسافَ الشمسِ يكونُ بحيلولةِ القمرِ بَيْنَنا وبيْنَها  إذا وقعتِ المسابقةُ التامةُ بيْنهما، والذي نراهُ حينَ الانكسافِ هو جُرمُ القمرِ الصقيلُ الذي يُكسبُ النورينَ نورَ الشمسِ، وهي في نفسِها على حالِها وهذهِ المسابقةُ لا تكونُ إلَّا في أيامِ السرار ؛ فإنَّ القمرَ يدخلُ في شعاعِها، وإذا انفصلَ عن شعاعِها بَعُدَ عنها، فلا ينكشفُ، فالقمرُ في عيدِ الفطرِ يكونُ قد فارقَها بنحوِ عشرينَ درجةً، وفي عيدِ الأضحى بنحوِ مائةٍ وعشرينَ درجةً، وخسوفُ القمرِ أيضًا لا يكونُ إلَّا في ليلةِ الثالثَ عشرَ أو الرابعَ عشرَ أو الخامسَ عشرَ لِحيلولةِ الأرضِ بينهُ وبينَ الشمسِ، فإنْ سارَ سيرًا سريعًا وقعَ الخسوفُ ليلةَ الثالثَ عشرَ، وإنْ سارَ سيرًا متوسطًا وقعَ ليلة الرابعَ عشَر، وإنْ سارَ سيرًا متباطئًا وقعَ ليلةَ الخامسَ عشرَ\rوالجوابُ مِن أوجهٍ :\rأحدها: وهوَ ما أشارَ إليهِ المصنفُ، مع أنَّ الشمسَ لا تنكسفُ إلَّا في آخرِ الشهرِ، ويجوزُ وقوعُ الكسوفِ في كلِّ يومٍ، واللهُ على كلِّ شيءٍ قديرٍ ومَا قالَهُ الفلكيونَ هوَ في الكسوفِ المبنيِّ على الحسابِ، وقد يكسفُها اللهُ تعالى بغيرِ ذلك، وقدْ نُقل ذلكَ، فقد ثبتَ في الصحيحين : أنَّ الشمسَ كسفتْ يومَ ماتَ إبراهيمُ ولدُ سيدِنا رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم\rورَوى الزبيرُ بنُ بكَّارٍ  في كتابِ «الأنسابِ» أنهُ ماتَ في العاشرِ من ربيعٍ الأولِ سَنة عشرٍ وكذَا رواهُ البيهقيُّ  بإسنادِهِ عن الواقديَّ\rومنهم مَن قالَ: في الثالثَ عشرَ منهُ\rومنهم مَن قالَ: في الرابعَ عشرَ منهُ","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"ومنهم مَن قالَ: في عاشرِ رمضانَ حكاهُ الماورديُّ ، ولمْ يذكرْ أحدٌ أنهُ كانَ في آخرِ الشهرِ\rوروى البيهقيُّ بإسنادِهِ:  أنَّ الشمسَ كسفتْ يومَ قُتلَ الحُسينُ رضي الله تعالى عنه، حتى بدتِ الكواكبُ نصفَ النهارِ، وظننَّا أنها هيَ وقدْ صحَّ أنهُ قُتل يومَ عاشوراءَ بِلا إشكالٍ \rقالَ إمامُ الحرمي: يجوزُ أن تنكسفَ الشمسُ بالزُّهرةِ؛ فإنَّ فَلَكها يَنحطُّ عنْ مدارِ الشمسِ، وقدْ تسامتِ الشمسُ فيجوزُ أنْ تحولَ بيْنها وبيْننا كالقمرِ، وقدْ تكسفُ الزُّهرةُ المريخَ والمشتريَ وزُحلَ\rقالَ: وهذا ممَّا يَحارُ فيهِ عقولُهم\rويجوزُ أن ينكسفَ القمرُ عنه حصوله في ظلِّ الأرضِ، فإنَّ الأرضَ حينئذٍ تَحولُ بينهما، معَ اكتسابهِ من نورِها، بخلافِ  الزُّهرةِ والمريخِ والمشتري، فإنَّ نورَها ليس مُكتسبًا منْ نورِ الشمسِ\rالثالثُ: إذا سلَّمنا أنَّ الكسوفَ لا يقعُ إلَّا في سرارِ الشهرِ، لكنْ يجوزُ أنْ يوافقَ العيدُ اليومَ التاسعَ والعشرينَ؛ بأنْ نصومَ بِشهاداتِ نُقصانِ رجبَ وشعبانَ ورمضانَ وهيَ في نفسِ الأمرِ كواملُ، فاليومُ الأولُ محسوبٌ منْ شعبانَ بناءً على الشهادةِ هوَ مِن رجبَ، ويومانِ منْ أولِ رمضانَ مِن شعبانَ، فَيَبقى سبعةٌ وعشرون، ويوافقُ العيدُ اليومَ الثامنَ والعشرينَ في الحقيقةِ، ولا يُحكمُ ببطلانِ شهادةِ الشهودِ بذلك؛ لأنَّ هذا الأصلَ لا اعتمادَ عليهِ في الأحكامِ\rالرابعُ: يجوزُ وقوعُ ذلكَ في الإسرار فيشبهُ عليهم الأشهرُ فيحتذرونَ بها ويصومونَ بحسبِ حذرهم، وهو حكمُ اللهِ في حقِّهم، فيقعُ حذرُهم لِرمضانَ قبْلهُ بيومٍ مع وجودِ الغيم، فيأتي عندهم قبل مفارقةِ القمرِ شعاعَ الشمسِ فَيَحصلُ العيدُ والكسوفُ في حقِّهم \rالخامس: هبْ أنَّ ذلكَ لا يقعُ أصلًا، لكنَّ الفقيهَ يصوَّرُ مَا لا يقع (في)  الخاطر، ويحصلُ لرؤية مِن مَجاري النظرِ واستخراجِ  التفاريعِ (الدقيقة)  ","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"الثانية: لوِ اجتمعَ الكسوفُ والجمعةُ أوْ غيرُها من الصلواتِ الخمسِ فالحُكمُ كمَا تقدمَ في الأُولى: إنْ ضَاقَ وقتُ المكتوبةِ وخِيفَ فواتُها قُدّمتْ، وإلَّا فطريقانِ؛ أصحُّهما تقديمُ الكسوفِ لتعرّضها للفواتِ، ووجهُ تقديمِ الأخرى فرضيَّتُها وحيثُ قُلنا تقديمَ الجمعةِ فيخطبُ لهَا، ثُمَّ يُصلِّي الجمعةَ، ثُمَّ يُصلِّي الكسوفَ، ثُمَّ يخطبُ لها قالهُ الرافعيُّ وغيرُه \rوقالَ صاحبُ «الذخائرِ» : يَتعرضُ في خطبةِ الجمعةِ للكسوفِ ولا يخطبُ لهُ\rوحيثُ قُلنا يقدمُ الكسوفَ فيصلّيها قالَ في «الأُمِّ» : ويُخفِّفُها فيقرأُ في كلِّ ركوعِ الفاتحةَ و {قُلْ   }  وما أشبهَهَا\rثُمَّ يخطبُ للجمعةِ خُطبتَها ويذكرُ فيها شأنَ الكسوفِ وما يُندبُ في خُطبتهِ، كمَا أنهُ عليه الصلاة والسلام استسقى في خطبةِ الجمعةِ ثُمَّ صَلَّى الجمعة\rويقَصدُ بالخطبةِ: الجمعةَ خاصةً، ولا يجوزُ أنْ يقصدَ الجمعةَ والكسوفَ معًا، لِمَا فيهِ منَ التشريكِ بيْنَ الفرضِ والنفلِ \rولوْ خطبَ لهَا لِتَوالي أربعِ خطبٍ، وفيهِ تطويلٌ\rوقالَ في «المستظهريِّ» : الخطبةُ  للجمعةِ والكسوفِ\rوأمَّا إذا اجتمعَ العيدُ معَ الكسوفِ فيصلّيهما، ثُمَّ يخطبُ لهمَا بعدَ الصلاتينِ خطبتين، ويَذكرُ فيهما العيدَ والكسوفَ، ويَنوي الخطبةَ لهما بخلافِ الكسوفِ والجمعةِ؛ لأنَّ الخطبةَ لهَما  سنتان، والجمعةُ [واجبة] \rقالَ النواويُّ : وفيهِ نظرٌ؛ لأنَّ السنتين إذا لمْ تتداخَلا لا يصحُّ أنْ ينويَهما بصلاةٍ واحدةٍ، ولهذا لوْ نوى بركعتينِ صلاةَ الضحى وقضاءَ سُنَّةَ الصبحِ لا تَنعقدُ صلاتهُ، ولوْ ضمَّ إلى فرضٍ أوْ نفلٍ نيةَ تحيةِ المسجدِ لمْ يضرَّ؛ لأنها تحصلُ ضمنًا فلا يضرُّ ذكرُها","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"ولا يَخطبُ أربعَ خطبٍ لهُما، وإنْ لمْ يلزمْ منهُ تواليها، ولزمَ فيما إذا قدمَ الكسوفَ على الجمعةِ عندَ اتساعِ الوقتِ؛ لأنَّ الخطبتينِ هُنا يَقعانِ منَ الصلاةِ، وخطبتُهما تقعُ بَعْدَهُمَا للاستغناءِ بخطبتينِ فَقَطْ عنهُمَا\rالثالثة: لوِ اجتمعَ جنازةٌ وكسوفٌ أوْ عيدٌ قُدِّمتْ صلاةُ الجنازةِ لِمَا يُخشى مِن حدوثِ التغيُّرِ في الميتِ، ثُمَّ لا يُشيِّعُها الإمامُ، بلْ يَشتغلُ بعدهَا بالصلاةِ، ويُشيِّعُها غيرُهُ\rولوْ لمْ تحضرِ الجنازةُ  بعدهُ، أوْ حَضرتْ ولمْ يحضرْ وليُّها: أفردَ الإمامُ جماعةً ينتظرونها، واشتغلَ هوَ والناسُ بالصلاةِ الأُخرى\rولوِ اجتمعَ جنازةٌ وعيدٌ وكسوفٌ: قَدَّمَ الجنازةَ، وفي العيدِ والكسوفِ الكلامُ السابقُ \rولوْ حضرَ وقت الجمعةِ جنازةٌ فإنْ لمْ يَضِقِ الوقتُ قَدَّمَ الجنازةَ قطعًا، وإنْ ضاقَ قُدمتِ الجمعةُ على الصحيحِ المنصوصِ في «الأُمِّ» ، وقطعَ بهِ الجمهورُ\rوقالَ الشيخُ أبو محمدٍ: تُقدَّمُ الجنازةُ؛ لأنَّ للجمعةِ بدلًا وهوَ الظُّهرُ، فإذا فاتتْ رجعَ إليهِ التغيُّر الذي يُخشى حدوثُهُ بالميتِ، لوْ حدثَ لمْ يجْبُرْهُ بشيءٍ\rقالَ النواويُّ:  وهذا غلطٌ؛ لأنها وإنْ كانَ لهَا بدلٌ لاَ يجوزُ إخراجُها عنِ الوقتِ عمدًا\rقالَ الإمامُ : وفي تصويرِ هذا تكلفٌ؛ فإنَّ وقت صلاةِ الجنازةِ، ولاَ يكادُ يخشى فواتهُ في التفويت\rهذهِ مسائلُ الكتابِ، وتردُّ منها بِمسائلَ أُخرَ مِن جنسِها\rقالَ الشافعيُّ فيما رواهُ البويطيُّ:  لوِ اجتمعَ عيدٌ وكسوفٌ واستسقاءٌ وجنازةٌ: بدأَ بالجنازةِ، ثَمَّ بالكسوفِ، ثُم بالعيدِ، ثُمَّ الاستسقاءِ\rفإنْ خطبَ للجميعِ خطبةً واحدةً  أجزأهُ ومرادُهُ: إذا كانَ الوقتُ متسعًا","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"ولوِ اجتمعَ كسوفٌ ووترٌ على قولِنا إنَّ الكسوفَ لا يُصلَّى بعدَ الفجرِ -وهوَ القديمُ- أوْ تراويحٍ أوْ سُنةِ الفجرِ قُدِّمتْ صلاةُ الكسوفِ لأنها أَأْكدُ وأفضلُ، ولأنها إذا فاتتْ لا تُقضى\rأمَّا إذا قُلنا «يُصلَّى الخسوفُ بعد طلوعِ الفجرِ» -وهوَ الجديدُ- فيبدأُ بالوترِ على المذهبِ لأنَّ وقتَهُ يخرجُ بطلوعِ الفجرِ، وكَذَا الحُكمُ في ركعتَي الفجرِ على القولِ بِبَقاءِ وقتِها إلى الزوالِ\rقالَ الشافعيُّ في «الأُمِّ»: ولوْ كانَ الكسوفُ بمكةَ عند رواحِ الإمامِ والناسِ في اليومِ الثامنِ إلى مِنىً: صلَّوا الكسوفَ؛ فإنْ خافَ أنْ تفوتَ صلاةُ الظهرِ بِمِنىً صلاَّهَا بِمكةَ\rقالَ: وإنْ كانَ بعرفةَ عندَ الزوالِ قدَّمَ الكسوفَ ثُم صلَّى الظهرَ والعصرَ؛ فإنْ خافَ فواتَهما بدأَ بهما ثُمَّ صلَّى الكسوفَ ولمْ يتركْهُ للوقوفِ، وخففَ صلاة الكسوفِ\rقالَ: وإنِ انكسفتْ وهوَ في الموقفِ بعدَ العصرِ صلَّى الكسوفَ، ثُمَّ خسفَ، ثُم خطبَ على بعيرِهِ ودعَا\rقالَ: وإنْ خسفَ القمرُ قبلَ الفجرِ بالمزدلفةِ أوْ بَعدهُ (صلى) الكسوفِ وخطبَ\rولوْ حبسَهُ ذلك إلى طلوعِ الشمسِ وخَفَّفَ لكيلا يحبسُه إلى طلوعِ الشمسِ إنْ قدرَ\rقالَ: ولوْ خسفَ القمرُ وقتَ صلاةِ القيامِ بدأَ بصلاةِ الخسوفِ\rقولهُ في الكتابِ: «وخِيفَ الفواتُ» أيْ: لِضيقِ وقتِ العيدِ\rوقولهُ: «ثُمَّ قالَ الشافعيُّ: يخطبُ للجمعةِ والخسوفِ خطبةً واحدةً يتعرضُ فيها للكسوفِ والجمعةِ» هذا فيهِ تغييرُ لفظِ الشافعيِّ، يُوهمُ غيرَ الصوابِ؛ فإنهُ قالَ في «المختصرِ»: يخطبُ للجمعةِ ويذكرُ فيها الكسوفَ، وفي مسألةِ اجتماعِ العيدِ والكسوفِ: يخطبُ للعيدِ والكسوفِ\rوبيْنَ المسألتين فرقٌ كمَا تَقدَّمَ، فإنهُ متى قصدَ بخطبةٍ الجمعةَ والكسوفَ: لمْ يصحِّ التشريكُ بيْنَ الفرضِ والنفلِ، ولوْ قصدْ بِهَا العيدَ أوِ الكسوفَ: صحَّ","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"وقولهُ: «خطبةً واحدةً» ليسَ على ظاهرهِ، والمرادُ: أنهُ لا يزيدُ على خُطبتَي الجمعةِ\rوأمَّا قولهُ: «ولا بأسَ بوقوعِ الخطبةِ قبلَ الخسوفِ لأنَّها ليستْ مِنْ شرائطِها» يَعني: قبلَ صلاةِ الخسوفِ، فلمْ يظهرْ لي صحتُه؛ فإنَّ الخطبةَ لا تَتقدَّمُ على  صلاةِ الكسوفِ في شيءٍ مِنَ الصورِ، فإنَّا إنْ قدَّمْنا الجمعةَ خطبَ لكلٍّ منهما، وإنْ قُلنا «الكسوف» صلَّاها وخطبَ للجمعةِ، وهذهِ الخطبةُ مُؤخَّرةٌ على صلاةِ الكسوفِ\rوقولهُ: «ولوِ اجتمعَ جنازةٌ معَ هذهِ الصلواتِ» هذا ممَّا عدَّهُ الحريريُّ مِنْ لحنِ الخواصِّ، وقالَ: لا يُقالُ اجتمع فلانٌ معَ فلانٍ؛ لأنَّ هذا الفعلَ ونحوَهُ كـ «أحبهم»، ويُقالُ: يَقتضي فاعلَيْنِ يُعطفُ أحدُهما على الآخرِ بِالواوِ، وهوَ يَقتضي المعيةَ، وأمَّا الفعلُ الذي يُكتفي فيهِ بواحدٍ فيجوزُ أنْ يقولَ فيهِ «معَ»، فتقولُ:\rقامَ زيدٌ معَ عُمرَ\r========================\r(قالَ الشافعيُّ: ولاَ تَبرزُ الناسُ لأنَّها رُبَّما تفوتُ إلى البروزِ،\r\rولا يُصلَّي لغيرِ الخسوفَيْن مِن الآياتِ كالزلازلِ وغيرِهَا)\rالشرح\rفي هذهِ البقيةِ مسألتانِ:\rالأولى: يُستحبُّ أنْ يُصلَّي صلاةُ الكسوفِ في المسجدِ الجامعِ دونَ المُصلَّى؛ لأنهُ عليه الصلاة والسلام أقامَها بالمسجدِ، ولأنَّها قد تَتفقُ في وقتٍ لا يتهيأُ قصدُ المُصلَّى فيهِ، ولأنَّها رُبما قدْ تفوتُ بالانجلاءِ قبلَ الخروجِ إلى المُصلَّى، فكانَ  الجامعُ أَولى\rالثانيةُ: لا تُقامُ صلاةٌ جماعةً لغيرِ الكسوفَيْنِ منَ الآياتِ كالزلازلِ والصواعقِ والرياحِ الشديدةِ والظُّلمةِ\rقالَ الشافعيُّ في «المختصرِ» و «الأُمِّ»: ولا آمُرُ بصلاةٍ جماعةً في الزلزلةِ، والظُّلمةِ، ولا الصواعقِ، ولا ريحٍ، ولا غيرِ ذلك من الآياتِ، وآمُرُ بالصلاةِ مُنفردِين","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"وظاهرُ كلامِ الماورديِّ وابنِ الصباغِ أنَّها ليستْ بِسُنةٍ، بلْ هيَ كغيرِها منَ النوافلِ\rووجهُ عدمِ مشروعيةِ الصلاةِ لها: أنَّ هذهِ الأمورَ كانتْ في زمنهِ عليه الصلاة والسلام، ولمْ يُنقلْ أنهُ صلَّى لهَا جماعةً\rويُستحبُّ أنْ يُصلُّوا مُنفردِين، ويَتضرَّعوا ويَدْعوا؛ لئلاَّ يكونوا غافِلين إنْ حدثَ أمرٌ\rرُوي عنِ ابنِ عباسٍ أنهُ قالَ: ما هَبَّتْ ريحٌ قَط إلَّا جَثا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وقالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا، وَلَا تَجْعَلْهَا رِيْحًا»، قالَ ابنُ عباسٍ: في كتابِ اللهِ تعالى: {ھ ے ے  }، {   ں ں}، وقالَ تَعالى:  {}، { ڑ ڑ ک ک ک}\rيُشيرُ إلى أنَّ «الرياحَ» تُستعملُ في الخيرِ والشرِّ وهوَ الأكثرُ، وقد جاء: { }\r\rأيْ: التي تسّيرُ السفنَ ، وهي رحمةٌ ، «فترى  الله أرسل الريح»، {   } ، والمرادُ: المبشرةُ بالمطرِ، وهي رحمةٌ \rوكانتِ العربُ تقولُ: «ما يلقحُ بِسَحابٍ إلاَّ مِنْ رياحٍ مختلفةٍ»، فالمرادُ: اجْعَلْها لقاحًا للسحابِ، ولا تَجْعَلْهَا عذابًا\rوفي «صحيحِ مسلمٍ»  عنْ عائشةَ: أنهُ عليه الصلاة والسلام كانَ إذا عَصَفتِ الريحُ قالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ»\rوفي الصحيحين:  أنهُ عليه الصلاة والسلام قال: «نُصِرْتُ بِالصِّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُوْرِ» ورَوى الترمذيُّ:  أنهُ عليه الصلاة والسلام كان إذا سمعَ صوت الرعدِ والصواعقِ قالَ: «اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، وَلَا تُهْلِكْنَا بِعذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ»","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"ورُوي عنِ ابنِ الزبيرِ أنَّهُ كانَ يقولُ:  «سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته»\rوروى الشافعيُّ في «الأُمِّ» عنِ الإمامِ طاوسٍ التابعي أنهُ كانَ يقولُ إذا سمعَ الرعدَ: سُبْحانَ مَنْ سَبَّحَ لَهُ قالَ الشافعيُّ: كأنهُ يذهبُ إلى قولهِ: {     } \rوروى الشافعيُّ: أنَّ عليًّا رضي الله تعالى عنه صَلَّى في زلزلةٍ جماعةً ثُمَّ قالَ: إنْ صَحَّ قلتُ بهِ \rواختلفُوا في قولهِ: «إنْ صَحَّ»؛ فمنهم مَن قالَ: إنْ صَحَّ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم\r\rقالَ الماورديُّ: وإلى الآنَ لمْ يَصحَّ\rوقيلَ: أرادَ: عنْ عليٍّ\rواختلفَ هؤلاءِ، فمنهم مَن قالَ: هذا قولهُ في الزلزلةِ وحْدَهَا، ومنهم مَن عَمَّمهُ في جميعِ الآياتِ، وهوَ مذهبُ أحمدَ\rقالَ النواويُّ: وهذا الأثرُ عن عليٍّ ليسَ بِثابتٍ\rقالَ الأصحابُ: ولوْ ثَبتَ حُملَ على الصلاةِ منفردًا\rوكَذا مَا جاءَ عن غيرهِ منْ نحوِ هذا\rقالَ العباديُّ: ويندبُ الخروجُ إلى الصحراءِ وقتَ الزلزلةِ؛ لأنهُ عليه الصلاة والسلام كانَ إذا مرَّ بِهَدفٍ مائلٍ أسرعَ المشيَ\r=====================\r\rفرعٌ\rقالَ الشافعيُّ في «الأُمِّ»: ولاَ أَكرهُ لمَنْ لا هيئةَ لهُ -مِن النساءِ، ولا العجوزِ، ولا الصَّبيةِ- شهودَ صلاةِ الكسوفِ معَ الإمامِ، بلْ أُحبُّها لهنَّ، وأُحبُّ لذواتِ الهيئةِ أنْ [يُصلِّينها] في بيوتهنَّ وإن انكسفتْ وهناكَ رجلٌ معَ نساءٍ فيهنَّ ذواتُ محرمٍ صلَّى بهنَّ، وإنْ لمْ يكنْ فيهنَّ ذواتُ محرمٍ كرهتُ ذلك لهُ، وإنْ صلَّى بهنَّ فلاَ بأسَ\rقالَ: فإنْ صلَّى النساءُ فليسَ منْ شأنهنَّ الخطبةُ، لكنْ لوْ ذكَّرْتهنَّ إحدَاهُنَّ كان حَسنًا","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"قولهُ في الكتابِ: «ولاَ يُصَلي لغيرِ الكسوفَيْنِ» معطوفٌ على قولهِ «ولاَ يَبرزُ»، وهوَ منْ كلامِ الشافعيِّ ، والمرادُ: لا يُصلَّي جماعةً، وأمَّا الصلاةُ فُرادى فَمستحبةٌ \r==============\r(كتابُ صلاةِ الاسْتِسقَاءِ\rوهيَ سُنةٌ عُرفتْ مِن فعلِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - \rوقالَ أبو حنيفةَ: بدعةٌ \rوسببُها: أنهُ يَنقَطَّعُ ماءُ السماءِ أوِ العيونِ ؛ فَيُستحبُّ عندهُ صلاةُ الاستسقاءِ\rولوْ أُخبرنَا أنَّ طائفةً مِنَ المسلمينَ اُبْتُلوا بهِ [فَيسنَ] لنَا أنْ نَسْتسقيَ لهم  لأنَّ المسلمينَ كَنَفْسٍ واحدةٍ\r\rثُمَّ إنْ سُقُوا يومَ الخروجِ فذاكَ، وإنْ تَمادى [كرروا] ثانيًا وثالثًا كمَا يراهُ الإمامُ\rفإنْ سُقُوا قبلَ الاستسقاءِ خَرجُوا للشكرِ والموعظةِ، وفي أداءِ الصلاةِ للشكرِ وجهانِ، وكذا في أدائها للاستزادةِ في النعمةِ)\rالشرح\rالاستسقاءُ: طلبُ السُّقيا، يقالُ: سَقاهُ وأَسْقاهُ لُغتانِ، وقيل: مَعناهُ: أسقاهُ وله على الماء والمرادُ بالاستسقاءِ في البابِ: سؤالُ اللهِ تَعالى سُقيا عبادهِ عندَ حاجتِهِم إليها\rوالأصلُ فيهِ: قولهُ تعالى: {چ چ چ} فاستجابَ اللهُ لهُ وأمَرهُ بِضَربِ الحجرِ بِعَصاهُ، فضربَهُ فانفجرتْ منهُ اثنتا عشرةَ عينًا، والانفجارُ أوسعُ مِنَ (الانْبجَاسِ)، فكانَ أولًا (انبجاسًا) ثُمَّ صارَ انفجارًا،\rوشرعُ مَن قَبْلنا شرعٌ لنَا إذا لمْ يَرِدْ ما يُبطلُه\rوقد وردَ هُنا ما تفردوه وهوَ الأحاديثُ الآتيةُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى\rوالاستسقاءُ ثلاثةُ أنواعٍ:\rأحدُها: الدعاءُ المُجرَّدُ مِن غيرِ صلاةٍ ولا خلْفَ صلاةٍ ولا في خطبةِ إمامٍ، فُرادى أو مجتمعين\rوأوسطُها: الدعاءُ بذلك أدبارَ الصلواتِ، وفي خُطبِ الجمعةِ والعيدِ ونحوِها\rوأعلاها: الاستسقاءُ بصلاةِ ركعتين وخُطبتين كمَا سيأتي","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"وقد وردتِ السُّنةُ بذلك كلِّهِ: فمنَ النوعِ الثاني: ما خرَّجهُ البخاريُّ ومسلمٌ  عن أنسٍ: أنَّ رجلًا دخلَ المسجدَ يومَ الجمعةِ من بابٍ كانَ نحوَ دارِ القضاءِ، ورسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم قائمٌ يخطبُ، فاستقبلَ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم قائمًا، ثُمَّ قالَ: يا رسولَ اللهِ، هلكتِ الأموالُ وانقطعتِ السُّبلَ؛ فادْعُ اللهَ يُغِيثُنَا فرفعَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم يديهِ ثُمَّ قالّ: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا»، قالَ أنسٌ: واللهِ ما نَرى في السماءِ منْ سحابٍ ولا قزعةٍ، وما بَيْنَنا وبيْنَ سَلْعٍ منْ بيتٍ ولا دارٍ، فطلعتْ مِنْ ورائهِ سحابةٌ مِثَل الترسِ، فلمَّا توسطتْ انتشرتْ ثُمَّ أمطرتْ، فلاَ واللهِ ما رَأيْنَا الشمسَ سَبْتًا، ثُمَّ  دخلَ رجلٌ مِن ذلكَ البابِ في الجمعةِ، ورسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم يخطبُ قائمًا، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، هلكتِ الأموالُ وانقطعتِ السُّبل؛ فادْعُ الله يُمْسكَها عنَّا فرفعَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم يديهِ ثُمَّ قالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الإكَامِ والظِّرَابِ وَبُطُوْنِ الأَدِويَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ»، فأقلعتْ وخرجْنَا نَمشي في الشمسِ\rقولهُ: «نحوَ دارِ القضاءِ» هي دارُ عُمرَ، بِيعتْ في قضاءِ دَيْنٍ كانَ عليه لوصيَّتهِ بذلكَ، فَسُميتْ دارَ القضاءِ  والقَزَعةُ: بفتحِ القاف والزاي: القطعةُ مِنَ السحابِ \rوسَلْع: بفتحِ السينِ المهملةِ وسكونِ اللامِ: جَبلٌ يبقربُ المدينةَ \rوسَبْتًا: بالسينِ المهملةِ والباءِ الموحدةِ والتاءِ المثناةِ فوقَ: أيْ: قطعةٌ مِنَ الزمانِ، والسبتُ: القطعُ، وقيلَ: معناهُ: مِن السبْتِ إلى السبْتِ، كمَا يُقالُ: جَمَعَةُ مِنَ الجمعةِ إلى الجمعةِ ","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"والإِكام: بِكسرِ الهمزةِ، جمعُ الأكمةِ، وهوَ دونَ الجَبلِ وفوقَ الرابيةِ والظِّرابُ: بِكسرِ الظاءِ المعجمةِ، جمعُ ظرِبٍ بِفتحِ الظاءِ وكسرِ الراءِ، وهيَ: الروابي الصِّغارُ \rومِنَ النوعِ  الثالثِ: مَا أخرجهُ أيضًا عن عبادِ بن تميمٍ  عن عمِّهِ : أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلم خرجَ بالناسِ يَستسقي، فصلَّى بِهم ركعتين، وحَوَّلَ رداءَهُ \rوفي رواية البخاريِّ : جهرَ فيهما بالقراءةِ\rوفي روايةِ أَبي داودَ [و]  الترمذيِّ: ورفعَ يديهِ، واستسقى، واستقبلَ القبلةَ \rوعمُّه هوَ: عبدُ اللهِ بنُ زيدِ بنِ عاصمٍ المازنيُّ ، وليس صاحبَ الأذانِ، قالُوا: ووهمَ فيهِ ابنُ عُيينةَ \rوروى ابنُ عباسٍ: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلم خرجَ إلى الُمصلَّى مُتذلِّلًا مُتواضعًا، فَصلَّى ركعتينِ كما يُصلَّي العيدُ  أخرجهُ الترمذيُّ وصحَّحهُ\rوهي سُنةٌ مؤكدةٌ كذلك\rوحكى الماورديُّ  عندَ الكلامِ على أفضلِ الصلواتِ وجْهًا: أنها فرضُ كفايةٍ، وحكاهُ بعضُ المصنِّفينَ عنْ روايةِ القفَّالِ أيضًا، وهوَ بعيدٌ \rوانفردَ أبو حنيفةَ بإنكارِ هذهِ الصلاةِ وقالَ: «هي بدعةٌ» ،\rواحتجَّ لهُ بقولهِ تعالى: { } الآية  ولمْ يذكرِ الصلاةَ، ولحديثِ أنسٍ: أنهُ عليه الصلاة والسلام استسقى يومَ الجمعةِ على المنبرِ  ولمْ يذكرِ الصلاةَ، وبأنَّ عُمرَ استسقى بالعبَّاسِ   ولمْ يذكرْ صلاةً، وبالقياسِ على الزلازلِ ونحوِها \rوأُجيبَ عن الأولِ بِوَجْهينِ:\rأحدُهما: أنهُ ليسَ في الآيةِ نفْيُ الصلاةِ، وإنَّما فيها الاستغفارُ، ونحنُ نقولُ بهِ وبالصلاةِ الثانيةِ عنْ نَبيِّنا عليه الصلاة والسلام\rوثانيهما: أنَّ ذلك شرعُ مَن قَبْلنَا، فبتقديرِ تسليمِ دلالتهِ على نفْي الصلاةِ، فإنَّما يُعملُ بهِ إذا لم يَرِدْ شرعُنا بخلافهِ عند بعضِهم، وقدْ وردَ بخلافهِ","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"وعنِ الثاني: أنهُ لا يدلُّ على نفْيِ الصلاةِ، بلْ دلَّ على الاستغفارِ، وهوَ نوعٌ مِنَ الاستسقاءِ فلا يدلُّ على نفْي غيرِهِ، وقدْ شِيْعَتْ عنْ عُمَرَ الصلاةُ\rوعنِ الثالثِ: بأنَّ الزلازلَ لمْ يُسَنَّ لهَا اجتماعٌ وخطبةٌ، بخلافِ الاستسقاءِ \rوالسببُ المُقتضي استحبابُ هذهِ الأنواعِ الثلاثةِ: أنْ يَتضرَّرَ الناسُ بانقطاعِ ماءِ السماءِ أوْ قَلَّتْ في الأرضِ التي تُزرعُ بهِ، أوْ ماء العيونِ في البلادِ التي تُزرعُ بهِ، أوْ يَقِفُ نِيلُ مِصرَ عنِ الزيادةِ ولا فرقَ في ذلكَ بيْنَ أهلِ الأمصارِ والقُرى والبَوادي، ولا بيْنَ المقيمين والمسافرين، فيُستحبُّ لهم كُلُّهم الاستسقاءُ والصلاةُ والخطبةُ؛ لاستوائِهم في الحاجَةِ ، إلاَّ المنفردَ؛ فإنهُ لا يُستحبُّ لهُ الخطبةُ \rقالَ الشافعيُّ في «الأمُّ»:  ويُستحبُّ للإمامِ أنْ يَسْتسقيَ بالناسِ عندَ الحاجةِ، فإنْ تخلفَ عنهُ فقدْ تركَ السُّنةَ ويَستسقي الرعاةُ لأنفسهِم\rوقدْ رُوي عنْ عُمرَ بنِ الخطابِ نوعٌ آخرُ مِنَ الاستسقاءِ وهوَ: الاستغفارُ \rروى البيهقيُّ وأبو عُبيدٍ  عنهُ: أنهُ خرجَ فلمْ يَزِدْ عنِ الاستغفارِ حتى رجعَ، فقيلَ لهُ: مَا رَأيْنَاكَ اسْتَسْقيتَ فقالَ: لقدْ طلبتُ المطرَ بِمَجاديحِ السماءِ الذي يُسْتَنْزَلُ بهِ المطرُ ثُمَّ قرأَ: {    } ، {         }  \rو «المَجَاديحُ»  واحدُها مِجْدَحُ، وهوَ: كلُّ نَجْمِ كانتِ العربُ تقولُ إنَّها تُمْطَرُ به \rقالَ أبو عُبيدٍ: جعلَ عُمرُ الاستغفارَ استسقاءً، وإنَّما نَرى عُمرُ تَكلَّمَ بِهذا لأنها كلمةٌ جاريةٌ على أَلْسنةِ العربِ لأجْلِ اعتقادِ الأَنواءِ، فجعلَ الاستغفارَ هوَ الأَنواءُ التي  يُسْتَنْزلُ بِهَا الغيثُ \r==================\rوفي الفصلِ مسائلُ:","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"الأُولى: إذا انقطعتِ المياهُ عنْ طائفةٍ اُسْتُحبَّ لِغيرِهم: أنْ يُصلُّوا، ويَدْعوا  لهم، ويَسألوا الزيادةَ لأنفسِهِم نَصَّ عليهِ الشافعيُّ \rوقدْ رُوي: أنهُ عليه الصلاة والسلام قالَ: «أَرْجَى الدُّعَاءِ دُعَاءُ الأَخِ لِلأَخِ بِظَهْرِ الغَيْبِ» ، وقدْ أثْنى اللهُ على الداعِينَ لإخوانِهم بقولهِ تعالى: {    } ، ولأنَّ المسلمينَ كنفْسٍ واحدةِ\rالثانيةُ: إذا اسْتَسْقوا:\rفإنْ سُقُوا حصلَ الغرضُ، وإنْ لمْ يُسْقَوا فالصحيحُ المنصوصُ أنَّهم يَستسقون ثانيًا وثالثًا، حتى يَسقيَهم اللهُ تعالى \rوقدْ وردَ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُلِحِّيْنَ فيِ الدُّعَاءِ» \rوفي «الصحيحِ»:  أنهُ عليه الصلاة والسلام قالَ: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَل، فَيَقُولُ: دَعَوْتُ وَلَمْ يُسْتَجَبْ ليِ»\rقالَ الشافعيُّ:  والثانيةُ والثالثةُ دُونَ الأُولى في الاستحبابِ\rوحكى الرافعيُّ عنِ القاضي ابنِ كجٍّ وجْهًا : أنَّهم لا يَسْتَسْقونَ ثانيًا؛ [لأنهُ لمْ يَرِدْ أنهُ عليه الصلاة والسلام استسقى غيرَ مرةٍ واحدةٍ] \rوعلى الأَوَّلِ: هلْ يَسْتسقونَ مِنَ الغدِ\rقال الرافعيُّ:  قالَ الشافعيُّ في القديمِ: يَخرجُ ثلاثًا مُتوالياتٍ إنْ لمْ يشقَّ عَليهِم\rوقالَ في «الأُمَّ»  يأمرُهم بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ وهذا نَسبهُ الرافعيُّ وغيرُه إلى القديمِ، لكنَّ «الأُم» منَ الجديد\rواختلف الأَصحابُ على ثلاثةِ طرقٍ :\rأحدُها: أنَّ فيهِ قولينِ:\rأظهرُهما: أنَّهم يُسْتسقون منَ الغدِ؛ لأنَّهم قدْ صامُوا ثلاثةَ أيامٍ، ويشقُّ عليهِم صومُ ثلاثةِ أيامٍ أُخرى","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"وثانيهما: يَصومون ثلاثًا ثمَّ يستسقون كمَا في الأولِ، وبهِ قالَ ابنُ القطانِ ، وزعمَ أنهُ ليسَ في البابِ مسألةٌ فيها قولانِ غيرَ هذهِ المسألة، وليسَ كمَا قالَ، فسيأتي  في مسألةِ تحويلِ الرداءِ أنَّ فيها قولينِ أيضًا\rوالثاني – قالهُ الشيخُ أبو حامدٍ وأصحابهُ، ونَسبهُ السرخسيُّ  إلى الأصحابِ مطلقًا-: أنَّها ليستْ على قولينِ \rوالنَّصَّانِ مُنزَّلانِ على حالينِ، فإنْ لمْ يُسقوا ولمْ يَنْقطعوا عنْ مصالِحهم عادُوا غدًا وبعدَ غدٍ، وإنِ اقتضى الحالُ التأخيرَ أيامًا استأنفوا للخروجَ صوم ثلاثة أيامٍ \rوثالثُها: حكاهُ القاضي أبو الطيبِ عنِ الجمهورِ  -: القطعُ باستحبابِ تقديمِ الصومِ، وحملَ نصَّه بأنَّهم يُصلُّون منَ الغدِ على الجوازِ \rالثالث: لوْ تأهَّبوا للخروجِ لصلاةِ الاستسقاءِ فَسُقوا قبلَ  الخروجِ خرجوا للوعظِ والدعاءِ وشُكرِ اللهِ تَعالى على إعطاءِ ما عَزموا على طلبهِ، قالَ الله تعالى: {  } \rوهلْ يُصلُّونَ شُكرًا حكى الإمامُ والمصنفُ فيهِ وجْهينِ :\r\rأحدُهما: لا، لأنهُ عليه الصلاة والسلام لمْ يُصلِّ هذهِ الصلاةَ إلاَّ عندَ الحاجةِ، قالَ ابنُ الصلاحِ : وهوَ الأصحُّ المشهورُ المنصوصُ\rوثانيهما: نَعَم، كمَا يَجتمعون ويَدْعون، وصحَّحهُ الرافعيُّ وقالَ: هوَ الذي أوردهُ الأكثرون، وحكاهُ المحامليُّ عنْ «نصِّهِ» في «الأُمِّ »، وظاهرُ كلامهِ أنَّ الإمامَ والمصنّفَ انفرد بِنَقلِ الأولِ\rقالَ النواويُّ:  ومَا قالهُ ابنُ الصلاحِ غلطٌ فاحشٌ أوْ سَبْقُ قلمٍ، ـ فكتبَ الأصحابُ متظاهرِهِ على استحبابِ هذهِ الصلاةِ بصفةِ صلاةِ الاستسقاءِ\rوقالَ الشافعيُّ في «الأمُّ»:ِ  فلوْ مُطروا في الوقتِ الذي يُريدونَ الخروجَ: استسقى في المسجدِ أوْ أخَّر إلى انقطاعِ المطر\rوأجْرى الوجهينِ فيما إذا لمْ تنقطع المياهُ وأرادُوا الصلاةَ للاستزادةِ","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"قالَ ابنُ الصلاحِ : والصلاةُ هُنا أبعدُ؛ لأنَّها لمْ تُعْهَدْ عَمَّنْ سلفَ\rقولهُ في الكتابِ: «أنْ يَنْقطعَ ماءُ  السماءِ أوِ العيونِ» كذا الصوابُ بـ «أوْ»، وفي بعضِ النُّسخِ: «والعيونِ» بالواوِ، وليسَ بصحيحٍ؛ فإنَّ كُلاًّ منهما يستقلُّ بالسببيةِ، وكذا الحُكمُ إذا قلَّ\rوقولهُ: «فَيُستحبُّ عندّهُ» أيْ: وعندَ الحاجةِ إلى الماء فلو انقطع ولم تقع الحاجة بعدُ إليهِ لمْ يستسقوا\rوقولهُ: «والموعظة» قالَ الجوهريُّ: الوعظُ: النصحُ والتذكُّيرُ بالعواقبِ ، وقالَ الخليلُ: التذكِيرُ بالخيرِ فِيمَا يُرقُّ له القلبَ \r(قالَ:\rثُمَّ أقلُّ هذهِ الصلاةِ كأقلِّ صلاةِ العيدِ، ووقتُها كَوقتِها ،وأكْملُها: أنْ يأمرَ الناسَ بالتوبةِ والخروجُ مِن المظالمِ، وأنْ يَسْتحلَّ بعضُهم بعضًا، ويأمرَهُم بالصومِ ثلاثةَ أيامٍ، ثُمَّ يخرجونَ في الرابعِ  في ثيابٍ بَذِلةٍ وتخشعٍ، بِخلافِ العيدِ\rويُستحبُّ إخراجُ الصبيانِ، وفي إخراجِ البهائمِ قصدًا ترددٌ \rلا بأسَ بخروجِ أهلِ الذمةِ  إنِ انحازوا إلى جانبٍ\rومِنْ أصحابِنا مَن قالَ: كصلاةِ العيد، إلاَّ أنهُ يُبدلُ السورة  في إحدى الركعتينِ، فيقرأُ {  }  لاشتمالِهَا على قولِه تعالى: {   } )\rالشرح\rأقلُّ هذهِ الصلاةِ ركعتانِ بالفاتحةِ كأقلِّ صلاةِ العيدِ \rوأمَّا وقتُها  ففيهِ ثلاثةُ أوجهٍ\rأحدُها: وهوَ الذي أوردهُ المصنفُ والبغويُّ  والمحامليُّ، وهوَ قولُ الشيخين أَبي حامدِ وأبي عليٍّ السنجيِّ-: أنهُ كَوقتِ صلاةِ العيدِ؛ لأنهُ عليه الصلاة والسلام صلاَّها في هذا الوقتِ، وهذا اقتصرَ عليهِ الإمامُ، ونَسبهُ إلى الشيخِ أبي عليٍّ، واستغربهُ وقالَ: فيهِ وفاءٌ بالنسبةِ على الكمالِ كصلاةِ العيدِ، لكنّي لمْ أَرهُ إلاَّ لهُ، ولمْ يُطلعْ على أنَّ غيرَهُ قالَ بهِ أيضًا، ولا على أنهُ قيلَ لغيرهِ  ِ","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"والثاني: وهوَ ظاهرُ كلامهِ في «الأُمَّ» ،واقتصرَ عليهِ جماعةٌ منهم: المحامليُّ والرويانيُّ: أنَّ وقتَها يبقى بعدَ الزوالِ ما لمْ يصلِّ العصرَ \r[والثالث]  وهوَ ما أوردهُ الماورديُّ  والمتولي وابنُ الصبَّاغِ، ونقلهُ هوَ وصاحبُ «جمعِ الجوامعِ» عنْ «نصِّ الشافعيِّ»، وصحَّحهُ الجمهورُ والرافعيُّ في «المحررِ» أنَّها لا تختصُّ بوقتٍ كمَا لا تختصُّ بيومٍ، فيجوزُ أنْ يُصلِّي في أيِّ وقتٍ مِن ليلٍ أو نهارٍ، كَصلاةِ الاستخارةِ وصلاةِ الإحرامِ، وليسَ لتخصيصِها بوقتِ صلاةِ العيد وجهٌ، فهوَ مخالفٌ للدليلِ \rوقدْ نصَّ الشافعيُّ والأكثرونَ على أنها لا تُفعلُ في الأوقاتِ المكروهةِ \rوقدْ أوردهُ  الرافعيُّ سؤالًا على الوجهينِ الأولينِ فقالَ: تَقدَّمَ ذكرُ وجهينِ في أنها هلْ تُفعلُ في الأوقاتِ المكروهةِ أوقاتُ الكراهةِ ليستْ داخلةً في الوقتينِ المذكورينِ، فيلزمُ أنْ لا يكونَ الوقتُ منحصرًا في هذينِ الوقتينِ، وليسَ بحاملٍ أنْ يَحملَها على ما إذا قُضيتْ؛ فإنَّ صاحبَ «التتمةِ» نصَّ على أنَّها لا تُقضى \rوأُجيبَ عنهُ: بأنَّ وقتَ الاستواءِ داخلٌ على القولينِ، وكذا وقتُ الطلوعِ على القول المختارِ في صلاةِ العيدِ، إذْ وقتُها يدخلُ بالطلوعِ\rوقدْ يُتصورُ القضاءُ فيها بالنظرِ\rوأمَّا آدابُ هذهِ الصلاةِ والعرض والمال بالإيفاءِ، فإنَّ التوبةَ مِنْ أهمِّ آدابِ الدعاءِ، وأنْ يستجابَ للعصاةِ، والقِطْرُ قدْ يُمنعُ بالمعاصي \rرُوي عنِ ابن مسعودِ أنهُ قالَ: إذا بخسَ المكيالُ حُبسَ القطرُ \rوقالَ مجاهدٌ في قولهِ تعالى: { }  هيَ دوابُّ الأرضِ تَلعنُهم، وتقولُ: مُنعنا القطرَ بِخَطاياهم ","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"ويأمرُهم أيضًا بالصلحِ بَيْنَ المتشاجرينَ والتواصلِ؛ فإنَّ الهجرانَ حرامٌ، رُوي: أنهُ عليه الصلاة والسلام قالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ  الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيْبُهُ» ، وقالَ اللهُ تعالى: {           } الآية  وقالَ هوَد عليه السلام: {        } الآية  ويأمرهم أيضًا بالتقربِ إلى اللهِ تعالى بما يَستطيعونهُ مِنْ أنواعِ الخيرِ، كالعتقِ والصدقةِ؛ فإنَّها تُطفئُ غضبَ الربِّ كمَا وردَ \rويأمرُهُمْ بصومِ ثلاثةِ أيامٍ قبلَ اليومِ الذي يخرجونَ فيهِ إلى الصلاةِ، ثُم يخرجونَ في اليومِ الرابعِ صيامًا إلى الصحراءِ كمَا فعلَ عليه الصلاة والسلام \rروى البيهقيُّ عن أنسٍ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ لَا تُرَدُّ: دَعْوَةُ الوالد، وَدَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ المُسَافِرِ» \rوروى الترمذيُّ عنْ أَبي هريرةَ: أنهُ عليه الصلاة والسلام قالَ: «ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يَفْطُرَ، وَالإِمَامُ العَادِلُ، وَالمَظْلُومُ» ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ\rويُخالفُ يومَ عرفةَ، حيثُ يُستحبُّ الإفطارُ فيهِ للحاجِّ تقويةً على الدعاءِ، والفرقُ: أنَّ الاستسقاءَ يقعُ أولَ النهارِ قبلَ تأثيرِ الصومِ في الصائمِ ، والدعاءُ هناك في آخرِه، فَسُئلَ الإفطارُ تقويةً لهُ عليهِ، وأنَّ الواقفَ يَجتمعُ عليهِ مشاقُّ السفرِ وقلةُ الرفهِ، والمُستسقي في وطنهِ مستريحٌ \rوعن الرويانيّ : أنَّ بعضَ الأصحابِ خَرَّجَ قولًا: أنهُ لا يصومُ يومَ الخروجِ","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"قالَ النواويُّ : ويجبُ على مَنْ بَلَغَه الأمرُ بالصومِ، ويأثمُ بتركِه، لقولهِ تعالى: {      }  والأحاديثِ الصحيحةِ في الأمرِ بطاعة الأمير ومنها: أن يَخرجوا مُشاةً في ثيابٍ بَذِلَةٍ بخشوعٍ، و «ثيابٍ بَذِلةٍ» بكسرِ الباءِ الموحدةِ: الثيابُ التي تُلبسُ في حالِ الشغلِ ، ولا يَتطيَّبونَ ولا يركبونَ إلَّا لِضَعفٍ؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ المتقدمِ: أنهُ عليه الصلاة والسلام خرجَ مُتذلّلًا، مُتواضعًا، مُتضرعًا، مُتخشعًا \rلكنْ يُنظفونَ بالماءِ والسواكِ، ويقطعونَ الروائحَ الكريهةَ، بخلافِ العيدِ، لأن ذلك يومُ زينةٍ وهذا يومُ مسألةٍ وتذللٍ واستكانةٍ تعليقٍ به ذلكَ \rولا يَلبسُ الجديدَ من ثيابِ البذلةِ أيضًا\rوحكى الشاشي في «المستظهريِّ»  عن بعضِ الأصحابِ أنهُ قال: لا أَكرهُ الخروجَ حافيًا حاسرًا، واستبعدهُ\rومنها: يُستحبُّ إخراجُ الصبيانَ والمشايخِ؛ لأنَّ دعاءَهم أقربُ إلى الإجابةِ \rرُوي عن أَبي هريرةَ: أنهُ عليه الصلاة والسلام قالَ: «مَهْلًا عنِ اللهِ مَهْلًا، فَإِنَّهُ لَوْلَا شَبَابٌ خُشَّعٌ وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ وَشُيُوخٌ رُكَّعٌ وَأَطْفَالٌ رُضَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمْ العَذَابُ صَبًّا» أخرجهُ البيهقيُّ \rقالَ القاضي  في قولِهِ: «رُكَّعٌ»: يُحتملُ أنْ يريدَ رُكَّعًا في الصلاةِ، وأنْ يُريدَ أنَّ ظهورَهم انْحنتْ مِنَ الكِبْرِ كالراكعينَ\rورُويَ: أنَّ موسى عليه السلام لمَّا خرجَ يستسقي أَوْحَى اللهُ تَعَالى إليهِ: قلْ لِبَنِي إسرائيلَ: مَن كانَ لهُ ذَنْبٌ فليرجعْ فنادى موسى فيهم بذلك، فرجعَ الناسُ ولمْ يَبْقَ معهُ إلا رجلٌ أعورُ، فقال لهُ: أمَا سمعتَ النداءَ قال: بَلى قالَ: أمَا لَكَ ذنبٌ فقالَ: لا، نَظرتُ بِهذهِ العينِ مَرَّةً إلى امرأةٍ فَقَلعتُها فدعَا موسى وأمَّنَ الأعورُ؛ فَسُقُوا \rويخرج أيضًا: مَن لا هيئةَ لهُ مِنَ النساء ","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"وفي إخراجِ البهائم قصدًا ثلاثةَ أوجهٍ:\rأحدُها: لا يُستحبُّ، ورُوي عن «نصِّه» في «الأُمِّ»، وجزمَ به جماعةٌ منهم: سُليمٌ والمحامليُّ  ونسبهُ القاضي الطبريُّ  إلى الأصحابِ مطلقًا؛ لأنَّ النبيَّ  صلى الله عليه وسلم لمْ يُخرجْها، وليسَ سؤالٌ وأهليةُ طلبٍ؛ لكنْ لوْ خرجتْ فَلَا بأسَ\rوأصحُّهما: أنَّهُ يُستحبُّ، وهوَ قولُ أبي إسحاقَ وابنِ أبي هريرةَ والقَفَّالُ، وجزمَ به البغويُّ  لقولهِ في الحديثِ: «وبهائمُ رُتَّعٌ» \rورُوي: أنَّ قومَ يونسَ لمَّا أتاهمُ العذابُ أتوا يونسَ، ففرَّ منهم غيظًا عليهم، ففرَّقوا بينَ النساءِ وأطفالهنَّ وبينَ البهائمِ وأولادِها، ودَعَوا، وكثرَ الضجيجُ، فصرفَ اللهُ تعالى عنهمُ العذابَ ورُوي: أنَّ سليمانَ عليه وعلى نبيِّنا أفضلُ الصلاةِ والسلامِ خرجَ يستسقي، فرأى نملةً واقفةً على ظهرِها قدْ رفعتْ يديهَا وقالتْ: اللهمَّ إنَّا خلقٌ مِن خلقِكَ، لا غِنَاءَ لنَا عن رزقِكَ، فَلَا تُهْلِكْنَا بذنوبِ بَنِي إسرائيلَ فقالَ لقومِه: ارْجعوا؛ فقد [كُفيتم] بغيرِكُمْ فَسُقوا  وأخرجَ الحاكمُ في «المستدركِ»: أنهُ عليه الصلاة والسلام قالَ: «خَرَجَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِيَاءِ يَسْتَسْقِي، فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةً بَعْضَ قَوَائِمِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدِ اسْتُجِيْبَ لَكُمْ مِنْ أَجْلِ النَّمْلَةِ» ، وصحَّحهُ قالَ ابنُ الصلاحِ : وهوَ يتجهُ، لِمَا فيهِ مِنْ تَوافقِ حاجاتِ المضطرين ومَظَافرِ رغباتِ الراغِبين على اختلافِ أنواعِها وأنواعِهم\rوالثالثُ حَكاهُ الماورديُّ عنِ الجمهورِ: أنهُ يُكرهُ ","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"وأمَّا إخراجُ أهلِ الذِّمَّةِ : فقدْ نصَّ الشافعيُّ على كراهتهِ والمنعِ منهُ إنِ اخْتلطوا بالمسلمين؛ لأنهم أعداءُ اللهِ، وربَّما كانوا السببَ في القحطِ واحتباسِ المطرِ، وإنْ لمْ يَختلطوا بهم لمْ يُمنعوا؛ لأنهم مسترزقةٌ، وقد يُنعم اللهُ على الكافرِ ويُعجِّلُ دعاءَه استدراجًا لهُ، وفيهِ وجهٌ أنهم يُمنعون وإنْ لمْ يختلطوا؛ إلاَّ أنْ يَخرجوا في يومٍ آخرَ\rقالَ الشافعيُّ: ولا أَكرهُ مِن إخراجِ خروجِ صبيانهم معَ المسلمينَ ما أكرهُ من إخراج خروجِ بَالغِيهم \rقالَ القاضي أبو الطيبِ  وغيرُه: لأنَّ لَغْوَهم ليسَ عنادًا، بخلافِ الكبارِ\rوقالَ القاضي الحسينُ: لأنَّ ذنْبهم أخفُّ\rوالعلماءُ مختلفونَ في حُكمِهم إذا ماتُوا قبلَ بلوغِهم، والاختلافُ الذي ذكرهُ هو: أنَّ العلماءَ اختلفوا في حُكمهم في الآخرةِ، فقالَ كثيرٌ منهم: في النارِ؛ فإنهم كُفارٌ تبعًا لآبائِهم كمَا في الدنيا وقالَ آخرونَ: هُمْ في الجنةِ؛ لأنهم ليسُوا مُكلَّفين ووُلدوا على فطرةِ الإسلامِ ونَسبهُ النواويُّ إلى المُحققينَ وصحَّحهُ \rوقيلَ: هُمْ خَدمٌ لأهلِ الجنةِ\rوقالَ آخرونَ بالتوقفِ في أمرِهم وقالُوا: لا يُحكمُ لهمْ بِجَنةٍ ولا نارٍ، ولا نَعلمُ حكمَهم\rوقال آخرونَ: مَنْ علمَ اللهُ منهُ منهم أنهُ لوْ عاشَ آمنَ فهوَ مِن أهلِ الجنةِ، ومَن علمَ منهُ أنهُ لوْ عاشَ كفرَ فهوَ مِن أهلِ النار ؛ لقولهِ عليه الصلاة والسلام في حقِّهمْ: «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِيْنَ»  أيْ: لوْ عاشُوا\rوقالَ آخرونَ : [ترفع]  لهمْ نارٌ يومَ القيامةِ ويُؤمرونَ بدخولِها، فَمَن دخَلها أطاعَ وصارَ منْ أهلِ الجنةِ، ومَن أبى عصى وأُدخلَ النارَ\rوظاهرُ كلامِ الأصحابِ المتقدمِ هنا: أنَّهم مِن أهلِ النارِ","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"ويظهرُ أنْ يكونَ الخلافُ في خروجِ أهلِ الذمةِ التفاتٌ على أنَّ الكافرَ هلْ يجابُ دعاؤُه أمْ لَا وفيهِ خلافٌ  قال الرويانيُّ  في كتابِ الصلاةِ: لا يجوزُ أنْ يُؤَمَّنَ على دعاءِ الكافرِ؛ لأنَّ دعاءَه غيرُ مقبولٍ؛ لقولِه تعالى: {ٹ ٹ    } \rوقالَ آخرونَ: قدْ يُستجابُ دعاؤُه، وقدِ استجابَ اللهُ تعالى دعوةَ إبليسَ في قولِه: {   }  قالَ: {چ چ چ} \rولا شكَّ أنَّ هذهِ المسألةَ يشبهُ فيها القبولُ بالاستجابةِ، والدعاءُ بالنسبةِ إليها أربعةُ أقسامٍ:\r دعاءٌ يقبلُ فَيُثابُ عليهِ؛ لأنَّ الدعاءَ يشبهُ العبادةَ، ووَرَدَ: «إنَّ الدعاءَ مخُّ العبادةِ» ، ويُجابُ أيضًا ما قالهُ للسائلِ المسئولُ\r ودعاءٌ لا يُقبلُ ولا يُستجابُ، فلا يَحصلُ فيه ثوابٌ ولا إجابةٌ\r ودعاءٌ يُقبلُ ولا يُستجابُ، بِمَعْنى: أنَّ اللهَ يُثيبُ صاحبَهُ، وإنْ لمْ يَقْبلْه المسئولُ، بلْ يُعوضُهُ عنهُ إذْ يَدَّخرهُ لهُ كمَا وردَ في الخبرِ\r ودعاءٌ يُستجابُ ويَحصلُ للداعي مأمولُه، وليسَ فيه ثوابٌ، والكلامُ في حقِّ الكافرِ في هذهِ الدرجةِ\rوالظاهرُ: أنَّ الرويانيَّ أرادَ بقولِهِ لَا يُقبلُ دُعاؤُه: لا يُستجابُ، أو: لا يُقبلُ ولا يُستجابُ وهوَ سياقُ كلامٍ ","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"ومنها أن يذكرَ كلُّ واحدٍ مِن القومِ في نفسِه ما فعلَهُ مِن خيرٍ فيجعلُه وسيلةً لهُ وشفيعًا؛ لِمَا في الصحيحينِ  عنِ ابنِ عمرَ: أنَّه عليه الصلاة والسلام قالَ: «انْطَلَقَ ثَلَاثَةُنَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى آوَاهُمُ المَبِيْتُ إِلَى غارٍ، فَدَخَلُوا، فانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ، فَقَالُوا: إنَّهُ لَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللهَ بِصَالحِ أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُم: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي أبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيْرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا» وذكرَ تمامَ الحديثِ الطويلِ فيهمْ، وأنَّ كلًّا منهم قالَ في صالِحِ عملِه: «اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلِكَ ابِتِغَاء وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنّا مَا نَحْنُ فِيهِ»، فانفرجَ في دعوةِ كلِّ واحدٍ شيءُ مِنها، وانْفرجتْ كلُّها عُقيبَ دعوةِ الثالثِ، فَخَرجُوا يَمشونَ\rقال القاضي الحسينُ وغيرُه : فَيُستحبُّ لِمَنْ وَقَعَ في شدةٍ أنْ يدعوَ بصالحَ عملهِ بهذا الحديثِ، ورواهُ الرويانيُّ عن القفالِ عن الشافعيِّ رحمهُ الله تعالى \rومطلوبُ الدعاءِ الافتقارُ، ولكنْ ذكرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذا الحديثَ ثناءً عليهم وتصويبًا لفعلِهم\rومنها أن يَستسقيَ بأهلِ الصلاحِ وأقاربِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم\rروى البخاريُّ : أنِّ عمرَ رضي الله تعالى عنه خَرَجَ يَستسقي، وخرجَ بالعبَّاسِ معهُ يَستسقي بهِ ويقولُ: اللهمَّ كنَّا إذا قَحَطْنَا على عهدِ نَبيِّنا صلى الله عليه وسلم نَتوسَّلُ إليكَ بنبيِّنَا، اللهمَّ إنَّا نَتَوسَّلُ إليكَ بخيرِنا وأفضلِنا","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"اللهمَّ إنَّ مُعاويةَ استسقى بيَزيدَ بنِ الأسْودِ  وقالَ: اللهمَّ إنَّا نَستسقي إليكَ بخيرِنا وأفضلِنا، اللهمَّ إنَّا نَستسقي إليكَ بيزيدَ بنِ الأسْودِ، يا يزيدُ ارفعْ يَدَيكَ فرفع يديهِ، ورفعَ الناسُ أيديَهم، فثارتْ سحابةٌ من الغربِ كأنها ترسٌ، وهبَّ لنَا ريحٌ فَسُقوا حتَّى كادُوا أنْ لَا يَبلغُوا منازلَهم\rومنها أنْ يُنادى لها «الصلاةُ جامعةً» ، وأنْ يُكبّرَ في الركعةِ الأُولى سَبْعَ تكبيراتٍ زوائدَ، وفي الثانيةِ خَمْسَ تكبيراتٍ، كمَا في العيدِ\rروى ابنُ عبَّاسٍ: أنهُ عليه الصلاة والسلام كبَّرَ فيهمَا كذلكَ أخرجهُ البيهقيُّ \rويرفعُ يديه عندَ كلِّ تكبيرةٍ، ويذكرُ اللهَ بينَ كلِّ تكبيرتين، ثُمَّ يَتعوَّذُ ويقرأُ\rومنها: أنْ يقرأَ في الأُولى بعدَ الفاتحةِ سورةَ {} ، وفي الثانيةِ {ھ ھ}  كالعيدِ \rوقالَ بعضُ الأصحابِ: يَقرأُ في الثانيةِ {  }  لأنها لائقةٌ بالحالِ؛ لِمَا فيها مِن ذكْرِ الاستسقاءِ في قولهِ تعالى: { }  الآيات\rوروى الشيخُ أبو حامدٍ والمحامليُّ أنَّ الشافعيَّ قالَ: يَقرأُ فيهما ما يُقرأ في العيدِ، وإنْ قرأَ: {  } كان حَسنًا \rقالَ الرافعيُّ : وهذا يُشعرُ بأنهُ لا خلافَ في المسألةِ، وأنَّ الكلَّ سائغٌ\rومنهم مَن أثبتَ خلافًا في أنَّ الأحبَّ ماذا وقالَ: الأصحُّ أنهُ يقرأُ فيهما ما يقرأُ في العيدِ\rويَجهرُ بالقراءةِ فيهما انتهى\rوقالَ المتولي : يقرأُ في الأُولى {} و {ھ} وفي الثانيةِ {  }\rوقد تَقدَّمَ في كتابِ صلاةِ العيدِ أنَّ السُّنةَ أنْ يقرأَ فيهما هاتينِ السورتينِ أو {ں}  و {  ٹ ٹ} ","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"وأخرج الدارقطنيُّ : أنَّ مروانَ أرسلَ إلى ابنِ عبَّاسٍ يسألهُ عن سُنةَ الاستسقاءِ، فقالَ: سُنَّةُ الاستسقاءِ كالصلاةِ في العيدِ؛ إلاَّ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم قلبَ رداءَهُ فجعلَ يمَينَه يَسارَهُ ويَسارَهُ يَمينَهُ، وصلَّى ركعتينِ كَبَّرَ  في الأُولى سبعَ تكبيراتٍ وقرأ {ں   } وقرأَ في الثانيةِ: {  ٹ ٹ}\rواستدلَّ بهِ صاحبُ «التهذيبِ» على أنهُ يقرأُ فيها بـ {} و {ھ}  مِن حيثُ إنَّ كلَّ واحدةٌ مِن هؤلاء السورِ الأربعِ مُستحبٌّ في العيدِ، إلاَّ أنَّ الحديثَ ضعيفٌ\rقالَ النواويُّ (: واتفقَ المُصِّنفون على أنهُ يقرأُ فيهما ما يقرأُ في العيد  ِ\rوقولُ الماورديِّ : «قالَ أصحابُنا: لوْ قرأ في الثانية: {  } كانَ حَسنًا» لا يُخالفهُ؛ لأنهُ كنصِّ الشافعيِّ، ويَعني حُسنُه أنهُ لا كراهةَ فيهِ، لأنهُ أفضلُ مِنِ {ھ}\rولوْ تركَ التكبيراتِ أوْ زادَ فيها أوْ نقصَ صحتْ صلاتُهُ، ولا يسجدُ للسهوِ\rولوْ أدركَهُ مسبوقٌ في أثنائِها أوْ بعدَ فراغِها ففي قضائهِ التكبيراتِ القولانِ السابقانِ في نظيرهِ في صلاةِ العيدِ، أصحُّهما: أنهُ لا يَقْضيها\rقولهُ في الكتابِ: «ووقتُها كَوَقْتِهَا» تَقدمَ أنَّ الصحيحَ خلافهُ \rوقولهُ: «بالتوبةِ والخروجِ مِن المظالمِ» هوَ مِنْ بابِ التوكيدِ؛ لأنَّ التوبةَ العامّةَ تشملُ ذلك، لكنَّهُ أرادَ أنْ يأمرَهُمْ بالتوبةِ مِن المعاصي المحضةِ حقًّا للهِ تعالى، ومنَ المعاصي المتعلقةِ بالآدميين\rوكَذَا قولهُ: «وأنْ يَستحلَّ بعضُهم بعضًا»، وإنَّما ذكرَ ذلك لأنَّ مِن الحقوقِ ما لا يُمكنُ إبقاؤه، ولا طريقَ للخلاصِ فيهِ إلاَّ بالإبراءِ كالغيبةِ والشتمِ والضربِ","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"وقولهُ: «ثيابٌ بَذِلةٌ وتخشعٌ» هو: ما يبذلُ مِن الثيابِ، وهذا مِن إضافةِ الموصوفِ إلى صفتهِ كجانب الغربي ودار الآخرة، وهوَ عندَ الكوفيِّينَ على ظاهرهِ، وعندَ البصريينَ يُقدّرونَ محذوفًا تقديرُه: دار الحياةِ الآخرةِ وجانب المكانِ الغربيَّ، فَيُقدَّرُ هَنا: ثياب حالةِ البذِلَةِ أيْ: المهنة \rوقولهُ: «وتخشع» قالَ الشيخُ أبو عَمرٍو : يَنبغي أنْ يعطفَ على «ثياب» لا على «بذلة» حتى يكونَ معناهُ: يخرجونَ في تَخشُّعٍ وثيابٍ بَذِلةٍ، وبتقديرِ عكسهِ لا يكونُ فيه تَعرُّضٌ لصفتِهم في أنفسِهم، وهيَ المقصودةُ التي ثيابُ البَذِلةِ وصلةٌ إليها، وقدْ يكونُ الرجلُ في ثيابِ تَخشُّعٍ وبَذِلةٍ، وهوَ في عزِّ نفسه\rوقولهُ: «ولا بأسَ بخروجِ أهلِ الذمَّةِ» قالَ الشيخُ أبو عَمرٍو : هذهِ  عبارةٌ يُطلقُهَا الفقهاءُ في مباحٍ خُولفَ المبيحُ في إباحتهِ، إذْ في مباحٍ تَركُه أَولى، وهذا عندَ المتأخِّرين غيرُ مُباحٍ، بلْ مكروهٍ، وليسَ بِالقولِ المزيَّفِ المحْكيِّ في الأصولِ أنَّ المكروهَ تركُ الأَولى؛ فإنهُ لا يَخفى على ذِي فطنةٍ أنهُ غيرُهُ\rوقولهُ: «ومِنْ أصحابِنا مَن قالَ: هي كَصلاةِ العيدِ، إلاَّ أنهُ لا تُبدلُ السورةُ في إحْدى الركعتينِ» المنسوبُ إلى هذهِ القبائلِ إبدالُ السورةِ لا أنها كصلاةِ العيدِ، فإنهُ متفقٌ عليهِ \rوقولهُ: «في إحدى الركعتينِ» كذا رواهُ الصيدلانيّ \rقالَ الرافعيُّ : ولْتَكُنِ الثانيةُ مُراعاةً لنظمِ السورِ، وكذا صرَّح بهِ البغويُّ والطبرانيُّ، وذُكر أنَّ الشيخَ أبا حامدٍ حَكاهُ عنِ «النصِّ»\r==================\r(قالَ:","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"ثُمَّ يخطبُ الإمامُ بعدَ الفراغِ خُطبتينِ كمَا في العيدِ، لكنْ يُبدلُ التكبيراتِ بالاستغفارِ، ثُمَّ يُلحف  بالدعاءِ في الخطبةِ الثانيةِ، ويَستقبلُ القبلةَ فيهَا، ويَستدبرُ الناسَ، ثُمَّ يُحوِّلُ رداءَهُ ولا يَتحوَّلُ الحالُ، وتأسيًا برسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم، فيقلبُ الأعلى إلى الأسفلِ، واليمينَ إلى اليسارِ، والظاهرَ إلى الباطنِ \rوكانَ على رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم خميصةٌ فثقلتْ لمَّا حاولَ قَلْبَها مِنَ الأعلى إلى الأسفلِ فَتَرَكَ \rفَرأْيُ الشافعيِّ في الجديدِ الإتيانُ بما هَم بهِ أَوْلى ويُستحبُّ أنْ يدعوَ في الخطبةِ الأُولى فيقولُ: اللهمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغيثًا، هَنيئًا، مَريئًا، سَريعًا، مريعًا، غدقًا، مجللًا، طبقًا، سحًّا، دائمًا، اللهمَّ اسْقِنَا الغيثَ، ولا تَجعلْنا من القانطينَ، اللهمَّ إنَّ بالعبادِ والبلادِ والخَلْقِ مِنَ اللَّأوَاءِ والضنكِ والجَهْدِ ما لا نَشْكُو إلاَّ إليكَ، اللهمَّ أنبتْ لنَا الزرعَ، وأدِرّ لنا الضرعَ، واسْقِنَا منْ بَرَكاتِ السماءِ، اللهمَّ ارفعْ عنَّا الجهدَ والجوعَ والعري، واكشفْ عنَّا ما لا يكشفُه غيرُكَ، اللهمَّ إنَّا نستغفرُك إنكَ كنتَ غفَّارًا\rثُمَّ يقرأُ {         }  \rالشرح\rإذا فرغَ الإمامُ مِنَ الصلاةِ خطبَ خطبتينِ كمَا في العيدِ \rوقالَ أحمدُ : لا يخطبُ لها، لكنْ يكثر منِ الدعاءِ والاستغفارِ\rوهوَ مُخيَّرٌ بَيْنَ أنْ يدعو قبلَ الصلاةِ أوْ بعدَها، لِمَا رواهُ أبو هريرةَ قالَ: خرجَ بِنا رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم  نَستسقي، فصلَّى بِنا ركعتينِ بِلا أذانٍ ولا إقامةٍ، ثُم خَطَبَنا ودعَا اللهَ تعالى، وحوّل وجهَهُ نحوَ القبلةِ رافعًا يديه، ثُم قلبَ رداءَهُ فجعلَ الأيمنَ على الأيسرِ والأيسرَ على الأيمنِ  أخرجهُ ابنُ ماجه والبيهقيُّ","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"وأخرجَ أبو داودَ  عن عائشةَ: أنَّها قالتْ: شكَا الناسُ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قحطَ المطرِ، فأمرَ بِمنبرٍ فوُضعَ لهُ في المُصلَّى، ووعدَ الناسَ يومًا يخرجونَ فيهِ، فخرَج حين بدأَ حاجبُ الشمسِ، فقعدَ على المنبرِ وكبَّرَ وحمدَ اللهَ ثُمَّ قالَ: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ وَاسْتِئْخَارَ  المَطَرِ عَنْ إِبَّان زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ عز وجل أَنْ تَدْعُوْهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيْبَ لَكُمْ» ثُمَّ قال: {          } ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، يَفْعَلُ مَا يُرِيْدُ، اللَّهُمَّ أنْتَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، الغَنِيُّ وَنَحْنُ الفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلىَ خَيْرٍ»، ثُمَّ رفعَ يديهِ وذكَرَ ما في الحديثِ وسرعةِ الإجابةِ وهوَ حديثٌ صحيحٌ\rقالَ صاحبُ «التتمِة» : ولوْ خطبَ قبلَ الصلاةِ جازَ، وصحَّتِ الخطبةُ والصلاةُ\rقلتُ: وحديثُ أبي داودَ يدلُّ عليهِ\rوقدْ جاءَ في الصحيحينِ : أنهُ عليه الصلاة والسلام خرج يَستسقي، فدعا واستقبلَ القبلةَ، وحَوَّلَ رداءَهُ، ثُم صَلَّى ركعتينِ\rقالَ الأصحابُ : هوَ محمولٌ على بيانِ تجويزِ الخطبةِ في بعضِ الأوقاتِ، وإنما حُملَ هذا على الجوازِ دونَ الأفضليةِ؛ لأنَّ رواةَ الأولِ أكثرُ، والقياسُ يعضدُهُ، فإنَّها صلاةٌ مسنونةٌ شُرعتْ فيها الخطبةُ فكانتْ بعدَها كالعيدينِ والكسوفينِ، كذا قالهُ ابنُ الصبَّاغِ","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"لكنْ كلامُ كثيرين يُفهمُ أنها لا يُعتدُّ بها قبلَ الصلاةِ، وقدْ صرَّحَ بهِ بعضُ شارحِي «التنبيهِ»  وهاتانِ الخطبتانِ في الأركانِ والشروطِ وغيرِها كخطبتيَ العيدِ، لكنْ يبدلُ التكبيراتِ في أوَّلِها بالاستغفارِ ويقولُ: اسْتَغفرُوا ربَّكمُ اللهَ الذي لا إلهَ إلاَّ هوَ الحيُّ القيومُ [وتوبُوا]  إليهِ  ويحثهما على الاستغفار ِويكثرُ منهُ في الخطبةِ ومِنْ قولهِ: {    } \rرُوي أنَّ عليًّا وابنَ عبَّاسٍ كانا جالسينِ، فجاءَ سائلٌ وسألَ عليًّا عنْ [جدوبةِ]   الزمانِ وانقطاعِ المطرِ، فقالَ لهُ عليٌّ: استغفرِ اللهَ فجاءَ آخرُ وسألهُ عنْ قِلَّةِ المالِ، فأمَرهُ بالاستغفارِ، فضحكَ ابنُ عبَّاسٍ وقالَ: أَجَبْتَ في مسائلَ بجوابٍ واحدٍ فقالَ عليٌّ: لَعلَّكَ أُنْسيتَ القرآنَ؛ قالَ اللهُ تعالى: {    }  وتلا الآياتِ، وأكبرُ المصائبِ الحالَّةِ بالناسِ عقوبةً لهمْ على معاصِيهم، قالَ اللهُ تعالى: {         }  والاستغفارُ يزيلُ المعاصيَ\rوقالَ البندنيجيُّ والمحامليّ  ُ: يُكبِّرُ في أوَّلِهما كمَا يُكبِّرُ في خُطبتَي العيدِ وهو ظاهرُ قولهِ في «الإمام»: يخطبُ خطبتينِ كمَا يخطبُ في العيدِ، يُكبِّرُ اللهَ فيهما، ويَحمدهُ، ويُصلي على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ويُكثرُ الاستغفارَ ونَسبهُ الرويانيُّ  إلى «النصِّ»، وغَلَّطَ القائلَ إلاَّ بذاكَ\rولَعلَّهُ أخذهُ من قولهِ ويبدأُ الإمامُ بالاستغفارِ ويَختمُ بهِ، وإنما أرادَ بهِ عندَ ابتداءِ الدعاءِ لا عندَ ابتداءِ الخطبةِ\rويجوزُ أنْ  يخطبَهما قاعدًا كمَا في العيدِ، إلاَّ أنْ ينذرَ الصلاةَ والخطبةَ، فإنهُ يَتعيَّنُ أنْ (  أ) يَخطبَها قائمًا، نصَّ عليهِ في «الأُمِّ» \rقالَ الماورديُّ : ولوْ فعلهما راكبًا وقد نذرهما: جازَ","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"قالَ صاحبُ «الذخائرِ» : ويجوزُ أنْ يخرجَ على أنَّ مطلقَ النذرِ يحملُ على جائزِ الشرعِ أو واجبهِ، إنَّما يلزمُ القيامُ إذا كانَ الناذرُ الإمامُ أوْ غيُره ومعهُ مَن يلزمُه، فإنْ كانَ منفردًا ليسَ عليهِ أنْ يخطبَ قائمًا\rقالَ الماورديُّ والبندنيجيُّ : ولوِ اقتصرَ على خطبةٍ واحدةٍ جازَ\rويُبالغُ في الدعاءِ في الخطبةِ الثانيةِ، ويَستقبلُ القبلةَ في أثنائها\rقالَ الزبيريُّ في «الكافي» : إذا بلغَ نصفَها\rويكونُ دعاؤهُ في حالِ استقبالهِ الناسَ جهرًا، ويوافقونه، وفي حالِ استقباله القبلةَ سرًّا، ويدعُ الناسَ سرًّا رافعِي أيديهم، قالَ الله تعالى: {ہ ہ ھ ھ}  واحتجَّ لهُ الماورديُّ  وغيرُه بقولِ نوحٍ: {      } \rوقدْ رُوي عَنْ أنسٍ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم استسقى وأشارَ بظهْرِ كفِّهِ إلى السماءِ أخرجهُ مسلمٌ \rقالَ العلماءُ : السُّنةُ لِمَنْ دَعَا بِرَفْعِ البَلَاءِ أنْ يَجعلَ ظهْرَ كفِّهِ إلى السماءِ، إشارةً إلى الرفعِ، ولِمَنْ دَعَا بِطَلَبِ شَيءٍ  أنْ يَجْعلَ بَطنَ كفِّهِ إلى السماءِ، إشارةً إلى الأخذِ\rقالَ الشافعيُّ  رضي الله تعالى عنه: ولْيَكُنْ مِن دُعائِهم فِي هذهِ الحالةِ: اللهمَّ أنتَ أمَرْتَنا بِدُعَائِك ووعدَّتنا إجابَتَك، وقدْ دعوناكَ كمَا أمرْتَنا فأجِبْنَا كمَا وعدَّتنا، وامْنُنْ عَلينا بمغفرةِ ما قارفنا، وإجابتك في سُقْيانا وسعةِ رزقِنا\rقالَ: فإذا فرغَ من الدعاءِ مستقبلًا أقبلَ بوجْهِه على الناسِ، وحرَّضَهم على طاعةِ ربِّهم، ويُصلِّي على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ويدعُو للمؤمنينَ والمؤمناتِ، ويقرأُ آيةً أوْ آيتينِ، ويقولُ: «أَستغفرُ اللهَ لِي ولكمْ»، ويَنزلُ انتهى","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"ويُستحبُّ أنْ يُحوِّلَ رداءهُ عقبَ استقبالِه القبلةَ، لِمَا تقدَّمَ أنَّه عليه الصلاة والسلام فعلَ ذلك، والمعنى فيهِ التفاؤلُ بِتحوُّلِ الحالِ من الجدبِ إلى الخصبِ، وكانَ عليه الصلاة والسلام يحبُّ الفألَ \rوقالَ المتوليُّ : المعنى فيهِ: أنْ يوافقَ الظاهرُ الباطنَ في تغيُّرِ الحالِ\rوقالَ الماورديُّ: يُستحبُّ أنْ يكونَ التحويلُ والتنكيسُ قبلَ الاستغفارِ، والتحويلُ: أنْ يجعلَ ما على عاتقِه الأيمنِ على عاتقِه الأيسرِ، وبالعكسِ \rوهلْ تنكُّسه معَ ذلِكَ إنْ كانَ  سريعًا بأنْ يجعلَ أعلاه أسفلَه وبالعكس فيهِ قولانِ:\rالقديمُ –وبهِ قال مالكٌ وأحمدُ-: لا، لأنه لم يَرِدْ من فعلِه عليه الصلاة والسلام \rوالجديدُ: نَعَم؛ لِمَا في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ المتقدمِ: أنَّهُ عليه الصلاة والسلام استسقى وعليهِ خميصةٌ لهُ سوداءُ، فأرادَ أنْ يأخذَ بأسفلِها فيجعلُه أعلاها، فلمَّا ثَقُلتْ عليه قَلَبَها على عاتقِه \rقالَ الأصمعيُّ: الخميصةُ: كساءُ من صوفٍ أو خزٍّ بعلامةٍ سوداءَ، وكانتْ من لباسِ النساءِ \rوقالَ أبو عبيدٍ: كساءٌ مربعٌ لهُ علمانِ \rوقالَ الجوهريُّ: كساءٌ رقيقٌ أحمرُ أو أحمرُ وأسْودُ فنفعل ما همَّ بفعلهِ واسعٌ عليهِ \rوصفةُ الجمعِ بينَ التنكيسِ والتحويلِ بفعلٍ واحدٍ: أنْ يَجعلَ الطرفَ الأسفلَ الذي على جانبِه الأيسرِ على عاتقِه الأيمنِ، أمَّا لوْ جعلَ الطرفَ الذي على عاتقِه الأيمنِ على عاتقِه الأيسرِ فذلِكَ تحويلٌ فقط، أوْ جعلَ الأسفلَ أعلى، وذلِكَ تنكيسٌ فقطْ، وكلٌّ مِنهما على حدِتِه لا يحصلُ إلَّا بِقلْبِ الظاهرِ إلى الباطنِ\rوأمَّا الجمعُ بينَ التحويلِ والتنكيسِ، فلا يَحصلُ  مع قلْبِ الظاهرِ إلى الباطنِ لا كمَا ذكَرَه المصنفُ وشيخُه، فاخْتَبِرْهُ تَجِدْهُ صحيحًا \rقالَ الشيخُ أبو عمرٍو :","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"فإنْ قلتَ: يُتصوَّرُ بفعلٍ [ثانٍ فيأتيَ] أولًا بالتحويلِ والتنكيسِ كمَا تقدَّمَ، ثم يقلبُ الرداءَ ظهرًا لبطنٍ، أو يأتيَ بالتنكيسِ أولًا، ثُمَّ بالتحويلِ من اليمينِ\rقلتُ: إذا فعلَ ذلِكَ زَالَ وَصفٌ آخرُ وهو التنكيسُ في الحالِ الأوَّلِ؛ فإنهُ يعودُ الأعلى أعلى كمَا كانَ\rواقتصرَ صاحبُ «التتمةِ»  على التنكيسِ مع انقلابِ الظاهرِ وقالَ: إنهُ الأولى\rقالَ الشيخُ ابنُ الصلاحِ : ولمْ أرَهْ لغيرِه وهو بعيدٌ، بلْ غلَطٌ وخروجٌ عن الجديدِ والقديمِ معًا، وتحريفٌ للقديمِ؛ لأنهُ في القديمِ اقتصرَ على قلبِ الظاهرِ مع التحويلِ كمَا فَعَلَهُ عليه الصلاة والسلام، فجعلَ هوَ التنكيسَ بدلَ التحويلِ، فكانَ مخالفًا لِمَا فَعلهُ عليه الصلاة والسلام ولِمَا هَمَّ بهِ\rقالَ: ويُنشِئُ هذا الوهمَ لفظةٌ في الحديثِ المتقدمِ حمَلَها على غيرِ وجهِهَا وهيَ قولهُ: «قَلَبَهَا على عاتقِه»، فحملها على أنهُ أخَذَ الطرفَ الأيسرَ من شقِّهِ الأيسرِ فجعلهُ على عاتقِه ، فَيَصيرُ الأعلى أسفلَ والأسفلُ أعلى، وهوَ سهوٌ عظيمٌ؛ فإنَّ قولَهُ «قَلَبَهَا» ليسَ منحصرَ المعنى في انقلابِ الأسفلِ، بلْ تحويلُهُ من اليمينِ إلى اليسارِ، ويجوزُ أنْ يُقالَ فيه «قَلَبَهَا على عاتقِه» لِمَا لا يَخفى في اللغةِ\rوأمَّا الرداءُ المُثلَّثُ أو المُقَوَّرُ وسمَّاهُ المزنيُّ : الساحُّ، وسمَّاه صاحبُ «المهذبِ»  الرداءَ المُدَوَّرَ، وهوَ الطيلسانُ الذي يُنسجُ سورًا فيقتصرُ فيهِ على التحويلِ من اليمينِ إلى اليسارِ مع انقلابِ الظاهرِ، فإنه لا يتهيأُ فيهِ التنكيسُ، وكذا الرداءُ الطويلُ، والناسُ يفعلونَ بأرديتِهم كذلكَ\rوتركُ الأرديةِ على هذهِ الحالةِ إلى أن تُنزعَ الثيابُ\rوقالَ آخرونَ: إلى أنْ يَرجعوا إلى منازلِهم وليسَ هذا خلافًا، والأولى أولى وإنْ لمْ يَنزعوا الثيابَ حِينَ وُصولِهم المنزلَ","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"ويُستحبُّ أن يدعوَ في الخطبةِ الأولى بما نَصَّ عليه الشافعيُّ ورواه عن ابنِ عمرَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أنَّهُ كَانَ إِذَا اسْتَسْقَى قالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا» الدعاءَ المذكورَ في الكتابِ إلى آخرِه \rقولُه: «اسْقِنَا» يجوزُ فيه قطعُ الهمزةِ على أنَّه مِن «أسقى» الرباعيِّ، ويجوزُ وصلُها على أنهُ مِن «سقى» الثلاثيِّ كمَا مرَّ أولَ البابِ و «الغيث»: المطرُ\rو «المُغِيث» بضمِّ الميمِ وكسرِ الغينِ: الذي يُغيثُ الخَلْقَ فَيَرويهم ويُشبِعُهم \rقالَ الأزهريُّ  وغيرُه: يعقد لنا بما اسْتُغْنِيَ منه، قالَ اللغويونَ: يُقالُ: «غاثَ الغيثُ الأرضَ» أيْ: أصابَها، و «أغاثَ اللهُ البلادَ» أيْ: أصابَها بَغيثَهَا –بِفَتحِ الثاءِ- غيثًا، وغِيثتِ الأرضُ تغاثُ غيثًا فهي مغيثةٌ ومغيوثةٌ\rلكنْ ثبتَ في «صحيحٍ مسلمٍ» : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ في الاستسقاءِ: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا» بالألفِ، رباعيٌّ، قالَ بعضُهم: هوَ مِنَ الإغاثةِ بِمعنى: المغوثة؛ لأنهُ من طلبِ الغيثِ، وإنَّما يقالُ في طلبِ الغيثِ «غيثًا»\rقالَ القاضي عياضٌ: ويُحتملُ أنْ يكونَ من طلبِ الغيثِ، أيْ: هبْ لَنَا غَيثًا، كمَا يُقالُ: «سقاهُ اللهُ» و «أسقاهُ» أيْ: جعلَ له سُقْيا، على لُغةِ مَن فرَّقَ بينهما \rو «الغثاءُ» -مهموز ممدودٌ- هو: الطَّيِّبُ الذي لا يَنغصُه  شيءٌ، أيْ: لِيكونَ [مُنمياً مُسمناً]  للحيوانِ من غيرِ ضررٍ\rو «المري» مهموزٌ ممدودٌ هوَ: المحمودُ العاقبةُ الذي لا وَباءَ فيهِ","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"و «المَرِيعُ» بفتحِ الميمِ وكسرِ الراءِ، وبالياءِ آخرَ الحروفِ، من «المراعةِ» وهي: الخصبُ، أيْ: ذو المراعةِ، يقالُ: «أمْرعتِ الأرضُ» أيْ: احْتَسَبت وقيلَ: المَريعُ: الذي يُمرعُ الأرضَ؛ أي: يُنبتُ عليها ورُوي «مُرْبِعًا» بضمِّ الميمِ وإسكانِ الراءِ وبالباءِ الموحَّدةِ، من قولِهم «ارتَبَعَ البعيرُ» و «تربعَ» إذا أكلَ الربيعَ، ورُوي «مرتعًا» بالتاءِ المثناةِ فوق، مِن «رَتَعتِ الماشيةُ ترتعُ رتوعًا» إذا أكلتْ ماشياتٍ، يقال: «أرتعَ إبلَهُ فَرَتَعَتْ» و «أرتعَ الغيثُ» أي: أَنبتَ ما ترتعُ فيهِ الماشيةُ  ٍ\rو «الغَدِق» بفتحِ الغينِ المعجمةِ والدالِ، هو: الكثيرُ الماءِ والخبزِ، وقيلَ: كبارُ المطرِ\rو «المُجلِّل» بالجيمِ واللامِ المكسورةِ: الساترُ للأفقِ، لعمومِه، وقالَ الأزهريُّ: هوَ الذي يعمُّ البلادَ والعبادَ بِنَفعهِ ويَتغشَّاهُمُ، وقيلَ: الذي يعمُّ الأرضَ كجل الغرس  ٍ\rو «الطَّبَقُ» الذي يطبقُ البلادَ ويصيرُ كالطَّبَقِ عليها، بفتحِ الطاءِ والباءِ، قالَ الشيخُ تقيُّ الدِّينِ: وفي الحديثِ –وذكَرهُ الشافعيُّ وأصحابُه-: «عامًّا طَبَقًا»، بدأَ بالعامِّ ثُمَّ أتْبَعَه الطبقَ لأنهُ صفةٌ  زائدةٌ في العامِّ، فقدْ يكونُ عامًّا وهو ظلُّ مسير  ٍ\rو «السحُّ» هو: الشديدُ الواقعُ على الأرضِ بقوةٍ، قالَ الأزهريُّ: إذا جَرى على وَجْهِ الأرضِ \rو «القُنوطُ»: اليأسُ من رحمةِ اللهِ\rو «اللَّأْواءُ»: شدةُ المجاعةِ، وهوَ ممدودٌ\rو «الضنكُ»: الضيقُ\rو «الجَهْدُ» -بفتحِ الجيمِ، واختارَ بعضُهم ضمَّهَا-: المشقةُ وسوءُ الحالِ، يقالُ «أرضٌ جَهادٌ» أيْ: لا تُنبتُ شيئًا\rوقولُه: «مَا لا نَشْكوا» هوَ بالنونِ\rو «بركات السماءِ»: المطرُ الكثيرُ النافعُ\rوتركَ المصنفُ من الدعاءِ المرويِّ الذي ذكره الشافعيُّ والأصحابُ : «وأَنْبِتْ لَنا من بركاتِ الأرضِ» وهو: ما تُخرجُهُ من زرعٍ ومرعىً","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"وكذا تركَهُ صاحبُ «المهذبِ» فيهِ دونَ التنبيهِ\rوالمرادُ بالسماءِ هنا: السحابُ، وقالَ الزمخشريُّ : يجوزُ أنْ يرادَ بِها السماءُ المظلةُ؛ لأنَّ المطرَ يَنزلُ مِنها إلى السحابِ انتهى\rويجوزُ أنْ يُرادَ بِها المطرُ\rو «المدرار» الكثيرُ الدَّرِّ والمطر  ِ ويُستحبُّ أنْ يدعوَ بدعاءِ الأنبياءِ وقدْ رُويَ : أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كتبَ إلى ميمونَ بنَ مهرانَ : إنِّي كتبتُ إلى البلدِ أن يَخرجُوا  إلى الاستسقاءِ، وأمرتُهم بالصدقةِ والصلاةِ، وأمرتُهم أنْ يَقولوا كمَا قالَ آدم  عليه السلام: {          } ، ويقولوا كمَا قالَ نوحٌ عليه السلام: { چ چ چ چ  } ، ويقولوا كمَا قالَ يونسٌ عليه السلام: {    } ، ويقولوا كمَا قالَ موسى  عليه السلام: {  ڑ ڑ ک کک ک گ گ گ} \rومِن أحسنِ ما جاءَ عن السلفِ في الدعاءِ في الاستسقاءِ مَا رواهُ الأوزاعيّ  ُ: أنَّ الناسَ خَرجُوا يَستسقون، [فقام] \rفيهم بلالُ بنُ سعدٍ  فحمدَ اللهَ وأَثنى عليهِ، ثُمَّ قالَ: يا مَعشرَ مَن حضرَ، ألَسْتُمْ مُقرِّينَ بالإساءةِ قالوا: بَلَى قالَ: اللهمَّ إنَّا سمعناكَ تقولُ: {   ہ ہ} ، وقدْ أَقْرَرَنَا بالإساءةِ، فهلْ تكونُ مَغفرتُك إلا لمثلِنا، اللهمَّ اغْفِرْ لنَا وارْحَمْنَا واسْقِنَا فرفعَ يديهِ، ورَفَعوا أيديَهم، فَسُقُوا \rقالَ النواويُّ : وينبغي أن يدعو بدعاءِ الكربِ\rوهوَ ما في الصحيحينِ  عنِ ابنِ عبَّاسٍ: أنهُ عليه الصلاة والسلام كانَ يقولُ عندَ الكربِ: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ العَظِيْمُ الحَلِيْمُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيْمِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيْمِ»","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"وروى الترمذيُّ : أنهُ عليه الصلاة والسلام كانَ إذا كَرَبَهُ أمرٌ قالَ: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفيِ الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»\rوروى النسائيُّ وابنُ السنيِّ   عنْ عليٍّ –كرَّم اللهُ وَجْهَهُ- أنهُ قالَ: لَقَّنني رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هذهِ الكلماتِ، وأمَرني إِنْ نزلَ بِي كربٌ أوْ شدةٌ أنْ أقولَهَا، وهيَ: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الكَرِيْمُ العَظِيْمُ، سُبْحَانَهُ، تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيْمِ، الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ»وفي «سننِ أبي داودَ» : أنهُ عليه الصلاة والسلام قالَ: «دَعْوَةُ المَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمتَكَ أَرْجُو، فَلاَ تَكِلْنِي إِلىَ نَفْسِي طُرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ ليِ شَأْنِي كُلَّهُ، لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ» وروى أبو داودَ وابنُ ماجه \rعنْ أسماءَ بنتِ عُميسٍ  أنَّها قالتْ: قالَ لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ أُعَلِّمُكِ كُلِمَاتٍ تَقُوْلِيْنَهَا عِنْدَ الكَرْبِ أَوْ فِيْ  الكَرْبِ اللهُ اللهُ رَبِّي لاَ أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»وعنْ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ  قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إِنَّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لاَ يَقُولُهَا مَكْرُوبٌ إِلاَّ فُرِّجَ عَنْهُ،\rكَلِمَةُ أَخِي يُونُسَ عليه السلام: {      ں ں     } » ","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"قال: ومِنَ الدعاءِ المستحبِّ: ما ثبتَ عنه عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ أَسْقِنَا غَيْثًا، مُغِيْثًا، نَافِعًا، غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ، اللَّهُمَّ أَسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وأَحْيِ بَلَدَكَ المَيِّتَ، اللَّهُمَّ أنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الغَنِيُّ وَنَحْنُ الفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الغَيْثَ، واجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَمَتَاعًا إِلَى حِيْنٍ» \rفائدةٌ\rقالَ صاحبُ الكتابِ في «الإِحياءِ» : إنْ قيلَ: ما فائدةُ الدعاءِ معَ أنَّ القضاء\rلا مردَّ لهُ فالجوابُ: أنَّ مِن القضاءِ ردُّ البلايا بالدعاءِ، والدعاءُ سببٌ لاَ مردَّ لهُ، كردِّ البلايا ووجودِ النعمةِ، كمَا أنَّ الترسَ سببٌ لدفعِ السلاحِ، والماءُ سببٌلخروج النباتِ مِن الأرضِ، وليسَ من شرطِ الاعترافِ بالقضاءِ أنْ لا يُحمل السلاحُ، وقدْ قالَ اللهُ تعالى: {ٹ  } ، فَقَدَّرَ اللهُ الأمرَ وقدَّرَ سببَه\rوفيهِ من الفوائدِ: حضورُ القلبِ، والافتقارُ إلى اللهِ تعالى، وهُما عامّةُ العبادةِ والمعرفةِ\rقولهُ في الكتابِ: «ثُمَّ يُلْحِفُ بالدعاءِ» أيْ: يلحُّ، واللحاحُ واللحافُ مِنْ أصلٍ واحدٍ وهوَ الشمولُ؛ كأنَّ المُلحفَ يَشملُ سؤالُهُ وجوهَ الطلبِ \rوقولهُ: «ويستقبلُ القبلةَ فيها» أيْ: في أثنائها لا فيها كلَّها\rوقولهُ: «فيقلبُ الأعلى إلى الأسفلِ، واليمينَ إلى اليسارِ، والظاهرَ إلى الباطنِ»: جمعَ بَيْنَ ثلاثةِ أنواعٍ منَ التقليبِ مُقلدًا فيه شيخَه، ولمْ يذكرْ غيرَها، ولا يُمكنُ اجتماعُها كما تَقدمَ ","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"قالَ الرافعيُّ : إلَّا بوضعِ ما كان مُسَندًا على الرأسِ أوْ لفُّهُ عليهِ، وذلكَ غيرُ مأمورٍ بهِ، وليسَ منَ الارتداءِ في شيءٍ، ولا يَجتمع في الارتداءِ إلاَّ اثنان: إمَّا قَلْبُ اليمينِ إلى اليسارِ معَ قلبِ الظاهرِ إلى الباطنِ، أو معَ قلبِ الأعلى إلى الأسفلِ، والتعرضُ لقلبِ الظاهرِ إلى الباطنِ لمْ يذكرْهُ أحدٌ من الأصحابِ، ولمْ يَرِدِ به التنبيهُ\rقالَ الشيخُ أبو عمرٍو : ولفظُهُ لا يُستعملُ في التصانيفِ إلاَّ ليجمعَ بينها في حالةٍ واحدةٍ، وإنْ شاعَ في كلامِ العربِ استعمالُهُ فيما يُتعاقبُ، فلا يُحملُ على مثلهِ ما يوجدُ في مُخاطباتِ الناسِ، لا سيَّما في كتبِ الفقهِ\r\rوكلامُ الإمامِ  صريحٌ فيهِ، وإلاَّ كان يمكن أنْ يقالَ: إنهُ أرادَ حصولَ الأنواعِ الثلاثةِ على الجملةِ، وإنْ كانتْ على التعاقبِ في صورتينِ\r=================\r\rفُروعٌ مَنثُورةٌ\rإذا تركَ الإمامُ الاستسقاءَ لمْ يتركْهُ الناسُ \rوإذا كثرتِ الأمطارُ وتضررَ بها السالكونَ أوِ الزروعُ أُسْتُحبَّ أنْ يسألوا اللهَ تعالى صَرفَهُ عنهم إلى بُطونِ الأوديةِ، فيقولون ما وردَ في الحديثِ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا» \rورُوي: أنهُ عليه الصلاة والسلام كان يقولُ في دعاءِ الاستسقاءِ: «اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ، وَلاَ سُقْيَا عَذَابٍ، وَلاَ مَحْقٍ، وَلاَ  هَدْم، وَلاَ بَلاَءٍ، وَلاَ غَرَقٍ، اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ وَمَنَابِت الشَّجَرِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا» \rولا يُشرعُ لذلكَ صلاةٌ \rوأمَّا قولُ صاحبِ «التنبيهِ»  أنْ يقولَ في دعاءِ الاستسقاءِ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا» فقدْ أنكروهُ عليهِ، وقالوا: إنما يُقالُ هذا عندَ كثرةِ المطرِ وحصولِ الضررِ بهِ ","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"ويُستحبُّ أنْ ينزلَ لأولِ مطرٍ يقعُ في السَنةِ، ويكشفُ عن بدنهِ ما عدَا عورتَه ليصيبَه المطرُ، وأنْ يَغتسلَ في الوادي إذا سالَ، ويتوضأُ \rرُوي: أنهُ عليه الصلاة والسلام حَسَرَ ثوبَهُ حتى أصابَهُ المطرُ، قيلَ لهُ: لِمَ صنعتَ هذا فقال: «إِنَّهُ حَدِيْثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ»  أخرجهُ مسلمٌ ورُوي: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ كانَ يأمرُ عبدهُ أنْ يُخرجَ رحْلَهُ وفِراشَهُ إلى المطرِ، فقيلَ لهُ في ذلك فقالَ: أَوَ ما قرأتَ: {ں    }  فأُحبُّ أنْ يَنالنِي مِن بَرَكتهِ \rورُوي: أنهُ عليهِ الصلاةَ والسلام كانَ إذا سالَ الوادي قالَ لأصحابهِ: «اُخْرُجُوا بِنَا إِلىَ هَذَا الَّذِي سَمَّاهُ اللهُ طَهُورًا؛ فَنَتَطَهَّرُ مِنْهُ وَنَحْمَدُ اللهَ عَلَيْهِ»، أخرجهُ البيهقيُّ  وقالَ: هوَ منقطعٌ ويُستحبُّ أنْ يسبِّحَ للرعدِ والبرقِولا يُتبعُ بصرَهُ البرقَ \rرُوي عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنهُ قالَ: كُنَّا مع عُمَرَ َفي سفرٍ، فأصابنا رعدٌ وبرقٌ وبردٌ، فقالَ لنا كعبٌ : مَن قالَ حينَ يَسمعُ الرعدَ: سُبْحانَ مَن يُسبِّحُ الرعدُ بحمدهِ والملائكةُ مِنْ خِيفتِه عُوفيَ مِن ذلك الرعدِ، فَقُلنَا ذلك فَعُوفينَا \rوروى مالكٌ  في «موطئهِ» عَنْ عبدِ الله بنِ الزبير : أنهُ كانَ يُسبِّحُ بذلك حين سماعهِ الرعدَ\rوعن بعضِ الصحابةِ أنهُ كانَ يقول عندَ سماعِها: سُبحانَ مَنْ سَبحتْ لهُ \rوقالَ البندنيجيُّ: فَيُستحبُّ ذلك \rقالَ الماورديُّ : وكانَ السلفُ يكرهونَ الإشارةَ إلى الرعدِ والبرقِ، ويقولون عند رؤيتهِ: لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحْدَهُ، سُبُّوحٌ قدوسٌ\rفَنَختارُ الاقتداءَ بِهِمْ وروى البندنيجيُّ عنِ الشافعيِّ  أنهُ قالَ: لمْ أَزَلْ أسمعُ عددًا مِن العربِ يَكرُه الإشارةَ إليهِ وإلى الودقِ، ويَشهدُ لهُ ما رَواهُ أبو داودَ مرسلًا: أنهُ عليه الصلاة والسلام نَهى أنْ يُشارَ إلى المطر  ِ","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"قالَ الشافعيُّ رضي الله عنه :\rحُكي عنْ مجاهدٍ  أنهُ قالَ: الرعدُ مَلَكٌ؛ والبرقُ بَياضُ جناحيهِ إذا نَشَرَهُمَا وما أحسنَ ما قال!؛ لأنَّ الله تعالى قالَ: {  } ، وكذا قالهُ عكرمةُ \rورُوي: أنهُ عليه الصلاة والسلام قال: «لَقَّنَ اللهَ السَّحَابَ فَنَطَقَتْ أَحْسَنَ النُّطْقَ وَضَحِكَتْ أَحْسَنَ الضَّحِكِ، فَالرَّعْدُ نُطْقُهَا وَالبَرْقُ ضَحِكُهَا» \rوقيلَ: الرعدُ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بالسحابِ، صوت تسبيحهِ تزجر السحاب وتؤلف بعضه إلى بعض وتسويه إلى الأرضِ التي أمرَ اللهُ تعالى أنْ يمطرَ فيها قالهُ مقاتلٌ  والسُّنةُ أنْ يقولَ عندَ نزولِ المطرِ: «اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا»  رواهُ البخاريُّ، وفي روايةٍ لغيرهِ: «صيبًا نَافِعًا»، ويُروي بتخفيفِ الباءِ، يُقالُ: صابَ السحابُ وأْصابَ إذا أمطرَ، وقالَ بعضُهم: الصُّيْبُ: الغَيْمُ دونَ المطرِ وقالَ الأخفشُ : هوَ المطرُ ويُقالُ: «صابَ الهمرُ» أيْ: وصلَ \rويُستحبُّ أنْ يقولَ بعدَ المطرِ: «مُطرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ»، وأمَّا قولُ «مُطرْنَا بِنوءِ كذا» فإذا اعتقدَ النوءَ هوَ المُمطِرُ: كَفَرَ وصارَ مرتدًا، وإنِ اعتقدَ أنهُ علامةٌ لنزولِ المطرِ عادةً والمرادُ مُطرْنَا وقتَ كذا ونزولُهُ بفضلِ اللهِ: لمْ يكفرْ، لكنْ يُكرهُ نصَّ عليهِ في «الأُمِّ»؛ لأنهُ مِن ألفاظِ الكُفَّارِ ","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"وقدْ (  أ) رُوي في الصحيحينِ  أنهُ صَلَّى الله عليه وسلم صلى الصبحَ في الحديبيةِ في إثر سماءٍ كانتْ مِن الليلِ، فلمَّا انصرفَ أقبلَ على الناسِ فقالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ» قالوا: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ «قالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: (مُطرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ) فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: (مُطرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا) فَذَاكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ» والأنواءُ هي البروجُ، وهيَ ثمانيةٌ وعشرونَ نجمًا، يطلعُ كلَّ ثلاثةَ عَشَرَ يومًا واحدٌ منها ويغيبُ مقابله \rويُستحبُّ الدعاءُ عندَ نزولِ المطرِ، وأنْ يَشكرَ اللهَ تعالى عليهِ\rروى الشافعيُّ في «الأُمِّ»  بإسنادٍ مرسلٍ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ: «اُطْلُبُوا اسْتِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الجُيُوْشِ، وَإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وَنُزُوْلِ الغَيْثِ»، قالَ: وقدْ حفظتُ عن غيرِ واحدٍ طلبَ الإجابةِ عندَ نزولِ الغيثِ وإقامةِ الصلاةِ\rويُكرهُ سَبُّ الريحِ، «لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَسُبَّ الرِّيْحَ؛ فَإِنَّهَا خَلْقٌ مُطِيْعَةٌ، يَجْعَلُهَا اللهُ تَعَالَى رَحْمَةً إِذَا شَاءَ وَنِقْمَةً إِذَا شَاءَ، وَجُنْدٌ مِنْ جُنُودِهِ» \rورُوي: أنهُ عليه الصلاة والسلام قالَ: «الرِّيْحُ مِنْ رُوْح اللهِ» أيْ مِن رحمتهِ «[يِأْتيِ]  بِالرَّحْمَةِ وَيَأْتيِ بِالعَذَابِ، فَلاَ تَسُبُّوهَا، وَاسْأَلُوا اللهَ خَيْرَهَا، وَعُوذُوا بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا»  وقدْ تقدمَ في بابِ الكسوفِ ما يُقالُ عندَ شدَّتها \rقالَ الماورديُّ : وزعمَ بعضُهم أنهُ يُكرهُ أنْ يُقالَ: «اللهمَّ أَمْطرنَا» لأنَّ اللهَ تعالى لمْ يذكرِ الأمطارَ في كتابهِ إلاَّ للعذابِ، كقولهِ تعالى: {ٹ ٹ } ، قالَ: وهذا غيرُ مكروهٍ","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"وعندنَا: قال النواويُّ : وهوَ الصوابُ؛ فقدْ ثبتَ عَنْ أنسٍ في حديثهِ المتقدمِ: «ثُمَّ أمطرتْ» كذا، وهو بالألفِ في «صحيحِ مسلمٍ» وفي ثلاثةِ أبوابٍ مِن «صحيحِ البخاريِّ» في كتابِ الاستسقاءِ\rوأمَّا قولُ المخالفِ أنهُ لمْ يأتِ «أمطرَ» إلاَّ في العذابِ فممنوعٌ، وقد جاءَ «أمطرَ» في المطرِ الذي هو الغيثُ في قولهِ تعالى: {ڑ ڑ ک ک}  وهوَ مِن «أمطرَ»، وأرادُوا الغيثَ، ولذلكَ ردَّ اللهُ تعالى عليهمْ فقالَ: {ک گ گ گ گ}  الآية قال (  أ)","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"كتاب الزكاة\rوالأصل فيها من كتاب الله تعالى قوله: , وقوله: (ں ں) , ومن السنَّة قوله «بُني الإسلام على خمس» الحديث , وقوله: «إذا جارت الولاة قحطت السماء, وإذا مُنعت الزكاة هلكت المواشي , وإذا ظهر الزنا ظهر الفقر , وإذا أُخفر أهل الذمة أُديل الكفار»\rوقوله: «ما خالطت الزكاة مالاً إلا أهلكته» ,وقوله: «مانعُ الزكاة في النار» , إلى غير ذلك\rوالإجماع منعقد على أنَّها من أركان الإسلام\rثم الزكاة هي النماء ,من قولهم زكا الشيء إذا نما ,ومعناه أنَّ من إخراجها يُنمى المال\rقال: «ما نقص مالٌ من صدقة» , وقوله تعالى:\rهذا تمهيد الكتاب , أمَّا تفصيل مجاري النظر فيه , فهو أنَّ الزكاةَ بالإضافة إلى متعلقاتها ستةُ أقسام:\rزكاة النَعم , وزكاة النقدين , وزكاة التجارة, وزكاة المعشَّرات, وزكاة المعادن, وزكاة الفطر\rالقسم الأول: زكاة النعم\rوهي عبارة عن الإبل والبقر والغنم\rفأمَّا المتولد بين الظباء والغنم , فلا زكاة فيه لأنَّه ليس من النعم\rوقال أبو حنيفة: تجب إن كان الأمَّهاتُ من جنس النَعَم\rوالنظر فيه يتعلق بطرفين , أحدهما: الوجوب , والآخر: الأداء\rأمَّا طرف الوجوب فالنظر فيه أركان: السبب الذي يجب به, شرطه ,والواجب, وصفته , ومن تجب عليه\rأمَّا السبب: فهو: المال , أعني النعم\r[فلا بدَّ له من] شرائط , وهي:\r[] أن تكون نصاباً\r[] مملوكاً\r[] منتهيا لكمال التصرف\r[] سائمة\r[] باقيةً حولاً على هذه الصفات\rفهذه خمس شرائط تعتبر في النَعَم\r(وأما صفة الواجب وقدره: فبين بيان مقادير النصاب فنذكره في أثنائه ممتزجاً به)\rوأمَّا من يجب عليه: فلا يشترط عندنا فيه إلا الحرية والإسلام","part":1,"page":1},{"id":202,"text":"الركن الأول من طرف الوجوب من قسم زكاة النعم , في السبب , وهو: المال, والشرط الأول فيه: أن يكون نصاباً\rوالبداية بنصاب الإبل, وأقل النصاب منها خمس , وليس فيما دونها شيء, وفي الخمس شاة , وفي العشر شاتان , وفي الخمس عشرة ثلاث شياه , وفي العشرين أربع شياه , وفي خمس وعشرين بنت المخاض, وهي التي استكملت سنة وطعنت في الثانية , فإن لم يكن في ماله بنت مخاض فابن لبون ذكر , ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون , وهي التي تزيد على التي قبلها بسنة , ثم لا شيء إلى ستٍ وأربعين ففيها حقة , وفي إحدى وستين جذعة , وهذا منتهى الترقي\rفي الأسنان , ثم في ست وسبعين بنتا لبون , وفي إحدى وتسعين حقتان , ثم لا شيء\rفي زيادتها حتى تبلغ مائة وعشرين , فإذا بلغتها وزاد بعيرٌ واحدٌ\rفيجب في هذا المبلغ ثلاث بنات لبون ,ثم يستقرُّ الحساب في الأوقاص والنصب\rعلى عشرٍ من غير تفاوت , ففي كل خمسين حقة , وفي كل أربعين بنت لبون , فإذا بلغ مائتين فقد استجمع حساب الأربعينات والخمسينات , فإنها خمس أربعينات وأربع خمسينات , وسيأتي وجه الترجيح في موضعه\rهذا سياق النصب , وقد اشتملت صحيفة رسول الله على هذا الوجه , وعند هذا يتصدى النظر في ستة مواضع\rالنظر الأول: في إخراج الشاة عن خمس من الإبل\rوفيه ثلاث مسائل:\rإحداها: أنَّ الواجب إمَّا جذعة من الضأن , أو ثنية من المعز , فإنَّها الشاة المعتبرة في الزكاة , ولكن المعتبر في تعيين الضأن أو المعز بماذا\rفيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنَّه يُعتبر بغالب غنم البلد , كما يعتبر زكاة الفطر بغالب قوت البلد , بخلاف الشاة الواجبة في الأربعين من الغنم فإنَّها تُعتبر بالمخرج منه , فإنَّ الشاة ليست من جنس الواجب, ولا هي واجبة في غنمه حتى يعتبر ملكه, وهذا ذكره العراقيون","part":1,"page":2},{"id":203,"text":"ونقل  صاحبُ التقريب  نصاً عن الشافعي  على وفقِه, عن المزني  , وغلط في النقل \r[الوجه الثاني]  وقطع بأنَّه يخير في النقل إتباعاً للاسم , كما في الضحية , وتشبيه هذا بالضحية أولى منه بالفطر  ,لأنَّ مطلق لفظ الشارع لا  يُحمل على العرف عند المحصلين  فيُشَبَّه  هذا بالضحية والرقبة المطلقة في الكفارة والشاة المذكورة في المناسك, والإبل المذكورة في الدية , على تفصيلٍ ظاهر\rوعلى رأي صاحب التقريب  لا يجزئ المعيب بحال كما في الضحية , بل يعتبر الاسم والسلامة عن العيب لغرض المالية كما في الضحية , (بل يعتبر الاسم والسلامة والرقبة) \rوالوجه الثالث: وهو هفوة وغلط , أنَّه يعتبر جنس غنمه إن كان له غنم , فإنَّا على وجه, (فله يُرعى)  جنسُ إبلِ العاقلة في الدية , وهذا لا وجه له \rالمسألة الثانية: لو أخرج ذكر الجذع من الضأن أو  ثني من المعز , فوجهان:\rأحدهما: أنَّه لا تُشترط  الأنوثة كما في الضحية إتباعاً للاسم \rوالثاني: أنَّه يُعتبر , فإنَّه غنم الزكاة , والأنثى فيه  هي الأصل, إلا أن يرد نصٌ بالذكر, ومقصود الضحية اللحم , ومقصود الزكاة ارتفاق المساكين  بمال الزكاة, وذلك يختلف بالذكورة والأنوثة, وهذا الخلاف جارٍ أيضاً في شاة الجبران  كما  سنذكره \rالمسألة الثالثة: لو أخرج بعيراً عن خمسٍ من الإبل أجزأه عندنا خلافاً لمالك رحمه الله  , لأنَّه يجزي عن خمسٍ وعشرين , فبأن يجزي عن الأول أولى , وهذا رآه الشافعي بطريق الأولى , ولأنَّا نعلم أنَّ العدول إلى غير الجنس حذراً  من الإجحاف برب المال , واحترازاً من التشقيص  , فإذا تبرع به وانتفى ضرر  التشقيص , كان منتفياً قطعاً\rثم حكى القفال  نصاً عن الشافعي: أنَّ إجزائه مشروطٌ  بأن لا تنقص قيمته عن قيمة الشاة , إلا أن يكون النقصان بالمرض , والإبل مراض , فإذ ذاك يجزي ","part":1,"page":3},{"id":204,"text":"وهذا أنكره الأصحاب  , وهو بعيدٌ عن مذهب الشافعي , لأنَّه التفات إلى القيمة, وتركٌ لطريق الأولى \r\rثم فيه نظران للأصحاب:\rأحدهما: أنَّ الإبل أصلٌ أم بدل , اختلفوا فيه , والصحيح أنَّه أصلٌ , ولا مدخل للبدل عند الشافعي , وإنَّما تخيلوا هذا من الالتفات إلى القيمة \rالثاني: أنَّ كلَّ البعير يقع  فرضاً , أم الفرض مقدار الخُمس بشرط إخراج البقية , إذ لا خلاف في أنَّ خُمُسَ بعيرٍ لا يجزيه للشقيص\rاختلف الأصحاب في هذا , وشبَّهَه العراقيون بالتضحية ببدنة ممن وجب عليه شاة , وهذا التشبيه  محالٌ  , لأنَّ سبع البدنة يجوز الاقتصار  عليه , وخُمُسَ البعير  ههنا لا يجزي مع التشقيص \rوالصحيح أنَّ الفرض هو الخُمُس \rوفرَّع الأصحاب عليه وجهين: في أنَّ الواحد عن العشر والعشرين هل يجزي\rوقالوا: إنما يجزي على قولنا إنَّ الفرض قدر الخمس , وعلى الوجه الآخر لا بدَّ من بعيرين أو بعيرٍ وشاةٍ\rوالوجه: القطع بالإجزاء أخذاً من طريق الأولى كما تقدم \rالنظر الثاني: في كيفية العدول عن بنت مخاض إلى ابن لبون , وفيه أربع مسائل:\rإحداها : أنَّه لا يؤخذ منه ابن لبون وفي ماله بنت مخاض , فإن لم تكن  في ماله, أُخذ منه ابن لبون وإن أمكن شراءُ بنتِ مخاضٍ , ولو لم يكن في ماله واحدٌ  منهما يخير في الشراء , هذا ما نُقل عن نصِّ الشافعي  \rوقال صاحب التقريب: يتعين شراء بنت مخاض , لأنَّ استواءهما  في الفقد  كاستوائهما في الوجود \rالثانية: لو كان في ماله بنت مخاض معيبة , فهي كالمعدومة , لأنَّها لا تؤخذ  \rولو كانت  كريمةً فوق الواجب , فلا يُطالب  بها , ولكن هل يؤخذ ابن اللبون  , أو يُكلَّف بشراء  بنت مخاض وسط\rفيه وجهان:\rوالذي مال إليه جواب القفَّال أنَّه يُكلَّف , لوجود بنت مخاض , ولأنَّ تركها  رعايةً لجانبه , لا كالمعيبة \rوالثاني: أنَّها  كالمعيبة , فتلحق بالمعدومة ","part":1,"page":4},{"id":205,"text":"الثالثة: الخنثى في بنات اللبون , قال   المحصِّلون: يجزي , لأنَّه إن كان ذكراً فمأخوذٌ , وإن كان  أنثى , فهو خيرٌ من ابن لبون \rومنهم من قال: لا يجزي , لقوله  «فابن لبون ذكر»  , ولأنَّه مشوه  الخلقة, ويُنقص الرغبة\rوالصحيح أنَّ التقييد في الحديث بالذَكَرِ للتأكيد لا لإخراج الخنثى \rالرابعة: لو وجب عليه بنت لبون , فلم يجد , ووُجد في ماله حِقٌ ذكرٌ \rتردد فيه صاحب التقريب , وقطع بالجواز غيره , ووجه تجويزه أنَّه في معنى الأصل  المنصوص , لأنَّه يرجع إلى جبر الأنوثة بالسنِّ \r\rالنظر الثالث: في الاستقرار:\rفإذا زادت واحدة على مائة وعشرين , ففيها ثلاث بنات لبون , وقد استقرَّ الحساب, وفي انبساط الواجب على الواحدة وجهان :\rأحدهما: لا ينبسط , لأنَّه قال  «في كل أربعين بنت لبون»  , ولا ينتظم هذا الحساب مع البسط , ولا يبعد أن يتغير الواجب بما لا يتعلق به الواجب , كالأخوين, يحجبان الأمَّ إلى السدس ولا يستحقان مع الأبِ\rوالثاني: أنَّه ينبسط إذ في بعض الروايات «ففيها ثلاث بنات لبون»  أضاف إلى الكلِّ \rواختلفوا  أيضاً في أنَّه لو زاد بعضُ بعيرٍ  , هل يجب ثلاث بنات لبون\rمنهم من قال: لا اعتبار بسائر الأوقاص والنُصُب \rومنهم من أوجب , وتعلق بظاهر قوله  «فإذا زادت  » ,\rواسم  الزيادة يحصل بالبعض \rوأمَّا أبو حنيفة فإنَّه قال: باستئناف الحساب عند ذلك  , والعود عنده  إلى إيجاب الشاة على تفصيلٍ له مشهورٌ \rوعن  ابن خيران   أنَّه يخير بين مذهب الشافعي وأبي حنيفة في الاستقرار والاستئناف, وهذا يكاد أن يكون خرقاً للإجماع  , فإنَّه اخترع مذهباً ثالثاً لا قائل به ولا (ذاهب إليه)  \rالنظر الرابع: في اجتماع بنات اللبون  والِحقاق:\rإذا ملك الرجل مائتين من الإبل , ففيه أربع خمسينات , أو خمس أربعينات  , وللمسألة ثلاث حالات:","part":1,"page":5},{"id":206,"text":"إحداها: أن لا يوجد في ماله إلا أحدُ السنين , أُخذ الموجود بحسابه ولم يُكلف الشراء  , وإن كان غبطة المساكين في الشراء , كما لا نكلفه شراء بنت المخاض (والمؤتَى ابنُ لبون)  , وإن كان الغبطة فيه \rالحالة الثانية: أن يكونا موجودين , فالمذهب الظاهر أنَّ الواجب إخراج ما هو الأغبط للمساكين , لأنَّهما متساويان في الوجوب , والترجيحُ   لغرض المساكين أولى , بخلاف التردد بين الشاة والدراهم (في الجبران)  , فإنَّ الخيرة إلى المعطِي فيه , وقد دلَّ عليه لفظ الشارع \rوخرَّج ابن سريج  قولاً إنَّه يخير المالك المعطي كما في الجبران , لأنَّ كل واحد منهما أصلٌ لحكم الحساب , ولا ترجيح , فالنظر  إلى المعطي \rوهذا متجه في القياس  , ولكنَّه مخالف لنصِّ الشافعي \rوحكى صاحبُ التقريب , والعراقيون , قولاً غريباً عن الشافعي أنَّه قال: الواجب هو الحِقاق \rفقال صاحب التقريب: هو مؤول , والمراد  إذا لم يوجد إلا الحِقاقُ في ماله \rومن العراقيين من أجرى هذا (قولاً)  ووجَّهه , بأنَّ تشوف  الشرع إلى الترقي في السنِّ  أشدُّ من تشوفه  إلى التكثير بالعدد , كما عُرف في ترتيب الواجبات , فإنَّه لم يعدِّد إلا عند انتهاء السنِّ , فحصل الترجيح  به \rوهذا بعيدٌ متروكٌ\rالتفريع :\rإذا قلنا بالنصِّ  وهو إخراج الأغبط , فلو أخذ الساعي غير الأغبط عمداً, لم يتأدَّ الواجب به \rولو أخذ سهواً ثمَّ تبين ففي وقوعه موقعه , وجهان :\rأحدهما: أنَّه يقع الموقع , لأنَّه أصل (في)  الوجوب وقد اتصل بالاجتهاد \rوالثاني: لا يقع موقعه , كما لو أُخذ  عمداً\rوذكر العراقيون وجهاً ثالثاً: وقالوا: إن كان باقياً ردَّه وأخذ الأصلح , وإن فرَّقه على المساكين حُكم بوقوعه موقعه , لأنَّ التتبع عسير \rالتفريع:\rإن قلنا يقع الموقع فهل يجب على المالك جبر التفاوت","part":1,"page":6},{"id":207,"text":"وجهان مشهوران  ,فإن قلنا يجب فهل تؤخذ منه الدراهم أم يلزمه شراء شقص وجهان:\rأحدهما: لا , لعسير التشقيص \rوالثاني: يجب , حذاراً من الأبدال \rفإن قلنا: تؤخذ الدراهم , فالظاهر أنَّه لا يُمنع من شراء الشقص\rوإن قلنا: يلزمه الشقص , فلا تؤخذ الدراهم (ويلزمه شراء الشقص) \rوهل يلزمه شراء الشقص من جنس المأخوذ لاتحاد الجنس  , أو من جنس المتروك للتشوف إلى جنس الغبطة\rفيه وجهان \rوقيل: إنَّه يخير بين الجنسين \rفرعٌ:\rلو ألزمناه الشقص فلم يجد بذلك القدر شقصاً , أخذنا الدراهم , إذ لا يؤخر حق المساكين , ولا نكلفه مالا يستطيع , ولو كنا ننتظر وجود الشقص , تردد صاحب التقريب في التأخير , وقطع بأنَّ من ملك خمساً من الإبل ولزمه شاة  , ولم يجد جنس الشاة , أنَّا نأخذ القيمة , لأنَّ الشاة غير  جنس المال , فكان العدول فيه أهون , لأنَّه كالبدل عن الإبل  \rالحالة الثالثة : أن يكون   الجنسان مفقودين في  ماله , ففيه وجهان:\rأحدهما: لزوم شراء الأصلح , كما إذا استويا في الوجود\rوالثاني: التخيير , لأنَّ ما يقدم على شرائه يصير مخصوصاً بالوجود\rفليؤخذ  \rولو كان في ماله أربع بنات لبون فهو  كالمعدوم , لأنَّها ناقصة  , والمعيب أيضاً كالمعدوم  , وقد سبق نظره \rفروعٌ ثلاثة:\rأحدها: أنَّه لو جعل بنات اللبون أصلاً ونزل إلى بنات المخاض وأعطى الجبران, أو اتخذ الحقاق أصلاً ورقَّى إلى الجذاع وأخذ الجبران , جاز \rفأمَّا إذا جعل الحقاق الأربع أصلاً ونزل  إلى بنات المخاض وضمَّ ثمانية جبرانات, أو اتخذَّ بنات اللبون أصلاً ورقَّى إلى الجذاع وطلب عشر جبرانات , لا يجوز , لأنَّه تخطى في الصورتين شيئاً واجباً هو  أصلٌ في نفسه \rالثاني: لو كان في ماله حقة وأربع بنات لبون , فجعل بنات اللبون أصلاً وأخذ جبراناً للحقة, جاز ","part":1,"page":7},{"id":208,"text":"ولو جعل الحقة أصلاً وأخرج معها ثلاث بنات لبون وثلاث جبرانات , فالمذهب جوازه  , ومنهم من منع لأنَّه يُبقِي بنتَ لبونٍ في ماله وهو أصلٌ واجبٌ , فحوجَ نفسَه إلى جبرانٍ هو  مستغنٍ عنه , وذلك لا جواز له  , وهذا مزيَّف \rالثالث: لو أخرج حقتين وبنتي لبون ونصف  , لم يجز التشقيص \rولو ملك أربعمائة من الإبل , فأخرج أربع حقاق وخمس بنات لبون , فوجهان:\rأحدهما: المنع , للتفريق \rوالثاني: الجواز , إذ كل مائتين أصلٌ بنفسه \rوهذا الخلاف جارٍ في اجتماع الجنسين في جميع الأعداد\r\rالنظر الخامس في الجبران :\rوجبران كل مرتبةٍ في السنِّ , عند فقد السنِّ الواجب , بشاتين أو\rعشرين درهماً , منصوصٌ عليه  , ومتفقٌ على اختصاصه\rبالإبل \rفمن وجب عليه بنت لبون ففقدها , فإن نزل إلى بنت مخاض ضمَّ  إليها شاتين أو عشرين درهما , فإن كان الشاة ذكراً جاز على ظاهر المذهب  , ولو رقَّى إلى حقة أخذ الجبران , فإن رقَّى إلى الجذعة أخذ جبرانين \rولو رقَّى إلى حقٍ أو جذعٍ فلا جبران  , وفي  جواز الأخذ إلحاقاً له بإقامة ابن اللبون  مقام بنت المخاض  ما تقدم  , والظاهر جوازه \r\rوفي الجبران خمس  مسائل:\rأحدها : أنَّه لو كان عليه بنت لبون فلم يجد , وفي ماله حقةٌ وجذعةٌ  فرقى إلى الجذعة وطلب جبرانين , ففيه وجهان:\rأحدهما: المنع , لأنَّه تخطى السنَّ القريب مع الوجود \rوالثاني: الجواز , لأنَّ ذلك القريب ليس واجبَ مالِه فلا أثر لوجوده \rولا خلاف في أنَّه لو اكتفى بجبرانٍ واحدٍ قُبل , لأنَّ ما يؤخذ من الأكثر فأولى بأن يؤخذ من الأقل \rفكذلك  الخلاف في النزول من الحقة إلى بنت مخاض  مع وجود بنت اللبون\rالتفريع: إن منعنا ذلك , فلو فقد بنت اللبون ووجد جذعة وابنة مخاض  , ففي إخراج الجذعة وجهان:\rأحدهما: الجواز , لأنَّ الأقرب ليس على طريق العدول في الترقي ","part":1,"page":8},{"id":209,"text":"المسألة الثانية: لو وجبت  جذعة فعدمها وأخرج  ثنيّة  , جاز \rوهل له طلب الجبران , وجهان:\rأحدهما: الجواز , لأنَّه سنٌ كسائر الأسنان \rوالثاني: المنع , لأنَّه ليس من أسنان الصدقة فوجوده كعدمه\rولا خلاف في أنَّه لو نزل من بنت مخاض إلى فصيلٍ  ودفع جبراناً لم يجز , والفرق ظاهر \rالمسألة الثالثة: لا يجوز تفريق الجبران الواحد بإخراج شاة وعشرة دراهم, كما لا يجوز الجمع بين الكسوة والطعام في كفارة واحدة , ولو رقى سنين أو نزل وجمع بين عشرين درهماً وشاتين , جاز , كما في كفارتي يمينين \rالمسألة الرابعة: ظاهر المذهب أنَّ الخيرة إلى المعطي في الشاة والدراهم , لأنَّه  قال: ((جعل معه شاتين أو عشرين درهماً))  , والمراد هو النقرهُ  الخالصة  , وهذه اللفظة تُبنى على الخيرة , ولا يتعين ما فيه غبطة المساكين على المالك , ويتعين على الساعي إذا كان هو المعطي \rومن أصحابنا من قال: في المسئلة قولان :\rأحدهما: ما ذكرناه وهو منقولٌ للمزني  \rوالثاني: ذكره في الإملاء  , وهو أنَّ الخيرة إلى الساعي  , ويتأيد ذلك بما ذكرناه في اجتماع الحِقاق وبنات اللبون\rوالذي قطع به الصيدلاني  وجمهور الأئمة أنَّ المذهب ما سبق , وقول الإملاء محمولٌ على ما إذا كان الساعي هو المعطي , لأنَّ الجبران أثبت ترفيهاً للمالك كيلا  يحتاج إلى الشراء فلا يليق به إلا الخيرة , ولو اختلف المالك والساعي في الترقي والانحطاط للأخذ والإعطاء , فهو كما سبق في النزاع في تعين الشاة والنِقرةِ , وهذا الخلاف فيه إذا كانت  الغبطة في خلاف ما يبغيه المالك , فلو كان فيه الغبطة , لم يكترث بخلاف الساعي  , وإن  استوت الغبطة , تعين القطع باتباع رأي المالك","part":1,"page":9},{"id":210,"text":"المسألة الخامسة: إذا كانت إبله كلها معيبةً , أخذ منها المعيب , فلو وجب بنت لبون  , فأخرج بنت مخاض معيبة وضمَّ إليها جبراناً قُبل , ولو رقى إلى حقة معيبة وطلب جبراناً , قال الأصحاب: لا يُجاب إليه , إذ ربما تزيد قيمة الجبران على الإبل المأخوذ \rوالوجه أن يُقال: إن رددنا الخيرة إلى الساعي , فلينظر الساعي  في المصلحة , وإن كانت الخيرة إلى المالك فلتُستثنى هذه الصورة عن اختياره\r\rالنظر السادس: في سلامة الواجب , وصحته , وأنوثته , وسنِّه , وكبره , وصفته\rأمَّا السلامة من العيوب فمعتبرة , والعيب الممنوع كل ما ثبت الرد بالعيب  , ومنهم  من اعتبر مع ذلك السلامة من العيب المانع في الضحايا , وهو بعيدٌ , والأصل  أنَّه إذا كان جنس ماله صحاحاً , أو كان فيه صحاح ولو واحد , لم يجز إخراج المريض , بل يجب إخراج الصحيح  , فلو كان الصحيح  والواجب شاتان , فأخرج ذلك الصحيح مع مريض , الظاهر أنَّه يجزيه \rومنهم من قال: لا لأنَّ المخرج يزكي المخرج والمخرج منه \rوكل شاة تزكي نفسها وما أخرج معها , وهذا بعيدٌ  , فإنَّه إذا لم\rيستبق  صحيحاً , لم يغادر احتياطاً\rفأمَّا إذا كان في ماله صحيحةً كريمةً , لا نكلف  إخراجها  , بل نكلف شراء صحيحة  تقارب قيمتها ربع عشر ماله \rولو أخرج معيبة فبلغ قيمتها هذا القدر , لم يُقبل , وكان للشرع تعبدٌ في المنع من قبول المعيب , ولعل السبب أنَّ الساعي ربما يستبقي المال للمساكين , والمريض مشرفٌ على الهلاك أو صايرٌ إليه , هذا إذا كان في ماله صحيحٌ\rفأمَّا إذا كانت كلها مراضاً , أجزأه مريضة من جنسها \rولو انقسمت إلى الردية والأردى , فلا نطالبه بالأجود , ولا نأخذ الأردى, ولكن نأخذ الوسط بين الدرجتين  , وقد قال الشافعي: لو كانت ماشيته معيبةً لزمه أن يخرج خير المعيب ","part":1,"page":10},{"id":211,"text":"واتفق الأصحاب على مخالفة الظاهر وحمل الخير على الوسط الذي ذكرناه  , مع أنَّ للنصِّ وجهاً  من حيث أنَّ الصحيح الواحد من الجملة , أوجب إخراج الصحيح فالأسلم من العيب  ,كالصحيح بالإضافة إلى الأحسن , ولكن اتفق الأصحاب على ما ذكرناه , وكأنَّهم رأوا في طلب الصحيح تعبداً  , وهاهنا ردوا النظر إلى الإنصاف\rومنهم من حمل النصَّ على صورة تردد فيها العراقيون , وهو إذا ملك خمساً وعشرين مراضاً , وفيها بنتا مخاض , إحداهما  أجود:\rمنهم من قال:\rيلزمه الأجود  من بنتي مخاض لأنَّه وافق سنَّ الواجب\rومنهم من طرد القياس ولم يلزمه ذلك \rوقد اتفقوا على أنَّه لو ملك خمساً من الإبل المراض , فأخرج شاةً مريضةً , لم يجز \rوكذلك في الجبران , وإن جرى في أسنان المراض , لأنَّ النقصان في الدراهم لا يتصور , وكذلك فيما توافقه \rأما الذكورة: فالتبيع وابن اللبون , مأخوذة نصاً وإجماعاً   , وفي ما عداهما إن كان في المال إناث لم يؤخذ الذكور , بل لا بدَّ من جذعة من الضأن وثنية من المعز في الغنم, وفي الإبل كما سبق \rوإن كان كله ذكوراً فثلاثة أوجه :\rأحدها: أنَّه يؤخذ   كما أخذ المعيب من المعيب\rوليس في النصِّ تعرضٌ للعيب\rوالثاني: لا , لأنَّ الأنوثة منصوصٌ عليها , وليس في النصِّ تعرضٌ للعيب, فحمل المطلق على جنس المال\rوالثالث: أنَّه حيث يؤدي إلى التسوية بين سنين لا يؤخذ , وإذا لم يؤدِّ إليه كما الغنم أو الإبل إذا كثر جاز أخذها\rأمَّا السن: فإذا كان جميع نعمه سخالاً  وعجاجيل  وفصلان  , فإن كان فيها كبير فلا يجزي إلا الكبيرة","part":1,"page":11},{"id":212,"text":"وإن لم تكن فثلاثة أوجه كما في الذكورة , ويفرق في الثالث بين ما يؤدي أخذ  الصغير فيه إلى التسوية بين القليل والكثير , وبين ما لا يؤدِّي , وهذا الوجه هاهنا أوقع لأنَّ فيه التسوية المحققة  , وفي أخذ الذكور يتجه الفرق من وجه آخر , وهو أنَّا لا نأخذ ابن اللبون مثلاً من خمس وعشرين ما وجدنا بنت مخاض \rالتفريع: إن قلنا لا بدَّ من كبيرة يشتريها , فنتشوف إلى تقريب قيمة الجذعة المشتراة من الشاة مثلاً من قيمة السخلة ما أمكن , فنقتصر على أقل القيم بعد حصول السلامة من العيوب , لئلا نجحف برب المال , وإن قلنا نأخذ الصغيرة, ففي الإبل ينبغي أن نأخذ من الإبل الكبير أكبر الفصلان , ولا نأخذ من خمس وعشرين الأكبر , ليظهر الفرق بين الأسنان ما أمكن , فإن لم يتيسر , فلا سبيل إلى التسوية\rوالذي يدلُّ على أنَّ الصغيرة لا تؤخذ إذا كان في المال كبيرة واحدة  , ما روي أنَّ مصدِّق عمر رضي الله عنه  قال لعمر رضي الله عنه : «إنَّ هؤلاء يقولون إنَّكم تعدون علينا السخال ولا تأخذونها, فقال عمر رضي الله عنه : اعتدَّ عليهم بالسخلة يروح بها الراعي على يديه , ولا تأخذها , ولا تأخذ الأكولة  , ولا الربى  , ولا الماخض  , ولا فحل الغنم» \rوالماخض تجزي خلافاً لداود , فإنَّه جعلها معيبة , وهو فاسدٌ , لأنه عيب في الآدمي لا في البهائم , والكريمة   مجزية \rوقال صاحب التقريب: لا تجزي , لأنَّه نهى عنه الرسول  \rوهو فاسد , لأنه  ذكر ذلك ترفيهاً للمالك , والرُبّي مجزية , وهي التي تربي ولدها , ومنهم من منع , لأنَّ الهزال عيبٌ , والغالب عليها الهزال ,وهذا فاسدٌ فإنَّ هذا القدر من الهزال لا يُعدُّ عيباً\rولو كانت ماشيته كلها ماخضة  , فلا يُطلب منه ماخض\rقال صاحب التقريب: هذا معفوٌ عنه , لأنَّه في حكم حيوانين , والواجب حيوانٌ واحدٌ وهذا لطيفٌ حسنٌ ","part":1,"page":12},{"id":213,"text":"فأمَّا نوعه وصفته: فإذا انقسمت غنمه إلى الضان والمعز, وإبله إلى الأرحبية والمهرية  فقولان:\rأحدهما: الأخذ بالأغلب لأنَّ الاتباع عسير , وعلى هذا فإن استويا , فهو كاجتماع الحقاق  وبنات اللبون \rوالثاني: أنَّه يأخذ  من كلٍ بقسطه، لا بمعنى التبعيض، و  لكن بتقدير القيمة\rمثاله: أن يملك عشراً أرحبية ، وعشراً مجيدية ، وخمساً مهرية  فإنا نأخذ قيمة خُمُسَي ابنة  مخاض أرحبية، وخُمُسَي مجيدية، وخمس مهرية، ونشتري بها صنفاً من الأصناف \rفرع: لو ملك أربعين من الضأن فهي  أشرف من المعز، فيؤخذ  منه الجذعةمن الضأن ، فلو كانت الضأن وسطاً فأخرج ثنية من المعز الشريف، وكانت تساوي  جذعة من الضأن التي يملكها  فهذا محتمل، والظاهر إجزاؤه  لا كالمعيبة الرفيعة القيمة إذا أخرجت من الصحاح , لأنَّ المعز قد يؤخذ إذا كان بعض غنمه ضأنية، والمعيب لا يؤخذ ، وبعض الغنم صحاح بحال\rهذا بيان نصب الإبل وما اعترض من النظر فيه\rفأما  القول في زكاة البقر:\rفلا شيء فيها حتى تبلغ ثلاثين  ثم فيها تبيع أو تبيعة، وهو الذي استكمل سنة وطعن في الثانية\rوقد ورد في الأخبار الجذع مكان التبيع\rوالجذع من البقر كالجذع من الضأن، كالجذع  من الإبل\rوقيل: التبيع هو العجل  الذي تبع أمه\rوقيل: هو الذي بدا قرنه  وصار يتبع أذنه \rوهذا ذكره العراقيون، أعني المعنيين\rقال الإمام  وعندي أن ذلك تصرف في معنى اللفظ من حيث اللغة، وحظ الفقه ما ذكرناه من استكمال السنة ، وما عداه لا ضبط له\rوقد ذهب بعض السلف , إلى أنَّ في كل خمس من البقر شاة إلى أن تبلغ ثلاثين، وهو مذهب مهجور \rثم لا شيء في زيادة الثلاثين إلى أن تبلغ أربعين ، ففيها مُسنِّة \rولا يؤخذ بدلها مسنٌّ ذكر ، لأنَّ التبيع بدلٌ التبيعة منصوصٌ عليه\rويؤخذ الْمُسنُّ من الثلاثين، فإنَّه خيرٌ من التبيع ","part":1,"page":13},{"id":214,"text":"ثمَّ لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستين , ففيها تبيعان\rثم استقر الحساب والأوقاص  عشرٌ عشر\rوفي  كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مُسنِّة\rوإذا  اجتمع فهو كاجتماع الحقاق وبنات اللبون، وقد سبق \rولا مدخل للجبران  في زكاة البقر بحال \rأما القول في نصب الغنم: \rشاة في كل  أربعين من الغنم شاة\rثم لا شيء حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين , ففيها شاتان\rثم لا شيء حتى تبلغ مائتين  وواحدة , ففيها ثلاث شياه\rثم لا شيء حتى تبلغ أربعمائة , ففيها أربع شياه \rثم استقر الحساب , ففي كل مائة واحدة\rثم الشياه الواجبة , هي الجذعة من الضأن , والثنية من المعز\rوقال مالك : تؤخذ الجذعة منهما \rوقال أبو حنيفة : يُطالب بالثنية منهما، ولا تؤخذ الجذعة\rومعتمدنا ما روى سُوَيد  بن غَفَلة  أنه قال: سمعت مصدق رسول الله الله عليه وسلم  يقول: «أُمرنا بالجذعة من الضأن والثنية من المعز» \rثم صحيح المذهب أنَّ الجذعة هي التي استكملت سنة وطعنت  في الثانية  وحكى العراقيون أن التي استكملت ستة أشهر جذعة، وقد زيفوا هذا النقل \rوحكى الفوراني  أن الجذعة ما بين الثمانية الأشهر  إلى العشرة، وليس يعرف له أصل \rوقد قيل: الجذعة من الضأن تحمل، ومن المعز لا تحمل إلا الثنية \rوأما الثنية فهي  التي  استكملت سنتين ولا تردد فيه\rهذا هو القول في نصب الغنم\r\rولا شيء فيما دون النصب إلا في صورة الخلطة، وذلك أيضاً إيجاب في النصاب الكامل، ولكن أثر الخلطة في تنزيل الملكين منزلة  الواحد نظراً إلى اتحاد المال، و  لا إلى تعدد المالك كما سنفصل صورة الخلطة\rوهذا باب صدقة الخلطة  وبيان أحكام الخلطة  وفيه أربعة فصول:\rالفصل الأول: في شرائط الخلطة\rوتمهيد الباب:","part":1,"page":14},{"id":215,"text":"أنَّ الاختلاط تنزيل  الملكين منزلة الملك الواحد في وجوب الزكاة وقدرها وأخذها ، ثم قد يفيد ذلك تقليلاً وقد يفيد تكثيراً، فمن ملك عشرين من الغنم إذا خلطها  بعشرين لغيره سنة واحدة لزمته  نصف شاة، ولو خلط أربعين بأربعين لزمته  أيضاً نصف شاة \rوأنكر أبو حنيفة أثر الخلطة \rوأثبته  مالك في قدر النصاب ، ولم يجعل للخلطة أثراً في عشرين وما دون الأربعين، وزعم أنه  خالط من لا زكاة عليه دون الخلطة، فلا تجب بالخلطة، كما لو خالط ذمياً أو مكاتباً\rوهو  فاسد، إذ أثرُ الخلطة تنزيل الملكين منزلة الملك الواحد، ولا تأثير له في إزالة الكفر والرق\rومعتمد المذهب ما روى أنس  وابن عمر  وعمرو بن حزم  عن النبي  «أنَّه لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة»، وزاد ابن عمر  في روايته «وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» \rوروى سعد بن أبي وقاص من طريق السائب ين يزيد: «والخليطان ما اجتمعا على الرعي والفحولة والحوض» \rونشأ من هذا نظر في شرائط  الخلطة:\rفكل ما يتعلق بنفس النعم وصورته متفق  عليه:\rوهو الاشتراك في المسرح، والمراح، والمرعى، والمشرع ، فلو  أفرد أحد الملكين بشيء من ذلك لكان ذلك تفريقاً في الجنس \rواختلفوا في الراعي والفحل والمحلب \rفمنهم من منع أن يفرد أحد  الملكين بشيء من ذلك ليجري مجرى المال الواحد في الصورة\rومنهم من حمل  ذلك لرجوع ذلك إلى تصرفات خارجة عن صفات المواشي في الاجتماع والافتراق  \rومن شَرَط الاشتراك في المحلب لا يشترط خلط اللبن، بل يكتفي بأن يكون المحالب  بينهم فوضى من غير تخصيص\rومنهم من شرط خلط الألبان ثم كلف التسامح بما يتفق من زيادة كما في المناهدة  في الطعام، وهذا بعيد \rويشترط أيضاً عند الشافعي أن يكون كل واحد من الخليطين من أهل التزام الزكاة احترازاً عن الذمي والمكاتب ","part":1,"page":15},{"id":216,"text":"واختلفوا في أن القصد , هل يرعى في الخلطة  وأنه لو حصل الافتراق وفاقاً لا عن قصد هل يقطع الخلطة \rومثل ذلك مذكور في العلف والإسامة \rودوام الخلطة شرط  في جميع السنة على شرائطها، وتكلف مراعاة الشرط في خلطه الجوار\rأما خلطة الشيوع  فتتحدّ  المرافق فيها ضرورة\rوقد اختلف قول الشافعي في أنَّ نوعي الخلطة هل يجزيء في الثمار والزروع فقال في قول: يجزيء , لأنه يستفاد منه خفة المؤونة واتحاد المرافق , وخلطة الجوار فيه بتجاور البساتين واتحاد ناطورهما وبئرهما  الذي يسقى منها \rويحتمل أن يشترط اشتمال حائط عليهما  أو (في)  تجاورهما  من غير حائط فاصل\rوالثاني: أنَّه لا يثبت  , لأنه لو ثبت لم يفد نقصاناً للملاك قط، بخلاف خلطة المواشي فإنها تفيد مرة نقصاناً وأخرى زيادة، فلم يكن هذا في معناه\rوالثالث: أنَّه  ثبت  خلطة الشيوع لا خلطة الجوار إذ لا تتخذ  المرافق بالتجاور وفي فرض الجوار المفيد فيه عسر \rوأما الدراهم والدنانير , فالمذهب أنَّ خلطة الجوار لا جريان لها فيها\rوفي خلطة الشيوع , قولان\rومن الأصحاب من أبعد وطرد قولا في الجوار , وصورته اتحاد الحانوت والحارس\rوهو ضعيف، إذ ليس لهذا الاتحاد كبير أثر في الارتفاق \rالفصل الثاني في التراجع\rإن كانت الأموال شائعة لم يفتقر إلى التراجع ، وإن كانت متجاورة مختلطة فللساعي أن يأخذ الواجب من عرض المال كيفما اتفق \rفإن كان لكل واحد أربعين  مثلاً أخذ شاة , ثم يرجع المأخوذ منه على شريكه بقيمة نصف شاة  , لأنها ليست من ذوات الأمثال\rوهو كما لو قال لغيره: أدِّ زكاتي من خاص مالك، فأدَّى شاة من جهته , يغرم له القيمة دون المثل ، بخلاف ما إذا أتلف المالك مال الزكاة بعد الوجوب وقبل الأداء فإنه يلزمه مثل الواجب وهو الشاة لأنها واجبة في ذمته، فهي المستمرة  إلى أن تتقضى عنها  بالأداء ","part":1,"page":16},{"id":217,"text":"ولو خلط أربعين من البقر بثلاثين  لغيره ففي المال تبيع ومسنة، فإن أخذ الساعي كلاهما من صاحب الأربعين  رجع على الآخر  بثلاثة  أسباعهما على شريكه، ورجع باذل التبيع بأربعة أسباعه على شريكه  ,لأنَّا نقدر المالين كالمال الواحد، فالواجب واحد  في الكل على الشيوع \rولو ملك مائتين   من الغنم مخلط  بمائتين , وأخذ الساعي من ملك كل واحد منهما شاتين مما  وقع جرى  شائعاً، ولكن لا فائدة في التراجع مع التساوي ، فيخرُج على قضية التقاص \rولو أخذ من أحدهما أكولتين , فلا يرجع بالزيادة لأنه مظلوم بالزيادة أو متبرع، فلا وجه للرجوع، وحكى الفوراني عن أبي إسحاق المروزي , أنَّ الساعي لو تمكن من أن يأخذ  شاتين من ملك أحدهما وشاة  من ملك الآخر , لم يجز له أخذ الشاة من ملك واحد  , ليحوج إلى التراجع  إذا أخذ المسنة من صاحب الأربعين , والتبيع من صاحب الثلاثين , والأوجه المصير إليه، ولو قال به قائل لم يعد من المذهب \rالفصل الثالث: في تفريق المالين في الحول والزمان:\rفنقول إن انعقد الحول على المالين مع الاختلاط فقد نزلا منزلة المالك الواحد كما سبق، فإن  تقدم انعقاد الحول على الاختلاط , فللمسألة ثلاثة أحوال :\rإحداها: أن ينعقد  عليهما مع الاتفاق في الزمان\rوالآخر: أن يختلف الزمان\rوالآخر: أن  ينعقد على أحدهما\rفإن انعقد عليهما قبل الاختلاط مع اتفاق  الزمان\rمثل أن يملك أربعين غرة المحرم ويملك آخر  أيضاً أربعين غرة المحرم، ثم يختلطان  غرة صفر , فإذا تم الحول عليهما ففي المسألة قولان:\rالجديد المنصوص: أن الواجب في الحول الأول زكاة الانفراد فعلى كل واحد شاة تغليباً للانفراد عند فرض الاجتماع في السنة\rوالقول القديم: حكاه العراقيون وهو أن  النظر إلى آخر الحول فيجب عليهما شاة واحدة ","part":1,"page":17},{"id":218,"text":"فأما إذا اختلف الحولان , فملك أحدهما غرة المحرم   والآخر غرة صفر، وجرت الخلطة  غرة ربيع الأول، ففيه القولان المذكوران\rففي  الجديد يجب زكاة الانفراد في السنة الأولى إذا تمت على كل واحد، وفي السنة الثانية زكاة الخلطة  في الأولى والثانية\rوخرَّج ابن سُرَيج في اختلاف الحولين قولاً ثالثاً , وهو أن الواجب أبداً زكاة الانفراد، ولا يثبت حكم الخلطة مع اختلاف الحولين أبداً\rوهذا غير مرضي عند الأئمة \rوابن سُرَيج يطرد مذهبه في المالك الواحد إذا اشترى أربعين ثم اشترى أربعين، ويوجب عند مضي كل سنة شاة في كل أربعين وينزله منزلة ملك مالكين وهو فيه أبعد \rالحالة الثانية: أن يتقدم انعقاد الحول في أحد المالين على الخلطة، وله صورتان:\rإحداهما: أن يملك أحدهما أربعين  ويملك الآخر عشرين بعد شهر ويخلط بها \rفعلى الجديد: يجب على الأول شاة عند كمال سنته، وعلى الشريك ثلث شاة، فإنه كان مختلطاً في جميع سنته\rوعلى القديم: يجب على الأول ثلث  شاة وعلى الثاني ثلث شاة بحساب الخلطة فيهما جميعاً\rوعلى التخريج: على الأول شاة، ولا يجب على الثاني شيء أصلاً , لأنه في نفسه ناقص وضمه إلى ما سبق له الحول غير ممكن \rولو اشترى عشرين ثم اشترى بعده عشرين إما هو أو غيره، وجرت  الخلطة انعقد الحول على كل مذهب، فإنه لم يسبق حول، وإنما ابتدأ الحول مع الخلط\rالصورة الثانية : أن يملك أربعين ويملك الآخر بعد شهر أربعين، وكما ملك خلط\rفعلى القديم: على كل واحد عند كمال سنته نصف شاة، نظراً إلى آخر الحول\rوعلى الجديد: على   الأول شاة، وعلى الثاني نصف شاة، فإنه كان خليطاً في جميع سنته\rوذكر بعض أصحابنا أن عليه شاة، لأن خليطه لم ينتفع بخلطته , فهو أيضاً لا ينتفع بخلطته ، لأن مبنى أمر الخليطين على المساهمة، وهذا في التفريع على الجديد تخييل لا حاصل له، ولا يخفى تفريع تخريج ابن سُرَيج","part":1,"page":18},{"id":219,"text":"المسألة بحالها لو ملك بعد ما صورناه أربعين من الغنم بعد ذلك بشهر فجرى ابتداء ملك الأربعينات في أوائل الأربعينات  في أوائل ثلاثة أشهر\rفعلى القديم: يجب عند كمال كل سنة على كل أربعين ثلث شاة  بحساب الخلطة نظراً إلى آخر الحول\rوعلى الجديد: يجب على الأول شاة، وعلى اللاحقين  الثلث بحساب الخلطة, إلا على وجه اعتبار رفق الخلطة فإنه يجب في التفريع عليه شاة\rوعلى تخريج ابن سُرَيج: يجب شاة واحدة في كل أربعين عند كمال حولها\r\rالفصل الرابع: في اجتماع المختلط والمنفرد في ملك واحد:\rوبيانه أنه لو خلط عشرين بعشرين لغيره، وهو يملك أربعين ببلدة أخرى\rانفرد  بها فقد اجتمع في حقه الخلطة  والانفراد، فللشافعي قولان:\rأحدهما: أنَّ الخلطة خلطة ملك , على معنى أن ارتباط الملك لا يتقاعد عن ارتباط المجاورة فكأنه خلط العشرين بجميع ملكه \rوالثاني: أنَّ الخلطة خلطة عين على معنى أن حكم الخلطة لا يتعدى إلى غير المخلوط، فينظر إلى القدر المخلوط ولا يضم  إليه المنفرد من جميع الوجوه \rوبيان القولين بالتفريع والتصوير:\rأما صاحب العشرين فعليه نصف شاة على قولنا أنه خلط عين، ولا يضم  إلى ملكه ما انفرد به شريكه  ، وعلى القول الآخر عليه ربع شاة، وكأنه يخلط ستين، فأما صاحب   الستين فقد اجتمع في حقه الانفراد  فكأنه منفرد بالستين فعليه شاة، والثاني تغليب الخلطة لأن الخلطة محققة  في البعض والباقي مضموم إليه في الملك وهو أقوى من الجوار فعليه ثلاثة أرباع شاة في جميع الستين\rفإن قلنا يجمع بين اعتبار الخلط والانفراد جميعاً , في كيفيته وجهان\rأحدهما: أنَّا نوجب في عشرين  كل بحسابه , فنقدر في الأربعين كأنه منفرد بجميع الستين فنخص الأربعين ثلثا شاة، ونقدر في العشرين كأنه مخالط بالجميع  فنخص العشرة  ربع شاة، والمجموع خمسة أسداس ونصف سدس شاة، فهو كمال الواجب عليه","part":1,"page":19},{"id":220,"text":"والثاني: أن هذا الحساب في طرف الأربعين سديد، وأما في طرف العشرين فنوجب نصف شاة كما أوجبناها  على شريكه تسوية بينهما في محل الخلطة، فالمبلغ شاة وسدس شاة \rفمجموع الخلاف في حق صاحب الستين أربعة أوجه، وأبعد بعض الأصحاب بذكر وجه خامس وهو إيجاب شاة  في الأربعين، كأنه لم\rيملك غيرها ، ونصف شاة في العشرين كأنه لم يملك غيرها وهذا غير معتد به وتتهذب هذه الاختلافات بصور، أما الوجه الأخير فلا نعود إليه:\rالصورة الأولى: لو خلط عشرين بعشرين لغيره ولكل واحد منهما أربعون أخرى\rففي وجه:  يجب شاة على كل واحد، وهو تفريع على تغليب حكم الانفراد\rوالثاني: أنه يجب على كل واحد نصف شاة، وهو تفريع على تغليب الخلطة المجردة، أو قول بخلطة الملك\rوالثالث: أنه يجب على كل واحد خمسة أسداس ونصف  سدس شاة، وهو جمع بين القضيتين في الطرفين\rوالرابع: أنه يجب على كل واحد شاة وسدس شاة، وهذه الصورة لا تخالف الصورة السابقة إلا في أن كل شريك جامع بين الخلطة والانفراد وفي الصورة الأخرى اتفق الجميع في أحد الجانبين فما ذكرناه في نحو  صاحب الستين في الصورة السابق  عائد في حق الشريكين جميعاً في هذه الصورة \rالصورة الثانية : إذا ملك أربعين من الغنم فخلط عشرين بعشرين لرجل لا يملك غيرها، وعشرين بعشرين لآخر لا يملك غيرها\rفيفرع على القولين:\rفإن قلنا بخلط  الملك  , فعلى صاحب الأربعين نصف شاة ضماً إلى مال الخليطين، فإن الكل ثمانون ، وأما صاحب العشرين فماله مضموم إلى خليطه حتى يصير معه ستين، وهل نضم إلى خليط خليطه حتى يصير ثمانين\rفعلى وجهين:\rفإن قلنا نعم  , فالواجب عليه ربع شاة\rوإن قلنا لا نضم , فالواجب ثلث شاة\rوإن فرعنا على قول خلطة العين، ويفرع  على الأوجه الأربعة:","part":1,"page":20},{"id":221,"text":"فإن  قلنا: بتغليب الانفراد المجرد فلم ينفرد صاحب الأربعين بملك ولكن انقسمت خلطته فنجعله كالمنفرد ونوجب  عليه شاة، وهذا الوجه بعيد في هذه الصورة \rوإن قلنا: بتغليب الخلطة المجردة وهو الأصح في هذه الصورة فكأنه خلط أربعين بأربعين فعليه نصف شاة\rوإن قلنا: بجمع الحكمين فعلى وجه نعرف  نسبة ماله مع كل واحد منهما ونقول لو كان جميعه  مع هذا لكان الكل ستين، وواجبه ثلثا شاة، وحصة عشرين منه ثلث شاة، وكذلك في حق الآخر، فيجتمع ثلثان بهذا القدر \rوعلى وجه آخر نأخذ حكمه من خليطه تسوية بينهما، فيجب عليه في كل عشرين نصف شاة، فواجب جميع ماله   شاة فتعود الأوجه إلى ثلث شاة وثلثا شاة ونصف شاة، ويتداخل وجهان على ما فصلناه\rالصورة الثالثة : ملك خمسة  وعشرين من الإبل , فخلط كل خمسة بخمسة لرجل آخر لا يملك غيرها حتى صار مجموع المال خمسين\rفإن حكمنا بخلطة الملك فعلى مالك الخمس والعشرين  نصف حقة، لأن في الخمسين حقة، وفي حق  كل واحد منهما إن ضممنا ماله إلى خليط خليط، فواجبه عُشر حقة، لأن المجموع خمسين وإن لم نضم  إلا إلى خليطه فواجبه سدس بنت مخاض لأن المجموع ثلاثون \rوإن  فرعنا على قول خلطة العين فتعود الأوجه الأربعة :\rفإن جردنا الإفراد و  أبطلنا الخلطة لتفرقها، ونوجب عليه بنت مخاض، وهذا ضعيف كما تقدم\rوإن  جردنا الخلطة أوجبنا نصف حقة  على قول خلطة  الملك\rوإن جمعنا بين الاعتبارين:\rفعلى وجه , ننسب جميع ماله إلى كل خليط فيجب لحسابه  سدس بنت مخاض أن يكون المجموع ثلثين , فنجمع عليه خمسة أسداس بنت مخاض\rوعلى الوجه الذي نأخذ حكمه من خليطه، نوجب عليه خمس شياه، لأن على كل خليط شاة واحدة على قول خلطة العين، لأنه لم يخالط إلا خمساً ومجموع المال في حقه عشر فواجب  الكل شاتان","part":1,"page":21},{"id":222,"text":"الصورة الرابعة : ملك عشرا من الإبل وخلط خمسة منهما بخمسة عشر لرجل لا يملك غيرها، وخلط خمسة أخرى بخمسة غيرها  لآخر لا يملك أيضاً غيرها\rفإن فرعنا على قول  خلطة الملك , فعلى صاحب العشر ربع بنت لبون لأنه واجب الأربعين،  وماله ثلاثة أثمان الأربعين، وإن لم نضم إلا إلى خليطه  ، فواجبه ثلاثة أخماس بنت مخاض، لأن المجموع خمسة وعشرون ، وماله ثلاثة أخماس الجملة\rوإن فرعنا على خلطة الغير ، فعلى كل واحد من  صاحب الخمسة عشر ثلث شاة، لأن خلطته عيناً مع خمس، وصاحب العشر فيه الأوجه:\rفإن جردنا الانفراد , أبطلنا الخلطة وأوجبنا شاتين، وهو الوجه الضعيف\rوإن جردنا الخلطة , فواجبه ربع بنت لبون، لأنه خالط بعشرته ثلاثين لشخصين وهذا هو الذي أجاب عليه ابن الحداد في تصويره\rوإن جمعنا بين الاعتبارين وننسب  على وجه عشرته إلى مال كل خليط، فيكون خمسة وعشرين، وواجبها بنت مخاض، وحصة الخمس خمس، فنجمع بين الخمستين خُمُسَا بنت مخاض، فهو واجبه، وعلى وجه الالتفات إلى جانب خليطه يلزمه شاتان ويلتقي بوجه إبطال الخلطة\rالصورة الخامسة:  إذا ملك خمساً وستين فخلط خمسة عشر منها بخمسة عشر لرجل لا يملك غيرها\rفإن قلنا: بخلطة العين, فوجودها وعدمها سواء، لأن المختلط ليس نصاباً\rوإن قلنا: بخلطة الملك , فوجهان:\rأحدهما: أنه لا ميزة، فإنا إنما نتبع المفرد و  المخلوط على وجه إذا كان المختلط نصاباً\rوالثاني: أنَّا نعتبر , فنجعل كأن الملك  مخلوط، فعلى صاحب الخمسة  والستين, ستة أثمان ونصف ثمن شاة، وعلى صاحب الخمسة عشر ثمن ونصف ثمن شاة، وعلى هذا قياس الباب فليتأمله الناظر\rالشرط الثاني لمال الزكاة بعد كونه نصاباً، أن يكون حولياً ، باقياً في ملكه حولاً :\rقال رسول الله : «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» ، وهذا مطرد، لا استثناء عنه إلا في موضعين:\rأحدهما: أنَّ حول الوارث هل يبنى على حول الموروث","part":1,"page":22},{"id":223,"text":"وفيه قولان:\rوالصحيح: أنه يستأنف حوله لتجدد ملكه \rوالثاني: السخال فإنها إذا نتجت في آخر الحول وجبت الزكاة  فيها بحول الأمهات بناءاً واتباعاً  , بثلاثة شرائط:\rأحدها: أن تكون الأموال نصاباً انعقد الحول عليها قبل النتاج، فلو ملك تسعة وثلاثين ثم نتجت سخلة فيستفتح  الحول من الوقت، ولو ملك مائة وعشرين فنتجت سخلة وجبت شاتان، لأن ما سبق نصاب \rوالثاني: أن ينتج قبل مضي الحول، فلو حصل بعد مضي الحول نبني  على الأصل  في الحول الثاني، إلا أن يكون قبل الإمكان فذلك يبنى على أن الإمكان من شرائط الوجوب أو من شرائط الضمان، فإن قلنا من شرائط الضمان فلا تجب الزكاة فيها بحول الأصل في السنة الماضية، وإن قلنا من شرائط الوجوب فوجهان: أحدهما: أنه يجب كما لو وجدت قبل مضي الحول، والثاني لا يجب لأن الحول الثاني صار مستفتحاً بالبناء  على الحول   الناجز \rأولا  وهو الصحيح \rالثالث: أن يكون النتاج حاصلاً من أصل ماله، فلو اشتراه استفتح له حولا مستقبلاً ، ولم يبن على حول الكبار، وخالفنا أبو حنيفة  فيه، وقال بالبناء، وطرد ذلك في الكبار من جنس المال، وزعم أن المستفاد في أثناء الحول يبنى حوله على حول الأصل كالنتاج، وصحيح مذهبنا  أنه يضم إليه في العدد وإن لم يضم في الحول، بيانه أنه لو ملك أربعين من الغنم ثم استفاد أربعين بعد ستة أشهر، فإذا تم حول الأول وجب شاة على الرأي الصحيح في تغليب الانفراد، فإذا تم الحول الثاني وجب نصف شاة لأنه في جميع سنته كان مع أربعين، وابن سُرَيج قال لا يضم في العدد عند اختلاف الحول كما لا يضم في الحول، وهو عين ما  حكيناه عنه في الخلطة","part":1,"page":23},{"id":224,"text":"فرع: لو تماوتت الأمهات كلها بعد وجود السخال وبقي نصاب من السخال، فإذا تم حول الأمهات وجبت الزكاة فيها، ولم تنقطع التبعية بعد حصولها بالموت، وقال أبو حنيفة تنقطع إلا إذا بقي من الكبار واحد ولو من الفحول الذي ليس  أصلاً للسخال، وشرط أبو القاسم الأنماطي أن يبقى من الأصول نصاب حتى لو نقص نصاب الأصول   انقطع حول السخال وهذا غير معدود من المذهب \rالشرط الثالث للنعم بعد كونه  نصاباً حولياً أن تكون سائمة:\rقال رسول الله : (في سائمة الغنم زكاة) ، يدل مفهومه على سقوط الزكاة في المعلوفة، فإذا كانت سائمة في جميع الحول وجبت الزكاة، ولو أعلف  معظم السنة فلا زكاة، ولو علف ما لا يتمول ولا يتقوم فلا أثر لذلك القدر، ولو كان بين الدرجتين, ففي الضبط أربعة أوجه \rأحدها: أن العلف يسقط الزكاة، ولو لحظة  فإذا عاد إلى الإسامة استؤنف الحول، وهذا مبالغة في اتباع الاسم\rوالثاني: أن النظر إلى الغالب، فما أُسيم  في معظم السنة حَسُن تسميته سائمة، وهذا أيضاً سرف في هذا الجانب، والوجهان يترددان على معنى الاسم\rالوجه الثالث: أنَّ المسقط للزكاة العلف في مدة يملك  الدابة فيها لو لم تعلف ليحصل قوام حياتها في بعض السنة بالعلف، فعلى هذا  لو كان يسيمها نهاراً، ويعلفها ليلاً فهي سائمة، وهذا ذكره الصيدلاني \rوالرابع: أنَّ المسقط قدر يعد مؤونة بالإضافة إلى رفق السائمة وفوائدها فما لا يظهر كونه مؤونة لا عبرة به\rوالوجهان الأخيران تشوُّف   إلى تعليل اعتبار السَّوم، ومأخذ الاختلاف قريب من الاختلاف في تعليل قوله : (القاتل لا يرث) \rفمنهم: من طرد في كل قاتل عمداً وخطأً، وحقاً وباطلاً، وواجباً ومباحاً، اتباعاً للاسم\rومنهم: من أخرج الخطأ والمباح تشوفاً إلى المعنى\rثم اختلف الأصحاب في  القصد، هل يشترط في العلف والإسامة على وجهين\rثم اختلف المحققون في إظهار معنى القصد المعتبر:","part":1,"page":24},{"id":225,"text":"فمنهم من قال: المراد به أن الاعتلاف والسوم لو جرى وفاقاً من غير معرفة المالك فوجوده كعدمه\rوقال الشيخ أبو علي : المراد أن المالك إن قصد رد السائمة إلى العلف وأعلف انقطع الحول، ولو تراكمت   الثلوج وغطت المراعي فأعلفها المالك , وهو على قصد ردها إلى الإسامة مهما تيسر، فلا ينقطع الحول وإن كثر وكان مقصوداً\rفرع: الغاصب إذا أسام الماشية أو أعلفها فهل له حكم\rيبنى ذلك  على الخلاف في رعاية القصد، قال الشيخ أبو محمد : الخلاف في أن إسامته  هل تؤثر في الإيجاب ظاهرا، أمَّا إذا علف فالظاهر أن الوجوب لا يسقط  , لأنه لا مؤونة على المالك في العلف إذا كان العلف من ملك الغاصب وهذا تشوف إلى معنى السوم كما سبق \rالتفريع: إن قلنا إن الغاصب إذا استام  المعلوفة وجبت الزكاة، فلو دام غصبه حتى مضت السنة وعاد إليه وأخرج الزكاة فهل يرجع بالشاة المخرجة على الغاصب فيه وجهان :\rأحدهما: أنه يرجع لأن سبب وجوبه إسامته\rوالثاني: أنه  لا يرجع لأنه محال إلى ملكه\rوإن  قلنا: نرجع فهل يطالب به قبل الأداء، فعلى وجهين\rوهذا الخلاف يناظر ما سنذكره في المناسك فيما إذا حلق الحلال شعر المحرم، أنَّ المحرم هل يرجع بالفدية على الحالق له \rالشرط الرابع للنعم: أن يكون مملوكاً في جميع السنة:\rفلو أبدل إبله مثلاً بجنسه في آخر الحول انقطع الحول واستؤنف حول آخر، ثم إن قصد الفرار أثم وكره له ذلك، وقال مالك   إذا قصد الفرار لم ينقطع الحول معارضة لقصده بنقيضه ","part":1,"page":25},{"id":226,"text":"فأما في مال التجارة فالمبادلة فيها لا تقدح ، وأما النقدان فإبدالهما بالعروض يقطع حولها ، ثم إن قصد الاتجار لا يستأنف  حول التجارة من وقت الشري، بل يعتبر من وقت ملك النقدين، وإن أبدلها بمثلها ولم يكن على قصد التجارة فيها فهو كالنعم، وإن كان على قصد التجارة فيها من قبل كالصيرفي فالدراهم تصلح أيضاً لزكاة العين ، وإذا اجتمع معه زكاة التجارة ففيما يغلب قولان :\rفإن غلبنا زكاة التجارة لم ينقطع الحول كمال التجارة، وإن غلّبنا زكاة العين فوجهان:\rأحدهما: الانقطاع كما في   النعم\rوالثاني: أنه لا ينقطع، لأن الدراهم لا تنمو ، وإنما أوجب  الزكاة فيها لتهيئها للتصرف على القُرب، فإجراء التصرف المرتقب لا ينبغي أن يقطع\rوهذا يَنقُضُه الإبدال بالعروض، ومهما قضينا بانقطاع الحول فلو رُدّ بالعيب استأنفنا الحول ولم ننعطف على ما سبق، ولو جرت المعاملة الفاسدة  لم ينقطع الحول وإن اتصل القبض به، خلافاً لأبي حنيفة، ومذهبه  أن إبدال كل النصاب يقطع الحول، وإبدال بعضه بجنسه لا يقطع لأن نقصان النصاب عندَهُ في وسط الحول لا يمنع، والمستفاد مضمومٌ إلى الأصل، فمذهبه نتيجة هذين الأصلين \r\rفروع ثلاثة:\rأحدها: لو ارتَدّ المالك في أثناء الحول، فإن قلنا بزوال ملكه انقطع الحول، وإن أدمنا الملك أو توقفنا  أدمنا الحول أو توقفنا \rفإن قلنا: إن ملكه دائم فالزكاة واجبة أخرجناها من ماله في حالة الردة تعجيلاً لحق المساكين، وكذلك ما كان قد وجب في حالة الإسلام يستأدى في حالة الردة كما تستأدى من الممتنع، نعم لو أسلم فهل يلزم الإعادة لتبرأ ذمته بينه وبين الله\rفيه وجهان:\rوقال صاحب التقريب: لو قلتُ الردة تمنع أداء الزكاة ويجب انتظار الإسلام، لأنَّها قربة محضة لا تتأدى من الكافر , لم يبعد، نعم لو قيل لو مات على الردة فإذ ذاك  بعد اليأس تخرج من تركته وهذا بعيد ","part":1,"page":26},{"id":227,"text":"الثاني: إذا انقضى حول على المغانم قبل القسمة فإن قلنا لم يملكوا، بل ملكوا إن يملكوا، فلا زكاة فيها على الغانمين\rوإن قلنا ملكوا قبل القسمة ملكاً ضعيفاً ففي الزكاة ثلاثة أوجه :\rأصحها: أنه لا زكاة لنهاية ضعف الملك\rوالثاني: أنه يجب لثبوت أصل الملك للغانم ، وهو بعيد \rوالثالث: إن تمحض جنسُ مالِ الزكاة وجب، وإن كان في المغانم ما ليس زكاتياً  لا تجب إذ للإمام إيقاع الزكاة في سهم الخمس، ولا زكاة في سهم  الخمس بحال\rالثالث: لو باع بشرط الخيار في آخر الحول، وتم الحول في مدة   الخيار فإن  قلنا الملك للمشتري فقد انقطع حوله وإن قلنا للبائع فقد ضعف ملكه، فهل يصلح لبقاء الحول فيه نظرٌ سنذكره \rالشرط الخامس: أن يكون المال متهيئاً لكمال التصرف والملك كاملاً فيه:\rوبيان هذا الشرط برسم إحدى عشرة مسألة:\rالأولى : إذا اشترى نصاباً زكاتياً  ومضى الحول قبل القبض:\rتردد فيه الأئمة:\rفقطع صاحب التقريب بوجوب الزكاة، لأنَّ التصرف وإن كان ممنوعاً، فهو متمكن من الوصول إليه بالقبض وتسليم الثمن\rوقطع القفَّال  بأنه لا يجب لضعف ملك المشتري، ولأنَّ تصرفه لا ينفذ وإن صدر عن إذن البائع، ولأنه لو تلف كان من ضمان البائع \rالمسألة الثانية: الملك في زمان الخيار، هل هو ملك زكاة حتى يبقى حول البائع، على قولنا الملك له، أو يستفتح حول المشتري إذا قلنا له، أو تجب الزكاة على من جرى زهو الثمار في ملكه في هذا الوقت:\rالظاهر أنه ملكُ زكاة، لأن الملك حاصل مع القدرة\rوذكر صاحب التقريب تردداً من حيث الحجر في التصرف، فخرّج على قولي المغصوب \rوهذا متجه إذا كان الخيار لهما، فأما إذا استبد بالخيار من أثبتنا له الملك، وجب القطع بإيجاب الزكاة \rالمسألة الثالثة: في المغصوب والضال وفي معناهما المجحود الذي لا بيّنة عليه، طريقان:","part":1,"page":27},{"id":228,"text":"منهم من قطع بوجوب الزكاة في الأحوال الماضية في الغصب والضلال أخذاً من قول الشافعي: و  لو ضلت عنه أو غصبها أحوالاً فإذا وجدها زكَّاها لأحوالها \rوتوجيهه النظر إلى اطراد الملك، وغايته انقطاع الفوائد، ولو انقطع بالفحولة والمرض لم تسقط الزكاة، فكذلك الغصب\rومن أصحابنا من قال: قولان ، إذ قال الشافعي في الضال والمجحود والمغصوب:\rولا يجوز فيه إلا واحد من قولين:\rإما أن لا تجب الزكاة، لأنَّه محولٌ دونها \rأو تجب لأنَّ ملكه لم يزل \rوهذا  ترددُ  قولٍ، وتوجيهه امتناع التصرفات فهو أقوى مما ذكرناه فيما قبل القبض \rوالقائل الأول , يحمل هذا التردد  على الردِّ على مالك ، فإنَّه أوجب الزكاة للسنة الأولى دون ما بعدها \rفقال  الشافعي: هذا التفصيل لا وجه له \rثم الذين قالوا بالقولين اختلفوا في محله:\rفمنهم من خصصها  بما إذا عاد إليه الملك دون الفوائد، ويقطع بالوجوب إذا عادت بفوائدها  \rومنهم من طرد  القولين، لوقوع الحيلولة، وامتناع التصرف في الحال  \rثم إذا قطعنا بالوجوب  عند عود جميع الفوائد , طردنا القولين عند عود البعض, إلا إذا كان الفائت مقدار  ما يفوت أيضاً لو كان في يد المالك ومهما قدر المالك على تغريم الغاصب الفوائد  فهو كعودها \rوعلى الأقوال  كلها لا نوجب التعجيل قبل الوصول إليه  , لأنَّ للزكاة تعلقاً بالعين فإذا لم يقدر على إخراجها منها لم نكلفه إخراجها من غيرها \rولو تلف المال قبل العود إليه سقط الكل , كما لو تلف قبل التمكن من الأداء بعد الوجوب\rفرع: إذا استهل هلالُ شوال على عبد مغصوب:\rفمن الأصحاب من قال: في فطرته طريقان كسائر الزكوات\rومنهم: من قطع بالوجوب , لأنه لا يستدعي تصرفاً ورفقاً , إذ يجب بسبب الولد والمستولدة ","part":1,"page":28},{"id":229,"text":"ولو كانت المرأة ناشزة في ذلك الوقت , فلا تجب فطرتها على الزوج , لأنَّها تابعة للنفقة , وهي ساقطةٌ بالنشوز , ولو كان العبد آبقاً فإباقه ليس كالنشوز , بل هو كالغصب , لأن الإباق لا يسقط النفقة, بخلاف نفقة النكاح , فإنه عوض التمكين وذلك يفُوت بالنشوز \rوفي إيجاب نفقة الآبق , ما يسلطه على أخذ مال المالك إذا ظفر به , لينفقه على نفسه، وفيه غمُوض لا يخفى\rوحكى  الفوراني وجهاً: في طرد القولين في فطرة الآبق \rالمسألة الرابعة: من حبس عن ماله (من)  غير إثبات اليد عليه:\rوجب عليه الزكاة   فيه , فإن تصرفه نافذ، ولم يتغير وصف المال والملك , وإنما هذا العارض وارد على يديه \rالمسألة الخامسة: إذا عثر المالك على اللقطة في يد غيره بعد مضي حَولين:\rففي الحول الأول القولان المذكوران في الضّالة كما سبق\rوفي الحول الثاني إذا لم يتملك الملتقط قولان مرتبان\rوأولى بأن لا يجب، لضعف ملكه بسبب التعرض لتملك الغير\rفإن تملكها فهو بشرط الضمان، ففي وجوب الزكاة عليه ما في وجوبها على من عليه دين وسيأتي \rالمسألة السادسة: من ملك دَينا على غيره :\rفإن كان مليئاً وجب عليه زكاته إذا مضى الحول عاجلاً، لأنه كالملك في الكيس وهذا لا يتصور في النعم، فإنَّ صفة السوم في الدين لا تتصور \rوإن كان على جاحدٍ وله بيّنَة فلا مبالاة بجحوده\rوحكى الزعفراني قولاً عن الشافعي أنه لا زكاة في الديون أصلاً، وهو في حكم المرجوع عنه \rوإن كان على فقير ففيه قولان , كما في الضال \rهذا إذا كان حالا , فإن كان مؤجلاً بسنتين\r(فتشبث) بعضُ الأصحاب بأن لا ملك، فعلى هذا لا زكاة\rوإن قلنا: هو مملوك , وهو الصحيح \rفمنهم من ألحقه بالمغصوب\rومنهم من ألحقه بالغائب الذي يسهل إحضاره \rثم إذا أوجبنا , ففي التعجيل وجهان:\rوالأصح أنَّه لا يجب، لأنَّ الخمسة نقداً تساوي الستة نسيئة، ففيه إجحاف ولا سبيل إلى الاكتفاء بأربعة ","part":1,"page":29},{"id":230,"text":"ولا خلاف في أنه لو أبرأ فقيراً عن دين له عليه لم يجز , لأنَّه لابدَّ فيه من تمليكٍ محققٍ , وليس في الإبراء تمليك\rالمسألة السابعة: إذا ملك مائتي درهم وعليه مثل ذلك ديناً , ففي وجوب الزكاة قولان:\rأحدهما أنه يجب , لكمال ملكه، ونفوذ تصرفه\rوالثاني أنه  لا يجب , لعلتين:\rإحداهما: ضعف الملك من حيث إنَّه مطالبٌ بقضاء الدين وصرف ماله إليه\rوالثانية:  أنَّ مالك الدين وجب  عليه الزكاة بسبب يسار الرجل بهذا المال  ، فلو وجب عليه لأدَّى إلى  تثنية  الزكاة في مال واحد  \rالتفريع : إن قلنا الدَّين لا يمنع  فلو انضم إليه حجرُ القاضي عليه في التصرف بسبب الدَّين، أو رهنُ النصاب بالدَّيْن ففيه وجهان قريبان من المغصوب والضال، لطريان انسداد التصرف مع استحقاق الدَّين \rوإن قلنا الدَّين يمنع الزكاة فيخرج على العلتين ثلاثُ صور :\rأحدها : أن يملك أربعين من السائمة، ويُمْلَك عليه أربعون من الغنم، فإن عللنا بتعدّد  الزكاة فهذا لا يؤدي إليه، إذ لا زكاة على مستحق الغنم ديناً، إذ السَّوم لا يوجد في الدين وإن عللنا بضعف الملك فهو حاصل\rالثانية : لو مُلِك عليه مائةُ درهمٍ أو ما دون النصاب , وهو  يملك مائتي درهم, خرج حكمه على العلتين كما سبق، وكذلك لو كان المستحق كافراً , أو مكاتباً , أو استحق عليه جنساً آخر لا زكاة فيه\rالثالثة : لو كان غنياً بالعقار ، وأنواعِ المال، قطع كافة الأصحاب ها هنا بوجوب الزكاة\rوذكر الشيخ أبو محمد: أنَّ علة تعديد الزكاة توجبُ إسقاطَ الزكاة في هذه الصورة، وهو بعيد","part":1,"page":30},{"id":231,"text":"وقد قال  الفوراني: حُكِي  عن الشافعي أنَّه قال: الزكاة تمنع في الأموال الباطنة  بالدَّين لا في الأموال الظاهرة وقال: من الأصحاب من جعل هذا قولاً ثالثاً ، ومنهم من حمل هذا على أنَّه في الأموال الظاهرة لا يصدقه الساعي إذا ادعى، وفي الأموال الباطنة لا يجب دفعها إلى الإمام، فلا  يجب بينه وبين الله \rوهذا التأويل أيضاً فاسد، إذ الوجه تصديقه إذا اعترف ، لأنَّه مؤتمنٌ في ملكه، كما يؤتمن في الحول وغيره \rفرع: إذا قلنا الدَّين لا يمنع الزكاة، فلو مات قبل أداء الزكاة وضاق المال عن الوفاء ففيه طريقان:\rمنهم من قال في التقديم ثلاثة أقوال :\rأحدها: أن حق الله أولى، قال رسول الله   : ((فدين الله أحق بالقضاء)) \rوالثاني:  حق الآدميين مقدم، لأنه يبنى على الشح والبخل، ولذلك قُدِّم القصاص على حدِّ السرقة\rوالثالث: أنَّهما يستويان، لأنَّ الزكاة أيضاً تتعلق بمرافق الآدميين\rومن الأصحاب من قطع بتقديم الزكاة، وإليه ذهب الشيخ أبو محمد لتعلق الزكاة بالعين دون سائر الديون \rوإنما الأقوال في الكفارات ، والقائل الأول يقول التعلق بالذمة أغلب \rالمسألة الثامنة : إذا ملك نصاباً زكاتياً ، فقال: لله عليّ أن أتصَدّق بهذا المال، فانقضى الحول قبل التصدُق\rفمن أئمتنا من قطع بسقوط الزكاة، لأنَّ عين المال صار  مستحقاً  للصدقة، ولم يبق ملك حقيقي\rومنهم من خرّج على قولي  المحجور المفلس , وهو أولى بأن لا يجب \rولو قال: جعلتُ هذا المال صدقة، أو جعلتُ هذه الأغنام ضحايا أو هدايا، فهذه الصيغة أولى بإسقاط الزكاة \rفأما إذا لم يُعَيّن المال، بل قال مطلقاً: لله علي التصَدُّق  بأربعين من الغنم مثلاً\rففيه خلاف مُرَتّبٌ على دين الآدميين، وهذا الدينُ أولى بأن لا يسقط، لأنَّه كالمتبوع ، وله الخيرة فيه، ولا يتضيّق عليه، والحق لله في كلا الأمرَين فلا يتزاحمان ","part":1,"page":31},{"id":232,"text":"ولو كان على إنسان حجٌ  , فهذا الدَّين هل يمنع وجوبَ الحج  الزكاةُ\rفيه خلاف كما في دين النذر، فإنه واجب لله على التراخي، كالمنذور، وينضم إليه أن المال غير مقصود في الحج\rويعارضه أنَّ المنذور وجب بالاختيار، فيعتدلان من هذا الوجه \rالمسألة التاسعة: إذا مات وخلّف نخيلاً مثمرة وديوناً مستغرقة , فأزهت الثمار قبل صرف التركة إلى الديون \rفإن قلنا: الدين يمنع ملك الوارث   فلا عشر على أحد , لأنَّ الميت أيضاً ليس أهلاً لأن يُنشأ خطابه بعبادة\rوإن قلنا: لا يمنع الملك\rفإن حكمنا بأنَّ الدين يمنع الزكاة سقطت الزكاة\rوإن قلنا: لا يمنع، فالزكاة واجبة على الورثة إذا قلنا: إنَّ الزكاة تجب في المرهون، لأن التركة مرهونة \rثم إذا ضاق المال فماذا يُقَدَّم والتركة مرهونة بالديون \rقال الأصحاب: إن قلنا الزكاة تتعلق بالعين فهي مقدمة \rوإن قلنا: تتعلق بالذمة فالأحوال  الثلاثة التي سبق ذكرها\rقال الشيخ أبو علي: الزكاة مقدمة \rوإن قلنا: إنَّها تتعلق بالذمة، فإنَّ تعلقها مع ذلك بالعين , أقوى من تعلق الدين بالمرهون، ولذلك لا يسقط الدين بتلف المرهون، وتسقط الزكاة بتلف النصاب قبل التمكن من الأداء، ولعل الأولى التسوية لتقابل التعلق من الجانبين\rالتفريع: إذا قلنا يجب إخراج العشر, فلو لم نجد شيئاً   سوى التركة , أخرج العشر منها، ثم هل يغرم للغرماء ذلك المخرج فعلى وجهين :\rأحدهما: أنَّه لا يغرم لأنَّه لم يقصر، بل وجب بإيجاب الله، فهو كالنفقة على التركة، فإنه من عرضها\rوالثاني: أنَّه يغرم\rقال  الشيخ أبو علي: وهو الأصح، لأنَّ النفقة لا تتعلق بذمة الوارث، والزكاة عبادة مقصودة خُوطب الوارث بها، وليس على الغرماء منها شيء\rفأمَّا إذا وجد مالاً  يخرج منه العشر\rفإن قلنا: يغرم إذا لم يجد، يلزمه الإخراج من غيره\rوإن قلنا: لا يغرم , فله الإخراج من التركة وتخليصها من هذا الحق","part":1,"page":32},{"id":233,"text":"المسألة العاشرة : لو اشترى شقصاً مشفوعاً على نية التجارة بعشرين ديناراً، فانقضى  الحول قبل أخذ الشفيع   الشقص بعشرين دينارا، لأن قضية الزكاة مفصلة عن قضية الشفعة، والقياس ما قاله\rقال الشيخ أبو علي: خرّج بعض الأصحاب قولاً أنه لا زكاة عليه لضعف ملكه، فإنه عُرضة الزوال ، وتصرفاته بصدد النقض، بخلاف الصداق فإن تصرفات المرأة فيه لا تنقض\rقال الإمام: إن اتجه هذا فليستثنى عنه مقدار عشرين ديناراً، فإن المال  في ذلك القدر مستقر، وإنما تتبدل فيه  العين، وزكاة التجارة ترعى فيها استخدام المالية لا استحكام العين\rقال الشيخ أبو علي مفرعاً: للمشترى أن يقول الزكاة وجبت في مالية الدار فليخرج منها، وليكن ذلك كنقصان بآفة سماوية حتى يجب على الشفيع أخذ الباقي بكمال العشرين، وهذا يستمد مما ذكرناه في المسألة السابقة , من أنَّ الوارث لا يغرم العشر للغرماء، ولكنَّه أضعف ها هنا , إذ سبب وجوب الزكاة هاهنا قصد التجارة , فكيف يؤاخذ به غيره وأما وجوب الزكاة  في الثمار لا  يحال على قصد أحد\r\rالمسألة الحادية  عشرة: إذا أكرى  داراً أربع سنين بمائة دينار نقداً\rقال المزني : يخرج في السنة الأولى زكاة ربع المائة، وفي السنة الثانية إذا تمت يجب زكاة نصف المائة لسنتين ويحط عنه ما أدى في السنة الأولى والثانية ، وفي السنة الثالثة تستقر زكاة ثلاثة أرباع المائة لثلاث سنين، ويحط  ما أدى، وفي السنة الرابعة يستقر زكاة جميع المائة  لأربع سنين، ويحط  ما أدى\rونقل غير  المزني عن الشافعي: أنَّه يجب في السنة الأولى , وفي كل سنة زكاة جميع المائة، وهذا هو القياس\rوأما ما  نقل المزني , فقد   اختلف الأصحاب في وجهه :\rفمنهم  من قال: مأخذه أن الأجرة هل تُملك بأجزاء أم الأمر فيها موقوف إلى سلامة العاقبة عن الانهدام والانقسام ، فقوله تفريع على قولنا أنه لا يملك بل الأمر موقوف","part":1,"page":33},{"id":234,"text":"ومنهم من قال: المذهب الظاهر أن الأجرة تملك، وفي  خلافه بُعدٌ ، ووجه قول المزني: ضعف  ملك الأجرة لتعرضها للانقلاب والانفساخ، ولا يلزم عليه الصداق قبل المسيس مع التعرض للتشطر، لأنَّ ذلك يحصل بطلاق يصدر عن اختيار الغير، وهذا يتوقع من غير مباشرة بسبب من مختار، فهو ضعف  تمكن من نفس العقد\rوعلى الجملة الأقيس  خلاف ما نقله المزني، لأنَّ الصداق قبل القبض وبعد القبض عند الشافعي يجب فيه الزكاة، خلافاً لأبي حنيفة، وهو معرضٌ  للزوال بالطلاق قبل المسيس، ولا ينقدح فرقٌ بينه وبين الأجرة، مع الاعتراف بجريان الملك في الأجرة وهو المذهب \rالركن الثاني من النظر في طرف الوجوب: من يجب عليه:\rولا يعتبر فيه إلا الحرية والإسلام، فتجب في مال الصبي والمجنون عندنا ، خلافاً لأبي حنيفة ، وفيما يثبت إلى الحمل تردد للشيخ أبي محمد\rأما الإسلام فمشروط، فلا تجب على الكافر الأصلي \rوتجب على المرتد إذا قلنا ببقاء ملكه مؤاخذة له بالالتزام  السابق \rوإذا قلنا بزوال  ملكه، فلا يجب، وينقطع حوله بالردة\rوهل يبني بعد العود أو يستأنف \rبنوا هذا  الخلاف في بناء حول الوارث ، ولم يذهب أحدٌ إلى بناء الحول في تقطعه بالعلف وزوال الملك بالبيع، وإن كان العود بالرد بالعيب\rوأما الحرية فمشروطة :\rفلا زكاة على مكاتب ولا على رقيق ، وإن قلنا إنه يملك بالتملك ، لأنَّ ملكه في غاية الضعف\rولا يجب أيضاً على السيد فيما ملك عبده ؛ لزوال ملكه\r\rوذُكر في شرح التلخيص  وجهٌ , أنَّه يجب على السيد فإنه  قادر على التصرف فيه كما شاء، وهذا ضعيف لأنَّه قدرة على اجتلاب الملك \rوأما من نصفه حر ونصفه عبد , تجب الزكاة عليه فيما سلم له بنصفه الحر، كيف  لا , والشافعي  يوجب عليه كفارة الموسرين، ويخالف المزني فيه ، فإيجاب الزكاة أولى \rهذا  تمام الركن الثاني ","part":1,"page":34},{"id":235,"text":"أما الركن الثالث في قدر الواجب وصفته، ذكرناه ممزوجاً بالركن الأول لارتباطه به\rهذا  تمام النظر في طرف الوجوب والله أعلم  \r\rالطرف الثاني للزكاة:  الأداء أو التسليم إلى المسكين:\rوأداء  الزكاة ممكن في وقته، وممكن في غير  وقته تعجيلاً وتأخيراً ،\rفانقسم  الكلام في هذا الطرف على هذا الانقسام :\rالقسم الأول من طرف الأداء : الأداء في وقته\rوهو الأهم فإنَّه الأصل , والزكاة عندنا على الفور، فلا يحل التأخير   خلافاً لأبي حنيفة \rثم النظر في كيفية الأداء فيما على الدافع وما على القابض:\rأما الدافع فعليه وظيفتان: النية , والتسليم\rأما النية: فالنظر في أصلها , وكيفيتها , ووقتها\rأما الأصل: فقد قال الشافعي:  إذا ولي الرجل إخراج ماله لم يجزه إلا بالنية ، وقال في موضع آخر: فإن قال بلسانه: هذا زكاة مالي أجزاه \rواختلف  الأصحاب في هذا النص\rفقال صاحب التقريب فيما حكاه الصيدلاني: إنَّه أراد به ذكر اللسان مع عقد القلب، ومن  أصحابنا من قال يكفي ذكر اللسان كما ذكره، وهو اختيار القفال، ويعتضد ذلك بجواز أخذ الزكاة من المرتد والممتنع، ومال الصبي والمجنون، وهو تشوف إلى تغليب مقصود سد الخَلَّة على معنى العبادة،، ويكتفى  بذكر اللسان، وهذا لا تفريع عليه \rأما الكيفية: فلو نوى الزكاة المفروضة كفاه ولو لم يتعرض للفرضية بقلبه ففيه وجهان ، كما في صلاة الظهر\rولكن هذا ينقدح في ذكر الصدقة، فإنَّها تنقسم، أما الزكاة فلا تفرض إلا فريضة بخلاف الظهر، فإنه قد يفرض نافلة في حق الصبي، ولا يلزمه تعيين المال الذي يخرج عنه، بل ينوي زكاة المال إلى أن يستوعب أداء القدر الواجب","part":1,"page":35},{"id":236,"text":"ولو كان له مال غائب وحاضر فأخرج مطلقاً وكان الغائب تالفاً وهو لا يدري، فإذا تبين انصرف إلى الحاضر، ولو عَيَّن الغائب ثم تبين تلفه لم يتمكن من صرفه إلى الحاضر، وهذا من قبيل ما لا يفتقر إلى التعيين، ثم الخطأ فيه يضر، ولو قال هذا عن مالي الغائب إن كان باقياً فإن  كان تالفاً فعن الحاضر، أو هو صدقة، جاز ، لأنَّ مقتضى الإطلاق هذا، فهو  موافق له \rوذكر صاحب التقريب:  إن كان تالفاً ففي وقوعه عن الحاضر احتمال، لأن النية فيها تردد بالنسبة إلى الحاضر، لأنه يبتنى على تلف الغائب، وهو مشكوك، أما في حق الغائب  فيُجزي إن كان باقياً، لأن الأصل بقاؤه\rولو قال هذا عن أحد مالَيّ جاز، ثم له التعيين كما لو أبهم مُطَلَّقَة، ولو كان أحد المالين تالفاً تعين الآخر\rفأما وقت النية: فهو عند التسليم إلى المسكين    أو إلى الإمام أو نائب المساكين، ولو قدر  على التسليم , فوجهان:\rأحدهما: المنع وهو قياس النيات\rوالثاني: يجوز، لأنَّ المقصود الأظهر الإخراج، ولذلك جازت النيابة فيها مع القدرة، ولو نوى عند التسليم إلى الوكيل ووكله بمجرد الإخراج ففرَّق بعد زمان  فمن الأصحاب  من جعل ذلك كالاقتران بالتسليم إلى الإمام، وقال صاحب التقريب: يخرج على الخلاف في التقديم على التسليم، لأنَّ الوكيل لا يقبض للمساكين، ولذلك لو تلف في يده كان من ضمان الموكل، فأما إذا سلم إلى الوكيل ووكله بالنية عند التفريق فهو جائز وفاقاً \rفرع: إذا طلب الإمام الزكاة فامتنع [من عليه، فأخذها قهراً]  فهل تسقط زكاته باطناً وجهان  مشهوران، فإن  قلنا تسقط فهل على الإمام أن ينوي عنه وجهان:\rأحدهما: أنه لا يجب، لأنَّا بنينا الأمر على التسامح بالنية\rوالثاني: أنَّه يجب، لأنَّ هذا القدر ممكن، فيجعل الممتنع مقهوراً في الأخذ، مولياً عليه في النية كما في الطفل، إذ الولي ينوي عنه وفاقاً، هذا حكم النية ","part":1,"page":36},{"id":237,"text":"الوظيفة الثانية: هي  التسليم\rفإن كانت الأموال ظاهرة، ففي وجوب تسليمها إلى الإمام قولان كما سيأتي توجيهها ، ولا خلاف في أن التسليم إلى الإمام أولى للخروج عن الخلاف \rوأما الأموال الباطنة فيتولاها بنفسه، وهو أولى من التوكيل، وهل هو أولى من التسليم إلى الإمام فعلى  وجهين:\rأحدهما: أنه الأولى، ليكون على بصيرة في انتهائها  إلى المسكين \rوالثاني: أن التسليم تقليد  للوزر، واحتراز عن خطر الخطأ، فهو أولى، هذا ما على الدافع \rأما  القابض - ونعني به الساعي - فعليه وظيفتان:\rأحدهما: أن يعلم في السنة شهراً يأخذ فيه زكاة الجميع ، ليكون  أهون عليه، فمن لم يتم حوله استحب له التعجيل قال رسول الله : «اعلموا في السنة شهراً  تؤدوا فيه زكاة أموالكم» \rثم لا نكلفهم رد المواشي إلى القرى، ولا نكلف الساعي التردد على المراعي، فإن ذلك يعسر عليهم ، فيُرَدّ  المال إلى منهل قريب من المرعى، ثم يردها إلى مضيق، ويخرجها منه، فذلك أهون للعد \rالوظيفة الثانية: الدعاء للمالك ، قال الله تعالى: (     ہ ہ) ، وأُتِي رسول الله  بصدقة أبي أوفى فقال : (اللهم صل على آل أبي أوفى) ، والدعاء المأثور: آجرك الله فيما أعطيت وجعله طهوراً وبارك لك فيما أبقيت \rفإن قيل: صلى رسول الله  على آل أبي أوفى , فما الذي ترون في الصلاة على غير الأنبياء\rقلنا: قال الأئمة: لا ينبغي أن يصلي   أحدٌ على غير رسول الله  قصداً، فلم يُنقل عن السلف الصلاة على أبي بكر وعمر وغيرهما من الأكابر ، فهي  مخصوصة بالأنبياء، كما أن - عز وجل- مخصوص بالله، وإن كان مأخوذاً من العز والجلال، وقد يُقال فلان عزيز جليل\rفإن قيل: فقد صلى  على آل أبي أوفى\rقلنا: الصلاة مخصوصة به , فهي  حقه , فله أن يضعه  حيث شاء، كالصدر المخصوص بالملك يتصرف هو فيه دون غيره","part":1,"page":37},{"id":238,"text":"فإن قيل: فلو صُلِّى على غيره فهو محرم أو مكروه أو يقال: الأولى تركه ولا ينتهي إلى الكراهة\rقلنا: لا ينتهي إلى التحريم، وكلام الصيدلاني يشير إلى أنه ليس بمكروه، بل يقال تركه أولى، والظاهر أنه مكروه، إذ ثبت نهي مقصود في التشبيه بأهل البدع، وهذا من شعار الروافض، واستند ذلك إلى إطباق السلف على الانكفاف عنه، ولذلك كانوا لا يقولون أبو بكر ، فهو كالصلاة، وكانوا يقولون صلى الله عليه وعلى آله وأصهاره وأصحابه وأتباعه فهو جائز بطريق التبعية\rالقسم الثاني من طرف الأداء في تأدية الزكاة قبل وقتها تعجيلاً، وفيه فصلان:\rالفصل الأول: في وقت جواز التعجيل  \rوهو جائز قبل انقضاء الحول بالاتفاق، والأصل فيه ما روي أن رسول الله  بعث عمر بن الخطاب  ساعياً، فلما رجع شكى ثلاثة نفر، خالد بن الوليد، والعباس، وابن جميل فقال : ((أما خالد فإنكم تظلمون خالدا، فإنه حبس أفراسَهُ وأعبُدَه، (وروي: وأعتُدَهُ) ، (وروي: وأدرُعَه) في سبيل الله، وأما ابن جميل فما نقم إلا أن أغناه الله، وأما العباس فقد استسلفت منه صدقة عامين ، أي استعجلت، ولعل عمر  كان يطلب زكاة التجارة من أمتعة خالد وأفراسه))\rوبَيَّن  رسول الله  أنه ادَّخرها لسبيل الله لا للتجارة، وكان الساعي قبل أيام عثمان  يطلب زكاة الأموال الباطنة والظاهرة جميعاً\rفإذا ثبت جواز أصل التعجيل، فالضبط فيه أنَّه إذا تحقق السبب المقصود للقربة المالية، جاز تقديمها على وجود السبب الآخر، أو على وجود وقت الوجوب  ,ولذلك جوزنا تقديم الكفارة على الحنث بعد اليمين، ولا يجوز قبل اليمين، ولا تعجيل الزكاة قبل ملك النصاب، ولا قبل كماله، ولا قبل جريان الإسامة على تقدير العزم على الإسامة، لأنَّ شيئاً من ذلك ليس مال الزكاة، ولا جارياً في الحول وإنما يجوز ذلك  إذا انعقد الحول   ولكن لم يتم \rوهل يجوز تعجيل صدقة عامين فعلى وجهين:","part":1,"page":38},{"id":239,"text":"أحدهما: المنع لأن الحول الثاني بعد لم ينعقد\rوالثاني: الجواز، ويشهد له قصة العباس \rولو ملك مائة وعشرين فواجبه شاة، وهو يرتقب حدوث سخلة في آخر السنة تجعل واجبه شاتين، ففي تعجيل شاتين وجهان  على الوجهين السابقين:\rوها هنا أولى بالجواز ؛ لأنَّ حول النصاب  منعقد  في الحال، ولذلك لا يعتبر حول من وقت حدوث السخلة مستأنف، والفرق بين الحول والنصاب والسوم فيه عسرٌ في جواز التعجيل، وقد نبهت على وجهه في الأصول، في كتاب شفاء الغليل  عند التعرض للفرق بين العلة والمحل والسبب والشرط \rفإن قيل: إذا لم يملك إلا أربعين فأخرج شاة فقد نقص النصاب، والحول إنما ينقضي  على ناقصٌ فكيف جاز التعجيل\rقلنا: منع أبو حنيفة التعجيل في هذه الصورة لهذا الخيال ، واتفق أصحابنا على جوازه، ولم يكترثوا بنقصانٍ حصل من جهة الزكاة في منع الزكاة , لأنَّ هذه رخصة ثبتت  لأجل الزكاة إرفاقاً بالمساكين، فلا  ينشأ من عين الرخصة منعها، قال صاحب التقريب: فإن قيل فلو طرأ في الحول ما يمنع إجزاء الزكاة من غناء الآخذ أو غيره، وكيف  توجبون الزكاة والنصاب ناقص، ولم يكن نقصانه بالزكاة، إذ بان أنه لم تقع زكاة قلنا في جواز الاسترداد عند  طريان الموانع خلافٌ سنذكره، فإن لم يثبت الاسترداد فلا زكاة لنقصان النصاب، وإن أثبتنا الاسترداد وقلنا يسترد بزوائده المنفصلة، فهذا يدل على تبيننا عدم زوال الملك ، فتبين كمال النصاب،\rونلتفت  على المغصوب والمجحود  بعض الالتفات، وإن كان قد تلف في يده فلا زكاة، إذ لا زكاة في الدين، وإن أثبتنا الغُرم، هذا هو النظر في زكاة النعم \rأما  زكاة الفطر: فوقت وجوبها استهلال شوال ويجوز التقديم إلى أول رمضان، ولا يجوز التقديم على رمضان لأنَّه السبب ","part":1,"page":39},{"id":240,"text":"وأما الْمُعَشَّرات: فيتجزأ الوجوب فيها بالجفاف في الرطب والعنب، والفرك والتنقية في الحبوب ، والصحيح أنه يجوز أداء الزكاة بعد اشتداد الحب،\rوإن لم يُفرك ، وذكر الشيخ أبو محمد وجهاً: أنه لا يجوز، لأنه لا يتيقن النصاب وقدره عند  التنقية، وهذا بعيد، ثم اتجاهه في محل الشك، أما إذا كثر فلا، هذا فيما بعد الإدراك وقبل الفرك والتنقية\rفأما التعجيل من ظهور الحب إلى الإدراك   وبين زهو الثمار إلى الجفاف ، ففيه وجهان، وفيما بين بدو الطلع إلى الزهو ونبات الزرع إلى بدو  السنبلة، وجهان مرتبان، وأولى بالمنع ، لأنه لم يبدُ ما يمكن التعويل عليه خرصاً في مقدار النصاب، بخلاف الصورة السابقة، ولعل الزرع إذا كان بقلاً أولى بمنع التعجيل فيه؛ لأنَّه لم يظهر جنس العشر ، وأما الطلع فمشتمل  على جنس المعشر، وهو الذي يلحقه التغايير\rفإن قيل: أطلق الفقهاء القول بأنَّ  الزكاة تجب في الثمار بالزهو، وبدو الصلاح، والاشتداد في الحب  كبدو الصلاح، فكيف استقام التردد في جواز الأداء بعد الوجوب قلنا نعم هو سبب الوجوب في حق الحجر في التصرف لحق المساكين، لا في وجوب الإخراج، إذ تراخي  وجوب الإخراج إلى أول  الجفاف والتنقية فضاهى تأخير الحول، ولذلك لو أخرج الرطب والعنب فهو بدل لا يجزيه بحال\rالفصل الثاني: في الطوارئ المانعة من الإجزاء إذا طرأت بعد التعجيل\rوذلك لا يخلو إما أن يطرأ على المالك أو على القابض , أو على المال\rأما القابض: فينبغي أن يبقى على صفة الاستحقاق إلى آخر الحول، فلو ارتد أو مات أو استغنى بمال آخر، وكان كذلك في آخر الحول، أو حالة الأخذ، لم تقع الزكاة الموقع\rولو طرأت بعض هذه الحالات وزالت قبل الحول، فوجهان لا يخفى توجيههما، والأصح الإجزاء ","part":1,"page":40},{"id":241,"text":"وأما المالك: فينبغي أن يبقى غنياً ببقاء النصاب، مسلماً، حياً، فلو تلف نصابه قبل الحول أو ارتد، وقلنا الردة تقطع الملك، وتمنع الزكاة، لم يجز ما سبق، ولو مات تبين أنه لم يُجزِ عنه، وهل يجزئ عن وارثه حكى صاحب التقريب  عن نص الشافعي أنه يجزئ ، ثم قال هذا أولاً يُخَرَّج  على القول القديم في بناء حول الوارث على حول الموروث ، ثم فيه تفصيل، فإن اتحدَّ الوارث انتظم الأمر، وإن تعدّد، فالخلطة تجعلهم كالمالك الواحد في الماشية وفي الزروع والدنانير  على الخلاف المتقدِّم ، فإن قلنا لا خلطة فينقطع الحول في حق من نقص نصيبه عن النصاب، قال: ويحتمل أن يجعل جميع الورثة كالشخص الواحد في نيابة المورث، وعليه ابتنى حكم استدامة الحول، وطرد  هذا الاحتمال فيما إذا تقاسموا أيضاً ونقصت آحاد الحصص عن النصاب، هذا إذا فرعنا على القديم، وإن  فرّعنا على الصحيح، وهو استئناف الحول للوارث مما  أخرجه المورِّث ، هل يقع عن الوارث إذا تم حوله  المستأنف قال: يحتمل وجهين، بناءاً  على أنَّ من عجَّل زكاةَ عامين هل يجوز والظاهر أنه لا يجزئ؛ لأنَّه مالكٌ  جديد \rفأما المال المعجل: فطريان التلف عليه لا يمنع الإجزاء، لأنَّه لو طرأ في يد  المسكين  فقد بلغت الصدقة محلها، ولو كان في يد الإمام فكذلك؛ لأنَّه نائبٌ عن المساكين، وهو كما لو أُخرج إلى الإمام بعد الحول فتلف في يده، فلا ضمان على المالك، والإمام هل يضمن للمساكين في الصورتين نظر، فإن فرَّط بتأخير التسليم من غير غرض ظاهر، فهو ضامن، وإن أخّر لغرضٍ ونوع نظرٍ من توقع اِجتماع المال أو  غيره فلا يضمن ","part":1,"page":41},{"id":242,"text":"فإن قيل: فلو استقرض الإمام مالاً للمساكين من غير غرض فهو ضامن، وإن كان لغرض فتلف في يده هل يضمن قلنا: هذا يلتفت على ضمان وكيل المستقرض، فيقَدّم  أولاً حكمه، وبقول الوكيل إذا صرح بأني أستقرض هذا لفلان ، فلا تتوجه عليه المطالبة بقضاء الدين، كالسفير في الشراء، لا تتعلق به العُهدَة ، والوكيل بالشراء إذا لم يصرح بالسفارة يطالبه البائع بالثمن، إذا لم يعلم كونه وكيلاً، وإن علم واعترف به, فوجهان، ووجه  المطالبة, جريانُ صيغةِ الالتزام في قوله اشتريت، فإنه لا يتقاصر عن قوله ضمنتُ، فأما إذا علم كونَ القابضِ وكيلاً في الاستقراض، ففيه خلاف مرتب على وكيل الشراء، والصحيح, هو الفرق بين المسألتين؛ لأنَّه لم يوجد من المستقرض صيغة التزام ، ثم على هذه المطالبة يُبنَى أنَّه لو تلف المال في يد الوكيل، حيث لا مطالبة عليه، فهو من  ضمان موكله لا من ضمانه، فإن  كان تتعلق العُهدَة به، فهو مطالَبٌ بالضمان، إلا أنَّه يرجع على الموكل لأنَّه لم يُقَصِّر فهو في حقه كالأمين، رجعنا إلى الإمام فهو وكيل المساكين، فإن سألوه الاستقراض فهو كما سبق في الوكيل، وإن مسَّت حاجتهم ولم يسألوه، فهل تنزل حاجتهم في حقه منزلة السؤال فيه وجهان، أحدهما: أنه ينزل؛ لأنَّه ناظرٌ لجهةِ المسكنة، فصار كوليّ الطفل إذا استقرض، والثاني: أنَّه من ضمانه، قال الشافعي:  المساكينُ أهلُ رشدٍ لا يَولى  عليهم، فالاستقراض لهم دون إذنهم لا يقع عنهم ، ولو كان فيهم أطفال فاستقرض لهم وقع عنهم قطعاً، ثم إذا لم يقع عنهم وقع عن الإمام فكأنه  استقرض لنفسه، فإن أقرض للمساكين  بعد ذلك، فهو المقرض لا المالك، فأما إذا سلم المالك مالاً إلى الإمام، وقال اصرفه إلى المساكين قرضاً، فلو تلف في يده فهو من ضمان المالك ، لأنَّ الإمامَ وكيلُ المالك في هذه الصورة، ولو اجتمع سؤالُ المالك، وسؤالُ المساكين, فأي الجانبين يرجِح  وجهان  ","part":1,"page":42},{"id":243,"text":"فرع: المسكين إذا استقر دين في ذمته، يقضى دينه من الصدقات، إن كان حالة القضاء من أهل استحقاق الصدقة ، فإن كان مرتداً أو غنياً لم يقض دينه من الصدقة، وقال الشيخ أبو بكر: لا يُقضى دينه من صدقة حل وجوبها بعد غِناه، فأمَّا ما حلَّ قبل غناه، وكان الدين في ذمته عند الحلول، جاز صرف تلك الصدقة إلى دينه، وهذا مشكل، فإنَّه في حال القضاء غنيٌ، ولعله يُفرض فيما إذا منعنا نقل الصدقة، وانحصر المستحقون ثم تغير حالهم بعد حلول الاستحقاق، أو يوجد ذلك بأنَّ الإمام إذا أخذ للمساكين وإن لم يُسلم إليهم ، فكأنَّه واصلٌ إليهم، ومتقدمٌ وصوله  على غناهم\rفإن قال قائل: قلما  طرأت حالة مانعة من الإجزاء، فهل للمالك الاسترداد والرجوع قلنا هذا ينبني على ما يذكره المالك عند التسليم، وله أربعة مراتب:\rأحدها : أن يقول هذه  زكاتي المعجلة وأنا أرجع فيها إن تبين خلاف ما أقدّر، فيُقطع ها هنا بثبوت الرجوع \rالثانية: أن يقول هذه الصدقة  معجلة، أو عَلم المسكين بالقرينة دون ذكر التعجيل، ولم يشترط الرجوع، ففي الاسترداد وجهان، والصحيح الرجوع، ووجه الآخر أن تقديره  التردد بين التعجيل وبين التبرع، وله التفات على نية صلاة الظهر قبل الزوال \rالثالثة: أن لا يتعرض للتعجيل، ولا يعلم المسكين ، فيه ثلاثة أوجه:\rيفرق في الثالث بين الإمام وبين المالك، فإنَّ تسليم المالك يتردد بين الصدقة والفرض، وتسليم الإمام كالمتعين للفرض \rالرابعة: أن يقول هذه صدقتي المفروضة، فمنهم من ألحق هذا بما\rإذا ذكر التعجيل، ولم يتعرض للرجوع، ومنهم من قال هذا أولى بمنع الرجوع،\rلأن ذكر الفرض يُبنى عن تجزُّؤ الوجوب ، ثم إذا منعنا الرجوع، كان الأداء","part":1,"page":43},{"id":244,"text":"متردداً  بين التعجيل وبين الصدقة، وإذا أثبتنا الرجوع، احتمل أن يقال كان متردداً  بين التملك  وعدمه ، حتى إذا انكشف خلافه، تبين أنَّ المسكين لم يملكه أصلاً، واحتمل أن يقال تردد بين التعجيل والقرض ، حتى يخرج على الخلاف في أن المسكين  تملك بالقبض أم بالتصرف، وهذا احتمال حسن أورده صاحب التقريب وتردد فيه\rفروع ستة:\rأحدها: أنَّا حيث نثبت  الرجوع، فلو أتلف النصاب هل يرجع فيه وجهان: أحدهما: أنَّه لا يرجع لقصده ذلك\rوالثاني: أنَّه يرجع، وهو الصحيح لانعدام الموجب، وانتفاء وقوع الزكاة عن الواجب  \rالثاني: إذا فرعنا   على اختلاف حكم الرجوع بشرط الرجوع والتعجيل، فلو تنازع المالك والقابض فقال المالك قيَّدتُ بالتعجيل وأنكر القابضُ فوجهان:\rأحدُهما: تصديق المالك، فإنه المؤدِّي وإليه الرجوع\rوالثاني: تصديق القابض، لأنَّ المالك اعترف بزوَال الملك  ظاهراً، وهو يبغي استدراكاً، فأمَّا إذا قال نويتُ الرجوع، فهو لا يغنيه على قولنا يشترط التقييد بالشرط ، وإن قلنا يرجع عند الإطلاق فليُصدَّق في قوله: إنِّي أخرجته عن التعجيل \rالثالث: لو كان عين ماله تالفاً، فعلى القابض الضمانُ، وذكر صاحبُ التقريب وجهين في أنَّ العبرة بيوم القبض أو بقيمة يوم التلف، فأما إذا كان ناقصا بصفة، فهل يغرم  أرش النقصان فيه وجهان:\rأحدهما: أنَّه يغرمه كما يغرم  قيمة الأصل لو تلف","part":1,"page":44},{"id":245,"text":"والثاني: أنَّه لا يغرمه وهو الذي حكاه الصيدلاني عن القفال، واستشهد بما لو رد المبيع بالعيب، ووجد بالثمن نقصان صفه ، فإنه يلزمه الرضا به إن أراد الردَّ، وليس له أرش النقصان، وهذا الاستشهاد أيضاً مشكل، نعم إذا عاب المبيع في يد البائع ولم يَرُد المشتري، فقد يقول يلزمه كل الثمن   إن أجاز ورضي بالعيب، ولا يحبط بالنقصان ، أمَّا إذا كان النقصان في عوض المعيب  انقدحت المطالبة بالنقصان، هكذا ذكره الإمام وهو مُتَّجه، فأمَّا إذا كانت  العين قائمةً بحالها، فهل يحوز  للقابض الإبدال أم يثبت له الرجوع إلى عينه فإن قلنا بطريق تبيُّن انتفاء  الملك من أصله رجع إلى عينه، وإن نزلناه على تقدير القرض فكذلك، إذا قلنا القرض لا يملك بمجرد القبض، وإن قلنا إنَّه يملك، فهو كعين القرض إذا كان باقياً و  فيه خلاف \rالرابع: لو  كان [قد باع القابض]  ذلك المال، فإن سلكنا طريق التبيُّن انقدح إبطال تصرفه، وبيعه ، كما إذا قال أنتَ حُرٌ يوم يقدم فلان، فباعه، ثم قدم ضحوة النهار، فعلى قول تبيُّن بطلان التصرف، فإن  سلكنا مسلك تقدير القرض، فقد ملك بالتصرف، وإن [لم يملك بالقبض] ، فعليه القيمة \rالخامس: لو حدثت زيادةٌ منفصلةً، فإن سلكنا طريق التبيُّن استردّ، وإن سلكنا طريق تقدير القرض نزل منزلة زيادة القرض، ولا يخفى تخريجه على الملك\rبالقبض والتصرف، حتى إذا كان قد باع الأصول وبقي النتاج، وقلنا:\rيملك المستقرض قبل التصرف رَدَّ النتاج، وإن قلنا: يملك مستنداً إلى أول القبض،\rفقد حصل في ملكه ولا  يرد  ، ويقرب من هذا في التبيُّن، ما لو أعتق\rالرجل  في مرضه عبداً هو ثلث ماله ثم وَهبَ جارية من إنسان فوطئها الْمُتّهب مع العلم  بحقيقة الحال، وأتت  بولد، فمات  الواهب،","part":1,"page":45},{"id":246,"text":"وردّ الوارث  الوصيّةَ الزَائدةَ، فإنَّا ننفذ العتق، لتقَدُمه، ونُخَصّصُ الهبةَ بالرد، ونَسْتَردُّ الولدَ، ونجعله رقيقاً إذا جرى العلوق به مع العلم، وهذا لا خلاف فيه ، وليس كالزوائد في تعجيل الزكاة، إذ ليس ها هنا مقطوع به، ولا يمكن حمله على قرض أو غيره، ورَدّ الوارث مستند إلى أصل التصرف، وإن اختُلف في أنَّ إجازته إنشاء عطية أو تنفيذ سابق\rالسادس: إذا أخرج زكاة عن مال الغائب على ظن بقائه، فإذا هو فائت، فهو كتعجيل الزكاة في كل حكم وتفريع، ولو قال هو عن الغائب إن كان باقياً وإلا فهو صدقة، أجزاه  عن الغائب، ولم يضُرّ التردد، لأنَّ الأصل بقاؤه، وإن كان تالفاً وقع عن الصدقة، واحتمل هذا التردد، فإنه من ضرورة جواز التعجيل في حق من عزم على ترك الرجوع، وهو الغالب ، ولو قال هذه زكاة المال الفلاني إن انتقل إليَّ بموت مورِّثي فلا يقع الموقع؛ لأنَّ الأصلَ أنَّه لم يمت، بخلاف المال الغائب ، وهذا كما أنَّ من نوى في آخر شعبان أن يصوم غداً، إن كان من رمضان لم يجز، لأنَّه لم يدخل بعدُ، ولو نوى آخرَ رمضان أن يصوم غداً، إن لم يكن من شوال، أجزأه ، لأنَّ الأصل بقاء رمضان، فلتفهم هذه المراتب\r\rالقسم الثالث من طرق الأداء، في تأخير الزكاة عن أول الوقت\rووجوبه على الفور عندنا ، والتأخير مع الإمكان سببُ الضمان والعصيان، والنظر في هذا الطرف في فصلين:\rأحدهما: في بيان حقيقة الإمكان والضمان\rوالثاني: في العوارض الطارئة بين الوجوب والأداء عند التأخير\rالفصل الأول: في بيان الإمكان والضمان\rوقد اختلف قول الشافعي  في أنَّ الإمكان من شرائط الوجوب أو من شرائط الضمان:","part":1,"page":46},{"id":247,"text":"فقال في قول هو من شرائط الوجوب، حتى لا يحكم بالوجوب قبله، لأن تكليف ما لا يطاق محال، ولأنَّ الحج  وجوبه مع إمكان الأداء واستطاعته، فكذلك الزكاة وفائدة هذا إن تلف المال قبل الإمكان، كتلفه قبل الحول في كل حكم ، حتى إنَّ السخال التي نتجت قبل الإمكان قد تجب الزكاة فيها على رأس الحول السابق، ولا خلاف أنَّ الحول الثاني لا يتراخى ابتداؤه إلى الإمكان ، بل يجري تعاقبُهُا وتكرر الزكاة على الانتظام\rوهذا يقوي  القول الثاني وهو  الصحيح، أنه من شرائط الضمان، فإن وجوب الحق في ذمته  يتميَّز  عن أدائه وإخراجه، فوجوب الأداء موقوف على الإمكان، أما ثبوت الوجوب في الذمة يبتني على السبب، وقد جرى، وأمَّا الحج، فتأخر  وجوبه إلى إمكان الأداء ترفيه للخلق\rفإن قيل: وما الإمكان قلنا مهما تعذر الأداءُ حساً أو  شرعاً بمانع، فلا إمكان، وتعذره بغيبة المستحق، وهو المسكين ، أو السلطان، أو بغيبة  المال\rعلى قول  منع نقل الصدقة\rالمانع الأول: غيبة المستحق:","part":1,"page":47},{"id":248,"text":"فإذا  غاب المسكين والسلطان جميعاً، فهو متعذر، ولا إمكان، وإن حضر أحدهما، فإن كان المال من الأموال الباطنة كالنقود، فقد يمكن، إذ لا يجب أداؤه إلى السلطان قطعاً ، وإن كان  من  الأموال الظاهرة ، ففي وجوب الأداء إلى السلطان خلاف ، فإن أوجبنا فلا إمكان بحضور المسكين ، ما لم يحضر السلطان، وإن لم نوجب فهو متمكن بمصادفة الفقير، هذا فيه إذا لم يصادف المستحق، فإن صادف المستحق ولكن لم يُصَادف مَنِ الأفضلُ التسليمُ إليه , كالسلطان في الأموال الظاهرة على قولنا لا يجب، وكالمسكين  في الأموال الباطنة، فإن التسليم إليه أفضل على رأي، أو كالقريب والجار والأحوج، ومن يُرى التسليم إليه أفضل عن الاجتماع والتوافر، فهذه الأعذار لا يتوقف  الوجوب على انتفائها وفاقاً عند من جعل الإمكان شرطاً للوجوب، وهل هو  من الأعذار التي يجوز ترك البدار بسببه  هذا فيه احتمال، فيحتمل  أن يعصي، ويقال رعاية الأفضل عند الاجتماع، ويحتمل تجويز التأخير، فإن لم يجوز التأخير، فإذا أخّر عصى وضمن، وإن جوزنا لم يعص، وهل يضمن فعلى وجهين، ووجه الضمان أن التجويز إن  كان لغرضه في حيازة مزية الفضيلة، كان مقيداً بشرط سلامة العاقبة، فأمَّا إذا كان يُرِيبه من المسكين أمر، ولم يستيقن فقره، فالظاهر أن هذا عذر يرفع الضمان، ثم هذه المعاني إنما يجعلها أعذاراً إذا كان الحاضر لا يتضرر بجوع ناجز لا يحتمل التأخير، فإن كان كذلك فارتقاب الأفضل لا وجه له","part":1,"page":48},{"id":249,"text":"التفريع: إذا ملك خمساً من الإبل، فتلف قبل الإمكان واحد، فإن قلنا: إنَّه من شرائط الوجوب سقط كل الزكاة، كما لو تلف قبل الحول، وإن قلنا: إنَّه من شرائط الضمان سقط بقسطه، وهو خُمُسٌ، ولو تلف الكل، سقط الكل بلا خلاف ، ولو ملك   تسعاً من الإبل، فتلف قبل الإمكان أربع ، فإن قلنا إنه من شرائط [الوجوب، وجب شاة، وكان التلف قبل الحول، وإن قلنا: إنَّه من شرائط]  الضمان، والوجوبُ سابقٌ على التلف، ابتنى على أن الوجوب هل  ينبسط على الوقص، وفيه قولان :\rأحدهما: أنه لا ينبسط وهو الجديد، لأنه قال   ((لا شيء في زيادتها حتى تبلغ عشراً))، فجعله عفواً\rوالثاني: أنه ينبسط، لأنَّ الغنى  حاصلٌ بالكل، ولا تمييز، فأشبه نصاب السرقة\rوإن قلنا: لا ينبسط، فتلف الوقص لا يسقط شيء، وإن قلنا ينبسط يسقط  أربعة أتساع شاة، قال الإمام: الطريق أن نقطع بالانبساط، ويرد  القولين إلى أنَّ الوقص هل يسقط بتلفه شيء فعلى قول لا يسقط، ونجعله وقاية للنصاب، فأمَّا إذا ملك تسعاً قبل  خمس، فعلى قولنا : الإمكان من شرائط الوجوب، يسقط الكل كما قبل الحول، وعلى قولنا الإمكان من شرائط الضمان، يجب أربعة أخماس شاة على الجديد، وأربعة أتساع شاة على قول البسط  وهو القديم \rالمانع الثاني: غيبة المال:\rوقد اختلف قول الشافعي في جواز نقل الصدقة ، فإن قلنا إنه جائز، فالإمكان حاصل في الوقت حيث كان يعد  مقدار ما يؤدِّيه، إلا أنَّه إذا كان متردداً في بقاء المال وتلفه، فلا يلزمه الإخراج من غيره إلى أن يخرج من عين المال، فإنَّ الوجوب متعلقٌ به، إما بالكتابة أو وكيله  بالنهوض أو باستحضار المال، فإن قلنا النقل غير جائز فلا  طريق إلا التوقف إلى أن يتيسر التفريق ويعتبر ذلك في الإمكان \r\rفروع  على قول  امتناع النقل :","part":1,"page":49},{"id":250,"text":"الأول: هو أنه لو ملك عشرين من الغنم ببلدة، وعشرين ببلدة أخرى، نصَّ الشافعي على أنَّه يخرج شاةً بأي البلدتين  شاء، فمن الأصحاب من قال هذا تفريعٌ على جواز النقل، وإلا فعلى منع النقل يجب أن يخرج في  كل  بلدةٍ نصف شاة ، ويحتمل التشقيص لهذه الضرورة، وإن كنا لا نحتمل في الأصل، ونقول لو لم يجد إلا  الشقص، فله إخراج القيمة، فإنَّ البدل مأخوذٌ عند تعذر الأصل، وفي جواز التأخير إلى وجود الجنس نظر، فيحتمل أن يُقَدّم البِدار  على التشوف إلى الجنس\rومن أصحابنا من قال: الشافعي فَرَّعَ على منع النقل، ولكن جُوِّز النقل في هذه الصورة حذراً من التبعيض، ومنهم من عللّ بأنَّ له بكل بلدة  علقة، فله أن يخرج بأي بلدة  شاء، فعلى العلتين يخرج الدراهم التي لا يجوز التشقيص  فيها، والأعداد الكاملة إذا كان ببلده مائتان من   الغنم وبأخرى مائتان فإنه لا يؤدي إلى التشقيص \rالثاني : لو انحصر المستحقون ببلده، وكانوا ثلاثةً مثلاً، ومنعنا النقل، فهل تُرَدُّ  اليمينُ عليهم عند نكول المالك إذا نازع الساعي تقدَّم أولاً تصوير الحاجة إلى اليمين، فإذا قال المالك للساعي: هذا المال وديعة عندي ولا خير لي  من حوله، أو هو لذمي، أو  مكاتب، أو أَدَّيتُ زكاته ، أو لم ينقض  حوله، أو قطعت حوله بالبيع والشراء، قال الشافعي: صدّق رب المال ، وهذا تفريع على وجوب الأداء إلى السلطان، فإنا مع هذا الإيجاب نعلم أن هذه عبادة لله ، والملتزم هو المالك فيجب تصديقه، وهل يحلفه الساعي اضطرب فيه المذهب، والضابط أنه إن كان عدلاً غير متهم، ولم يناقض الظاهر ما يدعيه، لا يحلفه ، وإن كان متهماً وناقض الظاهر ما يدعيه، حَلَّفه، وإن وجد أحدَ المعنيين دون الثاني، فوجهان، ومعنى مناقضة الظاهر أن يقول: هذا لغيره، وظاهر  اليد يشهد بكونه له \rالتفريع :","part":1,"page":50},{"id":251,"text":"إن قلنا يحلفه فالتحليف يستحب أو يستحق فعلى وجهين ، فإن قلنا: يستحب فلا ينبغي أن يَجزِمَ الاقتراح ، فإنَّ  أمر السلطان إرهاقٌ، فليخبر  بأنَّه مستحب ، وإن قلنا إنَّه مستحق، فإن حلف سقطت المطالبة، وإن نكل فثلاثة أوجه :\rأحدُها: القضاء بالنكول، لأنَّه منتهى هذه الخصومة، والرد غير ممكن\rوالثاني: أنه لا يقضى عليه، لأنَّ القضاء بالنكول محال، وعلى هذا هل يُحبَس حتى  يحلف على  وجهين، والحبس للحلف أيضاً يضاهي مذهب أبي حنيفة في القسامة، فكذا  القضاء بالنكول، وهذه الاستحالات تؤيد المصير إلى أن التحليف مستحب، إذ لا معنى للإيجاب على قول ترك الحبس\rوالوجه الثالث: أنَّه إن تصور بصورة المدعين من  قوله أديت الزكاة، أو هو لغيري، فقُضيَ  عليه بالنكول، فإنَّه تُشْبِهُ يمينُه يمين المدعي، والمدعي يقضى عليه بالنكول، وإن لم يتصور بصورة المدعين، فلا يقضى عليه بالنكول، فهذا القائل يعتبر انتهاء الخصومة إمكاناً، مع صورة الدعوى في القضاء بالنكول، هذا كله إذا لم ينحصر المستحقون، فلو انحصر المستحقون على قول منع نقل الصدقة، فإذا نكل المالك مع  الرد عليهم وجهان:\rأحدهما: أنَّه ترد عليهم، لتعيُّنهم للاستحقاق، وهو الذي ذكره الصيدلاني وأكثر الأئمة\rوالثاني: ذكره العراقيون وبعض  المراوزة أنَّه لا تُرد ، لأنَّ الاستحقاق للجهة لا للأعيان، وإنما تعينهم لا لوجود سبب الاستحقاق فيهم على الخصوص بل لفقد غيرهم  \rالثالث: إذا أثبت  الحصر، ونزلناهم منزلة المستحقين لزم عليه أمور:\rأحدها : أن ينقطع طلب السلطان إلى أن يدعوه ، فإنهم تعينوا للاستحقاق، ثم تسمع دعواهم إذا كنا نرد اليمين عليهم، ولا تعرض لليمين  أولا ما لم يدّعوا","part":1,"page":51},{"id":252,"text":"والآخر: أنه يجب التسوية بينهم إذا كانوا خمسةً مثلا، ولا يجوز حرمان واحد منهم، لأنَّ الاقتصار على ثلاثة  إنما جاز لأنَّه أقلُ الجمع، ولا موقف  وراءه ، ولا حصر للفقراء، وإنما جاز المفاضلة لأنَّ بعضهم لو حضر لحاز ، وقد امتنع الحرمان، والآخر أنَّه لو مات واحد منهم، انتقل نصيبه إلى ورثته الأغنياء مقسوماً على فرائض الله، وكل ذلك التزمه الشيخ أبو محمد في التفريع على هذا الأصل، ويلزم على ذلك أمران لم يتعرض له  الأصحاب ، وهو أن ينفذ إبراؤهم وضمهم عيناَ ، وأنه لو افتقرت طائفة أخرى قبل الصرف إليهم، تعين السابقون، وكان اللاحقون كمدد يلحق الجند بعد انجلاء القتال، وكل ذلك بعيد، لأنَّه تفريع ضعيف، على قول ضعيف، والضعيف يزداد بالتفريع ضعفاً\r\rالفصل الثاني: في إزالة السلطنة عن مال الزكاة بعد وجوبها فيه، ببيع، أو رهن، أو رد بعيب، أو رجوع بطلاق ، أو هبة، وكل ذلك يبتني على أصل، وهو أن الزكاة تتعلق بالذمة، أو بالعين ، وفيه طريقان:\rأحدهما: أنَّ فيه قولين:\rأحدهما: أنَّه يتعلق بالذمة\rوالثاني: أنَّه يتعلق بالعين\rثم كيفيه تعلقه بالعين فيه قولان:\rأحدهما: أنَّه بطريق الاستحقاق حتى تثبت شركة الفقير فيه\rوالثاني: بطريق الاستيثاق:\rثم فيه قولان:\rأحدهما: أنَّه كالرهن حتى يمنع البيع\rوالثاني: أنَّه كتعلق أرش الجناية حتى يخرج نفوذ البيع على قولين:","part":1,"page":52},{"id":253,"text":"الطريقة الثانية: القطع بتعلقها بالعين ، وترديد الأقوال في كيفية التعلق، وهذا ذكره ابن سُريج وكشف الغطاء عن هذا الإشكال، هو أنَّ الإجماع منعقد على جواز أداء الزكاة من مال آخر، وهذا يُقوّي التعلق بالذمة، ولا يبقي جواباً لمن يثبت للمساكين شركة، وقد تكلف صاحب التقريب له وجهاً، ونقل قولاً عن الشافعي أنَّه موقوف، فإن أدَّى الزكاة من غيره تبين أن لا شركة، والإجماع أيضاً منعقد على أن المالك لو باع مال الزكاة امتد يد الساعي إليه من يد المشتري، فتخرج منه الزكاة، وهذا يقطع بتعلق الزكاة بالعين، ولا يبقى معه وجه لتنهيض التعلق بالذمة، وخيال ذلك الوجه أن البيع  نافذٌ قطعاً، والمطالبة مُتَوجهَة على المالك، لا كالعبد الجاني، فإن في بيعه تردُّداً، ثم لا يُطالب السيد، ومع ذلك فلا جواب عن جواز منع البيع عند الساعي ، فليقطع بالتعلق بالعين، وليُرَدّ الخلاف إلى كيفيته ثم قال الأئمة: هذا فيه إذا كان الواجب من جنس المال، فأما الشاة في خمس من الإبل، فيتجه فيه قول الذمة، فليُرَتّب على غيره، وليُحكم بأن التعلق بالذمة، فها هنا  أولى، والتحقيق فيه أن هذه الصور  لا تضعف قول الاستيثاق، إنما يضعف قول الاستحقاق  بالشركة، ومن يطرد ذلك القول فيُثبت الشركة في قدرٍ من المالية، وهو ضعيف في الأصل كما سبق \rهذا تمهيد هذه القاعدة ويتهذب مقصوده  برسم خمس  مسائل\rالمسألة الأولى :\rإذا باع مال الزكاة بعد الوجوب، يفرع على الأقوال الأربعة :","part":1,"page":53},{"id":254,"text":"فإن فرَّعنا على قول الذمة، نفذ البيع، والساعي أخذ الشاة من المشتري، فإن أخذها بطل البيع في ذلك القدر، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة، فإن قلنا: لا يبطل في الباقي، فله الخيار في الباقي لتفرق صفقته، وإذا  أجاز، فهل يجبر بكل الثمن فيه خلاف مذكور في تفريق الصفقة، فإن لم يأخذ الساعي منه فهل يثبت له الخيار قبل أخذه إذا تنبه لحقيقة الحال فيه وجهان، فإن قلنا يثبت، فلو أدَّاه المالك من مال نفسه، الظاهر أن خياره يسقط، ومنهم من قال: لا يسقط، لاحتمال أنَّ المؤدي يخرج مستحقاً، فيد الساعي على مال الزكاة والخيار ثابت بيقين، فلا يسقط بالشك، ولا خلاف في أنَّ المالك إذا أدَّى الزكاة من غير ذلك المال يسلط على البيع قطعاً، وإن احتمل خروجه مستحقاً؛ لأنَّ هذا الاحتمال لا ضبط فيه، ولا يثبت للمشتري بعد الأداء خيارٌ بهذا الاحتمال؛ لأنَّ هذا استفتاح خيار بالشك، وإن فرَّعنا على قول الشركة فالبيع في قدر مال الزكاة باطل، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة ، وهو مرتب على ما إذا باع عبداً مملوكاً ومغصوباً، وهذا أولى بالبطلان، لأنَّه انضم إلى جهالة الثمن، شيوعٌ وعسرُ تمييزٍ وتعذَّرَ بنسبةٍ معلومة، قال صاحب التقريب: إن فرعنا في توجيه هذا القول على  الوقف، فإن أخذ الساعي الواجبَ من هذا المال ولم يؤد من غيره، تبين بطلان العقد في المأخوذ، وفي الباقي قولان، فإن أدَّى من غيره مع  صحته في قدر الزكاة قولا وقف العقود، وإن  منعنا الوقف بطل فيه، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة، وعلى قول الشركة لو باع بعض المال منهم من قطع  بالصحة إذا بقي  قدر الزكاة، ومنهم من أثبت الحق شائعاً في الكل، وأبطل بقدر نسبته، وطرد قولي تفريق الصفقة في الباقي ، وإن فرعنا على تشبيه الاستيثاق بأرش الجناية، وقلنا بيع العبد الجاني باطل، فقد بطل في قدر الزكاة، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة، وإذا صححنا فللساعي المنع ، ثم في الخيار ما سبق","part":1,"page":54},{"id":255,"text":"المسألة الثانية: لو اشترى نصاباً زكاتياً ، وحال الحول في يده، ثم اطلَّع على عيب، فأراد الردَّ، فإن أدَّى الزكاةَ أولاً  من غير هذا المال، فله الرد ، إلا على خيال من يقول لعل المخرج يظهر استحقاقه فيعود الساعي إليه، فيكون ذلك عيباً حادثاً يمنع، أو على قول الشركة فإن قدر الزكاة في حكم ملكٍ زائل فعائد ففي جواز ردِّه خلافٌ، وإن لم يؤدِّ الزكاة إلا من عينه، ففي رد الباقي قولا تفريق الصفقة، فيما  إذا اشترى عبدين فوجد بأحدهما عيباً بعد تلف الآخر، أنه هل يَرُد الباقي وإن أدَّى الزكاة من غيره جاز ردُّ الكل على قول استيثاق الرهن وأرش الجناية، لأنَّ طريان هذه الأمور بعد الزوال لا تأثير له\rالمسألة الثالثة: إذا ملك أربعين وتكرّر الحول ولم يخرج الزكاة، فإن قلنا للمساكين شركة، فقد نقص النصاب في الحول الثاني، فلا زكاة في الحول الثاني، وإن فرَّعنا على أنَّه يتعلق بالذمة، ابتنى على أنَّ الدين هل يمنع الوجوب وقد فصَّلنا صوره ، وكذلك إن فرَّعنا على استيثاق الرهن و  أرش الجناية، ولو أنكر  إيجاب الزكاة على المساكين لأثبتنا الخلطة، ولكنَّهم لا يتعيّنون، فلا زكاة في المال الْمُرصَدِ لهم   \rالمسألة الرابعة: إذا أصدق امرأتَه أربعين من الغنم، فحال الحول في ملكها، وجب عليها الزكاةُ سواءٌ كان قبلَ القبض أو بعدَه، فلو طلقها بعد الوجوب فلا يخلوا إمَّا إن كانت أدّت الزكاة من عين المال، أو أدّت من غيره، أو لم تؤدِّ أصلاً، فإن أدَّت من عين المال ففيما يرجع الزوج ثلاثة أقوال:\rأحدهما: أنَّه يرجع بعشرين من الباقي، وتنحصر الزكاة في نصيبها\rوالثاني: أنَّه يشيع المخرج فيرجع بنصف الباقي وقيمته نصف الشاة\rوالثالث: أنَّه يتخير بين موجب القولين السابقين، وهذا يستقصى في الصداق","part":1,"page":55},{"id":256,"text":"فأمَّا إذا أدَّت من مال آخر، رجع الزوج بالنصف على جميع الأقوال إلا على قول الشركة، فإنَّ مقدار الزكاة صار في حكم الزائل العائد، وفي مثله خلاف، فإن جعلناه كالذي لم يعُد، كان كما لو أخرج من عين المال، وفيه مزيد إشكال، وهو أنَّه لو أخرج من عين المال، لتعين المخرج وها هنا  المقَدّر فيه الزوال شائعٌ غيرُ معين، فذكر الصيدلاني فيه تردّداً حاصله وجهان:\rإحداهما: طرد الأقوال كما سبق\rوالثاني: الرجوع إلى نصف قيمة الصداق لما حدث من التعدد\rفأمّا إذا لم تكن قد أدَّت الزكاة، فإن أثبتنا شركة للمساكين فهو كالمخرج إذ تعين الحق فيه، وإن فرَّعنا على قول الذمة فيَدُ الساعي ممتدة، فإذا أخذ فهو كما لو أدَّت بنفسها قبل الطلاق، لأنَّ سببَ الاستحقاقِ سابقٌ، وإن فرَّعنا على قول الرهن والاستيثاق، فهل يلزمها إخراجُ الزكاة من مالٍ آخر لفَكِّ حق الزوج فيه تردد، والظاهر أنَّه يلزمها، كما لو أنشأت الرهن باختيارها ، ووجه التردد أن هذا حصل بغير اختيارها، وفي جناية العبد المصدَّق لا يلزمها الفداء، فإن قلنا بالتشبيه بأرش الجناية لم يلزمها الإخراج من مال آخر \rالمسألة الخامسة: إذا رهن مال الزكاة بعد وجوبها  ، فهو كالبيع وتفريق الصفقة فيه أولى بالاحتمال، لأنَّ جهالة العوض قد يعلل بها الفساد في البيع، ولا عوض في الرهن، ولا معنى أيضاً لإثبات الخيار للمرتهن، فإنَّه  أبداً بالخيار إلا أن يكون الرهنُ مشروطاً في بيعٍ، فنستفيدُ بإثبات الخيار فسخَ البيع  الذي شرط [فيه الرهن] ، فأمَّا إذا رهن المال قبل حولان الحول، ابتنى على وجوب الزكاة على أنَّ الدَّين هل يمنع وجوب الزكاة إن  قلنا: لا يمنع، فإذا لم يكن للراهن مال سواه، فهل تخرج الزكاة من المرهون ","part":1,"page":56},{"id":257,"text":"قال الشيخ أبو محمد: إن فرَّعنا على قول الشركة، أو على قول أرش الجناية قُدّم على حق المرتهن، وإن فرعنا على تشبيهه بالرهن، فلا، لأنَّ الراهن لا يقدر على رهن المرهون، وهذا فاسد، لأنَّ هذا وإن شُبّه بالرهن فهو حاصلٌ بغير إخبار الراهن، فهو في هذه القضية [أنه يلتحق]  بأرش الجناية في وجوب تقديم الزكاة، وأي معنى لإيجاب الزكاة إذا لم تمتد يد الساعي إلى المال، ولا مال للمالك غيره \rالتفريع:\rإذا  قلنا نقدّم حق الزكاة، فلو أيسر بعد الإخراج  هل يلزمه جبره للمرتهن بوضع قيمته ديناً  فيه وجهان بناهما الصيدلاني على أنَّ الزكاة في مال القراض هل يُسلك بها مسلك المؤن حتى ينحصر في الربح، أو يسلك بها مسلك استرداد طائفة من المال فإن قلنا: هو كاسترداد طائفة، لزم  الجبر، وإن قلنا: كالمؤن المحصورة في الربح، فلا جبر هاهنا، وفي هذا البناء   نظرٌ، لأنَّ مؤنَ الرهن  على الراهن بالإجماع، فيوجَّه هذا بالتشبيه بتسليم العبد للبيع في أرش الجناية، فإنَّ امتناعه عن الفداء لا يلزمه ضماناً، ثم يبتني على وجوب  الجبر، أنه لو كان موسراً، هل يلزمه الأداء من غير المرهون فقطع  الصيدلاني بأنه يلزمه الأداء من موضع آخر، إذا تمكن ابتداءاً، والبناء على وجوب الجبر أظهر كما ذكرناه \r\r\rالنوع الثاني  من  الزكوات: زكاة المعشرات\rوالكلام فيها في ثلاثة أطراف: الموجب، والواجب، ووقت الوجوب\rالنظر  الأول في الموجب: والنظر في جنسه، وقدره \rالنظر الأول: في جنسه\rوضبط المذهب الجديد، أن العُشر يجب في كل مستنبت مقتات  تنبته  أرض مملوكة، أو مستأجرة، خراجية، أو غير خراجية، إذا كان مالكه متعيناً، حراً، مسلماً، وفي كل وصف مما ذكرناه قيد، واحتراز اختلف العلماء فيه\rأما القيد بالقوت فخالف فيه أبو حنيفة، فإنه يطرد الوجوب\rفي كل ما يقصد من نماء الأرض، حتى البقول ، ولا يطرد في الحشيش،","part":1,"page":57},{"id":258,"text":"لأنه يُبغى  تنحيته من الأرض، وخالف أبو يوسف، وطرد في كل ما تتكرّر  ثمرته من الأشجار، ولم يطرد في البقول ، وخالف مالك ، فطرده  في كل ما تعظم منفعته، وإن لم يكن قوتاً، كالقطن وغيره \rوأمَّا قولنا مستنبتٌ، احترزنا به عما تنبته الصحارى، كالثُّفّاء ، والتُّرمُس، وهو مقتات، ولكنَّه في حال  الاضطرار تقتاتُهَا العرب، ويمكن إبدال صفة الاستنبات بما يُقتَات في حالة  الاختيار، ليحصل  الاحتراز\rوقولنا: كانت الأرضُ مملوكةً أو مستأجرةً، أردنا به أنَّ العشر في زرع الأرض المستأجرة على المستأجر ، وقال أبو حنيفة هو  على المالك \rوقولنا خراجية أو غير خراجية خالف  أبو حنيفة ، فإنَّه  لا يرى الجمع بين العشر والخراج، وعندنا أنَّهما يجتمعان، وتفصيل الخراج يُستقصى في كتاب الجزية\rولا يتصور الخراج عندنا إلا في موضعين:\rأحدهما: أن يصالح الإمام الكفار على أن تكون أراضيهم فيئاً، ويردَّها عليهم  ليعملوا فيها، ويضرب عليهم خراجاً، هو كراء الأرض للمسلمين  ، فلو أسلموا لم يسقط هذا الخراج، فإنَّه كراء ولم نمنع وجوب العشر \rوالثاني: أن يملك الغانمون أراضيهم   فيستطيب الإمام نفوسهم ويجعلها فيئاً، ويضرب على عمالها خراجاً يصرفه إلى فقراء المسلمين، ويسلمها إلى من شاء، ليعمل فيها بالخراج، وهو الكراء أيضاً، فأمَّا إذا ضرب الإمامُ على الأراضي المملوكة للكفار خراجاً، فهو جزية، فإذا  أسلموا أسقط\rوقال أبو زيد المروزي : إذا رأى الإمامُ إبدال العشر بالخراج، فله ذلك ويسقط العشر ، ورأيه متبع، وهذا غيرُ معتدٍ به\rوأمَّا قولنا ينبغي أن يكون المالك متعيناً، احترزنا به عن الضيعة الموقوفة\rعلى المساجد والرباطات والقناطر، فلا  عُشر في زرعها  عندنا ، خلافاً\rلأبي حنيفة ، فإنَّه جعل الحق  ثابتاً على الحقين، ولذلك خالفنا في الذمي والمكاتب، وأوجب عليهما","part":1,"page":58},{"id":259,"text":"هذا ترتيب المذهب في الجديد\rأمَّا القديم فقد زاد الشافعي  إيجاب الزكاة في الزيتون اتباعاً للأثر \rوفي الورس في القديم قولان، لأنَّه رأى كتاباً لأبي بكر  أمر فيه بأخذ العشر من الورس، فتردد في صحته \rوفي الزعفران قولان مرتبان ، وأولى بأن لا يجب، لأنه لا أثر فيه، ولكنه في معناه لقُربه\rوحكى العراقيون عن أبي إسحاق  أنه كان ينقل في العسل  قولين على من يشتاره إمَّا من محل مملوك، أو موضع  ساحة\rوأما السمسم والكتّان فلا زكاة فيهما قديماً وجديداً، لأنَّ ما يغلب عليه الدهنية، لا تقوم النفس بتعاطيه \rوأمَّا  الأرز واللوبيا والباقلاء والحمص والذرة والماش، فكل ذلك أقوات، وكذلك العنب والرطب\rالتفريع:\rإن  أوجبنا الزكاة في الزيتون ، ففيه ثلاثة أوجه :\rإحداها : أنَّه يخرج الزكاة من الزيت ، فإنه منتهى حاله، كما يخرج من التمر لا من الرطب، ثم ينقدح احتمال في الكسب الذي يتخلف، [فإن الزكاة وجبت]  في الزيتون   لا كالتين وقشور الحبوب، فإنَّ الزكاة تجب في الحب، فيحتمل أن يجب تسليم عشر الكسب أيضاً إليهم\rوالثاني: أنه يخرج من الزيتون \rوالثالث: يتخير  \rوإن أوجبنا في الورس والزعفران، فأكثر الأصحاب  أنَّه لا يعتبر فيه النصاب ، بل يجب في القليل، لأنَّ قدر نصاب  منه قلَّ ما يجتمع  لشخص، وقد نُقل عن السلف أخذُ الزكاة منه، فليحمل على الممكن\rومما نقل التردد فيه في القديم الترمس ، وهو حَبٌّ ببلاد الشام قريب الحجم من اللوبيا، يهيج الباه ولا يقوت دواماً\rوتردد العراقيون في العصفر، وذكر الصيدلاني أنَّه يجب في حب العصفر \rفكل ذلك قديم مرجوع عنه بناه الشافعي  على رأيه في القديم  تقليد الصحابة  \rالنظر الثاني: في قدره الموجب","part":1,"page":59},{"id":260,"text":"والنصاب معتبرٌ عند الشافعي  في المعشرات، قال رسول الله : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» ، وأبو حنيفة أوجب في القليل ولم يعتبر النصاب \rثم الوسق  ستون صاعاً ، والصاع أربعة أمداد،\rوالمد  رِطل وثلث، فمجموع الأوسق الخمس  ثمانمائة مَن \rوقال أبو حنيفة: إذا بلغ هذا المبلغ وجب أداؤه إلى السلطان وقبله لا \rوقال داود : لا يعتبر  الأوسق الأوسُق إلا فيما يُعتاد توسيقه، وعندنا يُقدر فيما لا يُعتاد \rواختلف الأصحاب في أنَّ هذا التقدير تقريب أو تحديد \rفمنهم من قال: تحديد  إذا رجع آخره إلى التقدير بالأرطال، والوزن مضبوط لا يختلف \rومنهم من قال: هو  تقريب ، لأنَّ تحديد الوسق ستين صاعاً من نقل أئمة اللغة، وهو في الأصل عبارة عن عدلٍ مقتصدٍ، والأمر فيه يضطرب، كيف ولو سلم اختصاصه بستين صاعاً فهي إذا فرضت من الحنطة الغلكة المستحجرة  تثاقل وزنها على الدابة، وإذا فرضت من الحنطة الرخوة الحقيقية ، احتمل مزيداً \rفإن قلنا: أنَّه تقريبٌ، قال العراقيون  لا يضر نقصان خمسة أرطال فما دونه   ، وهذا التقدير لا مستند له أيضاً، وقد ذكرنا مردَّاً للتقريب في القلتين، والمراد ها هنا أن يقال  إذا نقص من الجملة قدرٌ لو فُضَّ  على خمسة أوسق لم يعد نقصاً عن الاعتدال، فهو غير ضائر، أو يقدر الخفيف من كل نوع، والرزين منه ويعتبر الوسط من الجنسين، فإن أشكل الضبط في محل احتمل استصحاب براءة الذمة إلى أن يستيقن شغله  هذا تمهيد هذه القاعدة، وتتهذب برسم مسائل خمس :","part":1,"page":60},{"id":261,"text":"الأولى: أنَّ الناقص عن النصاب قد يكتمل  بنصيب الشريك إذا أثبتنا الخلطة في الثمار كما سبق، وقد فرَّع الشافعي ها هنا على إثباتها، وقال : لو خلف مَيّتٌ نخيلاً مثمرةً بين ورثة  فبدا الصلاح، وكان المجموع خمسة أوسق، وجبت  الزكاة، فلو اقتسموا قبل بدو الصلاح، فقد زالت الشركة، وهي خلطة الجوار، فإن أثبتناها فالزكاة ثابتة كما سبق\rاعترض  المزني وقال : كيف تتصور القسمة، والقسمة بيع، وبيع الرطب بالرطب باطل، فقال أصحابنا: الطريق أن يبيع كل واحد حصته من ثمر  نخيل مُعَيّن بحصة صاحبه من خشب  نخيل آخر، وكذلك يقابله صاحبه بمثله، حتى يخلص شجره لواحد بثمرها، وتخلص للآخر أيضاً مثلها    أو يبيع أحدهما حصته من الآخر بعشرة ، ويشتري حصة صاحبه بعشرة، ثم يتقاصَّان\rالمسألة الثانية: إذا كان لرجل نخلة تثمر في السنة مرتين ، فلا يضم حمل إلى حمل في تكميل النصاب، بل تنزل منزلة حمل سنتين \rولو كان له نخل بتهامة ، وهو أسرع إدراكاً، [فأطلعت نخلة]  بنجد قبل بدو الصلاح بالزهو في نخيل تهامة، ضم اليد  في تكميل النصاب قطعاً، ولو تراخى إطلاع نخيل نجد عن جذاذ ثمار تهامة، فلا ضم  قطعاً ، ولو تقدم على الجذاذ وتراخى   عن  بدو الصلاح بالزهو، فعلى وجهين:\rقطع الصيدلاني : بأنَّه لا يضم، نظراً إلى الزهو، فإنَّه وقت الوجوب، وقد تراخى الإطلاع عنه\rوالثاني: وهو الذي صححه الفوراني: [أنَّه يضم] ، نظراً إلى الجذاذ، فإنَّ الثمار ما دامت على الأشجار فهي بعُرضة التلاحق\rالتفريع:\rإن نظرنا إلى الجذاذ، فالعبرة بوقوع الجذاذ أو بدخول وقته فعلى وجهين، وإن  قلنا إذا دخل وقته فهو كالمجذوذ، فلو كان الجذاذ ممكناً ولكن التأخير به أولى، فالأظهر أنه لا يُجعل ها هنا كالمجذوذ إلى أن ينتهي بنهايته \rفرعٌ فرَّعه الشافعي، وهو أنه:","part":1,"page":61},{"id":262,"text":"إذا كانت  له تهاميَّة تُثمر في السنة مرتين، فأطلعت نجدِيَّة قبل جذاذ الثمرة الأولى ، وضممناها إليها  تفريعاً على النظر إلى الجذاذ، فلو جذَّت التهامية وبقيت النجدية غير مجذوذة حتى أطلعت التهامية مرة أخرى، فلا نضم النجدية إلى الثمرة الثانية قال الشافعي: لأنا لو ضممناها لزمنا ضمها  الثمرة الأولى إلى الثانية في التهامية بواسطة النجدية، وذلك لا وجه له، فكفي بالضم  الأول، ولو لم يجز الضم الأول، بأن كان إطلاع النجدية بعد جذاذ الثمرة الأولى من التهامية، فأطلعت التهامية ثانياً قبل جذاذ النجدية، فلابد من الضم، لأن ما حاذرناه  مندفع في هذه الصورة\rالمسألة الثالثة: لا يُضم جنس من الحبوب إلى جنس في تكميل النصاب ، خلافاً لمالك ~ ، فإنه ضمَّ ما سوى الحنطة والشعير بعضها إلى بعض، كالحمص والباقلاء والعلس، وهي التي تسمّى القطنية\rفأمَّا العَلَس  فإنَّه مضموم إلى الحنطة، وقيل هو [حنطة بالشام]  حبتان منه في كمام واحد في السنبلة\rوأما السلْت  ففيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنَّه مضموم إلى الشعير، لأنَّه على صورة الشعير، و  لكن لا قشرة له، وبه قطع الشيخ أبو محمد \rوالثاني: مضموم  إلى الحنطة، لأنَّه على طبع الحنطة، [يشتد شدتها] ، ويميل   إلى الحرارة \rوالثالث: أنَّه لا يضم إلى غيره، بل هو أصل بنفسه، إن بلغ نصاباً وجبت   الزكاة ، وإلا فلا، وبه قطع الصيدلاني ، قال الإمام : وما أدري ما السُّلْت، إلا ما يسمى بالفارسية ترس جو، فإنَّه شعير على الحقيقة، والسُّلْت لا يوجد في هذه الديار، ثم إن قلنا يضم إلى واحد منهما، فلا يباع به متفاضلاً، لأنَّه جنس، وإن قلنا لا يضم، كان الجنس مختلفاً ، فيحتمل التفاضل في البيع ","part":1,"page":62},{"id":263,"text":"المسألة الرابعة: الذُرة تُحصَد في السنة مراراً، وتزرع مراراً، فإذا حُصِد وزُرع بعده وحصد، هل  يضَم أحدُهما إلى الآخر في تكميل النصاب فيه خمسة أقوال منصوصة :\rأحدها: أنَّه لا يضم كما لا يضم حمل شجرة إلى حملها وإن اتحدت السنة \rوالثاني: أنَّه يخالف الشجرة، [لأن التكرر]  في الزرع معتاد، وفي الأشجار نادر، فلا عبرة به، ثم ننظر إلى وقوع الكل في سنة واحدة، فإن وقع الزرعان والحصدان  في سنة واحدة عربيَّة، وجب الضم، ويعد  ذلك ريع سنة واحدة اعتياداً \rوالثالث: أنه يُكتفَى بوقوع الزرعين في سنة واحدة، لأنَّه  الداخل تحت الاختيار، والحصاد يتعلق بالإدراك، ولا يرتبط بالاختيار، فلا يعتبر فيه الاجتماع \rوالرابع: أنه يُكتفى باجتماع الحصادين في سنة، لأنَّه المقصود ومنتهى الأمر، ولا نظر إلى الزراعة\rوقد نصَّ على هذه الأقوال [جميعاً في الجديد] ، ونصَّ على الخامس في الكبير ، أنه إن وقع الحصدان  أو الزرعان، أو زرع الثاني وحصد الأول في سنة،\rوقع الاكتفاء بأي واحد كان، ووجب الضم ، وهذا بعيد يتداعى إلى ضم\rالمتلاحق  في كل السنين، فإن كل زرع حُصِد لا تتراخى الزراعة بعده عن الحصاد بسنة قط في الاعتياد ، وهذه الأقوال فيه إذا زُرع بعد حصاد الأول، ولو  زرع قبل حصاد الأول وكان  مقروناً بالزرع الأول على تواصل معتاد ولم يتقدم الثاني على إنبات الأول، فهو مضموم قطعاً ، فإنَّ الزرع في الابتداء يتوالى ويتفرق في العادة  ، وكذلك في الإدراك، فإنه يتواصل، وقد يقع حصاد الجميع في شهر وشهرين، فالمتواصل منه متفق قطعاً \rفأمَّا إذا أنشأ الزرع الثاني بعد اشتداد الحب في الأول، ففيه خلاف مُرتبٌ على ما إذا زرع بعد الحصد، وها هنا أولى بالضم \rوإن  وقعت الزروع معاً، فأدرك بعضها والبعض  بقلٌ، [ففيه","part":1,"page":63},{"id":264,"text":"طريقان] ، أصحهما القطع بالضم  كما يفرض من التفاوت في إطلاع النخل وزهوها، فإن ذلك لا يوجب التفريق، ومنهم من خرّج على الخلاف مُرتباً على ما سبق من تراخي الزرع عن اشتداد الحب، والفرق بين الزرع والثمار، أنَّ الزرع إذا تأخر عن الإدراك فهو   حشيشٌ بَعْدُ لم يتعلق به حق المساكين، وأمَّا  الطَّلع فيشتمل  على متعلق حق المساكين، وإنَّما المنتظر تغير وصفه ، والصحيح الجمع كما سبق\rوقد ذكر الشافعي  في المختصر لفظاً تردد الأصحاب في معناه فقال: الذرة تزرع مرة فتخرج فتحصد مرة أخرى، فهو زرع واحد، وإن تأخر حصده  الأخير ، هذا كلامه، واختلف الأصحاب في تفسيره، منهم من قال: أراد به الذرة الهندية التي تخرج من الشجرة ، فإنَّها إذا قطعت تشعب من أصولها أغصان، وتخرج سنابل فالكل  زرع واحد، وللأصحاب ثلاثة أوجه في هذه الصورة :\rمنهم  من قطع بالضم ونزّل عليه النص، بخلاف الذرة إذا زُرِعت  بعد الحصد فإنها  على أقوال، لأنَّ هذا زرعٌ واحدٌ اختلف حصاده، وبخلاف حملي نخلة واحدة، فإنَّ الشجرةَ ثابتةٌ كالأرض فحملاها كزرعي الأرض، وهذا كريع  واحد تفاوت إدراكه\rوالثاني: أنَّ هذه المسألة تُخَرَّج على الأقوال التي ذكرناها في الذرة فهي هي، ثم ننظر ما بين الزرعين، وها هنا ننظر ما بين الزرع الأول والنبات الثاني\rومنهم من قطع ها هنا بأنَّه لا يضم، وزعم أنَّه على صورة النخلة، وأبى أن يكون هو المراد بكلام  الشافعي\rالتفسير الثاني: أن ينتثر من سنابل الذرة بتحرك  الرياح، أو نقر العصافير في الأرض فيستخلف  ، فهذا مضموم إلى الأول، لأنَّه لم يقصد زراعته، فهو في حكم التبع، ومن أصحابنا من أبى هذا التفسير وطرد فيه الأقوال ، كما إذا أنشأت الزراعة اختياراً","part":1,"page":64},{"id":265,"text":"التفسير الثالث: التنزيل على ما إذا علا بعض طاقات الذرة واستعلت الصغار فبقيت مخضرة، فلما حُصِدت الكبار لحقت الصغار وأدركت، ولعل هذا هو الأصح، فقد قطع جماهير الأصحاب بالضم في هذه الصورة؛ لأنَّه كالزرع الواحد زرع مرة واحدة وإنما هو  تواصلٌ في الإدراك على تلاحق، فلا يضر التفاوت، ولم يخالف في هذه الصورة إلا أبو إسحاق المروزي ، وقال: إنَّه يخرج على الأقوال، وهو الذي خرّج على الأقوال ما إذا أدرك البعض والبعض بعدُ بقلٌ كما سبق تصويره\rالمسألة الخامسة: النصاب يعتبر في الحبوب ولا يكمل بضم القشر إليه، بل يعتبر بعد التنقية، إلا فيما يطحن مع القشرة ، كالذرة فتوسق مع قشورها، وإن كانت لا تطحن معها كالأرز لم يعتبر \rقال الشافعي: وهذا كما أن الوسق يُقَدّر في الزبيب والتمر، لا في الرطب والعنب، فلا تجب الزكاة إلا في قدر من العنب إذا زُبِّب   كان زبيبه خمسة أوسق، هذا فيما يقبل الجفاف، أما ما لا يقبل كالرطب الذي  لا يتتمّر فيوسق رطباً ، ويأخذ الساعي الرطب، وهو سديد على قولنا القسمة إفراز حق، وإن قلنا: إنَّه بيع، وجوزنا بيع مثل هذا الرطب بعضه ببعض ، فهو أيضاً سديد، وإن قلنا: إنَّه لا يجوز فهذا سديد على قولنا إنَّ المساكين لا شركة لهم في مال الزكاة، وإنَّما هو في الذمة، فهذا توفية حق لا قسمة، وإن فرعنا على الشركة فقد يجرُّ ذلك عسراً \rفأمَّا ما يتتمّر إذا أخذ [منه الساعي]  الرطب، لم يتأدَّ به الفرض، ويجب عليه الرد إلى المالك ، وطلب  حق المساكين من التمر، ولو تلف في يده ضمن، لأنَّه تعدى  بأخذ غير الواجب، إذ الواجب تمر، والرطب ليس تمراً، فهو بدل، ولا مدخل للإبدال  عندنا في الزكوات  ومن أصحابنا من قال: ما لا يتتمر يؤخذ منه الرطب ، ولكن يقدر الجفاف للتوسق ، ولا نكتفي  بخمسة أوسق من الرطب، وهذا بعيد\rالطرف الثاني: في الواجب\rوالنظر في [قدره وجنسه] ","part":1,"page":65},{"id":266,"text":"أما القدر فقال  رسول الله : «فيما سقت السماء العشر، وفيما سُقي بنضح أو دالية نصف العشر»\rوأجمعوا  على أن ماء القنوات والأنهار في معنى سقي السماء، وإن كثُرت مُؤَنُهَا\rوالناعورة [التي تدير الماء بنفسها]  في معنى النضح بالدالية، فإنها  تسبب إلى النزح \rوبيان هذه القاعدة بمسألتين:\rالأولى:  الذي بُنِي أمره على الجمع فيه بين النضح والسقي بالنهر فيه قولان :\rأحدهما: أنَّ الاعتبار بالأغلب\rوالثاني: أنا نعتبرهما جميعاً، ونوجب بحسابهما \rالتفريع:\rإن  اعتبرناهما جميعا، فإذا سقي بهما على وتيرة واحدة، فنوجب في النصف بحساب العشر، وفي نصف بحساب ربع  العشر، فيجتمع ثلاثة أرباع العشر ، وفي  معيار معرفة القدر وجهان، أحدهما: أنَّ الاعتبار بعدد السقي، ومنهم من قال أنَّ الاعتبار بما به نمو الزرع وبقاؤه ، فإن جرت ثلاث سقيات في شهرين، وسقية واحدة في أربعة أشهر، فالواقع في الأربعة أشهر أغلب، ومنهم من عبر عن هذا بأنَّ النظر إلى قدر المنفعة، فالأنفع  أغلب، ولا ينظر إلى طول الْمُدة وقصرها ، وهذا قريب من الوجه الثاني\rفاستوى الأمران، ففيه وجهان، أحدهما: الرجوع إلى قول التقسيط، والثاني: إيجاب العشر ترجيحاً   لجانب المساكين ، وإن أشكل الأمر ولم ندر ما الأغلب، قال   ابن سريج هو كما إذا استويا، إذ تقابل الأمران فصار كدار تداعاها رجلان، فإنا نجعلهما  في يدهما  على الشركة \rثم هذا كله في سقية تنفع، أما الذي لا ينفع أو لا يضر، فلا التفات إليه\rالمسألة الثانية : لو كان بناء  الزرع على سقي الأنهار، فافتقر على الندور إلى النضح، فمن أصحابنا من قال لا عبرة بالنادر، والواجب هو العشر، وكذا عكسه، والصحيح أنَّه يخرج على الخلاف السابق، فالنادر  فيه كالغالب ","part":1,"page":66},{"id":267,"text":"ومنهم من شبَّه النادر بالعَلَف النادر في أثناء السنة، فإنا نقول على رأي لا تسقط الزكاة به، ولا فرق، إلا أن تأثير العَلَف في الإسقاط، وتأثير  النضح في التقليل، ولذلك لم يصر أحَدٌ إلى جمع السَّوم والعلف، بل قيل ما مضى في زمان العلف غير محسوب من الحول، فوجوده كعدمه، فيؤدي إلى السقوط \rواختتام النظر في قدر الواجب بمسألتين:\rأحدهما:  أنَّ الشافعي قال : تكيل للمالك أولا  تسعاً وللمساكين واحدا، وإن  كان من سقي النضح فتسعة عشر للمالك وواحد للمساكين، ووجه تقديم المالك، أنَّ  حق المسكين إنما يظهر بمقدار حقه فهو كالتابع فيه \rالثانية : أن الإمام لو رأى ضرب عُشرَين على أراضي أهل الذمة، جاز له ذلك، ولكن إذا  أسلموا سقط أحدُ العُشرين، ووجب الثاني باسم الزكاة، وقال أبو حنيفة  يبقى وجوب العُشرين في ملك  الأراضي عليهم وعلى كل من يشتري\rملك  الأراضي منهم\rهذا هو النظر في قدر الواجب\rفأما  جنسه ونوعه، فإن اتحدَّ النوع  أخذ من جنسه، وإن اختلف وأمكن أن يؤخذ من كل بقسطه فعلنا ذلك، إذ التقسيط في الثمار غير محذورٍ ، لا كالمواشي عند اجتماع الضأن والمعز، فإنَّا قد نأخذ الأغلب حذارٍ من التشقيص، وإن كثرت الأنواع وعسر تتبعها فلا يطلب  الأجود، ولا يُرضى  بالأردأ  ، ويُطلب  الوسط من  ذلك، فهو الإنصاف للجانبين \rالطرف الثالث: في وقت الوجوب\rوهو بدو الصلاح في الثمار بالزهو على ما سنفصله في البيع، واشتداد الحب في الزرع\rثم إذا جرى ذلك فقد وجب الثمر والحب للمساكين، أي جرى سبب وجوبه، ولا خطاب بالتأدية، إذ هو غير متمكن من أداء الثمر قبل الجفاف","part":1,"page":67},{"id":268,"text":"وحكى صاحب التقريب  قولاً في أنَّ الزكاة لا تجب إلا بعد الجفاف، إذ يستحيل وجوب الثمر مع عدمه، واستحالة أدائه، وزكاة المواشي لا تجب إلا بعد إمكان الأداء  ، فكذلك  هذا، وهذا يلتفت على قولنا الإمكان شرط الوجوب، وهو مع ذلك فاسد، فلا ينبغي أن تجري جميع الأبواب على نسق، بل القاعدة أنَّ الثمار إذا تهيأت للانتفاع وجب نفع المساكين، والتهيؤ بدو  الصلاح، ولكن لو كلف المالك قطعها وتوسيقها لأدى  إلى الإضرار، [فالغرض عظيمٌ]  في الرطب والعنب، ولو تركه  إلى الجفاف، وطُوّق المالك مَؤُونة  التجفيف لم يضر بالمسكين، فجرى خطاب الأداء مستأخراً عن تقرير الوجوب\rهذا تمهيد هذا الطرف، ومقصوده لا يتهذب إلا بتقديم مقدمة في الخرص\rوالخرص ثابت عند الشافعي في النخل والكرم ، لا في الزروع ، فإنها  مستترة بالسنابل، لا يفيد النظر إليها ظناً ظاهراً\rوالأصل فيه ما روي  أن عبد الله بن روَاحة خرص [نخل خيبر]  على أهل خيبر في قصة مشهورة\rوكيفيته أن يقدر الخبير أقدار الثمار وما تصير إليها  إذا جفت، ويَحزُر قدر كل نوع عما  تجتمع له، ووقت ذلك ما بعد بدو الصلاح، وأبو حنيفة  أنكر أصل الخرص\rواختلف  قول الشافعي  في أنه هل يُكتفى بواحد أو  لابد من خارصَين \rأحدهما: أنه كالحاكم، فلا يشترط تعدده\rوالثاني: أنه كالشاهد، وعلى القولين لابد من الحرية، والعدالة   \rوذكر صاحب التقريب قولا ثالثاً، وهو  إن كان المخروص عليه طفلا، أو فيهم طفل فلابد من خارصَين، ولا يكفي واحد، وذكر مثل ذلك في القاسم","part":1,"page":68},{"id":269,"text":"وقال صاحب التقريب: الصحيح أنَّ الخارص يُدخل كل النخيل في الخرص، وهو الجديد، ونقل قولاً عن  القديم أنَّه يترك لرب النخل نخلة أونخلات يأكل ثمارها هو وأهله، ويختلف ذلك بكثرة عياله وقلتهم، وذلك في مقابلة تعبه في التجفيف ورده إلى الجرين ومؤونته  فيها، وهذا ضعيف مرجوع عنه  لقواعد النُصُب والزكوات \rثم  اختلف قول الشافعي  في أنَّ الخرص عِبْرَةٌ أو تضمين ، فقال في قول أنَّه عبرة معناه أنَّه لا يفيد حكماً مستجداً، ولا يغير أمراً، وإنَّما يفيد ظناً وحسباناً بالمقدار، حتى إذا جفت الثمار طلبنا العُشر بقدره، وإلا فحكم التصرف في الثمار كما كان قبل الخرص، والثاني أن الخرص تضمين، ومعناه أنه يفيد نقل الزكاة إلى ذمة المالك وتقديره عليه، وإطلاق تصرفه في الثمار حتى يتصرف كما يشاء \rومسائل هذا الطرف تبتني على ما قدمناه في وقت وجوب الزكاة، و  في الخرص [مسائل وهي ثمانية]   :\rالمسألة الأولى : إذا أتلف المالك جميع الثمار بعد الخرص ماذا يلزمه إن قلنا الخرص عبرة فيلزمه قيمة ما أتلف وهو عُشْرُ الرطب، كالأجنبي إذا أتلف، وذكر صاحب التقريب وجهاً أنه يلزم  أكثر الأمرين من قيمة العشر رطباً، أو مكيلته تمراً جافاً، وهذا مُزَيّفٌ، وإن  قلنا إنه تضمين فيلزمه العُشر  وهو كذا تمراً جافاً، فعلى هذا إن لم يصرح فنرجع إلى قول العبرة، هذا  إذا تلف بعد الخرص \rفإن أتلف بعد دخول وقت الخرص وقبل جريانه، فإيجاب التمر ها هنا تضميناً مرتبٌ على ما   إذا  جرى، وها هنا أولى بأن يقتصر على قيمة الرطب، ووجه الإيجاب أن بدو الصلاح هو الموجب، والخرص مظهر، فدخول وقته كاف، فأما إذا جرى الإتلاف قبل الزهو فلا خلاف في سقوط الزكاة، وهو كالإتلاف قبل حولان  الحول","part":1,"page":69},{"id":270,"text":"المسألة الثانية : لو تلف بجائحة وآفة سماوية سقط عنه الزكاة، لأنَّه لم يقصر، وإن فرعنا على قول التضمين، فإن قرار ذلك الضمان مشروط بالبقاء إلى الإمكان، وهذا تلفٌ قبل الإمكان\rفرعان:\rأحدهما : لو ادّعى جائحةً، فإن كان قريباً من الإمكان صُدّق، وإن رَدّته المشاهدة كُذّب، وإن كان يمكن صدقه ولكن الغالب أنَّه لو وقع لظهر قال العراقيون لابدَّ من بَيّنة في هذه الصورة، ولا  يُكتفى بيمينه إذا اتهم والحالة هذه، وطردوا هذا الترتيب في الْمُودَع إذا ادّعى فوات الوديعة، وقطع الشيخ أبو محمد بأنَّ كل مؤتمن يصَدّق بيمينه إذا ادعى ممكناً، ولا يُطالب بالبينة ، فإنَّه يُصَدق المودَع إذا ادعى الرد مع أن الأصل عدمه، ثم من نُطالبه بالبينة فيكفيه أن يقيم البينة على وقوع حريق مثلاً، ولا نُكلفه البينة على مقدار النقصان، بل يُحلَّف إذا اتُهم في التفصيل بعد ثبوت الأصل بالبينة \rالفرع الثاني: لو ادعى غلط الخارص، وقال أحصيته كيلاً فنقص، فإن نسبَتهُ إليه التعمد يقبل، لأنَّه طعن في أمين من جهة الشرع، وأنَّ نسبته إلى الغلط وكان ذلك القدر مما يقع للأمين صدق مع يمينه، وإن كان فاحشاً كما إذا ادعى نقصان النصف وما يقاربه، لم يقبل في القدر الخارج عن الإمكان، وقبل في قدر الإمكان، وكان كالمرأة إذا ادعت انقضاء العدة في أقل من اثنين وثلاثين يوماً وساعتين، فإنَّا لا نصدقها في الحال، وإذا انقضى هذا  القدر صدقناها، والتكذيب قبل ذلك لا يوجب التكذيب في الممكن، فأما إذا ادعى نقصاناً قد يعرض   مثله في تفاوت الكيلين، فمنهم من لم يلتفت إليه وحمل ذلك على أنَّه لو أعاد الكيل ربما وفى، ومنهم من صدق إذا ادعى الاقتصار في الكيل وليس من ضرورة الكيل ","part":1,"page":70},{"id":271,"text":"المسألة الثالثة : تصرف المالك في جميع الثمار بعد الخرص يبنى على القولين، وإن قلنا إن الخرص عَبرةٌ فتصرفه في قدر العشر كتصرفه في قدر الزكاة من المواشي، وقد سبق تخريجه على أقوال الذمة والعين، فأمَّا  في الأعشار التسعة قطع الأصحاب ها هنا بالجواز، وفي المواشي بعد التمكن من الأداء خلاف في أنَّ المنع هل يشيع في سائر الأموال، وعند هذا يحصل ثلاث مراتب:\rأما بعد الإمكان فيتجه المنع في الكل حثاً على الإخراج، وأما قبل الإمكان في المواشي فينقدح خلاف مرتب، والأولى أن لا يحجر عليه في الكل، فإنه غير مقصر، فيقتصر الحجر على قدر الزكاة، وأما في الرطب والعنب قطعوا بنفوذ التصرف؛ لأنَّ المنع من الأكل لقدر لا يستوعب خلاف ما درج عليه الأولون، وقد أُلزم المالك مؤونة  التجفيف والرد إلى الجرين، فهذا الترفيه في مقابلته، فأمَّا إذا فرعنا على قول التضمين، فإن قلنا: لو أتلف الجميع يلزمه العشر تمراً جاز تصرفه، لأنَّ الحق تحول بالكلية إلى ذمته، وإن قلنا: يلزمه قيمة عشر الرطب يوم الإتلاف، فهو كالتفريع على قول العبرة في حكم نفوذ التصرف\rالمسألة الرابعة: إذا أصاب النخيل عطش ، ولو تركت  الثمار عليها لأضرّت بالنخيل، ولو قطع لأضر بالمساكين، قال الشافعي : ينبغي أن يرفع المالك الأمر إلى الوالي ، ثم حق الوالي إذا تحقق عنده ذلك أن يأذن في قطع الثمار وإن تضرر به  المساكين، لأنهم ينتفعون ببقاء النخيل في السنة الثانية، ثم قال  الشافعي : يأخذ الساعي عُشر الرطب، أو ثَمن عشرها ، وهذا لفظ\rمرَدّد ، ولا يلزمه الثَمَن على الأقوال، فإنَّه في القطع معذور، فهو في حكم الجائحة حتى لا يبنى  على قول التضمين، ثم قال الأصحاب تردُّد الشافعي بناه  على أنَّ القسمة بيع أو إفراز حق ، فإن قلنا إفراز سلم عشر الرطب ، وإن قلنا بيع فيخرج على أنَّ الرطب الذي لا يتتمر هل يجوز بيع بعضه ببعض","part":1,"page":71},{"id":272,"text":"فإن جُوّز ، فالقسمة جائزة، وإن مُنع ذلك التفت ذلك  على أن الزكاة تتعلق بالذمة أم تثبت للمساكين شركة ، فإن قلنا: يثبت  في الذمة، [فهو إفراز حق] ، وإن قلنا يثبت شركة، فهذا قسمة وهو بيع ممنوع، فما الطريق فيه\rقال بعض الأصحاب : يُحتمل هذا للحاجة، كما تجوز قسمة الأوقاف على هذا القول للحاجة، وإن كنا لا نُجَوّز بيع الوقف، فنحن وإن قلنا: أنَّه بيع لم نشترط فيه ما يشترط في مضائق البيع \rوقال صاحب التقريب: تَعَبُّدُ  الربا يختص بالمعاملات والبياعات، وهذا وإن كان بيعاً فهو تصرُّف من جهة الإمام لأقوام لا يتعينون، فلا يتقيد بمضائق الربا، وهذا مع الاعتراف بكونه بيعاً مُزَيَّفٌ \rوقال آخرون: الحاجة تُجَوّز الرجوع إلى الإبدال، فيجوز أخذ الثمرة  ها هنا لعُسر القسمة، فإن تَعَبُّدَ الجنس يعتبر  عند الإمكان، وعند العُسر يُغَلّب معنى سَدّ الْخَلَّة، فمن جَوّز أَخْذ البدلِ للحاجة أو القسمة للحاجة، حمل تردد الشافعي على أنَّه يأخذ إما هذا وإما ذاك، ثم الخيرة في التعيين، إما أن يكون إلى المالك، أو يقدر ما هو الأغبط للمساكين، ويلتفت على ما قدمناه في التردد بين شاتي الجبران والدراهم وقد سبق ذكره\rومن منع  القسمة والبدل جميعاً قال : طريقه أن يسلم النخيل إلى الساعي عن جهة المساكين، فإنَّ طريق القبض في الشائع تسليم الكل حتى تتعين حقوقهم بالتسليم، ثم إن الساعي والمالك   يشتركان في البيع، ولا  يجوز للساعي البيع قبل القبض عن جهة المساكين، لأنا وإن قضينا بثبوت شركة  فيجوز للمالك الأداء من غيره قطعاً، فلا نقطع  التردد إلا بالتسليم","part":1,"page":72},{"id":273,"text":"فإن قيل: وهل تجوزون للساعي بيع مال الزكاة قلنا: لا يجوز له  مطلقاً ، فإنَّ فيه إبدالاً، والتعبد مرعي في حقه كما في حق المالك، وإنما  يسقط بضرورة أو حاجة، والحاجة عامة  في مسألتنا كما سبق، فلأجله جاز البيع، ولو ظهرت حاجة مثل أن انتقل  إلى الدراهم للجبران أو علم أن المؤونة  تستثقل عليه في سَوق النَّعَم أو لم تكن الطرق آهلة آمنة فيبيع في هذه الصُوَر، ولو ظهرت غبطة من حيث الربح في البيع يجوز لولي الطفل البيع بمثلها، ولا يجوز للساعي البيع، فإنَّه لو سلم إليه [ديناراً بدراهم]  لم يجز أخذه، وأي غبطة تزيد عليه! نعم لو رأى الإمام أخذ الأبدال فرأيه متبع، وليس ذلك من غرضنا الآن\rوأما المالك فلو وجبت عليه الزكاة وعدم المستحق في البلد وألزمناه النقل، فمؤونة  النقل عليه ولا تحسب من الزكاة، وأمَّا الساعي فإنَّه ينفق من مال الزكاة، فإنَّ ما وصل إلى يده  فله حكم الصدقة\rولو ارتكب المالك خطراً في السفر، فتلف المال، فهو من ضمانه، لأنَّه لا يصير زكاة ما لم يسلم إلى المسكين، وأمَّا الساعي فما يتلف في يده من غير تقصيره  فهو أمانة\rفإن قيل: وهل يحل للمالك شراء الزكاة من المسكين قلنا ينعقد ويكره ذلك، لأنه قد يستحيي منه فيحابيه، فإن  وكَّل وكيلاً والمسكين لا يعلم أنه وكيله، فلا يكره ولكن الأولى تركه ","part":1,"page":73},{"id":274,"text":"المسألة الخامسة: نص الشافعي في الكبير  على أنه لو باع ثمره قبيل بدو الصلاح مطلقاً لا بشرط القطع   فأتلف المشتري  الثمار ثم أفلس البائع وأحاطت الديون به  وحُجر عليه، فتؤخذ القيمة من المشتري ويقدم المساكين بقدر العشر من القيمة، ويضاربون بقدر التفاوت بين قيمة الرطب وقيمة التمر، ويَصُوّر ذلك بأن تكون قيمة العشر من الرطب عشرة وقيمة عشرهِ تمراً عشرين، فيقدم بمقدار العشرة ويضاربون سائر الديون بالباقي، وهذا [أولاً صحيح]  من حيث إنَّ البيع باطلٌ، [والعُشر غيرُ]  واجب على المشتري، ولكنَّه تفريع على أنَّ الرطب من ذوات القيم، وهو الصحيح، ثم إثبات عشرين منهم  للمساكين التفات إلى  حالة الجفاف، وتفريعٌ على أنَّ الخرصَ تضمينٌ، ثم تفريع على أنَّ دخول وقت الخرص كجريان غير  الخرص، وإنَّما تقديمهم بتلك العشرة تفريع على أنَّ حقهم متعلق بعين مال الزكاة، فتتعلق  بقيمته ويقدم بهذا التعلق على سائر الديون، كما يقدم متعلق الرهن ، وأمَّا إثبات المضاربة بالباقي في تفريعٍ على أنَّ  حق الآدميين وحق الله إذا اجتمع فلا تقديم ولا تأخير، وفيه أقوالٌ قدمناها، فهذه أمورٌ لابدَّ من معرفتها\rالمسألة السادسة: إذا باع الثمارَ قبل بدو الصلاح بشرط  القطع، فالبيعُ صحيحٌ، فإذا بدا الصلاحُ وجبت الزكاة فيها، وحق الزكاة يمنع من القطع، لأنَّ فيه تنقيصَ حق المساكين، وحقُ البائع وشرطُه يناقضُ القطعَ الترك ، فقد تناقض الأمرُ وتعذر إمضاءُ العقد، ففي فسخ العقد قولان :","part":1,"page":74},{"id":275,"text":"أحدهما: أنه لا يثبت فإنه لا تعذّر، ولكن  يقطع وفاءاً بالشرط ولا يبالي بنقصان حقوق المساكين، لأن هذا عذر، فشابه  عطش النخيل، وسبب وجوب القطع جرى متقدماً على وجوب الزكاة فقُدّم عليه، وفيما يلزمه للمساكين من قيمة عشر الرطب أو عشر الرطب بعينه ما يقدم  في عطش النخل، ولا سبيل   إلى إيجاب التمر عليه، فإن أبقاه لم يكن ممكناً سواء قلنا إن وقت الخرص تضمين أو لم نقل به  \rوالقول الثاني: أنَّ هذا [تعذر يوجب الفسخ للعقد] ، إذ الهجوم على ردِّ حق المساكين من التمر إلى الرطب أو إلى قيمته لا سبيل إليه، فعلى هذا العقد ينفسخ بنفسه أم  يحتاج إلى إنشاء فسخ من جهة البائع، فعلى قولين:\rأحدهما: أنه ينفسخ بمجرد بدو الزهو لحصول التعدد  بصورته، ونظير ذلك مذكور فيما إذا انثالت حنطة على الحنطة المبيعة قبل التسليم في كتاب البيع \rوالثاني: أنَّه لابد من إنشاء الفسخ، لأنَّه لو رضي البائع لاندفع العشر وربما يرضى، فإذا قلنا: ينفسخ لم يختلف الأمر برضا البائع وامتناعه، وإن قلنا: إنه لابد من فسخه  فله ثلاثة أحوال:\rأحدها: أن يرضى المشتري ويأبى البائع فللبائع الفسخ \rوالثاني: أن يأبى المشتري ويرضى البائع، ففيه قولان:\rأحدهما: أنه لا فسخ  إذ هو حق البائع  وقد رضي به، وأي إرب للمشتري في القطع\rوالثاني: أنه يثبت، فربما تكون  له في الوفاء بالشرط  في صلب البيع غرض\rوالحالة الثالثة: [أن يتراضيا]  على الإبقاء فلا فسخ ويبقى الثمار\rالتفريع:\rإذا جرى الفسخ أو  الانفساخ، فالزكاة على من تجب فيه قولان :\rأصحهما أنَّها على المشتري، إذ جرى الزهو في ملكه، والفسخ عند التسليم لا يستند بحال إلى الابتداء، فكيف تجب الزكاة على غيره","part":1,"page":75},{"id":276,"text":"والثاني: [إنَّها تجب]  على البائع، إذ لو وجبت  على المشتري للزم إبقاء الثمار وإذا أبقى الثمار فلا فائدة في الفسخ، فينبغي أن يستفاد بالفسخ رفع العُسر الموجب للفسخ، ولو قطع الثمار كان محالاً، فإنَّ فيه تنقيص حق المساكين ولو أمكن ذلك لقطع وفاءً بالشرط ولم يتعذر الإمضاء \r\rالتفريع:\rإن قلنا: الزكاة   على البائع، فلا كلام وكأنَّه لم يبع، وإن قلنا: الزكاة على المشتري وهو الأقيس، فقد رجع تسعة أعشار الثمار إلى البائع، وفائدته أن يزيد في ملكه  لا لغيره\rوأما العشر الذي هو متعلق الزكاة فيد الساعي ممتدة إليه، ولا يُسلط أحد  على قطعه إذ لو أمكن ذلك لقبل به قبل الفسخ حتى لا يحتاج إلى الفسخ، وعند هذا يبقى العشر مقيداً بزكاة المشتري فكيف يسلط  البائع على التسعة الأعشار هذا يُبنى على أنَّ الثمار هل تقسم، فإن جوزناها على الأرض بالكيل بني على أنَّه هل يجوز قسمتها بالخرص وفيه خلاف، فإن [جوزناه يسلط]  على الأعشار التسعة، وإن لم نجوز بقي شائعاً، ونُظر فإن أدَّى المشتري الزكاة من موضع آخر خلص جميع الثمار للبائع، وإن أخذ الساعي الزكاة من عين هذا المال فله ذلك، وللبائع الرجوع على المشتري به فإنَّ الزكاة وجبت   للمشتري  لا عليه\rوأمَّا  التصرف في الأعشار التسعة قبل جريان الأداء على مساق  ما ذكرناه في الثمار المملوكة التي لم تُبع  أصلاً، حتى يبنى على الخرص، وجريانه وكونه عبرة أو تضميناً على ما تقدم\r\rفرع:","part":1,"page":76},{"id":277,"text":"لو رضي البائع بالإبقاء ثم رجع وطالب  بالقطع، فإن قلنا: لم يثبت الفسخ وتكلف القطع فله الرجوع، وكان ما سبق تأخيراً للمطالبة، وهو  كتأخير المرأة المطالبة للزوج المولي بالطلاق، فلها العود مهما شاءت، فإن  قلنا: يثبت له حق الفسخ إذا أراد فإذا رضي فقد أسقط حق الفسخ، فهو كما لو رأى [عيباً بالمبيع]  ورضي، فلا يعود إلى الفسخ، ويحتمل أن يقال: سبب خياره ثبوت حق القطع ساعة فساعة مع تعذر الوفاء به وهذا يتجدد فلا يسقط الخيار بالكلية\rالمسألة السابعة: إذا باع الثمار   قبل بدو الصلاح بشرط القطع فهو صحيح وغير مكروه إن لم يقصد الفرار، ولكن لو شرط الخيار وبدا  الصلاح في مدة الخيار ابتنى  ذلك على أقوال الملك، فمن حكمنا له بالملك أوجبنا الزكاة عليه ، وفيه وجه من حيث اكتسب الملك ضعفاً بسبب الخيار ، وفي الملك الضعيف تردد قدمناه، وهذا يلتفت عليه\rالمسألة الثامنة : إذا أوصى بثمرة نخله  ومات فقبل الموصَى له، ثم أزهت، فعليه الزكاة، وإن كان الزهو قد وُجد في حياة الموصي فالزكاة عليه، فيُؤدَّى من تركته ، وإن بدا بعد موته، [فهي تُبنَى]  على أنَّ الملك في هذا الوقت لمن فإن قلنا للمُوصَى له فقَبل  استقرت الزكاة عليه ، وإن ردَّ فقد زال ملكه بعد ثبوته، ففي وجوب الزكاة وجهان سنذكر نظيرهما في زكاة الفطر، وإن قلنا: إن  الملك موقوفٌ، فإن قَبِلَ استقر عليه، وإن رَدّ بان أن الملك لم يحصل، وأنَّه كان للورثة، فتجب عليهم، وإن قلنا: الملك للورثة، فإن رَدّ الموصَى له استقر على الورثة، وإن قبِل فوجهان:","part":1,"page":77},{"id":278,"text":"إذ كان ذلك ملكاً ضعيفاً ، فإن  لم نوجب عليهم ولا على الموصَى له أسقطنا الزكاة، وإن  قلنا: الملك للميت فلا وجه لإيجاب الزكاة عليه ابتداءاً ، فتسقط الزكاة، وسنعود إلى جنس ذلك في زكاة الفطر، فإنَّ  الزهو في الإيجاب كالاستهلال، وما قبل الزهو لا يجعل كما قبل الحول حتى يشترط وجوده في الملك، ولذلك  لو أزهت الثمار كما  اشترى وجبت [الزكاة عليه] \rفرع:\rقال صاحب التقريب : الرطب المشترك بين الشريكين، إذا خرص أحدهما على الآخر وألزم حصته نفسه تمراً جافاً فتصرّف  المخروص عليه في الجميع   ويلتزم الخارص  عليه التمر على قولنا الخرصُ تضمينٌ كما في نصيب المساكين، وإن قلنا الخرص عبرة فلا أثر   له وهذا الذي ذكره بعيد في حق الشركاء وإنما احتمل ذلك [لأجل]  المساكين ولعل مستنده حديث  عبد الله بن رواحة فإنَّه خرص ما كان مشتركا بين الغانمين والعاملين بطريق المساقاة ثم ما نذكره فيه إذا قبل المخروص عليه التضمين أمَّا في حق المساكين لا أثر لقبول المالك بعد أن شرط الخارص التضمين [والله أعلم] \r\r\rالنوع الثالث من الزكوات: زكاة النقدين\rوالنظر في قدره وجنسه\rأما القدر فقد روى أبو سعيد الخدري عنه  أنه قال: «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة» ، والأوقية أربعون  درهما، والوزن وزن مكة ، فلا تجب الزكاة في أقل من مائتي درهم، ولا أقل من عشرين دينارا، وفيما زاد بحسابه، ولا وقص  خلافا لأبي حنيفة ، ويتهذب الغرض بذكر مسائل:\rأحدها : أنه لو نقص حَبَّة مثلا سقطت الزكاة ، وقال مالك ~ إذا لم يمنع النقصان الرواج في المعاملة بقدر المائتين لم تمتنع الزكاة ، حتى قال لو كان\r[نقد البلد]  مكسرة وهو يملك مائة وخمسين صحاحا تساوي مائتين مكسرين  وجبت الزكاة، وقد أطنب الشافعي في الرد عليه ","part":1,"page":78},{"id":279,"text":"الثانية : قال الصيدلاني: التفاوت بين الميزانين لا حكم له، قال الإمام هذا فاسد، فإنه  إن أراد به التفاوت بين وزنين في ميزان واحد بأن نقص مرة ووفى أخرى فهذا ممكن  دفعه بالتكرير والتأنق  في الوزن، حتى يتحقق النقصان إن كان، وإن أراد به التفاوت بين ميزانين فربما يكون الميزان الوافي مختلا والقويم هو الآخر فلا   توجب  الزكاة إلا بيقين\rالثالثة: إذا نقص النصاب في أثناء الحول انقطع الحول، وقال أبو حنيفة: لا يعتبر كمال النصاب في أثناء الحول \rالرابعة : لا يكمل نصاب أحد النقدين بالآخر ، خلافا لأبي حنيفة \rالخامسة : يكمل نصاب جيد النقرة برديئها ولا يكمل نصاب النقرة بالنحاس في الدراهم المغشوشة بل ينظر  فإن اشتمل على قدر نصاب من النقرة وجبت الزكاة فيه، وإلا فلا ، ثم إن  اختلفت نقرته فلتخرج من الجيد والرديء بحصتهما، فإن أخرج من الأجود فهو أحسن، وقال الصيدلاني: يؤخذ الأردإ، لأنَّه نقرةٌ خالصةٌ يجب الزكاة فيها أيضا، وهذا فاسدٌ، إذ لو جاز، لجاز الإخراج من الأردأ إذا اختلفت أنواع النَعَم\rفإن قيل: هل تصح المعاملة على الدراهم   المغشوشة \rقلنا: إن عُلم قدر النقرة جاز، [وإن لم يُعلم]  فوجهان:\rأحدهما: المنع للجهل بالمقصود مع يسر الاتفاق على عيار معلوم بخلاف المعجونات\rوالثاني: الجواز لأنَّه إذا صار معتادًا أشبه الغالية وسائر المعجونات ","part":1,"page":79},{"id":280,"text":"السادسة: لو كانت نقرته مخلوطة بالذهب ، واستبهم  عليه قدر كل واحد، مثل إن ملك ألفا مخلوطا، وعلم أن أحدهما ستمائة والآخر أربعمائة، ولم يدر الأقل أيهما، فالطريق السَّبك والتمييز بالنار، ويحصل ذلك بسبك قدر يسير منه إذا تساوت أجزاؤه، وإن عَسُر السبك ، فقد ذكر الأصحاب نوع هندسة في العيار بالإلقاء في إناء من الماء، فإن أجزاء الذهب أكثر تراصًّا من الفضة، فيتفاوت ارتفاع الماء، فيمتحن قدراً من النقرة الخالصة، وقدراً من الذهب الخالص، ويُعَلِّم  على موضعي الارتفاع، ثم يلقى  المخلوط فيه فإن كان   أقرب إلى علامة الذهب دل على أن الذهب هو الأكثر \rفإن قيل: فلو تعدد  في الحال كل ذلك، والزكاة على الفور، والتأخير غير ممكن، فما الطريق قلنا: فيه ثلاثة  احتمالات :\rأحدها: - وهو الذي ذكره عامة  الأصحاب- أنَّه يلزمه الخروج عما عليه بيقين، فيخرج  ستمائة من النقرة، وستمائة من الذهب، و  أربعمائة من كل واحد مستيقن، والسبك  في مائتين، وكل واحد محتمل، والبدل غير مجزي، فلا طريق إلا ما ذكرناه\rوقال العراقيون : له الأخذ بغالب ظنه إذا كان هو المؤدي بنفسه، وإن كان يلزمه الأداء إلى السلطان فلابد من سلوك مسلك اليقين، وهذا مشكل من حيث إن الظن إن كان له مجال فليتبع السلطان ظن المالك\rوالاحتمال الثالث: ذكره الإمام  ولم يذكره غيره: أنَّه يؤدِّي أحدهما عن ستمائة، والآخر عن أربعمائة، وإن لم يكن له ظن، وليس هذا كركعات الصلاة حتى يؤخذ بالأقل، فإنَّ الوجوب ثَمَّ مستيقن، وها هنا وجوب الزكاة غير مستيقن، فالهجوم على تكليف ما يُعلم أنَّه زيادة قطعاً لا وجه له، ومن شك في مبلغ الدين الذي يلزمه أداؤه إلى غيره لم يلزمه الارتقاء إلى منتهى إمكان الشك ","part":1,"page":80},{"id":281,"text":"فرع: لو كانت  فضة ملطوخة على حديد  نُظِر: فإن كان لا يتحصل منها  عند العرض على النار فلا عبرة به، وإن كان يتحصل  ضُمَّ مبلغه إلى ما يملكه حتى يكتمل به نصاب   \rالسابعة : لو ملك مائة نقدًا ومائةً مؤجلًا على مليء، فإن قلنا لا زكاة في المؤجل إلحاقا له بالمغصوب والمجحود فلا زكاة، وإن قلنا: يجب تشبيها له بالمال الغائب، ففي وجوب الإخراج عن  الغائب والمؤجل قبل الحضور والحلول قولان سيأتي ذكرهما، فإن قلنا يجب لزمه إخراج الجميع في الحال، وإن قلنا لا يجب فهل يلزمه إخراج حصة النقد وجهان:\rأحدهما: أنَّه لا يجب، لنقصان هذا القدر عن النصاب\rوالثاني: أنَّه يجب، وهو الصحيح، فإن الميسور لا يسقط بسبب المعسور \rهذا هو النظر في قدر الموجب\rأما الواجب فرُبع العشر، من المائتين خمسة في الوَرِق، ومن عشرين دينارا  نصف دينار، وما زاد بحسابه، ولو في قيراط\rالنظر الثاني: في الجنس\rولا زكاة في شيء من الجواهر سوى النقدين كاللآلئ واليواقيت ونفائس الأموال، ولا زكاة في العنبر خلافا لبعض السلف ، وإنما اختصاص النقدين لتميزهما بالتهيؤ للنماء بالاتجار فيهما على قربٍ، وما عداهما مقتناة للانتفاع لا للتصرف، وأما الحلي فهو مصروف عن جهة التصرف إلى جهة الاقتناء، فالنظر إلى جوهره أم إلى الحالة العارضة فيه قولان :\rالقديم: -وهو مذهب أبي حنيفة ومذهب عمر وابن مسعود وعمرو بن العاص  - أنه يجب، نظرا إلى جوهره، كما في السبيكة، والحلي المكسر\rوالجديد : أنه لا تجب فيه الزكاة، وهو مذهب عائشة  وابن عمر   لأنه صُرف إلى جهة الاقتناء بفعل مقصود أُنفق بسببه مال، بخلاف التبر\rهذا في الحلي المباح، أمَّا في  المحظور فتجب [الزكاة فيه]  لأنه تبر، مُكَسَّر شرعًا \rفإن قيل: ما الحلي المحظور وما المباح","part":1,"page":81},{"id":282,"text":"قلنا: ما يُتَّخذ من الذهب والفضة ينقسم إلى، ما يعتاده الرجال، وإلى ما يعتاده النساء، وإلى ما يصح  مشتركاً\rأمَّا الرجال فيحرم عليهم الذهب مطلقا، إلا في اتخاذ الأنف منه ، فإنه  قال لمجدوعٍ اتخذ أنفا من فضة: «هلّا من ذهب فإنه لا يصدأ » والأصل في تحريم\rالذهب  على الرجال ما روي «أنه   خرج ذات يوم و  على يده قطعة من حرير وأخرى من ذهب، وقال : هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها »، وأما الفضة فيحرم على الرجل التحلي بها على عادة النساء، فإنَّه تخنث وتفكك إلا الخاتم من  الفضة، نُقل ذلك عن السلف، فإن مُوِّه بذهب لا  يحصل منه شيء فلا بأس، وفيه احتمال أخذاً من الإناء المموه من النحاس، وإن حصل منه شيء أو جعل أسنانه من ذهب قال الأصحاب: يحرم ذلك، قال الإمام: لا يبعد أن يخرج ذلك على ضبة الإناء بالذهب ، وعلى جيب ديباج على ثوب، وكذلك الطرز المذهبة إذا حصل منها شيء\rفأما تحلية آلات الحرب من السيف والسنان والمنطقة بالفضة جائز للرجال، وذلك في حقهم كالحلي في حق النساء، إذ ليس فيه الخنوثة المحذورة \rوأما  تزيين السروج  واللجم بالفضة فوجهان:\rأحدهما: المنع، لأنَّه من قبيل  التحلي\rوالثاني: الجواز، لأنَّ الفرس من أدوات الحرب\rوأمَّا ما يختص بالنساء : فالتحلي للأزواج جائز لهنَّ في المعاصم والمخانق  والآذان وما يُعتاد فيه من السوار والخلخال وغيره، والذهب في حقهن كالفضة، ويحرم عليهنَّ التحلي بآلات الحرب من السيوف والمناطق وتزيين السُّرُوج [والمراكب واللُّجم] ، لأنَّ ذلك تشبهٌ  بالرجال\rفأمَّا ما لا يختص بالرجال والنساء ففيه مسائل :\rأحدها : الأواني محرمة الاستعمال مطلقا، وقد ذكرناه في كتاب الطهارة، وفي المكحلة والملعقة الصغيرة ترددٌ لصاحب التقريب من حيث إنَّه بصغره قد يُحْتَمل","part":1,"page":82},{"id":283,"text":"الثانية: تحلية السرير والدواة مُحَرمٌ بالاتفاق على الرجال والنساء، وأُلحق ذلك بقبيل  الأواني\rالثالثة: سكاكين المهنة إذا حليت بالفضة ففي جواز استعمالها للرجال تردد للأصحاب، ووجه التجويز إلحاقها بآلات   الحرب  فإن جُوِّز لهن، فالذهب في حقهن كالفضة\rالرابعة: تحلية المصاحف بالذهب والفضة للرجال والنساء، فيه طرق:\rقال الصيدلاني: التحلية بالفضة جائز للرجال والنساء ، وتحليته بالذهب جائز للنساء، [وفي الرجال]  وجهان، ووجه التجويز: أنَّ ذلك إكرامٌ للمصحف لا تحلي\rومن أصحابنا من قال: في جواز تحليته بالذهب والفضة للنساء والرجال جميعا وجهان من غير فصل، أحدهما: المنع لأنَّه ليس من حلي النساء، ولا آلات الحرب للرجال، ومن جَوَّز حَمَلَ على تعظيم الكتاب به  \rالتفريع: إن جوزنا ففي تحلية علاقته وغلافه تردد، حكى  صاحب التقريب عن بعض الأصحاب تخصيص الجواز بالجلد ليكون فيه التعظيم   وهذا يلتفت على جواز مَسّ الغلاف  في حق المحدث \rالخامسة: تحلية سائر الكتب سوى القرآن ممنوع اتفاقا ، قال الإمام ومن فرق في المصحف بين الرجال والنساء يلزمه ذلك في سائر الكتب ولا قائل به\rالسادسة: تحلية الكعبة وتعليق قناديل الذهب والفضة فيها  ومن المساجد والمشاهد ممنوعٌ ، هكذا نقله العراقيون عن أبي إسحاق المروزي، ولم يُذكر فيه خلافٌ، وفيه احتمال ظاهر أخذا  من المصاحف لغرض التعظيم \rفإن قيل: الزكاة تجب في المحظور الذي يُكَسَّر شرعًا أو في كل ما يقصد منه استعمال محظور\rقلنا: أما ما يُكَسَّر شرعاً كالملاهي والمعازف فالزكاة تجب فيها لأنَّها مستحقةُ الكسر، والأواني أيضا تجب الزكاةُ فيها، وإن قلنا: لصنعتها حُرمة، لأنه لايحل استعمالها \rوأمَّا الحلي  فما قُصد باتخاذه استعمال   مباح، مثل إن قصد الرجل\rبحلي النساء [أن تلبسه]  إماؤه ونسوتُه ، فلا زكاة فيه ،","part":1,"page":83},{"id":284,"text":"وإن  قصد باتخاذه استعمالا محرما، بأن يلبسه  بنفسه، وجبت فيه الزكاة لأنَّ الأصل وجوب الزكاة في جوهر النقدين، ولم يتغير الجوهر، ولكن حُطّت الزكاة لرخصة الاستعمال، فإذا كان اتخاذه على قصدٍ محظور كان معصيةً، والرخص لا تُستفاد بالمعاصي، وهذا متفق عليه بين الأصحاب، وإن  كان التخصيص بما يستحق كسره قياسا ظاهرا، ولو قصد باتخاذ الحلي أن يكنزه  حليا ولا يستعمله ، فالمذهب وجوب الزكاة فيه  كالأواني، على قول احترام صنعتها، فإنها كالمكسورة، فإن المرخص الاستعمال ، وكونه بصدده، وفيه وجه أنه لا يجب، لأنه كنزه حليا غير مكسور، ولا (حظر)، وإن [لم يتخذ]  ولم يقصد لا  الاستعمال ولا الكنز فهذا فيه خلاف لأنَّ حكم الجوهر مع الصنعة العارضة المعرضة للاستعمال في كل حال قد تعارض، ثم كل نية اعتبرناها للإيجاب  أو الإسقاط فطريانُها كاقترانها بالاتخاذ حتى توجب النية المسقطة انقطاع الحول، وارتفاعُها عَودَ الحول، ويكون كتجدد نية القنية في التجارة، فإنه يقطع الحول، وقصد التجارة بمجرده لا يجعل المال زكاتيا  ما لم ينضم إليه فعل التجارة، فإن القنية عبارة عن الإمساك وهو   موجود مع النية، والتجارة تصرف فلابد من اكتسابه\rفرع: لو انكسر الحلي انكسارا يمكن معه الاستعمال فلا حكم له، وإن ترضض بحيث يفتقر في إصلاحه إلى إعادته، جرى في الحول، وتعرض للزكاة\rوإن لم يترضض وامتنع الاستعمال وكان قابلا للإصلاح من غير إعادة، ففيه ثلاثة أوجه   :\rأحدها: أنَّه يجري في الحول لزوال إمكان الاستعمال\rوالثاني: أنَّه لا يجري، لبقاء الصنعة وقبول الإصلاح\rو  الثالث: أنَّه إن قصد المالك إصلاحه فلا زكاة، وإن لم يقصد إصلاحه أو قصد أن يجعله تبراً أو دراهمَ جرى في الحول ","part":1,"page":84},{"id":285,"text":"التفريع: إن اعتبرنا قصد الإصلاح لدفع الزكاة فلو  لم يشعر به المالك حتى انقضى حولٌ  بعد الانكسار، ولما عرف قصد، فيحتمل أن يقال قصدُه الآن ينبئ تقرير ما مضى على حكم القصد حتى تنتفي  الزكاة إذا كان تراخي القصد لعدم المعرفة، ويحتمل أن يقال جرى الحول ووجبت الزكاة لعدم القصد، وعلى هذا الاحتمال ينقدح في المستقبل بعد جريان القصد وجهان : أحدهما: أن تنقطع الزكاة وتعود إلى حكم الحلي\rوالآخر: أن يقال بعدما  يحلل  وجوب الزكاة فلا نعود  إلى حكم الحلي إلا [بتحقيق]  الإصلاح والله أعلم \r\rالنوع الرابع من الزكوات: زكاة التجارة\rوفيه فصول ستة:\rالفصل الأول: فيما تصير به السلع مال التجارة حتى يتعرض للزكاة بالجريان في الحول\rونقول أولاً: مذهبُ أكابرِِ العلماء القولُ بزكاة التجارة  خلافاً لأصحاب الظاهر ، ومستند العلماء النقل عن عمر   وإذا ثبت ذلك فكلُّ مالٍ يُتصور الاتِّجارُ فيه إنما يصير زكاتياً بأن يقصد الاتجار  فيه مقرونا باكتساب   الملك فيه بمعاوضة محضة  , وفيه احتراز عن ثلاثة أمور :\rأحدها: أنَّ مجرد القصد لا تأثير له، وذهب الكرابيسي  إلى أنَّ ذلك كافٍ، لأنَّ التربص والانتظار من الاتجار، ولأنَّ مالَ التجارة ينقطع حوله  بمجرد نية القنية\rوهذا فاسدٌ، لأنَّ نية القنية مقرونة  بالقنية، وهو الإمساك، فنية التجارة ينبغي أن يقترن بها فعل، وهو التصرف، كما يشترط اقتران نية الإسامة والعلف بها\rالثاني: إذا حصل له الملك لا بمعاوضة  من إرثٍ أو اتهاب أو رجوع بردِّ عيبٍ، لم ينفع قصد التجارة معه، لأنَّ هذه  الجهات ليست جهات التجارة، ولذلك لا تثبت الشفعة فيها، ولا  تعد معاوضة، أعني الرد بالعيب \rالثالثة : مالك العوض في النكاح والخلع والصلح عن دم العمد إذا نوى التجارة في العوض عند جريان العقد، فيه وجهان:\rأحدهما: أنَّه ينعقد حول التجارة لأنَّه اكتسابٌ بمعاوضة","part":1,"page":85},{"id":286,"text":"والثاني: أنَّه لاينعقد، إذ ليست هذه الجهات جهةَ معاوضة ولا خلاف في أنَّه  إذا تراخت النية عن وقت الشراء لم تكفِ، لأنَّها نيةٌ مجردةٌ كما سبق \rفرع: إذا تبادل تاجران ثوبا بعبد، ثم ترادّا بالعيب لم ينقطع الحول بالزوال والعود، وحكم التجارة مستمر لأنَّ هذه الزكاة تتعلق بالمالية لا بالعين، فأمَّا من اشترى  عبداً على نية التجارة بثوب قنية فُرَدَّ عليه بالعيب، انقطع حوله إذا  عاد إليه ثوب القنية ولم تجر فيه نية، وكانت النية في العبد، وقد انقطع الملك عنه، ولو باع ثوب تجارة بعبد للقُنية، وانقطع حولُ الثوب، فرد إليه الثوب، لم يُعْدِ الحول، لأنَّه انقطعت التجارة بنية القنية في ماليته، إذ  نوى القنية في بدله، والثوب عاد إليه بعد انقطاع حكم التجارة فيه ، فلابد من استئناف سبب آخر وهو   نية مع تصرف، حتى يجري في الحول ثانيا \r\rالفصل الثاني: في النصاب\rوهو معتبر بالاتفاق، و  كما اعتبر في زكاة النقدين، ولكن في وقت اعتباره ثلاثة أقوال :\rأحدها: أنَّه يعتبر كماله في جميع الحول حتى لو نقص بانخفاض الأسعار في لحظة انقطع الحول قياسا على سائر الزكوات\rوالثاني: أنَّه لا يعتبر إلا في آخر الحول، وهو وقتُ المطالبةِ بالزكاة، فإنَّ انخفاض الأسعار وأحوال التجارة في الإقامة والأسفار لا يمكن تتبعه، فينظر إلى الآخر  ويعتضد ذلك بأثر عمر \rوالثالث: أنَّه يعتبر أول الحول لعقد الحول وآخره للوجوب، فإنَّهما مضبوطان، والمتَخلل لا عبرة به، هذا أصل النصاب، وباقي أحكام النصاب يلتفت بقضايا الحول \r\rالفصل الثالث: في الحول\rوهو معتبرٌ  بالاتفاق والنظر في وقت ابتداء الحول وكيفية استرساله على الأرباح والزيادات، وفيه مسائل:","part":1,"page":86},{"id":287,"text":"الأولى: أنَّه  إذا اشترى شيئا على نية التجارة فحوله من وقت الشراء و  من وقت ملك البدل المصروف إليه نظراً إلى البدل، فإن كان عرضا لا تجب الزكاة في عينه كما عدا النعم والنقدين فالحول من وقت الشرا  وإن كان من النقدين، نُظِر، فإن كان نصابا كاملا فالحول من وقت ملك النقدين، وكونه نصابا، وهذا متفق عليه، وهو بناء حول التجارة على حول النقدين، لاتفاقهما في قدر الواجب والموجب، ولأنَّ تقويم مال التجارة بالنقدين، [ولأنَّ متعلق]  الزكاة المالية المقدرة بهما ، وكذلك على العكس يبنى   حول النقدين على حول التجارة حتى لو باع سلعة تجارة بمائتي درهم، ولم يتجر حتى تم الحول من أول   وقت التجارة في السلعة وجبت الزكاة في المائتين ، فأمَّا إذا كان النصاب ناقصاً فلا يمكن الحكمُ بالبناء ولا حول  ولكن نفرّع على النظر في النصاب إلى آخره أم  إلى أوله، فإن نظرنا إلى الآخر فمهما بلغت قيمةُ السلعة مائتين، وتمَّ الحولُ من أول ملك النقد وجبت الزكاة، وإن اعتبرنا الأولَ، فأولُ الحول حالةُ بلوغ قيمتهما  مائتين، وإن  كانت تساوي عند الشراء ذلك فهو أول الحول  وقال الربيع : و  إن بلغت قيمة السلعة مائتين فلا ينعقد الحول ما لم يُبدِلها بناضٍّ بالغ مائتين، فإذا أبدل بناضٍ بالغٍ مائتين  فما يجري بعده من الاتجار واقع في الحول، وهذا من تخريجاته التي لا يعتد بها\rفأمَّا إذا اشترى بنصاب من النعم، فالحولُ من وقت الشراء،\rولا وجه للبناء مع اختلاف القدر وتباين النوع  ونقل المزني","part":1,"page":87},{"id":288,"text":"عن الشافعي  أنَّه قال: لو اشترى سلعة للتجارة بمائتي درهم أو ماشية، فحولُ التجارة من حين ملك المائتين و  الماشية، فقال  الاصطخري  بالبناء، وقال: لأنه أيضا من جنس مال الزكاة، وقد انعقد عليه الحول، وجماهير الأصحاب خالفوه، ثم منهم من غَلَطَّ المزني ، ومنهم من تكلَّف تأويلاً، وقال: فَرَضَ الشافعي  ملك الماشية مع ملك المائتين، ثم قال حول السلعة من ملك المائتين أو من الماشية، لأنَّهما مُلكَا معا فيحصل الإعلام بالإضافة إليهما، وهذا تكلف والتغليط أولى \rالمسألة الثانية: إذا فرَّعنا على الأصح في النظر إلى آخر الحول في النصاب، فذلك فيه إذا انخفضت الأسعار والملك على السلع مطرد، فلو كان قد اشترى السلعة بمائتين فعادت إلى مائة فباع بمائة ففي انقطاع الحول خلافٌ مشهور، من حيث إنَّ النقصان صار محسوسا فسهل اتباعه، ولو  أبدل تلك  السلعة بسلعة أخرى   تساوي مائة، فالظاهر  أنَّ الحول لا ينقطع، ومنهم من طرد ذلك الوجه وحكم باستئناف الحول بعد \rالتفريع: حيث صادفنا النصاب ناقصا في آخر الحول لم نوجب الزكاة، ولكن نستأنف حولا جديدا ونحبط ما مضى أو ننتظر بلوغه نصاباً، فعلى وجهين:\rأحدهما: الاستئناف لأنَّ الحولَ السابقَ إذا لم يُصادِف نصاباً في آخر الحول  بطل وانمحق، ولم يعتد به\rوالثاني: أنَّه مهما بلغت نصابا وجبت الزكاة، وتحذف الزيادة المتخللة ونقدرها كأنها لم تك \rالتفريع: إن قلنا ننتظر بلوغه نصابا، فلو اشترى عرضا بمائتي  درهم، وباعه في أثناء الحول بعشرين دينارا فالدنانير  عرض إذ  التقويم بالدراهم، فإن لم تساو في آخر الحول مائتين فننتظر بلوغها  قيمة  تساويها فلو انقضى سنون عليها  ولم تبلغ تلك القيمة فلا زكاة فيها ، وإن أسقطنا الحول السابق ، وقلنا يستأنف من منتهاه حولاً آخر   فهذا نصاب ذهب، فينقلب إلى زكاة العين، [أو تستمر التجارة]  فعلى وجهين:","part":1,"page":88},{"id":289,"text":"أحدهما: أنَّه يطِّرد، لأنَّه عرضٌ في حكم التجارة، فلا قاطع للتجارة\rوالثاني: أنه ينقلب إلى زكاة العين، إذ يبعد أن تمضي سنون على عشرين دينارا ولا زكاة فيها، وعلى هذا إذا تمَّ الحولُ فيجب ربع العشر ومن أي وقت نشأ هذا الحول فعلى وجهين:\rأحدهما: من وقت عُشِّر رعايةً للتجارة ، وهو آخر الحول الأول\r\rوالثاني: من وقت ملك العشري \rفرع: إذا قوّمنا السلعة في آخر السنة فبلغت مائتين، فلم يتفق  أداء الزكاة حتى ارتفعت القيمة إلى ثلاثمائة، فالمائة الزائدة هل تخرج زكاتها للحول الأول فيه وجهان:\rأحدهما: أنَّه لا يخرج لأنَّه حادث بعد الحول الأول، فيضم إلى المال في   الحول الثاني\rوالثاني: أنَّه تجب زكاتها للحول  الأول ولهذا التفات على قولنا إنَّ النصاب إذا كان ناقصاً انتظرنا ارتفاعَ القيمة، وأدمنا الحولَ الأول، ولا خلاف أنَّه لو اتفق ذلك بعد تأدية الزكاة فهي محسوبةٌ من الحول الثاني، هذا إذا حصلت الزيادة بارتفاع القيمة، فإنَّه يُعَدُّ رَبِحَ  و  لو وجد زبونا باعه  بثلاثمائة، فمنهم من ألحق هذا بارتفاع القيمة، لأنَّه حصل بالسلعة، فهو كالربح، ومنهم من قال هذا في حكم كَسْبٍ جديدٍ يستفيده، فُيضَمُ إلى ماله في الحول الثاني قطعاً، فأمَّا إذا كانت تساوي في آخر السنة ثلاثمائة، فباع بمائتين وغُبن بمائة، فلا خلاف أنَّه يلزمه زكاة ثلاثمائة، لأنَّه كالحاصل بإتلاف \rالمسألة الثالثة: إذا ملك عشرين ديناراً، كما تملكها  اشترى بها سلعة فارتفعت قيمتها، وباعها  بعد مضي ستة أشهر بأربعين دينارا، فمضت ستةُ أشهرٍ، ففي وجوب الزكاة في العشرين الزائدة قولان:\rأحدهما: أنَّه يجب مع العشرين الأخرى ، ضَمّاً له  إليها، لأنَّه رِبْحٌ مستفادٌ منها ، فَضُمَّ إليه  في الحول كالنتاج","part":1,"page":89},{"id":290,"text":"والثاني: - وهو الصحيح الذي فرَّع عليه ابنُ الحداد – أنَّه يُفردُ بحوله  , ولا يضم، لأنَّه استفاده  من كيس المشتري، لا من عين السلعة، وليس كالنتاج، فإنَّه يستفادُ  من عين الأمَّهات\rثمَّ من الأصحاب من خصّص القولين بما إذا بقي مستمراً على قصد التجارة، فلو قطع قصدَ التجارة عند البيع بأربعين قال: نفرد الزيادة بحولها  قولاً واحداً\rوهذا ضعيف، لأنَّ التعويلَ في الضمِّ على حصوله منه ، وذلك لا يختلف بالقصد والعدم \rالتفريع: إن قلنا تُفْرد بحولها فتُبدأ  من وقت النضوض أو من وقت الظهور بارتفاع قيمة السلعة فعلى وجهين:\rأحدهما: من وقت النضوض، لأنَّه الموثوق به، وارتفاع القيم لا يوثق بها \rوالثاني: من وقت الارتفاع  ، لأنَّه إذا اتصل آخره بالمنضوض  صار   موثوقا به وقد كانت الزيادةُ حاصلةً به، و  هذا كله فيه  إذا نضَّ الرب \rوإن  لم يتفق تنضيضها وبقيت القيمة مرتفعة إلى آخر السنة: قطع الأصحاب في هذه الصورة بإيجاب زكاة أربعين في آخر الحول، وهو متجه على قول النظر إلى آخر الحول وهو الصحيح، ولو فرع على القول الآخر احتمل أن لا يضم، كما إذا نضت الزيادة ","part":1,"page":90},{"id":291,"text":"فرع: فَرَّعه ابن الحداد  وهو أنَّه  ملك عشرين، فاشترى بها سلعة، فمضت ستةُ أشهر، فباعها بأربعين واشترى بها على الفور سلعة فمضت ستة أشهر فباعها بمائة، قال يخرج إذا تمَّ أول  الحول زكاة خمسين دينارا، فإذا مضت ستةُ أشهرٍ أخرى أخرج زكاة العشرين التي استفادها أولاً ربحا في أثناء الحول الأول، فإذا مضت ستة أشهر أخرى أخرج زكاة الثلاثين الباقية، وهذا منه صحيح تخريجاً على أنَّ الربحَ الناضَّ لا يُضم, ووجهه أنَّ رأسَ المال عشرون, فإذا اشترى بهما  سلعةً تساوي أربعين, فقدر النصف صار ربحاً، فإذا اشترى ما يساوي مائةً، فالربح الثاني ستون, وقد استفتحنا العشرين التي هي ربح حولٍ بعد أن نضت ، والستون التي هي  ربحٌ حصلت  على رأس المال و  على العشرين الأخرى  التي هي ربح، فحصة رأسُ المال ثلاثون ، ولم تنض في سنته فضم إليه، فإنه نَضَّ بعد تمام حوله، وإذا ضُمَّ إليه كان الواجبُ زكاة خمسين، وعند ذلك إذا نضت  استأنفنا حولا آخر للستين  , فإذا مضت ستةُ أشهرٍ فقد تم حول العشرين الذي استفاده من البيع الأول ربحا في أثناء الحول الأول، فتخرج زكاة العشرين، فإذا مضت ستة أشهر ، فقد تم حول الثلاثين الذي هو ربح الربح، أعني العشرين إذ كنا قد استأنفنا   له حولا عند النضوض في عقد المائة وعند هذا يكون قد تكرر حول الخمسين التي  أوجبنا زكاتها  في السنة الأولى، فلا ينبغي أن نغفل عن إعادة الزكاة فيه، وإنما ذكر ابنُ الحداد ما يحدد هذا كله إذا نضَّت، فإن بقيت السلعةُ وكانت تساوي في آخر السنة مائة وجبت زكاةُ المائة، لأنَّ الربح [إذا لم يكن ناضاً، ضم إلى الأصل على المذهب الصحيح كما تقدم، ونعني له ما]  إذا لم يجرِ التنضيض  الآخر بالمائة، وأما  زكاةُ الخمسين فواجبة  كما سبق، لاقتطاع العشرين الذي هو ربح ناض عن الأصل، وكذلك ما ربح على العشرين وهو ثلاثون، فإذا مضت ستةُ أشهرٍ بعد الحول الأول","part":1,"page":91},{"id":292,"text":"وما نضت السلعة، وجب زكاة، الخمسين الأخرى، هذا كله تفريع على قولنا: الربح إذا نض لا يُضم، فإن قلنا: بالضم وجب زكاة المائة في آخر السنة الأولى والله أعلم    \rالمسألة الرابعة: قال ابن سريج: إذا اشترى للتجارة جاريةً بألف , فولدت ولداً في آخر الحول , قيمته مائتان , ولم تنقص قيمةُ الأم , فلا يلزمه إلا زكاة الألف  , ولا يضم الولد إليها , لأنَّ الولد فائدة , لا من طريق التجارة، فليس كالربح، فإنَّه بدلُ مال التجارة، فيطرد  عليه حكم التجارة، وكأنَّه ينزل الولد منزلةَ مالٍ موروثٍ أو مكتسبٍ باحتطابٍ أو احتشاشٍ، وقياسُ ما ذكره أن لا تجب الزكاة فيه أيضاً إذا انقضى عليه الحول، لأنَّه لم يجرِ فيه ما يوجب إلحاقه بمال التجارة، فهو كالموروث، وكونُ الأصل مالَ التجارة، لا يوجب سراية هذا الحكم إلى الولد، هذا ما دلَّ عليه سياقُ كلامه، وليس ينفك ) عن احتمال، فأمَّا إذا نقصت   الأم مائة مثلاً، قال ابن سريج: يلزمه زكاة الألف وجبر  النقصان بالولد، فقدر المائة يضم إلى الأم والمائة الزائدة يدل كلامه على إلغائها، وهذا أيضا فيه احتمال, فإنَّه  إذا لم يكن مال تجارة كيف يضم إليه ويجبر به ووجه الجبران: [يقال أنَّ]  الأمَّ لم تنتقص, وإنَّما الولد عَيْنُ ذلك النقصان، وهذا يقتضي أن يكون مالَ تجارةٍ  حتى يُضَمَّ أو يُستأَنَف له حول، هذا وجه الاحتمال ، وسننقل سوى ما ذكره ابن سريج وجها عن الصيدلاني \rالفصل الرابع: فيما يجب إخراجه من زكاة التجارة\rوالجديد وما  عليه الفتوى أنَّه  لا يخرج من العين بل من قيمة العين، وللشافعي في القديم قولان:\rأحدهما: أنَّه يجب من العين باعتبار القيمة، وهو ربع العشر كسائر الزكوات\rوالثاني: أنَّه يتخير بين القيمة والعين\rوالصحيح ما سبق؛ لأنَّ هذه الزكاة تعلقت بالمالية ولم تسقط بتبدل الصور، والمالية هي المطِّردة ","part":1,"page":92},{"id":293,"text":"التفريع: إذا قلنا بالتقويم - وهو الصحيح - نقل صاحب التقريب قولاً أنَّه يُقَوّم بالنقد الغالب أبداً، ولا نظر  إلى ما وقع به الشراء، وهذا بعيد، وإنَّما الطريقُ المشهورُ أنَّه يُقَوّم بما جرى بشراء السلعة به ابتداءاً من جنس النقدين، هذا إذا كان المُشتَرَى به نقداً نصاباً، فإن اشترى بعرضٍ  قُوِّم بالنقد الغالب، فإن عَمَّ النقدان فإن لم يبلغ احدهما  نصابا قُوِّم بما يبلغ  نصاباً، فإن بلغا, قُوِّمَ بالأنفع للمساكين على الظاهر\rوذكر العراقيون وجهاً: أنَّ المال  يتخير، ونظيره مذكورٌ في الجبران\rوإن تساوت الجهات في العموم والمنفعة   فثلاثة أوجه:\rأحدها: تخيير المالك\rوالثاني: الاعتبار بأقرب البلاد ، فلا يزال  يزحف بالوهم إلى أقرب بلدة يعمُّ فيها أحد النقدين\rوالثالث: أنَّ الدراهم أولى؛ لأنَّها أجرى في الصرف إلى المستحقرات، والدنانير كالعروض بالإضافة إليها، وعلى وجه تخيير العراقيين لو بلغ أحدُهما نصاباً دونَ الآخر فلا خيرة؛ لأنَّه يخير  بين الإسقاط والإيجاب، فأمَّا إذا كان المُشتَرَى به نقداً ناقصاً عن النصاب  فوجهان:\rأحدهما: الرجوع إلى النقد الغالب\rوالثاني: التقويم بجنس الثمر، فإنَّا لا  نطلب ترجيحا وهو صالح له، وإن لم يكن نصابا فإنَّه بدله في الأصل \rفروع ثلاثة:\rأحدها: أنَّه إذا اشترى عرضاً بمائتي درهم وعشرينَ ديناراً فتعيّن التقويمُ بهما باعتبار التقسيط، بأن يقال: العشرون [مثلا تساوي]  أربعمائة، فكأنَّه اشترى الجميعَ بستمائة درهم، فثلثاها  يقوم بالذهب [وثلثها يقوم]  بالورقِ، والوقتُ في هذا الاعتبار وقتُ الشراء، فعنده يقسط  الثمن على المثمن، فإن  وزعنا فلم يبلغ كلَّ قسطٍ نصاباً، فلا تجب الزكاة ولا نجمعهما حتى يبلغ نصاباً، وإن بلغ أحدُهما، فيجب في ذلك القدر ولا يجب في الباقي، ولا يجمع لها  لا يُضَمُ نصابُ أحدِ النقدين إلى الآخر، فهو زكاةُ العين ","part":1,"page":93},{"id":294,"text":"الثاني: لو اشترى مائتي قفيز  من الحنطة بمائتي درهم فتمَّ الحول وأتلفها  بعد التمكن ووجوب الزكاة، قال صاحب التقريب: إن فرّعنا على القديم في أنَّ الواجبَ إخراجُ العين، فلو ارتفعت القيمة وبلغت قيمةُ مائتي قفيز أربعمائة، فعليه إخراجُ خمسة أقفزة قيمتها عشرة دراهم، وإن قلنا: يخرج من القيمة فيكفيه خمسة\rدراهم    [وهي]  خمسة أقفزة قيمتها عشرة، وحكى وجهاً أنَّ القيمة تجب عشرة، بخلاف الغاصب، لأنَّ حق المالك محصورٌ  في العين المغصوبة ، وظاهر المذهب أنَّ حق المساكين متعلقٌ بالذمة، والفائتُ بالتفريط كأنَّه غيرُ فائتٍ أصلاً، وهو غير  مأمورٍ بإخراج قيمة ربع عشر ما قدَّرنا بقاءه \rالثالث: ذكر  صاحب التقريب في منع مال التجارة بعد وجوب الزكاة طُرقاً:\rأحدها: التخريج على الأقوال كما في المواشي\rوالثانية : القطع بالجواز\rوالثالثة : التخريج على أنَّ الواجب إخراج الجنس أو القيمة، فإن أوجبنا الجنس فهو كالمواشي، وإن أوجبنا القيمة فهو كخمس من  الإبل إذا وجبت فيها شاة\rقال الإمام: هذا غلط ، وإنَّما يتجه في هبة مال الزكاة وإعتاقه وما يزيل أصل المالية  \r\rالفصل الخامس: في اجتماع سببين لزكاتين مختلفتين\rوذلك يُفرَضُ في العبد الذي فيه الفطرة وفي المعشرات والمواشي فإنَّ قصد الاتجار  يتصور في الكل، فإن جرى في عبدٍ، جَمَعَ بين الفطرة وزكاة التجارة، ولا  يستحيل الجمع لتباعد مأخذهما، خلافا لأبي حنيفة ، فأمَّا إذا جرى قصد الاتجار في المواشي السائمة فلا  نجمع بين الزكاتين، وفي التغليب قولان: أحدهما: أنَّه يغلب زكاة التجارة لعمومها ","part":1,"page":94},{"id":295,"text":"والثاني: أنَّه يغلب زكاة العين، [فإنها متفق عليها]  وصورته أن يشتري أربعين من الغنم السائمة على قصد التجارة  ويجري الحول عليها ، وهي   سائمة، فلو اشترى للتجارة أربعين معلوفة ثم أنشأ إسامتها بعد ستة أشهر، فمنهم من قطع بأنَّ الأخير ينسخ السابق، ومنهم من قطع بأنَّ المتقدم يمنع اللاحق، ومنهم من طرد القولين ولم يشترط في اطرادهما تَساوُقَ السببين \rالتفريع: إن قلنا: تغلب زكاة التجارة فإذا أسام بعد العلف ستة  أشهر وجبت زكاة التجارة عند مضي ستة أشهر في السوم، وإن قلنا: تغلب زكاة العين عند تساوق السببين ، ففي هذه الصورة خلاف:\rمنهم من قال: تعطل الأشهر السابقة في العلف في زكاة التجارة، ونفتتح من وقت الإسامة زكاة العين، وهذا معنى التغليب\rومنهم من قال: إذا تمَّ حولُ التجارة أوجبنا زكاة التجارة وعطَّلنا الأشهر الستة الجارية في السوم وزكاة العين، ونفسخ  زكاةَ العين بعد مضي ستة أشهر من وقت الإسامة، وهو عند الفراغ من زكاة التجارة \rومما يتفرع على القولين أنَّا حيث نُغَلِّبُ زكاة العين، فلو كان العدد ناقصاً في آخر الحول أو حيث نُغَلِّبُ  زكاةَ التجارة وكانت القيمةُ ناقصةً والعددُ وافياً ففيه وجهان:\rأحدهما: الإسقاط لأنَّ الوافي مما  هو المغلوب المسقط\rوالثاني: الرجوع إلى المغلوب فإنَّا نُقَدِّر مزاحمةً  إذا أمكن إيجابه، فإذا عَسُر سقطت زحمته ونزل منزلةَ قولِنا: من قتل رجلين قُتِلَ بالأول، وإن عفا الأول  تسلط الثاني، ولا تسقط  قبل عفوه ","part":1,"page":95},{"id":296,"text":"وأمَّا  المعشرات فصورةُ اجتماع زكاة التجارة معها أن تشتري  ثمرةً لم يَبدُ [الصلاح فيها]  على قصدِ التجارة حيث يفرض  صحة البيع فبدا الصلاح في يده، فعلى قول تغليب زكاة   العين، وجب  العشر، وعلى قول تغليب زكاة التجارة، يسقط  العشر، وننتظر تمام الحول لإيجاب زكاة التجارة، فإن أوجبنا العشر فنستأنف بعده حولَ التجارة، إذ لسنا نتوقعُ بعده عود وجوب العشر، بخلاف زكاة المواشي، ولكن لا نستأنف من وقت الزهو، وإن حكمنا بالوجوب، لأنَّ التربيةَ واجبةٌ على المالك لحقِّ عُشر المساكين، فيبعد أن نُوجب عليه  ونحتسب الوقت من زكاة أخرى فيصير إلى أوان الجداد \rفرعان:\rأحدهما: أنَّه لو اشترى نخلةً للتجارة لم تثمر فأثمرت في يده، فالثمرة المتجددة كالولد المتجدد، وقد ذكرنا عن ابن سريجٍ أنَّه لا يعدُّه مالَ تجارةٍ، وقد ذكر الصيدلاني أنَّ القولين في اجتماع زكاة التجارة والعين، جاريان في هذه الصورة، وذلك يدل على أنَّه  يَعدُّه مال تجارة\r\rوعلى هذا ينقدح في حوله احتمالان:\rأحدهما  : ما أشار إليه الصيدلاني، وهو إيجاب الزكاة فيهما  بحول الأصل تنزيلاً منزلةَ الربح الذي لم يتفق تنضيضه، أو منزلةَ الزيادةِ المتصلة، والأخرى  أن يبتدئ حولَ الثمار  من وقت [وجودها، لأنَّها مستيقنة]  الوجودِ؛ كالناضّ، لا كارتفاع القيم، فإنَّها لا يوثق بها، وعلى الجملة يُتخَيلُ خلافٌ بين ابن سريج والصيدلاني في هذا، كما نبهنا عليه في فرع ابن سريج \rالثاني: أنَّه لو اشترى مع الثمار المزهية أشجارها ومغارسها من الأرض فإن غلبنا زكاة التجارة فلا كلام، وإن غلبنا زكاة العشر اندفع زكاة التجارة عن الثمار، وهل يندفع عن الأشجار والأراضي فيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: الاندفاع، لأنَّ العشر يقع عن الثمار والأشجار ومغارسها، وهي كالتابعة للثمرة ، فإنَّ الثمار ريع الكل","part":1,"page":96},{"id":297,"text":"والثاني: أنَّه لا يندفع، لأنَّ العشر يجب على من يملك الثمار ولا يملك الأشجار، فلا ارتباط له  بها\rوالثالث: أنَّ الأشجار تتبع والأراضي لا تتبع\rفإن قلنا: بالتبعية دخل فيه كلما يدخل في المساقاة من الأراضي المتخللة بين الأشجار، ولو اشترى أرضا مزروعة فإتباع الأرض و  الزرع أبعد، فلا  تعلق للعشر بالأرض ولكنَّ الخلاف جارٍِ، وكذلك لو اشترى بذرًا للقنية وأرضا   للتجارة  وزرع، فأمَّا الزرع فواجبه العشر المحض، وأمَّا الأرض فواجبها زكاة التجارة قولاً واحداً، ولا تبعيَّة ها هنا إذ لم تشتملهما  جهةٌ واحدة \r\rالفصل السادس: في زكاة مال القراض\rو  قد اختلف قول الشافعي في أنَّ العامل هل يملك الربح بالظهور كما سيأتي في القراض، فإن قلنا: لا يملك فجميعه ملك المُقَارِض، فعليه زكاة رأس المال وجميع الربح، فإذا أدَّى الزكاة ففيه وجهان:\rأحدهما: أنَّها كالمؤن حتى يحتسب من الربح\rوالثاني: أنَّها كاسترداد طائفة من المال، وقد قال الشافعي: تخرج المقارض فطرة العبد ويكون كسائر المؤن \rومن أصحابنا من قال: إن قلنا : الزكاة تتعلق بالعين فهو كالمؤن قطعا، وإن قلنا: في الذمة، فوجهان، فإن  فرَّعنا على قولنا: العامل يملك بالظهور  ففي وجوب الزكاة عليه في حصته ثلاث  طرق: قطع صاحب التقريب بالوجوب، وقطع القفال بأن لا وجوب، لأنَّه غير قادر على الانفراد بالتصرف قبل القسمة، ومن الأصحاب من خرج على قولي المغصوب \rالتفريع:\rإن قلنا: تجب عليه، فإن لم تكن حصته نصاباً خُرِّجَ على الخلطة في غير المواشي، وأما حوله فمن أي وقت يحتسب فيه ثلاثة أوجه :\rأحدها: من وقت حصول أصل المال؛ لأنَّه لا مانع  له\rوالثاني: من وقت ظهوره، فإنه قبل ذلك لا وجود له في حقه\rوالثالث: أنَّه من وقت إخراج المقارض حصته من الزكاة، فإنَّ ذلك يجري كالمقاسمة بينهما في ذلك القدر واختلفوا في أنَّ العامل هل يستبد بالإخراج دون شريكه","part":1,"page":97},{"id":298,"text":"فمنهم من منع، لأنَّه وإن ملك فلا يستبد بالتصرف قبل القسمة\rومنهم من جوز، لتَنَجُّزٍ الوجوب عليه، كما في سائر المؤن، وهذا يلتفت على أنَّه كالمؤنة أم كأخذ طائفة من المال وحيث أوجبنا الزكاة على العامل   في حصته، يتعين تنزيلُ إخراجِ المقارض حصةَ نصيبه على استرداد طائفة، لأنَّ كلَ واحدٍ اختص بالتزام نصيبه، فيبعد السلوك به منزلة  المؤن المشتركة، ويحتمل إبداءُ وجهٍ في زكاة نصيب العامل على قولنا أنَّه ملك المقارض، وقد قطع الأصحاب بالإيجاب، وذلك إن كان ملكا فهو ضعيف، إذ تعلق به حقٌ  للعامل حقٌ لازم لا سبيل إلى إسقاطه، فيخرج على الأملاك الضعيفة \r\rالنوع الخامس من الزكوات: زكاة المعادن , والركاز\rوفيه فصلان:\rالأول: في المعادن:\rوالزكاة واجبة بالاتفاق في  المعادن، وتختص عندنا بجوهر  النقدين ، وطرد أبو حنيفة : في كل ما ينطبع تحت المطارق، من الرصاص والنحاس  وغيره، وفيه وجه لأصحابنا أنه يطرد في كل نيل أخذ من قول سنذكره في مجموع حكم الركاز \rوالنظر في هذا النوع في: الحول، والنصاب ، وقدر الواجب، وبعضها ملتف بالبعض فيؤديها ممتزجةً\r\rونبدأ بقدر الواجب:\rوفيه ثلاثة أقوال:\rأحدها: أنَّه رُبع العشر، تشبيها بزكاة النقدين والتجارة\rوالثاني: أنَّه الخمس تشبيها بالركاز\rوالثالث: أنَّ ما يصادفه مجموعاً كثيراً بالإضافة إلى قلة عمله  ففيه الخمس، وما يصادفه شيئاً فشيئاً  مع كثرة العمل ففيه ربع العشر، وهذا يضاهي الفرق بين ما سقته السماء وبين ما يسقى  بالدالية  \rفإن قيل: وما الضبط في كثرة العمل وقلته","part":1,"page":98},{"id":299,"text":"قلنا: العمل المفتقر إليه  هو الاحتفار أولا، والطحن والعلاج بالنار آخراً، فإن كان النَّيلُ شيئاً فشيئاً  على تدريج وانضمَّ إليه   الحاجة إلى العلاج والطحن فربع العشر، وإن كان النَّيْل مجموعاً دفعةً واحدةً ولم يفتقر إلى العلاج والطحن فالخمس، وإن وجد أحدهما دون الآخر فوجهان  :\rفمنهم من نظر إلى الاجتماع  في النيل دفعة\rومنهم من نظر إلى إضافة الطحن والعلاج \rفإن قيل: وما القدر الذي يعتقد مجموعا بالإضافة إلى الاحتفار\rقلنا: الرجوع فيه إلى عادة أهل الصنعة فمن يعد نيله بالإضافة إلى عمله قليلا أو مقتصدا فواجبه ربع العشر، ومن عُدَّ نيله بالإضافة إلى عمله كثيراً فواجبه الخمس\rفإن قيل: فلو عُدَّ الدينارُ في اليوم مقتصداً  فصادف في آخر اليوم ديناراً ثم صادف ديناراً عقيبه  بعملٍ قليل\rقلنا: في الأول ربع العشر، وفي الآخر الخمس، ولو وجد الديناران  جميعا في آخر اليوم فلا نقول ما مضى من وقته كان متعطلاً، والديناران مجموعٌ، ففيه  الخمس، بل نقتطع  من المجموع ما هو مقتصد بالإضافة إلى عمله، ونوجبُ فيه ربع العشر وفي  الزائد الخمس، فلتفهم هذه الدقائق\rالتفريع: حيث نُوجب ربع العشر على هذه الأقوال نعتبر النصاب، وحيث نوجب الخمس ففي النصاب قولان:\rأحدهما: أنَّه يعتبر كما في المعشرات\rوالثاني: أنَّه لا يعتبر , كما في الغنائم  المخمسة فإن لم نعتبر النصاب لم نعتبر الحول، وحيث نعتبر النصاب ففي الحول قولان:\rأحدهما: أنَّه يعتبر كالنصاب، فإنَّه زكاةٌ في النقدين فيشبهه\rوالثاني: أنَّه لا يعتبر لأنَّه رفقٌ محضٌ، فأشبه المعشرات\rوعلى الجملة: اعتبارُ الحول إذا أوجبنا الخمس بعيد في المذهب، وحيث نوجب ربع العشر فهو محال، لأنَّه إذا اعتبر معه النصاب لم يبق لزكاة المعادن معنى، فإنَّ ربع العشر يجب في جوهر النقدين عند مضي الحول ","part":1,"page":99},{"id":300,"text":"التفريع: إن قلنا: النصاب معتبر فما يتواصل من النيل على العادة بعضه مضموم إلى البعض كما أنَّ ما يتواصل من الثمار المتلاحقة يضم البعض إلى البعض  ، ويعد ريع السنة ، إلا أنَّ الجامع ثَمَّ الزمان، والجامع ها هنا اتصال النيل على العادة، فلو كان العمل متواصلاً والنيلُ منقطعاً  فوجهان:\rمنهم من ينظر إلى العمل\rومنهم من ينطر إلى النيل \rفإن قيل: وما الفصل القاطع\rقلنا: هو الإعراض عن العمل من غير عذر، فإن كان بعذر إصلاح الآلات فهو في حكم المتواصل، وإن كان بعذر مرض وسفر وعائق  فوجهان في الانقطاع، ولا خلاف في أنَّ قصد الإعراض بمجرده دون الترك المحسوس لا تأثير له، لا كقصد القنية بمجرده في التجارة   فإنَّها قاطعةٌ؛ لاقترانها بوجود الإمساك \rفرعان:\rأحدهما: أنَّه إذا وجد تسعة عشر دينارا وأعرض، وحكمنا بالانقطاع واعتبار النصاب، فعاد ووجد دينارا، أمَّا التسعة عشر فلا واجب فيها، وأمَّا هذا الدينار فيخرج واجبه، فإنَّ التسعة عشر إن لم تصلح للإيجاب  فهو صالح لتكميل نصاب هذا الواحد، وهذا مطّرد فيما لو ملك تسعة عشر نقداً لا من المعدن، والمقصود أنَّ نصاب المعدن يكمل بالنقد، سواء أوجبنا الخمس أو ربع العشر، ولا يعتبر أن يكون الكل  مستفاداً من المعدن، هذا ما ذكره ابن الحداد، وهو المذهب، وحكى الشيخ أبو علي  [وجهين في الشرح: أنَّا لا نضم]  الدينار إليها، كما لا نضمها إلى الدينار في الإيجاب فيها وهذا مُزَيَّفٌ ","part":1,"page":100},{"id":301,"text":"الثاني: إذا صادف من المعدن مائة درهم وهو يملك مائة من غير المعدن، كَمَّلنا النصاب به كما سبق، فلو ملك سلعة للتجارة قيمتُها مائة، فكذلك يُكمَّل نصاب المعدن به، ونوجب حق المعدن على المذهب الظاهر وفيه الوجه البعيد، وهل يكمل نصاب التجارة بالمعدن حتى يجب فيها أيضاً زكاة التجارة لا يخلو ذلك من   أن نستفيده  مع آخر حول التجارة من غير تقدّمٍ ولا تأخرٍأو يستفيده بعده أو قبله، فإن كان معه لا قبله ولا بعده، كُمِّل به نصاب التجارة ووجب فيه زكاة التجارة \rفإن قيل: كان نصابه ناقصاً في  جميع الحول\rقلنا: الصحيح أنَّ النظر إلى آخر الحول في زكاة التجارة\rفإن قيل: ذكر ابنُ سريجٍ أنَّ الولَد لا يُضَمُّ إلى الأمِّ في زكاة التجارة، فكيف يضم النيل إليه\rقلنا: قياس ما ذكره ابن سريج أن  لا يضم النيل إليه أيضاً، ولكن قطع ابن الحداد بهذا، ويستدل بهذا على تزييف ما ذكره ابن سريج، لا بذاك  على تزييف هذا، فإنَّ هذا أفقه، وقد حكينا  عن الصيدلاني أنَّ زكاة التجارة تجب في الثمار، فهو عاضد لهذا الوجه\rفأمَّا إذا استفاده  في أثناء الحول فلا يجب في الحال زكاةُ التجارة، لأنَّه لم يتم الحول، ويجب زكاةُ المعدن على الظاهر، لأنَّ الحولَ غيرُ مشروطٍ فيه\rوإن استفاد بعد الحول فإذا نزَّلنا النيلَ منزلةَ مالِ التجارةِ نُزِّل هذا منزلةَ ما لو ارتفع السعرُ بعد الحول حتى بلغ نصاباً، وفي وجوب الزكاة في الحال وجهان:\rأحدهما: أنَّه لا يجب، بل يظل الحول الأول، فيستأنف حول من آخر الحول الأول، فعلى هذا وقع النيل في أثناء حول التجارة","part":1,"page":101},{"id":302,"text":"وعلى وجهٍ، يجب في الحال، فعلى هذا نُزِّلَ منزلةَ ما لو وقع مقرونا بآخر الحول، والشيخ أبو علي ذكر هذه الأحوال وصَوَّرَ   المائة المملوكة نقداً لا من جهة التجارة، وهو غير سديد، فإنَّ النصاب يُعتبر فيها في جميع الحول، ولا يتجرد النظر إلى آخر الحول، فلا يمكن إيجاب الزكاة في تلك المائة بحال، إنما يمكن ذلك في النيل \rالثالث: لا يجب إخراج الواجب قبل التنقية، كما لا يجب إخراج العشر من الحبوب، فإنَّه بعد في شغل، وإذا  أخرجه صرفه  إلى مصرفِ   الصدقة، ومن الأصحاب من ذكر وجهاً أنَّ مصرفه الفيء، على قولنا أنَّ الواجب الخمس كما في الركاز، وهو غير معتَدٍّ به، ثم لا يجزيه إخراج التراب المخلوط، فإنَّ المقصود منه  مجهول \rفإن قيل: وهل يجوز بيع التراب قبل تمييز الذهب منه مخلوطاً كذلك\rقلنا: هو باطلٌ قطعاً، وبيعُ المعجوناتِ والمطبوخاتِ والحلاواتِ المركبة صحيحةٌ قطعاً للحاجة، وبيعُ الدراهمِ المغشوشةِ فيه وجهان، والفواكه اليابسة المخلوطة كما يُعتَاد بنيسابور، سُئِل القفال  عنه فجوَّزَه، وألحقه بالمعجونات، وفيه نظر، لأنَّه لا حاجة إليه، وخَلْطُه سهٌل، والأدوية والأطعمة َتمسُّ الحاجةُ إلى  تهيئتها، وإذا طردنا وجهين في الدراهم المغشوشة ففي الفواكه المخلوطة، مع اختلاف الأغراض بأنواعها أولى \rالرابع: الذمي يمنع من احتفار معادن دار الإسلام، ولكن إن بادر ونال شيئاً ملك، كما يملكُ الصيدَ والحشيشَ لا كرقبة الأرض، فإنَّه لا يملكها بالإحياء، ثم لا شيء عليه، إلا إذا قلنا: إنَّ مصرفَ واجبهِ الفيءُ فيلزمه \rوملك  الركاز ووجوب الحق فيه كالمعدن، وفيه احتمال، فإنَّ الركاز كالمال المُحَصَّل الواقع في قبضة الإسلام والضال عنهم، ولكن المذكور عنهم  ما نقلناه\r\rالفصل الثاني: في الركاز\rوواجبه الخمس، والصحيح أنَّ مصرفه مصرفُ الصدقات، وفيه قول بعيد: أنَّ مصرفه مصرفُ الفيء","part":1,"page":102},{"id":303,"text":"والحولُ لا يعتبر فيه قطعا، والظاهرُ أنَّه مختص بالنقدين\rوالأصح أنَّ  [النصاب لا يعتبر]  ، ومنهم من قال في التخصيص   بالجنس واعتبار النصاب قولٌ، إذ قال الشافعيُّ :\rلو كنت  الواجد لخمَّست القليلَ والكثير، ولو وجدت فخَّارةً  لخمَّسْتُها \rوالقائل الأول يحمل هذا على الاحتياط في حقه \rثم النظر في صفة الركاز ومن يحل له أخذه، وفيمن هو أولى به عند التداعي:\rأما الأول: فالركاز كلُّ مالٍ عليه ضربُ الجاهلية فهو المخمّس، ومصرفه ما سبق، هذا إذا وُجد في دار الإسلام فإن وجد في عُمران دار الحرب فهو غنيمة  إن  استولينا عليها بإيجاف خيلٍ وركابٍ، وإن استولينا من غير قتال فهو كسائر أموالهم، فإن وجد في موات  دار الكفر ، فإن كانوا لا يذبُّون عنه فهو كموات دار الإسلام لا يثبت له  حكم الفيء والغنيمة، وإن كانوا يذبُّون عنه فوجهان:\rمنهم من ألحق بموات دار الإسلام\rوقال الشيخ أبو علي: هو كعمرانهم \rفأمَّا إذا كان عليه ضربُ الإسلام فليس بركاز، ولكن هو مال لا يعرف مالكه ، وإن  وقع في يد السلطان سلك به مسلك  الأموال  الضائعة، وإن  وقع في يد الآحاد فهل نثبت له حكم اللقطة حتى يتملك بعد تعريفها سنة\rذهب معظمُ الأصحاب إلى أنَّه لقطة\rوقال الشيخ أبو علي في شرح التلخيص: هو محفوظ لمالكه أبداً ، واللقطة [هي الذي يوجد]  في مضيعة تُثْبِتُ  سلطانَ التملك ترغيباً في إحياء اللقطة  بالأخذ، وطردَ هذا في الثوب تلقيه الريحُ في داره  والأصحاب يطردون حكم اللقطة فيما إذا وقع في يد الإمام أيضاً، إذ له الالتقاط، ولسنا ندري ما يقول الشيخ أبو علي في ركاز انكشفت الأرضُ عنه برجفة أو سيل جارف \rفرع: إن  كان الركاز أواني من ذهب وفضة ليس عليها أثر إسلام ولا   كفر، ففيه وجهان:\rأحدهما: أنَّه ركاز\rوالثاني: أنه لقطة","part":1,"page":103},{"id":304,"text":"وقال الشيخ أبو علي: إن قلنا: ليس بركاز ففي جعله لقطة ها هنا وجهان، وسببه ضعف ظهور أثر الإسلام فيه \rأمّا  من يحل له أخذه:\rفكل من وجده جاز له أخذه إذا وجده في مكان مشتركٍ لا اختصاص لأحد به كالموات والشوارع، وإن  وجده في موات أحياها جاز له أخذه ، وإن وجده  في ملك اشتراه أو ورثه، فهذا يبنى على أنَّ من أحيا أرضاً فيها ركازٌ هل يملك الركاز بمجرد الإحياء\rوفيه خلافٌ، كالخلاف في الظبية  إذا دخلت الدار واتفق إغلاق الباب لا عن قصدٍ\rفإن قلنا: تُملك بمجرد الإحياء، فيجب طلب المحيي للأرض، ولا يجوز للمشتري أخذه بحال، فإن لم يعثر عليه فهو مالٌ لا مالك له كما سبق، فيجعله لقطة أو يحفظه لمالكه أبدا وإن  قلنا: لا يحصل الملك بمجرد الإحياء، فلا خلاف في أنَّ المحيي له اختصاصٌ به وهو أولى\rقال الأصحاب: وهذا الاختصاص يبقى بعد الشراء ولا يبطل بإزالة الملك ، وفيه احتمال من حيث إنَّ الصيد لو فارق الدار واحتوى عليه غيره، مَلَكَه، إذا قلنا: إنَّه  يملك بمجرد إغلاق الباب فهذا فيه نظر من هذا الوجه، أمَّا إذا وقع التداعي، نُظر: فإن وقع بين بائع  ومشتريها فقال  كلُ واحدٍ: أنا واضعها، فالقول قول المشتري، فإنَّ يَده باقيةٌ  على الأرض   بما فيها، فهو في يده، إلا أن تكذبه المشاهدة، ويُعلم أنَّه لا يمكن وضع مثله في مثل مدة شرائه، وكذلك لو وقع بين المالك والمستأجر أو المستعير، فالقول قول المستأجر والمستعير، نظراً إلى ثبوت اليد مع إمكان الصدق، فأمَّا إذا وقع التداعي بعد استرداد المكري، فإن قال المالك أنا وضعتها بعد الاسترداد، فهو المصدَّق، لأنَّ اليد له، وإن قال: كنت وضعتها قبل   الإجارة، فقد سَلَّم للمكتري مرورَه بيده، ففيه وجهان:\rأحدهما: النظر إلى اليد الناجزة\rوالثاني: النظر إلى اليد السابقة المسلمة من جهة المالك  \rفرعان:","part":1,"page":104},{"id":305,"text":"أحدهما: أنه لو وجد بعض المجتازين ركازا في أرض مملوكة لشخص ولجميع الناس فيه حق الاستطراق، ذكر صاحب التقريب فيه خلافاً، والوجه فرض حكمين أولاً:\rأحدهما: أنَّا لا نقدر المالك مُحييا حتى نثبت له ملك الركاز ، فالواجد المجتاز هل يملكه فيه وجهان:\rأحدهما: أن  لا يملك إذ شرطنا في الركاز أنَّه  يوجد في مكان لا اختصاص به\rوالثاني: أنَّه يملك لأنَّ حَق الاستطراق عامٌ واختصاصُ المالك لم يكن بإحياءٍ حتى يقدر ملكا له، والظاهرُ أنَّ المجتازَ لا يملك، والأرض مملوكة لغيره \rالحكم الثاني: إن تنازعا  في الوضع فقال كل واحد أنا واضعه، فوجهان:\rأحدهما: أنَّه  يصدق المالك لثبوت يده على الأرض\rوالثاني: تصديق الواجد لثبوت يده على الركاز\rوهذا فيه إذا أخرجه ثم تنازعا، فإن لم يخرجه فالمالك أولى بالتصديق \rالفرع الثاني: من أحيا أرضاً فإذا فيها معدن، يملكها، ثم يخرج حق المعدن من نيلها إذا عمل عليها، كما على المواضع المباحة، وكذلك إذا وجد ركازاً يخرج حق الركاز ويملك  الباقي، ولكن لو باع فالمشتري يملك المعدن، فإنَّه من أجزاء الأرض، ولا يملك الركازَ فإنَّه  مودع في الأرض، وقد أجرينا ملك المحيي  فيه على المذهب الظاهر،   فيجب ردُّه إليه مهما عثر عليه \r\r\rالنوع السادس من الزكوات: زكاة الفطر\rوللنظر فيها أربعة أطراف: وقت الوجوب وسبب الوجوب وهو المؤدى عنه وصفة الموجب عليه وهو المؤدي وقدر الواجب وجنسه:\rالطرف الأول: في وقت الوجوب\rوفيه ثلاثة أقوال :\rالجديد المنصوص: أنَّه يجب بأول جزء من ليلة العيد، وهو وقت غروب الشمس من آخر يوم من رمضان، فإنَّه منسوب إلى الفطر، وهذا وقت الفطر \rوالثاني: أنَّه يجب بأول جزء من طلوع الفجر يوم العيد، فإنَّ أَثَرَ الفطرِ يظهرُ في الوقت القابل للصوم، وهذا الوقت عُيِّن للفطر كما أنَّ ما قبله عُيِّن للصوم \rوالثالث: أنَّه لا   بدَّ من اعتبار الوقتين ","part":1,"page":105},{"id":306,"text":"التفريع :\rإن اعتبرنا أولَ جزءٍ من الليلة، فلو ملك بعده بساعة يسيرة عبداً أو وُلِدَ له وَلَدٌ قال : فلا شئ عليه، وكذلك إن كان [له ولد]  وهلك قُبَيله، وإن وجد عبده وهلك بُعَيده، فلا أثر للهلاك، وكذلك  هذا إذا اعتبرنا أول جزء من يوم العيد، وكذلك الباب  الذي نعتبره لو وجد في وقت الوجوب فانقطاعه بُعَيده لا يقطع الوجوب، فلو  فُقِد في ذلك الوقت فوجوده بعده لا يعطف الوجوب \rوالمذهب أنَّ المعسر المريض عند مقارفة سبب الكفارة يلتزمها ، ثم ننتظر  إلى الأداء، لأنَّه شديدُ الشبه بالجنايات والغرامات، وهذا شبيهٌ  بالزكوات ونقصان النصاب في وقت الوجوب ، وذكر صاحبُ التقريب قولا أنَّه لا تجب الكفارة قياساً على الفطرة، وأخذا من قصة الأعرابي \rوإن جرينا على القول الثالث فعليه فرعان:\rأحدهما:   أنَّه لو ملك عند الغروب ومات في أثناء الليل، فلا زكاة لا  في تركته ولا على وارثه، وقال بعضُ الأصحاب : وجوبها على وارثه يُبنَى على أنَّ حَوْل الوارث هل يُبْنَى على حول المورِّث فإن فرّعنا على القديم في بناء حوله لم يبعد بناءَ وقته، وهذا تفريعٌ ضعيفٌ على ضعيف!\rالثاني: لو ملك مع أول الوقت فزالَ في أثناءِ الليل، وعادَ قبل مضي الوقت الثاني، ففيه  وجهان يلتفتان  على عود مُلْكِ المُتَهبِ بعد زواله، فإنَّ ذلك في حكم ما لم يَعُد، أو في حكم ما لم يزل \rالطرف الثاني: في المؤدَّى عنه\rوالإجماع  منعقد على جريان التَّحَمُّل في الفطرة على خلاف قياس العبادات،\rقال  «أدوا صدقة الفطر عمن تمونون»  فقضينا بأنَّ الفطرة\rتتبع النفقة \rوجهات النفقة ثلاثة: القرابة، والزوجية، والملك\rالجهة الأولى:  القرابة:\rوكل قريب تجب نفقته فتجب فطرته في حال وجوب نفقته، لا تفارق  الفطرةُ النفقةَ إلا في موضعين \rأحدهما : أنَّه يجب أن ينفق على زوجة أبيه، وهل يُخْرِج فطرتها فعلى  وجهين:","part":1,"page":106},{"id":307,"text":"أحدهما: الوجوب، نظراً إلى النفقة وهو الصحيح \rوالثاني: أنَّها  لا تجب، لأنَّ وجوب الإعفاف  على خلاف القياس، قيل به للخبر، فيُقْتَصَر فيه على قدر الضرورة، وهذا ضعيف؛ فإنَّ الشافعي نصَّ  على أنَّ الأب يؤدي فطرةَ عبدِ ابنهِ إذا كان مستغرقاً بخدمةِ ابنه ، فكذلك في زوجةِ الأب أولى، وهو دليلٌ على أنَّ الصبيَ لا يُعَدُّ غنيا بالعبد إذا  كان محتاجا إليه، إذا وجبت  نفقته على غيره ولم [يكلف بيع العبد] \rالثاني:   قال الشيخ أبو بكر: لو كان له ابنٌ بالغٌ يملك قوت يومه   فقط، فلا فطرة على الابن لإعساره، إذ لا فاضل من قوته، ولا على الأب لسقوط نفقته ، ولو فُرِض ذلك في صغيرٍ قال: لا تجب نفقته ولكن تجب فطرته، لأنَّ النفقةَ في حق الصغير آكد، فالفطرةُ والنفقةُ في حُكم واجب واحد استغنى الصبيُ عن بعضه وافتقر إلى الباقي، وكذلك بتسلط الأمِّ على الاستقراض على الأب لنفقة الصغير ولا تتسلط لنفقة الكبير\rقال الشيخ أبو محمد: القياس أن لا تجب فطرته كما لم يجب قياساً على الكبير ، وأما استقراض الأمِّ دون إذن السلطان لا ينبغي أن يجوز\rهذا تمهيد هذه القاعدة، والنظر في استحقاق النفقة طويلٌ يُسْتَقصى في كتاب النفقات، والفطرةُ تتبعها في محل الوفاق والخلاف\rالجهة الثانية: الزوجية \rيجب على الزوج الحرِّ الموسر صدقةَ الفطر  عن زوجتهِ المسلمةِ، موسرةً كانت أو معسرةً، كما تجب نفقتها ، فإن كان معسراً فليس عليه فطرتُها ، وإن كانت هي معسرةً فليس عليها أيضاً\rوإن كانت موسرةً فهل يجب عليها هذا يبتنى على أنَّ الوجوب يلاقيها، ثم يُتَحملُ عنها أم يجب على الزوج ابتداءً  قولان مستنبطان من معاني كلام الشافعي \rأحدهما: أنَّ الوجوب لا يلاقيها ويجب على الرجل ابتداءً بملك متعة زوجته، كما تجب بملكه  النصاب","part":1,"page":107},{"id":308,"text":"والثاني: أنَّه يلاقيها، ولكنَّ الزوجية جهةٌ في تحمل المؤن، وهذه مَؤُونة ، فعلى هذا إذا تعذَّر التحمل استقرَّ عليها، وعليه يُبْتَنَى أيضاً أنَّها لو أخرجت زكاة نفسها مع يسار الزوج دون إذن الزوج فهل يجزي فعلى  القولين\rولا خلاف في أنَّ الزوج لا يحتاج إلى استئذانها على القولين جميعا \rوقد اختلف الأصحاب في طرد قولي الملاقاة في العبد والقريب المعسر ، فمنهم   من خَصَّصَ ذلك بالمرأةِ الموسرةِ التي يُتصور منها الالتزام ، ومنهم من طرد ، ويشهد لذلك أنه  «فرض صدقة الفطر على كل حرٍّ وعبدٍ» ، ووجهه في العبد والمُعسر - مع بُعده - أنَّ السيدَ والقريبَ مادَّةٌ للعبد  والفقير فكأنَّهما  قادران بمالهما فيلاقيهما الوجوب، وعلى الجملة: هذا على مرتبةٍ دون الزوجة الموسرة\rوملاقاةُ الوجوب في تحمِّل العقل للجاني على قولين، وهو أولى بتقدير الملاقاة، لأنَّ العاقلةَ لو افتقروا فربما يلتزم  الجاني \rوالمرتبة الأخيرة قولنا: أنَّ الزوج يحمل  الكفارة   عن زوجته في الوقاع في رمضان وهو بعيد\rفإن قيل: إذا كان الزوج معسرا فالنفقة مستقرة في ذمته، فلتستقر الفطرة أيضا \rقلنا: لم يختلف الأصحاب في أنَّ ذلك لا يستقر، إذ فطرةُ زوجتهِ لا تزيد على فطرتهِ عن نفسه، وذلك يعتبر فيه اليسار حالة الوجوب، فكذلك في زوجته\rأمَّا النفقةُ فطريقُها طريقُ المعاوضة، وفي هذا المقام أيضاً يظهر الفرق  بين النفقة و  الفطرة، هذا كلُّه إذا كان الزوجُ حراً معسراً\rفإن كان مكاتباً ففي وجوب الفطرة على الزوجة قولان مرتبان ، وأولى بالوجوب، لانحسام إمكان التحمل، وهذا تفريعٌ على أنَّ المكاتبَ لا يجب عليه نفقة  نفسه وزوجته، وسيأتي ","part":1,"page":108},{"id":309,"text":"وإن زُوجت أمةٌ من حرٍّ معسرٍ، ففي وجوب النفقة على السيد المزوج قولان مرتبان، وأولى بالوجوب، لأنَّ الملك ثبت في التحمل من حريتها  المزحومة بالنكاح، ولذلك تقدم الملك في الاستخدام على النكاح\rوإن  زُوجت من عبدٍ أو مكاتب، فقولان مرتبان، وأولى بالوجوب على المولى المُزَوِّج، لبعد طريق التحمل، وعلى الجملة قد  نصَّ الشافعيُ في الموسرة تحت المعسر أنَّ الأولى لها الإخراج  ، قال: ولا يتبين لي إيجاب ذلك عليها، ونصَّ في السيد إذا زوج أمتَه من معسرٍ، أنَّه يجب عليه الإخراج، فقال الأصحاب: في المسلمين قولان بالنقل والتخريج، ومنهم من تكلف فرقاً، نبهنا عليه، وهو ضعيف\rفرعان:\rأحدهما: أنَّ إسلامَ المتحمل عنه، شرطٌ لوجوب التحمل، سواء قلنا لملاقاة  الوجوب أو لم نقل به، فأمَّا إسلامُ المتحملِ هل يشترط في التحمل ففيه  خلافٌ سيأتي في الذميّ إذا ملك عبداً مسلماً، والكافرُ لا يتصور أن ينكح مسلمةً، ولكن لو أسلمت ذميةٌ تحت ذميٍ بعد المسيس وجرى استهلال شوال، ثم أسلم الزوجُ فقد استقر النكاحُ، ففي وجوب الفطرةِ عليه وكان كافراً في وقت الوجوب قولان كما في الكافر يملك عبدا مسلما\rالثاني: البائنة الحامل تستحق النفقةَ، فتستحق الفطرة على الظاهر، قال بعض الأصحاب: إذا قلنا النفقة للحمل فلا فطرة، إذ لا يجب  فطرة الحمل بالإجماع، ومقصود النفقةِ وإن صُرفت إلى الحامل الإنفاق على الحمل \rالجهة الثالثة:\rيجب إخراج الفطرة عن كل عبدٍ مسلمٍ كاملِ الملكِ والتصرف ، وبيانه بمسائل:\rالأولى: أنَّ العَبد الكافرَ لا يؤدّي  فطرته ، وإن أنفق عليه فإنَّ هذه طُهْرة، وليس هو محلاً للطُهْرة، ونحن وإن قلنا: الوجوبَ لا يلاقيه، فقد يشترط في النصاب الذي هو سبب الوجوب أموراً، وقال أبو حنيفة تجب فطرته ","part":1,"page":109},{"id":310,"text":"الثانية : العبد المشترك  على الشريكين إخراجُ فطرتهِ   كما وجب  عليهما النفقة ، وقال أبو حنيفة : لا يجب \rولو ملك رجلان عبيدا مشتركة: قال أبو حنيفة: لا زكاة فيها \rومَنْ نصفه حر ونصفه عبد فالشركة بينه  وبين سيده في الفطرة كهي بين الشريكين في العبد المشترك \rفرع: لو جرت المهايأة، وجرى الاستهلال في نوبة أحدهما فهل يُخْتَصُّ به\rاختلف الأصحاب في أنَّ هذا معدودٌ من المؤن الراتبة و  النادرة \rفإن قلنا: إنَّها من الرواتب لكونها معلومة الوقت والقدر اختص بصاحب  النوبة كسائر المؤن الراتبة\rوإن قلنا: أنَّهما من المؤن النادرة  ففيه وجهان، وكذلك في الأرفاق النادرة من الاصطياد وغيره\rفإن قلنا: يجب على الاشتراك فلا كلام\rوإن قلنا: يجب على صاحب النوبة: فلو اعتبرنا وقت الغروب والطلوع جميعاً فجرى أحدهما في نوبة، والآخر في أخرى، فلا طريق ها هنا إلا [الاشتراك إذ]  لم ينفرد به أحدهما\rالثالثة: إذا جرى الاستهلال في زمان الخيار خرج على أقوال الملك كما ذكرناه في زهو الثمار، وهذا أولى بالوجوب، فإنَّه أسرعُ إلى الثبوت مع ضعف الملك، إذ يجب في المستولدة والولد، ولذلك أوجبناها في الآبق، وقطعنا على [إحدى الطريقتين]  بوجوبها في المغصوب، بخلاف سائر الزكوات كما سبق في أول كتاب الزكاة، وكذلك إذا جرى الاستهلال على العبد الموصى به بعد موت الموصي وقبل القبول، يخرج على أقوال الملك كما ذكرناه في زهو الثمار فلا نطول بالإعادة، وهذا أولى بالوجوب كما سبق، ونزيد ها هنا أمرين لم نذكرهما من قبل:\rأحدهما: أنَّا إذا قلنا يحصل الملك للموصى له بموت الموصي، فرد  وانقطع ملكه بالرد، ففي وجوب الزكاة خلاف، والظاهر   وجوبها ، ومنهم من قال إذا انقطع آخرا تبيَّن ضعف الملك","part":1,"page":110},{"id":311,"text":"والثاني: هو أنَّا قطعنا بأنَّا إذا أثبتنا الملك للميت فلا زكاة عليه، وها هنا ذكر الفوراني وجهاً أنَّها تجب  في مال الميت، قال الإمام: وهذا يلتفت على تردد الشيخ أبي محمد في أنَّ الزكاة هل تجب في مال مُعْزَى  إلى الحمل فإذا أوجبنا وهو نطفة حال الوجوب إذا انفصل  بعد ذلك بمدة لم يبعد إيجابها في مال الميت، فلئن كان مصير الحمل إلى الحياة فمصدر الميت أيضا الحياة، والاستصحاب للكائن السابق كالانتظار للمرتقب\rفرع: لابن الحداد، المسألةُ بحالها لو مات الموصى له بعد الاستهلال وقبل القبول، فلورثته القبول، فإذا  قلنا الملك يحصل بالقبول، فلا زكاة على الموصى له ولا على ورثته إذ تقدم الاستهلال على ملكهم، وفي وجوبه   على ورثة الموصي أو عليه بعد موته ما سبق، وإن قلنا: الملك يحصل بموت الموصي فالزكاة قد وجبت على الموصى له فتخرج  من تركته، قال ابن الحداد: و  إن كان موسرا، وهذا التقييد مُشعرٌ بأنَّه لم يره موسرا بالعبد الذي  يخرج الزكاة عنه  وسيأتي تحقيقه","part":1,"page":111},{"id":312,"text":"الرابعة: إذا خَلَّف الميتُ عبداً فاستهل  شوال: فإن لم تكن الديون مستغرقةً ففطرته على الورثة، فإنَّهم شركاءُ فيه، وإن  خلَّف ديوناً مستغرقةً فيجب عليهم أيضاً، لأنَّ الصحيح أنَّ الدين لا يمنع جريان ملك الورثة، فغايته أن يكون كالمرهون، وقد أجمعوا على وجوب فطرة العبد المرهون والعبد الجاني وإن ترددوا في سائر الزكوات، ويتجه [فيه وجه]  مأخوذٌ من مذهب من يُجري الخلافَ في العبد المغصوب   ويُسقط بالغصب زكاة الفطر، لأنَّ حجر الرهن لا يتقاعد عنه، ولكن ترك الأصحاب هذا التفريع لضعفه، ومن الأصحاب من قال الوارث لا يملك التركة مع تعلق الدَّين، فعلى هذا لا زكاة عليهم، ولكنَّه غير معتد به، قال الشيخ أبو بكر: لم يختلف أصحابنا في  أنَّ من ورث أباه والتركةُ مستغرقة بالديون  أنَّه لا يعتق عليه، ولا  يُخَرَّجُ هذا على عتق الراهن، مع أنَّ إعتاق الوارث يُخَرَّج على إعتاق الراهن، وما يحصل قهراً فهو أقوى، ولكنَّ السبب أنَّه لو نُفذ لأوجب عليه القيمة للغرماء، ولم يجر منه قصدٌ، وإذا تعذَّر إيجاب القيمة امتنع العتق، بخلاف ما إذا باشر العتق، فإنَّه مختار يمكن مؤاخذته\rالخامسة : إذا غاب العبد وانقطع خبره:\rقال الشافعي: يجب إخراج فطرته \rوقال في موضع آخر: لو أعتقه عن كفارة ظهاره  لم يحل له الوقاع\rفاختلف الأصحاب على طريقين :\rمنهم من قال قولان، لتقابل الأصلين: أحدهما: استصحاب الحياة، والآخر : استصحاب شغل الذمة\rومنهم من قال: نقرر النصين، ونوجب عليه الاحتياط في الموضعين \rفإن قيل: وما معنى تقابل الأصلين","part":1,"page":112},{"id":313,"text":"قلنا: لا ينبغي أن يظن أنَّ ذلك تقابل لا [يخرج المجتهد]  منه، إذ لو كان كذلك لخلت الواقعة عن حكم الله ، ولكن إذا تعارض أصلان ترجح أحدهما بظنٍ مستفادٍ من الحال مثلا، والطريق أن نقول: إن كان العبد غائبا ولم تبعد غيبته فتجب زكاته، ويجزي في الكفارة عتقه، وكذلك إذا قدرنا لانقطاع خبره عائقا يقتضي قطع الخبر من انقطاع الرفاق، فأمَّا إذا انتفت  العوائق، وانقطع الخبر فهذا علامة على موته، ولكن محض هذه العلامة   لا يسلط  على إثبات موته في قسمة ميراثه وتزويج زوجته، ولكن يصلح لأن يُرَجِّح أصلاً ثابتاً  في الشرع إذا اعتضد به، وهو براءة الذمة\rفإن قيل: هذه  العلامة يعارضها أنَّه لو كان ميتا لنُقِل موته كما تنقل حياته لو كان حيا\rقلنا: المجهول  لا يُعْتَنَى بنقل موته، وإذا  كان حياً فهو المعتنى بإفاضة خبر نفسه، وعلى الجملة إيجاب الزكاة في هذه المسألة يبتني  على إيجاب الزكاة في المغصوب ، فإن لم نوجب في المغصوب فهذا أولى بأن لا يُزَكَّى \rالسادسة: إذا زوَّجَ أمته فقد تعارض جهة الزوج والملك، وتُقَدَّم  جهة الزوج في الفطرة كما في النفقة مهما كان موسراً، فإن كان معسراً ففي وجوبها على السيد خلافٌ سبق ، ومِنَ الأصحاب مَنْ قال: النفقة عليهما فالفطرة  أيضاً عليهما، فإنَّ السيد يستخدم نهاراً، والزوجُ يستمتع ليلا، فيستهمان فيها \rوأمَّا إذا تزوج عبدُه بإذنه فنفقةُ زوجتهِ تتعلقُ بكسب العبد، وفطرتُها لا تتعلق بكسبه ، لأنَّ النفقة في ذمته، وهو ليس من أهل [التزام الفطرة]  عن نفسه وعن غيره، والسيدُ لم يجب  في ذمته النفقة حتى يلزمه الفطرة، وإنما يتعلق بالكسب، وإن كان مُلْكاً له لموجب الإذن في النكاح وضرورته تمكينا من أداء ما جرى سبب التزامه، والفطرة لا تلتحق به ","part":1,"page":113},{"id":314,"text":"فرع: لو قال ملكتك شيئا، وقلنا: إنَّه يملك  بالتمليك: لم يجز  له الاستقلال أيضاً بإخراج فطرته من ملكه ، فلو ضم إلى التمليك الإذن في أداء الفطرة، ففيه وجهان : يترتب على الخلاف في المُكاتَب وسيأتي، ووجه المنع أنَّ العبد ليس له استقلالٌ بتحمل  الفطرة وأدائها ، فلا يؤثر الإذن في تأهيله، ولو قال  ملكتُك وأذنتُ لك في أداء فطرة نفسك، فإذا أدَّى كان أداءً من ملك السيد، وكان ذلك من السيد رجوعاً في ذلك القدر، لأنَّ الخطاب متوجهٌ على السيد، ولا يقدر على إسقاط الخطاب من نفسه، ثم إذا قلنا: إذا  أذن للعبد في أداء فطرة  زوجته وأثَّر إذنه في اللزوم، فلو رجع بعد استهلال الهلال لم يجزه لأنَّه تَمَّ اللزوم، ولو رجع قبله جاز وهذا واضح\rالطرف الثالث: في صفات المؤدي\rوالنظر في ثلاث صفات: الإسلام والحرية واليسار\rأما الإسلام: فشرطٌ ، فلا يجب  على الكافر صدقة الفطر عن نفسه ، وهل يجب عليه صدقة الفطر عن عبده المسلم ففيه قولان يبتنيان  على أنَّ ذلك تحمُّلٌ أم  وجوبٌ على الابتداء  فإن قلنا: وجوباً على الابتداء فلا يجب،   وإن قلنا: تحمُّل فيجب، وينقدح طرد القولين على قول التحمُّل والقطع بالإسقاط على القول الآخر، إذ لا بُعد في أن يسقط التحمل بما يسقط به الوجوب، فإن قلنا: إنَّه يجب، فلا يتصور منه النية ولا يكلف  المؤدى عنه بالاتفاق أن يتعاطى، ولكن نصحح  من غير نية تغليبا لسد الحاجة كما في حق المرتد والممتنع \rأما الحرية: فإنَّها مشروطةٌ ، فلا تجب الفطرةُ على عبدٍ لأنَّه لا مال له، وكذلك  نقول: وإن ملكناه بالتمليك، والمُكَاتَب أيضا لا فطرة عليه، وإن أثبتنا له الملك لرقِّه  ولنقصان ملكه ، ولا تجب فطرته على سيده أيضا لوقوع  الحيلولة، وخُرِّجَ قولٌ أنَّ الزكاة تجب على المُكَاتَب لوجود الملك، ولا  يعتبر كمال الملك،","part":1,"page":114},{"id":315,"text":"وإن  اعتبر في سائر الزكوات، لأن إسقاطها - والحق لا يعدو  السيد والمكاتب - غير متجه، والمكاتب أولى بالإيجاب عليه، كما في نفقته ونفقة زوجته، ومن الأصحاب من بنى القولين، على القولين في أنَّ تبرعه بإذن السيد هل ينفذ فإن قلنا إنه ينفذ فإيجاب الشرع كالإذن من جهته، ثم إذا أوجبنا فطرته أوجبنا  عليه أيضا فطرة زوجته، وحكى الشيخ أبو علي وجها لم يحكه غيره أنَّ فطرة المكاتب على سيده، وهو بعيد \rوأما من نصفه حرٌ ونصفه عبدٌ: فقد ذكرنا أنَّه يجب عليه نصفُ فطرته كما يجب عليه نصفُ نفقتهِ، والنصفُ الآخر على مالكه ، وأمَّا الصبيُّ والمجنون فغير مؤثر عندنا في جميع الزكوات \rأمَّا الصفة الثالثة اليسار: وهو معتبرٌ وفاقًا، ولكن اعتبر أبو حنيفة نصاباً، ونحن نعتبر اليسارَ بقدرِ صاعٍ فاضلاً عن قوته وقوت من يقوته في يومه ذلك، وهل يشترط أن يكون فاضلا عن دست ثوب يليق بحاله فهو غير معدود من اليسار، وكذلك عبدٌ يحتاج إلى خدمته ويليق بمثل حاله\rوكذا المسكين، والضبط فيه كالضبط في اليسار المعتبر في الكفارات المُرَتَّبَة، فما يُعَيِّن  العتق فيها يوجب الفطرة ها هنا\rفإن قيل: فهل  تطردون قول تقديم الكفارة في المحجور المفلس، وقد تعلق  الغرماء به","part":1,"page":115},{"id":316,"text":"قلنا: أطلق الأصحاب ذكر   القولين، ويحتمل أن لا يجري في هذه الصورة، لأنَّ الكفارات على التراخي في الحياة، والدَّيْن  على الفور، ولكن يحتمل الطرد نظرا للمالك في تنزيه ذمته عن الكفارة، ويلتفت ذلك على رأي لنا في الحكم بحلول الآجال بالإفلاس، والدليل على أنَّ عبدَ الخدمةِ غير معدود من يسار الفطرة نصُّ الشافعي على أنَّه يُخرج فطرةَ ولدهِ وفطرةَ عبدِه المستغرق بخدمته، ولو كان ذلك يساراً   لسقطت فطرته عن أبيه بسببه ، وعلى الجملة أمر الفطرة أهون من غيرها ، ولذلك نسقطها بالدين قطعا ، ونتردد في سائر الزكوات، وكيف لا نسقطها بالدَّيْن وقد شرطنا أن يَفْضُل الصاع عن قوت من يقوته! فقَدَّمنا دَين النفقة عليها\rفروع:\rأحدها: أنَّه لو ملك صاعاً واحداً فاضلاً عن القوت، وعبداً واحداً، فصرف الصاعَ إلى فطرةِ نفسه، فهل يلزمه أن يبيعَ جزءًا من عبده ليصرفه  إلى فطرة عبده\rفيه ثلاثة أوجه :\rأحدها: أنَّه يلزم لأنَّه غني به\rوالثاني: أنَّه لا يلزم، لأن الغِنَى ينبغي أن يكون بشيء غير المُخرَج عنه، فأما صرف المُخرَج عنه إلى جهة الإخراج بعيد\rوالثالث: أنَّه إن كان مستغرقاً بخدمته فلا يلزمه، وإن كان مستغنياً  يلزمه، هكذا أطلقه الأصحاب وأورده  الإمام، وفيه نظرٌ، فإنَّه إن كان مستغرقاً بخدمته فلا يتجه وجهٌ لإيجاب  فطرته وتكليف بيعه فيه، مع أنَّا لا نكلفه بيعه في فطرة نفسه لحاجته إليه، أمَّا إذا كان مستغنٍ  عنه فيلزمه بيعه في فطرة نفسه، وهل يلزمه بيعه في فطرة العبد نفسه  يتجه فيه التردد، ومن يمنع لاستبعاده  أن يكون المُخرَج عنه  مصروفاً إلى المخرج يطرد له  ذلك في قدر الصدقة   وله وجه أيضا  ظاهر\rالثاني: أنَّه  لو فضل عن قوته وقوت من يقوته نصف صاع ففيه وجهان:\rأحدهما: أنَّه لا يعتد به كنصف الرقبة، فلا يجب إخراجه ","part":1,"page":116},{"id":317,"text":"والثاني: أنَّه يخرج ، لأنَّ الميسور لا يسقط بالمعسور\rوأما الرقبة فلها بدلٌ، ولا بدل للفطرة، والترتيب في أجناس هذه المسائل أنَّ ما له بدلٌ، ولا  اعتدادَ بوجود بعضه إلا في القليل من الماء في حق المتوضئ ففيه قولان، لتعليق الشرع [التيمم]  بفقد جنس الماء، أمَّا ما لا بدل له فالمقدور عليه يؤتى به، كمن وجد ما يستر بعض العورة، أو قطع بعض أطرافه في الطهارة، أو كان جريحا\rقال الإمام : ومن وجد طعام ثلاثين مسكينا، أو طعام مسكين واحد في الكفارة المُرَتَّبة عند وجوب الإطعام يلزمه الإخراج قطعا، لأنَّ ذلك ليس تبعيضاً، بل كلُّ مدٍ في حكم كفارة، نعم لو وجد بعضَ مُدٍ خرج على ما سبق ذكره، وما ذكره أيضا  ليس يخلو عن احتمال\rالثالث : إذا فضل عن القوت صاعٌ واحدٌ تعين  إخراجه  عن زوجته إذا كانت له زوجة، ولم يطردوا هذا في غير الزوجة، وزعموا أن ذلك  في حكم [دَين وعوض]  ، وهذا بعيدٌ، غير معتد به، وحكى معظم الأصحاب وجهاً أنَّه يتخير بين أن يخرج عن نفسه أو يخرج عن غيره إيثاراً للغير  على نفسه، ويجري ذلك في الزوجة وغيرها، فإنَّ طريق الإيثار بَعْدَ تَعَدِّي نفسه لا يختص، وهذا بعيدٌ ، فإنَّ الإيثار في القُرَب غيرُ معهود، ولا يُعرف  خلافا أنَّ فاقد الماء إذا ملك قدرا   يكفيه فليس له أن يُؤْثِر غيره ليتطهر به، وإن جاز الإيثار لعطشه  ، فإن قلنا له الإيثار فلو أراد فضه على قوم ففيه وجهان مشهوران، الأصح المنع، وإن كان الأصح أنَّ نصف الصاع يجب إخراجه إذا لم يجد سواه، لأنَّه قادر على أن يخرج جميعه من  شخص واحد، فالتجزئة لا ضرورة فيها","part":1,"page":117},{"id":318,"text":"الرابع : إذا فضل عن الأقوات صاعان فأخرج  واحدا عن نفسه وبقي صاع، وازدحم جمعٌ ممن يقوتهم، فالوجه في التقديم اتّباع النفقة، فَمَنْ يُقْطَع بتقديم نفقته يُقْطَع بتقديم فطرته ، ومَنْ يُخْتَلَف فيه يجري الخلاف في فطرته، فإذا ثبت الاستواء في رتبته احتمل التخيير، واحتمل التقسيط، فمنهم من قال يفض، ومنهم من قال يتخير\rهذا هو القانون\rوقد فصَّل الأصحابُ، وقالوا في الزوجة مع القريب أوجه :\rأحدها: تقديم الزوجة، وهو الصحيح لتقدُّم نفقتها \rوالثاني: القريب يُقَدَّم، لأن هذه طهرةٌ، وهو أولى بالاحترام، وهذا لا وجه له \rوالثالث: أنَّه يتخير، وهو أيضا بعيد، فإن التخيير مع تفاوت الترتيب لا وجه له، وكان قائله ينكرالتفاوت في الفطرة\rوالرابع: الفضُّ، وهو في الفساد كالتخيير \rوالأب والابن إذا اجتمعا فأوجه:\rأحدها: الأب أولى لحرمته \rوالثاني: الابن أولى، لتأكد نفقته في الصغر\rوالثالث: أنَّ الولد الصغير أولى من الأب، والأب أولى من الولد الكبير\rومنهم من حكم بالتسوية، ثم يُجْرِي عليه وجها التخيير والفض\rوأما الأب والأم ففيهما أوجه :\rأحدها: الأم أولى، لضعفها، ولقوله  «أمك ثم أبوك »\rوالثاني: الأب أولى إذ كان هو متحمل نفقته في الصغر\rوالثالث: التسوية، ثم يجري الفض  والتخيير\rوالقانون الممهد ما قدمناه من اتباع النفقة فهو أولى \rفإن قيل: فإذا قدمتم واحداً فهل يلزمه أن يُعَيِّنه بنيَّتِه عند الإخراج \rقلنا: إن فرعنا على التحمل وملاقاة الوجوب للمتحمل عنه فلابد منه\rوإن قلنا: إنه يجب   ابتداء عليه فلا معنى للتقديم والتأخير ولا جريان لهذه الأوجه عليه، نعم لو عَيَّن بقلبه من أخرناه فقد أفسد نيته، وكان كما لو عَيَّن مالا غائبا فإذا هو تالف في الاختلاف في التقديم والتأخير بقصد قول التحمل","part":1,"page":118},{"id":319,"text":"ثم قال الشافعي  في آخر هذا الفصل: ولا بأس أن يأخذها بعد أدائها، معناه : إن  لم يَفْضُل عن قوته إلا صاع، فهو فقير، فيسلمه إلى فقير، ويرد الفقير إليه عن فطرة نفسه جاز، والصاع الواحد يُطَهِّر جماعة من الفقراء بهذا الطريق فيدور عليهم حتى يعود إلى الأول، ولا يبعد أن يأخذ الزكاة من تجب عليه الزكاة، كالعامل  والغارم وابن السبيل ومن له  مالٌ غائب، يأخذون الزكاة وقد يلزمهم  الزكاة، نعم لا يجوز  أن يصرفها  إلى   من عليه نفقته ، وفي زوجته وجهان، لأنَّ نفقتها سببُ  الأجرة ، ولها التسليم إلى الزوج  خلافا لأبي حنيفة \rثم مصرف هذه الصدقة عندنا مصرف سائر الصدقات، وقال الاصطخري: يجوز صرف هذه إلى شخص واحد، وقال أبو حنيفة: يجوز صرفها إلى أهل الذمة \rهذا تمام النظر في هذا الطرف مع لواحقه\rالطرف الرابع: في بيان قدر الواجب وجنسه\rأما القدر: فهو صاعٌ، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث بالبغدادي\rوأما الجنس: فكل ما يجب العشر فيه ، وهو كل مُسْتَنْبَت مُقْتَات ، وقد ورد الخبر  مستوعبا لمعظم الأجناس، وما شذ منه في معناه، وفي بعض الرويات : «أو صاعاً من أقط »، وتردد الشافعي في صحة الحديث وتزييفه ، فتردد قوله\rثم قال الأئمة يلتحق به الجبن واللبن   ، وهما في معناه، ولا يلتحق به المخيض والسمن، لأن الاقتيات باجتماعهما والآحاد لا يقوت \rوذكر العراقيون قولين في اللحم، من حيث إنَّ اللبن عُصَارته ، وفيه بُعدٌ \rثم لا يجزئ المُسَوّسُ والمعيب من هذه الأجناس ، ولا الأقط المُمَلَّح، لأن الملح يفسد جوهره ، وإن  لم يره أهله مفسدا فليزد  في المكيلة مقدار ما يجبر به قدر الملح \rوأما الدقيق فهو بدلٌ، وذكر بعض الأصحاب قولين ، وقالوا نسبته إلى الحنطة نسبة  الأقط إلى اللبن، وهذا حكاه العراقيون، وهو مزيفٌ","part":1,"page":119},{"id":320,"text":"فإن قيل: فهل يتخير [كل واحد بين]  هذه الأجناس\rقلنا: ذكر بعض أصحابنا  قولاً أنَّه يتخير ، لعموم الخبر، وهو غير سديد، وإنّما الخبر ورد للتنبيه على الجنس كقوله تعالى ( ) الآية ،\rبل المذهب المبتوت أنّه يتعين قوته، أو القوت الغالب في البلد، وفيه قولان:\rأحدهما: أَنَّه يعتبر قوته الذي يليق بحاله لا ما يتناوله ، فإنَّ أَخْذَ واجبهِ من مُعْتَاده غير  بعيد\rوالثاني: النظر إلى غالب قوت البلد ، فإنَّ أحوال الشخص تختلف بالأوقات اختلافاً يعسر ضبطه بما يطرأ من يسار وإعسار، ثم هذا إنما يعتبر حالة وجوب الفطرة  لا في جميع السنة، ثم إذا عينا على القول جنساً فأخرج ما دونه لم يؤخذ، ولو أخرج الأعلى أُخذ ، وقال الشيخ أبو محمد : البُرُّ أعلى وإن زاد عليه قيمة التَمْر والأَرُز، لأنه أشرف في غرض الاقتيات، ولعل التَمْر أشرف من الزبيب، وفي الزبيب والشعير تردد، ولو تَعَيَّن الشعير وقلنا: يؤخذ منه البُرُّ فأخرج نصفا من الشعير، ونصفا من البُرِّ، الظاهر أنه لا يؤخذ للتبعيض، ومنهم من قال يؤخذ جبرا للتبعيض بفضيلة الشرف\rالتفريع: إن قلنا يعتبر بقوته ففيه مسألتان  :\rأحدهما: أنه لو كان يليق به الشعير فأخرج  البُرَّ يؤخذ، وإن كان يليق به البُرُّ فكان  يتناول الشعير ضِنَّةً وبُخلًا لا يؤخذ إلا البُرُّ، ولو كان يليق به الشعير فيتناول البُرَّ تَنَعُّمًا وتَرَفُّهًا  فهل يجزئ الشعير فعلى قولين: الأصح  أنه يجزيه، إذ المتعة إذا اعْتُبِرت بحال الزوج لم تختلف ببخله وبخرقه  في السخاء \rالثانية: العبد المشترك بين شريكين  إذا اختلف قوت الشريكين وجهان:","part":1,"page":120},{"id":321,"text":"أحدهما: [أن كل واحد يخرج] نصف صاع من قوته ولا يبالي بالتنويع للضرورة، وهو اختيار ابن الحداد، وهو اختيار ابن سريج أن يُكَلَّف من قوته أردى أن يوافق الآخر ويخرج الأشرف، ولو كان على العكس لم يقبل، ولا يقبل التنويع مع اتحاد العبد، وهذا يلتفت على أنَّ [العبد يلاقيه الوجوب]\rفإن قيل: ما قولكم في رجل خلط عشرين من المعز بعشرين من الضأن لغيره\rقلنا: المذهب أنَّه كملك مالك واحد، فيخرج ما يجب على مالك واحد، وذكر الشيخ أبو علي وجهاً غريباً أنَّ لصاحب المعز أن يخرج نصف معز، ولصاحب الضأن أن يخرج نصف ضأن، وهذا بعيد مشوش لقاعدة الخلطة\rفإن قيل: إذا اشترك جماعةٌ في قتل ظبية وكفارتُها على التخيير، فلو أخرج واحدٌ جزءاً من حيوان، وآخرُ جزءاً من طعام، وآخرُ صامَ بقدر حصته\rقلنا: ذلك جائز، هكذا أورده الشيخ أبو علي، لأنَّه قابلٌ للتبعيض بتقدير الجناية على بعض الصيد، ولو انفرد شخصٌ بالقتل فأراد أن ينوع ففيه وجهان، ولا خلاف بأنَّ التنويعَ في كفارة اليمين في محل التخيير ممنوع، لأنَّ هذا الوجه مستنده التبعيض عند الجناية على بعض الحيوان\rهذا تمام كتاب الزكاة، واختتامه بذكر خبرين:\rأحدهما: قوله - صلى الله عليه وسلم - «الصدقة ما كان عن ظهر غنى»، وهذا يدل على أن استبقاء القليل أولى من التصدق به\rوقال لما سئل عن أفضل الصدقة فقال: «جهد المقل»، وهو دليل على أنَّ الإيثار أولى، فقال العلماء: هو مُنَزَّل على حالين، فمن رسخ دينه وظهر يقينه فلا بأس بالانفاق، ولو علم أنَّه لو أنفق لبقي جزوعاً سيءَ الظنِ فليمسك مقدارَ ما يكفيه، والله أعلم بالصواب\r\rكتاب الصيام","part":1,"page":121},{"id":322,"text":"الأصل  فيه قوله تعالى (ٹ  ٹ ٹ) إلى قوله ( ) ، قيل: أراد بها شهر رمضان؛ تهوينًا للأمر، وقيل: أراد به ثلاثة أيام من كل شهر ، وقيل: هي الأيام البيض، وقد روى معاذ أنَّ ذلك كان واجبًا ثم نُسِخ، وروي مثله في صوم عاشوراء \rثم النظر في الكتاب قسمان:\rالقسم الأول: في نفس الصوم ، والثاني: فيما يبيح الإفطار، وما يجب بالإفطار من القضاء والكفارة\rالقسم الأول: في نفس الصيام\rالقول في السبب:\rقال رسول الله  {صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فاستكملوا العدة ثلاثين يوما} ، جعل رؤية الهلال سببًا لوجوب الصوم، فنشأ منه النظر في طريق معرفته، وعموم حكمه في البلاد، ومحل تأثيره\rأمَّا المعرفة: فإن حصلت بالعيان والتواتر فهو الأقضى، وإن شهد عدلان كفى، وقال أبو حنيفة: لا يكفي، إلا إذا كان في السماء سحاب، فإن كانت مُصحيةً  فلابد من التواتر ، وهو فاسدٌ، فإن شعاع الشمس يبهَرُ  جرم القمر، فهو في معنى السحاب\rولو شهد عدل واحد فقولان :\rأحدهما: القبول، وهو القياس ؛ لأن ما يتعلق بالعبادات، ويرجع إلى الحس، يُصَدَّق فيه الواحد العدل كسائر أوقات الصلاة، ولكن هو منقوض بهلال شوال، فقد اتفق الأصحاب على أنه يشترط العدد في شهوده، إلا ما نُقل عن أبي ثور   من الاكتفاء بالواحد، وقال صاحب التقريب : ولو قلت به لم أُبْعد، وهو قياسٌ، ولكنه على خلاف المذهب، ولكن يُعضَدُ الفرق بما رُوِيَ عن ابن عمر أنَّه قال: {تراءى الناسُ الهلالَ، فرأيته وحدي، فشهدت عند النبي  فأمر الناس بالصوم} ، ويعتضد بالاحتياط لأمر العبادة، وإليه أشار قوله  عند تحليفه الشاهد في هلال شوال {لأن أصوم يومًا في شوال، أحب إلي من أن أفطر يومًا من رمضان} \rالتفريع: إن راعينا العدد سلكنا به مسلك الشهادات في كل قضية، وإن اكتفينا بالواحد فوجهان:","part":1,"page":122},{"id":323,"text":"أحدهما: أنَّ مسلكه الشهادات، ولكنَّ الواحد أول مراتب أعداد الشهادات؛ ولذلك تقبل شهادة القابلة وحدها ، ويشترط قضايا الشهادة\rوالثاني: أنَّه كالروايات، فتقبل من الأَمَة والمستور، ولا يشترط لفظ الشهادة وحضور مجلس القضاء، وفي قبوله من الصبي تردد، كما في الرواية، وهذا وإن كان متجهًا فهو على خلاف ما عُهِدَ من الأولين، فإنهم كانوا لا يُعَوِّلون على قول الواحد ما لم يشهد عند القاضي\rوأما العدالة الباطنة ففي اشتراطها في الرواية تردد ذُكر في الأصول ، وها هنا ينبغي أن يأمر القاضي بالصوم، ثم ينشأ البحث، لأنَّ الأمر يفوت، ثم إن استقر على خلاف العدالة رخص في الإفطار، وقطع الفوراني بالاكتفاء  بالعدالة الظاهرة\rفرعان:\rأحدهما: لو شهد على الشهادة واحد، فهذا أولا يُبْنَى على أنَّ الهلال يثبت بالشهادة على الشهادة، والظاهر أنه يثبت ، ومنهم من خَرَّجه على الخلاف في أنَّ حقوق الله هل تثبت بالشهادة على الشهادة، فإن قلنا تثبت فَيُخَرَّج اشتراط العدد على القولين في أنه يُسْلَك به مسلك الرواية أو الشهادة\rالثاني: أنه لو شهد عدلان فاستكملنا ثلاثين ولم نر الهلال أفطرنا بتلك الهلال ، وغلط فيه ابن الحداد، ولو كان قد شهد واحد وقُبِل، ففي الإفطار وجهان، ووجه التجويز أن الشيء قد يثبت مُرَتَّبًا على غيره ضمنا، وإن لم يثبت مقصودا، كما يثبت النسب بشهادة القابلة بناء على الولادة\rفأما عموم حكم الهلال فوجهان مشهوران:\rأحدهما: أنَّه يَعُم، لأن الهلال واحدٌ، والتَّعَبُّد لكافة الخلق شاملٌ، فإذا رُؤي بموضع لزم أهل الإسلام الصوم\rوالثاني: أنَّه لا يَعُم؛ إذِ المناظر تختلف باختلاف غرض  القمر، ولا خلاف في أن الصبح وغروب الشمس يختلف بالبقاع، فإن حكمنا بالاختلاف فلا وجه للضبط إلا مسافة القصر، فإن تحكيم المُنَجِّم أو الرجوع إلى الرَّصد قبيحٌ شرعًا ولابد من ضابط، فهذا القرب ضبط، وقد اتفق عليه الأصحاب","part":1,"page":123},{"id":324,"text":"فرع: لو رأى الهلال ببلده وسافر إلى بلد أخرى فاستكمل ثلاثين، ولم ير الناس الهلال، فإن قلنا: الحكم يَعُم فله الإفطار وعلى الناس موافقته إن ثبت عندهم عدالته، وإن قلنا: لكل بقعة حكمها فعليه الاستكمال، نظرًا إلى البقعة التي هو في الحال فيها، ولا يقول: ألتزم حكم تلك البقعة، فيستصحب، ويعتضد ذلك بما روى كريب  مولى ابن عباس أنه قال: {بعثتني أم الفضل بنت الحارث إلى الشام، فرأى الناس الهلال ليلة الجمعة، فعدت إلى المدينة وقد رأوا ليلة السبت واستكملوا ثلاثين، فقلت لابن عباس: أو ما يكفيك رؤية أمير المؤمنين، فقال لا، هكذا أمرنا رسول الله ، ولم يأذن لي في الإفطار، فوافقت أهل المدينة» \rولو أصبح الرجل مُعَيِّدا مفطرًا، فجرت به السفينة إلى قُطْر لم يُر به الهلال، قال الشيخ أبو محمد: يلزمه الإمساك تَشَبُّهًا إذا قلنا لكل بقعة حكمها، وهذا فيه بُعد إذ لا أثر فيه، وتبعيض حكم اليوم الواحد بعيد\rفأمَّا محل تأثيره فالليل، فلو رأى هلال شوال نهارًا لم يجز الإفطار من غير  فرق ما قبل الزوال وما بعده، وقال أبو حنيفة: يجوز الإفطار إذا رأى قبل الزوال \rالقول في ركن الصوم\rفللصوم ركنان النية  والإمساك\rالركن الأول: النية\rويجب على الصائم أن ينوي لكل يوم نية معينة مبيتة  جازمة، وفي هذه الرابطة خمسة قيود فلتُتَأمل\rأما قولنا: «ينوي»: خالفنا فيه زفر ، وقال: هذا من قبيل التروك، ولا نية فيه \rأما قولنا «لكل يوم نية»: خالفنا فيه مالك ~، فإنه اكتفى في رمضان بنية واحدة \rأما قولنا «معيّنة» : خالفنا أبو حنيفة، فإنه قال: لو نوى صومًا مطلقًا أو قضاء أو نذرًا أو تطوعًا انعقد صومه عن رمضان ، وعندنا تلغو نيته، ولا يحصل عن رمضان ولا ما نوى","part":1,"page":124},{"id":325,"text":"و «التَعَيُّن» أن يقول بقلبه: أؤدي غدًا فرض صوم رمضان، والتعرض للأداء لابد منه، وفي الفريضة خلاف، ومنهم  من زاد أن يقول: رمضان هذه السنة، وهو فاسد، فإن في الأداء غُنية عنه، ولو أخطر هذه الكلمات بقلبه وهو لا يدري معناها لم يجزه\rأما قولنا «مُبَيَّتَة»: خالفنا فيه أبو حنيفة، وقال ينعقد بنية تُنشأ نهاراً قبل الزوال ، ومعنى التبييت أن ينوي ليلاً، فلو اقترن بأول جزء من الصوم نيته فوجهان:\rأحدهما: المنع لقول  {لا صيام لمن لم يبيت الصيام} \rوالثاني: وهو الصحيح لو اندرج ذلك تحت القوة البشرية، وذكر صاحب التقريب وجهاً أنَّه يختص الجواز بالنصف الأخير من الليل، وقال أبو إسحاق : الأكل بعد النية يفسد النية\rوذكر العراقيون وجها أنه لو تنبه من نومه لزمه تجديد النية، وكل ذلك غير معدود من المذهب، ومستندهم فيه التشوف إلى أن التقديم جُوِّز للحاجة، ولا حاجة إلى الأكل، ولا إلى التقديم على اليوم\rهذا في الصيام المفروض\rفأمَّا النفل فتصح نيته قبل الزوال ؛ إذ نُقل ذلك عن رسول الله  فعلاً \rوفي النية بعد الزوال قولان:\rأحدهما: الجواز، إذ مستنده الرخصة والترغيب في العبادة، مع أنَّ الصوم لا يتجزأ، وبعضه ككله\rوالثاني: المنع، فإنَّ للمعظم تأثيرًا في الشرع، فلا يبعد أن يشترط تقديم النية عليه\rثم الفيصل بين النصفين هو الزوال، وإن كان ما قبله من مطلع الفجر أكبر، ولكن ذلك عسير، ولذلك اختصت كراهة السواك بما بعد الزوال\rثم ذهب المحققون  إلى أنَّه صائمٌ من وقت النية، إذ العبادة لا تصح دون نية\rوذهب طوائف   إلى أن حكم النية ينعطف وهو على صائمٌ جميع النهار؛ لأنَّ الصوم لا يتجزأ","part":1,"page":125},{"id":326,"text":"فإن قلنا: بالأول، فالإمساك في أول النهار شرطُ صحة الصوم، ولو تقدم الأكل لم ينعقد الصوم، وفيه وجه لا تحل حكايته ، نعم لو تقدم الكفر والحيض ثم زالا ففيه خلاف  من حيث إنَّ ذلك لا يبطل مقصود الصوم من الخويِ ، ولم يقترنا بوقت العبادة\rفرع: في خروج الصائم عن الصوم بمجرد نية الخروج، خلافٌ، ذكرناه في الصلاة، ولو نوى أن يجعل القضاء نذرًا مثلاً - إن ألغينا مجرد النية - فلا أثر له، وإن اعتبرناه فقد ارتفع القضاء، ولا ينقلب نذرًا، وهل يبقى صوم تطوع فعلى وجهين يلتقيان على التَّحَرُّم بالظهر قبل الزوال، وأنَّها هل ينعقد نفلاً \rوأمَّا قولنا: «جازمًا»، أردنا به: أنَّ النية المُرَدَّدة باطلةٌ، إلا إذا استندت إلى علامة أو استصحاب أو اجتهاد، المُرَدَّد المطلق هو أن يقول ليلة الشك: أصوم غدًا إن كان من رمضان، وكان من رمضان لم يعتد بصومه\rولو جزم نيته من غير استناد معرفته إلى أصل، فالصحيح البطلان، فإن ذلك حديث نفس، ولا يتصور جزم القصد مع التَّرَدُّد، وذكر صاحب التقريب وجهًا أنَّه يصح\rفأمَّا الاستناد إلى العلامة، فهو إن استند إلى قول شاهدين، أو إلى قول شاهد - إذا حكمنا به - أو إلى معرفته بسير الأهلة\rولو استند إلى قول عبيد وصبية  وأثار ذلك\rظنًا  على قولنا لا يُقْبل قولهم، فظاهر نص الشافعي: أنَّ الصوم لا ينعقد، وهذه العلامات كالمعدومة شرعًا، ومن الأصحاب من ذكر وجهًا، وهو موافق مذهب المزني\rوأما الاستصحاب فهو أن ينوي على هذا الوجه ليلة الثلاثين من رمضان صح؛ لأنَّ حكم رمضان ثابتٌ، فيُسْتَصْحَب، بخلاف الليلة الأخيرة من شعبان، والمزني يصحح أولاً وآخرًا\rفإن قيل: العلامة أقوى من الاستصحاب في محل الاجتهاد، وقول الواحد العدل - وإن لم يقبل - يثيرُ ظنًا غالبًا، فَلِمَ ترددتم في تنزيله منزلة الاستصحاب ","part":1,"page":126},{"id":327,"text":"وصححنا وضوء من تيقن الحدث وشك في الطهارة مع التردد، ولم نصحح وضوء من استيقن الطهر وشك في الحدث، إذا بان أنَّه محدث، ونصحح زكاةً يخرجها عن مالٍ غائب يتردد في بقائه، ولا نصحح زكاةَ مالٍ نتردد في أنَّه ورثه أم لا، إلى نظائر له لا تحصى، ثم قال الأصحاب: إذا استند إلى علامة فقال: نويت غدًا أن أصوم عن رمضان، أو عن التطوع لم يصح، ولو قال عن  رمضان إن كان منه وإلا عن التطوع: يصح؛ لأنَّ ذلك تنويع من غير تردد\rوأمَّا الاجتهاد: فالمحبوس في مطمورة  يجتهد في طلب الشهر بإجراء الفكر على التواريخ المعلومة، فإذا غلب على ظنه نوى ولم يضره التردد للضرورة مع ظهور الظن المعمول به\rثم إن وافق فذاك، وإن تأخر فلا قضاء\rولكنَّ المتأخر وقع عنه أداء أم قضاء فعلى قولين ، ووجه كونه أداء صحته بنية الأداء، وفائدته أنَّه لو كان ذلك الشهر تسعة وعشرين يومًا وكان رمضان ثلاثين يومًا لم يلزمه قضاء ذلك اليوم، وكان الشهر قد تبدل في حقه، ولو تقدم على الشهر فانجلى وجميع الشهر بين يديه فيلزمه الصوم، وإن انجلى بعد انقضاء جميع الشهر فقولان مبنيان على أنَّ ما بعده أداء أم قضاء، إن قلنا: قضاء فلا يتصور التقدم في القضاء، وإن قلنا: أداء فالتبديل متصور تقديرًا، وإن كان بعض الشهر باقيًا فيلزمه الباقي، وفيما مضى طريقان: منهم من طرد القولين، ومنهم من قطع بلزوم القضاء؛ لإدراك بعض الشهر\rالركن الثاني: الإمساك عن المفطرات\rوالمفطرات ثلاثة: دخول داخل، وخروج خارج، وجماع\rأما الجماع: فحده معلوم\rوأما الخارج: فالاستمناء قصدًا ، والاستقاء  على رأي، ولعل مأخذ الاستمناء الجماع، فإنَّه قضاء لشهوة الفرج، نعم، لا تتعلق الكفارة به","part":1,"page":127},{"id":328,"text":"وأما الاستقاء فقد رُوي أنه  قال: «من قاء - أي استقاء - أفطر ومن ذرعه القئ لم يفطر»  وهو القياس ، ومن الأصحاب من علَّلَ ذلك برجوع شيء إلى الباطن، فإنَّه الغالب حتى لو تخلف، وعدو وعلم  أنَّه لم يرجع شيء لم يفطر وهو القياس، ومنهم من سلك به مسلك الاستمناء\rأما دخول الداخل فهو الأصل، وفيه يطول النظر\rوالضبط فيه: أنَّ كل عين، وصل من الظاهر إلى الباطن، من منفذٍ مفتوح، عن قصدٍ، مع ذكر الصوم، فهو مُفَطِّرٌ\rوفي هذه الرابطة قيود يجب تأملها:\rأما قولنا «عين»: جمعنا به ما يعتاد أكله وما لا يعتاد، كابتلاع الحصاة والنواة، وكابتلاع البَرَد، وخالف في ذلك بعض العلماء\rوأما قولنا «وصل»: جمعنا به ما ينفصل عن الظاهر وما يبقى طرفه باديًا، كالوجإ  بالسكين في البطن، وإرسال خيط في الحلق مع الاستمساك بطرفه، وقال أبو حنيفة: لا يحصل الإفطار \rوأما «الباطن»: عنينا به كل موضع مجوف فيه قوة محيلة، كالدماغ داخل القِحْف  وداخل الخريطة ، وكذلك داخل البطن والأمعاء والمثانة، وما ليس بمُجَوَّفٍ كلحمِ الفخذِ وما يضاهيه: فالوجاء بالسكين فيه والاحتجام والفصد لا يفطره  خلافًا لبعض السلف ، ونفوذ الأدوية في الجراحات إليه وإلى داخل العظم غير ضائر، ولو داوى شجَّة على رأسه فوصل إلى داخل القحف أفطر، وكذلك إلى البطن، إلا أن يكون بطريق التسرب بالمسام، كما يُفتَرض من طلاء البطن والرأس بالدهن، وعنه احترزنا بقولنا: «منفذ مفتوح»\rوالحقنة تفطر، والسعوط  إذا جاوز الخيشوم  كذلك، والاكتحال غير مفطر، وما ينتهي إلى الإحليل  قبل الوصول إلى المثانة فيه وجهان من حيث إنه جوف، ولكن ليس فيه قوة محيلة لا للغذاء أو لا للدواء، وتقطير الدهن في الأذن ترددوا فيه، وهو قريب من الإحليل، والظاهر أنه لا يفطر","part":1,"page":128},{"id":329,"text":"وأما قولنا «عن قصد»: فالمَعْنِيُّ به أن من طار ذباب إلى جوفه، أو وجى  بالسكين دون رضاه، أو مُسِكَت المرأة وجومعت، أو وصل غبار الطريق وغربلة الدقيق إلى باطنه، أو أوجِر  الرجل مكرها أو نائما أو مغمى عليه، إلا أن يقصد معالجة المغمى عليه، ففيه وجهان، من حيث إنه روعي مصلحته فيه، فنزل منزلة تعاطيه\rويُخَرَّج على رعاية القصد: النظر في الريق وسَبْق الماء في المضمضة والنخامة وبقية الطعام في خلل الأسنان، وسَبْق المني والقيء:\rأما الريق: فهو واصل إلى الجوف من الظاهر، ولكنه معفوٌ عنه للحاجة، فلو قصد ابتلاع دم يخرج من اللثة أو ازدرد  شيئا سقط: أفطر\rولو جمع الريق قصدًا فوجهان\rقال الشافعي : وأكره العلك، فإنه يجلب الغم ، فهو إشارة إلى جمع الريق، فإن كان يتفتت العلك فلا شك في كونه مفطرًا، ولو أخرج الريق ورده إلى فيه وابتلعه أفطر، وكذلك إذا بلل الخيط في عادة الخياطة ورده إلى فيه، هكذا قال الأصحاب، وأنكر الشيخ أبو محمد ذلك، وقال: هذا القدر لا أثر له، وهو ينقص عما يبقى في الفم بعد المضمضة، ولو أخرج لسانه من فيه وعلى طرفه ريق ثم أعاده فإنه لم ينفصل، ولا نظر إلى بروزه \rوأما النخامة: فإنها تَبْرُزُ من ثقبةٍ نافذةٍ إلى أقصى الفم، فإن وصلت إلى الباطن وهو لا يشعر به لم يفطر، وإن قصد الرد إلى فضاء الفم وازدردها قصدا أفطر، وإن جرت وهو يشعر بها ولم يقدر على مجها لم يفطر، وإن قدر على قطعها من مجراها ومجها فتركها ففيه وجهان: منهم من حسم الباب ولم يكلفه ذلك، ومنهم من أوجب ذلك إذا قدر\rوأما سبق الماء في المضمضة: ففيه قولان :\rأحدهما: أنَّه لا يفطر، لأنه [لا]  يقصد الإيصال ","part":1,"page":129},{"id":330,"text":"والثاني: أنَّه يفطر، لأنه قصد ما هو  بسبب مفضٍ إليه، ولو بالغ فقولان مترتبان، والظاهر الإفطار  وعند هذا يتعدى في القصد مراتب فمن جرى على الاعتياد في غبار الطريق لم يفطر به، وإن أمكنه أن يضم فاه، ولكن لا نكلفه مخالفة العادة، وإن قصد إلى ما هو سبب يفضي إلى الوصول أفطر، كما لو تَغَبَّر فاه في الماء، فإنَّه وإن لم يقصد إيصال عين الماء فقد قصد تسببه، فإن جرت المضمضة فهذا سبب ولكنَّه ليس بغالب، وإن بالغ فهو سبب مفضي غالبًا، فهذه مراتب لابد من ضبطها\rوإذا قلنا الاستقاء لعينه لا يفطر ، فلو ذرعه القئ فتحفظ، أو استقاء وبالغ في التحفظ فرجع منه بشيء بغير قصده، شابه ذلك صورة المبالغة وإن قلنا: الاستقاء يفطر، فلو اقتلع نخامة من باطنه فوجهان:\rأحدهما: أنَّه مشبه بالقئ\rوالثاني: أنَّ المعتمد في القئ الحدث، ولا تلتحق به النخامة أصلا \rأما بقية الطعام في خلل الأسنان إذا جرى به الريق من غير قصد، فإن قصد في تنقية الأسنان التحق بصورة المبالغة، وإن لم يقصد فهو كغبار الطريق، فلا يؤاخذ به\rوأما المني: فإن خرج بالاستمناء فهو مفطر؛ لأنَّه طريق يفضي إليه كالأكل والشرب، وإن خرج بمجرد الفكر والنظر لم يفطر؛ لأن ذلك لا يغلب، والحجر في هذا القدر كالحجر في فتح الفم في الطرق احترازًا من الغبار، والقبلة والقئ والالتزام مع حائل قريب من صورة المضمضة والمضاجعة من غير حائل قريب من صورة المضمضة\rثم قال العلماء: لا تكره القبلة في الصوم إذا كان لا تحركه الشهوة تحريكًا يشوش  الاختيار، كان رسول الله  يقبل نساءه وهو صائم، وكان أملك الناس لإِرْبه ، وقال لعمر لما سأله عن قبلة الصائم: «أرأيت لو تمضمضت» \rوإن كان الرجل شابا توّاقا كرهت له القبلة، وقد سأله  رجلان عن القبلة فأباحها لواحد ونهى الآخر، فروجع فيه فقال: «ذاك شاب وهذا شيخ» \rوأما القئ وسبقه فهو كالمني على ما سبق\rهذا بيان حكم  القصد حسًا","part":1,"page":130},{"id":331,"text":"وإن فُقِدَ شرعًا كما في المكره على الأكل فقولان :\rأحدهما: أنَّه يفطر لوجود القصد مع ذكر الصوم\rوالثاني: أنَّه لا يفطر لأنَّ الإكراه يُعدم حكم القصد ويحيل بالفعل على المكرِه، فكأنه أوجره الطعام، ولذلك لم يأثم به \rوأما قولنا «مع ذِكْر الصوم»: احترزنا بهذا القيد عن الناسي، فمن أكل ناسيًا للصوم لم يفطر سواء أكل مرة أو مرارًا، استكثر في الأكل أو استقل، وقد ورد فيه الحديث نصًا ، وفي جماع الناسي خلاف سيأتي\rوأما من أكل في آخر النهار على  ظن أنَّ الشمس غاربة، ثم بان خلافه لزمه القضاء، وهذا يضاهي الناسي من حيث إنَّه لم يأثم، ولكن يخالفه من حيث إنَّه ذاكر للصوم، والاستصحاب يتقاضى أن يعتقد بقاء الصوم في الحال\rولو جرى ذلك في آخر الليل، فإذا الصبح طالع: نقل المزني لزوم القضاء، فمنهم من صَوَّبَه؛ لأنه لم يصم، والغلط غير ملحق بالنسيان بدليل الآخر، وذهب جمهور الأصحاب إلى تغليطه ، وزعموا أنَّه  معذور في الاستصحاب لحكم الليل، وذهب داود  إلى أنه في آخر النهار أيضًا يلحق بالناسي ويُعْذَر، ويشهد لهذا ما رُوِى أن عمر أفطر فقال له صاحب المواقيت: «الشمس لم تغب»، فقال: «بعثناك داعيًا وما بعثناك راعيًا»، ثم قال: «الخطب يسير ويقضي يومًا مكانه» \rفإن قيل: وهل يشترط دَرْك اليقين في جواز الأكل أم لابد من اجتهاد أم يجوز الهجوم عند إمكان الإباحة\rقلنا: أمَّا الهجوم في آخر النهار فلا وجه له على مناقضة الاستصحاب، فلو هجم من غير مستند ولم يتبين خطأ ولا صوابًا لزمه القضاء \rوهل يُكْتفى بالاجتهاد أم يشترط درك اليقين\rقال الأستاذ أبو إسحاق : لابد من درك اليقين، والاجتهاد مع إمكان الوصول إلى اليقين في سائر المواقيت ممنوع، فإن أفطر بالاجتهاد لزمه القضاء، إلا إذا بان يقين الإصابة، ومن الأصحاب من يكتفي بالاجتهاد","part":1,"page":131},{"id":332,"text":"وأما في آخر الليل فلا ينبغي أن يهجم من غير اجتهاد وظن، فإنَّ هجم ولم يتبين الخطأ فالوجه القطع بأن لا قضاء؛ بناء على الاستصحاب، وقد قال الأئمة: لو شك الناس في بقاء وقت الجمعة لم يجز لهم عقدها؛ وعُلِّلَ بأنه إذا كان كذلك فالغالب أن الوقت يخرج\rوبنى الصيدلاني على العلة: أنهم لو شرعوا في الصلاة، ثم شكُّوا، صحت الجمعة مع التردد ، وهذا ما استثناه صاحب التلخيص عن دَرْك اليقين، فإن شغل الذمة مُستيقَن، ولم يتيقن برائتها\rفرع:\rلو طلع الفجر وفي فيه طعام فلفظه فلا شك في صحة صومه، ولو كان مخالطا أهله فلما طلع الفجر نزع: صح صومه عند الشافعي \rوقال المزني وزفر: فسد ، لأنَّ الجماع لاقى الصوم - وهو النزع - فجامع واقترن ذلك بأول النهار\rولكن الشافعي: يقول النزع ترك، والمفسد هو الجماع وإدامته، وهذا يلتفت على مسألة في الأصول، وهو أنَّ الخروج عن الأرض المغصوبة هل ينسحب حكم العدوان عليها تقديرًا  ولو استدام فلا شك في فساد الصوم ولزوم الكفارة على أصل الشافعي\rولكن اختلف الأصحاب في أنَّه فساد بعد الانعقاد تقديرًا، أو هو امتناع انعقاد\rفمنهم  من قال: هو منع ولكنه في معنى  القطع في إيجاب الكفارة ومنهم  من قال: إذا كان صحة الصوم يُضَام حال النزع فينعقد في مثل ذلك الزمان، ثم يفسد بعده، وهو فاسد؛ لأن انعقاده لعزمه على الترك، فإذا لم يوجد كان جماعًا مضادًا لصحة الصوم\rولو أحرم بالحج في حالة النزع مقترنا به، ففي صحة إحرامه وجهان:\rوالفرق أنَّه معذور، فإنَّ ابتداء الإحرام إليه فليؤخِّره، بخلاف الصوم، فإنَّه كان معذورًا، وقد طلع عليه الفجر بغير اختياره \rفإن قيل: أول الفجر لا يضبط بالحس فكيف يُتَصَوَّر يقترن النزع به\rقلنا: فيحتمل أن يقال هذا تقدير قدره الفقهاء لا يتصور تحقيقه عرفًا","part":1,"page":132},{"id":333,"text":"ويحتمل أن يقال: الصبح هو ضوء محسوس يحسه الإنسان ويعلمه، فإذا عُلِم، عُلِم أنه سابق على علمه، ولكن لا مبالاة بما سبق، والتكليف مقصور على ما يندرج تحت العلم، وهذا كما أنَّا نعلم أنَّ الزوال سبق على ما يبدو للناظر من تحول الظل، ولكن التكليف منوط بما يظهر، وما قبله لا مبالاة به، وقد ذكر الاحتمالين الشيخ أبو محمد \r\rالقول في شرائط الصوم:\rلصحة الصوم أربعة شرائط: الإسلام، والعقل، والنقاء عن الحيض، وإيقاع الصوم في وقت قابل له\rأمَّا الإسلام: فلا يصح مع الكفر والردة، سواء اقترن بالأول أو بالآخر\rوأمَّا النقاء عن الحيض: فمتفق عليه، وتعصي الحائض لو قصدت الصوم، فعليها ترك الصوم، ثم يلزمها القضاء\rوأما العقل: فزواله بالجنون، وانغماؤه بالإغماء، واستتاره بالنوم\rأما النوم: فلا يضر وإن استغرق جميع النهار؛ لأنَّ غريزة العقل قائمةٌ، والتَّنَبُّه داخلٌ تحت الاختيار على قرب، وفي إلحاق مستغرق النوم بمستغرق الإغماء وجهٌ بعيد \rوأما الجنون: فإنَّه ينافي صحة الصوم، أطبق في جميع اليوم، أو قارن بعضه، وفي إلحاق طارئه بطارئ الإغماء وجه بعيد \rثم من أفاق أو أسلم أو بلغ في أثناء الشهر لم يلزمه قضاء ما مضى، وفي اليوم الذي زال المانع فيه خلاف، وقال أبو حنيفة: يجب قضاء ما مضى في أيام الجنون إذا جرت الإفاقة في أثناء الشهر \rوأمَّا الإغماء فيما يستغرق أو يقترن ببعض النهار طريقان :\rأحدها: إجراء خمسة أقوال، ثلاثة منصوصة، واثنان مخرجان:\rأحدهما: - وعليه نصَّ ها هنا - أنَّه إن استغرق فسد، وإن أفاق في شيء من النهار أولا أو آخرًا صحَّ، وتوجيهه أنَّ الأصل مراعاةُ اقتران النية بالعبادة، ولكن حُط ذلك العُسرٍ ، فلا أقلَّ من اعتبار لحظة يُتَصَوَّر فيها القصد ","part":1,"page":133},{"id":334,"text":"الثاني: وعليه نصَّ في كتاب الظهار، فقال: إن دخل في الصوم وهو يعقل، ثم أغمي عليه، أجزأه بشرط الإفاقة في أول النهار، وهو وقت قصد العبادة، فاشترط تَصَوُّر القصد\rوالثالث: نصَّ عليه في كتاب اختلاف العراقيين، وقال: إن حاضت المرأة أو أغمي عليها قضت، فجمع بين الإغماء والحيض، فظاهره أنَّه قاطع، ولو اقترن بجزء كالحيض\rوالرابع: مذهب المزني، وهو أنَّ الإغماء كالحيض ، لا يضر وإن استغرق، وقد جعله الأصحاب قولاً مخرجًا؛ لأنَّ  غشيه لا يزيل جوهر العقل بخلاف الجنون\rوالخامس: شرط الإفاقة في طرفي النهار مراعاة لأقل العبادة وآخرها، وهو ضعيف\rالطريقة الثانية: القطع بما ذكره الشافعي في كتاب الصوم من اشتراط الإفاقة في لحظة، واطَّراح القولين المخرجين، وتأويل النصوص بتنزيل نص الظهار عليه، ولكن جرى ذِكْر أول النهار وفاقًا، وقد يُعْتَاد ذلك في الكلام، وأما جمعه بين الحيض والإغماء، فقد قيل: الجواب رجع إلى الحيض، وهو تأويل ركيك، وقيل: إنَّه أراد به الإغماء المستغرق\rالشرط الرابع: الإيقاع في وقت قابل للصوم\rوهو جميع النهار، لا يوم العيدين وأمَّا أيام التشريق فهي كأيام العيد في الجديد\rوقال في القديم: يصح للمتمتع أن يصوم الأيام الثلاثة فيه، فقيل: إنَّها لا تقبل غيره، وقيل: إنَّها كصوم الشك، والجديد أنَّها كأيام العيد، وأما يوم الشك فصومه صحيح إن وافق وردًا أو قصد قضاء، وإن لم يكن له سبب فهو منهي عنه، وفي صحة صومه وجهان كالصلوات في الأوقات المكروهة \rوذكر القاضي حسين  مسلكا مساقه: إلحاق يوم العيد بيوم الشك في صحة الصوم، ولزوم نذره، وهو إن قاله عن اعتقاد فعلى خلاف المذهب، وحيث حكمنا بالفساد فلا يصح نذر صومه، وحيث حكمنا بالصحة فيصح منه القضاء والمنذور\rفإن قيل: وما صورة يوم الشك","part":1,"page":134},{"id":335,"text":"قلنا: إن أطبق السحاب الليلة الأخيرة من شعبان، أو كانت السماء مصحية ولم يتحدث بالرؤية فلا شك، وهو من شعبان، ولا مبالاة في صورة إطباق السحاب بقول من يقول: لو انكشف الجو لرؤي؛ لبعد الهلال عن قرص الشمس ، فإنا تُعُبِدنا في مثل هذه الحال في آخر الشهر بالاستكمال؛ إذ قال: «فإن غُمَّ عليكم فاستكملوا العدة ثلاثين» \rفأما إذا كان على السماء قُزَعُ سحابٍ ، أو تحدث بالرؤية عدلٌ واحدٌ وقلنا :\rلا يُقبل قوله وصبيةٌ وفسقةٌ يُظَنُّ صدقهم: فهذا يوم الشك\rوإن كان على محل الهلال قطع سحاب ولكن لم يتحدث الناس بالرؤية، قال الشيخ أبو محمد: اليوم يوم الشك، ولم يشترط التَّحَدُّث بالرؤية، وما ذكره غير واضح في البلاد الواسعة والقرى، فأما في حق الرفقة في السفر يظهر أن يجعل يوم الشك؛ لإمكان الرؤية والتَّحَدُّث في البلاد التي تجمع أقوامًا يستقلون بالأمر\r\rهذا بيان الشرائط\r\rالقول في الآداب\rيستحب تعجيل الفطر، وتأخير السَّحُور، وورد فيه أخبار ، وكان رسول الله  يُسمي السحور الغداء المبارك، وكان يقول: {هلموا إلى الغداء المبارك} \rثم ينبغي أن يتوقى الشك ويتبع اليقين - كما سبق - وقد قيل: كان بين سحور رسول الله  وصلاة الصبح قدر خمسين آية \rوأما الفطر فلا حرج في تأخيره وتركه، إلا على قصد الوصال فإنه محرم على غير رسول الله : {واصل رسول الله  في العشر الأخير فواصل عمر وغيره فنهاهم، وقال وددت لو مُدَّ لي الشهر مَدَّا، ليدع المتعمقون تعمقهم، أيقوى أحدكم على ما أقوى عليه! إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني} \rثم ينبغي أن يتناول مفطرًا، ولا يكتفي بحصول الفطر بدخول الليل\rومن الآداب: إكثار الأفضال والقربات في هذا الشهر، قيل: {كان رسول الله  أجود الخلق، وكان إذا دخل شهر رمضان أجود بالخير من الريح المرسلة} ","part":1,"page":135},{"id":336,"text":"ومن الآداب: ترك السواك بعد الزوال، فإنه يزيل خلوف فم الصائم، وهو {أطيب عند الله من ريح المسك} ، ولا بأس به قبل الزوال مع التحفظ من تَجَرُّع حلاته أو ازدراد شَظِيِّه\rومن جملة ذلك: تقديم غسل الجنابة على طلوع الفجر  فذلك أولى، ولو أصبح جنبًا فلا بأس، ولو احتلم لم يفسد صومه، وكذلك إذا نوت المرأة بعد انقطاع الحيض ليلا الصوم وأصبحت غير مغتسلة، وروى أبو هريرة رضي الله عنه: {أن من أصبح جنبا أفطر}، فروت عائشة <: {أن رسول الله  كان يصبح جنبا من جماع أهله} فقال أبو هريرة: {إنما سمعت ذلك من الفضل بن عباس} ، فقال العلماء: عمل ذلك على ما كان، ورواية عائشة على النسخ\rومن الآداب: كف النفس عن الهوى والشهوات، وهو السِّرُّ في الصوم، ولكن ذلك لا يدخل تحت التكليف ، فاقتصر ظاهرُ التكليف على النية والإمساك عن المفطرات، قال : {الصومُ جُنَّةٌ، وحصنٌ حصينٌ، فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، فإذا شاتمه أحد فليقل إن صائم}  ومعناه أن يُذَكِّر نفسه الصوم، ويكف عن كلامه، والله أعلم\r\r\rالقسم الثاني: في بيان مبيحات الإفطار وموجباته\rأما المبيحات فهو المرض والسفر الطويل، وقد بينّا حدَّهما في كتاب التيمم والصلاة، ثم الصوم أفضل من الفطر إذا لم يظهر ضرر، ولا مبالاة بخلاف داود  في صحة الصوم، فقد قال أنس : {خرجنا مع رسول الله  فمنا الصائم ومنا المفطر، ومنا القاصر ومنا المتم، ولم يعب بعضنا بعضا} \rفأما إذا ظهر إفضاؤه إلى مرض فالفطر أولى، فإن ذلك يؤدي إلى تعطيل عبادات أخر، وقد روي: {أن رجلا كان ينضح بالماء يهادى ويظلل في سفره، فسأل  عن حاله، فقيل: إنه صائم، فقال : إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني} ، وعلى هذا يُحمل مطلق قوله : {الصوم في السفر كالفطر في الحضر}  وقوله: : {ليس من البر الصيام في السفر}  فالمطلق يحمل على المقيد بدليل ما رويناه","part":1,"page":136},{"id":337,"text":"وأمَّا الإتمام والقصر فقد ذكرنا فيه خلافًا، والفرق أنَّ القاصر مقيمٌ حق الوقت، ومبرئ دَسْته  عن القضاء، وموافق لمذهب أبي حنيفة ، وأما المفطر فإنه تارك وظيفة الوقت اعتمادًا على قضاء قد لا يتمكن منه، فأما مذهب داود فلا وزن له ، هذا كله إذا استوعب السفر جميع اليوم، فلو اجتمعت الإقامة والسفر غُلب حُكم الحضر في منع الإفطار، فمن سافر في أثناء النهار لم يفطر، وكذلك من شرع في الصوم، وقدم غير مفطر لزمه إتمام الصوم\rوقال المزني وأحمد: يجوز لمنشئ السفر الإفطار في أثناء النهار ، ويعتضد ذلك بطريان المرض، وبما روي {أن رسول الله  أنشأ السفر من المدينة صائمًا، فلما بلغ كُرَاع\r\rالغَميم  أفطر} ، وهذا وهمٌ، فبين المدينة وكراع الغميم مراحلٌ، وإنما المعنى أنه كان صائمًا في ابتداء سفره أيامًا، ثم أفطر لما انتهى إليه \rفأمَّا المرض فإنَّه ينشئ في الحال عسرًا لا سبيل إلى مدافعته، بخلاف السفر، والصلاة التي يجتمع فيها الحضر والسفر يتعين فيها الإتمام، فكذلك في الصائم\rفأمَّا من أصبح صائمًا مسافرًا ناويًا ثم بدا له أن  يُنشئ التَّرخُّص في أثناء النهار فهو جائز قطعًا، ولم يلحق هذا بما إذا نوى الإتمام ثم أراد القصر، وهذا مذهب المزني في التشبيه بالمرض\rأما موجبات الإفطار، فأربعة: القضاء، والإمساك تشبهًا، والكفارة، والفدية\rأما القضاء: فواجب على كل مفطر وتارك، إلا من ترك الجنون  والصِّبَا والكفر الأصلي دون الردة، فأما السفر والمرض والإغماء والحيض فشيء منه لا يُسْقِط القضاء، ولا فرق في الإغماء بين أن يستغرق الشهر أو لا يستغرق، وكذلك في الجنون، وقال أبو حنيفة: إذا أفاق قبل مضي الشهر فما مضى في أيام الجنون يجب قضاؤه ","part":1,"page":137},{"id":338,"text":"فأما الإمساك تشبهاً بالصائمين: فواجب على كل متعدٍ بالإفطار في شهر رمضان كالعقوبة له والمناقضة لقصده، وليس عبادة، إذ لا يجب بارتكاب محظوراته شيء، كالمفسد حجه فإنه في عبادة يلتزم الكفارة بمقارن محظور بها، والمفطر في غير رمضان لا يلزمه الإمساك وإن تعدى بالفطر\rوأما المسافر والمريض إذا أفطر ثم زال السفر والمرض فلا إمساك عليهما، إذ لا معنى للعقوبة في حقهما، وإن أصبحا من غير نية الصوم فزال العذر قبل اتفاق الأكل ففي وجوب الإمساك وجهان، والظاهر أنَّه لا يجب، إذ لا فرق بين الأكل وترك النية، ولذلك لم يختلف في الحائض إذا طهرت أنه لا إمساك عليها أكلت أو لم تأكل \rفأمَّا من أصبح يوم الشك مفطرًا ثم بان أنَّه من رمضان، فظاهر المذهب وجوب الإمساك؛ لأن المخطئ قد يلحق العامد في النسبة إلى ترك التحفظ، كما حرم المخطئ بالقتل عن الميراث، وأوجب عليه الكفارة\r\rوحكى البويطي  وحرملة  عن الشافعي قولا: أنه لا يلزمه الإمساك، وله اتجاه على القياس الذي ذكرناه\rأما الصِّبَا والجنون والكفر إذا زال في أثناء النهار، ففي وجوب الإمساك في بقية النهار أربعة أوجه :\rأحدها: أنه يلزمهم؛ لأنهم أدركوا وقت التشبه وإن لم يدركوا وقت الصوم، فليس كالمسافر، فإنه مخاطب بالترخص فترخص على بصيرة عن إذن صحيح\rوالثاني: - وهو الأصح - أنه لا يلزم؛ لأن وجوب الإمساك تبع لزوم الصوم، وهؤلاء لم يلتزموا، إذ لم يدركوا وقت الأداء\rوالثالث: أن الكافر يلزمه دون الصبي والمجنون، فإنه متعد بترك الصوم مع القدرة عليه بتقديم الإسلام\rوالرابع: أن الصبي مع الكافر يلزمهما الإمساك؛ لأن الصبي أيضا قادر على أداء الصوم، وهو مأمور به شرعًا للتمرين، بخلاف المجنون","part":1,"page":138},{"id":339,"text":"ثم قال الأصحاب قضاء هذا اليوم في حقهم يبتنى على الإمساك، فمن أُلْزِم الإمساك أُلْزِم القضاء، ومن لا فلا، قال الشيخ أبو بكر: من أوجب الإمساك  اكتفى، ومن لا يوجب أوجب القضاء، وهذا أيضا فيه احتمال، والظاهر سقوطهما جميعًا \rفرع: من أصبح يوم الشك غير آكل فبان أنَّه من رمضان، فنوى التطوع لا ينعقد تطوعه خلافًا لأبي إسحاق المروزي؛ لأنَّ الوقت متعين لإمساك محتوم، فكيف ينصرف إلى التطوع ولو كان مسافرًا فكذلك نقول، وإن لم يلزمه الإمساك؛ لأن الشهر متعين للصوم، وإنما للمسافر الترخص إن أراد، فأما أن نجعل الشهر في حقه كسائر الشهور فلا \rوأما الكفارة: فتجب عندنا على كل من أفسد صوم رمضان بجماع تام، أثم به لأجل الصوم ، وفي الحد قيود فلتتأمل:\rأما قولنا أفسد الصوم: احترزنا به عن الناسي  إذا جامع ناسيًا هل يلزمه البدنة وهو بعيد؛ لأن الجماع في الحج دائر بين الاستمتاعات والاستهلاكات، وفي الاستمتاعات يسوى بين العامد والخاطئ، أما محظورات الصوم فلا يسوى فيها بين الساهي والعامد \rثم قال الأصحاب: إن قلنا الفطر حاصل؛ ففي الكفارة وجهان، والظاهر أنها لا تجب لانتفاء الإثم، وفيه لانتسابه إلى التقصير\rأما تقييدنا بصوم رمضان: احترازًا عن التطوع والقضاء والنذر وسائر الصيام، فلا كفارة على المفطر فيها أثم أو لم يأثم \rأما إضافتنا الإفطار إلى الجماع: احترزنا به عن المرأة إذا جومعت ، فظاهر المذهب أنه لا كفارة عليها؛ لأنَّها أفطرت بوصول أول جزء من الحشفة إلى باطنها، ويعتضد ذلك أيضا بقصة الأعرابي ، وقال أبو حنيفة: يلزمها الكفارة  وهو نص الشافعي في الإماء \rالتفريع:\rإن أوجبنا الكفارة عليها فلا كلام، وإن خصصناه بها ففي تنزيله قولان :\rأحدهما: أن الوجوب يلاقيها، ولكن الزوج يتحمل وتندرج كفارتها تحت كفارته\rوالثاني: أن الوجوب لا يلاقيها أصلاً؛ لأنَّها لم تفطر بالجماع","part":1,"page":139},{"id":340,"text":"فإن قلنا بالتحمل، فلو زنا بامرأة أو كان الزوج مجنونًا فلا تحمل؛ إذ الجنون يمنع إيجاب الكفارة على المجنون، كما على الناسي، وصورته طريان الجنون بعد الشروع في الصوم إذا قلنا لا ينقطع به، وسبب التحمل الزوجية، فلا تجب في الزنا، فتجب الكفارة على المزني بها، وعلى زوجة المجنون، ولو كانت مُعْسرة وواجبها الصوم فلا سبيل إلى التحمل، إذ العبادات المحضة لا تتحمل فيلزمها ، ولو لزمها الإطعام، ولزم الزوج الإعتاق، ففي تقدير الإدراج وجهان:\rأحدهما: المنع؛ لاختلاف الجنس، والثاني: الجواز؛ لأنهما من قبل الأموال\rوأما السيد إذا وطئ أمته فيمتنع فيه تقدير  الإدراج؛ لأنَّ واجبها الصوم، وهي كالمعسرة\rوكذلك الزوج إذا كان مسافرًا والمرأة حاضرة، فلا يتصور التحمل والإدراج؛ إذ لا كفارة عليه، ونعني به ما إذا قصد الترخص بالإفطار بالجماع، فإن لم يقصد ففي وجوب الكفارة وجهان، منهم من ألحقه بالمقيم إذا لم يقصد الترخص\rفأمَّا تقييدنا بالجماع: فقد احترزنا به عن الأكل والشرب والاستمناء والإنزال بالتقبيل وغير ذلك من المفطرات، وقال مالك ~: تتعلق الكفارة بكل مفطر ، وقال أبو حنيفة: تتعلق بكل مقصود في جنسه ، وأدرجنا تحته الزنا وجماع الأمة، وقال سعيد بن جبير: لا تجب الكفارة بالزنا ، فأما وطؤ البهيمة والإتيان في غير المأتى فظاهر المذهب تعلق الكفارة به؛ لأنه يسمى جماعًا، ومن الأصحاب من بنى وجوب الكفارة على الخلاف في وجوب الحد، ويُسَوّي بينهما في محل الوفاق والخلاف ","part":1,"page":140},{"id":341,"text":"أما قولنا أثم به لأجل الصوم: احترزنا به عن الزاني ناسيًا إذا قلنا: لا يفطر، وعمّن أصبح مجامعًا أهله على ظن أن الصبح غير طالع، فالمذهب فيه أن الكفارة لا توجب، وإن يوجب القضاء ، وإذا ذكرنا وجهًا في كفارة الناسي فهو في هذا الموضع أوجه، وقد ذُكِر، وفي معنى هذه الصورة ما إذا أكل ناسيًا فظن فساد صومه فجامع فإنه يلزمه القضاء ولا كفارة للظن، وقد جمعنا بهذا الحد ما إذا جامع المنفرد برؤية الهلال بعد رد شهادته، وما إذا جامع في أيام مرارًا، وما إذا جامع ثم أنشأ السفر، والكفارة تجب عندنا في هذه الصورة خلافا لأبي حنيفة \rفأمَّا إذا طرأ بعد الجماع مرض أو جنون أو حيض ففي وجوب الكفارة ثلاثة أقوال :\rأحدها: أنَّه يجب؛ لأنَّ الوجوب قد تمَّ بحصول الإفساد بالجماع، وما بعد ذلك لاقى الإفطار فلم يؤثر\rوالثاني: السقوط، إذ بان بالآخرة أن صوم هذا اليوم لم يكن واجبًا\rوالثالث: أنه يسقط بطريان الجنون والحيض، فإنهما ينافيان صحة الصوم، فيتبين به الفساد من أول الصوم\rوأما المرض فلا أثر له إلا في إباحة الإفطار لصائم، فإذا تعدى الإفطار من قبل فقد حتم على نفسه باب الترخص، وحكى صاحب التقريب طرد هذه الأقوال في طريان السفر، وهو بعيد؛ فإنه غير مبيح ولا مسقط للكفارة، ولا وجه له إلا جعل مذهب المزني وأحمد شبهة مسقطة ، ويطرد ذلك إذا جامع بعد إنشاء السفر، ولكنه غير معدود من المذهب\rفهذا بيان موجب الكفارة\rفأما كيفيتها:\rفهي مرتبة - ككفارة الظهار - على ما اشتمل عليه القرآن\rوفي قضاء الصوم مع الكفارة ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه يجب وهو الصحيح \rوالثاني: أنَّه لا يجب؛ لقصة الأعرابي، إذ ليس فيها أمرٌ بالقضاء","part":1,"page":141},{"id":342,"text":"والثالث: إن كفَّر بالصوم اندرج، وإلا لزمه القضاء، وعمدة الكفارة حديث الأعرابي، وذلك ما روى {أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله  وهو ينتف شعره، ويضرب نحره، ويقول: هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال  أعتق رقبة، فوضع يده على سالفته وقال: لا أملك رقبة إلا هذه، فقال صم شهرين متتابعين، فقال: وهل أُتيت إلا من الصوم، فقال: أطعم ستين مسكينًا، فقال: والله ما بين لابتيها أفقر مني، فأتى رسول الله  بفرق من الطعام يسع خمسة عشر صاعًا، وقال: تصدق به، فقال: على أهل بيت أفقر من أهل بيتي! فأخذ الأعرابي الطعام وولَّى رسول الله  يتبسم} \rوفي الحديث إشكالات:\rأحدها: أنَّه مهّد عُذْرَه في ترك الصيام بالغُلْمة  المفرطة، وقد اختلف أصحابنا فيه وأن ذلك هل يرخص العدول إلى الإطعام\rوالثاني: هو أنَّه أخذ لينفق على أهل بيته، فاختلف الأصحاب في جواز التفرقة على أهل البيت عند الفقر من الزوجة والأولاد\rالثالث: أنَّه لم يخبره عن استقرار الكفارة في ذمته، وقد كان عاجزًا عن جميع الخصال\rفاختلف فيه الأصحاب، ورتب العراقيون القول في رعاية الإمكان عند جريان الموجب، وقالوا: ما يجب لله ينقسم إلى: ما يجب بطريق العقوبة والبدلية، فالعجز المقارن لوقت الوجوب يدفع الوجوب، كالمعسر عند استهلال شوال إذ لا يجب عليه الفطرة وما فيه معنى البدلية، فلا يندفع الوجوب بالعجز بل ينتقل الإمكان كجزاء الصيد، فإن الغالب عليه مشابه الغُرم، وأما الكفارة فخارجة عن القسمين السابقين ففيه وجهان\rوقال صاحب التلخيص: لا يجوز للمظاهر أن بجامع وإن كان عاجزاً في حال الظهار عن جميع الخصال ما لم يكفر، فاستثنى كفارة الظهار عن كفارة الوقاع\rقال الشيخ أبو علي: لا فرق بينهما، فينبغي أن يُخَرَّج على الخلاف\rفإن قيل: وما عذر من يخالف الحديث في هذه الصورة بالقياس","part":1,"page":142},{"id":343,"text":"قلنا: نرى ذلك تخصيصاً للأعرابي كما نقل في الضحية أنَّه قال: {تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك}  وجرى ذلك في الرضاع أيضًا ، وكان يُؤْلَفُ مثل ذلك منه، ويرى هذا القائل الحَمْل عليه ، وإن لم يجرِ تصريحٌ به أخذًا من قرينة الحال أولى من تشويش قواعد القياس  بخبر ينقله الآحاد!\rوأما الفدية فهي مُدٌّ من الطعام  مصرفها مصرف الصدقات ولوجوبها ثلاثة طرق :\rفقد تجب بدلا عن الصوم\rوقد تجب لفوات فضيلة الأداء\rوقد تجب لتأخير القضاء\rفأما الواجب بدلا عن الصوم فهو في حق الشيخ الهرم، فإنَّه إذا عجز عن الصوم فلا نتوقع القضاء، هذا هو المذهب \rوقال العراقيون: حكى البويطي وحرملة قولاً عن الشافعي أنَّه لا فدية عليه، وهو متجه في القياس، إذ لا خلاف أنَّ المرض الدائم إلى الموت ممهد العذر في ترك الصوم، ثم لا تخرج الفدية من تركته فلا بعد في تنزيله منزلة المرض الدائم\rفأما ما يجب لفضيلة الوقت إذا فات فهو في الحامل والمرضع  إذا أفطرتا لمرضهما، بل لخوفهما على ولديهما قضتا وافتدتا عن كل يوم مدًا، وقد ورد الخبر ، وقال ابن عباس في معنى قوله: (    )  أنها منسوخة إلا في حق الحامل والمرضع ، وفي المسألة قول آخر أنه لا يلزمها الفدية كالمريض فإن الخوف على الحقيقة يرجع إليهما، والصحيح هو الأول للحديث\rوقد اختلف الأصحاب في مسألتين:\rأحدهما: أنَّ العاصي بالإفطار هل تلزمه الفدية \rفمنهم من قال: يلزمه؛ لأنَّ عذره دون عذر المرضع، وتجب عليه بطريق الأولى ولا عذر له، ومنهم من قال: لا تجب؛ لأن عصيانه أكثر من أن تجبره الفدية، وهذا يضاهي التردد في أن من ترك التشهد عامدًا هل يسجد سجدتي السهو\rوالثانية: أن من رأى غيره مشرفًا على الهلاك وكان لا يتوصل إلى إنقاذه إلا بالفطر فله الفطر وعليه القضاء، وفي لزوم الفدية وجهان :\rأحدهما: أنَّه لا يجب؛ لأنَّ إيجابها بالخبر، ولم يرد إلا في الحامل والمرضع","part":1,"page":143},{"id":344,"text":"والثاني: أنَّه يجب لأنه أفطر لغيره، فهو في معنى المنصوص\rفأما ما يجب لتأخير القضاء فمن فاته صوم ولزمه قضاؤه فلا يجوز له التأخير إلى السنة الثانية إلا بمرض دائم وعذر مستمر، فلو أخر مع الإمكان عصى وقضى، وأخرج لكل يوم مدًا، وقد ورد فيه الخبر والأثر ، ولو أخر سنين ففي تكرر المد بعدد كل سنة وجهان:\rأحدهما: التداخل\rوالثاني: التكرار، ولو أنَّه مات بعد التأخير  ونُقل عن ابن سريج القول بالتداخل، وهو بعيد\rثم كل من مات وعليه صوم فيخرج من تركته لكل يوم مد، وعن الشافعي في القديم أنه يصوم عنه وليه لورود خبر على هذا الوجه، ثم لا يجب على الولي، ولكن لو فعل وقع عنه، والولي يحتمل أن يُنَزَّل على الوارث أو على العصبة أو على القريب كان وارثًا أو لم يكن، وليس عن الأصحاب فيه نقل \rهذا بيان موجبات  الإفطار، وكل ذلك في صوم رمضان\rومما يُذكر فيه بيان التتابع: لا يشترط في قضاء صومه، خلافًا لمالك ~ \rفأما الإفطار في التطوع فجائز، ولكنه دون عذر مكروه أم لا أورد الشيخ أبو محمد وجهين، ومن الأعذار أن يعز على المضيف امتناعه من الأكل\rفأما صوم القضاء فما يجب على الفور يلزم إتمامه عند الشروع، وما هو على التراخي فيجوز له الإفطار بعد الشروع؛ لأن أمره موسع، هكذا أورده الفوراني، والمُضَيَّق ما وجب بسبب هو به عاصٍ أو مقصّر\rهذا تمام البيان في الصيام\rواختتام الكتاب نذكر صوم عرفة وعاشوراء:\rفهما مسنونان مؤكدان قال  {صوم يوم عرفة كفارة السنة، والسنة التي تليها}  يحتمل السنة الماضية، ويحتمل المستقبلة، والمراد تكفير الصغائر دون الموبقات\rوأما الحجيج فلا يستحب لهم صوم عرفة لكي لا يعجزه عن الدعاء عشية عرفة، وقال : «صوم عاشوراء كفارة سنة»  وكان  يصوم تاسوعاء ، فيحتمل أنه كان يمتنع من إفراد يوم بالصوم، ويحتمل أنه كان يحتاط في طلب العاشر، والله أعلم\r\rكتاب الاعتكاف","part":1,"page":144},{"id":345,"text":"والكلام فيه بحضرة مقدمة وثلاثة فصول\rالمقدمة:\rهي أن الاعتكاف سنة حسنة وقربة مبرورة ، وكان ثابتا في الأمم المقدمة، قال الله تعالى (    )  وقالت عائشة <: {كان رسول الله  يعتكف ويدني إلي رأسه فأُرَجّله} \rوأحرى المواقيت بالاعتكاف العشر الأخير من رمضان، وابتداؤه عند غروب الشمس من يوم العشرين، وآخره هلال شوال \rولو اعتكف ليلة العيد وأحياها يعرض لقوله : {من أحيا ليلة العيد لم يمت قلبه يوم تموت القلوب} \rوالغرض من تعيين العشر الأخير طلبه ليلة القدر وإدراكها، كما قال : {اطلبوها في العشر الأخير واطلبوها في كل وتر} ، وروي: {واطلبوها لتسع بقين أو لسبع بقين أو لخمس بقين أو لثلاث بقين أو الليلة الأخيرة} \rوميل الشافعي إلى الحادي والعشرين؛ لما روي عن رسول الله  {أنه قال: أريت هذه الليلة فخرجت لأخبركم فتلاحى فلان وفلان فأنسيتها ولعله خير لكم ورأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين}، قال راوي الحديث أبو سعيد : {أبصرت عيناي رسول الله  وعلى جبينه وأنفه أثر الماء والطين، في صبيحة إحدى وعشرين} \rوفي العلماء من يقول: إنها قد تنتقل في بعض السنين \rومنهم من يقول إنها رُفعت بعد رسول الله  \rومذهبنا أنها باقيةٌ \rواختلفوا في أنها هل كانت ثابتة في الأمم السابقة والمختار أنها خاصية هذه الأمة؛ لما روي أن رسول الله  {ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس لَأْمَتهَ وقاتل في سبيل الله ألف شهر لا ينزعها فتمنى الصحابة أن يكون لهم مثل ذلك العمر والقوة، فأنزل الله تعالى: (     )  إلى قوله (       )  \rوقد ذهب بعض العلماء إلى أنَّها في جميع السنة \rوقال أبو حنيفة: هي في جميع الشهر \rوعندنا تختص بالعشر  الأواخر","part":1,"page":145},{"id":346,"text":"فإن قيل: قد نص الشافعي على أنه لو قال في نصف رمضان: امرأتي طالق ليلة القدر فلا يطلق  ما لم تنقض جميع السنة ولم يعد إلى ذلك الوقت، وذلك يدل على أنها ليست تنحصر في العشر الأخير\rقلنا: نعم مذهب الشافعي الحصر في العشر الأخير، ولكنه مذهب مظنون، والطلاق قد لا يحكم به بمجرد الظن، فلذلك لم يحكم بالوقوع بمضي الحادي والعشرين، وإن كان ميله إليه \rهذا تمهيد المقدمة\rالفصل الأول في بيان أركان الاعتكاف وشرائطه:\rوالاعتكاف -الذي هو قربة- عبارة عن: لبث في المسجد مع النية، والكف عن المفسدات، فهذه أربعة أمور لابدَّ من بيانها\rأما اللبث في المسجد فصورته معلومة، ولكن اختلفوا في أقله:\rفقال بعض الأصحاب: مجرد الحصول في المسجد والحضور فيه ولو بالمرور كاف، كما وقع الاتفاق عليه في الوقوف بعرفة مع أن الوقوف يشعر بالمكث كما في العكوف فعلى هذا لو نوى المجتاز الاعتكاف كان ما جاء به قربة \rومنهم من قال: لابد من لبث محسوس يظهر له وقع, ولا يُكتفى بقدر الطمأنينة على هذا الرأي في السجود؛ لأن المقصود ثم قطع عن الرفع، والثبات ها هنا المقصود \rوحكى الشيخ أبو بكر الصيدلاني وجها: أنه لا يجزئ إلا اللبث يوما أو ما يدنو منه \rوحكى الفوراني: أن من كان يعتاد دخول المسجد لإقامة جماعة أو غيرها فنوى الاعتكاف لا يصح؛ لأنَّ دخوله لا يخالف عادته \rوالوجهان جميعًا مزيفان، وإنما المذهب: الاكتفاء باللبث مع قصد التقرب به\rوقد قال الشافعي: ولا بأس أن يبيع ويشتري ، والمَعْنِيُّ به أنه لو احترف بخياطة أو غيرها لم يناقض ذلك  اعتكافه\rوقال مالك ~ : إن كان ذلك صنعة له فلا اعتكاف\rوعزى الفوراني هذا إلى الشافعي على بَتٍّ، وهو غلط، ويلزم عليه أن يقال: من جلس في المسجد فقد اتخذه مسكنًا، فلا يصح اعتكافه، ولا قائل به، بل النية إذا انضمت إلى اللُّبْث صار قربة ","part":1,"page":146},{"id":347,"text":"أما النية: فلا يخفى وجهها، ولا يخلو إما إن أطلق  أو نوى الاعتكاف زمانًا، فإن أطلق فالقربة باقية ما لم يفارق، فإن فارق المسجد ولو لقضاء حاجة انقطع، فإذا عاد افتقر إلى تجديد نية إن أراد، ولا سبيل إلى البناء، ولو أطلق النية وبقي سنةً مثلا وهو غافلٌ, فحكم العبادة مستمر \rوقد تردد الشيخ أبو محمد  فيمن نوى الصلاة مطلقًا، وقال تصح إلى أربع ركعات فما دونها، وتردد فيما فوقها إذا لم يقصد عددًا معلومًا، وقطع غيره من الأصحاب بجواز ذلك , ولو إلى ألف ركعة مثلًا\rفأمَّا إذا نوى اعتكافَ يومٍ مثلًا وربط النية بزمان، ثم خرج وعاد، ففي الافتقار إلى تجديد النية طريقان:\rقال الشيخ أبو محمد : إن قَرُب الزمانُ لم يجدد، وإن بعد فقولان , يلتقيان على تفريق الطهارة\rوكذلك إذا قال: لله علي أن أعتكف يومًا , ثم دخل على نيته الوفاء بالنذر , فإنَّ هذا لا يختلف بالاستحباب والاستحقاق، إذ لم يكن التتابع مشروطًا لازمًا\rوقال بعضُ أصحابنا: إن خرج لقضاء حاجة على العادة لم يفتقر إلى التجديد قطعًا، وإن خرج لا لقضاء حاجة فقولان وإن قرب الزمان؛ لأنَّ الخروج يناقض الاعتكاف لا كالتفريق للوضوء، والشيخ أبو محمد لم يفرق بين قضاء الحاجة وغيره \rأما تخصيصنا اللبث بالمسجد فَبَيّنٌ، ويستوي عندنا سائر المساجد في صحة الاعتكاف، والجامع أولى؛ لكثرة الجماعة، ولكيلا يحتاج إلى الخروج للجمعة \rفأما المرأة إذا اعتكفت في مسجد بيتها فلا اعتداد به على الجديد \rوقال في القديم: يُجزئ، والتَّحَرُّز أولى بها، وأفضل المواضع لها قعر البيت , ثم ذلك يختص بالموضع المهيأ للصلاة\rوذكر الأصحاب في الرجل إذا اعتكف في مسجد البيت خلافًا مرتبًا على المرأة، وأولى بالمنع، ولا أصل لصحة ذلك في الرجل والمرأة جميعًا ، إنما الصحيح هو الجديد، ومذهب أبي حنيفة يوافق القديم ","part":1,"page":147},{"id":348,"text":"وقال علي وحماد: لا يجوز الاعتكاف إلا في المسجد الحرام ، وزاد عطاء مسجد المدينة ، وزاد حذيفة مسجد بيت المقدس ، وعند كافة العلماء جميع المساجد محل له\rأما الكفُّ عن المفسدات فلابدَّ منه , والنظر في الجماع , والملامسة , والجنابة , والحيض , والردة , والسكر، فأما السب والقذف  وسائر المعاصي غير مفسدة\rقال الصيدلاني: لا تفسد، ولكن تحبط الأجر، وفيه نظر فإنَّه حكمٌ على الغيب \rأما الجماع: فكل جماع يفسد الصوم يفسد الاعتكاف، وقال في موضع لا يفسد الاعتكاف إلا جماع تام يوجب الحد، وهذا يقتضي تردُّدًا في إتيان البهيمة واللواط، ولا وجه له\rوأما المباشرة دون الجماع ففيه نصان:\rنصَّ في كتاب الصوم أنَّه لا يُبَاشر المعتكف، فإن فعل أفسد اعتكافه ، ويتأيد ذلك بقوله تعالى (   )  والغالبُ أنَّ المراد به غير الجماع ، فإنَّ ذلك يظهر في كونه مجتنبًا في المسجد ويقل وقوعه، فعلى هذا ينقطع الاعتكاف بما ينتقض به الطهر، وتلزم به الفدية في الحج، وضبطها واحد \rوقال في موضع: لا يفسد الاعتكاف إلا بوطئ تام يوجب الحد \rوهذا يعتضد بالتشبيه بالصوم، وقد أجرى الأصحاب في المسألة قولين، هذا إذا لم يجر الإنزال، فإن جرى الإنزال فالوجه القطع بانقطاع الاعتكاف كما في الصوم، بل هو أولى؛ لأن الصوم ينتقض بجماع أو دخول داخل، وليس في الإنزال شيء منه، ومن الأصحاب من طرد القولين في الإنزال أيضا\r\rأما الحيض فقاطعٌ للاعتكاف قطعًا، فإنَّه يحرم الكون في المسجد \rوالذي يقتضيه القياس في الجنابة أيضًا أن يكون مفسدًا إذا طرأ، ومانعاً إذا اقترن؛ لأنَّه يُحَرِّم المكث بنهي مقصود فيه ، لا كالصلاة في الدار المغصوبة فإنه لم ينه عنه قصدًا \rفإن قيل: فأي وجه لطرد القولين في أن الإنزال لا يفسد مع اقتضائه للجنابة","part":1,"page":148},{"id":349,"text":"قلنا: ما عندنا أن محققًا يصير إلى أن اللبث المحرم من المبيت قربة، وأما وجه ذلك القول هو أن يطرأ الإنزال فيبادر إلى الخروج للاغتسال كالاجتياز للجنب، فلا يفسد الاعتكاف بالجنابة في ذلك القدر، ولا ينقطع بل يجعل كخروجه لقضاء الحاجة، وليس يخفى إن قصد الإنزال يحرم في المسجد وإن تأتى الاغتسال في المسجد\rفإن قيل: فلو جرى ذلك وفي المسجد ماء يتيسر به الاغتسال في مدة تتقاصر عن مدة الخروج عن المسجد لاتساع ساحتها فماذا يفعل\rقلنا: لم يذهب أحد إلى تعيين الاغتسال في المسجد، بل الصحيح أنه يتعين إيثار الخروج وقاية للمسجد عن أن يتخذ محطًا للجنابة، ولأن الاغتسال تعريج على أمور، والمُجَوَّز العبور من غير تعريج، ومن الأصحاب من أبعد وجوَّز الاغتسال \rأما الردة , فالقياس أنها تفسد \rوقال الشافعي: لا تفسد، ويبني إذا عاد إلى الإسلام \rوأما السكر فالقياس أنه لا يفسد، ونص الشافعي على خلافه، فقال إنه يفسد ويناقض، فاختلف الأصحاب وذكروا في كل نصٍّ ثلاثة طرق \rوأمَّا الردة , فقال قوم: تُفسد قطعًا، وهو القياس كسائر العبادات، ونصُّ الشافعي محمولٌ على أنَّه لا يفسد ما مضى رَدّاً على أبي حنيفة حيث رأى الاحتياط \rومنهم من قال: لا يفسد، وهذا لا وجه له؛ إذ لا خلاف أن ابتداء الاعتكاف في الردة لا يجوز، وأنه لو غسل المتوضئ عضوًا في وقت الردة لا يجزئه فالوجه تأويل النص وإن بَعُد\rوالثالث: الفرق بين قصر الزمان وطوله، وهو أيضا بعيد، وكذلك ذكروا في السكر هذه الطرق الثلاث\rوالصحيح القطع بأنَّه لا يفسد، وحمل النص على إخراجه لإقامة الحد , وقطع التتابع, والنظم به وتنزيله منزلة الخروج مختارًا؛ لأنه مختار في السبب، ومن الأصحاب من جرى على ظاهر التعيين، وقال: السكران لعدم عقله يُوَقَّى المسجد، والمرتد عاقل، وهو من أهِل أن يُترك في المسجد كالكافر، وهذا بعيد لا وجه له \rهذا بيان شرائط الاعتكاف ومفسداته","part":1,"page":149},{"id":350,"text":"فأما الصوم فليس شرطاً في صحة الاعتكاف على الجديد، وحُكِي في القديم قول أنه يشترط فيه الصوم كما قال أبو حنيفة ، وعلى هذا لا يلزمه صومٌ مقصود، بل يصحح الاعتكاف في رمضان، ولا يصحح ليلًا، لا تبعًا ولا مفردًا، إذ أبو حنيفة يصحح على التبعية ، وإن فرعنا على الصحيح صح ليلاً مفردًا وفي أيام العيد والتشريق\rولو نذر أن يعتكف صائمًا لزمه الاعتكاف والصوم، وفي لزوم الجمع قولان :\rأحدهما: لا يلزم كما لو قال اعتكف مصليًا\rوالثاني: أنه يلزم لتقارب العبادتين في الكف والإمساك، وكان كتقارب الحج والعمرة والجمع بينهما يلزم بالنذر\rفأمَّا إذا قال لله علي أن أصوم معتكفًا: قال الشيخ أبو محمد: لا يلزمه الجمع قطعًا، قال الإمام: وطرد الوجهين محتمل، إذ لا فرق بين الصورتين \rقال القفال: لو قال: لله علي أن أصلي صلاة أقرأ فيها السورة الفلانية فيلزمه القراءة والصلاة، وفي لزوم الجميع الوجهان المذكوران\rقال الشافعي: ولا بأس بوضع المائدة وغسل الأيدي في الطسوس  توقية للمسجد عن البلل، ويستوي في صحة الاعتكاف الرجل والمرأة والعبد\rوذكر الفوراني وجهين في صحة اعتكاف المكاتب، ولا وجه له؛ فإنه لا يمنع من الجلوس في أوقات عطلته \r\rالفصل الثاني: في موجب نذر الاعتكاف، وفيه مسائل ست:\rالأولى: إذا قال: لله علي أن أعتكف شهرًا، فإن شرط التتابع لزمه التتابع، وكذلك إذا نوى؛ لأن اللفظ صالح للتتابع، ولو  أطلق , فالمذهب أن التتابع لا يلزمه، كما في الصوم فإن الأيام المتفرقة تسمى شهرًا\rوقال أبو حنيفة: يلزمه التتابع بخلاف الصوم ، وحكى صاحب التقريب عن ابن سريج المصير إلى مذهب أبي حنيفة في الاعتكاف \rولعل خيالهم في الفرق: أن الليل يقطع الصيام ولا يقطع الاعتكاف، فالتواصل فيه ممكن \rولا تفريع على هذا المذهب","part":1,"page":150},{"id":351,"text":"فنقول: إذا لم نشترط التواصل في أيام شهر فلو نذر يومًا فهل يشترط التواصل في ساعات اليوم وجهان، ووجه الفرق أن الأيام المفرقة تسمى شهرًا، وأما اليوم فعبارة عن ساعات محصورة بين الطلوع والغروب على اتصال\rالتفريع:\rإن قلنا: يجزئه التفريق، فيكتفى بساعات أقل الأيام، قال الإمام:  يحتمل أن ننظر إلى ساعات الأيام التي اعتكف فيها، فإن وقع في الأطول روعي ساعات الأطول وإن فرق فيرعى نسبة كل يوم، ولكن المذهب ما ذكره الأصحاب ولا خلاف في أنه لو اعتكف في يوم واحد من الأطول في مثل ساعات الأقصر لم يكف، بل يجب الإتمام عند الاتصال، وإن فرعنا على منع التفريق فلو ابتدأ من وقت الزوال ومكث إلى الزوال من اليوم الثاني فإن خرج ليلًا لم يجز وإن استمر أجزأه\rقال أبو إسحاق : لا يجزئه، وإن استمر؛ لأنَّ الليل ليس محسوبًا من النهار، فلا فرق فيه بين الخروج والمقام، وحُكي له نص الشافعي، فحمل على ما إذا قال: لله علي أن أعتكف يومًا من وقتي هذا، وهو في وقت الزوال، فلا وجه إلا الصبر إلى زوال اليوم الثاني، وما ذكره قياسٌ متجه \rالمسألة الثانية: في دخول الليالي تحت النذر: فإن قال أعتكف شهرًا دخلت الليالي قطعًا، وإن قال: أعتكف يومًا، لم يلزمه الليلة، إلا إذا نواها، فإنَّ اليوم قد يطلق ويراد به اليوم بليلته، فصلحت النية له\rولو قال: أعتكف ثلاثة أيام فصاعدًا، ففيه وجهان؛ لتردده بين الشهر واليوم الفرد\rوقال المراوزة: اليومان كاليوم الواحد\rوقال بعضُ العراقيين: لا، بل كالأيام الثلاثة\rوأمَّا إذا نذر اعتكاف يومين متتابعين، قال العراقيون : ينبغي أن يدخل صبيحة يوم ويصبر إلى غروب الشمس من اليوم الثاني، فلو خرج ليلًا لم يَجُز قطعًا، وانقطع تتابعه\rوقال الشيخ أبو محمد : لا يضر لو خرج ليلًا ودخل قبيل الفجر؛ لأنَّ الليل إذا لم يكن لازمًا فلا معنى لشرط الاعتكاف فيه، وما ذكره قياسٌ حسن","part":1,"page":151},{"id":352,"text":"وهذا ينبه على أنَّ من اعتقد دخول الليالي مع الأيام يكتفى في ثلاثة أيام بليلتين، إذ يبتدئ في صبيحة يوم ويخرج عند الغروب من الثالث، وكذلك بتسع ليالي في عشرة أيام، لأنَّ خيال ذلك القائل رعاية  التواصل مأخوذًا من التواريخ، وهو يعتمد حال ابن سريج في إيجاب التتابع عند الإطلاق، والصحيح أنه لا يشترط التواصل، فإن اللفظ مردد فيه \rالمسألة الثالثة: إذا قال: لله علي أن أعتكف العشر الأواخر من الشهر لزمه ذلك، والتتابع غير لازم مقصودًا، ولكن يجب الوفاء متتابعًا لتواصل الزمان كما في شهر رمضان، وتظهر فائدته في القضاء، وبقاء ما مضى صحيحًا إذا طرأ مفسد، وجواز العود إلى الباقي بعد الإفساد \rولو قال: أعتكف العشر الأواخر متتابعًا، فهل يثبت التتابع مقصودًا فوجهان:\rأحدهما: أنَّه يثبت، كما لو شرط في زمان مطلق\rوالثاني: أنَّه لا يثبت، بل يحمل مطلقه على التواصل الكائن في الزمان فهو كالسكوت عن التتابع \rثم اتفق الأصحاب على أنَّ الشهر لو خرج ناقصًا فيكفيه التسع ويكون ذلك وفاء وليس عليه إلا الدخول بعد انقضاء العشرين \rالمسألة الرابعة: إذا قال: لله علي أن أعتكف عشرة أيام متتابعات ولا أخرج إلا لغرض كذا، فله الخروج لذلك الغرض المستثنى، ولا ينقطع به تتابعه ويلزمه قضاء ذلك القدر إلى كمال العشر، فإذا عاد ففي افتقاره إلى تجديد النية وجهان، كما في تفريق الوضوء، ومن قال: لا يفتقر جعل التتابع كالرابطة وجعل نيته كالحاصرة الشاملة لجميع المدة \rفأما إذا استثنى في نذر العشر الأواخر من غير شرط التتابع جاز الخروج وحمل الاستثناء على حط ذلك عن زمان الوجوب فلا يلزمه قضاؤها؛ إذ لا تتابع حتى يحمل استثناؤه على عدم انقطاع التتابع المقصود ولكن الظاهر ها هنا في العود الافتقار إلى تجديد النية لعدم التتابع الرابط ","part":1,"page":152},{"id":353,"text":"وذكر الشيخ أبو علي وجهًا أنه لا يفتقر؛ لأن النية شملت العشر عند الشروع فصار كالتتابع  ولا خلاف في أنَّ من نوى اعتكافًا مطلقًا تطوعًا أو منذورًا إذا خرج وطال الزمان افتقر  إلى التجديد؛ لأنَّه لا رابطة، والمطلق يُنَزَّل على الحال ما دام مستمرًا \rوحكى صاحب التقريب قولًا عن القديم أنَّ الاستثناء في الاعتكاف المتتابع باطل لاغ، ويجب الوفاء بالتتابع، ثم قال: إذا فرَّعنا على الصحيح، فلو قال الناذر: لله علي أن أتصدق بعشرة دراهم إلا أنَّ أحتاج إليها قبل التصدق، فهذا محتمل، ولو قال إلا أن يبدو لي فيها فكذلك\rقال الشيخ أبو محمد : هذا الأخير ينبغي أن يبطل لأنَّه خيرة مطلقة تضاد اللزوم، بخلاف ما فيه غرض صحيح\rوزاد العراقيون  فقالوا: لو نذر صوماً وشرط التحلل إذا عَنَّ له غرض لا يبيح الفطر بمجرده صح الشرط، ولو جرى ذلك في الحج فوجهان، وعكس الشيخ أبو محمد  هذا الترتيب وقال: الحج أولى باحتمال ذلك لما روى أنه  قال لضُبَاعة: {أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني} \rوأما الصوم المنذور فالمتجه فيه أن يُبطل النذر أو يبطل الشرط\rفرع: إذا شرط في الاعتكاف الخروج لعيادة عمرو لم يخرج لعيادة زيد، ولا لشغل آخر، وإن كان أهم من العيادة، وإن قال: أخرج مهما أردت، فهو مناقض للتتابع، فإذا بطل الشرط بطل نذر التتابع، ولو قال: أخرج إذا عَنَّ لي شغل، فكل ما يعد شغلا دينًا ودنيًا وهو الذي يباح السفر بمثله جاز الخروج به، وليس من الشغل الخروج للنظارة في رفقة أو جمع\rالمسألة الخامسة: إذا عين في نذره الاعتكاف زمانًا تعين، كما يتعين الزمان للصوم، وفي الصوم وجه أنَّه لا يتعين الزمان له في النذر كما لا يتعين في الصلاة والصدقة، ويطرد ذلك في الاعتكاف، وهو بعيدٌ لا تفريع عليه، فعلى الصحيح يقول إذا عَيَّن الليل لم يقم مقامه النهار، وكذا على العكس \rفأما تعيين المساجد للاعتكاف فيه وجهان :","part":1,"page":153},{"id":354,"text":"أحدهما: أنَّه لا يتعين له كما لا يتعين للصلاة في النذر\rوالثاني: أنَّه يتعين؛ لأنَّ نسبة المكان إلى الاعتكاف كنسبة الزمان إلى الصوم، والمذهب تعين الزمان في الصوم، فإن قلنا: لا يتعين، مع تعين المساجد الثلاثة، قولان مرتبان على القولين في الصلاة، والاعتكاف أولى بتعيين المسجد فيه، لاختصاص صحته بالمسجد، وحيث قلنا: لا يتعين، فالدخول في مسجد للاعتكاف لا يتعين، حتى لو انتقل في حركاته لقضاء الحاجة إلى مساجد متقاربة جاز، ومن الأصحاب من لم يجوز ذلك وهو بعيد، وقد قال الشافعي: الجامع أولى بالاعتكاف؛ لكيلا يحتاج إلى الخروج إلى الجمعة، وهذا يشير إلى تعين المسجد إذ حاذر الانتقال إلى المسجد الجامع، وعلى الجملة لا يسقط الخروج إلى الجمعة بلزوم التتابع في النذر؛ لأنه أدخله على نفسه، وهل ينقطع به التتابع وهو خروج إلى واجب فيه خلاف، وسيأتي نظائره\rالمسألة السادسة: إذا قال: لله علي أن أعتكف يوم قدوم فلان، فقدم نصف النهار يلزمه الاعتكاف بقية النهار، وهل يلزمه قضاء النصف الفائت \rيبتني ذلك على القولين في نظيره من الصوم بأنَّ قضاء ذلك اليوم هل يجب فإن أوجبنا القضاء فكأنَّا نقول: يتبين أنَّ الصوم  كان واجبًا من أول اليوم فيلزمه قضاء النصف ها هنا، وإلا فيقتصر ها هنا على النصف؛ لأن الاعتكاف يتجزأ، وإن كان الصوم لا يتجزأ\rقال الشيخ أبو محمد : من الأصحاب من قال لا يلزمه البقية تخريجًا على أن ساعات اليوم لا تقطع في نذر اعتكاف يوم\rوقال المزني : أحب أن يستأنف اعتكاف يوم حتى يكون متصلًا، قال الأصحاب: وهذا غلط؛ لأنه لابد من الاعتداد بما جاء به، وإذا اعتد به فلا معنى للاستئناف لا استحبابًا ولا استحقاقًا\r\rالفصل الثالث: في قواطع التتابع والخروج من غير عذر قاطع:","part":1,"page":154},{"id":355,"text":"والأعذار التي فيها النظر عشرة: قضاء الحاجة، والأكل، والوضوء، والمرض، والحيض، والأذان، والشهادة، والإخراج قهرًا، والعدة، والتمكين من الحد\rالأول قضاء الحاجة: ولا ينقطع التتابع به، وهو مستثنى بحكم الضرورة، ومن الأصحاب من خصص الاستثناء بما إذا كان منزله قريبًا ولم تتكرر الحاجة بعذر خارج عن الاعتدال، فإن جرى شيء من ذلك ففيه وجهان، ومنهم من أطلق وعمم القول، ولو كان له داران كلاهما على حد القرب، ففي جواز خروجه إلى الأبعد وجهان ، وحد القرب في المكان وتطاول الزمان لا ضبط له، ولكن القدر الذي يعد في العادة خروجًا عن هيئة ملازمة المسجد فهو القادح عند هذا القائل\rفرع: لا بأس بأكل لقم في الطريق، ولا بجلسة خفيفة في الدار إلى أن يتهيأ موضع قضاء الحاجة، ولا بأس بعيادة المريض في المرور من غير ازورار  وقفة، ولا بأس بوقفة يسيرة ولا بجعل العيادة مقصودة، وهو قدر السواك مثلًا، ولو ازور عن الطريق للعيادة انقطع وإن قرب الزمان؛ لأنه صار مقصودًا، قالت عائشة <: {كان رسول الله  لا يسأل عن المريض في اعتكافه إلا مارًّا لا يعرج عليه} \rولو جامع معرجًا عليه انقطع، ولو باشر ذلك في أثناء قضاء الحاجة فالمذهب أنَّه يفسد؛ لأنَّ وقعه في الشرع يزيد على ازورارٍ لأجل العيادة، ومنهم من قال: لا يفسد إلا إذا قلنا إن أوقات الخروج محسوبة من اعتكافه، وهو معتكف فيه، وهذا رديء لا أصل له، وقال الفقهاء: لو صلى على جنازة في مروره من غير ازورار عن الطريق فلا بأس، وهذا معيار الوقفة المحتملة في الطريق، وهو القدر الذي لا يظهر له أثر البطء والتأخر على المنتظر المراقب، فأما الخروج للجنازة قصدًا فغير جائز \rالثاني:  الأكل: والخروج بسببه قاطع على الأظهر؛ لإمكانه في المسجد، وفيه وجه من حيث إنه يخالف المروءة ","part":1,"page":155},{"id":356,"text":"الثالث: الوضوء: والظاهر أن الخروج له قاطع، فإنه ممكن في المسجد، وفيه وجه كما في الأكل، ثم لا خلاف في أنه لو خرج لقضاء الحاجة واستنجى فلا نكلفه نقل الوضوء إلى المسجد، بل يجري ذلك مجرى التابع لقضاء الحاجة، ثم الوجه البعيد في الوضوء الواجب، أما المسنون فلا شك في منع الخروج بسببه \rالرابع: الحيض والخروج به غير قاطع للتتابع إن كانت مدة الاعتكاف بحيث لا تتسع لها إتمام الطهر غالبًا، فإن قصرت المدة فوجهان:\rأحدهما: القطع للإمكان\rوالثاني: المسامحة نظراً إلى جنس الحيض، وأنه ضروري متكرر لا تسبب إليه من جهته \rالخامس: المرض المبيح الخروج والإفطار ففيه قولان:\rأحدهما: أنَّه لا يقطع كالحيض\rوالثاني: أنَّه يقطع إذا تبين ذلك مما يتكرر طبعًا واعتيادًا، وكذلك الخلاف في انقطاع تتابع الصوم به، هذا إذا لم يضطر إلى الخروج خيفة التلويث، فإن خيف ذلك، فمنهم من قطع بالإلحاق بالحيض، ومنهم من طرد القولين وهو القياس \rالسادس: الأذان فإذا صعد منارة المسجد وهي في المسجد فلا ينقطع؛ لأنَّها في حكم بيت، وإن كان منقطعًا عن المسجد وحريمه فيبطل اعتكافه بالخروج إليه، وإن كان في حريم المسجد، فإن كان بابه لافظًا في المسجد فالمنقول أن التتابع لا ينقطع إذا كان المؤذن راتبًا وإن كان الاعتكاف على المنارة لا يصح، وفيه احتمال\rفأمَّا إذا كانت المنارة في الحريم والباب خارج عن المسجد فخرج وصعد ففيه وجهان:\rأحدهما: الانقطاع وهو ظاهر\rوالثاني: أنَّه لا ينقطع لمعنيين:\rأحدهما: أنَّه كالمستثنى لعادته كقضاء الحاجة\rوالثاني: أنَّ المأذنة على الحريم، فيُسامح به، هذا في المؤذن الراتب، وفي غير الراتب وجهان مرتبان على المعنيين، فإن عللنا بالحريم استويا، وإن عللنا بالاستثناء بالعادة افترقا ","part":1,"page":156},{"id":357,"text":"ثم قال الشافعي: «وأكره الأذان للصلاة للولاة» ، فمن أصحابنا من قال: ليس هذا من الاعتكاف، ولكن لا يفرد الأكابر بأذان على بابهم فيكفيهم أذان العامة، ولو اقتصر على قوله: «الصلاة» فلا بأس، إذا لم يأت بالحيعلتين، وكان بلال رضي الله عنه يفعل ذلك على باب حجرة رسول الله  ، ومنهم من ربط الاعتكاف وقال المعتكف لا يخرج لمثل ذلك، فإن فعل انقطع تتابعه \rالسابع: الشهادة إن لم تتعين عليه فالخروج لها قاطع، وإن تعين فقولان مرتبان على المرض وأولى بالانقطاع، إذ كان يقدر على الاستثناء وكان لزوم الشهادة يحتمله، وفيه اختيار، والخروج للجمعة قريب منه إذ قدر على الاستثناء والاعتكاف في الجامع \rالثامن: لو حُمل الإنسان وأخرج قهرًا، فهو كقولي: المرض يقع في مرتبته، ولو خرج ناسيًا فهو مرتب وأولى بالقطع، ولا يؤخذ هذا من الصوم فإن من أوجر قهرا لم يفطر، وإن نسي لم يفطر، وإن أكره فقولان، وفي مسألتنا الحمل والنسيان غايته الإلحاق بالمقادير التي ذكرناها \rالتاسع: لو أخرجه السلطان لإقامة الحدِّ فقولان مرتبان على الشهادة وأولى بالانقطاع، لانتسابه إلى العدوان في مباشرة سببه \rالعاشر: إذا مات زوج المعتكفة أو طلقها فإن لم يكن النذر والاعتكاف بإذنه كان الزوج يقدر على إخراجها، ففي هذا المقام يلزمها الخروج إلى المسكن للاعتداد وفي الانقطاع قولان واقعان في مرتبة الخروج للحد، وإن استأذنت فليس له الإخراج، وهل لها الإتمام للاعتكاف للإذن السابق فعلى وجهين يذكران في العدة، فإن قلنا: لها ذلك، فلو خرجت انقطع، وإن قلنا ليس لها ذلك، ففي الخروج قولان واقعان في رتبة الخروج لأجل الشهادة \rفإن قيل: حيث يجوز الخروج فهل يجب تدارك أوقات الخروج أم يحسب من الاعتكاف\rقلنا: لا يحسب شيء من ذلك من مدة الاعتكاف إلا أوقات الخروج لقضاء الحاجة، وفي معناه الأكل والوضوء، وإن جُوِّز الخروج لهما، وقد اختلف الأصحاب في طريقه:","part":1,"page":157},{"id":358,"text":"منهم من قال: هو معتكف في خرجاته، وحكمه مستمر عليه، ولذلك يفسد اعتكافه إذا جامع خطفة من غير تعريج في مدة لو أكل فيها لم يفسد،\rومنهم من قال ليس بمعتكف - وهو الصحيح - ولكن معناه أن جعل مستثنى بالحال فهو كما لو قال أعتكف عشرا إلا في أوقات قضاء الحاجة\rأما الجماع المختطف فقد منعه هذا القائل، والصحيح تسليمه وتعليقه بأنَّه عرج على أمر له وقع في الشرع، فإلحاقه بالازورار لقضاء الحاجة أولى، إذ ليس للجماع رتبة التبعية حتى لا يحصل مقصودًا وإن قصرت المدة، ثم مهما عاد الخارج فإن كان لقضاء الحاجة لم يفتقر إلى تجديد النية، وإن كان لأمر آخر وطال الزمان ففي تجديد النية ما في تفريق الوضوء والتتابع المقصود أولى بالاستغناء عن التجديد وتواصل العشر الأواخر يليه في الرتبة، والاعتكاف المطلق ينقطع بالخروج ويفتقر فيه إلى التجديد قطعا\rفهذا بيان هذه المراتب\rفرع: من نذر اعتكاف يوم ومات قبل الوفاء قال الشيخ أبو محمد: للشافعي قولان منصوصان:\rأحدهما: أنه يخرج من تركته مُد\rوالآخر: أنه يعتكف عنه وليه كما في الصوم وهو مشكل فإن الاعتماد في الصوم على الأثر، ودعوى كون الاعتكاف مثله بعيد، ثم يعترض فيه أن اعتكاف ساعة قربة، فبماذا يقابل وإن اعتكاف يوم وليلة هل يكفي عنه مُد وقد قطع الشيخ بالاكتفاء، ومقابلة كل يوم وليلة بمد، فهذا طريق النقل والإشكال؛ والله أعلم\r\rكتاب الحج\rقال الله تعالى: (ھ ھ ے ے) وقال: {من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًا وإن شاء نصرانيًا}\rقيل: أول من حج آدم، وقيل: ما من نبي إلا وقد حج هذا البيت، وعن محمد بن إسحاق: {أنه ما من نبي هلك قومه إلا انتقل بعدهم إلى مكة يعبد الله عند البيت إلى أن أتاه أجله}، وقال: {مر موسى بالروحاء في سبعين نبيًا عليهم القباء يأمون البيت العتيق يلبون، وصفائح الروحاء تجاوبهم}","part":1,"page":158},{"id":359,"text":"ثم الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة، قال الأقرع بن حابس: {يا رسول  الله أحجنا هذا لعامنا أم للأبد فقال: لا بل للأبد، ولو قلت لعامنا هذا لوجب، ولو وجب لم تطيقوا}  وكان رسول الله  يحج قبل الهجرة في كل سنة \rواختلف أصحابنا في أن الحج هل كان واجبًا قبل الهجرة\rفمن الأصحاب من قال نزل وجوبه بعد الهجرة ، ويتعلق بحديث ضِماد  بن ثعلبة {ورد على رسول الله  فلما دخل المسجد فقال: أيكم ابن عبد المطلب، قالوا: ذاك الأبيض المترفق، وكان  متكئا على مرفقه، فأتاه، وقال: أنت ابن عبد المطلب فقال: وجدته، فقال: إني سائلك ومغلظ عليك فلا تجد علي، ثم قال: أنشدك الله، آلله أرسلك رسولًا قال: اللهم نعم، قال: أنشدك الله، آلله أمرك أن تأمرنا أن نصلي خمس صلوات في اليوم والليلة  قال: اللهم نعم، قال: أنشدك الله، آلله أمرك [أن تأمرنا أن]  نؤدي الزكاة من أموالنا قال: اللهم نعم، [قال: أنشدك الله، آلله أمرك أن نحج البيت إن استطعنا إليه سبيلًا قال: اللهم نعم]  قال: أنشدك الله، آلله أمرك أن تأمرنا أن نصـ[ـوم ر] مضان  قال: اللهم نعم، ثم أسلم وحسن إسلامه}  وكان ذلك سنة خمس من الهجرة\rهذا تمهيد الكتاب\rومقاصده مختصرة ثلاثة أقسام:\rالأول: في المقدمات والسوابق، وهي مرابط صحة الحج ووجوبه ومواقيت الحج\rالثاني: في المقاصد، وهي ما يجب فعله، وتركه في الحج وكيفية وجوه آدابه\rالثالث: في التوابع واللواحق، وهي فوات الحج والدماء الواجبة فيه وأبدالها\rالقسم الأول: في المقدمات:\rوهي نوعان الشرائط والمواقيت:\rالقول الأول: في شرائط الحج:\rومجموع الصفات المرعية في صحة الحج واستقرار وجوبه: الإسلام  والعقل والحرية والبلوغ والاستطاعة، فهذه خمسة شرائط\rولا يعتبر في تصور الحج صحيحًا إلا الإسلام، إذ يجوز للولي أن يحرم عن الصبي الذي لا يميز كما سيأتي ","part":1,"page":159},{"id":360,"text":"وصحته بطريق الاستدلال  لا يستدعي إلا الإسلام والتمييز، إذ يصح أيضًا من الصبي المميز كالصلاة وغيرها\rووقوع صحيحه عن فرض الإسلام يستدعي الإسلام والبلوغ والحرية دون الاستطاعة، فالصبي والعبد إذا حجا صح حجهما ولم يقع عن فرض الإسلام لا كالجمعة فإنه يصح منهما ويقع عن الفرض\rفأما استقرار وجوبه في الذمة يستدعي هذه الشرائط مع الاستطاعة، ومقصود هذا السياق بيان الاستطاعة التي يناط بها الوجوب، وهي نوعان استطاعة المباشرة واستطاعة الاستنابة\rالنوع الأول: استطاعة الاستقلال :\rوهي معتبرة وفاقًا ، قال تعالى: (ھ ھ ے ے      ) ، وقال  في تفسير الاستطاعة: {زاد وراحلة} ، فالاستطاعة تتعلق بأربعة أمور: البدن، والطريق، والزاد، والراحلة، فإذا تطرق خلل إلى واحد من ذلك تنعدم به الاستطاعة\rأما الراحلة: فالقدرة عليها شرط عندنا، والقادر على المشي لا يلزمه الحج، إلا أن تكون مسافة من مسافة القصر فيجب المشي على القوي، فإن كان يناله ضرر ظاهر فلا يجب عليه، وحدُّه ما يذكر في الضرر الذي ينال الراكب، فالمشي في هذه القدر كالركوب في السفر الطويل\r\rوقال مالك ~ : يجب المشي على القوي، وهو مخالفه  الحديث المفسر للآية؛ ولأننا فهمنا اعتبار الشرع نوعًا من اليسر دفعًا للمشقة، وضرر المشي عظيم، ثم إنْ كان لا يستمسك على الراحلة فلا يلزمه الحج إلا أن يقدر على محمل، فإن لم   يقدر إلا على شِقِّ محمل ووجد شريكًا يلزمه، وإلا فلا، ولو كان يتسع ماله لمحمل تام ولكنه يكتفى بشق ولم يجد شريكًا فلا يلزمه، والزائد من المؤن المجحفة المانعة من الوجوب، فأمَّا إذا لم يجد مؤونة المحمل ووجد مؤونة الراحلة ولكن يناله معه ضرر\rقال الشيخ أبو محمد : إن كان بين ركوب الراحلة والمحمل من الضرر عليه ما بين المشي وأصل الركوب فلا يكون مستطيعًا، وقال غيره: إن ظهر خوف مرض من ركوب الراحلة لم نجعله مستطيعًا والحدان متقاربان","part":1,"page":160},{"id":361,"text":"أما الزاد: فالمراد به أن يملك فاضلًا عن قدر حاجته ما يبلغه إلى الحج، والمراد بالمبلغ نفقة الذهاب والإياب، ونفقة الأهل والولد، وما يخلفه عليهم إلى الرجوع إليهم، فإن لم يكن له أهل ولا قريب، فنفقة الذهاب معتبرة، وفي نفقة الإياب وجهان:\rأحدهما: أنه لا يعتبر إذ سائر البلاد عنده على وتيرة\rوالثاني: أنه يعتبر؛ لأن النفوس نازعة إلى الأوطان \rولا شك أنه  إن كان له مسكن مملوك اعتبر نفقة الإياب ولا نكلفه بيعه وإبداله، وفيه احتمال\rثم الأقارب في هذا الحكم من جملة الأهل والمحارم وغيرهم؛ لأنَّ مفارقتهم عظيم\rأما المعارف والأصدقاء فالاستبدال بهم هين\rثم مهما وجد البُلغة كما ذكرنا يلزمه الحج، وإن كانت الأسعار غالية والسنة مقحطة فإنَّ ما وجد بثمن المثل وإن علا يجب بذله؛ ولذلك قلنا: من يجد الماء بثمن غالي ، هو ثمن مثله، بالإضافة إلى الحال لزمه الشراء إذا قدر، ولو كان لا يباع إلا بغبن لا يلزمه، فإذا كان المقصود موجودًا بثمن المثل والمال عتيد فالاستطاعة حاصلة\rوأما قولنا ينبغي أن يفضل عن قدر الحاجة: يعني به المسكن والعبد الذي يخدمه وهو يحتاج إليه ودست  ثوبه الذي يلبسه وديونه التي يفتقر إلى قضائها وما يخلفه على أهله من النفقة، وكل ذلك غير محسوب عليه وإنما الزاد ما يفضل عنه، وهذا جاري  مجرى الكفارات فإن اليسار المعتبر فيها جار على هذا الترتيب\rفروع ثلاثة:\rأحدها: أنَّه لو فضل عن حاجاته ما ذكرناه ولكن كان يخاف على نفسه العنت على حاله، حلَّ له النكاح، - إلا ما لو لم يملك طَوْل الحرة - فلا يلزمه الحج ما لم يفضل عن هذه الحاجة؛ فإن هذه الحاجة ناجزة والحج على التراخي، وإذا سلط على نكاح الإماء بمثل هذه الحاجة فدفع وجوب الحج به أولى ","part":1,"page":161},{"id":362,"text":"الثاني: حكى العراقيون عن ابن سريج أنَّه يترك في يده رأس ماله الذي للتجارة فيه يتبلغ، كما يترك مسكنه وثوبه؛ لأنَّ تكليفه الانسلاخ من ذات يده وصرف رأس ماله إلى الحج إلحاق له بالمساكين\rثم زَيَّفوا هذا النقل، وقالوا رأس المال مصروف في أهبة الحج   بخلاف المسكن والعبد، وما ذكره ابن سريج غير منفك عن احتمال، ثم لا يخفى أن أمر الكفارات أهون من الحج في هذا؛ إذ البدل عتيد  فيهما بخلاف الحج \rالثالث: من لا يملك النفقة للذهاب وهو كسوب قال العراقيون: لا يلزمه الخروج اعتمادًا على الكسب، فإنَّ ذلك قد ينقطع، وضرر الكسب مع السفر يزيد على ضرر المشي، فليكن الزاد عتيدًا إلا أن تكون المسافة قصيرة، فعند ذلك ينظر فإن كان كسبه في يوم يكفيه لأيام يلزمه الخروج، وإن كان لا يكفيه ليومه لا يلزمه، وفيما ذكروه احتمال؛ لأن القدرة على الكسب في يوم الفطرة لم يُجعل كملك الصاع، ولكن لا يبعد أن يقال الكسب إذا أمكن فهو كالمشي \rأما الطريق فيعتبر أن يكون آمنًا من كل ما يوجب خوفًا في النفس والمال، وفيه ثلاث مسائل:\rأحدها: أنَّه لو كان على المراصد من يطلب مالًا ولم يقدر على دفعهم لم يلزمه الحج؛ فإنه خسران مال بباطل، لا لكثرة المؤونة لغلاء الأسعار، ولو قدر على دفعهم ببذرقة  تُغَلّبُ على الظن الخلاص منه بها فهل يلزمه استئجار من يبذرقه إذا كان في المال وفاء به، فعلى وجهين:\rأحدهما: يلزمه؛ لأنَّ هذه أجرة بحق، والبذرقة أهبة من أهب الطريق\rوالثاني: وهو الأصح أنَّه لا يلزمه؛ لأن سببها خوف الطريق، والأمن شرط في الطريق، ولو فتح هذا الباب للزم استئجار عسكر إذا وفى المال به، وهو خلاف ما فهمه الأولون من الأمن المعتبر، ثم لا يشترط في الأمن الثقة بالسلامة، فإن ذلك لا يكفى في الحضر، {بل المسافر وماله لعلى قَلَتٍ  إلا ما وقى الله} ، بل المعتبر في كل سفر ما يليق به ","part":1,"page":162},{"id":363,"text":"الثانية: المرأة كالرجال في الاستطاعة بالزاد والراحلة، وتزيد عليه في أنها عورة تحتاج إلى محرم يبذرقها؛ فإنها مقصودة في نفسها من سائر الأجانب، فأمنها بمساعدة محرم، فإن فقدت فلا يلزمها، ولا يستقر في ذمتها؛ إلا أن يساعد جَمْعٌ من النساء ، فمن أصحابنا من أوجب الخروج في رفقة تأمن بهن\rوقال القفال: لا يلزمها ما لم تكن مع واحدة منهن محرم ، فقد يتفق أمر يفتقرن إلى الاستعانة بذي المحرم، وهذا حسن يؤيده الخلوة فلا يحل للمرأة أن تخلوا  برجال إلا إذا كان فيهم محرم لها، ولا للرجل أن يخلوا بنسوة إلا أن يكون محرم واحدة منهن، فلو خلا عشرون رجلا بعشرين امرأة  وفيهن واحدة هي محرم واحد جاز، وقد نصَّ الشافعي على أنه لا يجوز للرجل أن يؤم نساء منفرداتٍ إلا أن تكون فيهنَّ مَحرمٌ له \rفرع: إن ساعدها المحرم أو الزوج بأجرة ففي لزومه ما في أجرة البذرقة وهذا أولى باللزوم، وهو الظاهر، لأنَّه في حقها كزيادة محمل في حق الضعيف، ومنهم من قال ليس هذا من المؤن الغالبة فلا يلتزم \rالثالثة: قال الشافعي : ولا يتبين لي أن أوجب عليه ركوب البحر\rوقال في موضع آخر: لا أوجبه عليه إلا أن يكون أكثر عيشه في البحر \rفاختلف الأصحاب على أربعة طرق :\rمنهم من قال: في المسألة قولان:\rأحدهما: لا يجب؛ لأنَّه مهلكة، والخارج يعد ناجيًا، قال الله تعالى: (ٹ ٹ ٹ  ) إلى قوله تعالى ( ) \rوالثاني: يجب؛ لأنَّ الغالب السلامة عند تهيؤ السفينة واعتدال الرياح، فمهابة القلوب لا مبالاة به\rومنهم من نزل على حالين: فقال لا تجب على المستشعر ، وفي غيره قولان\rومنهم من قال: يجب على غير المستشعر، وفي المستشعر قولان\rومنهم من قطع بأنه لا يجب الركوب أصلًا، فإنه مخافة عظيمة، وأَوَّلَ نص الشافعي على متوسط البحر إذا كان إلى جانب مكة أقرب، وأنه متردد في البحر على كل حال، وذلك أقرب فهو أولى\rالتفريع:","part":1,"page":163},{"id":364,"text":"حيث لا نوجب فلو توسط البحر واستوت الجهات، فإن كان يفتقر في الانصراف من مكة إلى ركوب البحر فلا يلزمه التوجه إليها، وإن وجد طريقًا آخر: فيه وجهان يلتفتان على المُحْصَر إذا أحاط به العدو من كل جانب ، ثم كل هذه التفاصيل في البحر المركوب غالبًا ، فأما المهلك غالبًا فلا يجب ركوبه، بل محرم، وكل ذلك إذا اغتلم البحر المركوب، واضطربت الرياح\rفإن قيل: ومتى يحل الركوب\rقلنا: إذا كانت السلامة غالبًا، وإن كان الهلاك غالبًا فمحرم، وإن تعارض الاحتمالان فالكراء بأجرة، وفي التحريم تردد، وكان الشيخ أبو محمد  يقطع فيه بالتحريم ، وقد اختلف الأصحاب في ركوب البحر الخطر لأجل الجهاد، فمنهم من جَوَّز ذلك؛ لأنَّ مآل المقصد غرر وتعرض للهلاك، ومنهم من قال يحتمل في القتال لا في الطريق \rأما البدن فلا يعتبر فيه إلا قوة يستمسك بها على الراحلة أو المحمل، والأعمى يجب عليه الحج ولا يندفع الوجوب بالعمى، نعم قد يحتاج إلى مزيد تعهد وتفقد فهو  كالمرأة والمجنون لا حج عليه، لا بالاستقلال ولا بالاستنابة، والولي لو حج به كما سنصف  فما يزيد بسبب السفر فمضمون عليه من الخرج، إلا أن ينفق إقامته في أيام الحج حتى يتأدى فرض الإسلام، فإذ ذاك لا يضمن النفقة \rوأما الحجر بالتبذير فلا يمنع وجوب الحج، بل ينفق عليه وليه بنفسه، أو ينصب عليه قوَّامًا منفقًا عليه من ماله بالعدل \rهذا بيان أركان الاستطاعة ، فإذا حصلت: وجب الحج، ولم تجب المبادرة، فإنَّه على التراخي ، ولكن يستقر في الذمة إذا مضت على الاستطاعة مدة تتسع للحج لو اشتغل به\rفلو استطاع فلم ينهض فعاوده الفقر أو الجنون أو شيءٌ من الدوافع قبل مضي مدة الإمكان؛ بيّن أنَّه لم يكن واجبًا، ولا يحكم باستقراره في ذمته، ولو تخلف فمات بعد حج الناس وقبل الرجوع، فالحجٌ دَينٌ مستقرٌ في ذمته يخرج من تركته؛ لأنَّه لو خرج لكان موته بعد الحج","part":1,"page":164},{"id":365,"text":"ولو هلك ماله بعد حج الناس حيث تُعتبر نفقة الإياب فقد تبين الآن فقره بالإضافة إلى وقت الإياب، قال الصيدلاني: نتبين أنَّه لم يكن لازمًا، وفيه احتمال من حيث أنَّه هلك أولاً، وهذه جائحة بعد تقدير الفراغ من الحج، ولكن الظاهر ما ذكره\rوالاستقرار الذي أطلقناه لا نريد به التعصية بمجرد التأخير، ولكن له فائدتان:\rأحدهما: أنَّه لو مات قبل الأداء عصى \rوالثاني: أنه دَينٌ في تركته يستخرج من رأس ماله عندنا، أوصى أو لم يوص\rومن الأصحاب من قال: لا يلقى الله عاصيًا إذا جاز له التأخير، وهذا إسقاط لحقيقة الوجوب، وإنما جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة ، وركوب الخطر اعتمادًا على الأداء\rوقال بعض الأصحاب: إن استشعر من نفسه العضب  لزمه البدار، وعصى بالتأخير\rومنهم من قال: لا يلزم، وإنما هو مقتحم غررًا في التأخير، وتردد الأصحاب في الموت في أثناء وقت الصلاة، والصحيح فيه التعصية أيضا لتحقق معنى الوجوب\rفرع: إذا أخَّر فطرأ العضب عصَّيناه، وإن أمكن الاستنابة؛ لأنه فَوَّت ما هو المُبْدَل، ثم فائدة التعصية التضييق عليه في الاستنابة، بخلاف ما لو كان معضوبًا من الأصل، فإنَّ الاستنابة في حقه على التراخي كالمباشرة في حق القادر\rوذكر الفوراني وجها: أنه لا تتضيق الاستنابة في العضب الطارئ، ثم فرَّع على التضييق، وقال لو امتنع   فهل للقاضي إجباره على الاستنابة فيه وجهان، ورُجِّحَ وجه الإجبار، وفيه بُعدٌ؛ لأنَّ هذه عبادة لا يتعلق بتركها حد، بخلاف الصلاة، فإن الممتنع عن قضائها يزهق لإقامة الحد، ولكن وجهه أن التحصيل دونه ممكن في الاستنابة بخلاف سائر العبادات \rفإن قيل: إذا كان الحج على التراخي فلِمَ لا يجوز للضرورة أن يحج عن غيره أجيرًا ويتطوع قبل الفرض","part":1,"page":165},{"id":366,"text":"قلنا: ذلك على خلاف القياس، ومستنده ما روي أنَّه  {رأى رجلا يلبي عن شبرمة فقال: أحججت عن نفسك فقال: لا، قال: هذه عنك، ثم حُج عن شبرمة}  فإذا وجب عليه أن يقدم فرض إسلامه على الحج المستحق فبأن يجب التقديم على التطوع أولى؛ لأنَّه عبادة العمر ومعاودته عسير، والعمر قد لا يساعد، فتفريغ القلب عنه عند الاشتغال به أولى \rثم فرعنا عليه أن فرض الإسلام يقدم على القضاء والنذر، وكل فرض مقدم على النفل، وفي القضاء والنذر تردد\rوميل الشيخ أبي محمد  إلى تقديم القضاء، لأن النذر وجوبه بتبرعه بالإيجاب، والتسوية محتملة\rوإنما يُتَصَوَّر القضاء قبل حج الإسلام في حق العبد، إذا أفسد الحج فيلزمه القضاء، ولا يقع قضاؤه عن حجة الإسلام\rوكل حجٍّ لو تمَّ لم يقع عن حجة الإسلام فقضاؤه أيضاً لا يقع \rوغير المستطيع إذا تكلف وتحمل المشقة وشَرَعَ في الحج وأتمَّ وقع عن حجة الإسلام؛ لأنَّ الاستطاعة معتبرة تحققًا، ولأننا في الانصراف إلى الوجوب، بخلاف الرق والصبا، فلو أفسد لزمه القضاء، ويقع قضاؤه عن حجة الإسلام، لأنه لو تم  لوقع عنه، وكذلك لو شرع غير المستطيع في الحج ونوى التطوع لغت نيته، وانصرف إلى حجة الإسلام لاستحقاق الترتيب، كما لو نوى قضاء أو نذرًا تلغو نيته، ثم لو أفسد استقر القضاء في ذمته، وإذا قضى انصرف إلى حجة الإسلام\r\rفرعان:\rأحدهما: أن من استأجر صرورة  ليحج في السنة القابلة لم تصح الإجارة، ولو ألزم ذمته ولم يعين صحت الإجارة، ثم طريقه في الوفاء أن يقدم أولا حجة الإسلام، ثم يحج عن المستأجر\rالثاني: أن الأجير لو انتهى إلى الميقات فنوى التطوع عن نفسه قال الشيخ أبو محمد : ينصرف إلى المستأجِر؛ لأن حجه واجب، ووضع الحج على استحقاق ترتيب الواجب، وذهب الجمهور إلى أنه يقع عنه، وتسترد الأجرة، وإنما التقديم على خلاف نيته فيما يرجع وجوبه إلى عين الحج لا ما يجب بحكم الإجارة","part":1,"page":166},{"id":367,"text":"النوع الثاني: استطاعة الاستنابة\rوالنظر في ثلاثة أطراف :\rأولها بيان العجز عن المباشرة، وثانيها بيان الاستطاعة  الاستنابة، وثالثها كيفية الاستئجار للنائب\r\rالطرف الأول: في العجز \rولا تجوز الاستنابة إلا لعاجز عن المباشرة، والعجز بالموت والزمانة  التي لا يرجى زوالها\rولم يوقع مالك الحج عن المستنيب إلا بعد الموت ؛ لأنَّ أخبار الاستنابة وردت فيه، إلا أنَّ الشافعي ألحق بالميت المعضوب الذي لا يرجى برؤه، بل هو أولى بأن يقع الحج عنه؛ لأن استنابته وإذنه ممكن، وإذا مات فقد تعذرت النية والاستنابة، ثم المعضوب إن كان استقر الحج في ذمته لزمه الاستنابة عند العضب على الفور أو التراخي كما سبق، وإن لم يكن استقر حتى طرأ العضب، فإذا قدر على الاستنابة وجب عليه تحصيل الحج ابتداء خلافًا لأبي حنيفة \rوتمام النظر في الطرف بمسائل:\rالأولى: أنَّ العضب إن كان لا يُرْجى زواله ظاهرًا فلما حج الأجير زال العضب، ففي الحج السابق قولان :\rأحدهما: أنه وقع عنه، وقد تم الحكم فلا ينقض\rوالثاني: أنا نتبين أنه لم يقع عنه، والقولان يبتنيان على القولين في صلاة الخوف عند رؤية سواد ظُنَّ أنه العدو، وإذا انكشف عن خلافه\rالتفريع: إن قلنا لا تقع عن فرضه فيقع عن تطوعِ المستأجر أو عن الأجير الظاهر أنه عن الأجير ؛ لأن نفل الحج لا يسبق فرضه، وإن قلنا يقع عن فرضه أو تطوعه استحق الأجرة، وإن قلنا عن الأجير ففي الأجرة وجهان:\rأحدهما: أنَّه يستحق؛ لأنَّه أدَّى ما التُمس منه، وتجرد له ولم يقصر\rوالثاني: لا يستحق - وهو الصحيح - لأن الحج حصل له، فهو كما لو استأجر على أن يحج عن نفسه، وهو ممتنع، وإن قلنا يستحق فالمسمّى أو أجرة المثل فعلى وجهين، ويدل إيجاب أجرة المثل على ابتناء فساد الإجارة","part":1,"page":167},{"id":368,"text":"الثانية: لو كان العضب يرجى زواله ظاهرًا  و منعناه الاستنابة، فاستأجر وحج الأجير واتصل الحج بالموت، ففي وقوع الحج عنه قولان كما سبق، ففي قول ينظر إلى الحال في المسألتين، وفي قول ينظر إلى العاقبة في المسألتين\rأمَّا إذا حج حجة الإسلام ثم طرأ العضب، ففي جواز الاستئجار للتطوع قولان:\rأحدهما: المنع؛ لأنه جُوِّز لضرورة فرض الإسلام على خلاف القياس\rوالثاني: الجواز؛ لأن الاستنابة صار طريقًا، فليتمهد طريق التطوع كما تمهد طريق الفرض، والقولان جاريان في الوارث إذا أراد أن يستأجر عن الميت للتطوع، فأما إذا لم يكن على الميت حجة الإسلام لا لأدائه ولكن لأنه لم يستقر في ذمته فاستأجر الوارث للحج عنه ففيه طريقان:\rمنهم من قطع بالجواز؛ لأنَّه لو تكلف ذلك في حياته لانصرف إلى حجة الإسلام، ولما وقع  نفلًا\rومنهم من طرد القولين؛ لأنَّه تطوع عنه فلا فرق بين التطوع وبين ما لم يستقر في الذمة، ولا شك في أنَّهما يفترقان عند الإفساد في أنَّ قضاء التطوع لا ينصرف إلى حجة الإسلام، وقضاء الحج الذي كلفه المستطيع فأفسده ينصرف إلى حجة الإسلام\rالرابعة: إذا مات ولم يوص بالحج بعد الاستقرار في ذمته، فالحج دين في تركته فقُدِّم على الميراث، ويخرج من رأس المال، وقال الشافعي في الكبير  قد قيل ذلك، وقيل أيضا: إنه إن لم يوص أخرج من تركته، وإن أوصى أخرج من ثلثه، فقال بعض الأصحاب: هذا قولٌ للشافعي وهو موافقٌ لمذهبه، وفيه إشكال، أمّا إسقاطه عند عدم الوصية فله وجه؛ لأنَّه عبادة وقد تعذر أداؤها من جهته لفوات النية، ويطرد ذلك في الزكاة وسائر حقوق الله\rفأمَّا إذا أوصى فقد وجدت النية، فلا وجه للحصر في الثلث بل ينبغي أن يحسب من رأس المال، وهذا القول لا تفريع عليه ولا عود إليه ","part":1,"page":168},{"id":369,"text":"الخامسة: لو حج عن المعضوب غيره بغير إذنه لم يقع عنه ، ولو حج عن الميت غيره بغير إذنه جاز؛ لأنَّه من أهل النية في الحياة، وبعد الوفاة فقد تعذرت نيته، وكذلك القول في الزكاة فأما قضاء دينه دون  إذنه جائز  قبل الموت وبعده لأنه لا يفتقر إلى النية\rالطرف الثاني: في إمكان الاستنابة \rوذلك بمال يملكه، أو بمال يبذل له، أو بطاعة تبذل له\rأما المال الذي يملكه فليملك أجرة الأجير فضلًا عن قدر حاجته كما سبق في المباشرة، فلو ملك أجرة ماشي  ففيه وجهان:\rأحدهما: لا يلزمه، كما لا يلزمه المشي \rوالثاني: أنه يلزمه؛ لأنَّ مشقة المشي تعظم على المباشرة، وأمَّا مراعاة مشقة الأجير وقد التزمه في حق المستأجر لا وجه له، وهو الأصح \rوخيال الأول: أنَّ الماشي على خطر فبذل المال ناجزًا تكليفُ غررٍ، والقول فيما استُثْنِي من قدر الحاجة ما سبق في المباشرة، ويفارقه في أمرٍ، وهو: أنَّا نعتبر قطعًا ثَمَّ نفقة الذهاب والإياب، وكفاية الأهل إلى وقت الإياب في حق المتأهل، أما ها هنا لا نعتبر نفقة له ولأهله لمدة إياب الأجير بعد الفراغ من الحج، ونعتبر نفقته ونفقة أهله في يوم تسليم الأجرة، وما بعد ذلك إلى تقدير الفراغ من الحج فيه تردد رمز إليه الصيدلاني\rولا خلاف أنَّا في الكفارات والفطرة لا نستثني إلا قوت اليوم، ولكن ذلك يتأدى قطعًا في الحال، فاعتُبِر يسارٌ في الحال، إذ الحق ها هنا لا يتأدى في الحال، فهذا وجه الاحتمال، وذلك على قول ابن سريج في استبقائه رأس المال المتاجر مقطوع به، فإن إبقاء كفايته   إلى حصول الحج أولى، وإنما التردد في التفريع على أنَّ رأس المال يترك وهو صحيح\rأمَّا المال المبذول فإنْ بَذَلَهُ أجنبيٌ، لا يجب القبول لعِظَم المِنَّة ، وإن بذله الابن فوجهان ، وكذا بذل المال في ثمن الماء عند فقده، وبذل الأب متردد بين الأجنبي والابن، ولعله إلى الابن أقرب","part":1,"page":169},{"id":370,"text":"فأمَّا بذل الطاعة من الابن فواجب القبول ، وفي الأجنبي وجهان ، والأب فيه كالأجنبي  فإنَّ استخدامه عسيرٌ يثقل على النفوس، وأما الابن فيعز منصبه بالخدمة لأبيه\rوقال أبو حنيفة : لا يصير مستطيعا ببذل الابن الطاعة، فإنه مهما أراد رجع فلا قدرة مع خيرته، وقد اختلف أصحابنا فمنهم من قال: له الرجوع ولكن حكم الاستطاعة ثابت إلى أن يرجع، ومنهم من قال: يمتنع عليه الرجوع وإن لم يجر عقد إيجارة، ولكن بذله الطاعة يجري مجرى الضمان، والأول أصح\rهذا إذا بذل الابن الطاعة راكبًا، فلو بذل الطاعة ماشيا ففيه وجهان كما سبق في استئجار الماشي، وهذا أولى بالمنع، إذ يعز عليه تغرير  ولده؛ للخطر، فإن لم يملك الزاد مع المشي وكان يتكل على الكسب فخلاف مرتب، وأولى بالمنع، وإن كان يركب مفازة متوكلًا لا يُرجى فيه كسب ولا سؤال هذا ممتنع قطعًا لا خلاف فيه\rومهما تحقق وجوب الحج فالعمرة تجب أيضاً على الجديد، ولا يقوم حجٌ مقامها، وهذا من أدلِّ الدليل على تغايرهما، وإن كان الغسل يقوم مقام الوضوء، والحج والعمرة يتأديان بالقران، وعلق الشافعي قوله في القديم، فقال: في قولٍ أنها سنة مستحبة، والجديد يتأيد بقوله تعالى: (   )  \rالطرف الثالث: في الاستئجار على الحج\rوفيه ثلاثة فصول:\rالفصل الأول: في صحيح الإجارة وفاسدها\rوحكم الإجارة الصحة، ووقوع الحج عن المستأجر عندنا، وقال أبو حنيفة أنه يقع عن الأجير \rثم شرط صحة الإجارة فيما نقصده الآن القدرة والإحاطة:\rأما القدرة فيعنى بها أنه لو استأجر شخصًا معينًا وألزم الحج عينه في وقت معين لا يسع الحج، أو كان على مسافة لا يمكن قطعها في بقية السنة، أو امتنع النهوض  على الأجير بمانع في الطريق أو في نفسه: لم تصح الإجارة، بل ينبغي أن تعقد في وقت يقدر الأجير على الاشتغال بالتأهب والنهوض عقيبه على الاعتياد، ويسع الزمان لقطع المسافة","part":1,"page":170},{"id":371,"text":"قال الشيخ أبو محمد : لو جرى عقد الإجارة في هجوم الأنداء  وصدمة الشتاء جائز؛ لأنَّ لانقطاعه أمداً معلوماً في العادة على قرب، ولم يكن ذلك كمرض الأجير أو ما عاداه من موانع لا منتهى لها غالبًا\rوفي كلام غيره إشارة إلى منعه لتحقق المنع في الحال، وتنزيل ذلك منزلة الغصب في الدار المكراة مثلًا\rثم إذا صحت الإجارة في وقت وامتنع، فعلى الأجير الخروج مع أول رفقة تتفق ، وليس له التأخير إلى رفقة أخرى؛ لأنه توانى عن العمل مع الإمكان، وليس عليه التقدم على الرفقة، بل له الانتظار على الاعتياد، هذا إذا ألزم الإجارة عين الشخص وعين السنة، فإن عقد على السنة الثانية، فالعقد باطل، وهي كالإجارة في السنة القابلة؛ إلا أن تكون المسافة على بُعدٍ لا ينقطع إلا في سنتين، فإذ ذاك يصح؛ لتواصل توفية المستحق، ومهما أطلق الإجارة نزل المطلق على المقيد بالسنة الأولى، فليعلم\rفأما إذا أورد الإجارة على ذمته ، مثل أن يقول: ألزمت ذمتك أن تُحَصِّلَ لي حجًا بكذا، فالعقد صحيح عين السنة الأولى والثانية ؛ لأنه دين في الذمة يقبل التأخير والحلول، ومطلقه محمول على السنة الأولى\rثم الأجير إذا لم يأت بالحج في السنة المعينة انفسخ الإجارة إن كانت واردة على عينه، وإن وردت على ذمته فطريقان:\rقطع العراقيون: بأنها لا تنفسخ، ولكن للمستأجر الخيرة بين الفسخ والإبقاء، كما إذا تعدد الدَّيْن في المحل المضروب\rوقال المراوزة : في المسألة قولان في انقطاع جنس المُسلم فيه، فعلى قولٍ: ينفسخ، وعلى قولٍ: يثبت الخيار\rووجه قول العراقيين: أنَّ جنس الحج لم يعدد، وإنما التعدد في حق شخص فيضاهي الإفلاس مثلًا","part":1,"page":171},{"id":372,"text":"فأما إذا ألزم ذمته وعين شخصه بأن قال: ألزمت ذمتك بتحصيل حج لي بنفسك، قال الصيدلاني: لا يجوز له التحصيل بغيره، وله حكم إجارة الذمة حتى تجوز إضافته إلى السنة القابلة، وفيما ذكره نظر؛ لأن التعيين ينافي الدَّينيَّة، كتعيين ثمرة شجرة بعينها في السَلَم؛ وقد علل بأن للناس أغراضًا في تعيين الأشخاص في الحج وما   ذكره يندفع بتجويز إجارة المُعَيَّن ولم يجعل إجباره على الذمة مع التعيين\rالتفريع: حيث أثبتنا الفسخ للمستأجر فلو كان ميتًا:\rقال العراقيون: لا خيار للورثة؛ لأنَّ فائدة الخيار للمستأجر استرداد الأجرة حتى يتبسط فيها، والأجرة مستحقة لحج الميت، وليس للورثة تَبَسُّط، فهو أولى بأن يحصل الحج في السنة الثانية من غيره، وفيه احتمال إذ قد تكون للميت مصلحة في صرفه إلى من هو أرغب في التحصيل والثقة به أكثر \rفرع: إذا استأجر أجراء في سنة واحدة ليتطوعوا عنه بحج، وجوَّزنا استئجار التطوع، فقد اختلف فيه الأصحاب:\rفمنهم من قال هذا ممتنع؛ لأنَّ الاستنابة بدل المباشرة ويمتنع منه تحصيل حجتين بنفسه، فكذلك بالنيابة، فالوجه أن يقال الواقع عنه هو الذي سبق بالعقد، فإن وقع الكل معًا فلا يقع عنه شيء، إذ ليس البعض أولى من البعض، والظاهر أن الكل يقع عنه، وهذا الخلاف إن كان يتجه فيما لو استأجر أجيرين لفرض الإسلام؛ إذ لابد أن يقع أحدهما تطوعًا، وقد نقول شرط التطوع أن يتراخى، وقد نقول التقدم مانع والاجتماع غير ضار\rالشرط الثاني: الإعلان \rقال الشافعي : لا يعتبر إعلان أعمال الحج، وبناه على الغالب فإنَّها معلومة للعاقد، فإن فُرِضَ جَهْلٌ على النذور من أحد العاقدين, لم يصح العقد، إذ عِلمُ غيرِ العاقدين لا ينفع\rفأما تعيين الميقات الذي منه الإحرام اختلف فيه النص ، وللأصحاب ثلاثة طرق:\rمنهم من قال: قولان :\rأحدهما: وجوب التعريف، لاختلاف غرض الأجير  في بُعد الميقات وقربه","part":1,"page":172},{"id":373,"text":"والثاني: أنه لا يشترط تعريفهما ، إذ الإحرام من الميقات القريب والبعيد في الشرع واحد، بالإضافة إلى صحة الحج\rومنهم من نزَّل النصين على حالين، وقال إن لم يكن على طريقه إلا ميقات واحد تعين، ولم يفتقر إلى التعريف، وإن كان مرور طريقه إلى مسلكين أحدهما يفضي إلى ميقات قريب، والآخر إلى بعيد فلابد من التعريف\rوقال العراقيون : إن كان المستأجر حيًا وجب التعريف، إذ للحي أغراض في المواقيت، وإن استؤجر عن ميت فلا، إذ كيف ما فرض فالحج صحيح، والصحيح أجراء المسألة على القولين؛ لتعارض اختلاف غرض الأجير واستواء غرض المستأجر \rفرع: نقل المزني عن \"المنثور\"  للشافعي  أنَّه لو قال المعضوب: من حج عنّي فله مائة، فإذا حج عنه إنسان وقع عنه، واستحق المائة، وزيَّف المزني هذا، وقال هو جعالة، وجهالة الجعالة احتملت للضرورة، والإجارة ها هنا ممكنة، وخرَّج بعض الأصحاب عن نص الشافعي تصحيح الجعالة في كل ما يقبل الإجارة\rالتفريع: إذا أفسدنا هذه الجعالة - وهو الصحيح - فتأثير الفساد في إبطال التسمية، وإلا فهو إذنٌ صحيح يستحق أجرة المثل، ولم يختلف الأصحاب في أنَّه لو فسدت الإجارة بفساد العوض أو غيره بقي الإذن صحيحًا، ووقع الحج عنه، ووجب أجرة المثل، وكان كالاستئجار الفاسد على البيع للوكيل، فإن الإذن يبقى ويطرد، هذا في كل ما يستفاد بمجرد الإذن\rقال الشيخ أبو محمد : ذكر القفال أنه لو قال: وكلت كل من أراد يبيع داري، أن هذه الوكالة لا تصح، فينقدح هذا في قوله من حج عني؛ لأنه لم يعين شخصًا للإذن، وينقطع هذا عن الإجارة الفاسدة، فإن الفساد في المعاوضة لا في الإذن\rالفصل الثاني: في موافقة الأجير ومخالفته\rوفيه مسائل:","part":1,"page":173},{"id":374,"text":"الأولى: أنه لو استأجر من نيسابور فعليه الإحرام من الميقات، فلو لم يحرم من الميقات بل أحرم بعمرة عن نفسه، وأحرم بالحج من جوف مكة، فلابد من حط شيء من الأجرة لنقصان العمل ، مع الحكم بأن الحج واقع عنه، وفي القدر المحطوط قولان:\rأحدهما: إخراج المسافة من الاعتبار، فإنه صرف قطعها إلى غرضه، فنقول حجةٌ من الميقات، وقد أنشأ سفرها من نيسابور، كم أجرتها\rفيقال: ديناران\rفنقول: بينهما تفاوت تسعة أعشار، فتحط عن أجرته تسعة الأعشار، وقد أخرجنا المسافة عن الاحتساب على المستأجر\rوالثاني: أنها يحتسب بها عليه فنقول: حجة من الميقات، وأخرى من جوف مكة كم التفاوت بينهما\rفيقال: أجرة أحدهما عشرة، وأجرة الأخرى تسعة، فلا تحط من أجرته إلا العشر؛ لأنه قطع المسافة، وإنما التقصير من تأخير الإحرام عن الميقات، والمحطوط على هذا القول يقل، وعلى القول الأول يكثر\rالمسألة بحالها: لما فرغ من العمرة عاد إلى الميقات وأنشأ الإحرام بالحج عنه، فيخرج على القولين، فإن قلنا المسافة محسوبة على المستأجر فيستحق تمام الأجرة\rوإن قلنا: لا تحسب المسافة عليه، فنقول: حجة ينشئها من نيسابور، وإحرامها من ذات عرق كم أجرتها\rفيقال: عشرون\rفيقال: حجة أنشئت من ذات عرق [من غير قطع مسافة إليها كم أجرتها فيقال خمسة، فلأجير ربع الأجرة المسماة] \rلم يعتمر  أصلًا، ولكن أحرم من جوف مكة فلم يصرف المسافة إلى غرضه، ولكن ترك بعض العمل فيلزمه الدم لإسائته في الميقات، وفي حط الأجرة قولان:\rأحدهما: أنه لا يحط، إذ صار المتروك مجبورًا بالدم فكأنه لم يترك\rوالثاني: أنَّه يحط؛ لأن الدم وجب حقًا لله تعالى، ومقصود المستأجر لا ينجبر بالدم\rالتفريع: إن قلنا: الدم يجبر، فلو نقص قيمة الدم عن القدر المحطوط تقديرًا ففي حط ذلك التفاوت وجهان، والظاهر على هذا الوجه أنه لا يُنْظر التفاوت ؛ لأن الشرع اكتفى به جبرًا للمتروك","part":1,"page":174},{"id":375,"text":"وإن قلنا: إنه لا يكتفى بالدم ولابد من الحط؛ فكيفية الحط يبنى على وجهين مأخوذين مما سبق :\rأحدهما: أنَّا نضبط التفاوت بين حجة الميقات وأخرى من مكة ونعرف نسبة المتفاوت ونحطها من أجرته وهو قدر قليل  وتكون المسافة محسوبة له، وهذه الصورة أولى لأنه لم يصرفها إلى غرض له\rوالثاني: أنَّه لا يحسب له المسافة لإسائته، فيضبط التفاوت بين حجة أنشئت من نيسابور وإحرامها من الميقات، وبين حجة من جوف مكة من غير سفر، فيكثر التفاوت فيحط بقدر نسبته من أجرته\rالمسألة بحالها: لو عَيَّن له الكوفة ليحرم بها فإن وفَى فذلك، وإن جاوز ففي لزوم دم الإساءة وجهان :\rأحدهما: أنَّه لا يجب؛ لأن الدم لميقات محترم شرعًا، فعلى هذا يحط قدر من الأجرة على التفصيل السابق\rوالثاني: أنه يجب الدم؛ لأنَّ الميقات صار مستحقًا، ومستند كل استحقاق هو الله تعالى وإن اختلف سببه فيعود النظر السابق في أن الدم هل يكفي الجبران أم لا وقد تَنَخَّلَ من هذا الأصل أنَّه مهما ترك مأمورًا وجبره بالدم، ففي الحط خلاف، فلو ارتكب محظورًا غير مفسد فيلزمه الدم ولا حط؛ لأنه أتى بتمام العمل، وما ارتكبه انمحى أثره بالدم، فإنه لم يترك عملًا مقصودًا\rالمسألة الثانية: إذا استأجر إنسانًا على القران فأفرد استحق كمال الأجرة؛ لأنَّه زاد خيرًا ، ولو قرن استحق كمال الأجرة، وفي دم القران وجهان، الأكثرون  على أنه على المستأجر وكأنَّه قارنٌ بنفسه\rومنهم من قال على الأجير؛ فإنَّه التزم تحصيل الحج والعمرة له بطريق القران، ومن تمامه الدم، فيكلف به\rولو استأجره على الإفراد  فقرن فالدم على الأجير قطعًا، والحج والعمرة واقعان عن المستأجر ، وفي حط مقدار من الأجرة ما سبق في مجاوزة الميقات؛ لأنه نقصانٌ مجبور بالدم، وإنما أودعناه عن المستأجر مع مخالفته لأنه لا يزيد على مخالفة الشرع، ومن أمره الشرع بالنسكين تقَضَّى عنهما بالقران والدم","part":1,"page":175},{"id":376,"text":"فأما إذا أمره بالقران فتمتع ففيه وجهان:\rأحدهما: أنَّه قريبٌ من القران، فلا يطالب بمزيد، فإنه إن نقص في إحرام الحج من الميقات فقد زاد في العمل\rوالثاني: أنَّ زيادته غير محسوبة؛ فإنَّه غير مأمور به، وعلى هذا فالدم عليه، لأنَّا جعلناه مخالفًا، وإن جعلناه موافقًا فالوجهان في الدم عائدان\rالمسألة الثالثة: إذا جامع الأجير فسد حجه وانصرف إليه ، ولم يقع عن المستأجر ، وانفسخت الإجارة إن كانت واردة على عينه لفوات الوقت\rوإن وردت على الذمة فلا تنفسخ، وعليه القضاء في السنة الثانية ، فإذا قضى فهل يقع قضاؤه عن المستأجر فعلى وجهين:\rأحدهما: أنَّه لا يقع؛ إذ القضاء عمن انصرف الفاسد إليه، فعلى هذا عليه أن يحج عن المستأجر حجة أخرى سوى القضاء\rوالثاني: أنه يقع عنه، وكأنَّه قضاء لما استحق عليه فأفسده ولم يكمله، فإذا قضاه فكأن الفساد لم يتخلل، وكأن الحج الأول مرتبطًا بالمستأجر، والأقيس هو الأول \rالمسألة الرابعة: إذا أحرم الأجير عن المستأجر، ثم صرفه إلى نفسه على ظنِّ أنَّه ينصرف إليه، وأتم الحج، فواقع عن المستأجر\rوفي استحقاق الأجرة قولان:\rينظر في أحدهما إلى فقدهما\rوفي الثاني إلى حصول مقصود المستأجر \rعلى عكس القولين في حجِّ أجير المعضوب إذا زال عضبه كما سبق، وقَرَّب الأصحاب القولين بما إذا استأجر صباغًا ليصبغ الثوب فجحده وصبغه لنفسه، أنه هل يستحق الأجرة وكذلك المستأجر ليعمل على المعدن المملوك إذا قصد العمل ليستبد بالنيل هل يستحق الأجرة ففي قول ينظر إلى الحصول، وفي قول ينظر إلى قصده\rالمسألة الخامسة: إذا مات الأجير قبل إتمام الحج هل تنفسخ الإجارة يبتنى ذلك على أصل، وهو أن من مات في أثناء الحج هل يمكن أن يستأجر ويبنى على حجه ويأتي بالبقية وفيه قولان :\rأحدهما: الجواز؛ لأنه إذا جازت الاستنابة في تحصيل كل هذه العبادة جاز في بعضها","part":1,"page":176},{"id":377,"text":"والثاني: أنه لا يجوز إذ يَبْعُد تعلق عبادة متحدة بشخصين\rالتفريع: فإن منعنا ذلك، وجب تحصيل حجة كاملة من تركته إن كان الوجوب استقر في ذمته، وإن جوزنا البناء فإن مات قبل الوقوف أحرم   الأجير من حيث انتهى إليه حياة المستأجر عنه، ولا ضرر في وقوعه وراء الميقات؛ لأن المستأجر له كان قد أحرم من الميقات وهذا بناء عليه\rقال صاحب التقريب: إذا بقي الوقوف فكل الحج باق، ولا نعطي لهذا حكم البناء، بل نجعله عقدًا على سبيل الابتداء، وهو بعيد، ولسنا ندري هل يلزم الرجوع إلى الميقات، ولو قال به فهو بعيد لا سيما إذا كان الوقت قد ضاق \rفأمَّا إذا مات بعد الوقوف فهذا مشكل من حيث إنَّ الأجير لابدَّ وأن يحرم، ووقت الإحرام وأشهره تنصرم بطلوع الفجر من يوم النحر، واختلف الأصحاب لأجله:\rفقال العراقيون: هذا وقت لا يقبل إحرام الحج فليحرم النائب بالعمرة وليأت بالطواف والسعي عن جهته فينصرف إليه، ولا يأتي بمناسك مِنى وما يتعلق به، إذ إحرام العمرة لا يحتمل ذلك وإنما هي أتباع انتهاء الحج\rوقال المراوزة: يحرم وإن مضى؛ لأنَّ هذا إحرامٌ ناقص مقصود، والحاج يبقى محرما بعد يوم النحر بإحرام ناقص فيجوز ابتداء ما عُقل انتهاؤه على وصف النقصان في معرض البناء والدوام، وعلى هذا يأتي بمناسك مِنى ويتم الحج على وجهه، وهذا أولى من أداء الحج بإحرام العمرة مائة في غاية البُعد \rفأما إذا مات بين التحللين، فقياس المراوزة أن يأتي بإحرام حكمه ألا يمنع اللبس والتقليم، وإن مات بعد التحللين فلا يبقى لقياس المراوزة وجه في الاستبانة، فإن الإحرام قد انقضى وأداؤه تبع إحرام سابق، ولم يسبق ولا أمكن الانعطاف فيتعين الرجوع إلى إبدال المناسك الواقعة بعد التحلل","part":1,"page":177},{"id":378,"text":"رجعنا إلى الأجير إذا مات: فإن كانت الإجارة واردة على عينه فقد استحبت الإجارة في حقه، ولكن إن جوزنا البناء فالمستأجر متمكن منه، فيستحق ورثة الأجير قسطًا من الأجرة؛ لأن ما سبق حصل له، وإن قلنا: لا يتمكن، فما سبق حُطَّ في حقه، وفي استحقاق قسط من الأجرة وجهان :\rأحدهما: أنَّه لا يستحق؛ لأنه لم يحصل له غرض\rوالثاني: يستحق؛ لأنه أتى ببعض العمل ولم يقصر في نفسه\rالتفريع: إن قلنا يستحق قسطًا ففي التوزيع وجهان :\rأحدهما: أنه لا تحتسب المسافة له، بل يبتدأ التقدير من وقت الإحرام فما يقابله مستحق\rوالثاني: أنا نحسب السفر؛ لأنه من عمله وهو ذريعة، وللذريعة حكم المتذرع إليه إذا لم يمكن الوصول إليه إلا بها، وعلى هذا استحق الأكثر لا محالة ، هذا إذا مات بعد الإحرام، فلو مات في الطريق قبل الإحرام ففي احتساب السفر خلاف مرتب وها هنا  أولى بأن لا يحتسب؛ لأنَّ الذريعة ينظر إليها إذا كان لها اتصال بالمقصود، فأما إذا لم تفض إليه فلا وزن لها، هذا في إجارة العين\rأما الوارد على الذمة فلا ينفسخ، ويبقى الحج دينًا في تركه الأجير، فإما أن يستأجر من يتمم على قول تجويز البناء، أو من يبتدئ حجًا على قول المنع\rالمسألة السادسة: لو حُصر الأجير فتحلل فهو كالموت في جميع ما سبق في إجارة العين والذمة والبناء إن أمكن واستحقاق قدر من الأجرة، فإن فاته الحج بسبب فهو كما لو فسد، فإنه يوجب القضاء كالإفساد، ولا يستحق شيئًا في مقابلة عمله، وذكر العراقيون وجهًا أنه يستحق قسطًا، وهو بعيد لا وجه له \rالفصل الثالث: في الوصية بالاستئجار\rومعظم ذلك مذكور في كتاب الوصايا  ولكنا نذكر الآن مسائل :","part":1,"page":178},{"id":379,"text":"أحدها: أنه وإن لم يوص فحج الإسلام من رأس ماله - على المذهب الصحيح-، ويكفي حجه من الميقات، وهو الذي كان يكتفى منه في حياته، ولو أوصى أن يحج عنه من الثلث ففائدته مزاحمة الوصايا في الثلث ومضارتهم، وتفصيل ذلك قد ينتهى إلى الدور، واستُقصي في الوصايا، ولو أوصى بالحج ولم يتعرض للثلث فالظاهر أن وصيته محمولة على استحثاث وتذكير، وحكى العراقيون أن فائدته مضاربة الوصايا في الثلث، وهو بعيد، وإن انقدح ففيما إذا قال أوصيت بلفظ الوصية، أما الأمر المطلق فلا يتجه فيه ذلك\rالثانية: إذا قال أحجوا عني من بلدي، فقدر الأجرة من الميقات من رأس المال، والزيادة يضارب به الوصايا في الثلث، فإن لم يفِ فيضم إلى الأجرة ويستأجر من حيث يمكن من وسط الطريق\rالثالثة: إذا أوصى بحج التطوع وصححناه فهو من الثلث، ولو أوصى بحج النذر وديون الكفارات فإن جرى أسبابها في المرض فمن الثلث، وإن جرى في الصحة فوجهان، ووجه الحصر أنه لو فتح بابه؛ لاتخذ ذلك طريقًا إلى إسقاط الوراثة فيستوعب ماله بالنذر ولا يتضرر به في حياته إذ لا يطالب به\rالرابعة: إذا قال: أحجوا عني فلانًا بمائة، وهي أكثر من أجرة مثله، فالزيادة وصية، فلو قال: أحجوا عني غيري، وقدروا الزيادة وصية لي، وسلموها إلي، لم يُجَب إليه، فإنه وصية له بشرط أن يحج، فأما إذا لم يعين الشخص وعين قدرًا، وقال: أحجوا عني بألفٍ حجة واحدة، فإن وجد من أجرة مثله ألف أحج عنه مهما وفّى المال وإن كان أقصى المراتب ينحط عن هذا القدر ذكر الصيدلاني وجهين:\rأحدهما: أن الزيادة مردودة على الوارث  ؛ لأنَّه وصية لا لِمُعَيَّن ولا لجهة\rوالثاني: أنه تصرف لمن يتخيره الوارث للحج وكأنه وصية لمن حج\rواختلف المراوزة في مسألة: وهو إذا قال اشتروا لي عشرة آصُعٍ من البر بمائة درهم وتصدقوا بها، فوجدناها بأقل، ففي الزيادة ثلاثة أوجه:\rقيل: الزيادة تُرَدُّ على الورثة، وقيل هو وصية لبائع الحنطة","part":1,"page":179},{"id":380,"text":"وقيل: يشتري بها زيادة حنطةٍ ويُتصَدّق، وكل ذلك يذكر في الوصايا:\rالخامسة: إذا قال: أحجُّوا عني فلان بمائة، وكان ذلك أجر مثله، ولكن وجد من يحج بخمسين وهو أيضًا أجر مثله؛ إذ يختلف الأجر باختلاف الأشخاص، فالدين المستحق في التركة وليس وصية لذلك الشخص، فهل يجب على الورثة رعاية تعيينه أو لا، ولو كانت أجر مثل الكل يجب رعاية تعيينه؛ فإن له غرضًا في تعيين يُحتاط، وليس للورثة غرضٌ في التبديل، أما إذا كان لهم الغرض الذي ذكرناه ففيه وجهان:\rأحدهما: أنه لا يجب بذل المزيد؛ لأنه ليس وصية له، وهو أجر مثله، فتفويتُ مالٍ عليهم لا وجه له، وهو كما إذا قال: بيعوا داري من فلان لا يُتَّبعُ تعيينه\rوالثاني: أنه يجب إجارة ذلك الشخص وتعيينه، وغاية ما في الباب أن يقدر ذلك وصِية، إذ للميت غرض في التعيين فليتبع\rالمسألة بحالها: لو كان المُعَيَّنُ وارثًا فهو أولى بأن لا يُجاب، وإن أجبنا الأجنبِيّ ففيه وجهان:\rأحدهما: أنه يُجابُ؛ إذ هو أجرُ مثلهِ وليس بوصيّة\rوالثاني: أنه لا يجاب؛ لأنه وصية في قدر الخمسين بالإضافة إلى جانب التركة فلا يتجزّى\rالمسألة بحالها: لو كان أجرة مثل الكل المائة، ولكن وجدنا مسامحًا بخمسين ففيه احتمال، ومن أصحابنا من قال: لا نظر إلى المسامحة، بل نُجَنِّبهُ المِنَّةَ في موته كما في حياته، ومنهم من ألحق هذا بالصورة السابقة إذ المِنَّةُ لا تثقل على الموتى، وللورثة حظٌ ظاهر في المال، وكذلك الخلاف فيما لو وجدنا مسامحًا بالكل\rالسادسة: لو أوصى وعيَّنَ شخصًا في حج التطوع فأبى ذلك الشخص فوجهان:\rأحدهما: أن الوصية من أصلها قد بطلت كما إذا أوصى بعتق عبد معين فتعذر\rوالثاني: أنه يحج غيره؛ لأن له مقصودَين: الحج والتعيين، والأصل هو الحج، ولا حظ للتعيين بعد التقدير بأجر المثل، أما العبد فالمقصود التفضل عليه في عينه، ولا بَدَلَ له\rفإن قيل: لو نصب الأب وصيًا لأولاده فهل للقاضي إبداله بغيره","part":1,"page":180},{"id":381,"text":"قلنا: إن كان يعمل بغير أجره فلا إبدال، وإن عين بأجره وأراد تخفيف الغُرمِ عن الأطفال وقد وجد متبرعًا، قال الشيخ أبو محمد: ليس له الإبدال وتعيين الأب أولى  قال الإمام : الوجهُ ذلك إن وفَّى ثُلُثهُ بذلك القدر وكأنه أوصى له، وإن لم يفِ به فالجواز أولى؛ لحطِّ المُؤن عن الأطفال \r\rالمقدمة الثانية للحج:\rالنظر في المواقيت\rوالميقات يراد به الزمان والمكان\rأما الميقات الزماني للحج فشهر شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة ، وفي ليلة العيد إلى طلوع الفجر وجهان :\rأحدهما: الصحة؛ لبقاء وقت الوقوف، وهو أصل الحج\rوالثاني: أنَّه لا يصح، ولكن يدوم في حق الوقوف\rوقال أبو حنيفة : جميع السنة وقت إحرام الحج، ويشهد لنا قوله تعالى ( ) \rفإذا تمهد هذا، فلو أحرمَ بالحج قبل أشهر الحج، قال الشافعي في موضع: انعقد إحرامه عمرة ، وقال في موضع: يتحلل بعمل عمرة :\rفمنهم من قال: قولان:\rأحدهما: أنَّه يقع عمرة صحيحة حتى يسقط بها عنه عمرة الإسلام إذا تم النسك\rوالثاني: أنَّه إحرام منعقد ليس لحج ولا لعمرة، بل حكمه حكم من فات حجه، وليس سبب الإحرام به، فيتحلل بعمل عمرة، وبنى الأصحاب القولين على أن من تحرَّم بالظهر قبل الزوال هل تنعقد صلاته نفلًا أم تلغو وبينهما فرقٌ، إذ مطلق نية الصلاة تنزَّل على النفل، ومطلق الإحرام في أشهر الحج إليه تنزيله إن شاء على الحج وعلى العمرة؛ ولأجل هذا قطع بعض الأصحاب بأنه لا ينعقد عمرة بل يتحلل بعمل عمرة، وأوَّلَ نص الشافعي عليه - وهو الأصح - إذ الفرض في الصلاة صلاة موصوفة، فإذا سقطت الفرضية بقي مُطلق الصلاة، وليس الحج عمرة موصُوفة\rومن الأصحاب من قال: إليه الخيار، فإن صَرَفه إلى العمرة انعقدت صحيحة، وإلا تحلل بعمل عمرة، وهذا لا بأس به أيضًا","part":1,"page":181},{"id":382,"text":"هذا في الحج، أمَّا العمرة  فجميع السنة وقتُ الإحرام بها، ولا تكره في وقتٍ كراهية الصلوات ، فكل مُتخلٍّ عن النسك له الإحرام بها، إلا الحاج العاكف بمنى المُعَرّج على الرمي والمبيت، فإنَّه لا تنعقد عمرته في هذا الوقت باتفاق الأصحاب، فإن ما بقي من مناسك الحج يمنع الاشتغال بها الاشتغال بالعمرة، كما امتنع الاشتغال بالصوم، فإنها أيام أكل وشرب وبِعال  وتطيب، ولا ينبغي أن يتورط في حَجْرٍ\rأما الميقات المكاني: فاعلم أنَّ المواقيت أمكنةٌ وظّفَ الشارع على من مر بها ناوياً نسكًا أن يحرم منها ولا يجاوزها، وعلى مَمّر كل قوم ميقات\rفميقات أهل المدينة: ذو الحُلَيْفة، وهو من المدينة على مسيرة فرسخين \rوميقات أهل الشام وطائفة من الغرب: الجحفة  وَهي من مَكةَ على خمسين فرسخًا \rوَميقات أهل اليمن: يلملم، وَهوَ على مَرحلتين من مَكة \rوَميقات نجدِ اليَمن ونجد الحجاز: ذي قرْن ، وهوَ أيضا على مَرحلتين \rوَلم يصح عن رسول اللهِ  توظيف ميقات أهل المشرق؛ إذ لم يكن إذ ذاك في أهل المشرق مُؤمِنون ، وروي مُرسلًا  أنهُ جعل العقيق  ميقاتاً لهُم، وَالشافعيُ قد يستحب ذلكَ للخبر، وقد جَمع عمرُ  أهل المشرق على ذات عِرق ، وَاستمر من غير نكير، وَاتفقوا على إلحاقه بالمواقيت السابقةِ المنصوصة، وَالمشرقي ينتهي أولا إلى العقيق، ثم إلى ذات عرق ","part":1,"page":182},{"id":383,"text":"ثم قال الشافعي : هذه المواقيت لأهلها، ولكل من مَرّ بها، حتى  إن الخراسانِي إذا جاء من جهةِ اليمن أحرمَ من يلملم، فليسَ يلزمهُ العدُول إلى ميقات آخر، إلا إذا كان أجيرًا فيُحرِم من ميقات المسُتأجر له، وذلكَ لا بُدَّ منهُ، ويكفيهِ أن يحرم من موضع بإزاء ميقاته إن كان الموازي أبعَدها على طريقه، ولو ركب الحاج التعاسيف  فلم ينتهِ إلى ميقات أحرمَ من حيثُ يُوازي أوّل المواقيت، وَليسَ له التأخير إلى أن يوازي ميقاتًا آخرَ أقرب منهُ، كما ليسَ للذي يأتي من صَوب المدِينة أن يُجَاوز ذَا الحليفة ليحرم من الجحفة، وَلو حاذى ميقاتين أحدُهما عن يمينه وَالآخرُ عن شماله فإن استويا في القرب من مَكة نسبنا إحرامه إلى أي الميقاتين أردْنا، وَإن كان أحدُهما أبعَد من مَكةَ فإن كان أقرب من موقفه نسبناهُ إليه، وَإن كان منهما على سواءٍ فوجهان:\rأحدهما: النسبة إلى الأبعد من مكة\rوالثاني: النسبة إلى الأقرب، ولا يتبين لهذا فائدة إلا فيمن جاوز غير مُحرم وَكلفناه العود؛ لدفع دم الإساءةِ وَعَسُر عليهِ الرجوع إلى موقفه لركُوبه التعاسيف، فإلى أيّ الميقاتين يَرجع، ولو أمكنهُ الرجوع إلى ذلكَ الموقف كفاه، بل يكفي كل مجاوز أن يعود إلى مثل تلك المسافة، وإن لم يَعُد إلى ذَلك الموقف بعينه، وَلو أتى الغريب من جانب فلم يَمُر بميقات ولا حاذاه فينبغي أن يحرِم وبينه وبين مَكةَ مَرحلتان نزولًا على قضاء عمر  في تأقيت ذات عرق لأهل المشرق، والتفاتًا إلى حَدّ المذهب في حاضري المسجد الحرام","part":1,"page":183},{"id":384,"text":"فإذا عَيّنَّا ميقاتًا فالأولى أن يحرم من أوله، فإن أحرم من آخره جاز، فإن جاوز غير محرم وَهو يُريد النُسك فقد أساءَ، ويلزمهُ دمُ الإساءةِ، فإن عادَ إلى الميقات نظر فإن عاد بعدَ دخُول مَكةَ لم ينفعهُ العود؛ لأن المحذُورَ أن   يدخل مَكة غير محرم، لا كالمتَمتّع إذا عادَ إلى الميقات، فإنه يسقُط عنهُ الدم؛ لأنهُ لم يدخل الحرم إلا مُحرِمًا\rفأما إذا عاد قبل دخُول مَكة فإن لم يُجاوز الميقات بمسافة القصر وعاد وأحرم سقط دمُ الإساءة، وكان ما جرى تدارُكًا\rوإن جاوز مسافة القصر فوجهان  من حيثُ إنهُ إذا بَعُد انقطع حُكم الميقات عنهُ بطول البُعد، وانحسم التدارك، هذا إذا عادَ إليه فأنشأ الإحرَام من الميقات، فإن أنشأ من حيث انتهى وعاد إلى الميقات محرمًا فحيث نجعله بإنشاء الإحرام مُتَدارَكًا ففي الدوَام وَجهان، فإن جعلناهُ متداركًا فلا فرق من أن يعُود ملبيًا أو سَاكتًا، خلافًا لأبي حنيفة \rهذا كلهُ في حق من يريد نُسكًا، فأما من يَدخل لتجارة غَير مريد نُسكًا أو لغرض آخر فلا إحرام عليه فليُجَاوز ولا إساءةَ على أحدِ القولين ، فإن سنح له بعد ذلك أن يُحرِم فميقاته عند ظهور قصد النُسك لهُ، وإن جاوزهُ فهو كما لو جاوز الميقات، وَكذلكَ إذا كانَ مسكن الرجل بين الميقات وبين مكة فميقاته مسكنه، فلا يُجَاوزه، هذا في تأخير الإحرام عن الميقاتِ\rفلو قَدَّم الإحرَام على الميقات قالَ في الجديد: يكرَهُ، وقطعَ في القديم أنه الأحَبُّ، ولعلهُ الأولى ؛ قال رسُول اللهِ : {من تمامِ الحج والعمرة أن تُحرِم بها من دويرة أهلك}  وما ذكر من الكرَاهِية أراد به من يتوقى في المخيط والطيب وَهوَ غير محرمٍ؛ إذ قال في مساقهِ لا يتجرد عن ثيابه قبل الإحرام، بل يلبس ويفعل ما يفعله سَائر الناس","part":1,"page":184},{"id":385,"text":"هذا كله في حق الآفاقي الغريب إذا دَخل مَكةَ مريدًا نُسكًا من حج أو عمرة من غير فرق في إيجاب الدم عند مجاوزة الميقات - أعني بين الحج والعمرة - فأما المَكِّيّ فميقاته بابُ داره، وقالَ في موضع: الأفضلُ أن يُحرم في المسجد الحرام في موضع قريب من البيت ، فالغريب الذي يحرم من مكة متمعًا فهو كالمكِيّ، فلو خرج المكيّ حتى فارق الحرم فهو مُسِيءٌ يلزمهُ الدم أم العود ولو خرج بعد مفارقة العُمران وقبل الانتهاء إلى الحِل فوجهان :\rمنهم من رَاعى الخِطةَ كما يراعي خِطَّة المواقيت وبنيانها\rومنهم من غلَّب حكم الحرم\rوحيث ذكرنا أنَّ العود بعد دخول مكة إلى الميقات لا ينفع فلو اتصل بالحرم ولم يدخل عمران مكة فعلى وجهين\rهذا في الحج\rأما العمرة: إذا أدَّاها المكِيّ، وفي معناه الغريب المستوطِن أو الآفاقِي المفرد إذا جاوز الميقات حِليًّا فميقاتهم للعمرةِ أدنى طرف من الحل فعليهم الخروج من مكة إلى أقرب المواضعِ  وَيكفِي مفارقة الحرَمِ وَلو بخطوة، قال الشافعي : الأحَبُ أن يجعل بينهُ وبين الحرم بطنُ وادِي وَأفضل البقاع من أطراف الحل الجعِرّانة، وَهو الذي أحرم رسُول الله  بها ، فدَلّ فِعلهُ على الأفضل، وَبعدَهُ التنعِيمُ ، وَهو أقربُ البقاع من طرف الحرم من الجوانب، وقد اعتمرت عائشة < منه  فكان دون فعله، ثم بعده الحُديبيَةُ، وَهو الذي هَمّ رسُول الله  بالإحرام عنها للعُمرَة فصُدّ ، فكان هَمُّهُ دون الفعل\rفإن قيل: هَمّ رسول الله  في الاستسقاء في قلب الرداء - بأن يجعل أعلاه أسفله- ثم ثقُل عليه فعَدلَ إلى تحويلهِ من اليمين إلى الشمال، ثم رأيتم ما هَمَّ بهِ أولى مما فعل","part":1,"page":185},{"id":386,"text":"قلنا: لأن ما أتى به اشتمل على فعلٍ وَهوَ التحويلُ المتفائلُ بهِ لتحوُّلِ الحال، وإنما تركهُ لعجزه وتَثاقلِه عليهِ، فلم يكن، وباين مسألتنا، فإذا تبين أن ميقات العمرة الحِلّ فلو أحرمَ من مَكةَ وَطافَ وسعَى ولم يخرج إلى الحِل مع وقوع الاعتداد بعُمرته قولان :\rأحَدُهما: أنها تصح، وَعليه دَمٌ لتركِ الميقات\rوَالثاني: أنهُ لا يكفي ذلكَ لأنَّ الجمع بين الحِل وَالحرَم رُكنٌ في الحج، فليكُن رُكناً في العُمرة\rثم الحاج يعُودُ إلى عرفة، وهي من الحِل محرمًا، فيحصل الجمع له، وهذا لم يَمُرّ بالحل أصلًا، فعلى هذا إن أراد الاعتداد به فليخرج إلى الحل، ثم ليَعُد، وليُعِد الطواف وَالسَعي، فان طواف الزيارة الذي هُو رُكن الحج يترتب على الوقوف الذي يحصل الجمع بين الحِل والحرم، وَكذلك طواف العمرَة ينبغي أن يكون كذلك\rفإذا خرج إلى الحل، وعادَ على القولين فهل يسقط عنهُ دم الإساءة \rمنهم من خَرَّج على العَودِ إلى الميقات\rومنهم من قطع بالسقُوطِ\rومثله ما لو أحرَم قبلَ الانتهاء إلى الميقات واجتاز بالميقات محرمًا؛ لأن هذا لم يُفارق ميقاتا محلا حتى يجعل مسيئًا\rهذا تمام القول في المقدمات\r\rالقسم الثاني من الكتاب في المقاصد:\rوفيه ثلاثة أبواب:\rالباب الأولُ: في وجوه أداء الحج وَالعمرة\rوله ستة أوجه:\rالوجه الأول: الإفراد \rوهو وَاضح، وَطريقهُ أن يحرم بالحج من ميقاتهِ أوَّلا، فإذا فرغ خرج إلى طرف الحِل وأحرمَ بالعمرة، وأتى بأعمالها\rالوجه الثاني: القِرَان \rولتصوِيره وَجهان:\rأحدُهما: أن يحرم بهما جميعًا فيتقضى عنهما بعمل الحج  وَلا يتعدّدُ عليه العملُ بحال، وحكمه حُكم الحاج المفرد، فيندرج تحت الحج","part":1,"page":186},{"id":387,"text":"وَالثاني: أن يحرِم بأحدهما بعدَ الآخر، فان أحرمَ أوّلاً بِالعُمرة وأدخل عليها الحج قبل الاشتغال بأعمال العُمرة  صارَ قارنًا كما لو جمع ابتداءً، ولو اشتغل بشيء من أعمالِ العمرة مثل أن خاضَ في الطواف مثلًا قبل إتمامهِ فإذا أحرم بالحج قبل الإتمام لغا إحرامه؛ لأن جميع أعمال المعتمر من أسباب التحلل ؛ وَلذلك يتحلل به عن الحج الفائت والإحرَام المنعقد قبل أشهُر الحج\rفأمَا إذا أحرمَ بالحج أوّلا، بقي إدخال العُمرة عليه، قولان، ووجه الفرق أن الحاج لا يتجدّد عليه لزوم بإحرامه بالعُمرِة؛ فلغى أثره، بخلاف الحج إذا أورد على العمرة، وَهذا يردُ عليه ما إذا جمع بينهما\rالتفريع: إن قلنا يجوز إدخاله  ففيه أربعة أوجه:\rأحدُها: أن ذلك جائز ما لم يشتغل بعمل من أعمال الحج، حتى لو اشتغل بطواف القدوم امتنع عليه ذلك، وإن لم يكن طواف القدوم رُكنًا في الحج ولكنه من أعماله\rوالثاني: أن ذلكَ جائز ما لم يشتغل برُكن، حتى لو طاف طواف القدوم وسعى امتنع عليه؛ لأن السعي يقع رُكنًا، وقبل السعي طواف القدوم لا يمتنع\rوَالثالثُ: أنَّ ذلك جائز ما لم يفُت وقت الوقوف، ولا مبالاة بالسعي وإن سبق؛ لأن {الحج عرفة} ، والأصل فيه الوقوف\rوالرابعُ: أن ذلك جائز وان فات وقت الوقوف ما لم يشتغل بأسباب التحلل، فإنا راعينا في إدخال الحج على العمرة أن لا يشتغل بعمل العمرة؛ لأن جميع أعمالها من أسباب التحلل، فعلى هذا إذا اشتغل صبيحة يوم النحر برمي جمرة العقبة فرمى حصاة وَاحدة امتنع الإحرام، وَإن لم يتم التحلل الأوّل؛ لأنهُ شرعَ في سببه، وعلى هذا لو كان قد سعى، فالصحيح أنهُ لا يلزمهُ إعادة السعي على إثر طواف الزيارة، ثم إذا جعلناهُ قارنًا لم يحوجه إلى نية القران، بل يكفيه الإحرَامُ بالنسكِ الثَاني وقضينا بتأدّي النُسكين بعملٍ واحد، فليُعلم","part":1,"page":187},{"id":388,"text":"ثم يجب على القارن دم الجبران على ما سنذكره كما يجب على المتمتع، ولا يجبُ على المكِيّ دَمُ القران، كما لا يجب عليه دَمُ التمتع؛ لأنَّ غايته أن ترك إحرَام العمرة من الحل، وهذا لا مبالاة به، فإنَّه سيخرج إلى الحل، فيكون جامعًا بين الحِل و الحرَم، ولا نظر إلى كون الغريب جامعًا بينهما بعد إحرامه؛ لأن ميقاته الأصلي في النسكين هو الحل، ولا أثر للحرم في حقه، ولو عاد القارِنُ الغريب إلى الميقات محرمًا ففي سقوط الدم وجهان مرتبان على عَودِ المتمتع بعد إحرَام الحج، وَهذا الأولى بأن لا يسقط  لأن معنى القرَان باق\r\rالوَجهُ الثالثُ: التمتعُ \rوَهوَ أن يُقدم العمرة، فالآفَاقيُّ إذا انتهى إلى الميقات في أوَلِ أشهُر الحج وثَقُل عليهِ الإحرَام بالحج وملابستهِ طوُل المُدّة، فله أن يتمتَّعَ بالعُمرة إلى الحج، فيقضي حق الميقات بإحرامِه بالعمرة، ويدخلَ مَكة ويتمّها ويتمتع إلى وقت الحج، ثم يُحرِم بالحج من جَوفِ مَكة، فذلك جائز، يلزمُ بسببه دمُ جبرانٍ لأمرَين:\rأحدُهما: أنَّهُ ربح أحد الميقاتين، إذ لو أفردَ لعاد للعمرة إلى طرف الحِل، وقد أحرَم بالحج من الميقات، وَالآن اقتصر على ميقات واحدٍ\rوالآخر: أنَّ أشهر الحج كالمتعَيّن للحج، فإذا انتهى إلى الميقات وزاحم إحرام الحج بالعُمرة كان ذلك كالمنكر بِالإضافةِ إلى وضع الشرع؛ ولكِن لما عَسُر على الغرباء ملابسَةُ الإحرَام طُول المدة، وَلم يمكن مجاوزة الميقات، أرخص الشرعُ في ذلك ليتمتّع بالعمرة\rثم للمتمتع شرائط :\rأحَدُها: أن تقعَ العُمرة في أشهر الحج:","part":1,"page":188},{"id":389,"text":"فلو انتهى في رمضان إلى الميقات فأحرمَ بالعمرة، ثم تحلل عنها قبل شوال لم يكن متمتّعًا وفاقًا، وَلا يلزم دم التمتع، نعم لو أحرمَ للحج من جوف مَكّة هل يلزمهُ دمُ الإساءة (  )  مجاوزة الميقات من غير إحرام، وَلم يُوجد، وَالمُسِيءُ منهيٌ عن فعله، وهذا لم يُفارق فعلًا منهيًا عنه ، ولا ترك مأمورًا به، فهو مفرِدٌ ولكنه مقدم للعمرة\rوالثاني: أنه يلزمه دَمُ الإساءة لأنه ولج بفعله أحد الميقاتين، والمتمتع أيضًا لم يرتكب منهيًا، ولكن لما ربح أحد الميقاتين يلزمه الدم، وهذا لم يلزمهُ دمُ التمتع، لأنهُ لم يجمَع بين مزاحَمة الحج في وقته بالعمرة، وبين ترك أحد الميقاتين\rهذا إذا تحلل عن العمرة قبلَ شوّال، فلو تراخى التحلل عن رمضان ووقع بعض العُمرة في شوال، نظر فان لم يتقدم على شوّال إلا الإحرَام فوجهان مشهوران:\rأحدُهما: أنهُ متمتعٌ؛ لأن المقصود وقع في أشهر الحج \rوالثاني: أنَّهُ ليس متمتعاً؛ لأنهُ لم يزاحم إحرام الحج بإحرَام العمرة ، وقالَ ابن سُريج: إن عاد فمرّ على الميقات محرمًا بالعمرة، أو أقامَ بالميقات إلى دخول شوّال وهو محرمٌ كان متمتعًا، فأمَا إذا وقع شيء من أعمالها في رمضان، فإن جعلناهُ متمتعًا في تيكَ الصورة  فها هنا وجهان:\rأحدُهما: أنه غير متمتع لاتصال العمل بالإحرام في التقديم على شوال، فقد اتصل المقصود بالقصد\rوالثاني: أنه متمتعٌ؛ لأنه وافاه شوّال وهوَ محرم بالعمرة، فعلى هذا لو أوقع في الأشهُر الحلقَ على  قولنا: إنهُ نسك كفى ذلك في حصول التمتع\r\rالشرط الثاني: أن يقعَ الحج وَالعُمرة في سنة وَاحدة","part":1,"page":189},{"id":390,"text":"فلو اعتمر الغريبُ من ميقاتِه وَلم يحج في تلك السنة وَأقام فميقاتُ حجهِ في السنة الثانِية مكة لأنه عاكفُ بها، ولا دمَ عليه لأنَّه لَم يُزَاحم الحج بالعمرة وَلا جاوز الميقات غير محرم، وكذلك لو كان يحجُ كل سنة من مَكةَ فلا تمتع ولا دَم، فإن المستبعد أن يجاوز الميقات غير محرم بالحج وَهوَ مريد للحج في تلكَ السنة، فإذ لم يُرد فمجاوزة الميقات بالعمرة جائز، والإحرَام بالحج في حق العاكف من مَكةَ جائز وهو منقطع عنه \rفرع : لو عزم على الإقامة لمَّا فرغ من العمرة فلا يسقط دم التمتع عنه إذا حج في تلك السنة؛ لأنهُ إذا جَاوز الميقات وهو مريد للحج فقد التزمَ أحدَ أمرين: إمَا الدم، وإما العود إلى الميقات، فلا يسقط بقصد الإقامة، وبمثله لو لم يقصد الحج وَالإقامَة، وَلكن اتفق التراخِي لطلب الرفاق إلي السنة الثانية فحج من جوف مكة في السنة الثانية فلا دم ولا تمتع، وحُكي عن ابن خيران أنَّه شرط في التمتع أن يقع النسكان في شهر واحد، ولم يكتف بالوقوع في سنة واحدة، وهذا لا أصل له\rالشرط الثالث: أن لا يكون المتمتع من حاضري المسجد الحرام","part":1,"page":190},{"id":391,"text":"قال الله تعالى بعد ذكر التمتع: (       )  ويدخل تحت هذا الاسم سُكَّان مَكةَ ومن هو منها دون مسافةِ القصر، فإنهُ لابد من إثبات حَدٍ فاصل، وهذا أقرب المدارك، وَقَالَ أبُو حنيفة : كل من هو على ميقات من الحاضرين فجعَلَ ساكن ذي الحُليفة وهو على خمسين فرسخًا من الحاضرين، فالمعنَى بقولنا: إنَّ المقيم على ما دون مسافة القصر ليس بمتمتع: أنَّهُ لو أحرم بالعمرة من منزلهِ وهو ميقاته، ثم أحرم بالحج من جوف مَكة فلا دم وهوَ كالساكن في مكة فإن ميقاته مَكة، وَإذا أتى بصورَة التمتع من العمرة أوَّلا ثم الحج بعدَهُ فلا شيءَ عليه، ولكن فيه إشكال إذ ساكن مَكة لم يُزَاحِم إحرام الحج من الميقات بالعمرة ومن هوَ على مسافة ولو دون مسافة القصرِ فميقاتهُ  منزله حتى لو جاوز ذلك يلزمهُ دمُ الإساءةِ فلو لم تكن المسافة مُحتَفلاً بها لاعْتُدَّ بإحرَامهِ من مكة كساكن مَكة، وَلكن مسلكَ المعنى لا يصفوا ، وَإنما المستند الآيةُ والخَبر، فما وجدنا متعلقًا من اللفظ فهو مقدَّمٌ على الرأي  فإذا وجدنا لفظًا يدلُ على نفي الدم نفيناه، فهو الأصل، فإنهُ أتى بإحرامين من ميقاتين، فإذا انتفى تكلفنا لإيجابِ الدم وجها على بُعدٍ\rفرعانِ:\rأحدُهما: الغريبُ إذا جاوز الميقات غير مريد نُسكًا، فلما صار من مَكة دون مسافة القصر بدا له فأحرم بالعمرة، ثم حج من جوف مكة، ففي وجوب دم التمتع وَجهان:\rأحدُهما: أنه لا يلزم كما لو كان مسكنه محلّ عزمِه، فان ما سبق هُو غير مؤاخذ به إذا لم يُرد النسك\rوالثاني: أنَّه يلزم لأنَّهُ لابثٌ وَله اسمُ الحاضرين، وَالتدوارُ على اللفظ أولى، فهو غريبٌ أتى بصورَة التمتع وَجاوز ميقاتًا، وفي مجاوزه دَمُ الإساءةِ \rوَأما لو بدا له بعد دخول مَكةَ فأتى بصورة التمتع فلا دم، لأنه صار من الحاضرين ","part":1,"page":191},{"id":392,"text":"الثاني: لو كان له مسكنان احدُهما دون مسافة القصر والآخر ورَاءه، فإن كان أهله بأحدِهما أو كان سُكونه لأحدهما أكثر فهو منسوب إليه، وان استويا في كل شيء: قال صاحب التقريب وغيره: يُنظر إلى الموضع الذي أحرَم منه فله حُكم الميقات\r\rالشرط الرابع: أن لا يعُودَ إلى الميقات\rفلو عاد إلى ميقاتِه وَأحرم للحج سقط دَمُ التمتع؛ لأنه تدارك حق الميقات، وَكذلكَ لو عاد إلى مثل مسافة الميقات، فإن أعيان الموَاقيت غير مرَعِيٍّ، إنما المقصُود طول مسافة الإحرَام، وَلو أحرمَ من جَوف مَكةَ وَعاد إلى الميقات محرِمًا ففي سقوطِ الدمِ قولان كما سبق في سقوط دَمِ الإسَاءة، وَلو عاد إلى ميقات أقرب من ميقاته الذي مَرَّ عليه وَأنشأ الإحرام ففي سقوط الدم وجهان:\rأحدهما: أنهُ لا يسقط؛ لأنَّهُ لم يعد إلى ميقاته\rوالثاني: أنهُ يسقط؛ لأنَّهُ أتى بنسكين من ميقاتين، والأصل سقوط الدّم إلا بالتمتَّع وترك أحدِ الميقاتين، وهذا قد خرج إلى ميقات ليس ساكنوه ساكني المسجد الحرام، وهذا اختيار القفال \rالشرط الخامس - زيادَة الخِضرِي  -: وَهو وقوع النسكين عن شخص وَاحد: حتى لو أحرم في الميقات بالعُمرة عن مستأجِره، ثم أحرم عن نفسه بالحج من جَوف مَكة فليس بمتمتع ، وهذا فاسد، بل هو متمتع؛ لأنه زاحم إحرام الحج في الميقات بعُمرة غيره، فكان كما لو زاحم بعمرة نفسه، ولا فرق\rالتفريع: إن قلنا: ليس بمتمتع فهل نجعله مُسيئًا فعلى وجهين:\rأحدهما: أنهُ مسِيء؛ لمجاوزة الميقات في إحرام الحج\rوالثاني: لا؛ فإنهُ لم يُخلِ ميقاتًا عن نسكٍ، وهو  قريبٌ في الخلاف المذكور فيمن قدَّم العُمرة على أشهر الحج من الميقات، ثم أحرم بالحجِّ من مَكة أنَّهُ هل يلزمهُ دمُ الإساءة وهَاهُنَا أولى باللزوم إذ كان الحج ممكنًا في وقت عمرتِه فقصَّر بالتأخير","part":1,"page":192},{"id":393,"text":"التفريع: إن قلنا ليس مُسِيئاً فلم يفتهُ إلا فضيلة التَمتع على قولنا: إنَّ التمتع أفضل من الإفراد، وإن جعلناه مُسيئًا فلا يلزمهُ إلَّا دَمُ إساءةٍ عند ترك العَود إلى الميقات، وَالعَودُ إلى الميقات واجبٌ على المُسِيء وغير واجب على المتمتع، ثم إذا ترك المسيء العود فلابد من الدم، فإن عادَ إلى الميقات بعد التعلق بالحرم، ففي سقوط الدم قولان سبق ذكرهما، فأما دَمُ التمتع يسقط بالعَود إلى الميقات قولًا واحدًا، فبهذهِ الأمور يظهرُ الفرق في التفريع على جعله متمتِعًا وغير متمتع\rالشرط السادس - زاده بعض الأصحاب -: وَهوَ نِيَّةُ التمتّع\rوجعلوا ذلكَ شرطًا كنِيةَّ الجمع بين صلاتين، وهو بعيد، فتشبيهه بالقِران أولى، وَلا يفتقر إلى النية كما سبق، وإلى هذا ذهبَ المحققُون، فإن قلنا: تشترط النية، ففي وقت النية ثلاثة أوجه:\rأحدُها: أنهُ عند الإحرَام بالعُمرة، ولا يَمتد هذا الوقت وتفوت النية بفواته\rوَالثاني: أنهُ يمتد إلى وقت التحلل \rوَالثالث: أنهُ يمتَدّ إلى وقت الإحرَام بالحج ، ولهذا الخلاف نظير في وقت نِيّة الجمع بين الصلاتين، ولا ينقدح ها هنا إلا رعاية وقت التحلل إن لم يكن في اشتراط النية بُدٌّ، فإن عدم نِيَّة التمتع إنما يُتَصَوَّر ممن لا يقصِد النسك من الحج في تلكَ السنة وَيريد الاقتصار على العمرة اعتمادًا على أحد هذين الأمرين، وذلك عند الخَوض في العمرة، فإن اقتصر على العمرة معتمدًا على الإحرام للحج من جَوف مَكة، فهو المتمتع فيلزمهُ الدم، وإن لم يعزم على الحج فِي هذهِ السنة ثم بدا له بعدَ ذلكَ انقدح أن لا يجب عليه دمُ التمتع؛ لأنهُ لم يقصد، ولا دمُ الإساءة لأنهُ لم يكن مُريدًا للحج، ثم حيث قضينا بفوات شرط التمتع فلا أثر له إلا فوات فضيلة التمتع إذا قلنا: إنه أفضل من الإفراد وإسقاط دم التمتع، ثم يبقى نظر في أنهُ مسيء أم لا وهل يلزمه دمُ الإساءة فيخرج على التفصيلِ السابق","part":1,"page":193},{"id":394,"text":"هذه شرائط التمتع:\rفإذا حصل فميقات المتمتع كميقات المكي، فيحرم بالحج من مكة  وَلو فَارقَ مَكة ثم أحرمَ فهو مُسِيءٌ ومتمتع فيلزمهُ دَمُ التمتّع لإتيانهِ بصورتهِ، ودَمُ الإساءة؛ لأنهُ ترك الميقات كالمكِي إذا فارَق مَكةَ وأحرمَ\rفان قيل: دَمُ التمتع دَمُ جُبرَان ولم ينقص نسكه إلا ترك ميقات الحج، والآن فقد صار مجبُورًا بدم الإساءة فهلا اكتفى بهِ\rقلنا: في دَم التمتع معنى النُسك، وفيه نقصان من حيث مزاحمة الحج بالعمُرة ، وقد تعَدّد السبب؛ فلابد من تعدُد الدم، كيف وأحجام الدمين على الاختلاف كما سنذكره\rفإن قيل: ذكرتم وجوه الجمع بين النُسكين فما الأفضل من الوجوه الثلاثة\rقلنا: القِرانُ مؤخرٌ، وفي الإفراد والتمتع قولان ، وقال الفوراني فيما حَكاهُ: الإفراد مُقدّم، وفي القِرَان أفضل أم التمتع فيه قولان، قالَ الإمامُ: المشهُور في الطرق ما قدمناه \rوتوجِيهُ القولين:\rمن قال الإفراد أفضل - وَهو الأصحُ -:\rاحتجَّ بفعل رسول الله  r،  صَحَّ أنهُ أفرد هكذا روى جابر ،\rوالشافعي  قال هو أحسن الناس سياقة لحج رسول الله  r\rوالثاني: التمتعُ أفضل:","part":1,"page":194},{"id":395,"text":"لأنه  r  تَمنَّى التمتع، وقال: {لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي، ولجعلتُها عمرة}  فدلَ أن تقديم العمرة أفضلُ، وذلكَ في التمتع لا في الإفراد، وَلهذا تأوِيل، وَهو أنهُ  r  نزل عليه الوحي وَهو بين الصفا والمروَة أن كل من معه هدي فليحُجَّ ومن لا هَدي معه فليطف وليسع ثم ليحج، معناهُ تقديم العمرة على صورَة التمتع ولم يكن الهدي مَع أحدٍ إلا معَ رسُول الله  r  وطلحة فشقَّ على الناس مخالفة رسول الله  r  إيَّاهُم فعلًا، فإنهُم كانوا يعُدّون الإحرام بالعُمرَة في أشهر الحج من أعظم المناكير، حَتى قالوا لما نزل الوحي نروحُ إلى مِنى ومذاكيرُنا تقطر منِيًّا، أي على قُرب عهد بالجِماع، فقالَ  r: {لو استقبلت من أمري ما استدبرت} تمهيدًا لعُذرِهم وتسكينًا لنفوسهم، ثم لم تختلف الفضيلة بسوق الهدي وعدمهِ، وإنما قال الرسُول  r  ذلك؛ لأنه ساق الهدي ليتطوع به، وَهو الهديُ في إطلاق الشرع، فلو تمتع لصار ما ساقه كفارة واجبة، وَلبطل قصد التطوع، فكره أن يبطُل قصد التطوع، وأبو حنيفة يجعل سوق الهدي إحرامًا بالحج ، مأخوذًا من هَذا الحديث حتى يظهر أثره في فوات التمتع، وقال العراقيُون  الأفضل أن يبُهِم الرَجُل إحرَامَهُ أوّلاً كما أبهَم رسُول اللهِ  r  ثم يصرفهُ إلى ما يقتضيه؛ لأنَّ رسُول الله  r  أبهم، وَهذا هفوةٌ، فإنهُ أبهم لانتظار الوحي فلا يُقتدى به فيه، وقد نقل ابن سريج أنَّه  r  كان متمتعًا، وهذا مما انفرد به، وقد قال الشافعي ~ : وَالقارنُ أحسنُ حالًا من المتمتع، وَاختلف في تفسيره، فقيل قصدَ الردَّ على مالكٍ ~؛ إذ قالَ على القارِن بدنة ، وَعلى المتمتع شاه؛ لأنهُ أتى بإحرَام النسكين من الميقات فكيف غلَّظ عليه وقيل قصدَ الردَّ على داود، حيث قال لا شيَء على القارن وعلى المتمتِع دم، إذ إعمال القِران أخَفّ، فكيف لم يؤاخذ بما يُؤاخذ به المتمتع","part":1,"page":195},{"id":396,"text":"فإن قيل: وهل لكم في بيان تفصيل الدَم الواجب على المتمتع والقارن\rقلنا: نعَم، وَهذا:\rباب بيَان ما يجب على المتمتع\rقال الله تعالى (    )  والمُراد به شاة على القادر، وعلى العاجز صوم عشرة أيام كما نَصَّ عليه \rوالنظر الأول في القادر\rويجبُ عليه الدم بتمتعه وبتحقق التمتعُ بإحرام الحج، وقبله لا يتحقق، وبه يدخل وقت الأداء، ثم لو أراقه قبل يوم العيد جاز؛ لأن هذا دم جُبران فصار كسائر دماء الجبرانات، وتأقتت عند أبى حنيفة بأيام النحر ؛ لأنه دم نسك عنده فهو قربان\rثم اختلف قول الشافعي في جواز إراقة الدم قبل الحج وبعد التحلل من العمرة:\rفقال في قول: يجوز ؛ لأنَّ هذه قُربةٌ ماليَّة نيطت بسببين، فيجوز التقديم على السبب الآخر ككفارة اليمين\rوالثاني: المنع؛ لأنَّ كفارة اليمين أضيفت إلى اليمين وقد وُجِد، وهذا مضاف إلى التمتع، ولم يوجد إلا بالحج\rفان قلنا: إن ذلك جائز ففي تقديمه على تحلل العمرة بعد إحرامها وجهان:\rأحدهما: المنع ؛ لأنَّ أحد السببين لم يكمُل بعد، وبعض أجزاءِ السبب لا حُكم له، كما إذا قال: مهما حلفت فأعتق عبدًا عن كفارتي، فكما ابتدأ بكلمة الحلف قبل الإتمام لا يجوز الإعتاق\rوالثاني: أنه يجوز؛ لأن بعض الحروف في الكلام لا حُكمَ له، والعمرة قد صحت وانعقدت بالإحرام وثبت حكمها\rالنظر الثاني: في العاجز عن الهدي\rويلزمه صيام عشرة أيام: ثلاثة في الحج، وسبعة عند الرجوع كما ورد به القرآن\rفالنظر في أمور:\rالأول: في وقت   الثلاثة:","part":1,"page":196},{"id":397,"text":"وهو بعدَ الشروع في الحج، ولا خلاف في منع تقديمها على الحج؛ فإن هذه عبادة بدنِيّة، ويجوز تقديمها على التحلل الأول، وأبو حنيفة مع مَنعِه تقديم الهدي على النحر جَوّز تقديمَ الصوم الذي هو بدلٌ عنه ، والأولى أن يجعل آخر الأيام الثلاثة يوم التروية وما قبله، إن طال زمان إحرامه؛ كي يتفرغ لدعاء يوم عرفة، فإن جعل آخرها يوم عرفة جاز، فإن لم تتفق قبل يوم النحر لم يصم يوم النحر؛ لأنه غيرُ قابل، والجدِيدُ أن أيام التشريق أيضا لا تقبله، ونص في القديم على أنه يصوم أيام التشرِيق ، فمنهم من جعل ذلك رُخصةً في حقهِ، ومنهم من طرد جَواز صومها في حق كافة الناس، فإذا لم يتفق في أيام التشريق، فالحاج بعد الإحرام في بقية أعمال الحج من الطواف للزيارة والسعي إن كان قد أخّرهُ عن الوقوف، فالذي ذكر الصيدلاني أن الصوم بعد أيام التشريق في حكم القضاء الواقع وراء الوقتِ؛ لأن دوام الإحرام في جهة الآخر لا نهاية له، واحتساب ذلك من أيام الحج كما فُهم من القُرآن\rفأما أيام التشريق فان ألحق - على رأيٍ - بطريق الإتباع والاتصال و الجَبر، فله وجه، هذا ما ذكره، ولم نر لغيره خلافه\rالثاني: في وقت الأيام السبعة\rوهو الرجوع، واختلفوا في معناه:\rفقال الشافعي - في قول -: هو الفراغ عن الحج \rوفي قول: هو الرجوع إلى الوطن \rوفي قول ثالث - حكاه الفوراني -: هو الرجوع إلى مكة \rالتفريع: إن حملناه على الرجوع إلى الوطن، فإذا استقبل صوبَ الوطنِ فصام في الطريق فيه وجهان:\rأحدهما: المنع؛ لأن العبادة البدنية لا تقدَّم\rوالثاني: الجوازُ؛ لأن التأخير إلى الرجوع رخصة","part":1,"page":197},{"id":398,"text":"هذا هو رجوع إلى قول الحمل على الفراغ، فإنا على ذلك القول أيضًا لا نوجب عليه الصوم في الطريق وهو مسافر، ولكن الرجوع إلى مكة وتحلل، جاز على قول الفراغ أن يصوم، وعلى قول الحمل على الرجوع لا ينبغي أن يجوز إلا بتحقق الوصول إلى الوطن، أو الإقبال عليه، فإذا فرَّعنا على قول الفراغ لم يجز قبل يوم النحر إذا كان قد قدَّم الأيام الثلاثة عند طول إحرامه؛ لأنَّه قبل الحج، وهل يجوز إيقاع ثلاثة منها في أيام التشريق\rقطع الشيخ أبو محمد  بالمنع، فإنه ما دام عاكفًا على مناسك مِنَى يمتنع منه إحرام العمرة؛ لكونه ملابسًا للحج\rالثالث: القضاء\rفأمَّا الأيام السبعة فلا آخر لوقتها، أما الأيام الثلاثة إذا فاتت فالمذهب قضاؤها كسائر الصيام ، وقال أبو حنيفة: لا تقضى ، وحُكي عن ابن سريج نقل قول يوافق مذهبه ، فإن قلنا به تعذر عليه السبعة أيضًا؛ لأن شرطها الوقوع بعد الثلاث، فيتعين الرجوع إلى الهدي، فيستقر في ذمته إلى الوجود\rفان قيل: ما معنى هذا القول وصيام الأيام الثلاثة في الحج غير واجب؛ لأنه مسافر، والسفر يرخّص في ترك كل صوم، فإذا لم يجب في الحال ولم يقض عند الفوات فما معنى الوجوب\rقلنا: نعم، هذا القول بعيد، ولكن وجهه أنَّ الأصل هو الدم على هذا القول، وهو مستقرٌ في ذمته، والصومُ في السفر لا يلزمه، فإن أراد إسقاط الدم عن ذمته بأن يتحمل المشقة ويصوم ثلاثة أيام فله ذلك، وإن لم يصُم وترخّص استقر الدم في ذمته، وإن فرَّعنا على وجوب القضاء - وهو الصحيح - فلو رجع مثلًا إلى وطنه فعليه صيام عشرة أيام\rوهل يلزمه التفريق بين الثلاثة والسبعة حتى تمتنع المواصلة فيه وجهان :\rأحدهما: أنه يجبُ، إذ المشروعُ في الأصل هو التفريق ","part":1,"page":198},{"id":399,"text":"والثاني: لا يجب؛ لأن ذلك جرَى وفاقًا لتحلل أيام العيد والرجوع، فليس مقصودًا بالإيجاب، وهذا كما أنا لم نوجب التتابع في الثلاثة ولا في السبعة ولا في قضاء أيام رمضان، وإن كان أداؤها تباعًا؛ لأنه لم يقع التتابع مقصودًا \rالتفريع: إن قلنا يجب التفريق فهل نكتفي بيوم أم يجب التأخير بقدر التأخير في الأداء فيه وجهان :\rفان قلنا: يجب المضاهاة في القدر فعلى قول يفطر بين الثلاثة والسبعة أربعة أيام، وهو تفريع على حمل الرجوع إلى الفراغ، ورجوع المتحلل إلى يوم النحر وأيام التشريق\rوإن حمل الرجوع على الرجوع إلى الوطن زاد على الأربعة مدة الوصول إلى الوطن على الاقتصار، فيفطر في مثل تلك المدة مع الأربعة\rوإن قلنا: أيام التشريق كان يقبل صيام الثلاثة والرجوع هو الرجوع إلى الوطن نقصت الأيام الأربعة، واقتصرنا في الفطر على مثل مدة الوصول إلى الوطن\rوإن قلنا: أيام التشريق تقبل صوم الثلاث والرجوع هو الفراغ فلا فاصل على هذا القول، فعلى هذا ذكر الشيخ أبو علي وجهين:\rأحدهما: أنَّه لا تفريق، محاكاة للأداء\rوالثاني: أنَّه يفرق ها هنا بيوم؛ لأن هناك تفرقاً بالحال - وهو وجود الحج - والفراغ منه \rفرع: إذا قلنا التفريق مستحق بيوم مثلًا، فلو صام عشرة أيام وِلاء لم يحسب الرابع، ويحسب ستة بعده، وحكى وجه  أنه لا يعتد  بما بَعده؛ لأنه لم يُفرق بفطرٍ، وَهذا فاسدٌ فإنهُ لو فرق بتطوع أو بقضاء فلا ينبغي أن يُتَمادَى في الصحة، وقد حصل التفرّق المناقض للتواصل، فكذلك ها هنا ","part":1,"page":199},{"id":400,"text":"فرع آخر: إذا وجد الهدي بعد الشروع في الصوم في الأيام الثلاثة لم يلزمه الرجوع إلى الهدي وله الاستمرار، وقال المزني : عليه الرجوع، وقال أبو حنيفة : يجب الرجوع إلى الهدي إن وجده في الأيام الثلاثة، فان وجده في السبعة فلا، فأما إذا وجد قبل الشروع وبعد الإحرام بالحج فقد ابتنى على الأقوال الثلاثة في الكفارات في أن الاعتبار فيها بحالة الوجوب، أو بحالة الأداء، أو بأغلظ الأحوال\rالرابع: إذا مات المتمتع قبل أداء الصوم والهدي نُظِر: فإن مات قبل الفراغ فهل نتبين أن دم المتمتع لم يجب فيه قولان، الصحيح أنه لا يتبين ذلك إذ تم سببه في الحياة، والثاني أنّا نتبين عدم وجوبه؛ لأنَّ التمتع إنما يتم بأن يحصل له النسكان مع الترفّه وربح أحد الميقاتين، فإذا مات لم ينتظم ذلك\rفأما إذا مات بعد الفراغ من الحجِّ نظر فإن مات كما دخل الوطن فإن كان موسرًا فالدم يُخرَج من تركته، وإن كان الواجبُ عليه الصوم فقد مات ولا شيء عليه؛ لأن السفر عذر للتأخير وتأكُّد هذا الصوم لا يزيد على تأكُّد رمضان، ولو دام العذر المبيح للفطر إلى الموت من السفر والمرض مات بريء الذمة، فكذا هذا \rفأما إذا مضت مدة الصوم بعد دخول الوطنِ فمات: فالمذهب المشهور أنَّه يجب شيءٌ بعد موته ولا يسقط أصل الوجوب، وحكى صاحبُ التقريبِ والفوراني قولًا للشافعي أنه يسقط الوجوب إذا تعذر الصوم والفدية، ونيابَةُ الوَليّ تثبت في رمضان على خلاف القياس، فلا يتعَدَّى","part":1,"page":200},{"id":401,"text":"التفريع: إذا قلنا لا يسقط الوجوب، ففي الواجب قولان كما في الصوم: أنه هل يقابل كل يوم بمُدّ والثاني: أنه يصوم عنه وليُّهُ، وحكى صاحب التقريب هاهنا قولًا ثالثًا: أنه يرجع إلى الدم فيخرج من تركته؛ لأن العدول إليه أولى من العدول إلى الفدية، فعلى هذا لو كان قد بقى بعض الأيام قال العراقيون: ليوم ثلث شاة، وليومين ثلثا شاة، ولثلاث إلى العشرة شاة، وعلى قولٍ: ليوم مُدّ، وليومين مدان، ولثلاثة إلى العشرة شاة، وعلى قول تبدل المد بالدرهم، وهذا هو  الأقوال المذكورة في أعدادِ الشعرات إذا حُلقت على ما سيأتي، وهو مُوجب قول الرجوع إلى الدم، والله اعلم\r\rالباب الثاني: في بيان أعمال الحج و العمرة \rالأركان والواجبات والآداب والسنن\rونحن نرى أن نقدم مقدمة في ذكر أعمال الحج إيناسًا بها، ثم نندفع بعد في التفصيل، ونجري على ترتيب المشروع من الأعمال\rأما المقدمة فنقول فيها:\rالغريب أولا يُحرم من الميقات ويدخل مكة على زي المحرمين متجردًا عن المخيط، ويرعى في دخول مكة، و دخول البيت ولقاء البيت آدابًا سنذكرها\rوكما دخل مكة قادمًا اشتغل بطواف القدوم، وليس ذلك ركن الحج، ثم هو بالخيار بعدَهُ بين أن يسعى فيقع السعي رُكنًا، إذ تأخيره عن الوقوف ليس بواجب، وإن شاء أخّر السعي إلى ما بعد طواف الإفاضة، ثم يصبر إلى اليوم السابع من ذي الحجة، فيخطب بهم الإمامُ المقدّم ويوصيهم بالبُكورِ يوم التروية للنهوض إلى عرفة، فيصبحون يوم التروية ويسيرون إلى مِنَى ويسمى ذلك اليوم يوم النقلة ، ويبيتون ليلة عرفة بمنى، وذلك مبيت منزل لا يتعلق به نسك، ثم يصبحون يوم عرفة، ويتوجهون إلى عرفة، فيوافونها قبيل الزوال، على إنابتهم","part":1,"page":201},{"id":402,"text":"فإذا قضوا حق المكان أفاضوا وقت غروب الشمس إلى مزدلفة وباتوا بها وصلوا المغرب مع العشاء، والمبيت في هذه الليلة - وهي ليلة النحر - نسك، ثم يصلون الصبح يوم النحر بها مغلسين، ويتوجهون بعد الفراغ من الصلاة إلى منى، وعلى طريقهم المشعر الحرام\rفإذا انتهوا إليه وقفوا إلى أن يُسفروا ثم يُجاوزونه، وعلى طريقهم وادي مُحسّرِ ، فمن كان ماشيًا عدا فيه، ومن كان راكبا حَرَّك دابته مخالفًا فيه عادة الجاهلية، وإذا أتوا منى فيرمون بعد طلوع الشمس ويحلقون، ومن كان معه هدي نحره، ثم يفيضون إلى مكة، ويطوفون طواف الإفاضة، ويسمى أيضًا طواف الزيارة، وهو طواف الركن، وطواف الصدر، وقيل إن طواف الصدور طواف الوداع، ثم إن لم يكن سعى فيسعى بعد الطواف ثم ينقلب إلى منى للمبيت والرمي، وانقلابهم إليه يوم النحر، ويبيتون تلك الليلة بها - وهي ليلة القرّ -، وتُسمَّى بذلك لأنهم يستقروا بمنى في اليوم القابل، وهو أول أيام التشريق، ويسمى يوم القر، فإذا أصبح يوم القر أقاموا بها يستقرون ويرمون الجمرات، ويبيتون تلك الليلة أيضا، وهي ليلة اليوم الثاني من أيام التشريق، ويسمى ثاني أيام التشريق يوم النفر الأوَلِ، وثالثها يوم النفر الثاني، ثم إن شاء نفَرَ في النفر الأوّل، وإن شاء نفر في النفر الثاني، ولكل واحد حُكمٌ في وجوب المَبيت وسقُوطِه ووجوب الدم على ما سنُفَصِّله، ثم من بقى رجع إلى مَكة وطاف طواف الوداع، ورجع إلى وطنه\rفهذا  جملة أعمال الحج في حق من وصل قبل يوم عرفة","part":1,"page":202},{"id":403,"text":"فإن ضاق الوقت ولم يدرك الحاج إلا عرفة، فيشتغل بالوقوف وما بعده على ترتيبهِ، وليس في حقه طواف القدوم، وما قبل الوقوف، ثم في الحج أربعُ خطب يوم السابع، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم النَفر الأول من منى، فيخطبُ مُقَدّمُ الحجيج خطبة يحمد الله فيها، ويصلي على نبيه  r  ويذكر للحجيج ما بين أيديهم من المناسك، ويستحثهُم عليها، وجميعُ الخطبِ أفرادٌ واقعةٌ بعد صلاة الظهر، إلا خطبة يوم عرفة، فإن الإمام يخطب خطبتين قبل الصلاة، وبعد الزوال، فتكون الخطبة الثانية قصيرة لا تزيد على قدر الأذان والإقامة، فإذا اشتغل بالثانية اشتغل المؤذن بالأذان والإقامة، هكذا فعل رسول الله  r  وكانت خطبته في مسجد إبراهيم من عرفة\rفهذا جُملةُ الأعمال، أما التفاصيل ففيها فصول:\rالفصل الأول: في عقد الإحرام\rوانعقاده عندنا لمجرّد النية من غير حاجة إلى تلبيةٍ، وقال أبو حنيفة التلبيةُ شرطٌ في عقدِه، كالتكبير في عقد الصلاة، ثم أقامَ إشعارَ الهدي وتقليده مقام التلبية ، وحكى بعض الأصحاب قولًا قديمًا للشافعي في اشتراطِ التلبية ، وهو بعيد، وتردَّدُوا عليه في إقامة التقليد مقامه، والظاهر أنه لا يقام مقامه، ومستند الاكتفاء بالتقليد أن ابن عباس  t  كان يرى مجرد التقليد إحرامًا \rثم مَن شرط التلبية لم يشترط التعرض في التلبية لما أحرم به أحج أو عمرة، بل اكتفى بمجرد التلبية، ثم لو عين مصرحًا به ففي الكراهية تردد، وسيأتي، هذا حكم مجرد النية دون التلبية","part":1,"page":203},{"id":404,"text":"فأما مجرّد التلبية دون النية، فالمذهبُ أنه لاغٍ لا أصل له، قال المزني : لو قال لبّيك لحج وعمرة وهو لا يريد واحداً منهما لم يكن ما جاء به شيئًا، ونقل الربيعُ أنه ينعقد إحرَامٌ مطلق، وله أن يصرف إلي ما شاء، قال المحقِقُونَ: لا فرق بين المقالتين، وإنما أرادَ الربيعُ ما إذا نوى إحرامًا ولم ينوِ الحج والعمرة بعينهما، وأراد المزني ما إذا لم ينو شيئا أصلًا، ومنهم من قال في المسألة قولان، ولا يظهر لقول الانعقاد توجيه بِحال، ثم هو على بُعده لا يطّردُ فيمن يذكرُ ذلك حاكيًا أو معلمًا، أو يسبق إلى لسانه من غير قصد، وإنما ذلك فيمن يجرِّد القصد إلى اللفظ ولا ينوي شيئًا\rفإذا   تمَهَّدَ أنَّ التعويل على النية فللنيَّة ثلاثة أوجه: التعيينُ، والإطلاقُ، والإبهامُ:\rأما التعيين: فإنه يفصل ما يريد من حج أو عمرة أو قِران أو قضاء أو تطوع أو نذر، فتفصيله متبع إلا فيما ذكرناه من تغيير الترتيب بتأخير فرضِ الإسلام، أو تقديم النفل على الفرض، أو عَيَّن الحج قبل أشهُر الحج، وقد سبق ذلك، ولو أهَلّ لحجتين أو عمرتين معا لغا أحدهما، وكذلك لو أدخل عمرة على عمرة وحجًا على حج، ولم يلزمه بذلك زيادة، وقال أبو حنيفة: ينعقِدانِ ثم يرتفض أحدهما عند الاشتغال بالعمل وينتقل إلى الذِمّةِ لازمًا كما في الحج ","part":1,"page":204},{"id":405,"text":"أما الإطلاق فهو أن يقصد إحرامًا مرسلًا ولا ينوي حجًا ولا عمرة ولا قِرانًا انعقد إحرامه مطلقًا، ثم إليه الخيار في التفصيل، فينصرفُ إلى ما يصرفه إليه بقصده لا بفعله، وقال أبو حنيفة : ينصرف بالوقوف إلى الحج، وبالطواف إلى العمرة، وجعل ذلك قرينةً، ثم إن صرفهُ إلى العمرة فلا غمُوض فيهِ، وأن صرف إلى الحج وجرى الإحرام في أشهر الحج فجائز، فإن جرى قبل أشهر الحج وصرفنا نيته قبل الأشهر لم يجُز، وكان كما لو أحرم بحج في ذلك الوقت، وقد ذكرنا حُكمه، وإن كان قصد الصرف بعد دخول الأشهر فالظاهر المنع لتَقدُم الإحرام، وحكى الشيخ أبو علي وجهًا أنه يجوز، ويعتضِدُ ذلك بأن الرقيق لو أحرم ثم عُتق قبل الوقوف ينصرفُ إلى حجة الإسلام، ولا يُنظر إلى وقوع الإحرام في وقت الرق، وهذا ضمُّ إشكال إلى إشكال، والمذهب ما قدمناه\rالتفريع: إذا لم يجُز ذلك فلو أحرم قبل الأشهر بعمرة فأراد أن يدخل عليها حجًا بعد الأشهر فوجهان :\rأحدهما: أنه يصحُ ويصير قارنًا؛ لمصَادفة كل إحرام وقتهُ\rوالثاني: أنه لا يصح؛ لأن القران يوجب اتحاد الإحرام، ولذلك يتحد العمل وجزاء الصيد، وإذا اتحد كان كما لو قصد القران قبل أشهر الحج، فإذا بان هذا في الإحرام بالعمرة، فلو أحرم مطلقًا قبل الأشهر وقلنا هو غير قابل للتغيير بالحج، فهو متعين للعمرة، فلو أدخل عليه الحج كان كما ذكرناه\rوأما الإبهام: فهو أن يقول أحرمت بإحرام زيد، وهو لا يدري ما أحرم به، ونعني بذلك النية، فإنه لا تعوِيل على اللفظ، حتى أنه لو قال لبيك بعمرة ونوى الحج، أو لبيك بحج ونوى العمرة كان كما نوى لا كما أظهره، فإن اللفظ ساقط العبرة، ثم إذا علق على إحرام غيره صح، ونزل على ما أحرم به ذلك الشخص، وذلك بعيد عن القياس، وكذلك الإطلاق والتعيين ولكن الإطلاق  مأخوذ عن رسول الله  r  فإنه أطلق إحرامه من غير تعيين، ثم عيَّن","part":1,"page":205},{"id":406,"text":"وأما التعليق على الغير فنُقل عن علي  t  انه انصرف عن اليمن خارجًا إلى مكة عام الوداع وقال: {لبيك إهلالاً كإهلال رسول الله  r  فذكر لرسول ما أهل به ولم ينكر عليه}  فإذا انبتَّ هذا ، فللمُعلَّق عليه أحوال:\rأحدُهما: أن يكون قد أحرم بحج أو بعمرة أو بقران فإحرام المعلق أيضا كذلك\rالثانية: أن لا يكون زيد محرمًا، فقد انعقد لهذا إحرام مطلق؛ لأن الإحرام لا خلاص منه، وقد انبتَّ الإحرام جزمًا، وأحال التفصيل على معدوم، فلغت إحالة التفصيل، وبقي أصل الإحرام، فهو كما لو أطلق، فليفسر بما شاء\rولو كان زيدٌ ميتًا وهو عالم به فوجهان:\rأحدهما: أنه ينعقد إحرام مطلق لما ذكرناه\rوالثاني: أنه يلغوا ؛ لأنه إذا علم ذلك فلم يقصد أصل الإحرام\rالثالثة: أن يكون زيد قد أحرم مطلقًا من غير تعيين، وإحرام هذا أيضا مطلق، ثم لو فصّل زيد تفصيلًا لم يلزم المعلِّق ذلك، بل هو على خيرته، وإنما المتعلق بموافقته أصل الانعقاد على الإطلاق وموجَب إطلاق  زيد ارتباطه بخيرة زيد ، فموجب إطلاق عمرو أيضًا أن ينعقد انعقادًا يناط تفصيله لخيرته\rالرابعة: أن يكون زيد قد أحرم بعمرة، ثم أدخل عليها حجًا، وقد جرى إحرام المعلق بعد ذلك، فهل يصير المعلق قارنا فعلى وجهين:\rأحدهما: أنه يصير قارنًا نظرًا إلى الحال\rوالثاني: أنه يصير معتمرًا نظرًا إلى أول إحرامه، وهذا إذا لم يخطر بباله التزام ما هو فيه في الحال، أو التزام ما عقده أولا، فإن خطر له ذلك فهو كما لو نوى\rالحالة الخامسة: أن يكون قد مات زيد بعد الإحرام أو تعذر مراجعته فلم يُدْرَ أنه حاج أو معتمر أو قارن، فحكمه حكم ما لو أحرم الرجل إحرامًا معينا ونسي ما أحرم به، وهي مسألة مقصودة، وفيه قولان، المشهور الصحيح أنه يلزمه الخروج عن إحرامه بيقين، والثاني: أنه يجتهد ويتحرى ويأخذ بغالب الظن كما في الثياب والقِبلة","part":1,"page":206},{"id":407,"text":"التفريع: إن قضينا بأنه يبني على اليقين فقد قال الشافعي : إذا نسي ما أحرم به فهو قارن، وإنما أراد أن طريقه أن يجعل نفسه قارنًا، وذلك أيضًا لا يلزم، فإنه لو أتى بأعمال الحج خرج عن الإحرام بيقين، ولكن لا تبرأ ذمته لا عن الحج ولا عن العمرة   بيقين؛ لتعارض الاحتمال فطرقُ الوصول إلى الغرض أن يجعل نفسه قارنًا، فإذا فعل ذلك وأتم الأفعال برِئت ذمته عن الحج بيقين، وهل يبرأ عن العمرة إن جوزنا إدخال العمرة على الحج برئ عنها أيضًا، وإن لم نجوِّز، فلا؛ لاحتمال أنه كان أولًا محرمًا بالحج، وحكي عن أبي إسحق وجه أنه تبرأ ذمته عن العمرة أيضًا في هذه الصورة، ويجعل النسيان عذرًا كما جعل عذرًا في الصلاة الواقعة خمسة، وإن كان لا يحتسب عند العلم، وهذا فاسد\rالتفريع: إن قلنا تبرأ ذمته عنها لزمه دم القران تحقيقًا، وإن قلنا لا تبرأ فلا يلزمه الدم؛ لأن الأصل براءة الذمة وعدم القران ممكن على الاحتمال الذي ذكرناه، وإن فرعنا على قول التحري، فإن اعتدل ظنه وجب الرجوع إلى درك اليقين\rوإن غلب ظنه بشيء نزل الظن منزلة العلم، حتى لو ظن أنه قارن فيبرأ عن العمرة والحج، ويلزمه الدم، وحكى الشيخ أبو علي وجهًا أن فائدة الاجتهاد مقصور على الخلاص من الإحرام، ولا يبتنى عليه لزوم الدم، ولا براءة الذمة عن العمرة وهذا ضعيف في التفريع على الضعيف القديم\rهذا كله إذا طرأ الشك قبل الاشتغال بعمل","part":1,"page":207},{"id":408,"text":"فأما إذا طاف أولا ثم شك قال ابن الحداد: لا ينتَفِعُ بالقران في هذه الصورة لاحتمال أنَّه معتمر، وإدخال الحج على العمرة بعد الاشتغال بعمل العمرة غير جائز، فالوجه أن يسعى ويحلق ويبتدئ إحرامًا بالحج من جوف مكة، فيخرج عما عليه بيقين، وقد برئت ذمته عن الحج بيقين؛ لأنه إن كان حاجا فغايته أنه حلق في غير أوانه، وفيه دم، وإن كان معتمرًا فقد تحلل بالسعي والحلق، ثم وقع حجه بَعدُ صحيحًا، فاتفق الأصحاب على أن هذا هو الوجه الأرفق، ولكن لو سألنا صاحب الواقعة عنه لم نأمره بما ذكره؛ لأنه يحتمل أنه حاجٌ، فكيف نأمره بالحلق قبل أوانه، فطريقه أن يفعل ثم يسأل، فهو كالدجاجة إذا ابتلعت دُرّة الإنسان، فلا يسلط المالك  على ذبحها بشرط الضمان لو سُئِل، ولكن لو فعل قبل السؤال فليس عليه إلا الضمان ، ومن الأصحاب من قال نأمره بما أفتى به ابن الحداد على معنى أنا نُجَوِّز ذلك أو نندب إليه، ولا نوجب؛ لأن الحلق لأجل ضرر الآدمي جائز، وضرر النسيان يزيد عليه، وهذا بعيد ؛ لأنه لا يتضرر بترك الحلق من الشعر وإنما هو بسبب آخر، فعلى هذا نأمره إذا استفتى بأن يأتي بعمل الحج ليتحلل عما عليه بيقين، ثم إذا فعل ما ذكره ابن الحداد فيلزمه دم لا محالة ؛ لأنه بين أن يكون متمتعًا فيلزمه دم التمتع أو حالقًا في غير أوانه فيلزمه دم الحلاق، ثم يكفيه دم واحد، ولا يضرُّه جهله بالتعيين فلا يشترط التعيين في نيَّة الكفارات عندنا، نعم، لو كان معسرًا وعدل إلى الصوم فصوم التمتع عشرة أيام لا مدخل للإطعام فيه، وصوم الحلق ثلاثة، ويدخله الإطعام، فان صام عشرة أيام فقد تقضَّى عما عليه بيقين؛ لأنها تشتمل على الثلاث، قال الشيخ أبو علي: ولا يكفيه الثلاث، ولا الإطعام؛ لاحتمال اشتغال ذمته بدم التمتع فلا تستقر براءة ذمته بعد أن استيقنا اشتغال ذمته بأصل الكفارة، وهذا فيه احتمال ظاهر؛ لأن السبعة مشكوك فيها فكيف نوجهها  ومن خرج منه تلك فظن أنه","part":1,"page":208},{"id":409,"text":"منيٌّ واحتمل أن يكون مذيًا فنقصرُ على الوضوء عند الشك آخذًا بأقل الأمرين، حتى لو قال قائلون: لو توضأ منكسًا كفاهُ وإن لم يكن ذلك موجب واحد من الحدث و الجنابة، ولكن قالو: ا غسل الأعضاء مستيقن والترتيب غير مستيقن، فهذا احتمال واضح كما ذكرناهُ\rهذا كله في الغريب الذي يلتزم الدم بالتمتع، فإن كان مكِّيًا، فلا دم عليه؛ لاحتمال أنه متمتع، فلا تشتغل ذمته إلا بيقين، والقول القديم في الأخذ بالاجتهاد جار في صورة ابن الحداد، ولكنا لم نَعُدُّهُ لضعفه\rفرع: إذا أتى الغريب بصورة التمتع، ثم تذكر بعد الفراغ من عمل النسكين أنه كان مُحدِثًا في طواف العمرة، فنقول بان أن طواف عمرته لم يُعتَدُّ به، ولا السعي أيضا؛ فإنه مُرتبٌ عليه، وبان أنه أحرم بالحج قبل أن يأتي بشيء من أعمال العمرة محسوب، فيصير قارنًا، وقد برئت ذمته عن النسكين ويلزمه دم القِران، ودم آخر؛ لوقوع حلق في العمرة في غير أوانه، فإنه أحرم بالحج بعد الحلق للعمرة، ولو بان أنه كان مُحدِثًا في طواف الحج فالأمر هَيَّنٌ، وطريقه أن يتوضأ ويعيد الطواف والسعي ويصح تحلله\rوإن بان له أنه كان مُحدِثًا في أحد الطوافين ولم يتعين له، قال ابن الحداد: إن توضأ وطاف وسعى، حصل له النسكان جميعًا؛ لأنه لا يخلوا عن القسمين السابقين، ولا يلزمه إلا دم واحد، فإنه بين أن يكون قارنا أو متمتعًا، ودم الحلق لا يلزمه؛ لاحتمال أنه متمتع، والحلق جرى في أوانه\rفأما إذا جامع المُفرِد للحج وشك في أنه وقع قبل التحلل فأفسد عليه القضاء، أو جرى بعد التحلل الأول فلم يفسد الحج على ظاهر المذهب، قال الشيخ أبو علي فيه وجهان:\rأحدهما: لزوم القضاء؛ لأن الأصل عدم جريان التحلل وعدم تقدمه على الجماع، والجماع مستيقن الجريان\rوالثاني: أنه لا يلزمه؛ لأن التحلل  مستيقن الجريان، ثم الأصل عدم تقديم الجماع عليه، ولأن الأصل براءة الذمة عن القضاء، وهذا يلتفت على تقابل الأصلين","part":1,"page":209},{"id":410,"text":"المسألة بحالها: إذا أتى الغريب بصورة التمتع، وجامع بعد التحلل من العمرة وقبل إحرام الحج، ثم تذكر أنه كان مُحدِثًا في أحد الطوافين فلا يلزمه دم الفساد؛ لاحتمال أنه لم يكن محدثًا في طواف العمرة، وجرى الجماع بعد التحلل منها وقبل الحج، ودم التمتع نوجبه، فإنه أقل الأمرين، وهو بين أن يكون ملتزمًا بدم الإفساد أو لدم التمتع، وهذا أقل، وأما براءة الذمة عن النسكين، فلا وجه له؛ لاحتمال أنه كان محدثًا في الطواف الأول، ففسدت عمرته، وفسد الحج الطارئ على العمرة الفاسدة، ولكن يلزمه لأجل التحلل أن يتوضأ ويطوف ويسعى أخذًا بأسوأ الاحتمالات أيضا في التحلل، وما ذكرناه من أنه لا تبرأ ذمته عن النسكين بناء على أصلين:\rأحدهما: أنَّ في جماع الناسي، وكونه مفسدًا قولان، فإن قلنا: أنَّه يفسد ولكن لا يأثم، فعلى هذا لو غلط وطاف في العمرة محدثًا وظن أنه تحلل فجامع عمدًا، ففي إلحاقه بالناسي خلاف كخلاف في أن من أصبح مخالطًا أهله عن ظن أن الصبح لم يطلع أنه هل يلحق بالناسي ووجه الإلحاق مصرح به في هذه الصورة، فإن قلنا جماع الناسي يفسد أو جماع الغالط يفسِد، وإن لم يفسد جماع الناسي استتبّ قولنا لا تبرأ ذمته عن العمرة؛ لأنه احتمل أن يكون قد جامع في إحرام العمرة لتقدير الحدث في طواف العمرة\rوأما عدم براءة الذمة عن الحج تبتني على الأصل الثاني، وهو أنه لو جامع المعتمر قبل الإعمال والتحلل، ثم أدخل الحج عليه فهل يدخل عليه الحج فيه ثلاثة أوجه :\rأحدها: أنه لا ينعقد؛ لأن اشتغاله بالمفسد في دفع الحج أقوى من اشتغاله بأعمال العمرة، ولو اشتغل بها لم ينعقد إحرام الحج؛ لأجل العمل فيه بسبب التحلل، فسبب الفساد أولى","part":1,"page":210},{"id":411,"text":"والثاني: أنه ينعقد الإحرام بالحج صحيحًا فيصير قارنًا، وتكون في عمرة فاسدة وحج صحيح، وهذا بعيد؛ لأن شمول الإحرام في القِران للنسكين نَزل منزلة شمول بيع واحد لمبيعينِ بالانقسام في الصحيح والفساد بعيد، ويلتفت على تفريق الصفقة بعض الالتفات\rوالوجه الثالث: أن الحج ينعقد، ويستمر الحج أيضًا على الفساد؛ لوروده على عمرة فاسدة، ثم ذكرها، ولاحتمالين:\rأحدهما: أنه انعقد صحيحًا، وفسد على الاتصال\rوالثاني : أنَّه انعقد على الفساد، ويلتفت ذلك على أن صوم الصبح مجامعًا غالطًا ينعقد ثم يفسد فيمتنع انعقاده\rالتفريع: إن قلنا يفسد حجه أيضًا، وينعقد ويلزمه بدنة لإفساد العمرة، وبدنة أخرى لإفساد الحج بالإدخال عليه، ومنهم من قال: تكفيه بدنة واحدة؛ لأنه صار قارنًا فاتحد حكم النسكين، فصار كالقارن إذا جامع ابتداء في دوام النسكين، ومنهم من قال يلزمه بدنة وشاة، كمن ارتكب المفسد بعد الإفساد بالجماع مرة أخرى، وسيأتي تفصيل ذلك، والغرض أن ما ذكرناه من أن ذمته لا تبرأ عن النسكين فيفرع على الأصل في فساد الحج أو عدم العبادة، فإن فرعنا على انعقاد الحج صحيحًا، فإذا توضأ وطاف وسعى برئت ذمته عن الحج دون العمرة، وهذا واضح\r\rالفصل الثاني: في التلبية\rوهي وإن لم تكن واجبة فمسنونة، وهي من الشعائر الظاهرة، والنظر في كيفيتها ورفع الصوت بها","part":1,"page":211},{"id":412,"text":"أما كيفيتها فأن يقول: لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، ويجوز إنّ، وأنّ فالكسر بتقدير الإيصال، والفتح بتقدير الابتداء ، وهذا الوجه منقول عن رسول الله  r،  وهو أفضل وجوه التلبية، سمع سعد بن أبي وقاص رجلًا يقول: لبيك يا ذا المعارج، فقال: إنه ذو المعارج، ولكن ما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله  r،  وعَلَّم ابن عباس  t  التلبية فلما انتهت هذه الكلمات قال: أمسك، وكان ذلك بمشهد من رسول الله  r  ولم ينكر، ولا بأس بالصلاة على رسول الله  r  عقيبه بصوت دونه، ولو قال لبيك بحج أو عمرة، وأظهر ما صرح به، قال الشافعي في موضع يكره ذلك، وقال في موضع: فإن ذكر ما أحرم به فلا بأس ، فقالوا فيه قولان، ووجه الكراهية أن الإخفاء أبعد من الرياء، ويؤثر عنه  r  أنه قال بعد التلبية: {لبيك إن العيش عيش الآخرة} ، فهذا أيضًا محبوب، قال الشافعي : قاله رسول الله  r  في أسرّ أحواله، وفي أشد أحواله، أما الأسر فحالتان:\rأحدهما: أنَّه لما رأى جمع المسلمين بعرفة عام الوداع، سرّه ذلك واستبشر ثم استرجع، وقال ما قال\rوقال أنس: {أحرم رسول الله  r  بذي الحليفة وهو على ناقة عليها قطيفة لا تساوي درهمين، وأصحابه حوله على كثرتهم، ينتظرون  أمره ونهيه، فتضاءل حتى توارى برحله تواضعًا لربه، ثم قال على أثر تلبيته: لبيك إن العيش عيش الآخرة} \rوأما ذكره ذلك في أشد أحواله، ما روي أن أصحابه كانوا يحفرون الخندق وقد نكت أبدانهم، واصفرت ألوانهم من وباء يثرب، وعلى أوساطهم الأحجار تقوم بصلبهم من شدة الجوع، فقال  r  مرتجزًا:\rاللهم إن العيش عيش الآخرة  فارحم الأنصار والمهاجرة\rفأجابوه:\rنحن الذين بايعوا محمدا  على الجهاد ما بقينا أبدا \rفالأحب الاقتصار على التلبية المأثورة","part":1,"page":212},{"id":413,"text":"أما وقتها: فهو عند العقد وبعده في دوام الإحرام، ويتأكد الاستحباب في طريان التغايير من صعود نَشَز ، وهبوط، واصطدام رفاق، وهل يستحب ذلك في طواف القدوم والسعي فيه قولان:\rأحدهما: يستحب؛ لأن أحرى الأذكار بالتكرار هو التلبية\rوالثاني: لا يستحب؛ إذ ورد لهما دعوات مخصوصة، وتستغرق معظم أوقاتها، فهي أولى  وهذا يلتفت على إجابة المؤذن في الصلاة هل تستحب\rوأما رفع الصوت بها بحيث لا يبح الحلق، فيستحب للرجال لا للنساء، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نزل علي جبريل فأمرني أن آمر أصحابي ومن سعى أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، قالوا فرفعنا عقائرنا فما بلغنا الروحاء حتى بحت حلوقنا، فقال  r: {أربعوا على أنفسكم، لا تنادون أصم ولا غائبًا} ، واختلف قول الشافعي في استحباب رفع الصوت في المساجد، ووجه المنع قوله  r: {جنبوا مساجدكم رفع أصواتكم} \rأما التلبية دون رفع الصوت، فلا يتجه فيه تردد في المساجد وهي أولى البقاع بالذكر، وقد أورد الفوراني القولين في أصل الاستحباب، فإن قلنا لا يستحب، ففي رفع الصوت في المسجد الحرام ومسجد الخيف، وما يتعلق بها المناسك من المساجد فوجهان؛ لاختصاصهما بأمور النسك\r\rالفصل الثالث: في السنن والآداب في الإحرام ودخول مكة","part":1,"page":213},{"id":414,"text":"أما الإحرام فقد اختلف القول في وقت استحبابه، فقال في القديم: إنما يؤثر ذلك إذا صلى ركعتي الإحرام فيحرم في مصلاه عند التحلل قاعدًا ، وقال في الجديد : لا يهل حتى تنبعث به راحلته إلى صوب مكة، وإن كان ماشيًا، فيحرم من موضعه، ويتوجه إلى مكة ويحرم ، ودليل الجديد ما روي  {أنه  r  كان لا يهل حتى تنبعث به راحلته} ، ودليل القديم ما روى ابن عباس {أنه  r  أحرم من مصلاه} ، وقول ابن عمر لما استوت ناقته على البيداء لبَّى محمول على إعادة التلبية وسماعه عند ذلك، فإنه يستحب تجديدها في تغايير  الأحوال، فإذا بان الوقت فالمستحب أن يغتسل أولًا، ويتطيب، ويتزر، ويحسر رأسه، ويصلي ركعتي الإحرام، ثم ينشأ الإحرام، أما الغسل فمسنون لأجل التنظف، حتى يسن للحائض والنفساء، {أمر رسول الله  r  أسماء بنت عميس  - وكانت نفست بولادة محمد بن أبي بكر  بالغسل لدخول مكة}  فقاس الفقهاء الإحرام عليه وذلك يدل على الاستغناء عن النية وتجريد معنى التنظف، ويحمل اعتبار النية كما في غسل الجمعة، وقد شرع للتنظف، وعلى الجملة النظافة حاصلة فإن قصد إقامة شعار الدين كان مأجورًا على قصده\rويستحب للمرأة الاختضاب  قبل الإحرام، تعميمًا لليد، لا تطريفًا  وتزيّنًا، ويستحب لها ذلك في كل حال، وكأن لون الحناء كالساتر لبشرتها، وقد تمس حاجتها إلى كشف اليدين في بعض الأحوال\rأما التطيب فهو في رتبة المندوبات قبل الإحرام، قالت عائشة رضي الله عنها {طيبت رسول الله  r  لإحرامه قبل أن يحرم بيدي هاتين، ولحلّه قبل أن يطوف} ، ولا بأس بطيب يبقى جرمه على بدنه بعد الإحرام خلافا لأبي حنيفة، قالت عائشة رضي الله عنها: {طيبت رسول الله  r  حتى رأيت وبيص الطيب في مفارقه}  وذلك يدل على جرم محسوس، وأما تطييب الثوب قصدًا  وإفرادًا- لا تبعًا فإنه جائز قطعًا  - ففيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: الجواز، وهو الصحيح كما على البدن","part":1,"page":214},{"id":415,"text":"والثاني: المنع؛ لأن الغالب أنه يمّحق على البدن ويبقى على الثوب\rوالثالث: أنه يجوز تطييبه بما لا يبقى له جرم مشاهد\rفرعان:\rأحدهما: لو تنحى جرم الطيب بالعرق فأصاب جرمًا آخر من البدن ففيه وجهان: أحدهما: أنه يلزمه الفداء؛ لأنه طيب جديد بعد الإحرام، فعلى هذا يكفيه أن يبادر بالإزالة، كما لو أصابه ابتداءً طيب بغير قصده، فإن أزال فلا شيء عليه\rوالثاني: أن ذلك معفو عنه؛ لأن الغالب في حر الحجاز سيلان العرق بالمسك الذي يشاهد وبيصه على المفرق كما نقل في حق رسول الله  r\rالثاني: إذا جوّزنا تطييب الثوب، فلو طيّبه ولبسه قبل الإحرام، ثم أحرم فنزع وأعاد فوجهان:\rأحدها: لزوم الفدية؛ لأنه ابتداء طيب\rوالثاني: العفو؛ للاستصحاب كما إذا لم ينزع\rولا خلاف في أنه لو كان نزعه قبل الإحرام وليس بعد الإحرام يلزمه الفداء؛ لأنه لم يقترن لبسه بالإحرام حتى يستصحب جوازه\rفإذا فرغ من التطيب وتهيئة الثياب، صلى ركعة الإحرام، وأحرم كما سبق، هذا سنن الإحرام ","part":1,"page":215},{"id":416,"text":"أما دخول مكة فيستحب لها إعادة الغسل بذي طَوى  ، فإن غسل الإحرام يجري بالميقات، وقد اغتسل رسول الله  r  لدخول مكة بذي طوى ، وأمر الناس به، وأمر أسماء بالغسل وهي نفساء، ثم دخل مكة من ثنية كَداء –بفتح الكاف- وهي ثنية في أعلى مكة وخرج من ثنية كُديّ بضم الكاف، وهي ثنية في أسفل مكة ، وكان ذلك عام الوداع، ثم دخل المسجد من باب بني شيبة ، وهو باب في جهة الكعبة في زاوية المسجد، وعدل إليه رسول الله  r  ولم يكن على طريقه، وتابعه أصحابه، فقال العلماء هو سنة؛ لعدوله إليه، وأما الدخول من ثنية كَداء، قال الصيدلاني: لا نسك فيه؛ لأنه على طريق المدينة فلذلك دخله، وقال الشيخ أبو محمد : يستحب ذلك إن كان على الطريق، وإلا فالعدول تأسيًا به، وقال: هذه الثنية منحرفة قليلًا عن طريق المدينة فإنه يفضي على باب بني شيبة، ورأس الرّدم  وطريق المدينة يفضي إلى باب إبراهيم، وهما متعارضان قريبان من التسامت  في المقابلة، وهذا وإن كان واضحًا فالممر والمسلك قبل الانتهاء إلى المسجد لا يتضح تعلق النسك به، ثم إذا دخل مكة من أعلاها فأول موضع يقع بصره على الكعبة رأس الرّدم، فيستحب أن يقف عنده ويقول: اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه واعتمره تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا وبرًا، هكذا روي ، والمزني أبدل البر بالمهابة ، والمهابة في الحديث في ذكر البيت لا في زائريه، فهو غلط، قال سعيد بن المسيب: سمعت عمر بن الخطاب  t  يقوله لما رأى البيت لم يسمعها غيري، وذلك أنه قال: {الله أنت السلام ومنك السلام، فحيّنا ربنا بالسلام} ، ثم يدعو بما عنّ له من مآرب الدين والدنيا، ثم يدخل من باب بني شيبة ويؤم  البيت والركن الأسود منه، وكما دخل يبتدئ الطواف على ما نفصله، فإن قيل من دخل مكة غير محرم هل يعصي قلنا: إن كان مريدًا نسكًا فلا بد من الإحرام، وإن دخل لغرض آخر فلا شك في","part":1,"page":216},{"id":417,"text":"الاستحباب، وفي الوجوب قولان :\rأحدهما: أنَّه يجب؛ لاتفاق الخلق على ذلك عملًا، وقلّ ما يتوافق الخلق على السنن\rوالثاني: لا يجب؛ لأنَّ سبيله سبيل تحية المسجد، ولا أصل لوجوبها، هذا في الغريب إذا نهض إليه، إما في ميقات، أو مكان دون الميقات، فأما الحطابون وأرباب الرّوايا ، والذين يترددون  إلى مكة خارجين أو داخلين لمصالحهم ففيه طريقان:\rالصحيح القطع بأنَّه لا يلزمهم؛ لأن ضرر ذلك ربما يتداعى إلى أهل مكة، ومنهم من طرد القولين، وقيل أيضا يلزمهم في السنة مرة واحدة، ولا أصل له\rالتفريع: إذا قلنا يجب فلو دخل بنسك مفروض من حج أو عمرة حصل كما تحصل التحية بالصلاة المفروضة، وإن دخل غير محرم ففي وجوب القضاء قولان :\rأحدهما: لا يجب؛ لأنه لو خرج وعاد لا يسمى عوده إحرامًا آخر، فكيف يقع قضاءً\rوالثاني: أنه لا نقتصر على التأثيم، فيلزمه القضاء مقصودًا على وجه لا يتأدّى بفرض آخر ومنذور، وحق تلك الدخلة يتأدّى بالقضاء كما يتأدّى بفرض الإسلام وغيره، وحكي عن صاحب التلخيص، أن طريق القضاء أن يُلحق نفسه بالحطابين والمترددين حتى يسقط عنه إحرام الدخول، فيتمكن من القضاء، وهذا فاسد، وفيما ذكرناه من حصوله ضمنًا جواب عن هذا للغير، وهذا كله في الأحرار، فأما العبيد فلا إحرام عليهم سواء دخلوها بإذن السادة أو دون إذنهم، فإن أذن السيد في دخولها محرمًا ففيه وجهان:\rمنهم من قال يلزم الإحرام؛ لأنّا لم نلزمه لحق السيد حتى لا نضيع به وقته\rوالثاني - وهو الأقيس -: أنه لا يلزمه، وكذلك حضور الجمعة، أذن السيد أو لم يأذن؛ لأن الإذن لا يستأصل أثر الرق\r\rالفصل الرابع: في الطواف\rوالنظر في تصور جمله، وواجباته، وسننه، وأقسامه:","part":1,"page":217},{"id":418,"text":"أما جملته: فالداخل من باب بني شيبة محرمًا يتوجه إلى الركن الأسود، ويستلم كما سنصف، ويجعل البيت على يساره، فيمر بعد محاذاة الركن الأسود بالباب، ثم ينتهي إلى الحجر، وهو محوط على نصف دائرة، فلا يتخطاه ولا يدخله، ويستدير حوله دائرًا، ويطوف بالبيت إلى أن يعود إلى الركن الأسود الذي به بدأ، هذا يسمى شوطًا واحدًا، فيطوف حتى يستكمل سبعًا، وهذا الطواف الأول طواف القدوم، وليس من أركان الحج، ونحن نذكر واجبات الطواف وسننه، ثم نذكر أقسامه\rالواجبات:\rأولها: شرائط الصلاة، من طهارة الحدث والخبث، وستر العورة، قال رسول الله  r: {الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام} ، وطهارة المطاف - وهو المكان الذي يدور ويمشي عليه - طهارة المكان في الصلاة، وأما استقبال القبلة فالقرب من البيت - كما نصفه في الطواف - يقوم مقامه\rالواجب الثاني: الترتيب، وله معنيان:\rأحدهما: أن يجعل البيت على اليسار   في الطواف، فلو جعله على يمينه سمي الطواف منكسًا، ولم يعتد به، وهذا ركن\rالثاني: أن يبتدئ بالحجر الأسود، حتى لو وقعت البداية بمكان آخر لم يعتد بما جاء به إلى أن ينتهي إليه، فبه أول الاعتداد ، كمن يقدم غسل اليد في الوضوء لا يعتد به إلى أن يغسل وجهه، فيستفتح الاعتداد به، وقال أبو حنيفة: يجزئه إذا جعل البيت عن يمينه \rفرع: إذا وجب عليه أن يجعل البيت على يساره، فلو استقبله وجعل إليه وجهه واستدار كذلك عرضًا، تردد فيه القفال، والصحيح المنع ؛ لأنَّ الاستقبال بالوجه في الصلاة، ولو أبدل بالشق امتنع، فكذلك في الطواف، فليراع في كل واحد ما يليق به","part":1,"page":218},{"id":419,"text":"الواجب الثالث: أن يكون مجتمع بدنه خارجاً عن كل البيت في طوافه، فإنَّه لو تخطى جزءًا هو من البيت، كان طائفًا في البيت لا بالبيت، والجدار حائل الطواف، وإنما النظر في الحجْر وشاذْروان  البيت، والحجْر عليه أن ينتهي إليه من ابتداء الطواف من الحجر الأسود بعد مجاوزة الباب وقبل الانتهاء إلى الركن الثاني، وذلك المحوط بنحو من ستة أذرع من البيت، كان داخلًا في البيت، فأخرج عندما هدم وأعيد ، وقد قال رسول الله  r: {لولا حِدْثان  قومك بالشرك لهدمت البيت، ولبنيته على قواعد إبراهيم، وألصقته بالأرض، وجعلت له بابين: بابًا شرقيا يدخل الناس منه، وبابًا غربيًا يخرج الناس منه، فقالت وما دعاهم إلى إخراج بعض البيت إلى الحجْر، قال: قصرت بهم النفقة، قالت: فلم رفعوا باب الكعبة عن الأرض، قال: ليأذنوا لمن شاءوا، ويمنعوا من شاءوا} ، ومعنى قوله: {قصرت بهم النفقة} أن قريشًا كانوا يحترزون عن إنفاق أموالهم المشوبة بالربا، فقصر بهم ما كان معهم من أموال طيبة كانت للبيت من النذور والهدايا، وجرى هدم البيت قبل المبعث بعشر سنين، وكان رسول الله  r  إذ ذاك ابن ثلاثين سنة، فلما بنوه تنازع بنو عبد مناف وبنو هاشم  وبنو المطلب وعبد شمس، وقال كل واحد نحن نضع الحجر في موضعه، وكادت الفتنة تضطرب، فتواصوا على تحكيم أول من يدخل من باب بني شيبة، فأقبل رسول الله  r،  وكان إذ ذاك يسمى محمدًا الأمين، فقالوا محمد الأمين، أتاكم من لا يميل، فحكموه، فحكم بأن يبسط رداءه ويوضع الحجر عليه، ثم يأخذ سيد كل رهط طرفًا من الرداء، فبسط رسول الله  r  رداءه، ووضع الحجر عليه بيده، فلما وصل إلى البيت أخذه رسول الله  r  فوضعه بيده، وكان بناؤهم البيت على الصورة التي هو عليها اليوم، وقبل ذلك كان لاصقًا بالأرض ذا بابين شرقي وغربي، فلما خرج ابن الزبير  إلى مكة، هدم البيت وأعاد بناءه كما كان قديمًا، فلما ظهر عليه الحجاج  قتله وهدم البيت","part":1,"page":219},{"id":420,"text":"بالمجانيق ، وبناه على ما هو عليه اليوم، ثم لما ضاقت بهم النفقة أخرج من عرْصة  البيت قدر ستة أذرع من جانب الحجْر، وضيقوا عرض الجدار من الركن اليماني والحجر الأسود، وأخرجوا من أساس الجدار على هيئة دُكَّان  لا عرض له، وهو الذي يسمى شاذروان، ولا أثر له عند الحجْر، ولعله انمحق ، أو رأوا رفعه؛ لتهوين الاستلام، ويسمي المزني - ~ - الشاذروان تأزيز البيت  بمعنى التأسيس، ومنهم من قال التأزير مأخوذ من الإزار، والغرض من ذلك أن الطائف ليس له أن يدخل الحجْر ويتخطى شيئًا من الأذرع الستة، فيكون طائفًا\rفروع ثلاثة:\rأحدها: لو صعد جدار الحجْر، وهو جدار إلى حيال الصدر، وأخذ يمشي على طرفه طائفًا، فإن تخطى شيئًا من الأذرع الستة فهو والج في البيت، وإن أمكن أن يخلف مقدار الستة الأذرع، ويمشي على حرف الجدار اعتد به، وإن كان مكروهًا\rالثاني: الشاذروان المتصل بأساس الجدار في صورة دُكَّان مستطيل لا عرض له واقع من عرصة البيت، فلو صعده وألصق قدمه بجدار البيت فهو في البيت، فلا يعتد بطوافه كذلك، فأما إذا طاف وراء الشاذروان، ولكن كان يمس الجدار في مروره بيده - فيده واقع في محاذاة الشاذروان الذي هو من العرصة- ففي صحة طوافه وجهان ، ومن يصحح يعول على معظم البدن وحصول اسم الطواف\rالثالث: لو انتهى من ركن الحجر الأسود على الركن العراقي فدخل الحجْر من فتحة الركن العراقي، وخرج من الفتحة الأخرى التي تلي الركن الشامي، فحركاته على هذا الصنع غير محسوبة؛ لوقوعها في البيت، وكذلك بعده لا يحسب إلى أن ينتهي إلى أول مكانه الذي عدل منه  إلى عرصة البيت؛ لأنه انقطع ترتيب المكان، فإذا سقط الاعتداد ببعض، لا يعتد بما بعده إلى أن يعود إلى المحل الذي كان الشوط محسوبًا إليه فما بعد ذلك يحسب إذا وقع خارج البيت\rالواجب الرابع: أن يطوف بالبيت داخل المسجد","part":1,"page":220},{"id":421,"text":"فلو طاف خارج المسجد فهو طائف بالبيت، ولكن لا يعتد به - وإذا كان في المسجد- والأَولى القرب من المسجد، ويصح أيضًا أن يطوف في حافات المسجد على بعد، وكذلك على سطوح المسجد، وفي أروقته، ولو وسعت خطة المسجد لاتسع المطاف، وهو كذلك بالنسبة إلى زمان رسول الله  r،  فإن العباسية وسعوا خطة المسجد حيث كثر الحجيج عام حج الرشيد \rالواجب الخامس: الموالاة\rوفيها قولان كما في الطهارة، ثم التفريق اليسير غير ضائر، وحَدُّه ما لا يعد في العرف إعراضًا عن الطواف\rوفي التفريق بعذر طريقان: منهم من قطع بأنه لا يضر، ومنهم من طرد القولين\rفرع: لو سبقه الحدث ففيه خلاف مرتب على الصلاة، وها هنا أولى بأن لا يقطع؛ إذ يدخل الطوافَ ما ليس منه، فإن قلنا ينقض فلا بد من الاستئناف، وإن قلنا لا ينقض، فيتوضأ ويعود ويبني، وما جرى من التفريق لا يقدح قطعًا لأنا نحذوا به حذو الصلاة فلا نزيد عليه في استدعاء الموالاة، ولو تعمد الحدث ففيه خلاف مرتب على السبق، وأولى بأن يبطل، ووجه قولنا لا يبطل: أن لا يعتد بما جرى في حالة الحدث، فإذا توضأ وعاد فهو تفريق، ولكن اليسير مع الحدث قد ينزل منزلة الكثير دون الحدث عند بعض الأصحاب، كما قيل ذلك في التفريق اليسير مع الردة في الوضوء\rالواجب السادس: رعاية العدد\rوالناقص عن السبع في معنى صلاة ناقصة، فكل شوط ركن في الصحة، وقال أبو حنيفة : يقام بالمعظم مقام الكل، فاكتفى بأربعة أشواط، ولم يجعل الباقي ركنًا تفوت به الصحة\rالواجب السابع: ركعتا الطواف\rوهما ركعتان يقرأ في إحدهما (   )، وفي الثانية الإخلاص، مع الفاتحة فيهما، وفي وجوبهما بعد الطواف المفروض قولان  - مع الاتفاق على أنه مأمور به ومشروع-:\rأحدهما: أنه لا يجب لقول الأعرابي بعد ذكر الصلوات: هل علي غيرها فقال  r: {لا} \rالقول الثاني: أنهما يجبان لاتفاق الخلق على ركعتي الطواف، ولا يتصور التطابق على النوافل","part":1,"page":221},{"id":422,"text":"هذا في الطواف المفروض، أما المسنون فالصحيح أنه لا يجب الصلاة بعده ، وقال ابن الحداد: يجب ذلك، ولا يبعد أن يشترط واجب في مسنون  كالطهارة تجب في النوافل، ويمكن أن يوجه ذلك بتنزيل الركعتين منزلة أشواط الطواف، حتى كأنه جزء منه، ويشهد له ما دل كلام الأصحاب عليه من الخلاف في أن الصلاة معدودة من الطواف أم هو منفصل عنه، وبنوا عليه خلافًا في أنه هل تؤدى بتيمم الطواف هذا، وجهان، وهو فاسد إذ لا خلاف في أن تأخيره بزمان متطاول جائز، وأنه لا يختص بذلك المسجد، بل يجوز أداؤه في كل مسجد، وأنه يجوز بعد العود إلى الوطن، فإنه لا يصير قضاء؛ إذ لا منتهى لوقته، ولا خلاف في أنه ليس ركنًا من الطواف المفروض، إذ الحج يصح دونه، وغايته أن يجعل واجبًا كسائر الواجبات المجبورة بالدم، وأشواط الطواف لما كان ركنًا لم يجبر بالدم، ولم يتعرض الأصحاب لجبر الركعتين على قول الوجوب؛ لأنه لا فوات له إذ جميع العمر وقته، نعم لو فات بالموت فلا بعد في جبره\rهذا بيان واجبات الطواف، وليس يجب المشي، بل يجوز الطواف راكبًا، طاف رسول الله  r  راكبًا، وكان يشير بمِحْجَن  في يده إلى الحجر ، وهذا يدل على أنه لا نقصان فيه؛ إذ كان لا يؤثر لنفسه الناقص، وقد فعل ذلك عام الوداع، وفي القلب من إدخال البهيمة المسجد –ولا يؤمن تلويثها- شيء، وعلى الجملة إدخال البهائم المسجد لا لغرض الطواف مكروه\rفأما السنن والهيئات: فهي الاستلام، والدعاء، والرمل، والاضطباع:\rأما الاستلام: فأول ما يدخل المسجد من باب بني شيبة يتوجه إلى الحجر الأسود، فيقبله، والاستلام من السلام بفتح السين وكسره ، وهو الحجر، هذا إن تمكن، فإن زحم فيقبل اليد ويضعها على الحجر كالناقل للقبلة، أو يمس الحجر ثم يقبل يده كالناقل لبركة الحجر، وهذا ذكر في معرض خلاف، وذلك يرجع إلى اختيار أحد الطريقين","part":1,"page":222},{"id":423,"text":"وإذا مر بالركن اليماني لا يسلم بل ينقل باليد على الوجه الذي ذكرناه في المزحوم، واختصاص ذلك الركن من حيث أنه الباقي على قواعد إبراهيم لم يلحقه الهدم، فيمسه تبركًا، ثم يقبل اليد، أو ينقل القبلة إليه، ولما انتهى عمر  t  إلى الحجر قال: {أما أني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله  r  يقبلك ما قبلتك} ، وقد قال أبي بن كعب : {سمعت رسول الله  r  يقول: إن الحجر الأسود يأتي يوم القيامة وله لسان ذَلِق ، يشهد لمن قبله}  ويستحب الاستلام في الطواف حمًّا  به  ، وحسن لو فعل ذلك في كل شوط، فإن زحم فليقصده في كل وتر اعتناء به\rأما الدعاء: فهو أن يقول عند ابتداء الطواف: بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة بنيك – محمد  r -  وقد روي الدعاء كذلك مرفوعًا، ثم له أن يدعو بما شاء\rأما الرمل: فهو مستحب، إلا للنساء، والنظر في كيفيته، ومحله، ومكانه:\rأما الكيفية: فهو السرعة في ثلاثة أشواط من أول الطواف، والسكينة مشروعة في أربعة أشواط من الآخر، قال الفقهاء: هو سرعة في المشي دون العدو وفوق المشي المعتاد، وقال الشيخ أبو بكر : هو دون الخبب ، قال الإمام : هذا زلل، فإن الرمل في فعل الناس كأنه ضرب من الخبب يسير إلى قفزان، والرملان هذا معناه في اللسان ، فكذلك كل ما ورد على وزن فعلان يدل على اضطراب الحركة، كالقفزان والضربان والنزوان، وعسلان الرمح \rوأما محله: فليعلم أنه ليس مشروعًا في كل طواف، بل كل طواف يستعقب سعيًا ففيه الرمل؛ لأنه يشير إلى تواصل الحركات، فعلى هذا يستحب في طواف العمرة، وطواف القدوم في حق الحاج إن عزم على السعي بعده، وإن أخره فلا، ولو طاف طواف القدوم - أعني الحاج- وسعى عقيب طواف الإفاضة فلا يجتمع الرمل في الطوافين على مذهب أحد؛ إذ لا ذاهب إلى أنه منوط عليهما جميعًا","part":1,"page":223},{"id":424,"text":"أما مكانه: فالصحيح أنه يستحب في جميع تدواره حول البيت، وذكر الأصحاب قولًا آخر أنه يترك الرمل بين الركن اليماني والحجر، نقل ذلك عن رسول الله  r،  وسبب الرمل أن رسول الله  r  كان واعد أهل مكة عام الصدّ أن يعود لقضاء عمرته في قابل، وشرط عليهم أن ينجلوا عن بطحاء مكة إلى قلل جبالها، فعاد ووفوا بالشرط، ورقوا إلى قعيقعان جبل في جهة الحجر والميزاب، وكان أصحاب رسول الله  r  نهكتهم حمى يثرب، فأطمع الكفار فيهم، وهموا يغدروا، فأخبره جبريل عليه بذلك، فأمر رسول الله  r  بالرمل والاضطباع، وقيل ذلك إظهارًا للجلادة والفتوة، فقال الكفار إن هؤلاء كالغزلان، وانقطع طمعهم، وبطل غدرهم ، واستمر الشرع عليه، ونقل أنه كان يسكن بين الركنين اليماني والحجر، فإن الكعبة كانت تحجبهم عن أعين الكفار، وقيل أيضًا أنه كان يرمل من الحجر إلى الحجر، وإن قيل إذا علم سببه، وعلم زواله فما معنى بقاؤه مشروعًا، قلت: قال عمر  t : {فيم الرمل والكشف وقد أظهر  الله الإسلام، ونفى الشرك وأهله إلا أني لا أحب أن أدع شيئًا كنا نفعله على عهد رسول الله  r}،  وهو مشير إلى الاتباع والتأسي بالسلف، ومبنى العبادات على اتباع سنن الصالحين والأنبياء وغيرهم، والمعنى غير موثوق به فيه فصار ذلك شرعًا، والعبادات مبنية على التأسي ","part":1,"page":224},{"id":425,"text":"فرع: القرب من الكعبة في الطواف مستحب، وإن كان العمل فيه أقل من البعد، والرمل مستحب، ولو لم يتمكن من الرمل على قرب للزحمة، فالبعد مع الرمل أَوْلى، ورتبة القرب لا توازي الاحتياط فيما يتعلق بشعار كلي، وهو أميز للنساء والحيد عنهن ومصادمتهن، ولو ترك الرمل في الأشواط الأُول فلا قضاء في الأُخر؛ لأنه يفوت السكينة المشروعة، ولو ترك سورة الجمعة في الركعة الأولى من الجمعة قضاها في الثانية مع سورة المنافقين؛ لأن الجمع ممكن، والجمع بين الرمل والسكينة غير ممكن، ولو زوحم فلم يتمكن من الرمل أصلًا فحسن أن يشير بمحاولة الرمل متشبهًا بالرمل كما سيأتي في إمرار الموسى على رأس الأصلع، ويستحب في الرمل أن يدعو أو يقول: اللهم حجًا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا\rأما الاضطباع: فهو من الشعائر، وصورته أن يجعل وسط إزاره في إبطه اليمنى، ويعري عنه منكبه الأيمن، ويجمع طرفي الإزار على عاتقه الأيسر كدأب أهل الشطارة ، ثم ذلك في طواف فيه رمل مخصوصًا به، ثم اختلفوا في أنه إلى متى يدع هذا الزي، ويديم الاضطباع، فمنهم من قال حتى يكمل سعيه، ومنهم من قال حتى يكمل سبعة – معناه عدد الطواف- فيحملنا على الوجهين\rأما أقسام الطواف: فالطواف في العمرة واحد، وفي الحج ثلاثة، وصفة الكل ما ذكرناه، والواقع في العمرة ركن العمرة، والواقع في الحج لا يقع ركنًا إلا طواف الإفاضة بعد الوقوف، والطواف الأول طواف القدوم، وهو سنة لا يجبر تركها بالدم، وذكر صاحب التقريب وجهًا في إلحاقه بطواف الوداع في الوجوب كما سنذكره، ثم حق القادم أن يبادر، فلو أخر وعرج على شغل آخر، ففي فوات القدوم تردد للأصحاب، مع القطع في طواف الوداع بأنه يبطل بالتعريج بعده على شغل\rالطواف الثاني طواف الركن، وهو طواف الإفاضة بعد الوقوف، لا يصح الحج دونه، ولا يجبر بالدم، وسنذكر أول وقته عند ذكر التحللات","part":1,"page":225},{"id":426,"text":"الثالث: طواف الوداع، وهو واقع بعد التحللين، والفراغ من جميع المناسك   رميًا، ومبيتًا، وذلك عن قصد الغريب الانصراف، وفي وجوبه قولان :\rأحدهما: أنه يجب، وعلى تاركه الدم، وإليه إشارة النصوص الجديدة\rالثاني: أنه سنة مؤكدة، ولا دم على تاركه، فإن الوداع كالقدوم، وقد ذكرنا أن طواف القدوم سنة\rثم شرط الصحة لهذا الطواف أن لا يعرج الطائف بعده على شغل، فإن عرّج لم يعتد به؛ لأن الوداع آخر الأمور؛ كما أن زيارة القدوم أول أموره، فليكن لتأخير الزيارة عن القدوم وجه، ولا وجه لتقديم الوداع على الانصراف، ثم إن لم يعرج على شغل سوى شد الرحال، ففيه وجهان:\rفمنهم من أجمل ذلك؛ لأنه من أسباب الخروج\rومنهم من شرط تقديمه على الطواف، وعلى الجملة - وإن سمي هذا طواف الوداع – فهو من مناسك الحج وتوابعه؛ ولذلك لا يجب على المكي إذا سافر، وكذلك الغريب إذا استوطن بها مدة، ثم قصد الخروج، فلا وداع في حقه، فهو كالختم والوداع لأعمال الحج - وإن كان واقعًا بعد مناسكه- وليس الوداع في الخروج كالإحرام في الدخول، فإن ذلك مشروع دون الحج، وفي بعض الطرق رمز إلى أن المكي إذا نفر وخرج ودع، وهذا عادة المكيين، ولا أصل له\rالتفريع: إذا قلنا طواف الوداع واجب يجبر بالدم، فلو فارق من غير وداع حتى جاوز مسافة القصر، نص الشافعي على انه يجوز له الرجوع، فإذا تدارك فلا دم، ونص على أن المرأة إذا حاضت فهي مأذونة في النفر قبل الوداع، ولا دم عليها ، كذلك أمر رسول الله  r  صفية ، ولو طهرت قبل مجاوزة مسافة القصر، قال الشافعي: ليس عليها العود ، فاختلف الأصحاب في النصين، منهم من قال: قولان في المسألتين:\rأحدهما: أنَّ أثر الوداع ينقطع بمفارقة خطة مكة، فحكمه في الحائض أنه لا يلزمها الرجوع ولا دم عليها، وفي الرجل لا يعنيه الرجوع والتدارك، واستقر عليه الدم، ولا فرق بين مسافة القصر وما دونها بعد مفارقة خطة مكة، أو خطة الحرم على رأي","part":1,"page":226},{"id":427,"text":"والقول الثاني: إنَّ وقت الوداع باق، فيمكن التدارك للرجل، ويجب على الحائض الرجوع، فإن لم ترجع فالدم يجب عليها\rومن أصحابنا من أقر النصين، وقال: المرأة لم تكن من أهل الطواف عند الفراق؛ فلا يلحقها لزوم بعد، والرجل لا يتحتم عليه طريق المستدرك ما لم ينقطع سفره، وذكر الشيخ أبو علي قولًا: أنه يبقى المستدرك أيضًا بعد مسافة  القصر، ولكن لا يجب بل يجوز، وهذا بعيد، ثم تشترط الطهارة في طواف الوداع، وذكر أبو يعقوب الأبيوردي  وجهين، وهو فاسد ارتكبه من حيث أنه التزم أن جبره بالدم عند تركه، جبر للطهارة أيضًا، فالزم جبر الطهارة فارتكب، وهذا لا وجه له، والطهارة لا تجبر بالدم، بل هي شرط صحة الطواف\rفرع: لو حمل الطائف صبيًا، قد تولى إحرامه، ولم يكن ناسكًا في نفسه، حصل الطواف للصبي، وكذلك إن كان ناسكًا، ولكن طاف عن نفسه أولا، ولو لم يكن قد طاف، فإذا طاف به انصرف الطواف إلى الحامل، ولم يحصل للمحمول، وهذه الحركة الواحدة التي انصرفت إلى جهة لم تنصرف إلى أخرى، وهذا متفق عليه، ولو ركب رجلان أو جماعة دابة طافت الدابة بالبيت سبعًا، حصل الطواف للكل، وكذلك لو حمل رجل صبيين، فإنه في حكم المركب لهم، هذا فيه إذا أطلق، أو نوى المحمول ونفسه، فأما إذا خصص المحمول بنيته، وقصد الطواف عن جهته، فهذا يبنى على أن صرف الطواف إلى غرض آخر بالقصد هل يمنع اعتداده، وفيه خلاف، والظاهر أنه يمنع؛ لأن الطواف عبادة، ونحن لا نحوجهما إلى النية المفردة؛ لأنه في حكم ركن ينسحب عليه الأصل استصحابًا، فإذا صرفه قصدًا إلى طلب غريم أو غيره، فقد قطع الاستصحاب، وقد ذكرنا نظير هذا في قصد التبرد في الطهارة بعد عزوب النية","part":1,"page":227},{"id":428,"text":"فإن قلنا: لا تنصرف عنه، حصل الجواز عن الحامل، ولم يحصل للمحمول شيء، وإن قلنا تنصرف عنه، لم يحصل للحامل، وحصل للمحمول، وذكر الشيخ أبو محمد أنه لا يحصل للمحمول أيضًا ، ولعله يعلل بأن حقه أن يطوف عن نفسه أولًا، وهذا لا يعرف له أصل\r\rالفصل الخامس: في السعي\rفإذا فرغ الطائف من ركعتي الطواف للقدوم، فإن أراد تأخير السعي، فله ذلك إلى طواف الإفاضة بعد الوقوف، وإن بادر وسعى، وقع ركنًا معتدًا به، ولا يعيده بعد طواف الإفاضة، ولا يستحب إعادته بل يكره، والسعي عندنا ركن في الحج والعمرة، لا يجبر فواته بالدم، خلافًا لأبي حنيفة ، فإنه قال هو واجب مجبور بالدم، ثم طريقه لمن  أراده بعد الفراغ من ركعتي الطواف، أن يخرج من باب الصفا، وهو في محاذاة الضلع الذي بين الركن اليماني والحجر، فيخرج من ذلك الباب، وينتهي إلى الصفا، فيلقى درجًا في حضيضه ، فيرقى قدر قامة الرجل، ويبتدئ السعي إلى المروة سبع مرات، والنظر في واجباته وسننه:\rأما الواجبات:\rفأولها  : أن يوقع بعد طواف صحيح، إما فرض، أو نفل، والابتداء به غير صحيح، وإذا سعى بعد الطواف وقع ركنًا، ولا يقع قط إلا ركنًا، فإنه عبادة على حالة - كالصلاة- يأتي بها غير الناسك، والسعي تابع، فيقتصر منه على الركن، ثم لا يشترط في السعي ما يشترط في الطواف المحسوب فعله، من الطهارة وستر العورة، ولا يشترط الموالاة بين السعي كالطواف، قال القفال: لو أتى بالسعي بعد سنة أجزأه؛ إذ لا مرد له، كذلك حكاه الشيخ أبو علي في جواب سؤالهم، ثم قال الشيخ أبو علي: لو لم يسع حتى وقف فأراد أن يصل السعي بالطواف السابق، لم يجز، بل لا بد من أن يرتبه على طواف الإفاضة، فإن الوقوف إذاً تخلله فاصل حاجز، هكذا قال\rفإن قيل: فلو أخر سعيه إلى ما بعد طواف الوداع","part":1,"page":228},{"id":429,"text":"قلنا: هذه أغلوطة، إذ طواف الوداع آخر الأعمال، فلا يعتد به، وعلى الحاج بعده عمل السعي، فإذا أخر الحاج السعي، ولم يسع بعد طواف الإفاضة، وعاد إلى منى، وقضى مناسك منى، فيعتد بتلك المناسك، وقد يؤخر الطواف الركن إلى انقضاء أيام منى، فلا بأس، ويخرج منه أنا لا نبعد وقوع تلك المناسك ممن هو في بقية من إحرامه، هكذا ذكر الشيخ أبو محمد، قال الإمام : وفي القلب منه هذا شيء\rالواجب الثاني: غاية العدد سبع\rفلا يكتفى بما دونه، فالسعي بين الصفا والمروة مرة، ومن المروة إلى الصفا مرة أخرى، قال أبو بكر الصيرفي  في الذهاب والإياب مرة واحدة، فيتردد أربع عشرة مرة، وهو غير معتد به\rالواجب الثالث: الترتيب\rوهو أن يبدأ بالصفا، فلو بدأ بالمروة لم يحتسب سعيه إلى الصفا، فإذا انصرف من الصفا ابتدأ الاحتساب، قال رسول الله  r: {ابدءوا بما بدأ الله به}  وخالف أبو حنيفة  في ذلك\rفأما السنن فثلاث: الرقي، والدعاء، وشدة السعي:\rأما الرقي: فهو أن يرقى في الصفا قدر قامة رجل، فعل ذلك رسول الله  r  حتى بدت له الكعبة ، ولعل ذلك كان بقصد، والانتهاء إلى أصل الجبل كاف، ولكن بعد تلك الدرج مستحدثة، فينبغي أن تكون منه على بصيرة\rأما الدعاء: فقد قال رسول الله  r  لما رقي: {الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده} ، وقال وهو يسعى: {اللهم اغفر وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم، اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار} ","part":1,"page":229},{"id":430,"text":"وأما هيئة المشي، فينبغي أن يكون على هيئته في ابتداء السعي، إلى أن  يبقى بينه وبين ميلٍ يراه معلقًا على ركن المسجد مقدار ستة أذرع، يسعى السعي السريع، وكأن ذلك الميل على هذا الموضع علامة، وكان السيل يحطمه، فرفعوه، فوجدوا أقرب موضع إلى محاذاته ركن المسجد، فوقع متأخرًا بقدر ستة أذرع، ثم يتمادى على شدة السعي، إلى أن يتوسط الميلين الأخضرين، أحدهما متصل بفناء المسجد على يساره، والآخر كان متصلاً بدار يعرفها العامة بدار العباس، فإذا توسطها عاد إلى سجية المشي، ولا ينبغي أن يشتد في السعي بحيث ينبهر ، بل يرعى فيه نوع من الاقتصاد، كان رسول الله  r  يسعى وساقه تدور بإزاره من شدة السعي، وكان يقول: {يا أيها الناس كتب عليكم السعي، فاسعوا} ، والرقي في المروة محبوب كالرقي في الصفا\r\rالفصل السادس: الوقوف\rوهو الركن الأعظم الذي يعلق به إدراك الحج وفواته، قال رسول الله  r: {الحج عرفة} ، والنظر في مكانه وزمانه وحده وسنته:\rأما المكان: فهو عرفة، وهي بقعة معروفة، ويتصل بطرفها في صوب مكة، ومنها وادي عُرَنَة، وليس من عرفة، أمر رسول الله  r  الحجيج بالترقي منه، ومسجد إبراهيم  u  بعضه في الوادي، وأخرياته في عرفة، فمن وقف في صدر المسجد فليس واقفًا بعرفة، ويتميز مكان المسجد من عرفة بصخرات كبار فرشت، ويطيف بعرصة عرفة جبال وجوهها من عرفة، وفي وسطها جبيل يسمى جبل الرحمة، ولا نسك في الرقي عليه، وإن كان يعتاده الناس، وموقف رسول الله  r  معروف، وعنده يقف الخطيب ويخطب كما سبق ذكره","part":1,"page":230},{"id":431,"text":"أما الزمان: فأقل وقته زوال الشمس من يوم عرفة، ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر، فمن لم يصل إلا ليلًا فقد أدرك، وأورد الفوراني قولين في الإدراك، قال الإمام : وهو غير صحيح، نعم ذكر الشيخ أبو علي قولين فيمن أخر الإحرام إلى ما بعد غروب الشمس يوم عرفة فأحرم ليلة النحر، ثم صحح قول الإدراك، وزيف الآخر، والأولى أن يجمع بين الليل والنهار بعرفة، فيمكث حتى تغرب عليه الشمس وهو بعرفة، وإن فارق قبل الغروب ولم يَعُد، ففي وجوب الدم قولان:\rأحدهما: أنه لا يجب إلا أن يعود إليها قبل الغروب، ويصبر حتى يدرك بها جزءًا ما بعد الغروب\rوالثاني  : أنه لا يجب\rوكل ما اختلف في وجوب الدم بتركه، فهو اختلاف في وجوبه، فإذا أوجبنا الدم، فقد أوجبنا المكث إلى الغروب فما بعده، فإن قلنا أنه يجب الدم ولو عاد بعد الغروب فوجهان:\rأحدهما: أنه يسقط الدم إذا حصل الجمع بين الليل والنهار\rوالثاني: أنه لا يسقط إذ المقصود أن يكون بعرفة عند غروب الشمس في وقت اتصال الليل بالنهار\rوأما مالك ~ فقد ذهب إلى أن من لم يدرك الوقوف ليلًا لم يدرك الحج ، فلو فارق عرفة نهارًا فاته الحج عنده، فجعل الاعتبار بالليل\rفأما حد الوقوف الواجب: فهو الحضور، والمرور، والمقصود الحصول بها ولو في لحظة، فإن كان نائمًا، أو غافلًا وهو لا يشعر كفاه، وإن حصل بها على قصد طلب غريم، أو بعير نادٍّ  فهذا ما لم يتعرض له الأصحاب، ويحتمل إلحاقه بالطواف، ويحمل الفصل من جهة أن الوقوف ليس قرية في ذاته، حتى تتغير بنية تلافيها، فلا حكم فيه إلا لنية الحج، بخلاف الطواف، وقد قطعوا أن من حصل بها نائمًا كفاه","part":1,"page":231},{"id":432,"text":"ولو طافت الدابة بالطائف وهو نائم على هيئة لا تنقض الطهر لا ندري ماذا يقال فيه، ويحتمل أن يعتد به؛ لأنه لم يقصد صرفه إلى غيره، ولكن من حيث لا فعل له، ولا قصد إلى فعل بترخية الدابة، فعنه احتمال، ويلتفت على من نوى رفع الحدث في مرور الماء عليه، ولم يقصد لا فعلًا ولا أمرًا به، وقد ذكرنا فيه خلافًا\rأما السنن: فرفع الصوت بالتلبية عشية عرفة، والإكباب على الدعاء، قال  r: {إن أفضل ما دعوت، ودعا الأنبياء قبلي عشية عرفة لا إله إلا الله} ، وقد ذكرنا أنه لا يؤمر بالصوم في هذا اليوم؛ للتقوي على الدعاء، ولذلك يستحب أيضًا تأخير المغرب لتؤدّى مع العشاء بمزدلفة، وكذلك يجمعون بين الظهر والعصر في وقت الظهر للتفرغ للدعاء عشية اليوم، هذا في حق الغريب، أما المكي ففيه خلاف، منهم من لم يجوز ذلك لقصر سفره، ومنهم من جوز ذلك، ورأى هذا الجمع من آثار النسك، والعَرَفيّ إذا أنشأ الإحرام من عرفة، فإن قلنا إنه من آثار السفر الطويل، فلا يجمع، وإن قلت إنه من آثار النسك فيجمع\rفرع: لو غلط الناس في الهلال، فوقفوا يوم العاشر فلا قضاء عليهم؛ لعسر القضاء، مع أنه لا يؤثر وقوع مثله، وإن وقفوا يوم الثامن وجهان :\rأحدهما: أنه لا قضاء؛ لأن ذلك قد يتفق بتوالي شهادة الزور في شهرين\rوالثاني: أنَّه يقضي؛ لأنَّه نادر بديع، لا يتفق إلا شاذًا  \r\rالفصل السابع: في جمل أسباب التحلل وأحكامه\rومهما انتصف ليلة النحر، دخل وقت أسباب التحلل، وللحج تحللان، فإذا حصل أحدهما حل اللبس وستر الرأس، وقلم الأظفار، والحلق – إن لم نجعله نسكًا - والوطء لا يستباح إلا بعد التحلل الثاني، فهو آخر ما يستباح، وأما التطيب، وعقد النكاح، والمباشرة دون الجماع، ففي هذه الثلاثة قولان:\rأحدهما: الإباحة؛ إلحاقًا له باللبس والقلم","part":1,"page":232},{"id":433,"text":"والثاني: المنع؛ لأن النكاح  واللمس من مقدمات الجماع، والطيب أيضًا يحرك داعيته، وفي قتل الصيد طريقان، حسنهم  من قال قتل الصيد أيضًا يتراخى إلى حد الجماع فإنه عظيم الوقع، من حيث أنه إتلاف محترم\rوأما أسباب التحلل، فاثنان: طواف الزيارة، والرمي على قول، وثلاثة على قول، وهو ما ذكرناه مع الحلق إذا جعلناه نسكًا، ثم طواف الزيارة وإن كان ركنًا، فهو من أسباب التحلل، ولو كان قد أخر السعي إليه، فالسعي مع الطواف كله سبب واحد، فإن قلنا: أنهما اثنان، فيحصل أحد التحللين بأحد السببين، إما الطواف، وإما الرمي، أيهما كان قدم، أو أخر، وإن قلنا أنهما ثلاثة، فأحد التحللين باثنين من هذه الجملة؛ لأن الثلاث لا تنتصف، فإذا أتى باثنين – أي اثنين – كان حصل أحد التحللين، ولا حرج في التقديم والتأخير، ولا ترتيب في هذه الأسباب، ما سئل رسول الله  r  يوم النحر عن شيء من ذلك قدم أو أخر إلا قال: {افعل ولا حرج} ، ومع ذلك فالأولى أن يرمي، ثم يحلق، ثم يطوف؛ ليكون عوده إلى البيت بعد التنظف والتزين، قال صاحب التقريب: إذا قلنا الحلق ليس بنسك فيحصل أحد التحللين بمجرد طلوع الفجر يوم النحر، وهو أفضل أوقات التحلل، فاكتفى بوقت التحلل، وهذا حكاه، وهو غريب، والترتيب المعتاد للحجيج، الانصراف من موقف عرفة إذا تضيفت الشمس للغروب، فينفصلون من طرق عرفة بعد الغروب، أفضل لهم الجمع بين الليل والنهار، ويؤمون مزدلفة، ويؤخرون المغرب، ويجمعونها إلى العشاء بمزدلفة، وتمد المطايا أعناقها، حتى إذا وافوا مزدلفة، باتوا بها، وهذا المبيت نسك، فإذا انتصف الليل، أخذوا في التأهب للرحيل، ثم إذا استقلت بهم المطايا، انتهوا إلى المشعر الحرام، وهو آخر مزدلفة، وقفوا ودعوا، ووقوفهم هذا سنة غير مجبورة بالدم لو تركت، ويلقاهم بعد مجاوزتهم المشعر الحرام وادي محسر، وكانت العرب  تقف به فأمرنا بمخالفتهم، فيؤثر تحريك الدابة قليلًا، وكان عمر  t  إذا انتهى","part":1,"page":233},{"id":434,"text":"إليه يحرك دابته، ويقول:\rتعدو إليك قلقًا وضينُها * معترضًا في بطنها جنُينها* مخالفًا دين النصارى دينها \rفإذا وقعت الراحلة من مزدلفة في السُّحرة العليا، فإنهم يوافون أطراف منى، وقد أسفروا، وينتهون إلى الجمرات، فيتعدون الجمرة الأولى والثانية، حتى إذا انتهوا إلى الثالثة، وهي جمرة العقبة في حضيض لجبل مائلًا عن جادة الطريق، والجمرتان السابقتان على الطريق، وابتدءوا رمي هذه الجمرة، وتركوا التلبية، وأبدلوها بالتكبير، وقال الشيخ أبو محمد : يمزجون التكبير بالتلبية إذا رحلوا من مزدلفة، فإذا ابتدءوا الرمي، محضّوا التكبير، والمزج في هذا التوقيت لم ينقله غيره، ثم بعد الرمي يحلقون، ويتوجهون إلى مكة، ويطوفون طواف الزيارة، ويعودون إلى منى في بقية يوم النحر، ويبيتون على ما سنصف بعده\rوالغرض أن وقت أسباب التحلل يدخل منتصف ليلة النحر، حتى لو تكلف وبادر إلى مكة، وترك المبيت بمنى والرمي وطاف اعتد بطوافه، ولو انتهى إلى الجمرة ليلًا، فرمى، وقع الموقع إذا وقع بعد منتصف الليل، والدليل على ذلك، أن رسول الله  r  قدم ضعفة أهله من مزدلفة بليل ، وقال: {رويدك بالقوارير\rيا أنجشة} ، ويكره لهم أن يوافوه راجعين إلى منى وقت الطلوع، ولا نتصور ذلك إلا بوقوع الطواف ليلًا، فبين منى وبين مكة فرسخان\rثم وقت رمي الجمرة يمتد إلى غروب الشمس يوم النحر، وهل يبقى تلك الليلة إلى طلوع الفجر يوم القرّ فعلى وجهين: أظهرهما أنه لا يمتد، ومن قال يمتد شبهه بليلة النحر في حق إدراك الوقوف\rثم اختلف الأصحاب في أن الرمي إذا فات وفات قضاؤه، بفوات أيام التشريق، فالتحلل هل يقف على الدم الذي هو بدله فمنهم من قال: يقف عليه كما يقف على المبدل، ومنهم من فصّل فقال: إن كان دمًا وقف عليه، وإن كان صومًا فلا؛ لطول الزمان\r\rالفصل الثامن: في الحلق","part":1,"page":234},{"id":435,"text":"ووقته في العمرة بعد الفراغ من السعي، وهو آخر أعمال في الحج، وإذا طلع الفجر يوم النحر، فهو وقت الفضيلة  أو بعد منتصف الليل ، وهو وقت الجواز، وقد اختلف القول في أنه في وقته نسك، أو هو استباحة محظور نسك أبيح في وقته كما يباح القلم واللبس\rفقال في قول: أنه محظور أبيح لدخول وقت إباحته في وقت يباح فيه اللبس والقلم\rوالثاني: أنه نسك؛ إذ تميز هذا عن سائر المحظورات بإكباب الخلق عليه، تطابقًا وتوافقًا، وورد الحث عليه في الشرع، قال رسول الله  r: {رحم الله المحلقين، قيل: والمقصرين، فقال: رحم الله المحلقين}، فأعيد ثلاثًا، وعاد إلى مقالته ثلاثًا، حتى قال في الرابع: {والمقصرين} ، والأصل في ذلك: ما روي أنه  r  أمر أصحابه بالتحلل عام الحديبية، فتوانوا في التحلل والحلق، فدخل على أم سلمة وقال لها: {ألم تري قومك آمرهم بالتحلل فلا يفعلون} فقالت له: اخرج ولا تحدث أمرًا حتى تدعو حالقك فيحلق شعرك، وبجزارك فينحر هديك، ففعل رسول الله  r،  فابتدر الناس الحلق والنحر، حتى كادوا يقتتلون ، وقيل ما أشارت امرأة إلا أم سلمة\rويتفرع على القولين ثلاث فوائد:\rأحدها: أنَّ المعتمر إذا جامع بعد السعي فسدت عمرته إن قلنا الحلق نسك، إذا لم يتم تحلله، فإن قلنا محظور نسك، فقد تم التحلل بالطواف والسعي، ولم يبق شيء","part":1,"page":235},{"id":436,"text":"الثاني: أنه لو أراد أن يحلق قبل الطواف والرمي، لم يجز على قولنا أنه محظور نسك؛ لأنه لم يجر سبب التحلل من طواف أو رمي، فإن قلنا إنه نسك، فهو في نفسه سبب التحلل، فيجوز على ما حكاه صاحب التقريب: يجوز البداية بالحلق بعد طلوع الفجر يوم النحر، إذ جعل دخول الوقت موجبًا أحد التحللين، فإذا قلنا إن الحلق نسك وهو سبب التحلل، فلا يتم أحد التحللين به إلا بأن ينضم إليه إما الطواف، وإما الرمي، كما لا يتم بالطواف ما لم ينضم إليه غيره، وكذلك بالرمي، ومع ذلك فالأولى أن يبدأ بالحلق خروجًا من الخلاف، وإنما الترتيب المحبوب المعتاد: أن يرمي بعد طلوع الفجر يوم النحر أولًا، ثم ينحر إن كان معه هدي، ثم يحلق، ولو قدم الحلق على النحر، فجائز، إذ ليس النحر من أسباب التحلل، فقد لا يكون معه هدي، وقال أبو حنيفة : لا يجوز تقديم الحلق على النحر\rالثالث: إذا قلنا الحلق نسك، فهو ركن لا يجبر فائته بالدم ، بخلاف الرمي والمبيت، بل هو كالطواف والسعي، وهذا متفق عليه، وفائدته أنه لو تعذر الحلق لعلة، فيترتب إلى التمكن، فلابد منه، نعم لو لم يكن على رأسه شعر أصلًا، لصلع أو قرع، فالحلق ساقط لفقد محله، فإن المحلوق شعر اشتمل الإحرام على تحريمه، نعم يستحب له إمرار الموسى على الرأس تشبهًا بالحالقين، وليس ذلك واجبًا، وإن قلنا إنه محظور نسك فلا يجب، ولكن الأفضل أن يحلق، ومعناه أن يتناول بعض ما حرم عليه؛ ليتبين به التحلل، ويشهد للندب إليه – وإن لم نجعله نسكًا - الحديث والآية كما سبق، ولهذا قطع الأصحاب بأنه لو نذر الحلق في أوانه لزمه، وإن لم يخرجوا ذلك على قول النسك، واختلفا في أنه لو لبد المحرم رأسه وعقصه، وذلك لا يفعله إلا عازم على الحلق، فهل ينزل ذلك في الإلزام منزلة النذر وهو كالخلاف في أن إشعار الهدي، هل ينزل منزلة قوله جعلته هديًا","part":1,"page":236},{"id":437,"text":"وإذا ثبت أن الحلق نسك على قول، ويلتزم بالنذر وفاقًا، فالنظر في الشعر ومحله وكيفية قطعه:\rأما المحل: فهو الرأس، فلا يغني حلق غيره، قال الصيدلاني: قال الشافعي: من لا شعر على رأسه يمر الموسى على رأسه، ويقص شيئًا من الشارب أو اللحية ، وهو بعيد إلا أن يستند إلى أثر\rفأما الشعر: فكل ما تكمل الفدية فيه يكفي حلقه، وهو ثلاثة فما فوقه، وفيما دونه تردد كما سيأتي، ولو انجرت الشعرة، فأخذ شيئًا منها، ثم شيئًا ثم شيئًا، على ترادف، فإن تواصل الزمان لم يجز، ولم تكمل الفدية، وإن تقطع ففي الفدية خلاف، وكذا في الإجزاء، والأفضل حلق جميع الرأس، ولو نذر حلق جميع الرأس، ففي لزوم حلق الجميع تردد للقفال، وهذه الفصول تستقصى في النذور، أما المرأة فلا يلزمها الحلق بالنذر؛ إذ ليس الحلق في حقها قربة\rأما كيفية القطع: فلا يقوم النتف والإحراق والتقصيص مقام الحلق، إذا نذر الحلق، بل يتعين ما يسمى حلقًا، نعم لو استأصل بالمقص فهذا في معنى الحلق، ولكن يفارقه من حيث الاسم، ففيه احتمال، أما إذا لم يسبق بنذر، وقلنا إنه نسك، فالحلق أفضل للرجال، ولكن يكف التقصير، قال رسول الله  r: {والمقصرين} ، وكذلك النتف والإحراق، وكل ما يحكم بحظره  وتوجب الفدية به في الإحرام، فهو كاف إذا لم يتقدم نذر من النتف والقص والحلق والإحراق بعد وقوعه على الرأس، ولم يعرف فيه خلاف\r\rالفصل التاسع: في المبيت\rوالمبيت المعتاد للحجيج خمس ليال:\rالأول: مبيت ليلة عرفة بمنى قبل الوقوف بعرفة، وهو مبيت منزل لا نسك فيه","part":1,"page":237},{"id":438,"text":"والثاني: المبيت بمزدلفة ليلة النحر، والأخر: المبيت بمنى ليلة القر، وليلة النفر الأول، وليلة النفر الثاني، وهي ليالي أيام التشريق، والأول من أيام التشريق يسمى يوم القر، والثاني يوم النفر الأول، والثالث: يوم النفر الثاني، والمبيت بمزدلفة نسك لا نسك فيه، وكذلك المبيت بمنى ليلة القر، وليلة النفر الأول، فأما المبيت ليلة النفر الثاني فهو نسك في حق من لم يتعجل، ولم ينفر في النفر الأول، فإذا غربت عليه الشمس يوم النفر الأول وهو بمنى، فعليه أن يبيت، وإن غاب قبل غروب الشمس سقط عنه المبيت ليلة النفر الثاني، فإذًا المبيت في حق المعجل ثلاث ليال، وفي حق المؤخر أربع ليال\rفإذا ثبت ذلك، فالنظر في قدر المبيت وفي الواجب بفواته، وفي العذر بتركه:\rأما القدر: فللشافعي قولان نقلهما صاحب التقريب على الإرسال:\rأحدهما: أنه يشترط المكث بالمبيت معظم الليل؛ إذ المبيت ورد مطلقًا، الاستيعاب غير واجب، فيقام المعظم مقام الكل\rوالثاني: أن المقصود من المبيت التعريج على شعار اليوم الذي بين يديه، فيشترط الكون بالمبيت عند طلوع الفجر ، فمن حصر قبيله اكتفى به، ومن يعتبر المعظم يسوي بين أول الليل وآخره، وهذان القولان يتجهان في ليالي منى، أما ليلة المزدلفة فلا يصح فيها إلا رعاية الكون بها عند منتصف الليل، أما المعظم فباطل؛ لأنهم ينتهون إليها بعد غيبوبة الشفق، ثم يتأهبون عند المنتصف، واعتبار طلوع الفجر أيضًا باطل؛ لأن الإفاضة منها في منتصف الليل ، والقولان في ليالي منى يتجهان\rأما الواجب بفواته، فقولان:\rأحدهما : أنه يجبر بالدم؛ لأنه شعار ظاهر كالرمي\rوالثاني: لا يجبر؛ لأنه لبث لانتظار الرمي، فليس مقصوداً","part":1,"page":238},{"id":439,"text":"ويبنى على وجوب الدم، وجوبه في نفسه، حتى يعصي بتركه، وعلى إسقاط الدم، ففي وجوبه حتى لا يعصي بتركه، والجامع في المناسك المجبورة وغير المجبورة: أن الرمي يجبر بالدم قولًا واحدًا، وكذلك مجاوزة الميقات كما تقدم \rواختلف القول في ثلاثة أمور: المبيت الذي هو نسك، والجمع بين الليل والنهار بعرفة، وطواف الوداع\rوأما طواف القدوم فالمذهب أنه لا يجبر بالدم، بل هو سنة ، وفيه شيء تعبد حكيناه، أما الأركان كالسعي، وطواف الزيارة، والوقوف، فلا يتصور الاكتفاء بالدم عند فواتها، وكذا الحلق إذا رأيناه نسكًا\rالتفريع: إذا حكمنا بوجوب الدم، فلو ترك المبيت في الليالي الأربع، ففي قدر الواجب قولان:\rأحدهما: أنه يلزمه للجميع دم واحد؛ لأنه جنس واحد فصار كجميع الشعر إذا حلق\rوالثاني : انه يلزمه دم للمبيت بمزدلفة، ودم لليالي منى؛ للمباينة بين المبيتين على ما تقدم، فكأنهما جنسان، هذا في حق من لم ينفر في النفر الأول حتى استقر عليه مبيت الليلة الأخيرة، فإن نفر فمبيت الليلة الأخيرة ساقط، وإن قلنا يكفيه دم للكل فلا بد من دم، وإن قلنا يرد ليلة مزدلفة بدم، ففي ليلتي منى وجهان:\rأحدهما: أنه يجب دم كامل؛ لأنه جنس برأسه، فلا ينظر إلى عدده \rوالثاني: أنه يجب مدان، أو درهمان، أو ثلثا دم، كما سنذكر في شعرتين، والأقيس هو الأول، وحكى صاحب التقريب قولًا قديمًا للشافعي: أنه يجب لكل ليلة دم، كما يجب لوظيفة كل يوم من الرمي، وهذا وإن كان غريبًا فهو متجه في هذه الصورة","part":1,"page":239},{"id":440,"text":"أما العذر في ترك المبيت: فثلاثة أوجه تتصور في ليلة مزدلفة، وهو في حق من لم يغد إلى عرفة إلا ليلة النحر، وبقي في شغل الوقوف حتى فاته مبيت مزدلفة، فلا دم عليه قطعًا؛ لأنه لم يتفرغ إليه فلا خطاب عليه، قال صاحب التقريب: بناء على هذا، لو أفاض كما غابت الشمس يوم عرفة، وامتد إلى مكة وطاف في النصف الأخير من الليل ففاته مبيت مزدلفة، لا دم عليه، وشغل الطواف كشغل الوقوف في حق المبيت، وحكاه الشيخ أبو محمد عن القفال أيضًا ، وفي هذا إجمال من حيث أنه قادر على أن يبيت ثم يفيض مع القوم، فلا ضرورة به بخلاف ما سبق\rالعذر الثاني: رعاة الإبل، فإنهم يغيبون بالإبل عن منى؛ لسرحها في مسارحها، ويعسر عليهم العود، فلا دم عليهم\rوالعذر الثالث: لأهل سقاية العباس ؛ فإنهم يتعوقون بتعهد الشراب،\rوتيسير الماء، وقد ورد الخبر في حق رعاة الإبل، وأهل سقاية العباس، ولا يختص\rذلك ببني العباس عندنا، بل كل من يتولى ذلك الأمر يشاركهم في الرخصة؛\rلمشاركته في سبب الرخصة ، وقال مالك ~: يخص بني العباس،\rفإنه رخصة   بهذا السبب في حق أقاربه \rفرع: إذا فرض عذر آخر يدعو إلى ترك المبيت، من قيام بتعهد منزول به حضرته الوفاة، أو غير ذلك من الأعذار، فهل يباح به ترك المبيت فعلى وجهين ذكرهما العراقيون، فمنهم من حسم باب القياس، وخصص بعذر الماء ورعاية الإبل، ومنهم من اتبع المعنى، ثم إن رعاة الإبل يرمون جمرة العقبة ويغيبون، فيترك المبيت ليلة القر، والرمي يوم القر، والمبيت يوم النفر الأول، ويعودون في النفر الأول، ثم يقضون رمي يوم القر، وذلك مسوغ لهم، وإن كان في قضاء الرمي في حق غيرهم خلاف\r\rالفصل العاشر: في الرمي\rوالرمي من الأبعاض الواجبة المجبورة بالدم قولًا واحدًا، وهو صنفان:","part":1,"page":240},{"id":441,"text":"أحدهما: يوم النحر، وهو رمي سبع حصيات إلى جمرة العقبة، وهي التي في حضيض الجبل، على يمين من يؤم مكة من منى، وهو الجمرة الأخيرة، مما يستقبل المفيضين من مزدلفة إلى منى، فيرمي إليه سبع حصيات، ووقت فضيلتها ما بعد طلوع الشمس، أو بعد الفجر، والتأخير عن الطلوع أولى، ووقت جوازه ما بعد منتصف ليلة النحر، ويتمادى إلى غروب الشمس يوم النحر، وفي امتداده تلك الليلة خلاف ذكرناه\rالصنف الثاني: الرمي في أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، يسمى الأول منها يوم القر؛ لأنهم يقرون فيها بمنى، والثاني يوم النفر الأول؛ فإن للحجيج أن ينفروا بعد الرمي متعجلين، فيسقط عنهم المبيت وما بعده من الرمي، والثالث يوم النفر الثاني، وهو آخر الأيام، فينبغي أن يرمي في كل يوم من هذه الأيام الثلاث إحدى وعشرين حصاة، إلى ثلاث جمرات، إلى كل جمرة سبع، فيبدأ بالجمرة الأولى، وهي تلي مسجد الخيف، ثم ما بعدها، ثم يختم بجمرة العقبة، مجموع ما يرمي في أيام التشريق ثلاث وستون حصاة، وإذا ضم إليه وظيفة يوم النحر بلغ سبعين\rووقت الرمي في أيام التشريق بمنى: أوله بزوال الشمس، ويتمادى إلى غروب الشمس، وفي تمادي الوقت ليلًا خلاف كما في يوم النحر، وهذا في يوم القر والنفر الأول، أما النفر الثاني، فينقطع وقت الرمي بغروب الشمس؛ إذ لا يبقى بعده نسك، ولا يلتقي في ذلك الوقت بمنى حاج، وقال أبو حنيفة : هذا اليوم الأخير يدخل وقت الرمي فيه قبل الزوال بزمان، ولعله يمده إلى الطلوع بسبب، لا لتعجيل النفر، وعندنا جميع الأيام في ذلك على وتيرة واحدة\rثم   النظر في الرمي يتعلق بأطراف:","part":1,"page":241},{"id":442,"text":"الأول: في جنس الحصاة، ولا يجزئ إلا الحجر، وقد جرت العادة بأخذها من جبال مزدلفة، وفيها أحجار رخوة صالحة، ولم يرد في التزود منها ثبت، وما لا يسمى حجرًا فلا يجزئ رميه بحال، ولا يجزئ الزِّرْنيخ  والإثمد والجواهر المنطبعة كالتبرين  وغيرهما، وترددا في الجواهر التي تتخذ فصوصًا مثل الفيروزج  والياقوت والعقيق ، فإنها أحجار، والظاهر منعها لزوال الاسم\rوالأحجار تنقسم مما لا يستخرج منها جوهر، فهو مجز كرضراض الأودية ، وهي أصل حجر الميناء، ولكن لا يظهر ذلك عليها، ولا يعرفها إلا خواص أهل الصنعة، وكذلك حجر النورة قبل أن يطبخ حجر على الحقيقة ، فإذا طبخت خرجت من أن تكون حجرًا، وفي أحجار الحديد تردد، فمنهم من ألحق بالإثمد، ومنهم من فرق؛ إذ الإثمد كحل كحله يُسحق، وحجر الحديد حجرٌ، وفيه جوهر الحديد كامنًا، وليس الإثمد كالنورة؛ إذ أكثر الأحجار يتأتى منها النورة بالإحراق، والإثمد كحلٌ من غير صنعة مهما سُحق فهو كالمغنيسيا  والمرقشيثا  والطلق\rالطرف الثاني: في تكرر الرمي على حصاة واحدة، والضبط فيه أنه إن اتحد الوقت والجمرة والرامي، كما إذا رمى حصاة واحدة سبع مرات إلى جمرة واحدة، ففي إجزاءه وجهان :\rأحدهما : الجواز؛ نظرًا لتعدد الرمي، وتشبيهًا له بمد واحد في الكفارة يدار على مساكين، فأما إذا تعددت الجمرة أو الوقت أو الرمي فلا منع قطعًا","part":1,"page":242},{"id":443,"text":"الطرف الثالث: في كيفية الرمي، والمتبع في الاسم، فلو وضع على الجمرة لا يجزئ، وحكى صاحب التقريب فيه وجهًا لا يعتد به، وإن أصاب الحجر في رميه محملًا فارتد بصدمته إليه أجزأ؛ لأن اتصاله بالجمرة من آثار رميه، ولو قر في محمل أو على ثوب إنسان، فنفضه الإنسان لم يجزئه؛ لأن وصوله إلى الجمرة لم يحصل بفعله، ولو انتهى إلى المحمل ولم يبق فيه قوة الرمي، ولكن سقط بالتدحرج فوجهان؛ لتردد هاتين: النفض والصدمة، ولو وقف في الجمرة، ورمى إلى الجمرة فلا بأس، ولو رمى حجرين دفعة لا يجزئه إلا واحد، وفيه وجه أنه إن تلاحقا في الوقوع ولم يتساوقا اعتد بهما، وهو ضعيف، ولو اتبع الحجر آخر، ووقعا معًا اعتد بهما، ومنهم من قال إن تساوقا في الوقوع فلا يعتبر التلاحق والتعدد في الرمي؛ نظرًا إلى الوقوع، وهو بعيد وكذلك لو سبق الحجر الثاني إلى الوقوع، خرج حكمهما على الوجهين، والصحيح الاعتداد\rفرع: العاجز عن الرمي   يستنيب كما استناب في أصل الحج، ولكن يعتبر في الأصل عضب لا يرجى زواله أصلًا، وها هنا يعتبر عجز لا يرجى زواله قبل انقضاء وقت الرمي\rثم قال العراقيون لو أغمي على المستنيب فالنيابة قائمة، وإن رأينا انعزال الوكيل بإغماء الموكل، مع استواء الأمرين في الجواز، ولكن الفرق أن ها هنا إقامة النائب مقام العاجز، فمزيد العجز لا يقطع، وزادوا، فقالوا: إذا مات المستنيب في الحج لم تنقطع الاستنابة لهذا المعنى، وما ذكروه في الإذن المجرد الجائز لا يخلو عن احتمال في صورة الموت، نعم لو جرت الإجارة فينبغي ألا ينفسخ بموته \rالطرف الرابع: في تدارك الفائت من الرمي، فلو انقضى جميع أيام التشريق فلا قضاء؛ لأن المناسك قد انقطعت، ولم يبق للرمي وقت، فأما إذا فاته يوم القر فأراد أن يقضى في اليومين بعده، أو فاته اليوم الثاني فأراد القضاء في الثالث، فعلى قولين :","part":1,"page":243},{"id":444,"text":"أحدهما: أنه لا يتدارك كما إذا انقضت أيام التشريق، فإن هذه تعبدات مؤقتة فلا يتصرف فيها بالرأي\rوالثاني: أنه يتدارك؛ اعتبارًا بمعظم العبادات المؤقتة \rفإن قلنا يتدارك، فهو قضاء أم يقال هو أداء  فات وقت الاختيار وجميع الأيام وقت لجميع الرمي، ولكن اختار الشرع لكل قدر وقتاً فيه وجهان، وعلى هذا الاختلاف ينبني أمران:\rأحدهما: جواز التقديم، فإنا إذا جعلنا الجميع وقت للجميع، جاز رمي الكل في اليوم الأول، فإذا قلنا قضاء فلا \rالثاني: جوازه في يوم القضاء قبل الزوال، فإن قلنا قضاء فيجوز؛ لأن القضاء لا يتأقت، وإن قلنا أداء لم يجز؛ لأنه لم يشرع رمي في ذلك الوقت أداء، وقيل في التفريع على كونه قضاء بامتناع ذلك، فإن القضاء قد يتأقت بعض التأقت، وهذا الخلاف جار أيضًا في الليالي إذا قلنا أنها ليست داخلة في وقت الأداء\rالتفريع: إذا قلنا التدارك ممكن، فهو حتم عند الإمكان، ولا يلغى الدم إلا إذا فات التدارك أيضًا، ثم النظر في الترتيب، فوظيفة يوم القر إذا أراد تداركها في النفر الأول ينبغي أن يقدم القضاء أولًا، ثم يشتغل بالأداء، ثم يراعي الترتيب، في القضاء بالبداية بالجمرة الأولى، والختم بجمرة العقبة، فلو عكس فلا يجزئه إلا ما يوافق الترتيب، فذلك واجب قطعًا، فأما ترتيب الزمان بتقديم القضاء على الأداء فيه قولان:\rأحدهما: أنه لا يجب كما في الصلوات\rوالثاني: أنه يجب كما في المكان \rوفائدة القولين:\rأنه لو رمى أربع عشرة حصاة إلى الجمرة الأولى، وكذلك إلى الثانية والثالثة، فلا يحتسب له من جملة   الأداء شيء ما لم تبرأ الذمة عن القضاء إذا قلنا بترتيب الزمان، وإلا فيحسب الكل؛ لأنه راعى ترتيب المكان","part":1,"page":244},{"id":445,"text":"والفائدة الثانية: أنه لو قصد قبل القضاء الأداء، فهل يقع عن القضاء، أم يتأثر بالقصد يلتفت هذا على ما ذكرناه من صرف الطواف الغريم أو إلى المحمول الصبي، قال صاحب التقريب: هذا الخلاف قريب المأخذ من الخلاف في أنه قضاء أم أداء، فإن جعلناه قضاء فلا معنى لتقديم القضاء على الأداء، وإن جعلناه أداء فالترتيب فيه زمانًا كالترتيب فيه مكانًا  هذا في رمي أيام التشريق\rأما رمي جمرة العقبة يوم النحر، ففي قضائه طريقان :\rمنهم من طرد القولين، ومنهم من قطع بالمنع، وجعل أيام التشريق فيها كغير أيام التشريق في رمي أيام التشريق؛ لأنه جنس آخر منقطع عما بعده بالوقت والكيفية، وإن فرعنا على أن التدارك غير ممكن، أو ترك التدارك فيه، فيلزمه الفدية، وهو إراقة الدم، فلو ترك الرمي في الأيام الأربعة ففي واجبه ثلاثة أقوال:\rأحدها: دم واحد للكل \rوالثاني: دمان، واحد لجمرة العقبة يوم النحر، والثاني لرمي أيام منى\rوالثالث: أنه يلزمه أربعة دماء لأربعة أيام، وذكرنا نظير هذا في المبيت \rفإن فرعنا على الاكتفاء بدم واحد، فلو ترك وظيفة يوم واحد، يلزمه دم كامل كما يلزم الدم الكامل في الثلاث شعرات، وإن كنا لا نزيد بزيادته\rالتفريع: إن كملنا الدم في يوم واحد على المذهبين، فهل يكمل فيما دونه من ترك ثلاث حصيات، أو ترك جمرة واحدة فيه طرق :\rأحدها: أنه يكمل بثلاث حصيات، ثم لا يزيد بزيادتها إلى يوم واحد، أو إلى جميع الأيام على قول، فعلى هذا في الحصاة مد أو درهم أو ثلثا دم \rالطريقة الثانية: أنه يكمل بوظيفة جمرة واحدة، ثم لا يزداد إلى يوم، أو إلى جميع الأيام، وعلى هذا في حصاة واحدة إما درهم، وإما مد، أو سبع دم","part":1,"page":245},{"id":446,"text":"الطريقة الثالثة: ذكرها صاحب التقريب: أنا لا نكمل في أقل من وظيفة يوم واحد، تنزيلًا لها منزلة ثلاث شعرات، وتنزيلًا لكل جمرة منزلة شعرة، فعلى هذا في الحصاة الواحدة عند توزيع الدم جزء من أحد وعشرين جزءًا من دم، إلا في يوم العيد، فيحسب سبع دم؛ لأنه منتهى عدد ذلك اليوم، وعلى قول إيجاب المد والدرهم، يحتمل أن لا ينقص ويحتمل أن يقال سبع درهم، أو سبع مد، ولا خلاف أن الدم يكمل في جمرة العقبة، فإنها وظيفة يوم واحد، واختتام الفصل بالتنبيه على ثلاثة أمور :\rأحدها: أن من ترك حصاة من الجمرة الأولى وأتى بما بعدها  فهو كما لو ترك ما بعدها، إذ لم يحتسب شيء من الثانية والثالثة، وعليه بقية من الأولى لرعاية الترتيب\rوالثاني: أن من جوز له التدارك فتدارك لا دم عليه، وحكى صاحب التقريب وجهًا غريبًا عن ابن سريج أنه يلزمه الدم مع التدارك، كما يجب على مؤخر قضاء رمضان سنة الفدية مع القضاء، وهو مذهب أبي حنيفة\rالثالث: أن مساق القول بأن التدارك أداء يوجب جواز التأخير في يوم القر رخصة رعاة الإبل خاصة، ولهم التأخير والقضاء في النفر الأول أو الثاني، ولو قلنا يجوز التأخير مطلقًا بطل اختصاصهم، واستدل به على بطلان القول بكونه أداء\rهذا تمام القول في أعمال الحج، وبعد النفر يرجع الحجيج إلى مكة لطواف الوداع، ثم ينصرفون إلى أوطانهم\rأما أعمال العمرة فليس فيها إلا الإحرام والطواف والسعي بعده، والحلق بعده إن جعلناه نسكًا، وإلا فقد حصل التحلل، هذا كله في البالغ المكلف\rأما الصبي فإحرامه يفرض على وجهين:\rأحدهما: أن يحرم عنه وليه وهو ابن مهد، فيصح الإحرام، يحمله فيطوف به، ويسعى ويحضره عرفة، ويرمي عنه، ويقع ذلك نفلًا عن جهته، وتثبت هذه الولاية للأب والجد، وفي ثبوته للقيم المتصرف في ماله وجهان ، وفي ثبوته للأم طريقان:","part":1,"page":246},{"id":447,"text":"منهم من بنى على أنها أهل تلي مال ولدها ومنهم من قطع بالجواز، وهو الصحيح؛ لأن أصل هذا الباب ما روي أن امرأة رفعت صبيًا من محفته، وقالت: يا رسول الله، ألهذا حج قال: {نعم ولك أجر} ، والظاهر أنها متكفلة لأمره، وعاقدة عقد الإحرام له\rالوجه الثاني: أن يكون صبيًا مميزًا مستقلًا، فإن أحرم بإذن وليه انعقد، وإن استقل ففي الانعقاد وجهان:\rأحدهما: أنه ينعقد كالصلاة والصوم\rوالثاني: أنه لا ينعقد؛ لأنه عقد خطير يتعلق به لوازم مالية \rفإن قلنا يستقل، فالولي لا ينفرد بعقد الإحرام له، وإن قلنا لا يستقل، ففي استقلال الولي وجهان:\rأحدهما: له ذلك؛ فإنه كان يقدر عليه قبل التمييز، والتمييز لا يزيل الولاية الثابتة، بل بقي محجورًا عليه في الاستقلال \rوالثاني: ليس له ذلك؛ لأنه جوز عند عجز الصبي في الحج على الخصوص رخصة لعظم أمر الحج، فإذا قدر امتنع، وإلا فالقياس منع النيابة في عقد العبادة، مهما انعقد للصبي إحرام، إما بمباشرته، أو بعقد الولي له   فما يقدر عليه من الأعمال يحمل عليه، وما يعجز عنه ينوب الولي عنه كما ينوب عن المريض العاجز في الرمي إذا استنابه، وهو مستناب شرعًا بولايته، فأما اللوازم المالية فالنظر في النفقات والفدية:\rأما النفقة التي زادت بسبب السفر، ففيها وجهان:\rأحدهما: أنها على الولي في ماله؛ لأنه الذي ورطه فيها مع الاستغناء\rوالثاني: أنه في مال الصبي؛ فإن النظر له في تحصيل حج له، كالنظر له في تعليم القرآن وغيره، فإن ذلك غير محتوم بل هو تطوع\rفأما الكفارات: فالنظر في الجماع وغيره","part":1,"page":247},{"id":448,"text":"أما الجماع: إذا صدر منه ففي فساد حجه خلاف، مبني على أن الصبي هل له عمد وفيه قولان، فإن قلنا له عمد فسد، وإن قلنا عمده كالخطأ، انبنى على أن جماع الناسي هل يفسد الحج، وفيه خلاف، فإن قلنا لا يفسد فلا كلام، وإن حكمنا بالفساد وهو الصحيح، فإن عمد الصبي معتبر قطعًا في العبادات؛ ولذلك لم يكن أكله عمدًا كأكله خطأ، فعلى هذا، هل يلزمه القضاء وجهان :\rأحدهما: يجب؛ لأنه موجب الفساد\rوالثاني: لا يجب؛ لأنه ابتدأ عبادة أنشأ إيجابها على الصبي، فإن قلنا لا قضاء، فليس إلا المضي في الفاسد والتحلل، ولا تبعة، وإن قلنا يجب القضاء، فهل يصح في الصبي فعلى وجهين:\rأحدهما: لا يصح؛ لأنه ليس وقت الاعتداد بالعبادات الواجبة، ولو صح لالتحق بالمكلف في الخطاب بالعبادات\rوالثاني: يجزئه؛ لأنه لائق بالمقضي، فإن قلنا لا يقضى في الصبي، أو أخر إلى البلوغ، فإذا قضى هل يتأدى به فرض الإسلام نظر فإن كان ما أفسده بحيث لو تم لتأدى به حج الإسلام، كما إذا بلغ قبل الوقوف، فسقط بقضائه فرض الإسلام، وإلا فلا، فإن قلنا لا يسقط فعليه تقديم فرض الإسلام أولًا، ثم القضاء في عمره متى أراد، فإن فرعنا على أنه يفسد ولا قضاء، في وجوب الكفارة وجهان أصحهما الوجوب، وإن قلنا يجب القضاء، فلا شك في إيجاب الكفارة، وحيث أوجبناها فهي على من فيه وجهان:\rأحدهما: في مال الولي؛ لأنه الذي ورطه فيه\rوالثاني: أنه في مال الصبي؛ لجريان السبب من جهته، كالقتل، فإنه يوجب الكفارة في ماله، هذا كله في الجماع\rأما التطيب واللبس وغيره ففي إيجاب الفدية خلاف، بني على أن للصبي عمداً أم لا وهذا المأخذ فاسد كما سبق فليوجه الإسقاط، فإن صححنا الإحرام في حقه في صحة العبادات، لا في اللوازم التالية؛ لأن الصبي لا يحتمل ذلك، فإن أوجبنا فهو على الولي، أو   على الصبي، فعلى الخلاف المقدم","part":1,"page":248},{"id":449,"text":"هذا في تطيب الصبي بنفسه، فلو طيبه الولي من غير منفعة للصبي، فالفدية على الولي، ولو طيبة للمداواة، فقد قال الشافعي: الفدية على المداوي، منهم من قرأ بفتح الواو، ومنهم من قرأ بكسر الواو، والحاصل أن من الأصحاب من نزله منزلة تطيب الصبي، ومنهم من قطع بالإيجاب على الولي \rوعلى الجملة إيجاب الفدية على الولي وهو حلال يُطَيِّبُ غيره مشكل، لا يعضده إلا المُحل إذا حلق شعر المحرم، فإنا نلزمه الفدية، ولكن يتجه فيه تقدير عصمة الشعر عن الإتلاف بالإحرام، فينزل منزلة صيد الحرم\rأما التطيب فهو ارتكاب محظور يختص به المحرم، ويلزم على مساقه إيجاب الفدية على كل حلال يطيب محرمًا، وقد أطلق الأصحاب ما ذكرناه، والمذهب نقل، وليس إلى الناظرين في محل الوفاق إلا إبداء الإشكال، هذا كله إذا استمر الصبي بالصبا حتى فرغ، فيصح حجه نفلًا، ولا يقع عن حجة الإسلام، قال رسول الله  r: {أيما صبي حج ثم بلغ، فعليه حجة الإسلام} \rهذا إذا بلغ بعد الحج، فلو بلغ قبل الفراغ، فإن كان بعد فوات الوقوف ووقته، لم يقع عن حجة الإسلام، وإن كان قبل الوقوف انصرف إلى حجة الإسلام، ولم يبال بتقدم عقد الإحرام، بل بقاء الإحرام في الحال يقوم مقام ابتداءه، ثم إن كان لم يسع من قبل، وإن سعى فلا يضر، ولكن هل عليه إعادة السعي وجهان:\rأحدهما: لا يجب؛ اكتفاء بالوقوف، وهو الأصل، قال  r: {الحج عرفة} \rوالثاني: أنه يجب الإعادة؛ لأنه ركن مقصود، فلا يعتد به في الصبا، بخلاف الإحرام فإنه دائم في الحال، فكأنه مبتدأ","part":1,"page":249},{"id":450,"text":"فإما إذا بلغ بعد الإفاضة من عرفة ومفارقتها، فإن عاد ليلًا ووقف، وقع عن حجة الإسلام، وإن لم يعد، لم يقع عن حجة الإسلام، وذكر العراقيون وجهين وقت الوقوف إذا أدرك في البلوغ، فهو قائم مقام تعيين الوقوف، وعضد ذلك بقولنا لا يعيد السعي على رأي، وهو بعيد لا وجه له، ثم مهما حكمنا بوقوعه عن حجة الإسلام، فهل يلزمه دم إساءة الميقات إذ لم يجر في الميقات إلا إحرام ناقص، وكان ابتداء احتساب الإحرام من وقت البلوغ، فيه قولان مشهوران:\rأحدهما: أنه لا يجب؛ لأنه أحرم من الميقات، وإن كان صبيًا، وقد وقع معتدًا به، فإن قلنا: إنَّه يجب، فلو عاد إلى الميقات ومر به محرمًا، فهل يسقط الدم وجهان: المذهب أنه يسقط؛ لأنَّه لم يقصر أولًا، وآخرًا، وحكى القفال وجهًا زيفه، أنه لا يسقط؛ لأن نقصان الصبي لم ينتف عن أول إحرامه، قال القفال: القولان في لزوم   دم الإساءة يبنى من قولين في أن الإحرام انقلب نفلًا، ثم استفتح صرفه إلى الفرض، من وقت الكمال، أم كان موقوفًا، ويتبين الآن أنه كان انعقد فرضًا، هذا حكم الصبي، والعبد إذا اعتق قبل الوقوف وبعده فهو كالصبي، وقد جمعهما رسول الله  r  في قرن\rفإن قيل: وما معنى قوله: {أيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة الإسلام} \rقلنا: قيل هذا حيث كانت الولاية والوراثة منقطعة بين من هاجر ولم يهاجر، وكانت حجة الأعرابي إذا ذاك نفلًا، [  ]  منسوخ، وقيل عبر بالأعرابي الذي لم يهاجر عن الكافر، وأبان أنه إذا حج في كفره غير حاج، فإذا أسلم فعليه حجة الإسلام\rهذا تمام البيان فيما يجب فعله من الأعمال في الحج، والعمرة، وهذا أوان بيان ما يحرم فعله فيهما\r\rالباب الثالث: من قسم المقاصد في بيان محظورات الحج والعمرة\rومحظورات الإحرام ستة أنواع: اللبس، والطيب، والحلق، والقلم، والجماع والاستمتاع بمقدمات الجماع، والاصطياد\rالنوع الأول: في اللبس\rوالنظر فيه يتعلق بالرأس وسائر البدن:","part":1,"page":250},{"id":451,"text":"أما الرأس: فيجب على المحرم كشفه، ويحرم عليه كل ستر ينافي بقاء اسم الكشف في كل الرأس، أو بعضه، معتادًا كان، أو لم يكن، والنظر بعد هذا الضبط في الساتر، وفي القدر المستور من الرأس:\rأما الساتر: فالعمامة، والقلنسوة، وكل ما يحمله الرأس، فلا خفاء بأمره، ويلحق به وضع خرقة على الرأس، أو على طرفه، فإنه ينافي اسم الكشف في ذلك القدر، فأما ما لبس محمولًا على الرأس إذا ستر، كما لو قومه بوسادة، أو بعمامة مكورة، لم يضره؛ لأنه لبس محمولًا، فلا يعد ساترًا، ولو وضع العمامة على أطراف من رأسه، لم يجز، فإنه ساتر، ولو استظل بسقف أو بخيمة، أو مظلة المحمل، فلا ضرر؛ لأنه ليس محمولًا، وكذلك الاستظلال تحت مجن مرفوع فوقه، وقال مالك ~ يمتنع الاستظلال بالمظلة المحمولة على الدواب، دون الخيام الموضوعة، فإنها في حكم البيوت ، وكأن مالكُا يفهم من المحرم عن الدعة والترفة بستر الرأس، والشافعي يفهم تكليفه مخالفة العادة في الستر للرأس، ومن ذلك إذا انغمس في الماء حتى استوى الماء على رأسه، لم يضر، ولم يعد ساترًا، وليس الماء محمول رأسه، وخالف مالك ~ في هذا ، والشافعي قال يمكن إطلاق القول بأنه حاسر الرأس في المظلة، وتحت الماء، ولا يمكن ذلك   بعد التعمم والتستر بالخرقة، فأما إذا وضع زنبيلًا  أو حملًا على رأسه، فهو محمول ساتر، ولكن لا يعد للستر، ففيه قولان :\rأحدهما: أنه لا يضر؛ لأنه لا يعد ساترًا، وما ورد مطلقًا، فيتلقى تفصيله من العرف، وهو حاسر الرأس في العادة\rوالثاني: أنه يضر؛ لأن الستر النافي للكشف، قد حصل، ونحن لا نعتبر صورة الاعتياد، فإنه لو ألصق خرقة ببعض الرأس، كان ممتنعًا","part":1,"page":251},{"id":452,"text":"فأما إذا طين رأسه ففيه احتمال محتمل أن يلحق بالحمل الموضوع على الرأس، ويحتمل أن يقال هذا ستر، فإن الطين لم يقصد حمله، بل قصد به التغطية، والظاهر أن ذلك في العورة ستر في حق صحة الصلاة ، فأما الثوب الرقيق، والحرير المشف، وما لا يمنع إدراك اللون، فهو ساتر في الإحرام، وإن لم يحصل به ستر العورة\rفأما محل الستر: فقد قدره أبو حنيفة بالربع ، وهو تحكم؛ فقد ورد التحريم مطلقًا، وليس موقوفًا على الاستيعاب، فيتبع الاسم، كما في المسح، والحلق، ويمكن أن يقال كل ساتر يلوح على بعد كما ذكرناه في وحل الطريق، والأقرب أن يقال كل قدر يتصور أن يقصد ستره لغرض ما، وإن لم يكن ذلك الغرض حاصلًا، فالشجة تستر بخرقة، ويقصد سترها، فلو شد على رأسه خيطًا لم يفد؛ لأن ما يأخذه الخيط لا يقصد ستره، ولو شد عصابة لها عَرضٌ حَرُم ذلك، فهذا منتهى الضبط في المستور والساتر، فإن أقدم على ما منعناه من غير عذر، التزم الفدية، ولم يعص، هذا في حق الرجل\rأما المرأة فالوجه في حقها كالرأس في حق الرجل، قال الفقهاء: إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه؛ لأن المقصود مخالفة العادة في كل واحد، فلو أرسلت المرأة ثوبًا حذاء وجهها متجافيًا، فلا بأس، ولو ستر الرجل وجهه، فلا بأس، بخلاف الرأس، ومنع أبو حنيفة ستر الوجه للرجل كالمرأة \rالطرف الثاني: في سائر الجسد\rوليعلم أن سائر الجسد يجوز ستره، فليس الكشف مأمورًا، ولكن المحذور فيه الستر المعتاد، فليجتنب اللبس المعتاد المخيط، الذي أحاطته بالخياطة، أو ما في معناها، فالمقصود اجتناب الهيئة المعتادة في الزي، فقد استهل الضبط على قيدين، الأول هو اللبس المعتاد  ، والمعنى به، أنه لو توشح، أو ارتدى واتزر بقميص، أو التحف بجبة في الاضطجاع، فلا يحرم ذلك","part":1,"page":252},{"id":453,"text":"وأما لبس القباء  والمفرج، فهو محرم كلبس القميص والخف فإنه معتاد، ثم لا فرق بين أن يخرج يديه من الكمين، أو لم يدخل به أصلًا، وقال أبو حنيفة: إذا لم يدخل فإنه لم يلزمه فإنه لا إحاطة ، وهذا فاسد؛ فإنه قد يعتاد على ذلك الوجه، ولو التحف في اضطجاعه بلحاف وجه، فلا بأس، ولو التحف بقباء، أو فرجي، نظر، فإن أخذ منه مأخذًا، لو انتصب لبقي لابسًا له، فهو محرم، وإن لم يأخذ منه إلا ما يأخذه اللحاف فلا حجر\rفأما القسم الثاني: وهو أن تكون الإحاطة بالخياطة، أو ما في معناها، فالخياطة، والقميص، والجبة، والخف معلوم، وما في معناه ما سمي مخيطًا كالدرع، أو لبد كاللبد على هيئة الجبة، فأما ما أخاطته بالعقد، فلا بأس به، كما لو شد طرفي إزاره، أو رداءه على كتفه، أو وسطه، فإن الإزار يعتاد عقده لا محالة، ولا بد من الاتزار، وكذا لو عقد طرف الرداء بالإزار، فلا بأس، ولو اتخذ إزارًا ذا حجزة، وجعل فيها تكة، والإزار لم يزاليه اسمه فلا بأس، وإنما هو مزيد استيثاق في الشد\rفأما إذا جعل لرداءه شرجًا  وعُرًى منظومة، فإن قل ذلك وبعد من الانتظام ومقاربة الخياطة، فلا بأس به، فهو كالعقد، وإن انتظم انتظامًا يقرب من الخياطة، ففيه تردد، ومال العراقيون إلى المنع \rولو شق إزاره من ورائه وجعل له ذيلين، ولف كل ذيل على ساق في صورة سراويل، قال العراقيون: يمتنع ذلك، وهو إذا لم يكن شرج، ولا عرى، وإنما هو لف محض، ففيه احتمال ظاهر إذ الإحاطة بطريق الالتفاف غير ممنوع، فله أن يلف الإزار على بدنه، ولكنهم جعلوا مضاهاة السراويل كالمضاهاة بالشرج والعرى، وكذلك الهِمْيان  والمِنْطَقة، وإن أحاطت فلا بأس بهما مع الشرج والعرى، فليس ذلك ملبوسًا أصلًا، هذا كله في حق الرجل، أما المرأة فلها ستر بدنها بالثياب المعتادة، وهولا يليق بها، وإنما إحرامها في وجهها، وكشف الوجه في حقها ككشف الرأس في حق الرجل","part":1,"page":253},{"id":454,"text":"واختلف قول الشافعي في جواز لبس القفازين للمرأة، والظاهر الجواز ؛ فإن لها ستر اليد، وليس لها لبس الخف، وإنما مستند قول المنع ورود الحديث مطلقًا في النهي عن القفازين، والتخصيص بالرجال أولى، وليس يمكننا إلحاق يديها بوجهها من حيث أنه يحتمل كشفهما في الصلاة - أعني الكفين –   كما في الوجه، إذ لا خلاف أن لها ستر اليد بأطراف الكم، بخلاف الوجه\rوقد ينشأ من القفازين نظر، وهو أنه لو اتخذ الرجل لعضو مفرد غلافًا على هيئة خريطة مخيطة، فقد تردد من حيث انه يشبه القفازين، ولكنه يفارقه من حيث أنه غير معتاد، بخلاف القفازين، ويجري هذا التردد في غلاف يتخذ للحية في الخضاب، وسنذكر ذلك إن شاء الله، ثم مهما حكمنا بالتحريم، فإن فعل غير معذور عصى والتزم الفدية، وإن كان معذورًا، فلا معصية وتلزمه الفدية، إذا كان عذره لغرض يرجع إليه من اتقاء حره، أو دفع مرض، فإن كان من جهة الشرع، فلا فدية، كما إذا لم يجد إلا سراويل، فإن قدر على فتقه، والاتزار به فهو واجب، وإن لم يتأت اتخاذ إزار منه، فيتعين عليه ستره شرعًا، فلا فدية عليه خلافًا لأبي حنيفة، وقد قال رسول الله  r: {من لم يجد إزارًا فليلبس سراويلًا، ومن لم يجد نعلًا، فليقطع الخفين أسفل من الكعبين}  والمتبع الخبر، فإن ما ذكرناه من مراعاة وجوب حق الشرع، يوجب تنزيل العورة منها منزلة سائر البدن من المرأة، حتى يحل له سترها بالسراويل مطلقًا، ولا نكلفه في لبس السراويل قطع الساقين إلى منتهى الركبة، التي هي أول حد العورة، مع أنا نكلفه قطع ساقي الخف، فالتعويل على الحديث، وفي جواز عقد السراويل فوق السرة، ورفعه كذلك نظر، ويحتمل المنع","part":1,"page":254},{"id":455,"text":"وأما الخف فإنه ساتر محذور، والنعل جائز، وإحاطة الشراك للإستمساك لا يعد ساترًا، وفي الشمشك خلاف، منهم من قال: هو ساتر كالخف، ومنهم من حمل ذلك القدر على الإستمساك، ويشهد له سقوط الفدية إذا قطع الخف إلى الكعبين عند فقد النعلين، ولو كان ذلك ساترًا للزم الفدية، كم إذا لبس قميصًا عند فقد الإزار، فإنه لا يعد في ستر الرجل، إن اتجه تعبد في السراويل\r\rالنوع الثاني: التطيب\rويحرم استعمال الطيب فقد قال رسول الله  r: {الحاج أشعث أغبر}  فالرابطة اشتملت على ثلاثة أوصاف: الاستعمال، والطيب، والقصد\rأما الطيب: ما تقصد رائحته لطيبها، وإن كان يقصد منه غيره، وهي أنواع:\rأحدها: الزعفران، وهو طيب بالاتفاق، وإن كان مقصودًا للصبغ، والتناول ظاهر منه، ولكن إذا ظهر في معنى الطيب كفى، وفي معناه الورس، وهو أشهر طيب اليمن\rالثاني: الأترجة   والسفرجل والتفاح ليس طيبًا، وإنما هو من الفواكه يقصد تناولها تفكهًا، أو تداويًا، وقد يقصد تزيين المجالس بها، ولا يظهر منها قصد الرائحة، وفي الفرق بينها وبين الزعفران غموض، ولكنه متفق عليه، ويلتحق بها القرنفل والدارصيني، فإنهما أدوية، كما أنها فواكه، فليس من الطيب\rالثالث: الضَّيْمَرَان ، وهو الريحان الفارسي، اختلف فيه نص الشافعي، والوجه القطع بأنه طيب لا يستعمل إلا للتطيب، ولكن الشافعي لم يعده في بلاده، مساق كلامه دل عليه؛ لأنه قال: إنما يحضر لتزيين المحافل، فأما الورد، فطيب قطعًا لا يشك فيه \rالرابع: البنفسج، اختلف فيه نص الشافعي ، وذكر العراقيون فيه وفي دهنيته ثلاثة طرق:\rأحدها: طرد القولين\rوالثاني: القطع بأنهما طيبان، وهو الصحيح، ونص الشافعي محمول على البنفسج المربى ، الذي سقطت رائحته كما سنذكره","part":1,"page":255},{"id":456,"text":"والطريقة الثالثة: أن البنفسج طيب دون دهنه، فإن المراد من الدهن التداوي، وهذا يخرمه دهن الورد، فإنه يقصد منه التداوي، وأما دهن الورد ففيه تردد كما في دهن البنفسج، إذا جعلنا البنفسج طيبًا، والظاهر أن الفدية تجب باستعمالهما، باتصال عين الطيب بهما، وسنذكر وجوب الفدية في تناول الخبيص  المزعفر\rثم قال العراقيون: هذا الخلاف في دهن يغلي فيه جرم البنفسج، فأما إذا ذر البنفسج على السمسم، حتى تروح به، فذلك الدهن ليس طيبًا وفاقًا، إذا ليس فيه جرم الطيب، وكان الشيخ أبو محمد يقول : الدهن الذي فيه الكلام، وهو أشرف مما أغلي فيه البنفسج وأطيب، فإنه يتشرب من مائية البنفسج، وليس النزوج بالمجاورة المحضة\rالخامس: الشيح، والقيصوم، والأزهار الطيبة في البوادي ليس طيبًا، وإن كان يقصد شمها؛ لأنه يطهر، مقصود التداوي منها، ولو كان الريح مقصودًا منها لاستنبتت قصدًا، كسائر أنواع الرياحين\rالسادس: نص الشافعي على أن دهن البان ، والبان نفسه ليسا بطيبين، والأمر على ما قال، ودهن البان- وإن كان من أركان الغوالي – فذاك يراد سيلان الغالية، وبعده عن التغير، وذكر الفوراني أن من الأصحاب من يعتبر عادات كل ناحية في الطيب، وذلك غير بعيد، وإن لم يعتبر في الربا عادات كل ناحية في الطعم، بل المطعوم ولو في قطر واحد ربوي مطلقًا","part":1,"page":256},{"id":457,"text":"السابع: إذا تناول الخبيص المزعفر قال الشافعي   تلزمه الفدية إن كان بحيث يصبغ اللسان، فعول على اللون دون الرائحة، فمن أصحابنا من وافق، وقال: مهما بقي لون الطيب فحكمه باق، وإن سقطت رائحته، ومنهم من اتبع الرائحة، وحمل نص الشافعي على الاستدلال ببقاء اللون على بقاء الرائحة، فإذا سقطت الرائحة سقط حكمه، ويتولد من هذا أن من جرم الطيب على الثوب إذا بقي وسقطت رائحته، ففيه تردد، منهم من عول على اللون، والصحيح سقوطه، نعم بقاء اللون يدل على أنه لو رش الماء عليه لفاحت الرائحة، فإذا كان كذلك، فالرائحة راكدة غير ساقطة، فهذا كالماء لكثير إذا تروح بالنجاسة، فغمر بالكافور، فحكم النجاسة باق؛ لأن رائحتها مغمورة غير ساقطة، وعلى هذا التردد يخرج ماء الورد إذا مزج بالماء حتى سقطت رائحته، فمنهم من يعول على عين الطيب، ومنهم من يعول على الرائحة، وهذا فيه إذا لم يمكن تحديد رائحته بإزالة الانغمار الحاصل، فإن أمكن فالطيب باق بعينه وريحه\rأما القيد الثاني: وهو الاستعمال، والاستعمال عبارة عن إلصاق الطيب بالبدن أو الثوب، وذلك على ثلاثة أوجه:\rأحدها: أن يعبق بالبدن أو الثوب، فهو استعمال محرم، معتادًا كان أو لم يكن، حتى لو طيب عقبه بالغالية  التزم الفدية، فإن ذلك مهما اتصل به وجبت عليه إزالته، كما تجب على المصلي إزالة النجاسة، فإذا أوجبت الإزالة حرم الإبقاء\rالثاني: أن يعبق به الريح دون العين، فهذا يعتبر فيه الاعتياد، فلو احتوى على المجمر وتبخر بالعود والبخور لزمه الفدية؛ لأن هذا معتاد مقصود، ولو جلس عند الكعبة وهي تجمر، أو في بيت يُجمر ساكنوه، وإن كانوا غير مقصودين، أو عند عطار فعبق به الريح، لم يلزمه الفدية؛ لأنه غير معتاد لغرض التطيب، والتفل والوسخ غير مقصود في حق المحرم، وكذلك لا يمنع من التنظف والغسل، ولكن الغرض منعه من الاشتغال بالتطيب المعتاد الملهي عما هو بصدده","part":1,"page":257},{"id":458,"text":"الثالث: أن لا يلتصق به عين، ولا يعبق به ريح، ويجزئ مسيس طيب يابس قصدًا، كما إذا مس جرم المسك و العود، فلا فدية ولا تحريم، فإن عبق به الريح مع المسيس، فقولان:\rأحدهما: أنه لا تلزمه الفدية؛ لأنه غير معتاد، فهو كالجلوس عند العطار\rوالثاني: أنه تلزمه؛ لوجود المسيس مع الريح، فإن الريح مع مس العين كالتصاق العين، فإنه يبقى العين لريحه، فلا تعتبر العادة في هذا القسم كما في القسم الأول، ولا خلاف في أنه لو وضع بين يديه أنواع الطيب استرواحًا إلى روائحها، فلا فدية عليه  ، وليس كالتبخر؛ فإنه اتصال بعين الطيب، إذ بخاره ودخانه عين أجزاءه\rفرعان:\rأحدهما: لو طيب فراشه فجلس عليه، فلقيه بدنه أو ثوبه، فهذا من استعمال الطيب، فإنه معتاد للمرفهين في الوطاء الغطاء، ولو فرش فوقه ساترًا صفيقًا يمنع وصول عين الطيب فريحه، فلا بأس، ولو كان يمنع مس العين ولا يمنع الريح، قال العراقيون: لا فدية ويكره\rالثاني: لو شد مسكًا على طرف إزاره، فكانت الرائحة تعبق به فهو تطيب معتاد محرم، ولو شد عليه عودًا، فهذا غير معتاد، وإن اتصل به الرائحة فهو كمس الطيب اليابس مع اتصال الريح، ولو حمل المحرم مسكًا في قارورة مصممة الرأس، فلا فدية، وإن حمله وهو في الفأرة غير مشقوقة، ففيه وجهان:\rأحدهما: لا يمنع؛ لأنه لم يلاق الطيب، فصار كالقارورة\rوالثاني: يمنع؛ لأنه معتاد، والرائحة منه تفوح، وقطع الصيدلاني بوجوب الفدية، أما إذا كانت مشقوقة فلا شك في وجوب الفدية\rالقيد الثالث: القصد\rوبيانه بصور:","part":1,"page":258},{"id":459,"text":"أحدها: أن الناسي للإحرام إذا تطيب فلا يلزمه الفدية، ولا يعصي، كما أن أكل الصائم ناسيًا لا يفطر، فهذا قياس عليه، كما قسنا كلام المصلي، وأبو حنيفة يخالف في هذا القياس ، وكذلك إذا لبس ناسيًا، ويجزئ ذلك في الاستمتاعات، فأما الاستهلاكات، كقتل الصيد والحلق والقلم، فالظاهر أن العامد فيها كالساهي، كنظيره في إتلافات حقوق الآدميين، ونص الشافعي في المغمى عليه إذا حلق أنه لا فدية عليه ، فاستخرج منه قول طرد في الإتلافات، حتى في الصيد، أن النسيان ينافي وجوب الفدية فيها، كما في الاستمتاعات، وحكي في الصيد أيضًا قولان\rالصورة الثانية لضعف القصد: الجهل، فمن جهل كون استعمال الطيب محرمًا، فهو معذور كالناسي، وكذلك في الصوم والصلاة ولو علم تحريمه ولم يعلم وجوب الفدية لزمته الفدية، وأعلمناه بها، ولو علم تحريمه، ولكن لم يعلم كونه طيبًا، ففيه وجهان: منهم من ألحقه بالناسي، ولو علم أنه طيب، ولكن لم يعلم أنه رطب يعبق به، فمسه على الجهل، فالأصح وجوب الفدية \rالصورة الثالثة: أن يصبَّ عليه طيب، أو يلقيه الريح عليه من غير فعل فلا فدية عليه، وفي وجوبها على الذي لطخه به احتمال، قدمناه في إحرام الصبي، ولكن حيث لا يلزمه الفدية، يلزمه مبادرة الطيب بالإزالة، فلو توانى وأخر الإزالة، التزم الفدية، وإذا  ، نحاه على قرب فلا فدية عليه، ولو افتقر في إزالته إلى ممارسة الطيب، فلا بأس، ويقتصر فيه على قدر الحاجة، وهو محتمل؛ لأنه إزالة، فهو كالاشتغال بالنزع في حق من أصبح مجامعًا","part":1,"page":259},{"id":460,"text":"فرع: ولو لم يجد إلا ما يكفيه لوضوءه، أو لإزالة الطيب، قدم إزالة الطيب، كما يقدم إزالة النجاسة، فإنه لا بدل له، بخلاف الحدث، فلو قدر على الوضوء، وجمع الغسالة في إناء؛ لإزالة الطيب، قال العراقيون: هو متعين، وفيه نظر من حيث أن فيه تأخير الإزالة مع الإمكان، ولكن يمكن أن يقال هو محتمل لإجل إزالة الحدث، كأن لا إمكان شرعًا، إذ طريق الإزالة تفريغ الماء له، فهو كمدة تحصيل الماء، هذا بيان قيود الرابطة، ويتصل بأذيالها النظر في الترجيل والخضاب والاكتحال:\rأما ترجيل شعر الرأس واللحية والدهن فمحرم، وقد قال رسول الله  r: {الحاج أشعث أغبر} ، وهذا يضاد الشعث، كما أن العطر يضاد التفل، فإن قيل: وقد ذكر الغبار، ولا يحرم عليه غسل الشعر بالسدر والخطمي، وكل غاسول مختار، قلنا: ذلك لإزالة الأوساخ والأنتان، وهو غير مزيل غبار الشعر، ولعله يزيد فيه، وأما الترجيل بالدهن على الخصوص، ففيه تنمية الشعر، وتزيين له في العادة، ولا يمتنع ذلك في شعر البدن، إلا إذا كان في الدهن طيب فيلتحق بقبيل التطيب، وهذا إذا كان على رأسه شعر، فإن دهن الأقرع رأسه فلا بأس، وإن كان الشعر محلوقًا، فوجهان، القياس أنه لا يلزمه؛ إذ لم يوجد الترجيل المعتاد، ومن ألزمه نظر إلى تنمية الشعر، وإصلاح المنبت\rأما الخضاب: فقد ردد الشافعي قوله في اختضاب الرجل في لحيته، فاختلف الأصحاب في مأخذ تردده على ثلاثة أوجه:\rمنهم من قال مأخذه أن الحناء طيب أم لا، وهذا بعيد، فإنه غير معدود من الطيب ، وعلى هذا لا يختص لزوم الفدية باستعماله\rالثاني: أن مأخذه أنه هل تقوم مقام الترجيل، وهل هو في معناه، وإن لم يكن فيه دهن، وعلى هذا يختص باللحية وشعر الرأس ومحل الترجيل، ولا يضر في سائر البدن\rومنهم من قال مأخذه أن المختضب يتخذ لشعره غلافًا محيطًا كالخريطة، فهل لذلك حكم المخيط، وقد ذكرنا ترددًا فيه، والأصح حال التشبيه بالترجيل ، ولم يذكر الصيدلاني غيره","part":1,"page":260},{"id":461,"text":"أما المرأة فالاختضاب في اليد في حقها مسنون قبل الإحرام، وبعد ذلك في السفر، فمنع الترجيل   على احتمال الطيب، وعلى احتمال الغلاف يخرج في حقها على القفازين، إن اتخذت لليد غلافًا، وعلى احتمال الترجيل لا يمتنع عليها ذلك، أما الاكتحال، قال الشافعي: لا بأس به إذ لم يكن فيه طيب ، والأمر على ما قال\r\rالنوع الثالث من المحظورات: التنظف بالحلق والقلم\rويجب على المحرم إذا أبان شعر نفسه أو ظفره، قصدًا من غير عذر، فدية مخيرة، وهي: الدم، أو صيام ثلاثة أيام، أو التصدق على ستة مساكين بثلاثة آصع، كل صاع يحوى أربعة أمداد، فلكل مسكين مدان، وهذا غريب في تعديل الصيام بالطعام، ولكنه ليس تعديلًا؛ فإن كل خصلة مستقلة لا ترتيب فيها، وفيما ذكرناه من الرابطة قيود، فلتتأمل، فقولنا: أبان، عنينا به الحلق والتقصير والإحراق والنتف، فالكل على وتيرة واحدة، وأما الشعر فهو اسم جنس، فأقل ما يدخل تحته الثلاث، ففيه الفدية، ولا تزيد بزيادته، وإن استوعب الرأس مع اتحاد الزمان والمكان، أما إذا اقتصر على شعرة أو شعرتين، ففيهما ثلاثة أقوال مشهورة:\rالأقيس وجوب ثلث الفدية، وفي الشعرتين وجوب الثلثين \rوالثاني: أنَّه يجب لكل شعرة مد، وللشعرتين مدان ، فإن المرجوع إليه في الشريعة، يرجع إليه في مقابلة صوم رمضان\rوالقول الثالث: أنَّه يجب في الواحدة درهم، وفي الاثنتين درهمان، ولا مأخذ له، إلا أنه من [قول] كبار التابعين ، ولا يقول ذلك إلا عن ثبت\rوحكى صاحب التقريب قولًا غريبًا، أنه يجب في الواحدة دم كامل، ثم لا يزيد بزيادتها إلى الاستيعاب، وهذا غريب في المذهب، وإن كان له اتجاه، ثم الأظفار كالشعور في العدد\rوأما قولنا: شعر نفسه، احترزنا به عن حلق شعر البهائم، وشعر الحلال، فلا تحريم ولا فدية فيه، وقال أبو حنيفة : أخذه من شعر الحلال كالأخذ من الصيد، ثم لم يوجب عليه فدية كاملة، واكتفى بإيجاب صدقة","part":1,"page":261},{"id":462,"text":"أما قولنا: قصدًا، احترزنا عن الناسي والجاهل، وقد سبق حكمه في قسم الطيب، ويخرج عليه مسألتان:\rإحدهما: أنه لو قطع عضوًا عليه شعرات، أو كشط جلدة الرأس والساعد، فلا شيء عليه؛ لأن الظفر والشعر، لم يكن مقصودًا بالإبانة\rالثانية: إذا مشط المحرم شعره فسقطت شعرات، فإن علم أنه انتتف بامتشاطه، فعليه الفدية، وإن علم أنها انسلت، وقد كانت منفصلة قبل ذلك، فلا شيء عليه، وإن شك في ذلك، فقد ذكر الشيخ   أبو محمد قولين :\rأحدهما: لا يجب؛ إذ الأصل براءة الذمة\rوالثاني: أنه يجب؛ إحالة على السبب الظاهر، كما توجب غرة الجنين - وإن لم نستيقن حياته- إحالة على الجناية الظاهرة\rأما قولنا: من غير عذر، احترزنا به عن الحلق بالعذر، وله صور:\rأحدها: أن تؤذيه هوام رأسه، فله الحلق، وعليه الفدية؛ مر رسول الله  r  بكعب بن عجرة ، وكان يطبخ شيئًا، وهوام رأسه تنتثر، فقال: {أيؤذيك هذا، فقال: نعم، فقال: احلق وانسك بدم، أو صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفرق من الطعام على ستة مساكين} \rالثاني: إذا نبتت شعرة أو شعرات من داخل الجفن، أو انكسر ظفر، وظهر التأذي بهما، فله أخذهما، ولا ضمان عليه، ولا دم؛ لأن الأذى من عينه، لا لصورة التأذي بالهوام، فيضاهي هذا قتل الصيد لصياله، فإنه لا جزاء فيه، بخلاف ما إذا قتله لحاجته لمخمصته، وذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص وجهين مبنيين على أن الجراد إذا عم البلاد والطرق، ولم يجد المحرمون مسلكًا، فهل يلزمهم الدم بالتخطي وهل يضمنون ما يتلفون فيه قولان، ومسألتنا أولى على الجملة بسقوط الدم فيه؛ لأن الأذى من عين الشعرة، ولا أذى من الجراد، ولكنه قصد الوصول إلى المقصد من سلوك الطرق\rالثالث: إذا حلق الحلال شعر الحرام، فله ثلاثة أحوال:\rأحدهما: أن يكون بإذنه، فالفدية لازمة على الحرام وجوبًا وقرارًا، وهو كما لو باشر بنفسه","part":1,"page":262},{"id":463,"text":"الثانية: أن يكون الحرام مكرهًا أو نائمًا ولا نظر له ولا إذن، فالفدية لازمة قطعًا، وقرارها على الحلال قطعًا، وفي ملاقاة الوجوب للمحرم قولان: أحدهما لا يلاقيه لعدم فعله، والثاني يلاقيه فإنه الأصل والحلال يتحمل عنه، وكان يتجه إسقاط الفدية أصلًا، ولكن لا قائل به، وغاية توجيهه: تشبيه شعر المحرم بشجر الحرم وصيده\rالتفريع: إن قلنا الوجوب لا يلاقي المحرم، بل يجب ابتداء على الحلال، فالطرق متفقة على أن له مطالبة المُحل بإخراج الفدية، وهذا مشكل، وإن قلنا الوجوب يلاقيه، والمحل متحمل، فتحمل الصوم غير ممكن، وهو عبادة محضة، وإيجاب الصوم تعيينًا على المحرم غير ممكن؛ فإنه يرفع الخيرة، ولكن نقول إن صام المحرم فلا رجوع على المحل أصلًا\rالحالة الثالثة: أن يكون المحرم ساكتًا غير آذن ولا مُكره، من أصحابنا من ألحقه بالمكره؛ لعدم الإذن والفعل، ومنهم من ألحقه بالآذن؛ لجريان التمكن، وعلى الجملة تخريج هذه المسألة على قيد القصد أولى من تخريجها   على قيد العذر واختتام الكلامين بنقل نصين للشافعي:\rأحدهما: أنَّه قال: لو كان برأسه هوام، فنحاها، تصدق بشيء، ثم قال: لا أدري من أين قلت ما قلت، وهذا من قبيل استحسان أبي حنيفة، فهو مشكل، ثم قال الشيخ أبو محمد : ينبغي ألا ينحى، فإن نحي ففي وجوب الصدقة وجهان، والصحيح أن ذلك لا يحرم، وأن الصدقة ذكرها الشافعي استحسانًا، فإنه بين أن لا أصل له\rالثاني: اختلف نص الشافعي في أن المحرم هل يغتسل، وهل يكره ذلك له فقال في الجديد: لا يكره، وهو الصحيح؛ قال  r  لعائشة: {اغتسلي وامتشطي وافعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت} ، ودخل ابن عباس  t  حمام الجحفة وقال: {ما يعبأ الله بأوساخكم شيئًا} \rونص في القديم على أن ذلك يكره، إلا عند الحاجة، وهو مرجوع عنه، ولعل الخيال فيه استدامة الشعث\rالنوع الرابع: من المحظورات الجماع","part":1,"page":263},{"id":464,"text":"والجماع مفسد للحج وموجب للقضاء والكفارة، والنظر في وقت إفساده، وفي كيفية المضي في فاسده، وفي الكفارة، وفي القضاء\rأما وقت إفساده: فما قبل التحلل الأول، سواء كان قبل الوقوف أو بعده، وقال أبو حنيفة : أنه بعد الوقوف لا يفسد، هذا في الحج، وفي العمرة إذا جرى بين السعي والطواف فمفسد قطعًا، وإن كان الطواف فيها من أسباب التحلل، ولكنهما كالشيء الواحد، واتفقوا أيضًا على أنه يفسد بعد السعي على قولنا أن الحلق نسك؛ لأنه بقي شيء من أعمال الحج، ولم يثبتوا للعمرة تحللين كما للحج، فأما الجماع بعد التحلل الأول في الحج - كما سبق بيان التحلل- فالمذهب أنه لا يفسد؛ لأنه لم يصادف إحرامًا تامًا، وعرف ذلك بإحلال اللبس والطيب والحلق له، وسياق هذا مشعر بأن الطيب واللبس في العمرة قبل الحلق ممنوع على قولنا الحلق نسك؛ لأنه لو كان ذلك مباحًا لم يكن الإحرام ثابتًا، ولا الجماع مفسدًا، ومن أصحابنا من قال يفسد الحج بالجماع بعد أحد التحللين؛ لأنه صادف أصل الإحرام، وإن لم يصادف كماله، فإن الجماع محرم في هذه الحالة\rالتفريع: إن قلنا يفسد، فواجبه القضاء والكفارة العظمى، وإن قلنا لا يفسد ففي واجبه وجهان :\rأحدهما: البدنة، وهي الكفارة العظمى\rوالثاني: أن واجبه شاة؛ لأن هذا جماع لم يفسده، فأشبه غيره من المحظورات، وذكر وجه آخر: أنه لا يجب شيء إذا لم يفسده، وهو بعيد؛ لأنه لا ينبغي أن تتقاصر عن المباشرة  والملابسة، ويجب فيها الفدية في هذه الحالة على قول تحريمها، هذا حكم الفساد\rوأما طريق المضي في فاسده: أن يتحلل عن إحرامه، بالإتيان بجميع الأعمال التي كان يأتي بها لولا الإفساد، وليس ذلك تشبهًا، كإمساك الصائم، بل هو عقد منعقد لازم، وله أحكام، حتى يخرج عليه ارتكاب المحظورات، ولو ارتكب يلزمه الفدية، كما في الصحيح، وذكر وجه: أنه لا يلزمه، وهو بعيد، وأما إذا جامع ثانيًا، ففي الجماع الثاني قولان:","part":1,"page":264},{"id":465,"text":"أحدهما: أنَّه لا يلزمه شيء؛ لأنه معاودة إلى الأول، فهو كتكرار حركات الجماع، ولأنه ليس مفسدًا فيلغوا أثره، وهو يضاهي قولنا الجماع بين التحللين لا يوجب شيئًا؛ لأنه لم يفسد\rالثاني: أنَّه يلزمه شيء، ثم في اللازم وجهان: أحدهما: أنَّه بدنة، والثاني: أنَّه شاة\rوواجب الجماع في العمرة واجبه في الحج من غير فرق، إلا في حديث التحلل كما سبق\rأما الكفارة: فواجبه على ما سنصفها في بيان الدماء، وذلك على الرجل، أما المرأة، ففيها من الخلاف ما في المطاوعة في نهار رمضان مع التفصيل المقدم في تقدير التحمل وملاقاة الوجوب ونقيضه، فإن قلنا بالتحمل، فإذا لزمها القضاء، فهل عليه مؤنة تحصيل القضاء لها ببذل المال فيه وجهان:\rأحدهما: أنه يجب الكفارة، وثمن ماء الغسل\rوالثاني: لا يجب؛ لأن ذلك ثبت مخصوصًا في الكفارة الصيامية، فلا يلتحق بها غيرها، إلا ما يقرب منها، وهي الكفارة\rأما القضاء: ففيه أربع مسائل:\rأحدهما: أن الشافعي قال: إذا عاد في القضاء إلى ذلك المكان، فرق بينهما، وظاهر كلامه يشعر بالاستحقاق، وإليه ذهب الأصحاب؛ لظنهم أنه قال عن أثر، فإن لم يكن فيه نقل، فالظاهر أنه استحباب، حذارًا من تذكر الحالة السابقة، وانبعاث الداعية مرة أخرى\rالثانية: إذا كان أحرم من مسافة شاسعة قريبة من بلده فأفسد، يلزمه في القضاء الإحرام من ذلك المكان تداركًا لما أفسده، وقال أبو حنيفة : لا يلزمه ذلك، ويكفيه الميقات، ولا خلاف أنه لو أحرم في أول أشهر الحج وأفسده، فلا نلزمه في القضاء الإحرام في ذلك الوقت\rالثالثة: إنما يجب إذا كان متطوعًا بالحج الذي أفسده، فإن كان في مفروض، فما يأتي به قضاء يتأدى به الفرض الواجب، ونعني به أن الأول قد فسد، ولا يعتد به، فإنه قضاء لما سبق، ولو صح ما سبق لبرئت ذمته، فكذلك إذا صح قضاؤه؛ ليصير بعد القضاء كما كان يكون بعد الأداء لو تم، ففائدة وجوب   القضاء تظهر في التطوع، فليفهم","part":1,"page":265},{"id":466,"text":"الرابع: أن القضاء الواجب في التطوع على الفور، أم على التراخي فيه وجهان:\rأحدهما: على الفور؛ لعصيانه بسببه، فهو كقضاء صلاة تعد بتركها\rوالثاني: أنه على التراخي؛ لأن القضاء لا يزيد على الأداء، ومبنى أداء الحج على نفي التضييق، فأما الصلاة فالقتل يتعلق بترك قضائها، ولو لم يتضيق لما تصور القتل، والأداء فيها أيضًا مصيره إلى التضييق، هذا ما ذكره العراقيون من نقل الوجهين، وكان القفال يقول: كل كفارة لزمت من غير عدوان فهي على التراخي، وما لزم بعدوان فوجهان، وهو قريب مما سبق؛ لأن أصل الكفارة مشروعة على التراخي، ويطرد هذا الخلاف فيمن تعدى بترك الصوم، ويضيق القضاء عليه، فإن القتل غير متعلق بتركه حتى يمنع المصير إلى التراخي فيه، فهو كالكفارات من وجه\rفرع: القارن إذا جامع فسد حجه وعمرته، ولزمه القضاء فيهما، والمضي في الفاسد، ويلزمه الفدية، وهل يلزمه دم القران فعلى وجهين، ووجه الإسقاط أنه لم ينتفع بالقران بسبب الإفساد، وقد ذاق وبال الإفساد، ولا خلاف في فساد العمرة، فإن لم يجر شيء من أعمالها، فإن العمرة تتبع الحج في الإفساد، وهل تتبعها في الفوات فيه وجهان: ووجه الفرق أن الذي فاته يتحلل بأعمال العمرة، فلا معنى لتفويت عمرته\rهذا كله في جماع العامد، فأما الناسي ففيه قولان مبنيان على أنه من قبيل الاستمتاعات أو الاستهلاكات، والظاهر أنه من قبيل الاستمتاعات، ولكن لما أثبت الشرع فيه أحكام الاستهلاكات ظهر من وجه إلحاقها بها، وقد ذكرنا حكم الاستمتاع، والاستهلاك في النسيان\rفإن قيل: وهل يفسد الحج بشيء سوى الجماع قلنا: يفسد بالردة أيضًا، طالت أو قصرت، وحكى بعض الأصحاب وجهًا أنه لا يفسد، ولكن لا يعتد بما جرى في حالة الردة ويعاد، وقد ذكرنا لذلك نظيرًا في الوضوء والاعتكاف، وهو بعيد هاهنا، مع ملاقاته قلة للإحرام\rالتفريع: إن قلنا يفسد، فلو عاد إلى الإسلام، فهل يخاطب بالمضي في فاسده فعلى وجهين:","part":1,"page":266},{"id":467,"text":"أحدهما: أنه يخاطب كالمجامع\rوالثاني: أنه لا يخاطب؛ لأن أثر الردة في إحباط ما سبق وجعله كأن لم يكن، فلا يبقى للقطع بها علقة\r\rالنوع الخامس من المحظورات: مقدمات الجماع\rالمماسة والقبلة، وكل ما ينقض الطهارة، فيحرم ويوجب الفدية، وينطبق محل الخلاف والوفاق   على محل الخلاف والوفاق في انتقاض الطهارة، ولا فرق بين وجود الإنزال وعدمه، خلافًا لمالك ~ فإنه لم يوجب الدم إلا عند الإنزال ، ثم الواجب به شاة، وهو الفدية دون الكفارة العظمى، وأما الصوم فلا يفسد بمجرد الملامسة، وإنما يفسد بالجماع والاستمناء\rوفي وجوب الفدية بالاستمناء في الصوم وجهان مع القطع بأن الكفارة العظمى لا تتعلق بها، فأما الاعتكاف، فالقياس أن يلحق بالصوم، ولكن فيه تردد، فمن الأصحاب من يلحقه بالحج فيه، ومما يعد من مقدمات الجماع النكاح والإنكاح، وهما محرمان على المحرم، بل يمنع الإحرام انعقاده، وفي الرجعة والشهادة كلام استقصيناه في النكاح، فلا نطول بذكره\rفإن قيل: هذه المحظورات التي فصلتموها لو تعددت وتكررت، فتتحد موجباتها بالتداخل وتتعدد، وما حكمها\rقلنا: نحن نرى أن نبين ذلك قبل الاندفاع في بيان أحكام الصيد، فنقول: المحظورات تنقسم إلى الاستمتاع والاستهلاك، فهما جنسان مختلفان، ثم الاستمتاع ينقسم إلى اللبس والطيب، وهما نوعان، وكل ما يتعلق بالرأس والبدن في حكم نوع واحد، ومنشأ التعدد اختلاف الجنس، ثم اختلاف النوع، ثم عند اتحاد النوع يتخلل فصل الزمان والمكان، ثم تتخلل الكفارة في وسط ذلك، فلتخرج المسائل على هذه المدارك، ألا وبعد، فنقول:","part":1,"page":267},{"id":468,"text":"أولًا: لو اتحد النوع والزمان والمكان، ولم تتخلل كفارة، اتحد الوجوب، كما إذا لبس فستر الرأس بلبس العمامة، ولبس الثوب والسراويل والخف على مكان واحد في زمان متواصل على الاعتياد، فيكفيه لجميع ذلك دم واحد، وإن كنا نكمل الدم في أقل منه، ولكن إذا اجتمع عد كله جنسًا واحدًا وشيئًا واحدًا، ولا نظر إلى طول الزمان مهما كان التواصل على الاعتياد، فإذا انفصل البعض عن البعض انفصالًا خارجًا عن اعتياد التزيّ بزي واحد، فقولان:\rأحدهما: التعدد لتعدد الصورة، وإنه لا يعد في حكم الخطة الواحدة\rوالثاني: الاتحاد بطريق التداخل عند اتحاد النوع، وتشبيهًا له بحدود الجنايات، إذا تجانست أسبابها، فإن هذه كفارة يفرق فيها بين الساهي والعامد، والنوع متحد، والإحرام الذي لاقاه متحد، لا كالجماع في يومين رمضان؛ لأن ذلك يلاقي عبادتين، هذا إذا لم يتخلل تكفير، فإن تخلل ولم يقصد بالكفارة ما بعده مما يعزم عليه تعدد  ، كتعدد الحد في وزان هذه الصورة، وإن قصد فهو منبني على جواز تقديم الكفارة على محظورات الإحرام، وسنذكر ذلك في الأيمان، فإن قلنا لا يجوز التقديم، فهو كما إذا لم يقصد، فيتعدد، وإن قلنا أنه يجوز، ففي التعدد بسبب تجدد التكفير إن قلنا أنه لا يتعدد بالقطع السابق قولان، ونجري القولين فيما إذا تخلل التكفير في أثناء اللبس المتواصل زمانًا؛ فإنه سبب التعدد على استقلاله كما ذكرناه\rالسبب الثالث للتعدد: اختلاف النوع","part":1,"page":268},{"id":469,"text":"وهو أن يجمع بين الطيب واللبس مع اتحاد المكان والزمان ففيه وجهان، وصَغْو الأئمة إلى التعدد باختلاف النوع، أكثر منه باختلاف المكان والزمان؛ لأن التداخل يستدعي تماثلًا في الموجَب والموجِب، ومنهم من اكتفى بتجانس الموجب، واتحاد المستحق، فإن انضم إلى تعدد النوع سبب آخر مما سبق من تخلل الكفارة، وتقطع الزمان إذا لم يقصد بالكفارة ما بعده، ومما يجعل سببًا جامعًا موجبًا للاتحاد العذر، فالمشجوج إذا كان يحتاج استعمال الطيب تداويًا مرارًا متقطعة، والعذر شامل، فقد اختلفوا فيه: منهم من ألحق اتحاد العذر باتحاد الزمان والمكان، وقطع بالاتحاد، ومنهم من لم يبال به، وعلى الجملة الخلاف في المعذور مرتب على غير المعذور وأولى بالاتحاد، وذلك عند اتحاد العذر\rفأما الاستهلاك المحض من القلم والصيد، فالصيد لا مطمع في التداخل فيه، فإنه غرامة ويتقدر بقدر المتلف، وأما الحلق فلا يجب في جميع شعر الرأس إلا فدية واحدة، ولو حلق معه شعر جميع البدن فكذلك؛ لاتحاد النوع مع اتحاد المكان والزمان، وذهب أبو القاسم الأنماطي ، إلى أن شعر الرأس نوع، وما عداه نوع، فيوجب التعدد، وهو متروك عليه، ولا خلاف في أن القلم نوع يخالف الحلق، فهو كاللبس مع الطيب، فإذا بان اتحاد النوع، فإذ جرى سبب فيوجب التعدد، من اختلاف زمان، أو تخلل تكفير، فالخلاف فيه مرتب على الخلاف في الاستمتاع، وها هنا أولى بالتعدد؛ لأنه أخذ شبهًا من الصيود، فإنه استهلاكات أيضًا هي موجبها الغرامات، فأما إذا جرى من موجبات التعدد اختلاف النوع في الاستهلاك كالقلم والحلق، قطعوا ها هنا بتعدد الكفارة، وبه يتبين أن اختلاف تأثير اختلاف النوع أكثر من تأثير ما عداه من الأسباب","part":1,"page":269},{"id":470,"text":"فرع: لو حلق ثلاث شعرات في أزمنة وأمكنة متفرقة، فإن فرعنا على قول حكاه صاحب   التقريب، وهو أنه يجب في كل واحدة ثلث دم، فالتفرق كالاجتماع، وإن قلنا أنه يجب المد أو الدرهم، فقد اجتمع الثلاث في أزمنة متفرقة، فينبني على الصورة السابقة، فإن رأينا جمع التفرق زمانًا وجب، فالواجب دم، وإن رأينا ابقاءها متفرقة من غير جمع، فكل شعرة تفرد بواجبها من الدرهم أو المد، ولا ينظر إلى غيرها\rالسبب الرابع: اختلاف الجنس\rفإذا اجتمع استهلاك واستمتاع، فهذا تباين عظيم، فلا وجه إلا التعدد، ولا تداخل إلا أن يجمعهما عذر مثل أن يصيب رأسه شجة، ومست الحاجة إلى حلق ما حواليها مع التداوي بالطيب، فمنهم من حكم بالاتحاد؛ لشمول العذر، والظاهر التعدد، فأما الجماع فيخرج أمره على القولين، في أنه من الاستمتاع أو الاستهلاك، فإن جعلناه استهلاكًا ألحقناه بالحلق والقلم لا بالصيد، والحلق بعد الحلق وتعدد النيات ينبغي أن يوجب تعدد الكفارة، هذا هو الظاهر، وليس ذلك كحلق أطراف الرأس في أزمنة منقطعة، فإن المقصود الواحد ثم شامل، وإن تعدد الزمان والوطء بعد الوطء، قربت من الحلق بعد الحلق، فإن الكل مقصود، ولكن الخلاف فيه مرتب، وها هنا أولى بالتعدد، وقد ذكر صاحب التقريب في وطئين متلاحقين جوابين، ولو كثرت الإيلاجات، وقضى الوطر في الآخر، فهو جماع واحد\r\rالنوع السادس في المحظورات: إتلاف الصيد\rوالصيد يحرم بسببين: أحدهما الإحرام، والآخر الحرم\rأما الإحرام: فالنظر فيه يتعلق بالصيد والجناية الموجبة للضمان، والواجب من الضمان، وحكم الأكل من الصيد\rالطرف الأول: في الصيد\rوهو عبارة عن كل متوحش في البر مأكول، أما صيد البحر، فلا يحرم، والطائر محرم، وكذا بيضه وسائر أجزائه، ومن جملته الجراد، فهو مضمون، وقد قيل إنه من حيوانات البحر، ولكن لا خلاف في المذهب في ضمانه","part":1,"page":270},{"id":471,"text":"فأما ما تمحض تحريمه في جنسه، فليس صيدًا عندنا، ولا جزاء في قتله، والمتولد من المأكول وغيره مضمون؛ تغليبًا لجهة الإيجاب مع تعارض الموجب، والمسقط هذا في الجزاء، أما جواز القتل في الحيوانات في الحرم والحل وسائر الأحوال، فالضبط فيه إن كان مما يؤذي بطبعه حل قتله في الحل والحرم، قال رسول الله  r: {خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب، والحدأة، والعقرب، والكلب العقور}  ووردت الفأرة بدلًا عن العقرب في بعض الروايات، وفي معنى المنصوصات   عندنا كل حيوان مؤذي من الذئب والنمر والأسد، وسائر السباع المؤذية، وخالف أبو حنيفة فيها إلا الذئب ، وأما ما لا يؤذي ويحرم أكله، فينقسم إلى الحشرات والطيور، أما الحشرات فأقصى ما يذكر فيها الكراهية، ولا كراهية في دفعها وإن أتى على روحها، فأما الطيور المحرمة التي لا تؤذي ولا يحتاج إلى دفعها، فمن الأصحاب من حكم بتحريم قتلها؛ إذ نهي عن ذبح الحيوان لمأكله، والروح على الجملة لا تفوت إلا لغرض، ومنهم من قال: لا حرمة لها، وغاية ما يثبت في حقها كراهية\rفرع: البراغيث، وهوام الرأس، والمستوحش إذا كان من جنس الصيد، قال مالك  وداود : لا جزاء في المستأنس؛ نظرًا إلى الحال، وقال المزني : لا جزاء في المملوك، فتخيل من المسائل أن المحرم يضمن كل صيد بري مأكول أو متولد من المأكول، مملوكًا كان أو مباحًا، مستأنسًا كان أو مستوحشًا، طائرًا كان أو لم يكن، ويلتحق به أجزاء هذه الطيور، فمن جنى على صيد ضمن أرش النقص، وكذلك لو جنى على بيض فأتلفه، وسنذكر تفصيل الواجب فيه\rالطرف الثاني في الأفعال الموجبة للضمان \rوجهات الضمان ثلاثة: المباشرة والتسبب واليد:\rأما المباشرة: بالتفويت والجناية، فلا تخفى صورتها\rأما السبب: فهو كل سبب يضمن الآدمي به، وذلك يستقصى في موضعه، ونذكر في الصيود صور :","part":1,"page":271},{"id":472,"text":"أحدها: أنه لو حفر المحرم في ملكه بئرًا، وتردى فيه صيد، فلا ضمان، ولو حفر في محل عدوان ضمن، أما الحرم إذا حفر ساكنه بئرًا في ملكه، ففيه وجهان: أشهرهما الوجوب؛ لأن حكم الحرم يضم الملك وغيره، وهو المضمن\rالثانية: لو نصب شبكة للصيود في غير ملكه ضمن ما يتعقل بها، وإذا نصب في ملكه، فوجهان: أظهرهما إيجاب الضمان؛ لأنه جرد القصد في النصب إلى الصيد بخلاف البئر\rالثالثة: لو نفر صيدًا فتطلق، وتعثر في تطلقه وتكسر، ضمن، إلا أن يقع ذلك بعد سكونه، وزوال نفاره، وعوده إلى حاله، ولو هلك في نفاره –لا كالمتعثر – ولكن بآفة سماوية ففيه وجهان: ووجه الإيجاب؛ تنزيل النفار منزلة إثبات اليد\rالرابعة: لو أرسل كلبًا ضاريًا ضمن ما يصطاده، وكذلك جوارح الطيور، ولا يتوقف على الإغراء، بل يكفي رفع الرباط، ولو فرض ذلك في حق آدمي في متسع من الأرض، فلا ضمان؛ لأن ضراوة الكلب   بالصيد ليس كضراوته بالإنسان، بل هو فوقه، حتى قال الأصحاب: لو فرضت الضراوة بالإنسان وجب الجزاء، ولو حل الرباط ولا صيد ثم ظهر صيد ففيه تردد، وكذلك لو انحل الرباط في صورة ينسب المحرم فيها إلى التفريط، ولو أفلت الجارحة من غير تفريط فالأظهر أن لا ضمان، والمقصود أن الضمان غير مقصود على ما يعد به المحرم مصطادًا، بل يكفي الانتساب إليه كما سبق\rالخامسة: إذا دل المحرم حلالًا على صيد فذبحه، فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يجر منه تسبب، والمحل مختار، فقطع أثر دلالته، ولذلك لو جرى في ملك الغير لم يضمن، بخلاف المودع إذا دل على الوديعة؛ لأنه ملتزم للحفظ، وذلك يخالف التزامه، والمحرم لم يلتزم حفظ الصيد، ولكن انتساب الصيد إلى حق الله، ينزل منزلة انتساب الملك إلى المالك","part":1,"page":272},{"id":473,"text":"الجهة الثالثة : اليد، فإذا أثبتت اليد على الصيد فتلف، ضمن كما يضمن الأموال؛ لأن إثبات اليد عدوان، ثم اليد تارة تثبت ابتداء، وتارة دوامًا، فاليد دوامًا بأن يحرم وفي ملكه صيد، ففي لزوم رفع اليد قولان:\rأحدهما: لا يلزمه والإحرام لا يقطع الدوام، كما لا يقطع دوام النكاح، وإن منع ابتداءه، ويشهد لذلك أن الأوَلين كانوا يحرمون وفي أقفاصهم الطيور، ولم ينقل تقدم إرسالها على الإحرام، فإن قلنا: لا تزول يده، فلو تلف لا ضمان عليه، ولكن لو قتله ضمن؛ لأنه ثبت المنع من قتل الصيد مقصودًا، وإن قلنا يجب إرساله، ففي زوال ملكه قولان، وإن قلنا يزول، ففي وقته وجهان، ومنهم من قال نفس الإحرام يزيل الملك، وينفي الخطاب بالإرسال، ومنهم من قال: إذا أرسل فهو أوان زوال الملك إن قصد التحرير، وبنى الشيخ أبو محمد  على هذا: أن من حرر طائرًا هل يزول ملكه ولم يشترط قصد التحرير ها هنا، بل جعل إيجاب التحرير كقصده، ومنهم من قال: لا يزول ملكه ما لم يقصد، فإذا قصد خرج على الوجهين\rفرع : إذا أوجبنا إزالة الملك، فلا يجب عليه تقديم الإرسال على الإحرام، بل له إنشاء السعي بعد الإحرام، ولو أخر حتى تحلل فالأمر بالإرسال مستمر إلى أن يتقصى عنه، فإن تلف بعد تحلله، فالظاهر أنه يضمن لاطراد الأمر بالإرسال، وحكى العراقيون  وجهًا بعيدًا أنه لا يضمن، وهذا في دوام اليد\rفأما ابتداء اليد فيحصل بالاصطياد، والشراء، والإرث\rأما الاصطياد : فهو ممنوع قطعًا، وإذا جرى لم يفد الملك؛ لأنه المقصود  بالتحريم، ولا يفيد الملك\rوأما الشراء : هل يفيد الملك ينبني على أن الإحرام هل يقطع دوام الملك فإن قلنا يقطع، فهو مضاد له، فلا يصح الشراء، كما لا يصح النكاح، وإن قلنا لا يقطع، ففيه قولان كما في العبد المسلم يشتريه الكافر","part":1,"page":273},{"id":474,"text":"أما الإرث : فقد قطع الأكثرون بأنه جار، ثم النظر بعد ذلك في القطع؛ لأنه في حكم الدوام، كما في العبد الكافر، وقال العراقيون: إذا قلنا الإحرام يقطع دوام الملك، ففي الإرث وجهان، والأكثرون حكموا بأنه يحصل، ويزول على الفور، استدامة لقياس الإرث\rفرع آخر: لو وجد صيدًا مجروحًا، فأخذه ليداويه فمات تحت يده، المنصوص أنه وديعة في يده لا ضمان عليه ، والثاني أن يده يد ضمان، وهو مذهب أبي حنيفة \rالتفريع: إن منعنا المحرم من شرائه، منعناه من بيعه أيضًا، بخلاف العبد الكافر؛ لأن المحذور ثم ملكه، وهو زائل بالبيع، والمحذور ها هنا زوال أمن الصيد، وليس يعود الأمن بالبيع، وإن قلنا له الشراء فله البيع، ثم على المشتري إرساله؛ لأنه مستحق الإرسال، فلو تلف في يده، أو في يد المشتري من المشترى، فالضمان يجب على المحرم؛ لأنه المتسبب إلى إثبات الأيدي، ثم لو أرسل المشتري فهو من ضمان المشتري، لم لا يلتفت ذلك على العبد المرتد إذا قتل في يد المشتري والظاهر أن هذا من ضمان البائع قولًا واحدًا؛ لأنَّا في الردة قد نتخيل إحالة القتل على ردة طارئة حالية، ولا سبب لوجود الإرسال ها هنا إلا من جهة البائع، ولا ينبغي أن يستبعد بصحيح البيع مع إيجاب الإرسال، كما لا يستبعد بصحيح الشراء للمحرم مع وجوب الإرسال\rفرع : لو أمسك المحرم صيدًا فقتله محل، فالضمان على المحرم، ولو قتله محرم فالصحيح أنه على القاتل؛ لأنه مقدم على الإمساك واليد، وقيل : إنه عليهما، وهو بعيد، نعم الوجه أن نطالب كل واحد، والقرار على المتلف","part":1,"page":274},{"id":475,"text":"هذا بيان الأفعال المضمنة، ويستوي فيه العامد والناسي عندنا خلافًا لداود، فإنه تعلق بظاهر قوله (   )  وسبب تخصيصه عندنا التعرض للمأثم بعده، والناسي لا يأثم، ثم بان لنا أنه على قياس الغرامات، فلا يسقط بالنسيان، نعم يسقط بعذر الضرورة التي تنشأ من نفس الصيد، فلو صال عليه صيد فدفعه، فلا ضمان، ولو اضطر إليه في مخمصة فله ذبحه بشرط الضمان، إذ لا ضرر منه، واختلفوا في صورتين :\rأحدهما: أنَّه لو عمت الجراد المسالك فتخطاها المحرم ففيه   وجهان ذكرناهما\rوالأخرى: إذا قصد المحرم لص على حمار وحشي، ولم يتأت دفعه إلا بقتل مركوبه، فقد ذكر القفال قولين في مطالبة المحرم بالضمان، بعد القطع بأن قرار الضمان على اللص، وأن للمحرم الرجوع عليه، ووجهه أن الحلال يبعد أن يضمن صيدًا ابتداء، ولو فرض ذلك في دابة، فلا خلاف في أن الطلبة متوجهة على الراكب، وفي مطالبة الدافع قولان، وليس ذلك كالصيد، وإنا فعلى قول نبعد ابتداء مطالبة المحل بجزاء الصيد، فتعين مؤاخذته بطريق الرجوع\rالطرف الثالث: في الأكل\rويحل للمحرم لحم كل صيد ذبحه محل إذا لم يصد له، ولا بإذنه، ولو دل عليه أو أعان الصائد، أو أمر بأن يصاد له لم يحل له أكله، قال  r  لطائفة من المحرمين: {لحم الصيد حلال لكم ما لم تصطادوه، أو يصاد لكم}  واصطاد أبو قتادة وهو حلال وقدم إلى محرمين، فقالوا لرسول الله  r  ماذا ترى، فقال: {هل أشرتم} فقالوا لا، فقال: {طعام أطعمكم الله} ، وأهدي إلى عثمان  t  لحم صيد، فقال لأصحابه كلوه، فإنه صيد إلي ، ولا يظن به الأمر، فدل على أن الصائد إذا قصد الاصطياد له دون مراجعته حرم عليه أيضًا، فأما إذا ذبح المحرم صيدًا بنفسه، فهو حرام عليه، وفي حله لغيره قولان:\rأحدهما: أنه ميتة؛ لأنه امتنع لمعنى في الذابح، فصار كذبح المجوسي\rالثاني: أنه مباح؛ لأنه أهل، والصيد محل، وإنما هذا حجر من المالك فأشبه ذبح المغصوب","part":1,"page":275},{"id":476,"text":"وفي صيد الحرم طريقان:\rأحدهما: طرد القولين\rوالآخر: القطع بأنه ميتة؛ لأنه لمعنى في ذاته لا في الذابح، ثم إذا لم نجعله ميتة، وحرمنا عليه، بقي التحريم بعد تحلله ولم يزل، وذكر العراقيون وجهًا آخر أنه يزول، وزيفوه\rثم مهما أكل المحرم أكلًا محرمًا، إن كان من مصيد قتله وجزاه، فلا ضمان؛ لأنه التزم جزاءه مرة، وإن كان مما صيد له، أو بدلالة، أو إعانة، أو أمر، فقولان:\rأحدهما: أنه لا يجب؛ لأن الشرع أوجب الجزاء بقتل الصيد، أو الجناية عليه، وهذا خرج بالذبح من كونه صيدًا، وإنما تحريم التناول تغليظًا عليه بفعله\rوالثاني: أنه يجب؛ لأن حكم الصيد به دائم، بدليل تحريم التناول، وإنما لم يوجب في ذبحته؛ لأنه جزاه مرة، وهذا لم يجزه\rإذا قلت ذبيحة المحرم ميتة، فإن كان مملوكًا غرم للمالك الضمان ولله الجزاء، وإن قلنا ليس ميتة   اكتفى في حق المالك بأرش النقصان\rالطرف الرابع: في بيان الجزاء الواجب\rوالواجب في الصيود الكبار مثله من النعم، كما نص عليه القرآن،\rثم قد وردت أخبار وأقضية للصحابة، فإن وجد اتبع، وقد\rورد في النصوص، في حمار الوحش بقرة ، وفي الضبع كبش ،","part":1,"page":276},{"id":477,"text":"وفي الأرنب عناق ، وفي أم حُبَيْن حُلّان ، وهو جدي صغير، وأم حبين من صغار الضب، كذا قاله الشيخ أبو محمد ، وفي الظبي عنز، وفي طرق العراق أن فيه كبشًا، وهو غلط؛ لأنه أجرد الشعر، متقلص الذنب، شديد الشبه بالعنز والغزال وكذا الظبي، فيجب في صغير ما يجب في كبيره مراعاة للماثلة بالجنسية، والكثرة ما أمكن، فإن لم يوجد نص حكم بالاجتهاد وطلب المثل بالشبه الخلقي على ما يحكم به عدلان كما نص عليه الكتاب، ولا يكتفى بالواحد، ولا يجوز أن يكون أحد الحكمين هو القاتل، إن كان قتلًا عمدًا؛ فإن العدالة فاتت به، وإن كان مخطئًا فوجهان، ووجه المنع أنه محكوم عليه، ووجه الجواز يعتضد بما روي أن عمرًا  t  شاور بعض الصحابة في صيد كان قتله، وتوافقا على التعديل بشاة، وهذا ظاهر المذهب، وإن كان الأول أقيس\rوتمام الغرض برسم مسائل:\rالمسألة الأولى: أن المعيب يقابل بالمعيب، ولا يخير عيب بعيب آخر، والمريض بالمريض، والصحيح بالصحيح\rالثاني: إذا قابل الذكر بذكر جاز، وإن أخرج عن الذكر أنثى اضطرب فيه النص، والحاصل المنقول أن الأنثى إن كان قيمتها دون قيمة الذكر من النعم فلا تجزئ، وكذلك إن آل الأمر إلى الذبح وكانت خبيثة اللحم لولادتها فلا تجزئ، ولو كانت طيبة اللحم لو ذبحت تامة القيمة لو عدلت، فعلى طريقين: منهم من قال قولان: أحدهما أنه تجزئ كما في الزكاة، والثاني لا تجزئ لاختلاف الشبه والخلقة\rومن أصحابنا من قطع بالجواز، وحمل اختلاف النص على ما استثناه، أو لاقى ما إذا خرج الذكر عن الأنثى، فلو كان دون الأنثى في القيمة أو اللحم فلا إجزاء، وإن كان مثلها فعلى الطريقين، وذكر الشيخ أبو بكر: أن مقابلة الأنثى بالأنثى واجب قطعًا، وإنما التردد في مقابلة الأنثى بالذكر، وهذا يستمد من اعتقاد فضله الأنثى، وهو فاسد؛ إذ الأمر في ذلك مختلف، وإنما التعويل   على التقويم","part":1,"page":277},{"id":478,"text":"الثالث: لو قتل ظبية حاملًا، فلو أخرج شاة حائلًا ظهر التفاوت في الخلقة،\rولو أخرج حاملًا وذبح، سقطت فضيلة الحمل بالذبح، فالوجه تقدير حامل\rمن النعم، ثم الرجوع إلى قيمتها، وتعديل الطعام به كما سنذكر، وهذا هو الذي\rاختاره أئمة العراق، ومن أصحابنا من قال لو أخرج حائلًا نفيسة تعدل قيمتها\rقيمة الحامل وذبح أجزأ، ولا تجزئ الأنثى من الذكر، فأما إذا جنى على ظبية حامل،\rفإن ألقت الجنين حيًا ثم مات، ففيه مثله من صغار النعم، وإن ألقته ميتًا،\rفليس فيه إلا ما ينقص من الأم من أرش النقصان، وقال أبو ثور إبراهيم بن خالد:\rيغرم  عشر قيمة الأم، ولو ماتت الأم، ومات الجنين بعد انفصاله فعليه جزاءهما جميعًا\rالرابعة: إذا جنى على طرف صيد ولم يهلكه، نقل المزني عن الشافعي أنه قال: إن جرح ظبيًا فنقص من قيمته العشر فعليه العشر من ثمن شاة، قال المزني: الوجه أن يقال عليه عشر شاة، فاختلف الأصحاب، فمنهم من صوبه، وقال هذا المذهب لا غير، وحمل نص الشافعي على الإرشاد إلى الانتقال إلى تعديل الطعام بالقيمة، فإن الكفارة على التخيير، وإخراج قسط من الحيوان عسير، ومن أصحابنا من جرى على النص، وجعل ذلك النقصان بمثابة ما يدخل على المثليات من النقص، فإنه يقابل بالقيمة، وهذا ضعيف؛ لأن مقتضاه إيجاب قسط من قيمة الظبية لا من قيمة الشاة\rالخامسة: إذا جنى على طرف صيد فبان منه، فالظاهر أنه يجب كمال الجزاء، كما يجب بقطع يدي العبد، وفيه وجه أن الواجب قسط من القيمة أو المثل، وهو بعيد متروك، فلو أتلف المزمن محرمٌ فعليه الجزاء، وهو معيب مثله، ولو أبطل من النعامة قوة المشي أو قوة الطيران فلها امتناعان، ففيه وجهان ذكرهما العراقيون، ولو أزال امتناع الصيد بالكلية ثم قتله، فهو كما لو قطع يدي رجل ثم قتله، فالظاهر التداخل، وفيه تخريج لابن سريج","part":1,"page":278},{"id":479,"text":"السادسة: الطير ينقسم إلى الحمام وغيره، ففي الحمام شاة؛ لورود قضاء الصحابة به، ويلتحق به كل ما عَبَّ  وهَدَر  من اليمام، والقُمْرِي ، الدُّبْسِيّ ، والفواخت، والقطا، وغيرها، ما عداه ينقسم إلى ما هو أصغر كالعصافير، ففيها قيمتها؛ إذ لا مثل لها قياسًا ولا توقيف، و ما هو أكبر منه ففيه قولان:\rأحدهما: أنه يجب الشاة إلحاقًا بالحمام\rوالثاني: أنه   تجب القيمة؛ لأنه على خلاف الأثر والقياس، وللحمام خاصية في الاستئناس ليس بغيره، فلم تكن في معناه أما الجراد ففيها قيمتها، قال عمر  t  لكعب الأحبار في جرادة قتلها: {ما قدرته في نفسك، قال: درهم، قال عمر  t:  درهم خير من مائة جرادة} ، وقال ابن عمر  t: {في جرادة تمرة} ، وقال ابن عباس  t: {تصدق بقبضة من طعام، إذا أخذت قبضة جرادات} ، والأمر في كل ذلك قريب\rفرع : إذا كسر بيض طائر ضمن قيمته، وإن كانت مذرة فاسدة فلا شيء عليه؛ لأنه لا قيمة له، ولو فرضت قيمة المذرة من بيض النعام، فذاك لأجل القشر، ولا يتعلق به الجزاء، كما لا يتعلق بالرأس المنفصل، وإن ظهر في البيض فرخ ذو روح، ضمنه بطرقة كما يضمن الفرخ على ما سبق في صغار الطيور، ولو نفر طيرًا عن بيضه حتى فسدت بيضة ضمن كما لو أتلف","part":1,"page":279},{"id":480,"text":"السابعة : في كيفية إخراج الجزاء، فنقول: حيث وجدنا مثلًا بالتوقيف أو القياس الشبهي، فللجزاء ثلاثة خصال: المثل، والإطعام، والصيام، وهو مخير بين هذه الثلاث، والإطعام مقدر بقيمة المثل بمكة، إذ بها يستحق المثل، والصيام مقدر بالإطعام، فلكل مد يوم، فإن فضل نصف مد كمل يوماً إن لم يكن مثليًا، فالإطعام أو الصيام، ومعيار الإطعام قيمة المتلف، والنظر فيه إلى محل الإتلاف، لا إلى مكة، بخلاف قيمة المثل، فإن المثل يستحق ذبحه وتفريقه بمكة، وقيل إنه أيضًا يعتبر بمكة، وهو بعيد، ثم الصيام معدل بالطعام، وإذا عرف قيمة المتلف، ففي سعر الطعام الذي يعدل به الصيام تردد، يحتمل أن يبنى على قيمة المتلف، فينظر إلى محل الإتلاف، ويحتمل أن ينظر إلى سعر مكة، ثم مهما أخرج المثل، وجب عليه ذبحه بالحرم، وتفريق اللحم به، ولا يكفي التصدق بالحيوان، وإذا ضم إيجاب الذبح إلى حط الصفات المرعية في الضحايا، كان غريبًا لا نظير له\rفرعان :\rأحدهما: أنه يجب على الجماعة المشتركين في قتل صيد جزاء واحد، خلافًا لأبي حنيفة، فإنه شبه بالكفارة، فأوجب على كل واحد جزاء كاملًا كما يجب في كفارة القتل، وشبهناه بالغرامات؛ بدليل أنه يجب في البعض البعض\rالثاني : القارن إذا قتل صيدًا لم يلزمه إلا   جزاء واحد؛ لأن إحرامه في حكم الإحرام الواحد في سائر القضايا، ولو قتل المحرم صيدًا لم يتعدد الجزاء عليه أيضًا وإن تعدد سببه، نظرًا إلى اتحاد الصيد، واتحاد مستحق الجزاء\rالسبب الثاني لتحريم الصيد: الحرم \rفإنه يحرم الحيوان والنبات، فكل صيد مضمون بالجزاء بالإحرام، فهو محرم إذا كان في الحرم، وجزاؤه كجزائه، وقال أبو حنيفة: يفارقه في أن الصوم لا يدخل جزاءه، وعندنا لا يفارقه إلا في أمر وهو أن من أدخل الحرم صيدًا مملوكًا لم يحرم عليه، بل كان كالنعم في حقه، فالإحرام في هذا الحكم آكد من الحرم، ثم عندنا يثبت الحظر وعهدته بسببين :","part":1,"page":280},{"id":481,"text":"أحدهما: أن يكون الصيد في الحرم، فلو كان الرامي في الحل ضمن\rوالآخر: أن الواقف في الحرم لو رمى إلى صيد واقف في الحل ضمن، ولو وقف في الحل والصيد في الحل، وقطع السهم في مروره هواء طرف من الحرم، ففيه وجهان، ولو أرسل وهو في الحل كلبًا إلى صيد في الحل فتخطى الكلب في طلبه طرف الحرم فلا جزاء؛ لأن موقف الإرسال وموقف الصيد في الحل، بخلاف ما لو أرسل من الحرم إلى الحل كلبًا، فإنه يضمن ليس كمروق السهم، فإن مخطى الكلب باختياره، إلا أن يعلم أنه لا مسلك لو سوى الحرم، فهو كالسهم، ولو لم يكن له مسلك ولكنه ما علم فالجزاء واجب، والجهل لا يدفع الضمان في الإتلافات، إلا على قول غريب ذكره أبو ثور، وعن الشافعي أنه منزل منزلة التطيب، حتى يعذر بالأعذار، وهو بعيد، ثم إن كان له اتجاه ففي محظورات الإحرام؛ لأنه موجب عبادة، وأما محظور الحرم يضاهي الأملاك، ولو اصطاد حمامة في الحل فهلك لها فرخ ضمن الفرخ، كما لو رمى إليه من الحل، ولو كان على العكس ضمنهما جميعًا، ولو نفر صيدًا حرميًا فتكسر في نفاره ضمن، وإن كان التكسر في طرف الحل؛ لأنه في عهدته إلى أن يسكن، وقال الصيدلاني: إلى أن يعود إلى الحرم، وهو بعيد؛ إذ لا يجب السعي في رد إلى الحرم، ولو فسدت بيضته الموضوعة في الحرم بتنفيره ضمن أيضًا\rهذا حكم الصيود، أما النبات فالنظر في المضمون، والضمان:","part":1,"page":281},{"id":482,"text":"أما المضمون: فالشجر والحشيش، أما الشجر فكل شجر بري نبت بنفسه كالعَوْسَج   والطَّرْفاء  والأَرَاك  والعِضَاة ، دون المستنبت المثمر وغير المثمر، كالنخيل والصنوبر والعرعر  والخلاف، ولو استنبتت البريات، أو نبتت المستنبتات وفاقًا فالظاهر أن النظر إلى الجنس، وقال صاحب التلخيص: بل النظر إلى القصد، ولو أدخل نواة أو قضيبًا حليًا، وغرس في الحرم، لم يثبت لها حل الحرم وهو مستنبت، ولو أخرج قضيبًا حرميًا وغرس في الحل، لم ينقطع حكم الحرم، إلا على مذهب صاحب التلخيص في نظره إلى القصد\rوأما الحشيش والكلأ فيحرم اختلاها ويجب الضمان بها، ولا يحرم إرسال البهائم فيها؛ لأنها حرمت للصيود والبهائم، ولو اختلي لغرض اعتلاف البهيمة ففي الضمان وجهان، ووجه التحريم ظاهر قوله  u: {إن الله تعالى حرم مكة لا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد، وقال العباس: إلا الإذخر، فإنه لقبورنا وبيوتنا وسقوفنا ، فقال: إلا الإذخر، إلا الإذخر}  فاختلف الأصحاب في أن غير الإذخر لو مست إليه حاجة الإذخر، أو حاجة دواء، فهل يحل تشبيهًا له بالإذخر هذا حكم المضمون\rأما الضمان، فليس في الحشيش إلا القيمة، وفيما كبر من الأشجار بقرة، وفيما صغر شاة، قال الشافعي: قلته تقليدًا لابن الزبير ، ولم يتعرض للبدنة، ولكنها في معنى البقرة، ولعل الضبط للصغير ما يقع سبعًا للكبير، فإن الشاة سبع لبقرة، وإن كانت صغيرة جدًا ففيها القيمة، كما في العصافير، ثم قيمتها لا يتصدق بها بل تعدل بالإطعام، ثم يعدل الطعام بالصيام على التخيير كما سبق، وللشافعي قول في القديم أن تأثير الحرم في غير الحيوان مقصور على تحريم القصد، ولا يوجب ضمانًا أصلًا، اقتصارًا على ظاهر قوله: {لا يختلى خلالها}، هذا كله في حرم مكة","part":1,"page":282},{"id":483,"text":"أما حرم المدينة فقد حرم رسول الله  r  عضد أشجارها والتعرض لصيدها، وقال: {حرمت ما بين لابتيها}  ثم من الأصحاب من قطع بنفي الضمان أصلًا، ومنهم من قال يجب الضمان، ثم ورد أن من يعرض للصيد بالمدينة سلبت ثيابه، وفي حكم سلبه ثلاثة أوجه: أحدها أنه للسالب كما في سلب القتيل، لما روي أن سعدًا سلب ثياب إنسان اصطاد في حرم المدينة، فطالبه الوالي بالرد، فقال: {ما كنت لأرد شيئًا نفلنيه رسول الله  r}  ومنهم من قال يوضع في بيت المال للمصالح، ومنهم من قال يفرق السلب على محاويج المدينة القاطنين والعابرين، على قياس الجزاء، وذكر بعض أصحابنا أن الواجب في صيد المدينة كالواجب في صيد مكة، فلا سلب أصلًا، ومما صح أيضًا أنه نهي عن صيد وج الطائف وعضد شجرها وكلأها، قال صاحب التلخيص: من فعل ذلك أدبه الحاكم، ولم يلزمه شيئًا، قلته تخريجًا، قال الشيخ أبو علي: التحريم في محل التردد، ولعله كراهية، وإن ثبت تحريم فضمانه محتمل كضمان صيد المدينة، والذي قطع به الأئمة نفي الضمان؛ لأنه ثبت فيه، قال صاحب التلخيص: والبقيع  أيضًا حماه رسول الله  r،  ولم يقصد تحريم صيده، وقيل أنه حماه للصدقات، فمن تعرض لكلأه ففي ضمانه وجهان، أظهرهما الضمان، ثم يضمن بالقيمة ولا سلب بخلاف المدينة وأشجارها فيه تردد لتردده بين الصيد والحشيش\rفرع: لو سلبناه فالمراد به الثياب فقط، ولا ينحى به نحو سلب القتيل، وفي الحلي إن كان عليه وجهان؛ لأنه كالملبوس من وجه، ثم لا يفرق في السلب بين شجر وشجر، وصيد وصيد، ولا يسلب حتى يصطاد، أو يرسل الكلب، ويحتمل التأخير إلى الإتلاف، والله أعلم\r\rالقسم الثاني من أقسام الكتاب: القول في التوابع واللواحق:\rوفيه بابان:\rالباب الأول: في تعذر إتمام الحج بعد الشروع","part":1,"page":283},{"id":484,"text":"وذلك إما بالفوات في الوقوف، وإما بالصد والمنع، أما الصد فمنقسم إلى عام، وإلى خاص، أما العام فهو إحصار العدو الحجيج عن الكعبة، قال الله تعالى: (              )  والنظر في أطراف:\rالطرف الأول: في الأسباب المبيحة للتحلل\rوهي تنقسم إلى العام والخاص، أما العام فما فرضناه وهو سبب للتحلل في نص القرآن وحده أن يحتاج الحجيج في مقاتلة الصادين إلى بذل مال ولو درهماً، أو إلى قتال إلا أن يكونوا كفارًا ونقص عددهم عن الضعف، وكان مع الحجيج أهبة القتال، فإذ ذاك يتعين القتال ولا يجوز  الانصراف، فلا يجوز التحلل، فأما إذا كانوا مسلمين، فالتحلل أولى، ولو أحاط الأعداء من الجوانب وعسر الانصراف أيضًا، ففي إباحة التحلل قولان:\rأحدهما: المنع لأن التحلل لا يربح منه ولا يفيد شيئًا\rوالثاني: الجواز؛ لأن الصد عن جهة الكعبة سبب الإباحة، وما يتفق من المحن في غير تلك الجهات فوجودها كعدمها\rوأما الأسباب الخاصة: فأجدها المرض؛ وذلك لا يبيح التحلل عندنا؛ لأن التحلل لا يربح منه، وقال أبو حنيفة: يبيح ، فأما إذا شرط التحلل عند المرض، فالمنصوص عليه في الجديد المنع، إذ لا أثر للشرط في نفس لزوم الحج، والثاني الجواز؛ لما روي أنه  r  قال لضباعة الأسلمية  لما تعللت بالمرض ورامت التحلل عام الوداع فقال {أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني}  ثم قطع الشيخ أبو محمد  باختصاص القول القديم بالمرض، وأنه لو شرط ذلك ضلال أو شغل مهم أو غيره لم يجز؛ لورود الخبر في المرض، وطرد العراقيون هذا القول في كل مهم يوازي المرض الثقيل في الحاجة إلى التحلل، فأما إذا قال إذا مرضت فأنا حلال، ولم يشترط أن يتحلل، فوجهان، منهم من منع إذ ليس هذا على مضاهاة التحلل الثابت بالإحصار شرعًا فلغى الشرط، ومنهم من قال جاز؛ لظاهر قوله: {محلي حيث حبستني}\rالثاني من الأسباب الخاصة: حبس السلطان شخصًا، أو شرذمة من الحجيج ","part":1,"page":284},{"id":485,"text":"فلو سد على جميعهم أو بعضهم جهة الكعبة، فهو الحصر، فأما إذا حبس واحدًا أو شرذمة فطريقان:\rأحدهما طرد قولين في جواز التحلل، وقطع العراقيون بجواز التحلل، وردوا القولين إلى وجوب القضاء، وهو أوجه\rفإن قيل: وكيف يتجه للمراوزة ذكر قول في جواز التحلل وللسيد أن يحلل عبده، وهو حصر خاص قولًا واحدًا\rقلنا: لأن سبب الحصر مقترن بحجه، وهو الرق، وسبب الحصر هنا متراخي عن لزوم الإحرام\rفرع: لو جوزنا التحلل بالشرط في المرض، ففي وجود دم التحلل وجهان:\rأحدهما: يجب رعاية تأثير الشرط بتنزيل المرض منزلة الإحصار\rوالثاني: الإسقاط؛ لمطلق الحديث، ولأنه تحلل بحكم الشرط، فعلى هذا لو شرط التحلل بالحصر، فهل يؤثر في إسقاط دم الإحصار وجهان، والظاهر   أنه لا يؤثر؛ لأن الثابت شرعًا يلغوا فيه الشرط\rالثالث: الرق، فللعبد أن يحرم على معنى أنه ينعقد إحرامه، وللسيد منعه وتحليله إذا عقد بغير إذنه، وهل يحلله إذا عقد بإذنه عندنا يمتنع ذلك، خلافًا لأبي حنيفة \rالرابع: الزوجية\rفإذا أحرمت المستطيعة بحجة الإسلام، فهل للزوج منعها قولان :\rأحدهما: الجواز؛ لأن الحج على التراخي، وحق الزوج ناجز\rوالثاني: المنع فإن النكاح لا منتهى له، ويؤدي ذلك إلى ترك أصل الحج\rوذكر الأئمة وجهين في أن الزوج هل يمنع زوجته عن التحرم بالصلاة في أول الوقت والحج بأن لا يمنع منه أولى؛ لأن الرجاء لا يصدق في التأخير إلى آخر العمر، وليس معلوم الآخر، بخلاف الصلاة، فإذا قلنا له المنع، فله المنع، وهل له التحلل فيه قولان؛ فإنه وإن كان تطوعًا قد كسبت لزومًا بالشرع، فيضاهي الفرض، والوجه أن يقال في جواز التحلل عن حجة الإسلام قولان مرتبان على المنع من الخروج إلى الميقات للإحرام، وفي التحليل عن التطوع قولان مرتبان على الفرض، مع القطع بالمنع عن الخروج إلى الميقات لحج التطوع","part":1,"page":285},{"id":486,"text":"التفريع : إذا قلنا له التحليل فمعناه منعها عن الخروج حتى تتحلل هي كما يتحلل المحصر، وليس للزوج تحليلها، ثم لو لم تتحلل، قطع الصيدلاني بأن له الاستمتاع بها والمأثم عليها، فإنها تركت التحلل، وكذلك القول في الأمة إذا أحرمت، وقال أبو حنيفة إذا وطئها على قصد التحليل حصل التحلل بفعله ، وكذلك لو حلق العبد أو طيبه، ثم إذا قلنا بتحلل العبد فإذا لم يملك الدم، إذ لا ملك له، فإن جوز للحر التحلل بغير دم، فهو أولى، وإن لم نجوز وقلنا دم الإحصار لا بدل له، ففيه طريقان: منهم من قطع في العبد بأنه للتعذر، إذ انتظار العتق لا منتهى له كانتظار اليسار، ومنهم من قال نخرج على القولين في الحر المعسر، فإذا أوجبنا عليه المصابرة إلى اليسار أوجبنا على هذا انتظار العتق\rفرع : لو ملك السيد عبده دمًا، وأذن له في التحلل، فليذبح وليتحلل، ولو مات العبد، قال الشافعي: لو أخرج عنه دمًا وقع الموقع، وهذا في التفريع على قولنا لا يملك مشكل؛ لأن تصحيحه بعد الموت على قدر   التصحيح في الحياة، مع إقامته قوامة الملك مقام النيابة، ولكن قطع الشافعي به، ولعل امتناع الملك لكونه مستسخرًا مقهورًا في الحياة، وذلك انقطع بالموت، أما الزوجة التي لا تملك وهي حرة، كالمعسر الحر\rالمحصر الخامس: القرابة \rوللأبوين منع الولد من التطوع بالحج، وعن فرضه طريقان: منهم من قال هما كالزوج مع الزوجة، ومنهم من قال لا حق لهما بخلاف الزوج، فنفقة القرابة لا تنتهي إلى هذا الحد، وإنما سلطتهما لدفع ضرار عن أنفسهما بفراقه فيقاوم النفل دون الفرض","part":1,"page":286},{"id":487,"text":"السادس: لمستحق الدين أن يمنعه من الخروج ، فإن ملك شيئًا فليقض دينه، وإن كان معسرًا أو كان الدين مؤجلًا فلا يمنعه، وإن كان لأجل ينقضي قبل تقدير الرجوع، فلا يمنعه أيضًا، بل له أن يصحبه حتى إذا حل الأجل طالبه، هذا في سفر الحج، وفي سفر الجهاد تردد، من حيث أن مصيره إلى الهلاك، وهذا سبب لحصول الأجل، والصحيح أنه لا يمنع، ثَم أيضًا قبل حلول الجل\rالسابع: الفوات بنوم أو تقصير ، بأن لا يدرك الوقوف، فهو الذي يفوت، فله أن يتحلل ولا يلزمه المصابرة إلى السنة الثانية، هذا في الحج، أما العمرة لا تفوت، نعم الإحصار فيها كالإحصار في الحج، ثم في كيفية تحلل من فاته الحج قولان: قال في موضع يلقى البيت ويطوف، وقال في موضع يطوف ويسعى، فمنهم من طرد قولين:\rأحدهما الاكتفاء بالطواف؛ لأنه حصل اللقاء به وهو المقصود، لا الإتيان بالممكن، ولذلك لا يجب عليه الإتيان بالمبيت والرمي وبقايا النسك، وإن قدر عليه\rوالثاني: أنه يسعى، وكلام الشافعي محمول على الإيجاز، فينزل على المفصل؛ لأن التحلل عن الإحرام بم عهد شرعًا تحلل في العمرة، وإن لم يكن هذا عمرة، ومن ذهب إلى أن الإحرام قبل أشهر الحج ينعقد عمرة، لم يحكم بانقلاب هذا عمرة، ومن حكم بإيجاب السعي فيوجب الحلق على قولنا أنه نسك إذ تمام سبب التحلل به، وحكى صاحب التلخيص وجهًا أنا إذا أوجبنا عليه السعي فأجدر منه يعتد به عمرة كالإحرام في غير أشهر الحج\rالطرف الثاني: في حكم الفوات والقضاء  \rوالمذهب مقطوع به في طرفين أحدهما أن الإفساد يوجب القضاء، والفوات ملحق به قطعًا؛ للانتساب فيه إلى نوع تقصير، وأما الإحصار إذا حصل الفوات بمجرده، فلا قضاء، وإنما تظهر فائدة القضاء في التطوع، فأما في الواجب فالقضاء يبرئ ذمته عن الأصل، فهذان طرفان، فأما إذا تركب التعذر من الفوات والإحصار ففي القضاء خلاف، وله صور :","part":1,"page":287},{"id":488,"text":"أحدها: لو وجد طريقًا آخر أطول مما صد عنه فعدل إليه وهو الواجب، إذ لم يحصل اليأس من الحج فلا يجوز التحلل، فلو فات بطول الطريق من غير تقصير ففي القضاء قولان، أحدهما الوجوب؛ لأنه فوات، والثاني السقوط؛ لأن مستنده الإحصار السابق، فأما إذا كان الطريقان متساويين فهو فوات محض لا نسك فيه\rالثانية: لو صابر الإحرام بعد الإحصار ولم يتحلل منتظرًا انجلاءه ففاته الحج، فطريقان: منهم من قطع بوجوب القضاء؛ لأنه استجلب الفوات إلى نفسه، ومنهم من طرد القولين\rالثالثة: المحرم إذا فاته الحج، أو أفسد الإحرام فصد في بقية إحرامه عن البيت ولقائه، فيستفيد التحلل بالإحصار، ولكن لا يسقط عنه القضاء الذي يعرض له بسبب متقدم على الإحصار قطعًا، ثم قال ابن سريج: إذا تحلل فعليه دمان: أحدهما للفوات والآخر للإحصار والتحلل به، فإنهما سببان مختلفان فحققا، نعم اختلف الأصحاب في أن دم القران هل يندرج تحت دم الفساد والصحيح أنه لا يندرج، ووجه الإندراج أنه لم ينتفع بالقران، وأما هذا انتفع بالإحصار فتحلل\rالرابعة: إذا صد بعد الوقوف عن لقاء البيت، ذكر صاحب التقريب قولين في القضاء؛ لتأكد الإحرام بالنسك، ويتصور القطع بسقوط القضاء بما إذا لم يجر إلا الإحرام، وأما العراقيون، قطعوا بسقوط القضاء في كل ممنوع عن لقاء البيت وذكروا خلافًا في المتمكن من لقاء البيت إذا منع من عرفة حق فإنه الحج بسببه في القضاء قولان\rالتفريع: إذا أوجبنا القضاء، فلو انجلى الحصر، قدر على القضاء في هذه السنة أيضًا، ويستفيد هذه الفائدة بتحلل الإحصار، ولو صد بعد الوقوف وقلنا عليه القضاء، فهل له أن يحرم ويأتي ببقية الأفعال بناء على ما سبق فيه قولان:\rأحدهما: الجواز؛ إذ لم يفته إلا هذا القدر، والوقوف هو الأصل، وقد أدركه  \rوالثاني: المنع؛ لأنه إذًا حج بإحرامين، ولا عهد به\rالطرف الثالث: في الدم الواجب بالإحصار","part":1,"page":288},{"id":489,"text":"وذلك يجوز إراقته دون البعث إلى الحرم، وقال أبو حنيفة : محله الحرم، فيرسل إليه ويواعد إنسانًا في ذبحه، فيحل في ذلك اليوم الموعود، وعندنا أن محله محل الإحصار، ثم هل يجوز له التحلل قبل إراقة الدم فعلى قولين:\rأحدهما: المنع كأنه أقيم مقام الطواف الذي هو سبب التحلل في حق من فاته\rوالثاني: أنه يجوز، وإنما يجب الدم بالتحلل، لا أنه تحلل، فعلى هذا يحلق على نية التحلل، فيحصل تحلله، والذي أشار إليه كلام المحققين أن النية الجازمة في التحلل كافية ولا معنى للحلق، فإنه في غير أوانه ليس نسكًا\rوإن قلنا لا يتحلل قبل الإراقة، فلا يحصل التحلل بالإراقة كما يحصل بمجرد الطواف، بل لا بد من القصد مع الإراقة أو بعده، هذا في واجد الدم، فإن عدم وقلنا له بدل، وكان بدله الصوم، ففي وقوف التحلل على الصوم قولان مرتبان، وأولى بالجواز؛ لأن الانتظار إلى تمام الصيام يزيل معنى الرخصة، وفي حق العبد، وواجبه الصيام أبدًا قولان مرتبان على الحر، وأولى بالجواز لأنه بقية حق السيد\r\rالباب الثاني من القسم الأخير في أحكام الدماء والفديات وأبدالها\rوفيه فصلان:\rالفصل الأول: في بيان التقدير والترتيب بين الأبدال والمبدلات\rأما دم الإحصار فهو منصوص ولا فرع له، ودم الجماع غير منصوص، وهو فرع لا أصل له، فيؤخر بيانهما ويقدم بيان المنصوصات والفروع الملحقة بها","part":1,"page":289},{"id":490,"text":"أما المنصوصات ذوات الأبدال في كتاب الله ثلاثة: جزاء الصيد، وفدية الحلق، ودم التمتع، أما دم التمتع، فقد اجتمع فيه الترتيب والتقدير كما سبق بيانه، وفي معناه دم القران وفاقًا، وكذا دم الفوات، وأما جزاء الصيد فقد انعدم فيه التقدير والترتيب، فإنه على التخيير والتعديل، قال تعالى: (           )  فعرف الصيام بالتعديل بالطعام، والطعام بكونه كفارة، وفي صوم التمتع، فقال: (       ) ، وأما فدية الحلق، فقد وجد فيه أحد التضييقين دون الثاني، وهو التقدير دون التخيير، أما التخيير فمنصوص   في الكتاب، وأما التقدير، فمأخوذ من بيان رسول الله  r  في حديث كعب بن عجرة ، إذ خيره بين الدم وبين ثلاثة آصع يطعم ستة مساكين، وبين صيام ثلاثة أيام، فالآن ثار الخلاف بين الفقهاء فيما يلحق بكل أصل من الدماء، فاختلفوا على طريقين:\rأما المراوزة: فإنهم قطعوا بأن كل دم حكمنا بوجوبه، فهو مقيس في قضية التعديل والتقدير بالمعدل لا بالمقدر، فإن التقدير آت مع تفاوتها يتعد عن القياس، واتباع التعديل تشوق إلى الضبط بالقيمة، اعتبارًا بسعر مكة في الدم وفي الطعام كما سبق مقابلة كل مد بيوم، فهذا قياس جلي، فهو أولى من الاقتصار على محض التشبيه بالتقدير، فأما قضية الترتيب والتخيير، فتلتحق بترتيب التمتع، كل دم وجب بترك نسك كدم إساءة الميقات والمبيت والجمع في الوقوف بين الليل والنهار، وترك طواف الوداع، ودم فوات الحج، فترتب الشاة ثم الطعام ثم الصيام بالتعديل المعروف، وأما ما يكون استمتاعًا كالطيب واللبس والمباشرة دون الجماع، فهو مردد بين تخيير الحلق، وترتيب التمتع، ففيه قولان:\rأحدهما: الترتيب، كدماء الجبرانات للنسك","part":1,"page":290},{"id":491,"text":"والثاني: التخيير إلحاقًا بالحلق، فإنه نوع ترفة فانضم إليه أنه ورد بلفظ دفع الأذى، وربما يحتاج في دفع أذى الشجة إلى الحلق والطيب للدواء، أو الستر بإلصاق خرقة، فهو قريب المأخذ منه\rوأما القلم فلا خفاء بقربه من الحلق\rوأما العراقيون فلم يحكموا بالتعديل مطلقًا في غير المنصوصات، بل أدخلوا التقدير أيضًا في الإثبات بالقياس والتشبيه مع الترتيب، فقالوا: كل دم واجب بترك نسك فهو كالدم في التمتع في الترتيب والتقدير جميعًا، فمبدله ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وكل دم وجب بسبب ترفة، فهو كدم الحلق في التخيير والتقدير، وما ذكره المراوزة أغوص وأقرب وأوفق لنص الشافعي، فإنه ذكر دم الجماع معدلًا ثم قال: وهكذا كل دم واجب عليه مقيس به، وكأن ذلك تصريحٌ بتعميم التعديل في كل ما ليس منصوصًا\rهذا حكم الدماء، ولم يبق إلا دم الجماع والإحصار:\rأما دم الجماع: فالواجب بدنة، ويقوم مقامها البقرة، وسبع من الغنم، والعاجز يشتري بمثل قيمته طعامًا، فإن أراد الصوم يقابل كل يوم بمد، ويكمل ما نقص من المد، والتعديل في هذا متفق عليه، وأما الترتيب فيخرج على أنه استمتاع أم استهلاك فإن قلنا أنه استمتاع   فيلتحق بالتطيب واللبس حتى يخرج على القولين في طريقة المراوزة، ويقطع بالتخيير في طريق العراقيين؛ لأنه ترفة كالحلق، وإن قلنا أنه استهلاك قطعنا فيه بالتخيير على الطريقين، إلحاقًا بجزاء الصيد المنصوص على كونه مخيرًا، فإن حكمنا بالترتيب، فالظاهر أنه لا ترتيب بين البقرة والبدنة والغنم السبع، ومنهم من رتب وقال البدنة ثم البقرة ثم السبع، ولو جامع ثانيًا أو في حجة فاسدة وقلنا لا يلزمه إلا شاة، ففي الترتيب والتخيير القولان المذكوران في بدل البدنة، وقد ذهب أبو حنيفة  إلى أن كفارة الحلق تترتب على غير المعذور، وإنما الخيرة للمعذور، وعندنا لا فرق بينهما","part":1,"page":291},{"id":492,"text":"فأما دم الإحصار: فشاة، إذ لفظ الهدي ينزل عليه، فإنه أقل الهدايا، وهل له بدل فيه قولان:\rأحدهما: لا؛ لأن الله تعالى لم يتعرض لبدله، وتعرض لأبدال سائر الدماء\rوالثاني: أن له بدلاً، قياسًا على سائر الدماء، فعلى هذا ما تفصيل بدله وعلى أي أصل من الأصول الثلاثة يقاس فيه ثلاثة أقوال:\rأحدها: أنه كبدل دم الإساءة، وقد سبق، وكأنه دم جبران للتحلل عن النسك، وهذا يطرق إشكالًا إلى قولنا لا يتحلل إلا بالإراقة؛ فإن دم الجبران يتراخى عن المجبور\rوالثاني: أنه كفدية الحلق، فإنه دفع لأذى العدو، وعلى هذا يشكل قطع الأصحاب بجواز إراقة هذا الدم قبل التحلل، فإن قلنا إن التحلل غير موقوف، فإن في تقديم الفدية على الحلق خلافاً\rوالثالث: أنه كدم التمتع؛ لأنه حصل به نوع تمتع، إذ تحلل عن إحرام وسيعود بعده إلى الحج، وهو الترتيب والتعديل بالإطعام ثم الصيام، قال الفوراني: وهو القياس\rفأما دم الفوات فهو كدم التمتع، يعدل عنه إلى عشرة أيام، هذا مما اتفق عليه الأصحاب، وإنما الخلاف في دم الإحصار، ورأوا هذا أصلًا يعتبر به، فالنظر في وقت إخراج الدم، أهو في الحجة الفائتة أو في الحجة المقضية اضطربت فيه الطرق، وذكر العراقيون قولين:\rأحدهما: يخرجه في الحج الفائت، كما لو أفسد، فإنه يخرج في الحجة الفاسدة","part":1,"page":292},{"id":493,"text":"والثاني: يخرج في المقضية؛ لأنها كالحج بالإضافة إلى عمرة   المتمتع، والواجب مثل دم التمتع، وحقيقة القولين ترجع إلى أن الدم بماذا يجب فعلى قول يجب الدم بالفوات مع القضاء، وعلى قول يجب بالشروع في القضاء لحصول التمتع به وإن كان في سنة أخرى، ويحتمل أن يقال الوجوب بالفوات، ولكن امتنع الإخراج لأنه في إحرام ناقص، بخلاف التمتع، وهذا يتجه على قولنا دم التمتع لا يقدم على الشروع في الحج، فإذا جوزنا ثَم التقديم، وحملنا ها هنا بأن القضاء يوجب، فالتقديم عليه غير ممتنع، نعم لو عدل إلى الصيام ينقدح التردد في أن أداء الصوم في حج ناقص هل يجزئ أم لا لأن تصحيحه بطريق التقديم غير ممكن على المذهب؛ فإنها عبادة بدنية\r\rالفصل الثاني: في بيان محل إراقة الدماء وزمانها، وجواز الأكل منها\rأما زمانها: فلا يختص شيء من ما  المحظورات والجبرانات، وكلها تجب في الحج بزمان، وإنما المختص بأيام النحر الضحايا، وهكذا الهدي، المنذور والمتطوع به، ودم القران والتمتع من جملة دماء الجبرانات في عدم اختصاصها بالزمان\rفأما المكان: فالمذهب الصحيح أنه يختص بالحرم، ولا تجوز الإراقة في غيره، والأفضل النحر بمنى؛ أشار رسول الله  r  إلى موضع النحر من منى، وقال: {هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر} ، هذا في الحج، أما العمرة فالنحر فيها عند المروة أفضل؛ لأنها محل تحللها، كما أن منى محل تحلل الحج، وقد حكى الأئمة ثلاثة أوجه غريبة ضعيفة:\rأحدها: أنه لو وقع الذبح على طرف الحرم، القريب بحيث يمكن نقل اللحم غضًا طريًا جاز؛ لأن المقصود تفرقة اللحم بها طريًا، وهو فاسد، فإن شراء اللحم غير جائز، والإراقة نسك، فلا بد من مراعاة محله، فإنه مقصود بالإيجاب","part":1,"page":293},{"id":494,"text":"الثاني: أن من ارتكب محظورًا، فيجوز له إراقة دم في محل الارتكاب؛ لأن رسول الله  r  أمر كعب بن عجرة في حلق الرأس على البعد من مكة بالإراقة وسائر خصال الكفارة ، وظاهر أمره يدل على إمكان الامتثال في الحال، وهذا فاسد؛ فإنه لم يتعرض لوقت الامتثال، وإنما قصد بيان ما يجب عليه، وأنه يباح له الحلق بشرط   الفدية\rالثالث: أن كل ما أقدم عليه المحرم، وسوغ له ذلك بعذر أو غيره، فيريق الدم أين شاء، فإن عصى فيلزمه الإراقة بالحرم، والكل بعيد، والمذهب الاختصاص بالحرم، ثم لم يذهب أحد إلى تخصيص خطة مكة، فإن منى خارجة من الخطة ولكنها من الحرم، ويتمادى الحرم إلى أطراف عرفة، ولا يتثنى عن ذلك إلا دم الإحصار، فإن محله محل الإحصار\rفرع: إذا قال لله علي هدي، ففي الواجب قولان:\rأحدها: التنزيل على أقل صدقة تجزئ لأنها من الهدية، وهي العطية\rوالثاني: أن الواجب شاة تجزئ في الضحايا، فإنها أقل هدي ورد الشرع به، وهذا مبتنى على أن مطلق النذر ينزل على موجب الاسم، أو على مقتضى الشرع\rفإن قلنا شاة فيلزمه أن يسوقها إلى مكة فإنه المشروع في الهدي\rوإن قلنا ما ينطلق عليه الاسم، قال العراقيون تصدق به أين شاء، وذكر الشيخ أبو محمد  أنه يساق إلى مكة؛ لأن لفظ الهدي صريح في الاختصاص، وإن لم يكن صريحًا في القدر، وهو بعيد، فإن قلنا يشترط التبليغ فمؤنة التبليغ من خاص ماله، إلا أن يقول جعلت هذه الشاة هديًا، فمؤنة التبليغ من نفس الشاة، ثم المستحب إذا فعل ذلك التقليد والإشعار، فهما مشروعان لتمييز الهدي عن غيره، فيقلد البدنة والبقرة والشاة نعلين، والإشعار غير متأت في الشاة، ثم يستحب التصدق بحلاهما، وما قلد عند بلوغ المحل، ويجوز أن يشترك سبع في بدنة، والبقرة كالبدنة بدل من سبع شياة، إلا أن سبع البدنة لا يؤخذ عن الضبع في جزاء الصيد، فإن المرعي ثم الشبه الخلقي، فلا يستثنى عن هذه المقابلة إلا هذه الصورة","part":1,"page":294},{"id":495,"text":"فأما الأكل من الهدايا: فهو جائز في محله كما سيأتي في الضحايا، ولو عطبت الهدي في الطريق فذبح، قال الشافعي : لا يحل لمن ساقها في الطريق الأكل؛ لأنهم يتهمون بالسعي في إهلاكها، وهذا يختص بالسائق والمختص به، ولا يعم لجميع الرفقة، قال العراقيون: هذا في الأغنياء من المختصين ، فأما الفقراء ففي حل الأكل لهم وجهان، وفي هذا مزيد نظر، يستقصى في الضحايا، ثم إذا عطبت في الطريق، فينبغي أن تذبح وتنحر، ثم يلطخ بدمها جبينها، ليكون علامة على أنه هدي مأكول، وهل يجوز الاكتفاء بهذه العلامة في الإقدام على الأكل قولان:\rأحدهما: الجواز تأسيًا بالسلف\rوالثاني: أنه لا بد من لفظه، فيشيعه المهدي في منزله حتى ينتهي إلى المارين، فإن ذلك ممكن في منزل ومنزلين، فإنه إنما يحل لمن سلمه المهدي إليه، لا لكل من يجده، فلا بد من لفظ معمم حتى يشترك فيه المارّون، ثم إذا انتهت الشاة محلها من الحرم، فرق لحمها على فقرائها القاطنين والعابرين، وفي هذا الباب فصول ذكرها الأصحاب تتعلق بالضحايا والنذور، ومما ذكر فيه القول في بيان الأيام المعلومات، وهي العشر الأول من ذي الحجة عندنا، وفيها المناسك، والمعدودات وهي أيام التشريق، وفيها الهدايا والضحايا، والله أعلم بالصواب\rتم ربع العبادات بحمد الله ومنه وحسن توفيقه ومعونته\rووافق الفراغ من نسخه لنفسه العبد الفقير إلى رحمة ربه وعفوه عبد الله بن إبراهيم بن جابر بن احمد بن هبة الله الشافعي فقهه الله بالعلم، ووفقه للعمل به، منتصف يوم الاثنين خامس عشر ربيع الأول، من سنة سبعين وخمس مائة بالمدرسة المجاهدية بثغر حماة حرسه الله، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا النبي محمد وآله وصحبه وسلم كثيرًا إلى يوم الدين\r\rالفهارس\rكتاب الزكاة\r القسم الأول: زكاة النعم\r النوع الثاني من الزكوات: زكاة المعشرات\r\rالنوع الثالث من الزكوات: زكاة النقدين\r","part":1,"page":295},{"id":496,"text":"النوع الرابع من الزكوات: زكاة التجارة\r\rالنوع الخامس من الزكوات: زكاة المعادن , والركاز\r\rالنوع السادس من الزكوات: زكاة الفطر\r\rكتاب الصيام\r\rالقسم الأول: في نفس الصيام\r\rالقسم الثاني: في بيان مبيحات الإفطار وموجباته\r\rكتاب الاعتكاف\r\rالفصل الأول: في بيان أركان الاعتكاف وشرائطه\r\rالفصل الثالث: في قواطع التتابع والخروج من غير عذر قاطع\r\rكتاب الحج\r\rالقسم الأول: في المقدمات\r\rالقسم الثاني من الكتاب في المقاصد\r\rالقسم الثاني من أقسام الكتاب: القول في التوابع واللواحق\r","part":1,"page":296},{"id":497,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rكتاب الشفعة\rوفيه أبواب:\rالباب الأول: فيما يدور عليه ثبوت الشفعة\rوالنظر فيه يتعلق بأربعة أركان:\rالركن الأول: فيما يؤخذ بالشفعة\rفالأموال تنقسم عليه أقسام: منها العقارات التي لا يتصور نقلها، والثاني: المنقولات، والثالث: المنقول المتصل بالعقار، كالبناء والأشجار ولا شفعة في المنقولات التي لا تتصل بالعقارات أصلاً، وإن ثبتت الشركة فيها، نعم اختلف قول الشافعي رحمه الله في أنه لو انهدم الدار المشترك قبل أخذ الشفيع، وكان البعض قائمًا فهل للشفيع أخذ النقض وهذا مأخذه الاستصحاب؛ لتعلق حق الشفعة به أولاً\rوأما العقارات فتنقسم إلى ما يقبل القسمة، وإلى ما لا يقبلها؛ فما يقبل القسمة تثبت فيه الشفعة، وما لا يقبل القسمة لا يؤخذ بالشفعة في ظاهر المذهب، كالقُنِيِّ، والحمامات الصغيرة، والطواحين، وذكر الأئمة قولاً مخرجًا عن ابن سريج: أنه تثبت فيه الشفعة، وتعليل المذهب الظاهر: أن الشفعة معللة بما ينال الشريك من الضرر عند طلب الإستقسام في بدل المؤونة، وضيق المكان، وافترادها لنصيب بمرافق الدار إذا تفرقت المرافق، والقول المخرج موجه بتعليل الشفعة بدفع ضرر المداخلة من غير نظر إلى ما يكون عند القسمة\rفإن قيل: فما الذي يقبل القسمة قلنا: الطريقة المشهورة فيه: أن يبقى المقسوم منتفعًا به من الجنس الذي كان ينتفع به قبله، فتبقى الدار مسكونة، والحمام حمامًا، والطاحون طاحونة، وعلى هذا لو كانت الطاحونة تسع حجرين وإن لم يكن منصوبًا تثبت فيه الشفعة، وكذلك الحمام الكبير، ولا يشترط بقاء ذلك الجنس على ذلك الوجه؛ إذ لا بد من نقصان بالضيق\rوذكر بعض الأصحاب وجهين غريبين لا وجه لهما:\rأحدهما: أن تقبل القسمة بحيث لا تؤدي إلى حطيطة بينة في القيمة لا يحتمل مثلها","part":1,"page":1},{"id":498,"text":"والوجه الثاني: أنه لا تعتبر القيمة ولا المنفعة من ذلك الجنس، بل يكتفى ببقاء منفعة من ذلك الجنس كيف ما كان \rويتفرع على هذا القسم فرعان:\rأحدهما: أنه لو ملك من الدار عشرها، وكان لو أفرز لم يبق منتفعا به للسكون، فإن دعا صاحب العشر إلى القسمة: لا يجاب إليه، ولا منفعة له فيه؛ وإن دعا صاحب الأعشار التسعة إليه، فهل يجبر صاحب العشر فعلى وجهين :\rأحدهما: أنه لا يجبر؛ لأنه يتضرر به، والثاني: أنه يجبر ؛ لأن صاحب الأعشار هو المستدعي القسمة، وهو منتفع به، فعلى هذا ليس لصاحب الأعشار الشفعة؛ لأنه أمن فيه من طلب القسمة، وحكم صاحب العشر يخرج على الوجهين ، وكل ذلك تفريع على اشتراط الانقسام في الشفعة\rالثاني  إذا بيع الشقص  من بئر مشتركة تسقي النواضح  منها المزارع، فإن كان كبيرًا يمكن أن يتخذ منه بئران ففيه الشفعة، وإلا فلا تثبت فيه الشفعة \rقال الأصحاب: إن كان له حريم واسع يقبل القسمة ففي ثبوت الشفعة وجهان ، وتعليل الإثبات: التبعية، كما في الأشجار مع الأراضي ، والحريم مشكل؛ فإن حريم البئر هو المقدار اليسير الذي لا يمكن صون البئر إلا به، وذلك ليس مطلقًا على ما سنفصل الحريم في إحياء الموات، ولكن المعنى ما ذكروه المزارع التي تسقى من البئر، فالبئر مضاف إليها، فتتجه التبعية مهما بيعت البئر مع المزارع  على وجه \rالقسم الثالث من الأموال: ما يتصل بالعقار، كالأبنية والأشجار، فتستحق بالشفعة تابعًا، ولو نقضا قبل الأخذ، ففي استصحاب الشفعة قولان ذكرناهما ، وإن أفردت بالبيع فالظاهر أنه لا شفعة فيه ، وقال بعض أصحابنا: إن كان الجدار عريضًا يقبل القسمة، أو قلنا لا يشترط قبول القسمة، ففيه قولان :\rأحدهما: ما ذكرناه ، فإنه منقول، وإنما طريق الشفعة فيه التبعية؛ لأنها معرضة للزوال على طوال الدهر\rوالثاني: أنه تثبت فيه الشفعة، كما إذا بيع مع الأصل، وهذا بعيد، والمشهور هو الأول ","part":1,"page":2},{"id":499,"text":"فرع على هذا القسم: وهو أن الحديقة إذا بيعت، وعلى النخيل ثمار مؤبرة، وأدرجت تحت العقد ذكرًا، فلا تتعلق به الشفعة ، ولكنه كالجمع بين العقار والمنقول\rفلو كانت غير مؤبرة فهل للشفيع أخذ الثمار فعلى وجهين :\rأحدهما: أنه لا يأخذ؛ لأنه منقول على الجملة، ومصيره إلى الزوال على قرب، والثاني: أنه يأخذه بطريق التبعية  وكذا القولان فيما إذا حدثت الثمار وهي غير مؤبرة عند الأخذ ؛ لأن مأخذ إجراه بإلحاقه بزيادة  متصلة، وكل زيادة متصلة في الشجر يتعلق به حق الشفيع ، ولا خلاف في أنه لو تأبر قبل أخذه فليس له الأخذ، وإن لم تكن مؤبرة عند العقد وكانت موجودة \rوالقولان في تبعية غير المؤبر يجريان في رجوع الواهب، ورجوع البائع عند الإفلاس، وبقائه على المشتري عند الرد بالعيب ، ولكن إذا كانت الثمار حادثة بعد العقد في هذه المسائل، فلو كانت موجودة وبقيت مؤبرة انقطع القول بالإتباع  وفي الشفعة لا يظهر الفرق بين أن يظهر وبين أن يقترن بالعقد؛ لأن الشفعة تنافي المنقول في كل حالة، فمأخذه يباين مأخذ تلك المسائل  هذا تفصيل القول في المحل المأخوذ بالشفعة \rالركن الثاني: في السبب المثبت للشفعة\rوهو الشركة عندنا ، والاتصال عند أبي حنيفة ، وكذلك أثبته للجار الملاصق ، ولم يثبته للجار المقابل ، ونقل صاحب التقريب  عن ابن سريج وهو غريب لم يحكى عن ابن سريج غيره ؛ نعم، نقل الشيخ أبو علي  عنه ذكر وجهين في أن الحنفي إذا قضى للشَّفْعَوِيِّ بشفعة الجار، لا يعترض الشفيع ظاهرًا، وهل يحل له باطنًا  فيه وجهان ، وله نظائر كالتوريث بالرحم وغيره ، ونقل الشيخ أبو علي عن لفظ ابن سريج أنه قال: لو قضى قاض بثبوت الشفعة للجار نفذ قضاؤه ثم قال: وقضيت بشفعة الجوار، فحمل الشيخ أبو علي هذه اللفظتين على ما يقع ذكره، ومعناه أني قضيت لقضائه بشفعة الجوار ، ولعل هذا مستند صاحب التقريب في نقله","part":1,"page":3},{"id":500,"text":"ويتفرع عن هذا الركن مسائل:\rإحداها: أنه لو كانت الدار مشتركة بينهما، وقد انفرد أحدهما ببناء حجرة على سقف مشترك أعاره الشريك للباني، أو استحقه بشفعة، فإذا بيعت لا تثبت الشفعة للشريك في الدار ؛ لأنه لا شركة له في المبيع، وكذلك لو أفرد بالبيع أشجارًا انفرد بالملك فيها أحد الشريكين في الأرض، فليس للشريك الشفعة؛ فإنه لا شركة في المبيع، وإن كان شريكًا في محله ، قال الشيخ أبو علي: هذا ما علقته عن القفال ، ثم راجعته فيه فقال: ينبغي أن تثبت الشفعة؛ لأنه اتصل به اتصالاً يندرج تحت مطلق بيعه ، والصحيح هو الأول ؛ لأنه لا شركة في نفس المبيع\rالثاني: أن الشريك في ممر الدار لا يأخذ الدار بالشفعة إذا لم يكن له في الدار شركة ، خلافًا لأبي حنيفة ، أما الممر في نفسه: إن كان منفتح الأسفل، فهو شارع لا ملك فيه ؛ وإن كان منسدًا - أو فرض حاز منها حجر  -  فالممر مملوك مشترك ، فإن كان لا يقبل القسمة انقسامًا يبقى ممرًا بعد القسمة، فلا شفعة فيه على ظاهر المذهب ، وإن قبل القسمة ففيه وجهان :\rأحدهما: تثبت الشفعة فيه جريًا على قياس الأصول، فإنه ملك مشترك بيع مع غيره؛ إذ الممر يندرج مع الدار تحت البيع\rوالثاني أنه لا شفعة فيه ؛ إذ ينحسم طريق المرور إلى الدار على المشتري، والشفعة درء ضرر، شرطها أن لا يضر بالمشتري \rالتفريع: إن قلنا: له أخذ الممر بالشفعة، فهل للمشتري حق المرور فيه فعلى وجهين :\rأحدهما: له ذلك؛ إذ الممر قد يستحق من ملك الغير\rوالثاني: أنه لا يستحق، وهو القياس في الشفعة  وهذا الاختلاف فيه إذا لم يكن له ممر سوى ذاك الممر ، فإن كان له ممر آخر، فيأخذ الممر بالشفعة قولاً واحدًا ، ولا يبقى له حق الممر؛ فإن كان لا يتوصل إلى الممر الآخر إلا بإنفاق مال قد يزيد على قيمة هذا الممر، فهو أيضًا في محل الاختلاف \rالركن الثالث: في الشرط الذي يعمل السبب عنده ","part":1,"page":4},{"id":501,"text":"وهو زوال ملك الشريك بمعاوضة ، فإن الشركة التي هي السبب [قائمة] ، ولكن ليس أحد الشريكين أولى من الآخر، فالدخيل هو المحوج لحق الشفعة\rوفيه مسائل:\rإحداها: أن يزول الملك قهرًا بالملك، فلا شفعة فيه؛ لأنه في حكم دوام الأول، ولأنه لا عوض فيه \rالثانية: أن يزول بالهبة ، فلا شفعة؛ إذ لا عوض ، وأخذه مجانًا لا وجه له، ولا سبيل إلى أخذ الشقص بقيمته؛ إذ لو جاز ذلك لقيل به في البيع، فلما وجب الأخذ بالعوض -ولا عوض في الهبة- امتنعت الشفعة ، وخالف مالك في هذا وقال بأخذ قيمة الشقص \rالثالثة: وإذا جعل الشقص صداقًا ، أو بدلاً في\rالخلع ، أو بدلاً في الصلح  عن الدم، أو أجرة في الإجارة ، ثبتت الشفعة، فيأخذ بمثل قيمته ما قوبل به من  بضع  أو دم أو منفعة، وهو مهر المثل وأجر المثل ، وخالفنا أبو حنيفة في الكل، ولم ير شيئًا من ذلك معاوضة حقيقية \rفرع: إذا أصدقها شقصًا مشفوعًا، فجاء الشفيع طالبًا، وطلق الزوج في حال طلبه قبل أخذه ، قال أبو إسحاق المروزي : الزوج أولى؛ لأن سببه سابق ، وقال ابن الحداد : لو أفلس المشتري للشقص المشفوع، فإن أراد البائع الرجوع، وطلب الشفيع الشفعة؛ فالشفيع أولى، وهما جوابان متناقضان ، فنقل الأصحاب جواب الإمامين إلى المسألتين، وقالوا: فيهما وجهان ، والتوجيه بيّن ، فإن قلنا في مسألة الإفلاس: الشفيع أولى، فهل يختص البائع بالثمر أم يضارب الغرماء فيه وجهان، واختار ابن الحداد أنه يضارب ؛ لأنه بطل حقه من العين، فصار كما لو بيع قبل الإفلاس ومما يقرب من هذا أن مشتري المشفوع لو أراد رده بالعيب ، فجاء الشفيع طالبًا بتمام الثمن، فأيهما أولى فيه وجهان :\rأحدهما: الشفيع أولى ؛ لأن حقه سابق، فلا يقدر على إبطاله من غير غرض","part":1,"page":5},{"id":502,"text":"والثاني: أن المشتري أولى، فربما يكون له غرض في عين الثمن؛ ولأن الشفعة تثبت عند استقرار العقد، فإذا لم يستقر فكأنه لم يكن \rالتفريع: إن قلنا برد الشفيع أولى، فلو حضر الشفيع بعد جريان الرد فوجهان:\rأحدهما: أنه يرد الرد ويسلم إلى الشفيع \rوالثاني: أنه يبطل حقه بالرد؛ إذ الرد لا يقبل الفسخ \rالتفريع: إن قلنا يرد الرد، ففي طريقه وجهان:\rأحدهما: ينشأ رده\rوالثاني أنه تبين أنه لم ينفذ؛ لأن الفسخ لا يقبل الفسخ \rوكذلك الاختلاف لو حضر بعد جريان الإقالة ، وقلنا: إنها فسخ ، وإن قلنا إنها بيع فلا يخفى حكمها ، فأما إذا حضر الشفيع بعد رجوع الشطر إلى الزوج بالطلاق،  فلا خلاف أنه يأخذ ما بقي في يد الزوجة ، وهل يأخذ ما عاد إلى الزوج فيه طريقان: منهم من طرد الوجهين كما في رد الرد ، ومنهم من قطع بأن الشفعة تبطل ها هنا؛ لأنه عود بغير اختيار، فالطلاق لا مرد له؛ بخلاف الرد بالعيب فإنه يتعلق بالاختيار \r[المسألة]  الرابعة: إذا زال الملك بالبيع ثبتت الشفعة قطعًا، وهو الأصل؛ فإنه المعاوضة المحققة ، ولكن هل للشفيع أن يأخذه في مدة الخيار إن كان للبائع خيار لم يكن له ذلك ؛ فإن إبطال خيار البائع إضرار بغير المشتري ، وحق الشفيع شرعًا يتعلق بالمشترى، ولو قدر بقاء خياره فلا ينافي هذا الأخذ، فإن غرضه الانتزاع، وإن كان  للمشتري وحده ففي المسألة طريقان، أحدهما: تخريجه على القولين المذكورين فيه إذا أراد الشفيع الأخذ، وأراد المشتري الرد ؛ لأن أخذه مصادم لحق رد المشتري ، ومنهم من قطع بأنه لا يأخذ؛ لأن العقد بعد لم يستقر قراره، بخلاف الرد بالعيب، فإنه بعد استقرار العقد ، والصحيح آخر القولين ","part":1,"page":6},{"id":503,"text":"التفريع: إن قلنا: يأخذ، بطل خيار المشتري، ولا يعد فيه، فإن له نقض ملكه، فنقض حقه أولى  فإن قيل: فهلا انتقل الخيار إلى الشفيع، كما انتقل إلى الوارث قلنا: الوارث يرد على البائع من الموروث، فكأنه الموروث، فإنه خليفته، ويبعد ها هنا أن يرد على البائع ولا علاقة بينهما، ولو رد على المشتري لكان هذا خيارًا جديدًا لم يتضمنه العقد  فإن قيل: أليس يرد بالعيب على المشتري قلنا: استدراك الظلامة له قياس في الشرع، أما المنهي بالرد لا أصل له في الشفعة، فإن فرعنا على أن الملك للبائع، وهذا القول ضعيف  فيما إذا كان الخيار للمشتري مخالف للنص ، ولكن الظاهر على هذا أنه لا يأخذ  بالشفعة ؛ لأنها تنبني على زوال الملك، ولم يزل، وذكر القاضي  وبعض أصحابنا وجهًا أنه يأخذ ؛ لأن الأمر قد انسل عن اختيار البائع، وإن كان الملك له، فإن فرعنا على هذا القول الضعيف، وهو أنه يأخذه فيملكه، ومن ضرورة تقدير حصول الملك للمشتري قبله حتى يتصور ذلك، فإن أخذه يبطل خياره لا محالة ","part":1,"page":7},{"id":504,"text":"فرع: دار في يد رجلين اشترياه من شريكين في صفقتين، ادعى كل واحد منهما أن شراءه سابق، وأن له حق الشفعة، فهما دعوتان متعددتان، فيحلف من خرجت القرعة  له عند التساوق إلى مجلس الحكم، أو من سبق إلى المجلس صاحبه؛ فإنه مدع يقدم شراءه فيحلف على البت  ما اشترى هو بعده، ولا يحلف أن المدعي ما اشترى قبله ؛ لأن اليمين الثانية الباتة على نفي فعل الغير لا وجه لها ، فإذا حلف فإذ ذاك ينشأ الدعوى على من حلفه ويحلفه كذلك، فإن تحالفا أو تناكلا سقطت الدعوتان ، فإن نكل من عرضت اليمين عليه أولاً، فرد على المدعي، فحلف أنه اشترى قبله، ثبتت له الشفعة ، فلو قال الناكل: الخصومة متعددة، وقد انقضت إحداهما، فإذا أثبتنا الدعوى بعد هذا عليه لم يمكن منه؛ لأنه حلف على البت أنه اشترى قبله ، وهذا من لطائف أحكام  الخصومات، فإنها كانت متعددة، ثم انتهيا جميعًا بأنها خصومة واحدة؛ لأن متعلق الخصومة متحد ، فأما إذا أقاما بينتين  فلم تتعرض البينتان لوقت الشراء، فلا فائدة لهما، وإن تعرضتا للوقت على التناقض، فيخرج على الخلاف المشهور في تهاتر البينات ، إلا أن قول استعمال البينتين ها هنا لا يفيد ؛ إذ لو قسم لعاد كل واحد منهما إلى نصف الدار، فأما إذا عرضتا لوقت واحد فلا تعارض؛ إذ التساوق ممكن،  ولكن اختلف أصحابنا، فذهب الأكثرون إلى قبولهما لإثبات التساوق ، وإسقاط الشفعة ؛ إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر، ومنهم من قال: لم يقم كل واحد بينة على وفق مراده فكأنه لم يقمه، والقائل الأول يقول: كل بينة نصت على وقت فليس فائدتها ميئوسا منها ؛ فإن الأخرى قد يتأخر تاريخها، فإن لم يتأخر أفادت دفعًا ولم تفد شفعة ","part":1,"page":8},{"id":505,"text":"[المسألة]  الخامسة: إذا اشترى الذمي  بخمر  شقصًا مشفوعًا، فلا شفعة؛ لأن الشراء فاسد  والملك لا يزول به، وكذلك المسلم، ولو جرى بين ذميين وترافعا إلينا لم نحكم بالشفعة؛ فإنه يخالف حكم الإسلام ، نعم لو جرى الأخذ فيما بين أظهرهم فلا نتعرض لهم، وذلك من فن المتاركة ، ولو أتوا بدراهم لأجل الجزية ، وقال باذلها: أخذتها من ثمن خمر، ففي جواز أخذه وجهان، أحدهما: أنه لا يؤخذ؛ لأنه صاحب اليد فيعتمد قوله، والثاني: أن النظر إلى الدراهم ولا التفات إلى حكايتهم وما جرى قبل ذلك \r[المسألة]  السادسة: إذا كان المشتري للشقص أحد الشركاء في الدار، فالظاهر في المذهب أن الشريك الذي ليس مشتريًا لا يأخذ جميع المشترى، بل له أن يستبقي ما كان يخصه لو اشتراه أجنبي ، وبمثله لو قال البائع للشقص وقد بقي له شرك في الدار: ما يخصني لا أمكنهم من انتزاعه من يد المشتري، فإن لي شركة في الدار، لم يكن له ذلك ؛ لأن الشفعة معناها  جلب ملك، والمشتري جالب بالشراء، فله الاستيفاء فله الشركة، وأما البائع فليس جالبًا، ولكنه مزيل، والشركة لا تفيد [إيفاء الإزالة] ، وقال ابن سريج: ليس للمشتري ذلك أيضًا كما ليس للبائع؛ لأن الشفعة معناها ابتداء تملك، وهو مستبق للملك المستفاد من الشراء ، فإذا فرعنا على الأصح، فلو قال المشتري: تركت نصيبي،  فإما أن يدع  الكل، فليس له ذلك ، بل للشريك الآخر أن يقتصر على ما يخصه، بخلاف ما إذا لم يكن مشتريًا فعفى عن نصيبه، فعلى الثاني أن يأخذ الكل، والفرق أن عفو الشريك يسقط حقه، فليس للشريك الثاني التبعيض على المشتري، وأما ها هنا الملك حاصل له بالشراء، وعفوه لا يزيل ملكه، فليس له أن يكلفه إزالة ملكه المستحق له ، وذكر الشيخ أبو علي عن بعض الأصحاب وجهًا أن له ذلك، وهو بعيد ","part":1,"page":9},{"id":506,"text":"[المسألة]  السابعة: إذا رأى نصيب شريكه الغائب في يد أجنبي يتصرف فيه، فزعم أنه اشتراه، هل له أن يأخذ بالشفعة بمجرد قوله فيه وجهان :\rأحدهما: ليس له ذلك ما لم يتحقق عنده شراؤه بجهة أخرى \rوالثاني: له ذلك، فإنه صاحب اليد الآن، وهو الأصح ، ثم إن رجع الغائب وكلمه وحلف على ذلك ردت الشفعة بحسبه \r[المسألة]  الثامنة: إذا باع في مرض موته شقصًا بألف، وقيمته ألفان، والشفيع وارث، ولو أخذ بالشفعة لاتصلت به المحاباة ، فلا سبيل إليه ولا ممتنعًا  في قول من يقول المحاباة مع المشتري إن العقد يوجب للشفيع الأخذ بالمحاباة من غير اختيار متوسط ، فلهذا الإشكال ذكر ابن سريج أربعة أوجه :\rأحدها: أن البيع باطل؛ لأنه اقتضى هذه المحاباة للوارث، ولو صح لتناقض مضمونه كما سنذكره \rوالثاني: أنه صحيح، والشفيع يأخذ النصف بألف، ويبقى النصف الآخر للمشتري حتى يختص بالمحاباة، وهذا بعيد من حيث أن العقد لا يشتمل على هبة وبيع، فكيف نسلم له البعض من غير عوض \rوالوجه الثالث: أن الشفيع إن أراد الشفعة فيصح البيع في نصف الشقص بكل الثمن، ويبطل في الباقي، وللمشتري الخيار  للتبعيض، فإن قال: أرد، وقال الشفيع: آخذ؛ فأيهما أولى على قولين ذكرناهما في الرد بالعيب \rوالوجه الرابع: أن البيع يصح ولا تثبت الشفعة؛ لما فيه من المحذور \rوزاد الأصحاب وجهًا خامسًا: وهو أن البيع يصح، والشفعة تثبت، والمحاباة مع المشتري وارتفاق الوارث به ليس يمتنع؛ إذ لا وجه لإبطال البيع ولا لإسقاط الشفعة، وكل وجه لا ينفك عن محذور، وهذا أقرب الوجوه ","part":1,"page":10},{"id":507,"text":"[المسألة]  التاسعة: العبد المأذون [له]  في التجارة له الأخذ بالشفعة  إذا كان شريكًا، ولو عفا عنه فللسيد أخذه، ولا يسقط بعفوه، ولو عفا السيد فليس له أخذه سواء كان بعد إحاطة الديون به والحجر  عليه، أو قبله ، وليس هذا كالمتبرع من مال، ولا كالرضى بالعيب فيما اشتراه؛ فإن هذا اختلاف مالك، وليس عليه الاختلاف؛ وإن كان فيه ربح، وأما العبد القن  إذا ملك شقصًا، وقلنا: إنه يملك بالتمليك ، فبيع الشقص الآخر، قال الشيخ أبو محمد : تثبت الشفعة على الجملة ، قال الإمام : وفيه احتمال ظاهر؛ لأن ملك العبد ضعيف ، والشفعة لا تستحق بالملك الضعيف عند كثير من أصحابنا ، ثم إذا قلنا: تثبت الشفعة، فهل يحتاج العبد إلى إذن جديد من السيد فيه وجهان ، والقياس أنه يفتقر إليه، فإنه -وإن ملك- لا يستقل بالتصرفات ، فأما المكاتب فله الأخذ بالشفعة وفاقًا \r[المسألة]  العاشرة: حكى القفال عن ابن سريج أنه قال: إذا اشترى عامل القراض  شقصًا، فلرب المال أن يأخذه بالشفعة  قال القفال: هذا غلط؛ لأن الملك واقع له، فكيف يأخذ لنفسه من نفسه ووجه ما قاله ابن سريج أن مال القراض يستحق البيع؛ إذ للعامل أن ينضّه ، ففائدة أخذه استيفاؤه لنفسه، كما  أن المشتري إذا كان شريكًا فقد يقول: له أن يستبقي ما يخصه بحكم الشركة ","part":1,"page":11},{"id":508,"text":"[المسألة]  الحادية عشرة: إذا مات رجل وخلف دارًا وابنًا، وخلف من الدين مثل نصف قيمة الدار، فبيع نصف الدار في الدين، فهل للوارث الشفعة إن قلنا إن الدين لا يمنع ملك الوارث -وهو الجديد  - فلا شفعة؛ فإن الزائل ملكه ، وإن قلنا يمنع الملك -وهو القديم- والزائل ملك الميت، فثبوت الشفعة ينبني على أمر، وهو أن الباقي على ملك الميت مقدار الدين من التركة، أم جميع التركة، من غير نظر إلى مقدار الدين  وفيه خلاف ؛ فإن قلنا: الكل على ملك المورث فلا شفعة، فإنه إنما يسلم له النصف بالبيع وقضاء الدين، فملكه لا يتقدم على البيع ، إلا أن يكون له في الدار شرك قديم فيأخذ به  وإن قلنا: الباقي للميت مقدار الدين، فله الشفعة؛ لتقدم شركته على البيع \r[المسألة]  الثانية عشرة: الوصي إذا باع شقصًا من مال الطفل، وللوصي شرك في الدار، فليس له الأخذ بالشفعة ؛ فإنه متهم، فيقال: باع ليأخذ، بخلاف الأب في مثل هذه الصورة؛ فإن شفعته كاملة، ولذلك يتولى طرفي العقد، والوصي لا يتولى؛ ولو اشترى الوصي للطفل شقصًا فله أن يأخذ بالشفعة فإنه لا تهمة فيه  هذا ما ذكره الشيخ أبو علي ، وفي الطرف الأول نظر، فإن الغبطة  لا تخفى؛ فإن جاز للأب الأخذ ، فليجز للوصي وهو نازل منزلته في التصرفات في ماله إذا تولى طرفي العقد ، فغير معلل بالشفعة ، ويقرب من هذا الوكيل يبيع الشقص إذا كان شريكًا فباع\r\rبالوكالة ، هل يأخذ بالشفعة ذكر الشيخ أبو علي وجهين: أحدهما المنع كالوصي، والثاني الجواز، وهو الصحيح ؛ إذ ليس الوكيل  بناظر للموكل حتى يتهم ، وإنما هو ممتثل، بخلاف الوصي \r[المسألة]  الثالثة عشرة: إذا بيع شقص و للطفل فيها شرك وله مصلحة في أخذه فيجب عليه الأخذ ، ولو تركه لم يسقط حق الطفل، بل يأخذه\rإذا بلغ ، وللقاضي في الحال أن يأخذ عن جهته ، ولو بيع شيء وللطفل","part":1,"page":12},{"id":509,"text":"في شرائه مصلحة، فالأحب للولي شراؤه؛ وفي وجوب ذلك وجهان ،\rوالفرق  أن العفو عن الشفعة تفريط بتفويت حق ثابت، والتفريط ممتنع، وإن كان الاكتساب غير واجب على رأي\rوقد اختلف الأصحاب في تصرف يصدر من الولي: ليس فيه خير ولا شر، فاختار الشيخ أبو محمد إبطاله ؛ لأنه عبث، وتصرفه مقيد بالمصلحة، فلا بد من تحقق ذلك أو توقعه في حال أو مآل \rهذا تمام الأركان التي يدور عليها إثبات الشفعة من السبب والمحل والشرط\r\rالباب الثاني: في كيفية الأخذ، وما يحصل به ملك الشفيع\rوفيه فصول:\rالفصل الأول: فيما يحصل به ملكه\rوفيه مسائل:\rإحداها: أنه لا يشترط عقد جديد بين المشتري والشفيع ، ولا شك في أنه يرتبط برضى الشفيع؛ فإنه لا يحصل الملك لمجرد الشراء، ولا يحصل أيضًا بمجرد قوله أخذت، ولا بمجرد طلبه للشفعة ؛ لأن ذلك يؤدي إلى الإضرار بالمشتري؛ إذ يزول ملكه، ويبقى الثمن في ذمة الشفيع، فلو سلم الثمن إلى المشتري ملكه بمجرد تسليم الثمن ، ولا يحتاج إلى لفظ وإيجاب  وقبول \rالثانية: لو رضي المشتري بأخذه قبل تسليم الثمن يملكه أيضًا، وإن لم يسلم الثمن، ولا يملك برضاه ، ولكن أثر رضاه في تأخير حقه في الثمن، ولأجل حقه كان يتراخى الملك، وهل يتوقف هذا الملك  على تسليم الشقص الظاهر أنه لا يتوقف ؛ لأنه يملكه على حكم معاوضة، وكأن ملك المشتري ينتقل إلى الشفيع على حكم البناء، وملك المعاوضة لا يتوقف على القبض\rومنهم من قال: لا بد منه، فإنه لم يجر عقد ولا تسليم على عوض، فانتقال الملك لا بد له من سبب سوى مجرد الرضى، وهو القبض، وهذا بعيد؛ والصحيح هو الأول ","part":1,"page":13},{"id":510,"text":"الثالثة: لو رفع الأمر إلى القاضي، وطلب الشفعة، وقضى له؛ ولم يوجد تسليم الثمن، ولا رضى المشتري، ففي حصول الملك به وجهان، أحدهما: وهو الذي نقله صاحب التقريب، أن الملك يحصل به ؛ وحقيقة هذا الوجه: أن الشرع نزّل الشفيع منزلة المشتري؛ كأن العقد عقد له إذا تأكد حقه وطلبه، ولا معنى لاعتبار تسليم الثمن كما في سائر المعاوضات \rوالثاني: أنه لا يملك؛ إذ لو حصل دون بذل الثمن أو رضاه لحصل بمجرد العقد على خيرة إسقاطه إن شاء وتبقيته إن شاء \rالرابعة: لو أشهد عدلين على طلبه، ففيه وجهان مرتبان على القضاء، وأولى بأن لا يحصل الملك \rهذا بيان الأسباب المملّكة، ونتصدى عند هذا النظر في أحكام:\rأحدها: أنه إذا حصل الملك برضى المشتري، أو ببذل الثمن، فلا يثبت خيار المجلس للمشتري، فإنه مقهور ؛ وهل يثبت للشفيع فيه وجهان، أحدهما: أنه يثبت ؛ لأنه تملك بعوض، والثاني: أنه لا يثبت؛ إذ خيار المجلس يمتنع ثبوته من أحد الجانبين \rفإن قلنا: إنه يثبت؛ فلو فارقه المشتري فيه وجهان ، أحدهما: أنه يبطل؛ لحصول المفارقة، والثاني: أنه لا يبطل ؛ لأنه لا مدخل له في الخيار فيتقيد بمفارقة الشفيع المكان\r[الحكم] الثاني: أنه لو حصلنا الملك  بالقضاء، فعليه المبادرة إلى تسليم الثمن، وليس يجب عليه قطع أشغاله، إلا ما يجر تطويلا يجوز لمستحق الدين طلب الجنس عند الاشتغال به \rوعلى الجملة: لا يشترط في فور أداء الثمن ما يشترط في فور طلب الشفعة، كما سنذكره ، فلو أخّر الأداء، فقد اختلف أصحابنا: منهم من قال يبطل ملكه ؛ لأنه يؤدي إلى الضرار، ولأجله لم يثبت الملك بمجرد طلبه، والثاني: أنه لا يبطل، ولكن يرجع إلى القاضي، ليطالبه فإن أبى أبطل القاضي ملكه ؛ لأن التأخير مظنون لا يتبين تأخيره إلا في مجلس القاضي ","part":1,"page":14},{"id":511,"text":"[الحكم] الثالث: أنه لم يختلف المذهب في أن المشتري له حق حبس الشقص  إلى أداء الثمن ، ولا يخرج على أقوال حبس المبيع ؛ لأنه غير راض ها هنا، ولا سبيل إلى الإضرار به، نعم الاختلاف في أن أثر حبسه في منع ملكه ؛ إذ هو لا يمنع الملك، ولكن يحصل الملك بالقضاء، فيتعرض للنقض عند المماطلة ، فأما إذا ملك برضى المشتري، فيحتمل التردد في تخريج حبسه على حبس البائع \r[الحكم] الرابع: أما إذا حصلنا الملك بالقضاء أو الإشهاد، فهو عرضة النقض من جانب المشتري ، ولكن الشفيع لو أراد تركه قبل أداء الثمن، فقد حكى الشيخ أبو محمد، وصاحب التقريب، أنه ليس له ذلك؛ إذ لا عذر من جانبه، وكلام الأصحاب يدل على أن خيار الشفيع يطّرد إلى أن يبذل الثمن، أو يحصل رضى المشتري \r[الحكم] الخامس: أنه لو أشهد على طلب الشفعة، نقل صاحب التقريب عن الأصحاب أنه لا ينفذ تصرف المشتري بعد ذلك ، واستدل به على أحد الوجهين في حصول الملك بالإشهاد، وهذا فيه نظر، فإن حصلنا الملك فلا ينفذ تصرفه، وإن لم نحصل فيه تردد: أحدهما التنفيذ، ثم له النقض، وهو القياس؛ لأنه ملكه والثاني المنع؛ إذ يبعد أن نأمر  الشفيع بتحصيل الثمن، ونسلط المشتري على البيع \r[الحكم] السادس: إذا وفى الثمن، وملك الشقص، ولم يقبضه؛ ففي نفوذ تصرفه وجهان، أحدهما: المنع؛ كالبيع قبل القبض ، والثاني: الجواز؛ فإن الملك حصل بناء حتى كأنه عقد له العقد من هذا الوقت، ولو حصل الملك بالقضاء والإشهاد فلا ينفذ تصرفه ؛ فإنه ملك معرض للنقض، ولو حصل بالرضى من المشتري قبل توفية الثمن، قال الإمام: الأظهر عندي أنه لا ينفذ تصرفه ","part":1,"page":15},{"id":512,"text":"[الحكم] السابع: أن حق الشفعة يثبت فيما لم يره الشفيع، وله الأخذ قبل الرؤية إن صححنا شراء الغائب ، وإلا فلا، فإذا صححنا فقد ذكر الأصحاب ترددًا في ثبوت خيار الرؤية وهو على خيار المجلس ، وهو بعيد؛ إذ سبب المنع في خيار المجلس انفراد أحد المتعاقدين ، نعم ينقدح المصير إلى أنه يصح الأخذ بالشفعة دون الرؤية، بخلاف البيع، فإن هذا ملك يحصل قهرًا ، و يقرب من هذا التردد في نفوذ تصرفاته قبل القبض بما قال صاحب التقريب: إذا أثبتنا خيار الرؤية، فللمشتري أن يمتنع من قبول الثمن إلى أن يراه الشفيع؛ لأنه لا يثق بالثمن قبل الرؤية ، وإذا قلنا: لا يأخذ قبل الرؤية، فليس يمنع من دخول الدار لأجل الرؤية \r\rالفصل الثاني: في تفصيل الثمن الذي يبذله\rوفيه مسائل:\rإحداها: أنه لا يأخذ الشقص بقيمته، وإنما يأخذه بمثل الثمن إن كان مثليًا، أو قيمته إن كان من ذوات القيم؛ يأخذه بقيمة الشقص \rوعماد المذهب عندنا أن الشرع أحل الشفيع محل المشتري فيما يمكن إحلاله محله، ولكن لا يمكن بذل عين الثمن الاول، وقد خرج عن ملك المشتري، فروعي مثله \rثم إن كان الثمن مائة منٍّ  من حنطة، فليس للشفيع  أن يبذل مائة منٍّ ؛ لأنه في مقابلة تلك الحنطة، فالحنطتان إذا تقابلتا فلا بد فيهما من معيار الشرع ، كما في الإتلاف، فيكيل الثمن، ويأتي الشفيع بمثله كيلاً، وإن كان قد أفات  الحنطة الأولى، فيأتي بمائة من جنسه، ويكال، ويطالب بما يرجع إليه بالكيل هذا ما ذكره القفال  وأئمة المذهب ، وبنوا عليه أيضًا أن إقراض الحنطة وزنًا لا يجوز، فإن فيه معنى التقابل وإن لم يكن بيعًا ","part":1,"page":16},{"id":513,"text":"قال القاضي: يبذل الشفيع مائة منٍّ، فإنه يبذله في مقابلة الشقص، لا في مقابلة الحنطة؛ فإنه يأخذه بعوض  لا محالة، إلا أن الشرع عين هذا العوض قهرًا ؛ وهذا حسن بالغ ، وكذلك يجوز الإقراض وزنًا ؛ لأن المعيار يعتبر في تفاضل الربويات، ولو راعينا حكمه لاشترطنا التقابض، فإذا أبطلناه فكيف يراعى المعيار وهو أيضًا متجه، وإن خالف معظم الأصحاب \rالمسألة الثانية: إذا اشترى الشقص بثمن مؤجل، ففيه ثلاثة أقوال: الجديد، وهو الذي حكاه الأئمة: أن يقول الشفيع: إن شئت عجلت جميع الثمن ولك الشقص، وإن شئت فأضرب عن الثمن حتى يحل الأجل ؛ لأن البائع إن رضي بذمة المشتري، فلا يلزم المشتري الرضاء بذمة الشفيع، ويتفرع على هذا ثلاثة أمور، أحدها: أنه لو سكت إلى حلول الأجل هل يبطل حقه إذا قلنا إنه على الفور منهم من قال: لا يبطل؛ إذ لا فائدة في طلبه ، ومنهم من قال: ليشهد على الطلب ثم ليؤخر \rالثاني: أنه لو مات المشتري، وحل عليه الثمن، فلا يحل على الشفيع؛ لأنه وإن نزل منزلته، ولكنه يباينه في الرتبة، فهو كالمضمون عنه إذا مات وحل عليه الأجل، لا يحل  على الضامن \rالثالث: أن الشفيع لو مات بنفسه فلوارثه الأخذ، ولا يحل الأجل عليهم إذا لم يكن على الشفيع دين محقق حتى يحل أجله، وإنما هو تراخي استحقاق الشفعة \rوالقول الثاني: رواه حرملة ؛ أن للشفيع أن يأخذ بالثمن المؤجل في الحال، وينزل منزلة المشتري ، وهذا مذهب مالك ، فإنه قال: إن كان مليًا سلم إليه الشقص، وإلا يطالب بكفيل، أو يسلم إليه؛ وإن لم يقدر على كفيل فلا يسلم، فمن أصحابنا من قال بهذا القول فوافق مذهب مالك في هذا التفصيل \rومنهم من قال: ينزل منزلة المشتري من غير نظر إلى صفته، فيسلم إليه ، فعلى هذا يبطل حقه بتأخر الطلب، ويحل الأجل بموت الشفيع؛ إذ الدين ثبت عليه، ولا يحل عليه بموت المشتري، فهو كالضامن مع المضمون ","part":1,"page":17},{"id":514,"text":"والقول الثالث: حكاه أبو العباس عن كتاب الشروط: أن الشفيع يأخذ الشقص بعرض يساوي مقدار الثمن مؤجلاً بأجله؛ إذ لا سبيل إلى رده إلى بعضه، فهو ربا، ولا ينفك قول عن ميل عن الإنصاف\rومن اشترى شيئًا بألف إلى سنة فكأنه اشتراه بتسع مائة نقدًا، ولو سلم ذلك القدر لكان ربًا، فيسلم عرضًا يساويه فعلى هذا لو تأخر الطلب تعذر إلى انقضاء الأجل، فالمشتري يطالب بالألف، والشفيع لا يلزمه إلا السلعة المعدلة بالنقل؛ لأن النظر في قيمة الثمن إلى يوم العقد\rالمسألة الثالثة: إذا جعل الشقص بدلاً في الصلح عن شجة؛ فإن كانت الشجة موجبة للمال فقط، وأرشها من جنس الدراهم أو الدنانير، فهو معلوم، فيأخذ الشفيع الشقص بأرش الشجة، وإن كان من جنس الإبل ففي صحة المصالحة وجهان:\rأحدهما المنع؛ لأن الشرع لم يعرف إلا طرفًا من إناث الإبل، ولا يكتفي بمثل هذه المعرفة في المعاوضات\rوالثاني: أنه يصح؛ لأن المقصود سقوطه لا استيفاؤه، فإن قلنا: يصح، ففي الشفعة وجهان؛ لأنه يؤدي إلى استيفاء ذلك المجهول عند الإثبات، والشفعة لا تثبت إذا كان الثمن مجهولاً على ظاهر المذهب، فإن قلنا: تثبت، فتقدر قيمة إبل يجزئ مثلها من الدية، فأما إذا كانت الشجة موجبة للقصاص؛ فإن قلنا: إن موجب الأمر إحدى الأمرين من الدية أو القصاص؛ فالصلح واقع عن المال فحكمه ما ذكرناه","part":1,"page":18},{"id":515,"text":"وإن قلنا موجب العمد المحض القود، فينبني صحة الصلح على أنه صلح عمّاذا  وهو مبني على أن العفو المطلق على هذا القول هل يقتضي المال فإن قلنا: يقتضيه فيقع الصلح عن المال، ويرجع ما ذكرناه من الخلاف، وإن قلنا: لا يقتضيه، فطريقان : منهم من قطع بالصحة وجعله صلحًا عن القصاص كأنه معلوم ، ومنهم من طرد الخلاف؛ لأن العفو المطلق إن لم يتضمن المال، فالعفو على المال يتضمنه، وإذا تقرر وجوب المال وقع الصلح عنه، وهذا يلتفت على أصل، وهو أنه لو صالح عن القتل على مائتين من الإبل هل يجوز وفيه خلاف، فإن جوزناه جعلناه بدلاً عن القصاص ، وإن منعناه فهو بدل عن المال ، وحق الشفعة من هذا الفصل التردد عند صحة الصلح للجهالة بأرش الإبل \rالمسألة الرابعة: لو جمع بين منقول  وشقص، فيوزع الثمن، ويأخذ الشفيع الشقص بما يخصه ، والاعتبار بالقيمة يوم العقد ، وإن اشتمل على خيار ثلاثة أيام، وتفاوتت القيمة ، فإن قلنا: الملك حاصل بالعقد، فبه الاعتبار، وإن قلنا يحصل بمضي الخيار، فينقدح فيه احتمال ، وهذا أيضًا جار في قيمة الثمن \rالمسألة الخامسة: لو انهدمت الدار قبل أخذه، نقل المزني  أنه يأخذ الكل مع النقض بكل الثمن ، ونقل الربيع  أنه يأخذ الباقي بحصته من الثمن ،  واضطربت فيه طرق أصحابنا، والذي يحوي الغرض طريقة نسردها، وهو: أن الدار إن ارتجت وحدث فيها فطور من غير نقض فهو تعيب، فالشفيع يلزمه أن يأخذ بكل الثمن إن أراد، كالمبيع في يد البائع ","part":1,"page":19},{"id":516,"text":"وإن سقطت السقوف والجدران على الأرض: نُظر، فإن كان النقض تالفًا، فهذا يبنى على أن السقوف تنزل منزلة أطراف العبد  والأوصاف، أو تنزل منزلة منقول مع عقار ، وفيه خلاف مشهور ، فإن نزلناه منزلة الصفات فهو كالتعيب ، وإن نزلناه منزلة المنقول، فيوزع الثمن كما في المنقول المضموم إليه ، فأما إذا كان النقض قائمًا، فهل للشفيع أخذ النقض قولان مأخوذان من النصين :\rأحدهما: أنه لا يأخذ لأنه منقول \rوالثاني: أنه يأخذ ؛ لأنه تعلق به الحق قبل الانتقاض، فيستصحب\r\rفإن قلنا: يستحق النقض، رجع الكلام إلى التعيب ، وإن قلنا لا يستحق، فإن نزلناه منزلة إحدى العبدين، فيأخذ الدار بحصته من الثمن بعد التوزيع ، وإن نزلناه منزلة الأوصاف فوجهان ، وكذا الخلاف لو تلف النقض بجناية أجنبي ولزم الغرم، فكان يبعد على هذا الوجه أيضًا أن يسلم له شيء من المشترى مجانًا ، فيعسر طرد هذا الوجه في هذا التفريع ، وإذا قلنا: إنه يأخذ النقض لو بقي، فلو تلف بجناية أجنبي، فيغرم الشفيع للأجنبي، ويسلم إلى المشتري تمام الثمن ","part":1,"page":20},{"id":517,"text":"المسألة السادسة: لو بنى المشتري في المسقوف قبل أخذ الشفيع، فليس له نقضه مجانًا عندنا ، خلافًا لأبي حنيفة ، بل يبذل الثمن وقيمة البناء والغراس، ويملكه عليه، أو يبقيه ويلزمه أجرة المثل، أو يقلعه ويغرم أرش النقض مع الثمن، فيتخير بين هذه الخصال  كالمعير مع  المستعير، وقد بينا أن المعير لا يقلع زرع المستعير في ظاهر المذهب ، وذكرنا ترددًا أنه يغرم الأجرة بقية المدة ، وقد قطع أئمتنا ها هنا بأنه يبقى ولا نغرمه الأجرة ؛ فإنه كان تصرفًا في ملكه، ونزل ذلك منزلة ما لو باع الرجل أرضًا مزروعة، لا يلتزم الأجرة للمشتري إلى مدة الحصاد، وفي كلام صاحب التقريب ما يدل على إلحاق المشتري ها هنا بالمستعير ، وهو غير بعيد في القياس وإن  بعد في النقل؛ لأن حق الشفيع قارن الزرع، بخلاف البيع ، ولما نقل المزني هذه المسألة أخذ يعترض فيقول: كيف يتصور بناء المشتري على المشترى، وهو عدوان مقلوع ، وإن كان بعد القسمة وقسمه الشفيع بطل حقه ، فصوّر الأصحاب ذلك  من وجوه:\rأحدها: أن يخبر بأنه اشترى بألفين، وهو لا يساوي الألفين، فيرغب عنه لذلك وقاسم، ثم يتبين أنه اشتراه بألف، فلا يبطل حقه بالقسمة مع هذا الظن \rالثانية: أن يقول المشتري اتّهبته فصدقه وقاسمه ثم بان أنه اشتراه \rالثالثة: أن يغيب عن البلد ويوكل رجلاً لمقاسمة من يكون شريكًا له فتصح الوكالة معلقة على رأي لنا ، والعفو المطلق لا ينفذ أصلاً، فإذا عاد بعد قسمة الوكيل، فله الشفعة \rالرابعة: أن يكون الشفيع غائبًا، فيحضر المشتري مجلس الحكم ويقول: هذا مشترك بيني وبين غائب، فله أن ينصب نائبًا عن الغائب حتى يقاسمه، فإذا عاد فله الشفعة ","part":1,"page":21},{"id":518,"text":"الخامسة: لو وكل المشتري البائع بالمقاسمة فظن الشفيع أنه يقاسم عن نفسه فصحت القسمة ولم تسقط الشفعة ، فالإشكال على هذا أن الشفيع إذا أراد الأخذ، فإن صحت القسمة فيأخذ ملكًا مجاورًا لا شائعًا، فهو بعيد عن أصل الشافعي، وإن كان  شائعًا فلم تصح القسمة، فالبناء عدوان فإنه في شائع، والشفعة  عند الشافعي رحمه الله معلل بضرار المداخلة، أو مؤنة القسمة، وكل ذلك قد انقطع بالقسمة قبل التمليك، فلو رضي بهذا الضرر لسقط، فإذا انقطع الضرر، وهو العلة، فلا فرق بين أن يقترن وبين أن يطرأ قبل الأخذ ، وأقرب وجه لهذا أن يخرج على الخلاف الذي سنذكره في الشفيع إذا باع شقصًا على الجهل، ثم تبينا جريان الشراء في الشقص، فهل يسقط حقه أم لا  لأن الملك شرط، كما أن الشيوع شرط، ويلتفت هذا على الخلاف أيضًا في ثبوت الخيار للمشتري عند اطلاعه  على عيب قديم بعد زواله، وكذلك اطلاع الأمة على عتقها بعد أن أعتق العبد ، ولكن قطع الشافعي والأصحاب بما ذكرناه، وهو مشكل\rولعلهم نزّلوا الجوار الذي ينتهي إليه (الشيوع على ظن سبب إثباتنا الشفعة) ، هذا وجه الإشكال؛ ولأجله استبعد المزني صورة هذه المسألة، ويتصل بهذه المسالة أن بيع المشتري يتبع بالنقض، إلا إذا أراد الشفيع الأخذ بالبيع الثاني ، بخلاف البناء؛ فإن في المنع من نقض البيع إبطال حق الشفعة \rوقال أبو إسحاق المروزي: لا ينقض بيعه، بل يأخذ بالعقد الثاني ، واختلف الأصحاب في تفريع مذهبه في الوقف والهبة، من حيث أنه لا يقتضي شفعة، وكل ذلك منقوض على المذهب الصحيح ، وذكر الشيخ أبو محمد من تفصيل مذهب أبي إسحاق أنه تسقط الشفعة الأولى، ولا تثبت الشفعة في العقد الثاني؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون مسقط الشفعة مثبتًا لها، فهو كالتكبيرة الثانية على قصد التحرم، يبطل التحرم الأول، ولا تنعقد به الصلاة وهذا لا وجه له ","part":1,"page":22},{"id":519,"text":"[المسألة]  السابعة:  لو حطّ البائع عن المشتري بعض الثمن -أو كله- بعد اللزوم؛ فلا يلحق العقد ولا الشفيع عندنا ، وقال أبو حنيفة: يلحقه ، ولو حط البائع  في زمان الخيار قال القفال في دروسه: الصحيح أنه يلحق العقد ويلحق المشتري ، وقد بنى العراقيون ذلك على أقوال الملك، وهو الأحسن \rفإن قلنا الخيار لا يمنع الملك، فإبراؤه يصادف ملكه، فقطع الأصحاب بنفوذه ، ويتجه فيه خلاف كما ذكره الأصحاب في عتق العبد مع سلطانه ، فإن نفذنا الإبراء وهو الصحيح  فهل يلحق العقد على وجهين:\rأحدهما: أنه يلحق ؛ لأنهما بعد في مبدأ العقد\rوالثاني: أنه لا يلحق؛ لأنه تغيير بعد الانعقاد، فلا انعطاف له كما بعد اللزوم فإن قلنا: إنه يملك الملك ، ففي نفوذ الإبراء وجهان ذكرهما القاضي:\rأحدهما أنه لا يصح؛ لأنه لم يصادف ملكه\rوالثاني: أنه ينفذ ويدل عليه تعامل الخلق به في الأعصار الخالية\rفعلى هذا: الصحيح أنه يلحق العقد، ثم إذا لحق العقد لحق الشفيع، وإلا فلا ، ولو حط الكل، فإن قلنا: يلحق الكل ؛ امتنع نفوذ البيع وهل ينقلب هبة يخرج على الخلاف فيما إذا قال: بعت بلا ثمن ، وإن قلنا: لا يلحق العقد، فالعقد صحيح، والشفيع مطالب بتمام الثمن ","part":1,"page":23},{"id":520,"text":"المسألة الثامنة: إذا باع بكف من الدراهم مجهولة المقدار؛ قال الشافعي رحمه الله: سقطت الشفعة ؛ إذ الأخذ بالمجهول محال، وكذا الأخذ بغير عوض، ويصير هذا حيلة في دفع الشفعة ؛ لأن ما فيه من الغرر يمنع المتعاقدين عن اقتحامه، وحكى الأصحاب عن ابن سريج أنه لا تسقط الشفعة، بل يقال للشفيع: ادّع مقدارا، ويقال للمشتري: اِحلف على البتّ أنه يزيد عليه ؛ فإن حلف، فالقول قوله، فيقال للشفيع: زد في المقدار مرة أخرى، هكذا إلى أن ينكل المشتري ، فيحلف الشفيع على البت ويستحق فإن لم يزد المشتري على قوله: لا أدري، فهو إنكار يوجب عرض اليمين، فإذا أعاد ذلك مرة أخرى، فهو نكول موجب رد اليمين ، وهذا مختل ؛ ولا بد فيه من تفصيل، فللمسألة ثلاث  صور، إحداها: أن يعترفا بالجهل وجريان البيع بكف من الدراهم، وحصل اليأس عن بيانه، فالوجه القطع باندفاع الشفعة؛ إذ ما نقل عن ابن سريج يرجع إلى التسليط على الكذب أولاً، والحلف على البت آخرًا \rالصورة الثانية: أن يقول الشفيع: اشتريته بألف، وأنت تعلمه، ولكنك تناكر، ويقول المشتري: لا أدري مقداره، فموجب النص ها هنا أنه يحلف على نفي العلم، وتندفع الشفعة ، بخلاف ما إذا أدعى ألفًا دينًا، فقال: لا أدري، فإنه يكلف يمينًا باتة، أو ترد اليمين عليه، ولا يكتفى باليمين على نفي العلم؛ لأن المدعي في مسألة الشفعة لا لزوم له على الملك المدعي عليه ، وموجب قول ابن سريج أنه يطالب بيمين باتة ، كما في مسألة الدين، ولقوله اتجاه في هذه الصورة، فهو أيضًا قول مخرج، فضُمّه إلى المنصوص","part":1,"page":24},{"id":521,"text":"الصورة الثالثة: أن يقول الشفيع: جرى العقد بمقدار، وأنا لا أدريه؛ فالمنصوص أن دعواه لا تقبل ، ولا يقال له: خمن وقدر فادّع، والمحكي عن ابن سريج أنه يقال له: قدر، ويطالب المشتري بيمين باتة، فإن نكل حلف الشفيع بتًا على تقديره المخمن؛ إذ يجوز للوارث أن يحلف على البت اعتمادا على خط أبيه ، فبت اليمين بناءً على الظن جائز هذا وجه قوله \rولا خلاف أنه لو أقرض كفًا من الدراهم كان العقد فاسدًا، فإنه لا يدري كم يرد ، ولو أقرض مجهولاً على أن يبين مقداره ويرد مثله، فهذا في محل الاختلاف؛  لاقتران الجهل بابتداء العقد، والصحيح جوازه \rالمسألة التاسعة: في الاختلاف، وله صور:\rإحداها: أن يقول: اشتريت بألف، ويقول المشتري بل بألفين، فالقول قول المشتري؛ لأنه الذي تولاه، فهو أعرف بنفسه، ولا يتحالفان ، بخلاف المتعاقدين، فإنهما اتفقا على ملك مستفاد من عقدين، تولى كل واحد منهما أحد طرفيه، فوجب التسوية بينهما \rفرع: لو شهد البائع لأحدهما، إن شهد للمشتري لا تقبل ؛ لأنه شهد على فعل باشره لنفسه، وإن شهد للشفيع، فمنهم من قال: لا تقبل ؛ لأنه شهد على فعل نفسه، ومنهم من قال: إن كان قبل قبضه الثمن تقبل؛ لأنه يقلل استحقاقه، وإن كان بعده فلا؛ لأنه يقلل العهدة  على نفسه \rالصورة الثانية: أن يقول المشتري: لا أعرف لك شركًا في الدار أصلا، فالقول قوله، يحلف على أنه لا يعلم شركًا، ولا نكلفه جزم النهي ، بخلاف ما لو ادعى المالك في يده، فيحلف جزمًا أنه لا ملك للمدعي، ويستند فيه إلى ملك نفسه، فهذا يتنزل منزلة نفي فعل الغير \rالصورة الثالثة: أن يعترف بالشركة، وينكر الشراء، فإن أقام الشفيع بينة يأخذ الشقص  وإلى من يسلم الثمن إن أقر المشتري سلم إليه ، وإن أصر على الإنكار فثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه يبقى في يد الشفيع إلى أن يظهر له مدع \rوالثاني: أنه يجبر المشتري على قبوله؛ حتى تبرأ ذمة الشفيع","part":1,"page":25},{"id":522,"text":"والثالث: أنه يصرف إلى الوالي ليسلك به مسلك الأموال المشكلة الضائعة \rومثل هذا الخلاف جار في نظائر هذا المال \rوإن لم يكن للشفيع بينة، فلا نص للشافعي في ثبوت الشفعة ، واختلف الأصحاب، فمنهم من قال: تثبت الشفعة، وهو اختيار المزني ؛  لأن البائع مقر بزوال ملكه، والشفيع إليه مصير الملك، فلا يندفع بإنكار من لا قرار للملك عليه ، ومنهم من قال: إنه لا تثبت الشفعة؛ لأن الشفيع فرع، فكيف يتلقى منه ملك لم يثبت له، وهو لا يدعيه لنفسه وإليه ذهب أبو حنيفة  وابن سريج \rالتفريع: إن قلنا: لا شفعة؛ فليس له إلا أن يحلف المشتري على البت بأنه  ما اشتراه ، وإن قلنا تثبت الشفعة ، فهل يسلم الثمن إلى البائع إن زعم أنه لم يقبض ففيه وجهان، أحدهما: أنه يسلمه إليه وإن لم يتلق الأخذ منه؛ إذ لا طريق إلى الأخذ بغير عوض، وهو أولى من يصرف إليه ، والثاني: أن القاضي ينصب عن المشتري نائبًا يقبض عنه ويسلم إلى البائع؛ إذ لا علاقة بين الشفيع والبائع، وهنا فيه بعد؛ إذ القاضي ينصب النائب عن المدعين للحقوق، لا عمن لا يدعي لنفسه حقًا ، وإن اعترف البائع بالقبض ففيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه يدفع إلى القاضي ليحفظه، والثاني: أنه يبقى في ذمته، فربما يقر به المشتري ، والثالث: أنه لا شفعة في هذا المقام لهذه الضرورة \rالمسألة العاشرة: في العهدة ، والنظر فيها يتعلق بثلاثة أطراف:","part":1,"page":26},{"id":523,"text":"الطرف الأول: في المطالبة بالثمن؛ والقول الوجيز: أن الشفيع مع المشتري كالمشتري من البائع ، فلا يطالبه البائع، ويطالبه المشتري، والمشتري يطالب البائع، فيجب على الشفيع  تسليم الثمن إلى المشتري  سواءً كان الشقص في يده أو في يد البائع، ولو تعلل به بطل حقه من الشفعة ، اللهم إلا أن يكون بحيث لا يقدر المشتري على أخذه من البائع فله أن يؤخر تسليم الثمن بهذا العذر ، ولو تعلل بأن البائع له حق الحبس، فليس له ذلك، فإنه يجبر المشتري  على تسليم الثمن حتى ينقطع هذا العذر ، ونقل صاحب التقريب وجهًا عن ابن سريج في العهدة أن الشفيع يسلم الثمن إلى البائع، وكأن المشتري قد ارتفع من البين، والعقد انصرف إلى جهته، وهو بعيد لا تفريع عليه ، فإنه لو كان الثمن عبدًا، فكيف يسلمه الشفيع، أو كيف يلزم البائع الرضى بقيمته فالوجه القطع بأن العلاقة لا تتعلق من البائع به ؛ إذ لا خلاف في حصول الملك للمشتري، فمن ضرورة ذلك الحكم بالانتقال منه\rفرع: لو سلم الثمن إلى البائع، نُظر: فإن قصد أداء دين المشتري برئت ذمته، وهو متبرع به، وعليه تسليم ثمن آخر إلى المشتري إذا أراد الشقص ، فلو قال: سلمت إليك لأملك الشقص به، فهذا أداء فاسد ، فالمشتري يطالبه بالثمن، فله الرجوع على البائع ، فإن سلم بإذن المشتري يطالب ثانيًا بالثمن؛ لأنه أدى ما عليه إلى البائع، وكأنه وكيله ، وإن قال: اقض ما له علي، ولم يتعرض للرجوع، ففي مثل هذا في حق الأجنبي وجهان، وها هنا طريقان، والميل إلى سقوط الثمن عن ذمته به لدلالة القرينة \rالطرف الثاني: في الرد بالعيب، و ذلك ينقسم إلى رد الثمن، وإلى رد الشقص، فأما رد الثمن فإن صدر من البائع قبل أخذ الشفيع؛ فالشفيع أولى أم البائع قولان مرتبان على ما إذا أراد المشتري رد الشقص بالعيب، وطلب الشفيع الشفعة ، فهذا هنا أولى","part":1,"page":27},{"id":524,"text":"بأن يكون البائع أولى ؛ لأن ارتداد الشقص يجري قهرًا لا اختيارًا عند رد عوضه، والمسألة مصورة فيما إذا كان الثمن معيبًا حتى يتصور رده بالعيب ، وإن كان رده بعد أخذ الشفيع، فالمذهب المبتوت به: أن الشفعة لا تنتقض ، ولكن يغرم المشتري له قيمة الشقص كما لو باعه، حتى لو عاد  إليه بعد ذلك باتهاب أو غيره لم يجب رد النقص، ولا إجبار البائع على قبوله، بخلاف الآبق فإن الملك ثَمَّ لم يزل، فإذا عاد فيجب رده \rوقد ذكر صاحب التقريب قولا بعيدا في المسألة: أن الشقص ينتزع من يد الشفيع وتنتقض الشفعة، بخلاف البيع، فإنه ملك لا ينبني على عقد المشتري، ولم يجر عقد جديد، فإذا انتقض العقد بطلت الشفعة، وكان كما لو خرج ثمن العقد مستحقًا؛ فإنا نتبين بطلان الشفعة ، وهذا فاسد، فإن الملك ها هنا حاصل ومنتقل بسبب جديد، وهو الشفعة، وإن لم يشترط الشرع عقدًا جديدًا \rثم فرّع على هذا: وقال لو لم يجد البائع المشتري، فيرفع العيب إلى القاضي حتى يبيع، ويرد منه ثمن الشفيع، وينتزع من يده الشقص إن وفى به، وإن لم يف به فيقول للبائع: إن كملت الثمن انتزعت، وإلا فيوقف إلى الظفر بالمشتري ، وكل ذلك مهجور غير معدود من المذهب\rفأما إذا فرعنا على الصحيح، فإذا غرم المشتري قيمة الشقص، وزاد على ما بذله الشفيع، فالمذهب أنه لا يرجع بالزيادة على الشفيع؛ لأنه لا يملك الشقص به، إنما ملك بالأول \rوذكر صاحب التقريب قولاً آخر: أنه يرجع؛ لأنه قام الشقص على المشتري بذلك ، وهذا أيضًا ذكره العراقيون، وإن كان ناقصًا ، فقد ذكر العراقيون وجهين في رجوع الشفيع على المشتري ، فأما إذا رضي البائع بالمعيب، فليس على الشفيع إلا قيمته معيبًا؛ فإنه الذي غرمه ، وذكر الفوراني  أنه يغرم قيمته سليمًا ، وأن تلك المسامحة تختص به، وهو غلط لا وجه له ","part":1,"page":28},{"id":525,"text":"وكذلك يقول لو وجد المشتري بالشقص عيبًا، وامتنع الرد لعيب حادث، فأخذ الأرش، فالأرش محطوط عن الشفيع ؛ لأنه يستند إلى أصل  العقد، ولو قدر على الرد فتصالحا على الأرش، وصححنا ذلك الاعتياض، ففي الحط عن الشفيع وجهان ذكرهما الشيخ أبو علي ، ومن لا يحط يعلل بأن الأرش في مقابلة حق الرد، لا في مقابلة العيب ، أما رد الشقص إن صدر من المشتري قبل الأخذ بالشفعة؛ فله ذلك \rوقد بينا الخلاف في أن الشفيع إن رضي به، فهل يقدم حقه على حق الرد \rوإن اطلع على العيب بعد أخذه، فليس له المطالبة بالأرش؛ لأنه روج ما روج عليه ، فهو كما لو باعه، وإن صدر من الشفيع فيسترد الثمن، ثم له أن يرده على البائع كما رد عليه، وهو كالشراء بعد الشراء على الأحوال \rالطرف الثالث: في خروج الثمن مستحقًا، فإن خرج ثمن المبيع مستحقًا تبين بطلان البيع وانتفاء الشفعة ، فإن خرج ثمن الشفيع  مستحقًا فيطالبه الآن بالثمن؛ لأنه في ذمته وما وفاه لم يكن مترتبًا ، فلو قال: قصرت بتسليم ما لا تملك، فبطل حقك، فيحلف على نفي علمه بكونه مستحقًا  (قيمته عدده) ، ولكن هل يتبين أنه لم يملكه بالقبض، وإنما ملكه الآن عند تسليم الثمن فيه وجهان منهم من قال: يتبين انتفاء الملك؛ إذ الملك في هذه الجهة تسليم الثمن، وليس ما سلمه ثمنًا ، ومنهم من قال: يحصل الملك بالقبض مع الظن ، وإن علم كونه مستحقًا واعترف به ففي بطلان حق الشفيع بهذا التقصير وجهان ، فإن قلنا: لا يبطل، فهل يتبين انتفاء الملك بالقبض السابق وجهان مرتبان على حالة الجهل، وأولى بأن يبطل ، فأما إذا خرج ثمنه زيوفًا، وكان يتصور الرضا به، فلم يرض، فلا يبطل حق شفعته، علم أو لم يعلم ؛ لأنه بنى على تقدير المساهلة، والظاهر أن الملك خاص بأدائه، وفيه وجه ضعيف أنا نتبين أنه لم يحصل \rفرعان بهما تتمة المسألة:","part":1,"page":29},{"id":526,"text":"إحداهما: أنه لو سلم الدراهم المستحقة أو الزيوف ، وقال: تملكت بهذه الدراهم، ذكر القاضي ها هنا خلافًا في بطلان الشفعة ، وذكر الوفاق في صورة الإطلاق، أعني إذا لم يتعرض لهذا اللفظ ، وقد ذكرنا ثم خلافًا رعاية تأثير التعيين في ترتيبه على صورة الإطلاق في حصول الملك بالقبض ، فإن لم يحصل في صورة الإطلاق، وإن كان الثمن مستحقًا، فها هنا ينقدح احتمال من حيث أنه ربط التملك بتعيين الدراهم، ويحتمل أن يلغى التعيين ويحصل الملك بالقبض \rالثاني: إذا خرج الشقص مستحقًا بعد أخذه بالشفعة وبناء الشفيع، فالمستحق ينقض بناءه وغراسه مجانًا ، قال القاضي: يرجع بإرش النقض على المشتري، وهو كالمشتري مع الغاصب، وقد فصلنا ذلك في الغصب، وبه قطع القاضي ، وكان الشيخ أبو محمد يحكي خلافًا ويميل إلى إثبات الرجوع ، ويمكن تخريج الخلاف على تقديم الطعام المغصوب إلى الضيف؛ فإنه المباشر للبناء ولكن بتغرير المشتري \rفإن قيل: المشتري مقهور فكيف يجعل غارًّا ، قال الإمام: لم يتعرض أحد من الأصحاب لهذا الإشكال، ويحتمل أن يقال: إنْ طالب المشتري بالثمن، أو رضي بأخذه، أو لم يبد كراهة، فيرجع عليه به، وإن كان مقهورًا من كل وجه فلا، ويحتمل أن يقال: يرجع؛ لأن الشفعة موجب شرائه، وهو مختار في الشراء، فإن قيل: ربما كان المشتري جاهلاً بكونه مغصوبًا، فكيف يكون غارًّا قلنا: ضمان المال لا يختلف بالجهل والعلم، فإذا حصل الغرور بقوله أو بفعله، أحيل الأمر عليه، وإن كان جاهلاً \r\rالفصل الثالث: في كيفية  الأخذ عند ازدحام الشركاء\rوله ثلاثة أحوال:\rأحدها : أن يتوافقوا في الطلب، فإن تساوت حصصهم وزع عليهم بالسوية، وإن تفاوتت  فقولان، الجديد: أنه يوزع على نسبة أقدار الحصص ، والقديم: أنه يوزع على رؤوسهم بالسوية ، وهو  اختيار المزني  ومذهب أبي حنيفة ، وتوجيهه مذكور في الخلاف \rفروع على هذه الحالة:","part":1,"page":30},{"id":527,"text":"أحدها : أنه لو انفرد شريك فمات قبل الأخذ عن ابن وبنت فطريقان: منهم من خرّج على القولين، ومنهم من قطع بالتفاوت فيهما ، وحقيقة الخلاف يرجع إلى أن الشفيع إذا مات: فوارثه يأخذه لنفسه بسبب أنه شريك، أم يأخذه للمورث تقديرًا ثم يخلف فيه فإن قلنا أنه يأخذه للمورث فلا بد من التفاوت \rالفرع الثاني: إذا مات الرجل فخلف دارًا وابنين، فمات أحدهما عن ابنين، ثم باع أحد الحافدين  نصيبه، فالشريك في الدار أخو البائع وعمه، فالمنصوص عليه في الجديد، وهو القياس الحق: أن العم يستحق الشفعة أيضًا مع الأخ ، وقال في القديم: يختص الأخ بهذه الشفعة؛ لما بينهما من العلاقة الخاصة والاختصاص بالوراثة عن الأب، وهو بعيد لا اتجاه له \rوالذي نقطع به: أن الاقوال القديمة مرجوع عنها، وهذا أولى ما نقدر: الرجوع فقال الأصحاب هذا الخلاف جار فيما لو باع أحد الشريكين [في]  الدار نصيبه من  رجلين ، أو وهب منهما، ثم باع أحد المتهبين نصيبه؛ في أن الشريك القديم: هل يشارك الشريك الحادث ولو كان بين ثلاثة، فباع أحدهم نصيبه من البنيان، واستقر ملكه، ثم باع أحد القديمين نصيبه؛ فعلى القديم: يختص باستحقاقه الشريك القديم؛ لما بينهما من الاختصاص \rوتردد ابن سريج في أن من خلف بنتين  واختين ثم (باعت إحدى)  البنتين، فهل نقول: تختص البنت الثانية على القديم بحيازة  الشفعة ؛ لاشتراكها في خاصية البنوة وكذلك القول فيما لو باعت  إحدى الأختين ثم قال: يجب القطع بالاشتراك ها هنا؛ لأنهم في الوراثة على رتبة واحدة، فلا معنى للنظر إلى الجهة \rالتفريع على القديم: لو عفا الأخ، فهل للعم الأخذ فيه وجهان ، وحاصله يرجع إلى أنه مزحوم بالأخ، أو ساقط به ","part":1,"page":31},{"id":528,"text":"الفرع الثالث: إذا كان بين الرجلين دار  مشتركة، فباع أحدهما عشر نصيبه من إنسان، ثم باع التسعة الأعشار في صفقة أخرى من آخر، فقال أبو حنيفة: للشريك الذي لم يبع أن يأخذ العشر، ثم يساهمه مشتري العشر في التسعة الأعشار؛ لأنه كان شريكًا عند جريان بيعه، ولم ينظر إلى كون ملكه مستحق الأخذ عند البيع ولا إلى الأخذ منه قبل أخذه \rواختلف أصحابنا على طريقين: منهم من قال: يأخذ الشريك القديم مضمون الصفقتين من غير مساهمة؛ لأن ملك صاحب العشر معرض للنقض، فإذا نقضه فيستحيل أن يساهم الشفعة وشركته زائلة  نعم، لو عفى الشريك القديم عن العشر، فقد تقرر ملكه، فهل يساهمه فعلى وجهين:\rأصحهما أنه يساهم \rوالثاني: لا؛ لأن ملكه كان معرضًا للنقض عند جريان البيع وإنما استقر بعده فيستحيل أن يزاحم بملك مُعَرَّضَ النقضِ من كان يستحق نقضه \rومن أصحابنا من قال: إن عفا القديم عن شفعة العشر، فله أن يساهمه قولاً واحدًا ، وإن أخذ عشره؛ فهل له أن يزاحم بالشركة المنقطعة فوجهان:\rأحدهما: له ذلك كما قال أبو حنيفة \rوالثاني: لا؛ لزوال شركته \rوخرج القفال وجه الإثبات على ما لو باع الشريك الشفيع بعد جريان البيع، ففي بطلان الشفعة قولان ، فنقول: الأخذ قهرًا يضاهي البيع مع الجهل\rالحالة الثانية لازدحام  الشركاء: أن يعفو بعضهم عن بعض حقه، تقدم على هذا أن المنفرد بالشفعة إذا عفى عن البعض؛ في ذلك ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه يسقط كل حقه ؛ لأنه لا يتجزأ، فأشبه القصاص\rوالثاني: أنه لا يسقط شيء؛ لأنه لا يتجزأ ومبناه على الثبوت؛ بخلاف القصاص\rوالثالث: أنه يسقط ما أسقط ويبقى الباقي ","part":1,"page":32},{"id":529,"text":"قال الصيدلاني : فهذا الوجه -على ضعفه- إنما يجري إذا رضي المشتري به، فإن أباه فلا وجه للتبعيض، والأمر على ما قاله ، فأما إذا عفى بعض الشركاء، ففيه أربعة أوجه: الذي قطع به المعتبرون: أن الشريك الآخر يأخذ الكل إن شاء، ولا طريق له إلى أخذ البعض، وجعل العافي كأنه لم يكن \rوقد ذكر الشيخ أبو علي سوى ذلك ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه يسقط لعفوه نصيبه دون نصيب الآخر، فللثاني أن يقتصر على نصيبه، وليس له مزيد على ذلك\rوالثاني: أنه يسقط عفوه ويلغو؛ لأنه لا يقبل الانقسام، فلا يصح فيه الانفراد بالعفو \rوالثالث: أنه يسقط نصيبهما؛ لأنه لا يقبل الانقسام ولا بد من إعمال عفوه منزل منزلة القصاص الواحد إذا ثبت لشخصين فعفى أحدهما \rفرع: إذا ثبتت الشفعة لواحد، فمات عن ورثة، فعفى بعضهم، فطريقان: منهم من ألحقه بعفو بعض الشركاء ، ومنهم من ألحقه بعفو المنفرد ببعض حقه ، ومأخذه الخلاف الذي ذكرناه في أنهم يأخذون الموروث ثم يخلفونه أم يأخذون لأنفسهم  ثم قال بعض أصحابنا: إذا قلنا: الشفعة على الفور ، فالأوجه المذكورة في عفو المنفرد عن بعض حقه لا تجرى؛ لأن ذلك يدل على تسارع السقوط إليه، فيسقط الكل، ومنهم من طرد الأوجه الثلاثة \rالحالة الثالثة: أن يغيب بعض الشركاء، فنقول: دارٌ بين أربعة، باع واحد نصيبه وهم غُيَّب، فإذا حضر واحد، فعليه أن يبذل كمال الثمن للمشتري، ويأخذ جميع  ما في يده، وليس له أن يبعض؛ لأنه لا يأمن عفو الباقين، فيبعض الأمر على المشتري، فإذا عاد الثاني شاطر الأول؛ لأنه يقول: ربما لا يعود الثالث، فما لحق فبيننا بالسوية، فإذا عاد الثالث أخذ ثلثًا مما في يد كل واحد منهما ","part":1,"page":33},{"id":530,"text":"فروع: أحدها: أن المشتري إذا طالب الأول بكل الثمن فقال: لا أبذله، وربما ينتزع من يدي فأوخر حقي إلى حضورهم؛ فهل تبطل شفعته بهذا التأخير إذا قلنا: إنه على الفور، قال ابن أبي هريرة : تبطل؛ لأنه متمكن من أخذ الكل فكان مقصرًا، وقال أبو إسحاق المروزي هو معذور \rالثاني: لو أخذ الأول الكل كما رسمناه، وشاطره  الثاني، وعاد الثالث، ولم يظفر إلا بأحدهما، ففيه وجهان:\rأحدهما: أنه يشاطره؛ لأنه يقول لا أظفر إلا بك ولا فرق بيني وبينك\rوالثاني: أنه يأخذ ثلث ما في يده؛ لأن باقي حقه في يد الآخر فليتبعه \rالثالث: إذا عاد الثاني، وشاطر الأول، لم يطالبه بغلة نصيبه قبل المشاطرة، كما لا يطالب الشفيع المشترى قبل الأخذ؛ لأن الملك حصل للأول في الكل، فإنه بذل كل الأول ، وليس وكيلاً لهما حتى يأخذ عنهما؛ فيختص بمنفعة، وكذا القول في الثالث مع الثاني ، وكذلك عهدة كل واحد يختص بمن سلم الثمن إليه \rالرابع: لو قال الثاني للأول: إن أجبت المشتري للتبعيض، فحقك مبعض بكل حال، وأنا لا آخذ إلا نصيبي، فإن ما يزيد عليه هو عرضة البيع على واجد نصيبه  فإذا رجع الثالث، قال ابن سريج: له أن يقول للثاني تركت ما تركت عافيًا عن حق نفسك مخلاً به، وجرى ذلك على الشيوع، والثلث مما في يدك آخذه، ويقول للأول: أضم ما أخذته منك وأشاطر \rوتصحيح الحساب أن يُطْلَب عدد له ثلث، ولثلثه ثلث؛ وهو تسعة فيصرف، ستة إلى الأول، وثلاثه إلى  الثاني، ثم ينتزع الثالث من يد الثاني واحدًا فيضمه إلى الستة التي في يد الأول، فتصير سبعة، ثم السبعة لا تنقسم على اثنين، فنضرب اثنين في أصل المسألة -وهو تسعة- فتصير ثمانية عشر، وقد كان للثاني من التسعة اثنان، فنضربه في المضروب في المسألة، فيرد أربعة، وهي حصة الثاني، فيبقى أربعة عشر، نقسمه بين الأول والثالث ، فلكل واحد سبعة ","part":1,"page":34},{"id":531,"text":"قال القاضي: لما ترك الثاني على الأول سدسًا، كان ذلك عفوًا منه في بعض الحق، والعفو عن بعض الحق يوجب سقوط الكل في ظاهر المذهب ، فتخرج منه خروج حقه، فتقسم  الشفعة بين الثالث والأول نصفين، وما ذكره القاضي متجه بناءً على ما قدره ابن سريج من كونه عافيًا عن بعض الحق ، وهذا ينبني عندنا على أن تأخير الأول بهذا العذر هل يسقط حقه فإن جعلناه تقصيرًا؛ اتجه ما قاله القاضي ، وإن لم نجعل ذلك عفوًا؛ فيتجه أن يقال: ليس للثالث أن يحط نصيب الثاني من الثلث، بل يقتسمون الشقص أثلاثًا؛ هذا ما ذكره الإمام، فتحصل على ثلاثة أوجه، أحدها: الاقتسام أثلاثًا، والثاني: مذهب القاضي ، والثالث: مذهب ابن سريج \rالخامس: إذا اشترى رجلان شقصًا من رجل، فللشفيع أن يأخذ نصيب أحدهما قطعًا ، وإن كنا لا نجوز لأحد المشتريين على قول أن ينفرد بالرد ؛ لأن ذلك تبعيض على البائع، وليس هذا تبعيضًا على المشتري، ولو اشترى رجل من رجلين؛ قال المزني: للشفيع أن يأخذ نصيب أحد البائعين ؛ فإن الصفقة تتعدد بتعدد البائع، فصار كما إذا اشترى في صفقتين ، ومن أصحابنا من خالفه؛ لما فيه من التبعيض ، ولو اشترى شقصين من دارين من رجل واحد والشريك فيهما [واحد]  فأراد الشفيع أن يأخذ أحدهما، فوجهان، أحدهما: الجواز ؛ لانتفاء الضرر، والثاني: المنع؛ لاتحاد الصفقة فإنها لا تتعدد بتعدد المعقود عليه  \r\rالباب الثالث: في بيان ما يسقط به حق الشفعة بعد ثبوتها\rوقد اختلف قول الشافعي فيه، فقال في قول، وهو المنصوص وظاهر المذهب: إنه على الفور ؛ لقول رسول الله \\: >الشفعة كحل العقال< ؛ معناه أنه إن لم يبتدر فات، فالتعبير بحل عقاله؛ ولأنه حق ثبت في البيع لدفع الضرر، فأشبه الرد بالعيب، وخيار الخلف \rوالثاني: أنه على التراخي؛ لأنه تملك ابتداء بثمن هو في حكم الشراء، إلا أنه ثبت في أحد الجانبين قهرًا ","part":1,"page":35},{"id":532,"text":"فإن قلنا: إنه على التراخي، فقولان :\rأحدهما: يتقدر بثلاثة أيام، وهو الذي رواه حرملة ؛ لأنه مهلة النظر في الشرع، والثاني: أنه على التأبيد؛ لأنه في حكم الشراء ، وإن قلنا على التأبيد فقولان، أحدهما: أنه لا يبطل إلا بصريح الإبطال ودلالة الإبطال ، وذكر صاحب التقريب قولاً آخر: أنه يختلف باختلاف المطلوب، ومقدار الثمن، فيدوم إلى مدة لا يعد الشفيع فيها مقصرًا، بل يعد مترويًا وهذا القول لا يعتد به ، والأظهر قول الفور وبعده التقدير بثلاثة أيام، وهما قولان جاريان في قتل المرتد ، وقتل تارك الصلاة ، والطلاق على المُولِي ، ولم يجر قول التأبيد فيها؛ لأن ذلك يبطل مقصود الشرع فيها على ما لا يخفى، وكذلك لا يجري في نفي الولد باللعان ، ويجري القولان الآخران ، وألحق بعض أصحابنا فسخ المرأة بإعسار الزوج بعد ثبوت الإعسار ، والأقوال الثلاثة جارية في عتق الأمة تحت العبد ، قال الإمام: وينقدح ذلك أيضًا في الفسخ بالإعسار، وغالب ظني أنه قال به قائلون \rالتفريع على قول التراخي، وفيه مسألتان:\rأحدهما: أن الأصحاب  قالوا: للمشتري على هذا القول أن يرفع الشفيع إلى مجلس الحكم؛ ليأخذ أو ليسقط، فإنه على غرر من بنائه وغراسه، فهو إضرار ظاهر بالمشتري، فلا سبيل إلى الإضرار به ، وذكر صاحب التقريب قولين في المسألة، أحدهما ما ذكرناه ، والثاني أنه ليس له ذلك، بل هو كمستحق القصاص تدوم خيرته أبدًا ","part":1,"page":36},{"id":533,"text":"الثانية: إذا قلنا لا يبطل إلا بصريح الإبطال؛ فلا يخفى، وإن قلنا يبطل لعلامة الإبطال، فليس سكوته على بنائه وغراسه علامة؛ فلا إضرار به، وقلة مبالاته به علامة ، ولو قال: بعه ممن شئت، أو هبه ممن شئت، فهو علامة مسقطة؛ إذ يبعد أن يقال: أراد به أن يتبعه حتى ينقضه ، ولو قال: بعه مني، أو هبه مني، قال الأكثرون: إنه إسقاط  وحكى صاحب التقريب في المسألة وجهين؛ من حيث أنه يتصور منه الاسترخاص، أو طلب رضاه، فإن أبى عاد إلى القهر \rالتفريع على قول الفور: وهو ظاهر المذهب، وفيه مسائل وتمهيد، جملتها أن الشفعة تسقط بما يعد توانيًا وتقصيرًا في طلبه، وما لا يعد تقصيرًا فلا \rالمسألة الأولى: أنه لو كان على مائدة، أو في حمام، أو في صلاة نافلة: فالظاهر أنه لا يجب قطع مثل هذه الأعمال القريبة؛ لأن المحذور من التراخي الإضرار بالمشتري، فإنه يبقى على غرر، ولا ضرر في هذا، ولا مدرك للفور بعد بطلان التراخي إلا العرف، وهذا ليس تقصيرًا في العرف  وغلا بعض أصحابنا فأوجب قطع ذلك، وأشار القاضي إلى هذا وعلله بنص الشافعي؛ إذ قال: ولو علم الشفيع فطلبه على مكانه فهو له ، فهو يشعر بوجوب المبادرة \rالثانية: أنه إن كان وكل وكيلاً ليطلب، كفى، وانتفى التقصير ، فلو عجز بنفسه بعارض، وقدر على  التوكيل، فهل يلزمه التوكيل وجهان، أحدهما: أنه يجب ؛ لأنه متيسر عليه، وطلب وكيله كطلبه، والثاني: أنه لا يجب؛ إذ يفتقر فيه إلى بذل أجرة أو تقلد منَّة  والوجه أن يقال: إن لم تثقل المنة عليه في التوكيل فلا بد منه وإلا فلا \rالثالثة: لو كان محبوسًا بباطل؛ فهو معذور بالتأخير ، وإن كان محبوسًا بدين وهو قادر على الأداء فلا يعذر؛ إذ الأداء ممكن حتى يبادر بعده ","part":1,"page":37},{"id":534,"text":"الرابعة: إذا بلغه الخبر يجب عليه المضي إلى المشتري بالطلب إ ن كان حاضرًا في البلد، فإن مضى إلى القاضي فهو آكد في الطلب؛ إذ المشتري ربما يرافعه ، وإن كان المشتري غائبًا فعليه الذهاب إليه، أو إشخاص وكيل إليه، ولا يلزمه ارتكاب غرر، بل يطلب فيه رفقة وثيقة \rالخامسة: أطلق الأصحاب القول بأنه إذا بلغه الخبر لا بد من الإشهاد على الطلب ، وهذا لا بد فيه من تفصيل؛ فإن كان الشفيع في سفر، ولم يمكنه المضي إلى المشتري في الحال، ولا إخراج وكيل إليه؛ فالظاهر أنه يتعين الإشهاد  وذكر الشيخ أبو محمد قولاً: أن الإشهاد مستحب ها هنا، وليس بواجب ، وربما كان لا يذكر غيره\rويلي هذه الصورة في الرتبة ما إذا توجه إلى جهة المشتري للطلب، ففي وجوب الإشهاد قولان نقلهما العراقيون ، ولو كان حاضرًا ومنعه مرض أو خوف، فهو كما لو عجز في السفر عن التوجه نحوه \rويلي الرتبة الثانية ما إذا كان حاضرًا معه في البلد، وجرينا على أنه لا يقطع الأشغال القريبة، فهل يجب عليه الإشهاد ظاهر المذهب أنه لا يجب الإشهاد، بل يختص وجوبه عند من يراه بالمعذور إذا امتنع عليه الطلب \rوذكر القاضي في تأويل قول الشافعي رحمه الله أنه: >إن طلبه على مكانه فهو له<، فقال: ليس المعني به أن يناطق نفسه؛ فإنه هذيان لا خير فيه، فلا معنى لطلبه على مكانه إلا الإشهاد ، وهذا استنباط لائق بلفظ الشافعي رحمه الله، وكان من يوجب الإشهاد يميل إلى الغلو في إظهار المبادرة، ومن لا يوجب يكتفي بانتفاء التقصير، ومهما قدر على الإشهاد في بعض الصور المذكورة فلم يشهد، فقد يعد مقصرًا، فإذا عسر الإشهاد، فلا يلزمه أن يقول مع نفسه: أنا على الطلب ، ومن اطلع على العيب فيلزمه على وجه أن يقول: فسخت ؛ لأنه لا يتوقف نفوذه على حضور صاحبه، ومنهم من جوز له التأخير إلى أن يلتقي بصاحبه ","part":1,"page":38},{"id":535,"text":"السادسة: إذا طلب بعد التأخير، فسألناه، فقال: لم أصدق المخبر؛ [نُظر]  إن أخبره قوم يحصل العلم بقولهم، أو أخبره عدلان؛ لم يعذر ، وإن أخبره صبي أو فاسق أو كافر؛ عذر ، وإن أخبره عدل واحد؛ ففيه وجهان ، ومن الأصحاب من يلحق العبد بالفاسق ، ولعل الأظهر أنه كالعدل؛ أخذا من الرواية \rالسابعة: إذا كذب المخبر بقدر الثمن أو جنسه، فعفى، لا يبطل حقه، فلو أخبر بأنه اشترى بألفين، فعفى، فإذا هو بألف، أو قيل: اشترى زيد، فإذا المشتري عمرو، أو قيل: اشترى بالدراهم، فإذا هو بالدنانير، أو قيل: اشترى بالصحاح، فإذا هو بالمكسر، أو اشترى النصف بخمسين، فإذا هو اشترى الكل بمائة، بناءً على هذه الظنون لا يسقط حقه؛ لما فيه من الغرض، وكذلك إذا أخبر بالشراء بالحال، فإذا هو مؤجل ، ولو أخبر بالشراء بألف، فعفى، فإذا هو بألفين، لم يعد إلى الشفعة ، وكذلك نظائره\rفأما اختلاف الجنس بالدراهم والدنانير، فإن تفاوتت المالية فلا يخفى ، وإن تساويا؛ ففيه احتمال من حيث إن الجنس مظنة الغرض، ولكن تحصيل أحدهما بالآخر فهما نقدان سهل ، فأما إذا اعتذر عن التأخير: بأني جهلت بطلان الحق بالتأخير، فإن كان يشتبه ذلك على مثله: فيحلف على نفي العلم، وتثبت الشفعة ؛ لأن التأخير لعينه  ليس مبطلاً، إنما هو التقصير والتواني \rالثامنة: إذا لقي المشتري، فليفاتحه بالطلب، فلو قال: السلام عليكم، أطلب الشفعة، لا يبطل حقه بالبداية، هكذا قاله العراقيون ، وعلى مذهب الغلاة في اتجاه البدار يحتمل الإسقاط ، ولو فاتحه بقوله: بارك الله لك في صفقة يمينك، قال العراقيون: لا يسقط حقه أيضًا ، وقياس المراوزة ها هنا البطلان؛ لأنه يشعر بنقض العقد، فهو أمارة الإبطال ","part":1,"page":39},{"id":536,"text":"ولو قال أولاً: بكم اشتريت قال العراقيون: يبطل ، وقياس المراوزة أن لا يبطل؛ على ضد المسألة الأولى؛ لأنه معذور في السؤال، وإلى هذا ذهب القاضي، فلعله يريد أن يتعلق بإقراره، أو يتعرف مقداره ، فإذا قلنا: الشفعة على التراخي، وتبطل بعلامات الإبطال، فقياس المراوزة الإبطال بقوله: بارك الله لك في صفقة يمينك، فأما إذا قال: اشتريت رخيصًا، وأنا على طلب الشفعة، فهذا فضول يبطل الحق على قول الفور \rالتاسعة: إذا كان الشفيع معسرًا واطرد إعساره، فقد اختلف الأصحاب، منهم من قال: تبين انتفاء الشفعة من أصله، ومنهم من قال : حكم بسقوطه بعد الثبوت؛ لفوات البدار ، ولو قال: أبيع عقاري، وهو مما لا يرغب فيه على سرعة؛ فيبطل حقه، وإن كان مرغوبًا فيه، ولكن تباطأ انتظاره؛ فهذا فيه احتمال \rالعاشرة: لو اشترى أرضًا وزرعها، قال صاحب التقريب: للشفيع التأخير إلى الحصاد؛ فإنه لا ينتفع به ، وفي التأخير لانتظار الثمار الذي لا يستحقه الشفيع؛ فيه وجهان ؛ لأنه لا يمنع الانتفاع، وإن كان ينقص بمداخلة المشتري قال الإمام: والوجه في مسألة الزرع: أن يعجل الطلب، ويؤخر توفير الثمن، ويحتمل أن يقال: يجب تعجيل الثمن أيضًا، ولا نظر إلى استئخار  المنفعة؛ كالمزرعة إذا بيعت في وسط الشتاء \rالحادية عشر: إذا باع الشقص قبل الأخذ، مع العلم بالشفعة؛ يسقط الحق، وإن فرعنا على قول التراخي، فهو كتأخير الأمة إلى عتق العبد على قول التراخي؛ فإنه يسقط خياره ، فأما إذا جهل ثبوت الشفعة فباع، ففي بطلان حقه على قول الفور والتراخي قولان مشهوران، أحدهما: البطلان ، كزوال شركته، والثاني: أنه لا يبطل لتمهيد عذره واقتران سبب الاستحقاق بحالة الاستحقاق، وحيث قلنا: يبطل، فلو باع بعضه فوجهان:\rأحدهما: أنه يبطل، ويكون كعفوه عن البعض \rوالثاني: لا يبطل؛ لبقاء قدر يستقل بإفادة الحق لو انفرد ","part":1,"page":40},{"id":537,"text":"الثانية عشر: لا يجوز أخذ العوض عن حق الشفعة ، كما لا يجوز عن حد القذف، ومقاعد الأسواق، وقال أبو إسحاق المروزي: هذه ثلاث مسائل أخالف الأصحاب فيها، وأجوز أخذ العوض عنها ، وإذا فرعنا على المذهب، فلو أخذ على ظن أنه يحل، ثم تبين، ففي بطلان حق الشفعة وجهان ذكرهما العراقيون، ولا يخفي نظائرهما \rالثالثة عشر: لو كان الشفيع مرتدًا عند البيع، وفرعنا على زوال ملكه، فلا شفعة له؛ ولو عاد إلى الإسلام ، ولو كان مسلمًا، فارتد قبل الأخذ، ثم عاد، وقلنا: يزول ملكه قال الشيخ أبو علي: فيه احتمال من حيث أنه لم يعتمد إزالة الملك حتى ينزل منزلة البيع، وإنما الزوال يحصل ضمنًا \rالرابعة عشر: إذا ضمن الشفيع للمشتري عهدة الثمن، أو للبائع الثمن، فلا يبطل حقه؛ لأن ذلك تقرير لسبب الحق ، ولو عرض عليه الشقص، فرغب عنه، فله الشفعة عند الثبوت، ولا تسقط بإسقاطه قبل الثبوت ، ولو كان وكيلاً في العقد من جهة الشريك، أو من جهة المشتري، ففي بطلان حقه وجهان  وينعطف من هذا احتمال على ضمان العهدة، والأظهر في الجميع أنه لا يسقط حقه \rالخامسة عشر: في الاختلاف في  العفو، والقول فيه قول الشفيع في أني ما عفوت ، فلو أقام بينة على الأخذ من جهة الشفعة والشقص في يده، وأقام المشتري بينة على العفو، ذكر الشيخ أبو محمد وجهين، أحدهما: أن بينة الشفيع أولى ؛ لأنها تطابق اليد، وبينة صاحب اليد مقدمة عندنا والثاني: أن بينة المشتري أولى ؛ لأنها أثبتت العفو، وبينة الشفيع لا تخالفه؛ إذ العفو سرًا والأخذ ظاهرًا ممكن","part":1,"page":41},{"id":538,"text":"فرعان: أحدهما أنه لو شهد البائع على العفو، لا يقبل قبل قبض الثمن؛ لأن له علقة الرجوع بالإفلاس ، وبعد قبض الثمن وجهان، أحدهما: القبول؛ لانتهاء العقد، وانقطاع العلائق ، والثاني: المنع؛ لتوقع الرد بالأسباب ، فأما إذا كان الشركاء ثلاثة، فشهد اثنان على عفو الثالث، لا تقبل قبل عفوهما؛ إذ ينجلب الحق إليهما، وتقبل بعد عفوهما، ولو شهدا قبل العفو، ثم عفيا وأعادا الشهادة، لم ينفع أيضًا؛ لأنها ردت بالتهمة، فلا تقبل إعادتها \rالثاني: إذا ادعى المشتري على شريكين لهما الشفعة العفو، قال ابن الحداد: يحلفهما، فإن نكلا حلف المشتري، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، فلا ترد اليمين على المشتري؛ إذ لا يستفيد به شيئًا، والشقص بجملته منتزع من يده على ظاهر المذهب ، وهذا من لطائف الخصومات؛ فإنها إن أنيطت بشخصين ثم لم يوجب نكول أحدهما الرد  نعم، لو كان غائبًا، ففي الرد عليه بنكول أحدهما -وهو الحاضر- فيه تردد الأصحاب، والقياس أنها لا ترد ، ومنهم من قال: ترد، ويثبت عفوه ، ثم لا يبعد أن يلحق الخصومات تغاير، ثم إذا حلف أحدهما، ونكل الآخر، فليس للحالف أن يستغرق ابتداوانه ، بل تبقى معه خصومة الشريك؛ إذ لا يثبت العفو عليه بمجرد نكوله، فيعرض الحالف اليمين على الباذل ثانيًا، ولا يبعد أن يحلف معه، وإن نكل مع غيره ، فإن نكل  معه أيضًا، حلف الحالف، واستبد بالجميع  هذا تمام النظر في المسقطات\rفإن قال قائل: هل يتصور حيلة تندفع الشفعة بها في أصل العقد قلنا: لا تندفع الشفعة بحيلة  عندنا ، ولكن يتصور ضروب من الحيل تمنع الشفيع من الأخذ، إلا أن شيئًا منها لا ينفك عن غرر مانع من اقتحامه، فمنها: أن يبيع بأضعاف ثمنه، ويأخذ بدل الثمن عرضا يساوي قدر قيمة الدار، والغرر فيه أن البائع قد لا يرضى بأخذ العروض ","part":1,"page":42},{"id":539,"text":"ومنها: أن يحط ما يزيد عن ثمن المثل، والحط عندنا لا يلحق الشفيع، والغرر فيه: أن البائع قد يمتنع عن الحط ومنها: أن يهب تسعة أعشار الشقص، ويبيع العشر بتمام الثمن، ووجه الغرر بين ومنها: أن يجعل الثمن مجهول القدر، ككف من الدراهم، وجوالق من الحنطة، وقد ذكرنا حكم ذلك، ووجه الغرر أن وجه الغبطة يخفى على العاقدين\r\rكتاب القراض\rوفيه أبواب:\rالباب الأول: في الأركان المصححة للقراض\rونقول في تمهيد الكتاب: القراض والمضاربة عبارتان عن هذا العقد، وقد شاع لفظ القراض في الحجاز شيوع لفظ المضاربة، فالقراض سمي قراضًا لاشتماله على قطع الربح عن المال على نسبة معلومة، ومنه المقراض، وسميت مضاربة ليضارب العامل والمالك في الربح\rومستند صحة هذا العقد -على خلاف القياس، مع ما فيه من ضروب الجهالة والغرر- هو الإجماع، فإن قيل: وما مستند الإجماع قلنا: لا يجب طلب مستند الإجماع؛ فإنه حجة، ولكن قال الشافعي رحمه الله: لا بد للناظر من طلب [مستند]، وزعم أن مستنده المساقاة؛ فإنه عمل على النخيل لاستنمائه طمعًا في جزء من ثماره، كما أن القراض عمل على رأس المال بالتصرف لاستنمائه طمعًا في جزء من الربح، ومالك النخيل قد لا يهتدي إلى وجوه التربية، وهي أعمال لا ضبط لها لا يمكن تحصيلها إلا بالأجير، كما أن مالك رأس المال قد لا يهتدي إلى وجوه الاتجار، وهي غير مضبوطة في نفسها، فكان في معناه","part":1,"page":43},{"id":540,"text":"وقال قائلون: مستنده ما روي عن عبد الله  وعبيد الله  ابني عمر لما رجعا من غزوة نهاوند ، ومرا بالعراق على أبي موسى الأشعري  -وهو الوالي بها- وأراد أن يكرمهما بصلة، فسلم إليهما مائة ألف درهم من مال بيت المال، وقال: اشتريا به السلع، وتردا قدر رأس المال إلى أمير المؤمنين بالمدينة، فربحا ربحًا كثيرًا، فقال لهما عمر رضوان الله عليه: أوأسلف كل الجيش مثل ما أسلفكما فقالا: لا، فقال: أن كنتما ابني أمير المؤمنين بالمدينة، لا أراه فعل إلا لمكانكما مني، ردا الربح إلى بيت المال، فسكت عبد الله وراجع عبيد الله وقال: يا أمير المؤمنين، أليس لو تلف لكان من ضماننا فقال: نعم، فقال: الربح إذا، أشار إلى أن الخراج بالضمان ، فراجع عمر مرة أخرى فقال عبد الرحمن : لو جعلته قراضًا على النصف، ففعل ذلك فأخذ منهما نصف الربح \rفقول عبد الرحمن مشعر بأن ذلك كان عقدًا مفروغًا عنه متفقًا على صحته، فقيل: هذا مستند الإجماع، وهو بعيد؛ إذ يبعد أن يكون مستند الإجماع ما يدق فيه النظر، وإنما مستنده أنهم ألفوا هذه المعاملة شائعة في زمان رسول الله \\ شيوعًا أغنى عن النقل ، فإن قيل: ما وجه معاملة عمر، وأبي موسى قلنا: قيل ذلك استقراضًا، فاستطاب عمر نفسهما عن نفس الربح، كما استطاب رسول الله \\ نفس الغانمين عن سبايا هوازن ، وللإمام أن يقرض إذا رأى المصلحة فيه \rوقيل إنه لم يكن قرضًا؛ فإنه شرط عليهما الرد بالمدينة، وهذا شرط يجر منفعة، فيحتمل أن يجعل قراضًا  فاسدًا ، فاشتريا السلعة في الذمة، وأديا الثمن منه، فربحا على السلع، ولكن انتفعا بمال بيت المال، فاستطاب عمر نفسيهما عن نصف الربح تورعًا  واحتياطا \rهذا تمهيد الكتاب\rرجعنا إلى بيان الأركان، فهي ستة: العاقدان، والعوضان: أحدهما الربح، والآخر العمل المقابل له، ورأس المال، فإنه متعلق العمل، وصيغة العقد\rالركن الأول: في بيان رأس المال","part":1,"page":44},{"id":541,"text":"فهو متعلق العمل، وفيه ثلاث شرائط:\rإحداها: أن يورد على النقدين فلا يجوز إيراده على العرض، ولا على النقرة  غير [المطبوعة] ، ولا على الفلوس ، وإن راجت رواج النقود ، ولا على المغشوش؛ في المذهب الصحيح ، ثم من أصحابنا من امتنع عن تعليل هذا الاختصاص واكتفى بالإجماع ، ومنهم من علل بأن عقد القراض أثبت؛ للحاجة التي ذكرناها ، ومقصوده الاتجار، وذلك بالتصرف، ووسائل التصرفات النقود، وما عداه من العروض قد تكسد وقد تنفق؛ و لما احتمل الشرع هذه الجهالات للحاجة، عين ما هو أقرب إلى مقصود العقد ، ومنهم من علل بأن رد العروض إلى رأس المال لا بد منه عند التفاسخ ، فلو كان رأس المال وقرًا  من الحنطة  مثلاً، وكانت قيمته في غلاء الأسعار عشرة دنانير، فعاد قيمته إلى دينار، فيسترد وقرًا هو دينار، ويصير الباقي ربحًا وهو رأس المال لم يحصل بعمله، وكذلك على العكس عند ازدياد القيمة  وقال القاضي: أبعد بعض الأصحاب فجوز إيراده على المغشوش، وهو بعيد، وإن عرف مقدار النقرة؛ لأن النحاس المضموم معه سلعة، وقد تختلف القيمة به ومعتمد هذا القائل الرواج ، ولم يصر أحد إليه في الفلوس؛ لأن نفادها عند الكساد عظيم، وتفاوت المغشوش قريب ، ولم يختلفوا أن الذهب الإبريز  الخالص المضروب يصح عليه القراض في بلدة لا يروج رواج النقود؛ نظرًا إلى الجنس، فإنه على الجملة لا ينزل منزلة السلع، ولا يتفاوت الأمر  فيه ، وطريق القراض في بلادنا العقد على الذهب الخالص؛ إذ لا يجوز إيراده على المغشوش\rالشرط الثاني: في رأس المال، أن يكون معلو م المقدار، فلو أشار إلى صرة  من الدراهم وقارض عليها لم يصح؛ إذ ليس يدري كيف يقسم عند التفاسخ ","part":1,"page":45},{"id":542,"text":"الشرط الثالث: أن يسلم رأس المال إلى العامل، ويكون تحت يده عند التصرف ، فلو شرط اليد لنفسه، وأذن له في التصرف حتى يراجعه ويروج الثمن، لم يكن له ذلك ؛ لأنه قد لا يظفر به في كل حال، فيضيق طريق الاتجار، ويفسد غرضه، وفرص  التجائر تمرّ مرّ السحاب\rمسألتان:\rإحداهما: أنه لو شرط لنفسه أن يتصرف معه فهو فاسد، وإن سلم المال إليه؛ لأنه يثبت يده على ما يتصرف معه \rالثانية: إذا شرط أن يعمل معه غلامه، فالنص أنه جائز في القراض والمساقاة جميعًا؛ مهما كان العامل مستغنيًا عن مراجعته، مستقلاً بتصرفاته  ومنهم من قال: لا يجوز؛ لأن يده يد سيده، فصار كما إذا عمل معه سيده، وهو ضعيف؛ لأنه كالمعار لخدمته، ويد العبد المستأجَر والمستعار للمستأجِر والمستعير ، وهذا الخلاف إذا لم يكن حجر على العامل؛ فإن كان فهو فاسد قطعًا \rالشرط الرابع: أن يكون رأس المال معينًا، فلو أورد على ألف مطلق ثم عين لم يصح ، إلا أن يكون التعيين في المجلس، فيصح كما في بيع الدرهم بالدرهم \rالركن الثاني للقراض: تصرف العامل\rوعمله مقصود المالك، وبه يحصل الربح، وفيه شرائط ثلاثة:\rالشرط الأول: أن لا يشترط عليه عمل سوى التجارة، فلو شرط فسد القراض ، والتجارة عبارة عن البيع والشراء، وما عداه على ثلاث مراتب، المرتبة البعيدة منها: ما إذا سلم إليه دراهم، وقال: اشتر به الحنطة واطحنها واخبزها وبع الخبز، وما حصل من ربح فهو بيننا، فهذا فاسد بالاتفاق ؛ لأن الطحن  والخبز حرفة مقصودة، وليس من الاتجار، والشرع إنما احتمل هذا في الاتجار الذي لا يمكن الاستئجار عليه ولا ينضبط العمل فيه \rالمرتبة الثانية القريبة: حفظ المال ونقله وكيله ووزنه وما لا تنفك عنه التجارة كالطي والنشر وغيره، فهذا ما يجوز ضمه إلى التجارة بل هو من لواحقه وتوابعه الذي يقتضيه إطلاقه ","part":1,"page":46},{"id":543,"text":"المرتبة المتوسطة: أن يسلم إليه مالاً بمرو ، ويشترط أن ينقلها إلى نيسابور ، ويشتري بها سلعة ويبيعها ثَمَّ، أو ينقلها إلى مرو؛ فالظاهر من المذهب فساده ؛ لأن هذا النقل ليس من الاتجار، ولهذا لا يجوز للعامل المسافرة دون إذن المالك ، فإذا أذن فله ذلك، ولكنه في معرض رفع الحرج، لا في معرض الشرط عليه\rوحكى الشيخ أبو محمد عن طوائف من المحققين، منهم الأستاذ أبو إسحاق  أن ذلك جائز في الاتجار في التجائر النقلية ، والأموال التي لها قدر، إذا لم يكن النقل مقصودًا في نفسه؛ إذ النقل من أعظم أسباب التجارة وهذا متجه بالغ \rفروع:\rأحدها: لو لم يشرط عليه الطحن والخبز، ولكنه اشترى الحنطة وطحن وخبز، قال القاضي وطوائف من المحققين: خرج بالطحن عن كونه قراضًا، حتى لو لم يكن في يده غيره انفسخ القراض، ولو أمره المالك بذلك فطحن كان فاسخًا؛ لأن الربح الحاصل يدور بين التغيير الحاصل وبين التصرف، فلا يمكن صرفه إلى التصرف فيختبط الأمر ، قال الإمام: وفيه احتمال إذا لم يكن مشروطًا عند القراض؛ لو أيفع وكبر وزادت قيمته، فقد زاد بالكبر، ثم لا ينفسخ القراض به، ولكنه يتجه فيه معنى، وهو أن التربص من ضرورة التجارة، والتغايير من ضروب التربص، فلا يساوي التغيير قصدًا \rالثاني: أن يقول: قارضتك على الألف الذي لي على فلان فاقبضه وتصرف فيه، فهو فاسد ؛ لعلتين:\rإحداهما: القبض والمطالبة على عمل منفصل عن التجارة شرط عليه ","part":1,"page":47},{"id":544,"text":"والثاني: أن تصرفه موقوف على الحصول، وتعليق القراض غير جائز ، وإن جوز تعليق الوكالة لما فيه من معنى المعاوضة ، نعم لو قال: قارضتك الآن، ولكن تصرف بعد شهر، ففيه وجهان  ذكرنا نظيريهما في الوكالة ، ولكن ذلك إذا كان رأس المال نقدًا يرتبط العقد به، وأما ها هنا رأس المال دين، والتصرف مربوط بالعين الذي سيصير إليه، ويتشعب من هذا أنه إذا قبض حصل الملك بالإذن؛ فإن إذنه صحيح، وتصرفه فيه أيضًا نافذ، ولكن يفسد تجزئة الربح، ويرجع في عمله إلى أجرة المثل، فهو أثر فساد القراض \rالثالث: إذا قال قارضتك على الألف الذي عليك، فعينه وتصرف فيه، فهو فاسد ؛ لما ذكرناه، ولكن ما يقبضه من الغير يملكه الآن ، وها هنا لا يدخل في ملكه ما لم يقبض منه، فلو اشترى به شيئًا ينبني ذلك على مسألة، وهو أنه لو قال: اشتر لي هذا الحمار بثوبك هذا، فاشترى، فصرح بالإضافة إليه، ففي صحة الشراء له وجهان، أحدهما: أنه يصح ، ثم في الثوب وجهان:\rأحدهما: أنه هبة حصلت ضمنًا، فيقدر انتقال الملك إليه قُبيله، والثاني: وهو إقراض للثوب \rوالثاني: أنه لا يصح عنه  وهل يقع عن مالك الثوب فعلى وجهين ، ولو لم يصرح بالإضافة إليه، ولكن نواه ففي، وقوعه عنه ما ذكرناه ، ولكن إذا قلنا: لا يقع عنه، نقطع بانصرافه إلى مالك الثوب؛ لأنه لم يجر تصريح بما يخالفه، فتخرج مسألتنا على هذا التفصيل بعينه ، وعلى هذا لو قال: اشتر لي الخبز بدرهم من مالك، ولم يعين، فإذا اشترى له وقع عن الموكل، ولا يجب على الوكيل نقده من مال نفسه؛ فإن أداه كان كمن أدى دين غيره بإذنه من غير شرط الرجوع ، فكذلك في مسألتنا: لو اشترى في الذمة له (أو نقد)  من ماله فهذا حكمه ","part":1,"page":48},{"id":545,"text":"الشرط الثاني في  التصرف: أن لا يعين تعيينًا يضيق به باب الاتجار، كما إذا قال لا تبع إلا من فلان، أو لا تشتري إلا من فلان، ولا تتصرف إلا بعد أن تستطلع رأي فلان، ولا تتصرف إلا في الخز  الأحمر، أو ما لا تتسع التجارة فيه ولو قال: لا تتجر إلا في جنس الثياب، أو في جنس الخز: جاز ذلك ؛ لأن التجارة تتسع في جنس الثوب ونوع الخز، والمتبع هذا المعنى، وهو توفر عرض العقد\rالشرط الثالث: التأقيت والإطلاق والتأقيت شرط في المساقاة ، وليس شرطا في القراض؛ لأن المساقاة تختص بمدة يحصل فيها المقصود نعم، هل يفسد القراض بالتأقيت اضطرب فيه الطرق، فحاصله، أنه إن أقت البيع، وقال: تبيعه بالعروض وتردها إلى الناض في هذه السنة، ولا تبتع بعدها، فهذا فاسد ؛ إذ قد لا يتفق راغب في هذه السنة ، فيتراخى البيع، ولا وجه للمنع من البيع، فإنه جائز للعامل بعد فسخ القراض للتنضيض على ما سنذكره\rفأما إذا قال: اشتر في هذه السنة ما شئت ولا تشتر بعده، وبع في أي وقت شئت، ففيه وجهان ذكرهما العراقيون، أصحهما: الجواز ؛ لأن ذلك لا ينقص من سلطنة الاتجار، والثاني: أنه يفسد؛ لأن مبنى القراض على الإطلاق، كما أن مبنى المساقاة على التأقيت، وهذا نقل عن أبي الطيب بن سلمة ، فأما إذا قال: قارضتك سنة، ولم يتعرض للبيع أو الشراء، فوجهان، أحدهما: أنه كالتقييد بالبيع حتى يفسد ، والثاني: أنه كالتقييد بالشراء حتى يخرج على الوجهين \rفرع: لو قال لا تتصرف إلا في الرطب، فليس في تعيينه ما يضيق التجارة؛ فإن فيه متسعًا، ولكن يختص وجوده ببعض أزمنة السنة فيتضمن تأقيتًا فإن قال: فإذا انصرف فتصرف  في غيره: صحّ ، وإن اقتصر فوجهان، أحدهما: المنع؛ للتأقيت، والثاني: الجواز ؛ إذ ليس في تأقيت هذا البيع ما يضيق باب الاتجار، فإن وقت بيعه وقت وجوده،  فإن فرض امتناع في بعضه فهو نادر\rالركن الثالث: الربح","part":1,"page":49},{"id":546,"text":"فإنه أحد العوضين، وكأنه أجرة العامل ولكن احتملت الجهالة فيه وفي عوضه لمصلحة العقد، وله شرائط، إحداها: أن يشرط الاستهام فيه، فلو شرط كل الربح للعامل فهو فاسد؛ إذ مقصود العقد ارتفاق المالك نعم، تنفذ تصرفاته، وله أجر المثل على عمله ربح أو لم يربح؛ لأنه عمل على رجاء عوض ، ومن أصحابنا من قال: هذا إقراض للمال؛ يتملك ملك المقترض، ويحصل الربح له، وهو ضعيف؛ إذ لفظ العقد صريح في استبقاء الملك، فهو قراض فاسد \rوإن أضاف الكل إلى نفسه فسد القراض ، ونفذ تصرف العامل؛ للإذن، وفي استحقاقه الأجرة وجهان ، أحدهما: أنه لا يملك؛ لأنه خاض فيه غير طامع في الربح ، والثاني: أنه يستحق؛ إذ ينتظم أن يقول: طمعت في الأجرة، وإن لم أطمع في الربح  وعلى الجملة، لا بد من شرط الاشتراك، ويجب التعريض للجانبين، فلو قال: على أن النصف لي، وسكت عن جانب العامل، فظاهر ما نقله المزني أنه فاسد ؛ لأن جميع أجزاء الربح منضاف إليه بحكم الملك، فإنما ينصرف عنه بإضافة؛ ولم يضف ، وذكر ابن سريج قولاً مخرجًا: أنه يصح تمسكًا بالفحوى والمفهوم ، فأما إذا قال: على أن النصف لك، وسكت عن جانب نفسه، فالصحيح الصحة ؛ لأن الباقي ينصرف إليه بحكم الملك، وفيه وجه بعيد  فتحصل في المسألتين ثلاثة أوجه \rالشرط الثاني: أن لا يضيف استحقاق جزء منه إلى ثالث ، فإنه يتصور أن يرتبط به غرض للعامل أو للمالك، وتَطَرُّقِ  ذلك جهلاً إلى القدر المشروط له نعم، لو قال: لي الثلثان، وأنا أسلم ثلثه إلى فلان، فهذا وعد محض لا يقدح في القراض، وإنما يفسد عند التشارط لما ذكرنا ؛ فإنه مخالفة لوضع العقد، والربح حاصل من  المال والعامل، فليختص بالعامل والمالك\rفرع: لو قال: الثلث لك، والثلث لي، والثلث لعبدي، فهذا جائز، ولكنه أضاف إلى نفسه؛ فإن الملك حاصل له ","part":1,"page":50},{"id":547,"text":"الشرط الثالث: أن يكون المشروط شائعًا لا تقدير فيه، فلو قال: على أن لك من الربح مائة درهم؛ فهو باطل؛ إذ لم يتحقق شرط القراض، ولا شرط الإجارة، فلو قال: لي من الربح الدرهم، والباقي بيننا نصفين، ففاسد ؛ لأنه قد لا يتفق إلا ذلك الدرهم، فلو قال: لك من عرض المال درهم، والباقي  بيننا نصفين، فكمثل؛ لما ذكرناه  وعلل القاضي هذا بأن التقدير تطرق جهلاً إلى الجزئية ، وهو كما لو قال: بعت منك صاعًا من هذه الصبرة، والنصف من الباقي، فإنه قال: هو فاسد؛ لأن نصف الباقي مجهول قال الإمام: وما ذكره لا ينفك عن احتمال ذلك في الصحة، فليعتمد في التعليل ما ذكرناه  وكذلك لو قال: على أن أنتفع بدابة من مال القراض مثلاً، فهذا مفسد ؛ لأنه يفسد الشيوع فهو كتقدير درهم\rفروع: لو قال: على أن ربح بعض المال لي، وعيّنه، فهو فاسد ؛ كما إذا سلم ألفين على شرط أن لا يخلط، وشرط لنفسه ربح أحدهما، وله  ربح الآخر، فأما إذا سلم إليه ألفين مختلطين، وقال: لي ربح أحدهما، قال ابن سريج: لا يصح ، قال القاضي: هو صحيح؛ لأن معناه شرط النصف، وكأن ابن سريج نظر في خلله إلى اللفظ \rالشرط الرابع: أن يكون الجزء المذكور معلومًا، وفيه مسائل:\rأحدها: أن يقول: لك من الربح ما شَرَطه فلان لفلان، وكان معلومًا لهما: جاز، وإن كان مجهولاً عند أحدهما: فسد، كنظيره في البيع \rالثانية: أن يقول: على أن لك الثلث ونصف تسع عشر الباقي، إلى غير ذلك من تعقيد الحساب؛ فإن كانا عالمين بذلك المقدار في الحال، وكانا  حيسوبين: صحّ ، وإلا فوجهان، أحدهما:  المنع كالصورة الأولى، والثاني: الجواز ؛ لأن اللفظ معرف في نفسه، وإنما يحتاج فيه إلى تأمل، بخلاف الأول؛ فإن اللفظ مبهم، والمعرفة تحصل بتعريف الغير\rالثالث: إذا قال: على أن الربح بيننا؛ فوجهان، أحدهما: المنع؛ للجهالة، والثاني الجواز وتنزل على التشطير بمطلقه ","part":1,"page":51},{"id":548,"text":"فرع: يلتفت على أركان القراض: وهو مقارضة واحدٍ اثنين؛ فإن كان العامل واحدًا، وقارضه رجلان، فهو صحيح ، فيشترط للعامل ما عَنَّ لهما من الربح، والباقي بينهما على نسبة الملك، فلو خصص أحدهما بمزيد: فسد القراض، وكان كما لو شرط زيادة لثالث، فإن سبب الاستحقاق: الملك والعمل، ومجرد الشرط لا يتبع \rفأما إذا قارض رجل رجلين، أطلق الأصحاب جوازه ، والوجه تفصيله، وله ثلاثة أحوال، إحداها: أن يضيف المال إليهما على وجه يتصرف كل واحد في نصف شائع على الاستقلال، فهذا صحيح ، وللمالك أن يفاوت بينهما في شرط الربح؛ إذ القراض في حكم المتعدد، وإنما المال شائع\rالثانية: أن يكون كل واحد منهما مقارضًا في جميع المال، مستقلاً بالعمل في الجميع، فهذا فاسد؛ لأن كل واحد لا يثق بتصرفه، فربما يكون منسوبًا بتصرف شريكه، فهذا تسليط يولد تضييعًا، وربما يحصل الربح من عمل أحدهما، ولا يجري من الآخر عمل، أو يتفاوتان في العمل \rالثالثة: أن يشترط تعاونهما على العمل، وتناصرهما في جميع التصرفات، حتى لا يستقل أحدهما إلا بمراجعة الآخر، فهذا يثير حجرًا، ولكنه يفيد التعاون على الاتجار، فيحتمل صحته ، بخلاف ما إذ شرط مراجعة الأجنبي أو المالك؛ لأن مراجعة الأجنبي يضيق التجارة، وليس هو من العمال حتى يكون معاونًا، ومراجعة المالك تبطل استقلاله  بالكلية \rوهذا يعارضه أن المال يصير مضافًا إلى عاملين؛ إلى كل واحد على الكمال، وحق العامل متأكد في مال القراض ظاهرًا، فالأظهر البطلان ، هذا ما ذكره الإمام  من التفصيل، وحكي عن الأصحاب إطلاق القول بالجواز، ثم نزل قولهم على الصورة الأولى ، وما نقلناه من كلام ابن سريج في آخر الكتاب يدل على صحة مقارضة رجلين مطلقًا، وما ذكره احتمالات مرددة  لا عن نقل\rالركن الرابع: صيغة العقد","part":1,"page":52},{"id":549,"text":"وهو أن يقول: قارضتك، أو ضاربتك في هذا المال، على أن لك من الربح كذا، فيقول العامل: قبلت، والقبول شرط في هذه الصيغة ، ولو قال: خذ هذه الدراهم وتصرف فيها، ولك من الربح نصفه، قال القاضي: لا يشترط القبول في هذه الصيغة ؛ لأن هذا تسليط وإباحة فهو كفرقه في الوكالة بين أن وكلتك، وبين أن يقول بع هذا \rويستند أيضًا إلى الجعالة ؛ فإنه إذا قال: من رد عبدي الآبق فله كذا، لا يشترط القبول، قال الإمام: وهذا ضعيف ؛ لأن الوكالة تشتمل على عوض لرجل معين، وافتقر إلى القبول في قوله: قارضتك بخلاف الجعالة، فإنه لا يشترط تعيين العامل، بل يقول: من رد فله كذا، فلا يليق به القبول، فالمتبع في كل عقد ما تقتضيه مصلحته \rالركن الخامس: العامل\rولا يشترط فيه من الصفات إلا ما يشترط في الوكيل، وهو أن ينفذ تصرفه بالوكالة \rالركن السادس: المقارض\rولا يشترط فيه إلا ما يشترط في الموكل والمستأجر؛ لأن هذه وكالة تشتمل على معاوضة \rفرع: المريض إذا قارض وشرط للعامل ربحًا لو قيس بأجرة المثل لزاد عليه، لم يكن ذلك تبرعًا محسوبًا من الثلث، حتى لو قارض وارثًا كذلك فيصح ، وفي نظيره من المساقاة وجهان ، وإنما لم يجعل ذلك تبرعًا لأن  الربح مفقود وقد لا يحصل ويجتبّ عمله، وقد يحصل مقدار نزر، فإذا حصل زيادة فهو من عمل المقارض وأثره، وكذلك القول في الثمرة، إلا أن انتظارها في أوانها وهي منفصلة عن عين ملكه أقرب من انتظار الربح، فلأجله اتجه الفرق ","part":1,"page":53},{"id":550,"text":"فرع يتفرع على الركن الرابع فليلحق به، قال المزني: إذا دفع إليه ألفًا وقال: خذها واشتر بها هرويًا  أو مرويًا  بالنصف؛ كان فاسدًا ، فمن أصحابنا من قال: سببه التردد بين الهروي والمروي ، فهو كما لو قال: ساقيتك على أن تسقي بماء السماء إن شئت، أو تسقي بالنضح، ولك النصف، قال القاضي: ليس هذا كالمساقاة، فإنه لو عين أحدهما ففيه يتسع التصرف، فإذا خير كان أوسع، وما ذكره المزني تنويع للمسألة، لا ترديد من العاقد \rوقال قائلون: سبب فساده أنه لم يضف النصيب إلى نفسه ، ومعظم الأصحاب لا يشترطون الإضافة إلى المالك كما ذكرناه ، وقال آخرون: سببه أن تعرض للشراء دون البيع ؛ إذ علل المزني وقال: لأنه لم يبين، فإن اشترى فجائز، وله أجر مثله، وإن باع فباطل؛ لأن البيع بغير أمره باطل ، فعلى هذا: لو صرح بالنهي عن البيع فباطل ؛ لأنه أحد ركني التجارة، وإن سكت عن البيع كما قال المزني فوجهان، أحدهما: الجواز؛ لاقتضاء إطلاقه في العرف ذلك، والثاني: المنع \rوإن أتى مع ذلك بلفظ المقارضة والمضاربة فطريقان: منهم من قطع بالصحة لإطلاق اللفظ به ، ومنهم من قال على الوجهين ؛ لأنه تعرض للشراء صحيحًا، ولم يتعرض للبيع، فلم يكن فيه تسليط عليه فإن قال قائل: ما حكم فساد القراض قلنا: التصرف مجوز بالإذن ، ولكن خاصية القراض استحقاق المسمى من الربح، وذلك بقسط عند فساده، ثم إذا طمع في الربح  فيرجع إلى أجرة مثله إن ربح ، وإن لم يربح فوجهان، والظاهر أنه يستحق أجرة المثل ، هذا تمام القول في الأركان\r\rالباب الثاني: في حكم القراض الصحيح\rونتيجته في التسليط على التصرفات، وما يستفاد من القراض، وما لا يستفاد\rوفيه مسائل:","part":1,"page":54},{"id":551,"text":"إحداها: أنه يتقيد  تصرفه بالغبطة، فلو باع بالغبن  لم يصح ، ولو اشترى بالزيادة بطل إن كان بعين ماله، ووقع عنه إن كان في الذمة كالوكيل ، ولو تفاوت بمقدار يتغابن الناس بمثله فالعقد نافذ ، كما إذا باع ما يساوي مائة بثمانية وتسعين، أو خمسة وتسعين، وهو الذي لا يعد صاحبه مغبونًا؛ لأن لفظ البيع يتناوله، وإنما العرف يقيد بالغبطة وهذا ليس خارجًا عن المعتاد؛ فلو باع بثمانين فسد، وإذا تلف في يد المشتري فيطالب المشتري إن شاء بالمائة، (أو يطالب)  العامل، ولكن هل يحط عنه ما يتغابن بمثله فيه قولان، أحدهما: أنه يحط؛ لأنه لو باعه لنفذ والثاني، وهو الصحيح: أنه لا يحط ؛ لأن هذا ضمان عدوان فيستويان فيه، وذلك من أثر العرف في العقد، والقيمة ليس تعرف تحديدًا، ولكن إذا حكم به المقوم تقريبًا، فهو المتبع، حتى يقول به في السرقة بعض الأصحاب ، والمحققون منهم منعوا إذا تطرق إليه تقدير النقصان ظنًا؛ لسقوط ذلك بالشبهة ، إلا إن القول الأخير مشهور، وقد نص الشافعي رحمه الله على القولين في الرهن اللطيف ، فطلب صاحب التقريب لهذا محملاً أقرب منه وقال: لو باع ما يساوي مائة بالمائة، وسلم قبل استيفاء الثمن، فقد قصر ، فإذا تعذر استيفاء الثمن، ففيما يُطالبه العامل من القيمة أو الثمن خلاف، فإن طالبناه بالثمن تجب المائة، وإن طالبناه بالقيمة فيخرج على القولين، وهذا أيضًا بعيد كالمحمل  الأول ","part":1,"page":55},{"id":552,"text":"المسألة الثانية: لا يبيع بالنسيئة ولا يشتري بها كما في الوكيل ، وفيه إشكال من حيث إنه إذا باع من مليء، وحصل وثيقة: من رهن، أو كفيلٍ؛ فهذا يرتبط بمصلحة التجارة، وقد يستفاد منه كثرة الربح، ولذلك يجوز مثله لولي الطفل مع تقدر تصرفه بالمصلحة ، ولكن لما انقسم التجار، فمنهم من لا يبيع بالنسيئة أصلاً، والغرض يختلف به فلم ينزل العقد عليه، بخلاف الولي؛ فإنه يستقل استقلال المالك فيه (لو تصرف كما يتصرف في ماله)  مع رعاية الغبطة، والمقارض كالوكيل، وأما شراؤه بالنسيئة ممتنع، لأن المالك قد لا يرضى بالتعرض للتبعات، وأعيان الأموال عرضة للفوات، ثم إذا أبطلنا البيع نسيئة لم يصر المقارضُ غاصبًا حتى يسلم المبيع، فإذ ذاك يضمن \rفرع: لو أذن له في البيع نسيئة صح، ولكنه عليه الإشهاد، فإن امتنع من استيفاء الثمن بإنكار المشتري ضمن ، وكذلك لو كان باع بثمن حال وسلم قبل استيفاء الثمن ضمن أيضًا، وليس عليه الإشهاد في البيع بثمن حال؛ لأنه لا يعتاد ، وفي مقدار الضمان وجهان، أحدهما: أنه يضمن القيمة؛ لأن منتهاه تفويت المبيع برفع اليد عنه، والثاني: أنه يضمن الثمن، حتى إن كان قد باع بما يتغابن به، لم يطالب إلا به، وقال القفال: يضمن أقل الأمرين، وهو الأصح ، ووجهه بيّن عند التأمل\rولو اشترى أمة فخرجت مستولدة، لا يغرم ما بذل في مقابلته إذا كان جاهلا ، ولو خرج خمرًا فوجهان ؛ لأنه مقصر في ترك التأمل؛ إذ الخمر يتميز برائحته، بخلاف المستولدة","part":1,"page":56},{"id":553,"text":"المسألة الثالثة: إذا اشترى العامل من يعتق على المالك بغير إذنه، فلا يقع عن جهته ؛ لأنه يخالف مقصود التجارة، وفي العبد المأذون في التجارة قولان ؛ لأنه يعمل  بالخدمة فلا تظهر قرينة التجارة في حقه، ولا حق له في الربح؛ بخلاف العامل والوجه تخصيص القولين بما إذا قال: تصرف، ولم يقل: اتجر، فإنه إذا قال ذلك ظهرت القرينة، وفي العامل لا فرق بين اللفظتين؛ لدلالة قرينة الحال \rفأما الوكيل بشراء عبد مطلق إذا اشترى من يعتق، ففيه خلاف مرتب على المأذون، وأولى بالنفوذ ؛ لبعده عن عوض التجارة\rومثار الخلاف: التعلق بالعموم، أو الالتفات إلى المقصود ويجري خلاف ظاهر في شراء العامل زوجة رب المال، أو زوجها؛ نظرًا إلى العموم في وجه، وإلى الأضرار في وجه، وهذا بخلاف من يعتق؛ فإن العتق يزيل المالية، وهو متعلق التجارة، والمالية ها هنا مستمرة  فإذا اشترى العامل بإذن المالك نفذ وعتق ، ثم إن وقع بكل رأس المال ارتفع القراض، ولا شيء للعامل، وإن كان ببعضه فهو كاسترداد طائفة من المال، وسنذكر حكمه هذا إذا لم يظهر الربح \rفإن ظهر : إما بهذه الصفقة، أو قبلها؛ فإن اشترى بجميع رأس المال، عتق في قدر رأس المال، ونصيب المالك من الربح، وسرى إلى الباقي إن كان موسرًا، ويغرم له، سواء قلنا: يملك الربح بالظهور، أو المفاصلة ؛ لأن العتق استرداد، فهو في حكم مفاصلة ، وإن اشترى ببعض رأس المال، فيقدر ذلك شائعًا من الربح ورأس المال، ثم لا يخفى حكمه ، وحكى القاضي عن العراقيين أنه ينحصر في رأس المال ما كان فيه متسع، إلا إذا زاد عليه، ويحسب الباقي من الربح قال القاضي: هذا غلط والأمر كما قال ؛ إذ لا مدرك للحصر","part":1,"page":57},{"id":554,"text":"المسألة الرابعة: إذا اشترى العامل قريب نفسه، فإن لم يكن في المال ربح نفذ عن المالك ودام الرق ، فإن ارتفعت القيمة وقلنا: لا يملك الربح بالظهور استمر، فإن قلنا:  يملك بالظهور، فهل يعتق نصيبه فيه وجهان ، وجه المنع ضعف ملكه؛ لأنه وقاية رأس المال، ومتعلق حق الغير، فضاهى المرهون وإذا قلنا: ينفذ فهل يسري إلى نصيب المالك وجهان ، ووجه المنع أنه ارتفعت القيمة بغير اختياره، فضاهى الإرث فأما إذا كان في المال ربح، فإن قلنا: لا يملك بالظهور صح العقد ، وإن قلنا: يملك فهل يصح العقد في نصيبه ذكر صاحب التقريب قولين، أحدهما: أنه لا يصح؛ لأنه يناقض مقصود التجارة، والثاني: أنه يصح؛ لأنه مطلق التصرف في ملك نفسه \rفإن صححنا، ففي نفوذ العتق وجهان ، مستنده الضعف كما ذكرنا، وإن نفذنا فيسري إلى نصيب المالك إن كان موسرًا؛ لأنه حصل باختياره \rفرع، لو اشترى في الذمة، وقلنا: إنه لو وقع عن جهة القراض لم ينفذ العتق، فهل يقبل قوله: إني اشتريته عن جهة القراض، وفيه دفع العتق ذكر صاحب التقريب قولين:\rأحدهما: أنه يقبل قوله، وهو القياس ؛ لأنه الناوي\rوالثاني: لا يقبل؛ فإنه عقد عتاقة، وهو يدعي صرفه عنها \rالمسألة الخامسة: ليس لواحد من العاملين الانفراد بكتابة العبد؛ فإنه إتلاف يحسب من الثلث في مرض الموت، فلو اتفقا عليه صحت الكتابة، ثم إن كان في المال ربح، أو ظهر الربح بالكتابة؛ لا ينفسخ القراض، فإن كان العبد يساوي ألفًا، وكاتباه على ألفين، فيبقى المكاتب بينهما، فإذا عتق، فللعامل ربع الولاء ، والباقي للمالك إذا كان الربح ألفًا، وقد شرط الشطر، وكأنهم قدروا الكتابة تجارة كالبيع بالنسيئة إذا توافقا عليه ، وإن لم يكن ربح، ففي انفساخ القراض وجهان ، وكأن سبب استمرار القراض في الصورة السابقة تأكدها بالربح، وإلا فلها بعد عن التجارة","part":1,"page":58},{"id":555,"text":"المسألة السادسة:  لا يعامل العامل رب المال في مال القراض؛ كالعبد المأذون لا يعامل سيده، بخلاف المكاتب ، وفي العبد المأذون إذا أركبته الديون وجهان، ذكرهما العراقيون، والوجه القطع بمنعه ؛ فإنه ملكه كما في القراض\rالمسألة السابعة: لكل واحد منهما الانفراد بالرد بالعيب إن كانت الغبطة في الرد، وإنما جاز ذلك للعامل من غير ملكه؛ لأن حقه مرتبط بالربح، فلا يحجر عليه فيه، وإن منعه المالك ، وإن كانت الغبطة في الإمساك، فهل للعامل الانفراد بالرد فيه طريقان، منهم من قطع بمنعه ؛ لأنه تصرف موقوف على التجارة، ومنهم من قال ينزل منزلة الوكيل في مثل هذه الصورة، وفيه خلاف، والأظهر أنه يرد، وليس يتبين فرق بين الوكيل والمضارب في هذا المعنى، فليلحق به ، ولو استوت الغبطة في الطرفين فله الرد قطعًا \rفرع: إذا انفرد العامل بالرد: انفسخ العقد ، ولو انفرد به المالك دون العامل؛ فإن كان الشراء بعين مال القراض: انفسخ العقد ، وإن كان اشترى  في الذمة انصرف إلى العامل، فإنه راض به ، وكذلك مثله في الوكيل إن لم يعترف البائع بكونه وكيلاً، وإن اعترف فوجهان  والفرق أنه لا حظّ للوكيل في العقد فيبعد صرفه إليه، ثم يحتمل نظر في أنه ينقلب الملك إليه في الحال أم يتبين وقوعه له أولا ً ","part":1,"page":59},{"id":556,"text":"المسألة الثامنة: ليس له أن يشتري عن جهة القراض بأكثر من رأس المال ، فلو سلم إليه ألفًا فاشترى به عبدًا، ثم اشترى عبدًا آخر عن جهة القراض، لم يقع عنه، بل ينصرف إليه ، فإن الأول مستغرق بحق البائع الأول، إما بتعيينه عند التعيين، وإما بوجوب صرفه إلى الثمن فإن تعدى بصرف الألف إلى العبد الثاني، فهو مسترد إن بقي، فإن هلك انفسخ العقد الأول إن كان معينًا فيه، وإلا فالمطالبة متوجهة للبائع  الأول، فإن أداه المقارض من طوع نفسه دون مراجعة رب المال سقطت المطالبة ولا رجوع له عليه، وعليه الألف الذي صرف إلى عبد نفسه، ويبقى العبد الأول في يده أمانة ؛ لأنه لم يتعد فيه، وإنما تعدى في عوضه، فهو كما لو استخدم الوكيل العبد فهو ضامن، فإن باع فالثمن في يده أمانة \rالمسألة التاسعة: إذا قارض العامل على مال القراض رجلاً آخر بإذن المالك؛ إن أراد المالك بالإذن: أن ينسلخ الأول عن القراض، ويكون وكيلاً في عقد القراض الثاني، فذلك يصح ، ولا يجوز شرط شيء من الربح للأول؛ لأنه لا عمل منه ولا ملك، ولا نظر إلى عمله في الوكالة ، وإن كان الأول عاملاً، ولكن قال المالك: إن أردت أن تقارض غيرك وتجعل نصيبك بينكما فلك ذلك، فيه وجهان:\rأحدهما: الجواز ويقع على هذا الوجه، ولكن على شرط أن يشتركا في العمل ، فإن أحدهما  لم يكن للثاني ربح ولا عمل والثاني : وضع القراض على أن يدور بين مالك وعامل، والقراض الثاني يدور بين عاملين لا ملك لواحد منهما وكان حائدًا عن الوضع فلا يحكم بصحته ، فأما إذا قارض بغير إذنه فهو فاسد ، وهذا كما أن الوصي  لا يوصي ، والوكيل في شغل خاص لا يوكل ، وإذا سلم المال فهو عدوان، فيضمن ","part":1,"page":60},{"id":557,"text":"والثاني : إن كان عالمًا فغاصب ، فإن كان جاهلاً فهو كالمستأجر من الغاصب؛ لأنه أخذ لغرض نفسه، فلا يستقر عليه ضمان على مذهب المراوزة، كيد الوديعة  ، وعلى مذهب العراقيين ففيه تردد، وليس فساد هذا القراض كما ذكرناه في المسائل السابقة، فإن التسلط على التصرف يبقى فيها، وها هنا لا تسلط على التصرف ، فلو عمل المقارض الثاني وظهر الربح وكثرت التصرفات وعسر التتبع فما حكمه نقدم على هذا أن  الغاصب للدراهم إذا فعل ذلك ففيه قولان:\rالجديد: أن التصرفات منقوضة، فما ورد على العين فباطل، وما ورد على الذمة فهو واقع عنه، وما سلمه إلى أثمانه من عين الغصب فمستردة إن أمكن، وإلا فمضمونة، وهو القياس البين \rوالقول الثاني، وهو القديم: أن للمالك إجازة تلك التصرفات؛ لعسر التتبع، وليسلم له الربح ، وهذا بعيد جدًا عن القياس، ولكن فيه ضرب من المصلحة، ولأن الغصاب يتخذون ذلك ذريعة في الاسترباح؛ إذ الشراء في الذمة ونقد ثمنها من أعيان الغصب ممكن، ويسلم الربح عند ذلك للغاصب \rويظهر تفريع هذا القول بالنظر في أمور:\rإحداها : أن هذه العقود ثم  للمالك الخيار في إجازتها إن شاء الذي ذهب إليه معظم المحققين أنها نافذة لعسر التتبع ، وفي كلام القاضي إشارة إليه، وهو بعيد ، ومنهم من قال: له الخيار، فإن لم يجز انقلب إلى تفريع الجديد، والحكم بالنفوذ بعيد، لا سيما في العقود الواردة على العين ، ولا خلاف أن القول القديم جار فيه وهو خاصية القول القديم، ولولاه لكان قولاً موافقًا لأبي حنيفة في وقف العقود ","part":1,"page":61},{"id":558,"text":"وتتمة البيان في هذا أنه إن نوى  نفسه فلا يبالى به؛ إذ لا يعجز الغاصب عن أن يدعي ذلك، والمقصود حسم الذريعة قال الإمام: والذي أراه أن هذا يجري إذا كان على قصد أداء الثمن من الغصب، فإن لم يكن على هذا القصد ثم سنح له بعده فيخرج هذا عن تفريع القديم، ولا يجري فيه، هذا إذا صدقه المالك ، فإن لم يصدقه فله أن يأخذ مضمونه  هذا كله إذا كثرت العقود حتى عسر التتبع وظهر الربح، فإن وجد العسر دون الربح، أو الربح دون العسر، فوجهان ، هذا تفريع هذا القول، وهو بعيد فلذلك اضطرب التفريع عليه \rرجعنا إلى مسألتنا من القراض، فإذا  كثرت المعاملات من المقارض الثاني، وهو غير مأذون في القراض، فلا يخفى تفريع الجديد ، وإذا فرعنا على القديم، فالذي فهمه الأئمة مما نقله المزني في السواد: أن المالك لو قارض الأول على شرط الربح، فالمالك يسترد رأس المال ونصف الربح، والنصف الثاني بين العاملين، لكل واحد نصفه ، هذا جواب الشافعي رحمه الله على قياس القديم، وهو مشكل من وجوه نذكرها في معرض الأسئلة \rفإن قيل: قياس القديم صرف جميع الربح إلى المالك، فإنه مالك، وقد تصرف بغير الإذن، فكيف يستحق الربح والجواب: أن الغرض رعاية جانب المالك في صرف ربح عقود الذمة إليه، وإلا فالقياس أن جميعها للغاصب، وقد رضي المالك بنصف الربح، فلا يخالف القياس فيما رضي به  فإن قيل: لم استحق المقارض الأول شيئًا ولا ملك ولا عمل منه والربح لا يستحق إلا بهاتين الجهتين، قلنا: لأن عقود الذمة نفع له إذا نواه العامل الثاني على ظن أنه مالك، فالقياس أن يخلص له جميع الربح، ولكنا تركنا القياس لمصلحة المالك الأصلي ","part":1,"page":62},{"id":559,"text":"فإن قيل: فإن صح هذا فينبغي أن لا يصرف إلى الثاني شيء قلنا: إذا كان الأول هو الأصل، فقد جرى منه معاملة تقتضي المصلحة أيضًا رعاية جانبه، وهذا القول مبني على المصلحة ، فإن قيل: تداوركم  على عقود الذمة، فافرقوا بين عقود الذمة وعقود الأعيان قلنا: الفرق إنما يدرك ببحث، ومبنى هذا القول على ترك البحث وعلى التساهل \rفإن قيل: قد عمل العامل الثاني على طمع في نصف الربح، وقد سلم له [ربع]  الربح، قلنا: اختلف أصحابنا في أنه هل يرجع بنصف أجرة مثله على العامل الأول فمن قال: لا يرجع علل  بأن ذلك يؤدي إلى الجمع بين حكم الصحة والفساد، فليقتصر على ما سلم له ، ومن أصحابنا من فرق بين أن يقول في قراضه: على أن يكون الربح بيننا ، وبين أن يقول: على أن ما رزقنا الله بيننا، فيقول: لم يرزقنا إلا هذا القدر في هذه الصورة  فالمحققون لم يفرقوا، فإن المفهوم واحد، هذا تمام حل الإشكال، وهو باق بحاله، فإنه تفريع مضطرب على قولٍ بعيدٍ مهجور؛ فلأجله اختبط الأمر \rالمسألة العاشرة: ليس للعامل أن يسافر بمال القراض من غير إذن، وإن كسدت البضائع في البلد، وكان في السفر ربح ظاهر ؛ لأن الأسفار مظنة الأخطار في رأس المال، فلو سافر رجل في ضمانه  والإذن باق، فينفذ بيعه، وإن لم يكن في مكان الإذن؛ لعمومه، وإنما المنع من السفر للخطر، وما يقبضه من الأثمان أيضًا في ضمانه؛ لأن السبب متعلق به، وهو النقل، بخلاف الوكيل إذا تعدى ثم باع، لا يدخل الثمن في ضمانه؛ لأن السفر غير متعلق به ","part":1,"page":63},{"id":560,"text":"فأما إذا أذن له في السفر فله ذلك ، وهل يستحق النفقة من مال القراض تقدم [الكلام]  على هذا وهو أن ما يتولاه المقيم التاجر بنفسه غالبًا من الأعمال، كالطي والنشر والرد إلى الأسفاط؛ فلا أجرة له على ذلك، وليس له الاستئجار عليها ، وما يستأجر عليه غالبًا، كالكيل والوزن والنقل، فله الاستئجار من مال القراض، فإن تولاه بنفسه فمتبرع، ولا أجرة له، وأما نفقته ومسكنه فعليه من خاصه، إلا أجرة الحانوت ، أما المسافر فلا يخفى أن مؤونة الحمل وحفظ المال على مال القراض \rوأما نفقته في نفسه: نص الشافعي رحمه الله ها هنا على أن له النفقة بالمعروف ، ونص في رواية البويطي  أنه لا نفقة له ، فاختلفوا على طريقين، منهم من قطع بأن لا نفقة له، وحمل النص على أجرة النقل والحمل  وغيره ، ومنهم من قال: قولان، أحدهما: لا يستحق كالمقيم ، والثاني: أنه يستحق ؛ لأنه احتبس عن مكاسبه وانحصرت سكناته وحركاته في جهة القراض، فهو كالزوجة الحرة، وعلى هذا في مقدار استحقاقه قولان، أحدهما: أن ما يزيد بسبب السفر فإنه المتجدد ، والثاني: كامل  النفقة؛ لأنه يجرد لهذا الشغل، فصار كالزوجة الحرة\rفروع:\rأحدها: أنه لو حمل معه مال نفسه فتوزع النفقة على مقدار المالين ، ويحتمل أن توزع على قدر العمل في المالين، فرب مال قليل القيمة ثقيل المحمل \rالثاني: إذا التقى بالمالك في السفر، فتفاصلا، فهل له أن يطالبه بنفقة إيابه فيه وجهان، أحدهما: له ذلك ؛ إذ لو بقي القراض فهو في الإياب غير عامل على المال ","part":1,"page":64},{"id":561,"text":"الثالث: إذا رجع وقد بقي من آلات السفر كالمطهرة والسفرة  وغيرهما، فالقياس أنه مردود إلى مال القراض ، وفيه وجه أنه يختص به؛ لأنه يعد مستوعبًا لحاجة السفر ، ويلتفت هذا على تردد الأصحاب في أن الغزاة إذا انبسطوا في الطعام في دار الحرب، فدخلوا دار الإسلام ومعهم بقايا: هل ترد إلى المغنم  إلا أن ذلك توسعة في الطعام، دل عليه آثار ، وليس ما نحن فيه من جنسه\rالمسألة الحادية عشر: اختلف قول الشافعي رحمه الله في أن العامل هل يملك الربح بالظهور، فقال في قول إنه يملك ؛ لأنه تحقق الربح، وموجب الشرط التوزع في الربح والثاني: أنه يملك بالمفاصلة؛ إذ بقي شيء من العمل، فهو مجهول، فأشبه الجعالة، ولأن الربح منحصر فيه؛ لأنه لا يصير شريكًا حتى يوزع الربح على المالين، فلا يملك ربح الربح ، وهذا اختيار المزني \rالتفريع: إن قلنا: لا يملك بالظهور،  فالزكاة على رب المال ، وليس له إبطال حق العامل؛ لأن له حق التملك فيه، فلو أتلف المالك غرم للعامل حصته من الربح؛ لأنه في حكم المفاصلة، ولو استرد المال ملك العامل حصته ، وكذلك لو مات العامل فورثته يطالبون بحصته ، ومهما أراد العامل الامتناع من التجارة وتنضيض رأس المال حتى يملك الربح فله ذلك ؛ لأن حقه في التملك متأكد لا رفع له، حتى قال بعض الأصحاب: لا يحل للمالك وطء الجارية من مال القراض؛ لتعلق حقه به وإن لم يكن ربح؛ لأن انتفاء الربح في المتقومات لا يستيقن  قال الإمام: إن أمكن تقدير ربح فهو كما ذكروه، وإن انحطت قيمة الجارية عن رأس المال، فقد يستيقن انتفاء الربح، فلا معنى لمنعه ","part":1,"page":65},{"id":562,"text":"ويحتمل أن ينبني على أن العامل لو أراد بيعه، وامتنع المالك، فهل عليه الإسعاف وفيه خلاف نذكره ، فإن قلنا: له البيع، فقد أثبتنا له علقة، فلا يبعد المنع من الوطء ، ثم ذكروا وجهين في أن وطأه هل يكون فسخًا للقراض والظاهر أنه لا يكون فسخًا ، فأما إذا فرعنا على أنه يملك بالظهور، فلا استقرار لملكه لمجرد الظهور، بل يبقى وقاية لرأس المال؛ ينحصر فيه النقصان والخسران، فلهذا امتنع عليه أخذه، ولا يتسلط على صرفه في خاص تصرفاته، وإنما يتم الاستقرار بالتنضيض والاقتسام، حتى لو جرى التنضيض ولم ينفسخ، بل العامل متماد على العمل، فهو يعد وقاية، ولم يستقر الملك فيه \rولو فسخ مع التنضيض ولم تجر القسمة، فالظاهر أنه ملك مشترك لا يكون وقاية ، ومنهم من قال: لا يخرج عن كونه وقاية إلا بالاقتسام، فإنه من أعمال القراض وهو بعيد ، ولو انفسخ القراض والمال عروض، فهذا ينبني على أنه هل يجبر على البيع  فإن  قلنا: إنه يجبر، فلا استقرار، وفيه وجه: أنه يستقر ، وإن قلنا لا يجبر، فوجهان:\rأحدهما: أنه يستقر ؛ لانتهاء الأمر، فهو مال مشترك\rوالثاني: أنه لا يستقر ما لم يجر الاقتسام","part":1,"page":66},{"id":563,"text":"الثانية عشر: إذا اشترى ماشية فنتجت، أو جارية فولدت، أو نخيلاً فأثمرت، فالزيادات من مال القراض ؛ لأنه حاصل بسببه، ولأنه كما اشترى النخيل أشبه الربح ورأس المال، ولا يمكن أن يقال: تولد هذا من أحدهما، فيطرد حكم القراض، وكذلك لو وطئت بالشبهة يطرد القراض على عُقْرها ؛ لأنه بدل؛ فإنه ارتبط به القراض؛ إذ القراض مرتبط بمنافع مال القراض ، حتى يجوز  له إجارتها، بخلاف العبد المأذون ؛ لأنه يتصرف بمجرد الإذن، والإذن لا يتناول الإجارة، وهذا له شركة في المال، أو حق مشترك، فلا يكلف تعطيل منفعته، ثم لا يميز ولا يعين، فيتسلط على الكل ويجعل ذلك من مكاسب الاتجار ، فعلى هذا يتعلق القراض بأجرة المثل والمهر، ولا يجوز له تزويجها؛ لأنه تنقيص يناقض الاتجار \rفرع: لو وطئ المالك جارية من مال القراض ، قال القاضي: هو مسترد لمقدار العقر من الجملة ، وكان كما لو وجب على غيره فاسترده، ولو استولدها فقد استرد قيمة الجارية ، ويحتمل أن يضم إليه مقدار العقر على قياس مذهب الشافعي رحمه الله في الاستيلادات ، ويظهر ها هنا النظر في اتحاد الفعل، ولم يتعرض القاضي لهذا أصلاً \rالثالثة عشر: تلف مال القراض، وله أحوال، إحداها: أن يكون بآفة سماوية، فإن تلف الكل فقد انقطع القراض وانفسخ ، وإن تلف بعضه فله ثلاث صور:\rإحداها: أن يكون قبل التصرف، فإن سلم إليه ألفًا فتلف خمس مائة ففيه وجهان:\rأحدهما: أنه ينفسخ  فيما تلف، ويبقى الباقي، وهو رأس المال \rوالثاني: أن رأس المال هو الألف، ويجبر هذا التلف بالربح كنقص الخسران\rالصورة الثانية: أن يجري بعد التصرف الأول، بأن يشتري بالألف عبدين، فتلف أحدهما، فوجهان مرتبان ، وأولى بأن يقال رأس المال ألف، وجبر النقصان واجب؛ لأنه يعد من نقصان التجارة ","part":1,"page":67},{"id":564,"text":"الصورة الثالثة: أن يجري ذلك بعد التصرف الثاني، قال القاضي وطائفة من المحققين: لا يجري الخلاف ها هنا، بل يقطع بأنه يجبر بالربح ، وقال الشيخ أبو محمد وطائفة من الأصحاب: مهما وقع التلف يخرج على الوجهين، فعلى وجه لا يجبر بالربح إلا خسران يقع في انخفاض الأسعار \rومن فرق بين التصرف الأول والثاني فإن التصرف الأول تحصيل لمال القراض، وإنما التجارة بالتصرف الثاني وبه الاسترباح ، والأصح في الصورتين الجبر ؛ إذ لا خلاف في أنه لو تعيب ونقص، لم ينتقص به رأس المال، فإذا ألحقنا زيادات النخيل والمواشي والأرباح، لم يبعد أن يلحق التلف بالخسران ، ثم على الوجه البعيد إن تلف قبل ظهور الربح لا يخفى حكمه ، وإن كان بعده فيقع شائعًا من الربح ورأس المال ويؤدي إلى خبط\rفرع: إذا سلم إليه ألفًا للقراض، فاشترى عبدًا بألف، فتلف الألف، انفسخ العقد إن ورد على عين الدراهم ، وإن ورد على الذمة ففي انصراف العقد إلى العامل وجهان ، فإن قلنا: لا ينصرف فعلى المالك تسليم ألف آخر، ثم رأس المال ألف أم ألفان فيه وجهان مرتبان على تلف الخمس مائة، وها هنا أولى بأن يقال رأس المال ألف؛ لأنه لم يبق من المال الأول شيء حتى يستمر عليه العقد ، قال الإمام: ويحتمل أن يقال: انفسخ القراض، فالعبد ملك المقارض، ويختص به ربحه؛ لأنه فات مال القراض بالكلية، وفي نفوذ تصرفه في العبد نظر من حيث إن صيغة الإذن وإن كان باقيًا فقد تبدلت الجهة؛ إذ يتمحض هذا وكالة، ثم إذا نفذ  تصرفه فيستحق مثل أجرة عمله؛ لأنه عمل على تقدير عوض ورجائه \rالحالة الثانية: أن يتلف بإتلاف أجنبي، فلا ينفسخ القراض، بل يستمر على بدله؛ ولأنه لم يتلف، لأن العامل نزل منزلة الملاك في مال القراض، فله طلب الضمان والتصرف فيه ","part":1,"page":68},{"id":565,"text":"الحالة الثالثة: أن يتلف بإتلاف العامل، فإن صادف كله انفسخ، فيغرم أرش المال وحصة المالك من الربح، ولا يستمر على بدله؛ لأنه لا يدخل عليه في ملك المالك ما لم يأخذ منه ، وإن أتلف البعض انفسخ في ذلك القدر، وغرم قدر رأس المال منه ونصيبه من الربح، ورأس المال هو الباقي، بخلاف التلف بآفة سماوية؛ إذ يستحيل تكليفه جبره بالربح وقد جبره بالضمان، بخلاف الآفة السماوية \rالرابعة عشرة: يد العامل يد أمانة، إلا أن يتعدى في المال ، ولو غصب الدراهم فقارضه مالكها ففي زوال ضمان الغصب وجهان ، ولم يسمح أحد بذكر الخلاف في زواله بالرهن ، مع أن كل واحد لا يعتقد الائتمان مقصودًا ، وفيه إشكال، ثم إذا قلنا: لا يزول الضمان؛ فتصرفه نافذ، فإذا اشترى عرضًا فالعرض أمانة في يده؛ لأنه ارتفع يده عن العين المغصوبة بإذن المالك، ودخل بإذنه في يده ، ولو سلم إليه ألفا فخلطه بألف من مال نفسه فقد تعدى وضمن ، وتصرفه نافذ في الكل، وما تبقى من ربح يفوز العامل بنصفه، ثم النصف الآخر يقسم على حسب التشارط ","part":1,"page":69},{"id":566,"text":"فرع: إذا ادعى العامل رد مال القراض، أو تلفه لا تكذبه المشاهدة، ويحتمل ما يذكره، فهو مصدق مع يمينه، كالمودع وسائر الأمناء ، هذا ما قطع به القفال وسائر المراوزة، والعراقيون سووا بين الأمناء كلهم في دعوى التلف، وقالوا في دعوى الرد: إن تمحض في يد الأمين غرض المالك فهو مصدق كالمودع، وإن تمحض غرض الأمين كالمرتهن  والمستأجر فالقول قول المالك ، وإن تعارض الأمر كالوكيل بأجرة وعامل القراض ففيه وجهان ، ثم حكى القاضي عنهم أن وجوب مؤونة الرد تبنى على التصديق، فمن صدق لا يجب عليه مؤونة، وهذا بعيد عن قانون المذهب في المؤونة، وإن اتجه في التصديق  فإن قيل: لو بقي شيء من مال القراض في يده فقال: هذا حصتي، وقد رددت عليك حصتك ورأس المال، ففي تصديقه إثبات غرض له وهو الربح، وبعد ظهور أثر تصديقه في إثبات شيء له، قلنا: قياس طريق (القفال والمراوزة)  تصديقه، فإن التفات سوق المعاوضة به لم يقتض إيجاب الضمان، فكان ليس عوضًا، بل القراض وكالة في ابتدائها، شركة في انتهائها، هذا ما قاله العلماء ، ولو اشترى عبدًا للقراض فقال: كنت نهيتك عن شرائه، فأنكر، فالقول قول العامل؛ لأنه أمين، نص عليه الشافعي رحمه الله \rالخامسة عشر: ما يشتريه العامل في الذمة فهو واقع عنه إلا أن يقصد جهة القراض ، فإن تنازعا في عبد مثلاً، فقال العامل: اشتريته لنفسي، وكان فيه غبطة، أو على العكس، فالقول قوله مع يمينه ؛ لأنه البادي، فإن نكل رد اليمين على المالك، فيحلف على البت، وتستند يمينه إما إلى إقرار سمعه أو إلى مخيلة تظهر، والأيمان قد تنبني على أمثال ذلك ","part":1,"page":70},{"id":567,"text":"فرع: لو سلم رجلان ألفين إلى رجل، كل واحد ألفًا؛ ليشتري لكل واحد عبدًا، فاشترى عبدًا، وادعى كل واحد أنه اشتراه له، فاعترف الوكيل لأحدهما، سلم إليه ، وهل للثاني أن يحلفه ينبني على أنه لو أقر هل يغرم له فإن قلنا: لا يغرم ففائدة التحليف الحمل على الإقرار، ولا فائدة له فلا يحلف، وهو جار في نظائره ، وخاصية هذه المسألة أنا إذا قلنا أيضًا: يغرم، فقد لا يظهر لليمين فائدة، والألف الثاني في يده، إلا إذا كان العبد يساوي أكثر من الألف \rفأما إذا اشترى لكل واحد عبدًا، والتبس الأمر، واعترفوا بالالتباس،  فقد نص الشافعي رحمه الله على قولين ، أحدهما: أنهما يباعان ويقسم الثمن بالسوية على الموكلين؛ لتعذر التمييز، والثاني: أنهما ينقلبان إلى الوكيل ويغرم لهما قيمتهما بالسوية، وكأنه بنسيانه أتلف عليهما ، وإذا فرض مثل ذلك في القراض من رجلين، فيخرج على القولين، فإن قلنا: يباعان، فإن كان الثمن مثل ماليهما يوزع عليهما، وإن كان قد ربح فكمثل، ثم يرجع على كل واحد بنصيبه من الربح المشروط له، وإن اتفق خسران، قال الأصحاب: يلزمه الضمان ، وهذا فيه فضل نظر، فإن كان النقصان بتضييع، فيتجه إيجاب الضمان، وإن كان بانخفاض الأسعار، فهو خسران يجبر بالربح، ولكن لا يجب جبره، فإنه مهما أراد العامل أن يمتنع عن التصرف له ذلك ","part":1,"page":71},{"id":568,"text":"وإن انتقصت قيمة العبدين على نسبة واحدة، فلا يتجه إيجاب الضمان له، وإن انتقصت قيمة أحدهما فيتجه إيجاب الضمان من خاص ماله، لا من الربح؛ لأن كل واحد يقول: لعل عبدي لم ينتقص، وهو المفوت بالنسيان، وإن فرعنا على القول الثاني، وهو أنهما ينقلبان إلى العامل، فقد اختلف جواب الأصحاب، منهم من قال: يغرم لهما ماليهما من غير نظر إلى القيمة، وكأن الشراء وقع له من أصله، ومنهم من قال: يغرم قيمة العبدين إن لم ينقص عن ماليهما، وإن نقص يجبر النقصان، وكأنه بالنسيان فوت عليهما العبدين، ولكن إذا نقصت القيمة، فلا سبيل إلى تضييع مالهما، ثم من نظر إلى ماليهما فيظهر أن ينقلب الملك إليه قبل الغرم، ومن ينظر إلى قيمتهما فقد جعله متلفًا، فيملك أولاً ثم يغرم، ويحتمل مذهب أبي حنيفة في أنه يترتب الملك على الغرم، قال الإمام: والمنقدح عندي مذهب ثالث، وهو أن يبقى مستهمًا بينهما إلى أن يتصالحا، كما سنذكر ذلك في كتاب الصيود\r\rالباب الثالث: في التفاسخ والتفاصل وما يتعلق به\rوفيه مسائل:\rإحداها: أنهما إذا تفاسخا، إذا انفسخ القراض فللمال أحوال ثلاثة:\rإحداها: أن يكون ناضًا من جنس ما ورد عليه القراض، فأمره بين يصرف قدر رأس المال إلى المالك، وإن كان ثم ربح فيقسم على موجب الشرط، وإن لم يكن فيه ربح فليأخذه بكماله، وقد خاب سعي العامل فلو قال: يوقف حتى أتصرف وأستربح، لم يكن له ذلك؛ فإن القراض جائز من الجانبين\rالحالة الثانية: أن يكون عروضًا، فإن لم يكن ربح، فهل يلزمه تنضيض العروض فيه وجهان:\rأحدهما، وهو الذي قطع به الشيخ أبو محمد، والقاضي: أنه يجبر؛ لأنه إنما يخرج عن العهدة برد ما كان عليه المال\rوالثاني: وهو الذي قطع به الفوراني: أنه لا يجبر؛ لأنه ملكه ولا ربح حتى يتوقف استحقاقه على تمام العمل، ولا شيء عليه نقصت العروض أو زادت","part":1,"page":72},{"id":569,"text":"التفريع: إن قلنا: لا يبيع، أو رضي المالك بترك البيع، فأبى العامل إلا البيع، فهل له ذلك على كره من المالك فيه وجهان :\rأحدهما: أنه ممنوع؛ إذ لا غرض له، وقد انفسخ القراض\rوالثاني: له ذلك ، فربما يصادف زبونًا فيربح، وعند هذا يتجه أن لا ينعقد بيعه بثمن المثل، فإن وجد زبونًا فينقدح التردد فيه؛ إذ يحتمل  أن يقال: هذا رزق حصل على ملك المالك بعد الانفساخ، ليس من الاتجار في شيء \rفرع: لو وقع التراضي على رد العروض، فرد، وارتفع السوق، فهل يرجع ويتعلق بقدر الربح فيه وجهان ، أحدهما: أنه لا يملك ذلك؛ لانه أسقط حقه برد العروض ، والثاني: أنه يملك؛ لأن ملكه يحصل بالظهور، وإنما ظهر فيلغو إسقاطه\rفأما إذا كان في المال ربح فيجب عليه البيع وتنضيض مقدار رأس المال ، والباقي ملك مشترك بينهما لا يجب تنضيضه، هذا ما قطع به المحققون، وإن كان فيه خيال ، وإن كان ملكه على الربح لا يتقرر إلا برد رأس المال كما كان، وإنما الربح لم يكن موجودًا في أول العقد حتى يكلف الرد  إلى الناض \rفإن رضي المالك بأن تقسم العروض، وقال العامل له: بعه، فلا أرب له إلا مصادفة زبون، فيخرج على الخلاف المذكور فيما إذا لم يكن ربح ، فالغرض الأظهر في البيع للمالك، وإنما تطرقنا إياه ليتقرر ربحه، فلو قال: تركت الربح فلا تطالبوني بالبيع، فنفوذ إسقاطه ينبني على أنه إن ملك بالظهور لم ينفذ؛ لأنه ملك مشترك، وإن لم يملكه بالظهور فهو حق مشترك يملك ، فمنهم من قال: يسقط كحق الغانمين ، ومنهم من قال لا يسقط؛ لأن الغنيمة ليست مقصودة، وإنما الغرض من الجهاد إعلاء كلمة الله، وأما هذا فحق متأكد ، فإن قلنا لا يسقط فعليه البيع ، وإن قلنا يسقط فيلتحق هذا بما إذا لم يكن في المال ربح ","part":1,"page":73},{"id":570,"text":"الحالة الثالثة: أن يكون المال ناضًا دراهم، ولكن ورد القراض على الدنانير، أو على العكس، فيكلف العامل رده إلى ما كان، وهو في حكم العروض ، وهذا يضاهي حكمنا بأن مال التجارة مقوم عند مضي الحول عند وجوب الزكاة بما كان في أول التجارة حتى تقوم الدراهم بالدنانير والدنانير بالدراهم ، فلو رضي رب المال بقسمته، فهل للعامل إبداله على كره منه طريقان: منهم من ألحقه بالعروض، ومنهم من قطع بالمنع؛ إذ لا يختلف في الدراهم والدنانير \rفرعان:\rأحدهما: أن العامل لو أراد رد العروض إلى النقد الغالب والعقد لم يرد عليه، فالظاهر منعه؛ فإن المالك يكلفه الرد إلى ما كان ، وذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص وجهًا عن بعض الأصحاب أنه يجوز له رده إلى النقد الغالب \rالثاني: أنه لو ورد على صحاح فحصل مكسرًا فعليه رده إلى الصحاح، فإن وجد به مثله فذاك، وإلا فيبيعه بالدنانير ويشتري به ما يحاوله ، فإن باعه بعرض ليشترى به النقد فوجهان   أحدهما: الجواز ؛ فإنه بواسطة ولا أرب في أعيان الوسائط والثاني: المنع؛ لأنه احتمل ذلك للضرورة، والعرض قد يكسد، بخلاف النقد\rالمسألة الثانية: إذا آل الأمر إلى التقاسم، وكان قد استرد المالك في ابتداء التصرفات طائفة من المال، فإن لم يكن عند الاسترداد ربح ولا خسران، فيبقى العقد كالوارد على الباقي، فهو رأس المال وإليه النظر ، فأما إذا فرض في المال ربح وخسران، فاسترداده يقع شائعًا من الربح ورأس المال، حتى يتقرر للعامل مقدار نصيبه من الربح الشائع في القدر المسترد؛ إذ الربح عرضة السقوط بالخسران، والخسران عرضة الجبر بالربح، فالأمر في هذا القدر يتقرر، ثم هذا يولد إشكالاً في الحساب ، يتهذب الغرض منه برسم ثلاث صور:","part":1,"page":74},{"id":571,"text":"إحداها: أنه لو كان رأس المال مائة، وربح عشرين، فاسترد المالك عشرين، ثم خسر عشرين، فنقول حيث استرد عشرين كان سدس العشرين ربحًا، فإن عشرين سدس المائة والعشرين، فسدس جميع الأجزاء، وهو ثلاثة وثلث، أعني سدس العشرين، فهذا القدر من الربح ليس وقاية للخسران بعده، فيقتسمان على قدر التشارط، وما جرى من الخسران ليس يلزمه جبره؛ فإن القراض جائز، فله أن يرد الثمانين إلى المالك، ولا يفوز به المالك ما لم يسلم إليه نصف سدس العشرين إن شرط له ذلك \rالصورة الثانية: رأس المال مائة، فخسر عشرين وعاد إلى ثمانين، فاسترد عشرين وعاد إلى ستين، فربح عشرين وصار ما في يده ثمانين، فلو قال المالك: الربح جبر الخسران، وكأنك لم تربح لما أن خسرت مثله، وقد سلمت إليك مائة وأخذت عشرين وهذه ثمانين، فإذا أخذها، فللعامل أن يقول: العشرون الذي استرددت ليس يجب علي جبر ما يقابله من الخسران، فإن النقصان مقصوص على  الباقي، فيخص كل عشرين خمسة، فيسقط عني عهدة خمسة من الخسران باسترداد عشرين، وكأنه استرد خمسة وعشرين، وبقي في يده خمسة وسبعين تقديرًا، فإذا عاد المال تحقيقًا إلى خمسة وسبعين، وقد وفيت بجبران الخسران، فالمال ثمانون، فيبقى خمسة بيننا هو، ربح فيقسم على موجب التشارط ","part":1,"page":75},{"id":572,"text":"الصورة الثالثة: ذكرها ابن الحداد: إذا كان رأس المال مائة، فخسر عشرة، فرجع إلى تسعين، ثم استرد من التسعين عشرة، فربح العامل وبلغ المال مائة وخمسين، فنقول: الخسران من المائة عشرة، والباقي تسعين، والعشرة مقصوصة على التسعين، فيخص كل عشرة درهم وتسع، فكأنه استرد من المائة التي هي رأس المال عشرة ودرهمًا وتسعًا، فيبقى رأس المال ثمانية وثمانون درهمًا وثمانية أتساع درهم، فهو رأس المال، والباقي إلى حيث ما فرض يقسم على موجب التشارط، والقول الوجيز: أن مقدار ما يخص المسترد من الخسران عند التوزيع كالمسترد من رأس المال حتى يكون رأس المال هو الباقي بعد تقدير استرداده \rالمسألة الثالثة: في الانفساخ بالموت، والقراض ينفسخ بموت كل واحد، وكذلك كل عقد جائز ، فإن مات المالك انفسخ القراض، ويبقى وجوب التنضيض؛ لأنه من عهد العقد لا من مقصوده، فللوارث المطالبة به إن كان بالغًا، وإن كان طفلاً فوصيه، وحق ربح العامل مقدم على الديون والوصايا، سواء قلنا إنه ملك أو حق؛ لأنه لا يتقاصر في التأكد عن حق المرتهن ، فلو أراد الوارث والعامل الاستمرار على العقد الأول من غير تجديد لم يكن لهما ذلك؛ فإن العقد قد انفسخ، ولو أرادا التجديد فلهما ذلك ، وينضد النظر في مسائل :\rإحداها: أنه لو قال: قررتك على موجب العقد الأول، فقال: قبلت؛ فظاهر  المذهب أنه ينعقد بلفظ التقرير ، فإنه كما يعبر به عن الاستصحاب، يعبر به عن البناء على سابق، ومنهم من قال: لا ينعقد به وهذا يشبه التردد في تنفيذ الوارث الوصية بلفظ الإجازة ، على قولنا: إنه ابتداء عطية، وهذا الخلاف فيما إذا انفسخ البيع، فقال وارث مالك المبيع: قررت البيع على ما كان، وقبل المخاطب، ولو فرض الانفساخ في النكاح فقال الولي: قررت النكاح على ما كان، لم يحتمل ذلك في النكاح؛ لاختصاصه بتعبد ظاهر في اللفظ، وهذا أيضًا لا ينفك عن احتمال ","part":1,"page":76},{"id":573,"text":"الأمر الثاني: أن تجديد القراض إن كان المال ناضًا جائز، وإن كان عرضًا فوجهان ذكرهما القاضي والعراقيون، ومأخذ التجويز الالتفات على معنى التقرير، وهو بعيد؛ لأن القراض منفسخ، وإنما ذلك نظر في اللفظ، فلا معنى للإخلال بركن من العقد، ولم يختلفوا في أن الربح السابق لا يصير جبرانًا للخسران الواقع بعد الموت، (فلا معنى للإخلال لتخيل معنى التقرير مع ذلك)، فأما إذا مات العامل فقد انفسخ القراض، فيجوز إعادته مع وارثه إن كان ناضًا، وإن كان عرضًا فلا، ولم يطرد الخلاف فيه؛ إذ ليس يظهر فيه معنى التقرير؛ إذ المعقود عليه من جانب العامل: العمل، وقد انقطع، والمعقود من جانب المالك المال وهو باق، وهذا الكلام في الانعقاد بلفظ التقرير منقدح في الفرق، فأما إذا كان عرضًا فلا وجه لتقرير العقد عليه في الأحوال كلها\rفرع: لو كان في المال ربح، قال الأصحاب: له إن شاء القراض معه ابتداء، وهذا فيه نظر، فإن المال مشترك والمتبع في الربح عند الشافعي يشبه الملك في الشركة، لا موجب التشارط، وقد تعرضنا له في كتاب الشركة، وهذا أوان كشف الغطاء والوجه أن يقال: إذا قارض الشريك على مال، وسلم المال إليه، ورفع اليد على أن ينفرد العامل بالعمل؛ يصح هذا القراض، فيوزع هذا الربح على موجب الملكين، وما يخص نصيب المقارض يوزع على موجب التشارط؛ إذ لا يتخيل مانع إلى شيوع مال القراض ولا ينشأ منه نوع بحال، حتى لو كان المال نصفين، وشرط أن يكون جميع الربح نصفين؛ فهذا باطل، وكأنه شرط المالك جميع الربح لنفسه، ولم يشترط للعامل بعمله شيئًا، وإنما نقطع بالمنع إذا كانا مشتركين عاملين، والمال تحت يدهما، فليس هذا على شرط القراض، فنتبع نسبة الملك، ونقول اختلاف الأصحاب على ما إذا انفرد أحدهما بمزيد عمل يشترط له مزيد فوجهان، وسببه جعل القراض تابعًا للشركة، وإسقاط شرط القراض من الاستبداد","part":1,"page":77},{"id":574,"text":"المسألة الرابعة: في الاختلاف، وله صور:\rإحداها: أن يقول العامل: شرطت لي النصف، فقال: لا، بل الثلث، فهذا نزاع في قدر العوض، فيتحالفان، وأثره الرجوع إلى أجرة مثل عمله، ويسلم جميع المال والربح للمالك \rالثانية: أن يقول: ما ربحت ويقول المالك: ربحت فهو المصدق، أعني العامل ؛ إذ الأصل عدم الربح، فلو اعترف بالربح، ثم قال: كذبت عمدًا، أو غلطت وراجعت الحساب فتثبت، أو خفت أن ينزع المال من يدي، فهو مؤاخذ بالإقرار السابق ، ولو قال: صدقت ولكني خسرت بعده مثلما ربحت، فهو مصدق؛ لأنه مؤتمن فالقول قوله \rالثالثة: أن يتنازعا في قدر رأس المال، فالقول قول العامل؛ فإنه مؤتمن، والأصل عدم القبض ، وليس هذا نزاع في قدر العوض حتى يوجب التحالف؛ إذ العوض هو الربح والعمل، وذكر العراقيون وجهًا: أنه يوجب التحالف ، ثم قالوا: أثره ارتداد المال بكماله إلى المالك، ورجوع العامل إلى الأجرة  وهو بعيد \rفرع: قارض رجل رجلين، وحصل في يدهما ثلاثة آلاف، فقال  المالك: رأس المال ألفان، والربح ألف، فصدقه أحدهما، وقال الآخر: بل رأس المال ألف والربح ألفان قال ابن سريج: القول قول المكذب فيما يخصه، فيأخذ خمسمائة على تقدير أن الربح ألفان، وللمالك النصف، والنصف الباقي بينهما إذا جرى التشارط كذلك، وأما المصدق فيقول له: نصيبك أبدًا يكون ربع كل الربح، وما في يدك من الربح بيني وبينك، فالخمس مائة  ربح فلك ثلثه، وما ظلمنا به المنكر خسران، فيحسب من الربح، هذا ما قاله ابن سريج ، وهو سديد ","part":1,"page":78},{"id":575,"text":"فلو قال المصدق: نحن نتوافق على أنه كان له مائتان وخمسون، فإنما ظلمنا مائتين وخمسين فيدور بين جميعنا سبع مائة وخمسون، وحقي من الجميع الربع، وربع سبع مائة وخمسين يزيد على ثلث خمسمائة قلنا له: هذا تلبيس، فإنه إذا قدر مائتين وخمسين خسرانًا، وعاد الربح إلى سبع مائة وخمسين فلا يخص المنكر مائتين وخمسين، فيكون ظالمًا في بعض ذلك أيضًا، فالطريق ما ذكره ابن سريج، فهو منه يدل على أن قراض رجلين على أن يتفاوتا في العمل ويشتركا فيه صحيح؛ فإنه قراض في مال شائع، وقدرهما كشخص واحد في القراض، ولذلك حسب خسران الجملة على المصدق، وما ذكرناه في أول الكتاب في مقارضة اثنين احتمال، والنقل يدل على تصحيحه مطلقًا، والله أعلم\r\rكتاب المساقاة","part":1,"page":79},{"id":576,"text":"المساقاة  معاملة صحيحة ، والأصل فيها ما روي أن رسول الله \\ لما فتح خيبر ، واقتسم بساتينها بين الغانمين، وأجلى أهل خيبر؛ نقصت الثمار في أيديهم، فقال اليهود: نحن أعرف بأمر النخيل منكم، فساقاهم رسول الله \\ على شطر ما يخرج منها من ثمر وزرع، وقال: >أقركم ما أقركم الله<  ونبههم على إمكان  النسخ  لذلك الحكم، فإنهم اعتقدوا استحالته ، ومثل هذا الشرط لا يجوز هنا ؛ إذ لا تردد لنا الآن في استمرار الأحكام، ثم بعث رسول الله \\ عبد الله بن رواحة  خارصًا وقت الإدراك، فلما استشعروا قدومه استقبلوه بحلي نسائهم، وأرادوا أن يخدعوه، فقال: هذا سحت في ديننا، فلما آيسوا من ذلك أرادوا أن يستدرجوه بالكلام، فقالوا: أنت ابن أختنا؛ لأن أمه كانت خيبرية ، وقالوا: أنت أحب من قدم إلينا من هذه الجهة، فقال |: أما أنا فقدمت من عند رجل هو أحب إلي من نفسي التي بين جنبي على قوم هم أبغض إلي من القردة والخنازير، فقالوا: إذًا لا يمكنك أن تعدل بيننا، فقال: حبي إياه لا يحملني على الميل إليه، وبغضي إياكم لا يحملني على الحيف عليكم، فخرص عليهم مائة ألف وسق ، فقالوا: أجحفت بنا، فقال: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي ، فقالوا: هذا هو العدل الذي قامت به السموات والأرض فلم ينتقص مما كان عشرة أوسق \rفإذا بان مستند المساقاة فنقول: هي على مضاهاة القراض، ولا يخفى تشابههما، وتفارقه في أمور ثلاثة:\rأحدها: التأقيت ، والقراض قد لا يحتمل ذلك ؛ لأن التأقيت يليق بعقود هذا العقد، فإن الوقت يتعين لإدراك الثمار، بخلاف ظهور الربح\rوالثاني: أن المساقاة لازمة ؛ لأنها متأقتة، فلا يجر إلزامها إلى فساد، بخلاف القراض فإنه متأبد ، فإلزامه يجر إلى ضرار عظيم","part":1,"page":80},{"id":577,"text":"الثالث: أن العامل يملك الثمرة بالظهور قولاً واحدًا ؛ لأنه ليس وقاية لنقصان الأشجار، ولا يظهر أيضًا فيه مشابهة الجعالة الجائزة حتى يناط الاستحقاق فيها بتمام العمل، وعند هذا ننبه على أمر: وهو أن المساقاة  والقراض صحيحان، والمخابرة  والمزارعة  باطلان ؛ للنهي عنهما، قال القاضي رحمه الله: لا ترد إحدى السنتين بالأخرى ؛ معناه: أن القياس هو التسوية، ولكن المتبع هو الخبر، والمزارعة عبارة عن استئجار العامل الزارع ببعض ما يخرج من الأرض، والبذر من ملك الزارع، وجملة هذه العقود متقاربة في المقصود، ثم قال العلماء: المساقاة تنزع إلى عقود تشبه السلم ، لأنه يلتزم العمل في الذمة، ولا يبطل بموت العامل ، ويشبه بيع العين الغائبة؛ إذ لا يسلم العوض في المجلس ، ويشبه الإجارة؛ فإن المقصود منها العمل ، وعلى الجملة هي عقد برأسه وخاصيته، فإذا ثبتت هذه الحقيقة فتفصيل القول فيه يتهذب برسم بابين\r\rالباب الأول: في أركان المساقاة\rوأركان المساقاة ستة، كأركان القراض: العاقدان: ولا يخفى أمرهما، والعوضان: وهو العمل وجزء من الثمار، ومتعلق العمل: وهو النخيل، وصيغة العقد\rالركن الأول: في بيان متعلق العمل \rوفيه شرائط، أحدها: الجنس، وقد ورد الحديث في النخيل، والكرم  في معناه بالاتفاق ، ينزل منزلة الأمة مع العبد  وهل تجري في سائر الأشجار قولان:\rأحدهما: أنه لا يصح ؛ لأنها ليست في معناه، والعقد خارج عن القياس\rوالثاني: الصحة ؛ لمسيس حاجتها إلى التعهد، وقد عسر الاستئجار عليها؛ لافتقاره إلى تعهدات مجهولة لا تتيسر إلا لمن يطمع في الثمار، فهو في معناه","part":1,"page":81},{"id":578,"text":"فإن فرعنا على الاقتصار، ففي إلحاق شجر المقل  تردد ؛ لأن ثمرها يبرز بروز العناقيد، فهي شديدة الشبه بالنخيل، فإن فرعنا على الإلحاق، ففي إلحاق شجر الخلاف ، والفرصاد ، وثمرها الأغصان  والأوراق تردد، وذكر الشيخ أبو علي وجهين في المسألتين ، ولا خلاف في أن البقول التي تبقى أصولها في الأرض لا تلحق بالمنصوص، ولا تنزل جزاتها منزلة الأغصان ، وأما المعاملة على الأراضي المفردة بالمزارعة والمخابرة باطلة ، وأجمعوا على جواز المزارعة على الأراضي المتخللة بين النخيل التي لا يتأتى إفرادها بالعمل ؛ لما روي في قضية خيبر أنه ساقاهم على نصف الثمر والزرع ، ولا يبعد أن يجوز تابعًا ما لا يجوز مقصودًا، فإن الحمل يستحق في البيع تابعًا، ولا يستحق مفردًا ، والثمار قبل بدو الصلاح ينعقد بيعها، بشرط القطع مفردًا، ولا يتقيد به إذا بيع مع الأشجار ، والسبب في ذلك الحاجة، فإن إهمالها  إضرار، واستعمال غير المساقي يؤدي إلى اختلاط العملين، ثم هذه التبعية إذًا تتقرر بشرائط:\rإحداها: أن يجري مع العامل ، فلو جرى مع غيره ففاسد؛ إذ لا تبعية \rالشرط الثاني: أن تتحد الصفقة المساواة لهما  مع اتحاد العامل، فيقول: عاملتك على النخيل، والأراضي التي في خللها، على أن لك النصف في الريع \rفلو عقد في صفقتين، فثلاثة أوجه:\rأحدها: فساد المزارعة ؛ لانقطاع التبعية، وهو الأقيس\rوالثاني: الصحة ؛ لاتحاد العامل واتحاد المقصود، فلا معنى للنظر إلى تفريق الصيغ واجتماعها\rوالثالث وهو الأعدل : أن المزارعة إن سبقت ففاسدة، ولا ينقلب صحيحًا بلحوق المساقاة ، وإن لحقت المزارعة فصحيح؛ لأنه لحق لخوف التابع ، والقائل الثاني يجعل المزارعة السابقة موقوفة على ما يلحق ، ويلزم هذا القائل أن يقول: لو باع الثمار قبل بدو الصلاح من غير شرط فيتوقف حتى لو باع بعده الأشجار حكم بالصحة كما لو بيعتا معًا ","part":1,"page":82},{"id":579,"text":"ثم تردد أصحابنا في مسائل:\rإحداها: أنه لو قال: زارعتك  على النصف، وساقيتك على النصف، فقال: قبلتهما، ففيه طريقان: منهم من ألحق بمحل الصحة وفاقًا ، وهو كما لو أخر ذكر الجزء عن الكل فيقول: زارعتك على الأرض، وساقيتك على النخيل بالنصف؛ إذ ليس يجب اتحاد اللفظ، وهو أن يقول: عاملتك على الكل \rومنهم من رتب هذا على محل الخلاف؛ لأنه إذا ذكر الجزء متصلاً بالمزارعة فقد تم الإيجاب الأول من غير مقتضى التبعية، بخلاف ما إذا لم يذكر الجزء \rالثانية: لو أخر ذكر الجزء عن العبارتين، ولكن فاوت بين الجزأين، فجعل من النخيل النصف، ومن الزرع الثلث، فقد ترددوا فيها كما تقدم في المسألة السابقة \rالشرط الثالث في التبعية: أن لا يمكن إفراد الأراضي بالعمل، فلو أمكن لم يحكم بالتبعية بحال \rالشرط الرابع: أن لا تكثر الأراضي المتخللة، فإن كثرت فوجهان ، وإن كان لا يمكن إفراده؛ لأن الأكثر يبعد أن يكون تبعًا للأقل، ثم اختلفوا في حد الأكثر، منهم من قال: ينظر إلى مساحة المغارس تخمينًا، فإن كان مثلها أو زايدًا ففي محل الخلاف، ومنهم من نظر إلى الريع، ولعله الأظهر \rالشرط الخامس: أن يكون البذر لمالك الأرض، فلو كان للعامل فهي مخابرة ، وقد ذكر الشيخ أبو علي فيه وجهان، أحدهما: التصحيح؛ للتبعية، فإنها في معنى المزارعة، والثاني البطلان ؛ فإنها ليست في معنى المساقاة؛ إذ مقتضى المساقاة أن يكون استحقاق العامل بالشرط لا بالملك، فليكن كذلك في تبعه، والمخابرة تقع على ضده ","part":1,"page":83},{"id":580,"text":"الشرط الثاني في النخيل: أن يعقد عليها قبل بروز الثمرة، فلو عقد بعد قرب الثمر من القطاف؛ حيث لم يبق عمل سائر الفواكه به، فهو باطل قطعًا ، فإن كان بعد البروز وقبل بدو الصلاح، قال في القديم: إنه فاسد ؛ لأن وضع المعاملة على بروز الثمار على الحقين إذا وقع  البروز بالعمل، وهذا ربط استحقاق بثمر موجود ، وقال في الجديد: إذا جاز قبل البروز فهو بعده أجوز، وعن الغرر أبعد ، وكأنا نقول على هذا القول ألا يرعى  إلا بقاء كثير العمل وتأثير الثمار به ، وإن كان بعد بدو الصلاح فقولان مرتبان، وأولى بالمنع ؛ لأنه وإن بقي عمل مؤثر فأكثره قد فات\rالركن الثاني: في مساقاة الثمار\rولا بد من شرط جزء معلوم منه للعامل ، وهو يجرى مجرى الربح من القراض، وجميع ما ذكرنا فيه من الشرائط تعود ها هنا بعينه ، ولكنا نتعرض ها هنا لجنسين من النظر:\rإحداهما: في استحقاق أصل الثمار، فلو ساقاه على وديّ  في مدة يعلم قطعًا أنه لا يثمر فيه، وشرط له جزءًا من الثمار، فالمساقاة فاسدة ؛ لأن عمله لا يفيد ظهور الثمار، وما يقع وراء العقد لا بأثر عمله لا نظر إليه \rويتفرع عن هذا مسائل:\rإحداها: أنه هل يستحق أجرة المثل في الصورة التي ذكرناها، وفيه وجهان:\rأحدهما: أنه لا يستحق؛ لأنه لم يطمع في عوض \rوالثاني: أنه يستحق، وهو اختيار ابن سريج؛ لإشعار لفظ المساقاة به، ولأنه يمكن أن يقال: طمع في أجرة المثل \rالثانية: أن يساقيه على عشر سنين، وغلب وجود الثمر في آخر السنين، صح العقد في جميع السنين، وإن خلا عن الثمار كأشهر السنة الواحدة ، فلو أصاب الثمار في الآخر آفة فلا شيء للعامل ","part":1,"page":84},{"id":581,"text":"فرع، لو كنا نقدر وجود الثمار في السنة الأخيرة، فأثمرت سنة على ندور في أثناء السنين، استحق العامل ما شرط له منه؛ لأنه جرى شرط الثمار مطلقًا، وهو كما لو علم إثمارها في كل سنة، فساقاها عشر سنين على أن له نصف الثمار، جاز ، حتى لو شرط اختصاصه بنصف الثمار من السنة الأخيرة فسد كالقراض، إذا كان يغلب وجودها في كل سنة ، وفي مسألتنا إذا شرط الإفتراض صريحًا  في السنة الأخيرة بناء على ما يغلب صح العقد، ووجب الوفاء بالشرط بناء على الغالب ، بخلاف ما يخالف المعتاد  ومسألة الودي لا تخلو عن احتمال \rالثالثة: أن يساقيه على الودي مدة لا يستيقن وجود الثمار فيها، بل يغلب على الظن ذلك، أو كان يحتمل ذلك، ففيه طريقان، منهم من قال: إن كان لا يغلب الإيجاد ففاسد، وإن غلب فوجهان ، ومنهم من عكس ، وهو الأصح؛ لأن هذه العقود لا تحتمل إلا الغالب، فلذلك يصح السلم فيما يتوهم انقطاعه اعتمادًا على الغالب ، قال القاضي: إن غلب العدم ففاسد، وإن غلب الوجود فصحيح، وإن استوى الاحتمالان فوجهان \rالتفريع: إن صححنا فأثمر فله ما شرط، وإلا خاب سعيه، وإن حكمنا بالفساد فيستحق أجرة المثل أثمر أو لم يثمر؛ لأنه طمع في العوض \rالرابعة: إن سلم الودي إليه وقال: أغرسه ونمه، فإن علقت فالثمار بيننا، وكان ذلك في مدة يثمر في مثلها، فالذي ذهب إليه الجماهير أنه فاسد ؛ لأن الغراس ليس من أعمال المساقاة، وإنما عمله تنمية مغروس، فوازنه من القراض أن يقول: بع هذه العروض واتجر في ثمنها ، وذكر الشيخ أبو محمد وصاحب التقريب وجهًا: أن ذلك يصح في الودي، وهو مزيف \rالخامسة: أن يقول اغرس الودي، فإن علقت فلك جزء من أعيان الأشجار، قطع الأئمة ببطلان هذا العقد ، وذكر صاحب التقريب وجهًا: أنه يصح؛ لأن الودي كعين الثمرة، وهو كالمساقاة على ثمار بارزة قبل بدو الصلاح ","part":1,"page":85},{"id":582,"text":"الجنس الثاني من مسائل الثمار: أن يكون البستان مشتركًا بين رجلين، فساقيا رجلاً، وشرط أحدهما له النصف من نصيبه، والآخر الثلث، صح إن علم العامل مقدار نصيبهما، وإن جهل فلا؛ لأنه لا يدري أيقل نصيبه بقلة نصيب  شارط النصف، أم يكثر  وإن شرط له النصف من الجميع فهو جائز وإن لم يعلم مقدار نصيبه، لأنه عرف المقدار، ثم النصف الباقي يتوزع على قدر الملكين ، فإن شرط على خلاف نسبة الملك فالمنقول في مثله من القراض فساد القراض ، ويحتمل تصحيحه؛ لأنه شرط لا يتعلق بالعامل يقع وراء العقد، وهذا الاحتمال في المساقاة أظهر؛ لأن تأثير الثمار بالشرط بعيد، وليس وجودها بالعمل، إذ قد توجد من غير عمل، والربح لا يؤخذ من غير عمل \rالثانية: أن يساقي رجل رجلين على أن النصف بين العاملين، صح وتعاونا على العمل، وقوله: النصف بينكما كاف في التعريف، فيستويان فيه \rالثالثة: إذا ساقى أحد شريكي النخيل صاحبه، وشرط له ما يزيد على نصيبه جاز، وذلك القدر عوضه ، ولو شرط له مثل نصيبه أو ما دونه ففاسد ؛ لأنه لم يشرط له عوضًا أصلاً\rوهل يستحق أجرة المثل وجهان: اختيار المزني أنه لا يستحق ، واختيار ابن سريج أنه يستحق؛ للفظ المساقاة ، ولو شرط كل الثمار له ففاسد ؛ لأن الاستهام شرط في وضع العقد، ويعرى عند ذلك جانب المالك، ولا مبالاة بغرضه من منفعة الأشجار وتأثيرها بعمله\rوهل يستحق العامل أجرة المثل وجهان ، ومن قال: لا يستحق علل بأنه يحمل على تقدير أنه يعمل لنفسه؛ إذ طمع في جميع الثمار، وكذلك الخلاف فيمن استأجر إنسانًا ليعمل على معدن مملوك، وأجرته ما يناله في تلك المدة، فإنه عامل لنفسه ، وكذلك أجير الحج إذا صرف الحج بعد الشروع فيه إلى نفسه لم ينصرف ، وفي استحقاقه الأجرة خلاف ، ولعل هذه الاختلافات تظهر عند ظن الصحة، فلعلها مع العلم بالفساد، فيعلم أنه يعمل لغيره ","part":1,"page":86},{"id":583,"text":"الرابعة: الشريكان في النخيل إذا  ساقيا على أن يعملا معًا، ولأحدهما الثلث، والآخر الثلثان، والنخيل بينهما نصفان، فهو فاسد ؛ لأنه استحقاق من غير ملك ولا عمل ، ولو شرط أن يعمل مستحق الثلث ثلث العمل، والآخر ثلثيه، فهو فاسد ؛ لأنه استحقاق من غير ملك ولا عمل؛ لأنا نتبين أن مشاركته العامل في العمل ممتنع، ثم  الثمار مقسومة نصفين، ويرجع صاحب الكثير بأجرة مثل ما يخص نصيب شريكه من زيادة عمله \rالخامسة: إذا كان في الحديقة أنواع مختلفة فساقى على أن له النصف من الكل جاز ، ولو ساقى على أن له النصف من الصيحاني ، والثلث من العجوة ، لم يجز إلا إذا عرف مقدار النوعين بالعيان؛ حتى يعلم كثرة نصيبه أو قلته ، ومثاله ما لو اشترى عبدًا مشتركًا من رجلين بألف، وهو لا يدري قدر نصيب كل واحد منهما: جاز، ولو اشترى نصيب أحدهما بمائة والآخر بمائتين، فلا يجوز ما لم يعرف قدر النصيب \rالسادسة: إن قال ساقيتك على أنك إن سقيت بالسماء فلك الثلث، وإن سقيت بالنضح  فلك النصف، فهو باطل للتردد الواقع في العقد \rالركن الثالث: العمل\rوهو العوض الثاني، وفيه مسائل:\rإحداها: أن لا يشترط عليه عمل سوى أعمال تقتضيه المساقاة، على ما نفصله في الباب الثاني، كنظيره من القراض \rالثانية: أن لا يشترط المالك مشاركته إياه في العمل؛ فإن ذلك يقطع استبداده في التدبير فيضيق عليه العمل كنظيره من القراض ","part":1,"page":87},{"id":584,"text":"الثالثة: أن يكون البستان تحت يده، بحيث يفتقر العامل إلى الاستئذان في كل وقت ، فهو فاسد ؛ لأنه تضييق، وربما تفوت بعض الأعمال، ولو شرط أن يكون تحت يدهما، أو يكون العامل مستقلاً بالدخول مهما أراد، ففيه تردد الأصحاب ،  منهم من منع؛ إلحاقًا له بنظيره من القراض، وهو فاسد ؛ لأن مساهمة الملك في القراض تصرف وجوه الطالبين إليه عن العامل، فيقتضي تضييقًا، بخلاف ما نحن فيه، وهذا يطرق احتمالاً إلى مشاركته في العمل على وجه استسخار  العامل إياه، فإنه لا يوجب مزاحمة، فيحمل كلام الأصحاب في منعه على ما لو استبد بالتدبير \rالرابعة: لو شرط العامل أن يستأجر أجيرًا على الأعمال كلها، أو على بعضها، على أن يكون أجرهم على المالك، ففيه وجهان ، أحدهما: المنع ؛ [لأنه]  لا يستحق الثمار من غير عمل، وليس هذا كالاستئجار على الكيل والنقل في القراض؛ فإن ذلك لا يتولاه العامل اعتيادًا ، والثاني: أنه يصح وإنما عمله استعمالهم على وجه الاستصواب فيتنصب قهرمانًا  عليهم، وهو معظم الدهقنة ، حتى لو لم يعرف ذلك، أو شرط ذلك أيضًا للأجير، ولم يبق له إلا ضبط الأجراء وعد حسابهم لم يجز؛ فإن ذلك ليس من الدهقنة \rفرع: إذا شرط للأجير أجزاء من الثمار، أو مقدارًا منه، وتشارطا قسمة الباقي، فهو باطل؛ لأنه يطرق جهالة إلى جزئية الثمار ","part":1,"page":88},{"id":585,"text":"الخامسة: إذا شرط أن يعمل معه غلام المالك، ففيه خلاف مرتب على شرط عمل الأجير ؛ لأنه ينقص العمل بالأجراء، فلا يكون جميع العمل صادرًا منه، وها هنا أولى بالفساد؛ لأن يد العبد يد المالك من وجه، فربما يتخيل فيه مزاحمة ، وهذا الترتيب بعيد؛ إذ العبد مستسخر لم يشرط له استحقاق العمل، حتى لو شرط فسد، وإنما هذا إعانة من المالك، ولو شرط إعانته ثيران عوامل وما في معناها من الآلات جاز، فكذا هذا ، وقد نص الشافعي رحمه الله وقال: ولا بأس أن يشترط المساقي على  رب النخيل غلمانًا يعملون معه، ثم قال: ونفقة الرقيق على ما يتشارطان  والوجه الآخر مخرج من قياس مشاركة العامل، ومن تبعض العمل \rفرع: نفقة العبد على المالك عند الإطلاق ، وكذلك إذا شرط عليه ، ولو شرط على العامل ففيه وجهان:\rأحدهما: أنه شرط فاسد؛ لأنه قطع لنفقة المالك عن الملك \rوالثاني: أنه جائز؛ لأن الأصل يقتضي أن يكون العمل من جهته فلينفق على العامل \rوعند هذا ذكر الشيخ أبو محمد وجها أن العقد يفسد بالإطلاق؛ إذ تتردد النفقة بينهما، وهو ضعيف ، والمذهب الأول ؛ فإن الشافعي رد على مالك في إيجاب نفقة العبد على العامل عند الإطلاق فقال: ألزمه أجر العبيد؛ فإن أجرة أعمالهم تزيد على نفقاتهم ، وهذا ينشئ نظرًا في أنه لو شرط عليه أجرة العبيد لم يمتنع إذا كنا نقول: العمل بكماله مستحق عليه حتى لا يجوز اشتراط أجرة الأجراء على المالك على وجه \rالسادسة: أن تأقيت المساقاة شرط ليصير العمل والثمار به معلومًا من بعض الوجوه، ولا جواز لإطلاقه ، ثم الظاهر أنه يجوز تأقيته بالإدراك؛ لأنه يليق بمقصود المعاملة ، ومنهم من قال: ذلك يختلف بالبرد والحر فلتتوقت بالأشهر والسنين كما في الإجارة ، والقائل الأول يجوز التأقيت بالأشهر، ولكن على شرط أن الإدراك يقع فيها لا محالة إن لم يكن جائحة ","part":1,"page":89},{"id":586,"text":"فرع: لو أطلق السنة الواحدة يحمل على العربية، أو على سنة الإدراك فيها وجهان \rالركن الرابع: في الصيغة \rفلو قال: ساقيتك على هذه النخيل على أن نصف الثمار لك، فقال: قبلت، كفى ذلك، ولا يشترط تفصيل العمل، بل ينزل على ما يقتضية مطلقه، كما سنذكره في العادة، هذا هو الظاهر  ولو قال: عاملتك، ففي افتقاره إلى تفصيل الأعمال تردد واحتمال ، ولو قال : خذ هذه النخيل واعمل عليها ولك نصف الثمار، فهو أيضًا جائز، ولا يتعين لفظ المساقاة ويشترط القبول في هذه الصيغة أيضًا وجهًا واحدًا ، وإن ترددنا في نظيره من القراض ؛ لأن هذا عقد لازم، فلا بد فيه من الالتزام الصريح ولو قال: استأجرتك على أن تعمل على النخيل ولك جزء من الثمار، فالظاهر البطلان؛ لأن الإجارة تستدعي عوضًا معلوما، وعملاً معلومًا، ولا يمكن عقد المساقاة بلفظ الإجارة ؛ فإنه صريح في وضعه، وله نفاذ في هذا المقام ، فصار كلفظ الظهار ، فإنه إذا نوى به الطلاق لم ينفذ \rومنهم من قال: تصح المساقاة بلفظ الإجارة، فإنها إجارة، إلا إنها في هذا المقام احتملت الجهالة فيها ، ولعله الأقيس، ولم نجد بالإجارة نفاذًا، فإنه لا ينعقد إجارة لعدم شرائطها ، نعم لو كان الثمار بارزًا قائمًا فإنما يستأجر على عمل معلوم على جزء من الثمار؛ تصح الإجارة على شرط أن يكون مرئيًا معلومًا، ولا يشترط فيه القطع إن كان بعد بدو الصلاح ، وإن كان قبل بدو الصلاح فلا تنعقد الإجارة؛ لأنه يتقيد بشرط القطع ، وقطع المشاع محال يلزم تغييرًا في عين المعقود عليه، فيشبه بيع نصف من النصل ، وقد ذكرناه في البيع  هذا تمام البيان في الأركان الأربعة\rأما العاقدان فلا يخفى شرطهما \r\rالباب الثاني: في حكم المساقاة الصحيحة ومقتضاها\rوفيه سبع مسائل:","part":1,"page":90},{"id":587,"text":"إحداها: فيما يجب على العامل من العمل، والضبط فيه أن كل ما يتكرر من العمل في كل سنة ولا يبقى له أثر ظاهر في السنة الأخرى، فيجب عليه : كالسقي، وتنقية الأنهار مما فيها ، وكنس الآبار من الحمأة ، وتصريف الجريد ، وتأبير النخيل ، وتنقية الكروم من الأغصان المضرة ، وتقليب الأرض والمغارس، وكذلك نقل الثمار إلى الجرين ، وتجفيفها، فإنه من إصلاح الثمار \rوما لا يتكرر في كل سنة فيظهر له أثر بعد ذلك، كإصلاح الحائط، وبناء الجدران، ونصب الأبواب والدولاب ، وحفر بئر جديد، أو نهر، فهذه المؤن تجب على رب النخيل ، حتى لو شرط على العامل فسدت المساقاة ؛ لأنه قابل الثمار المجهولة بعمل يمكن الاستئجار عليه، ولا يتعلق بإصلاح الثمار \rوقد تردد الأصحاب في مسألتين:\rإحداهما: أنه لو حصل أدنى ثلمة في حائط وكان يهون ردمها \rوالثاني: حفظ الثمار بالناظور ، منهم من قال: هو على العامل؛ فإنه حفظ للثمار عن التلف، فأشبه السقي والثاني: أنه على المالك؛ لأنه لا يتعلق بتنمية الثمار ، ثم إن جرت المعاملة بلفظ المساقاة فلا حاجة إلى التعرض للأعمال  وظاهر نص الشافعي رحمه الله يوهم أنه لا بد من التعرض له ، فمن أصحابنا من سبق إليه وعلل بأن الخلاف وقع في بعض الأعمال، فالعادة تختلف فيها بالبلاد، والصحيح أنه لا يشترط ، نعم في لفظ المعاملة تردد \rفرع، لو استغنى عن بعض الأعمال أو تركها، مثل أن يغنيه المطر عن السقي مثلاً، فهذا فيه احتمال؛ فإنه وفى معظم الإعمال، فلا ينقص من حقه شيء؛ إذ كان ذلك من قبيل ما يتغابن الناس به في باب القراض، حتى لا يبالى به ، وإن ترك جميع العمل أو معظمه، أو استغنى عنه فيبعد أن يستحق الثمار من غير عمل، والتوزيع أيضًا عسير، فإن العمل مجهول، وإسقاط حقه عن الثمار أيضًا لا وجه له، ولعل الأقرب التوزيع للثمار على مقدار أجر المثل ، هذا ما ذكره الإمام في معرض الاحتمال ","part":1,"page":91},{"id":588,"text":"المسألة الثانية: إذا هرب العامل قبل استتمام العمل، فالقاضي يستأجر عنه، أو يستقرض له ثم عليه قضاء الدين، وله الثمار كما شرط ، وإن أذن  للمالك في أن يستقرض عنه وينفق: ففي جوازه وجهان ، ولو أنفق المالك بنفسه فلا يرجع إن كان في البلد قاض؛ فإنه لم يراجع ، وإن لم يكن فثلاثة أوجه ، ويفرق في الثالث بين أن يشهد أو لا يشهد، فإن تعذر جميع ذلك، فللمالك الفسخ \rفإن لم يفسخ وعمل بنفسه فهو تبرع منه، ويستحق العامل ما شرط له ، وفي هذا احتمال من حيث أنه استحقاق من غير عمل ، ولو أراد أجنبي أن يتبرع بالعمل أو الاستئجار فلا يمتنع على المالك الفسخ؛ لأنه ربما لا يرضى بدخوله البستان ، فإن رضي استحق العامل تمام الثمار، وكأن الأجنبي متبرع، فهو كما لو تبرع بأداء دين غيره وقبله المستحق، فلا مرجع له ، وإن دخل أجنبي بحيث لم يشعر به المالك وأتمه، فيحتمل أن يكون هذا كإغناء المطر عن بعض الأعمال، فظاهر كلام الأصحاب: أنه يستحق تمام الثمر؛ لأن العمل قد حصل، والأجنبي متبرع على العامل \rفرع: إذا جرى الفسخ بالهرب، وقد سبق بعض العمل، فلا يجري هذا على قياس انهدام الدار في بعض مدة الإجارة حتى يوزع المسمى؛ لأن توزيع الثمار على عمل مجهول متطرق، فيرجع إلى أجرة المثل ، وليس هذا كما لو استغنى عن بعض العمل، فإن العقد باق، ثم حصل نماء الثمار ببعض عمله، فلا سبيل إلى إسقاطه، هذا ما ذكره الإمام في الفرق من طريق الاحتمال، والتسوية بينهما غير بعيد عن القياس ، وفي كلام القاضي تردد في إسقاط حقه عن الثمار إذا جرى الفسخ بعد أن برز الثمار بعمله، فإن ملكه تعلق بالثمار ","part":1,"page":92},{"id":589,"text":"المسألة الثالثة، إذا ادعى المالك خيانة أو سرقة على العامل، فالقول قوله في إنكاره؛ فإنه أمين ، فإن ثبت بالبينة أو باعترافه، قال المزني في موضع: تزال يده ويكترى عليه من يقوم  مقامه ، وقال في موضع آخر: يضم إليه من يعمل معه ويحفظه عن الخيانة ، فقال أصحابنا: المسألة على اختلاف حالين  فإذا أمكن أن تدفع خيانته بالمشارفة لا تزال يده، وإلا تزال ، فإن قيل: أجرة الرقيب على من قلنا هذا فيه إشكال؛ حيث أن منشأ الحاجة خيانته ، إلا أن يزعم أنه لا يخون في المستقبل، ولو صرح بأني أخون متى وجدت فرصة، تزال يده لا محالة ، والأظهر أنه على العامل إذا قامت بينة على خيانته، وإن لم تقم بينة فعلى المالك \rالمسألة الرابعة: إذا مات المالك يستتم العامل العمل ويستحق الثمرة ، وإن مات العامل لا ينفسخ أيضًا، قطع به المزني والأصحاب ، وذكر الشيخ أبو علي وجهًا غريبًا: أنه ينفسخ ، وهو ضعيف؛ فإن العقد لازم، وهو وارد على الذمة، وتحصيله بعد الموت ممكن ، ثم إن خلف تركة حصل من التركة ، وإن لم يكن فللوارث تحصيله حتى يفوز بالثمار ، وليس عليه التحصيل ؛ لأنه دين على مورثه فليس عليه قضاؤه إلا إذا أراده، فإن تعذر تحصيله فللمالك فسخ العقد ، وقد ذكرنا حكم الفسخ  فإن قيل: لو وردت المساقاة على عين العامل قلنا: لم يتعرض له الأصحاب؛ ولعل ذلك لاعتقاد فساد المساقاة بذلك لما فيه من التضييق ، وليس تخلو الحقيقة عن احتمال ظاهر؛ إذ ليس فيه تضييق، فإن صحح فلا بد من الحكم بانفساخه بالموت ، ثم يبقى النظر في استحقاق أجرة مثل ما سبق من العمل ","part":1,"page":93},{"id":590,"text":"المسألة الخامسة: إذا خرجت الأشجار مستحقة، فإن كانت الثمار باقية فهي للمستحق ، وهل يرجع العامل بأجرة مثل عمله طريقان: منهم من خرج على قولي الغرور في تقديم الطعام إلى الضيف؛ لأنه المتلف ، ومنهم من قطع ها هنا بالرجوع ، لأن المنفعة راجعة  إلى الضيف، والعامل ها هنا لم يعمل لنفسه، إنما عمل للمالك ، فأما إذا كانت تالفة نظر، فإن كانت بعد الاقتسام فما تلف في يد المالك لا يخفى حكمه ، وما تلف في يد العامل فهو نصيبه ، فالذي قطع به الفوراني ، وصاحب التقريب، والشيخ أبو محمد: أنه يطالب بالغرم، ثم يخرج رجوعه على المالك على قولي الغرور ، وقال الصيدلاني: إن تلف بإتلافه خرج على القولين ، وإن تلف بآفة سماوية رجع قولا ً واحدًا كالمودع، ونزلت يده منزلة يد الوديعة \rوقطع العراقيون بأن يستقر عليه الضمان، تلفت أو أتلفها، كالمشتري من الغاصب، فإنه استحقها عوضًا في معاوضة لازمة ، وقد اختار هذا القاضي حسين لنفسه وظن أنه غير مسبوق به ، ولم يذكر العراقيون غيره، ولا وجه لما ذكره الأصحاب؛ فإن معنى العوضية لا سبيل إلى إنكارها ، فأما إذا تلفت على الأشجار بجائحة، ذكر العراقيون والمراوزة في أصل توجه المطالبة على العامل خلافًا، وقالوا: قال بعض الأصحاب، وهو ظاهر كلام المزني إنه لا يطالب ؛ فإنه لم تدخل تحت يده، وإنما هو عامل عليها وهي في يد المالك تحقيقًا، وعللوا ذلك بأن الثمار لو سرقت على رؤوس الأشجار بتقصير من العامل وتغافل فلا ضمان عليه، ومنهم من قال: يطالب بالضمان ، ومسألة السرقة تنبني على الخلاف في أن مؤونة الحفظ على من وقد ذكرناه ","part":1,"page":94},{"id":591,"text":"فأما إنكار يده حسًا فبعيد؛ لأن المالك في حكم التابع، وإنما الثابت يد العامل، والحفظ واجب على العامل ما دام مشغولاً بالعمل؛ إذ كل من تثبت يده على حق الغير يجب عليه حفظه: كالمرتهن، والمستأجر، وغيره  وإنما التردد في المؤونة ينقدح فيما إذا كان يعمل نهارًا ويترك ليلاً، وافتقر ليلاً إلى ناطور   وأما الحفظ في حالة عمله فلا ينبغي أن يتردد فيه، هذا ما ذكره الإمام ، فهي على أن يده ثابتة كيد المودع، فلا بد من توجه المطالبة عليه، ولو تلفت الأشجار فقد ألحق الأصحاب ذلك بحصة العامل من الثمار وإن لم يكن له حصة من الثمار، وخرجوا على الخلاف الذي حكيته \rالمسألة السادسة: لو خرص المالك الثمار على العامل، فللخرص أثر في باب الزكاة، واختلف القول في أنه عبرة أم تضمين  فإن قلنا: تضمين، ففائدته نقل حق المساكين إلى ذمة المالك ، وإن قلنا عبرة فليس يتعلق به حكم محقق، وإنما فائدته رد قوله لو ادعى نقصانًا مفرطا من غير إظهار جائحة ، وقد اختلف الأصحاب في جريانه في المساقاة، فالذي ذهب إليه الأكثرون أنه جار ؛ لقصة عبد الله بن رواحة ، ومنهم من منع، وحمل ذلك على معاملة تجري مع الكفار وتساهله فيه ، وهو بعيد؛ لأن ما لا يتعلق بالمواثيق والعهود لا يفارق الكافر فيه المسلم ","part":1,"page":95},{"id":592,"text":"ثم الذين اعتقدوا حكمًا للخرص؛ اعتقدوا أن حق المالك ينتقل إلى ذمة العامل، وتعتبر جملة الثمار ملكًا للعامل بسبب ضمانه، وهذا أمر لا يهجم عليه إلا جسور، فإن قطع الحق عن العين من غير معاوضة صحيحة كيف يحتمل وحق المساكين في الزكاة لا يرتبط بالعين؛ إذ لا ملك له فيه، والأغلب عليه التعلق بالذمة، ولأجل عسر أثره منع الخرص من منع، ومن يراه عبرة في الزكاة لم يبعد تقدير مثله في هذا المقام حتى يظهر أثره في دعوى النقصان، ثم حيث أجرينا الخرص في النخيل والكرم ففي إجرائه في سائر الأشجار قولان؛ لأنها تستتر بالأوراق، بخلاف عناقيد النخيل والكرم\rومن الأصحاب من بنى صحة المساقاة فيها على قولي الخرص، ولا وجه للبناء؛ فإنه لا حاجة بالمساقاة إلى خرص فلا يبعد تصحيحها مع منع الخرص\rالمسألة السابعة: إذا تنازعا فقال العامل: شرطت لي النصف، وقال المالك بل الثلث، فيتحالفان، والرجوع إلى أجرة المثل، فإن أقام كل واحد منهما بينة، فعلى قول يتهاتران، وعلى قول يستعملان وفي كيفية طريقه أقوال:\rأحدها: أنه يقرع، ثم: هل يحلف من خرجت له القرعة وجهان\rوالثاني: الوقف، ولم يجره الأصحاب ها هنا\rوالثالث: أنه يقسم، ويسلم المتفق عليه، والباقي ينصف\rولو ساقى رجلان رجلاً، وتنازعوا كما ذكرناه، فصدقه أحدهما، وكذبه الثاني، فالقائل والمكذب يتحالفان، ولو شهد المصدق على المكذب قبل؛ إذ لا تهمة، ولا مانع\rهذا تمام كتاب المساقاة\r\rكتاب الإجارة","part":1,"page":96},{"id":593,"text":"الإجارة عبارة عن عقد يرد على منافع تستحق بعوض مبين معلوم ، كما ذكرناه في البيع ، ويختص بمنافع تستباح بالإباحة، وهو صنف من أصناف البيوع ، ووجه مفارقته أنه يرد على المنافع وهي مفقودة لدى العقد، توجد شيئًا فشيئًا، ولكن لما مست إليها الحاجة العامة أرخص الشرع؛ إذ الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورات الخاصة، ثم ما ينبني على الحاجة العامة لا يعتبر في تفاصيلها الحاجة، بل يتسع الأمر فيه ، والإجماع منعقد على انعقاد الإجارة ، وخلاف ابن كيسان الأصم ،\r\rوالفاشاني  غير معتد به ؛ فإنهما ليسا من أهل الحل والعقد، وهما أيضًا مسبوقان بالإجماع ، وقد تيمن الأئمة بقصة شعيب، واستئجاره موسى  ، وبقوله تعالى: {ٹ ٹ ٹ ٹ } ، وبقوله : >أعطوا الأجير أجره  قبل أن يجف عرقه< ، (وبضربه \\ المثل)  المعروف في قوله: >مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استأجر أجيرًا من الصبح إلى الظهر بقيراط   < الحديث ، وبقوله : >ثلاثة أنا خصمهم ومن كنت خصمه خصمته ، رجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منفعته ولم يؤد أجرته، ورجل أعطاني صفقة يمينه ثم غدر  <  وآجر علي بن أبي طالب كرم الله وجهه  من يهودي نفسه كان يستقي له الماء كل دلو بتمرة ، وأستأجر رسول الله \\ عبد الله بن أريقط  دليلاً ، إلى أخبار سواها\rثم اختلف العلماء في معقود الإجارة، وأنه العين أو المنفعة  وقد استقصينا الكلام عليه في كتاب مأخذ الخلاف  على أبلغ وجه في الإنصاف، والمختار أن معقوده، المنافع ، فيملك المنافع التي قضت الاعتقادات بوجودها ملك الأعيان، هذا تمهيد الكتاب، ويتهذب النظر برسم أبواب\r\rالباب الأول: في أركان الإجارة\rوهي تعتمد الصيغة، والأجرة، والمنفعة، فهذه أركان ثلاثة، أما العاقد فلا يخفى أثره \rالركن الأول: في الصيغة\rوالعبارات المستعملة في هذا ثلاثة:","part":1,"page":97},{"id":594,"text":"الأول: الإجارة والإكراء، وهما يجريان مجرى واحد، فيقول: أجرت الدار أو أكريتها، ويقول المكتري: قبلت وشرط في هذه العبارة أن يضاف إلى العين ، فلو قال أجرت المنافع وأكريتها، كان فاسدًا ؛ لأن هذه اللفظة في اللسان لا تطلق إلا بالإضافة إلى العين، والإجارة تضاف إلى العين لاستيفاء المنافع منها \rالثانية: التمليك، وشرطه أن يضاف إلى المنفعة، فيقول: ملكتك منفعة الدار شهرًا   فلو أضاف إلى العين كان باطلاً؛ لأن الملك لا يجري في العين \rالثالثة: البيع، فلو أضاف إلى العين وقال: بعتك الدار شهرًا، فوجهان ، أظهرهما أنه لا ينعقد ؛ لأن اللفظة موضوعة لتمليك الأعيان فهو نقل له عن وضعه، بخلاف لفظ التمليك؛ فإنه عام، وقال ابن سريج: ينعقد، فإن معناه تمليك ببدل، فإذا ساوى المنافع الأعيان في الملك جاز أن يعبر عنها بالبيع \rالركن الثاني: الأجرة\rوهي عوض في هذا العقد تضاهي في شرائطها الثمن إن كان في الذمة، والمبيع إن كان معينًا ، وقد فصلناه  ونتعرض الآن لشرطين:\rأحدهما: الإعلام ، وفيه مسألتان:\rإحداهما: أنه لو أشار إلى صبرة  من الدراهم أو الحنطة، وجعله أجرة، فيه وجهان :\rأحدهما: الجواز ، كما في البيع \rوالثاني: المنع؛ لأن الانفساخ متوقع وتمس الحاجة إلى استرداد الأجرة فيجر ذلك خبطًا، فضاهى رأس مال السلم ، وفيه كلام ذكرناه ، والرابطة أن كل واحد عقد غرر ابتني على الحاجة، فكل غرر لا يحتاج إليه لا يحمل \rالثانية: إذا أجر دارًا بأجرة معلومة على أن تصرف الأجرة إلى عمارة الدار فهو فاسد ؛ لأنه قابل المنفعة بالأجرة، وعمله في العمارة مجهول، وكذلك إجارة الدار بعمارتها \rالشرط الثاني: أن تكون الأجرة بحيث لا تصادف العمل الذي يقابلها في العقد، وبيانه بصور:","part":1,"page":98},{"id":595,"text":"إحداها: أن يستأجر السلاخ على السلخ، ويجعل أجرته الجلد، فهو فاسد؛ لأنه باع جزءًا من الحيوان قبل الانفصال؛ لأن الإجارة تنعقد في الحال، فيوجب استحقاق الجلد ، ولأن عمله يصادف اللحم والجلد فيكون عاملاً إذ ذاك على ملكه \rالثانية:  أن يستأجر حامل الجيفة على حملها، ويجعل أجرته جلدها ، فهو باطل لما ذكرناه، ولأن جلد الميتة نجس لا يباع \rالثالثة: أن يستأجر على أن يجتني الثمار، ويجعل أجرته جزءًا من الثمار، فيصادف عمله ملكه وملك غيره \rالرابعة: أن يستأجر على نخل الدقيق، وأجرته النخالة، وكذلك يستأجر على الطحن وأجرته من الدقيق \rالخامسة: أن يستأجرها  على إرضاع مولود رقيق، وأجرتها جزء من المرتضع ، ويستند المذهب في جميع ذلك إلى نهي رسول الله \\ >عن قفيز  الطحان< ، وهو استئجاره بقفيز من الدقيق ، فإن قيل: هذا مفهوم؛ لأنه شرط له الدقيق وهو لا يملكه، بل يصير دقيقًا بعمله، ويجري ذلك في النخالة، وجلد السلوخ، [و]  في جزء من الرقيق إذا شرط ملكه بعد الفطام، وفي الثمار إذا شرط ملكه بعد الجداد، فأما إذا جعل أجرته ثلث الثمار في الحال، أو ثلث الولد المرتضع فما المانع منه  قلنا: المانع منه أنه يصير مشتركًا بينهما، فيصادف عمله ملك نفسه، حتى قال أصحابنا: الجارية المشتركة بين مرضعة ورجل لا يجوز للرجل استئجار المرضعة؛ لأنها  لا تتمكن من إيقاع العمل في نصيبه، فتكون عاملة على ملك نفسها ، وهذا يجري في الثمار أيضًا، هذا ما قطع به ، وليس يخلو هذا عندي عن احتمال ظاهر ، ولا أدري ماذا يقول الأصحاب فيما لو استأجره على طحن صبرة من الحنطة، وجعل أجرته صاعًا من الحنطة، فإن القسمة فيه ممكنة حتى يصادف عمله ملك المستأجر، فلتصح الإجارة ولتجب القسمة ","part":1,"page":99},{"id":596,"text":"فرع: الأجرة تتعجل بمطلق العقد عندنا، ولو شرط التأجيل تأجل ، فلو أطلق الألف  ثم تغير النقد عند مضي الأجل، فالعبرة بحال الإطلاق ، وبمثله لو تغير النقد في الجعالة عند العمل، فوجهان، والظاهر أن العبرة بالعقد \rالركن الثالث: المنفعة\rوفيها يطول النظر؛ فإنها خاصية هذا العقد، ولها شرائط:\rالشرط الأول: أن يكون متقومًا ، وفيه مسائل:\rإحداها: أن يستأجر تفاحة لِشَمٍّ ، كان فاسدًا؛ فإنه لا قيمة له \rالثانية: أن يستأجر دراهم ليزين بها الحانوت، ففيها وفي الإعارة ثلاثة أوجه ، والصحيح الفرق ، ووجه المنع: أن الأصل لا قيمة له شرعًا، فالمنفعة أيضًا لا تثبت لها قيمة معتبرة شرعًا؛ إذ لا خلاف في أن الانتفاع به جائز \rالثالثة: استئجار البياع على كلمة تقطع المماكسة وترغب المشتري فاسد ؛ لأنه لا كلفة عليه فيه، وما لا كلفة عليه فيه فلا قيمة له، والأجرة التي يأخذها البياعون لا وجه لها، إذا لم يعاونوا في العرض على البيع، والتربص به عملاً، وكذلك كل فعلة خفيفة لا كلفة فيها، ولا يرتبط العرض بعينه، وإنما يحصل العرض لحشمة صاحبها \rالشرط الثاني: أن لا يتضمن استيفاء المنفعة استهلاك عين ، وفيه مسألتان:\rإحداهما: أن يستأجر الأشجار بما ينفصل منها من الثمار، ومن المواشي النتاج واللبن وغيرهما من الفوائد، فهذه الفوائد أعيان وليست منافع، ولا تملك إلا على قياس البيع، والشرع إنما احتمل التملك قبل الوجود في المنافع التي لا يتصور استيفاؤها إلا كذلك، فلا يجري في جميع الفوائد \rالثانية: لو استأجر امرأة لحضانة  الولد والإرضاع مع الحضانة ، ففي صحة الإجارة وجهان :\rأحدهما: المنع؛ لأن حاصله يرجع إلى استهلاك عين، فصار كفوائد الحيوان، ولذلك لا يجوز استئجار الشاة للإرضاع في الحملان، ولأن الإرضاع  لا يتأتى دون الحضانة ","part":1,"page":100},{"id":597,"text":"والثاني: أنه يصح ؛ لقوله تعالى: {ٹ ٹ ٹ ٹ } ، أضاف الأجرة إلى الإرضاع، ولأن الحاجة ماسة إلى هذا، وصورة اللبن صورة المنافع، فإن لبن الآدمي على حياله  لا يطلب في نفسه؛ إنما يراد لهذا الغرض، والأمر مبني في هذا على الحاجة، ولا معنى لقولهم لا يتأتى الإرضاع دون الحضانة؛ فإنه يقدر على أن يضع الثدي في فيه وباقي الأعمال مفوض إلى غيره \rالشرط الثالث: القدرة على التسليم ، فلو استأجره للتعليم وهو أخرس، أو لعمل لا يتأتى منه، أو أجر قلة جبل للزراعة، وغير ذلك، فهو باطل ؛ لأن هذه المنافع معدومة في هذه المواضع، وهو ممتنع التحصيل ، ولو استأجر لتعليم آيات القرآن من لا يعلمها وقدر على التعلم، ثم التعليم، فإن أورد على ذمته جاز، وإن أورد على عينه وضاق الوقت بحيث لا يسع لهما لم يجز، وإن كان يسعهما فوجهان \rويتشعب من هذا الشرط مسائل:\rإحداها: إضافة الإجارة إلى السنة القابلة باطلة عند الشافعي ، خلافًا لأبي حنيفة ، وقد خرجه بعض الأصحاب على قاعدة التعليق والتأقيت ، وهو ضعيف؛ إذ ليس هذا تعليقًا، بل معناه: تنجز الانعقاد على منفعة السنة القابلة، كما لو شمل العقد الواحد سنتين، ولكنا نلحق هذه بهذه القاعدة، فإن المنافع لم تلزم في الذمة ؛ إذ تعيين الدار واجب، وهو مناف للزوم الذمة، فهو في حكم معين يتناوله الاستحقاق، وينحصر عليه، فينبغي أن تتوجه المطالبة لدى العقد، ولم يكن هذا كما لو أجر سنتين، فإن مجموع المنافع معقود عليه، وهو متشاغل بالتسليم على المعتاد، وهو كما لو باع صبرة من الحنطة عظيمة مكايلة، فيكيلها على الاتصال عليه شيئًا شيئًا، وذلك يعد مقدورًا لتواصله؛ فإنه الممكن، فكذلك التسليم  الممكن في المنافع، فيشترط فيه التواصل، فإذا انقطع لم يحتمل ","part":1,"page":101},{"id":598,"text":"فرع: لو أجره شهرًا، ثم أجره الشهر الثاني منه بعينه، فوجهان ، أحدهما: الجواز ؛ للتواصل في حقه، والثاني: المنع ، وهو الصحيح؛ لأن الصفقة متعددة ومعقود العقد الثاني ليس يتصل توقيته بالعقد \rالمسألة الثانية: كراء العقب ، وهو أن يقول استأجرت هذه الدابة لأركبها نصف هذه الطريق واترك إليك الباقي الذي سبق إليه المزني أنه فاسد ، وتابعه معظم الأصحاب، وعللوا بالقطع في الاستيفاء فإنه لا يتعين لركوبه النصف الأول، ولكن يتناوبان، فينقطع الاستيفاء، فيلتحق بإجارة الدار في السنة القابلة ، ومن الأصحاب من صحح ، ونزل على استئجار نصف الدابة، والشيوع لا يمنع من صحة الإجارة، ثم الشركة توجب المهايأة ، والمهايأة تؤدي إلى التقطيع، وليس ذلك موجب العقد ، ولو صرح باستئجار النصف فالظاهر الصحة ، ومن الأصحاب من منع لأدائه إلى التقطيع وهو بعيد ؛ وكأن هذا القائل يجعل الشيوع مانعًا من الإجارة ، إلا إذا أمكن؛ كركوب رجلين في محمل، وسكونهما في دار فأما إذا استأجر رجلان دابة، فينقسم الأمر في حقهما أيضًا إلى الصيغتين المذكورتين، فإن لم يتعرض للتقطيع والتأقيت ذكرًا: فالصحيح جوازه منزلاً على الشيوع، ثم لهما المهايأة ، وفيه وجه ، وإن تعرضا للتقطيع فوجهان ، ووجه التجويز التنزيل على الشيوع كما مضى، وكلام الشافعي رحمه الله دليل على صحة كراء العقب، ولكن يصلح للحمل على الصورتين جميعًا، فإنه لم يتعرض لإحدى الصورتين ","part":1,"page":102},{"id":599,"text":"المسألة الثالثة: استئجار أرض تحل على قلة جبل لا ماء لها، ولا يتصور زراعتها بالمطر ينظر فيه، فإن  استأجر للزراعة، فباطل؛ فإنه ممتنع ، وإن استأجر لغرض آخر مثل اتخاذه مخيمه ، أو مبرك جماله: فصحيح ، وإن أطلق وذكر أن لا ماء له فصحيح أيضًا ، وإن لم يتعرض للماء وأطلق، فالظاهر أيضًا الصحة؛ إذ ليس يظن العاقل ها هنا زراعة حتى يقطع ظنه بالتعرض ، وذكر العراقيون وجهًا ضعيفًا أنه لا بد من التعرض؛ لأن الأصل في الأرض الزرع، فليقطع انصرافه إليه ، وهو مزيف \rالمسألة الرابعة: الأرض التي ليس لها شرب معلوم، ولكن لا يأس من الماء، فقد يرجى لها مد على بعد، فاستئجارها للزراعة اعتمادًا على الإمكان البعيد، تعرض لنفي الماء أو سكت عنه، فاسد ؛ فإن الزراعة ممتنعة، والإمكان بعيد، وهو كإمكان عود العبد الآبق ، فإن استأجر لغرض آخر وصرح به فهو صحيح ، وإن أطلق وتعرض لنفي الماء فصحيح أيضًا ، ثم ينزل على غير الزراعة، وله أن يزرع إن شاء تعويلاً على الرجاء؛ إذ جهات الانتفاع لا تتعين  وإن لم يتعرض لنفي الماء: نظر، فإن كان المكتري جاهلاً بعدم الماء فالعقد فاسد؛ لأنه يفهم منه منفعة الزراعة ، وإن كانا عالمين: فهل ينزل العلم منزلة التعرض للنفي ذكر صاحب التقريب وجهين :\rأحدهما: أنه كاف؛ إذ المقصود من النفي الإعلام، وهو حاصل \rوالثاني: أنه لا يكفي؛ لأن المطلق في مثل هذه الأرض يقتضي الزراعة، فليقطع موجب الإطلاق بلفظ ، وليس هذا كالمسألة التي قبل هذه؛ فإن تلك لا يرجى فيها الزراعة بحال، فلذلك بعد وجه العراقيين ","part":1,"page":103},{"id":600,"text":"المسألة الخامسة: أرض ليس فيها ماء عِدٌّ ، وشرب معلوم، ولكن يغلب على الظن إمكان الزراعة بوفاء المطر، أو سيل يتفق، فظاهر كلام الشافعي رحمه الله، وهو اختيار القفال: أن استئجارها للزراعة فاسد ؛ لأن الشرب منعدم في الحال، فلا ينبني الأمر على غرر؛ فإنه مجتنب في العقود  وقال القاضي: يصح؛ إذ لا ثقة ببقاء الشرب أيضًا  ولكن يعول على الغالب، فكذا هذا ، ثم القفال يمنع حيث لم يجر التعرض لعدم الماء العِدّ والشرب المعلوم، فإن جرى ذكر انتفائه، ففي كلامه تردد، وهو محتمل ، والقاضي يجوزه مطلقًا \rفرع: الأرض التي تزرع بماء النيل، يعتمد ازدياد النيل، فإنه إذا زاد انبسط على وجه الأرض ثم ينحسر عنه عند النقصان، وتبقى نداوة في الأرض يكتفي الزرع بها، فإن كانت الإجارة بعد الانحسار فجائز؛ إذ الزراعة ممكنة والماء لا يغني لعينه ، وإن كان قبله فهي رجاء زيادة النيل، فليس تقع غالبًا؛ لأن النيل خوان؛ كثيرًا ما ينقص، فيلتحق بالمسألة الرابعة ، وإن كان قريبًا من النيل يغلب امتداد الماء إليه فإن نقص فيلتحق بالمسألة الخامسة ، وأما الأراضي التي تزرع على مد البصرة فيجوز استئجارها مطلقًا باتفاق الأصحاب؛ لأنه موثوق به لا يختلف، وهو أثبت من كل شرب معلوم \rالمسألة السادسة: الأرض القريب بجنب النهر، التي يمتنع زراعتها لو زاد ماء النهر، ويتأتى لو نقص، إذا استأجرها في وقت زيادة الماء، قال الشافعي: هو باطل ؛ لأن المانع قائم، وانقطاعه موهوم، والأمر على ما قال ، ثم إذا صححنا فطرأت الزيادة المانعة كما لو انقطع الماء، وامتنع الزرع ، وسيأتي تفصيله في حكم الخيار ","part":1,"page":104},{"id":601,"text":"المسألة السابعة: قال الإمام الشافعي رحمه الله: وإن تكاراها والماء قائم عليها وقد ينحسر لا محالة في وقت يمكن فيه الزرع، فالكراء جائز ، وإرادته أن تكون الأرض مستورةً  بالماء، ويفرض هذا إذا تقدمت رؤية الأرض، أو كان الماء صافيًا لا يمنع منه ، وإلا فيجري على قولي شراء الغائب ، ومن الأصحاب من صحح، وإن لم تسبق الرؤية؛ لأن استتار الأرض بالماء من مصلحته، فإنه يقطع عروق العشب، فأشبه الرمان  والجوز ، وهو ضعيف ، فإن ذلك يقع خلقة\rفأما إذا كان يبعد انحسار الماء فلا شك في فساد العقد \rفإن قيل: فقيام الماء في الحال يمنع عن الانتفاع، فلا يتصل الانتفاع بالعقد ، قلنا: حكى العراقيون وجهًا أنه يفسد لذلك ، وزيفوه وهو مزيف، فلو استأجر أرضًا للزراعة قبل وقت الزراعة جاز؛ لأن العقد يستعقب تسليطه في الحال، فتثبت عليها يده، فيوأجرها إن شاء، ويمسكها إن شاء ، وإن كانت الأرض في الحال تنافي الزراعة، وكان يتيقن أيضًا انحساره قبل فوات وقت الزراعة، فهذا محتمل، والأظهر جوازه ، كاستئجار دار مشحونة بأمتعة ، وقال الشيخ أبو محمد: يحمل خلاف استئجار الدار المشحونة كالمشغول بالماء، وإن كان لا يتجه في ابتياع الدار المشحونة؛ لأن البيع يرد على المنفعة ، هذا كله كلام فيما يمنع حصول المنفعة حسًا\rأما ما يمنع إيقاعه شرعًا ففي تفصيله مسائل:","part":1,"page":105},{"id":602,"text":"إحداها: منكوحة على الإرضاع، أو عمل آخر من الأعمال كالخبز والغزل وغير ذلك، دون إذن الزوج، فهو باطل ؛ لأنها مستغرقة المنفعة بحقه، فإن له تعطيل منافعها ، فيرتد تأكد حقه في إبطال منفعتها على حق المرتهن في عين المرهون ، فأما إذا أجرت نفسها بإذنه، أو أجر السيد الأمة المنكوحة نهارًا دون أذن الزوج فجائز؛ لأن الانتفاع له نهارًا ، وكذلك لو التزمت العمل في الذمة صح دون إذن الزوج، ثم لها أن تعمل بنفسها إن وجدت فرصة ، ولو استأجرها الزوج لإرضاع ولده فجائز ، وذكر العراقيون وجهًا في المنع؛ لأنه يستحق تفويت ما استأجرها عليه ، وهو مزيف ضعيف \rالمسألة الثانية: الاستئجار على قلع  السن السليم باطل ؛ لأنه محرم، وكذا إذا كان الوجع يسيرًا، فإن أدى إلى سهر ومشقة فيجوز قلعه وعند ذلك يصح الاستئجار ، ومن أصحابنا من قال:  إنما يصح بذل المال عليه في معرض الجعالة؛ لأنه ربما يسكن الوجع قبل القلع فيمتنع المقصود، ومثل هذا الغرر إنما يحتمل في الجعالة ، وهذا ضعيف؛ لأنه يبعد سكون الوجع على الفور والعمل يتصل بالعقد ، والاستئجار على قطع اليد المتآكلة يلتحق بذلك، وإنما يجوز إذا حكم بأنه سبب الخلاص ، ومنهم من منع ؛ لأنه لا بد من قطع الأجزاء السليمة حتى ينفع، والقطع أرجى من التآكل، والأصح الجواز \rالمسألة الثالثة: لو استأجر حائضًا على كنس المسجد، وعين وقتًا هي فيه حائض، فالإجارة فاسدة؛ لأنه يحرم عليها ذلك ، فإن قيل: إذا وفت بالكنس فهلا وقع موقعه وإن عصت قلنا لأن الكنس عليها حرام، والاستئجار على الحرام حرام ، فإن قيل: لو وقعت الإجارة قبل أوان دور الحيض قلنا: قال القاضي: لا نص في المسألة ، ويحتمل إبطالها؛ إذ هذا التوقع يزيد على وقع سكون الوجع ، ويحتمل التصحيح؛ فإن الفعل في الحال حلال ولا ثقة بأدوار المرأة ","part":1,"page":106},{"id":603,"text":"فرع: لو فرض صحة العقد في المسألتين، فسكن الوجع، وطرأ الحيض ، ففي جواز إبدال الثوب المستأجر على خياطته خلاف سنذكره ؛ فإن منعناه انفسخ العقد ها هنا، وإن جوزناه فإبدال المسجد ممكن ، وإبدال السن بعيد وقد قيل: إنه يبدل بقلع وتد، وهو هذيان؛ فإنه لا مناسبة بين العملين \rالمسألة الرابعة: إجارة المسلم نفسه لتعليم الذمي القرآن، جائز إن توقع ترغيبه في الإسلام، وإلا فممتنع  أما الإجارة لتعليم التوراة والإنجيل فباطل  بكل حال ، حتى لو أصدق الذمي زوجته ذلك فهو كإصداق الخمر ، وكذلك الاستئجار لتعليم الخنا والفحش ، والضابط فيه، كل فعل محرم شرعًا ولا مطمع في استدراكه  \rالشرط الرابع، أن تحصل المنفعة للمستأجر لا للمؤجر ، وفيه مسائل:\rإحداها: أن يستأجر دابة إنسان ليركبها المالك، فالإجارة فاسدة والركوب مستحق للمالك \rالثانية: العبادات البدنية التي لا تجزئ النيابة فيها لا يصح الاستئجار عليها؛ لأنها تقع عن الأجير لا عن المستأجر، إلا الحج، وغسيل الميت وإن قلنا: إنه يفتقر إلى النية أيضًا؛ لأن النيابة جارية فيه، ويلتحق بهذا الجنس حفر القبور ودفن الموتى، وحمل الجنائز، فإنها وإن كانت من فروض الكفايات فالنيابة داخلة فيها \rالثالثة: الجهاد لا يجوز استئجار المسلم عليه ؛ لأنه مندرج تحت الخطاب بالجهاد، فإذا تعاطاه وقع عنه لا عن المستأجر  ويجوز للإمام استئجار أهل الذمة على مجاهدة طائفة من الكفار؛ لأنهم لم يندرجوا تحت الخطاب \rالرابعة: الاستئجار على الأذان فيه ثلاثة أوجه ، أحدها: أنه لا يجوز؛ فإنه وإن لم يكن فرضًا ولكنه يرجع إلى تعميم شعار الإسلام، فيقع عن المؤذن  والثاني: وهو الأصح أنه جائز ؛ لأنه ليس عبادة مفتقرة إلى نية، ولا فرض المكلف، نعم يرجع نفعه إلى المسلمين، فهو كالاستئجار على تعليم القرآن، والثالث: أنه يجوز للإمام وولاته، ولا يجوز للآحاد ","part":1,"page":107},{"id":604,"text":"التفريع: إذا أخذ الأجرة على الصحيح، فهي في مقابلة ماذا فيه ثلاثة أوجه ، أحدها: على رعاية المواقيت، والثاني: على رفع الصوت، والثالث: على الحيعلتين، فإنهما ليسا من الأذكار، والمقصود أن الذكر قربة يقع عن الذاكر، فلا يقابل بالأجرة  والمختار عند المحققين أنه يقابل بالأذان وما فيها ، وإن كان لا ينفك عن ذكر كتعليم القرآن \rالخامسة: الاستئجار على تعليم العلم قال الشيخ أبو محمد: يمتنع الاستئجار على التدريس ، وردد الشيخ أبو بكر الطوسي  جوابه فيما نقله أبو بكر المفيد  في الاستئجار على إعادة الدرس ، وهذا كلام ملتبس، والوجه القطع بجواز الاستئجار على إعادة الدرس وتعليم مسألة ومسائل من العلم، كالقرآن والشعر وغيره ، وكلام\r\rالأصحاب في المنع محمول على الانتصاب للتدريس من غير تعليم متعلم فيكون ذلك؛ كأنه فرض على الكفاية ، ومثله استئجار المقرئ على هذا الوجه  فيه احتمال من جهة أنه يضاهي الأذان؛ فإنه شعار عام، وكونه فرضًا على الكفاية لا يناسب الفرق؛ بخلاف الجهاد، فإنه نزل على القادرين نزولاً عامًا، ولا متعلق له إلا الذب عن الإسلام ، والتدريس إن كان يعم من وجه فهو من وجه يتعلق بمتعلق خاص، فيقرب من تعلم القرآن والأذان؛ فإن حفظ المواقيت أيضًا قد يجب على الآحاد، والمؤذن يكفيهم كلفته \rالسادسة: استئجار القاضي على القضاء ، وعمله غير مضبوط لا مطمع فيه ، فأما الاستئجار على كتبه السجل وآحاد الأشغال فجائز ، وسيأتي تفصيله في أدب القضاء ","part":1,"page":108},{"id":605,"text":"السابعة: الاستئجار على الإمامة في الفرائض ممتنع، وفي النوافل كالتراويح وجهان، والتصحيح بعيد؛ لأنه يعود منه منفعة إلى المستأجر، ولا عليه عمل زائد بسبب الإمامة؛ إذ الإقتداء لا يتوقف على نية الإمام، ولم يصدر منه إلا صلاة وقعت عنه فكيف يستحق الأجر عليه، والنظر في أمثال هذه الأعمال يطول، والضابط: كل عمل معلوم مباح يلحق العامل فيه كلفة ويتطوع به الغير عن الغير فالاستئجار عليه جائز، وما جازت الإجارة عليه جاز أن يجعل صداقًا للمرأة، وأبو حنيفة يمنع، والأصحاب ذكروا هذه المسائل في كتاب الصداق، ونحن رأينا ذكره بهذا المقام أليق\rفرع: أسلمت امرأة وتعين عليها تعلم الفاتحة، ولا يعلّم بالحضرة سوى رجل، فأصدقها تعليم الفاتحة فهو صحيح، وجبن بعض الأصحاب فقال: لا يصح؛ لأنه وجب عليه التعليم وتعين بحكم الحال، وهذا فاسد؛ فإنه يجب عليه التعليم بعوض لا محالة، فهو كما لو وجد مالك الطعام مضطرًا في مخمصة، يجب عليه تسليم الطعام إليه ولكن بعوض، حتى لو باع صح، وهذا النظر يجري في الإجارة كما يجري في الإصداق\rالشرط الخامس في المنفعة: أن تكون معلومة، ويتهذب الغرض من هذا الشرط برسم أجناس الإجارة، وهي تنقسم إلى ما يورد على الآدمي لاستصناعه، وإلى ما يورد على الأراضي، وإلى ما يورد على الدواب\rالقسم الأول: العمل\rولا بد من تعريفه إما بالزمان كقوله: استأجرتك على الخياطة يومًا من مطلع الشمس إلى مغربها، أو بالربط بالمتعلق كما لو عين الثوب وقال خط قميصًا، فلو جمع بينهما وقال: تخيط هذا القميص في هذا اليوم، ففي صحة الإجارة وجهان:\rأحدهما: المنع؛ لأنه ربما يبقى شيء من العمل بعد انصرام اليوم، أو على النقيض منه\rوالثاني: أنه يصح، وعلى هذا فوجهان:\rأحدهما: أن النظر إلى العمل فإن تم قبل انقضاء اليوم لم يستعمل في الباقي، وإن انقضى اليوم فعليه إتمام ما بقي من العمل","part":1,"page":109},{"id":606,"text":"والثاني: أنه يستحق الأجرة إما بالعمل قبل انقضاء اليوم، أو بانقضاء اليوم مع إكبابه على العمل وإن بقي شيء من العمل ، وكذلك الاستئجار على تعلم القرآن، يعرف بالجهتين ، وذكر العراقيون خلافًا في أنه هل يشترط قراءة أبي عمرو  وغيره   وهو بعيد؛ فإن هذه التدقيقات لا تراعى في الإجارة، وقد جوز الاستئجار على الإرضاع واللبن يتزايد، والأمراض للصبي بالمرصاد ، والعمل يختلف، فهذا يعرفنا نوعًا من المساهلة في الإجارة \rنعم  ظهر الاختلاف في تعيين السور لتفاوتها إلى متشابه يصعب حفظه، وإلى ما يسهل ، وكان يحتمل أن لا تصح الإجارة ما لم يختبر فهم المتعلم، كما يشترط رؤية الدابة المستأجرة؛ لأن الأمر في تفاوت الأفهام عظيم ، ولكن قال رسول الله \\ في القصة المعروفة: >زوجتكها بما معك من القرآن< ، وكان قبل الخبرة، وقد قيل كان ذلك في خمس عشرة آية من أول البقرة ، والأمر في هذا القدر سهل يسير\rالقسم الثاني: في استئجار الأراضي، وذلك ينقسم إلى: الإجارة للسكون، وإلى الإجارة للزراعة والبناء\rفأما الإجارة للسكون لا يعتبر فيه إلا ذكر المدة ، والمدة ليس تأقيتًا، ولكنه تعريف لمقدار المنفعة، كالمكيال للحنطة ثم فيه مسائل:\rإحداها: أنه لو قال: أجرتك سنة لم يجب التعرض لنصيب كل شهر ، ولو قال أجرت سنين، فقولان ، أحدهما: أنه لا يلزمه بيان حصة كل سنة ، كالعبيد في صفقة واحدة ، وكأشهر السنة، والثاني: أنه يشترط؛ لأنه يغلب فيه تفاوت القيم، وقد ينفسخ في البعض، وتمس الحاجة إلى التوزيع، بخلاف أشهر السنة فإنها [لا]  تتفاوت ظاهرًا ، وهذا ينبني على الخلاف في كون الأجرة جزافًا \rالثانية: لو قال: أجرتك هذه الدار سنة فوجهان :\rأحدهما: الإفساد؛ فإنه لم يخصص ما يستعقبه العقد فهو مجمل \rوالثاني: أنه يجوز، وينزل على السنة المستقبلة، أخذًا من العرف والإطلاق ","part":1,"page":110},{"id":607,"text":"فلو قال: أجرتك شهرًا من السنة، فهو باطل قطعًا؛ إذ معناه شهرًا من الشهور، فهو صريح في الإبهام، وليس هذا كالصاع من الصبرة المعلومة الصيعان؛ فإن المطالبة تتوجه في الحال كيفما قدر الأمر\rالثالثة: إذا قال: أجرتك هذه الدار كل شهر بدينار، ولم يذكر عدد الأشهر، لم يصح العقد، وذهب ابن سريج وجماعة من الأصحاب إلى أنه يصح في الشهر الأول، وهو ضعيف؛ لأن الصيغة مسترسلة، ونظيره من البيع ما لو قال: بعتك كل صاع من هذه الصبرة بدرهم، ولم يقل بعتك الصبرة كل صاع بدرهم، فيجري فيها هذا الخلاف، وذكر الشيخ أبو محمد: أنه يصح، ومعناه: جميع الصبرة، وفي الإجارة لا ينتظم هذا التقدير، فصار كما لو قال: بعتك الصبرة كل صاع بدرهم\rالرابعة: نص الشافعي رحمه الله في الإجارة على أنه يؤاجر الدار ثلاثين سنة، فخصص الثلاثين، ونص في كتاب الدعاوى على أنه يؤاجر ما شاء، ونص في بعض كتبه على سنة واحدة، فاختلفوا على طريقين:\rمنهم من قال: ثلاثة أقوال:\rأحدها، وهو القياس: اتباع التراضي\rوالثاني: اختصاصه بسنة؛ لأنه بنى على الحاجة، فيقتصر على قدر الحاجة غالبًا\rوالثالث وهو الأضعف: أن ثلاثين نصف العمر الغالب، فهو الأمد الأقصى، وهذا ضعيف، لا يليق بمذهب الشافعي رحمه الله؛ فإنه تقدير من غير توقيف\rومنهم من قطع بالتراضي، وحمل التقييد بالثلاثين على وفاق في ذكر تطويل المدة، وقد يجري مثل ذلك في أثناء الكلام على هذا وعلى القول الأصح الموافق له ينظر في المستأجر، فإن علم بأن المستأجر لا يبقى في تلك المدة فباطل، وإن علم بقاؤه أو ظن فصحيح، وإن غلب على الظن فواته فمحتمل، والأظهر الصحة، بناءً على الحال\rفأما استئجار الأراضي الخالية المهيأة للزراعة فتعريفها يتعين برسم صور:","part":1,"page":111},{"id":608,"text":"إحداها: أن يقول: أكريتك هذه الأراضي، ففاسد ؛ لأنه يتهيأ للبناء والغراس والزرع، ولم يبين، والغرض يختلف به، بخلاف الدار؛ فإنه يتعين للسكون \rالثانية: أن يقول أكريتك لتزرعها، ذكر العراقيون وجهين :\rأحدهما: المنع؛ لأن الذرة أضر على الأرض  من القمح، وبين الزروع تفاوت \rوالثاني: الجواز؛ لأن الأمر فيه قريب، والإطلاق يفهم التخيير في مثله ، فينزل منزلة ما لو قال: لتزرعها ما شئت، فإنه يصح ويتخير ، وكذلك لو قال: أكريت الأرض لتنتفع بها ما شئت فيصح، ويتخير ، فأما مطلق الإكراء لا يفهم التخيير بين الأجناس لعظم التفاوت ، والعجب أنه لو استأجر دابة للحمل لم يلزمه ذكر نوع المحمول، والقطن يفارق الحديد فيه ، وينقدح أن يقال إذا طالت المسافة يجب التعرض له؛ فإنه يظهر أثره في الدابة \rالثالثة: إذا قال: أكريتك فإن شئت فازرعها، وإن شئت فاغرسها، فالظاهر الصحة وثبوت الخيرة  وقال صاحب التقريب: يحتمل أن لا يصح ، كما لو قال: بعتك بألف إن شئت مكسرة وإن شئت صحاحًا ، وهذا بعيد، مع الاتفاق على أنه لو قال لتنتفع كما شئت جاز ، ولا فرق بين اللفظتين، ومثله في الثمن لا يحتمل \rالرابعة: أن يقول: أكريتك هذه الأرض فازرعها، واغرسها فالذي ذهب إليه الأكثرون: الفساد؛ فإنه أقر بالجمع، ولم يبين المقدار ، ومنهم من صحح، ونزل على التنصيف، كالإقرار المضاف إلى شخصين ، فإن قلنا بالفساد، فلو عين وقال ازرع نصفها، واغرس نصفها، فوجهان ؛ لأنه لم يتعين للغرس الجانب الشرقي، والغرض يختلف به ، ولو صرح وقال: على أن تزرع أي نصف شئت، وتغرس أي نصف شئت جاز، وفاقًا ، فأما إذا زاد وقال: ازرعها وأغرسها ما شئت، فمنهم من قال: لا أثر للزيادة ، ومنهم من قال: هذا تفويض زراعة الكل وغراسة الكل إليه ، ثم إذا ملك غراس الكل فإن تملك الجميع أولى","part":1,"page":112},{"id":609,"text":"الخامسة: لو استأجر أرضًا، وعين غرض البناء، ولم يتعرض لقدره ووزنه ففيه وجهان :\rالظاهر  الجواز ؛ لأن الأرض لا تتأثر به\rوالثاني: المنع ؛ لأنه يفتقر إلى قلعه ببذل في عاقبة الأمر، والمؤونة تكثر بكثرة البناء، وهذا ضعيف؛ لأن معرفة العواقب لا تشترط، وغاية توجيهه إذا وقع البناء زاده انتفاعًا، وإن لم تتأثر الأرض، فليذكر مقدار المنفعة  كالدابة القوية التي لا تتأثر بمقدار خمسين إذا استؤجرت لدون الخمسين وجب التعرض للمقدار \rوالوجهان ذكرهما الشيخ أبو علي، واختيار ابن الحداد مائل إلى الأخير \rالقسم الثالث: في استئجار الدواب، والدابة تستأجر في أربع جهات ، الجهة الأولى: الركوب، ولا بد فيها من معرفة المركوب، والراكب، والمحمل  أما المركوب فيكتفى برؤيته ، فإن كان غائبًا فيخرج على قولي شراء الغائب ، ثم لا بد من تعريف مقدار منفعته إما بالإضافة إلى زمان، أو بالإضافة إلى المقصود، كبيان المسافة ، أما الراكب فإن رؤي كفى، وإن كان غائبًا فلا بد من ذكر وزنه، فإن تعرض للطول والعرض والضخامة، والنحافة على تقريب كفى في ظاهر المذهب ، وفيه وجه بعيد ، ورؤية الراكب ليس مشروطًا؛ لأن الاستحقاق غير متعلق به\rوأما المحمل في استئجار الإبل لا بد من معرفة وزنه وصفته في السعة والطول والعرض ، فلو اقتصر على الوزن فوجهان، والأظهر المنع ؛ لأن عناء الدابة يختلف به، ولو ذكر الصفة دون الوزن أيضًا فوجهان، والظاهر المنع؛ لأن الغرض يختلف به ، والظاهر في الراكب أنه لا يشترط الوزن، والعرف هو الفارق  وذكر أبو إسحاق المروزي أن الإطلاق في بغداد والحجاز كاف؛ لأن محاملها متقاربة ، وخالفه الأصحاب في ذلك، وقالوا: لا بد من أن يتفاوت تفاوتًا مؤثرًا معتبرًا ، وما ذكره يعتضد بوزن السرج ، والإكاف ؛  فإنه لو شرط على المستأجر لم يتعرض لوزنه لتقاربه ، هذا كله في إجارة العين","part":1,"page":113},{"id":610,"text":"فإن أورد الإجارة على الذمة ففيه لفظتان:\rإحداهما: أن يقول ألزمتك في ذمتك تسليم مركوب إلي أركبه إلى كذا \rالثانية: ألزمت ذمتك إركابي كذا فرسخًا ، وقد تختلف التفاريع في حكم اللفظتين على ما سنذكره \rويشترط في إعلام الراكب والمحمل ما يشترط في إجارة العين ، وأما الدابة فيجب وصفها: أبغل، أم فرس  والسلامة من العيب لا يشترط؛ لأن مطلق العقد يقتضيه، نعني به عيبًا يقدح في المنفعة \rوقال الأصحاب: يذكر أنه أنثى أم ذكر؛ فإن السير يختلف به، ثم كلام الأصحاب يشير إلى كونه شرطًا ، وكلام بعضهم يشير إلى أنه احتياطًا ، ولم يتعرض أحد من الأصحاب لكونه مهملجا  أو قطوفا ، إلى غير ذلك من صفات السير، والتعرض له أولى من الذكورة والأنوثة ، ثم إذا جرت الإجارة كذلك قبل المنفعة [صح]  التأجيل، فيقول: تركبني غرة المحرم؛ لأنه دين، ومقابله حكم الزرع لا يدرك في المدة في كل تفصيل، يجب تسليمه في المجلس إن جرى بلفظ السلم، وإلا فوجهان كالسلم بلفظ البيع \rالجهة الثانية: في إكراء الدابة لِتَحْمِلَ ، وحكمه حكم الركوب إلا في أمرين:\rأحدهما: أن معرفة وزن المحمول شرط إذا كان غائبًا، بخلاف الراكب ، فإن عاينه، أو شاله باليد وهو في وعاء، كفى، وإن كان في وعاء وما شاله لم يجز، فذكر الوزن لا بد منه، والشيل والعيان يفيد تخمينًا، يكتفى بمثله في البيع \rوالثاني: أنه إذا ورد على الذمة لم يتعرض لصفة الدابة، فإنه ينبغي في الركوب لا في الحمل، فإن تعرض له صح، فربما يكون له غرض ، قال  القاضي: إذا كان المحمول  مما يخاف انكساره، كالزجاج، فيحذر الحركة العنيفة، فلا بد من الوصف ، وهذا حسن، ولكنه إذا عين الزجاج للحمل ، فأما إذا ذكر وزنًا مرسلاً، وأضمر الزجاج، صح العقد؛ لأن تعيين المحمول غير مشروط، وكذا تعين الراكب؛ لأن الأغراض لا تختلف به ","part":1,"page":114},{"id":611,"text":"الجهة الثالثة: الاستقاء بالدابة، فهو كالحِمْل ، ولكنه يتكرر، فيجب التعرض للدلاء إما بالتعيين، أو الوصف ، والتعرض لعمق البئر، والمسافة ، وبمثله لو كان يتكرر الحمل في النقل، فيجب التعرض لمقدار كل مرة فإن الدابة تتعين بذلك \rالجهة الرابعة: الحراثة، وحكمها ما مضى ، وتختص ما شرط: رؤية الأرض، أو وصفها: بأنها صلبة، أو خوارة، جبلية أو سهلية ، ولا تكفي الرؤية، إذا كانت الأرض مستترة بتراب ، فإن أورد على الذمة فوصف الأرض والمقدار، لم يجب وصف الدابة، وإن قصد الدابة فليصفها؛ فإن الغرض قد يرتبط بها \rهذا تفصيل ما يتعلق بالمعرفة على أحسن تهذيب وترتيب، ولا مطمع في استقصاء جميع الوقائع، ولكن فيما ذكرناه تنبيه على ما أغفلناه، والضابط فيه كل ما يختلف به الغرض اختلافًا ظاهرًا، فلا بد من معرفته \r\rالباب الثاني: في بيان أحكام الإجارة الصحيحة\rوفيه فصلان :\r[الفصل الأول]: فيما يقتضيه مطلق العقد عرفًا، أو وضعًا على العاقدين جميعًا\rوالنظر فيه يتعلق بالأقسام الثلاثة التي ذكرناها في موارد العقد في الباب الأول \rالقسم الأول: في الاستتباع، وفيه خمس مسائل:\rإحداها: أن الاستئجار على الحضانة مطلقًا هل يستتبع الإرضاع  والاستئجار على الإرضاع هل يستتبع الحضانة وفيه ثلاثة أوجه :\rأحدها: أنه يقتضيه، لأنهما يتجاريان عرفًا، أو وضعًا؛ إذ يعسر قطع أحدهما عن الآخر \rوالثاني: أنه لا يستتبع؛ نظرًا إلى موجب اللفظ، ولأن إفراد كل واحد منهما صريحًا بالعقد جائز في ظاهر المذهب، فينزل المطلق عليه \rوالثالث: ذكره القاضي، وهو أن الحضانة لا تستتبع الإرضاع، والإرضاع يستتبع الحضانة، كيلا تبقى الأجرة في مقابلة مجرد اللبن، فإنه بعيد في العرف ","part":1,"page":115},{"id":612,"text":"التفريع: إن لم يتبع في الطرفين، أو جرى التصريح، فليس على المرضعة إلا وضع الثدي في فيه، وما هو من ضرورته، من ضمه إلى النحر ، وأما الحضانة فعليها تنقية بدن الصبي عن الدرن والقاذورات، وغسيل الخرق وثياب البدن عما يغسل عنه ثياب الصبيان، ورفعه ووضعه وإضجاعه في المهد  وربطه وتحريكه على المعتاد في مثله \rفأما إذا صرح بالجمع بينهما فعليه الجميع  ثم مقصود العقد ماذا فيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: أن المقصود الحضانة، واللبن تابع؛ فإنه عين الأصل؛ لأنه لا تتقابل به الأجرة، ولكنه يجري مجرى ماء البئر من الدار المستأجرة، يختص بها المستأجر \rوالثاني: أن اللبن هو المقصود، والحضانة تبع؛ فإن إحياء الولد باللبن، وبه تربيته والمقصود يتعرف بالعرف، وهو المقصود عرفًا \rوالثالث: وهو الأعدل، أنهما مقصودان، فهو كتلف أحد العبدين المعينين في البيع \rالمسألة الثانية: مطلق استئجار الوراق، هل يوجب استتباع الحبر، ذكر الشيخ أبو علي طريقين :\rأحدهما: أنها على الوجهين كما في استتباع الحضانة للإرضاع ، والجامع هو العرف ، فعلى هذا إن قلنا لا يتبع فلو شرط عليه  ثبت، وإن كان مجهولاً \rالطريقة الثانية: القطع بأنه لا يتبع حتى إذا ذكر مع الجهالة فسد ، وإن علم فجمع بين بيع وإجارة، فيخرج على تفريق الصفقة ، والفرق أن الرضاع مبني على الحاجة ولذلك يجوز إفراده، فيكون اللبن هو المقصود مع الجهالة دون العمل، ولا يتصور استحقاق حبر مجهول في عقد مفرد \rالمسألة الثالثة: استئجار الخياط لا يوجب عليه الخيط ؛ لأن العرف مضطرب فيه غير مطرد، بخلاف الوراق \rفرع: لو اضطربت العادة على تعارض في الخيط والحبر، قال الشيخ أبو محمد: إنه على المستأجر؛ إذ العرف هو المعتبر لأصل الوضع، ولا عرف  وقال القاضي: العقد فاسد؛ للجهالة، وما تطرق إليه من الإبهام ","part":1,"page":116},{"id":613,"text":"المسألة الرابعة: الصبغ في استئجار الصباغ كالحبر، لا كالخيط، فإن العرف مطرد فيه \rالخامسة : إذا نسي المتعلم ما حفظه، ذكر العراقيون وجهين:\rأحدهما: ما كان دون آية، فعلى المعلم إعادته \rوالثاني: ما كان دون سورة \rوكلاهما تحكم؛ فإنها متقاربة ، والرجوع فيه إلى العرف  ولعل ضبطه بما يحويه مجلس، فإن نسي بعد المفارقة فهو لتقصيره في المذاكرة \rالقسم الثاني: في استئجار الدور والأراضي، أما الدور ففيها [ست]  مسائل:\rإحداها: مَرَمَّة الدار  إن لم يفتقر إلى إحداث عين جديدة، كإقامة جدار مائل، وإصلاح جذع منكسر، فهو على المكري ، وإن افتقر إلى جذع جديد فوجهان:\rأحدهما: أنه ليس عليه؛ لأن الإجارة إن تعلقت به فقد فات العين، فصار كما لو أجر جذعًا فانكسر \rوالثاني: أنه يجب لأنه ينزل منزلة الصفة للدار ، وهذا يلتفت على أنه في البيع هل يقابل  بقسط من الثمن \rفإن قيل: ما معنى وجوبه عليه حيث أوجبتموه قلنا قال العراقيون: لا يجب على التحقيق، ولكنه إن فعل استمرت الإجارة، وإلا ثبت الخيار للمكتري ، وهذا مذهب أبي حنيفة ؛ فإن إيجاب فعل جديد لم تقتضه الإجارة لا وجه له، نعم لو انهدمت الدار لثبت الانفساخ ، وذكر القاضي والشيخ أبو محمد: أنه يطالب به؛ لأن المنافع لازمة عليه فيجب عليه توفيتها، وهذا سعي في توفية المنافع ، فإن قيل: فلو غصب الدار وقدر المكري على انتزاعها قلنا في كلام الأصحاب تردد ، وميل الأكثرين إلى أنه لا يجب عليه الانتزاع ، وهو عين هذه المسألة، وينقدح إيجابه وفاء بتوفية المنافع اللازمة عليه \rفرع، لو انكسر جذع، ووقع الاكتفاء بدعامة، فمنهم من ألحقه بإقامة المائل من غير إحداث عين جديدة ؛ لأن هذا كالمستعار، ومنهم من ألحقه بإحداث الجذع ","part":1,"page":117},{"id":614,"text":"المسألة الثانية: لو استأجر دارًا ولم يكن على بعض مداخلها باب، ولا على بعض مجاري مائها مرزاب ، فلا يجب على المكري إحداث ذلك قطعًا؛ لأنه إيجاب ما لم يقتضه أصل العقد ، وليس هذا كالمسألة السابقة؛ فإنه التزام إدامة يده على الدار كما كانت، نعم لو كان المستأجر جاهلاً وأثر ذلك في نقصان منفعة فله خيار الفسخ \rالمسألة الثالثة: تنقية البالوعة  إذا امتلأت فيه وجهان:\rأحدهما: أنه لا يجب على المكري ككنس الدار من الكناسات، وقشر البطيخ وغيرها \rوالثاني: أنه يجب؛ لأن الانتفاع يتعذر بهذا، وهو من الرواتب التي تقع لا محالة، بخلاف الكناسات \rالتفريع  إن قلنا لا يجب على المكري، فلا يجب على المكتري تنقيتها بعد مضي المدة أيضًا وردها فارغة ، ولو اجتمعت كناسة فيجب تفريغها، ورد الدار فارغة والعرف مفرق بينهما؛ فإن الكنس يعتاده السكان ، ولو امتلأت في أثناء المدة ولم نوجب التنقية على المكري ففي ثبوت الخيار للمكتري وجهان، أشهرهما: أنه لا خيار له، فعليه التنقية إن أراد ، ومنهم من قال يثبت له الخيار، وهو بعيد \rالمسألة الرابعة: كسح الثلوج: ما يقع منها في عرصة الدار: إن كان خفيفًا فهو كالغبار، والكناسة ، وما كثف ومنع من التردد فهو دائر بين البالوعة والكنس ، وفي كلام  الأصحاب ما يدل على التردد ، وما يقع على السطح فليس على المكتري بحال ، فإذا أضر بالسقوف ومنع الانتفاع، فإذ ذاك له الخيار ، وهل يجب على المكري كيلا يؤدي إلى تعذر الانتفاع هذا يلتحق بإصلاح الجذع ، ومنهم من قطع بأنه لا يجب ها هنا ، ولعل سببه أن الملك بعد لم يظهر ","part":1,"page":118},{"id":615,"text":"المسألة الخامسة: إذا استأجر رجل حمامًا لم تندرج الأزر ، والطاسات تحت مطلق العقد ، وتندرج الأبواب المغلقة وإن سهل نقلها ، وتنقية الأتون  عن الرماد كتنقية العرصة من الكناسة ، ومستنقع الماء يجري مجرى البالوعة ، وأما إذا لم يصح استئجار الغائب فيجب عليه رؤية البيوت، وبئر  الماء، والقِدْر، ومطرح الرماد، ومبسط القماش، والوقود، والأتون، ومخرج فضلات الماء ، وكذلك مشتري الحمام \rالمسألة السادسة: يجب على مكري الدار تسليم المفتاح ، فإن منع انفسخ بقدره من الإجارة ، ولا نظر إلى قدرة المكتري على تسلق وقلع الباب ،  فلو ضاع المفتاح في يد المكتري فهو أمانة، ليس عليه إبداله ، وفي رجوعه على المكري ما ذكرناه في وضع جذع جديد ، بخلاف ابتداء التسليم هذا كله في الأبنية\rأما الأراضي ففيها خمس مسائل:\rإحداها: أن يستأجر للزرع، فيذكر مدة يغلب الإدراك فيها فيتراخى، فإن كان لتقصير المكتري في التأخير ابتداءً، أو لأعذار مستقبلة وحالت بينه وبين الزرع، فللمالك القلع مجانًا ، ولو أبقاه استحق أجرة المثل ، فإنه [على]  المكتري قلعه، فهو بإبقائه منتفع سواء صرح المكري بطلبها في الابتداء أو لم يصرح به ، ولو كان لبرد في الهواء، قال الأصحاب لا يقلعه أصلاً؛ لأنه جرى على المعتاد ، وذكر العراقيون مع ما ذكرناه وجهًا أنه يقلع كما لو حيل بينه وبينه ، ولو تراخى أول الزرع بأمطار وفرط في أول الأمر فهذا متردد بين أعذاره وبين برد الهواء \rالمسألة الثانية: أن يستأجر مدة لا يدرك فيها، كاستئجار شهرين لزرع القمح، فله ثلاث صور:\rإحداها: أن يذكر الزرع والمدة، ويتعرض للقلع بعد المدة، فله القلع، وإن بقي فله أجرة المثل، والإجارة صحيحة؛ فإنه قد يبقى للقصيل ","part":1,"page":119},{"id":616,"text":"الثانية: أن يقول على أن لا يقلع بعد المدة، فالإجارة فاسدة؛ للتناقض في التأقيت، واشتراط الإبقاء ، ثم الواجب أجرة المثل، وإذا انقضت المدة المسماة فليس له القلع؛ لأنه شرط أن لا يقلع ، كما في الإعارة، وقد ذكرنا فعلها، وأن الزرع فيها يخالف الغراس والبناء، فكذلك هذا \rالثالثة: أن لا يتعرض للقلع والتبقية، قال الشيخ أبو محمد: العقد فاسد ؛ إذ مطلقه للتبقية إلى الإدراك والتأقيت ينافيه، فهو كما لو استأجر دابة ليسافر بها إلى مكة في يوم ، وفي نص الشافعي رحمه الله ما يدل عليه من طريق المفهوم ، وذكر غيره من الأئمة: أنه صحيح ؛ لأنه ذكر مدة معلومة، فلينظر بعدها في  القلع أو التبقية، وذكروا وجهين:\rأحدهما: أنه يقلع وهو فائدة التأقيت المطلق \rوالثاني: أنه يبقى إلى الحصاد بأجرة المثل \rفإذا اختلفوا ها هنا فلا بُعد في ذكر خلاف في تأقيت العارية، وقد قطع الأصحاب بمنع القلع ثم ، وإنما القلع مذهب أبي حنيفة ، فتعين إلحاق هذا الخلاف بتلك المسألة\rفرع: لو كانت المدة تسع الزرع المذكور، فزرع زرعًا آخر ضرره مثله، أو دونه، فجائز إذا مضت المدة ، ولكن هل له المنع ابتداء فيه وجهان:\rأحدهما: لا؛ لأن منفعة المدة مستحقة، فلا فرق بين الزرعين، فيقلع بعد المدة \rوالثاني: له ذلك؛ لأن ضرره زائد بسبب بقائه، فله منعه \rالثالثة : أن يستأجر أرضًا للغراس والبناء مدة معلومة، فحكمه حكم زرع لا يدرك في المدة، في كل تفصيل ، ويتجدد ها هنا النظر في تسوية الحفر، فإن تعرضا للقلع بعد المدة فلا يجب على القالع تسوية الحفر ، وإن لم يجب التعرض، فعليه تسوية الحفر ؛ لأنه غير مأذون فيه ، وإن اقتضاه الشرع؛ لأن الشرع لا يعين القلع، بل يخيره بين جهات كما ذكرناه في العارية ، وذكر بعض العراقيين وجهًا: أنه لو قلع قبل مضي المدة لم يلزمه تسوية الحفر، وهو ضعيف؛ إذ لا فرق ","part":1,"page":120},{"id":617,"text":"ومما لا بد من التنبيه له أن التأقيت عند الشافعي رحمه الله لا يفيد التسليط على القلع مجانًا في العارية، وها هنا ذكروا اختلافًا، ولا يتجه فرق بينهما، فليلحق به الخلاف\rفروع أربعة:\rأحدها: أن يتخير المالك بين أن يقلع بأرش، أو يبقي بأجرة، أو يشتري منه والخيرة إليه، والمستأجر محمول على ما يريده قهرًا، كما فصلناه في كتاب العارية، ولو امتنع عما عينه المالك فالذي ذكره ابن سريج [ومعظم] الأصحاب: أنه بطل بامتناعه حقه من الأرش، فيقلع مجانًا، وهذا ما ذكرناه في كتاب العارية، وذكر الشيخ أبو علي وجهًا أنه يكلف القلع، ويغرم له الأرش؛ إذ يبعد أن يبطل حقه عن ملكه بامتناع عن الحق، وهذا متجه في القياس، فإن من اضطر إلى طعام غيره فامتنع من تسليمه لا يتسلط على أخذه مجانًا، يأخذه بعوض، وهذا الوجه أيضًا جار في العارية\rالثاني: أن القلع ونقض البناء قد يفتقر إلى مؤونة، وكذلك نقله، فظاهر كلام الأصحاب يشير إلى أنه على المالك، كأرش النقص، وفي كلام بعضهم ما يدل على أنه على المستأجر؛ لأنه يتعلق بتفريغ الملك، وعليه تفريغ ملكه، وعليه أرش النقصان\rالثالث: أنهما لو تناكرا على محال فطلب المالك القلع مجانًا، والآخر الإبقاء مجانًا، ذكر الشيخ أبو علي وجهين:\rأحدهما: أنه يوقف حتى يستقرا على ممكن\rوالثاني: أنهما على القلع، ثم يغرم المالك أرش النقص\rوهذا فيه إبهام، ولعل مثار الخلاف تردد في المطالب بالقلع من فيحتمل أن يقال: يكلف المستأجر مباشرتة والرجوع ويحتمل أن يقال للمالك: إن شئت فاقلع واغرم فعند هذا لو تناكرا يحتمل أن يوقف، ويبقى أن يقلع، ثم الظاهر أنه يستحق الأجرة في هذه المدة، وأنه لا يبطل حقه محاولته هذا المحال\rالرابع: لو باع مالك البناء من غير مالك الأرض قبل مضي المدة أو بعده، فقد ذكر الشيخ أبو علي وجهين:\rأحدهما: البطلان؛ لأنه يستحق النقض","part":1,"page":121},{"id":618,"text":"والثاني: الجواز ؛ لأن ملك المشتري في الشقص المشفوع أيضًا يتعرض للنقض، ثم لا منع منه \rفأما بيع المالك الأرض قبل المدة يخرج على بيع الدار المستأجرة ، وبعدها وقبل القلع أولى بالجواز؛ لأنه يضاهي الدار المشغولة بالأمتعة ، ووجه الفرق أن أمر المنقولات أهون\rهذا حكم الغرس، وهو جار في كل غرس جُوز ابتداؤه وجاز قلعه في الانتهاء، حتى يجري في نقض بناء المشتري في مسألة الشفعة ، ونقض  بناء المشتري بغرض معيب يرد عليه \rالمسألة الرابعة: إذا استأجر أرضًا للزراعة ولها شرب من الماء، فالشرب مستحق إن شرطه، وإن نفاه فغير مستحق ، وإن أطلق وكان العرف مطردًا باستئجار الأرض مع الشرب فيتبعه، وليس كالحبر، فإن الأمر فيه هين ، وأما هذا فمن القواعد التي يتعين تنزيلها على العرف  وإن اضطرب العرف فكان يجمع في العرف ويفرق أيضًا، فوجهان:\rأحدهما: الاتباع؛ لأن الزراعة مذكورة، فيجب الوفاء بها، ولا يتم ذلك إلا بالماء \rوالثاني: وهو الصحيح: أنه لا يتبع ؛ لأن موجب اللفظ إنما يدار عليه لعرف مطرد، ولا عرف، وعلى هذا في صحة الإجارة وجهان:\rأحدهما: الفساد؛ للإبهام والتردد \rوالثاني: الصحة، وهو الصحيح ؛ فإن تنزيله على الأرض ممكن، كما إذا صرح بشرط النفي وهو موجب اللفظ ولا مغير له من العرف \rالمسألة الخامسة: في زرع غير المشروط، ولزراعة الأرض ثلاثة أحوال:\rأحدها: أن يطلق الزراعة، فله أن يزرع ما شاء من الذرة والقمح والذرة أضر أنواع الزرع ، وليس له الغرس \rالثانية: أن يستأجر للذرة، فله زراعة القمح؛ فإنه دونه ، فلو نص على أن لا يزرع القمح ، ففيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: فساد الإجارة؛ لأنه شرط فاسد يتضمن حجرًا فيما يقتضيه مطلق العقد، فهو كما لو شرط أن لا يكري، فإن هذا منع من الانتفاع، والرأي إليه في الانتفاع ","part":1,"page":122},{"id":619,"text":"والثاني: أن الشرط يلغو وله أن يزرع ما شاء؛ إذ لا غرض في التعيين على هذا الوجه، وليس كذلك في المنع من الإكراء؛ فإن له غرضًا، فلعله لا يثق بيد غيره \rوالثالث: وهو مزيف، أنه يصح العقد والشرط ، وهذا يضاهي وجهًا بعيدًا مذكورًا في أن من نوى استباحة صلاة معينة فيصح وتتعين \rالثالثة: أن يعين القمح، فليس له زراعة الذرة ، فلو فعل فله المبادرة إلى قلعه ، وليس له أن يكلفه  الإبقاء إلى أن يظهر ضرره في الأرض؛ فإن ذلك لا ضبط له، وليس كما إذا زرع ما تزيد مدته على الزرع المذكور ، وإن قل ضرره، فإنه لا يقلع في الحال، وإنما يقلع بعد المدة؛ إذ لا ضرر منه في الحال ، فلو أبقاه حتى انقضت المدة، قال الشافعي رحمه الله: يتخير بين أن يغرمه المسمى وأرش النقص في الأرض، وبين أن يغرمه أجرة المثل ويترك المسمى  قال المزني: الأول أولى بقوله ، فأوهم هذا أنه ترديد قول، فظاهر الكلام أنه يخير بين طرفين في معرض قول واحد، فاختلف الأصحاب، فمنهم  من قال: قطع بالتخيير، و حمل كلام المزني  على أن الجزم بذلك الطرف أليق بمذهبه، وهو الظاهر \rوقال قائلون: قولان ، وكثر الاختلاف في كيفية القولين، ولا معنى لقول تباين الطرق، وحاصلها ثلاثة أقوال:\rأحدها: التخيير كما في النص \rوالثاني: أنه يتعين المسمى وأرش النقص ؛ لأن الإجارة لا يمكن تقدير انفساخها، وهو ما حاد عن جنس الزرع فيغرم أرش النقص \rوالثالث: أنه يتعين أجرة المثل ؛ فإنه حاد عن المستحق إلى جنس آخر، وليس هذا كما لو شرط أن يحمّل الدابة خمسين فحمّلها مائة، فإن المسمى يتقرر لإتيانه بعين المستحق وزيادة ","part":1,"page":123},{"id":620,"text":"ويلتحق بهذه المسألة ما لو استأجر الدابة لحمل مائة مَنٍ [مِنَ]  الحنطة فعدل إلى الحديد، أو دارًا ليَسكنها فأسكنها الحدادين والقصارين حتى تزلزلت أركانه  ولو عدل من الزرع إلى الغراس فاختار الشيخ أبو محمد تعيين أجرة المثل لعدوله إلى جنس آخر  وحكى عن بعض الأصحاب التخريج على الأقوال، والمذهب ما هو النص، وهو التخيير ، ووجهه يستمد  من توجيه القولين، فإن الأمر متردد بين أن نقدر جنسًا آخر فتنفسخ الإجارة ويبقى متعديًا، وبين أن تبقى الإجارة ويبقى زائدًا على المستحق ، ويعترض في الوجود إلى الحديد أنه إن لم يظهر نقص في الدابة يخير بين المسمى وأجرة المثل، فإن تساويا فيحتمل أن يقال: له الفسخ، ويحتمل أن يقال: لا غرض فيه، والفسخ ينبني على غرض \rالقسم الثالث: في استئجار الدواب\rوفيه مسائل:\rالأولى: يجب على المكري تسليم الإكاف، والحزام ، والبرذعة ، والخطام  في البعير ، والمعوّل في الكل على العرف ، واختلفوا في السرج، منهم من قاسه على الإكاف ، ومنهم من فرق، والفارق هو العرف؛ إذ تسليم السرج غير معتاد ، وأما آلات النقل كالوعاء وغيره، فإن وردت الإجارة على العين فلا تجب على المكري، وإنما عليه تسليم دابة مع الإكاف ، وإن وردت على الذمة نظر في اللفظ\rفإن قال: التزمت نقل متاعك إلى كذا فعليه الإتيان بكل ما يتم النقل به ، وإن قال التزمت تسليم دابة صفتها كذا فليس عليه آلات؛ لأن العقد اعتمد الدابة ","part":1,"page":124},{"id":621,"text":"وأما الدلو  والرِّشا  في الاستقاء لا يجب على المكري في الإجارة الواردة على العين ، وفي الواردة على الذمة إذا جرى الالتزام مطلقًا قال القاضي: إن كان الرجل معروفًا بالاستقاء يعتاد ذلك بآلة نفسه لزمه الآلات، وإلا فلا ، وهذا فيه إذا اعتمد العقد الدابة، وأما إذا لم يتعرض للدابة واعتمد العقد التزام نقل الماء فلا يتجه هذا التفصيل، بل يلزمه النقل ، والقول في المحمل  أنه إن اعتمد العقد الدابة فيجب عند ذلك على المكتري المحمل، والمظلة، والغطاء، والحبل الذي يشد به أحد المحملين على الآخر،  والذي يشد به المحمل على الدابة ، وكذلك إن مست الحاجة إلى سائق وإلى هاد ، وإن ورد العقد على الذمة فالتفصيل فيه كالتفصيل في الظرف والدلو والرشا \rالمسألة الثانية: في المعاليق : كالمطهرة ، والقمقمة ، والسفر ، ونحوها، فإن فصلت ووصفت فذاك، وإن نفيت فلا يخفى ، وإن ذكر المعاليق من غير تفصيل، قال الشافعي رحمه الله: القياس أن العقد فاسد؛ فإنه لا بيان فيها، قال: ومن الناس من يقول يصح العقد على ما يراه الناس وسطًا مقتصدًا ، فمن أصحابنا من قال: ما ذكره الشافعي رحمه الله ترديد قول، فينزل على المعتاد على قول، ويفسد بالجهالة على قول ، ومنهم من قطع بالفساد ، وقال: ما ذكره الشافعي حكاية لمذهب الغير ، فإن رأينا طريقة القولين، وهو المشهور \rفإن لم يتعرض للمعاليق، فإن أراد الحمل فلا يقبل المعاليق، وإن أراد الركوب  فوجهان:\rفعلى وجه لا يلزم؛ لأنه لم يتعرض له \rوعلى الثاني يلزم ما يعتاد منه؛ لاطراد العرف به \rوالقائل الأول يقول: رب راكب لا معلاق له، فلا اطراد للعرف به ، ثم يختلف مقدار المعلاق عند الإطلاق بالحمار والبغل والإبل؛ إذ العرف يقضي به ","part":1,"page":125},{"id":622,"text":"فرع: لا شك في أن السفرة من المعاليق ، فأما الطعام ففيه وجهان، منهم من قال: لا بد من تقدير الطعام ، ومنهم من قال: لا يحتاج إلى التقدير، فإنه يسيرٌ غير بعيد من العرف، بخلاف وزن المطاهر والقماقم، فإنه بعيد ، ولو لم يتعرض له فالظاهر أنه لا يحمله ، ومنهم من ألحق بالسفرة والقمقمة، وهو ضعيف ، ثم لو شرط أن يحمل عشرين منًا من الطعام فله ذلك  فإذا فني فله إبداله بمثله في ظاهر المذهب ، كسائر الحمولة، وفيه وجه آخر، وهو بعيد ، نعم ظهر الخلاف في أنه لو نقص هل له الإتمام قبل أن يفنى جميعه إذ العادة جارية بأن لا يزاد إلا إذا فني حشو السفرة ، ثم هذا الخلاف أيضًا إذا كانت أسعار المنازل راخية، فإن توقع غلاء سعر فله جبر ما نقص  نعم إذا لم يجر التعرض للطعام، وفرعنا على الضعيف في إلحاقه بالمعاليق، فينقدح أن يكتفى بالمنزل الأول، ولا يجوز له التجديد، وفيه وجه أيضًا أنه يجدد، وهو بعيد، فُرّع على تعقّد \rالمسألة الثالثة: في كيفية السير: والنظر فيه يتعلق بالمقدار، والوقت، والمنزل أما المقدار، فإن تشارطاه، أو كانت المنازل معلومة في العادة، فلا يخفى ، وإن لم تكن المنازل معلومة في الطريق كطريق تبوك  والسماوة ، فالظاهر فساد العقد للجهالة ، ومن الأصحاب من يصحح ويتشوف إلى ضبطه بالزمان مع الاقتصاد في السير ، فأما الوقت فإن فرض نزاع في السير والسرى  فالمتبع الشرط، أو العادة ، وإن لم تطرد عادة مستمرة فإطلاقه مفسد للعقد؛ فإنه لا ضبط له ، وأما المنزل فإن أراد صاحب الدابة النزول في الصحراء؛ نظرًا للدابة، ورأى المكتري النزول في القرية؛ نظرًا للمتاع حملاً على العادة، فإن كان وقت أمن فالصحراء، وإن كان وقت غارة فالقرية، وقد يؤثر فيه الصيف والشتاء ، وإن لم يكن عادة فالأظهر فساد العقد دون ثباته؛ لأنه يجر فسادًا ","part":1,"page":126},{"id":623,"text":"فرع: يجب النزول على العقبات التي يعتاد النزول فيها بمطلق العقد ، وما يعتاده من نزول في الرواح  للمشي قليلاً فيه وجهان، أظهرهما: أنه لا يلزم؛ لأنه معتاد بطريق التبرع ،  وهذا قريب من الخلاف في المعاليق  إذا لم يجر شرط، فإن ذلك يحتمل بطريق التساهل ، وإن جرى شرط النزول على هذا الوجه، قال الأصحاب: يجب اتباع الشرط ، ويعرض ها هنا إشكال من كراء العقب فإنه يؤدي إلى تقطيع الاستحقاق، فمن الأصحاب من احتمل هذا تساهلاً وإن لم يحتمل التقطيع \rالمسألة الرابعة: في الإعانة على الركوب: فإن وردت الإجارة على عين الدابة فليس عليه إركابه وإناخة البعير وإنزاله ، وذكر الفوراني وجهًا: أنه يجب، وله اعتضاد بالعادة ، وإن وردت الإجارة على الذمة، وقد التزم تبليغ الراكب المنزل؛ فعليه الإعانة للمرأة والمريض والشيخ الهرم وكل عاجز ، ولا يجب إعانة القادر ، وفصل شرذمة من الأصحاب بين أن يستعرض الدابة تبعًا أو مقصودًا، فإن قال ألزمت ذمتك منفعة دابة صفتها كذا وكذا فلا تجب الإعانة، وإن جرى تابعًا كقوله ألزمتك أن تبلغني الموضع المسمى على دابة صفتها كذا، فعند هذا تجب الإعانة، وهذا له اتجاه ، والجمهور أطلقوا القول كما ذكرناه، فأما رفع الحمل ففيه طريقان منهم من ألحق بالإعانة على الركوب، ومنهم من قطع ها هنا بالوجوب؛ لاطراد العرف به \rفرعان:\rأحدهما: رفع المحمل وحطه على  المكري على الطريقة الأخيرة في الحمل ، وفي شد أحد المحملين في ابتداء السفر تردد للعراقيين؛ فإنه يدور بين تنضيد الأمتعة وضمها ـ وهو على المكتري ـ وبين الرفع والحط، وهو على المكري ","part":1,"page":127},{"id":624,"text":"الثاني: لو تنازعا في كيفية الجلوس في المحمل، قال الشافعي رحمه الله: يركب لا مكبوبًا، ولا مستلقيًا  قيل: المكبوب هو أن يكون الجانب الذي يلي  عنق البعير منكبًا، وهو أهون على الراكب وأشق على البعير، والمستلقي عكسه ، وقيل المكبوب: هو أن يكون الجانب الذي يلي جنب البعير في عرض المحمل ملتصقًا، والجانب المقابل مستلقيًا، وهو شاق على الراكب، والمستلقي نقيضه ، وعلى الجملة إذا وقع النزاع فيه ركب لا مكبوبًا ولا مستلقيًا ، كما قال الشافعي رحمه الله \rالمسألة الخامسة: إذا استأجر للحمل مطلقًا، فله حمل ما شاء من الحديد، والقطن ، ولو عين الحديد فله حمل الحديد والحنطة؛ فإن ضررها دونه، وحمل الرصاص والنحاس؛ فإنهما مثله ، ولا يحمل القطن والتبن ، وكذلك إذا عين التبن لا يحمل الحديد؛ لأن في كل واحد منهما نوع ضرر، بخلاف الآخر ، هذا في الجنس، أما المقدار فيتعين ، والظرف هل يحسب منه إن قال: احملها مائة مَنِ [مِنَ]  الحنطة فالظرف زائد عليه، ثم لا بد من بيان مقداره، إلا إذا عرفه العرف كالغرائر  المتقاربة ، ولو قال احملها مائة من، فالظرف محسوب منه ، ومن أصحابنا من قال الظرف ها هنا أيضًا زائد كالصور الأولى ، وهو متجه، ولكنه على خلاف ظاهر المذهب \rفرع: لو قال: تحمل ثلاثة آصع بدرهم، وما زاد فبحسابه، فالعقد صحيح في القدر المعين، وفيما زاد فاسد ؛ لأنه مجهول لم يذكر له مردًا، ولم يذكر شرطًا في المقدار المعلوم  حتى يصح ففسد ، ولو قال تحمل هذه الصبرة كل صاع بدرهم فجائز إذا رأى الصبرة ، ولو قال تحمل كل صاع من هذه الصبرة بدرهم ولم يأت بلفظ يستوعب الصبرة فالظاهر الفساد ، ومنهم من حمل على معنى قوله تحمل هذه الصبرة كل صاع بدرهم ","part":1,"page":128},{"id":625,"text":"المسألة السادسة: إذا استأجر دابة معينة فتلفت، انفسخت الإجارة، وإن عابت  فردها يوجب الانفساخ ، و بمثله  لو استأجر وأورد على الذمة فعينه المكري وسلمه فتلفت، لم تنفسخ بل عليه إبدالها، وإن عابت فكمثل؛  لأن العقد ليس مقصورًا عليه ، فإن قيل: وهل يتعلق حق المكتري بعين الدابة المسلمة بوجه من الوجوه قلنا نعم، ويترتب على تثبيت حقه بها أحكام:\rأحدها: أن يكريها بعد القبض كالمعينة بالاتفاق \rوالثاني: أنه لو أفلس  قبل تسليم الدابة، فليس له إلا المضاربة مع الغرماء كما يضارب بالمسلم فيه ، فإن تسلم الدابة فهو أولى بها من الغرماء كما في المعينة ، حتى تباع في حقهم إن لم نمنع بيع المستأجر وإن منعنا فعليهم الصبر إلى انقطاع انتفاعه \rالثالث: لو أراد الاعتياض عن حقه قبل التسليم، لم يكن له ذلك؛ فإنه كالاعتياض عن المسلم فيه، وبعد التسليم يقدر عليه؛ فإن حقه تعين بتسليم الدابة \rالرابع: أن المالك لو أراد إبدال الدابة بعد التسليم دون رضاه لم يكن له ذلك ، قال الشيخ أبو محمد: إن قال ألزمت ذمتك منفعة دابة صفتها كذا فإذا سلم لم يبدلها، وإن قال ألزمت ذمتك اركابي إلى موضع كذا فله الإبدال ؛ فإن المعتمد الإركاب والدابة تجري تابعًا، وما يتجه في الاستئجار للحمولة، فأما الركوب فيظهر فيه ارتباط الغرض بالدابة \rفإن قيل: هذه الأحكام تناقض قولكم: إن الإجارة لا تنفسخ بتلفها ، قلنا: لا تناقض؛ فإن جميع ذلك من آثار القبض، والقبض لا يتحقق في المنافع من كل وجه، ولذلك تنفسخ الإجارة بانهدام الدار بعد القبض ، ولكن جعل مقبوضًا في بعض الأحكام، والعقد اللائق بقاعدة الإجارة وأحكام عقد الذمة يقتضي التفصيل الذي ذكرناه ","part":1,"page":129},{"id":626,"text":"المسألة السابعة: في تبديل متعلق الإجارة: وهي تتعلق بالمستوفي، والمستوفى منه، والمستوفى به، أما المستوفي فيجوز تبديله فمن استأجر  دابة ليركبها، فله أن يركب غيره في مثل جثته وزنًا ؛ إذ لا خلاف في أن له أن يكري الدابة، ومن ضرورته الا بدال ، ولو فرض تعنيف في الترخية، ومنه رفق ، فكل تعنيف مسوغ فقد استحقه وإن كان لا يفعل، وما لا يسوغ فهو ممنوع، فإن ولد هلاكًا فمقصور على الراكب الثاني ، بخلاف ما لو أركب من هو أثقل منه؛ فإن المطالبة تتعلق به أيضًا؛ فإنه مقصر بالتسليم إليه ، والفرق لائح\rوأما المستوفى منه فهو الدابة، فإذا عينت لا يجوز إبدالها، وكذلك الدار والأجير ، فأما المستوفى به فالثوب المعين للخياطة، والولد المعين لتعلم القرآن: هل يبدله بمن هو في مثل حاله وبثوب مثله فعلى وجهين:\rأحدهما: الجواز كالمستوفي؛ إذ الثياب متساوية والاستحقاق غير مرتبط به \rوالثاني: المنع؛ لأن الثوب يتأثر بالمنفعة حتى يقدر العمل فيه أثرًا مرة، وعينًا أخرى ، بخلاف الراكب؛ فإنه لا يتأثر، وإنما هو يستوفي المنفعة، فينزل منزلة العامل وإن كان عمله مثل عمل غيره، وهذا ضعيف \rثم اختلف العراقيون في تنزيل الوجهين، فمنهم من أجراه وإن تراضيا، إلا إذا جرى اعتياض عن منفعة بمنفعة في عقد كما لو استأجر دابة ثم اعتاض عنها سكنى دار فإنه جائز ، ومنهم من جوز بالتراضي، ورد الخلاف إلى الإجبار ، وهو طريق القاضي، ثم حيث حكمنا بمنع الا بدال ترتب عليه الانفساخ عند التلف لا محالة \rويلتحق تبديل الطريق بتبديل الراكب، فلو استأجر إلى بلدة فله الذهاب عليها إلى صوب آخر يساوى المسافة فيه، إلا أن يكون الطريق الآخر وعرًا، فيكون متعديًا ، فيلتحق بما لو أسكن الدار الحدادين والقصارين ، وقد ذكرنا حكمه","part":1,"page":130},{"id":627,"text":"فرع يتصل بهذا الفصل، وهو أنه إذ استأجر ثوبًا فينزعه ليلا ً  عند النوم على العادة ، وينزعه وقت القيلولة؛ وفي القيلولة وجه ، وليس له الاتزار به؛ فإنه أضر من اللبس ، وهل له الارتداء به فعلى وجهين ، ووجه المنع أنه عدول إلى جنس آخر في الانتفاع \r\rالفصل الثاني: في الضمان\rوالنظر فيه يتعلق بالتلف تحت اليد من غير فعل، وبالتلف بفعل\rفأما التلف تحت اليد فيتعلق النظر فيه بالمستأجر والأجير، أما المستأجر للدابة والدار أو غيرهما لا ضمان عليه إذا تلف الشيء تحت يده، بل يده يد أمانة ؛ لأن المعاوضة لم ترتبط بالعين حتى تقتضي ضمانًا، والمنفعة مستحقة، ولا يتصور استيفاؤها إلا بإثبات اليد على العين فهو طريق متعين إلى استيفاء المستحق ، وليس هذا كمن يشتري سمنًا في بستوقة ، فقبضها ليستخرج منها السمن، ضمن البستوقة؛ إذ ليس من ضرورة إخراجه إثبات اليد عليها ، بل يمكن استخراجه على الاتصال ، بخلاف المنفعة ، وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يضمن البستوقة؛ تشبها لها بالدار، وهو ضعيف \rفروع:\rأحدها: إذا مضت مدة الإجارة فحبس الدابة فتلفت ، قال الشافعي رحمه الله: وجب الضمان ، فاختلف الأصحاب فمنهم من قال: هذا ينبني عل أن مؤونة الرد هل تجب على المستأجر فذكر العراقيون وصاحب التقريب وجهًا: أن عليه مؤونة الرد، فعلى هذا إذا حبس صار ضامنًا ، ولو لم يحبس وسعى في الرد غير مقصر فتلف يجب الضمان، وهو بعيد، والفرق بين الحبس والسعي غير بعيد، وقد دل قول الشافعي رحمه الله على الحبس، فعلى هذا ينزل بعد مضي المدة منزلة العارية ، وقد قطع المراوزة بأنه لا يجب عليه الرد ـ حتى لو شرط عليه فسد  ـ وتبقى أمانة في يده كما كانت، وهو الأصح ، وهولاء حملوا النص  على ما إذا حبس بعد المطالبة بالرد ","part":1,"page":131},{"id":628,"text":"الثاني: لو استأجر دابة وحبسها في مدة يتمكن فيها من استيفاء المنفعة بالركوب، تستقر الأجرة ، فلو تلفت بآفة سماوية في الإصطبل  وقد ربطها فيه، فلا ضمان ، ولو انهدم عليها الإصطبل من غير تقصيره يضمن؛ لأنه لو ركبها لم تتعرض لهذا التلف، فهو بالربط يجعل متسببًا إلى هذا التلف \rالثالث: إذا سلم الأغنام إلى الراعي ولم يسم أجرة، فتلفت في يده ، فإن قلنا إن المستعمل يستحق الأجرة فإجارة فاسدة، والفاسد يساوي الصحيح في حكم الضمان ، وإن قلنا لا يستحق الأجرة فلا ضمان أيضًا؛ لأنه متبرع بالعمل، والمال وديعة في يده ، وعليه يخرج تلف الثوب في الحمام إذا لم يتعرض للأجرة \rفأما الأجير، قال الشافعي رحمه الله: الأجراء كلهم سواء، وفيه واحد من قولين ، وقد اضطرب طرق الأصحاب، فمنهم من قطع بأنه لا يجب ضمان ما تلف تحت يد القصار والخياط ونظيرهما، كما ذكرنا في حق المستأجر، وهو الأصح ، وكلام الشافعي محمول على الرد على أبي حنيفة، حيث أوجب الضمان إذا تلف بصنع هو مقتصد فيه، ولم يوجب إذا تلف بآفة سماوية ، فقال الشافعي رحمه الله: لا فرق، وعلى هذا يقول: لو تلف بصنع اقتصد فيه ولم يتعد أو تعيب به لم يضمن \rالطريقة الثانية: أن المسألة على ثلاثة أقوال :\rأحدها: أنه لا يجب \rوالثاني: أنه يجب؛ لأن العمل يستحق عليه توفيته، وإنما أخذ الثوب ليوفي العمل وهو في عهدة بتسليم العمل، وما يتولد منه بخلاف المستأجر فإنه يستوفي ما يستحقه، والواجب على المكري توفية المنافع، وتسليمه من ضرورته ","part":1,"page":132},{"id":629,"text":"والثالث: وجوبه على الأجير المشترك ، وهو القصّار  المعتاد الذي يلتزم في الذمة، ويتمكن من التحصيل في غيره؛ فإنه يستقل بإثبات  اليد ، بخلاف المنفرد ، وهو الذي يورد على عينه ، فإن يده في حكم النائبة عن يد المالك ، وذكر العراقيون تفصيلا آخر، فقالوا: المشترك هو الذي لم يضيق عليه وقت العمل وإن أورد على عينه، مثل أن يقول خط هذا الثوب بنفسك فعليه الخيط، ولو أجره وأجر نفسه من غيره جاز ، وفي نفس ما ذكروه نظر؛ إذ الظاهر أنه يتعين العمل عقيب العقد في مطلق الإجارة، وما ذكروه أيضًا متجه لا بعد فيه، وفائدته أنه لو مضت مدة تسع العمل لم تنفسخ الإجارة، ولو عين الوقت ينفسخ العقد بفواته \rالتفريع: حيث نحكم بأن يده يد ضمان، فلو حصل بفعل هو مقتصد فيه يضمن لا لفعله، بل لحصوله تحت يده ، ولا خلاف في أن الخياط إذا قطع ثوبًا فنقصت قيمته لا يغرم الأرش ، وهذا يثير احتمالاً وهو أن التعيب بفعل هو مقتصد فيه مأذون، فيضاهي الأجزاء التي تنسحق من المستعار باللبس ، وعلى الجملة الصحيح سقوط الضمان \rقال الربيع: كان الشافعي رحمه الله يرى أن الأجير لا يضمن، ولكن كان لا يبوح به خيفة أُجراء  السوء، والقاضي يقضي بعلمه، وكان لا يبوح به خيفة قضاة السوء \rهذا كله في التلف الحاصل بآفة سماوية\rفأما الحاصل بالفعل، فالضابط فيه: أن ما يتولد من فعل مأذون فيه مع الاقتصاد فلا يوجب الضمان على ظاهر المذهب ، إلا أن يلحق ذلك بالحاصل تحت يده بآفة سماوية كما فصلناه ، وإن عد في الفعل مسرفًا زائدًا على المأذون وجب الضمان \rويتهذب الضابط بضرب أمثلة:\rالأول: الحجام ، والختان ،","part":1,"page":133},{"id":630,"text":"والنزاع ، وكل مستأجر إذا اقتصد فلا ضمان عليه؛ لأنه مأذون فيما هو ساري مهلك، هذا إذا كان المحجوم حرًا ، فإن كان عبدًا وكانت يد المالك مستمرة عليه فكمثل ،  وإن دخل تحت يد الحجام، فعلى وجه يلحق بالتلف تحت يده ، والظاهر أنه كالمأذون في الإتلاف ، وعن هذا الأصل أهدرنا سراية القصاص؛ فإن المأذون فيه مهلك بنفسه\rالثاني: الخباز إذا أحرق خبزه، إن كان بتقصير ضمن، وإلا فلا \rالثالث: المؤدب إذا تولد الهلاك من تأديبه ضمن ؛ لأنه ضمن في تأديب لا يسري، وهو ضرب خفيف، فهو بالقتل منسوب إلى سرف ، فإن أذن الأب في ضرب مبرح فلا أثر للأذن؛ فإن الحق للصبي، ولا يضمن بالأذن، وإنما الضامن هو المؤدب ، وعليه يخرج تعزير الزوج زوجته؛ فإنه يوجب الضمان؛ إذ المأذون فيه ما لا يهلك، والاحتراز عن الهلاك ممكن ، وكذلك السلطان إذا عزر وجب الضمان ، ثم في محله قولان:\rأحدهما: أنه على عاقلته \rوالثاني: أنه على بيت المال  فإذا قلنا على بيت المال ففي الكفارة قولان \rالرابع: لو استأجر رائضًا  للرياضة فتلف بضربه، ضمن؛ لأنه منسوب إلى تقصيره ، ولو استأجر دابة ليركبها فكبحها  باللجام، وضربها لم يضمن إن لم يعد مفرطًا ، والفرق أن الرائض مأذون فيما لا يهلك، ويده أيضًا يد ضمان على رأي ، ويد المستأجر ليس يد ضمان، وهو مأذون فيما يهلك ؛ فإن العناء الثقيل، وجَوْبَ البوادي مع الترخية على المعتاد لا يبعد أن يكون قاتلاً\rفإن قيل: الدابة لا تباح، قلنا أباح الشرع ذلك في مواضع للحاجة، والحاجة ماسة إلى هذا ، وهو سبب الهلاك، وقد أباحه الشرع\rفإن قيل كيف يرضى المالك بإهلاك دابته النفيسة بأجرة خسيسة قلنا: مثل هذه الدابة لا تكرى إلا لحمل لا تموت به، ويحصل التلف بسرف، فلا جرم يجب الضمان ، هذا تهذيب القاعدة بالأمثلة، ويتشعب  عنها مسائل:","part":1,"page":134},{"id":631,"text":"الأولى: أن يستأجر دابة ليحملها عشرة آصع، فحملها أحد عشر صاعًا، فقد تعدى فيه فيلتزم أجر المثل ؛ للزيادة، وإن تلفت الدابة يلزمه تمام الضمان ؛ لأنه صار غاصبًا، وحصل الهلاك تحت يده ، وكذلك لو تلفت بآفة سماوية ، ولو جرى الحمل بمرأى من المالك فسكت، لم يتغير بسكوته حكم \rفأما إذا حمله المكري بنفسه، نظر، فإن اكتال عليه المكتري فأخذه عالمًا فلا يستحق ضمانًا وإن تلف  وقد قال الأصحاب: لا يستحق أجرة المثل للزيادة أيضًا، وفيه نظر؛ فإنه يضاهي الاستعمال من غير تعرض للأجرة، وفيه كلام \rفأما إذا كان جاهلاً فيستحق الأجرة ؛ لأنه أخذه في ضمن معاوضة، ولو تلف تحت العمل استحق قدرًا من الضمان  ولا بد من الالتفات على قاعدة الغرور؛ فإنه باشر التلف بنفسه ، نعم، إذا رأينا إيجابه فكم يجب فيه قولان:\rأحدهما: النصف؛ لأنه مولد كالجراحات السارية إذا تفاوتت أعدادها \rوالثاني: أنه يستحق جزءًا من إحدى عشر من الضمان توزيعًا على مقدار الحمل؛ لأن أثره منضبط \rوهذا الاختلاف جار في الجلاد إذا زاد في الحد على العدد المشروع ، ومن أصحابنا من قطع في السياط بالتسوية؛ لاختلاف نكايات السياط، بخلاف الحمل، والمشهور هو التسوية ، والفرق متجه أيضًا، ولا خلاف في أن الدابة لو تلفت في هذه الصورة بآفة سماوية فلا ضمان أيضًا؛ لأنه تلف تحت يد المالك لا بسبب الحمل ، هذا إذا تولى المكتري الكيل، وسلم إلى المكري، فإن تولاه المكري بنفسه بإذن المكتري وزاد فلا يستحق الأجرة، ولا الضمان، وهو متعد بنقل ماله ، وقد ذكر تفصيله في الغصب","part":1,"page":135},{"id":632,"text":"فرع: لو ظفر مالك الحنطة  بالناقل في البلد المنقول إليه، فله أن يأخذ الحنطة، وله أن يمتنع عن أخذه إن سلمه إليه؛ لأنه يجب عليه الرد إلى مكانه ، وله أن يطالب بالقيمة في الحال؛ للحيلولة ، ولا تجوز المطالبة بالمثل؛ فإن عين ماله حاضر ، ولو قبض منه عين المال ثم قال: انقلها فعليك مؤونة النقل، فالظاهر منعه؛ لأنه انقطع ضمانه عما عاد إلى يده، وفيه احتمال من حيث أنه يقول: لست أثق بيدك، وعليك النقل، فألتزمه في يدي، ولو قال الناقل: خذه إليك وأنا أنقله في يدك، فله الامتناع؛ لأنه ربما يتلف فيكون من ضمانه، ويعسر عليه حفظه \rالمسألة الثانية: إذا سلم ثوبًا إلى خياط فقطعه قباءً ، وتنازعا، فقال المالك: أمرتك أن تقطعه قميصًا، وقال الخياط: لا، بل أمرتني بقطعه قباءً قال ابن أبي ليلى : القول قول الخياط؛ فإن أصل الإذن متفق عليه، فهو مؤتمن في تفصيله \rوقال أبو حنيفة: القول قول المالك فإنه الآذن، فإليه يرجع فيه \rوحكى الشافعي رحمه الله القولين، وقال: قول أبي حنيفة أولى ، وذكر قولاً ثالثًا وهو أنهما يتحالفان؛ فإن كل واحد مدع ومدعى عليه في الإذن والجناية \rفمن أصحابنا من قال هذا مذهبه، وما ذكر حكاية مذهب غيره ، ومنهم من استنبط من ترجيحه أحد المذهبين على أن ذلك تصرف منه في قولين إذ لا يرجح فاسدًا على فاسد \rالتفريع على طريقة الأقوال: إن قلنا: القول قول الخياط، فيحلف بالله ما أمره بقطع الثوب قميصًا، وإنما أمره بقطعه قباء ، فتشتمل اليمين على النفي والإثبات؛ لأنه لا تنتفي خيانة بمجرد نفي أذنه من وجه ما لم تثبت أذنه من الوجه الذي يدعيه، ويستفيد به درء الغرم عن نفسه ، وأما الأجرة ففيه وجهان:\rأحدهما: أنه يستحق المسمى؛  لأنه ثبت الإذن، وانتفى العدوان، ومن ضرورته ثبوت الأجرة ، وإن كان من إشكال فهو لازم في هذا القول الذي تفرع عليه ","part":1,"page":136},{"id":633,"text":"والثاني: أنه لا يستحق، ويمينه لا تفيده إلا نفي الغرم عنه، فأما الإثبات فلا يستفاد إلا بيمين الرد ، وقال العراقيون: لا يستحق المسمى قطعًا ، وهل يستحق أجرة المثل فعلى وجهين ، وفرقوا بأن المسمى قد يزيد على أجرة المثل أكثر، فلا يستحق إلا قدر المسمى؛ فإنه لا يدعي إلا هذا القدر \rالتفريع: إن قلنا لا يستحق الأجرة فله أن يعرض اليمين على المالك، فإن حلف انتفت الأجرة ، وإن نكل فوجهان:\rأحدهما: أنه تثبت الأجرة بنكوله واليمين السابقة؛ إذ لو رددنا عليه لحلف على ما سبق منه في يمينه، فلا معنى لتكريره، وكان ما سبق كأن يمين الرد قدم لترتيب الخصومة، وكان موقوفًا على النكول  وهذا هو الذي ارتضاه القاضي في التفريع، فإن كان من إشكال فإنما جره التفريع على تصديق الخياط \rوالثاني: أن اليمين الأولى لا تفيد إلا نفي الغرم، فإن أراد الأجرة فليبتدئ الدعوى بها، فيحلف، فإن نكل رد عليه على الترتيب  وهذا أيضًا متجه\rوأما إذا فرعنا على تصديق المالك فيحلف على البت ما أمره بقطع القباء، وتنتفي به الأجرة، ويثبت الضمان أيضًا ، بخلاف الأجرة على القول الأول، فإن الأذن إذا انتفى فمن ضرورته ثبوت العدوان، وليس من ضرورة نفي الغرم إثبات الأجرة إلا بتقدير إثبات الأذن فيه، فهو الفارق  ثم في قدر الضمان قولان :\rأحدهما: ما نقص عن الثوب بقطعه قباء \rوالثاني: التفاوت بين القطعين؛  لأن ذلك القدر مأذون فيه \rوبنى أصحابنا هذا على الخلاف في أن الوكيل إذا باع بغبن فاحش وضمن، فهل يضمن مقدار ما يتغابن الناس بمثله، أم يحط عنه ذلك القدر  فأما إذا فرعنا على التحالف فإذا جرى سقطت الأجرة ، وفي الضمان قولان، حكاهما العراقيون:\rأحدهما: أنه يسقط ليعتدل الأمر من الجانبين، فهو نتيجة التحالف ","part":1,"page":137},{"id":634,"text":"والثاني: أنه يجب؛ لأن موجب التحالف الرجوع إلى ما كان قبل العقد، ولا سبيل إلى رد الثوب مقطعًا من غير جابر، وهذا ضعيف ؛ فإنه لو نكل الخياط لم يلزمه إلا هذا، فيمينه لا تفيد نفعًا ولا دفعًا، فلا فائدة له، فكيف يطالب به، فإسقاط الأجرة على مساق هذا القول أولى \rفرع: للخياط أن ينزع خيوطه إن كانت متقومة بعد النزع مهما كان من ملكه ، ثم قال الأصحاب: يغرم ما يدخل الثوب من نقص بسبب نزع الخيوط ، وهذا فيه نظر، فإن لم نوجب الضمان في صورة التحالف فيتجه أن نوجب عليه التفاوت بين كونه مخيطًا، وبين كونه قطعًا، فأما إذا أوجبنا الضمان فقد غرمناه أرش القطع، فلا معنى لتكرير الضمان عليه إلا أن يدخل الإبر مداخل فيزيد النقص به ، وما ذكره الأصحاب ظاهر في إيجاب الضمان لتفصيله الثوب بعد ما نظمه ، فيضاهي إيجاب أرش النقص على الغاصب إذا نزع من الثوب صبغه المملوك \rالمسألة الثالثة: إذا قصر الأجير الثوب ثم تلف، فله أربعة أحوال :\rالحالة الأولى: أن يتلف بآفة سماوية، والنظر فيها في أمرين، أحدهما: الأجرة، والآخر: الضمان أما الضمان فيخرج على القولين في أن يده يد أمانة أو ضمان  أما الأجرة فتخرج على القولين في أن القصارة حكمها  حكم  العين أو الأثر  ومنشأه أن الأصحاب قطعوا بأن الصبّاغ له حبس الثوب إلى تسلم العوض؛ لأن الصبغ عين ، ولم يتعرضوا في ذلك لأقوال حبس المبيع، ويحتمل أن يكون ذلك تفريعًا على قول الحبس ، وظاهر كلامهم القطع ، ولعل السبب أن الصبغ كالفائت الذي لا يستدرك، فلم يكن كالمبيع القائم الذي يمكن استرداده ، فاختلفوا في القصارة، منهم من ألحقه بالصبغ، ومنهم من قال هو أثر، وكأنه وقع مسلمًا كما فرع، فعلى هذا يستحق الأجرة في مسألتنا ، وعلى قولنا إنه عين: لا يستحق؛ لأنه تلف قبل التسليم، فكان من ضمانه ","part":1,"page":138},{"id":635,"text":"التفريع: إذا قلنا: إنه لا يستحق الأجرة، ويلتزم الضمان؛ فبكم يطالب نصور المسألة الأولى، فنقول: كان الثوب على البت يساوي عشرة فصار يساوي بالقصارة خمسة عشر، والأجرة المسماة درهم، فالذي صرح به المحققون وأشار إليه كلام الأصحاب أنه يضمن قيمة الثوب على البت، ويجعل كأن القصارة لم تكن؛ فإنها لو كانت قبل التسليم لم يلتزم البائع إلا سقوط حقه من العوض فكذلك هذا، وقد ذكرناه في كتاب التفليس أنه لو اشترى ثوبًا بعشرة دراهم، واستأجر بدرهم أجيرًا للقصارة فبلغ قيمة الثوب خمسة عشر، فأفلس والثمن والأجرة في ذمته، يباع الثوب ولا يصرف من ثمنه إلى الأجير إلا درهم، وقياس ما ذكره أن يصرف إليه كمال قيمة القصارة، وكأنها باقية له، أو يغرم في مسألتنا أربعة عشر درهمًا، ففي هذا ينقدح في مسألتنا وجه على خلاف ما ذكره الأصحاب، وهو أنه يضمن أربعة عشر وقد ذكرنا تفريع هذا الفصل في كتاب التفليس\rالحالة الثانية: أن يتلف بإتلاف أجنبي، فإن فرعنا على أنه أثر؛ يستحق الأجير الأجرة، وللمالك أن يطالب الأجنبي بقيمته مقصورًا، وكذا القصار إن قلنا: إن يده يد ائتمان إلا أن قرار الضمان على الأجنبي؛ لأنه متلف وإن قلنا: إنه عين، فيتفرع على الأصح في أن البيع لا ينفسخ بتلف المبيع بإتلاف أجنبي، بل يثبت الخيار للمشتري، فكذلك ها هنا يثبت الخيار للمستأجر في فسخ الإجارة، فإن اختار الفسخ سقط عن المستأجر الأجرة، وصار الأجنبي متلفًا على المالك والأجير، فيغرم لهما، وللمستأجر أن يطالب المتلف بالضمان إلا ما يغرمه المتلف للأجير","part":1,"page":139},{"id":636,"text":"وكم يغرم للأجير وقيمة الثوب على البت عشرة وبعد القصارة خمسة عشر، وأجرة مثله نصف [درهم] فقد اتفق الأصحاب على أنه لا يجعل للأجير خمسة وهي تمام قيمة القصارة، وقد ذكرنا سبب ذلك في كتاب التفليس، فيبقى احتمالان، أحدهما: الأجرة المسماة، وكأنه لم ينقلب إليه بالفسخ إلا هذا القدر، والثاني أجرة المثل ويسقط أثر التسمية بعد فسخ الإجارة، فإن أجاز غرم للأجير المسمى، وطالب الأجنبي بقيمة الثوب مقصورًا، وله أن يطالب الأجير إن رأينا يده يد ضمان، ثم الأجير يرجع على المتلف\rالحالة الثالثة: أن يتلف بإتلاف المالك، فتستقر الأجرة ولا ضمان على الأجير، وفيه قولان بناءً على أن إتلاف البائع كإتلاف الأجنبي، أو كآفة سماوية، وقد فصلنا حكمها، ولا يخفى إجراؤهما في هذه الصورة\rفرع: القصار إذا قصر الثوب، ثم جحد، ثم اعترف: استحق الأجرة لتراخي الجحود عن القصارة، فلو أنه جحد ثم قصر ثم اعترف ففي استحقاق الأجرة وجهان:\rأحدهما: أنه يستحق؛ لأن الجحود لا يوجب فسخ الإجارة وقد وفى بما استحق، وإنما أثر الجحود في أن يصير ضامنًا غاصبًا\rوالثاني: أنه لا يستحق؛ لأنه أضمر أن يعمل لنفسه فسقط استحقاقه\rوهذا ينبني على القولين في أن أجير الحج إذا نوى صرف الحج في دوامه إلى نفسه على ظن أنه ينصرف إليه، وله نظائر ذكرناها في مواضعها\rالمسألة الرابعة: في استيفاء المنافع من غير عقد، وله صور:","part":1,"page":140},{"id":637,"text":"إحداها: أن يسلم الثوب إلى غسال فغسله، فالمنصوص عليه وما عليه عامة الأصحاب أنه لا يستحق شيئًا ؛ لأن المنافع غايتها أن تكون كالأعيان في المالية، بل هو دونها ، ولو أتلف رجل مال غيره برضاه لم يضمن للراضي ، ومنهم من أوجب أجرة المثل ، وإليه ذهب المزني اعتمادًا على العادة ، ومنهم من فرق بين المعروف بهذه الصنعة وبين غيره ، ومنهم من فرق بين أن يكون الالتماس من صاحب الثوب وبين أن يكون من الغاسل ، وكأن الاتفاق واقع على تحكيم العرف في محامل الألفاظ المجملة، كتنزيل الدراهم على النقد الغالب، فهذا تردد في أن العرف هل يقام مقام أصل اللفظ \rالصورة الثانية: أن يدخل الحمام، فقد أتلف الماء، فيلزمه مثله، ومنفعة الحمام ، وليس هذا كالصورة الأولى، فإن هذا إتلاف بشهود المالك، وسكوته، وذلك يوجب الضمان؛ وقد جرت العادة بإتلاف الماء بالقيمة، وإن كان مثليًا فلا يبعد أن يجعل في العرف كبيع الماء بقيمة \rالصورة الثالثة: أجرة الدلال والمزين تخرج على الخلاف السابق؛ لأنه متلف منفعة نفسه إلا أن الغالب أن الدلال يتقدم إلى المدلول ، ويبعد إيجاب الأجرة إن تقدم إلى ثوب إنسان فيرفعه ويغسله، ولكن لما عم العرف فظهر إيجاب الأجرة  هذا تمام ما يتعلق بأحكام الضمان\r\rالباب  الثالث:\rفي الطّوارئ التي تثبت استرداد الأجرة وتقتضي الفسخ أو الانفساخ\rوفيه مسائل:\rالأولى: موت الدابة والعبد قبل مضيّ مدة الإجارة يوجب انفساخ الإجارة إن لم يمض زمان معتبر ، فإن انقضى زمان فتنفسخ في الباقي؛ لأنها فاتت قبل القبض ","part":1,"page":141},{"id":638,"text":"فإن قيل: لم سلطتموه على إجازته ولم يجر القبض فيه قلنا: القبض في الدابة أقيم مقام القبض في المنافع في حكم التصرف، ووجوب تسليم العوض، حتى لو فرض صداقًا وجب عليها تسليم البضع بتسليم الدار ، وإن كان نجوم كتابة عتق بتسليم الدار، وليس قبضًا محققًا، فلا يعتبر في قطع الضمان؛ فإنه لا ضرورة فيه وفي التصرف ضرورة؛ إذ لا يتصور التوقف إلى انقضاء المدة، فلا وجه لمنع التصرف \rوعن هذا حكم بعض الأصحاب بأنه يتصرف أيضًا قبل قبض الدار؛ لأن قبض الدار ليس قبضًا للمنافع، فلا أثر له، إلا أن معظم الأصحاب على خلافه ، هذا حكم بقية المدة، أما الماضي ففي الانفساخ فيه قولان  مبنيان على القولين فيما إذا اشترى عبدين فتلف أحدهما قبل القبض وبعد قبض الثاني ، والصحيح في المسألتين أنه لا يتعدى الانفساخ إلى المقبوض ، فإن حكمنا بالانفساخ جملة رجع المسمى إلى المستأجر وغرم أجرة المثل لما استوفاه ، وإن بعّضنا الأمر وزّعنا الأجرة على المدتين باعتبار أجرة المثل لا باعتبار المدة؛ إذ القيمة في ذلك تختلف كما يفعل ذلك في العبدين في عقد البيع \rالتفريع: إن قلنا لا ينفسخ في الماضي، فهل له خيار الفسخ؛ لتبعيض الأمر عليه قولان، أصحهما: أنه لا يثبت؛ إذ لو قبل الفسخ لانفسخ \rالمسألة الثانية: إذا انهدمت الدار المستأجرة قبل مضي المدة، فهو كموت الدابة  عند الجماهير ، وذكر بعض القياسيين أنه تعيّب؛ لأنه تبقى انتفاع ما، وهو السكون، بخلاف الموت؛ فإنه لا يبقى منفعة بحال ، فإن جعلناه عيبًا فلا خفاء بثبوت الخيار ، وقد ذكرنا في البيع خلافًا أن السقوف هل تنزل منزلة أحد العبدين ، ولا يطرد هذا الخلاف في الإجارة، بل هو عيب يوجب الانفساخ مطلقًا ، ووجه الفرق بين العقدين أن أجزاء السقف تقصد ماليتها فلا يبعد مقابلتها بقسط من الثمن ولا يستمر تقدير ذلك في المنفعة ","part":1,"page":142},{"id":639,"text":"فرع: لو أتلف المستأجر العبد بنفسه انفسخت الإجارة، كما لو حصل بآفة ، ولم يكن ذلك كإتلاف المبيع؛ فإنّا نقدر إثبات يده عليه وفواته تحت يده، والمنافع لا يتناولها  الإتلاف، فقد فاتت بإتلافه العبد ، وعلى هذا قال القاضي لو تعيبت الدار أو الدابة ثبت الخيار، وكذلك لو عيبه بنفسه والتزم أرش النقص فإن العيب إذا وقع فلا نظر إلى سببه ، وكذلك لو جبت المرأة زوجها بنفسها لم تمنع الخيار ، وما ذكره منقاس، ولكنه لا ينفك عن احتمال ، فإن منفعة الدار لا تفوت بالعيب، وإنما هو عسر، أو اختلال وهو سببه، فكيف يتوجه له الاستدراك ولكن الأفقه ما ذكره \rالمسألة الثالثة: موت أحد العاقدين لا يوجب انفساخ العقد عندنا  مهما كانت العين المستأجرة قائمة ، بل لو مات المستأجر استوفى وارثه المنفعة، وإن مات المؤجر  فليس للوارث أن ينتزع الدار من يد المستأجر قبل انقضاء المدة  نعم، لو أجر الحر نفسه انفسخ بموته؛ لأنه المعقود عليه كما ينفسخ النكاح بموت أحد الزوجين ، ولو أورد الإجارة على الذمة لم تنفسخ بموته، بل لوارثه أن يعمل ويأخذ الأجرة فيكون العمل واجبًا دينًا في تركته، فإن وفاه الوارث  فذاك، وإلا فقد تعذر تحصيله، فللمستأجر خيار الفسخ واسترداد الأجرة إن لم يوف شيئًا من العمل ، فإن وفى شيئًا فيخرج على تفريق الصفقة كما مضى\rوكذلك إذا مات الموقوف [عليه]  بعد إجارة الوقف حيث يجوز له الإجارة، وكان شرط الواقف الترتيب، ففي انفساخ الإجارة خلاف مرتب على أن البطن الثاني يتلقى الاستحقاق من البطن الأول، أو من الواقف  والصحيح أنه يتلقاه من الواقف، فتنفسخ الإجارة ، ولا معنى لإطلاق الانفساخ، بل يتبين بطلانه في هذا القدر؛ لأنه صادف حق غيره ولم يكن له أن يتصرف فيما يحدث بعد موته\rالمسألة الرابعة: ذكر صاحب التقريب وجهين في إجارة الطفل:\rأحدهما وهو ما ذهب إليه كافة الأصحاب: صحته على شرط الغبطة ","part":1,"page":143},{"id":640,"text":"والثاني وهو بعيد: منعه؛ لما فيه من الامتهان \rفإن صححنا فشرطه أن لا تجاوز المدة سن البلوغ، فإن جاوز فهو باطل ، كذا أطلقه الأصحاب، فقال القاضي: يجب تخريجه في المدة الواقعة في الصبي على قولي تفريق الصفقة، وهو كما قال ، ولو كانت المدة لا تجاوز سن البلوغ فهو صحيح ، وإن أمكن الاحتلام، فلو احتلم ففي بقاء الإجارة وجهان:\rأحدهما: أنه يبقى لابتنائه على المصلحة \rوالثاني: أنه ينفسخ لتناوله منفعة لا تتناوله ولايته \rوالوجه أن يقال: يتبين البطلان في هذا القدر كما ذكرناه في إجارة الوقف ، فإن قلنا: إنه لا ينفسخ، ففي ثبوت الخيار له وجهان ، وهذا الخلاف في الفسخ والانفساخ جار في إجارة عقدها على ملكه إلا أنه مرتب، أو في إبقاء الإجارة على يديه إدامة حجر لا يقاربها غبطة، بخلاف سائر أملاكه، ثم إذا أطلقنا لفظ البطلان على القدر الزائد، فيحتمل أن ينعطف، ونقول: يتبين أن الإجارة جمعت ما يبطل عليه العقد، وما لا يبطل، فخرج  على تفريق الصفقة ، ويحتمل التصحيح قولاً واحدًا؛ لأنه عقد على ظن سلامة الحال، وسنذكر نظير ذلك في محاباة المريض وما يزيد منه على الثلث \rالمسألة الخامسة: إذا أجر العبد ثم أعتقه، فالذي قطع به الأصحاب أن الإجارة لا تنفسخ ، وذكر صاحب التقريب وجهًا أنه تنفسخ ، وهو بعيد؛ لأن هذا يضاهي موت العاقد؛ إذ المحل بقي قابلاً للإجارة ، وأبو حنيفة مع مصيره إلى الانفساخ بموت العاقد لا يحكم بالانفساخ ها هنا ، ثم إذا قلنا: لا ينفسخ فهل نثبت للعبد الخيار وجهان ذكرهما صاحب التقريب ، وهو بعيد أيضًا ، نعم ذكر الأصحاب وجهين  مشهورين أنه هل يرجع بأجرة مثله على السيد أحدهما: أنه يرجع؛ لأنه أتلف عليه بفعله السابق في زمان لا استحقاق له فيه ، والثاني: أنه لا يرجع ، وكأنه وقع هذا القدر مستثنى عن قضية العتق، فهو كالمستوفى قبله، وكذلك لزمه العمل ","part":1,"page":144},{"id":641,"text":"المسألة السادسة: إذا استأجر دابة ليركبها عبدًا، فتلف العبد، لم تنفسخ الإجارة؛ لأنه مستوف للمنفعة، بل لو كان باقيًا فله أن يركب من هو في مثل حاله، فإذا تلف فليبدله بمثله، فإن لم يبدل حتى انقضت المدة؛ استقرت الأجرة، فإنه الذي عطل حق نفسه، وقد ذكرنا حكم التبديل في الباب الثاني ولو أورد العقد على الذمة وشرط أن يركب عبدًا عيّنه فتلف العبد، قال ابن الحداد: ينفسخ العقد؛ لأن العقد لم يعتمد عبدًا سواه، فهو كتلف الدابة وقد قال الشافعي رحمه الله في كتاب الصداق: ولو أصدق امرأته خياطة ثوب معين فتلف الثوب رجع إلى مهر المثل وهذا يؤيد قول ابن الحداد ومن أصحابنا من قال: لا ينفسخ بتلف العبد\rقال القاضي: وهذا القائل يطرد مذهبه أيضًا في مسألة الصداق، وقد ذكرنا في المسألة السادسة في الفصل الأول من الباب الثاني الفرق بين تلف الراكب وتلف الثوب، فإن تلف المستوفي لا يوجب الفسخ، وتلف المستوفى منه يوجب، وتلف المستوفى به على خلاف\rوعلى الخلاف يخرج تلف الولد الذي استؤجرت المرأة على إرضاعه، فإن كان الولد منها فتلف فالخلاف مرتب، وأولى بالانفساخ؛ لتفاوت الغرض، والترتيب ضعيف؛ لأن أثره في قلة اللبن، فإذا رضي به المستحق لا يبقى بعده نظر، وإن كان من أثر في عسير الحضانة فأمره في إثبات الخيار لا في إيجاب الانفساخ\rالمسألة السابعة: إذا ملك المستأجر الدار المستأجرة ففي انفساخ الإجارة وجهان:\rأحدهما: أنه تنفسخ، كما لو ملك زوجته؛ إذ لا يستحق المنفعة بشيئين، وملك العين أقوى، فلا سبيل إلى دفعه، وهذا يفرض في الإرث والشراء جميعًا؛ لأن بيع الدار المكتراة من المكتري جائز قولاً واحدًا، وإن اختلف القول في بيعها من الأجنبيّ؛ إذ المانع يده واستحقاقه، فالحق لا يعدوهما\rوالوجه الثاني: أنه لا تنفسخ، وتسلم له المنافع بعلة الإجارة لا بملك العين","part":1,"page":145},{"id":642,"text":"فإن قلنا: تنفسخ، فيتفرع عنه أمران:\rأحدهما: استرداد الأجرة للمستقبل؛ فإنه تعذر استيفاؤه  وقال ابن الحداد: يستردها إن ملك بالإرث، وإن ملك بالشراء لا يسترد ؛ لأنه حصل الفسخ بسببه، ونزل ذلك منزلة الزوج يرث زوجته قبل المسيس فيسقط جميع الصداق، ولو استبرأها تشطر، وهذا بعيد ؛ فإنّا بينّا في الانفساخ عند الفوات أنّه لا فرق بين التلف وبين الإتلاف ، وليس هذا كالصداق؛ فإن سقوطه ينبني على الاختيار من الجانبين\rالأمر الثاني: أنّ منفعة الدار في بقية المدة لمن وفيه وجهان:\rأحدهما: أنه للمشتري؛ فإنه مالك  العين وإن انفسخت الإجارة \rوالثاني: أنه للبائع، وكأنّ ذلك في حكم المستثنى عن قضية البيع \rوكذلك إذا صححنا البيع من الأجنبي في صورة القولين، فاتفق انفساخ الإجارة بسبب، فالمنافع في بقية المدة للبائع أو للمشتري فعلى وجهين يعتمد في أحدهما حدوثه على ملكه، وفي الآخر وقوعه مستثنى عن قضية البيع  قال الأصحاب: وهذا يلتفت على أنه لو باع دارًا واستثنى سكناها سنة، هل يصح  وبنوا على هذا بيع الدار المكراة، وقالوا: يصح البيع إن صححنا الاستثناء  والبناء ضعيف؛ لأن القياس يقتضي منع استثناء المنافع كاستثناء ثمار سنة عن بيع الأشجار \rولكن ورد حديث في استثناء سكنى الدار ، ومع منعه ينقدح قول في تصحيح بيع الدار المكراة؛ لأنها وقعت مستثناة بعقد سابق، فالعقد يعتمد العين كما إذا كانت مشحونة بالأمتعة، ولو استثنى مثل تلك المدة التي يفتقر إليها في تفريغ الدار قصدًا لم يجز  ثم قال الشيخ أبو محمد: إن قلنا المنافع ترتد إلى البائع في بقية المدة، يقطع باسترداد الأجرة، وإن قلنا تبقى للمشتري ففي استرداد الأجرة خلاف  وهذا البناء لا وجه له؛ لأن مأخذ سقوط الأجرة عند ابن الحداد كونه متسببًا إلى الفسخ، وهو جار على كل وجه ","part":1,"page":146},{"id":643,"text":"فرع: لو اكترى المالك الدار من المكتري ، يخرج صحته على الوجهين في أنّه لو طرأ الملك هل ينفسخ، فإن قلنا: لا ينفسخ صح، وإلا فلا \rالمسألة الثامنة: في ترك الانتفاع مع إمكانه: فإن سلمت الدابة للمكتري فربطها حتى مضت مدة تسع الركوب المستأجر عليه، تقررت الأجرة عليه بحبسه، وكأنه استوفاها، سواء عين مدة عقيب العقد أو لم يعين ، وإن حبسها المكري، فإن كانت المدة متعينة انفسخت الإجارة؛ لفوات المنافع قبل القبض ، وإن لم تكن  متعينة ولكن مضت مدة تسع المقصود ففي الانفساخ وجهان :\rالذي ذهب إليه المراوزة أنه تنفسخ تسوية في حق المكري بين تعيين المدة وتركها، كما في حق المكتري  سوّى بينهما في تقرير الأجرة؛ إذ المدة ليست متعينة، وإنما المقصود المنفعة وقد حبسها في مدة الإمكان \rوالوجه الثاني: وهو الذي ذهب إليه العراقيون: أنه لا تنفسخ؛ لأن المدة غير متعينة، والمعين هي المسافة المعلومة، وتسليمها ممكن بعد ذلك ، هذا إذ وردت الإجارة على العين، فإن وردت على الذمة، فسلمت الدابة إلى المكتري، فحبسها؛ استقرت الأجرة كما في إجارة العين ، أما المكري  إذا لم يسلم لا تنفسخ الإجارة، بل هو دين في ذمته؛ لأنه لم يعتمد عينًا حتى تنفسخ بفواتها، أو بفوات منافعها \rالمسألة التاسعة: لا تفسخ الإجارة عندنا  بالمعاذير، فلو استأجر حانوتًا ثم بدا له أن لا يتجر، أو ينتقل إلى حرفة أخرى، أو استأجر دابة للسفر، فبدا له ترك السفر، لم يكن له فسخ الإجارة عندنا؛ خلافًا له  نعم، لو استأجر لقلع السن، فسكن الوجع، ففيه كلام ذكرناه ؛ لأنه تعذر تسليمه شرعًا، وإنما يثبت خيار الفسخ بتعذر حسي أو شرعي، أما الشرعي ما ذكرناه ، وأما الحسي مثل أن ينقطع شرب الأرض المستأجرة للزراعة، فقد نص الشافعي رحمه الله على الخيار ، ونص في انهدام الدار على الانفساخ ","part":1,"page":147},{"id":644,"text":"قال نقلة المذهب: الوجه إجراء المسألة على القولين؛ إذ لا فرق ، وقطع بعض الأصحاب بتقرير النصين ؛ إذ الأرض [لا]  ينتفع بها دون الماء بحال، ولا منفعة في الدار بعد انهدامها ، وهو ضعيف؛ إذ سكونها بضرب الخيام ممكن، فلا يخلو عن منفعة \rفإن قلنا: لا تنفسخ، فأجاز، فالصحيح أنه يحبس بكمال الأجرة كنظيره  من البيع، وتعيب الدار في الإجارة  وذكر الشيخ أبو محمد أنه يسترد قسطًا من الأجرة، وكأنه يقدر منفعة الماء جزءًا من المعقود عليه  وهو ضعيف وعلى هذا ينبغي أن يقدر أجرة مثل الأرض دون الماء، وأجرة مثله مع الماء، ويضبط مقدار التفاوت ويرجع بمثل نسبته من الأجرة \rفرع: لو رضي وأجاز لزم العقد، وإن كان الماء ميؤسًا منه ، وإن كان يتوقع عوده فلا يسقط حقه بالتأخير في الحال؛ فإنه أجره على تقدير العود، فله أن يفسخ بعد ذلك، وله الفسخ أيضًا في الحال ، وشبه الأصحاب هذا برضى المرأة تحت زوجها المعسر والمولي بعد مضي مدة الإيلاء فإنه لا يبطل حقها؛ لانها رضيت على رجاء زوال الضرار \rالمسألة العاشرة: إذا زرع الأرض المستأجرة، فركبها ماء وأفسد الزرع دون الأرض، فلا خيار، وإنما هذه جائحة في ملكه، فهو كما لو حطمه البَرَدُ، أو استأصله الحر  وإن أفسد الأرض نظر: إن كان بعد فوات الزرع فيحتمل أن يقال: لا خيار؛ إذ لو بقيت لم يكن للمستأجر فيها منفعة، وقد فات مدة إمكان ابتداء الزراعة، هذا هو الظاهر ، وليس ينفك عن احتمال\rوإن فسدت الأرض أولاً، ثم فسد الزرع بفسادها تسقط أجرة الزمان المستقبل لا محالة ، ويحتمل أن يوجب استرداد كمال الأجرة؛ لأن ما مضى كان كالموقوف على سلامة الأجرة، وهو الآن لم يتحصل إلا على النصب وخسران البذر، فلم يستوف منفعة ، وهذا متجه، وهو محل النظر، ولا نقل في المسألة","part":1,"page":148},{"id":645,"text":"فأما إذا تغشاها ماء قبل ابتداء الزراعة، فإن كان لا يتوقع انحساره حتى تفوت الزراعة فهو كالتلف ، وإن كان يعلم انحساره فلا أثر لما طرأ ، وإن كان يظن الانحسار ولا يقطع به  فهذا ينزل منزلة غصب الأرض قبل هذه الزراعة ، فإن تمادى انفسخت الإجارة، وإن زال قبل فوات الزراعة فلا أثر لما جرى \rالمسألة الحادية عشر: إذا غصبت الدار المستأجرة تنفسخ الإجارة في مدة الغصب؛ لأنه هلكت قبل الاستيفاء، فيسقط المسمى عليه، ويستحق المالك أجرة المثل على الغاصب \rوذكر العراقيون قولاً: أن له الخيار، فإن فسخ فذاك، وإلا فيطالب الغاصب بأجرة المثل ، وتكون هالكة على ملكه، وقربوا هذا من هلاك المبيع بإهلاك الأجنبي قبل القبض فإنه يثبت الخيار في أحد القولين  وهذا الوجه غريب لم يعرفه المراوزة، وإن كان يتجه له ضرب من القياس ، أما الوطء بالشبهة فيوجب المهر للزوجة ولاشيء للزوج، والفرق بيّن بين الناس \rفرع: إذا ادعى الغاصب لنفسه ملك الدار، لا يخلو إما أن يقر المالك، أو ينكر، فإن أنكر فله المخاصمة؛ لأنه مالك الرقبة فلا مخاصمة للمكتري ، نص عليه الشافعي رحمه الله في الأم، وعلل وقال: أرأيت لو أقر، كنت أقبل إقراره  فعلى هذا جرى الجمهور، وذكر المراوزة وجهًا متجهًا: أن له حق المخاصمة ، فإن حقه متعلق بالمنافع، ويجب على الغاصب رد الدار بينه وبين الله إلى المكتري، وعلى هذا القول تأول نص الشافعي على الخصومة للرقبة، وهذا خصومة للمنفعة ، فأما إذ أقر المالك؛ فإن صححنا بيع الدار المكراة قبل إقراره فلا مناظرة ، [و]  إن قلنا: لا يصح بيعه منه فقولان ، كما في الرهن إذا أقر بملك المرهون لغيره \rالتفريع: إن قبلنا الإقرار ففي المنفعة ثلاثة أوجه :\rأحدها: أنه يقبل فيه أيضًا بالتبعية للرقبة \rوالثاني: أنه لا يقبل؛ لأن الملك فيها للمستأجر، بخلاف الرقبة ","part":1,"page":149},{"id":646,"text":"والثالث:  أنه إن أقر والدار في يد المكتري لا ينفذ؛ لأنها تحصل حيث يحصل على ملكه، بخلاف ما لو كان في يد الغاصب، فإن المنافع تحصل على ملك المكتري، ولذلك يصرف نقله إليه لا إلى المكتري  ومما لا بد من التنبيه له أنا وإن منعنا بيع الرقبة المستأجرة فينبغي أن ينفذ إقراره؛ إذ حق المستأجر غير متعلق بعينها، بخلاف حق المرتهن؛ فإنه يتعلق بالعين، نعم يجري الخلاف إذ ذاك في المنافع، ووجه تنفيذه فيها أنها حاصلة تابعًا، وقد يحصل ضمنًا ما لا يقدر عليه مقصودًا\rالمسألة الثانية عشر: إذا هرب الجَمّال، وذهب بالجِمَال والإجارة على العين انفسخت الإجارة ، وإن كانت على الذمة فإن ذهب بالجمال فهو دين في ذمته، وللقاضي أن يكتري من ماله، فإن لم يفعل أو لم يجد فله الخيار في فسخ العقد ، فأما إذا ترك الجمال في يده ، فالمشكل نفقة الدواب وتعهدها، فليرفع إلى القاضي حتى يستقرض عنه ما ينفق ، فإن هو أنفق بنفسه فليس له الرجوع ، وإن أذن له القاضي حتى ينفق ويرجع ففي الرجوع قولان:\rأحدهما: المنع؛ لأنه أنفق مال نفسه على عرض نفسه \rوالثاني: أنه يرجع للحاجة، والمصلحة اللائقة بالعقد ، وإن لم يجد حاكمًا، فأنفق ففي رجوعه ثلاثة أوجه، يفرق في الثالث بين أن يُشهد [وألا يُشهد]  فعلى ما ذكرناه في المساقاة \rفرع: إذا أنفق بإذن القاضي مقتصدًا، وقلنا: له الرجوع، فلو تنازعا في القدر فوجهان:\rأحدهما: أن القول قول المكري فإن الأصل براءة ذمته \rوالثاني: أن المكتري مؤتمن شرعًا من جهة القاضي، فهو المصدق إذا لم يجاوز حد الإمكان ،  فأما إذا أنفق بنفسه ولم يجد القاضي، فيحتمل أن يقال: لم يسبق ائتمان من جهة سلطان فيجري على الأصل ، وفيه احتمال أيضًا ","part":1,"page":150},{"id":647,"text":"المسألة الثالثة عشر: إذا استأجر من يحفر بئرًا، فحفر مقدارًا، فانهارت البئر، وانطمت، انفسخت الإجارة في الباقي ، والقدر الذي حفره وقع مسلمًا فيلتفت على تفريق الصفقة، والظاهر في مثل هذه الصورة أنه لا ينفسخ ، ثم على هذا لا توزع الأجرة على الأذرع فإن التعب يزداد مهما زاد العمق، فيوزع على أجرة المثل ، وكذلك لو ظهر بعد حفر البعض صلابة في الأرض إن كان تعمل فيه المعاول فهذا القدر يحتمل ، وإن كان يفتقر إلى إيقاد نار والاستعانة بها فهذا لا يلزم الأجير، فينفسخ في الباقي، ويخرج القدر المسلم على ما ذكرنا \rالمسألة الرابعة عشر: متعلقة بباب الضمان فيلحق به: فإذا استأجر دابة من مكة إلى مَرّ ظهران ، فتعدى بها إلى عسفان ، فكما تعدى ضمن وظلم وغرم أجرة المثل لما يتلفه من المنافع، أو يتلف بعد ذلك ، فإذا رد إلى مَرّ لم يعد أمينًا ، ووافقنا أبو حنيفة في مثل هذه الصورة ، وإن خالفنا في تعدي المودع في الوديعة ، فيجب عليه أن يرد الدابة إلى مالكها بمر، فإن لم يجد فإلى الحاكم، فإن لم يجد فهي أمانة في يده، ما لم يركبها ويذهب بها في صوب آخر سوى صوب المالك \rفروع:\rإحداها: أنه لو استأجر دابة من مكة إلى مَرّ ثم يرجع عليها إلى مكة ، ولا ينبغي أن يقيم ثَمَّ إقامة تزيد على العادة ، فإن زاد كان الزمان محسوبًا عليه على تفصيل ذكرناه في حبس المكتري الدابة ، وإن جرت العادة بالإقامة يومًا فلا يحسب عليه مدة الإقامة ، ولو اضطربت العادة حمل المطلق على المقدار ، ومن أصحابنا من  أوجب التعرض له في العقد للجهالة ","part":1,"page":151},{"id":648,"text":"الثاني: استأجر من مَرّ ليرجع إلى مكة، ومجموعه ثمانية فراسخ ، فليس عليه الذهاب في ذلك الصوب، بل يستحق ركوبه ثمانية فراسخ من أي صوب شاء على شرط أن لا يختلف الطريق، وخلف الطريق بالخوف والوعورة، فإذا انتهى إلى مر فركب لا في صوب مكة، فإذا مضى أربعة فراسخ استقرت الأجرة المسماة؛ لأن الطريق لا يتعين ، ولكن إن كان معه المالك أو مأذون من جهته رد عليه، وإن لم يكن فقد تعدى؛ إذ عسر عليه الرد إلى مالكه ، وإن لم يأذن له فيه فضمن أقصى قيمته من وقت مجاوزة مر ، فمنه مبدأ عسر الرد، وإن وقع ذلك عن جهة المستحق ولا يقف ذلك على استيفاء الفراسخ الباقية \rالثالث: إذا استأجر للذهاب والرجوع والطريق آمن فحدث خوف فليس له أن يقتحم، فلو فعل فضاعت الدابة ضمنها ، فليصبر ريثما ينجلي الخوف، ولا تحسب مدة المكث عليه؛ لأنا أوجبنا عليه المصابرة احتياطًا للدابة ، ولو كان الخوف قائمًا في أول الأمر فله الرجوع، فلو ضاعت الدابة فلا ضمان، هذا إذا كان المالك عالمًا بالخوف ، وإن كان يظن الأمن ففي وجوب الضمان على المستأجر وجهان، منهم من لم يوجب؛ لتقصير المالك إذ لم يبحث ، ومنهم من أوجب لتقصير المكتري إذ لم يجوز، ولم يختر ، وحيث قضينا بامتناع الرجوع فإذا حدث الخوف في الرجوع فلو رجع وتلفت الدابة بآفة سماوية لا بتلك الجهة، فالمذهب أن الضمان واجب، لأنه متعد بالخروج ، ويحتمل أن يقال: جاز له الخروج بشرط سلامة العاقبة ، وجملة هذه الفروع من باب الضمان\rواختتام الكتاب بمسائل خالف أبو حنيفة فيها الشافعي: \rإحداها: أن المنافع عندنا محفوظة بالإتلاف، وبالتلف تحت اليد العارية، خلافًا له ، ولا خلاف أنه لو استأجر الدار إجارة فاسدة ضمنها إن سكنها، فإن لم يسكنها فلا \rالثانية: أن الشيوع لا يمنع عندنا صحة الإجارة خلافًا له ","part":1,"page":152},{"id":649,"text":"الثالثة: أن إجارة المكتري بأكثر مما استأجر جائزة، وقال أبو حنيفة: الزيادة خبيثة لا تطيب له فليتصدق بها \rالرابعة: أنه لو استأجر ثوبًا للبس له أن ينيب غيره في اللبس ، وكذلك في ركوب الدابة ، وكذلك أن يكري من غيره ، ومنع أبو حنيفة ذلك ، وجوز ذلك في الدار والعقار ، والله أعلم\r\rكتاب إحياء الموات \rوفيه ثلاثة أبواب:\rالباب الأول: في إحياء الأراضي\rوفيه فصلان:\rالفصل الأول: في صفات الأراضي\rولها شرائط\rالشرط الأول: أن يكون خليًا عن آثار الاختصاص، فإنّ الموات المهمل ، والمباح إحياء الموات ، قال رسول الله \\: >موتان  الأرض لله ورسوله، ثم هي لكم مني أيها المسلمون<  وخلوها عن آثار الاختصاص يتبين بتقسيم، وهو أن الأراضي تنقسم إلى: بلاد الإسلام، وإلى بلاد الكفر، وبلاد الإسلام تنقسم إلى: عامرة ، وغامرة ، فالعامرة يختص بها أهلوها ، والغامرة تنقسم إلى ما عليها أثر عمارة قد اندرس ظواهرها وعلم جريانها تحت ملك على الجملة ، وإلى ما لم يعلم أنه لم يدخل تحت ملك مالك، فهذا هو الموات حقًا الذي يجوز إحياؤه ، وما دخل تحت ملك واندرست العمارة إن كان قد دخل في ملك مسلم لم يحل إحياؤه، بل الإمام ينتظر به ظهور المستحق أو وارثه، أو يبيع ويحفظ  ثمنه لهم، أو يستقرضه لبيت المال على ما يراه   وقال أبو حنيفة يلتحق ذلك بالموات \rوأما ما جرى عليه ملك في الجاهلية لا في الإسلام ، فإن أمكن تعرف كيفية دخولها تحت أيدي المسلمين فليتعرف، فإن أخذوها عنوة سلك بها مسلك الغنائم ، ثم حصة الغانمين إذا لم يظهروا كملك مسلم خفي عينه ، وإن كان من غير إيجاف خيل وركاب فسبيله سبيل الفيء ، فإن أشكل الأمر وحصل اليأس عن الاطلاع ففي جواز إحيائها قولان منصوصان:\rأحدهما: الجواز؛ لأنه لا حرمة للآثار القديمة للكفار، ولذلك يملك ركازهم  من يطلع عليها ","part":1,"page":153},{"id":650,"text":"والثاني: أنه لا يملك؛ لأنه قد جرى عليها ملك، وأما الركاز فسببه أنه عرضة الضياع، فالأولى به واحد، ونحن قد نملك الملتقط اللقطة للحاجة، فهذا لا يستبعد \rوقال الشيخ أبو علي: ما ظهر فيه التقادم حتى انتهى إلى زمان عاد  وثمود  فلا وقع لذلك ، وإنما الأثر لما يقرب، ومعظم الأصحاب على مخالفته، وطرد القولين مطلقًا ، ثم لعل الشيخ يضبط بما لا ينتهي إليه ضبط الناقل إلا على إجمال لتقادمه \rفأما ديار الشرك، فالعامر منها ملك الملاك، تملك عليهم بطريق الاغتنام عند القهر، وبطريق الفيء عند انجلائهم عنها مرعوبين \rوأما الغامرة فقسمان: قسم يذبون عنه المسلمين ، فإذا استولينا عليها نزل الغانمون أو أهل الفيء فيها منزلة المتحجر في الموات \rوقد ذكر الشيخ أبو علي سوى هذا وجهين:\rأحدهما: أنه يكون بخلاف المتحجر لإثباتهم اليد عليها مع قصد التمليك، فهو كالإحياء \rوالثاني: أنه لا يختصون به أيضًا؛ لأن ملك الموات منوط شرعًا بالإحياء، والاستيلاء سبب الملك في الأموال لا في الموات ، والظاهر ما نقلناه أولاً \r\rوإن  كانوا لا يذبون عنه فيملكه من أحياه، كافرًا كان أو مسلمًا، بخلاف بلاد الإسلام، فإنه لا يملكه الكافر بالإحياء \rفرعان:\rأحدهما: أنا إذا قررنا أهل الحرب في بلدة بطريق المصالحة على أن لا نتعرض لديارهم بجزية بذلوها لا يجوز للمسلمين إحياء حوالي البلد، بل يختصون بها إذا كانوا ممن يذبون عنها ، وليس اختصاصهم على حد التحجر؛ فإن هذا الاختصاص دائم، وأثر التحجر ينقطع بالتواني ومضي المدة ، على ما سيأتي \rالثاني: أن جهات التمليكات جارية في الحرم جريانها في غيره ، فأما عرفة ففي إحيائها ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه يجوز ذلك ؛ لانتفاء أثر الاختصاص، ولأنها لا تضيق عن حجيج العالم وإن كثر الإحياء ","part":1,"page":154},{"id":651,"text":"والثاني: المنع ؛ لارتباط حق الوقوف بها لكافة الخلق، ولأنه لو فتح هذا الباب فيؤدي إلى الاستيعاب، ومنع الحجيج \rوالثالث: أن ذلك يجوز، ثم يبقى حق الوقوف للحجيج  ثم اضطربوا في تفصيل هذا الوجه، منهم من قال: يبقى حق الوقوف وإن لم يضق الموقف، حتى لو قصد الموضع المملوك رهط من الحجيج لم يمنعوا ، ومنهم من لم يجوز استطراق الملك ما دام فيه متسع \rالشرط الثاني: الانفكاك عن حمى  رسول الله \\، وحمى الأئمة، فإن أحيا بقعة من حمى الحمى، ففيه وجهان كما سنذكره في إحياء الأرض المتحجرة ، وهذا إذا كان لا يملك؛ لأن الحمى حكم ثابت، وأما المتحجر فما هو إلا علامة وسبق إلى العمارة ، فإن قيل وما معنى الحمى قلنا: صورته أن يحمي الإمام مرعى لإبل المصالح، ويمنع نعم العامة عنه ، وقد صح أن رسول الله \\ حمى لخاصته وللمسلمين من نعم الجزية والصدقة وغيرها \rقال الإمام الشافعي رحمه الله: والذي  عرفناه نصًا  ودلالة  عن رسول الله \\ أنه حمى النقيع  ، وهو بلد ليس بالواسع ، وحمى رسول الله \\ لا سبيل إلى إنكاره، وكان للعرب حمى، وكان الكثير منهم يحمي لنفسه إذا انتجع  بلدًا مخصبًا مقدار ما ينتهي إليه عواء الكلب من الجوانب بعد استعوائه  على نشز  من الأرض ، ومثل ذلك فاسد قطعًا من آحاد الناس، وهو ثابت لرسول الله \\ \rوأما الأئمة والولاة فليس لهم ذلك في خاصتهم  وهل لهم ذلك في مصالح المسلمين فعلى قولين:\rأحدهما: المنع ؛ لأن هذا ينبني على المصلحة، وكان رسول الله \\ أعرف بمصالح العواقب، وكان ذلك من خصائصه ","part":1,"page":155},{"id":652,"text":"والثاني: الجواز ؛ لقول رسول الله \\: >لا حمى إلا لله ولرسوله وللأئمة بعده<  وصح أن عمر | حمى بعد رسول الله \\ الربذة ، وولى حماه مولاه هنيّ  |، وقال: >يا هني، ضم جناحك للناس ـ أي تواضع ـ واتق دعوة المظلوم؛ فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة  والغُنيمة ، وإياك ونعم ابن عوف، ونعم ابن عفان، رضي الله عنهما؛ فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع ، وإن رب الغنيمة يأتيني بعياله فيقول: يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين، أفأتركه أنا فالكلأ أهون علي من الدينار والدرهم<  وأراد أنه إن هلكت ماشيته احتجت إلى الإنفاق عليه من بيت المال \rالتفريع: إن جوزنا للإمام الحمى، ففي نقضه لإمام آخر بعده بالمصلحة قولان:\rأحدهما: أنه لا يجوز ؛ لأنها بقعة أرصدت لخير من الخيرات، فأشبه المسجد؛ فإنه لا يغير وإن تغيرت المصلحة \rوالثاني، وهو الصحيح:  جوازه ؛ لأن هذا اختصاص بمباح، والمسجد كان ملكًا فأزيل عنه الملك، وهذا بني على المصلحة، فليتبع المصلحة \rوأطلق الأصحاب أن حمى رسول الله \\ لا ينقض؛ فإنه نص، والنص لا ينقض، وحمى غيره اجتهاد فلا يبعد فيه النقض \rوحكى الشيخ أبو علي وجهًا أنه إن تبين بناء رسول الله \\ الحمى على سبب فزال ذلك السبب جاز تغييره، ولا نقول: يزول بمجرد زوال السبب؛ فإنه في محل الخلاف، فلا بد من حكم إمام متبع ، فتحصلنا على خلاف مرتب على حمى الإمام، وها هنا أولى بالمنع ، ثم إذا طرقنا النقض إلى حمى الإمام، فللحامي أن ينقض حمى نفسه إذا ظهرت فيه مصلحة، ولا يحتاج فيه إلى الضرورة ","part":1,"page":156},{"id":653,"text":"الشرط الثالث: أن لا يكون الموات حريمًا للمعمور ، فإن كان حريمًا فليس خاليًا عن نوع من الاختصاص، والموات هو الخالي عن الاختصاص  فإن قيل: وما حد الحريم قلنا: قال أبو حنيفة: كل بلدة محفوفة بموات يختص أهل البلدة بإحياء ما حواليها إلى مقدار صيحة من كل الجوانب، وليس لغيرهم ذلك ، ورد الشافعي على أبي حنيفة ذلك ، واستشهد بما روي أن رسول الله \\ أقطع ابن مسعود  موضعًا سمّاه  بين ظهراني العمارة في قصة حكاها \rفنقول: حد الحريم: الأملاك منقسمة إلى ما يتاخم الموات، وإلى ما يتاخم الشوارع، وإلى ما يجاور الأملاك\rفأما ما يتاخم الموات، فلها حريم من الموات ، وهو ينقسم إلى: حريم يتعلق به صون الملك وبقاؤه وإدامته، فهذا القدر لا سبيل لأحد إلى التصرف فيه ، حتى لو حاول إنسان أن يحفر بالقرب منه بئرًا، أو نهرًا عميقًا يخاف منه ضرر البناء فهو ممنوع منه   وهذا الحكم الوقاية للملك ، ويظهر ذلك في القنوات في أراضي الموات، فيحرم على غير المالك التصرف في الموات على وجه ينقص الماء، أو يهدم القناة، أو يتوقع ذلك، ولو أراد مريد أن يجري الماء في قناة تعارضها ويتوقع انقلاب الماء إليها، فهو ممنوع ، ويختلف ذلك برخاوة الأرض وصلابتها ","part":1,"page":157},{"id":654,"text":"فأما ما لا يتعلق بوقاية الملك فهو الذي يتعلق بالمتَّسَعِ، والمُضطرَب، وذلك إذا فرض في القرى، فمطرح التراب والزبل، ومناخ الإبل، ومجمع النادي، وملعب الصبيان، ومرتكض الخيل، فكل ذلك من الحريم المخصوص، فأما المحتَطب والمرعى الذي تنتشر فيها البهائم، فما يبعد لا يستحقه أهل القرية، وما يقرب وهو الذي تدور عليه البهائم عند استشعار خوف في إبعادها من القرية، فقد ذكر الشيخ أبو علي فيه اختلافًا، والظاهر أنه ليس من حقوق القرية، فأما ما يفرض للدار فمطرح التراب والكناسات، ومطرح الثلج، والممرّ في الصّوب الذي فتح فيه الدار، ولو أحيا محييٌ في قبالة باب الدار، وأفتقر الأول إلى الازورار فله ذلك؛ إذ لا يستحق المرور في طول الامتداد في صوب الباب\rفأما الأملاك المجاورة للشوارع فقد بينّا في كتاب الصلح أحكامها في المرازيب، والأجنحة، وفتح الباب، وغيرها، وأما الأملاك المتلاصقة فلا حريم لها؛ لأن الأمر متعارض من الجانبين، وإنما الحريم لما صودف في وسط موات، وعند هذا لو حفر في داره بئرًا عميقًا ولم يجاوز فيه المعتاد فلا حجر، وإن كان يخاف على بناء الجار حتى لو انهار فيه جداره فلا ضمان عليه؛ لأن المنع من التصرفات الناجزة بضرر مرتقب للغير لا وجه له؛ فإنّه يؤدي إلى تعطيل الملك، فإن قيل: لو كانت الدار محفوفة بدورٍ مسكونة فانتصب أحد السكان فيها قصارًا، أو حدادًا، أو اتخذ حمامًا، قلنا الظاهر المنع في مثل هذه الصور؛ نظرًا إلى ما عُهد قديمًا، وليس ينفك عن احتمال، ولو اتخذ داره مدبغة وآذى الناس بالروائح المنتنة فقد تردد الشيخ أبو محمد في هذا؛ فإنه لا ضرر للملك، وإنما المالك هو المتضرر به\r\rالفصل الثاني: في كيفية الإحياء","part":1,"page":158},{"id":655,"text":"والضابط فيه أن ما يعد في العرف إحياء فهو المملك، وما لا فلا ، هذا إذا لم يرد فيه توقيف ينزل على العرف، وأجمع الأصحاب على أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد ، والأرض تقصد بالإحياء لأربع جهات، للزريبة، والمسكن، والبستان، والزرع، أما الزريبة فيملكها بالتحويط حولها وإن لم يظهر ارتفاع الجدران، ولكن يتبع فيه رسم الزريبة ، وإن نصب حواليه الشبوك والقصب لم يملك؛ فإن هذا عادة المنتجع المجتاز لا عادة المتملك ، وإن بنى على طرف بناءً وحوّط فيه بالشوك والقصب، فقد ذهب بعض أصحابنا وهو المنقول عن القاضي أن ذلك يكفي ، وكان الشيخ أبو محمد يقول لا يملك إلا محل البناء \rوأما المساكن  فلا بد فيها من التحويط اللائق بالمساكن وتسقيف بعض المساكن، ولا يكفي مجرد التحويط \rوأما البستان فيشترط فيه التحويط، وحفر الجداول، وتهيئة مجرى الماء ، ولا بد من الغرس ، وهل يشترط أن يعلق الغرس فيه خلاف ، ولكن ليجمع ترابًا حوله، ولا بد من التكريب  والتقليب بالثيران والفدان  أو المساحي ، ولا بد من إجراء الماء؛ لأنه وإن كان من نهر عد، أومن طريق شراء كفى، وإن حفر لها بئرًا فكمثل ، واختلفوا في اشتراط بث البذر، وهو كغرس الشتل، منهم من ألحق  بالغرس وأوجبه ، ومنهم من فرق؛ لأنه لا يسمى بستانًا قبل الغرس، ويسمى مزرعة ، فهو كالسكون في المسكن فإنه لا يشترط ، ومنهم من خرّج من هذا وجهًا في الغرس: أنه لا يشترط أيضًا ","part":1,"page":159},{"id":656,"text":"فأما إذا عمد إلى موات وحرثه وزرعه بناءً على المطر، فقد تردد فيه صاحب التقريب ، فقال: يحتمل أن لا يكتفى؛ لأن هذا لا يعتقد أمرًا مؤبدًا ما لم يكن للأرض معتمدٌ من الماء ، ويحتمل أن يكتفى؛ إذ من المزارع ما يعتمد مؤبدًا ما لم يكن للأرض معتمد من المطر، وهو أحد جهات السقي ، ويحتمل أن ننظر إلى عرف البقعة؛ فإن كان ذلك يعتاد فمملك ، وإلا فهو كطالب رزق على غرر، وليس متملكًا ، وفيما نقلناه عن الأصحاب من الاختلاف بالقصد فيه احتمال ونظر؛ إذ ينقدح أن يقال: كل ما هو طريق في التملك في جهة عند القصد ينبغي أن يتملك به ، وإن قصد جهة أخرى كالتحويط ينبغي أن يكفي في المسكن؛ لأنه يملك الزريبة ، وتقليب الأرض وتسويته مع نصب الجداول يملك المزرعة، فليملك وإن قصد البستان ، ثم هو على خيرته في استتمام العمارة، وقد أشار صاحب التقريب إلى أن هذا محتمل، والنقل عن الأصحاب ما ذكرناه \rويتأيد هذا الاحتمال بأمر، وهو أن من يتبع ظبية ليمتحن شدته وقوته، يملكها إذا ثبتت يده عليها، وإن لم يقصد التملك ، وكذلك من جمع الحشيش في وعاء ليجلس عليه عند الركوب، ملكه وإن لم يقصد؛ لأنه في نفسه مملك بحال ، وليس هذه كظبية تدخل الدار فيقوم إلى الباب وفاقًا ويغلق، فإن في التملك ترددًا؛ لأن اليد لم تثبت من حيث الصورة ، وإنما يعد مستوليًا إذا قصد التحويط بعد إحياءٍ في صورته أضمر المحيي سكونًا أو غراسًا أو زرعًا،  فإن أبدى من الأصحاب مبد منعًا في صورة الاستشهاد فقد أبعد ","part":1,"page":160},{"id":657,"text":"والضابط في القصد أن كل فعل لا تردد فيه كالتحويط، وبناء المساكن مملك وإن لم يقصد التملك ، وهو من الأقوال كالصرائح ، وما يتردد فيه فقد يفعله من ينتفع ثم يعرض كالزراعة، فلا بد فيه من القصد ، وهو كالكنايات  من الألفاظ، وما لا يقتصر عليه المتملك أصلاً فلا يفيد التملك وإن انضم إليه القصد، كالتسوية للأرض لأجل النزول عليه ، وهو من الألفاظ، كما لا ينبئ عن معنى الطلاق، ونظائر ذلك يجري أيضًا في الصيد على ما سيأتي في موضعه \rواستتمام هذا الفصل ببيان حكم التحجر، وهو عبارة عن نصب أعلام، أو جمع تراب حول الأرض ، وفائدته اختصاص المتحجر بإحيائه وامتناع الزحمة بغيره ، وقد اختلف الأصحاب في مسألتين:\rإحداها: أنه لو هجم غيره على الاختصاص، وباشر الأحياء مع الامتناع، هل يملك وفيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه يملك ؛ لأنه اختصاص بسبب قوي كامل في التملك، والتحجر سبب ضعيف لا يفيد التملك، والمنع منه يضاهي المنع من السوم على السوم ، وهو تقديم بالسبق، فلا يفيد السبب \rوالثاني: انه لا يملك ؛ لأنه اختصاص متأكد أفاد المنع من الإحياء، فالإحياء الممنوع لا يفيد الملك ، ويلتفت هذا الخلاف على الخلاف في الاستيلاء على صيد يوجد في مزرعة الغير ، أو طير يعشش في داره؛ فإنه ممتنع ، وفي ترقب الملك عليه خلاف، مع أن صاحب الملك لا يملكه، ولكن له اختصاص به ","part":1,"page":161},{"id":658,"text":"والوجه الثالث: أنه إن اعتضد بإقطاع الإمام أعني التحجر منع ملك الغير، وإلا فلا ، واتفقوا على أن أثر الإقطاع في تخصيص المقطع كالتحجر حتى يمتنع على غيره العمارة ، وليس من محل الخلاف  في التحجر ما إذا كان قد وضع أساس الجدار ورفعه أدنى ارتفاع، وإن لم يملك، فيمتنع على غيره التملك؛ فإن الإحياء قدم على التحجر لقوته، وإذا افتتح العمارة فقد قوي التحجر، فيتقدم على فعل المحيي ويتأكد به المنع ، ولا أيضًا من محل الخلاف ما إذا أعرض عن العمارة بعد التحجر، والحد فيه أن يمهل مقدار ما يتهيأ أسباب العمارة، ويتمهد العذر فيه، فلو تحجر ليعمر في السّنة القابلة لم يكن له ذلك؛ لأن الموات على الإباحة، فإنما له حق السبق، فليشتغل بالعمارة ، فإذا مضت مدة تزيد على تهيئة أسباب العمارة عاد إلى الاشتراك، وبطل السبق والاختصاص \rالمسألة الثانية: بيع المتحجر تلك البقعة، وفيه وجهان:\rأحدهما: المنع؛ لأنه لا ملك له \rوالثاني: الجواز ، فيعتمد العقد حق الاختصاص كبيع علو البيت دون السفل على ما ذكرناه في الصلح ، والأصح المنع \rوهذا تمام النظر في أركان الإحياء وشرائطه، وليس من شرائط الإحياء إذن الإمام ، خلافًا لأبي حنيفة ، وليس للذمي عندنا إحياء موات دار الإسلام ، خلافًا له \r\rالباب الثاني: في مقاعد الأسواق والاختصاص بالأماكن من غير تملك","part":1,"page":162},{"id":659,"text":"والأصل في الشوارع الاستطراق ، ولكن لا منع من الوقوف في الطرق، والقعود إذا لم يضيق الممر، ويتيسر السبيل على الطارقين ، ولو قال الطارق: لا أمرّ إلا بموضع جلوسه لم يكن له ذلك؛ لأن الاشتراك ثابت والأغراض متبعة  فلا يمنع من الجلوس في مكان البيع والشراء، على شرط أن لا يضيق ، وليس لغيره بعد جلوسه أن يزعجه ، أو يزاحمه ، ولا يحتاج هو إلى إذن الإمام كما في إحياء الموات ، ولا يجوز لغيره أن يجلس حواليه بحيث  يعسر عليه الكيل والوزن، وهو كالحريم للموات ، والمتبع فيه العادة، وقد يختلف بكثرة القاعدين وزحمتهم؛ فإنهم قد يتضامّون عند الكثرة \rوالنظر عند هذا فيما يبطل به هذا الحق، وفيه مسائل:\rإحداها: إذا كان ينتاب بقعةً للمعاملة، فلا يزول حقه بمفارقته ليلاً، وتخلفه يومًا ويومين بعذر ؛ لأن أظهر المقاصد أن يعرف مكانه حتى يعرفه المعاملون، فيجب الوفاء بهذا الغرض، وهو ينتفي لو أبطل بهذه المفارقة  حتى لو بعد لغير غرض لم يرجع، ولكن كما قام فيجوز لغيره أن يجلس مكانه؛ فإنه لم يبق له غرض  وإن أضرب عن ذلك المكان بالجلوس في مقعد آخر وسفر بعيد وغيبة متمادية، أو ترك الحرفة أو انتقال إلى أخرى لا يتهيأ لها ذلك المقعد فيبطل حقه ، ولو استقر به ضرورة لسفر فلا ينقطع حقه في الحال، وإن طالت الغيبة يبطل ؛ لأن المقصود لا يعامل غيره، وذلك يفوت بطول الغيبة ، وإن كان عن ضرورة فيبطل اختصاصه أيضًا ، فالمحكّم فيه العرف، فإن ظهر أنه أضرب بالعرف سقط، وإلا فلا  وإن اعتدل الظنّان، فلعل الأظهر الحكم بدوام الاختصاص \rفرع: لو جلس مكانه في حال غيبته التي لا تسقط حقه وبنى الأمر على أن يزعج ويسلم المجلس إذا عاد فالظاهر أنه لا يمنع منه ، وهو كمن يجلس ليلاً أو نهارًا لا لغرض المعاملة، فإنه لا يحل بحقه ، ويمتنع أن يقال هو ممنوع؛ لأنه لا يظهره الزمان الطويل","part":1,"page":163},{"id":660,"text":"المسألة الثانية: نقل الأصحاب وجهين في أنه إذا طال زمانه هل يزعج فاعتبروهما بالوجهين في البقاء على المعدن العدّ  كما سنذكره ، وهذا أبعدهما هنا ، ولكن وجهه أنه يضاهي المتملك إذا طال زمانه، والمعادن  إن كانت على الاشتراك، فإذا طال زمانه فكأنه يبغي الاختصاص بها ، وكذلك المقاعد منافعها مشتركة كأنه استوفاها، فلا ينبغي أن يحسم على غيره ، ثم ضبط الزمان في هذا عسير، ولا بد من الالتفات على الزمان الذي يتسع فيه المتجر والمكسب \rالمسألة الثالثة: الرباطات  المسبلة على السابلة  مشتركة، والسابق إلى بعض بيوتها لا يزعج ، ولا يسقط حقه أيضًا بالغيبة ، ولا يلزمه تبقية قماش أو خادم؛ فإنه قد لا يثق به، وقد يحتاج إلى أن يسير في مآربه ، وإذا طال الزمان ففي إزعاجه الخلاف المقدم ، وهذا يظهر في المبنّي لغرض إذا تم غرضه، كالمدرسة وما بني لتعليم القرآن ، فأما ما لا ينتهي الغرض فيه فالضبط فيه عسير، ورعايته أن يفوض الأمر إلى الوالي؛ إذ ذاك يختلف بالبقاع والأشخاص والأحوال، فإذا رأى المصلحة فله ذلك \rالمسألة الرابعة: في المساجد: وهي مشتركة، والسابق إلى بقعة لا يزعج ، وهل يستحق العود إليها إذا فارقها ليلاً أو نهارًا قياس مقاعد الأسواق ثبوت ذلك، ولكن الشيخ أبو محمد كان يأبى ذلك، وإليه مال صاحب التقريب ؛ لأن غرض معرفة الإيلاف لمكانه ظاهر في مقاعد الأسواق، ولا غرض في المسجد، وإنما هي كمتحدّث الناس ، نعم يظهر الاختصاص في صلاة واحدة إذا غاب في اتساع الوقت وعاد ، فلو رغب في الصلاة وعاد فقد ذكر الشيخ أبو محمد وجهين :\rأحدهما: أنه أولى به \rوالثاني: أنه [إن]  عاد قبل تمام الصلاة لم يزحم وكان أولى به ، وقد صح عن رسول لله \\ أنه قال: >إذا قام أحدكم من مجلسه فهو أحق به إذا عاد إليه< ","part":1,"page":164},{"id":661,"text":"الخامسة: أن الإمام هل له أن يقطع مقاعد الأسواق  الذي ذهب إليه معظم الأصحاب أن له ذلك ، كما في المعادن الظاهرة، فقد اجتمع عليه الأصحاب ، وشهد له الخبر ، ولعل المآخذ فيه أن ما يرتبط باجتهاد فهو الذي يدخله الإقطاع، بكون الأرض مواتًا وكيفية الإحياء ، فأما المعادن الظاهرة فلا يخفى أمرها ، وأما المقاعد فيفرض فيها التنافس، ولكن التنافس لو كان كافيًا فهو جار في المعادن أيضًا ، وعلى هذا الخلاف يلتفت مراجعة الإمام في تنحية من طال زمانه إن رأينا تنحيته \r\rالباب الثالث: في نيل  المعادن\rوهي تنقسم إلى ظاهرة، وإلى باطنة، فأما الظاهرة فكل ما لا يحتاج إلى عمل وتعب في إظهاره ، كمعدن الملح المائي والجبلي، وكذلك النفط ، والقير  والمومياء ، والكبريت ، والمياه العذبة في العيون والأودية، وكذلك أحجار الأرحية، وأحجار البرمة ، فإنها ظاهرة، وإنما التعب في فعلها ونقلها، لا في إظهارها ، وكذلك لو ظهر في مسيل الماء ذهب جرفه السيل، وأظهره، وهو يلتحق بالمعادن الظاهرة \rوحكم جميعها أنه لا يتطرق الإقطاع من الإمام إليها، بل الخلق فيها شرع، لا يحجّر فيها، و لا ملك، ولا إقطاع ، وروي >أن أبيض بن حمال المأربي  | استقطع رسول الله \\ ملح مأرب ، فأقطعه إياه، فقال: يا رسول الله، إنه كالماء العد، فقال : فلا إذن<  وإنما هم رسول الله \\ بالإقطاع لأنه لم يحسبه ظاهرًا ، ثم للسبق فيه أثر لا ينكر، حتى إن السابق أولى بأن يأخذ منه حقه ويقضي حاجته على الوجه اللائق بمثل حاله في مثل هذا المعدن ، فلو جمع مائة  حمار وكان يردد الحمر جائية وذاهبة فليس له ذلك؛ لأنه ينتهي إلى العكوف والملازمة، وإبطال حق الشركة، وهي كالسابق إلى مجلس الخصومة يقدم في خصومه واحدة على الوجه اللائق به ","part":1,"page":165},{"id":662,"text":"والرجوع في الضبط إلى العرف ، فإذا قضى وطره اللائق به جاز لغيره أن يزاحمه، وله أن يزعجه، بل يشتركان في الأخذ بعد ذلك ، فلو طال مقامه ولم يمنع غيره من الزحمة ففي إزعاجه خلاف، والظاهر أنه لا يمنع ، ومنهم من منع لمجاوزته حد الآخذين في العادة ، ولا خلاف في أنه لو كان يبكر كل يوم أو يبعث غلمانه يتناوبون أنه لا يمنع، ولكنهم يشاركون كما ذكرناه ، ثم لا يجوز التناهب عند التناوب، بل لا بد من الاستواء، وليس ذلك كلقط المنثور؛ فإن ذلك مبني على الاحتواء كما يتفق \rفروع:\rأحدها: أنه لو تساوق رجلان ولم يستمكنا من الاشتراك لضيق المدخل ففيه أوجه:\rأحدها: أنه يقرع بينهما، فمن خرجت قرعته يستوفي غرضه أوّلاً كما قدمناه \rوالثاني: أن الإمام يقدم بالاجتهاد من رآه أحوج إليه وأولى به \rوالثالث: أن القاضي ينصب من ينوب عنهما، فيتحصل لهما إن وجد من يقوم به ، وإلا فلا بد من الرجوع إلى القرعة ، وكذلك إذا لم يظهر للإمام ترجيح أحدهما في الوجه الثاني فيرجع إلى القرعة \rالثاني: إذا سوى أرضًا على الساحل، واحتفر فيها حفيرة يدخل الماء إليها وينعقد الملح، فهذا مما يختص به المحتفر ، هكذا قاله الأصحاب ، وهو متجه إذا قصد الإحياء واتفق انصباب الماء فيه وانعقد ملحًا ، ولو تعذر به حدث الملح فهذا أخذ دائم، وقد يميل إليه جهة المملحة وهو طلب الاختصاص دائم في مشترك \rالثالث: أن العين العد إذا احتف به قوم سبقوا إليه وأحدثوا بساتين ومزارع  وكان الماء كافيًا من غير مزيد، فلحق لا حق واستحدث بستانًا لم يشرك الأولين إلا فيما يفضل عنهم، ولا ينقطع حق الأولين بطول الزمان، ولا نحكم فيه بالتناوب، بل يبقى هذا الانتفاع دائمًا ، وفيه مزيد نظر سنشير إليه في آخر الباب ","part":1,"page":166},{"id":663,"text":"القسم الثاني: في المعادن الكامنة التي لا يظهر نيلها إلا بالعمل ، كالذهب والفضة والفيروزج، وما هو مبثوث في طبقات الأرض ، وقد تردد الشيخ أبو محمد في الأحجار التي فيها جواهر وأثرها ظاهر عليه لظهورها وافتقار مستخرجها إلى تعب \rوقد اختلف قول الشافعي رحمه الله في أمرين :\rأحدهما: أن الإمام هل يقطعها وفيه قولان ، وقد قطعنا بجوازه في الموات ، ومنعه في المعادن الظاهرة ، وترددنا في مقاعد الأسواق، والظاهر جريانه ، واختلف القول في المعادن الكامنة، ويمكن أن نضبط الأقسام بالملك، فيقال: ما يطلب منه الملك جرى فيه الإقطاع؛ فإنه الاختصاص الأظهر، وما لا يتصور فيه الملك ولا اختصاص الانتفاع فلا إقطاع فيه كالمعادن الظاهرة، وما يتصور فيه اختصاص الانتفاع دون الملك كمقاعد الأسواق ، وفيه خلاف ذكرناه، فالمعادن الباطنة ينبني على أنها هل تملك بالعمل عليه فإن قلنا: تملك، فيجري فيها الإقطاع ، وإن قلنا: لا تملك، ففي الإقطاع خلاف ، هذا هو الضبط\rالأمر الثاني: وهو أن السابق إلى العمل إلى هذه المعادن مستغن عن الإقطاع، ولكن هل يملك إذا عمل عملاً أظهر النيل  فيه قولان :\rأحدهما: أنه يملك كالموات إذا أحياها، فإذًا إحياء هذه البقعة في إظهار فائدتها \rوالثاني: أن رقبة المعدن لا تملك ؛ فإن الموات يتهيأ للانتفاع الدائم بالإحياء، والمعدن  لا يظهر ظهورًا يستغنى فيه عن العمل، بل يفتقر في إظهار الباقي إلى ما افتقر إليه الأول \rالتفريع: إن قلنا: إنه يملك، تفرع عنه مسائل:","part":1,"page":167},{"id":664,"text":"إحداها: أنه لو كان على الأرض عمارة الجاهلية فكأنهم ملكوها ثم تحولت إلى المسلمين، فهو كالموات وعليها أثر عمارة الجاهلية ، وإن قلنا إن الرقبة لا تملك فلا أثر للعمارة، هذه طريقة الشيخ أبي علي، وهي المنقاس ، والذي ذكره الجمهور طرد القولين مرسلاً في الملك من غير بناء ، وضم قول ثالث إليه وهو: أنها إذا كانت عليها أثر عمارة الجاهلية بمثابة المعادن الظاهرة، وهذا فاسد ؛ إذ غاية توجيهه أن يقال هذا الفيء في الإسلام معدنًا فلا يضر اكتتام نيله وهو فاسد؛ إذ لا نعرف خلافًا أن ما يظهر المسلم نيله، وقلنا: إنه لا يملك رقبته لا يلتحق بالمعادن الظاهرة \rالثانية: أنه إذا حفر حفيرة متسعة وظهر النيل في طرفها فلا يقصر الملك على محل النيل ، وهو كالذر وجناح البعوض متبددة، ولا نعدي الملك أيضًا إلى ما يعد البعد إليه خارجًا عن العادة في مثل هذا النيل، والمحكم فيه العرف \rالثالثة: أنه لو باع الرقبة وفيها المعدن لم يصح؛ لأن المقصود هو النيل، وهو مجهول ، وفي مرامز  كلام الأصحاب إشارة إلى الصحة اعتمادًا على الرقبة واتباعًا للنيل ، نعم لو جمع شيئًا من التراب وفيه نيل مجهول فلا يصح بيعه؛ لأن التراب لا يقابل بالمال ولا يقصد ، وقد ذكرنا في الدراهم المغشوشة خلافًا إذا عمّت المعاملة عليه، وإن كانت النقرة مجهولة؛ لأنّ المقصود منها الرواج \rالرابعة: أن يقول لغيره: اعمل عليه، وما يخرجه فهو لك، فما يظهر فهو لمالك المعدن \rوهل يستحق  العامل أجرة المثل يرجع فيه إلى صيغة الإذن وهي أربعة:","part":1,"page":168},{"id":665,"text":"إحداها: أن يقول: أذنت لك في العمل شهرًا ـ مثلاً ـ وما يظهر فهو لك، فالظاهر أنه لا يستحق الأجرة؛ فإنه كان يعمل لنفسه  وحكى القاضي عن ابن سريج وجهًا أنه يستحق ؛ لأنه لم يرض بالعمل مجانًا؛ فإن لم يسلم له ما طمع فيه فلا بد من الأجرة ، وقرب الأئمة هذا من أجير الحجّ إذا صرف الحج إلى نفسه في دوام الإحرام، وهو بعيد عنه؛ لأن هذه صيغة إذن وليس باستعمال، بخلاف الاستئجار في الحج ، ثم يلزم ابن سريج ما إذا عمل ولم يستفد، وهو على قياس قوله يحتمل ترددًا \rثانيها: أن يقول: اعمل الظاهر في هذه الصورة استحقاق الأجرة؛ لصيغة الاستعمال ، وفيه وجه آخر مشهور أنه لا يستحق، وعلى الجملة في المسألة وجهان مشهوران \rثالثها: أن يقول: استأجرتك لتعمل والظاهر في هذه الصورة الاستحقاق، وأبعد بعض الأصحاب فأسقط؛ لأنه قصد أن يعمل لنفسه \rرابعها: أن يقول: استأجرتك لتعمل، ولك نصف النيل الذي تصيبه فيستحق الأجرة في النصف الذي للمالك، وفي النصف الآخر التردد الذي ذكرناه \rفأما إذا فرعنا على أن الرقبة لا تملك، ففيه مسألتان:\rإحداهما: أنه لو أحيا أرضًا ميتًا فظهر فيها معدن، فلا خلاف في أنه يملك المعدن، فإنّ كل ما يظهر في الأرض إلى التخوم ملكه ، ولو ظهر معدن لإنسان فاتخذ عليه دارًا أو بستانًا وزعم أنه موات قصد إحياءه فالظاهر أنه لا يملك؛ لأن مثل هذه البقعة لا تراد إلا للمعدن، ولا تتخذ منه المزارع، فهذا القصد منه احتيال ، وقال بعض أصحابنا: يملك كما إذا لم يعلم فأحياها ثم ظهر المعدن  وعلى الوجه الأول،  فإن قلنا: يملك المعادن أيضًا لا يملك هذه البقعة بهذا الطريق، وإنما الطريق إظهار المعدن ، ولا شك في أن من أخرج ماء قناة ملك الآبار والأشراب ومجرى الماء ","part":1,"page":169},{"id":666,"text":"الثانية: أنه إذا لم يملكه فله اختصاص بسبب السبق  وهل يحيي إذا طال الزمان فيه من الخلاف ما قدمناه في المقاعد والمعادن الظاهرة ، ثم الضبط في هذا بمقدار يظهر فائدة العمل فيه من غير كد يفرض في الأرض ، ولا التفات إلى نيل نادر يتفق بعد، وفي إجراء الخلاف في النيل النادر احتمال، والأظهر النظر إلى الزمان \rواختتام الباب ببيان قول الرسول \\: >من منع فضل الماء ليمنع به الكلأ، منعه الله فضل رحمته يوم القيامة<  والمعني به أن يمنع ماشية الغير فضل ماء بئره ليمنع الماشية الإقامة حوالي البئر، ويمتنع عليهم الكلأ بذلك \rوتفصيل المذهب في هذا أن حفر البئر له ثلاثة أحوال:\rأحدها: أن لا يقصد التملك بالبئر، بل يقصد الانتفاع بماء البئر، فما فضل عن قدر حاجته يحرم عليه منعه عن ماشية الغير، وله حق الاختصاص بمقدار حاجته لا يزاحم عليه لاختصاصه بالحفر، والحديث وارد في هذا القسم، وشرطه أن يفضل عن ماشيته ومزارعه \rومن أصحابنا من خصص وجوب السقي بالماشية، وجوّز منع الغير من سقي المزارع بفضل مائه، ورد ذلك إلى حرمة الحيوان وفيه احتمال على الجملة \rالحالة الثانية: أن يقصد التملك، ولا خلاف في أنه يملك ذلك كما ظهر الماء، ولا يتوقف ذلك على غزارة الماء، وجمة الماء في البئر مملوكة له على الظاهر من المذهب ، فإنّا نجوّز بيع الماء، فله أن يمنع فضل مائه ،  وليس هذه الصورة مرادًا بالحديث، فإنه كالماء المحرز في إنائه وحوضه المسدودة منافذه في ملكه، فله أن يمنع من شاء منه ، فإن اضطر إليه ذو روح محترم وجب عليه بذله بالقيمة ، وذكر الشيخ أبو محمد أنه يحرم عليه منع فضل الماء في هذه الصورة لعموم الحديث ، والصيدلاني أيضًا لم يفصل، وأطلق القول بإيجاب تسليم فضل الماء ","part":1,"page":170},{"id":667,"text":"الحالة الثالثة: أن لا يقصد تملكًا، ولا اختصاصًا بالانتفاع، فلا يملك، والذي ذهب إليه المحققون أنه يساوي كافة الناس في الانتفاع، ومن أصحابنا من قال: هو متقدم بحاجته؛ لأن حفر البئر لا يتعاطاه إلا طالب الاختصاص، فلا تردد فيه، فلا يحتاج إلى القصد كبناء الدار في الموات من غير قصد، وهذا متجه حسن\rفرع: الماء الذي يجري في قناة مملوكة، فللمالك المنع من كل ما يُظهر فيه نقصًا، كالماشية الكبيرة وغيرها، والشرب الذي [لا] يظهر نقصًا الذي ذهب إليه المحققون طرد القياس وجواز المنع، ومنهم من لم يثبت المنع تمسكًا بقوله: >الناس شركاء في ثلاث: النار والكلأ والماء<، وحكم النار والمنع من الاصطلاء به يخرج على التفصيل الذي ذكرناه في الاستقاء من البئر، ولا خلاف في أنه لا يجب على حافر البئر تسليم الدلو والرشا، بل على المستقي تكلف ذلك، إلا إذا كانت ضرورة فيجب ذلك بالقيمة، وقد ذكر القاضي في آخر الكتاب وجهًا أن المهايأة في القنوات المشتركة لا تصح؛ لأنه يتزايد وتختلف حاجة الدهقنة في النوب، وفيه وراء هذا وجهان مشهوران:\rأحدهما: أنه يصح ولا يلزم\rوالثاني: أنه يصح ويلزم\rوالثالث: أنه لا يصح كما ذكره القاضي\r\rكتاب الوقف\rوالأصل فيه السنة والإجماع، أما السنة فما روي عن رسول الله \\ أنه قال: >إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة: ولد صالح يدعو له، وعلم ينتفع به بعد موته، وصدقة جارية< فقال العلماء: هي الوقف على وجوه الخير\rوقال عمر رضوان الله عليه: أصبت مالاً لم أصب مثله في الإسلام، فراجعت في ذلك رسول الله \\، وكان حدائق ونخيل، فقال: >حبّس الأصل وسبّل الثمرة<\rوأجمع المسلمون على أصل الوقف\rنعم حكم الشافعي بلزومه في الحياة، وقال أبو حنيفة: لا يلزم إلا إذا قضى به قاض، أو أضيف إلى ما بعد الموت","part":1,"page":171},{"id":668,"text":"ثم هو في التقسيم الأول  ينقسم إلى ما يضاهي التحرير كجعل البقعة مسجدًا، أو مقبرة ، وإلى ما يتضمن صرف منفعة  إلى الغير، وهو ينقسم  إلى ما يقتصر مقصوده على السكون كالمدارس والرباطات، وهو قريب من المساجد، والمقابر في مأخذ الوقف، وإلى ما يفوّض إلى المستحق، فإن شاء انتفع بنفسه، وإن شاء أشغله وتملك ما يحصل من غلته، وهو يتنوع إلى ما تصرف غلته إلى المساجد والرباطات والمدارس ، وإلى ما يصرف إلى من يتملكه من الأرباب \rوللشافعي رحمه الله في هذا الفن  ثلاثة أقوال:\rأحدها: أن الملك للواقف، وليس للموقوف عليه إلا استحقاق الريع \rوالثاني: أنه يزول إلى الموقوف عليه، ولكنه محبّس يمتنع عليه بيعه، فيثبت ملك التصرف في الفوائد، وملك التحبيس في الرقبة \rوالثالث: أن الملك يزول إلى الله وما يقع مضاهيًا للتحرير كالمساجد لا يتجه فيه إلا هذا القول ، وتفصيله برسم بابين\r\rالباب الأول: في أركان  الوقف\rوله أركان:\rالركن الأول: في المال الموقوف\rوشرطه أن يكون المحبّس بحيث يبغي منه منفعة مقصودة، أو فائدة مقصودة كالثمار ، سواء كان عقارًا أو منقولاً، حيوانًا أو جمادًا، والمنفعة المقصودة يضبطها ما يصح الاستئجار عليه مع قيام الملك في الرقبة ؛ فإن الحر يؤاجر نفسه ولو حبس نفسه على قوم لم ينفذ  ونفتتح الضابط برسم مسائل:\rإحداها: وقف الدراهم لتزيين الدكاكين، اختلفوا فيه كما في إجارته، والظاهر المنع \rوأما وقف الحلي ليلبسه أقوام وبعد انقضائهم أيتام على شرط الوقف فجائز ، ووقف الدراهم ليصاغ منه الحلي صحيح ، كوقف المهر  والعبد الرضيع فإنه صحيح وإن استأخرت المنفعة ، ولذلك جاز أيضًا نكاح الرضيعة ، هذا ما أطلقه الأصحاب، وفيه نظر؛ لأن مصير العبد إلى الكبر بنفسه، والدراهم لا تنقلب حليًا إلا بفعل مستأنف \rالثانية: وقف الكلب المنتفع به، وفيه ثلاثة طرق :","part":1,"page":172},{"id":669,"text":"أحدها: أن يبنى على جواز هبته؛ فإن الوقف تبرع بإثبات اختصاص \rوالثالث: المنع مطلقًا بخلاف الإجارة؛ فإن الحر يؤاجر نفسه ولا يحبس؛ لأنه يستدعي ملك الرقبة، ولا ملك في الكلب \rالثالثة: وقف المستولدة، وفيها خلاف مرتب على الكلب ، وأولى بالصحة؛ لأنها مملوكة، وإنما الممتنع بيعها ، وبني هذا الخلاف على أن ملك الواقف هل يزول فإن قلنا: لا يزول، صح، وإلاّ فلا \rالتفريع: إذا حكمنا بصحته، فإذا مات السيد عتقت، وانقطع الوقف ، بخلاف الإجارة؛ فإنها لا تنفسخ على الظاهر؛ لأن الحر قابل للإجارة، ولا يقبل الوقف \rالرابعة: لو استحق خدمة عبد بالوصية لم يصح منه صرفها إلى غيره بالوقف؛ فإنه لا حق له في الرقبة بحال \rالخامسة: وقف المدبر  صحيح ، ثم إذا  حصلت الصفة كان كحصول الصفة في العبد المعلق بصفة ، وسيأتي حكمه \rهذا تمام النظر فيما يجوز وقفه، والضابط ما ذكرناه ، وذهب بعض أهل العلم إلى أن وقف المنقول لا يصح، إلاّ أن يحبس فرسًا في سبيل الله ، وقال أبو حنيفة: لا يجوز وقف الحيوان، ويجوز وقف غيره ، وعندنا يجوز وقف كلما ينتفع به ، ويمتنع  وقف العبد الزمن الذي لا يرجى زواله، أو وقف ما الانتفاع به في استهلاكه كالحنطة والشعير \rالركن الثاني: في الموقوف عليه\rوالوقف ينقسم إلى: وقف القربة كجعل البقعة مسجدًا، وإلى وقف التمليك\rفأما وقف التمليك فالضابط فيه أن كل من صحت الوصية له صح الوقف عليه ، حتى يصح وقفه على الوارث في صحته، ولا يصح في مرضه ، ويصح الوقف على اليهود والنصارى \rوأما وقف القربة، وهو الذي لا يستدعي تملكًا، فالكفر يمنع منه، كالوقف على البِيَع ، وكتبة التوراة، وشرائها؛ لأنه لا يتملك ولا قابل ، وإنما هو قربة، والقربة على هذا الوجه لا تصح ","part":1,"page":173},{"id":670,"text":"وأما الوقف على المساكين: مذهب بعض الأئمة إلى التحاقه بالقربات، ولذلك يجوز الاقتصار على ثلاثة منهم ، ولا يقف على القبول في حقهم، وعلى هذا يمتنع الوقف على اليهود والنصارى مطلقًا من غير تعيين شخص ، وحكى الشيخ أبو محمد عن القفال أنه كان يلحق هذا القسم بوقف التمليك، ويجوز الوقف على الفسقة والكفار، ولا يجوز على معينين منهم ، نعم في الوصية لأهل الحرب بالسلاح تفصيل يجري مثله في وقف السلاح لا محالة  واختلف الأصحاب في وقف المالك على نفسه، وفائدته الحبس عن البيع، والقياس المنع؛ لأن الوقف لم يشرع لهذا ، ولو وقف على الفقراء وافتقر فهل له حصة فيه خلاف ، وأولى  بالمنع؛ لأنه لم يقصد نفسه، ومقتضى الظاهر الصرف إلى غيره ، ولو شرط لنفسه التولية وأجرة عليه، فإن صححنا وقفه على نفسه جاز ، وإلا فينبني على أن عامل الزكاة إذا كان هاشميًا هل يستحق سهم العاملين  ولو وقف على أن تصرف غلتها إلى زكواته فهو وقف على نفسه \rالركن الثالث: في الصيغة\rوالنظر في أربعة ألفاظ:\rالأول: لفظ الوقف، وهو صريح في الفن الذي يتضمن تمليك المنافع والفوائد ، وتردد الأصحاب في قوله وقفت هذه البقعة على صلاة المصلين وأراد جعله مسجدًا \rالثاني: لفظ التحريم والتأبيد، فإذا قال أبّدت هذه البقعة وغلتها لفلان ـ على الشرط الذي سنذكره ـ أو جعلتها مؤبدة، أو حرمت أو جعلتها محرمة ففيه وجهان: أحدهما صحة الوقف ؛ لأن كل واحدة من اللفظتين سائغة في هذا الغرض ، والثاني: أنه لا يصح ؛ لأنهما يستعملان تأكيدًا للفظ الوقف لا مستقلاً ، هذا إذا أطلق، فإن نوى به مقصود الوقف وقع الاكتفاء به \rالثالث: لفظ التحبيس والتسبيل، فيقول حبّست هذه البقعة وريعها لفلان، الذي قطع به الأصحاب أنها كلفظ الوقف ","part":1,"page":174},{"id":671,"text":"وذهب الإصطخري  إلى أنهما كنايتان ، نقله الشيخ أبو علي وزيفه ، ونقل بعض الأئمة عن الإصطخري أن التحبيس صريح، والتسبيل كناية ؛ لأن رسول الله \\ قال لعمر رضوان الله عليه: >حبّس الأصل وسبّل الثمرة<  ففرق بينهما، واستعمل التحبيس في الرقاب ؛ ولأن التسبيل مأخوذ من السبيل، وفيه إبهام، والتحبيس عبارة عن حبس الملك في الرقبة عن التصرفات ، وقيل عنى رسول الله \\ بتسبيل الثمار صرفه إلى السابلة ، ثم  هذا القائل يقطع بصحة الوقف إذا اقترن بها قرينة كقوله حبّست تحبيّسًا مؤبدًا محرمًا \rالرابع: لفظ التصدق، ولا يحصل الوقف بمجرّد لفظه من غير قرينة، وفاقًا ؛ لأنه صريح في إزالة الملك عن الرقبة في الحال إلى المتصدق عليه  وهل يجوز استعماله مع قرينة فعلى وجهين:\rأحدهما: أنه لا يجوز؛ لأنه صريح في تسليط المتصدّق عليه على التصرف، فلا يناقض القرائن \rوالثاني: أنه يجوز \rوهؤلاء اختلفوا، فمنهم من اكتفى بقوله: تصدّقت بهذه على المساكين صدقة محرّمةً مؤبّدةً، ومنهم من قال: لا بد أن يقطع التصرف عن الرقبة، فيقول: صدقة لا تباع، ولا توهب ، ومنهم من شرط مع ذلك أن لا يجري مع شخص معين يتصور قبوله فيكون اللفظ صريحًا في تمليكه ، واختلف المعتبرون للقرينة في أن النية هل تقوم مقام القرينة فمنهم من قال: نعم؛ لكنايات الطلاق ، ومنهم من قال: هو صريح، فلا ينقلب بالنية، بل لا بد من لفظ يغيره  وهؤلاء أجمعوا على أنه لو جرى هذا مع شخص معين وقبل لم تنفع النية، بل يعدّ صدقة فإنه وجد نفاذًا في موضوعه صريحًا  هذا كله في الإيجاب\rأما القبول: فما ليس من قبيل التمليك لا يفتقر إلى القبول، وما هو من قبيل التمليك، ولكنه على قوم لا ينحصرون، كالمساكين، فلا حاجة إلى قبولهم ، وإن كان على شخص معين فوجهان:","part":1,"page":175},{"id":672,"text":"أصحهما: أنه لا بد من قبوله؛ لأن إدخال الشيء في ملكه على القهر منه على مناقضة وضع القياس، فصار كالهبة \rوالثاني: أنه لا يفتقر إليه، وكذلك لا يفتقر إلى القبض، بخلاف الهبة \rولم يختلفوا في أنه يرتد بردّه وإن لم يشترط قبوله، كالوكيل إذا رد الوكالة ترتد، وإن كنا  نقول: لا تفتقر إلى القبول ، هذا في البطن الأول\rأما البطن الثاني، فلا يشترط قبولهم على الصحيح ؛ لأن القبول حقه أن يقترن بالإيجاب، فهو غير ممكن في حقه، وقد استقر الوقف بقبول الأول ، وأبعد بعض الأصحاب وشرط قبولهم كما في قبول الموصى له وإن تراخى عن الإيجاب، وزعم أن إدخال الشيء في ملكهم قهرًا محال  نعم اختلف الأصحاب في أنه إن لم يشترط القبول، فهل يرتدّ بردهم فعلى وجهين ، وهذا يلتفت على أنهم يتلقون الوقف من البطن الثاني، أو من الواقف، وعلى هذا خرج الخلاف في انقطاع إجارة البطن الأول \rالركن الرابع: فيما يجب على الواقف التعرض له، ليجري الوقف على شرط وضعه\rوفي الشرائط المفسدة للوقف، والمشروطة في وضع الوقف، أربعة أمور:\rأحدها: التأبيد  الذي يناقضه التأقيت والإضافة إلى مصرف لا ينقطع آخره، أو لا يفصل أوله\rوالثاني: الإطلاق  الذي يناقضه التعليق\rوالثالث: الإلزام  الذي يناقضه استبقاء الخيرة\rوالرابع: التعيين للموقوف عليه  الذي يناقضه الإبهام\rوالخامس: ترك التعرض للمصرف أولاً \rونحن نتعرض لحكم الوقف إذا فاتت هذه الشرائط\rأما التأقيت فيقدم عليه مسألة، وهو أنه لو قال: وقفت على أولادي، ولم يقل: فإذا انقرضوا، فعلى من  ففي صحة الوقف قولان مشهوران:\rأحدهما: الفساد ؛ لأنه يؤدي إلى تأقيت الوقف، وهو نقيض وضعه ، ولما حبس عمر رضوان الله عليه النخيل كتب إنها محرمة مؤبدة\rوالثاني: أنه صحيح ؛ لأنه مؤبد بالإضافة إلى عُمْر الموقوف عليه، والنكاح ينتهي بموت المتعاقدين، وذلك لا يدل على تأقيت ","part":1,"page":176},{"id":673,"text":"والصحيح هو الأول،  وبه الفتوى ، وذكر صاحب التقريب قولاً ثالثًا: أن الوقف إن كان في عقار لم يحتمل هذا لأنه يبقى لا محالة، وإن كان في حيوان فتوقع موته يعارضه توقع موت الحيوان والتعرض لذكر أولاده والحيوان لا يبقى غالبًا نوع من الاستقصاء والزيادة \rالتفريع: إن حكمنا بالفساد، فالموقوف باق على ملكه ، وإن صححنا ففيه قولان:\rأحدهما: أنه ينتهي بموته، وينقلب ملكًا ؛ لأن الوقفية مقيدة بعمره فلا تزيد عليه \rوالثاني: أنه يبقى وقفًا ؛ لأنه لو لم يبق لصار الوقف مؤقتًا، وهو تغيير لوضعه \rفإن قلنا بهذا ففيه أقوال أطلقها الأصحاب، وبعضها أوجه من تخريجات ابن سريج ، وحاصلها أن الوقف إذا لم يكن بد من بقائه، وهو قربة، فأهم الجهات في القربات، وأفضلها أولى\rففي قول: تصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف؛ لما فيه من صلة الرحم، وهو أفضل أنواع القربات \rوالثاني: تصرف إلى المحتاجين؛ فإنه أعم جهات الخير \rوالثالث: أنه يصرف إلى المصالح، وهو مصرف خمس الخمس من الفيء والغنيمة؛ لأنها أعم جهات الخير \rوسلك بعض الأصحاب في تنزيل الأقوال مسلكًا رديئًا وقال: مأخذه أنا نقدّر ما يغلب من الواقفين الصرف إليه عند انقراض الأوّلين، فنجعل ما يغلب كأنه تعرّض له، فقائل تخيل الصرف إلى الأقرب أغلب، وقائل تخيل الصرف إلى المصالح أغلب، وهذا رديء؛ فإنه تقدير بعيد وخبط لا مستند له ، فالوجه التوجيه بما ذكرناه\rالتفريع: إن قلنا يصرف إلى المصالح العامة، فالمتصرف فيه الوالي، ولا يبعد عن الاحتمال تفويضه إلى المتولي إن كان في الوقف متولي \rوإن قلنا بالصرف إلى  الأقرب، فاختلف الأصحاب في أمرين:\rأحدهما: أن الحاجة هل تعتبر منهم من اعتبرها ؛ لتحقيق القربة ، ومنهم من قال: الغرض من الوقف أن يكون ذخرًا للأولاد ولا يفنى، وهو ظاهر من مقصود الواقفين ","part":1,"page":177},{"id":674,"text":"والثاني: أن المعتبر أقربهم رحمًا، أو أقربهم إرثًا، فلا مزيد على تقديم الشرع، فابن العم أولى من ابن البنت، والثاني وهو الأصح: أن قرب الرحم أولى؛ لأن المقصود صلة الرحم ، وإن قلنا تصرف إلى المساكين اختلفوا في تقديم الجيران، ومأخذه ما ذكرناه ، هذا حكم المنقطع آخره\rرجعنا إلى التأقيت: المذهب المقطوع به إذا وقف سنة أو سنتين، فالتأقيت باطل ؛ لأن حاصله إلزام عارية، والمنقطع آخره حمل على التأبيد؛ لامتداد العمر تشبيهًا بالنكاح، وأما التأقيت فإنه تغيير لوضعه  ومن أصحابنا من استنبط جواز التأقيت مما ذكرناه، وهو غير معدود من المذهب، وحاصله يرجع إلى رده إلى ملكه بعد مضي المدة، وهو كلام فاحش  نعم إذا أفسدنا التأقيت فهل يفسد الوقف به أم ينفذ مؤبدًا كالعتق المؤقت والطلاق نظر فإن كان من قبيل التحرير كالمسجد يعد مطلقًا ، وإن كان من قبيل التمليك كالمرصد للخيرات، فإن كان يشترط فيه القبول كما فصلناه فيفسد فساد العقود، وكذلك بجميع الشرائط الفاسدة، هذا هو المذهب الصحيح ، وإن كان لا يفتقر إلى القبول وجهان:\rأحدهما: أنه لا يفسد كالمضاهي للتحرير \rوالثاني: يفسد؛ لأنه يتبع فيه الشرائط الصحيحة فتؤثر فيه الفاسدة بخلاف العتق \rهذا حكم التأقيت\rأما التأقيت فيقدم عليه الوقف المنقطع أوله ، وهو أن يقول: وقفت على من سيولد من أولادي، ففي صحة الوقف قولان مرتبان على المنقطع آخره ، وأولى بالبطلان؛ لأنه لم يجد في الحال منشئًا \rقال الإمام: وعكس الترتيب محتمل؛ لأنه لم يحد عن وضعه لمّا بقي مؤبدًا، واستئخار أوله إلى انتظام أمر ليس بعيدًا عن القربات؛ إذ يحتمل مثله في العتق، ولا يحتمل فيه التأقيت في آخره ","part":1,"page":178},{"id":675,"text":"التفريع: إن حكمنا ببطلان الوقف استمر ملكه أبدًا ، وإن حكمنا بصحته ففي مصرفه إلى وجود من يوجد تعود الأقوال الثلاثة ، وقول رابع وهو أنه يصرف ريعه إلى المالك، ويبقى مملوكًا له ينفذ فيه تصرفاته، كالمعلق عتقه بصفة، وهذا يضاهي قولنا في المنقطع آخره أنه يعود الملك إليه ، ويتجه قول خامس: وهو أن الوقف ثابت في الحال ولا ينفذ التصرف، ولكن يصرف إليه الريع \rوإن قال: وقفت على من يفتقر من أولادي، وله أولاد في الحال، فترجع الأقوال قبل فقرهم ، وقول آخر وهو: أنه يصرف إلى الموقوف عليه؛ لأنه أقرب من الأقارب الذين لم يذكر \rفأما إذا صرح بالتعليق وقال: إذا جاء رأس الشهر فقد وقفت داري على المساكين، فقد قطع أئمة العراق بالفساد، ولم يلحقوا هذا بالمنقطع أوله ، وذكر المراوزة خلافًا فيه ، وهو متجه فيما لا يفتقر إلى القبول، بعيد فيما يفتقر إليه؛ فإن العتق يقبل التعليق وإن لم يقبل التأقيت  قال الإمام: وكنت أود أن أجد لبعض الأصحاب وجهًا في جواز تعليق الإبراء، فإذا وجدناه في الوقف فهو متجه في الإبراء وقد قال ابن سريج في تفريعات القول القديم: إن تعليق الضمان جائز فلا يخفى أن الإبراء أولى به \rالتفريع: إن حكمنا بفساد التعليق استمر الملك ، وإن حكمنا بجوازه فتعود الأقوال المذكورة في مصرفه في الحال ، إلا قولنا إن الوقف يتنجز وتلغو إضافته إلى ما سيوجد؛  لأن ذلك مأخوذ من قوله: وقفت؛ فإنه متنجز فلا ينتظر إلى ما بعده، وها هنا صرح بالتعليق ، قال الشيخ أبو محمد: سئل الأستاذ أبو إسحاق عمن قال: وقفت داري على المساكين بعد موتي، فقال: هو نافذ نفوذ التدبير ، ووافقه على ذلك أئمة الزمان، وكان ذلك من الوقائع، فهذا هو صريح التعليق؛ فإن التدبير تعليق \rفروع:","part":1,"page":179},{"id":676,"text":"أحدها: أنه لو وقف المريض على وارثه وبعده على المساكين فمات، ينبني بطلانه على وارثه ، ويخرج في المساكين على الوقف المنقطع أوله، وأولى بالصحة ؛ لأنه وجد منشئًا من حيث الظاهر إلى اتفاق الموت \rالثاني: لو وقف على معين وبعده على المساكين وامتنع عن القبول إن شرطناه، أو صرّح بالرد فيخرّج أيضًا على القاعدة ، وأولى بالصحة؛ لأن الانقطاع من جهة غيره \rالثالث: إذا قال: وقفت على رجل، وبعده على المساكين، ولم يعين الرجل، وصححناه، فيتعين في الحال الصرف إلى المساكين؛ إذ لا يمكن انتظار من لا يتعين بحال من الأحوال \rفأما الإلزام فهو أن يذكر المصارف وما يراه من تقديم وتأخير وتفضيل وتنقيص، ولا يستبقي لنفسه خيرة في التعيين \rوإن قال: على أني بالخيار في التقديم والتأخير ففي صحة الشرط وجهان:\rأحدهما: الفساد؛ لأن الوقف لازم بأصله وتفصيله \rوالثاني: الجواز؛ لان اللازم أصل الوقف وتفصيله يتلقى من الشرط \r\rفإن أفسدناه ففي إفساد الوقف الخلاف المقدم في إلحاقه بالعتق أو قطعه عنه ، ولو شرط لغيره هذه الخيرة فوجهان مرتبان، وأولى بالفساد \rفرع، لو شرط أن لا يؤاجر، الظاهر أنه يتبع سائر شرائطه ، ومنهم من قال: إذا تعين الموقوف عليه فهو تمليك، ولا معنى للحجر مع زوال الملك، فلذلك جوزناه  على جماعة من الكفار  ومنهم من قال: إن شرط أن لا يزيد على سنة، فهو متبع؛ لأنه مصلحة الوقف، بخلاف أصل الحجر ، ولو خصص المسجد بشعار الشافعي، أو بعصابة فالمذهب والقياس أنه لا يتبع؛ لأنه من قبيل التحرير ، ومنهم من جوز للمصلحة ، وفي تخصيص المقبرة بقوم خلاف؛ لتردده بين المسجد ومساكن الأحياء ، وحيث حكمنا بفساد الشرط ففي فساد الوقف التفصيل المقدم ","part":1,"page":180},{"id":677,"text":"فأما التعيين فهو أن يعين الموقوف والموقوف عليه، فلو قال: وقفت أحد عبدي هذين ففي صحة الوقف وجهان ، ومأخذ الفرق والجمع بين العتق وبينه كما ذكرناه في التأقيت، والشرائط الفاسدة ، فإن صححنا فيطالب بالتعيين كما في العتق، وقد يقتضي الحال الإقراع عند موته ، ولو أبهم الموقوف عليه وقال وقفت هذا على أحدهما، فقد قال الأصحاب: هذا لا وجه له ، وكان الشيخ أبو محمد يقول: إن قلنا يفتقر إلى القبول فلا يحتمل الإبهام، وإن قلنا لا يفتقر إليه لم يبعد ثبوته على الإبهام \rفأما الإطلاق فهو أن يقول: وقفت داري؛ ولا يتعرض للمصرف، قال الأئمة: الأصح البطلان ، وفيه وجه أنه يصح ، ثم النظر في التصرف كما ذكرناه تلقيًا من المنقطع أوله وآخره ، وعلى الجملة هذا أولى بالفساد  ولو وقف على الكنائس والبيع وكتبة التوراة لم يصح قطعًا، ولم يحمل على المصارف التي ذكرناها من قبل ؛ لأنه صرح بنقيضه؛ ولأن الوقف قربة أو تمليك، وليس هذا على المنهجين، بخلاف الوقف المطلق فإنه قربة، ثم نحن ننظر في كيفية تقريره \rفرعان:\rأحدهما: لو وقف على شخصين، وصححنا الوقف على المنقطع آخره، فإذا مات أحدهما ففي نصيبه وجهان: \rأحدهما: أن نصيبه كنصيبهما لو ماتا \rوالثاني: أنه ينصرف إلى الشريك الحي؛ لأنه أولى \rالفرع الثاني: أنا لو شرطنا قبول البطن الثاني فردوا أو لم يقبلوا، فتعود الأقوال في المنقطع آخره، وفيه قولان :\rأحدهما: الصرف إلى البطن الثالث، ويجعل ردهم كانقراضهم \rوالثاني: الرد إلى الجهة العامّة المذكورة بعد انقضاء جميعهم من المساكين، أو ما جرى التعرض له \rهذا تمام النظر فيما يتعرض له من الشرائط من التأقيت، والتعليق، والإلزام، والإطلاق، والإبهام، وتمام النظر فيما يفسد من الوقف وما يصح\r\rالباب الثاني: في حكم الوقف الصحيح\rوفيه فصلان:\r[الفصل] الأول: في موجب الألفاظ\rوفيه مسائل:","part":1,"page":181},{"id":678,"text":"الأولى: أن الواو عند الإطلاق فيه للجمع والتشريك، فإذا قال: وقفت على أولادي وأولاد أولادي، فيستوي البطن الثاني والأول، والذكر والأنثى، لأنه ساق الكل سياقًا واحدًا، ولم يفصل ، وليس الواو نصًا في هذا بنفسه؛ فإنه لو قال بعده: بطنًا بعد بطن لم يكن رفعًا للأول، بل كان تنزيلاً له على الترتيب، فدل أنه دائر بين التشريك والترتيب، ولكنه عند الإطلاق محمول على التشريك \rالثانية: إذا قال: وقفت على أولادي، وبعدهم على المساكين، فأولاد الأولاد لا يستحقون في ظاهر الأمر؛ فإنهم أحفاد، واسم الأولاد عند الإطلاق لا يتناولهم ، ومنهم من قال: يدخلون في الاستحقاق، وعلى هذا الظاهر أن أولاد البنات لا يدخلون؛ لأن إضافتهم ونسبتهم إلى آبائهم ، قال الشاعر:\rبنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد \r ومنهم من طرد وحمل على الكل ، وهو بعيد ثم هذا التعميم إذا لم يجر في مساق الكلام تنصيص عليهم بحال، فلو قال: على أولادي، فإذا انقرضوا فثلثه لأحفادي والباقي للمساكين، فهذا يقطع إرادة العموم باللفظ الأول \rالثالثة: الجمل المستقلة إذا عطف البعض منها على البعض، وعقّّب بصفة أو استثناء؛ انعطف الاستثناء على الجمل عند الشافعي، هذا ما أطلقه الأصحاب ، قال الإمام: وهذا ينزل على تفصيل، فإن قال: وقفت على أولادي وأعمامي وأخوتي، إلا الفسّاق منهم، لم يقتصر على الأخوة، بل انعطف على الكل، فأمّا إذا تخلل فصل مثل أن قال: وقفت على أولادي، فمن مات منهم يصرف نصيبه إلى أولاده للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن انقرضوا فعلى أخوتي إلا الفسّاق، فها هنا ينبغي أن يحكم بالاقتصار على الأخوة؛ لتخلل القاطع، وانقطاع الجملة عن الجملة ","part":1,"page":182},{"id":679,"text":"فأما إذا لم يتخلل فصل ولكن نسق البعض على البعض بما يقتضي ترتيبًا كقوله: وقفت على أخوتي ثم بعدهم على أعمامي إلا الفسّاق، فهذا في محل الاحتمال والأصحاب أطلقوا الكلام في هذه الصورة، والاستحقاق للمذكور الأول بين، وانعطاف الاستثناء متردد، فيظهر القصر على الأخير، أو يحتمل ذلك، وأما أمثال الصفات كقولهم: وقفت على أولادي، وأخوتي، وأعمامي الفقراء منهم فينزل أيضًا على تفصيل الاستثناء\rالرابعة: إذا قال وقفت على مصارف الزكوات، صرف إلى الأصناف، إلا العاملين والمؤلفة، أما العاملون فلأن استحقاقهم بطريق الأجرة، وأما المؤلفة فيها تفصيل نذكره في قسم الصدقات، ونبين أنه قربة أم لا، فإن رأيناهم من جهة الخير لم يمتنع الصرف إليهم\rالخامسة: إذا قال: وقفت على الثواب، أو على الخير، قال قائلون: الثواب يحمل على الأقارب، والخير على مصارف الزكاة كما ذكرناه، وتصرف إلى قرى الضيف، فرأوا صرف الخير إلى جهات القربات الثابتة في كتاب الله، وهي محصورة في الصدقات وقرى الضيفان\rوقد قال الفوراني حكاية: إن الفرق بينهما مذهب بعض السلف، والذي ذهب إليه بعض القياسيين: أنه لا فرق ولا اختصاص بجهة من الجهات، بل يجوز صرفه إلى كل ما فيه خير؛ لأن اللفظ العام إنما يتغير بعرف مطرد، ولا يقتضي العرف تخصيصًا، نعم لو صرف ريعه إلى بناء رباط وجعل البقعة مسجدًا، فهذا فيه احتمال من حيث أنه خارج عن العادة في ريع الوقف، فأما الوقف على سبيل الله يقتضي الصرف إلى الغزاة، لقوله تعالى: {ھ ھ ے}، وتفهيمه بالتنزيل على ما نطق به الكتاب فيتعين ذلك فيه\rالسادسة: المولى عبارة عن المنعِم بالعتق، وعن المنعَم عليه أيضًا، وهو الأسفل، فإذا أطلق الواقف، ذكر العراقيون ثلاثة أوجه:\rأحدها: التعميم\rوالثاني: التنزيل على الأعلى؛ لأنّه ظاهر الإطلاق\rوالثالث: الفساد؛ للإبهام","part":1,"page":183},{"id":680,"text":"وما ذكروه يفتقر إلى تفصيل، فإن ذكر المولى بلفظ الوحدات لم ينقدح الجمع، وإنما ينقدح إذا ذكر الموالي ، وما ذكروه من الإبهام ظاهر؛ فإن اللفظ المشترك لا يعبر به عن المسمين إلا على البدل ، ولكن ليس هذا كما لو قال: هو لأحدهما، فإن مراجعة الواقف ها هنا متعين، فيستفسر ولا يبطل لفظه ، فهذه دقائق لا بد من التنبيه لها، وهذا فيه إذا كان له مُعْتِق ومُعْتَق، فإن لم يكن  إلا أحد الجنسين فلا يخفى أنه يتعين التنزيل عليه ، وبهذا يتبين؛ الميزة عن قوله لأحدهما، فإن الصيغة لا يتصور إطلاقها إلا دائرة بين شخصين، بخلاف المولى \rالسابعة: لو وقف على عبد إنسان صح، وكان على سيده ، وفي الوقف على البهيمة خلاف، منهم من أبطل، ومنهم من حمل على المالك ، ولو قال: يصرف الريع إلى عبد الموقوف عليه، فهذا حجر في الوقف، فاسد بالاتفاق وفي إفساده للوقف ما مضى \r\rالفصل الثاني: في أحكام الوقف\rلا يستند النظر فيها إلى اللفظ، وإنما يستند إلى الوضع، وفيه مسائل:\rالأولى: في المتولي\rوالوقف ينقسم إلى: المضاف إلى الجهات، وإلى وقف التمليك للمعينين  فأما الجهات فعلى ثلاث مراتب:\rالأولى: ما يقع قربة كالمساكين والفقراء \rوالثانية: ما يقع معصية كالوقف على البيع والكنائس، وكتبة التوراة، فهو باطل على المذهب \rوالثالث: الوقف على أغنياء المسلمين، فليس في هذا وجه قربة ولا ورد نهي، وفي صحته اضطراب للأصحاب \rوالمقصود جهة القربة ، فإذا ذكرها فلا يخلو إما إن أطلق أو شرط ، فإن أطلق ففي المتولي طريقان:\rأحدهما: أنه ينبني على الملك ، فإن قلنا إنه للواقف فهو المتولي ، وإن قلنا لله فللسلطان  ويبعد في هذه الصورة القول الثالث: وهو إضافة الملك إلى المساكين وهم لا يتعينون ، ولكن إذا لم يبعد إضافة ملك الريع لم يبعد تقديره في الرقبة أيضاَ، وعلى الجملة نصب المتولي منهم ولا تعين لا وجه له ","part":1,"page":184},{"id":681,"text":"الطريقة الثانية: أن المتولي هو الواقف، وإن قلنا الملك لله ؛ لأن هذه قربة، فهو أولى بالقيام بها وتنميتها بالتعهد ، والأصح هو الأول ، فأما إذا شرط إما لنفسه أو لأجنبي فشرطه متبع ، سواء قلنا: الملك لله أو له؛ فإنه لا سبيل إلى إنكار اتباع شرائطه، وهذا كالتتمة للوقف ، وشرطه لنفسه ليس كوقف على نفسه شيئًا، وإنما هو قيام بأمر الوقف ، وإن شرط لغيره فكأنه أشركه في الوقف نوعًا من الاشتراك إذا ثبت له سلطنة، ونحن وإن أزلنا ملك الواقف فلا ينكر اتباع شرائطه ، ولذلك نحكم على الأصح بجواز الحجر في الإجارة وتقدير مدتها إلى غير ذلك من الشروط \rوأما إذا كان الوقف على معين، فهو وقف التمليك، فإن شرط متوليًا فشرطه متبع، شرطًا لنفسه أو لغيره ، وإن قلنا: إن الملك للموقوف عليه، أو الواقف، أو لله، وفي هذه الصورة يبعد تقدير إضافة الملك إلى الله، ولذلك نقول: لو أتلف عليه الموقوف استحق قيمته ملكًا؛ لأن مبنى الوقف على اتباع شرائطه وإن زال الملك ، فأما إذا أطلق، فإن قلنا: الملك للموقوف [عليه]  فهو المتولي؛ إذ له الريع، وله الرقبة ، وإن قلنا لله تعالى فالظاهر أن السلطان لا يتولاه، فإنه إنما يتولى الأمور العامة، وهذا أمر مخصوص لا عموم فيه، فيتولاه الموقوف عليه أيضًا ، ومنهم من قال: يتولاه السلطان اتباعًا للملك ، وإن قلنا الملك للواقف فالظاهر أن الحق له في التولية أيضًا؛ لأن ربط التولية بملك الرقبة أولى من ربطه بملك المنفعة \rفإذا تمهد أصل التولية فالنظر في المتولي في أربعة أمور:","part":1,"page":185},{"id":682,"text":"أحدها: صفاته، ولا بد من أن يكون ذا كفاية، وأمانة فإذا اختل أحدهما فللسلطان أن ينزعه من يده، والحكم في انعزاله لو عزله يذكر في كتاب الوصايا في حق الوصي إذا فسق ومن أصحابنا من قال: إن كان على معينين فلا تشترط العدالة، إلا إذا كان فيهم طفل، نعم لهم أن يستعدوا عليه ويحملوه على المراشد، وهذا بعيد لا وجه له\rالثاني: فيما يتعاطاه المتولي: وعليه القيام بالعمارة وتحصيل الريع، وصرفها إلى المصارف، وصرف الإجارة على موجب النظر\rالثالث: اليد في الموقوف للمتصرف، ويتبع المتصرف إلا أن يستثنيه الواقف فيفوض التصرف إلى شخص؛ فإن تجزئة التولية جائز، حتى لو فوض إليه بعض التصرفات أيضًا، والباقي إلى الموقوف عليه جاز\rالرابع: في الأجرة: فإن شُرط له قدر فهو المستحق، فإن لم يشرط ففي لزوم أجرة المثل خلاف مبني على أن من استعمل غيره من غير أجرة فهل يستحق الأجرة أم لا\rالثانية: العبد الموقوف إذا أتلفه أجنبي التزم القيمة مطلقًا، وفي مصرف قيمته طريقان، منهم من قال: يُشترى به عبدٌ مكانه ويحبس كالأصل، مصرفه مصرف الأصل، وإن لم يوجد عبد صرف إلى بعض عبد، بخلاف الأضحية إذا تلفت فلا يشتري بقيمتها بعض الأضحية إن لم يجد شاة كاملة؛ لان التجزئة تمنع صحة التضحية ولا تمنع صحة الوقف، ومن أصحابنا من قال: يبنى مصرفه على الأقوال، فإن قلنا إنه لله فيشترى عبد كما ذكر\rوإن قلنا للواقف أو الموقوف عليه فالقيمة للمالك ملكًا، وقد انحل الوقف؛ لأنه منوط بالعين وقد فات، وهذا ضعيف؛ فإن تعلق الوقف لا يتقاصر عن تعلق الرهن، وهو يتعدى إلى بدله","part":1,"page":186},{"id":683,"text":"فإن كانت الجناية على  الأطراف، فقد زاد صاحب التقريب فيه وجهًا، وهو أنه يصرف إلى الموقوف عليه ملكًا، تنزيلاً له منزلة الفوائد ومنزلة المهر على ما سنذكره ، وظاهر المذهب أنه كتفويت الأصل ، وإن صدر الإتلاف من الواقف أو الموقوف عليه فحكمه ما ذكرناه ، إلا إذا رأينا صرف القيمة إليهما ملكًا، فلا يتعين إيجاب القيمة عليهما لأنفسهما \rالمسألة الثالثة: في جناية العبد الموقوف، فإن أوجب القصاص فنستوفي، ولا نبالي بالوقف ؛ فإن غرض الزجر يغلب هذه الأغراض ، وإن أوجب مالاً فلا مطمع في بيعه وهو موقوف، والفداء واجب  وهو على من إن قلنا: الملك للواقف فعليه ، وكأنه تسبب بالوقف إلى المنع من البيع فصار كالاستيلاد  وإن قلنا: للموقوف عليه فوجهان:\rأحدهما: أنه عليه نظرًا إلى الملك \rوالثاني: أنه على الواقف؛ لأنه المتسبب إلى المنع \rومن الأصحاب من بنى ذلك على الافتقار إلى قبوله، فإن قلنا: لا بد [فعليه الفداء] ؛ لأنه مضاف إليه التسبب مع الملك ، وإن قلنا لا يفتقر إليه فالمتسبب هو الواقف  وإن قلنا: الملك لله تعالى ففي الفداء ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه على الواقف؛ فإنه المتسبب \rوالثاني: أنه يتعلق بمال الله تعالى، وهو السهم المرصد للمصالح \rوالثالث: أنه يتعلق بكسب العبد ، وهذا أقرب من الضرب على بيت المال \rالمسألة الرابعة: البهيمة الموقوفة إذا نتجت، ففي نتاجها وجهان:\rأحدهما: أنه وقف كولد الضحية ضحية \rوالثاني: أنه ملك للموقوف عليه ، وكأنه فائدته ومنفعته؛ فإن الاستنتاج إحدى جهات الاستفادة من البهائم \rوفي ولد الجارية الموقوفة بالشبهة من سفاح أو نكاح وجهان مرتبان ، وأولى بأن يتعدى الوقف إليه؛ إذ لا يقصد الجارية للولادة، بخلاف البهيمة ","part":1,"page":187},{"id":684,"text":"الخامسة: لو وطئت الجارية الموقوفة بالشبهة وجب المهر،  وصرف إلى الموقوف عليه ملكًا؛ لأنه بدل منفعته، وإن كان لا يحل له وطؤها باتفاق الأصحاب ، ولكن لا سبيل إلى التعطيل، ولا إلى تسرية الوقف إليه، ولا إلى شراء عبد به، فيتعين الصرف إليه ، والمشكل الصرف إليه على قولنا: إن الملك للواقف، ولكن وجهه أنه كمنافع البدن فتصرف إلى مستحق المنافع \rالسادسة: إذا علقت الموقوفة بمولود من وطء شبهة فله ثلاثة أحوال:\rالأولى: أن يكون الواطئ هو الأجنبي، فلا حد، وعليه المهر للموقوف عليه ، والولد حر وعليه قيمة الولد فإن قلنا: ولد الموقوف رقيق بالقيمة ملك الموقوف عليه، وإن قلنا: الولد موقوف فيشترى به رقيق أو شقص من رقيق \rالحالة الثانية: أن يكون الواطئ هو الواقف فيلزمه المهر للموقوف عليه ، والولد حر، وعليه قيمة الولد، ولا نفاذ للاستيلاد إن قلنا: إن الملك لله أو للموقوف عليه ، وإن قلنا: الملك له، فوجهان مرتبان على استيلاد الراهن، وهذا أولى بالمنع ؛ إذ الرهن يتوقع رفعه بالفسخ وأداء الدين، بخلاف الوقف \rالحالة الثالثة: أن يكون الواطئ هو الموقوف عليه، فلا حد ولا مهر ، ولا نفاذ لاستيلاده إن قلنا: الملك لله أو الواقف، فإن قلنا: له، فظاهر كلام الأصحاب تنفيذه؛ لأنه اجتمع له ملك الرقبة والعين، بخلاف ما إذا فرّعنا على أن الملك للواقف فوطئ الواقف ، ويتجه وجه في أنه لا ينفذ استيلاده؛ لأنه رفع الوقف والحبس لازم في حقه وإن كان الملك له \rالتفريع: حيث حكمنا بنفوذ الاستيلاد، فالولد حر، وليس عليه قيمته إن صرفنا إليه بدله، وإن جعلناه  موقوفًا كالأصل فيشتري به بدله ، وإن حكمنا بأن الاستيلاد لا ينفذ فظاهر المذهب أن الولد حر ","part":1,"page":188},{"id":685,"text":"ومن أصحابنا من قال: إن وطئها على ظن أنها حليلته أو أمته الرقيقة فالولد حر لاعتقاد الحرية ، وإن كان عالمًا بالحال فلا ينعقد الولد على الحرية؛ لأنه وطئ ما ليس ملكًا له مع العلم بالحال ، ولذلك رددنا استيلاده وهذا يلتفت على مسألة وهو أنه لو وطئ جارية الغير على ظن أنها زوجته المملوكة والوطء محترم، وهو ليس يعتقد الحرية، ففي حرية الولد وجهان:\rأحدهما، وهو اختيار القفال: أنه رقيق؛ لأن الظن لا يزيد على المعرفة، وهو يظن الرق \rوالثاني: أن الولد حر؛ لأن الحرية فائدة الحرية في الوطء، وقد ثبتت الحرية بالشبهة، والأصل الحرية في الآدميين إلا إذا أجري موجب الرق كالنكاح في الرقبة \rالتفريع: إن حكمنا برق الولد فيبتني دوام الرق على أن الولد موقوف أو كالريع ، وإن قلنا إنه كالريع فيصير ملكًا فيعتق ، فيتجه أن يقال انعقد على الرق ثم عتق، ولم يتوقف عتقه على الانفصال كما في شراء القريب ، ويحتمل أن يلحق هذا بشراء القريب ، وفي تملكه ثم زوال الملك خلاف، فمنهم من يقول: يمتنع جريان الرق، ومنهم من قال: يملك ثم يعتق ، فأما إذا قلنا: الولد موقوف، فيدوم الرق عليه ؛ لأنه ليس ملكًا له، فإن عدم حريته لحرمة الوطء بناء على عدم نفوذ الاستيلاد ، وهو تفريع على أن الملك ليس له ، والمنقول من الأصحاب أن استيلاده نافذ ","part":1,"page":189},{"id":686,"text":"السابعة: في تزويج الجارية الموقوفة: منهم من منع ؛ لأنه يفضي إلى نقصان الأصل بالولادة والطلق، ولأن الأمر في مالكها مضطرب، فلا ندري من يزوجها  ومنهم من جوّزه ، وبناه على أقوال الملك،  ونزل منزلة تزويج المستولدة، فإنه جائز مع امتناع بيعها ، فعلى هذا إن قلنا: الملك لله فيزوجها القاضي ، وهل يستشير الواقف والموقوف عليه خلاف، والظاهر أنه يستشير؛ لأن الوطء ينقص حقهما ، وإن قلنا الملك للواقف فهو المزوج، ولا يستشير السلطان  وهل يستشير الموقوف عليه فعلى وجهين  وإن قلنا: الملك للموقوف عليه يزوج من غير استشارة؛ إذ اجتمع له الملك والمنفعة ، وكان يتجه من هذا أن يقال لا يستشير السلطان الواقف، ويقتصر على الموقوف عليه، ولكن لما صدر منه الوقف وقصد التخليد لم يستغن عن مشاورته، فيبقى إشكال في حق الموقوف عليه \rالتفريع: إذا جوزنا تزويجها، فللموقوف عليه أن يتزوجها إن قلنا: لا ملك له ، وإن قلنا له الملك فلا ، ولو نكح جارية فوقفت عليه ينفسخ النكاح إذا فرعنا على أن الملك له ، وذكر صاحب التقريب وجهًا أنه لا ينفسخ دوامه، وإن منع ابتداؤه؛ لأنا وإن أطلقنا الملك فهو علاقة ملك، وليس ملكًا محققًا ، فكان كقولنا: لا ينكح الرجل امرأة  مكاتبه ، وابنه، ولو طرأ ملكهما على دوام نكاحه ففي انفساخ النكاح خلاف ، بخلاف ما لو نكحت المرأة مكاتب أبيها فمات أبوها، فإنه ينفسخ لأن الطارئ ملك محقق ، وجملة الأصحاب على مخالفة صاحب التقريب في هذا التفريع؛ فإنه ملك محقق ","part":1,"page":190},{"id":687,"text":"فإن قيل: إذا طرأ الاستيلاد، هلا بنيتموه على وقف المستولدة  قلنا: قال الأصحاب: استيلاد الواقف بني عليه، حتى إن منعنا انقطع الوقف، وانقلب إلى ملكه، وإن جوزنا وقف المستولدة استمر الوقف ، وأطلق الأصحاب بناء استيلاد الموقوف  عليه أيضًا على هذا الأصل ، وهو مشكل؛ لأنه لو حكم ببقاء الوقف فتبقى مستولدته موقوفة عليه ، ونحن إنما نجوز وقف المستولدة على غير مالكها، وعلى هذا يلزم أن لا يحل له الوطء بعده أيضًا ، فإن قلنا: يرتفع الوقف فينقطع ملك الوقف ويتجدد ملك الاستيلاد  فالمصحح للاستيلاد هو الملك الذي يضاده الاستيلاد، ويكاد يكون هذا تناقضًا، فهذا إشكال التفريع، وقد أطلق الأصحاب البناء كما ذكرناه، ثم إذا رفعنا الوقف بالاستيلاد فهو كإتلاف الوقف ، وقد ذكرناه \rالثامنة: نفقة العبد الموقوف: إن شرط الواقف وقوعها في كسبه فهو متبع، وما فضل لمصارفه  وإن أطلق نظر، فإن كان كسوبًا فالظاهر أنه من كسبه ؛ لأن قضية العادة ، وإن قعد به زمانة  عن الكسب فيخرج على أقوال الملك ، ومن الأصحاب من حكم بهذا التخريج أيضًا وإن كان كسوبًا ؛ لأنه جعل كسبه مستغرقًا بالمصارف ، فكان لا كسب له، وهو بعيد  ثم إذا خرجنا على الأقوال فهو على الواقف أو الموقوف عليه أو بيت المال على الأقوال الثلاثة ، هذا في الحيوان الذي لا يجوز تعطيله لحرمة الروح ، فأما العمارة فلا تجب على أحد فيما أشرف على الخراب على الأقوال كلها؛ إذ يسلك بها مسلك عمارة الأملاك، وهي غير واجبة على الملاك \rالتاسعة: في خراب الوقف وتغاييره، وفيه صور:\rإحداها: أن تجف الشجرة الموقوفة وتصير حطبًا، وفي الحطب وجهان:\rأحدهما: أنه ينقلب ملكًا إلى الواقف ؛ لأن الوقف منوط باسم الشجرة، وقد زال المناط، فكأنه عبد هلك، وإنما هذه جثة، إلا أن هذه الجثة قد تتموّل \rوالثاني: أنه لا ينقلب ملكًا، ويبقى أثر الوقف ","part":1,"page":191},{"id":688,"text":"ثم عليه ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه يسلم ملكًا للموقوف عليه \rوالثاني:  أنه يُشترى به شجرةٌ وتوقف بدله، أو شقصٌ من شجرة \rوالثالث: أنه يستوفي منفعته بإجارته جذعًا أو جائزة على ما يتأتى منه \rالصورة الأخرى: حُصُر  المسجد إذا بليت بحيث لا ينتفع بها، أو تكسر جذع وصار حطبًا أو نحتت خشبه، فالنحاتة وما يجري هذا المجرى قال الأصحاب: يباع ويصرف إلى مصالح المسجد ؛ إذ لو لم نقل به لتعطل، وهو أولى من تعطيله ، ومن أصحابنا من قال: تبقى على حالها، ولا يجوز بيعها؛ إذ ثبت الوقف فيها فلا يقطع بحال ، وهذا بعيد لا اتجاه له \rالصورة الثالثة: أن يشرف الجذع على الانكسار، والدار على الانهدام، وعلم أنه لو أخر لخرج عن كونه منتفعًا به وتعذر التدارك، ففي جواز بيعه وجهان مشهوران ؛ لأن التعطل لم يتحقق في الحال، ولكن في تركهما يفضي إليه لا محالة \rالتفريع: إن جوزنا بيعه، فالأصح صرف الثمن إلى جهة الوقف ، ومنهم من سلك به قيمة الموقوف المتلف ، وهو ضعيف في هذا المقام \rالتفريع: إن قلنا: يصرف إلى الوقف، فمعنى الصرف أنه يشترى به شيء، ويحبس على تلك الجهة ، وإن قلنا: تصرف القيمة إلى الموقوف عليه ملكًا، فلو قال: لا تبيعوه واقلبوه ملكًا إليّ، فالمذهب أنه لا يجاب إليه؛ فإن بطلان الوقف موقوف على جريان البيع ، وأبعد بعض الأصحاب وقال: يجاب إلى ملتمسه \rالعاشرة: سئل ابن سريج عن شجرة موقوفة، هل للموقوف عليه قطع أغصانها فقال: إن شرط له ذلك جاز، وإلا فلا ، قال الأصحاب: هذا في شجرة لا يعتاد قطع أغصانها ولا تخلف، فأما الخلاّف فإنما يراد لأغصانه، فهي كثمرات الأشجار المثمرة  ","part":1,"page":192},{"id":689,"text":"المسألة الحادية عشر: إذا علق عتق العبد بصفة فوقف ، ثم وجدت الصفة فلا نفاذ للعتق إن قلنا: الملك زائل عنه ، وإن قلنا: إنه له، فالظاهر نفوذه ، ومنهم من خرج على أن الاعتبار بالصفة أو بالتعليق، فإن نظرنا إلى الصفة خرج على إنشاء العتق ، وقد ذكرناه ، وأن ذلك يترتب على إعتاق المرهون ، وإن نظرنا إلى حالة التعليق فينفذ عتقه\rالثانية عشر: إذا طلب الوقف المستأجر بزيادة ، فإن تولى الإجارة الموقوف عليه ولا حق إلا له فلا أثر لما يظهر من زيادة ، وإن صدر من المتولي والوقف في جهات الخيرات ففيه ثلاثة أوجه:\rأحدها، وهو القياس: أنه لا أثر للزيادة؛ لأنها حدثت على ملك المنتفع \rوالثاني: أنه ينفسخ؛ إذ يحتمل أن يقال: ينفسخ لأنه مقيد بشرط الغبطة، ولا غبطة في بقية الإجارة \rولم يتعرض أحد من أصحابنا لفسخ الإجارة في مال الطفل، بظهور الزيادة ، وعلى الجملة: هذا الوجه يجانب مذهب الشافعي \rوالثالث: أنه لا ينفسخ فيما دون سنة، ويفسخ في الزيادة ، وله التفات على أن الإجارة لا تزاد على السنة ، ولعله اللائق بالمصلحة في الموقوف، ثم هذا فيه إذا ظهرت الرغبات، فإن وجد زبون أو زاد معاند فلا نظر إليه بحال \rالثالثة عشر: إذا اندرس شرط الوقف، وتعذر العثور عليه : كان الشيخ أبو محمد يقول: هذا كوقف لا مصرف له، ثم إذا صححناه وهو أن يقول: وقفت ويقتصر ، وحكي عن القفال: أن أصح الوجوه في الوقف المطلق الحمل على الجهة العامة  قال الإمام: والوجه الوقف إلى أن يصطلحوا؛ فإنّا نستيقن استحقاقًا لمعينين، فلا بد من ملاحظتهم، بخلاف الوقف المطلق ","part":1,"page":193},{"id":690,"text":"الرابعة عشر: إذا وقف بهيمة على إنسان، وجعل له الركوب، ولم يجعل له اللبن والصوف، فمن أصحابنا من قال: حكم اللبن والوبر حكم منافع وقف انقطع مصرفه، ومن الأصحاب من قال: الوقف يفسد بهذه الشرائط والتخصيص، ومنهم من صحح الوقف وألغى الشرط، ولا خلاف في أنه لو حصل الركوب لشخص واللبن والوبر لآخر فهو جائز، والله أعلم\r\rكتاب الهبة\rوفيه بابان:\rالباب الأول: في أركان الهبة\rوالنظر في أركان ثلاثة: اللفظ، والقبض والموهوب\rالركن الأول: في صيغة العقد\rوالهبة على الجملة عقد يفتقر إلى الإيجاب والقبول، وصرائحه لا تخفى في التحاق الكنايات بالصريح، والاكتفاء بالاستيجاب والإيجاب ما ذكرناه في البيع، وأما المعاطاة فعن ابن سريج مذهب بعيد في إلحاقها بالإيجاب والقبول في المحقرات، وهو ضعيف؛ فإن مستنده التعامل بين الخلق، وليس يمكن أن تستند عادة الخلق إلى عصر رسول الله \\ أما التحف والهدايا كانت مألوفة في عصر رسول الله \\ على الاعتياد من غير إيجاب وقبول\rوذهب بعض المصنفين إلى القطع بصحة هذا من غير لفظ، وقطع العراقيون باشتراط اللفظ من الإيجاب والقبول، فتحصل على خلاف، وإذا لم يشترط اللفظ فلعله يقتصر على المطعومات، فإنه الذي يستمر فيه اطراد العادة، وما عداه يمكن تقدير التعارض فيه، وليس هذا من قبيل الإباحة في الضيافة؛ فإنه لا خلاف في أنه لا يشترط فيه القبول، وإن أبعد بعض الأصحاب وشرط لفظًا من المالك؛ لأن ذلك ليس بتمليك بخلاف الهبة\rونصل بجناح هذا الركن حكم العمرى والرقبى؛ فإنهما يتعلقان بالشرط والصيغة\rأما العمرى: فعبارة استعملها العرب قبل المبعث، وكان يهب أحدهم داره من غيره عمره، أعني عمر المتهب، ويقول: أعمرتك هذه الدار، أي ملكتك عمرك، فإذا مات ترجع إلى الواهب، وحاصله يرجع إلى إضافة الملك إلى عمره، والإضافة تفرض على ثلاثة أوجه:","part":1,"page":194},{"id":691,"text":"الأولى: عمر المتهب، وله ثلاث صيغ:\rإحداها: أن يقول: أعمرتك هذه الدار، فإذا مت بقيت لورثتك، فهو صحيح؛ فإنه موافق لوضع الهبة \rالثانية: أن يقول: أعمرتك هذه الدار ولا يتعرض للملك بعد موته، بنفي ولا إثبات، ففيه ثلاثة أقوال:\rأحدها، وهو القديم والقياس: فساد الهبة ؛ لأن مقتضاه ملك مؤبد كملك البيع \rوالثاني، وهو الجديد: أنه صحيح ؛ لما روي عن رسول الله \\ أنه جعل العمرى للوارث، وقال: >لا تعمروا ولا ترقبوا، من أعمر شيئًا أو أرقبه فسبيله الميراث<  فإن قيل: فما معنى نهيه في صدر الكلام قلنا: معناه النهي على اعتقاد التخصيص بطريق المشورة \rوالثالث، وهو القديم أيضًا: أنه يصح ويختص بالعمر؛ لموجب اللفظ، ويرجع بعد موته إلى المالك ، وهذا في نهاية الفساد؛ فإنه على مخالفة الحديث والقياس جميعًا \rالثالثة: أن يقول: أعمرتك، وإذا مِتَّ عادت إلي، فهو باطل على القول الأول، صحيح على القول الثالث ، وعلى القول الثاني وهو الجديد وجهان:\rأحدهما: البطلان؛ للتصريح بالتأقيت \rوالثاني: الصحة ؛ لأن هذا التأقيت مفهوم من الإعمار المطلق، ثم ألغي وصححت الهبة، فكذلك إذا صرح به \rالإضافة الثانية: أن يضيف إلى عمر غير المتهب، وقال:  وهبتك عمري، أو عمر زيد، فلم يصر أحد إلى الوفاء بهذا الشرط \rواختلفوا في تصحيح الهبة مطلقًا مؤبدًا تصريحًا على الجديد ، والظاهر فساده ؛ لأنه حائد عن المعتاد، وصيغة الخبر، وليس في معناه؛ فإنه إذا أضافه إلى عمره وكان بالغ في تأبيد ملكه فإنه منتهى ملكه، بخلاف عمر غيره ، والوجه الأول ذكره العراقيون \rالإضافة الثالثة: أن يضيف إلى وقت مقدر، كقوله: وهبتك هذا شهرًا أو سنة، فتخرج على إضافته إلى غير عمر المتهب ؛ فإنه تأقيت مجهول، وهذا تأقيت معلوم، فلا فرق ، ففي وجه: يفسد الشرط، وفي الآخر، وهو الظاهر: تفسد الهبة ","part":1,"page":195},{"id":692,"text":"ثم قال الأصحاب: كل شرط فاسد في الهبة فهو خارج على هذا الخلاف  وقد ذكرنا في البيع وجهًا عن صاحب التقريب أن الشرائط الفاسدة ملغاة ، وذلك غير معتد به، وليس هذا ذلك الوجه؛ فإن الشرائط الفاسدة تطرق جهلاً إلى العوض الذي هو ركن البيع، بخلاف الهبة \rالتفريع: إن قلنا برد الهبة أو فسادها في مسألة العمرى فلا كلام ، ولو حكمنا بالتخصيص بالعمر، فلو مات الواهب أولاً، ثم المتهب، ينبغي أن يرجع إلى تركته، ويكون ما جرى من الأعمار سببًا جالبًا للملك، كنصب الشبكة في حال الحياة، وليس ذلك لمالك الشبكة؛ فإنه يجري في حفيرة لا يقصد تملكها، والصيد من جملة التركة، حتى يقضى منه الديون، هذا قياس هذا القول  ولو باعه المعمَّر ففي بيعه نظر، يحتمل تصحيحه كبيع العبد المعلق عتقه بصفة ، ويحتمل إبطاله؛ لأن ملكه مؤقت، والملك لا يصير مؤقتًا بالملك المعلق، فتشبيه هذا بالمستولدة أولى \rأما الرقبى، فهو أن يقول: وهبتك داري؛  على إن مِتَّ قبلي رجعتْ إليّ، وإن مِتُّ قبلك استقر ملكك ، سمي رقبى؛ لأن كل واحد يرقب موت صاحبه؛ لاستقرار الملك، أو الرجوع \rوحكمه حكم الصيغة الثالثة في العمرى؛ فإنه لم يزد عليه إلا في قوله: إن مت استقر ملكك، وهذا لا يؤذن بفساد أصلاً ، فيخرج على الطريقين:\rأحدهما: القطع بالفساد \rوالثاني: التخريج على الأقوال \rالركن الثاني: في الموهوب\rوالضابط الذي عليه التعويل: أن ما قبل التملك بالبيع، قبل التملك بالهبة ؛ فإنه لا يفارقه في كونه تملكًا يرتبط بإيجاب وقبول، والغرض يتهذب بأربع مسائل:\rالأولى: هبة المشاع، صحيح عندنا ، وأبطلها أبو حنيفة فيما يقبل الاستقسام؛ لأنه يؤدي إلى إلزام مؤونة القسمة ، وبه علل اشتراط القبض في الهبة كيلا يلزم الواهب الإقباض بمجرد التبرع ، وما ذكره فاسد ، ومأخذ القبض أثر أبي بكر الصديق | ","part":1,"page":196},{"id":693,"text":"الثانية: هبة الكلب، ذكر بعض الأصحاب فيه خلافًا ، وأورده الشيخ أبو علي، ونحوا به نحو الوصية؛ فإنه تبرع، ونقل اختصاص ، ويلزم هذا القائل طرده في المجاهيل، والخمر، والجلد قبل الدبغ ، والمشهور من الاصحاب تنزيل هبة الغائب على القولين كما في البيع ، ولم يختلفوا في أن تعليق الهبة باطل ، ولم يلحق بالوصية وهي معلقة\rالثالثة: هبة المرهون، ذكر بعض الأصحاب فيه خلافًا ، ووجه الصحة أنه لا يستعقب ملكًا، وانتظار انفكاك الرهن وإجراء القبض بعده اكتفاءً بما سبق من الإيجاب والقبول ممكن ، ويلزم على مساقه هبة الآبق، وغاية الفرق أن فك الرهن مقدور بخلاف رد الآبق، وهذا لم يقتض فرقًا في البيع فكيف يقتضي في الهبة \rالرابعة: هبة الدين، إن حكمنا بصحة بيعه ، ففي هبته وجهان ، ذكرهما صاحب  التقريب ، ووجه المنع افتقاره إلى القبض وتعذره في الدين، وهو غير متعين ، فإن صححنا ففي لزومه بمجرد القبول والإيجاب وجهان:\rمنهم من قال يلزم، وينزل المتهب منزلة الواهب\rوالثاني: أنه لا يلزم بنفسه ، وهو القياس\rثم فيه وجهان:\rأحدهما: أنه لا بد من قبض الدين \rوالثاني: يكتفى بتسليط وراء الإيجاب، وهو أن يقول: استوف الدين فينزل ذلك منزلة التخلية في العقار؛ فإنه غير قابل للقبض في صورته كالعقار \rوحاصل هذه الاختلافات أربعة أوجه ، وقد خرج صاحب التقريب على هذا أداء الزكاة بهبة الدين عن جهة الزكاة من المسكين، فإن صححنا وقع عن الزكاة، وإلا فلا ، فأما الدين الذي على المسكين لا تجوز هبته منه عن جهة الزكاة؛ لأنه إبراء وهو كالبدل عن التمليك، والا بدال لا جريان لها عندنا ، وأبو حنيفة مع تجويزه الا بدال لا يجوز هذا ، فإن قيل: فلم قطعتم بمنع رهن الدين  قلنا: خرج الأصحاب من هذا وجهًا في الدين، إلا أن وجه الإلزام قبل القبض المحسوس لا يجري في الرهن؛ لأن مقصوده الوثيقة \rالركن الثالث: في القبض","part":1,"page":197},{"id":694,"text":"والهبة لا تفيد الملك بنفسها عندنا، خلافًا لمالك، والمعتمد أثر أبي بكر الصديق، وعائشة رضوان الله عليهما، وإذا جرى القبض ترتب الملك على القبض في القول الجديد، وفي القول القديم يتبين حصول الملك بمجرد العقد، ويتشعب من هذا النظر في مسائل:\rالأولى: أن الأب إذا وهب من الطفل شيئًا فهل يفتقر إلى إقباض جديد هذا يبتنى على الهبة من المودع، وقد ذكرنا تفصيله في كتاب الرهن، ومعظم أحكام القبض مستقصى ثم، والولي أولى بأن لا يفتقر إلى استئناف فعل وقبض، ولذلك يجوز له الاكتفاء بأحد شقي العقد في الهبة والبيع على وجه\rالثانية: لو وهب المتهب بغير إذن الواهب لم يملك، خلافًا لأبي حنيفة؛ لأنه نيط الملك بتأكيد من جهة الواهب ومزيد تسليط، ولو أتلف أيضًا لم يكن قابضًا، بل تلزمه القيمة، بخلاف البيع؛ فإن القبض فيه مستحق وهو ملكه\rالثالثة: لو مات الواهب قبل القبض فيترتب على الملك، فإن قلنا: يحصل بالقبض انفسخ، وإن قلنا يتبين أن الملك يستند إلى الهبة ففي الانفساخ وجهان، ومن الأصحاب من أطلق الوجهين من غير ترتيب على القولين وشبّه الهبة بالبيع في زمان الخيار، ومثار هذا الخلاف أن القبض ركن كالإيجاب والقبول، أم هو واقع بعد كمال السبب بأركانه وقد نبهنا على هذا في الرهن إلى غيره من بقية أحكام القبض\r\rالباب الثاني: في أحكام الهبة الصحيحة\rوفيه فصلان:\rالفصل الأول: في الرجوع\rوالأصل عند الشافعي رحمه الله أن الهبة تقتضي إزالة الملك، وقطع العلائق إلا في الولد؛ لقول رسول الله \\: >لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد فيما وهب لولده< ولما روى الشافعي رحمه الله أنه رأى النعمان بن بشير ومعه غلام، فقال: أنّى لك هذا فقال نحلنيه أبي، فقال: أيسرك أن يكونوا في البر إليك سواء فقال: نعم، قال فأرجعه< فدل هذا على ثبوت الرجوع، واستحباب التسوية","part":1,"page":198},{"id":695,"text":"ثم اختلف الأصحاب في التسوية بين الابن والبنت ، فمنهم من نزل على ترتيب الميراث ، والعراقيون نقلوا القولين عن الشافعي  ولم يذكروا وجهين، وحكوا عن ابن سريج أنه خصص رجوع الوالد بما إذا قصد استمالته برًّا إليه، ومنعًا له من العقوق، ولم يحصل له ذلك، حتى إن لم يقصد لم يرجع ، وهو غير معدود من المذهب ؛ فإنه تشوّف إلى مذهب أبي حنيفة ، والعوضية واقتضاء الهبة لها \rوإذا تمهد هذا الأصل فللنظر ثلاثة مجار:\rالمجرى الأول: فيمن يرجع، والمنصوص هو الأب ، واضطربوا في إلحاق غيره به على أربعة أوجه:\rمنهم من قصره على النص حتى لم يلحق به الأم والجد \rومنهم من ألحق الأم؛ لأنه أحد الأصلين ؛ فهي في معناه كالأمة مع العبد \rوالثالث: أنه يلحق به الأصول الأجداد والجدات ؛ لاشتراكهم في سقوط القصاص عنهم؛ لحرمة الأصلية \rوالرابع: أنه لا يلحق الجد من قبل الأم؛ نظرًا إلى من له الولاية ؛ فإن هذه سلطنة احتكام في المال، وهذا القائل يثبت الرجوع مع الفسق، وإنما تعتبر أهلية الولاية \rولم يلحق أحد بالأب الأولاد ولا على من هو على عمود النسب والأجانب \rالمجرى الثاني للنظر: ما به الرجوع، وفيه ثلاث مسائل:\rإحداها: كل لفظ موضوع للرجوع كقوله رجعت، ونقضت، واسترجعت، فهو رجوع \rالثانية: كل تصرف قولي يستدعي الملك كالبيع والعتق، فيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه يصح ويكون رجوعا، فيتقدم عليه انتقال الملك \rوالثاني: أنه يفسد ولا يكون رجوعًا \rوالثالث: أنه يفسد ويكون رجوعًا ، وقد ذكرنا نظيره في زمان الخيار ","part":1,"page":199},{"id":696,"text":"الثالثة: التصرف المفتقر إلى الملك كالوطء، الظاهر أنه ليس رجوعًا؛ لأنه محرم، وكيف لا وهي حلال للمتهب فكيف يجمع بينهما في التحليل، فيترتب عليه وجوب المهر، وفيه وجه بعيد أنه يكون رجوعًا؛ كالتصرفات القولية، فإن جرى الإحبال فينفذ استيلاد الأب، ولا يجعله رجوعًا، كما في الوطء، حتى يجب عليه قيمة الجارية، وفيه وجه أنه بالاستيلاد يصير راجعًا، فإن لم يجعل بمجرد الوطء، فلا يجب عليه قيمة الجارية، ويجب المهر على هذا\rالمجرى الثالث للنظر: في الأوقاف التي يثبت فيها الرجوع، والمشروط في الموهوب بقاء العين، وبقاء السلطنة للمتهب عليه، حتى يبني عليه الرجوع، أما العين فإن تلفت فقد سقط الرجوع، ولا يطالب بالقيمة، فإن تغيرت إلى نقصان رجع في العين، ولم يطالب بالأرش كما لا يطالب بالأصل، وإن زادت زيادة متصلة فيرجع وتتبع الزيادة، ولا أثر للزيادة المتصلة إلا في الصداق، وإن كانت منفصلة سلمت للمتهب واقتصر الرجوع على الأصل\rفرع: إن كانت الجارية الموهوبة حاملاً عند القبض وقد انفصل قبل الرجوع، أو كانت حائلاً عند القبض، وحاملاً عند الرجوع ففي تعلق الرجوع بالحمل قولان، ذكرنا نظيرهما في الرهن\rفأما السلطنة، فانقطاعها بزوال الملك أو حجر لازم، أما انقطاع الملك يسقط الرجوع حتى لو مات لم يرجع على ورثته، والواهب أيضًا لو مات لم يرجع وارثه، وكذلك إذا باع أو أعتق أو استولد، ولو باع وعاد إليه ببيع آخر فهو بناء على أحد القولين في أن الزائل العائد كالذي لم يزل، أو كالذي لم يعد، وقد ذكرناه في كتاب التفليس، وليس من هذا القبيل ما إذا انقلب العصير خمرًا ثم عاد خلاً؛ لأن العائد هو الملك الأول، ولذلك يعود الرهن، ولو ارتد ثم عاد إلى الإسلام وقلنا بزوال ملكه بالرد، فالأصح أنه كمسألة العصير، ومنهم من ألحق هذا بمحل القولين","part":1,"page":200},{"id":697,"text":"فرع: إذا وهب المتهب من ولده فالأصح أن الجد الواهب لا يرجع ، وإن فرعنا على أنه لو ابتدأ الهبة لرجع، وهو الصحيح ، وفيه وجه أن هذا الزوال لا يمنع رجوعه؛ لأن ابتداءه لا يمنع رجوعه لو قرت الهبة معه  فأما انقطاع السلطنة بالحجر اللازم ففيه خمس صور:\rالصورة الأولى: الرهن اللازم بالقبض يمنع الرجوع على وجه يرتفع الرهن  نعم لو رجع فالرهن مستمر، فإن أفضى إلى البيع طاح الرجوع ، وإن انفك ففي الاكتفاء بالرجوع السابق ما ذكرناه من الخلاف في هبة المرهون على تقدير التوقف ، والصحيح البطلان ، ولو حكمنا بمنع الرجوع فلو انفك ثبت له الرجوع، ولم يكن هذا كالملك العائد بعد الزوال ، وفيه وجه بعيد لا اتجاه له \rالصورة الثانية: كتابة العبد تمنع الرجوع إن منعنا بيعه ، ولا وجه لتنفيذ الرجوع إلا على تقدير الوقف كما في الرهن، وهو في الكتابة أبعد؛ لنقصان الملك به ، وإذا جوزنا بيع المكاتب فيبقى على المشتري مكاتبًا حتى يعتق بأداء النجوم إليه ، وفي هذا احتمال في الرجوع، فإن الرجوع يعتمد الرقبة، وهذا يكاد أن يكون رجوعًا في النجوم \rالصورة الثالثة: إجارة الموهوب لا تمنع الرجوع إن لم يمنع البيع ، وإن منع البيع ونفذناه في المرهون على تقدير الوقف  ينفذ ها هنا، ولا معنى للتوقف ؛ إذ رده الملك في الرقبة إليه في الحال ممكن، ثم ينتظر استيفاء المنافع، وإن لم ينفذ في الرهن ففي الإجارة احتمال من حيث إن الرجوع لا يستدعي من الشرائط ما يستدعيه البيع \rالصورة الرابعة: إباق  العبد الموهوب  مانع من بيعه ، وفي امتناع الرجوع احتمال من حيث إنه في حكم بناء ملك، فيبعد اشتراط القدرة فيه على التسليم \rالصورة الخامسة: إذا أفلس المتهب وأحاطت به الديون والعين الموهوبة قائمة، ففي الرجوع وجهان:\rأحدهما المنع ؛ لتعلق حق الغرماء به كما في الرهن ","part":1,"page":201},{"id":698,"text":"والثاني: الجواز ؛ لأن الرهن صادر منه ، ولذلك أثر في منع البائع من الرجوع في العين المبيعة، والإفلاس لا يمنع منه \r\rالفصل الثاني: في الهبة بشرط الثواب\rوالهبة ثلاثة أقسام:\rالأول: ما هو مقيد بنفي الثواب صريحًا فهو التبرع المحض ، وموجبه اللزوم بالقبض وانقطاع الخيار \rالثاني: الهبة المطلقة: وفيها قولان :\rأحدهما: أنه لا يقتضي ثوابًا كالمقيدة؛ لأن اللفظ صريح في التبرع \rوالثاني: أنه يثبت الثواب؛ لاقتضاء العرف ذلك، ونزوله منزلة الشرط \rولم يختلفوا في أن هبة الكبير من الصغير لا تقتضي ثوابًا؛ لأن العرف لا يقتضيه ، وإنما القولان في هبة الصغير من الكبير \rوفي هبة الأقران خلاف ، منهم من قطع بنفي الثواب، وهم العراقيون ، والمراوزة خرجوه على القولين، وهو الأصح عند النظر في العرف \rالتفريع: إن قضينا بالثواب ففي قدره أربعة أقوال  أطلقها الأصحاب، وفي كلام الشافعي رحمه الله ما يشعر  بها ، ولعلها أوجه من تخريجات ابن سريج\rالقول الأول: وهو أقربها: أنه يتقدر بمقدار القيمة ؛ إذ لا ضبط، والعرف مضطرب، فهذا أولى مرجوع إليه ، فعلى هذا لو أراد رد الموهوب فهو محتمل؛ إذ يمكن أن يقال: الثواب مضبوط، فيتعين، ويمكن أن يقال: لا قرار للهبة ما لم يتصل الثواب به \rوالقول الثاني: أنه لا يكتفى بالقيمة ؛ إذ الغالب أن الواهب لا يرضى بمثله فلا توقف إلا رضاه ، فإن رضي بما يسلم فذاك، وإلا فيرد عليه الموهوب \rومقتضى هذا القول ثبوت الخيار من الجانبين  بما القبض ، وهذا يعتضد بما روي أن أعرابيًا وهب بعيرًا لرسول الله \\ فأثابه عليه بعيرين، فلم يرض فزاد، فلم يرض، فزاد حتى آذى رسول الله \\، ثم قال: >عزمت أن لا أقبل الهدية إلا من قرشي< ","part":1,"page":202},{"id":699,"text":"والثالث: أنه يكتفى بأقل ما يتمول، فينزل منزلة الثواب المطلق المذكور ، فعلى هذا إن أثاب بقدر قيمته فلا خيار للواهب وإن اقتصر على ما دونه ففي ثبوت الخيار للواهب احتمال ظاهر \rوالقول الرابع: أنه يكتفى بما يعتقد في العرف ثوابًا ؛ لأنه أحسن مردّ له، وما يتساهل فيه فلا مطالبة به، فعلى هذا إن وفّى به فلا خيار للواهب \rالقسم الثالث: الهبة المقيدة بشرط الثواب، إن كان مقدرًا ، فالأصح الصحة ، وفيه وجه أنه فاسد لأن الثواب يناقض التبرع ، وهو تفريع على أن المطلق لا يقتضي ثوابًا، وهذا وإن كان متجهًا فهو غريب في الحكاية ، ثم إذا صححنا فالذي ذهب إليه المحققون أنه بيع حتى يلزم قبل القبض، وتثبت الشفعة، إلى غيرها من الأحكام   ومنهم من قال: يبقى على حكم الهبة  وهذا بعيد، ويؤدي ذلك إلى نصب حيلة عامة في دفع الشفعة ، فأما إذا كان الثواب مجهولاً فقد اختلف ترتيب الأئمة، فقال قائلون: إن حكمنا بأن مطلق الهبة لا يقتضي ثوابًا فذكر الثواب المجهول مفسود ، وفي المعلوم خلاف كما ذكرناه ، فإن قلنا: يثبت الثواب في المطلق فإذا ذكر ثوابًا مجهولاً  صح، ونزل على المطلق \rوقال العراقيون: لو ذكر ثوابًا معلومًا ففي صحته خلاف، ولو ذكر مجهولاً صح تفريعًا على أن المطلق يقتضي الثواب، وزعموا أن الإعلام أولى بالإفساد؛ لأنه يجعل الهبة بيعًا ويغير وضعه كالإعلام في الإنكاح \rفروع:\rأحدها: أنه لو وهب مطلقًا، وأثبتنا الثواب، وقدرنا بالقيمة، فزاد الموهوب بعد القبض، فأي قيمة تعتبر ذكر صاحب التقريب وجهين:\rأحدهما: أنه يعتبر يوم القبض فعنده يحصل الملك \rوالثاني: أنه يعتبر يوم بذل الثواب ، وإن لم يبذل فله الاسترداد ","part":1,"page":203},{"id":700,"text":"وإن نقص الموهوب فيجري الوجهان ، والنظر إلى يوم البذل ها هنا ضعيف؛ لأنه بخس في حقه ، وعلى هذا ذكرنا ترددًا في تسلطه على الرد، فإن رد فهل يغرم أرش النقصان فوجهان، ذكرهما صاحب التقريب \rالثاني: أنه لو وجد الواهب بالثواب عيبًا فله أن يرد  ثم قال الأصحاب: يرجع في عين الموهوب إن كان قائمًا ، وإن كان تالفًا فهل يسقط حقه أم يرجع إلى قيمته فوجهان ، ووجه السقوط أن علائق الرجوع في الهبة تنقطع بتلف الموهوب، ولذلك يسقط رجوع الوالد إلى القيمة  وهذا كلام مخبط؛ فإن الثواب إن كان مجهولاً وثبت في الإطلاق فهو ثابت في الذمة، وما يثبت في الذمة فيستبدل عنه عند رده بالعيب، ولا يرجع إلى مقابله، وإن كان الثواب معينًا فالمذهب أنه يلتحق بالبيع، فلا معنى للتردد في سقوط حقه  بتلف الموهوب \rالثالث: الأب إذا وهب ولده بشرط الثواب، فإن قلنا إنه بيع فليس له الرجوع، وإن قلنا إنه هبة ففي رجوعه تردد للأصحاب \rالرابع: إذا وهب حليًا فأثابه في المجلس نقدًا من جنسه يزيد عليه أو ينقص، فهو ممنوع ؛ فإن الثواب إذا ثبت مقتضٍ لمطلق العقد فهو عوض ، وكذلك لو أثابه نقدًا بعد مفارقة المجلس لا يجوز؛ لأنه من قبيل الصرف، هذا ما قطع به العراقيون  وفيه احتمال من حيث إن الثواب لو كان عوضًا محققًا لبطل وضع الهبة، وكان معناه مقابلة هبة بهبة، وليس بمعاوضة ، إلا أنه ينقدح في هذا أنه ليس يشترط في الثواب إيجاب وقبول، فكأنه وفاء بعوض العقد السابق، فالصحيح ما ذكره العراقيون من محاذرة صورة الربا \rالخامس: أنه لو تنازعا فقال المالك: بعتك هذا المال وسلمته لتسلم الثمن، وقال المتهب: بل وهبتنيه، قال صاحب التقريب: في المسألة قولان :\rأحدهما: أن القول قول المتهب ؛ لأنهما توافقا على ملكه، والأصل براءة ذمته ","part":1,"page":204},{"id":701,"text":"والثاني: أن المزيل إليه الرجوع في كيفية إزالة الملك، فيتحالفان لتساوي الطرفين، ثم فائدة التحالف أن يرد المال إلى المالك، ويرتفع البيع أو الهبة ما اتفق في علم الله تعالى\r\rكتاب اللقطة\rوفيه بابان\rالباب الأول: في أركان اللقطة\rوالنظر في ثلاثة أركان، ما يلتقط، ومن يلتقط، والالتقاط نفسه\rالركن الأول: في الالتقاط\rوهو عبارة عن أخذ مال يصادفه المصادف في مضيعة ليعرفها سنة، ثم يمتلكها بعد مضي السنة ويضمنها لمالكها إن ظهر، وقد انعقد الإجماع على أصل الالتقاط وجوازه، وورد فيه أحاديث شتى سنوردها على حسب الحاجة\rثم في نفس الالتقاط مسألتان:\rإحداهما: في وجوبه، وقد نص الشافعي رحمه الله في موضع أنه يجب الالتقاط على الأمين الموثوق به، ونص في موضع أنه لا يجب فمن أصحابنا من أطلق القولين، والقياس أنه غير واجب، وهو الصحيح؛ لأن اللقطة تتردد بين الأمانة والكسب، وكل واحد منهما غير واجب\rوالقول الثاني: أنه يجب؛ لأن هذه من المصالح العامة التي تمس الحاجات إليها صيانة للأموال عن الضياع، فهو من قبيل التعاون بين الخلق على المصالح\rومنهم من قطع بأنه لا يجب، وحمل النص على تأكيد الندب، وهو الأصح","part":1,"page":205},{"id":702,"text":"ثم القائلون بالقولين قالوا: إن كان لا يخاف ضياع المال فلا يجب الأخذ قطعًا، وإنما التردد حيث يشرف على الضياع لو لم يأخذ أن ينتهي إليه من يختزل ولا يرد ، ومنهم من زاد تخصيصًا آخر وقال: إن كان لا يأمن الملتقط نفسه الخيانة في اللقطة لا يجب قطعًا ، وإنما التردد إذا أمن ، ومنهم من قطع بإجراء القولين، ثم أوجب عليه الانكفاف عند الخيانة، والصحيح نفي الوجوب ، وفي استحبابه حيث يثق المرء بنفسه وجهان ، وإن كان لا يثق بنفسه ولم يلتحق أيضًا بالفسقة حتى يتردد في أهليه الالتقاط، فلا يجب له ذلك ، وهل يجوز له الالتقاط ذكر الشيخ أبو محمد وجهين ، ومثله مذكور في جواز تقلد القضاء فيمن يخاف على نفسه الميل والارتشاء ، والصحيح الجواز؛ لأنه يتعلق بالتقاطه وجوب التعريف والتملك عند تقصيه \rالمسألة الثانية: في وجوب الإشهاد على الالتقاط، وقد اختلف فيه الأصحاب ، منهم من أوجب الإشهاد ، وهو مذهب أبي حنيفة  تمسكًا بقوله عليه  السلام: >من التقط لقطة فليشهد عليها< \rوالثاني: وهو مذهب أبي يوسف : أنه لا يجب ؛ لأنه يتردد بين الأمانة والكسب، ولا يناسبهما الإشهاد ، فأما الأمر فينزل على الندب ، كقوله تعالى: {}  في آية المداينات ، ثم إن رأينا الإيجاب، أو الاستحباب فلا يجب ذكر جميع الأوصاف للشهود ؛ فإنهم ربما يتواطؤون ، أو ينتهي الخبر فيتمسك بالوصف متعد، وقد نوجب الرد اعتمادًا على وصف المدعي، فليذكر بعض الأوصاف ، ومنهم من اكتفى بأن يشهد على أصل اللقطة، ولم يتعرض للوصف أصلاً ، وهذا بعيد، ثم إذا منعنا فاستيعاب الوصف لا ينتهي أمره إلى التحريم، بل يقتصر على كراهية في ترك الاحتياط \rالركن الثاني: فيمن يجوز له الالتقاط","part":1,"page":206},{"id":703,"text":"ومثار النظر في هذا الركن أن الالتقاط يتردد بين الكسب؛ لإفضاء عاقبته إلى التملك، وبين الأمانة؛ لاشتمال ابتدائه عليه، وتسوية معنى الولاية؛ فإنه استقلال بإثبات اليد على مال الغير وتملك بعوض دون رضاه، فتردد بحسبه قول الشافعي  رحمه الله في أن الغالب عليه الأمانة أو الكسب، وأطلق الأصحاب قولين ، وأهلية الالتقاط ثابتة لكل مسلم بالغ حر عدل ، ويناقض هذه الصفات: الكفر والفسق والرق والصبى، فنتكلم في هذه الأوصاف الأربعة\rالأول: الكفر، والذي قطع به المراوزة أن الذمي أهل للالتقاط في دار الإسلام ، كالمسلمين ، وذكر العراقيون وجهين ، ولعل مأخذ المنع التشبيه بالإحياء ، وهو بعيد، فإنه بين الأمانة والكسب، والذمي أهل له \rالوصف الثاني: الفسق، وقد  اختلف الأصحاب فيه، قال المراوزة: أهلية الفاسق تخرج على القولين في أن المغلب عليه الأمانة أو الكسب ، فإن قلنا: إنه الأمانة، فليس أهلاً له ، وفائدة هذا القول: أن المال يكون مغصوبًا في يده إذا أخذه، ولا يتملكه بعد مدة التعريف وإن عرفه ، ويتأيد هذا بأن فيه معنى الولاية وفي أهليته لها نظر \rفإن قيل: يجوز ائتمان الفاسق، بخلاف الصبي، قلنا: الشرع لا يأتمنه، وهذا ائتمان شرعي ، فإن قلنا: إنه أهل للالتقاط، فهل ينتزعه القاضي من يده إلى مضي مدة التعريف ذكر المراوزة وجهين:\rأحدهما: أنه ينتزع ؛ نظرًا للمالك واحتياطًا لماله؛ فإنه غير موثوق به، فعلى هذا ينتزع ثم يتملكه بعد التعريف ومضي المدة \rوالثاني: أنه لا ينتزعه بل ينصب معه من يراقبه ","part":1,"page":207},{"id":704,"text":"أما العراقيون فإنهم قطعوا بأن الفاسق يتملك بعد التعريف ، وردوا اختلاف القولين إلى أن القاضي هل ينتزع من يده ، وما ذكروه متجه؛ لأن منع التملك منع من الكسب، ففائدة سقوط الأمانة الانتزاع من يده ، ولكن يحتمل أن يقال في نصرة الأول: إن هذا تملك بعوض من غير رضى المالك فيفتقر إلى نظر ولاية، وليس الفاسق من أهله \rالتفريع: إذا قلنا: إنه ليس من أهل الالتقاط، فهو غاصب ، فلو انتزعها القاضي من يده، هل يبرأ عن الضمان فيه وجهان لا اختصاص لهما بالملتقط، بل يجري في كل غاصب:\rأحدهما: يبرأ ؛ لأن يد القاضي نائبة عن يد المالك، وكأنه رجع إلى يد المالك \rوالثاني: أنه لا يبرأ ؛ لأن المالك لم يستنبه، وإنما ينتزعه القاضي صيانة له عن الضياع ، فأما إبراؤه عن عهدة الضمان، ورد المال إلى حيّز الأمانة، فليس يليق بمصلحة المالك ، فإن قلنا: لا يبرأ، فللقاضي أخذه ، وإن قلنا: إنه يبرأ، فهل  للقاضي أخذه فعلى وجهين :\rأحدهما: أنه له ذلك؛ قطعًا للعدوان\rوالثاني: أنه لا يجوز؛ لأن بقاء العين في عهدة الضمان أرفق بالمالك \rوهذا فيه إذا لم تكن العين معرضة للضياع، فإن كان الغاصب ممن لا تؤمن غيبته وذهابه بالمال فله الانتزاع من يده قطعًا \rثم إذا جوزنا للقاضي ذلك، فهل يجوز لآحاد المسلمين انتزاعه بطريق الحسبة فيه وجهان ، مع القطع بأنه إن لم يخش الضياع لا يجوز للآحاد ذلك، ولا يصح الانتزاع  مطلقًا ، فإن هذه ولاية تستدعي منصبًا؛ لأن هذا يؤدي إلى المنازعة وشهرة السلاح، فيناط بالولاة \rفإن قلنا: له ذلك، ففي براءته عن الضمان وجهان مرتبان على البراءة بمأخذ القاضي ، وأولى بأن لا يبرأ عن الضمان ، ولو فصّل فاصل بين أن يتمكن من مراجعة القاضي، وبين أن يعجز عنه لكان حسنًا ، كما ذكرناه في هرب الجمال ","part":1,"page":208},{"id":705,"text":"الوصف الثالث : الرق وقد قال الأصحاب: تخرّج أهلية العبد للالتقاط على القولين في أن الغالب هو الأمانة، أو الكسب؛ فإنه أهل للكسب دون الأمانة  قال صاحب التقريب: هذا فيه إذا نوى نفسه بالالتقاط، فلو نوى سيده فينبغي أن يجوز قولاً واحدًا، ويحتمل أيضًا إجراء القولين ، وما ذكره صاحب التقريب ضعيف؛ لأنه إذا لم يسبق من السيد إذن فلا أثر لنيّة السيد  نعم لو قال السيد: أذنت لك في الالتقاط عني فيظهر جواز التقاطه، وفيه احتمال أيضًا من حيث إنه يشتمل على ولاية، فإنه يتسلط على ملك الغير دون إذن المالك والإذن لا يؤثر في هذا \rالتفريع: إن قلنا: إنه ليس أهلاً للالتقاط، فيده يد ضمان، ولا يترتب التملك عليه عند مضي المدة  والنظر  بعده في متعلق الضمان، وفي الانتزاع من يده، أما متعلق الضمان فإن تلف بآفة ، أو بآفة سماوية، فتتعلق القيمة برقبته ، والفاضل من الرقبة: هل يطالب السيد به ينظر، فإن لم يكن السيد عالمًا بما جرى، فلا يطالب ، وإن كان عالمًا فقصر في الانتزاع نقل المزني: إنه يتعلق بالسيد ؛ لأن يد العبد كأنه يد سيّده، فإذا انضم إليه تقريره مع العلم ظهر مطالبته  ونقل الربيع قولاً آخر: أنه ينحصر في الرقبة كما لو أتلف شيئًا بإذن السيد، فإنه لا أثر للإذن، فالتقرير لا يزيد عليه، ولو كان يده يد السيد لطولب به وإن لم يعلم  هذا هو الأقيس \rفأما الانتزاع من يده فلو قصد السيد بأخذها الالتقاط من يده فقد ذكر العراقيون أن ذلك يكون التقاطًا ؛ لأنه إذا لم يكن أهلاً فكأنّ المال يعد في مضيعة ، وهذا فاسد، فالذي يجب القطع به أنه لا يلتقط من يده؛ لأنه تبرئة عن الضمان وهو متعلق بحقه، والمال المضمون ليس كالواقع في مضيعة ","part":1,"page":209},{"id":706,"text":"ثم ما ذكروه أجروه في الأجنبي أيضًا، ولا يختص بالسيد ، فإذا قلنا: إنه لا يصير ملتقطًا، وهو الصحيح، فللسيّد أن يلتمس من القاضي إزالة يد العبد، وجوز ذلك للقاضي، وبراءة العبد ها هنا تترتب على براءة الغاصب وإزالة يده، وها هنا أولى لحصول البراءة والجواز؛ لأن الضمان متعلق بالسيد، ولا عدوان منه حتى يغلظ عليه فتطرق عهدة الضمان  ولو أراد السيد الانتزاع بنفسه ، فجوازه وحصول براءته تترتب على انتزاع آحاد الأمناء من الناس في الغاصب، وها هنا أولى بالمنع؛ لأنه يبتغي لنفسه، فليس يتحقق معنى الحسبة فيه \rفرع: وإن قلنا: للسيد أن ينتزع من يده ويبرئه عن الضمان، فلو وثق به فاستحفظه  من جهة نفسه استدامة، ففي براءته عن الضمان وجهان:\rأحدهما: أنه يبرأ، وكأنّ يده الآن يد السيد \rوالأصح: أنه لا يبرأ؛ لأن اليد لم تتبدل حسًا فالضمان مطرد إلى أن يغير \rفرع: لو أعتق بعد الالتقاط، وقلنا: إنه لم يكن من أهله، فهل يتملك اللقطة بعد تعريفها في الحرية  ذكر الشيخ أبو حامد  في هذا ترددًا، ومأخذه أن أول اليد لم تكن صالحة، وإنما طرأ الصلاح في دوامها ، وهو قريب المأخذ من التردد في الحر إذا قصد بالأخذ الاختزال، ثم عرف أنه يملكه ، وسنذكر ذلك \rفأما إذا فرعنا على قولنا: إنه من أهل الالتقاط، فالنظر في التملك والضمان","part":1,"page":210},{"id":707,"text":"أما التملك فله ذلك بإذن سيده، ويُعَرِّف بإذن سيده ، فلو عرف ولم يشعر السيد به، وأراد أن يتملك دون إذنه، فهذا إدخال شيء في ملكه قهرًا، وله أن يفعل ذلك كخلع زوجته؛ لأن العوض يجري فيه تابعًا فينزل منزلة الاكتساب ، وله الإدخال في ملكه، كالاحتطاب، والاصطياد ، وهل له ذلك بالاتهاب فيه وجهان ، وفي اللقطة وجهان مرتبان ، وأولى بالمنع ؛ لأنه تمليك بعوض، فيضاهي الاستقراض له والشراء له، نعم ذكرنا في شراء العبد وجهًا بعيدًا ، وإذا صححنا  لم تتوجه الطلبة على السيد، ولكن تتعلق بإذن السيد؛ لأن العامل رضي بمطالبته ، بخلاف المالك في اللقطة، فيتعين إلزام السيد العوض إذا دخلت اللقطة في ملكه، وهو بعيد ، والأصح أنه يتملك عليه دون إذنه \rنعم، هل يُعرِّف دون إذنه فيه وجهان، أصحهما: أنه يعرف ؛ لأنه إذا جعل أهلاً للأخذ فالتعريف أولى بالجواز ، نعم إذا قلنا  يملك اللقطة بمجرد مضي المدة فيحتمل أن يقال: لا يعرف؛ لأنه يتملك بعد المدة، ويحتمل أن يقال: يعرف ثم لا يملك كما لو أخذ اللقطة ولم يقصد التمليك لا ابتداءً ولا دوامًا  فأما الضمان فإذا تلفت اللقطة قبل مضي المدة فأمانة ، وإن تلفت بعد مضي المدة وجريان قصد التمليك فمضمون ، ثم ينظر؛ فإن أذن السيد في التملك، فتلفت قبل جريان التملك، فالظاهر أن الضمان يتعلق بذمة السيد والعبد جميعًا ؛ لأنه أذن في إدامة اليد عليه، فهو كما لو أذن في الأخذ بالسوم، فتلفت تحت يده \rومن أصحابنا من قال: لا يؤثر إذن السيد، فإن السيد يطالب  نعم ذلك يتعلق بكسبه، وهذا بالاتفاق لا يتعلق بكسبه؛ لأن الإذن في الالتزام بالشراء إذن في الأداء، فأقرب ما يؤدي منه مع بقاء الرق كسبه ","part":1,"page":211},{"id":708,"text":"وإن لم يأذن السيد في التملك، وجرى قصده من العبد، فإذا تلف قبل جريان عين التملك، فالضمان يتعلق بذمة العبد، ولا يطالب السيد به، ولا يتعلق برقبته ؛ لأنه لم يتلف بجناية من جهته لا بإثبات اليد ولا بمباشرة الإتلاف ، ومن أصحابنا من أبعد وعلقه برقبته ؛ لأنه دين لزم لا برضى مستحقه ، وهذا ضعيف \rفأما إذا أتلف العبد بعد مضي المدة، فقد ذكر صاحب التقريب  وجهين:\rأحدهما: أنه يتعلق برقبته ؛ لأنه يتعلق بجنايته\rوالثاني: أنه يتعلق بذمته ، كما لو اشترى شيئًا فاسدًا وأتلفه، فإنه متعلق بذمته؛ لتسليط المالك على التملك، فكذلك ها هنا تسليط الشرع نزل منزلة تسليط المالك؛ فإن اللقطة وإن لم تتملك فهي في حكم المتملكة \rالوصف الرابع: الصبي وفي أهلية الصبي القولان المذكوران في العبد ، فإنه أهل للكسب دون الأمانة ، ثم التفصيل في الانتزاع من يده  وبراءته عن الضمان كالتفصيل في العبد، والولي ها هنا أولى بالتمكن من إزالة الضمان عن الصبي نظرًا له؛ لأنه حظ له فيه ، فإذا انقضت المدة تملكها للصبي إن رأى المصلحة، ويكون كالمستقرض له، وإلا أمسكها أمانة في يد نفسه، وينزعها من يده ، وفي التقاط الولي من يده على قولنا: إنه ليس أهلاً خلاف كما في العبد، وفي براءة الصبي عند الالتقاط من يده أيضًا خلاف ، وفي تلف اللقطة في يده قبل مضي المدة خلاف، وإن قلنا إنه أهل للقطة؛ لأنه ليس أهلاً للأمانة، بخلاف الإيداع عند الصبي فإنه لا يوجب الضمان عليه عند تلفه ، وفي وجوبه عند إتلافه خلاف، والترتيب في اللقطة على العكس؛ لأن المالك انتسب إلى التفريط بالإيداع عند الصبي، وهذا الخلاف لا بد من طرده أيضًا في العبد ","part":1,"page":212},{"id":709,"text":"ولو تمكن الولي من الانتزاع من الصبي، فلم يفعل حتى تلف أو أتلف، وقلنا: لو انتزع لبرئ عن الضمان، فيجب الضمان على الولي؛ لتقصيره ، وهو كما لو أسلم ماله إليه حتى أتلفه، وكذلك لو أركبه دابة جموحًا، فأهلكت شيئًا فالضمان على الولي ، وإذا قلنا: إنه لا يبرأ عن الضمان، فلا يتبين له فائدة، نعم عليه الانتزاع لحفظ العين عن الفوات، فلو تلف في يد الولي طلب الضمان، وقراره على الصبي، ويبعد تقريره على الولي، وقد وجب عليه الانتزاع، فليلحق هذا بالمودع من الغاصب مع الجهل \rفإن قيل: فما حكم المكاتب قلنا: رتبه الأئمة على العبد، وهو أولى بأن يكون أهلاً؛ لأنه أهل للتملك والإيداع عنده ، ووجه المنع ما فيه من شائبة الولاية، فالتحق بالفاسق ، والعراقيون ألحقوه بالفاسق وقطعوا بأنه يتملك ، وردوا النظر إلى أنه ينتزع من يده، أو ينصب عليه من يراقبه،  وما ذكروه في التملك ظاهر ، وكذلك نصب الرقيب على الفاسق، فأمّا نصبه على المكاتب وهو موثوق به لا وجه له \rفإن قيل: من نصفه حر، ونصفه عبد؛ ما حكمه قلنا: ألحقه الأئمة بالمكاتب ، لأن له استقلالاً على الجملة بسبب الحرية في البعض ، فإن جعلناه أهلاً ولم يكن بينه وبين مالك النصف مهايأة تقسطت اللقطة عند التملك ، فإن جرى مهايأة فوقع في إحدى النوبتين فهذا يبنى على أن الأكساب النادرة هل تدخل تحت المهايأة  فإن رأيناها داخلة فهي لصاحب النوبة ، وإلا فهي مقسطة على الأحوال ، ولعله الأصح؛ فإن هذا ليس كسبًا محضًا، وإنما هو في حكم استقراض ، ثم اختلفوا في أنا إذا نظرنا إلى النوبة فالنظر إلى يوم الالتقاط أو إلى يوم التملك، ومضي السنة  في هذا تردد دلّ عليه كلام المحققين، وهذا يضاهي التردد في النظر إلى التعليق والشرط في باب الالتقاط، فإنّ الالتقاط هو السبب المفيد عند جريان التعريف ومضي مدته \rالركن الثاني: فيما يجوز التقاطه","part":1,"page":213},{"id":710,"text":"والضابط فيه أن كل مال معرّض للضياع فيجوز التقاطه، أما التعرض للضياع فهو ثابت في كل مال ملقى في عامر وغامر إذا لم يكن حيوانًا ، فإن كان حيوانًا نظر، فما يمتنع بنفسه من صغار السباع، كالإبل، لا يجوز التقاطه ، وما لا يمتنع، كالشاة والجحش والفصلان، يجوز التقاطه ، والأصل فيه ما روي أنه سئل رسول الله \\ عن اللقطة، فقال: >اعرف عفاصها  ووكاءها ، ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها< فقال السائل: ما تقول في ضالة الغنم، فقال: >هي لك أو لأخيك أو للذئب< فقال: ما تقول في ضوال الإبل فغضب رسول الله \\  حتى احمرت وجنتاه، وقال: مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر، ذرها حتى يلقاها ربها< \rوالسر فيه أن الإبل تمتنع بقوتها عن صغار السباع، ويندر انتهاء الآدميين إليه في الصحاري، ويندر وصول كبار السباع إليه من الأسد والنمر ، وكأنه ليس معرضًا للضياع وألحق بعض أصحابنا بالإبل: البقر والحمر وزعموا أنها في معنى الإبل \rفرع: لو أخذ البعير ثم تركه على مكانه لم يخرج عن ضمانه ، ولو قصد بالأخذ الرد على المالك، ففي جواز ذلك والضمان وجهان، كما في انتزاع الآحاد من يد الغاصب ، وللإمام ذلك بلا خلاف إذا وجد في الصحاري  فإن وجد في العمران، فحاصل ما ذكر فيه ثلاثة أوجه، جمعها صاحب التقريب:\rأحدها: أنه لا يأخذ صغيرها ولا كبيرها ؛ فإنها ظاهرة في العمران ملحوظة لا تتعرض للضياع \rوالثاني: أنه يأخذ صغيرها وكبيرها ؛ لأنها لا تبعد عن أيدي المتناولين بخلاف الكبار في الصحراء \rوالثالث: أنّ العمران كالصحراء في هذا المعنى ، والنظر إلى عموم الحديث \rفرعان:","part":1,"page":214},{"id":711,"text":"أحدهما: أن صاحب التلخيص  استثنى عن التقاط البعير إذا وجد بعيرًا في أيام منى ضالاً في الصحراء وهو مقلد بما تقلد به الهدايا، فظنّ أنه هدْيٌ شرد عن صاحبه، وقال: يجوز له أن يأخذه، وإن خاف فوات أيام النحر فله أن ينحره \rونقل هذا عن نص الشافعي رحمه الله  قال الشيخ أبو علي: هو مصدق في النقل، ولكن ذكر بعض أصحابنا قولاً آخر أنه لا يأخذ البعير جريًا على القياس \rوكان الشيخ القفال يخرج هذين القولين في أن من وجد بدنة منحورة وقد غمس منسمها  في دمها، وضرب بها غاربها،  فهل يحل له الأكل منها بناء على هذه العلامة، وإنما يفعل هذا للتسلط على الأكل ، ففي اعتماد هذه العلامة في جواز الأكل قولان ، وكذلك الهدي المقلد يغلب أنه تخلف لانقطاعه عن المسير، والضحية المعينة من جهة المضحي إذا ذبحها في أيام الذبح من ظفر بها وقعت مجزية وإن لم يصدر الذبح عن إذن صاحبها ، وهذا فيه نظر؛ فإنه لا يجوز الذبح، وإن كنا نقول: تجزي عن صاحبها إذا جرى دون الإذن ، وصاحب التلخيص قد ذكر في جواز الأخذ، وليس هذا كتلطيخ الغارب بالدم؛ فإن هذا يحتمل أن يكون شرد عن الرفاق، وعسر عليهم أن يلحقوها \rالفرع الثاني: أنه لو وجد كلبًا في الصحراء، أو في عمران، وقلنا: إنه أحد الحيوانات؛ قال العراقيون: يأخذه ويعرفه ثم يختص به المعرف  قال الإمام: وهذا ضعيف؛ لأنه لا قيمة له، واختصاصه به مجانًا على خلاف وضع اللقطة، ثم يلزمهم طرد ما ذكروه في الأعيان النجسة؛ إذ لا فرق بينها وبين الكلب \r\rالباب الثاني: في حكم الالتقاط الصحيح\rإذا صدر من أهله وصادف محله، وله أحكام خمسة، الضمان، والتعريف، والتملك بعده، وظهور المالك، واستحقاق أجرة الرد على المالك\rالحكم الأول: في الضمان: وهو مبني على قصد الملتقط في التقاطه ، وذلك يفرض على أربعة أوجه:","part":1,"page":215},{"id":712,"text":"أحدها: أن يقصد الإمساك للمالك، والتملك بعد التعريف على وفق الشرع، فمقتضى هذا أن تكون أمانة في مدة التعريف ، وإذا انقضت المدة وقلنا: لا يحصل الملك بمجرد مضي السنة ، فهلك قبل اتفاق التملك، وهو على قصد التملك: ضمن ، وهو كالمأخوذ على سبيل السّوم، فإن مصيره إلى الضمان، وأوانه مضي مدة التعريف \rالوجه  الآخر: أن يقصد حفظ اللقطة على صاحبها أبدًا حتى يظفر به، فهي أمانة في يده أبدًا ، وفي وجوب التعريف عليه وجهان:\rأحدهما: أنه لا يجب ؛ لأنه مقدمة الملك لمن يبغي تملكها، فهو تعب في معارضة غرضه \rوالثاني: أنه يجب ؛ لأنه يؤدي إلى أن يبقى الملك مستورًا، وهو على خلاف وضع الباب ومصلحته ، وقد ذكر الأصحاب وجهين مطلقين في أنه: هل يجب البدار إلى التعريف لمن قصد التملك بعد التعريف  فإذا لم نوجب البدار فلا موقف عنده، وذلك يؤدي إلى تركه أبدًا إذا لم يقصد التملك نعم، إذا قلنا إنه يجب البدار فهو معتد بتركه البدار فيصير ضامنًا \rالوجه الثالث: أن يأخذ على قصد الاختزال، فهو معتد بالأخذ، ويجب عليه الضمان مهما تلف ، فلو عرّف على الشرط فهل له التملك قطع الشيخ أبو محمد بأنه لا يتملك ؛ لأن ابتداء يده جرى غصبًا، والغصب لا يفيد الملك شرعًا ، وذكر الشيخ أبو علي وجهين ، ووجه الجواز أن صورة التقاطه كصورة التقاط غيره، وقد وفّى بشرط الشرع، فلا أثر لمجرد القصد ","part":1,"page":216},{"id":713,"text":"فرع: لو لم يقصد الاختزال ابتداءً، فتعدى فيه بالفعل ضمن ، وخرج التملك بعده على الخلاف ، ولو طرأ مجرد قصد الاختزال من غير فعل، فقد اختلفوا في أنه هل يصير ضامنًا بمجرد القصد  ولا خلاف أن المودع لا يضمن بمجرد القصد دوامًا ، ولو أخذ ابتداءً على قصد الخيانة ففي ضمانه وجهان ، والترتيب في المسألتين جرى على العكس ، والفرق أن زوال اليد تم بإذن المالك، بخلاف اللقطة ، ثم إذا حكمنا بضمانه جرى الخلاف في تملكه على ما ذكرناه في الابتداء، كذلك أجراه الشيخ أبو علي ، وقال الشيخ أبو محمد: يفرق بين الدوام والابتداء في الملك،  فإنه من باب الرخص، وقد فرق الشافعي في سفر المعصية بين الابتداء والدوام ، وذلك من مشكلات المذهب ، ولأجله اتجه تخريج ابن سريج في التسوية بين الابتداء والدوام في سفر المعصية \rالوجه الرابع: أن يأخذ اللقطة ولا يقصد شيئًا من ذلك، فهي أمانة في مدة التعريف ، وبعد مضيها وقبل اتفاق قصد التملك يمكن تخريجه على القولين في أن الغالب عليها الأمانة أو الكسب، فإن قلنا: إنه الأمانة، فلا ضمان، وإلا فيجب الضمان \rالحكم الثاني: التعريف، والكلام فيه في ثلاثة أطراف:\rالأول: فيما يجب تعريفه، وذلك يختلف بمقدار المال وصفته، فأما المقدار: فما لا يتمول يختص بها واجدها كالزبيبة وما في معناها، ولا يشترط تعريفها ، ولا يتملك بعوض، ولا تباع ، وفي هبتها تنزيلاً على نقل الاختصاص نظر كما في هبة الملك وحده، ما لا يفرض له قيمة مع غلاء الأسعار، وما لا يظهر له نفع محسوس ، فأما ما يتمول فالكثير منه يعرّف سنة ، واليسير كمقدار الدانق  مثلاً لا يجب تعريفه سنة وفاقًا ، ولا بد من أصل التعريف\rفإن قيل: فما مرده قلنا: اختلفوا على التوقيت  على ثلاثة أوجه:\rالأول: عن النبي \\ أنه قال: >من التقط لقطة يسيرة فليعرفها ثلاثة أيام<  وهو إن صح معتمد ظاهر ","part":1,"page":217},{"id":714,"text":"الثاني: أنه لا ضبط فيه، فيعرف يومًا ويومين، وأكثره ثلاثة، والحد فيه مقدار يتصور رجوع المالك إلى طلب مثله \rالثالث: أنه يكفي التعريف مرة واحدة حتى يخرج عن حد الكاتم للقطة وبعد ذلك فلا ضبط، وهذا متجه \rفإن قيل: فما حد الحقير قلنا: قال الشيخ أبو محمد: لا نتحكم بتقدير من غير توقيف، بل نقول: كل قدر يعلم قطعا أنه لا يطول طلب مالكه له ولا يتمادى أمد طلبه، فإن طلب فيترك الطلب عنه على قرب، ويقطع عنه الطمع  \rومن أصحابنا من تشوف إلى تقدير ، وقد ذكر الفوراني في تقديره ثلاثة أوجه :\rأحدها: التقدير بنصاب السرقة؛ فإن ما دونه تافه شرعًا، ولذلك لا يقطع به \rوالثاني: ما دون الدرهم؛ فإنه تستوي طبقات الخلق في تحقيره، وما وراء ذلك يختلف الخلق فيه ولا ضبط للهمم \rوالوجه الثالث: أن الدينار فما دونه حقير ، وروي أن عليًا كرم الله وجهه وجد دينارًا فأمره رسول الله \\ >أن يستنفقه، ولم يأمره بتعريفه<  وفيه إشكال، إذ ما صار أحد إلى سقوط أصل التعريف، ولعل تأويله أن التعريف ليس له صيغة يعتد به، فمراجعته لرسول الله \\ على ملأ من الخلق إعلان، فهذا يؤيد الاكتفاء بالتعريف مرة واحدة، هذا تفصيل القدر \rأما صفة المال، إن كان مما يتسارع إليه الفساد كالطعام، نظر، فإن وجده في صحراء لم يجب عليه تعريفه ؛ لأنه توقع لوصول المالك إليه قبل أن يتملكه، وهو متعذر، فله أن يتملكه في الحال بالبدل ، ويعتضد بما روي أنه  قال في الشاة: >هي لك، أو لأخيك، أو للذئب< ، ولم يأمره بالتعريف، والطعام في معنى الشاة، فخرج منه أن الشاة أيضا تملك في الصحراء في الحال، وكذلك الطعام ، أما الجحش والحيوانات الصغيرة مما لا يؤكل فيه وجهان:\rأحدهما: أنه لا يلحق بالشاة ؛ فإن الشاة التحقت بالمطعومات، وليس هذا مطعومًا ، وقد روي أنه  قال: >من وجد طعامًا أكله ولم يعرفه< ","part":1,"page":218},{"id":715,"text":"ومنهم من ألحقه بالشاة ؛ إذ يعسر الإنفاق عليه وعلفه، وذلك يمنع من أخذه ويؤدي إلى ضياع المال \rالتفريع: إذا لم نوجب تقديم التعريف فلو أكل الطعام أو تملك الشاة وانتفع بها أو الجحش إذا ألحقناه  بالشاة فهل يلزمه بعد ذلك تعريفه فيه وجهان:\rأحدهما: أنه لا يجب ؛ لظاهر الحديث، ولأن التعريف خرج عن وضعه لما أن تراخى عن التمليك، ولأن العثور على المالك في الصحراء أو في البلدة التي ينتهي إليها، وفيها يجب تعريف لقطة وجدها في الصحراء بعيد، فمجموع هذه المعاني تسقط التعريف \rوالثاني: أنه يجب ؛ ليتعلق المالك بالقيمة، فإنه كتمان للقطة فيعرفها في البلدة التي يقصدها الواجد كما يفعل ذلك في الدراهم والدنانير والثياب إذا وجدها في الصحراء وأراد تملكها ، وهذا بعيد، والظاهر هو الأول ، هذا إذا وجد الطعام في الصحراء\rفإن وجده في العمران، ففي جواز البدار إلى أكله مع إمكان بيعه وجهان:\rأحدهما: الجواز كما في الصحراء ، ويدل عليه ظاهر الحديث\rوالثاني: أنه يسعى في بيعه فإنه ممكن \rالتفريع: إذا قلنا: يأكله، فالصحيح ها هنا أنه يعرف بخلاف الصحراء فإن العثور على المالك ها هنا غير بعيد ، وإن قلنا: يبيع، فإن رفع الأمر إلى القاضي وباعه فذاك  وهل للملتقط الانفراد ببيعه فيه وجهان مشهوران:\rأحدهما: المنع ؛ لأن إزالة الأملاك بالتصرفات إلى الحكام \rوالثاني: له ذلك؛ كما يزيل ملكه إلى نفسه، بعد مضي مدة التعريف \rفإذا جوزنا له البيع أو عدم قاضيًا، فله البيع قطعًا، ويمسك قيمته، وينزل منزلة عين اللقطة حتى يتملكها بعد التعريف، وتتلف أمانة قبل التعريف، وإذا عاد مالكها يجب تسليم عين الثمن إليه \rفأما إذا قلنا إنه يتملك في الحال ويعرّف بعده فهل يلزمه أن يميّز قيمته من ملكه ويعرفها حتى يعتمد التعريف وكأننا نسد مسد الفائت فيه وجهان:\rأحدهما: أنه يجب بدلاً عن الفائت ","part":1,"page":219},{"id":716,"text":"والثاني وهو الأصح: أنه لا يجب؛ إذ لا طالب لهذه القيمة فإبقاؤها في ذمته أرفق بالمالك \rالتفريع : إذا أمرناه بالتمييز فلو ميّزه قصدًا لم يكتف به، بل يجب تسليمه إلى القاضي أو نائبه حتى يكون قبضًا عن جهة مالك اللقطة ، ثم ليس من أثره دخوله في ملك مالك اللقطة حتى إذا عاد لم يكن إعراضه عنه كإعراضه عن سائر أملاكه ، بل أثره في ثلاثة أمور:\rأحدها: أنه لا يجوز للملتقط إبدالها\rوالثاني: أنه لو أفلس فمالك اللقطة أولى بالقيمة، ولا يضارب الغرماء\rوالثالث: أنه تتلف أمانة، وتبرأ ذمته بتلفه\rوالآخر أنه إن انقضت السنة على الشرط فالقيمة مبقاة في يد القاضي على حق مالك اللقطة، هذا ما قطع به الإمام ، وليس ينفك عن احتمال ظاهر؛ فإنه يستبد بثمن ما يبيعه إذا أمرناه بالبيع، فما غرمه من القيمة ثمنه، ولكنه باذل فلا بعد في أن ينطلق له التصرف فإنه فائدته من الالتقاط\rالطرف الثاني: في وقت التعريف: وقد بيّنا أنّ مدته سنة ، وتاريخ السنة من وقت ابتداء التعريف، لا من وقت اللقطة ، وفي وجوب البدار إليه عند الالتقاط على قصد التملك وجهان:\rأظهرهما: أنه يجب البدار ؛ فإن الطلب يكثر على الاتصال بالالتقاط ثم إذا ابتدأ اللقطة  فينبغي أن يقع على موالاة، فيعرف في الابتداء كل يوم، ثم بعد ذلك في كل أسبوع، ثم بعد ذلك كل شهر ، وهذه تقريبات، والغرض أن لا ينسى التعريف الأول حتى يظن أن اللاحق تعريف لقطة أخرى مبتدأة ، فلو قطع الموالاة على وجه غلب على الظن نسيان الأول، فلا يقع الاعتداد بما تقدم \rوهل يصير ضامنًا فيه من الخلاف ما في تأخير التعريف في الابتداء ، وإذا جعلناه ضامنًا فالتعريف بعد هل ينفع في إفادة التملك فيه خلاف أيضًا ذكرناه ، ومنهم من اكتفى بتعريف بقية المدة على  شرط أن يوزع اللقطة حتى يكون ذلك مذكرًا ","part":1,"page":220},{"id":717,"text":"الطرف الثالث: في مكان التعريف: ومكان التعريف مكان الوجدان إن كان عامرًا مسكونًا فإليه يتوقع رجوع المالك طالبًا ، وحسن أن يعرف على باب الجامع في كل جمعة ؛ فإن الغرض إظهار المالك ، ولو سافر عن البلد وأخذ يعرفه في سفره فلا خير فيه، فما من حقه أن يسافر باللقطة، بل عليه أن يستنيب نائبًا في البلد ، فإن وجدها وهو مارّ في صحراء أو سفر فلا فائدة للتعريف في ذلك المكان، ولا نكلفه الانعكاس على عقبه، بل له أن يتوجه إلى صوب مقصده، ثم يعرف في البلد الذي ينتهي إليه حيث ما كان ، ولا يعتد بتعريفه في صحراء خالٍ إذا لم يكن معه من يتوقع أنه مالكه، فلا يحسب ذلك من المدة ، ولو انصرف إلى حيث أنشأ منه السفر جاز، ولو أخذ وجهة أخرى جاز ولا حجر ؛ فإن البقاع ها هنا متساوية في احتمال طريق المالك ، فيكتفى بالفعل الممكن الذي لا يكلفه حجرًا وتضييقًا\rالطرف الرابع: في كيفية التعريف: وحق المعرف أن يصف اللقطة بعض الوصف حتى يتنبه له المالك ، ولا ينبغي أن يستوعب فيتخذه الكاذب ذريعة إلى دعواه  واختلفوا في أن هذا واجب أم مندوب، فمنهم من قال: مندوب؛ إذ المالك حريص على طلبه فلا يفتقر إلى وصف ، ومنهم من أوجب وقال: رب فاقد لا يتنبه إلا إذا ذكر بالتعرض للجنس ، ثم من هاؤلاء من يشرط ذكر الجنس ، والصحيح أنه يكتفى بذكر العفاص والوكاء ، وإليه أشار  حيث قال: >اعرف عفاصها ووكاءها وعرفها سنة< ","part":1,"page":221},{"id":718,"text":"الطرف الخامس: في مؤونة التعريف: وليس على الواجد مباشرته بنفسه، وله الاستنابة ، فإذا افتقر إلى مؤونة قال  العراقيون: هو على الملتقط؛ لأنه وسيلته إلى التملك، فكأنه يسعى لنفسه ، وهذا فيه تفصيل، فإن قصد الحفظ لمالكه أبدًا وأوجبنا التعريف فلا وجه لإيجاب المؤونة؛ فإنه تذرع إلى الاتصال إلى المالك فليستقرض القاضي عن رب اللقطة، أو ليأذن للملتقط على التفصيل المذكور في هرب الجمّال ، وإن قصد التملك بعد مضي السنة فما ذكره العراقيون متجه ، ويندرج احتمال ظاهر في أن المؤونة على المالك؛ لأنه في مدة التعريف يسعى له ويبغي العثور عليه، فإذا عثر عليه فيبعد إبقاء المؤونة عليه \rالطرف السادس: في الإنفاق على اللقطة: فالجحش إذا ألحقناه بالشاة، أو الحيوان في العمران إذا جوزنا أخذه، فافتقر إلى العلف، فليس ذلك على الملتقط قطعًا ، ولكن يستقرض القاضي عليه، أو يستقل الملتقط به على رأي إذا جوزنا له الاستقلال بالبيع  وله بيع جزء من الحيوان في الإنفاق على الباقي  قال الشيخ أبو محمد: يحتمل أن يلتحق هذا بما يتسارع إليه الفساد حتى يتسلط على بيعه؛ فإن في إبقائه ما يؤدي إلى فنائه في نفقته ، وهذا حسن ، ثم إذا ألحقنا الجحش بالشاة في سقوط تقديم التعريف على التملك خيفة الإنفاق فلا يلتحق به كبار الحيوان؛ لأن الجحش شبّه بالشاة لصغره وضم إليه تأكيدًا لأمر الإنفاق \rالحكم الثالث: [التملك]  بعد مضي السنة: وهذه السلطنة ثابتة من قضايا اللقطة، فيتملك بعوض ، وقال داود : يتملك مجانًا من غير عوض  واختلف الأصحاب على أربعة أوجه فيما يحصل به الملك:","part":1,"page":222},{"id":719,"text":"الأول: أنه يحصل بمجرد مضي السنة  وهذا غريب ، ومستنده قوله : >فإن جاء صاحبها، وإلا فهي لك<  وعلى هذا الوجه لو قصد بالالتقاط  الحفظ للمالك، أو لم يقصد شيئًا أصلاً لم يملكه بمضي السنة ، وكذلك لو قصد ابتداءً التملك وتغيّر قصده في آخر السنة فتبقى في يده أمانة ، فحاصل هذا الوجه أنّ قصد التملك في الابتداء يفيد الملك عند مضي السنة إذا فرض الاستمرار عليه\rوالوجه الثاني: أنه لا بد من قصد التملك بعد مضي السنة ؛ لقوله \\: >فشأنك بها<  فهذا يدل على تخييره بين التملك والترك، وعلى هذا لا أثر للقصد السابق، فإنّ ذلك عزم، فليحقق ما عزم عليه بقصد مقترن بالتحقيق عند إمكانه \rوالثالث: أنه لا يكتفي بالقصد بعد المدّة، بل لا بد من لفظ التملك، فإن إزالة ملك الغير بمجرد القصد بعيد ، والمفهوم من الشرع إثبات السلطنة وهذه فائدته\rوالرابع: أنه لا بد مع اللفظ من تصرف يزيل الملك ، فإن هذه الأسباب السابقة لا تزيد في القوة على إقراض المالك وتسليمه ، ونقول على قول لا يملك المستقرض إلا بالتصرف ، فعلى هذا لو باع ولم يأت بلفظ التملك قبله فهذا يبتنى على قول الوالد: بعت المال الموهوب قبل التصريح بالرجوع وقد ذكرناه \rفرع: من وجد لقطة في مكة وعرفها سنة هل يتملكها اختلف الأصحاب فيه، فمنهم من قال: لا يتملك ؛ لقوله  في مساق كلامه: >إن الله تعالى حرم مكة، لا ينفر صيدها، ولا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد<  معناه لمنشد ينشدها أبدًا؛ إذ به تظهر فائدة التخصيص \rوالثاني: أنه يتملك قياسًا على سائر البقاع ، والتعرض له محمول على قطع وهم من يظن أنه مستغني عن تعريفها؛ إذ الغالب أن الحجيج إذا تفرقوا في المواسم مشرّقين ومغرّبين وقد مدت المطايا أعناقها وأخذت أصوابها فلا فائدة للتعريف، والتأويل  على الجملة بعيد، والحديث ظاهر ","part":1,"page":223},{"id":720,"text":"الحكم الرابع: في وجوب الرد عند ظهور المالك: فإذا ظهر مدّع وأطنب في الوصف، فإن لم يغلب على الظن صدقه لم يجز رده إليه، وإن غلب صدقه جاز رده ، ولا يجب عليه الرد ما لم يقم البينة في ظاهر المذهب ، وقال الشيخ أبو حامد: يجب الرد ؛ لأن تكليفهم إقامة البينة عسير، ولذلك جاز رده، ولولاه لما جاز، فاللائق بمصلحة كل باب ينبغي أن تراعى ، ولعل من يشترط إقامة البينة يبدي منعًا في الجواز؛ فإنه يحتمل أن الواصف اطلع عليه بكونه مودعًا، أو بوصف مالكه عند حكايته فقده المال ، ولكن المنقول ما ذكرناه \rومن يشترط البينة يحتمل أن يقول بشرط الرفع إلى القاضي وإقامة البينة على المالك، ويحتمل أن يكتفي بإخبار الشاهدين للملتقط ، ويحتمل أيضًا الاكتفاء بقول عدل واحد \rفرع: إذا ردّ بالوصف على الواصف، فظهر مالكه، فله أن يطالب الواصف والملتقط أيهما شاء ، وقرار الضمان على الواصف إن لم يعترف له الملتقط بالملك، فإن اعترف فهو مؤاخذ بقوله، فلا نجد عليه مرجعًا ، هذا إذا ظهر المالك قبل تملكه، فإن ظهر بعد التملك والاستهلاك فتسلم إليه القيمة ، وإن كان عين اللقطة قائمة، فهل يقال: بل هو أولى بعين اللقطة فيه خلاف ذكرنا نظيره في القرض \rالتفريع إذا قلنا هو أولى بالعين، فلو كانت قد عابت فيأخذ العين ويغرّمه الأرش؛ لأنها لو تلفت بعد التملك لكانت مضمونة ، فلو قال: المالك لا أريد العين وأبغي القيمة، فإن كانت العين سالمة فليس له ذلك على هذا الوجه ، وإن كانت معيبة ففيه وجهان:\rأحدهما: أنه  يتعين حقه في العين والأرش \rوالثاني: أنه يرجع إلى البدل ؛ إذ العيب لا وقوف له، وربما يسري، وهو ضعيف؛ لأن المغصوب منه يرجع إلى العين والأرش وإن كان ساريًا ","part":1,"page":224},{"id":721,"text":"الحكم الخامس: في استحقاق أجرة الرد على المالك: وإنما تفرض الأجرة في عبد أبق، أما غيره فيقل العمل فيه ، فإذا رد عبدًا أبق إن لم يسبق من المالك نداء بإثبات جعل لمن يرد، فلا يستحق الأجرة ، سواء كان معروفا برد الآبق أو لم يكن ، خلافًا لأبي حنيفة ، نعم إن كان العبد كبيرًا ففي أخذه على قصد الرد إلى المالك وجهان في وجوب الضمان عليه ، وإن كان صغيرًا فهو كالشاة فقد ذكرنا حكمه \rفأمّا إذا نادى المالك في الناس بأن من رد العبد فله كذا، فإذا رده من لم يبلغه الخبر على قصد التبرع لم يستحق شيئًا ، وإن لم يبلغه الخبر ولكن قصد استحقاق الأجرة والسعي على ظن أن عمله لا يعطل، وقد سبق النداء من المالك، فهذا قد تردد فيه الشيخ أبو محمد لمّا طرحت هذه المسألة عليه ، والظاهر أنه لا يستحق ؛ لأنه لم يعيّن بالخطاب، ولا بلغه الخبر العام ، فأما إذا بلغه الخبر فأنشأ السعي بعده استحق الجعل ، وهذه صورة الجعالة \rوقد تعرض المزني عند هذه الأحكام للجعالة ، والنظر يتعلق بأركانها وأحكامها\rأما أركانها: فالشرط ، والعمل، والأجرة \rأما الأجرة، وهي الجعل، لا بد من أن يكون معلومًا كما في الإجارة ، فإن الجهالة إنما احتملت في العمل لمسيس الحاجة إليه؛ إذ مكان العبد لا يعرف غالبًا، فلا يمكن الاستئجار عليه ، فلو جعل الجعل مجهولاً فسد العقد ، واستحق أجرة المثل عند العمل ، وكذلك لو جعله مغصوبًا أو خمرًا أو خنزيرًا ، ويحتمل تخريجه على القولين المذكورين في الصداق في أنه يستحق عند العمل قيمة المغصوب  والخمر أو أجر المثل ","part":1,"page":225},{"id":722,"text":"أما العمل فلا بد من أن يكون بحيث يعسر الاستئجار عليه ، فإنّ من قال: من خاط ثوبي هذا فله درهم، أو قال لمَعْنِيٍّ: إن خطت فلك درهم، ففي صحة هذه الجعالة  والعمل مضبوط يمكن الاستئجار عليه وجهان ، والظاهر المنع ؛ لاختصاص الجعالة بأحكام بديعة احتملت لأجله الحاجة \rأما الصيغة فهو أن يقول: رد عبدي ولك دينار، وإن رددت فلك دينار، فحكمها واحد، ويقول من رد عبدي الآبق فله دينار ، ويحتمل إبهام العامل؛ لأنه ربما لا يهتدي إلى تعيين الراغب في العمل، فأثبت هذا على وفق الحاجة، وهذا هو المنطبق على الحاجة ، ثم إذا أبهم لم يفتقر إلى القبول ، ولو عين شخصًا فالذي أطلقه أئمة المذهب أنه لا يفتقر إلى القبول ، واكتفوا بالشرط من الجاعل، وقد ذكرناه في التوكيل أنه إذا قال: بع عبدي فلا يشترط القبول في الظاهر ، وإنما الخلاف فيه إذا قال: وكلتك ببيع هذا العبد، وفي الجعالة لو غير الصيغة وقال: جعلت لك على رد آبقي دينارًا فهذا يكاد يقتضي جوابًا كالوكالة، ولا يبعد تخيل فرق إذ الجعالة تحتمل إبهام العامل بخلاف الوكالة \rوأما أحكام الجعالة  فخاصيتها الجواز وارتباط استحقاق الجعل بتمام العمل ، أما الجواز فسببه بيّن؛ فإن القراض إذا حكم بجوازه فالجعالة بها أولى، ولا يشترط تعلق الجعالة بشخص معين حتى يرتبط به لزوم ، فإذا فسخ الجاعل: إن كان بعد الرد فلا معنى، بل يستحق المسمى ، وإن كان قبل الخوض في العمل انفسخ ، فلو أنشأ العمل مع علمه بالفسخ لم يستحق شيئًا ، وإن خاض في العمل وهو [متمادٍ]  في استتمامه ففسخ انفسخ حتى  يسقط المسمى، ولكن يستحق أجرة المثل ؛ إذ لو فتح هذا الباب لم يرغب العامل في الخوض في العمل، والباب مبني على الحاجة والمصلحة، فلا سبيل إلى مناقضتها ","part":1,"page":226},{"id":723,"text":"ولو فسخ الجعالة من حيث لم يعلم العامل، فيحتمل تخريج هذا على عزل الوكيل في غيبته، والظاهر انفساخ الجعالة؛ فإن مقتضاها الجواز وقبول الجهالة، فأما الاستحقاق فمنوط بتمام العمل حتى لو رد إلى مسافة قريبة فأبق أو ترك حتى ضاع أو مات العبد لم يستحق شيئًا من الأجرة\rفرع: إذا قال لثلاثة: إن رددتم عليَّ عبدي الآبق فلكم كذا، فإذا ردوه واشتركوا في العمل استحقوا الجعل، وظاهر كلام الأصحاب أنه يوزع على الرؤوس لا على الأعمال، فإن مبنى الباب على الإعراض عن مقدار العمل لما فيه من الجهالة، وليس يبعد عن قاعدة المذهب التقسيط على العمل، وأجرة المثل؛ لأن العمل بعد إتمامه مضبوط معلوم، فاعتباره ممكن\rالثاني: أنه إذا عينّ مخاطبًا وقال: إن رددت عبدي الآبق فلك كذا، فليس يتعين عليه السعي بنفسه، بل له الاستعانة بغيره، فإذا حصل العمل استحق الأجرة، فلو أعانه إنسان قال الشافعي: يقال للعامل: ما أردت بعملك ومن أردته فإن [قال]: أردت إعانة العامل، فيستحق تمام الأجرة، وهو متبرع عليه، وإن قال: قصدت الجاعل، فيوزع المسمى، ولا يستحق العامل إلا القدر الذي يخصه، وليس للمُعِين شيءٌ؛ فإنه متبرع به، ثم يتردد في كيفية التوزيع، وإنه على عدد الرؤوس أو قدر العمل\rالثالث: لو قال لزيد: رد عبدي الآبق ولك عشرون درهمًا، وقال لآخر: رد ولك ثلاثون درهمًا، وقال لثالث: رد ولك ستون فإذا اشتركوا في العمل، قال الشافعي رحمه الله: يستحق كل واحد ثلث ما سمّي له، وهو جار على القياس الذي ذكرناه، فإن قيل: كل واحد لم يأت بتمام العمل، فكيف يستحق شيئًا وما فوّض الأمر إلى اشتراكهم قلنا: لا حكم لبعض العمل قبل حصول المقصود، فأما إذا حصل المقصود فلا سبيل إلى إحباط العمل\r\rكتاب اللقيط\rوفيه بابان:\r[الباب] الأول: في أركان الالتقاط\rوفيه فصلان:\r[الفصل] الأول: في النظر في أركانه","part":1,"page":227},{"id":724,"text":"الركن الأول: اللقيط \rوقد يسمى المنبوذ ، وأحد اسميه من طرفي حالته، فإنه ينبذ أولاً، ثم يلتقط آخرًا ، ومعناه التقاط صبيٍ ضائع لا كافل له ، ولا يعتبر في الصبي إلا التعرض للضياع، وذلك بأمرين:\rأحدهما: فقد كافل من أب وأم وغيره ممن يتولى الحضانة \rوالثاني: أن لا يكون مستقلاً بنفسه\rفلا يفيد التقاط البالغ شيئًا ، وما دون سن التمييز يجوز التقاطه ، وفي البالغ سن التمييز احتمال ظاهر من حيث أن تمييزه لم يفد له استقلالاً، فبالحري أن يلتقط، ولكنه بتمييزه امتنع عن الضياع ، فيكاد يضاهي الإبل في الصحراء في باب اللقطة، فعلى هذا للحاكم القيام بحضانته لا لآحاد المسلمين \rالركن الثاني: في الملتقِط\rوأهلية الالتقاط ثابتة لكل حر مسلم عدل رشيد؛ لأن فائدة هذا السبب شرعًا إثبات الأمانة، وولاية الحضانة ، والكافر ليس أمينًا في الطفل المسلم ، نعم هو أهل للالتقاط في الصبي الكافر، وكذلك المسلم معه أهل فيه، فإن المسلم أهل على الكافر ، وأما العبد فلا يتفرغ للحضانة ، والفاسق لا أمانة له ، والمبذر وإن كان عدلاً يصلح للأمانة، ولكن الشرع لا يأتمنه ، وهذا ائتمان شرعي، فهولاء  إذا التقطوا انتزع القاضي من أيديهم، ولم يَثبت لهم اختصاصٌ بالحضانة ","part":1,"page":228},{"id":725,"text":"وأما المستور، ومن لا يعرف إلاّ بالخير، فهو أهل، وظهور  العدالة لا تعتبر، نعم لو رأى القاضي أن يراقبه حتى يتبين أمانته فله ذلك على شرط أن لا يؤذيه برقيب يخالطه ويداخله ، فلو أراد أن يسافر به لم يمكّن ما لم تظهر عدالته ، نص عليه الشافعي رحمه الله ، ولسنا نعني به سفر النقلة، فإن في النقلة خلافًا سنذكره  وأما المكاتب فليس من أهل الالتقاط ، وإنما جعلناه من أهل اللقطة لأنها كسب وهو من أهل الكسب ، والالتقاط يوجب الحضانة، وهو شاغل عن الكسب، فهو تبرع من المكاتب ، حتى لو كان بإذن السيد فيخرّج على تبرعه بإذنه ، والعبد لو التقط بإذن السيد، فهو ملتقط، ويرجع النظر إلى حال السيد \rفأمّا الفقير فإنه أهل للحضانة والالتقاط ، وسنذكر أن نفقة اللقيط ليس على الملتقط \rفإن قال قائل: فلو ازدحم جماعة على اللقيط، فما الطريق فيه قلنا: من ليس أهلاً لا يزاحم الأهل، كالعبد والحر، والمسلم والكافر، ونظائرهما ، أما من كان أهلاً إذا نازع الأهل فإن فضله بصفة مؤثرة في الحضانة تقتضي النظر للصبي المسلم فيسلم إليه، ويُقدم \rويتهذب هذا بالنظر في صور:\rإحداها: الغني والفقير إذا ازدحما نقدم الغني ؛ لأنه قد يحتاج إلى الإنفاق، وقد يتبرع الغني عليه ، فأما المتوسط يساره المترقي عن الفقر هل يقدم عليه المتوسع في اليسار اختلف فيه الأصحاب ، ولعل الأظهر التسوية؛ إذ لا ضبط لمراتب اليسار \rالثانية: الظاهر العدالة هل يقدم على المستور  كان الشيخ أبو محمد يقطع بتقديمه كما يقدم الغني على الفقير ، ومن أصحابنا من ذكر خلافًا ولم ينزل المستور منزلة الفقير، فإنه يقول: المقصر من لم يبحث عن عدالتي فأنا عدل، والحضانة حق لي فلا أتركه ","part":1,"page":229},{"id":726,"text":"الثالثة: البلدي والقروي إذا اجتمعا يقدم البلدي، وإن كان  القروي من أهله ؛ لأن للإقامة في البلد فوائد ظاهرة للصبي على ما سنذكره من بعد ، فأما الحضري فمقدم على البدوي ؛ لأن البدوي ليس أهلاً على معنى أنه لا يجوز له نقل الصبي إلى البادية كما سنذكره \rالرابعة: المرأة لا تقدم على الرجل ، وإن كنا نقدمها في حضانة الولد؛ لأن الوالد يستنيب حاضنة، والأم أولى من الأجنبية؛ لفرط شفقتها، والملتقط لو استأجر حاضنة لكانت كالملتقطة المزاحمة ، هذا إذا اختلفت صفاتهم، فإن تساووا في الصفات فالسابق إلى الالتقاط مقدم ، حتى لو كان فقيرًا ولحقه موسر فلا يزاحمه؛ لأن الحق بعد ثبوته لا ينقض بما يرجح به في ابتدائه، فأما إذا سبق أحدهما إليه ووقف على رأسه واقتصر على الوقوف، فهل يثبت له حق التقدم بهذا القدر إذا لحقه الثاني قبل الرفع فيه وجهان ذكرهما الشيخ أبو محمد ، فأما إذا استويا في السبق ولم يظهر ترجيح فلا سبيل إلى التسليم إليهما ؛ إذ الاشتراك في الحضانة غير ممكن، والمهايأة تضر بالصبي؛ فإنه ألوف، وإذا قطع بعد الألف عظم عليه، فلا سبيل إلا الاقتراع فمن خرجت قرعته قدم وسلم إليه \rفرع: لو كانت الحالة تقتضي القرعة فترك أحد الملتقطين صاحبه فأعرض عنه فهل له ذلك فيه وجهان، الصحيح أن له ذلك ، وكأنه لم يلتقط، وقد ترك الزحمة، والثاني أنه يمتنع ، وهذا مشكل، وتوجيهه أن الالتقاط من فروض الكفايات، وقد لا نرى للخائض في فرض من فروض الكفايات أن ينزع منها بعد الشروع ، وعلى هذا نقول: لا يجوز للملتقط المنفرد بعد الالتقاط أن يرد الصبيّ إلى مكانه ضائعًا ، وله أن يرفعه إلى القاضي إن عجز  عن تكفله ، وهل له ذلك مع القدرة فيه تردد ، فإن جوزنا ذلك جوزنا لأحد الملتقطين ها هنا الإعراض، وإن منعنا ثمّ فها هنا وجهان؛ لأن الحق بعد لم يستقر في المزاحمة ","part":1,"page":230},{"id":727,"text":"فإن جوزنا له الإعراض صار الثاني كالمنفرد به، وإن منعناه فيقرع بينهما ويسلم إلى من خرجت القرعة له ، وقال بعض أصحابنا: ينصب القاضي أمينًا عن جهة التارك ويقرع بينه وبين الآخر، فإن خرجت القرعة للأمين سلم إليه ، وهذا خبط لا وجه له ، فإن قال قائل: هلاّ خيّرتم اللقيط بين الملتقطين وسلمتموه إلى من يميل إليه قلنا: هذا لا يتصور في غير المميز، فإن لم ينفصل الأمر بينهما حتى انتهى إلى سن التمييز ففي ذلك احتمال كما في الأبوين ، ويحتمل خلافه ؛ لأن الميل إلى أحد الأبوين له أصل من الجبلّة معلوم، ولا وجه يعوّل عليه في الميل إلى أحد الأجنبيين \rالركن الثالث: في الالتقاط\rوهو عبارة عن رفع الصبي الضائع للقيام بحضانته ، وحكمه أنه فرض على الكفاية ، فإن ترك ضائعًا حرج به أهل الناحية ، ولا يجب على الآحاد مراجعة الوالي لا في ابتدائه ولا في دوامه ، وهل يجب الإشهاد عليه هذا يترتب على اللقطة ، فإن أوجبناه فها هنا أولى؛ لأنّ الخطر فيه أعظم فإنه يتوقع استرقاقه إن لم يشهد عليه ، وإن لم نوجب في اللقطة فها هنا ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه لا يجب، اعتمادًا على الأمانة ؛ فإن هذه أمانة، وليس في الإشهاد أيضًا ما يقطع جميع الغوائل، فإن تغريبه وبيعه ممكن \rوالثاني: أنه يجب الإشهاد احتياطًا ، وربما يتغير حال الرجل، ويطمع في الخيانة \rوالثالث: أنه يجب على المستور الإشهاد ونكلفه ذلك، وإن كان ظاهر العدالة، فلا نكلفه ذلك ، ومن يوجب  الإشهاد يجعله شرطًا، حتى يتخلف حكم الالتقاط وولاية الحضانة عند فقد الإشهاد، وكأنه يقول هذه ولاية فلا تثبت ما لم تستند إلى شهادة \r\rالفصل الثاني: في أحكام الالتقاط\rوالنظر في حكمين، أحدهما: الحضانة، والآخر النفقة","part":1,"page":231},{"id":728,"text":"أما الحضانة فلا تخفى صورتها، وهو القيام بتعهد الصبي على وجه استصلاحه ، وإنما النظر في مكان الحضانة، وينظر في ذلك، فإن وجد اللقيط في بلد فليس له النقل إلى البادية ؛ لعلتين:\rأحدهما: ضيق المعيشة في البوادي، وعسر المداواة ومراجعة الطبيب \rوالثاني: انقطاع النسب فربما يظهر أبوه أو أمه في البلد ، فعلى هذا لو نقل إلى بلدة أخرى أو إلى بادية قريبة من البلدة يسهل المعالجة فيها ونقل الدواء إليها، فيخرّج على قولين؛ بناءً على العلتين \rفأما إذا وجد اللقيط في بادية فإن كان في مضيعة فليس عليه الإقامة بها، وله أن ينقله إلى البلد الذي يقصده، وله أن يقيم ببعض أطراف البوادي، فلا حجر عليه في ذلك لأن جميع البقاع متساوية بالنسبة إلى تيك البقعة  وإن وجده في قبيلة ضخمة، فأراد أن ينقله إلى قبيلة أخرى، فيخرّج على النقلة من بلد إلى بلد أخرى ، وإن أراد نقله إلى بلد، فالذي ذهب إليه المعظم جوازه ؛ فإنّ فائدة التوسع في معيشة البلد للصبي، فغلب على ما يفرض من ظهور النسب، فمصلحة اللقيط على نفسه أولى ، وذكر القاضي وجهين مبنيين على المعنيين \rالحكم الثاني: الإنفاق عليه، ولا يخلو إما أن يكون للقيط مال أو لم يكن، فإن لم يكن له مال فنفقته على بيت المال من سهم المصالح ، فإن اقترض الإمام على اللقيط  وسلمه إلى الملتقط حتى ينفق بالعدل فله ذلك ، فإن قال للملتقط أنفق من مالك وارجع، ففي رجوعه وجهان ذكرنا نظيره في هرب الجمّال ، ووجه المنع أنه يؤدي إلى أن يملك غيره مالاً بنفسه لنفسه معاملة يستبد بها ، وإن لم ير الإمام ذلك ولم يكن في بيت المال مال فهو على أهل اليسار من المسلمين ، ولا سبيل إلى التوزيع على كافتهم، ولكن يعيّن الإمام منهم من يراه باجتهاده، فإن تساووا في نظره فيتخير الإمام، ولا سبيل إلا هذا؛ إذ لا مطمع في القرعة بين أقوام لا حصر لهم ","part":1,"page":232},{"id":729,"text":"ثم إذا أنفقوا بإذن الإمام ففي رجوعهم خلاف، وميل القاضي إلى أنه لا رجوع لهم ، وكذلك الخلاف في الإنفاق على الفقير المضطر بأمر الإمام ، ومن أثبت الرجوع، وزعم أن وجوب التسليم لا يسقط القيمة، فإن من ملك طعامًا ووجد مضطرا مشرفا على الهلاك لزمه التسليم بالقيمة ، قال الإمام: التسليم بالقيمة في مثل هذا المقام متجه، والرجوع على الطاعم ، فأما من ظهر افتقاره واضطراره حتى حكم الإمام على ذوي الأموال بالإنفاق، فلا يرجعون عليه إذا أيسر؛ لأنه عيال على بيت المال فإذا ظهر لبيت المال مال فهل يرجعون ففيه خلاف كما ذكرناه \rفأما إذا كان للقيط مال فنفقته في ماله ، وليس للملتقط أن يستبد بالإنفاق عليه، فإن فعل دون مراجعة القاضي ضمن، أسرف أم اقتصد ، وإن فعل بإذن القاضي واقتصد لم يضمن ، وإن عجز عن مراجعة القاضي فأنفق بنفسه ففي جواز ذلك أوجه :\rأحدها: أنه يضمن \rوالثاني: أنه لا يضمن \rوالثالث: أنه إن أشهد في كل نفقة جاز، وإلا فلا \rوقد ذكرنا مثل هذا الخلاف في إنفاق المستأجر على الجِمال عند هرب الجَمَّال ، وها هنا أولى بالجواز  لأنه ذو ولاية وحضانة، ولأن حاصل غرضه أن يصدّق في الإنفاق، ولا يضمن بخلاف المستأجر فإنه يبتغي رجوعًا بما أنفقه من مال نفسه \rفرع: إذا سلم القاضي مال اللقيط إلى الملتقط لينفق فهو مؤتمن، والقول قوله فيما يدعيه من الإنفاق بالمعروف ، فإن أسرف واعترف بالإسراف يضمنه للقيط، ولا معنى لتحليفه مع اعترافه ، نعم لو نازعه اللقيط في عين من أعيان ماله، وزعم أنها باقية وادعى الملتقط إنفاقها: فالقول قول الملتقط؛ وإن كان يضمنها لإسرافه \rوقد قال القفال: إذا ادعى الغاصب تلف العين المغصوبة؛ فالقول قوله، وإن كان الأصل عدمه؛ لأنه لو لم يصدق أدى إلى تخليد الحبس عليه وجسيم الخلاص لو كان صادقًا وكان صدقه ممكنًا ","part":1,"page":233},{"id":730,"text":"فإن قال قائل: كيف يفرض المال للقيط قلنا: يفرض ذلك بالوقف على اللقيط والوصية والهبة ، ويقبلها القاضي ، ويُفرض له مالٌ بثبوت يده عليه؛ بأن يوجد ومعه مال مشدود عليه، وهو تحت يده ؛ إذ البلوغ لا يعتبر في اليد، والمطلوب منها الاختصاص، وهو حاصل، والرجوع إلى العرف  ثم يترتب ذلك على ثلاث مراتب:\rالمرتبة الأولى: ما يقطع بكونه تحت يده، وهو الثياب الملفوفة عليه، والمفروشة تحته وطاءً، والملقاة عليه غطاءً، والدراهم في جيبه أو المشدودة على طرف ثوبه أو المفروشة تحت فراشه، أو المصبوب عليه من فوق، وكذلك الدابة المشدودة على طرف ثوبه ، وزاد القاضي فقال: لو وجدناه في دار أو بيت، فالدار تحت يده ، وهذا تفقه، وإن كان يرتاع أولُ الفكر عنه؛ فإن يد الطفل كيد البالغ، وإنما يفارقه أنه لا يتمكن من الذب عنه  \rالرتبة الأخيرة : ما يقطع بأنه ليس تحت يده، كالدابة المسيّبة وإن قرب مربعها منه، والدراهم المدفونة في الأرض تحته أو بالقرب منه ، والمحكم في الطرفين العرف؛ فإن واضع اللقيط قد يمد ملتقطه بمال فيظهر فيه نوعًا من الاختصاص، فإذا سقط أثر الاختصاص فلا حكم له \rالرتبة المتوسطة: أن يوجد بالقرب منه ثياب، أو دراهم موضوعة، أو دابة مربوطة بشجرة؛ ففيه وجهان ، ومنشؤهما اضطراب العرف، والدابة المسيّبة وإن كانت قريبة فهي كالبعيدة؛ فإن تسييب الدابة مما يعتاد قطعًا في مثل هذا المقام ، والدراهم المدفونة فإن كان عمق الأرض لا يزيد على عرض البعد فلا تدخل في محل الوجهين؛ لأن ذلك لا يعتاد ، نعم لو وجد في ثيابه مكتوبًا كُتب عليه أن الدفين الذي تحته له، فقد اختلفوا فيه، منهم من قال: لم نبال بالرقعة فأجرى القياس في الدفين ، ومنهم من حكم به؛ لأنه لا يبعد ذلك في العادة ، وهذا القائل يلزمه الحكم به، وإن بعد الدفين أو الدابة المربوطة على بعد ","part":1,"page":234},{"id":731,"text":"نعم هذه الأموال التي حكمنا بها للقيط، للملتقط رفعها، وليس له الاستبداد بالإنفاق عليه  دون إذن القاضي \rوهل له الاستبداد بحفظها له فيه وجهان:\rأحدهما الجواز ؛ كما يستبد بحفظها المالك \rوالثاني: المنع ؛ لأن ذلك لا يثبت إلا بولاية عامة أو خاصة، وأما ولاية الحضانة أسرع ثبوتًا، ولذلك تثبت بالأم دون ولاية المال \r\rالباب الثاني: في أحكام اللقيط\rوللنظر مجال في أحكام:\rالحكم الأول: إسلامه\rونحن نأتي بقول جامع فيما يحصل به الإسلام، فنقول: الإسلام ينقسم إلى ما يحصل مباشرة واستقلالاً، وإلى ما يحصل  تابعًا \rأما ما يحصل استقلالاً فهو الحاصل من العاقل المكلف ، أما المجنون والصبي الذي لا يميز لا يتصور ذلك منه ، وأما الصبيّ المميز فالمذهب الذي عليه التعويل أنه يلتحق بالمجنون فلا حكم لإسلامه \rوذكر أصحابنا وراء ذلك وجهين:\rأحدهما: أن الإسلام صحيح \rوهو مذهب أبي حنيفة ، وهذا متجه قياسًا، بعيدٌ نقلاً، وقد ذكرنا وجهه في مأخذ الخلاف\rوالثاني: أن إسلامه موقوف، فإن أصر بعد البلوغ تبين صحته، وإن أعرب بعد البلوغ عن نفسه بالكفر تبينّا أنه لا حكم له \rوقد قال الشافعي رحمه الله في بعض مجاري كلامه: إذا نطق صبيٌّ مميز من صبيان الكفار بالإسلام وظهر لنا إضماره نحول بينه وبين الكفار  فاختلف الأصحاب على مذهبه الصحيح، فمنهم من قال: هو محتوم، ويثبت بإسلامه هذا القدر من الحكم ، ومنهم من قال: معناه أنا نرفق بأبويه ونستعطفهما، فإن أبيا لم نوقع الحيلولة \rوقال الأستاذ أبو إسحاق: صبيان الكفار لا يحكم لهم بالفوز في الآخرة؛ لتعارض الأخبار، وإذا أعرب عن الإسلام وأضمره حكمنا له بالفوز ، وهذا ينبغي أن لا يخالف فيه، ولكن يلزم عليه الحكم بإسلامه ظاهرًا إذا حكم له بالفوز ","part":1,"page":235},{"id":732,"text":"التفريع: إن فرعنا على البعيد في تصحيح إسلامه فهل يحكم بإسلامه تبعًا لأبويه في هذه الحالة هذا مما تردد فيه أصحاب أبي حنيفة ، وهو على التردد ، وكذلك التردد في ردته، فيحتمل تصحيحها؛ نظرًا إلى وجوب الاعتقاد، ويحتمل إبطالها؛ لما فيه من الإضرار ، هذا حكم الاستقلال\rأما التبعيّة فلها ثلاث جهات: تبعية الوالدين ، ، وتبعية السّابي ، وتبعية الدار \rالجهة الأولى: في تبعيّة الوالدين، وذلك يفرض على وجهين:\rأحدهما: أن يتقدم الإسلام على العلوق، إمّا إسلامهما أو إسلام أحدهما، فالولد محكوم بإسلامه مطلقًا، قبل البلوغ وبعده ، ولو بلغ فأعرب عن نفسه بالكفر حكم بردته \rالثاني: أن يفرض بعد العلوق، وذلك أيضًا يوجب الحكم في الحال بالإسلام، لا على فصل بين أن يكون في حال الاجتنان أو الانفصال \rوأما الأجداد والجدات إن أسلم واحد منهم من بعد فقد الأبوين: فيقضى بالإسلام أيضًا تبعًا، لا فرق فيه بين من يرث وبين من لا يرث ، وليس هذا مأخوذًا من باب الرجوع في الهبة؛ لأن مأخذ هذا تغلب الإسلام  نعم إسلام واحد منهم في حياة الأبوين أو حياة أحدهما يخرج على وجهين في اقتضاء التبعية ، ووجه المنع أن الملاصق بالدرجة كالحائل عن استتباع من فوقه، فهو أولى بالاستتباع \rثم لهذا الصبي ثلاثة أحوال:\rالحالة الأولى: ما دام صبيًا فجميع أحكام الإسلام ثابتة له في القصاص، والإجزاء عن الكفارة، والميراث، وغير ذلك من خصائص الإسلام \rالحالة الثانية: أن يبلغ ويعرب عن نفسه، فإن أعرب بالإسلام استمرت تلك الأحكام ، وإن أعرب بالكفر فقولان:\rأحدهما: أنه يحكم بردته، كالصبي المخلوق من ماء المسلم \rوالثاني: أنه لا يحكم بردته  وهو ظاهر ما نقله المزني، فإنه قال: لم أجبره على الإسلام ","part":1,"page":236},{"id":733,"text":"وطريق توجيهه أنه مفطور من ماء كافر ولم يصدر منه التزام، والتعويل على استقلاله أولى من التعويل على التبعية، وليس كالمخلوق من ماء المسلم فإنه جزء من المسلم والحرية لا تتعين بعد العلوق\rالتفريع: على القولين إن قضينا بردته لم يخف حكمه، فإن قضينا بأنه غير مرتد فنقدره كافرًا أصليًا، يقر بالجزية إن كان دينه قابلاً للتقرير، وإن لم يكن لا نعبأ به، بل نلحقه بمأمنه، وإن تنصر وكان أبواه يهوديين فهو كتنصر اليهودي، وفيه أقوال مذكورة في كتاب النكاح\rوأمّا الأحكام التي أمضيناها من إجزائه عن الكفارة، وتبرئة الذمة بعتقه والإنفاق عليه من بيت المال، وتوريثه من المسلم، وحرمانه من الكافر، ففيه وجهان:\rأحدهما: أنا ننقضها؛ لأنه كافر أصلي، وكنا نحكم به للحال كما نحكم بتصرفات المتهب في مرض الموت للحال\rوالثاني: أنا لا ننقضها؛ لأن سبب التبعية كانت قائمة، وإنما انقطعت الآن، قال صاحب التقريب: إن نقضنا الأحكام لم نسترد ما أنفقنا عليه من بيت المال؛ إذ الإمام قد ينفق على الذمي لأجل مصلحة، فتحصلنا على أن الأحكام منفّذة في الحال، وفي تتبعها بالنقض خلاف\rالحالة الثالثة: ما بعد البلوغ وقبل الإعراب: إن جعلناه بالكفر مرتدًا، فجميع أحكام الإسلام مطردة وإن جعلناه كافرًا أصليًا، فما يصدر منه ثم يعرب بعده بالكفر منقوض قطعًا، وما يصدر من الأسباب ويفوت إعرابه بموت أو قتل ففيه وجهان، وحاصله ترتيب على عكس حالة الصبي، فلا توقف في الانعطاف، وفي تنفيذ الحكم في الحال؛ لانقطاع سبب التبعية، وانعدام الاستقلال بعد، وفائدة الوجهين أنا إن نفذنا حكمًا فأعرب بالكفر تبين انتفاؤه من الإرث، والإجزاء عن الظهار في الكفارة وغيره، وإن فات إعرابه بالموت أو القتل: يقرر ويخرّج وجوب القصاص على قاتله المسلم على هذين الوجهين","part":1,"page":237},{"id":734,"text":"فإن لم نجر أحكام الإسلام فلا قصاص، وإن أجريناه ففي القصاص تردد، وميل النص إلى  سقوطه للشبهة  وقد نص على أن الواجب دية مسلم ، وهو تفريع على أنه لا يحكم بردته لو أسلم، فإنا لو حكمنا بردته يجب القطع بوجوب القصاص ، ونقل عن القاضي أنه لو [قتل بعد البلوغ وقبل الإعراب]  قضى بسقوط القصاص، مع التفريع على قولنا: إنه مرتد بالكفر، وهذا ضعيف \rونص الشافعي رحمه الله محمول على القول [الآخر] ، وعليه نص في المختصر؛ إذ قال: لو بلغ وأعرب عن نفسه بالكفر لم يحكم بردته، ولم يجبر على الإسلام  وما نقل عن القاضي أنه قال: >لو مات في هذه الحالة ورثه حميمه، ولو مات حميمه فإرثه موقوف< فإن أراد بأنه موقوف على أنه يقال له: أعرب عن نفسك؛ فمتجه، فإن أعرب بالكفر فقد ذكرنا أن الأحكام منقوضة، وإن أراد: أنه لو مات بعد موت حميمه لا يحكم له بالإرث، فلا وجه له؛ إذ لا فرق بين إرثه والإرث منه \rفإن قيل: هل يدفن في مقابر المسلمين قلنا: الأولى القطع بالتساهل في هذا، واستصحاب حكم الصبي فيه، وفي إقامة الصلاة عليه ، والقياس تخريجه على القولين، ثم على التفصيل المذكور بعده في الأحكام هذا كله في تبعية الصبي ، أما المجنون: فإن بلغ مجنونًا فحكمه حكم الصبيان ، وإن بلغ ثم ابن جني، وقلنا: لا تعود ولاية المال عليه للأب، فلا يحكم بتبعيته، وإن قلنا يعود فقد ألحقناه بالصبي، وكذلك نفعل في التبعية، ثم لا نفرق بين الأب والأم كما في حق الصبي \rالجهة الثانية في الاستتباع: تبعية السّابي المسلم المسترق، فالمسلم إذا سبى صبيًا دون أبويه تبعه في الإسلام ، وكان السبي في حكم إيجاد آخر مستفتح، فإنه انقلب وصفه وصار رقيقًا مفقودًا لنفسه، موجودًا لغيره، فيحكم له بالإسلام تبعًا لإسلام سابيه، وكأنه أوجده لنفسه \rولو سباه ذمّي فوجهان:","part":1,"page":238},{"id":735,"text":"أحدهما أنه يحكم بإسلامه؛ لأنه من أهل  دار الإسلام ، وهذا ضعيف؛ لأن أهلية الدار لم تناف كفره وكفر أولاده ، وهذا هو الوجه الثاني \rوعلى هذا لو أسلم بعده لم يحكم بإسلام المسبي، وإنما التأثير لاسترقاق المسلم  وكذلك لو باعه قبل الإسلام من مسلم لم يتبع الطفل الكافر المشتري المسلم ؛ لأن الطارئ هو الملك دون الرق ، ولذلك نقول: يندفع النكاح بابتداء السبي، ولا ينقطع بتبدل الملك \rفأما إذا سباه ومعه أبواه أو أحدهما فلا يتبع السّابي في الإسلام ، أجمع عليه الأصحاب ، وهذا فيه غموض؛ ولكن سببه أن تبعية الأبوين أقوى عند إمكان النظر إليها، وإذا قطعناه عنها فكأنه فقدهما وفقداه ، ثم لو مات بعد ذلك أبواه لم يحكم بإسلامه؛ لأن الموجب انعقاد الاسترقاق سببًا للإسلام والاستتباع ولا نظر إلى الطارئ ، ثم من حكمنا بإسلامه تبعًا للسابي فتفصيل أحكامه وإعرابه عن نفسه بعد البلوغ كالتفصيل في الصبي المحكوم بإسلامه تبعًا بالإسلام الطارئ من أبويه وقد ذكرناه \rالجهة الثالثة في الاستتباع: وهو القسم المقصود في أحكام اللقيط، فإذا وُجِدَ لقيطٌ فإسلامه وكفره يبتني على نسبة الدار، فإن كان في دار الإسلام فمسلم ، ودار الإسلام ثلاثة أقسام:\rقسم هي تحت قبضة المسلمين، وهم يسكنونها فاللقيط فيها مسلم ، وإن كان يسكنها أيضًا أهل الذمة \rوقسم استولى عليها المسلمون وأقروا أهلها، فإن كان يساكنهم مسلمون أو مسلم واحد مثلاً فاللقيط مسلم ، وإن لم يساكنهم مسلم أصلاً فاللقيط فيها كافر ، ولم يختلف الأصحاب فيه ، وخالف فيه أبو إسحاق المروزي، وقال: لا يخفى عن مسلم يخفي إسلامه، ويتردد فيها  بينهم ، ولقد كانت الدار منسوبة إلى الإسلام، وهذا يشكل في الصورة ولا مخالفة في المعنى ","part":1,"page":239},{"id":736,"text":"فأمّا دار الحرب : فكل بلدة هي في قبضتهم وتحت سلطتهم، فإن لم يساكنهم فيها مسلم فلقيطها كافر، ولا نظر إلى من يعبر بها من المسلمين مجتازًا ، نعم لو كان يساكنهم التجار من المسلمين ففيه وجهان ، ولو كان فيها أسارى محبوسين فوجهان مرتبان، وأولى بأن يكون كافرًا ، ومن لا يحكم بالإسلام يزعم أنه لا يكتفي بمجرد الإمكان، ولذلك لا يكتفى بالعابرين من المسلمين، فينبغي أن ينضم إلى الإمكان نسبة الدار \rثم إذا حكمنا بإسلام الصبي تبعًا للدار، فلو بلغ وأعرب عن نفسه بالكفر قبل منه ، ومن أصحابنا من ألحقه بتبعية الوالدين والسابي حتى يخرج على التفصيل المذكور ، ومنهم من قطع ها هنا بأنه ليس مرتبًا؛ لضعف تبعية الدار ، وهؤلاء ترددوا في تنفيذ أحكام الإسلام في الصبي فمنهم من نفذ ، ومنهم من توقف ، وإليه ميل صاحب التقريب ، ووجّهه باختلاف القول في سقوط القصاص عن قاتله، وقال: لا مستند إلا كما سنذكره ، وهذا انعطاف على إطلاق القول بالإسلام، فإن هذا القائل لا يطلق القول به بل يتوقف كما ذكرناه \rفرع: لقيط في دار الإسلام حكم بإسلامه، فإذا استلحقه ذمّي وأقام البينة على نسبه لحقه وتبعه في الكفر أيضًا؛ لأنّ هذه التبعية أقوى، وقد ظهر يقينًا ، وإن اقتصر على مجرد الدعوى ثبت النسب، وفي التبعية في الكفر وجهان، منهم من حكم به تبعًا للنسب ، ومنهم من لم يسمح بتسليط الذمي على تغيير حكم الإسلام بمجرد دعواه ","part":1,"page":240},{"id":737,"text":"الحكم الثاني الذي فيه النظر في حق اللقيط: جنايته، والجناية عليه: أما جنايته كجناية أطفال المسلمين، فخطأه على بيت المال الذي يصرف إليه ميراثه ؛ إذ ليس له عاقلة ، وعمده في حالة الصّبى يخرج على قولي  عمد الصبي ، وأما الجناية عليه إن كان خطأ فالأرش مصروف إليه ، وإن كان عمدًا موجبًا للقصاص فلا يخلو: إما إن كان نفسًا، أو طرفًا إن كان نفسًا فقد نقل المزني: أن للإمام الاقتصاص ، ونقل البويطي نقيضه ، فنظم الأصحاب قولين ، ووجه الإيجاب ظاهر فإنه مسلم معصوم \rووجه المنع: اختلفوا فيه، منهم من علل بأنه لو ثبت لثبت للمسلمين وفيهم المجانين والأطفال، ويجب انتظار انقلاب حالهم عند الشافعي رحمه الله ، وزيف صاحب التقريب هذا وهو مزيف ؛ لأنه لا قصاص، ولا استحقاق  إلى الآحاد، ولذلك تصح وصية من لا وارث له لآحاد المسلمين وإن كان ماله مصروفًا إلى جهة الإسلام، ولا يكون ذلك وصية لوارث؛ لأن الإضافة إلى الجهة ، وخرّج صاحب التقريب هذا القول على أن تبعية الدار هل تقتضي تنجيز أحكام الإسلام في الصبى، أم تقتضي التوقف \rفعلى هذا لو قُتِلَ اللقيطُ بعد أن أعرب عن نفسه بالإسلام بعد البلوغ، أو قتل نسيب ليس له وارث خاص، أو ورث قصاصًا ومات قبل الاستيفاء والعفو ولا وارث له، فموجب قول صاحب التقريب القطع في هذه الصورة بإيجاب القصاص واستيفائه ، وموجب تعليل معظم الأصحاب طرد القولين ، هذا في النفس، أما الطرف فيجب فيه القصاص ؛ أما على طريقة الأصحاب فلتعين المستحق، وهو اللقيط ، وأما على طريقة صاحب التقريب فإن بلغ وأعرب عن نفسه بالإسلام تبينا الوجوب، وإن أعرب بالكفر تبين أنه لم يجب بناء على أن الإسلام بتبعية الدار ضعيف كما نبهنا عليه ، وهذا التوقف فيه إذا كان الجاني مسلمًا \rهذا كله في وجوب القصاص\rأما استيفاؤه: فإن كان في النفس، وحكمنا بوجوبه، فللإمام استيفاؤه، وله إسقاطه ببدل  ","part":1,"page":241},{"id":738,"text":"فإن قيل: وكيف يقدر الوالي عن العفو عن القصاص قلنا: وإن لم يقدر فيصير ذلك قصاصًا واجب الاستيفاء، وينقلب إلى حقيقة الحدود، والولي لا يسقط القصاص؛ لأن بلوغ المستحق متوقع، وها هنا لا انتظار، ولا وجه للإيجاب، ولا وجه أن ينبني على المصلحة ، فأما الطرف فيستحقه اللقيط، وليس للسلطان استيفاؤه؛ فإنّ استيفاء القصاص عندنا لا يندرج تحت الولاية ، وحكى الصيدلاني عن القفال أنه ذكر وجهًا بعيدًا في أن السلطان يستوفي القصاص الواجب في طرف المجنون ، وقال: لم يذكر هذا في أب المجنون، وإنما هو مخصوص بالسلطان ، وزيف هذا الوجه، وهو مزيف في مذهب الشافعي رحمه الله، فإذًا المذهب أن السلطان لا يقدر على الإسقاط، وكذا الولي، ولا يقدر السلطان على الاستيفاء أيضًا كما في الولي ، وفيه وجه \rفأما إذا أراد أخذ الأرش، فأجمع ترتيب فيه ما ذكره صاحب التقريب، وهو أنه إن كان المجني عليه صبيًا سليمًا عن الجنون غنيًا: لم يأخذ المال، بل يحبس ولا يخلى إلى بلوغه ، ولا مبالاة بما عليه من الأذى، فإن في تخليته إبطال القصاص، ونحن نحبس من عليه الدين إلى أن يتبين إعساره وإن كان يتصور تحقق إعساره في الحال ، وإن كان الصبي مجنونًا فقيرًا فله أخذ المال للحاجة ، وبعد التوقف والانتظار فليس للجنون أمد ، ولو وجد أحد المعنيين دون الثاني، مثل أن كان مجنونًا غنيًا، أو فقيرًا صبيًا مميزًا فوجهان:\rأحدهما: أنه يأخذ؛ نظرًا إلى الحاجة في إحدى الصورتين، واليأس عن الإفاقة غالبًا في الأخرى \rالثاني: المنع؛ لضعف آحاد المعاني ","part":1,"page":242},{"id":739,"text":"التفريع: إذا أخذ الأرش إما في صورة الوفاق ، أو صورة الوجهين ، (فهل هو)  عدول إليه بالكلية ، أم هو بدل للحيلولة حتى إذا بلغ الصبي رجع إلى القصاص  ذكر صاحب  التقريب وجهين ، ولا يخلو كل واحد عن بعد، فإنّ إسقاط القصاص الواجب لا سبيل إليه، وفي أحد الوجهين إسقاط وإن كان ببدل، ولو وجب لأجل الحيلولة لوجب في الصبي الغني العاقل، وقد قطعنا القول بأنه لا يأخذ المال بتلك الصورة \rولو قيل: لا وزن لتلك الحيلولة، فإنه إلى الانقطاع مصيره، بطل بالصبي الفقير ، وفيه وجهان، إلا أن يقطع بأحد الوجهين؛ وهو أنه لا يأخذ، فيجب القطع في المجنون الغني؛ فإنه يأخذ على عكسه، وينقدح النظر في اليأس عن الإفاقة ظاهر، أو تحقق الحيلولة بسببه ، وهذا الذي ذكرته احتمال، والمنقول ما حكيناه  وهذا كله في السلطان قال الأصحاب: ما ذكرناه من أخذ الأرش من السلطان مع اللقيط يجري في الأب مع طفله قال الشيخ أبو محمد: ولا يجري في الوصي؛ إذ ليس له رتبة الولاة، وهو متجه على قولنا: إنه إسقاط، فأما إذا قلنا: إنه للحيلولة فلا يبعد إجراؤه في حق الوصي \rالحكم الثالث: نسب اللقيط\rوفيه مسائل:\rالأولى: أن اللقيط يثبت نسبه بإقامة البينة على نسبه مرة، وبمجرد الدعوى أخرى، فإذا استلحقه إنسان لحقه، وثبت ماله من الحقوق وما عليه  وسببه عسر إقامة البينة على الأنساب ، وإذا أقيمت لم يستند إلى العيان، وإنّما مستنده التسامح أن يُرى صبي في يد رجل يقوم بحضانته واستصلاحه ويزعم أنه أبوه ولا ينازع فيه، فهذا غاية الممكن في تعليله ، ثم إن ادعاه على بالغ أنه ابنه فأنكره فالقول قوله، وتسقط دعواه بحلفه ، وإن كان طفلاً فبلغ وأنكر فوجهان:\rأحدهما: أنه لا يسقط الحكم السابق بل يستدام، ولا نظر إلى الإنكار \rوالثاني: أنه تنتفي دعواه  بحلفه ، ويبعد أن يبطل حقه عن اليمين والإنكار بسبب الصبي ","part":1,"page":243},{"id":740,"text":"الثانية: دعوة الملتقط تثبت النسب كدعوة غيره ، وقال مالك: إن كان لا يعيش له ولد فيصدق؛ فإنه قد ينبذ للتفاؤل ثم يلتقط فتصدقه العادة، وإن كان يعيش له الأولاد فالعادة تكذبه؛ إذ لا حامل له على النبذ ، فالقوانين لا تغيّر بمثل هذه الخيالات \rالثالثة: دعوة العبد، وقد نص ها هنا على أنه من أهل الدعوة ، ونص في الدعاوى على أنه لو استلحق نسبًا لم يلحقه ، فحصل قولان:\rأصحهما أنه من أهل الدعوة ؛ لأن النسب يعتمد إمكان العلوق وتصوّر النسب \rوالثاني: أنه ليس من أهله ؛ فإنه لو ثبت النسب لتقدم على حق الولاء إذا أعتق ، وهذا توجيه ضعيف؛ فإن النسب ليس تصرفًا ينشأ حتى يرد، وإنما هو إخبار عن ممكن ، فطرد الشيخ أبو محمد القولين في استلحاقه بعد العتق لأجل الولاء وهو ضعيف، وقد يتسلط على إثبات الأنساب بالأنكحة وغيرها  فأما العبد إذا استلحقه حر فمن أصحابنا من قطع بثبوته ، ومنهم من خرج على العبد؛ لأنه مؤدٍّ إلى إبطال حق السيد عن الولاء بحكم التقدم للنسب ","part":1,"page":244},{"id":741,"text":"الرابعة: دعوة الذمي كدعوة المسلم من غير فرق نعم إن كنا حكمنا بإسلامه بالدار ففي انقطاع ذلك الحكم بالتبعية وجهان ذكرهما الأصحاب، وذكر القاضي قولين، قال الشافعي | ها هنا: أحببت أن أجعله مسلمًا، وقال في كتاب الدعوى: جعلته مسلمًا، فانتظم قولين من قضيته؛ فإن حكمنا بالإسلام لم يثبت له حق الحضانة، بل فوضناها إلى مسلم، ونحيل بينهما، وإذا لم نقض بالإسلام فإن كان لا يصف الصبي الإسلام ضممناه إلى الذمي، وإن كان يصفه وهو قبل سن التمييز أحببنا ضمه إلى مسلم باسترضاء الذمي، ولا نوجبه؛ إذ يثبت له حق الحضانة، وإن كان يصفه بعد سن التمييز فقد جزم الشافعي رحمه الله القول بأنه يفرّق بينهما، ويسلم الصبي إلى مسلم، فإن الكافر ربما يستزله ويمرنه على الكفر، فظاهر كلام الأصحاب القطع بوجوبه، ويحتمل على قولنا أن إسلامه غير صحيح أن يكون ذلك بعد استعطاف\rالخامسة: إذا ادعت المرأة أنها ولدت ولدًا، فإن أقامت البينة ثبت انتسابه إليها وثبت النسب من الزوج إذا كانت ذات زوج، وكان العلوق ممكنًا\rوهل يثبت بمجرد دعوتها لم يختلفوا في أنه لا يثبت الانتساب إلى الزوج بمجرد دعوتها، بل القول قول الزوج\rوهل يثبت في حقها فيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه يثبت كالرجل\rوالثاني: أنه لا يثبت؛ لأنها تتمكن من الإثبات بالشهادة، بخلاف الزوج، ولأن قولها يؤدي إلى الإلحاق بالزوج، والقائل الأول يلحق بها دون الزوج، والقائل الثاني يستبعد ذلك مع اطراد الفراش\rوالوجه الثالث: يثبت من الخلية ولا يثبت من ذات الزوج","part":1,"page":245},{"id":742,"text":"السادسة: إذا تداعى مولودًا رجلان، فلا يقدم بالالتقاط، فالملتقط ليس أولى من غيره وإن طالت مدة اليد؛ فإنه لا يتضمن ترجيحًا ، بل يتضمن عند مالك دلالة على إبطال دعوى النسب ، ولو صادفنا صبيّا في يد إنسان وما عهدناه منبوذًا، وكان يتصرف فيه تصرف الآباء وهو يلتحق نسبه فادعى غيره نسبه لم يثبت، وجانب صاحب اليد مرجح اعتضادًا باليد ، ولو لم يكن صاحب اليد قد أسمع الناس استلحاقه ونازعه رجل وقال صاحب اليد: هو ابني، اختلف أصحابنا ها هنا في الترجيح بمجرد اليد فمنهم  من ألحقه بالالتقاط ، وقال: لو كان ولده لاستلحقه قبله ، ومنهم من رجح وقال: لعله لم يظهر استلحاقه ، وهذا كله إذا لم يسند اليد إلى الالتقاط، فإن أسند إليه فلا يرجح به، نعم يرجح به في دعوى الحضانة إذا أدعى كل واحد أنه التقطه \rولو أقام كل واحد بينة على أنه السابق في الالتقاط، تقدم بينة صاحب اليد في ملك الحضانة تقديم بيّنة الداخل في الأملاك ، ولو أقام أحدهما بيّنة على أنه التقطه أمس، وأقام الآخر بيّنة على التقاطه اليوم، قدم التاريخ السابق ؛ لأن الحق السابق إذا ثبت لم يتصور بطلانه في الحضانة ، وفي مثل هذه الصورة في الأملاك قولان ؛ لأن انتقال الملك السابق ممكن ، ولو تعارضت البينتان من كل وجه، فعلى قول التهاتر: كأن لا بيّنة ، وعلى قول الاستعمال ثلاثة أقوال معروفة ، ولا يجري ها هنا قول القسمة ولا قول للوقف؛ لأن الصبي لا يحتمل ذلك، ويتعين قول الإقراع ","part":1,"page":246},{"id":743,"text":"فأما إذا تعارضت البينتان من كل وجه في دعوى النسب فيتعين القول بالتهاتر؛ فإنه لو قيل بالاستعمال فلا تجري فيه الأقوال الثلاثة؛ إذ النسب لا يحتمل القسمة، ولا تدخل القرعة، والتوقف ليس يزيده حكمًا بحال على البينة، فيتعين الحكم بالتهاتر والرجوع إلى القائف، على تفصيل سنذكره في كتاب الدعوى، فإن فقدنا القائف صرنا إلى بلوغ الغلام، وخيرناه بينهما، وليس له أن يعول في الانتساب على الشهوة والتمني، بل يعول على الشفقة الجبلية، والمناسبة الطبيعية التي تحركها القرابة من حيث الجبلّة، ثم إذا قال قولاً لزم، ولم يكن له الرجوع، ولم يكن كتخييره الصبي في سن التمييز بين الأبوين؛ فإنه لا يلزم، وكذلك لو بنى الأمر في الانتساب على التشهي لم ينفذ الحكم باطنًا، بخلاف اختيار الصبي؛ فإنه تعمد التشهي في الحال\rفلو وجدنا بعد انتسابه قائفًا، فألحقه بالآخر، فحكم القائف مقدم؛ لأنه حكم من حاكم في الباب شرعًا، وكذلك لو أقام الآخر بيّنة قدّمت البينة على انتسابه، بل تقدم البيّنة على قول القائف؛ لأن قول القائف على الجملة فراسة وحدس، والبينة تستند إلى أمور ظاهرة، وهي حجة عامة في جميع الخصومات\rالحكم الرابع: الكلام في رقه وحريته\rوالكلام في هذا يتشعب، والنظر في أربعة أحوال:\rإحداها: الحالة الخالية عن دعوى الرق والإقرار به\rوالثانية: حالة الدعوى من الملتقط أو غيره\rالثالثة: حالة إقامة البيّنة على رقه\rالرابعة: حالة إقرار اللقيط بالرق بعد بلوغه\rأما الحالة الأولى: أن لا يُدّعى عليه الرق وهو طفل، فقد أطلق الأصحاب القول بأن الأصل فيه هو الحرية بحكم تبعية الدار؛ كما اقتضت الدار له الإسلام، وكأن الحرية هي الأصل في بني آدم والرق عارض، والدار دار الأحرار والأرقاء مجلوبون فيكون الرق نادرًا ندور الكفر بالإضافة إلى الإسلام","part":1,"page":247},{"id":744,"text":"وقد ذكرنا عن صاحب التقريب وغيره ترددًا في الحكم بالإسلام جزمًا ، فذكروا ذلك التردد في الحرية أولى؛ لأن الإسلام أقوى بدليل الاستتباع وغيره  ثم اتفقوا على أن الأحكام مقسمة، فمنها ما ينفذها في الحال، ومنها ما يتردد فيها، والضابط أن كل حكم يتعلق باللقيط ولا يقتضي إلزام غيره سببًا فيبقى على الحرية وينفذ ، كحكمنا بالملك له في مال يوجد له ، وكل حكم يؤدي إلى إلزام الغير أمرًا يستند إلى حريته، وهو لا يعترف به، بل يدّعي رقه، فهذا محل التردد ، فعن هذا قال  الأصحاب فيما يجب على قاتله من الدية وجهان:\rأحدهما: أنه الدية، وهذا بناءً على الحكم بالحرية التي اقتضتها الدار \rوالثاني: أنّ الواجب أقل الأمرين من الدية أو القيمة؛ لأن الحرية ليست مستيقنة، فتنفيذها على غير اللقيط وشغل ذمة استيقنا براءتها لا معنى له \rفإن قلنا: لا تجب الدية؛ فلا يجب القصاص على الحر بقتله  وإن قلنا: تجب الدية، ولم يمنع استيفاء القصاص لعدم تعيّن المستحق كما قدمناه، فها هنا وجهان في وجوب القصاص ، وسببه تعرضه للسقوط بالشبهة  وعلى الجملة في اللقيط وقفتان:\rإحداهما: في الدين\rوالأخرى: في الحرية\rويظهر تمييز أحدهما عن الآخر بالإضافة إلى الرقيق مرّة، وإلى الكافر أخرى، حتى لو قتله عبد كافر فيحسم هذا النظر، ولا يبقى مانع سوى عدم تعيّن المستحق ، ولو جرى القصاص في الطرف يتعين الحكم بوجوبه؛ لأن المستحق متعيّن ","part":1,"page":248},{"id":745,"text":"فإن قيل: إذا كان محل التوقف مما يتعلق بلزوم الغير، فلم قطعتم بأن جنايته الخطأ على بيت المال وهلا ترددتم فيه قلنا: أطلق الأصحاب القول، وينقدح فيه هذا التردد، والظاهر ما ذكروه؛ لأن ميراثه مصروف إلى بيت المال من غير تردد وتوقف، فلا يبعد أن يكون المغرم في مقابلة المغنم  فإن قيل: فلو أتلف متلف ماله، فلم قطعتم بلزوم الغرم قلنا: لأن الغرم لازم بكل حال، وإنما يختلف بالرق المصرف، ولا أرب للمتلف في المصرف فيسلم الغرم إلى اللقيط \rالحالة الثانية: أن يُدعى رقه ، فإن صدرت الدعوى ممن لا يد له على اللقيط، فلا يلتفت إلى مجرد الدعوى ، وإن صدرت من الملتقط فالمذهب المثبوت أنه لا ينظر إلى دعواه وإن انضم إليه اليد ؛ لأن مستند اليد الالتقاط، ولا يدل الالتقاط على الرق ، وليس هذا كالإسلام المحكوم به  يقضي بزواله باستلحاق الذمي؛ لأن النسب تعرّض للاستلحاق بمجرد الدعوى والكفر جرى تابعًا بخلاف الرق فإنه مقصود في نفسه في هذه الدعوى \rوذكر صاحب التقريب وجهًا: أن مجرد الدعوى مع يد الملتقط يثبت الملك ؛ كمن وجد ثوبًا من قارعة الطريق، وادعى الملك كما أخذ، وزعم أنه قد ضل منه  ولا شك في أن هذا يستمد مما حكيناه عنه في أنّ حرية اللقيط لا يجزم الحكم بها، وذلك بعيد؛ لظهور مستند اليد، بخلاف الثوب، فإنه ليس يبغي تغيّر صفة الثوب، وإنما يدعي إضافة الملك إليه، وأمّا ها هنا يبغي تغيّر صفة الحرية وقلب الجنس ، وهو على نقيض ما يقتضيه الأصل والظاهر، فهذا الوجه مائل عن قانون المذهب ","part":1,"page":249},{"id":746,"text":"فأما إذا صادفنا صبيًا في يد إنسان يتصرف فيه تصرف الملاك ولم يعهد منه التقاط فإذا ادعى رقه وملكه فهو مصدق ، ولو ادعاه غيره قدم قوله؛ فإنه صاحب اليد ، نعم لو بلغ الصبي وأنكر وحلف فهل ينتفي بحلفه فيه وجهان  ذكرنا نظيرهما في الصبي المستلحق إذا بلغ وأنكر ، وكانا على وجه القبول نحكم بالرق حكمًا متعرّضًا للنقض حكمنا بتنفيذ تصرفات المتهب من المريض ، هذا حكم الدعوى المجردة\rالحالة الثالثة: أن يقيم الملتقط بيّنة على كونه ملكه، ولا نظر إلى قول صاحب التقريب، ولا عود إلى التفريع عليه في قبولها مجردة ، فبيّنته مسموعة  والأصح، وهو الذي دل عليه النص ها هنا، أنها لا تقبل مطلقة ما لم تستند إلى سبب الملك ؛ فإنا لا نأمن أنها اعتمدت يد الملتقط، ولا أثر ليد الالتقاط  وذكر أصحابنا قولاً آخر أنه تسمع كالبينات  على الأملاك \rثم حكى المزني بعد نقل النص في أن البينة المطلقة لا تسمع نصًّا آخر، واعتقد أنه مخالف للنص الأول، وهو أنه قال: إذا التقط الرجل منبوذًا، فجاء آخر وقال: هذا اللقيط ملكي، كان في يدي قبل ذلك، وأقام بيّنة على أنه ملكه، وأطلقت البيّنة شهادتها على الملك، نقل عن الشافعي قبول الشهادة  ثم أخذ المزني ينظم قولين من النصين ويختار أحدهما ، وهذا الاستدراك مأخوذ عليه  قال الشافعي رحمه الله: رد الشهادة المطلقة للملتقط خيفة أن يستند إلى يد الالتقاط، ويد الالتقاط لا دلالة له، وأما يد غير الملتقط دليل على الملك فالشهادة المطلقة فيها مقبولة \rالتفريع: إن لم تقبل المطلقة فالمقيدة هي أن يقول: هذا ملكه ولدته أمته المملوكة في ملكه على ملكه ، فلو قال: ولدته أمته أو ولدته أمته في ملكه ففي قبوله وجهان:\rأحدهما: المنع ؛ لأن المطلوب البيان، وقد تلد أمته في ملكه ولدًا حرًا \rمنهم من قبل ؛ لأن المحذور إسناد الشهادة إلى يد الالتقاط، وقد بان أنه غير مسند إليه ","part":1,"page":250},{"id":747,"text":"قال صاحب التقريب: اتفق الأصحاب على قصور التقييد بالإسناد إلى الولادة ، وذلك جرى منهم وفاقًا لتصوير قطع الاحتمال ، فلو قال هو ملكه ورثه من أبيه أو اشتراه أو اتهبه من ملكه وقع الاكتفاء به فيكفي ذلك ؛ إذ المحذور الإسناد إلى اليد كما ذكرناه \rولا ينبغي أن يخالف صاحب التقريب فيما ذكر، ولا اغترار بتوارد الأصحاب على تصوير المسألة في الولادة، وقال الشيخ أبو محمد: تقييد الشهادة يشترط إذا كانت دعوى الملك في مقابله الحرية الأصلية، فأما إذا ثبت الرق بإقرار المملوك حيث يقبل إقراره، فلا يشترط التقييد فيه، فإنّ ذلك  نزاع يرجع إلى تعين المالك \rالحالة الرابعة: أن يقر اللقيط بعد بلوغه بالرق، وإقراره على ثلاث مراتب:\rالرتبة الأولى: أن لا يكون إقراره مسبوقًا بإقرار الحرية، ولا بتصرف يستدعي الحرية، فالمشهور في الطرق قبول إقراره ، وذكر صاحب التقريب قولاً أنه لا يقبل إقراره ؛ مقتضبًا من القول الذي ذكره الأصحاب في أنه لو أعرب عن نفسه بالكفر جعل مرتدًا ولم يدفع منه الإسلام المحكوم به بحكم الدار، ولا يجعل كافرًا أصليًا، فكذلك المحكوم به من الحرية لا يدفع بإقراره، وإنما يدفع ببيّنة عادلة فإن قلنا: لا يقبل إقراره فلا نظر إلى رتبة بعده ","part":1,"page":251},{"id":748,"text":"وإن قلنا: إنه يقبل، فنقول في الرتبة الثانية: إذا كان إقراره مسبوقًا بالحرية، فالذي قطع به العراقيون أنه لا يقبل إقراره قولاً واحدًا ؛ فإن حكم ظاهره الحرية في صباه تأكد بقوله، فضاهى ما لو أسلم ثم أعرب عن نفسه بالكفر يجعل مرتدًا؛ لأن تبديل الإسلام ممكن بالجناية عليه ، فأما تبديل الحرية غير ممكن، فيرد قوله ، وهذه الطريقة صححها القاضي، وزعم أنها المذهب  وقطع الصيدلاني بقبول إقراره ؛ كمن ادعى الملك لنفسه في شيء، ثم أقر في الحال، وكالمرأة إذا أنكرت رجعة الزوج ثم أقرت ، وهذا ذكره القاضي وجهًا ضعيفًا وزيفه، وقال: لله في حرية العباد حق وفيها تعرض لالتزام حقوق الله تعالى فلا سبيل إلى ردها بعد ظهورها وتأكدها \rالرتبة الثالثة: أن لا يكون إقراره مسبوقًا بإقراره بالحرية، ولكن مسبوقًا بتصرفات يستدعي نفوذها الحرية؛ كالنكاح والصداق والبيع والشراء وغيره، ففي إقراره هذا نقض للكل  فهل يقبل إقراره هذا يلتحق بالرتبة الأولى، فإقراره مقبول ، إلا على ما نقله صاحب التقريب، وهو بعيد، كما نبهنا عليه  ثم في تفصيل القبول ثلاثة أقوال:\rأحدها: أنه يقبل مطلقًا فيما له وعليه، وفي الماضي والمستقبل ، حتى تمتنع تصرفاته؛ لأن التهمة منتفية، ثم لا نتحاشى من الإضرار بالغير كالعبد يقر على نفسه بما يوجب القصاص \rوالثاني: أنه يقبل إقراره فيما عليه ولا يقبل فيما له، ويستوي فيه الماضي والمستقبل \r[والثالث] : أنه يقبل في المستقبل عمومًا فيما له وعليه وفيما مضى يقبل فيما عليه دون ما له \rوتتهذب الأقوال بالتفريع، فنتكلم في حكم التصرفات المتقدمة، ثم نتكلم في النكاح والبيع والشراء والجناية","part":1,"page":252},{"id":749,"text":"أما النكاح فنتكلم في نكاح اللقيطة، وفي نكاح اللقيط أما اللقيطة إذا بلغت ونكحت دون [إذن]  سيّدها، وكنا نظنها حرة، ثم أقرت بالرق؛ فإن قبلنا إقرارها عمومًا ، تبيّنا انتفاء النكاح ، فإن لم يطأها الزوج فلا نصف مهر ولا متعة ، وإن وطئها فعليه مهر المثل للسيّد، وأولادها أحرار  وإن قبلنا الإقرار بناء على ظن الواطئ الحرية، فعلى الزوج قيمة الأولاد للسيّد ، وعليها أن تعتد بقرأين من هذا الواطئ ، وقال بعض الأصحاب: تعتد بقرء؛ لأنّ هذا استبراء أمة  قال القاضي: هذا فاسد؛ لأنّ هذا وطء شبهة، ووطء الشبهة يلتحق بوطء النكاح في جميع الأحكام ، وما ذكره الأصحاب: إن انقدح فينبغي أن يجري في وطء الأمة بالشبهة أبدًا \rوالذي ذكره القاضي: أن هذا من كلام الأصحاب يختص بهذه الصورة، ولا وجه للفرق بحال  وعلى الجملة هذا القول لا يغمض التفريع عليه، وكأن الرق ثبت ببينة إذ قبلنا الإقرار عمومًا، والغموض  في التفريع على القولين الآخرين، ونحن نفرع عليهما أمر النكاح والمهر والعدة وحرية الولد وقيمة الولد والتسليم إلى الزوج ليلاً ونهارًا\rأما النكاح فلا نحكم بانفساخه على القولين ؛ لأنه إن قلنا: إنه لا يقبل فيما عليه اقتضى هذا إدامة النكاح ، وإن قلنا: يقبل فيما عليه في المستقبل لا في الماضي، فالنكاح في حكم الماضي المستوفى ، ولذلك لا ينقطع نكاح الأمة بطرآن الحرية ، فالنكاح قائم على القولين \rأما المهر: فالواجب على الزوج أقل الأمرين: من المسمى، أو مهر المثل ؛ فإن مهر المثل إن كان أقل: فالسيد ليس يدعي إلا هذا القدر، وإن كان المسمى أقل: فإلزامه الزيادة إضرار به، وإقراره فيها يتضمن إقرارًا لغيره مردود، ولا سيما فيما مضى سببه، فإنه يتردد على القولين جميعًا ","part":1,"page":253},{"id":750,"text":"فإن قيل: ولكن في تنقيص مهر المثل إضرار بالسيد أيضًا، والإضرار مجتنب في هذين القولين قلنا: الإضرار المستند إلى إقرارها مجتنب، وليس هذا البخس موجب قبول إقراره، وإنما الزيادة على السيد لو قال به لكان ذلك موجب تصديقه \rأما حرية الأولاد وقيمتهم: فما وجد قبل الإقرار فهم أحرار، ولا قيمة على الزوج حذارًا من الإضرار ، وما يوجد من بعد في دوام النكاح قطع الأصحاب برقهم ؛ لأن الرق في المستقبل ثابت، والولد متولد عن رقيق، وأمرهم يضاهي التصرفات المنشأة بعد الرق \rفإن قيل: الولد من مقاصد النكاح، وغرض الزوج متعلق بحريتهم، فهلا نحكم بالحرية على قولنا: إن الإضرار محذور في المستقبل قلنا: هذا السؤال لا ينفك عن احتمال، ولكن الذي أطلقه الأصحاب ما ذكرناه، ووجهه: أن الولد ليس مقصود النكاح، وإنما هو  متجدد، وقد حكم بالرق، فهو متولد عن رقيق، والزوج عالم بالرق، فليطلقها إن أراد الخلاص ثم لا شك أنه يطلقها؛ لأن الزوج حر، ولا نظر عندنا إلى رق الزوجة وحريتها \rأما العدة: فإن طلقها الزوج طلاقًا رجعيًا، فلتعتد بثلاثة أقراء ؛ لأن الزوج كان يستحق رجعتها في القرء الثالث، ولو اقتصرت على قرأين لكان ذلك موجب إقرارها، وهو إضرار بالزوج ، وإن كان بائنًا فالذي قطع به الأصحاب أيضًا أنها تعتد بثلاثة أقراء ؛ فإن ذلك من توابع النكاح، وللزوج حق في العدة ، ولا تختلف مدة العدة بالطلاق الرجعي والبائن\rفأما إذا مات الزوج عنها: قال الشافعي رحمه الله: تعتد بشهرين وخمسة أيام، كعدة وفاة الإماء عن الأزواج ، وهذا بخلاف عدة الطلاق؛ فإن تكميلها لحق الزوج، فإذا لم يبق الزوج انقطع جانبه، وبقي محض التعبد، وقد حكمنا برقها، فيكفيها ذلك؛ لأن مراعاة جانبه كان أمرًا يتعلق بالظاهر، فليبق بحال حياته ","part":1,"page":254},{"id":751,"text":"ومن أصحابنا من رد هذا ، وقال: لا عدة عليها إذا كان موجب قولها عدم النكاح، فلا عدة، وإنما نترك موجب قولها لحق الزوج، وقد عدم، فلتصدق الآن في نفي النكاح، حتى لا يجب إلا الاستبراء ؛ لأن الشافعي رحمه الله يرى عدة الوفاة تعبدًا محضًا من حقوق النكاح، فيتبع النكاح، ولا نظر إلى التزويج من أصله، وإنما ينظر في تفصيله ، وينقدح ما ذكره الأصحاب من الاستبراء أن يختص وجوبه أيضًا بحالة جريان الوطء، ثم يتردد في القرء والقرأين كما مضى ؛ فإن لم يكن وطء فللسيد أن يقول: لا معنى للاستبراء وما انعقد له نكاح، ولا جرى وطء، وقد انقطع حق الزوج، فلا يرعى جانبه ولكن الأقصد ما ذكره الشافعي رحمه الله  \rوأما تسليمها إلى الزوج ليلاً ونهارًا: فيه احتمال قياس في المستقبل، إن لم تسلم تسليم الحرائر ؛ لأن منعها خلل في مقصود النكاح، لا كحرية الأولاد؛ فإن الولد موهوم، وأما الاستمتاع فهو الأصل ، وتسليطه أيضًا على المسافرة بها شرقًا وغربًا فيه بعد مع تسليط السيد على البيع والتصرفات وإطلاق القول بالرق ، فهذا منتهى هذا التفريع، وهو كله في اللقيطة\rأما اللقيط إذا نكح، ثم أقر بالرق، فإن فرعنا على القبول مطلقًا، فالنكاح مندفع ، والمهر إن جرى دخول متعلق بذمته  وهل يتعلق برقبته يبنى على الخلاف في أن القن إذا وطئ بالشبهة: هل يسلك به مسلك الجنايات حتى يتعلق برقبته، أم لا \rوقد يتجه ها هنا أن لا تطلب الزوجة إلا المسمى إن كان أقل من مهر المثل، لا كالأنكحة الفاسدة؛ فإن هذا لا نقطع بفساده، بل يجريه على الظاهر، وهي تزعم أنها لا تستحق مزيدًا  و يجوز أن يقال: إنما يؤخذ برضاها بالمسمى إذا بقي النكاح، فإذا اندفع فلا ","part":1,"page":255},{"id":752,"text":"فأما إذا فرعنا على تبعيض الإقرار ، فعليه نصف المهر إن لم يكن دخل بها ، ويحكم بانقطاع نكاحه ، وإن كان قد دخل بها فعليه المسمى ، ولا مزيد لها على المسمى، ثم هذا المسمى يتعلق بكسبه؛ لأنا قد رأينا لزومه في دوام النكاح إذا لم يستند الدفع إلى الماضي ، وإن لم يكن كسب فلا يتعلق إلا بذمة العبد، ويتنزل منزلة مهر العبد الكسوب \rأما إذا باع واشترى ثم أقر بالرق، فإن قبلنا الإقرار عمومًا فالتصرفات كلها متبعة ، وأعيان أموال الناس مردودة عليهم، وما يسلمه إليهم منتزعة ومردودة على سيّده ، وإن تلفت في أيديهم ضمنوها للمالك ،  أعني السيّد وإن تلف في يده شيء فالضمان في ذمته كعهدة التصرفات الجارية بغير إذن السيد ، ولا مبالاة بقول المعامل: ظننته حرًا، فلا يختلف الحكم به \rوإن بعضّنا إقراره لم ينقض ما مضى من البيع والشراء ، ويسلم ما في يده إلى السيّد بعد قضاء الأثمان اللازمة ؛ لأن إحالتهم على الذمة إضرار بهم، فالأقرب إلى الإنصاف ما ذكرناه \rأما الجناية: إن جنى ثم أقر  استوفي القصاص إن كانت الجناية موجبة للقصاص ، وإلا تعلق الأرش برقبته كالقن  وإن جني عليه قتل الجاني إن كان عبدًا ، وإن كان حرًا سقط القصاص، والنظر في الأرش ، فإن كان قد قطعت يده واستوى الأرش ونصف الدية صرف إلى السيد ، وإن كان نصف القيمة أقل فليس للسيد إلا ذلك ؛ فإنه لا يطلب مزيدًا ، وإن كان نصف القيمة أكثر فالزائد ينبني على تبعيض الإقرار؛ فإن لم يبعض غرّمنا ، وإن بعضنا اقتصرنا على نصف الدية ، ومنهم من أوجب الزيادة؛ لأن فيه إضرارًا بالسيد، والتغليظ على الجاني أولى، وموجب الجناية يتبيّن بالعاقبة، وقد بان أن الجناية جرى على رقيق ، والصحيح هو الأول ، ونقصان حق السيّد كإدامتنا النكاح على اللقيطة إذا أقرت بالرق\r\rفصل يتصل بالرق والحرية","part":1,"page":256},{"id":753,"text":"الأول: أنه لو أقر لواحد فأنكره ورد إقراره، فأقر لثان بالرق؛ قال الشافعي رحمه الله فيما حكاه العراقيون: >لا يقبل إقراره أصلاً<؛ لأنه إذا رد إقراره فكأنه عاد إلى يد نفسه وحكم بحريته وعتقه، فصار كالحر المعروف وقال ابن سريج: يقبل إقراره؛ كما إذا أقر بثوب في يده لزيد، فأنكره زيد فأقر به لعمرو، وفيما ذكره نظر؛ لأن الثوب ملك بكل حال، والحرية تثبت في الإنسان حقًا لله تعالى، ويتعلق به حقوق الله تعالى، فيبعد دفعها بعد ثبوتها\rويتفرع على هذا: أنه لو أدعى عليه مدّع بعد رد إقراره الأول، وقلنا: يقبل إقراره الثاني: تسمع الدعوى وإن قلنا: لا تقبل، فلا تسمع؛ إذ غايته الحمل على الإقرار، نعم لو فرّع على أن اليمين المردودة تُنزّل منزلة البيّنة فلا وجه، إلا أن ذلك ضعيف لا تعويل عليه\rالفرع الثاني: إذا قُذِفَ اللقيطُ، فقال القاذف: أنت رقيق ولا حد عليّ وقال اللقيط: أنا حر قال الشافعي رحمه الله: ها هنا القول قول المقذوف مع يمينه وقال في كتاب اللعان: القول قول القاذف فتحصلنا على قولين، وخرجهما أصحابنا على قولي تقابل الأصلين؛ إذ الأصل براءة الذمة عن الحد، والأصل الحرية، والرق مشكوك فيه وقرّبوا هذا من تقابل الأصلين فيما لو أعتق عن الكفارة عبدًا غائبًا انقطع خبره، ففيه قولان؛ لتقابل الأصلين:\rأحدهما: أن الأصل بقاء وجوب الكفارة\rوالثاني: أن الأصل بقاء العبد ووجوب الفطرة؛ ويعارضه أصل براءة الذمة\rفإن قيل: وما معنى تقابل الأصلين قلنا: ظن بعض الأصحاب أنه لا طريق إلى الترجيح، وهذا فاسد؛ إذ لو كان كذلك لعسر الفتوى، وإنما حاصله يرجع إلى تعارض اجتهادين يعسر على غير الغوّاص ترجيح أحدهما، وليس كذلك، فإنّا نقول في مسألة العبد مثلاً: الظاهر أنه لا تبرأ ذمته عن الكفارة؛ لأنه تعبد بعتق عبد يظهر الملك فيه، فأما استيقان الملك فغير متصور","part":1,"page":257},{"id":754,"text":"ومهما غاب العبد وانقطع الخبر مع طروق الطارقين وبذل الجد في الاستكشاف، فهو أمارة ظاهرة على عدمه، فانتفى منه ظهور الملك، حتى لو أحيل انقطاع الخبر على بعد المسافة أو انقطاع الرق برئت الذمة؛ إذ ليس يعارض هذا ظهور الملك، وقد تقرر أن كل أصل ثبت فنحن على استصحابه ما لم يصادمه قطع أو اجتهاد غالب، وصورة القولين في انتصاب الأدلة، حتى نقول على قياس هذا: يمتنع بيع مثل هذا العبد أيضًا، حتى إن باع، ثم بان بقاؤه، فيلتفت على وقف العقود، ولكن يظهر ها هنا التصحيح؛ لأنه أستند إلى أصل الملك وبان اطراده، فبان أن تقابل الأصلين معناه تعارض اجتهادين\rفإن قيل: تعارض الأصل والغالب في النجاسة والطهارة، هل هو من هذا القبيل قلنا: ليس ينطبق إجراؤه على تقدير تقابل الأصلين؛ فإن الطهارة أصل ولا أصل في مقابلته يعارضه، ولكنه عارض الأصل ظنٌّ غالب، والأصل أن مجرد الاستصحاب يطرح بالاجتهاد؛ فإنه دليل ضعيف، إلا أن أمارات الاجتهاد ضعيفة في الطهارات والنجاسات، وما يدل عليها يورث اليقين، فلضعف الاجتهاد لم يطرح به الاستصحاب على قول\rالفرع الثالث: لو جرى موجب قصاص، فقال الجاني، وهو حر: أنت رقيق، وأنكر المجني عليه ذلك ففيه طريقان: منهم من خرج على تقابل الأصلين كما في القذف، ومنهم من قطع بأن القصاص يجب؛ إذ لو تركناه لعدلنا إلى القيمة وهو مشكوك فيها والقصاص ظاهر، فكيف نعدل من ظاهر إلى مشكوك بخلاف حد القذف؛ فإن العدول منه إلى التعزير، وهو في المحسوس بعض من الحد، وهو مستيقن الثبوت والله أعلم\r\rكتاب الفرائض\rوفيه أبواب:\rالباب الأول: في المقدمات\rوالمعاقد الجمليّة، والتقسيمات الكلية الجارية من الكتاب مجرى التوطئة والأساس","part":1,"page":258},{"id":755,"text":"المقدمة الأولى: في الترغيب في علم الفرائض، وقد قال : >تعلموا الفرائض؛ فإنها من دينكم، وإنها نصف العلم، وإنها أول علم ينتزع من أمتي وينسى<  وقيل: سماه نصف العلم؛ لأن الحالة حالتان، حالة حياة، وحالة ممات، والفرائض أحكام الأموات \rوقال : >تعلموا الفرائض وعلموها، فإنّي امرؤ مقبوض، وإن العلم سينزع حتى إن الرجلين من أمتي يختلفان في الفريضة لا يجدان من يخبرهما بها< \rوقال عمر بن الخطاب |: >إذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض، وإذا لهوتم فالهوا بالرمي< \rوقد كانت الوصية هي الواجبة في ابتداء الإسلام ، قال الله عز وجل: {     }  قال ابن سريج: كان يجب على المحتضر أن يوصي على الوجه الذي ورد الشرع في الفرائض، فكان من يوفق مصيبًا، ومن يتعدّاه مخطئًا، كالمجتهد في القبلة إذا أخطأ  وهو ضعيف؛ لأن الاجتهادات لها مسالك تعبّد الخلق بالنظر فيها، ولا مسلك يفضي إلى ما ورد الشرع به قبل وروده \rثم نسخت الوصية بآية الفرائض ، قال الله تعالى: {گ گ گ }   الآية، وقال : >إن الله تعالى لم يكل قسم مواريثكم إلى ملك مقرب، ولا إلى نبيٍّ مرسل، ولكن تولى قسمها بنفسه، فقسّمها أبين قسم، ألا لا وصية لوارث< ","part":1,"page":259},{"id":756,"text":"وقيل: كانوا يتوارثون في ابتداء الإسلام بالتحالف   والنصرة ، ثم نسخ الله سبحانه ذلك بالإسلام والهجرة ، وقال تعالى: {ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ  }  فكان المهاجر وغير المهاجر يتوارثان ، ثم نسخ ذلك بقوله: {    }  وقيل: كان الرجال يرثون دون النساء ، وكان يقال إنهم يتحملون المؤن ويقرون الضيف، ويلقون الحروب ، وكان ينفق على المرأة من مال زوجها سنة؛ وذلك حظها من الميراث ، قال الله تعالى: {      } ، فاستقر الأمر على المواريث التي اشتمل عليها قوله تعالى: {گ گ}  والآية التي تليها ، وآية الكلالة  في مختتم السورة  \rثم لم تشتمل الآيات الثلاث  على جميع الوقائع، وانقلب رسول الله \\ إلى رضوانه، وعظم اختلاف الصحابة بعده ؛ لأن قواعد الفرائض لم تبتنَ على قواعد معقولة، فعوّلوا فيها على أشباه وتقريبات، وأتوا بالعجائب والآيات ، وتحزب أصحاب رسول الله \\ ثلاثة أحزاب ، تكلم أربعة منهم في جميع الفرائض: علي، وزيد بن ثابت ، وابن مسعود، وابن عباس  ، وتكلم حزب في معظم أصول الفرائض، مثل أبي بكر، وعمر، ومعاذ  ، وتكلم حزب في مسائل نادرة، مثل عثمان، وغيره \rوالأربعة الذين تكلموا في الجميع لم يجمعوا على مسألة إلا وأجمعت الأمة عليها ، ولم يختلفوا في مسألة إلا وصار ثلاثة إلى مذهب، وواحد إلى مذهب  ثم رأى الشافعي رحمه الله أن يختار مذهب زيد ؛ لأن رسول الله \\ قال: >أفرضكم زيد< ، ولا يعارض ذلك قوله : >أقضاكم علي، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل< ؛  لأن ذلك أمر عام، وهذه شهادة خاصّة، ولسنا نرى المذهب مستقلاً بتقليد زيد؛ فإن ما قاله إنما قاله عن رأي واجتهاد، ولذلك خالفه فيه أصحابه، فيصلح مذهبه لترجيح القياس الموافق له، لا للتقليد ، ونحن نرى أن نذكر مذهب زيد ونتعرض لغيره من المذاهب، ولكن لا نفرّع عليها","part":1,"page":260},{"id":757,"text":"المقدمة الثانية: في تقسيم الأسباب المورثة:\rفنقول: ما يتوارث به قسمان: سبب، ونسب \rأما السبب فنوعان: عام وخاص العام: الوراثة بالإسلام  والخاص هو النكاح، والولاء  ولا يورث بالنكاح قط إلا فرضًا، ولا يورث بالولاء قط إلا عصوبة \rأما أصحاب النسب فقسمان: قسم يدلي إلى الميت بنفسه، وقسم يدلي إليه بغيره، والذي يدلي إليه بنفسه أربعة: الأب، والأم، والابن، والبنت ، فهولاء قط لا يُحجبون عن أصل الميراث بوارث آخر، ولكن قد تنقص أنصباؤهم، وفي معناهم الزوج والزوجة؛ فإنهما لا يُحجبان حجب الإسقاط، وهما يدليان أيضًا إلى الميت بأنفسهما \rأما الذي يدلي إلى الميت بغيره أربعة أقسام:\rأحدها: ذكر يدلي إلى الميت بذكر، وهو العصبة، كالأخوة للآباء، وغيرهم، والعصبة من تأخذ جميع المال إن لم يكن معه صاحب فرض، والباقي إن كان معه صاحب فرض ، ولا يأخذ شيئًا إن لم يفضل عن أصحاب الفرائض ، إلا في مسألة المشرَّكة كما سنذكرها \rالقسم الثاني: ذكر يدلي بأنثى، ولا يرث من هذا القسم إلا الأخ للأم ، فأما أب الأم فهو من ذوي الارحام، فلا ميراث له عندنا \rالقسم الثالث: أنثى تدلي بأنثى، ولا يرث  من هذا القسم إلا اثنتان : الأخت للأم، والجدة أم الأم \rالقسم الرابع: أنثى تدلي بذكر، ولا يرث من هذا القسم إلا ثلاث : الأخت للأب، وبنت الابن، والجدة أم الأب \rفالرجال المجمع على توريثهم عشرة: الأب، والجد أب الأب، والابن، وابن الابن، والأخ، وابن الأخ، والعم، وابن العم، والزوج، والمعتق \rوالنساء المجمع على توريثهن سبع: الأم، والجدة، والبنت، وبنت الابن، والأخت، والزوجة، والمعتقة ","part":1,"page":261},{"id":758,"text":"ومن سوى هولاء من الأقارب فهم من ذوي الأرحام ، وهم: أولاد البنات، وأولاد بنات الابن، وأولاد بنات الابن، وأولاد الأخوات والأخوة للأم ، وبنات الأخوة، والأخوال، والخالات، وأولادهم، والعمات مطلقًا، والأعمام من قبل الأم، والأجداد من قبل الأم، فأولادهم ومن أشبه هولاء فلا ميراث لهم ؛ فإنهم من ذوي الأرحام، وإلى هذا زيد ، وعمر ، وعثمان ، وذهب علي  وابن مسعود  وابن عباس في إحدى الروايتين ، وأبو حنيفة  إلى انهم يرثون\rثم اختلفوا في كيفية توريثهم، فقال ابن مسعود: يقدمون المولى المعتق  وقال ابن عباس وأبو حنيفة: يقدم المولى عليهم  وعن علي روايتان \rوتفرع عن هذا الرد  فإذا لم يخلف الأصحاب فرض والباقي عندنا لبيت المال ، وذهب إلى أنه يرد على صاحب الفرض من ذهب إلى التوريث بالرحم ، واختلفوا في تقديم الرد على المعتق اختلافهم في أصل توريث الرحم ، ثم اختلفوا فيمن يرد عليه، فقال علي وأبو حنيفة يرد على جميعهم سوى الزوج والزوجة  وقال ابن مسعود: يرد إلا على ستة: الزوج، والزوجة، والجدة، والأخ للام مع الأم، وبنت الابن مع بنت الصلب، والأخت للأب مع  الأخت للأب، والأم، بل يرد الباقي على بنت الصلب وعلى الأخت للأب والأم \rالمقدمة الثالثة: في تقسيم العصبات وأصحاب الفرائض المقدرة:\rوالورثة ينقسمون إلى العصبات وأصحاب الفرائض فأما العصبات فسيأتي في حصرهم باب\rوأما أصحاب الفرائض فثلاثة أصناف:\rصنف منهم يرثون بالفرض وحده ولا عصوبة لهم ، وهؤلاء ستة أنفس: الأم، والجدة، والأخ من الأم إذا لم يكن ابن عم، والأخت من الأم، والزوجة، والزوج إذا لم يكن ابن عم \rوالصنف الثاني: قوم يرثون تارة بالتعصيب، وأخرى بالفرض، ولا يجمعون بينهما بحال من جهة النسب؛ وهؤلاء أربعة أجناس: البنات، وبنات الابن، والأخوات من الأب، والأم، والأخوات من الأب ","part":1,"page":262},{"id":759,"text":"فأما البنات يكن عصبة مع الابن، فإن لم يكن ابن فلهن الفرض \rوأما بنات الابن فإنهن يصرن عصبة مع ابن الابن، فإن لم يكن ابن ابن في درجتهن ولا أسفل منهن فلهن الفرض \rوأما الأخوات للأب والأم يصرن عصبة مع البنت وبنت الابن، أو الأخ من الأب والأم، فإن لم يكن أحد منهن  فلهن الفرض \rوأما الأخوات من الأب فإنهن عصبة مع البنت وبنت الابن، والأخ من الأب، وإلا فلهن الفرض \rالصنف الثالث: قوم يرثون بالفرض مرة، وبالتعصيب أخرى، وقد يجمعون بينهما وهو: الأب، والجد، فأما الأب فإن لم يكن معه ولد، ولا ولد ابن فهو عصبة ولا فرض له ، وإن كان معه أحدهما وهو ذكر فهو ذو فرض ولا تعصيب له ، وإن كان الولد أنثى فيجتمع له الفرض والتعصيب، فيأخذ فرضه المقدر له، ثم ما يبقى من فروض أصحاب الفرض يأخذ بالتعصيب   والجد أيضًا أمره على الترتيب في العصوبة والفرضية عند عدم الأب، ونعني به أب الأب \r\rالباب الثاني: في مقادير الأنصباء لأصحاب الفرائض\rوفيه خمسة فصول:\rالفصل الأول: في نصيب الزوج والزوجة\rأما الزوج فله النصف بكل حال، إلا إذا كان للميت ولد أو ولد ولد وارث، فإن كان للميت ولد أو ولد ولد وارث فله الربع \rوأما الزوجة فعلى النصف من الزوج في كلتا الحالتين، فإن لم يكن للميت ولد أوولد ولد وارث فلها الربع، وإن كان للميت ولد أو ولد ولد وارث فلها الثمن  وإن كن أربعًا فلهن الربع والثمن بينهن على السوية، لا يزيد حقهن بزيادة عددهن ، وإنما كانت على الشطر من الزوج في كل حال؛ لأن الذكر والأنثى إذا استوى درجتيهما كان الذكر على ضعف الأنثى، كالابن والبنت وغيرهما، إلا في الإخوة من الأم فإنه يستوي ذكرهم وأنثاهم \r\rالفصل الثاني: في نصيب الأم والجدة\rأما الأم فلها ثلاثة أحوال:\rحالة تستحق فيها السدس: وهي أن يكون للميت ولد، وولد ولد وارث، أو اثنان فصاعدًا من الإخوة والأخوات ","part":1,"page":263},{"id":760,"text":"وحالة ترث فيها ثلث ما يبقى : وهي في مسألتين:\rإحداهما: زوج وأبوان، فلها ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج ؛ فإن في تكميل الثلث تفضيلا لها على الأب \rوالمسألة الثانية: زوجة وأبوان، لها ثلث ما تبقى بعد نصيب الزوجة، والباقي للأب \rوالحالة الثالثة تستحق الأم فيها الثلث الكامل: وهي ما عدا هذه الأحوال ، وإن شئت قلت: للأم الثلث أبدًا إلا في أربع مسائل:\rإحداها: أن يكون للميت ولد أو ولد ابن\rوالثاني: أن يكون له اثنان فصاعدًا من الأخوة والأخوات \rالثالث: زوج وأبوان\rوالرابع: زوجة وأبوان، فلها السدس في المسألتين الأوّليتين، وثلث ما تبقى في الأخريين \rأما الجدة ففرضها السدس أبدًا، وإن اجتمعن في درجة واحدة اشتركن في السدس \rثم النظر في حكم الجدة يتعلق بأطراف نستوعبها في هذا المقام:\rالطرف الأول: في بيان الجدة الفاسدة، والصحيحة ونعني بالفاسدة الساقطة، وبالصحيحة الوارثة، وقد ذهب علي وزيد  (رضي الله عنهما) إلى أن كل جدة يدخل في نسبها إلى الميت ذكر بين أنثيين فهي ساقطة، وكل جدة لا يدخل في نسبها ذكر بين أنثيين فهي صحيحة وارثة ، فترث أم أم أم الأب وإن علت؛ إذا كانت تدلي بمحض الإناث، وترث أم أب أب أب الأب وإن علت إذا كانت تدلي بمحض الذكور ، أو أدلت بمحض الإناث إلى محض الذكور؛ لأنها إذا أدلت بذكر يدلي ذلك الذكر بأنثى فذلك الذكر ليس وارثًا؛ فإنه أب أم، أو أب جدة فالمدلى به لا يرث \rوضبط هذا القول: كل جدة تدلي بوارث، ولذلك ورثت أم الأب وإن أدلت بذكر؛ لأنه وارث ، وقد ورث ابن عباس جميع الجدات ولم يسقط منهن واحدة \rوقال مالك: لا يرث إلا جدتان أم الأم، وأم الأب، وأمهاتهما من قبل الأم  وللشافعي رحمه الله قول يوافق هذا ، وضبط هذا القول: أن كل جدة تدلي بأنثى فهي وارثة، وكل جدة تدلي بذكر فساقطة إلا أم الأب وأمهاتها من قبل الأم من غير تخلل ذكر ، والصحيح هو الأول ","part":1,"page":264},{"id":761,"text":"الطرف الثاني: في تنزيل الجدات الوارثات، وبيان عددهن وما بإزائهن من الساقطات\rوإذا سئلت عن عدد الجدات، فنزلهن على أقرب الجدات  وإذا قيل:  جدتان متحاذيتان في درجة فقل هما أم الأم، وأم الأب  وإذا سُئلت عن عدد أكثر من اثنين، كالثلاثة والخمسة، فخذ لفظ السائل في العدد، وهو الخمسة والثلاثة، وتلفظ بمثل عدده إناثًا من جانب الأم، وقل: العليا هي الوارثة  ولا يتصور من جانب الأم إلا وارثة واحدة؛ فإن القربى تحجب البعدى من جهة الأم \rثم تلفظ بمثل العدد إناثًا من قبل الأب، ثم أبدل كل أنثى بذكر، حتى تستوعب العدد المسؤول بيانه إذا قيل لك: خمس جدات وارثات، على قول زيد وعلي رضي الله عنهما، وهو المذهب الصحيح \rوعليه هذه التفريعات، فتأتي بخمسة من عدد الإناث من جانب الأم، أم أم أم أم الأم، ومن جانب الأب أم أم أم أم الأب، ثم لا تزال تبدل الإناث الذكور وتقول الثالثة أم أم أم أب الأب، وإذا أردت تصويرهن برقوم فاجعل رقم كل أنثى دائرة، ورقم كل ذكر خطًّا على هيئة الألف على هذه الصورة:\r    \r    |\r   | |\r  | | |\r | | | |\rوعلى هذا يقاس ما يسأل عنه من أعداد الجدات المتحاذيات على المذهب الذي ذكرناه \rفإن قال قائل: ما عدد الساقطات بإزاء هذه الوارثات فطريقه أن ينظر إلى عدد الوارثات ويسقط من جملتها اثنين ثم تضعّف الاثنين بقد ما بقي من العدد بعد إلقاء الاثنين، فما حصل بعد تكرير التضعيف فهو عدد جميع الجدات الكائنات في تلك الدرجة الوارثات والساقطات جميعًا، ويقع نصف العدد من جانب الأم، والنصف الآخر من جانب الأب ، ولا يرث من جانب الأم إلا واحدة، والبواقي من هذا النصف بعد إلقاء الواحدة ساقطات، وما بقي من عدد الوارثات تلقى من النصف الأخير فما يبقى فهن ساقطات من قبل الأب ","part":1,"page":265},{"id":762,"text":"ومثاله  في الصورة المذكورة، وهي خمس جدّات: أن تلقي اثنين فيبقى ثلاثة، فتضعّف اثنين ثلاث مرات، فتقول مرة أربعة، ثم تضعف الأربعة وتقول ثمانية، ثم تضعف الثمانية وتقول ستة عشر، فالجدات الكائنة في هذه الدرجة ستة عشر: ثمان  من جهة الأم، وثمان  من جهة الأب، الوارثة من جهة الأم واحدة، وسبع  ساقطة من جهتها، والوارث من جهة الأب أربع ؛ لأن الواحدة من جملة الخمس  كانت من قبل الأم، فتبقى أربع  ساقطة من قبل الأب، فالجملة ست عشرة ، والوارثات خمس ، والساقطات إحدى عشرة، سبع  من قبل الأم، وأربع  من قبل الأب \rوعلى هذا القياس: إذا سئلت عن ثلاثة ألقيت اثنين، وضعفته مرة واحدة لبقاء الواحدة، فهي أربع فالجدات أربع ، ثلاث  وارثات وواحدة ساقطة، الوارثة من جهة الأم واحدة، والساقطة واحدة، والوارثة من جهة الأب اثنتان ، وإن سُئلت عن جدتين، فقل: لا ساقطة أصلاً في درجتهما؛ لأنك إذا ألقيت اثنين لم يبق شيء حتى تضعف الاثنين، فهما أم الأم، وأم الأب، ولا يتصور في درجتهما أكثر منهما \rالطرف الثالث: في حجب بعض الجدات ببعض، فنقول الجدات المتحاذية من قبل الأب لا حجب فيهن، بل يشتركن في السدس ، فأما إذا تفاوتت الدرجة فالقربى من جهة تحجب البعدى من تلك الجهة، وهي أن تدخل القريبة في جهة إدلاء البعيدة ، والقربى من جهة الأب هل تحجب البعدى من جهة الأم قولان؛ لاختلاف الرواية عن زيد  |، وأصح الروايتين أنه لا تحجب  ولا خلاف أن الأم تحجب كل واحدة من أية جهة كانت ، ولا خلاف أن الأب لا يحجب الجدة من قبل الأم \rوهل يحجب  الجدة من قبل نفسه مذهب علي  وزيد  رضي الله عنهما أنه يحجبها، وهو مذهب الشافعي ","part":1,"page":266},{"id":763,"text":"ومذهب عمر ، وابن مسعود  رضي الله عنهما أن الأب لا يحجب جدة بحال ، فأما الجدة من جهتين أو ثلاث جهات متصور ، ولا أثر لزيادة الجدودة، ولكن إن انفردت فلها السدس، وإن كان معها جدة لا تحجبها ولا تحجب بها اشتركا في السدس على السواء ، فالنظر إلى عدد الرؤوس لا إلى تعدد الجهات \r\rالفصل الثالث: في نصيب الأب والجد\rأما الأب فله ثلاثة أحوال:\rإحداها: أن يرث بالفرض، وهو أن يكون للميت ابن، أو ابن ابن؛ فله السدس  والعصوبة في هذا المقام للابن لا للأب \rوالحالة الثانية: أن يرث بالتعصيب المحض، وهو أن يموت عن زوجة وأب، فللزوجة نصيبها، والباقي للأب \rالثالثة: أن يجمع بين الفرض والتعصيب، بأن يكون معه بنت، أو بنت ابن؛ فله السدس، وللبنت النصف، والباقي له بالتعصيب \rوالحاصل أنه يأخذ بالتعصيب المحض إذا لم يكن للميت ولد، ولا ولد ولد، فيستغرق أو يأخذ الباقي من ذوي الفروض وإن كان معه ولد: فإن كان ذكرًا أخذ بالفرض، وإن كان أنثى جمع بين السدس وأخذ الفاضل عنها وعن ذوي الفروض بالتعصيب \rوأما الجد: فحكمه حكم الأب إلا في خمس مسائل:\rإحداها: أن الأب يحجب الإخوة من الأب، والإخوة من الأب والأم؛ والجد لا يحجب، بل يقاسم  وقال أبو حنيفة: إنه يحجب كالأب \rالثانية: أن الأب يحجب الأمهات المدليات به، والجد لا يحجب ؛ فإنه زوجها، والأب ابنها، وبه إدلاؤها \rالثالثة: زوجة وأبوان\rوالرابعة: زوج وأبوان\rللأم في هاتين الصورتين ثلث ما تبقى بعد نصيب الزوج والزوجة، ولو كان بدله جد فلها  الثلث كاملاً \rالخامسة: أن الأب مع البنت يستحق سدس المال بالفرضية، والباقي  بعد نصيب البنت بالتعصيب، فيجمع بينهما ، ولو كان بدله جد فقد اختلف العلماء في العبارة عن استحقاقه، منهم من عبر عنه بما ذكرناه في الأب ، ومنهم من قال: للبنت النصف، والباقي له بالتعصيب، فأما الجمع فمن خاصية الأب","part":1,"page":267},{"id":764,"text":"ومن قال: للبنت النصف وللأب النصف، فقد أصاب في المعنى وأخطأ في اللفظ؛ فإنه أوهم تسوية بينهما بالتقدير، وما يستحقه الأب بالعصوبة لا ثبت لمقداره؛ فإنه يختلف باختلاف الصور \r\rالفصل الرابع في نصيب الأولاد\rوالنظر في ثلاثة أطراف:\rأحدها: أن يتمحض أولاد الصلب، فإن لم يكن إلا ذكر واحد فله جميع المال، وإن كانوا ذكورًا فالمال بينهم بالسوية، وإن كانوا ذكورًا وإناثًا فالمال بينهم: للذكر مثل حظ الأنثيين \rوإن تمحضت الإناث: فإن كانت واحدة فلها النصف، وإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان، وكذلك فيما فوق البنتين \rالطرف الثاني: أن يتمحض أولاد الأبناء، فلا شيء لأولاد البنات، وحكم أولاد الأبناء عند فقد أولاد الصلب كحكم أولاد الصلب: الذكر الواحد يستغرق، والجماعة يشتركون، وإن كانوا إناثًا وذكورًا فللذكر مثل حظ الأنثيين، وللواحدة من بنات الصلب النصف واثنتين فصاعدًا الثلثان \rالطرف الثالث: في اجتماع أولاد الصلب وأولاد الابن، فينظر فيه: فإن كان في الصلب ذكر سقط أولاد الابن ، وإن لم يكن ذكر وكان أنثى واحدة فلها النصف \rثم ينظر في أولاد الابن: فإن كانوا ذكورًا، أو ذكورًا وإناثًا، فالباقي بينهم: للذكر مثل حظ الأنثيين  وإن كنّ إناثًا على التمحض، فللواحدة والجماعة السدس تكملة الثلثين، لا يزيد بزيادة العدد ؛ فإن كان في هذه  الصورة أسفل منها حافد من الابن ذكر: فالباقي له بالعصوبة","part":1,"page":268},{"id":765,"text":"هذا كله إذا لم يكن في الصلب إلا بنت واحدة، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان  ثم ينظر في أولاد الابن: فإن كانوا ذكورًا، أو ذكورًا وإناثًا، فالباقي بينهم ، وإن لم يكن فيهن ذكر سقط أولاد الابن باستغراق أولاد الصلب الثلثين، وإنما ترث بنت الابن: إما تكملة الثلثين، وإما بأن يعصبها أخوها، ويسمى هذا الأخ المبارك؛ فإنها ساقطة دونه ، ويعصبها أيضًا في هذه الصورة الذكر الذي هو أسفل منها، فيكون الباقي بينهما، ولو استغرقت بنت الابن السدس تكملة الثلثين عند انفراد بنت الصلب، فلا يعصبها من دونها، ولا يسقط أيضًا من دونها بل يصرف إليه الباقي \rوإذا لم يكن في المسألة أولاد الصلب، وكان فيها درجات من أولاد البنين، فالدرجة العليا بالإضافة إلى السفلى كأولاد الصلب بالإضافة إلى أولاد الابن في كل تفصيل كما ذكرناه \rوإذا كان في المسألة بنت صلب، وبنت ابن، وبنت ابن ابن، فلبنت الصلب النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وسقطت التي دونها باستغراقهم الثلثين، إلا إذا كان معها في درجتها أو دونها ذكر  يعصبها \r\rالفصل الخامس: في نصيب الإخوة والأخوات\rوالكلام في ستة أطراف:\rالطرف الأول: الإخوة للأب والأم، وهم عند الانفراد ينزلون منزلة أولاد الصلب ، والإخوة للأب معهم ينزلون منزلة أولاد الأبناء في كل تفصيل ، فللأخ الواحد من الأب والأم جميع المال، وإن كانوا جميعًا اشتركوا، وإن كان فيهم إناث فللذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كانت واحدة فلها النصف، وإن كان معها أخت من أب فلها السدس تكملة الثلثين، وإن كان معها أخت  لأب وأخ لأب فالباقي بينهم بالسوية للذكر مثل حظ الأنثيين ، وإن كان من جهة الأب والأم أختان فلهما الثلثان، ولا شيء للأخت للأب معهما؛ وقد استغرقا الثلثين، إلا أن يكون معها أخ من الأب يعصبها، فينزلون منزلة أولاد الابن مع أولاد الصلب ، إلا في أمرين يرجع الاختلاف فيه إلى التصوير:","part":1,"page":269},{"id":766,"text":"أحدهما: أن أولاد الابن يرثون وإن سفلن؛ لأنهم لا يخرجون عن كونهم أولادًا، وأولاد الأخوات ليسوا أخوات \rوالثاني: أنه لا يعصب أولاد الأب إلا أخ من أب على تفصيل ما سيأتي، وأولاد البنين قد يجري بهم تعصيب العمات وبنات العم؛ وذلك لافتراق الناس في التصوير \rالطرف الثاني: في الإخوة للأم ولواحدهم، ولاثنين فصاعدًا منهم الثلث ذكرهم الثالث: في الإخوة والأخوات للأب، وهم بمنزلة الإخوة والأخوات للأب والأم عند عدمهم ، إلا في مسألة المشركة  وهي زوج، وأم، وأخوان لأب وأم، وأخوان لأم، للزوج النصف، وللأم السدس ولأولاد الأم الثلث، ويشاركهم فيه أولاد الأب والأم ذكورهم وإناثهم سواء  (كان فيهم إناث)  وبهذا قال زيد  وعثمان ، وقال أبو موسى : الثلث لأولاد الأم خاصة، ولا شيء لأولاد الأب والأم؛ فإنهم عصبات، ولم يفضل من ذوي الفروض شيءٌ  وبه قال أبو حنيفة \rوفي هذه الواقعة قال ولد الأب والأم لعمر |: هب أن أبانا كان حمارًا؛ ألسنا بني أم واحدة \rوقد اختلفت الرواية عن عمر وعلي وابن مسعود \rوللتّشريك شرطان:\rأحدهما: أن  يكونوا أولاد الأب والأم جميعًا، فلو كانوا أولاد الأب سقطوا؛ إذ لا مشاركة في قرابة الأم حتى يقع التشريك به \rوالثاني: أن يكون في المسألة اثنان من ولد الأم فصاعدًا، فلو كان واحدًا فلا حاجة إلى التشريك؛ إذ ليس له إلا السدس، فيبقى سدس فيصرف إلى الأخ للأب والأم، وليس من شرط المسألة تعدّد الإخوة للأب والأم، بل الحكم في أخ واحد ما ذكرناه \rالطرف الرابع: في الإخوة والأخوات من الجهات المتفرقة إذا اجتمعوا، وفيه مسائل:\rإحداها: أخت لأب وأم، وأخت لأب، فللأخت للأب والأم النصف، وللأخت للأب السدس تكملة الثلثين كما ذكرناه، فلو كان بدل الأخت للأب أخت لأم فلها السدس أيضًا، ولكن ليس سدسها تكملة الثلثين؛ فإنه تستحق السدس مع الأختين للأب والأم تستغرقان الثلثين، بخلاف الأخت للأب ","part":1,"page":270},{"id":767,"text":"الثانية: ثلاث أخوات مفترقات: للتي للأب والأم النصف، وللتي للأب السدس، [وللتي للأم السدس]  أيضًا، وإن صار الثلثان مستغرقًا \rالثالثة: أختان لأب وأم، وأخت لأم، وأخت لأب: فللأختين للأب والأم الثلثان، وللأخت للأم السدس، وسقطت الأخت للأب؛ إلا أن يكون معها من يعصبها \rالرابعة: ثلاثة إخوة مفترقون، فللذي للأم السدس، والباقي للأخ من الأب والأم، والأخ من الأب ساقط به فلو كان معهم ثلاث أخوات مفترقات أيضًا: للذين للأم الثلث ذكرهم وأنثاهم فيه سواء، والباقي للذين للأب والأم، والذين للأب ساقط \rالخامسة: أخت لأب وأم، وأخ لأب فلها النصف، والباقي للأخ للأب \rالطرف الخامس: في أولاد الإخوة، وهم بمنزلة الإخوة إلا في خمس مسائل:\rإحداها: أن الاثنين من  الإخوة يحجبان الأم من الثلث إلى السدس، بخلاف اثنين من بني الإخوة \rالثانية: أن الجد لا يحجب الإخوة ويحجب بني الإخوة \rالثالثة: المشركة، يشارك الإخوة للأب والأم، وأبناؤهم لا يشاركون \rالرابعة: أن الأخ يعصّب أخته، وابن الأخ لا يعصب أخته \rالخامسة: أن الأخ للأم يرث، وابن الأخ للأم لا يرث \rالطرف السادس: في البنات مع الأخوات: والأخت مع البنت عصبة، فلو خلّف بنتًا وأختًا فللبنت النصف، والباقي للأخت بالعصوبة، ولو خلف بنتين وأختًا فللبنتين الثلثان، والباقي لها بالعصوبة \rوقال ابن عباس: لا ترث الأخت إذا  كان في المسألة بنت أو بنت ابن \rفرع: إذا مات وخلف بنتًا وأختًا لأب وأم، وأخًا  لأب، فللبنت النصف، والباقي للأخت، ولا شيء للأخ وعند ابن عباس الباقي للأخ للأب ولا شيء للأخت \r\rالباب الثالث: في العصبات \rوأصل الباب قول رسول الله \\: >ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر<  وأراد بالأولى الأقرب؛ لأنه من الولي، والولي القرب ","part":1,"page":271},{"id":768,"text":"فأولى العصبات البنون، ثم بنوهم على الترتيب ، وقال آخرون: لا تسمى البنون عصبة، وليس شيء؛ إذ لا فرق بينه وبين الإخوة إلا وقوعهم على حاشية النسب، وعلى الجملة هذا مضايقة في اللفظ بلا معنى \rثم يلي البنين الآباء، ثم آباؤهم وهم الأجداد  فإن كان مع الجد إخوة اشتركوا في الميراث  نعم تَسْقُطُ بَنِيُّ الإخوة  وقال أبو حنيفة: الميراث كله للجد \rثم الإخوة للأب والأم، ثم الإخوة للأب، ثم ابن الأخ للأب والأم، ثم ابن الأخ للأب على ترتيب الأصول، ثم ابن الجد، وهو العم للأب والأم، ثم الأعمام  للأب، ثم بنوهم، ثم عم الأب للأب والأم، ثم عم الأب للأب، ثم بنوه، ثم عم الجد؛ على هذا الترتيب ، وهكذا إلى حيث ينتهي فإن لم يكن عصبة من هولاء من جهة العلو ولا من جهة السفل فحينئذ المال للمعتق ، فإن لم يكن فعصابته الذكور على الترتيب المذكور ، وإن لم يكن فمعتق المعتق، ثم عصباته ، ثم معتق معتق المعتق إلى حيث ينتهي \rوتتمة النظر في الباب برسم مسائل:\rالأولى وهي من أصول الباب: أن ابن ابن الأخ وإن سفل مقدم على العم ، فكل نوع قدم على نوع فخالف في الجهة ففرع ذلك النوع وإن سفل يقدم على النوع المؤخر \rالثانية: الجد يسقط بني الإخوة، ويشارك الإخوة ، والأخ لا يسقط بالجد ولا يقاسمه الجد أيضًا، بل له السدس والباقي للأخ ، هذا ما قيل فيه، وهو محتمل من حيث أن الجدودة واسمها لا يزول بالعلو فلا بعد في أن يعتبر أصل الجدودة \rالثالثة: ابن ابن أخ من أب وأم، وابن أخ من أب، فلأحدهما القوة، وللآخر القرب، فقد يتخيل تقديم القوة كما قضينا به في تقديم بني الإخوة على العم وإن سفلوا، ولم يصر إلى هذا أحد، بل ابن الأخ للأب مقدّم يقدم بالقرب ","part":1,"page":272},{"id":769,"text":"الرابعة: ابنا عم أحدهما لأخ من أم، قال ابن مسعود |: >يقدم الذي هو أخ لأم في الميراث، كالأخ للأب والأم يقدّم على الأخ للأب< ، وعند زيد |: له السدس بأخوة الأم، والباقي بينهما ؛ إذ لا امتزاج بين القرابتين\rالمسألة بحالها: لو كان الأخ للأم ابن عم من الأب لا من الأم، والآخر ابن عم من جهتين، فله السدس والباقي للآخر؛ لأن بنوّة عمّ الأب تسقط ببنوّة عم الأب والأم \rالخامسة: قال ابن الحداد: بنت وابنا عم أحدهما أخ لأم: النصف للبنت، والباقي لابن  العم الذي هو أخ من أم، وعلل بأن الأخوة للأم ها هنا لا تفيد فرضًا مع البنت، فلا بد من استعماله ترجيحًا؛ كما قدم الأخ للأب والأم على الأخ للأب في الأولى مع سقوط قرابة الأمومة فيه، ويلزمه على هذا يقدم ابن العم الذي هو أخ للأم على ابن أم آخر في باب [الولاء] ، ولو قال به فقد أبعد \rوخالف ابنَ الحداد معظمُ الأصحاب فقالوا: تسقط أخوة الأم بالبنت، فالباقي بينهما بالسوية ، بخلاف البنت مع الأخ للأب والأم، والأخ للأب، فلا نقول تسقط أخوة الأم والباقي بينهما، بل الباقي للأخ من الأب والأم؛ لامتزاج الأخوة وترجحها به \rالسادسة: في بيان عصبات المعتق: ولا يستحق صاحب فرض بالولاء بحال، ولا تستحق الأنثى إلا إذا كانت معتقة، وإنما يستحق كل عصبة ذكر ، على الترتيب الذي ذكرناه، فلو اجتمع ابن المعتق وأبواه فالمال للابن؛ لأن الأب صاحب فرض ، ولو اجتمع إخوة لأب وأم، وإخوة لأب: قدم الأخ للأب والأم وتنتهض قرابة الأم مرجِّحًا وإن لم تكن مفيدة ، ومن أصحابنا من طرد قولين كما ذكرناه في ولاية النكاح \rولو اجتمع الجد والأخ فقولان:\rأحدهما: أن الأخ أولى؛ لأنه ابن أب المولى، والبنوة أقوى في العصوبة \rوالثاني: أنهما يرثان ويشتركان \rولا يعتبر في القسمة للجد الثلث ها هنا؛ إذ لا يتصوّر الفرض في باب [الولاء] ","part":1,"page":273},{"id":770,"text":"ويتفرع على هذا أن الجد وابن الأخ إذا اجتمعا، فإن راعينا قوة البنوة قدمنا ابن الأخ وإن سفل، وإن راعينا الاستواء في القرب والبعد قدمنا الجد ها هنا لقربه \r\rالباب الرابع: في الحجب  والتقديم \rوالحجب على ضربين: حجب إسقاط، وحجب نقصان\rوالمعني بالإسقاط: الحرمان والتقدم، وبالنقصان: نقص ما كان يرثه لولا الحاجب \rوالورثة في الحجب على ثلاثة أقسام:\rأحدها: أن يكون الحاجب والمحجوب جميعًا عصبة\rوالثاني: أن يكونا جميعًا من أهل السهام والفروض\rوالثالث: أن يكون أحدهما عصبة والآخر صاحب فرض\rفإن كانا جميعًا من العصبات، فالحجب حجب الإسقاط، والمعني به أن الأقرب أولى بالتعصيب، فهو مقدم على الأبعد كما قررناه في باب العصبات \rوإن كانا جميعًا من أهل السهام والفروض احتمل أن يكون حجب إسقاط، وحجب نقصان \rوإن كان أحدهما ذا سهم مفروض، والآخر عصبة، نظر: فإن كان الحاجب ذا سهم، والمحجوب عصبة: فذك الحجب حجب نقصان ، وإن كان الحاجب عصبة، والمحجوب ذا سهم: احتمل الأمرين جميعًا ، فهذه وجوه الحجب على سبيل الجملة\rوأما التفصيل: فإن البنين والبنات لا يلحقهم حجب الإسقاط بحال ، ومتى كان البنات ذوات فروض، فلا يدخل عليهن حجب النقصان، ولذلك لا يلحقهن حجب الإسقاط ، وكذلك الأب لا يلحقه حجب الإسقاط بحال، ومتى كان صاحب فرض لم يلحقه حجب النقصان، لأنه لا ينقص من السدس بحال إلا نقصان العزل كما سنبينه \rأما بنات الابن فقد يلحقهن الحجبان جميعًا، أما حجب النقصان فإنا نلحقهن مع البنت الواحدة للصلب، فنرد نصيبهن من النصف أو من الثلثين إلى السدس ، وأما حجب الإسقاط فإنما يلحقهن في موضعين: أحدهما مع الابن ، والثاني مع ابنين فصاعدًا من الصلب ، وكذلك القول في حجب السفليات مع بنات الابن بالعاليات إذا اختلفت درجاتهن ","part":1,"page":274},{"id":771,"text":"وأما الأخوات من  الأب  والأم فيلحقهن حجب الإسقاط بثلاثة: الابن، وابن الابن، والأب، وقد يكنّ ذوات فروض فلا يلحقهن حجب النقصان بحال \rوأما الأخوات من الأب يلحقهن الحجبان جميعًا، فأما حجب النقصان فمن النصف أو الثلثين إلى السدس بواحدة من أولاد الأب والأم، وأما حجب الإسقاط يلحقهن بخمسة: بالابن، والأب، والأخ من الأب والأم، وأختين فصاعدًا من الأب والأم \rوأما الإخوة من الأب والأم فلا يدخل عليهم حجب النقصان؛ لأن حجب النقصان يختص بذوي الفروض، نعم يلحقهم حجب الإسقاط بثلاثة: بالابن، وابن الابن، والأب  وكذلك الإخوة من الأب لا يلحقهم حجب النقصان، ويلحقهم حجب الإسقاط بالابن، وابن الابن ، والأخ من الأب والأم \rوأما الإخوة والأخوات من الأم فإنه لا يلحقهن حجب النقصان عن فروضهم، وإنما يلحقهم حجب الإسقاط بالولد ذكرًا كان أو أنثى، وبولد الابن وإن كان منسفلاً: ذكرًا كان أو أنثى؛ وبالأب، والجد \rفأما الأم فلا يلحقها حجب الإسقاط بحال، وإنما يلحقها حجب النقصان من الثلث إلى السدس بالولد، ذكرًا كان أو أنثى، وباثنين فصاعدًا من الإخوة والأخوات، من أي جهة كانوا \rوأما الجدة فلا يلحقها حجب النقصان، نعم يشتركن في السدس إذا اجتمعن في درجة واحدة ، ويلحقها حجب الإسقاط من أربعة أوجه:\rأحدها: أن الجدات كلهن يسقطن بالأم سواء كن من قبل الأب والأم  قال الشافعي رحمه الله: لا يرث مع الأب أبواه ولا مع الأم جدة \rوالثاني:  أن كل جدة من قبل الأب تسقط بالأم، وكذلك كل جد وارث تسقط أمه وجداته، ولا تسقط بالأب ولا بالجد جدة من قبل الأم \rوالثالث: أن القربى من كل جهة تحجب البعدى من تلك الجهة، والجدة البعيدة من قبل الأم لا يسقط بالقريبة من قبل الأب، بل يشتركان في السدس على أصح القولين \rوالرابع: أن البعيدة من قبل الأب تسقط بالقريبة من جهة الأم ","part":1,"page":275},{"id":772,"text":"وأما الزوج فلا يلحقه حجب الإسقاط، وكذلك الزوجة، ولكن يحجب كل واحد منهما من نصيبه إلى نصفه بالولد وولد الولد \rوالتنبيه في خاتمة الكتاب على ثلاثة أمور:\rأحدها: أن الابن الكافر والرقيق والقاتل ومن لا يرث لا يحجب  وقال ابن مسعود يحجبون وإن لم يرثوا  وعندنا أن من لا يرث لا يحجب إلا في مسألة واحدة  وهي أخوان وأبوان، فأما الأخوان فيحجبان الأم من الثلث إلى السدس، ويأخذ الأب الأسداس الخمسة، ولا شيء للإخوة ، والمعني به أن الأم محجوبة بالأخوين، ثم الأب يحجبها، فليس حجبها بالأم، وكان حاجب الأم هو الأب أيضًا فإنه حجب من حجب  الأم \rوالثاني: أنا قد بينا أن ولد الأم يحجبه الابن، وابن الابن، والبنت، وبنت الابن، والأب، والجد  وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أولاد الأم يرثون مع الأب والجد، وإنما يسقطون بالولد، وولد الابن ، وإنما نشأ الاختلاف مع الخلاف في الكلالة؛ فإنه عز من قائل قال: {  ڑ ڑ ک ک  ک ک گ گ گ  گ  } ، فما ذهب إليه زيد وجماهير العلماء أن معنى  الكلالة: من لا ولد له ولا والد ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الكلالة من لا ولد له، وإن كان له والد ، فاختلف في اشتقاق الكلالة، والمسمى بها، فقيل: المسمى بها الميت ، وقيل: المسمى  بها الورثة \rوأما الاشتقاق: فمنهم من قال: هو من قولهم كَلَّ نسب فلان، إذا ذهب طرفاه، وبقي الجوانب والحواشي، وهذا يظهر إذا حمل الكلالة على الميت الذي لا أب له ولا ولد  وقيل: الكلالة الورثة؛ سموا بذلك لأنهم كالإكليل، والإكليل محيط بجوانب الرأس وأعلاه مقوّر، وإذا كان الورثة كالإكليل سموا الكلالة  وتعلق ابن عباس بقوله تعالى: {             } ؛ فأوضح معنى الكلالة بمن لا ولد له ","part":1,"page":276},{"id":773,"text":"وقال معظم الصحابة: المراد بقوله: ليس له ولد ولا والد ، فوقع الاقتصار على أحد الطرفين؛ بدليل إثباته النصف للأخت، وكذلك لا يكون مع الأب  وكان عمر | متوقفًا في معنى الكلالة حتى راجع رسول الله \\، فقال عليه السلام: >يكفيك آية الصيف<، وأراد: {    }  نزلت في الصيف هذه الآية ، وقوله تعالى: {  ڑ ڑ}  نزلت في الشتاء \rالأمر الثالث: أنه لو كان في المسألة أم أم، وأم أب، وأب، فلو لم يكن الأب لاشترك الجدتان في السدس، وقد سقطت أم الأب بالأب، فهل تقتصر أم الأم على نصف السدس أم تأخذ جميع السدس وجهان:\rأحدهما: أنها تأخذ الجميع، والتي ليست وارثة كأنها مفقودة \rوالثاني: أنها ساقطة بالأب، فلا يسقط أثر حجبها في حق الجدة إلا بالإضافة إلى الأب؛ كالأخوين يحجبان الأم إلى السدس ثم يحجبان بالأب \r\rالباب الخامس: في الجد والإخوة\rوما اختلف أصحاب  رسول الله \\ في باب اختلافهم في هذا الباب، فروي أن عمر | قضى في الجد بمائة قضية مختلفة ، ثم لما طعنه أبو لؤلؤة  وأشرف على الموت قال للناس: احفظوا عني ثلاثة، لا أقول في الكلالة شيئًا، ولا أقول في الجد شيئًا، ولا أستخلف عليكم أحدًا \rوعن علي كرم الله وجهه أنه قال: من سره أن يقتحم جراثيم جهنم يجر وجهه، فليقض في الجد والإخوة  وقال ابن مسعود |: سلوني ما شئتم من عضلكم، ولا تسألوني عن الجد لا حيّاه الله ولا بيّاه  وقال عمر |: أجرؤكم على مسائل الجد أجرؤكم على النار ","part":1,"page":277},{"id":774,"text":"فإذا بان إشكال الباب، فنقول: حاصل القول فيه أن الإخوة من الأم ساقطون بالجد وفاقًا ، والاختلاف في الإخوة من الأب والأم، والإخوة من الأب فمنهم من نزل الجد منزلة الأب، وأسقط به جميع الإخوة والأخوات، واستراح من عسر التفريع، وإليه ذهب أبو بكر الصديق ، ومعاذ بن جبل ، وعبد الله بن عباس ، وجابر ، وعبادة بن الصامت ، وأبي ابن كعب ، وأبو الدرداء ، وعبد الله بن الزبير ، وأبو موسى الأشعري ، وعمران ابن حصين ، وعائشة ؛ رضي الله عنهم\rوبه أخذ طائفة من الفقهاء: الحسن ، وطاوس ، والزهري ، وعطاء ، وأبو حنيفة ، وأبو ثور ، والمزني في اختياره الظاهر ، ونسب هذا إلى أبي العباس بن سريج ، ومحمد بن نصر المروزي  من أئمة أصحاب الشافعي\rومنهم من شرك بين الجد والإخوة والأخوات من الأب والأم، ومن الأب، وهو مذهب علي ، وزيد ، وابن مسعود ، وبه قال مالك ، والشافعي ، والأوزاعي ، والثوري ، وابن أبي ليلى ، وأبو يوسف ، ومحمد ، واختلفت  الرواية في ذلك عن عمر ، وعثمان  فروي عنهما القولان معًا \rثم اختلف المُشَرّكون في تفصيل التشريك على مذاهب مختلفة، ونحن نرى أن نقتصر على ذكر مذهب زيد ، وجملة مذهبه في هذا الباب أن ننظر إلى الإخوة والأخوات، فإن كانوا من جهة واحدة مثل أن يكون جميعهم لأب وأم، أو لأب؛ فإن الجد يكون كأحد الإخوة، فنقسم المال عليهم بالسوية، أو للذكر مثل حظ الأنثيين إن كانت فيهم أخت، ويعتبر بالقسمة الثلث؛ فإن كان الجد نصيبه بالقسمة ثلث المال أو أكثر، فالقسمة ثابتة صحيحة، وإن أصابه بالقسمة أقل من ثلث المال؛ فإنه يفرض له الثلث كاملاً، ويكون الباقي للإخوة والأخوات على حسب الاستحقاق ","part":1,"page":278},{"id":775,"text":"فإن كانوا من جهتين؛ مثل أن يكون بعضهم من جهة الأب والأم، وبعضهم من جهة الأب: جمع بين الفريقين، وجعل الجد كواحد منهم، ويقسم المال بينهم: للذكر مثل حظ الأنثيين، واعتبر بالقسمة الثلث الجد كما ذكرناه \rفإذا أخذ الجد نصيبه نظر فيمن هو من قِبَل الأب، فإن كانوا محجوبين بالذين من قبل الأب والأم، بأن يكون في أولاد الأب والأم ذكر، استرجع منهم ما أصابهم بالقسمة في ذلك، ورد على ولد الأب والأم، وإن كانوا يرثون مع الذين من قِبَل الأب، بأن يكون أولاد الأب والأم إناثًا، فيسترجع من أولاد الأب مقدار ما يتم نصيب ولد الأب والأم، إما النصف عند انفراد واحدة، وإما الثلثان عند الزيادة، هذا إذا أمكن، فإن كان لا يكمل نصيبها إلا باسترجاع جميع ما في يد ولد الأب: انتزع الجميع من يده، وسلم إليها، واقتصر  على ذلك القدر هذا كله فيه إذا لم يكن في المسألة ذو فرض \rفإن كان فيه ذو فرض مسمى، مثل: بنت، أو بنت ابن، أو زوجة، أو أم، أو جدّة، ولا يتصور غيرها، فيبدأ بذي الفروض ويعطى فرضه، ثم ينظر: فإن كان الباقي من المال أقل من السدس، فرض للجد السدس، وأعيلت المسألة، وأسقط الإخوة والأخوات وإن بقي من المال أكثر من السدس، اعتبر للجد أحد ثلاثة أشياء: إما القسمة، أو ثلث ما بقي من المال، أو سدس جميع المال؛ فأيّ ذلك كان خيرًا للجد خص به، وكان الباقي من المال بعد ذلك كله للإخوة والأخوات على حسب الاستحقاق كما مضى  فهذا أصل زيد في الباب ","part":1,"page":279},{"id":776,"text":"ولم يفرض زيد للأخت مع الجد إلا في مسألة تعرف بالأكدرية ، وصورتها: زوج، وأم، وأخت لأب وأم، [وجد]  فللزوج النصف، وللأم الثلث، وللأخت النصف، وللجد السدس أصل المسألة من ستة، وتعول إلى تسعة، ثم يجمع بين نصيب الجد والأخت، فيبلغ أربعة، فيقسم بين الجد والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين، ينكسر على ثلاثة، يضرب ثلاثة في أصل المسألة وعولها، فيبلغ سبعة وعشرين، فمنها تصح المسألة، للزوج من الأصل ثلاثة في ثلاثة يكون له تسعة، وكان للأم سهمان في ثلاثة يكون ستة، وكان للجد سهم في ثلاثة يكون ثلاثة، وكان للأخت ثلاثة في ثلاثة يكون تسعة، ثم جمع ما في يد الجد وما في يد الأخت وهو تسعة فيبلغ اثنا عشر فيقسمها بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، للجد ثمانية، وللأخت أربعة \rفهذا هو الصحيح من قول زيد على ما رواه خارجة ، والشعبي ، والنخعي ، وهو مذهب الشافعي ، ومالك ، وفي رواية أخرى عن الشعبي أنه قال: سألت قبيصة ابن ذؤيب  عن قضاء زيد في الأكدرية فقال: لا والله ما فعل هذا زيد، وإنما أصحابه قاسوا على قوله  فإن كان الأمر على ما قاله قبيصة فالذي يقتضيه قياس قول زيد: أن يكون للزوج النصف، وللأم الثلث، والباقي وهو السدس للجد، وتسقط الأخت؛ لأنها مع الجد عصبة لا فرض لها، فلم يبق لها من المال شيء ، كما يسقط الأخ لو كان في هذه الصورة بدل الأخت \rمسألة: جد وأخ، أو أختان، أو أخ وأخت: فالمقاسمة صحيحة في هذه الصورة؛ لأن المقاسمة خير من الثلث للجد في هذه الصور \rجد وأخوان، أو جد وأخ وأختان ، أو جد وأربع أخوات: استوى المقاسمة والثلث في هذه الصور، فللجد الثلث \rوإن كان مع الجد ثلاثة أخوة، أو أخوان وأخت، أو خمس أخوات فصاعدًا: فالثلث خير من المقاسمة، فله الثلث \rفأما إذا كان في المسألة ذو فرض  فمسائله: زوج، وأم، وجد، وأخ: للزوج النصف، وللأم الثلث، تبقى سدس فهو للجد، وقد سقط الأخ ","part":1,"page":280},{"id":777,"text":"زوج، وبنت، وأم، وجد، وأخ: للزوج الربع، وللبنت النصف، وللأم السدس، والباقي ليس سدسًا كاملاً، فيفرض للجد السدس، وتعول المسألة، ويسقط الأخ \rزوج، وجد، وأخ: للزوج النصف، والباقي بينهما؛ لأنه خير من السدس وثلث ما يبقى \rزوج، وجد، وأخوان: للزوج النصف، وقد استوى القسمة وثلث ما يبقى والسدس، فله السدس \rزوج، وجدة، وجد، وأخوان: للزوج النصف، وللجدة السدس، وللجد السدس، فإنه خير من القسمة وثلث ما تبقى \rفأما المعادّة   فمسائلها : جد، وأخ وأخت لأب وأم، وأخ لأب: للجد الثلث فإنه خير له، وإنما صار خيرًا بمعادّة أولاد الأب، والباقي بين أولاد الأب والأم: للذكر مثل حظ الأنثيين \rامرأة، وجد، وأخ من أب وأم، وأخت  من أب: للمرأة الربع، والباقي بين الجد والأخ والأخت على خمسة، أصلها من أربعة، وتصح من عشرين، ثم ترد الأخت نصيبها \rأخت لأب وأم، وأخت لأب ، وجد: المال بينهم على ستة، ثم يرد أولاد الأب على الأخت للأب والأم مقدار ما يكمل به النصف، فيبقى في أيديهم سهم على ثلاثة، أصلها من ستة، وتصح من ثمانية عشر \rجد، وأم، وأخ وأخت من أب، وأخت لأب وأم: للأم السدس، والباقي بين الجد، والجميع على ستة، يستوي فيها القسمة وثلث ما بقي، وهما خير من السدس، ثم يرد على ولد  الأب والأم مقدار كمال النصف، فيبقى في يد أولاد الأب سهم ينكسر على ثلاثة، فتصح المسألة من أربعة وخمسين \rجد، وأخت لأب وأم، وأربع أخوات لأب: فيفرض للجد الثلث؛ فإنه خير له، فإذا فرض الثلث فلا معنى لتقدير المقاسمة، فللأخت للأب والأم النصف، والباقي للأخوات \rجدة، وجد، وأخت لأب وأم، وأربع أخوات لأب: للجدة السدس، وللجد ثلث ما تبقى؛ فإنه خير، وللأخت للأب والأم النصف، والباقي للأخوات من الأب أصلها من ثمانية عشر، وتصح من اثنين وسبعين \r\rالباب السادس: في اجتماع القرابتين، أو انقسام القرابة الواحدة\rوفيه فصلان:","part":1,"page":281},{"id":778,"text":"الفصل الأول: في اجتماع القرابتين\rوذلك إنما يفرض  في أنكحة المجوس ، ولا يفرض في أنساب المسلمين إلا بالوطء بالشبهة ، وذلك مثل أم هي أخت لأب، وبنت هي أخت لأب، وبنت هي أخت لأم، وجدة هي أم الأم، وهي مع ذلك أخت لأب، ونحو ذلك، فإذا اتفق في قريب مثل ذلك فمذهب الشافعي رحمه الله أنه لا يورث بهما ، خلافًا لعلي، وابن مسعود، وأبي حنيفة؛ فإنهم ورّثوا القرابتين \rوإنما يورثه الشافعي بأثبتهما ، والاعتبار عنده في أثبت القرابتين بأمرين :\rأحدهما: أن يجتمع فيه قرابتان لا تُسقط إحداهما الأخرى، ولكن إحداهما أقل سقوطًا، فالتوريث بها ، مثل أخت لأب هي أم الأم، فإن الأخت لا تسقط الجد، ولا الجدة تسقط ، إلا أن الأخت تسقط مع الابن، وابن الابن، والأب والجدة التي هي أم الأم لا تسقط إلا بالأم، فإذا كان كذلك ورثت بأنها جدة ولم ترث بالإخوة \rوكذلك إن خلّف أمًا هي أخت لأب ورثت بأنها أم، وإن خلّف أمًا هي أخت لأب، وأختًا أخرى هي أخت لأم، فللتي هي أم الثلث بالأمومة، والأخرى النصف، ولا تحجب الأم نفسها من الثلث إلى السدس، ولا ترث بأنها أخت  هذا أصل الشافعي رحمه الله  والمشهور من مذهب زيد يوافقه، وقد روى ابن أبي ليلى عن الشعبي عن زيد أنه قال في أعمام أحدهم أخ لأم: للذي هو أخ لأم السدس، والباقي بينهم \rوالعم لا يكون أخًا من أم في نكاح المسلمين؛ لأنه إنما يحدث مثله إذا تزوج الرجل بامرأة ابنه أو امرأة أبيه، فولد له من كل واحدة ولد ، وهذه الرواية تدل على التوريث بالقرابتين، والرواية الأولى أصح \rوتفصيل الغرض من هذا يتهذب برسم  أربع مسائل:","part":1,"page":282},{"id":779,"text":"المسألة الأولى: أن يتزوج المجوسي بابنته، فإذا ولدت بنتًا ومات الواطئ فقد خلّف بنتين فلهما الثلثان، ولا نظر إلى الزوجية  فإن ماتت العليا بعد الأب فقد خلفت بنتًا هي أختها من الأب فلها النصف بالبنوة فقط  وقال أبو حنيفة رحمه الله: الباقي لها بالإخوة \rولو ماتت السفلى أوّلاً بعد موت الأب، فقد خلفت أمًا هي أخت لأب، فلها الثلث بالأمومة فقط  وقال أبو حنيفة: لها الثلث بالأمومة والنصف بالإخوة \rالمسألة الثانية: لو تزوج مجوسي بنته فأولدهًا بنتًا، ثم تزوج بالبنت السفلى فولدت بنتًا، فمات الواطئ فقد خلّف ثلاث بنات، فلهن الثلثان ، فلو ماتت الكبرى بعده فقد خلفت بنتًا هي أخت لأب، وبنت بنت هي أخت لأب، فللبنت النصف بالبنوة والباقي لبنت البنت بالإخوة  وقال أبو حنيفة: الباقي بينهما نصفان؛ لاستوائهما في الأخوة ، فلو ماتت الوسطى دون الكبرى فقد خلّفت أمًا هي أخت لأب، وبنتًا هي أخت لأب فقد سقطت الأخوة في الطرفين، فللأم السدس وللبنت النصف فقط ، وقال أبو حنيفة: الباقي أيضًا بينهما بالأخوة على السواء ، فلو ماتت الصغرى دون الكبرى والوسطى فقد خلّفت أمًا هي أخت لأب، وجدة هي أخت لأب، فللأم الثلث بالأمومة، وللجدة النصف بالأخوة؛ فإن الجدودة ساقطة بالأم ، وعند أبي حنيفة للأم السدس؛ إذ معها أختان لأب هي إحداهما \rالمسألة الثالثة: تزوج أمه فأولدها بنتًا، فمات الواطئ، فقد خلف أمًا هي امرأته، وبنتًا هي أخته لأم، فللبنت النصف، وللأم السدس، وليس للأم شيء بالزوجية، ولا للبنت بأخوة الأم \rفلو ماتت الأم بعد ذلك، فقد خلّفت بنتًا هي بنت ابن، فلها النصف بأنها بنت، والباقي للعصبة ،  وقال أبو حنيفة: لها النصف بالبنوة، ولها السدس تكملة الثلثين؛ لأنها بنت ابن ","part":1,"page":283},{"id":780,"text":"المسألة الرابعة: تزوّج بأمّه، فأولدها بنتًا، [ثم تزوج البنت فأولدها بنتًا] ، فمات الواطئ: فقد خلّف أمًا وبنتين، فللأم السدس، وللبنتين الثلثان، فلو ماتت بعد ذلك فقد خلّفت بنتًا هي بنت ابن، وبنت بنت هي بنت ابن، فللبنت النصف؛ بأنها بنت، ولبنت البنت السدس تكملة الثلثين بين البنت وبنت الابن نصفان؛ لأنهما ابنتا ابن، والباقي للعصبة \r\rالفصل الثاني: في انقسام القرابة\rوذلك بالزنا واللعان ؛ فإن قرابة ولد الزنا تثبت مع الأم، فيرثها وترثه ، ولا تثبت مع الزاني، فلا ميراث بينهما ، وكذا ولد الملاعنة يرث من الأم دون الأب \rثم إذا ورثت الأم، ورث كل من يدلي بالأم، وهم: إخوة الأم ، وأب الأم لا يرث؛ لأنّ الأم ليست عصبة عندنا  وقال ابن مسعود: جميع المال للأم؛ لأنها عصبة في هذه الصورة عنده، ثم يصرف إلى عصباتها إن لم تكن الأمّ ، وبيانه بمسائل:\rإحداها: مات ولد الملاعنة وخلّف أُمّه: فلها الثلث عندنا، والباقي للمولى، أو لبيت المال  وعند أبي حنيفة: الباقي يرد عليها  وعند ابن مسعود: جميع المال لها بالعصوبة \rالثانية: مات وخلّف أخًا لأم: فله السدس عندنا، وإن كانا أخوين  فلهما الثلث، والباقي لبيت المال ، وعند أبي حنيفة: يرد عليهم ، وإن كان أخًا وأختًا فكذلك عندنا ، وعند أبي حنيفة يرد عليهم ، وعند ابن مسعود: الباقي للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأنهما عصبة الأم ، وفي رواية أخرى أن الباقي للأخ دون الأخت، كابن الأخ، وبنت الأخ في هذه المسألة ","part":1,"page":284},{"id":781,"text":"المسألة الثالثة: مات وخلّف أمًا وأخوين:  فلها السدس؛ لأجل الأخوين، ولهما الثلث، والباقي لبيت المال  وعند أبي حنيفة: الباقي يرد عليهم  وعند ابن مسعود: الكل للأم؛ لأنها عصبته  الأقرب ، ولا فرق بين ولد الملاعنة وولد الزنا في هذه المسائل عندنا ، وعند أبي حنيفة ، وفرّق مالك فقال: لو ولدت امرأة توأمين من الزنا لم يكن أحدهما عصبة الآخر، بل يرث بقرابة الأم، ولو ولدت الملاعنة توأمين فإن أحدهما عصبة الآخر؛ لأن النسب عن الزاني منقطع ، وعن الملاعن بعرض الثبوت ، وهذا وجه لأصحابنا \r\rالباب السابع: في دوافع الميراث مع وجود القرابة\rوالموانع من الميراث مع جريان القرابة أربعة:\rالمانع الأوّل: اختلاف الملة، فلا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر  وقال معاوية ، ومعاذ، ومسروق ، والحسن: المسلم يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم؛ كما يجوز لنا نكاح نسائهم، ولا يجوز لهم نكاح نسائنا \rفأما اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان كلهم يتوارثون، والكفر كله ملة واحدة عند الشافعي رحمه الله ، وفي هذا المعنى قال الله تعالى: {   } ، سلك به مسلك دين واحد  وقال ابن أبي ليلى، وشريح : لا يتوارث أهل ملتين شتى ، وعندنا ذلك محمول على الكفر والإسلام، فإذا تحاكموا إلينا ورّثنا بعضهم من بعض، من غير نظر إلى اختلاف دين \rوفي توريث الذمي من الحربي قولان:\rأحدهما: الجريان ؛ لاتحاد الدين \rوالثاني: أنه لا يجري ؛ لأن حكمنا لا يمتد إليهم \rفإن تحاكم إلينا أهل الحرب في الميراث وتصور ذلك، ورثنا بعضهم من بعض ، ومن دخل إلينا برسالة، أو أمان، أو تجارة فحكمه حكم أهل الذمة  قال ابن سريج: قياس قول الشافعي أن لا يرث المستأمن من الذمي، ولا الذمي من  المستأمن وروى غيره عن الشافعي رحمه الله خلاف ذلك، والصحيح توريث بعضهم من بعض  هذا كله في الكفر الأصلي","part":1,"page":285},{"id":782,"text":"فأما المرتد فلا يرثه مسلم ولا كافر، ولا يرث هو أيضًا ، ولكنّ ماله موقوف، فإن أسلم فهو له، وإن مات أو قتل فهو فيءٌ للمسلمين ، ولا فرق في ذلك بين ما اكتسبه في الردة وبين ما اكتسبه قبلها ، وإن كان ورثته قد استهلكوا شيئًا من ماله ضمنوه؛ لأن ذلك صار فيئًا للمسلمين لا حق فيه لأقربائه ، والقول في الزنديق  كالقول في المرتد ، وإن مات لهما مورّث قبل رجوعهما إلى الإسلام لم يرثاه بحال \rالمانع الثاني: الرق والرقيق لا يرث، ولا يورث ، قنًا كان، أو مدبّرًا، أو مكاتبًا، أو أم ولد، سواء قلنا يملك بالتمليك أو قلنا لا يملك؛ لأن ملكه وإن قيل به ليس ملك قرار فيقبله السيد ، وأما المعتق نصفه فلا يرث عندنا ، وقال علي ، وابن أبي ليلى ، وعثمان ، والمزني: يرث \rوهل يورث ما ملكه بنصفه الحر قال في القديم: لا يورث ؛ كما لا يرث، وقال في الجديد: يورث ؛ لأنه مالك \rالتفريع: إن قلنا: لا يورث، ففيما خلّفه وجهان، أحدهما: أنه لمالك الرق ، والثاني: لبيت المال  وإن قلنا: يرثه ورثته، ففي القدر الموروث وجهان:\rأحدهما: أنه يرثه جميع ما ملكه بنصفه الحر \rوالثاني: أنه يقسم بينه وبين السيد ؛ لأن سببه الموت، والموت حل جميع بدنه، وهو ينقسم إلى حر ورقيق، فإن ما خلّفه يستحيل أن يقال هو مضاف إلى نصفه، بل هو مضاف إلى كله ","part":1,"page":286},{"id":783,"text":"المانع الثالث: القتل والقتل قسمان: مضمون، وغير مضمون  فالمضمون يحرم الميراث، سواء كان مضمونًا بالقصاص  أو الدية، أو الكفارة ، ولا فرق بين أن يكون خطأً أو عمدًا، ولا فرق بين أن يكون القاتل صبيًا أو بالغًا، عاقلاً أو مجنونًا ، ولا فرق بين أن يقع القتل بسبب أو مباشرة ؛ لعموم قوله عليه السلام: >ليس للقاتل من الميراث شيء< ، وقال عثمان: الخطأ لا يوجب الحرمان  وقال مالك: المخطئ لا يرث الدية؛ فإنها حصلت بفعله، ويرث غيره  وقال أبو حنيفة: لا يتعلق الحرمان بقتل الصبي والمجنون \rفأما القتل الذي ليس بمضمون : ينقسم إلى ما لا يسع تركه، وإلى ما يسع تركه، فما لا يسع تركه كالحدود إذا أقامها من هو أهل  لها ففيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: الحرمان؛ لعموم النص \rوالثاني: أنه لا يحرم ؛ لأن الإمام لا يجد بدًا من إقامته \rوالثالث: أنه إن ثبت بإقراره لم يحرم، وإن ثبت بالبينة فيحرم؛ إذ يتطرق إليه تهمة \rفأما ما يسع تركه فينقسم إلى ما يوصف بكونه مستحقًا، وفيه وجهان مرتبان على الحد وأولى بالحرمان ، وما لا يوصف بالاستحقاق كدفع الصائل، ويتهم في زيادته على الحاجة، ففيه خلاف مرتب على القصاص كذلك وأولى بالحرمان ، وقتل العادل الباغي يلحق بقتل الصائل القاصد، وقتل الباغي العادل إن جعلناه مضمنًا فيوجب الحرمان، وإلا فوجهان مرتبان على العادل وأولى بالحرمان ، والمكره إذا قتل حميمه وضمناه، وإن لم نضمنه نحرمه في الظاهر؛ لأنه إثم وفيه وجه بعيد أنه لا يحرم ","part":1,"page":287},{"id":784,"text":"المانع الرابع: اشتباه تقديم الموت وتأخيره، مثل أن يهلك جمع من الإخوة تحت هدم، أو غرق، أو معركة، أو في سفر وغيبة، ولم يتوقع الاطلاع على المتقدم: يقدر في كل واحد كأنه لم يخلف الآخر ، وكذلك لو علم السبق، ولكن أشكل السابق ، وقد ذكرنا في مثل هذه الصورة في النكاحين ، والجمعتين  قولين؛ لأن فسخ النكاح وتدارك الجمعة ممكن، والوجه أبدًا لا وجه له  وتردد الشيخ أبو محمد، ففيما إذا تعين السابق عندنا ثم نسيناه على وجه لا يتوقع دركه، والوجه القطع بأنّ التوقف لا معنى له، فنقدره معدومًا، ولا يورث ميت من ميت \rوقال عمر ، وابن مسعود ، وبعض أهل الكوفة: إنهم يتوارثون في هذه الصورة ، ولكن إنما يرث كل واحد تليد مال صاحبه دون الطريف، والمراد بالطريف ما ورثه عن صاحبه في الحال ، وما ذكروه يؤدي إلى محال؛ لأنه لو فرض أخوان معتقان لمعتقين ماتا معًا ولأحدهما ألف دينار ولا شيء للآخر فعندهم يرث الذي لا شيء معه جميع الألف، ثم يرجع منه إلى معتقه فيحصل معتق المعسر على ألف، ولا يتحصل معتق الموسر على شيء، فالوجه أن لا نورث ميتًا من ميت كما ذكرناه \r\rالباب الثامن: فيما يوجب التوقف في الميراث إما في بعضه أو كله\rوسبب التوقف إشكال لا محالة، والإشكال تارة يكون في وجود الوارث وحياته كالمفقود ، وتارة في نسبه، كما إذا اشترك واطئان في طهر واحد ، وتارة في الذكورة والأنوثة، وذلك بأن يكون الولد مجتبًا بعد، أو يكون خنثى \rفأمّا الإشكال في الوجود كما في المفقود والأسير الذي لا يعرف خبره، فلهؤلاء حكمان، أحدهما: نورثهم، والثاني: التوريث عنهم","part":1,"page":288},{"id":785,"text":"فأما الميراث عنهم فلا مطمع فيه مع الإشكال، بل ماله الخاص موقوف إلى أن يستيقن موته، أو مضي مدة يؤدّي اجتهاد الحاكم إلى أنه لا يعيش أكثر منه ، واعتبار المدة من وقت الولادة لا من وقت الفقد ، فإذا حكم بموته قسمت تركته بين ورثته الأحياء وقت الحكم، ولا  شيء لمن مات قبله \rفأما ميراث المفقود عن غيره، فإذا مات له مورّث بعد فقده، وقبل الحكم بموته، فيوقف نصيبه، فإن تبيّنا كونه حيًا وقت الحكم له بالموت فهو له، وإن مات بعده فلورثته، وإن بان أنه كان ميتًا، أو مضت مدة لا يعيش مثله إليها، ولم تظهر حياته، عاد الموقوف في الحالتين إلى الباقي هذا حكم نصيب المفقود \rفأما الورثة الحاضرون: فلا يصرف إليهم إلا الأقل المستيقن، فإن كان الوارث يسقط بالمفقود فلا يصرف إليه شيء، وإن كان لا يسقط ولا ينتقص  نصيبه، فيصرف إليه نصيبه، وإن كان ينتقص فيؤخذ بالأقل ، ويجوز للحاضرين من الورثة أن يصطلحوا فيما زاد على نصيب المفقود من الموقوف إذا كان الحق لا يعدوهم  هذا هو المذهب، وهو الاقتصار على الأقل كما ذكرناه \rوقد خرّج بعض أصحابنا وجوهًا نبينها في مثال، وهو: إذا ماتت امرأة وخلّفت زوجًا، وأختين لأب وأم حاضرتين ، وأخ لأب وأم مفقود، فإن كان ميّتًا فللزوج النصف، وللأختين الثلثان، والمسألة تعول من ستة إلى سبعة ؛ وإن كان حيًا فللزوج النصف كاملاً غير ناقص، وللأختين ربع المال، وهو نصف النصف الموزع عليهم \rوالصحيح أن للزوج ثلاثة أسباع، وهو النصف عائلاً؛ لأنه الأقل، وللأختين الربع، والربع الآخر يوقف إلى البيان ","part":1,"page":289},{"id":786,"text":"ومن أصحابنا من قال: للزوج النصف كاملاً؛ لأن الظاهر أنه حي فلا ينقص نصيبه إلا بيقين، وللأختين الربع بناء على أنه حي، فإن ظهر خلافه غيّر الأمر إذ ذاك ، وعلى هذا هل يطلب من الزوج كفيل بالمقدار المشكوك فيه، وهو نصف سبع فعلى قولين  ففي هذا الجواب يقدر المفقود حيًا في الحال، ومن أصحابنا من قال: يقدر المفقود في الحال  ميتًا، فللزوج ثلاثة أسباع المال، وللأختين أربعة أسباعه، فإن انكشف الحال عن حياته غيّرنا الواقعة ورجعنا إلى تقدير الحياة ، والصحيح هو الأول \rالسبب الثاني للتوقف: إشكال النسب في صورة يحتاج إلى القائف والأمر في الميراث قبل البيان موقوف إلى العرض على القائف، وتفصيله مذكور في موضعه ، والنظر إلى الأقل والاحتياط في التوقف في هذا الإشكال كهو في المفقود \rالسبب الثالث للتوقف: اشتمال الرحم على حمل، فيشكل أصل الميراث؛ إذ ليس يدرى موته وحياته، ويشكل قدره؛ إذ لا يعرف ذكورته وأنوثته، وعلى الجملة الجنين يرث بشرطين:\rأحدهما: أن يكون موجودًا وقت الموت \rوالثاني: أن ينفصل حيًا \rأما الشرط الأول: فيظهر بانفصاله لما دون ستة أشهر ، فإن أتت به لأكثر من أربع سنين لم يلحق ، وإن أتت بما بينهما فالميراث موقوف ثابت؛ لأن النسب ثابت، والميراث يتبعه ، وهذا لا يخالف حكمنا باتباع اليقين؛ فإنّا نتبعه","part":1,"page":290},{"id":787,"text":"الشرط الثاني: أن ينفصل حيًا فلو مات عقيب الانفصال لم يضر ، وتتبين حياته بأن يصرخ، ويستهل، وكذلك إن طرف، وفتح العين، وثاب، وامتص الثدي ، وكل ذلك علامات الحياة، واختلف قول الشافعي رحمه الله في مجرد الاختلاج والحركة ، والوجه أن يقال: إن كانت الحركة من قبل اختلاج عضلة من عضلاته يفرض مثله من تقلص عصب فليس هذا في محل القولين ، بل هذا لا أثر له، وإن فرض منه بسط يد وقبضها فينبغي أن يحكم بالحياة، وإنما ينبغي أن يفرض الاختلاف في حركة تدور بين هذين الجنسين، وكان حاصله راجع  إلى أن غلبة الظن هل يكتفى بها في هذا المقام \rفأمّا إذا أجهضت جنينًا ميتًا بجناية جان فلا ميراث له ، وليس إيجاب الغرة  حكمًا بحياته ، بل إيجابه بسبب دفعه الحياة عنه  فإن قيل: فلم تورث الغرّة وتوزع على أقارب الجنين قلنا: لأنه أولى المصارف؛ إذ لو انسلك الحياة فيه لصرف إليهم \rفرع: لو برز نصف الجنين فاستهل، وانفصل كاملاً ميتًا، فالذي صار إليه صفو الأصحاب أنه لا يوّرث ما لم ينفصل حيًا على الكمال  وقال القفال وطوائف من المحققين: إنّا نحكم بالحياة والإرث؛ لاستيقان الحياة  فإن قيل: فكم يوقف لأجل الحكم قلنا: يؤخذ بأضر التقديرات على الورثة، وذلك يختلف بالعدد والصفة ، وأقصى ما يتوهم في العدد أربعة، فيقدر ذلك ، وأما الذكورة والأنوثة فتختلف الأحوال، فيقدر أضرها  وقال أبو يوسف: يقدر ولد واحد؛ لأنه الغالب ، وقال محمد بن الحسن: يقدر اثنان؛ لأن التوأمين ليس بعيدًا في الوقوع، والزيادة عليه بعيد ، وعندنا يقدر الأربع \rويتهذب الغرض بمسائل وأمثلة:\rمات وخلف أخًا، وامرأة حاملاً، للزوجة الثمن، وليس للأخ شيء في الحال؛ لاحتمال أنه ابن ","part":1,"page":291},{"id":788,"text":"خلّف أبوين، وامرأة حاملاً، أعطي كل واحد من الأبوين السدس عائلاً من سبعة وعشرين؛ لاحتمال أن يكون الحمل بنتين، وتكون المسألة من أربعة وعشرين، وتعول إلى سبعة وعشرين، للأب أربعة، وللأم أربعة، وللمرأة ثلاثة، ولكل واحد من البنتين ثمانية\rفإن قيل: المقدار المستيقن للورثة هل يسلطون عليه قبل الانفصال قلنا المذهب أنهم يسلطون عليه\rوحكى الصيدلاني عن القفال: أنه قال: نقف جميع التركة إلى انفصال الجنين، ويقول: ربما يتطرق آفة إلى الموقوف، وحق الحمل يبقى في المصروف إليهم، فيسترجع من أيديهم، ولا معنى للتسليط مع التوقف؛ وحقق ذلك بأن الإمام ليس وليّ الحمل حتى يحمل ذلك على قسمة الحقوق، ولذلك لا يتصرف في مال الحمل تصرفه في مال الأطفال وما ذكره القفال مأخوذ عليه، غير معدود من المذهب؛ فإنهم إذا التمسوا من الإمام تسليم المستيقن وجب عليه القسمة والتسليم، وللإمام أن يقسم مالاً مشتركًا بين غائب وحاضر، وإن كان لا يتصرف في مال الغيّب تصرفه في مال الأطفال\rفإن قيل: ومتى يجب التوقف قلنا: إذا بدا مخايل الحمل، أو كانت امرأة قريبة العهد بوطء يحتمل منه العلوق، فإن ادعت من غير مخيلة ظاهرة ففي هذا تردد، ويحتمل الاعتماد على قولها؛ لاختصاصها بدرك علامات خفية\rالسبب الرابع في التوقف: الخنوثة\rوالخنثى المشكل ينقطع الإشكال عن حاله بذكر علامات ذكرنا بعضها في كتاب الطهارة، ونذكر بعضها في كتاب الجراح، ونقتصر الآن على التعرض لحكم الإرث مع دوام الإشكال، ولا إشكال في التوريث منه؛ فإنه لا يكون في المسألة زوج ولا زوجة؛ إذ لو كان لظهر إحدى حالتيه لا محالة، وكذلك إذا كان هو الوارث ولكنه يرث بولاء الإعتاق، أو كان من أولاد الأم لم يختلف الأمر به؛ إذ لا نفرق بالذكورة والأنوثة","part":1,"page":292},{"id":789,"text":"وإن كان ميراثه يختلف بالذكورة والأنوثة، فمذهب الشافعي فيه الإسناد إلى اليقين، فإن كان يرث في حالة ولا يرث في أخرى وقف نصيبه؛ إذ ليس يستبين له شيء فلا يدفع إليه شيء ، وإن كان يرث في الحالتين ولكنه يقل ويكثر نصيبه باختلاف الأحوال فيصرف إليه  ما هو أضر عليه؛ فإنه المستيقن والزائد فيه [شك] ، هذا حكمه في نفسه\rأما حكم غيره من الورثة معه فإنه ينظر فيه، فكل من لا يتغير ميراثه بكون الخنثى  ذكرًا أو أنثى دفع إليه ميراثه كاملاً، ومن كان معه يتغير ميراثه بذلك نظر؛ فإن كان يرث مع الخنثى في إحدى حالتيه ولا يرث في الأخرى وقف نصيبه، وإن ورث  في حالتيه ولكنه يرث في إحداهما أقل صرف إليه الأقل، ووقف الباقي إلى الصلح  وذكر الأستاذ أبو منصور  مذهبين من تخريج الأصحاب:\rأحدهما: أنه يدفع إلى الخنثى أقل ما يصيبه في الأحوال، ويدفع الباقي إلى شركائه؛ لأن حجبهم عن ذلك القدر غير مستيقن  والآخر أنه نقل عن أبي ثور عن الشافعي أنه يوقف نصيب الخنثى إلى موته، فإذا مات رُد الموقوف إلى بقية الورثة ؛ إذ لم يبن استحقاقه فصار كاستبهام أمر الغرقى، ولا  اعتماد على التخريجين ، وإنما المذهب ما نقلناه أولاً \rوأما أبو حنيفة فإنه صرف إلى الخنثى ما يقتضي الأقل، إلا أنه صرف الباقي إلى العصبة إن كان في المسألة عصبة، ولم يقف شيئًا من الميراث \rوقال قوم من البصريين: فرض الله تعالى للذكور والإناث، وهذا ليس بذكر ولا أنثى فلا ميراث له إلا أن [لا]  يكون للميت غيره، فهو إذ ذاك أقرب الناس إليه \rوقال الشعبي: يدفع إلى الخنثى نصف ميراث ذكر، ونصف ميراث أنثى ، وبه قال الأوزاعي، والثوري ، وابن أبي ليلى ، وشريك ، ونعيم ، ويحيى بن آدم ، والعنبري ، وجماعة من الكوفيين ","part":1,"page":293},{"id":790,"text":"وفي تفصيل هذا المذهب كلام، وللعلماء سوى ما ذكرناه مذاهب اقتصرنا على هذا، ومذهب الشافعي أقومها؛ فإن اليقين إذا انتفى فالوقف أحسن الأحوال \rمسائله: رجل مات وخلف أخًا لأب وأم، وولدًا خنثى:  فلا شيء للأخ؛ لاحتمال أنه ذكر، وهو به ساقط، وللخنثى نصف المال؛ فإنه مستيقن على الحالتين \rولدان خنثيان، وعم لأب وأم: للولدين الثلثان، والباقي موقوف بينهما وبين العم \rثلاثة أولاد خناثى، وعم: يدفع إليهم ثلاثة أخماس المال، لكل واحد خمس؛ لاحتمال أن كل واحد أنثى، وصاحباه ذكران، فتكون المسألة خمسة، ويوقف بين الخناثى ما بين ثلاثة أخماس المال إلى الثلثين لا حق للعم فيه، ويوقف الباقي بينهم وبين العم \r\rأما حساب التصحيح فطريقه: أن تصحح فريضة تقدير الأنوثة، وفريضة تقدير الذكورة، وتطلب بينهما المماثلة، والمداخلة، والموافقة، والمخالفة، كما سنذكرها في باب الحساب ، وإذا كان للخنثى ثلاثة أحوال فتصحح الفريضة بتقدير كل حال، وتضرب البعض في البعض ، بيانه في مسألة ولدين خنثيين وعصبة، فتتصور للمسألة أربعة أحوال : إحداها أن يكونا ذكرين، فلهما المال، والفريضة من اثنين ، أو يكونا أنثيين فلهما الثلثان، والفريضة من ثلاثة ، أو يكون الأصغر ذكرًا والأكبر أنثى، فالفريضة من ثلاثة أو على العكس منه، فالفريضة من ثلاثة ، فقد تحصلنا على ثلاثة مرار، فنكتفي  بواحد، وتحصلنا على اثنين مرة واحدة، فنضربهما في ثلاثة، فهي ستة، فلهما الثلثان لكل واحد سهمان، ويوقف سهمان، فإن بانت ذكورة أحدهما سلم إليه من الموقوف سهم ليكمل له النصف؛ فإنه الأقل، وينقطع أصل العصبة ، هذا طريق تصحيح المسألة ","part":1,"page":294},{"id":791,"text":"وفي المثال الثاني، وهو ثلاثة خناثى، وعصبة: ثمانية أحوال، وكلما زاد خنثى تضاعفت الأحوال ، وللخنثى الواحد حالتان، وللاثنين أربعة، وللثّلاثة ثمانية، وللأربعة ستة عشر، وعلى هذ الحساب أمر الخناثى ،  وكذلك الحمل المجتن فإن ذكورته وأنوثته في الإشكال، وتصور قطع الإشكال على الأحوال  ، غير أن الأحوال وإن كانت ثمانية فما تختلف به الفريضة من الأحوال أربعة؛ لأن الفريضة لا تختلف بذكورة الأصغر أو الأكبر إحدى الأحوال الأربعة ، إلا أن يكونوا ذكورًا، فالمال بينهم على ثلاثة \rأو يكونوا إناثًا، فلهن الثلثان، والباقي للعصبة، أصل المسألة من ثلاثة، وتصح من تسعة  أو يكون ذكرا وأنثيين، فالقسمة تصح [من أربعة، أو يكون أنثى، وذكرين، فالقسمة تصح من]  خمسة، فقد تحصلنا على أربعة أعداد: ثلاثة، وأربعة، وخمسة، وتسعة، إلا أن الثلاثة داخلة في التسعة فتسقطها، فيبقى ثلاثة أعداد، نضرب أربعة في خمسة، فتصير عشرين، فنضرب عشرين في تسعة فتصير مائة وثمانين، فمنها تصح المسألة في الأحوال كلها، وفي الحال يصرف إلى كل واحد خمس المال، وهو ستة وثلاثون، والباقي موقوف \rمثال آخر: خلّف ولدًا خنثى من الصلب، وولد ابن خنثى، وعصبة فنتصور أربع  حالات:\rإحداها: أن يكونا ذكرين، فالمال لولد الصلب، والفريضة من واحد\rالثانية: أن يكون ولد الصلب ذكرًا دون الآخر، فله المال كله والفريضة من واحد\rالثالثة: أن يكونا ابنتين، فللبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، والباقي للعصبة، والمسألة من ستة ","part":1,"page":295},{"id":792,"text":"الرابعة: أن يكون ولد الصلب أنثى، وولد الابن ذكرًا: أصل المسألة من اثنين للبنت النصف، والباقي لابن الابن فقد تحصلنا على ثلاثة أعداد، الواحد، والاثنين، والستة، والواحد يتكرر، فيكتفى بواحد مرة واحدة، واثنان داخل في الستة، وكذا الواحد، فتصح الفريضة من ستة، يدفع إلى ولد الصلب النصف، ويوقف السدس بينه وبين ولد الابن، ويوقف الثلث الباقي بين الجميع إلى أن ينكشف  الإشكال \rوعلى هذا المنهاج يجري حساب الحمل وتقدير أحواله إذا أردت تصحيح الحساب على التقديرات كلها \r\rالباب التاسع: في حساب الفرائض\rوفيه فصول:\rالفصل الأول في مقدرات الفرائض ومستحقيها، ومخارجها من الأعداد\rفأما المقدرات فهي ستة لا مزيد عليها: النصف، ونصفه وهو الربع، ونصف نصفه وهو الثمن، والثلثان، ونصفهما وهو الثلث، ونصف نصفه وهو السدس \rوقد زاد بعض الفرضيين سابعًا: وهو ثلث ما تبقى للأم بعد نصيب الزوج أو الزوجة في مسألة زوج وأبوين، وامرأة وأبوين، ولا حاجة إليه؛ فإن ذلك إما أن يكون ربعًا لجملة المال، أو سدسًا \rأما مستحقوها: فاعلم أن النصف فرض خمسة: البنت، وبنت الابن، والأخت للأب والأم، والأخت للأب، والزوج على تفصيل ذكرناه \rوالربع فرض شخصين: الزوج في حالة، والزوجة في حالة \rوالثمن فرض الزوجة في حالة فقط \rوالثلثان فرض أربعة: البنتين، وبنتي الابن، والأختين للأب والأم، والأختين للأب فصاعدًا \rوالثلث فرض اثنين: الأم في حالة، والإخوة للأم \rوالسدس فرض سبعة: الأم في حالة، والأب في حالة، والجد، والجدة، وبنت الابن مع بنت الصلب تكملة الثلثين، والأخت للأب مع الأخت للأب والأم تكملة الثلثين، وللواحد من الإخوة والأخوات من الأم \rوقد ذكر الله تعالى هذه الفروض في ثلاثة عشر موضعًا من كتابه ، فلم نطنب بإيراده","part":1,"page":296},{"id":793,"text":"أما مخارج هذه المقدرات من الأعداد وهي الأصول التي هي الفرائض عليها سبعة، فإن كانوا عصبات فالمسألة من عدد رؤوسهم إن كانوا جنسًا واحدًا،  وإن كانوا ذكورًا وإناثًا فنقدر لكل ذكر اثنين، ولكل أنثى واحدًا، والمسألة تصح من العدد المقدر على هذا الوجه \rفأما إذا كان في الفريضة أصحاب السهام المقدرة فخروجها من سبعة أصول: اثنان، وثلاثة، وأربعة، وستة، وثمانية، واثني عشر، وأربعة وعشرين ، وزاد زائدون ثمانية عشر، وستة وثلاثين ، وذلك يفرض في مسائل الجد إذا طلب ثلث ما بقي \rوكل فريضة احتجنا فيها إلى نصف وما بقي كفريضة الزوج والأخ، وإلى  نصف ونصف، كالزوج والأخت، فأصلها من اثنين \rوكل فريضة احتجت فيها إلى ثلث وما بقي كأم وعصبة، أو إلى ثلث وثلثين كأختين لأب وأم، أو لأب مع اثنين من ولد الأم، فأصلها من ثلاثة \rوكل فريضة احتجت فيها إلى ربع وما بقي مثل زوجة وعصبة، أو ربع ونصف وما بقي مثل زوجة وأخت وعصبة فأصلها من أربعة \rوكل فريضة احتجت فيها إلى سدس وما بقي مثل أخ للأم وعصبة، أو إلى سدس ونصف وما بقي مثل أخ للأم وزوج وعصبة فأصلها من ستة \rوكل فريضة احتجت فيها إلى ثمن وما بقي مثل زوجة وابن، أو إلى ثمن ونصف وما بقي مثل زوجة وبنت وعصبة فأصلها من ثمانية \rوكل فريضة احتجت فيها إلى سدس، وربع، وما بقي، فأصلها من اثني عشر \rوكل فريضة احتجت فيها إلى ثمن وسدس وما بقي مثل زوجة وابن وأم، وإلى ثمن وثلثين وما بقي مثل زوجة وبنتين وعصبة فإن أصلها من أربعة وعشرين \rوكل فريضة احتجت فيها إلى السدس وثلث وما بقي فأصلها من ثمانية عشر \rوكل فريضة احتجت فيها إلى ربع وسدس وثلث ما بقي فأصلها من ستة وثلاثين \rوهاتان المسألتان تفرض في مسائل الجد على ما فصلناه \r\rالفصل الثاني: في العول","part":1,"page":297},{"id":794,"text":"والعول عبارة عن الرفع، يقال: عالت الناقة ذنبها إذا رفعته ، والعول في حساب  الفرائض بمعنى الرفع، وهو أن تضايق سهام المال عن الوفاء بأنصباء المستحقين من ذوي الفروض مزيد في المال ليدخل النقصان على الكل على وتيرة واحدة \rوقد ذكرنا أن أصول الحساب التي عليها وضع المسائل سبعة: اثنان، وثلاثة، وأربعة، وستة، وثمانية، واثني عشر، وأربعة وعشرون  فثلاثة من هذه الأعداد يدخلها العول وهي: الستة، والاثني عشر، والأربعة وعشرون؛ والأربعة الباقية لا يدخلها العول \rفالستة تعول إلى عشرة، فتعول بسدسها إلى سبعة، وبثلثها إلى ثمانية، وبنصفها إلى تسعة، وبثلثيها إلى عشرة \rوأما الاثني عشر تعول بالإفراد إلى سبعة عشر، فتعول إلى ثلاثة عشر، وإلى خمسة عشر، وإلى سبعة عشر، وهذه أفراد، ولا تعول إلى أربعة عشر، ولا إلى ستة عشر، وهما زوجان \rفأما الأربعة وعشرون: فإنها تعول مرة واحدة إلى سبعة وعشرين ، فالستة إذا عالت إلى سبعة، فإنما تعول بأن يكون في المسألة زوج وأختان، فللزوج النصف، وللأختين الثلثان أربعة ، وإذا عالت إلى ثمانية فمثل زوج، وأم، وأختين، فللزوج النصف ثلاثة، وللأختين الثلثان أربعة، وللأم السدس واحد ، وإذا عالت إلى تسعة فمثل زوج وأم وثلاث أخوات متفرقات، فللزوج النصف ثلاثة، وللأم السدس سهم، وللأخت للأب والأم النصف ثلاثة، وللأخت للأب السدس تكملة الثلثين، وللأخت للأم السدس \rفإذا عالت إلى عشرة فهو مثل زوج، وأم، وست أخوات متفرقات، فللزوج النصف: ثلاثة، وللأم السدس سهم، وللأختين للأم الثلث سهمان، وللأختين للأب والأم الثلثان: أربعة، وتسقط الأختان للأب \rوإذا عالت الستة إلى سبعة احتمل أن يكون الميت  ذكرًا وأنثى ، وإذا عالت إلى ثمانية وتسعة وعشرة لم يحتمل إلا أن يكون الميت أنثى ","part":1,"page":298},{"id":795,"text":"وأما الاثني عشر تعول إلى ثلاثة عشر، مثل زوجة، وأم، وأختين، فللزوجة : الربع، ثلاثة وللأم: السدس سهمان وللأختين: الثلثان ثمانية \rوتعول إلى خمسة عشر، مثل زوجة، وأم، وثلاث أخوات متفرقات، فللزوجة الربع: ثلاثة، وللأم سهمان، وللأخت للأب والأم النصف: ستة، وللأخت للأب السدس تكملة الثلثين: سهمان، وللأخت للأم السدس فرضها: سهمان \rوتعول إلى سبعة عشر، مثل زوجة، وأم، وست أخوات متفرقات، فللزوجة الربع، وللأم السدس سهمان، وللأختين للأب والأم الثلثان: ثمانية، وللأختين للأم الثلث: أربعة، وتسقط الأختان للأب \rوإذا عالت الاثني عشر إلى ثلاثة عشر، وخمسة عشر فيحتمل أن يكون الميت ذكرًا، ويحتمل أن يكون أنثى \rوإذا عالت إلى سبعة عشر، فلا يحتمل إلا أن يكون الميت ذكرًا ، ومثال هذه المسألة في المعاياة ، فيقال: رجل مات وخلّف سبع عشرة  امرأة، وسبعة عشر دينارًا، فخص كل واحدة منهن دينارًا واحدًا، فيقال في الجواب هو رجل مات وخلف جدتين، وثلاث زوجات، وثمان أخوات لأب وأم، وأربع أخوات لأم، فأصل المسألة من اثني عشر وتعول إلى سبعة عشر، للجدتين السدس: سهمان، لكل واحدة دينار، وللزوجات الربع: ثلاثة لكل واحدة دينار، وللأخوات للأم الثلث: أربعة لكل واحدة دينار \rفأما عول الأربعة وعشرين إلى سبعة وعشرين فهو مثل أن يخلّف زوجة، وبنتين، وأبوين، فأصلها من أربعة وعشرين، وتعول إلى سبعة وعشرين، للزوجة الثمن: ثلاثة، وللبنتين الثلثان: ستة عشر، والأبوين لكل واحد منهما أربعة ","part":1,"page":299},{"id":796,"text":"وقد اتفقت الصحابة على العول في عهد عمر | ، وذلك  أن امرأة ماتت وخلفت زوجًا، وأختين، فاستشار الصحابة، فأشار العباس |  إلى العول، فقال: صدقت، واتفقوا عليه، وكان ابن عباس رضي الله عنهما صبيًا، فلما بلغ خالف، وقال: من شاء باهلته، أن الذي أحصى رمل عالج  عددًا لم يجعل المال نصفًا وثلثين، فقيل: هلا قلت ذلك في عهد عمر قال: كنت صبيًا، وكان رجلاً مهيبًا فهبته  فعلى مذهبه يدخل النقصان على من هو أضعف في الاستحقاق، مثل بنت، وبنت ابن، مثلاً يدخل النقصان على بنت الابن، في تفصيل طويل مشكل لسنا لنشرحه \r\rالفصل الثالث: في تصحيح الحساب إذا انكسرت السهام على الرؤوس\rومن طلب المهارة في الحساب طال عليه الأمر، ولسنا للخوض فيه، ولكنا نجتزئ بما يقع الاكتفاء به في الفرائض\rوما تمس الحاجة إليه في الفرائض أمران:\rأحدهما: معرفة ما يخرج منه أصل المسألة من الأعداد كما فصلناه في الفصل الأول \rوالثاني: معرفة تصحيح الحساب إذا انكسر سهام أصل المسألة على رؤوس الورثة، والفصل معقود له\rفنقول: إذا عرفت أصل المسألة، ومقدار عولها إن كانت عائلة، فانظر: فإن انقسم سهام كل فريق على عدد رؤوسهم على الصحة من غير انكسار، فقد صحت المسألة من أصلها، ولا تحتاج إلى ضرب وقسمة \rوإن وقع كسر في قسمة السهام، فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه: إما أن يقع الكسر على فريق واحد ، أو على فريقين، أو على ثلاث فرق، أو أربع فرق، ولا يزيد الكسر على ذلك \rفإن وقع الكسر على فريق واحد، فانظر: فإن لم يكن بين سهام ذلك الفريق وبين عدد رؤوسهم موافقة، فاضرب عدد رؤوسهم في أصل المسألة وعولها إن كانت عائلة، فما بلغ منه تصح المسألة \rوإن كان بين سهامهم وعدد رؤوسهم موافقة بجزء، فاضرب وفق عددهم في أصل المسألة وعولها إن كانت [عائلة]  فما بلغ منه تصح المسألة \rفإن وقع الكسر على فريقين؛ فإن ذلك ينقسم إلى ثلاثة أقسام:","part":1,"page":300},{"id":797,"text":"أحدها: أن يكون سهام كل واحد من الفريقين مباينًا لعدد رؤوسهم غير موافق له بجزء، فإن كان كذلك فاترك كل فريق على حاله \rوالقسم الثاني: أن يكون سهام كل واحد من الفريقين موافقًا لعدد رؤوسهم، فإن كان كذلك فرد عدد كل فريق إلى وفقه \rوالقسم الثالث: أن يكون سهام أحد الفريقين موافقًا لعددهم بجزء، وسهام الفريق الآخر مباينًا لهم غير موافق، فإن كان كذلك فرد عدد الفريق الموافق إلى وفقه، واترك العدد المباين على حاله، فإذا فرغت من ذلك فانظر إلى ما حصل معك من عدد الفريقين، فإن كانا متماثلين فاطرح أحدهما، واكتف بالآخر، واضربه في أصل المسألة بعولها إن عالت، فما بلغ فمنه تصح المسألة \rوإن كانتا متباينتين، فاضرب أحدهما في الآخر، فما بلغ فاضربه في [أصل]  المسألة بعولها إن عالت، فما بلغ منه تصح المسألة ، وعلى هذا فقس إن وقع الكسر على ثلاث فرق، أو أربع  فرق، فانظر في سهام كل فريق وفي عددهم، فما اتفق منها بجزء فرد عددهم إلى وفقهم، وما باين سهامهم عددهم فاترك عددهم على حاله ثم انظر: فما حصل معك من أعداد الرؤوس، فما تماثل منها فاكتف بواحد منها، وما اتفق بجزء فاضرب وفق أحدهما في جميع الآخر ، وإن كانا متباينين فاضرب أحدهما في الآخر، وهكذا فافعل أبدا حتى يصير جميع أعداد الرؤوس عددًا واحدًا، فما بلغ فاضربه في أصل المسألة بعولها إن عالت فما بلغ فمنه تصح المسألة \rوإذا أردت  بعدما عرفت العدد الذي تصح منه المسألة، فخذ سهام كل فريق من أصل المسألة، فاضربه في عدد المنكسر، وهو العدد الذي ضربته في أصل المسألة، فما بلغ فاقسمه على  عدد ذلك الفريق، فما يخرج من القسمة فهو نصيب كل واحد من ذلك الفريق \rوإيضاح هذه التمهيدات بأمثلة نضربها في كل نوع من هذه المسائل:","part":1,"page":301},{"id":798,"text":"زوج، وبنت، وابن ابن: أصل المسألة من أربعة، للزوج سهم، وللبنت سهمان، والباقي لابن الابن، ولا كسر في المسألة، ولا حاجة إلى الضرب والقسمة \rبنت وابنا ابن: أصل المسألة من اثنين، للبنت النصف واحد، والباقي سهم لابني الابن، لا يصح على اثنين، ولا يوافق، فنضرب عدد رؤوسهم وهو اثنان في أصل المسألة فتصير  أربعة منها تصح، كان للبنت سهم ضُرب في اثنين فلها اثنان، وكان لابني الابن سهم ضُرب في اثنين فلهما اثنان لكل واحد سهم \rأم، وأربعة أعمام: أصل المسألة من ثلاثة: للأم الثلث، والباقي وهو سهمان للأعمام لا يصح على أربعة، ولكن يوافق بالنصف، فنضرب نصف عدد الأعمام وهو اثنان في أصل المسألة وهو ثلاثة، فيبلغ ستة، فمنه تصح المسألة، كان للأم من الأصل سهم في اثنين، فلها اثنان، وكان للأعمام سهمان ضُربت في اثنين فلهم أربعة لكل واحد سهم \rأخوان لأم، وثلاثة إخوة لأب: أصل المسألة من ثلاثة: للأخوين من الأم الثلث، سهم على اثنين لا يصح ولا يوافق، فقد وقع الكسر على جنسين لا موافقة بين السهام والعددين، فنضرب عدد ولد الأم وهم اثنان في عدد ولد الأب وهو ثلاثة فيبلغ ستة فنضربها في أصل المسألة وهو ثلاثة فيبلغ ثمانية عشر، فمنها تصح كان لولد الأم من أصل المسألة سهم في ستة فيكون لهما ستة لكل واحد منهما ثلاثة، وكان لولد الأب سهمان في ستة يكون اثني عشر لكل واحد منهم أربعة ","part":1,"page":302},{"id":799,"text":"ثلاث بنات، وبنت ابن، وابن ابن، أصلها من ثلاثة، للبنات الثلثان، سهمان على ثلاثة لا يصح ولا يوافق، والباقي سهم بين بنت الابن وابن الابن على ثلاثة، لا يصح ولا يوافق، فقد وقع الكسر على جنسين  من غير موافقة، لكن الجنسين يتماثلان؛ لأن كل واحد منهما على ثلاثة فنطرح أحدهما ونضرب أحدهما في أصل المسألة فتبلغ تسعة فمنها تصح كان للبنات من الأصل سهمان في ثلاثة ستة، لكل واحدة سهمان، وكان لولد الابن من الأصل سهم في ثلاثة، فيكون ثلاثة، لابن الابن سهمان، ولبنت الابن سهم \rثلاث بنات، وستة إخوة لأب: أصلها من ثلاثة: للبنات الثلثان، سهمان على ثلاثة لا يصح ولا يوافق، والباقي للإخوة، وهو سهم على ستة لا يصح، ولا يوافق، وأحد الجنسين يدخل في الآخر فنطرح الأقل، وهو ثلاثة ونضرب الأكثر وهو ستة في أصل المسألة فيبلغ ثمانية عشر، فمنها تصح كان للبنات من الأصل سهمان في ستة يكون لهما اثني عشر، لكل واحدة منهن أربعة، وكان للإخوة من الأصل سهم في ستة، يكون لهم ستة لكل واحد سهم \rزوج، وثمانية إخوة لأم، وتسع  أخوات لأب: أصلها من ستة، وتعول إلى تسعة: للزوج النصف، ثلاثة، وللإخوة من الأم  الثلث سهمان على ثمانية لا يصح، ولكن يوافق بالنصف، فنرد عددهم إلى وفقهم فيرجعون إلى أربعة، وللأخوات الثلثان أربعة على تسعة، لا يصح ولا يوافق فقد انكسر على جنسين أحدهما: أربعة، والآخر تسعة، ولا موافقة بينهما، فنضرب أحدهما في الآخر، فيبلغ ستة وثلاثين، فنضربها في أصل المسألة بعولها، وهو تسعة، فيبلغ ثلاث مائة وأربعة وعشرين، فمنها تصح كان للزوج ثلاثة مضروبة في ستة وثلاثين: يكون له مائة وثمانية، وكان للإخوة من الأم سهمان في ستة وثلاثين: يكون لهم اثنان وسبعون سهمًا على ثمانية، لكل واحد منهم تسعة، وكان للأخوات أربعة، في ستة وثلاثين: يكون لهم مائة وأربعة وأربعون، لكل واحدة منهم ستة عشر ","part":1,"page":303},{"id":800,"text":"زوج، وست أخوات لأم، وثماني أخوات لأب: أصلها من ستة، وتعول إلى تسعة: للزوج النصف ثلاثة، وللأخوات من الأم الثلث سهمان على ستة، لا يصح، ولكن يوافقها بالنصف،  يرجعن إلى وفقهن وهو ثلاثة، وللأخوات من الأب الثلثان: أربعة على ثمانية لا يصح، ولكن يوافق بالنصف، فيرجعن إلى نصفهن، فمعنا ممن انكسر عليهم ثلاثة، وأربعة، ولا موافقة بينهما، فنضرب أحدهما في الآخر، فيبلغ اثني عشر، فنضربها في أصل المسألة بعولها فتبلغ مائة وثمانية، فمنها يصح كان للزوج من الأصل ثلاثة في اثني عشر: يكون له ستة وثلاثون، وكان للأخوات من الأب سهمان في اثني عشر: يكون أربعة وعشرين، لكل واحدة منهن أربعة، وكان للأخوات من الأب أربعة في اثني عشر: يكون ثمانية وأربعين، لكل واحدة منهن ستة \rفإن قيل: إذا سئلنا عن عددين يعرف أنهما متداخلان، أو متوافقان، أو متباينان، قلنا: أما المتباينان: فهما عددان ليس بينهما مداخلة، ولا موافقة، فلنفهم الموافقة والمداخلة، فالمتداخلين: كل عددين مختلفين يكون أقلهما جزءًا من الأكثر لا يزيد على نصفه كالثلاثة والتسعة، فإن الثلاثة داخلة في التسعة؛ لأنها مثليها، وكالاثنين مع الثمانية فإنه ربعها، فهما متداخلان \rوأما المتفقان بجزئيهما: كل عددين مختلفين لا يدخل الأقل في الأكثر، ولكن يفنيهما جميعًا عدد آخر أكثر من الواحد كالستة والعشرة، فالستة لا تدخل في العشرة؛ لأنه أكثر من نصفها، ولكن تفنيهما جميعًا اثنان، وهما متفقان بالنصف، وكذلك التسعة مع خمسة عشر، يتفقان بالثلث؛ لأن الثلاثة تفنيهما جميعًا \rوأما المتباينين فهما كل عددين مختلفين لا يدخل الأقل في الأكثر، ولا يفنيهما جميعًا عدد سوى الواحد، كالخمسة مع التسعة لا يفنيهما جميعًا إلا الواحد، والخمسة غير داخلة في التسعة، وكذلك العشرة مع ثلاثة عشر، فهما متباينان؛ لأنهما لا يفنيهما شيء إلا الواحد، وكذلك الخمسة والاثنان ","part":1,"page":304},{"id":801,"text":"فإذا سئلت عن عددين مختلفين: أهما متداخلان، أو متفقان، أو متباينان فاطرح الأقل من  الأكثر مرارًا على حسب الإمكان، فإن فني به فهما متداخلان ، وإن بقي من الأكثر بقية لا يمكن إسقاط الأقل منها فأسقط البقية من ذلك العدد الأقل مررًا، ثم على هذا القياس أسقط الأقل من الأكثر، ابدأ من الطرفين حتى يفنى العددان جميعًا، فإذا فنيا فانظر فإن فنيا بالواحد فهما متباينان، وإن فنيا بعدد أكثر من الواحد فهما متفقان بجزء مشتق من العدد الذي فنيا به، وإن فنيا بثلاثة فهما متفقان بالثلث، وإن فنيا بأربعة فبالربع، وإن فنيا بالخمسة، فبالخمس، وإن فنيا باثنين فبالنصف، وإن فنيا بإحدى عشرة فهما متفقان بجزء من أحد عشر، وإن فنيا بسبعة عشر، فبجزء من سبعة عشر، وعلى هذا فاستخرج جزءهما الذي اتفقا به \rمثاله: أنا إذا أردنا أن نعرف سبعة من ثمانية وعشرين، فأسقطنا من ثمانية وعشرين ما فيها من سبعة سبعة أربع مرات، ففنيت به: علمنا أنهما متداخلان \rفإن أردنا أن نعرف اثني عشر من اثنين وعشرين، فأسقطنا اثني عشر من اثنين وعشرين، بقي منها عشرة أسقطناها من الاثني عشر بقي منها اثنان، أسقطنا الاثنين من العشرة خمس مرات ففنيت بها، علمنا أنهما متفقان بالنصف إن فني العددان باثنين، ولو فنيا بالسبعة مثلاً لكانا متفقين بالسبع، وعلى هذا القياس نظائره \rوإذا أردنا أن نعرف ثلاثة عشر من ثلاثين، أسقطنا من ثلاثين ثلاثة عشر مرتين، فبقي منها أربعة أسقطنا أربعة من ثلاثة عشر ثلاث مرات فبقي واحد، أسقطنا الواحد من الأربعة أربع مرات، ففنيت به علمنا أنهما متباينان لما أن فنيا بالواحد \rهذا هو الطريق إلى معرفة تباين الأعداد، وتداخلها وتوافقها\r\rالفصل الرابع: في تصحيح حساب المناسخات ","part":1,"page":305},{"id":802,"text":"صورة هذا الباب أن يموت إنسان فلا يقسم ميراثه حتى يموت بعض  ورثته، وربما لا يقسم حتى يموت ثالث ورابع وخامس ؛ ومطلوب الباب تصحيح مسألة الميت الأول من عدد ينقسم نصيب كل ميت منه بعده على مسألته، ولو أفرد مفرد كل مسألة بحسابها لم يكن وافيًا بمقصود المسائل، فإنّ غرضه قسمة المسائل على حساب واحد من جهة أن التركة واحدة في غرض السؤال \rوالأصل في حساب الباب أن تنظر: فإن كان ورثة الميت الثاني والثالث والرابع ومن بعدهم ورثة الميت الأول، وكان ميراثهم من كل واحد على سبيل ميراثهم من الميت الأول، وذلك بأن يكونوا عصبة لكل واحد منهم، فاقسم مال الميت الأول بين الباقين من الموتى، كأنه ما خلف غيرهم، إن كانوا ذكورًا فبالسوية، وإن كانوا ذكورًا وإناثًا فللذكر مثل حظ الأنثيين \rمثاله: خلّف أربعة  إخوة، وأختين، ثم مات أخ، ثم مات أخ آخر، ثم ماتت أخت؛ وكل ذلك قبل قسمة التركة، فيُقسم المال الأول، والثاني، والثالث، والرابع على أخوين وأخت، بينهم على خمسة أسهم، كأن كل واحد منهم ما خلف إلا أخوين، وأختًا \rفإن كان ورثة الثاني يرثون منه خلاف ميراثهم من الأول، أو ورثوا من الثاني ولم يرثوا من الأول، فصحح مسألة كل واحد من الميتين، واستخرج نصيب الميت الثاني من مسألة الميت الأول، وانظر: فإن كان نصيبه يصح على مسألته فقد صحت المسألتان بما صح منه الميت الأول  ومثاله: امرأة ماتت وخلفت زوجًا، وأخوين من أم، ثم مات الزوج وخلف ابنًا، وبنتًا، فإن مسألة الميت الأول تصح من ستة، للزوج النصف ثلاثة، ولأخويها الثلث سهمان، ثم مات الزوج عن ابن، وبنت، ومسألته من ثلاثة، ونصيبه من الميراث ثلاثة، وهي صحيحة على مسألته، فانقسم مال الميت على ستة، سهمان لأخويها، وسهمان لابن زوجها، وسهم لبنت زوجها، ويبقى سهم للعصبة ","part":1,"page":306},{"id":803,"text":"وإن كان نصيب الميت الثاني من مسألة الميت الأول لا يصح على مسألته، فانظر: فإن لم يوافقها بجزء فاضرب مسألة الثاني في مسألة الأول، فما بلغ فمنه تصح المسألتان، فمن كان له من المسألة الأولى شيء أخذه مضروبًا في وفق المسألة الثانية، ومن كان له من المسألة الثانية شيء أخذه مضروبًا في نصيب مورثه عن الميت الأول \rومثاله: زوج، وأخوان للأم، ثم مات الزوج وخلف خمسة بنين، فمسألة الميت الأول من ستة، ومسألة الميت الثاني من خمسة، ونصيبه من الأول ثلاثة، ولا يصح على خمسة، ولا يوافق، تضرب المسألة الثانية  وهي خمسة في المسألة الأولى وهي ستة فتبلغ ثلاثين، ومنها تصح المسألتان: كان للأخوين من الأولى سهمان في خمسة، فيكون لهما عشرة، وكان [لبني]  الزوج من الثانية خمسة مضروبة فيما مات عنه الزوج، وهو ثلاثة يكون لهم خمسة عشر، لكل واحد منهم ثلاثة، وكان للعصبة من الأولى سهم في خمسة، وفي المسألة الثانية يكون لها، وقد تمت القسمة \rوإن كان نصيب الميت الثاني من المسألة الأولى لا يصح على مسألته، ولكن يوافق بجزء، فاضرب وفق المسألة الثانية لا وفق النصيب في المسألة الأولى، فما بلغ فمنه تصح المسألتان، ومن له من المسألة الأولى شيء أخذه مضروبًا في وفق المسألة الثانية ","part":1,"page":307},{"id":804,"text":"مثاله: زوج، وأم، وثلاثة إخوة لأب، ثم مات الزوج وخلف ستة بنين، فمسألة الميت الأول تصح من ثمانية عشر، ونصيب الزوج منها تسعة، ومسألته من ستة، والتسعة [لا تصح]  على الستة، ولكن توافقها بالثلث، فاضرب ثلث الستة، لا ثلث التسعة، وهو اثنان، في المسألة الأولى، وهي ثمانية عشر، فتبلغ ستة وثلاثين، فمنها تصح المسألتان، للأم من الأولى ثلاثة مضروبة في اثنين، وهو وفق الستة، فيكون لها ستة، وللإخوة من الأولى ستة هي مضروبة في اثنين يكون لها اثني عشر، لكل واحد منهم أربعة، وللزوج من الأولى تسعة في اثنين،  فيكون ثمانية عشر بين أولاده على ستة، لكل واحد منهم ثلاثة \rوعلى هذا فقس: إن مات ثالث، ورابع، وخامس قبل قسمة الميت الأول، فصحح مسألة كل واحد منهم، فإن كان نصيب كل واحد منهم يصح على مسألته، فقد صحت المسائل كلها بما صحت المسألة الأولى، وإن لم تصح ولم توافق فاضرب المسألة فيما تصح منه المسألتان الأوليان، وإن كان في الثالثة وفق فاضرب وفق المسألة فيما تصح من الأوليان، وهكذا فافعل في الرابع، والخامس، وما زاد عليه فما بلغ فمنه تصح المسائل كلها \rوإذا أردت القسمة فتعرف ما يتحصل لكل واحد بعد كثرة الضرب، وتكرره، فطريقه أن تضرب سهام ورثة الميت الأول في مسائل المتوفين، مسألة بعد مسألة، إن لم تكن سهامهم انقسمت عليهم، ولا وافقتها، وإن انقسمت سهام بعضهم على مسألته فلا تضربه في تلك المسألة، واضربه في باقي المسائل \rوإن وافقت سهام بعضهم مسألته فاضربه في وفق تلك المسألة، فما بلغ فهو نصبه\rومن له من المسألة الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة شيء: فاضربه فيما مات عنه مورثه، ثم ما بلغ فاضربه في مسائل المتوفين بعده، مسألة مسألة، أو في وفقها إن كان في جملتها ما وافق السهام فيه المسألة على الشرط المذكور في الميت الأول، فما بلغ فهو نصيبه من الميت الأول ","part":1,"page":308},{"id":805,"text":"مثاله: امرأة، وأم، وثلاث أخوات متفرقات: المسألة من خمسة عشر عائلا، ماتت الأم وخلفت زوجًا، وعمًا، وبنتين هما الأختان من الأخوات المتفرقات في المسألة الأولى، ومسألتها من اثني عشر، وفي يدها سهمان وافق مسألتها بالنصف، فاضرب نصف مسألتها وهو ستة في المسألة الأولى تكون تسعين، ثم ماتت الأخت من الأب وخلفت زوجًا، وأمًا، وبنتًا، وأختًا لأب هي واحدة من الأخوات  المتفرقات في أصل المسألة، ومسألتها من اثني عشر، ولها من المسألة الأولى سهمان مضروبان في وفق الثانية، وهي ستة تكون اثني عشر، وذلك منقسم على مسألتها، فصحت المسائل الثلاث  من تسعين، الأولى ثلاثة مضروبة في ستة، تكون ثمانية عشر \rوللأخت للأم من الأولى سهمان في ستة تكون اثني عشر، ولها أيضًا من الثانية أربعة في واحدة، فجميع مالها ستة عشر\rوللأخت من الأب والأم من الأولى ستة في ستة، ومن الثانية أربعة في واحد، وهو ما خرج من قسمته سهام الثالثة على مسألتها، فجميع مالها واحد وأربعون  \rولزوج الثانية ثلاثة في واحد، ولعمها سهم في واحد\rولزوج الثالثة ثلاثة في واحد ، ولبنتها ستة في واحد\rولأمها سهمان في واحد \rومثال آخر: امرأة، وابن، وبنت، وأخ من أب، فمات الابن وخلف من خلف [أبوه]  وهي أمه وأخته وعمه، ثم ماتت البنت وخلفت زوجًا ومن خلف  [أبوها] ، ثم ماتت المرأة وخلفت زوجًا، وأمًّا، وست أخوات متفرقات، فالمسائل الأربع كلها تصح من مائة وأربعة وأربعين، على ما ذكرناه في مراسم الحساب، فلا نطّول بتفصيله \r\rالفصل الخامس: في قسمة التركات\rومضمون هذا الباب قسمة التركات إذا كانت التركات مقدرة بالكيل، أو الوزن، فإن لم تكن التركة كذلك ، فما نحاوله في الباب يجري في تقدير قيمة التركة","part":1,"page":309},{"id":806,"text":"وهذا الباب كثير الفائدة؛ وكأنه ثمرة الحساب في الفرائض ، فإن المفتي قد يصحح المسألة من الألف، [والتركة]  مقدار نزر، فكيف يفيد كلامه بيانًا ونحن نذكر مثالين:\rأحدهما: أن لا يكون في التركة المخلّفة كسر\rوالثاني: أن يكون فيها كسر\rفإن لم يكن فيها  كسر، فالوجه أن نبين سهام الفريضة أولاً، ونعرف العدد الذي منه تصح المسألة ، كما تمهد ذلك  فيما سبق \rثم ننظر إلى التركة، ونأخذ سهام كل واحد من الورثة من جملة العدد الذي صحت المسألة منه ونضربها في التركة، فما بلغ قسمناه على العدد الذي تصح منه المسألة، فما خرج فهو نصيب ذلك الوارث، ولا فرق بين أن يكون في المسألة عول، وبين أن لا يكون فيها عول \rمثال ذلك: أربع زوجات، وثلاث جدات، وست أخوات للأب، والتركة خمسة وستون دينارًا، وأصل المسألة من اثني عشر، وتعول إلى ثلاثة عشر، وتصح من مائة وستة وخمسين، فتعول حصة كل زوجة من العدد الذي صحت المسألة منه تسعة، فاضرب تسعة في التركة، وهي خمسة وستون، فتبلغ خمس مائة وثمانين، فتقسمها على الأصل الذي تصح منه المسألة، وهو مائة وستة وخمسون، فيخرج ثلاثة دنانير، وثلاثة أرباع دينار، فهو نصيب كل واحد من الزوجات من جملة التركة، وكان نصيب كل جدة من الأصل ثمانية فاضربها في التركة، واقسم ما بلغ على الأصل فيخرج لكل واحدة منهن ستة دنانير وثلثان، وهذه الطريقة كافية في الباب، هذا إذا لم يكن في التركة كسر، وقد أكثر الأصحاب في ذكر الطرق، وفيما ذكرناه مقنع \rفأما إذا كان في التركة كسر فنبسط التركة حتى تصير من جنس كسرها، وذلك بأن نضرب الصحيح في الكسر، فيخرج كسره ، ونزيد عليه كسره، فما بلغ فكأنه هو التركة صحاحًا، فيقسم كما بيّناه فيما تقدم، فما خرج لكل واحد منهم من القسمة، والضرب نقسمه على مخرج ذلك الكسر الذي جعلنا الكسر من جنسه، فما خرج فهو نصيبه ","part":1,"page":310},{"id":807,"text":"مثاله في الصورة التي ذكرناها، كانت التركة خمسة وستين دينارًا وثلث، فابسطها أثلاثًا، تكون مائة وستة وتسعين، فكأن التركة مائة  وستة وتسعون دينارًا، فاقسمها بين أربع زوجات، وثلاث جدات، وست أخوات، فما خرج لكل واحد من الورثة من العدد المبسوط فاقسمه على ثلاثة، فما خرج نصيبًا للواحد فهو نصيب الواحد من الجنس الذي تريد، وهذا تمام العرض، والمقصود حاصل به \r\rالباب العاشر: في مسائل المعاياة\rوهذا باب لا يضر تركه، ولا تتوقف الفتوى على معرفته، ولكن لا بد من الإيناس به، والكلام فيه ينقسم [أربعة أقسام] :\rالقسم الأول: يتعلق بأحوال الحمل:\rفإذا قالت امرأة: إن ولدت ذكرًا ورث من الميت، وإن ولدت ذكرًا وأنثى ورثا، وإن ولدت أنثى لم ترث، فيقال: هذه المرأة زوجة ابن الميت، وقد خلّف الميت ابنتين فاستكملتا الثلثين، ولا يبقى لبنت الابن شيء إن ولدت أنثى، وإن ولدت ذكرًا، أو ذكرًا وأنثى، فالباقي لهم بالعصبة\rويحتمل أن تكون هذه المرأة زوجة أب الميت، وقد خلّف الميت أختين لأب وأم، فإنّ ولد الأب مع الأختين من الأب والأم كولد الابن مع البنتين \rولو قالت الحامل: إن ولدت ذكرًا، أو ذكرًا وأنثى لم يرث، وإن ولدت أنثى ورثت فيقال: سبب هذا استغراق ذوي الفروض التركة، فهي زوجة ابن الميتة، وقد خلفت الميتة بنتًا واحدة، وزوجًا، وأبوين، فللبنت النصف، وللزوج الربع، وللأبوين السدسان، فعالت المسألة، فإن ولدت الحامل أنثى ورثت السدس تكملة الثلثين، وتعول المسألة به، وإن ولدت ذكرًا فعصبة، ولم يبق له شيء ","part":1,"page":311},{"id":808,"text":"ولو قالت الحامل: إن ولدت ذكرًا، أو ذكرًا وأنثى: ورثا جميعًا، وإن ولدت أنثى: لم ترث، ولم أرث فيقال: قد خلّف الميت بنتين، وبنت ابن حامل من ابن ابن ابن آخر، وهي هذه الحامل، فإن ولدت ذكرًا صار عصبة، وعصبه أمه؛ لأن أمه أقرب إلى الميت  منه بدرجة، فيكون الباقي بعد البنتين لهما،،وإن ولدت أنثى فلا شيء لهم، لأن بنات الصلب قد استكملن الثلثين \rولو قالت: إن ولدت أنثى ورثت وورثت، وإن ولدت ذكرًا، أو ذكرًا وأنثى لم يرث واحد منا فيقال: امرأة ماتت وخلّفت بنتًا، وزوجًا، وأبوين، وهذه الحامل بنت ابن ابنها حامل من ابن ابن آخر لها، فإذا كانت أنثى زِيد في العول لأجلها، وإلا صارت الأم عصبة بالولد الذكر، وسقطوا جميعًا باستغراق السهام \rولو قالت: إن ولدت ذكرًا ورث، وإن ولدت أنثى لم ترث، وإن ولدت ذكرًا وأنثى، ورث الذكر دون الأنثى فصورته: كل أخ لا يعصب أخته، ولا يخفى صورة ذلك \rولو قالت: إن ولدت ذكرًا ورث ولم أرث، وإن ولدت أنثى ورثت أنا ولم ترث هي فصورتها: امرأة أعتقت عبدًا أو أمة، ثم نكحت المعتقة أخا المعتق، فحبلت منه، فإن هي ولدت ذكرًا كان ابن أخ المعتق فيرث بالتعصيب دون المعتقة، وإن ولدت أنثى كانت بنت أخ المعتق الميت، فلم ترث، وورثت المعتقة التي كانت حبلى \rالقسم الثاني: في إبهام السؤال:\rإذا قيل: خلّف ميت خال ابن عمته، فيقال: هو أب الميت، أو عمه \rوإن قيل: خلف عمة بنت ابن خاله، فهي أم الميت، أو خالته \rولو قيل: خلف عم ابن أخيه، فهو أخو الميت إن كان له أخ، وإن لم يكن فهو محال؛ لأنه نفس الميت، ولا يخلّف الميت نفسه \rولو قيل: خلّف خال ابن أخته، فهو أخوه، إن كان له أخ، وإلا فهو محال؛ لأنه نفس الميت، ولا يخلف نفسه\rوكل ذلك أمثال تدرك بأدنى تأمل، فلا نطنب فيه \rالقسم الثالث: في السؤال عن النسب:","part":1,"page":312},{"id":809,"text":"لو قيل: خلّف الميت ثلاث بنات ابن  بعضهن أسفل من بعض فقد خلّف بنت ابن، وبنت ابن ابن، وبنت ابن ابن ابن، فللعليا النصف، والوسطى السدس تكملة الثلثين، ولا شيء للسفلى إلا أن يكون معها غلام يعصبها في درجتها، إمّا أخوها أو ابن عمها \rفإن قيل: وما نسب العليا من الوسطى قلنا: يحتمل أن تكون عمّتها، ويحتمل أن تكون بنت عمّ أبيها ، وكذا الوسطى للسفلى، يحتمل أن تكون عمتها، ويحتمل أن تكون بنت عمّ أبيها \rوكذا لو قيل: ثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض، مع كل واحدة أختها: فقد ترك بنتي ابن، وبنتي ابن ابن، وبنتي ابن ابن ابن\rوكذا الجواب لو قال: مع كل واحدة بنت عمها \rولو قيل: مع كل واحدة منهن عمتها فقل: عمة العليا بنت الميت، وعمّة الوسطى في درجة العليا، وعمة السفلى في درجة الوسطى، والسفلى منفردة في درجتها، فكأنه ترك بنتًا، وبنتي ابن، وبنتي ابن ابن، وبنت ابن ابن ابن، فللبنت النصف، ولبنتي الابن السدس تكملة الثلثين، ولا شيء للبواقي هذا جواب المدنيين عند إطلاق السؤال، وهو الأصح \rوقال الكوفيون: خلّف بنتًا، وثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض فقط؛ لأن العليا عمّة الوسطى، والوسطى عمة السفلى، والبنت عمة العليا، فينزل على الأقل \rوالأولون قدّروا لكل واحدة عمّة سوى المذكورات في نفس السؤال، والخطب في الجواب قريب، وليس يتعلق به خلاف حكمي\rولو قال: مع كل واحدة منهن عمتها لأبيها، فيحتاج أن يسأل عن الميت أذكر هو أم أنثى فإن كان ذكرًا فعمّة العليا بنت الميت، فيكون لها النصف، وللعلياوين السدس \rوإن كان الميت أنثى فعمة العليا تكون بنت زوج الميتة، وهي أجنبية، فيكون للعلياوين الثلثان، وما بقي فللعصبة، وإن أطلق العمة فإنه محمول على العمة للأب  والأم، فلا يحتاج إلى السؤال عن أنوثة الميت وذكورته، وعلى هذا القياس إذا قال: مع كل واحدة عمتها، وعمة عمتها ","part":1,"page":313},{"id":810,"text":"ولو قال: مع كل واحدة منهن ثلاث عمات متفرقات فيجب أن يسأل عن الميت، فإن كان ذكرًا فعمّة العليا للأب والأم بنت الميت، وعمتها للأب هكذا، وعمتها للأم تكون بنت امرأة ابن الميت، وكذا عمة السفلى للأب والأم، وللأب في درجة الوسطى \rوإن كان الميت أنثى فعمة العليا للأب أجنبية منها؛ لأنها بنت زوج الميتة، وعمة الوسطى للأب في درجة العليا؛ لأنها بنت ابن الميتة، وعمة السفلى للأب في درجة الوسطى؛ لأنها بنت ابن ابن الميتة، فكأنه خلّف بنتين، وثلاث بنات ابن، وثلاث بنات ابن ابن، وبنت ابن ابن ابن \rولو قال: مع كل واحدة جدّتها أم أبيها، فجدة العليا امرأة الميت، وجدة الوسطى امرأة ابن الميت، وجدة السفلى امرأة ابن ابن الميت، هذا إذا كان الميت ذكرًا \rفإن كان أنثى فالمسألة محال؛ لأن جدة العليا هي أم أبيها وهي الميتة، وقد خلّفت في المسألة الأولى، فهو أن يكون الميت ذكرًا، فكأنه خلف امرأة، وثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض \rولو قال: مع كل واحدة جدها أب أبيها، سئل عن الميت فإن كان أنثى فجد العليا أب أبيها هو زوج الميتة ، وجد الوسطى ابن الميتة ، وجد السفلى ابن ابن الميتة، وإن كان الميت ذكرًا فهو محال؛ لأن جدّ العليا أب أبيها هو الميت فكيف يخلّف نفسه \rالقسم الرابع: في جنس آخر من الأسئلة:\rفلو قيل: رجل مات وخلّف أخوين لأم، أحدهما أخ لأب، وأخوين لأب، أحدهما أخ لأم، فكأنه خلّف أربعة أخوة، أخوين لأب وأم، وأخًا  لأب، وأخًا  لأم، فللأخ للأم السدس  وما بقي للأخوين من الأب والأم، والأخ من الأب ساقط \rولو قيل: ثلاث أخوات مفترقات مع كل واحدة أختها لأمها فكأنه خلّف خمس أخوات: (ثلاثًا لأم، وواحدة لأب وأم، وواحدة للأب) \rولو قيل: مع كل واحدة منهن أخت لأبيها وأمها فكأنه خلّف ست أخوات: (أختين لأب وأم، وأختين لأم، وأختين لأب) ","part":1,"page":314},{"id":811,"text":"ولو قيل: خلّف ثلاثة بني أعمام: أحدهم زوج، والآخر أخ لأم، وثلاثة أخوة متفرقين، وأم، فهذه مسألة المشركة، غيرت العبارة عنها أغلوطة، فاطرح الأخ من الأب، وأعط الزوج النصف، والأم السدس، والأخوين من الأم الثلث، ويشاركهم الأخ للأب والأم، ولا شيء بعد ذلك لأحد ببنّوة العم، ولا بأخوة الأب\rوالله أعلم\r\rكتاب الوصايا\rالوصية عبارة عن تبرع بجزء من المال يضاف إلى ما بعد الموت\rوقد كانت الوصية بجميع المال واجبة للأقربين في ابتداء الإسلام، ثم نسخ وجوبها بآية المواريث، وبقي جواز الوصية بالثلث للأجانب، والدليل عليه قول رسول الله \\ في قصة سعد لما أن قال: أوصي بجميع مالي، فقال: لا، فقال: أوصي بالشطر، فقال: لا، فقال: بالثلث، فقال: الثلث، والثلث كثير\rولهذا قال العلماء: الأولى أن ينقص من الثلث؛ لأنه استكثر الثلث، وقال عليه السلام لسعد: لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون وجوه الناس\rوذهب عطاء: إلى أن وجوب الوصية بالثلث باق، ثم قال: يوصي بثلث الثلث للأجانب، وبثلثي الثلث للأقارب الذين لا يرثونه، ولو أوصى بجميع الثلث للأجانب لم ينفذ\rواحتج الشافعي | بحديث عمران بن حصين في عتق العبد فإنه نفذ في الثلث\rهذا تمهيد الكتاب، ومقصود القول فيه يحصره أبواب\r\rالباب الأول: في أركان الوصية\rوالوصية تعتمد الموصي، والموصى له، والموصى به، وصيغة الوصية\rالركن الأول: الموصي\rوتفصيل القول فيه أن الوصية تبرع، فيستدعي أهلية التبرع، فهو نافذ من البالغ، العاقل، الحر، المسلم، والإسلام ليس بشرط لصحة الوصية، بل تنفذ وصية الذمي بما هو قربة في ديننا، حتى وصيته بعمارة قبور الأنبياء؛ فإنها مشاهد، وعمارتها قربة، وكان الشيخ أبو محمد يميل إلى مثل ذلك في قبور مشائخ الإسلام، وعلماء الدين","part":1,"page":315},{"id":812,"text":"وبالجملة كل قبر يزار تقربًا فعمارته إحياء للزيارة ، فأمّا إذا أوصى بما هو معصية عندنا قربة عندهم كالوصية  ببناء الكنائس، والبيع، فإذا رفعت الوصية إلينا أبطلناها ، خلافًا لأبي حنيفة، وكذلك الوصية بالخمر، والخنزير من ذمي لذمي أجازه أبو حنيفة \rوالمقصود أن الإسلام ليس بشرط لأمر راجع إلى أهلية الوصية \rأما البلوغ، فقد اختلف قول الشافعي رحمه الله في اشتراطه، فقال في قول: إنه لا يشترط ، وهو مذهب عمر | ، وروي أيضًا عن عثمان وابن عمر رضي الله عنهم مثله ، ووجه القياس في تعليله أنه تصرف لا يفوّت مقصودًا، ولا ينجز حجرًا، فإن بقي فالمال قائم، وإلا فهو إذا جاز قربة ، والتعويل على مذاهب الصحابة أولى؛ إذ عبارة الصبي مسلوبة عند الشافعي، فكيف يقتضي القياس تصحيح وصيته، وتدبيره \rوقال في قول آخر: لا تنفذ وصيته وتدبيره ، وهو مذهب ابن عباس ، واختيار المزني \rفأما العقل فلابد منه، فلا ينفذ تصرف المجنون، والصبي  الذي لا يميز \rوأما السفيه المبذر: فقد اتفق الأصحاب على تنفيذ وصيته ؛ لصحة عبارته، ولذلك ينفذ طلاقه، وإعتاقه، واستلحاقه للولد، وإقراره بالجنايات الموجبة للعقوبات \rوأما الرقيق إذا أوصى ومات على الرق بان فساد وصيته ، وإن عتق وتموّل ففي تنفيذ تلك الوصية اختلاف للأصحاب، منهم من لم ينفذ؛ لأنه أنشأها في حالة الرق ، ومنهم من نفّذ لصحة عبارته، وإمكان تحقيق مقصوده في عاقبة أمره \rالركن الثاني: في الموصى له \rوالنظر في هذا الركن في الوصية للعبد، والدابة، والحربي، والقاتل، والحمل، والوارث","part":1,"page":316},{"id":813,"text":"أما الوصية للعبد: اتفق الأصحاب على صحة الوصية للعبد مع الحكم بوقوعها للعبد ، حتى لو كان حرًا عند موت الموصي وقَبِلَ حصل الملك له ، وإن كان رقيقًا فالملك لمالكه ، ومع هذا قطعوا ببطلان الوصية لعبد الوارث، وغيره ممن لا يوصى له ، ويتطرق إليه من طريق المعنى احتمال؛ فإن العبد إذا كان هو المتأصل في الملك ووقوعه للسيد عند امتناع إيقاعه له احتمل أن لا ينظر إلى سيده في الحال فيصح؛ فلعل العبد يعتق ويملك بنفسه، ولكن المذهب ما نقلناه \rويتفرع عن هذه المسألة فرعان:\rأحدهما: أنه لو عتق بعد موت الموصي، وقبل القبول، وكان عند الموصي مملوكًا لوارث الموصي، فإذا قبل بُني ذلك على أن الملك متى حصل للموصى له فإن قلنا يحصل بالقبول صح قبوله وملكه ، وإن بنينا بالإسناد إلى الموت حصل الملك عنده فلا تصح الوصية؛ فإنها لو صحت لأفادت الملك لوارث \rوكذلك لو باع الوارث العبد بعد الموت، وقبل القبول من أجنبي، فيخرج صحة قبوله كما ذكرناه من أن الملك يقع للمشتري، نظرًا إلى حالة القبول أ م للبائع، نظرًا إلى حالة الموت \rالثاني: أن رضى  السيد هل يشترط في قبول العبد وفيه خلاف ذكرناه في اتهابه مرتبًا على شرائه، وضمانه، والاتهاب أولى بالاستغناء عن الإذن ، فإن قلنا: لا يعتبر الرضى، فلا أثر لرد السيد وقبوله ، وإن قلنا: يعتبر رضاه؛ فلو قبله السيد في أوان قبوله، مع إعراض العبد أو رده ففي صحة قبوله وجهان ","part":1,"page":317},{"id":814,"text":"أما الوصية للدابة: لا بد فيها من الاستفصال، فإن قال الموصي: أردت تملك الدابة، فباطل ، وإن قال: أردت صرفها في علفه، فصحيح ، على تفصيل نذكره، وإن أطلق من غير نيّة فباطل ؛ لأن ظاهره للتمليك، وهو مستحيل ، وألحق الشيخ أبو علي هذا بقوله: وقفت على المسجد، فقال: يراجع، فإن أراد تمليك المسجد منافع الوقف، فباطل، وإن أراد صرف ريعه إلى مرافقه، فصحيح ، وإن أطلق فباطل ، وفيما ذكره في المسجد نظر؛ لأن الوقف على المسجد وإطلاقه شائع في العرف لإرادة الصرف إلى المصالح، فأمكن أن ينزل غاية مطلقه بخلاف الوصية للدابة \rفأما إذا مات الموصي للدابة قبل البيان، فالرجوع إلى ورثته، وإذا فسّروه بما يتضمن الإبطال حلفوا عليه ، فإذا فسّروه بالصرف إلى علفه، وفسّر به الموصي في نفسه، فهل يفتقر إلى قبول رب الدابة قال صاحب التلخيص: لا بد منه حتى يرتد برده؛ فإنها تتعلق بمصلحة ملكه  وقال الشيخ أبو علي: رأيت للشيخ أبي زيد  أنه لا يتوقف على قبوله، والمقصود هي الدابة، ولكل ذات كبد حرى أجر، وعلف الدابة حسبة، فينفق عليها على قدر الحاجة ، وهذا ضعيف؛ إذ يلزم عليه جواز الوقف على عبيد الإنسان ودوابّه دون إذنه \rالتفريع: إن قلنا لا بد من قبوله، فإذا قبل فهل يسلم المال إليه وجهان: أحدهما:  وهو الذي ذكره صاحب التلخيص: أنه لا يسلم إليه، بل لو كان للموصى وصي أنفقه على الدابة \rوالثاني، وإليه ذهب القفال: أنه يجب تسليمه إلى المالك، ثم لا يتعين على المالك صرفه إلى الدابة \rوكان الاختلاف راجع إلى أنه هل يملك المال أم لا\rفصاحب التلخيص لا يثبت له ملكًا حقيقيًا، بل يثبت استحقاق الصرف إلى ملكه ","part":1,"page":318},{"id":815,"text":"والقفال يجعل الوصية للدابة وصية للمالك، وعضد هذا بمسألة: وهو أنه لو دفع رجل إلى وارث إنسان ثوبًا ليكفنه فيه، قال: له أن يبدله بغيره، وكأنّه ملك الوارث ، وفرّع القفال هذا على أصح الوجوه في أن الملك للكفن للوارث ، قال الشيخ أبو علي، وما ذكره القفال  بعيد في الدابة؛ فإن الإضافة إلى الدابة ليست كناية عن الملك، ولا المالك يتلقى الملك من الدابة على إدراج الميت فيه، فكيف يملك إبداله، وهذا ظاهر لا شك فيه \rفإن قيل: فإذا لم يظهر كلام القفال، فكيف يصنع على مذهب صاحب التلخيص إذا لم يكن وصيّ قلنا: في كلام الأصحاب تردد، منهم من قال: ينصب القاضي قيّما لينفقه على الدابة، ومنهم من قال: يسلم إلى المالك، ثم عليه أن ينفقه على دابته ، وهذا أيضًا لا يخلوا عن خبط\rفإن قيل: فلم قطعتم بأن الموصى به للعبد لا يتعين على السيد صرفه إلى مصلحة العبد، وما الفرق بينه وبين الدابة قلنا: لأن العبد متأصل في الإضافة إليه، وسبب الملك جار في حقه، والسيد يتلقى الملك عنه لامتناع قراره عليه بالرق، فإذا تلقى الملك منه تخيّر فيه على حسب إرادته، ومثل ذلك لا يتقرر في حق الدابة أصلاً \rفأما الوصية للحربي، فقد نقل صاحب التلخيص من نص الشافعي رحمه الله البطلان ، ووافقه على النقل من يوثق بنقله وشبب   في تعليقه بانقطاع الموالاة ، قال الشيخ أبو علي: ولم يصر إلى ذلك أحد من فقهاء الأصحاب، بل قالوا: الوصية صحيحة \rويلزم صاحب التلخيص منع الهبة منه، وهو ضعيف؛ لأن البيع صحيح، والهبة أيضًا تمليك، ولا معنى للموالاة؛ فإن الوصية لا تعتمدها بحال \rولا خلاف في أن الوصية للذمي صحيح، فكيف لا وذبنا عنهم بسيوف الإسلام تزيد في النصرة على الوصية لهم \rوالمرتد ينزل منزلة الحربي في كل تفصيل، فالمذهب المشهور إذًا صحة الوصية للحربي والمرتد \rفأما الوصية للقاتل: فللشافعي فيه قولان مشهوران:","part":1,"page":319},{"id":816,"text":"أحدهما: الصحة، وهو القياس \rوالثاني: البطلان ؛ لقوله \\: >لا وصية لقاتل<  وليس صحة هذا الحديث على الرتبة العالية ، ومنهم من تكلف تعليله بالتشبيه بالإرث؛ فإنه استحقاق مضاف إلى الموت، والقتل استعجال له، وحرمان الوارث مناقضة له في مقصوده \rوابتنى على الاختلاف في التعليل اختلاف في محل القولين على طريقين، منهم من قال: إن كانت الوصية متقدمة، فقتل الموصي، فهذا استعجال فيخرج على القولين، وإن تقدم الجرح فأوصى للجارح، فهو صحيح قولاً واحدًا؛ لعدم الاستعجال، ومنهم من عكس هذا الترتيب وقطع بالبطلان إذا تقدمت الوصية، وأجرى في تقديم الجرح القولين، ويستند إلى الحديث، ويخرج بآخر الجرح عن عموم الحديث، فهما لمقصود الاستعجال \rفروع:\rأحدها: أن الوارث إن أجاز الوصية للقاتل، وقلنا: إنه ابتداء عطية، فهو نافذ ، وإن قلنا إنه تنفيذ ، فقد تردد أصحابنا في نفوذه، بناء على قولنا ببطلان الوصية للوارث، والأصح أنه لا يتأثر بالإجازة فإنها لم تنفذ في أصلها \rالثاني: أن المستولدة لو قتلت  سيدها عتقت قطعًا؛ لأن عتقها محسوب من رأس المال لا يسلك به مسلك الوصايا \rوأما المدبر إذا قتل سيده فقد خرّجه بعض أصحابنا على القولين في أن التدبير وصية أم تعليق عتق  ومنهم من قطع بأنه يخرج على الوصية للقاتل ، فإنه وصية محسوبة من الثلث، وإنما يظهر أثر حكم التعليق في المنع من الرجوع صريحًا \rالثالث: أنه لو أوصى لعبد القاتل، لا يصح على هذا القول؛ لأنه مصب الوصية وهذا فيه إذا بقي رقيقًا عند القبول ، ولو أوصى للعبد القاتل يصح ؛ لأنه لا يتحصل منه على طائل، وإنما المال لسيده، فلا ينسب فيه إلى استعجال ، ولذلك لا تصح الوصية لعبد الوارث، نظرًا إلى مصب الحق؛ فإن ذلك ينتهض طريقًا اختياريًا في تفضيل بعض الورثة على خلاف مقصود الشرع \rفأما الوصية للحمل، فصحيح على شرطين:","part":1,"page":320},{"id":817,"text":"أحدهما: أن ينفصل حيًا، فلو انفصل ميتًا وإن كان بجناية جان فلا تصح الوصية، ويتبين بطلانها من أصلها \rوالشرط الثاني: أن يكون مستيقن الوجود حال الوصية، فلو أتت المرأة التي أوصى لحملها بولد لأكثر من أربع سنين فلا يصرف إليه شيء؛ فإنه قصد الوصية لحمل موجود، ولم يكن هذا موجودًا \rوإن أتت به لأقل من ستة أشهر صرف إليه \rوإن أتت به لأقل من أربع سنين، وأكثر من ستة أشهر، نظر: فإن كانت ذات زوج يغشاها، فلا يصرف إليه شيء، فلعل العلوق من وطء بعد الوصية ، وإن لم تكن ذات زوج، فوجهان مشهوران:\rأحدهما: البطلان؛ لاحتمال تراخي العلوق، إما بزنى أو وطء شبهة \rوالثاني: الصحة فإن الزيادة على الستة غالب، والزنا ووطء الشبهة بعيد في التقدم \rولو زاد الموصي بشرط النسب، وقال: أوصيت لحمل زينب من فلان، فأتت به لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية، ولأكثر من ستة  أشهر من وقت الطلاق صحّت الوصية؛ لأن النسب قط لا يستيقن، فالاعتماد على حكم الشرع به، وقد حكم به الشرع ، نعم لو أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الوصية، ولأكثر من ستة أشهر من وقت الطلاق ولأقل من أربع سنين، فالوصية لا تثبت بالاحتمال تراخى  العلوق، إلا على مذهب من يستبعد تقدير وطء الشبهة والنسب ثابت في هذه الصورة؛ لاحتمال تقدم العلوق، فيثبت النسب بمجرد الإمكان، ولا تثبت الوصية بمجرد الإمكان ، فهذه الدقائق لا بد من التنبيه لها\rفروع ثلاثة:\rأحدها: لو أوصى لحمل زيد، فأتت المرأة لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية، ولزمان يلتحق بزيد، ولكن نفاه زيد باللعان، فقد حكى العراقيون والشيخ أبو محمد وجهين:\rأحدهما: أن الوصية لا تثبت؛ لانتفاء النسب عن زيد ","part":1,"page":321},{"id":818,"text":"والوجه الثاني: حكوه عن أبي اسحاق المروزي، وزيّفوه: أنه يثبت؛ لأن اللعان حجة ضرورة، فيقتصر أثره على الملاعن، ولا يتعدى إلى غيره ، ولم يبالغ الشيخ أبو علي في تزييف ذلك، بل بنى عليه مسألة أخرى، وهو أنه لو نفى توأمين باللعان، فتثبت بينهما أخوة لأم، وهل تثبت أخوة الأب في أحكام الميراث ذكر وجهين مأخوذين مما ذكرناه ، والصحيح الحكم بانتفائه؛ لانتفاء نسب الأبوّة في المسألتين جميعًا \rالثاني: إذا أوصى لحمل، فأتت به لزمان حكمنا باستحقاقه، فأتت بعد ذلك بولد آخر لدون ستة أشهر من وقت ولادة الأوّل، شارك الثاني الأول في الاستحقاق؛ لأن الوصية للحمل، ولقد بان كونه موجودًا مع الأول حال  الوصية \rالثالث: لو أضاف الوصية صريحًا إلى حمل سيكون؛ قال العراقيون: المذهب البطلان ؛ لأن الوصية تستدعي مرتبطًا في  الحال ، وحكوا عن أبي اسحاق المروزي تصحيح ذلك، وزيّفوه ، قال الإمام: وهو غير بعيد \rوللأصحاب اختلاف ظاهر في الوصية بالحمل الذي سيكون ، ولا خلاف في جواز الوقف على الولد الذي سيكون، ولذلك يوقف على أولاد الأولاد، هذا إذا وجد الواقف متعلقًا في الحال، فإن لم يجد وكان منقطع الابتداء ففيه خلاف ظاهر، والوقف تصرف لازم، وإذا احتمل ذلك، فالوصية بالاحتمال أولى \rفأما الوصية للوارث  فتفصيل القول فيه يتهذب برسم مسائل:\rالأولى: أن يوصي للورثة دون الأجانب، وله ثلاثة أحوال:\rالحالة الأولى: أن يكون له ورثة، فخصص بعضهم بالوصية، فإن رد الورثة هذه الوصية بطلت ، سواء زادت في الثلث أو نقصت؛ لأن الثلث في حق الوارث كالثلثين في حق الأجانب ؛ لقول رسول الله \\: >ألا لا وصية لوارث< ","part":1,"page":322},{"id":819,"text":"وإن أجازه الآخر، وقلنا: إن الإجازة ابتداء عطية، فهي نافذة، وحكمه حكم الهبات، وكأنه صرح بالهبة ، وإن قلنا إن ذلك تنفيذ ، فهل تنفذ هذه الوصية اختلف الأصحاب فيه، منهم من قال: لا تنفذ ؛ لقوله \\: >لا وصية لوارث<  من غير فرق، ولأنه لو نفذ بالإجازة لاستغنى عنها فيما دون الثلث، وهذا القائل يشبّه هذا بالوصية للقاتل في إجازة الورثة، [وفي]  وصية القاتل أيضًا خلاف ذكرناه، ولكن الصحيح أنه لا ينفذ ، فيشبّه بميراث القاتل؛ فإنه ساقط، ولا يثبت بإرادة بقية الورثة ، ومنهم من نفّذ، ونزّل الثلث في حق الوارث منزلة الزائد في حق الأجانب \rالحالة الثانية: أن يكون له وارث واحد فأوصى له، كالابن المستغرق، ولا معنى  للوصية في هذه الحالة ؛ فإن الملك له مستحق بالإرث ، وإنما يظهر أثره في الوقف عليه، فإذا لم يملك إلا دارًا ولم يخلّف إلا هذا الابن وقد وقفها عليه فله رد الوقف في الزائد على الثلث؛ لأن تصرّف الموّرث دون رضى الوارث مقتطع لا يزيد على الثلث بكل حال ، وله الإجازة إن جعلنا الإجازة تنفيذًا، وإن جعلناها ابتداء فلا؛ فإنه وقف على نفسه \rفأما مقدار الثلث، فإن قلنا: إن إجازة بقية الورثة الوصية للوارث لاغية، وأنها لا تنفذ وصيّة فلا ينفذ الوقف في الثلث؛ فإن هذا حسم لباب الوصية للوارث، وكذلك إن قلنا: إنه ابتداء عطية؛ لأن الصحيح أن الإنسان ليس يقف على نفسه شيئًا ","part":1,"page":323},{"id":820,"text":"وإن قلنا: إنه ينفذ بالإجازة وصية فينفذ الوقف في الثلث ها هنا، ولا يعتبر رضاه حتى لا يرتد برده، بل يلزم في حقه؛ لأن للوارث أن يفعل في ثلثه ما شاء على شرط أن لا يخصص به وارثًا، وهذا لم يتضمن تخصيصًا؛ فإن التخصيص يستدعي تصوره تعددًا لا محالة ، وليس المحذور أن تلقى الوصية وارثًا، إنما المحذور التخصيص، وعليه يحمل مطلق الحديث ، وإطلاق الأصحاب قولهم: أن الثلث في حق الوارث كالثلثين في حق الأجانب على هذا التأويل يحمل أيضًا هذا ما اتفق عليه الأصحاب، وإن كان لا يخلو عن احتمال \rالحالة الثالثة: أن يكون له ورثة وقد أوصى لجميعهم؛ فإن أوصى لجميعهم على قدر الملك والاستحقاق وصية التمليك فهو لغو لا فائدة له ، فإن وقف عليهم قدر الثلث، وسوّى بينهم ولم يفضل فحكمه حكم الحالة الثانية \rفإن منعنا الوصية للوارث أصلاً مع الإجازة فلا تنفذ، وإن صححنا بالإجازة تنفذ  ويلزم، ولا حاجة إلى الإجازة؛ لأنه لا يشتمل على تفضيل كما ذكرناه \rفأمّا إذا فضّل أحدهما على الآخر، مثل أن يقف دارًا هي ثلث الميراث على ابنه وبنته نصفين، قال الأصحاب: للابن أن يرد الوقف في ربع الدار ؛ إذ به المفاضلة، فيقسم ذلك الربع بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ويبقى نصفها وقف على الابن، وربعها وقف على البنت، والربع الباقي ملك لهما، للذكر مثل حظ الأنثيين ، وفي هذا هفوة تنبه لها الشيخ أبو علي، وهو أن استبداد الابن بنقض الوقف في ربع الدار وهو لا يأخذ جميع الربع لا وجه له؛ فإنه سيرد ثلث الربع إلى تلك المرأة فيكون نقضًا للوقف عليها فيما يرجع الملك فيه إليها، وليس له ذلك، بل حقه أن يقول أنا أنقض الوقف في سدس الدار ليكمل الثلثان من الدار وقفًا وملكًا، ويبقى ثلث الدار للمرأة وقفًا ","part":1,"page":324},{"id":821,"text":"فإن أرادت المرأة رد الوقف في نصف السدس من الدار فلها ذلك؛ ليدفع به التفضيل؛ إذ الموقوف من نصيب الابن ربع ما في يده، فللمرأة أن تنقض الوقف في الجميع ، ولعل مراد الأصحاب إجراء المسألة إذا رضيت به المرأة أيضًا، فإن لم يكن ذلك مرادًا فهو خطأ، والصحيح ما ذكره الشيخ أبو علي \rوعلى هذا القياس إذا وقف على امرأته وابنه دارًا هي قدر الثلث بنصفين، فقد فوّت على الابن ثلاثة أثمان الدار، فله أن ينقض الوقف في ثلاثة أثمان الدار فتحصل في يده سبعة أثمان: أربعة وقف، وثلاثة ملك ثم للمرأة أن تقول: لا أرضى بكمال حقي وقفًا، فأنقض الوقف في ثلاثة أسباع ما في يدي، فلها ذلك أيضًا؛ دفعًا للتفضيل \rفلو قال الابن: أضم الأثمان الثلاث إلى نصفي وقفًا عليّ، ولا أنقض الوقف، فليس له ذلك؛ لأن ذلك يخالف شرط الواقعة، فإنه لم يوقف عليه أكثر من النصف \rالمسألة الثانية: أن يوصي للوارث والأجنبي  جميعًا، وله صور:\rفالصورة الأولى: أن يوصي للأجنبي بالثلث، ولبعض الورثة بجميع المال؛ وأجيزت جميع الوصايا، فللأجنبي الثلث كاملاً، لا يزاحمه الوارث فيه، والباقي للوارث \rومثل هذا لو أوصي لأجنبي بجميع المال، ولأجنبي آخر بثلث المال وأجيزت الوصايا، وتزاحم صاحب الثلث وصاحب  الجميع في الثلث، فيوزع الثلث عليهما نصفين، والباقي لصاحب الجميع \rوهذا ينبه على أصل: وهو أن الثلث للأجنبي مسلّم من جهة الورثة، لا يتصور منهم مزاحمة فيه؛ هكذا حكاه الأستاذ أبو منصور حكاية عن ابن سريج ، وهذا لا ينفك عن احتمال، فإن الوارث لا يزاحم بالإرث الأجنبي عن الثلث، وهذه مزاحمة بالوصية ، وكل هذه المسائل نفرعها على نفوذ الوصية للوارث عند إجازة الورثة، وإن لم يجز الورثة الوصايا فللأجنبي الثلث الكامل ولا شيء للوارث ","part":1,"page":325},{"id":822,"text":"الصورة الثانية: أوصى لأجنبي بنصف ماله، ولوارث بجميع المال، فأجيزت الوصايا، فللأجنبي الثلث لا يزاحم فيه، وبقي من وصيته السدس تكملة النصف ، والنظر في الثلثين فللوارث الموصى له نضرب في الثلثين بالجميع، والأجنبي بالسدس، فنجعل الثلثين ستة، ونثبت سدسًا عائلاً للأجنبي، ونقسم الثلثين على سبعة أسهم، للوارث ستة أسباعه، وللأجنبي سبعه، وتصح الفريضة من أحد وعشرين سهمًا، للأجنبي سبعة أوّلاً، ثم له سُبع الباقي، وهو سهمان فيصير له تسعة، وهو ثلاثة أسباع المال، والباقي للابن \rالصورة الثالثة: إذا أوصى لأحد ابنيه بالنصف ولأجنبي بالنصف ورضي الجميع بالقضية، فهذه المسألة سئل عنها القفال ببخارى ، فبادر وقال: للأجنبي النصف، وللابن الموصى له بالنصف النصف ، فقيل: هذا على خلاف المذهب، ونقلوا عن ابن سريج أنه  قال: للأجنبي النصف، وللابن الموصى له الربع والسدس، ويبقى نصف سدس فهو للابن الآخر إرثًا \rقال القفال: لما تبيّنت جواب ابن سريج: أطلت فكري فيه حتى خرّجت المسألة على وجهين مبنيين على أصل مختلف فيه، وهو أنه لو أوصى لأحد ابنيه بالنصف فيفوز بهذا النصف، والنصف الباقي يقسم بينهما نصفين ، وكل ما نذكره عند جريان الإجازة والتفريع على تصحيح الوصية للوارث \rفأمّا إذا أوصى لأحد الابنين بما يزيد على نصيبه وهو الثلثان أيضًا، فيفوز بالثلثين وهل يشارك في الباقي ويتشاطرا فيه وجهان:\rأحدهما: أنه يشاطر كما في صورة الوصية بالنصف؛ فإنما المعني بالوصية تخصيصه بالقدر الموصى به من رأس المال، وقد جرت الإجازة، وهذا هو القياس \rوالثاني: أنه لا حق له في الباقي؛ إذ هذا قد يطلق ويراد به تخصيصه بهذا القدر، والتفضيل به بخلاف النصف، فإنه لا معنى لطلب التخصيص، وإذا احتمل هذا واحتمل نقيضه حمله على الأقل ","part":1,"page":326},{"id":823,"text":"رجعنا إلى مسألتنا إن فرعنا على الأول، فما ذكره القفال يتخرج عليه، فإن الثلث مستحق للأجنبي من غير مزاحمة، يبقى ثلثان قد أوصى للابن منه بالنصف فيفوز به، يبقى سدس بين الابنين حقهما أيضًا يشتركان فيه إرثًا، فإذا أجازاه للأجنبي انصرف إليه نصف سدس من جهة كل واحد منهما، فيسلم للأجنبي النصف، وللابن النصف  قال القفال: وإن فرعنا على الثاني خرج عليه جواب ابن سريج، فإن الثلث سلم للأجنبي، بقي ثلثان؛ التوريث يقتضي لأحد الابنين الثلث، فخصص بما يزيد على حقه، فيقطع حقه عن الباقي، والباقي بعد هذا النصف سدس خالص للابن الذي لم يوصى له به، والأجنبي يطلب سدسًا آخر، وقد صدرت الإجازة منهما، فتنفذ إجازة كل واحد من النصيب الذي خلص له، فيصرف نصف سدس من النصف الذي سلم لذلك الأجنبي  بجهة الإجازة، ويصرف الآخر أيضًا بما خلص له وهو السدس نصف سدس، فيبقى له نصف سدس إرثًا، ويرجع نصيب الموصى له إلى سدس وربع \rقال الإمام: والصحيح جواب القفال ، وهذا التخريج تكلّف واحتيال؛ فإنه إذا جرت الوصيتان مستوعبتين للمال، وقد أجازهما الابن الآخر مع العلم بحقيقة الحال، فقد قطع حقه عن جملة الميراث، وله ذلك، فيستحيل أن يطرقه نصف سدس وهو معرض عن الجميع، وهذا الذي ذكره الإمام جليّ ، ولكن يتوجه عليه إشكال في أن السدس الزائد الذي أخذه الأجنبي استفاده من إجازتهما أو من إجازة أحدهما، فإن استفاده من إجازة أحدهما، وهو الذي لم يوصى له، فينبغي أن لا يكون لرد الموصى له وصية الاجنبي أثر، ولا شك في أن له أثر إذا فرض، وإن استفاده من إجازتهما، فهو ترك للتفريع على قطع حق الموصى له بما يزيد على نصيبه عن الباقي ","part":1,"page":327},{"id":824,"text":"الصورة الرابعة: إذا أوصى لأحد ابنيه بنصف المال، ولأجنبيي بنصف المال، ولأجنبي آخر بثلث المال، فيفرع على ما قاله القفال، ولا يلتفت إلى غيره؛ فإنه الحق، ويقول: يسلم ثلث الأجنبيين مفرزًا من غير زحمة، يبقى ثلثان، وقد بقي للأجنبيين النصف، وللابن النصف فيتضاربون في الثلثين، فالثلث للابن، والثلث للأجنبيين، وما حصل للأجنبيين يقسم بينهما على خمسة، سهمان لصاحب الثلث، وثلاثة لصاحب النصف، فإن بينهما تفاوتًا في أصل الوصية على هذه النسبة إذا أوصى لأحدهما بسدس المال، وللآخر بثلاثة أسداسه، وقد حصل للابن الموصى له بالنصف على ثلث، والأجنبي الموصى له بالسدس يزيد حقه على الثلث، والسبب في دخول النقصان عليه أنه لا يزاحم الأجانب في الثلث، وما أوصى له به كأنه أوصى بعد الثلث من الباقي ، هذا  إذا أجاز جميع الورثة\rفأما إذا أجاز الابن الذي لم يوص له، وقال الموصى له: أنا أرد ما يتعلق بحقي من الوصية الزائدة على الثلث في حق الأجنبيين، قال الأستاذ أبو منصور: طريق إخراج المسألة أن يقيمها أولاً من ستة، للأجنبيين سهمان من غير زحمة، وهو الثلث إلى أن تتبيّن نسبة القسمة بينهما، يبقى أربعة أسهم بين الابنين، فنقول سهمان في يد الموصى فيفوز الموصى له بسهميه فهو كمال حقه من الأرث لو لم تعرض وصيّة زائدة على الثلث لأجنبي، ومهما رد الوصية فكأنه يطلب تمام حقه من الميراث بعد تمام الثلث للأجانب، وكأنه انقلب إلى جهة الميراث في هذين السهمين؛ لأنه يستحق رد الوصايا، أعني بجهة الميراث، لابجهة الوصية ","part":1,"page":328},{"id":825,"text":"ومن الدقائق التي لا بد من الإحاطة بها أنه مهما أوصى لأحد ابنيه بنصف المال، ونفّذناه وأشركناه في الباقي، فكأنه أبطل حق نفسه عن دفع الميراث، وانقلب إلى الوصية؛ فإن النصف الموصى له به كان يملك نصفه بجهة الميراث لولا الوصية، ففي مسألتنا لو أخذ بجهة الوصية لما تصور تسلطه على رد وصيّة غيره انقلابًا إلى جهة الإرث في مقدار حصته، وهو السهمان، فيبقى سهمان في يد المجيز، وهو مستغرق بالوصايا مضرب فيه والأجنبيان على نسبة واحدة؛ لأن نسبة مالهما بعد الثلث يساوي نسبة الوصية للابن وهو النصف فيقسم عليهم بالسوية، النصف للابن، والنصف للأجنبيين، ثم يجمع جميع ما حصل للأجنبيين، ويقسم بينهما على خمسة، كما ذكرناه، فيتحصل الابن الموصى له على النصف عند الرد، وكأن التحصيل على نصف كامل في حالة الإجازة \rالصورة الخامسة: إذا أوصى بثلث ماله لأجنبي ووارث، فرّده الوارث فللأجنبي سدس المال ؛ لأنه أوصى لهما بالثلث على صيغة التشريك \rوقال أبو حنيفة: له كمال الثلث ، وهو  مذهب سخيف لا وجه له \rنعم لو أوصى للأجنبي بالثلث، وللوارث بالثلث فرد، فللأجنبي كمال الثلث ، ولو قال الورثة: نقصر الوصيتين على الثلث ثم نرد وصية الوارث حتى يبقى للأجنبي سدس، وكان ذلك محاولة محال، فليس لهم ذلك؛ لأنه أوصى لأجنبي بكمال الثلث، فليس للورثة زحمته عن ذلك بحال ","part":1,"page":329},{"id":826,"text":"الصورة السادسة: أوصى للأجنبي بثلث، ولأحد ابنيه بثلث، ولابنه الآخر بثلث، فأجاز كل واحد من الابنين لصاحبه، وردوا وصية الأجنبي، فللأجنبي الثلث كاملاً، ولا أثر لردهما في حقه ، وحكى الصيدلاني عن القفال وجهًا: أن للأجنبي ثلث الثلث، لأن ثلثه شائع في الإتلاف، وقد رد الاثنان حقه عن ثلثيهما ، وهذا مزيف غير معدود من المذهب ، فإن الوارث ليس ينقص حق الأجنبي من الثلث لا بجهة الإرث، ولا بجهة الوصية بالثلث، الكل واحد، لا معنى له، فإنه مقصور على قدر الاستحقاق فهو لغو لا أثر له \rالمسألة الثالثة  في الوصية للوارث: فإن تخصيص كل وارث بعين قيمته على مقدار حصته، فقد اختلف الأئمة فيه منهم من قال: هذه وصية تتعرض للرد والإجازة؛ فإن للناس في أعيان الأموال أغراض \rومنهم من قال: ليس للوارث الاعتراض على هذا، بل هو نافذ لازم؛ لأن حق الورثة في مقادير المالية، لا في الأعيان؛ بدليل ما لو باع من الوارث في مرض الموت بثمن المثل؛ فإنه صحيح لازم لم يفوّت قدرًا من المالية \rالركن الثالث: في الموصى به\rوالمشروط فيه أن يكون موجودًا، مختصًا بالموصي منتفعًا به، غير زائد على الثلث ، ولا يشترط كونه مالاً ، ولا كونه معلومًا ، ولا كونه مقدورًا على تسليمه ، فإن الوصية بالحمل في البطن جائز، وقد عدم فيه الشرطان ، وكذا الوصية بالشيء المجهول مقداره، وجنسه  والآبق، والمغصوب ، والمعني بقولنا: لا يشترط كونه مالاً: صحة الوصية بالكلب، وجلد الميتة، والخمرة المحترمة  على ما نفصله \rأما الشرائط الأربع التي ذكرناها: فأولها الوجود، وفيه خلاف  نعم، لا خلاف في جواز الوصية بمنافع الدار، وهي معدومة، ولكنّ الشرع قدّر لها الوجود؛ لأن مصيرها إلى الوجود لا محالة ، أما نتاج الشاة والجارية والحمل الذي سيكون، ففي الوصية به وجهان مشهوران:","part":1,"page":330},{"id":827,"text":"أحدهما: الجواز كما في المنافع، والوصية تحتمل ما لا يحتمل غيرها من العقود\rوالثاني: المنع؛ لأن العقد لا بد له من مرتبط في الحال، ومصير المنافع إلى الوجود اعتيادًا، فكان في حكم الكائن، بخلاف الحمل؛ فإنه غيب لا يطّلع عليه\rوأما الثمار التي ينتظر وجودها في الوصية بها طريقان: منهم من ألحقها بالنتاج؛ لأنها أعيان، ومنهم من ألحقها بالمنافع؛ لاطّراد الاعتياد بها\rالشرط الثاني: الاختصاص بالموصي، والمعني به: أن وصيّته بالحر، وبمال غيره لاغ لا أثر له\rالشرط الثالث: أن يكون منتفعًا به، والمعني به: أنه لا تجوز الوصية بالخمرة التي لا تحترم، وبالكلب الذي لا ينتفع به، وهو الذي لا يحل اقتناؤه، وبطبل اللهو، والمعازف، وهو الذي يجب كسرها وترضيضها، فمنفعتها ساقطة شرعا\rوتصح الوصية بالزبل، والكلب المنتفع به، والخمرة المحترمة، والجلد القابل للدباغ، والجرو الذي سينتفع به ينبغي أن يلحق بالكلب المنتفع به، وإن نبهنا على خلاف فيه في كتاب البيوع؛ فإنه يضاهي جلد الميتة، وسبب تجويز الوصية بذلك كله مع منع البيع يشبه الوصية بالوراثة، فكأن الوصية خلافة اختيارية، كلما يختص الموصى به وينتفع به انتفاع الموصي صحت الوصية به، واحترزنا بذلك عن القصاص، وحد القذف؛ فإن الإرث جار فيهما دون الوصية؛ لأن تشفي العائد يحصل للوارث دون غيره\rفروع تتعلق بالكلب، والطبل:\rأحدها: أنه لو لم يكن له كلب معيّن، فأوصى بكلب لم تصح الوصية؛ لأن مقتضاه شراء الكلب وتسليمه، ولا سبيل إلى بذل المال في مقابلة الكلب\rالثاني: في كيفية خروج الكلب من الثلث: فإن كان له مال، قال الشيخ أبو علي صحّت الوصية بكلاب كثيرة، وإن لم يملك إلا دانقا؛ لأنه مضمون وقال: الكلب غير مضمون، وهو خير منها","part":1,"page":331},{"id":828,"text":"وحكى العراقيون وجهًا: أنه وإن ملك أموالاً جمّة، وأوصى بكلب فلا تنفذ وصيته إلا في ثلث الكلب؛ لأنه لا مجانسة بينه وبين المال حتى ينسب إليه، فيقدر كأن لا مال ، وهذا بعيد لا أصل له \rفأما إذا لم يملك إلا الكلاب فأوصى ببعضها، نفذ في الثلث ، فكيف يُخرّج من الثلث فيه ثلاثة أوجه:\rمنهم من قال ينظر إلى العدة؛ فإنه لا قيمة له \rومنهم من قال: نقدر له قيمة \rومنهم من قدر الثلث من المنفعة، وهو قريب من تقدير القيمة \rولو لم يكن له إلا أزقة خمر، وكلاب، وأهب غير مدبوغة، فأوصى ببعضها، فيعتبر ها هنا تقدير القيمة؛ إذ لا تتجانس منافعها ولا تتناسب أعدادها ، ومن أصحابنا من طرد النظر إلى العدد \rالثالث: لو أوصى بطبل لهو ، وكان يخرج عن صلاحية اللهو بأدنى تغيّر، ويبقى اسم الطبل، ويصلح للحرب، قال أصحابنا: هو صحيح ؛ لأن الاسم الذي اعتمد به الوصية باق مع التغيير، وليس كذلك ما لو أوصى بطبل لهو ورضاضة على الجملة يتمول، فلا تنزّل الوصية على الرضاض؛ لاعتماد اسم الطبل، نعم لو قال: أوصيت برضاض هذا الطبل صح ، وكان تقدير كسر الطبل وتعليق الوصية به والوصية تقبل التعليق ، ولا يصح البيع على هذا التقدير\rفأما إذا باع إناء من فضة، أو شيئًا من المعازف من الذهب مثلاً، فيحتمل تصحيح البيع؛ فإن المقصود من هذا الجنس رضاضه ونفاسة جنسه، بخلاف الملاهي من الخشب فإن المقصود الأظهر منها صنعتها  \rالشرط الرابع: أن لا يكون الموصى به في مقداره زائدًا على الثلث ، قال رسول الله \\: >إن الله أعطاكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة على أعمالكم<  فالزائد على الثلث إذا أوصى به ففيه قولان:\rأحدهما أنه باطل ، ولو أجازه الورثة كان ابتداء عطية؛ لأن حق الوارث متعلق به، فيبطل تصرفه كحق الراهن ","part":1,"page":332},{"id":829,"text":"والثاني: أنه تنفيذ، والوصية منعقدة ولزومها موقوف على الإجازة؛ لأنه صادف ملكه الخالص، ولذلك جاز له أن يصرف ماله إلى أوطاره \rالتفريع: إن قضينا بأن إجازة الوصية  ابتداء عطية، فيبتنى عليها أحكام الهبات: من الحاجة إلى الإقباض، وجواز الرجوع في محله، وانصراف الولاء في العتق إلى المجيز، وغيره من الأحكام \rوهل ينفذ بلفظ الإجازة  فعلى وجهين:\rأحدهما: أنه لا ينفذ؛ فإنه يسير إلى أمر سابق، وما سبق باطل، ولا بد من استئناف أمر \rوالثاني: أنه يصح؛ لأنه ابتداء، وهو محصّل مقصود التقرير \rوهذا يبتنى على أن النظر في العقود: إلى الألفاظ، أو إلى المقاصد وفيه خلاف تكرر في مواضع ، فإن قيل: فلو خلف عبدًا، وأبناء؛ وأعتق العبد، وأجازه الابن؛ فأي فائدة في صرف الولاء على هذا القول إلى الابن، ولو كان للأب لورثه الابن، فإن فائدة الولاء لا تظهر إلا في الميراث  قلنا: تظهر فائدته فيما لو كان الأب والابن كلاهما معتقين لرجلين، فإذا مات الابن رجع نصيبه إلى معتقه، ونصيب الأب إلى معتق الأب \rفرع: إذا أوصى بما يزيد على الثلث، ولا وارث له سواه ، لم تنفذ ، وليس للإمام الإجازة إذا جعلناها ابتداء عطية  نعم، لو ظهر مصلحة في تلك الجهة، فللإمام وضعه فيها ، فإن جعلناها تنفيذًا فلا وجه له مع انتفاء المصلحة، وإن ظهرت مصلحة فقد ردد القاضي جوابه ، فقال مرة: له ذلك؛ لانطباقها على المصلحة؛  أثبتنا الإجازة في الوضع على الإرادة، لا على المصلحة، فلا وجه للتنفيذ\rوقيل: الأظهر جواز التنفيذ، نعم إن تغيبت المصلحة، فلم تظهر أهواؤهم فيها، فلا حاجة إلى التنفيذ، بل يتعين الصرف إلى أهم المصالح نعم، على القاضي إظهار ذلك؛ فإنه منوط برأيه، وإن ظهرت مصلحة أخرى تماثلها، وكان القاضي يتخير في التعيين لولا الوصية، فينقدح احتمال في أن الوصية هل تعين هذه المصلحة، والأولى الربط برأي الإمام، هكذا حكم الوصايا ","part":1,"page":333},{"id":830,"text":"وكل تبرع مضاف إلى ما بعد الموت، فلا يفترق الحال في وجوب احتسابه من الثلث بين: أن يكون إنشاؤه في حالة المرض، أو في حالة الصحة، ويلتحق به التدبير\rفأما التبرعات المنجزة في الصحة، فنافذ من رأس المال، والمعاوضات، والتصرفات التي لا تبرع فيها تجب من رأس المال، سواء كان في المرض، أو في الصحة \rأما التبرعات في مرض الموت فإن نجزت ألحقت بالوصايا في وجوب احتسابها من الثلث ، وعند هذا يتصدى النظر في أمرين، أحدهما بيان مرض الموت، والآخر التبرع\rالأول: في مرض الموت:\rونعني به كل حالة مخوفة يستعد الإنسان بسببها لما بعد الموت ، وهي على أربع مراتب:\rالرتبة القصوى: أن يقارن الموت بحيث يراه، وقد شخص بصره، وجرض بريقه ، إما من مرض، أو جرح عظيم، كقطع الحلق، والمري، وشق الجوف، وإخراج الأحشاء، فهذا حكمه في النطق حكم الميت، فلا ينفذ له قول ، ولا يقبل له توبة ، وقال تعالى: {ک ک گ  گ گ گ         } \rالرتبة الثانية التي هي مقابلة هذه في غاية البعد: ما له حكم الصحة، وهو كل عارض غير مخوف، كوجع الضرس، والرمد، والحمى اليسيرة، والسل ، والفالج ، وبالجملة ما لا يستشعر  الإنسان به الموت فلا يستعد بسببه للآخرة بين المرتبتين، وسار فيهما النظر \rالرتبة الثالثة: المرض الشديد الذي يستعد الإنسان بسببه لما بعد الموت، فتبرع الإنسان فيه محسوب من الثلث إن اتصل به الموت، وهو في الحال ينفذ إلى أن يتبين، فإن صح احتسب من رأس المال ، فهذا النوع من المرض أقسام كثيرة يعدّها أهل الطب، ولكنا نذكر ما ذكره الشافعي رحمه الله؛ ليُستدل به على غيره\rالأول: الحمى إن لم تكن مطبقًا، كالغبّ، والربع، فليست مخوفة بمجردها ما لم ينضم إليها علة أخرى؛ لأن القوة تعاود في يوم الزوال، وينجبر به الضعف ","part":1,"page":334},{"id":831,"text":"وإن أطبق فليس في حد الخوف في يوم ويومين، ولكن إذا دام فظهر الضعف فهو مخوف؛ إذ يتولد منه مخطرة، فإن حصل مع الغبّ، والرّبع علة أخرى كذات الجنب ، والبرسام ، والقولنج ، وهذه دون الحمى مخوفة، فكيف مع الحمى \rالثاني: الإسهال إن كان مسترسلاً وسقطت قوة الأسر والماسكة ؛ فهو مخوف؛ لأنه يسقط القوة، وإن كان مقطعًا مع بقاء القوة الماسكة في الأسر، وكل ذلك يومًا ويومين، فليس بمخوف، وإن دام واتصل صار مخوفًا بسبب دوام الضعف، وإن انضم إليه زحير  وتقطيع، وهو الخروج شيئًا شيئًا بشدة، فهو مخوف  ونقل المزني: أنه إن كان يتأتى معه الدم في الخلاء فليس بمخوف  ونقل الربيع: أنه إذا خرج الدم فهو مخوف  فمن الأصحاب من غلّط المزني وقال: هو مخوف ، ومنهم من نزّل على حالين، وقال: إن خرج الدم من المقعدة فهو كما قال المزني، وإن كان مسيل الدم من الكبد، ومن المواضع الشريفة فهو كما قال الربيع \rالثالث: غلبة الدم ومساورته مخوف، وذلك بأن ينتفخ جميع البدن مع الحمى، وهو الطاعون ، وأخرى بأن ينصب إلى بعض الأطراف، وينتفخ ذلك الموضع؛ لأن هذا انطفاء البرودة الغريزية، والأول يطفئ الحرارة الغريزية  \rالرابع: غلبة البلغم، وهو بداية الفالج، فهو مخوف؛ فإنه في الابتداء يتعقل اللسان، وتسقط القوة ويهلك، فإن انطلق اللسان وعادت القوة، وبقي الفلج في الأطراف فليس بمخوف وإن كان مزمنًا بطيء الزوال ، وكذلك السل ليس بمخوف، وإن كان يعلم أنه لا يزول إلى الموت، ولكنه كالهرم \rالخامس: الجراحات، فما انتهى إلى الجوف مخوف ، وما لم ينته : فإن حصل انتفاخ، وورم، ومدّة ، فهو مخوف، وإلا فلا \rوبالجملة إذا أشكل كل شيء من ذلك فالرجوع إلى أهل الصنعة، وهما طبيبان عدلان مسلمان، ولا يلتفت إلى أهل الذمة ","part":1,"page":335},{"id":832,"text":"فرع: قال الأصحاب: الحمى اليسيرة إن اتصل الموت به على بعد تبيّن أنه كان مخوفًا، والتبرع فيه محسوب من الثلث، كما أن المخوف إذا استعقب السلامة تبيّن أنه غير مخوف ، وما قدمناه من الحمى اليسيرة، معناه أنه في الحال لا يمنع بناء على استمرار السلامة، وإن وهب جميع المال ، وإذا كان مخوفًا، فإذا زاد على الثلث منعناه من الحال، بناء على ظاهر الخوف \rالرتبة الرابعة: ما يندر بسببه الموت، ولا يمس البدن، وله ست صور:\rالأولى: المقاتل، وقيل القتال، فليس بمخوف، فإن وقف فالمخوف هي الفئة القليلة دون الكثيرة كثرة ظاهرة يوقن بها \rفإن تقارنا: نقل المزني: أنه مخوف ، وعطاياه من الثلث، وحكي عن الإملاء أنه يحسب من رأس المال، وقالوا: فيه قولان \rالثانية: الأسير إن وقع في يد قوم لا يقتلون الأسرى فليس بمخوف ، وإن كان عاداتهم القتل: نقل المزني: أن عطيته من رأس المال ، ونقل في الإملاء خلافه، فقيل: قولان \rالثالثة: راكب البحر قبل الاضطراب آمن، وبعد الاضطراب أمره على القولين \rالرابعة: من عليه القصاص بعد إقامة الحجة من قبل الجرح، نقل المزني: أنه ليس بمخوف   وقال أبو إسحاق: هو كالأسير في يد قوم يقتلون ، والنص فيه أنه مخوف ، ففيها قولان: بالنقل، والتخريج  ومنهم من فرق بأنّ الرحمة متسارعة إلى قلوب المسلمين \rالخامسة: إذا ظهر الطاعون، والوباء، والموتان في بلد، فحكم كل صحيح قبل أن يلقاه الطاعون على القولين ، وترخية الكل إما في قول ينظر إلى استشعار خوف يستبعد الإنسان بسببه الهلاك، وإذا جرى سببه وإن لم يمس بدنه ، وفي الثاني يعتبر أن يلم ببدنه، فإن المقدمات لا ضبط لها \rالسادسة: الحامل ليس بمخوف قبل أن يضربها [الطلق] ، فإذا ضربها فهو مخوف، وإن كان بسبب سقط ، وفيه قول: أنه ليس بمخوف  وقال مالك: إذا تصرم مدة الحمل ستة أشهر صار مخوفًا، فتعتبر تصرفاتها من الثلث ","part":1,"page":336},{"id":833,"text":"النظر الثاني في التبرعات: وله طرفان:\rالأول: بيان حد التبرع، وهو إزالة الملك عن مملوك يجري الإرث فيه من غير لزوم، وأخذ عوض يقابله ، ويخرّج عليه مسائل\rالأولى: الهبة، والعتق، والتدبير، وتعليق العتق بالصفات، والصدقات التي ليست بلازمة، كل ذلك محسوب من الثلث؛ إذ لا مقابل له، ولا خوف، وكذلك إذا وهب في الصحة وأقبض في المرض؛ لأن القبض هو مزيل الملك ، فأما ما يؤديه من الزكاة، والكفارة الواجبة ، ويوصي بحج الإسلام، فيجب من رأس المال، وكذلك القول في قضاء ديون الآدميين \rالثانية: إذا أخذ عوضًا هو ثمن ما بذله من المال لزم من رأس المال، وهو البيع، وأصناف المعاوضات سواء كان مع أجنبي، أو وارث \rوقال أبو حنيفة: البيع من الوارث في مرض الموت لا يصح ، وكذلك إذا قضى دين بعض الغرماء تخصيصًا لم يكن للباقين المنع ، بخلاف الفلس؛ فإن هذا لم يكتب عليه حجر في الحال إلا عن التبرع، وخالف أبو حنيفة في  هذا ، وفي البيع من الوارث ، أما إذا اشتمل البيع على المحاباة فهو في قدر المحاباة حكمه حكم التبرع الواهب ، ولو كاتب عبده احتسب من الثلث، وإن كان بثمن المثل؛ فإن ما يأخذ من كسب عبده فهو ملكه، فليس بعوض محقق \rالثالثة: إذا نكح امرأة بمهر مثلها لزمه المهر من رأس المال ، وإن زاد على مهر المثل فالزيادة تبرع من الثلث ، وإن نكحت المريضة بأقل من مهر المثل فلا معترض؛ فإنها ما أزالت ملكا عن مال إذ البضع ليس بمال، ولكنها امتنعت عن اكتساب زيادة \rالرابعة: لو أجر المريض عبده بأقل من أجرة المثل، ففيه خلاف، والأصح أنه من الثلث ؛ لأن إجارة العبيد، والدواب معتاد، فإذا نقص قُدّر محاباة في العرف \rالخامسة: إذا أوصى بأن يباع عبده من زيد، وجب تنفيذه ","part":1,"page":337},{"id":834,"text":"وقال أبو حنيفة: لا؛ إذ لا غرض فيه  قال القاضي: ويحتمل ذلك؛ بناءً على قولنا إنه لو خصص كل وارث بعين على وفق حصته لا يقف على الإجازة ، ويدل ذلك على أنه لا عبرة بمحض الاختصاص بالعين، وكذلك البيع من الوارث بثمن المثل في المرض، فإن قلنا: هو يفتقر إلى الإجازة صحّت الوصية \rالطرف الثاني: في كيفية التنفيذ من الثلث: فنقول: إن اتسع لجميع الوصايا، والتبرعات المنجزة نفذت ، وإن ضاقت فلها أحوال:\rالحالة الأولى: أن تكون [التبرعات]  كلها معلقة بالموت لا منجز فيها، وهي متساوية، فيتضارب أربابها في الثلث، ولا مزية لأحد ، إلا إذا كان فيها عتق، أو تدبير فهل يقدم على سائر الوصايا فيه قولان:\rأحدهما: لا؛ لأنها متساوية في وقت الاستحقاق \rوالثاني: يقدم العتق ؛ لأن لنفس العتق قوة السريان إلى الملك، فكيف لا يزاحمه عند الازدحام \rولو دبّر عبدًا وأوصى بعتق آخر فلا يقدم ها هنا   وليس كذلك لو نجّز عتق عبد في مرضه، ودبّر آخر، أو أوصى بعتقه، فإن المنجز عتقه يقدم بسبب التقدم في الوجود كما في هبتين في المرض، إحداهما سابق ، وقال أبو حنيفة: يسوى بين العتق المنجز، والموصى به \rالحالة الثانية: أن تكون التبرعات منجزة في حالة المرض، ليس فيها متعلق بالموت، فيُبدأ بالأول فالأول، مهما كانت متجانسة ؛ لأن الأول لزم في حق المتبرع، وإنما كان يحسب من الثلث في حق الوارث، فإذا استوفى الثلث بهبة المنجزة ، فبعد ذلك لا ينفذ له هبة، ولا وصية إذا بان كونه مرض الموت باتصال الموت به ، وعلى هذا لو وهب أولاً وأقبض ثم أعتق، فالأول هو السابق، ولا يقدم العتق لقوته بعد وجود المتأخر  وقال أبو حنيفة: يسّوى بين العتق والهبة، فلذلك قوة السبق، ولهذا قوة العتق ، وهو ضعيف؛ لأن القوة إنما تنفع عند المساوقة ، أما إذا فات الملك من قبل، فلا معنى لقوة العتق بعد هذا إذا كانت متوالية في المرض ","part":1,"page":338},{"id":835,"text":"الحالة الثالثة: أن تكون متساوية في المرض لا يقدم فيه ولا يؤخر، فإن كان كله عتقًا أقرع بين العبيد ، وإن كان كله هبة تضاربوا، وقسّم عليهم ، والفرق أن قسمة العتق على العبيد يؤدي إلى تبعيض الحرية، وفيه عسر، بخلاف الملك بين العبيد ، وقد ورد في الإقراع الخبر أيضًا  وإن كان فيه عتق وهبة، ففي تقديم العتق القولان المذكوران في الاجتماع عند التعليق بالموت \rفروع:\rالأول: إذا قال وله عبدان: سالم، وغانم، قال لغانم: إن أعتقتك فسالم حر، ثم قال لغانم: أنت حر، عتق بعتقه سالم، إن وفى الثلث ، وإن لم يف إلا بأحدهما عتق غانم دون سالم، ولا يقرع ؛ لأنه ربما تخرج القرعة على سالم، فيعتق بمجرد القرعة، من غير إعتاق في حقه، ومن غير وجود الصفة التي علق بها عتقه، وهو عتق غانم، فتعين له غانم ، ولا فرق بين أن يقال لسالم: فأنت حر بعد غانم، أو معه،  أو قبله؛ لما ذكرناه من الشرط \rوذكر آخرون وجهًا فيما إذا قال معه، أو قبله ، وهو بعيد؛ لأن تحصيل العتق المعلق دون الصفة محال، ومهما رق غانم انعدم الشرط في حق سالم في الصور كلها \rالثاني: المسألة بحالها، و له سوى غانم عبدان، فسالم وعاتق، علق عتقهما على عتق غانم، ثم أعتق غانمًا، ولم يف الثلث إلا بغانم، تعيّن العتق كما سبق ، فإن وفى به وبعبد آخر منهما عتق غانم، وأقرع بين عاتق ، وسالم؛ لأن الشرط قد تحقق، فأمكن الإقراع كيف ما كان \rالثالث: إذا علق عتق عبده بنكاح نفسه، إن تزوج في المرض عتق العبد، إن وفى به الثلث مهما لم يكن في المهر محاباة ، فإن كان ما سمّاه زائدًا على مهر المثل فهي أيضًا محاباة، فإن كان الثلث ليس يفي إلا بمحاباة المهر او بالعتق، قال المحاملي : يبدأ بالمحاباة؛ لأن العتق يقع بعد استحقاقه؛ لأن المشروط يتراخى عن الشرط ","part":1,"page":339},{"id":836,"text":"ولو قال: فأنت حر مع النكاح، قال: يقسط الثلث على العتق، والمحاباة؛ لأنهما جريا معًا ، بخلاف مسألة سالم، وغانم؛ لأن العتق ها هنا معلق بالزوجية، والزوجية لا تنتفي بانتفاء المحاباة، بخلاف عتق غانم، فإنه الشرط، فإذا انتفى انتفى المشروط ، وعلى هذا يلزم أن يقال: لو قال أنت حر قبل تزوجي بساعة، ثم تزوج، تقدم العتق أيضًا؛ لتقدمه من حيث الزمان، وهو كذلك\rالرابع: لو أوصى بعبد لإنسان هو ثلث ماله، ولكنّ ثلثا ماله غائب، فلا يجب على الوارث تسليم جميع العبد ؛ لأنه ربما يتلف الغائب ، ولكن في الحال هل يسلط الموصى له على ثلث العبد وكذلك إذا دبّر العبد فهل يقضى بتنجيز العتق في ثلثه في الحال فيه وجهان:\rأحدهما: نعم ؛ لأنه مستحق بكل حال، تلف الغائب، أو بقي، فالتوقف في القدر المستيقن لا وجه له \rوالثاني: لا ؛ لأن الأصل أ ن الموصى له لا يحصل على شيء ما لم يحصل الوارث على  مثليه، والوارث لا يمكنه أن يتصرف في الثلثين؛ لأنه متعين للاستحقاق إن رجع المال الغائب، فيتوقف إلى أن يتبيّن الحال في المال بالوصول إليهم ، فلو قال الورثة: نجعل الوصية المحصورة في العبد مشاعًا في جميع المال حتى يسلم لنا الثلثان من العبد، والموصى له الثلث في الحال، فليس لهم ذلك ، وقال مالك: لهم ذلك ، وهو فاسد؛ لأنه اعتراض على وصيته بالإبطال، والنقل إلى غير ما أوصى به مع وفاء الثلث ","part":1,"page":340},{"id":837,"text":"الخامس: المريض إذا قال لجاريته الحامل: إن أعتقت نصف حملك فأنت حرة، ثم قال: أعتقت نصف الحمل، فإن اتسع الثلث عتق الولد كله، والأم أيضًا بحكم السراية في الولد، والتعليق في الأم ، وإن ضاق وكان مجموع المال ثلاثمائة، الولد من الجملة مائة، والأم خمسون، فإذا عتق نصف الولد فقد عتق قدر خمسين، وبقي خمسون تمام الثلث، فيقرع بين نصف الولد والأم من غير ترجيح؛ إذ لا فضل للسراية على التعليق، فإن خرج على الولد كمال العتق له وقف الأم ، وإن خرج على الأم فلا يمكن أن يعتق حملها، ويبقى شيء من الولد رقيقًا، والولد بعض منها فيعتق بقدر خمسين منها على نسبة واحدة، ويحكم بعتق نصف الأم، وهو خمسة وعشرون، ويعتق بقدر خمسة وعشرين من الولد، وهو ربعه فيتكامل العتق للولد في ثلاثة أرباع، وللأم في النصف \rوإن كانت المسألة بحالها، ولكن قيمة الأم مائة، وخرجت القرعة على الأم، فيعتق ثلث الأم، وهو ثلاثة وثلاثون وثلث، ويعتق من الولد ثلث الباقي، وفيه تكملة الخمسين، وبه تمام الثلث ، فإن قيل فإذا لم يبعد أن يبقى بعض الورثة رقيقًا، وبعض الأم رقيقًا فاتصال الولد بالأم لا يزيد على اتصالها بنفسها، فلم يستحيل أن تعتق الأم إذا خرجت القرعة عليها خاصة قلنا ما نقل عن ابن سريج ما ذكرناه، والسؤال محتمل، ولكنه كأنه يقدر الولد في حكم عضو لا يقبل الانفصال عن الأم بخلاف البعض الشائع، والله أعلم، فليست المسألة خالية عن وجوه الإشكال، فليتأمل\rالركن  الرابع: في صيغة الوصية، وكيفية ترتب الملك عليها\rولا بد في الوصية من إيجاب وقبول\rأما الإيجاب فهو أن يقول: أوصيت بكذا، أو ملكته كذا، أو أعطوه، أو سلموا إليه، وكذلك كل لفظ يعبر بهذا الغرض \rولو قال: وهبت لفلان كذا وأراد به الوصية، لا تنجيّز الهبة، منهم من صحح كقوله ملكت ، ومنهم من منع فإنه صريح في الهبة المنجّزة ","part":1,"page":341},{"id":838,"text":"ولو أتى بصيغة الإخبار وقال: هذا العبد لفلان، لم يقبل منه حمله على الإيصاء؛ لأنه صريح في الإقرار  في الحال، إلا أن يقر به بما يفسد كونه إقرارًا، كقوله هذا العبد من مالي لفلان، فعند ذلك يقبل حمله على الإيصاء ، فلو قال: جعلت هذا العبد لفلان، فهو كقوله ملكت \rولو قال: عينت  هذا العبد لفلان، فهذا ليس صريحًا فإن التعيين يكون من وجوه، فقد يعينه ليوصي له، أو لتخصصه بخدمته ومنفعته، فهو كناية ، والوجه القطع بانعقاد الوصية بالكنايات إذا قال بعد ذلك أردت به الوصية ، وإن ذكرنا خلافًا في انعقاد البيع بالكناية ؛ لاستدعاء البيع جوابًا ناجزًا، وهذا إن استدعى قبولاً فليس يقترن بالإيجاب، ولذلك يقبل التعليق بالإغرار والإخطار \rوأما القبول فلا بد منه، ولا يشترط اقترانه بالإيجاب، بل لا أثر لوجوده ما دام الموصي حيًا، وإنما أوان القبول بعد موته \rولا تجب المبادرة أيضًا بالقبول بعد الموت بل إليه الخيرة في التقديم والتأخير  وفي كيفية ترتب الملك على القبول أو الموت، ووقت حصوله ثلاثة أقوال:\rأحدها وهو أبعد الأقوال: أنه يترتب على القبول، ولا يحصل بالموت؛ لأن القبول معتبر، فتحصيل الملك له قبل قبوله لا وجه له مع اعتباره \rوالثاني: أنه يحصل بالموت؛ لأن الوصية على مضاهاة الإرث، ولو حصل بالقبول لا فتقر إلى  القبول متصلاً بالإيجاب \rنعم لو جوزنا للموصى له أن يرد الوصية كي لا يحصل الملك له باختيار غيره قهرًا عليه \rوالقول الثالث وهو أظهر الأقوال نقلاً ومعنى: أن الملك موقوف ، فإن رد امتنع، وإن قبل تبيّنا استناده إلى الموت ، وهذا جمع بين نكت الأقوال؛ فإن القبول لا بد منه، وليس على قياس القبول في العقود، والموت أيضًا له أثر، فهذا أقرب الطرق \rفإذا حكمنا بالملك بالموت فالرد نقض له ، وإن لم نحكم بالملك إلا مرتبًا على القبول ففي الملك قبل القبول وجهان، أحدهما: أنه باق للميت","part":1,"page":342},{"id":839,"text":"والثاني: أنه للوارث ؛ إذ الوارث لا ملك له  وتظهر فائدة الأقوال في مسائل:\rالمسألة الأولى: في الزوائد الحادثة بعد الموت، وقبل القبول، كالنتاج، والثمار، والاكتساب، والعقر ، وغيرها\rفإن فرعنا على أن الملك حاصل بالموت واتصل به القبول، فالزوائد للموصى له، وله الغرم إن أتلف شيئًا منه ، وإن رد الوصية ارتد ملك الأصل ، وفي الزوائد وجهان:\rأحدهما: الارتداد بالتبعية؛ فإنه ملك ضعيف، فلا تبقى فوائده بعد انقلابه \rوالثاني: أنه يبقى للموصى له؛ لأنه نتيجة ملكه ورده مقصور على محل الوصية، وهو الأصل ، وهو كزيادة المبيع، لا ترد عند رد المبيع بالعيب ، وهذا يلتفت على الزوائد في مدة الخيار إذا أفضى العقد إلى الفسخ وقلنا الملك للمشتري، فقد ذكرنا خلافًا في أنه هل يبقى على المشتري، والإبقاء في الوصية أبعد؛ إذ لم يسبق من جهته اختيار أصلاً، بخلاف الشراء إن فرعنا على أن الملك موقوف فينظر إلى عاقبة الأمر من رد وقبول، ولا يخفى ترتيب الحكم عليه ، وبالرد والقبول يتبين ملك لازم من وقت الموت، إما للوارث، أو للموصي\rوإن فرعنا على حصوله بالقبول، نظر: فإن رد لم تكن الزوائد للموصى له، بل هو للوارث ، وهل يقضى منه الديون يبتنى على الوجهين في أن الملك قبل القبول على هذا القول للميت، أو للوارث   إن قلنا للميت تقضى منه الديون والوصايا ، وإن قلنا للوارث فوجهان بناء على أن زوائد التركة هل يتعدى إليها تعلق الديون وفيه خلاف، والظاهر أنه لا يتعدى كالرهن ، ووجه التعدي لا خروج له إلا على وجه منع إجراء ملك الوارث في التركة بسبب الدين ، فأما إذا قبلها ففي الزوائد وجهان:\rأحدهما، وهو قياس القول: أنها للوارث \rومنهم من قال: للموصى له؛ نظرًا إلى قرار الملك ","part":1,"page":343},{"id":840,"text":"ومثل هذا مذكور في الزيادة في مدة الخيار، إذا قلنا: الملك للبائع، وأفضى إلى اللزوم، فعلى وجه هو للمشتري؛ نظرًا إلى القرار آخرًا وإلى ضعف ملك البائع للجواز أوّلاً \rالمسألة الثانية: في المغارم كزكاة الفطر، والنفقات، والمؤن، فإن فرعنا على الوقف لم يخف أمره ، وإن قضينا بحصول الملك عند القبول انتفى عنه المغارم عند الرد، وإن قبل فكمثل ، ولا أحد ينظر إلى القرار في المغارم كما ذكرناه في الفوائد ، وكان يحتمل أن يقال الغرم في مقابلة الغنم ، فإن فرعنا على أن الملك يحصل بالموت، فإن قبل فالمؤن كلها عليه ، وإن رد الوصية فلا أحد من الأصحاب يطوّقه المغارم بمجرد الملك، كما طوّقناه الزوائد، وأنّ جلب الملك إليه قهرًا أهون من إلزامه مالاً قهرًا  فإن قيل: أليس يلزمه مؤن الزوائد قهرًا إذا قلنا إنه ملكه قلنا: نعم، وهو بعيد، ولكنه في مقابله قرره بالملك فيها، واستقراره عليه، فأما إلزام المؤن في ملك فاز به غيره محال \rفإن قيل: إذا مَسَّت الحاجات إلى النفقات، والموصى له يؤخر القبول ويدافعه، فما السبيل فيه قلنا: يقال للموصى له: إما أن تقبل وتنفق، وإما أن ترد لينفق غيرك، ولا حجر عليك فيما أردت ، ولكن لا بد من المبادرة، فإن قيل ليس لكم حملي على واحد منهما ولست أقبل الآن، ولا أرده فيتجه جدًا أن نطوقه النفقة بناء على أن الملك له، فإن أراد عنه خلاصًا فليرد  الوصية؛ إذ لا سبيل لهم إلى إلزام الورثة، ولا ملك لهم على القول الذي عليه يفرع ، وذلك يضاهي مطالبتنا الزوج بالإنفاق على زوجتيه جميعًا بعد أن طلق إحداهما، وقبل التعيين، وطريق خلاصه التعيين، وكذلك الكافر إذا أسلم على عشر نسوة نطالبه بالإنفاق عليهن إلى التعيين ","part":1,"page":344},{"id":841,"text":"فإن قيل: فلو أخذنا النفقة وهو بعد في التروي، ثم استقر أمره على الرد، فهل يسترجع قلنا: لا، فما سبق لا تدارك له، وإنما أتى من نفسه، وكذلك في مثاله في الكافر لا يثبت له الرجوع بالنفقة بعد التعيين \rفإن قيل: لو عسر الوصول إلى الموصى له تعيينه قلنا: لا وجه لمطالبة الورثة، ولا ملك له، فينفق من بيت المال إن لم يمكّن استكساب العبد، وإذا رجع وقبل رجع عليه السلطان، فإن أنفق على ملكه في غيبته فللسلطان ذلك، وإن رد عسر الرجوع عليه؛ فإنه إلزام مؤونة من غير اختيار، وعسر الرجوع على التركة؛ إذ لم يكن لهم الملك، والنفقة تتبع الملك، فلا يجد بيت المال مرجعًا أصلاً، وليس يبعد أن يبنى الرجوع على الموصى له، أو على الورثة على الوجهين في انقلاب الزوائد، فيتبع المؤونة الزيادة إلا أن الفرق أوجه، فإن إلزام المؤونة من غير اختيار بعيد، بخلاف جلب الملك \rالمسألة الثالثة: في انفساخ النكاح إذا كان الموصى به زوجة الموصى له، فعلى قول الوقف نتوقف، فإن قبل تبيّنا الانفساخ، وإن رد تبينا الاستمرار ، وعلى قولنا يحصل بالقبول: نحكم بأنه لا ينفذ قبل القبول، وإن رد الوصية استمر النكاح، وإن قبل ترتب الانفساخ على القبول \rفأما إذا فرعنا على أنه يحصل بالموت فينفسخ بالموت، وإن كان ضعيفًا  سواء رده بعده أو قبل؛ لأن الملك يضاد النكاح ضعيفه وقويه سواء، وإن اتجه فرق بين الضعيف والقوي في المغارم والزوائد، فلا يتجه في النكاح أصلاً، هذا إذا كان الموصى به زوجة الموصى له \rفإن كانت زوجة الوارث فعلى قول الوقف لا ينفسخ ما لم يرد  الوارث ، وإذا رد انفسخ تبينا من وقت الموت ، وعلى قولنا يحصل الملك للموصى له بمجرد الموت فلا ينفسخ نكاحه إن أمضى إلى القبول ، وإن رد ترتب الانفساخ على الرد من غير استناد \rوعلى قولنا يحصل له بالقبول، فالملك قبل القبول إن قلنا إنه للميت لم ينفسخ في الحال ","part":1,"page":345},{"id":842,"text":"وإن قلنا: للوارث ففي الانفساخ وجهان:\rأحدهما: أنه ينفسخ؛ للمضادة ، كما ينفسخ النكاح للمشتري زوجته في زمان الخيار\rوالثاني: أنه لا ينفسخ؛ لأن هذا ملك تقديري لا أصل له، قدّرناه للضرورة إذ لم نجد للملك منزلاً، ولم نعقل ملكًا لا مالك له \rالتفريع: إن قلنا: لا ينفسخ، وقبل الموصى له، استمر النكاح، وإن رد فينفسخ لا محالة  وهل ينفسخ استنادا وجهان مشهوران :\rأحدهما: أنه لا يستند؛ فإن الملك إنما تحقق الآن، ولم يتحقق قبله \rوالثاني وهو الأعوص: أنه يستند؛ لأن ذلك المكان كان تقديريًا لتوقعنا القبول، فإن رد انقلب ذلك التقدير تحقيقا، وهذا استناد لطيف غائص لا على قول الوقف \rالمسألة الرابعة: إذا كان الموصى به ابن الموصى له، فعلى قول الوقف يتوقف في عتقه، وعلى قولنا يملك بالموت هل يحصل العتق بمجرد الموت حتى ينحسم عليه الرد وجهان:\rأحدهما: المنع؛ لأنه تحصيل ملك، وإلزام قهرًا فإن تحصيله يحسم باب الرد \rوالثاني: أنه يحصل؛ لأنه ملك قريبه، والعتق سلطان ، ومثل هذا الخلاف مذكور في إعتاق المشتري في زمان الخيار، ولكنه أقرب؛ لأنه اختار الملك فأكد بالإعتاق، فلم يبعد تنفيذ عتقه مع الضعف، نعم فيه إبطال خيار البائع، وذلك لسلطنة العتق على هذا الوجه، هذا إذا رد \rفإن قبل، فهل يتبين إسناد العتق إلى الموت ذكروا وجهين، منهم من لم يسند؛ لضعف ذلك الملك، ومنهم من أسند؛ لأن المحذور حسم باب الرد، وقد ارتفع ، وإن قلنا: الملك يحصل بالقبول فلا يعتق عليه قبل  القبول هذا إذا كان قريب الموصى له ","part":1,"page":346},{"id":843,"text":"فإن كان ابن الوارث فلا يخفى التفريع على قول الوقف، وقول حصول الملك بالموت ، وعلى قول حصول الملك بالقبول لا يعتق عليه إن قلنا: إنه ملك الميت، وإن قلنا: إنه ملك الوارث، فلا يعتق أيضًا؛ لأنه ملك تقديري، وفي تنفيذه إبطال الوصية، ولم يحصل باختياره حتى يمكن تغريمه نعم، لو رد الموصى له الوصية لم يبعد استناد العتق إلى وقت الموت \rالمسألة الخامسة: إذا مات الموصى له قبل القبول قام وارثه عندنا مقامه في القبول ، وهذا ينبه على أن القبول في الوصية ليس على مذاق القبول في العقود، وإنما هو حق يملك، فحق الإرث فيه عندنا كحق الشفعة ، وأبو حنيفة أبطل حق الشفعة بالموت ، وألزم الوصية بموت الموصى له ، وهو بعيد، ولو ذهب ذاهب إلى بطلان الوصية بالموت كان له وجه؛ لبعد إلزامها دون قبول، وبعد نقل القبول إلى غير من عقد له، ولكن لا صائر إليه ، وإذا ثبت الانتقال إليه فليس يظهر لقبوله ورده مزيد حكم في التفريع على قول الوقف وعلى قول حصول الملك بموت الموصي: فهو كما لو قبل الموصى له بنفسه \rفأما إذا فرعنا على قولنا إن الملك يترتب على القبول، فإذا قبل الوارث فيه وجهان:\rأحدهما: أنه يترتب عليه وفاء بتفريع هذا القول \rوالثاني: أنا نسنده إلى ألطف وقت قبيل موت  الموصى له؛ فإنه لم يوص للوارث، وإنما يتلقى عنه، فليقدر حصوله له \rالتفريع: إن حكمنا بتقدمه بلحظة على موت الموصى له فهو تركة تقضى منه الديون \rوإن قلنا: يترتب على قبول الوارث فوجهان:\rأحدهما: أنه يحصل الملك للميت ثم ينتقل إليه \rوالثاني: أنه يحصل للوارث ابتداءً؛ لاستحالة تحصيله للميت، وإنما الموروث حق التملك كما في الشفعة \rوعلى هذا: هل يجعل الموصى به تركة تقضى منه الديون وجهان:\rأحدهما: لا يحصل تركة؛ لأنه لم يعهد في ملك الموروث فأشبه الشفعة ","part":1,"page":347},{"id":844,"text":"والثاني: أنه تركة؛ لأنه يملكه بسببه ، وأما  الشفعة فإنما ملكها بعوض بذله من خاص ماله، وإنما ورث محض حق التملك، فأشبه مسألتنا الصيد المعتقل بشبكة نصبها في حياته ، والمذهب الظاهر فيه أنه تركة ، وفيه وجه أنه ليس بتركة كما في الوصية\rوإن قلنا: إن الملك يحصل للميت وكان الموصى به ممن يعتق عليه لم يعتق؛ فإنّا لا نعتق القريب على الميت ، كما سنذكره وإذا أسندنا إلى ما قبل الموت فيحكم بعتقه عليه، على تفصيل سنذكره في عتق القريب على المريض، وأنه متى يكون من الثلث، أو من رأس المال \rالمسألة السادسة: إذا أوصى بأمة لزوجها الحر، ومات الموصي، وتأخر القبول حتى ولدت أولادًا، ثم قبل الزوج الوصية: قال الشافعي: عتق الأولاد، ولم تكن أمهم أم ولد حتى تلد بعد القبول لستة أشهر فأكثر؛ لأن الوطء قبل القبول وطء نكاح، والوطء بعد القبول وطء تملك هذا نص الشافعي ، وهو مشكل على كل قول، فإنّا إن فرعنا على قول الوقف أو على قول حصول الملك بالموت فلا يتجه الفرق بين الولد والأم، بل لا بد من عتق الولد، وانفساخ النكاح بالموت، وحصول الاستيلاد ","part":1,"page":348},{"id":845,"text":"وإن فرعنا على حصول الملك بالقبول وقع الوطء في دوام النكاح وملك الغير، فلا يعتق الأولاد؛ لأنه حصل على ملك الغير، وهو للغير لا له ، إلا إذا فرعنا في هذا القول على وجه في رد الأولاد إلى الموصى له نظرًا إلى قراره، فيتجه نظم النص عليه، وهو وجه ضعيف على قول ضعيف ، والشافعي رحمه الله لا ينتهي إلى هذا القول إلا ويزيفه، ويقول: هو ينكسر عندنا كما اشتمل المختصر عليه، فحمل الأصحاب هذا التناقض على خطأ المزني في النقل، ومنهم من نزّل على ما لو جرى الوطء قبل موت الموصي ، وفرعنا على القول الصحيح في حصول الملك بالموت واندراج الحمل تحت مطلق الوصية، كما سنذكره ، فيقتضي ذلك عتق الأولاد وانتفاء الاستيلاد، إلا أن في مساق كلام الشافعي رحمه الله ما يدفعه، فإنه علل بوقوع الوطء  قبل القبول، لا بوقوعه قبل الموت، فالوجه تطرق الخلل إلى قول المزني، وإلا فالنص مختبط لا ينتظم إلا بتحريف، أو تنزيل على قول ضعيف ، ثم قال الشافعي رحمه الله في هذه المسألة: ولو مات قبل القبول وقد ولدت فقبل الوارث، عتق الأولاد ، وهذا تفريع صحيح يخرج على قول الوقف، وعلى قولنا يحصل الملك بالموت للموصى له \rفرع: لو أوصى له بولده، فمات قبل قبوله، فقبله ولده: عتق كما صورناه  وهل يرث عن أبيه إن كان في توريثه إبطال القبول لم يرث، بأن يكون القابل أخًا للميت؛ لأنه يحجب بالابن فيبطل قبوله ويمتنع عتقه، ويمتنع ميراثه، وهو من الدوائر الفقهية \rولو كان القابل أحد ابني الميت وهو حر وهذا هو الابن الثاني وهو رقيق موصى به ففي توريثه وجهان:\rأحدهما: أنه يورث إذا كنا نقدم العتق على موته في التفريع على الأقوال التي ذكرناها، فليس في توريثه جريان القابل ","part":1,"page":349},{"id":846,"text":"والوجه الثاني، وهو اختيار القفال: أنه لا يرث؛ لأنه يخرج القابل عن استحقاق كمال القبول فلا يملك إلا النصف، ويصير بعضه حرًا، وبعضه رقيقًا، ومن كان كذلك لم يرث، ففي توريثه منع توريثه بسبب التبعيض، ويستحيل أن يقبل الرقيق عتق نفسه؛ لأن مكسبه من القبول يتوقف على عتقه، وعتقه يتوقف على قبوله، فيستحيل حصوله، ولا وجه إلا ما ذكره القفال  هذا تمام الباب\r\rالباب الثاني: في أحكام الوصايا الصحيحة\rوأحكام الوصايا تنقسم إلى ما يستند إلى لفظ، وإلى ما يستند إلى المعنى والفقه، وإلى ما يستند إلى الحساب، وهي عائدة أيضًا إلى موجب اللفظ\rالقسم الأول: في الأحكام اللفظية، وفيه فصول:\r\rالفصل الأول: فيما يتعلق بالموصى به دون الموصى له\rوالنظر في هذا الفصل في أطراف:\rالطرف الأول: في الوصية بالحمل، وفيه مسائل:\rإحداها:  أن الوصية بالحمل صحيح ، فإن انفصل في حالة يستيقن وجوده حالة الوصية استحقه الموصى له، فإن استيقنا تراخي وجوده عن الوصية لم يستحقه ، وإن شككنا فيه فالأصل انتفاء الوصية، وأقصى المدة وأقلها في الأدنى مضبوط، لما تتبع الفقهاء تتبع الوجود فيها على ممر الأزمنة \rوأما البهائم فليس ينضبط الأمر فيها، وهي تختلف باختلاف أجناسها، فالرجوع فيها إلى أهل الخبرة \rالثانية: لو انفصل الحمل ميتًا فلا أثر للوصية، ولا يجب على الموصى له مؤونة التجهيز، وإنما تجب على التركة فيتبع مؤونة الجارية \rولو انفصل ميتًا بجناية جان فالوصية صحيحة، والبدل مصروف إليه ، كما لو انفصل حيًا بخلاف ما إذا أوصى له فانفصل بالجناية ميتًا؛ لأن ثم إذا لم يستيقن له حياة لم تتصور الوصية له حملاً، والوصية تتعلق بمالية الحمل إذا ثبت لها مالية بالجناية ","part":1,"page":350},{"id":847,"text":"الثالثة: إذا أوصى بجارية وفي بطنها حمل، ففي اندراج الحمل تحت مطلق الوصية احتمال ظاهر يستند إلى نظر الفقهاء في أن الحمل: هل ينزل منزلة أجزاء الجارية حتى يتناوله مطلق اسمها ، ولا خلاف في أنه لو استثنى الحمل جاز كما جاز إفراده، بخلاف البيع فإنه لا يجوز فيه الإفراد والاستثناء \rفرع: لو أدرجنا الولد، فانفصل قبل موت الموصي، فهو موصى به لا تنقطع عنه الوصية ، فلو أوصى به لغيره، وقصد الرجوع عن الأول، فهو كما قصد، وإلا فيتزاحمان، ويكون ذلك عولاً في المسألة \rالطرف الثاني: في الوصية بالكلب، والطبل، والعود، فإذا أطلق هذه الألفاظ نزل الكلب على ما تصح الوصية به وهو المنتفع به، وإن كان في يد  غيره ، وكذا ينزل الطبل على طبل الحرب ، وجونة العطارين ، والعود على الخشب لا على ما يضرب به ، فإن قال الوارث: أتشتمل التركة كما ينزل  المتردد بين القلة والكثرة على الأقل قلنا: ليس له ذلك؛ فإنه أثبت الوصية فلا بد من إثباته، وفيما يذكره نفيه، فاللفظ المطلق بقرينة قصد الإثبات، وحمل على هذا بخلاف القليل؛ فإن الإثبات يستقل مع القلة فلا يحمل على المشكوك فيه \rالطرف الثالث: الوصية بالعبد، وفيه مسائل:\rإحداها: أنه إذا قال أعطوا فلانًا عبدًا من عبيدي، أو رأسًا من رقيقي خرج الوارث عن عهدة الأمر بتسليم أيهم كان، سواء كان معيبًا، أو سليمًا، أو ذكرًا، أو أنثى، أو خنثى \rوذكر صاحب التقريب وجهًا في الخنثى؛ لأنه نادر لا يخطر بالبال ، وهو بعيد؛ لأن العموم يتناوله فهو كما لو قال: مماليكي أحرار فإنه يندرج \rفرع: لو عمد الوارث إلى أخس العبيد مثلاً، فقال الموصى له: إنّما أراد غيره ولم يعيّن المراد لم تقبل دعواه، وإن عيّن فالقول قول الوارث في إرادة العموم ونفي التعيين ","part":1,"page":351},{"id":848,"text":"الثانية: إذا قال: اشتروا من مالي عبدًا، وسلموه إليه؛ اكتفى بشراء معيب ، ومن أصحابنا من لم يكتف بالمعيب في صورة الشراء؛ لاقتضاء الشراء السلامة، وهو ضعيف؛ لأن ذلك من عُهَدِ العقد، وإلا فاللفظ متناول له \rالثالثة: لو قال: أوصيت لفلان برأس من رقيقي، ولم يكن له رقيق في الحال، ولا ملك في المال، ومات من غير رقيق: بطلت الوصية ؛ لأنها لم تصادف متعلقًا \rولو قال: أوصيت له بعبد من مالي، أو أعطوه عبدًا من مالي، ومات ولا عبد له، فيشترى العبد بثلثه ويسلم ، ولو كان له عبد: هل يتعين، أم يجوز للوارث الشراء الصحيح الجواز؛ لأنه لا أثر لوجوده وعدمه، فالمقصود تحصيل العبد ، وفيه وجه أنه يتعين، وهو بعيد \rوإذا قال: رأس من رقيقي، فيتعين الذي في ملكه، ولا يجوز الشراء أصلاً \rالرابعة: إذا قال: أوصيت برأس من رقيقي  ولم يكن له رقيق في الحال، ولا ملك بعد، [ثم حدث له رقيق بعد] ، فالصحيح نفوذ الوصية، وارتباطها بما حدث؛ نظرًا إلى حالة الموت \rوكذلك لو أوصى بثلث ماله وليس له حبة، ثم ملك مالاً، فالأصح تنفيذ الوصية من الثلث ، وفي المسألتين وجه أن الوصية تبطل؛ لأنها لم تجد متعلقًا في الحال فلغت ، ولا خلاف في أنه لو ملك درهمًا فأوصى بالثلث ثم تخوّل مالاً جمًا نفذ في ثلث جميع المال، والنظر في المقدار قطعًا إلى المال بعد وجود الوصية متعلقًا \rفرع: إذا قال: أعطوه رأسًا من مماليكي، وكان يملك أرقاء، ثم ملك غيرهم جاز التسليم مما حدث؛ نظرًا إلى المال في التعيين لما وجدت الصفة متعلقًا \rوبمثله لو لم يملك حال الوصية إلا مملوكًا واحدًا ومات عنه فقط، ففي اللفظ اضطراب؛ فإنه أضاف إلى مماليكه، وليس له ذلك، ولكن لا نظر إليه، فيتعين المخلف بحقه، ولا نظر إلى خاتمة لفظه بعد أن استقلت الوصية بالموجود ","part":1,"page":352},{"id":849,"text":"ولا خلاف في أنه لو أوصى برأس من أرقائه وكان في ملكه أرقاء فماتوا إلا واحدًا منهم نزلت الوصية عليه \rالخامسة: إذا قال: أوصيت برأس من رقيقي، فماتوا من عند آخرهم قبل موت الموصي، أو بعد موته وقبل قبول الموصى له: انفسخت الوصية؛ فإنها المتعلق، وقد فات، وكذلك العبد المعيّن \rفأما إذا قتلوا: إن كان قبل موت الموصي انفسخت الوصية؛ لضعفها، وانقطاع محلها، وإن كان بعد موت الموصي، وقبل القبول أجمع الأصحاب على أن خيار القبول ينتقل إلى القيمة، ثم للورثة أن يعيّنوا قيمة أي عبد شاؤوا، وهذا واضح على قول استناد الملك إلى الموت، وعلى قول الوقف \rفأما على قولنا يحصل بالقبول،  فهذا ابتداء قبول في قيمة، ولكن لما لزم الحق فتأكد، وإن لم يحصل الملك لم يبعد انتقاله إلى البدل كحق الرهن \rفرع: لو قتلوا قبل القبول إلا واحدًا منهم، فللورثة الخيار: بين القائم، وبين قيمة الغائب؛ لعموم اللفظ كما سبق، وقطع العراقيون قولهم بأنه يتعين القائم؛ لأن الأصل في الوصية تسليم العبد، والبدل يعدل إليه ضرورة \rالطرف الرابع: في الوصية بالشاة، والبقرة، والبغلة، والبعير، والدابة\rأما الشاة فيندرج تحتها الصغير، والكبير، والضأن، والمعز، والسليم، والمعيب ، والذكر، والأنثى \rوذكر الشيخ أبو بكر الصيدلاني في مجموعه من عند نفسه: أن السخلة لا تجزئ؛ فإنها لا تسمى شاة، كما لا يسمى الطفل رجلاً، وحمل إطلاق الشافعي الصغير على الجذعة من الضأن التي هي صغيرة الجثة  والأصحاب بجملتهم على خلافه؛ فإن السخال يكمل بها نصاب الزكاة، ويتناوله اسم الشاة، والغنم ، وذكر بعض أصحابنا وجهًا أن الكبش لا يندرج؛ لأن الهاء في الشاة للتأنيث، وهو ركيك؛ فإنه للتوحيد، لا للتأنيث كالتمر والتمرة، والجوز والجوزة، وأصله الشاهة، ولذلك يقال في تصغيره شويهة ","part":1,"page":353},{"id":850,"text":"فأمّا البعير فيتناول الصغير عند الأصحاب ، وما ذكره الصيدلاني ها هنا أظهر، والمذهب أنه يتناول الذكر، ولا يدخل فيه الناقة، وخرّج طوائف من أصحابنا قولاً أن الناقة تندرج ، ومن كلام أئمة اللسان أن البعير من الإبل كالإنسان من الآدمي، والناقة كالمرأة \rوأما البقرة والبغلة ففيه طريقان، منهم من ألحقها بالشاة ، ومنهم من نزلها على الأنثى في اللسان بالهاء مع اتحاد البناء، فهو للأنثى إذا ذكر مع الهاء كالكلب، والكلبة، والحمار، والحمارة \rفإن خطر في  الخاطر إشكال، واتفقت الطرق على أن الكلب يتناول الذكر دون الأنثى، فالضبط فيه أن ما يتميز الذكر به عن الأنثى، فذلك في الفارسية؛ فإنه لا فرق فيها بين الجنسين، وأما ما لم يثبت في اللسان التميّز بالهاء ثبوتًا محققًا منقولاً ففيه الخلاف ، ثم ذلك ينقسم إلى ما يغلب فيه إرادة التوحيد حتى لا تكاد العرب تفهم منه التأنيث كالشاة، وإلى ما لا يبعد فهم التأنيث منه كالبغلة، والبقرة \rفأما الدابة فيتعين حملها في اللسان على البغال، والخيل، والحمر، ولا يحمل على الإبل، وإن كان مركوبًا ؛ هذا وضع اللسان، وهو واضح عند أهله ، ولو فرض بلد لم يفهم فيها إلا الفرس ؛ لقرينة العرف، أو على الأجناس الثلاثة؛ لوضع اللفظ، فيه تردد للأصحاب  ويتصل به أن الدراهم المطلقة في المعاملات تنزل على الغالبة، وفي الإقرار على النقرة الخالصة؛ للوضع، وفي الوصية تردد، فظاهر كلام الأصحاب إلحاقها بالإقرار ","part":1,"page":354},{"id":851,"text":"الطرف الخامس: الوصية بالقوس، واسم القوس يندرج تحته قسّي العرب والعجم، وقسّي الحسبان، وهو الذي يرمى منها صغار السهام، ويسمى ناوك، ولا يندرج تحته قسّي الندف، وقسّي الجلاهق، وهو قوس البنادق؛ فإنها مشبهة بالقوس؛ لأوتارها، ولا تسمى قوسًا وضعًا ، هكذا ذكره الشافعي رحمه الله ، واتفق عليه الأئمة، إلا أن يقول: أوصيت بقوس من قسّي وليس له إلا قوس ندف صرف إليه، فكأنه صرّح به \rولو قال: أوصيت لفلان بقوس وأطلق، وله قسّي ندف لم يحمل عليه، بل يشترى القوس، ويسلم \rولو قال: أعطوه عودًا من القسي، فقوس العرب يتخذ من نبعة واحدة فينزّل  على ذلك، ولا ينتظم ذلك في قسّي العجم؛ فإنها تتخذ من أجناس شتى \rفرع: لو أوصى بقوس وعليه وتر ففي اندراج الوتر تحته وجهان ذكرهما العراقيون ، وإدخال الوتر بعيد إذا قال اشتروا قوسًا، أو لم يكن على قسيّه وتر، وإن كان له انقداح إذا أوصى بقوس معين عليه وتر ، وهذا التردد أيضًا ينقدح في البيع، وعندي أن الوتر من القوس على العرف كالإكاف من الحمار ، وقد ذكرنا تفصيله في البيع \rالطرف السادس: في الوصية بالدار ويندرج تحت مطلقها ما يندرج في البيع، وقد فصلّناه ، ومقصودنا وراءه، وهو أنه لو انهدمت الدار قبل موت الموصي فهل تنقطع الوصية عن النقض فيه وجهان \rولو انهدمت بعد الموت وقبل القبول لم تنقطع الوصية على الوقف  وعلى قولنا: الملك يحصل بالقبول فيه وجهان مرتبان على ما قبل الموت، وأولى بأن لا ينقطع ، ومأخذ النظر أن ارتباط اللفظ بها أولى على سبيل التبعية، فعلى وجه يستصحب ما اقتضاه اللفظ، وعلى وجه يقول: تناولت بالتبعيّة، وقد انقطعت التبعيّة","part":1,"page":355},{"id":852,"text":"وعلى العكس لو زاد في الدار عمارة وبناء فلا يجعل رجوعًا، كطحن الحنطة؛ إذ الحنطة تطحن لتؤكل، والعمارة لا تشعر بالرجوع  نعم، اختلف أصحابنا في أن الزيادات هل تندرج تحت الوصية وبنوه على أنه يسلك به مسلك بعض المبيع في البيع، أو مسلك الأوصاف فقالوا: إن جعلناه وصفًا اندرج وهذا بعيد، والوجه القطع بأنه لا يندرج ، وقول القائل: إنه صفة يليق بمذهب أبي حنيفة في غصب الساجة ، مع أنه ليس يطرد ذلك في المشتري للشقص المشفوع، وأما علم البيع مبني على مقصود المتبايعين، وذلك لائق بمأخذه، بخلاف ما نحن فيه \r\rالفصل الثاني: فيما يتعلق بالموصى له \rوالنظر يتعلق بأطراف:\rالطرف الأول: في الوصية للحمل، وفيه مسألتان:\rإحداهما: أنه لو أوصى لحمل فلانة بكذا، فخرج اثنان حيّان، فالوصية لهما جميعًا ، ولو خرج أحدهما حيًا، والآخر ميتًا، قال صاحب التقريب: الكل للحي، والميت كأن لم يكن ، وفيه احتمال من حيث إن الميت حمل، فلا يبعد التشقيص، وإبطال نصيبه ، ولكن الأظهر ما ذكره \rالثانية: لو قال: إن كان حملك غلامًا فقد أوصيت له بألف، فأتت بغلامين فلا شيء لواحد منهما؛ لأن الحمل عبارة عما يحتوي الرحم عليه ، وكذلك لو أتت بغلام وجارية \rوبمثله لو قال: إن كان في بطنك غلام، يستحق الغلام الوصية في الصورتين ، ثم إذا خرج غلامان فقد ذكر صاحب التقريب ثلاثة أقوال:\rأحدها: أن الخيار في التعيين إلى الوارث؛ فإنه نزل منزلة المورث، وقد أوصى لغلام واحد فيصرفه إلى أيهما شاء \rوالثاني: أنه لا خيار له بل يوزع بينهما على شركة ","part":1,"page":356},{"id":853,"text":"والثالث: أنه متداعى بينهما، وهو موقوف إلى أن يصطلحا ، وقد ذكرنا قولين من هذه الجملة فيمن مات عن عشر نسوة في الميراث، فالمذهب أنه موقوف ، وذكر صاحب التقريب النقص عليهن، فأما التخيير فلا وجه له قال صاحب التقريب: ولو أشار إلى زيد وعمرو وقال: أوصيت لأحدهما بألف، وتوفي قبل البيان، فهو كمسألة الحمل؛ إذ ليس أحدهما أولى من الآخر ، وينقدح للفقيه فرق؛ فإن قوله لأحدهما صريح في التخصيص، فيمتنع قول الشركة، بخلاف إطلاق اسم الغلام، فإنه قد ينقدح حمله على الجنس \rالطرف الثاني: في الوصية لجماعة، وفيه مسائل:\rإحداها: أنه إذا قال: أصرف ثلث مالي  في الرقاب، حمل على المكاتبين عندنا ، وعند أبي حنيفة حمل اللفظ العام على ما ساغ في الشرع كالصوم والصلاة، وغيره \rوعند مالك يحمل على عبيد تشترى وتعتق \rوعليه حمل آية الزكاة أيضًا يجب صرفه إلى ثلاثة من المكاتبين، ويمتنع النقصان، ولا تمتنع الزيادة ، ويجوز أن نفضل بعضهم على بعض، وكذا القول في كل جمع موصوفين، إذا لم يكونوا محصورين: كالغارمين والمساكين والفقراء والعلماء؛ وكل موصوف بصفة طارئة \rالثانية: إذا أوصى للعلوية ، ففي صحة الوصية قولان:\rأحدهما: لا تصح؛ لأنهم محصورون في أنفسهم، وليس ذلك من العوارض، إنما هي صفات لازمة تقتضي استيعابهم وهو غير ممكن \rوالثاني: أنه صحيح، وهو كالوصية للمساكين، حتى ينزل على أقل الجمع \rفرع: مهما نزل على أقل الجمع جاز له تفضيل البعض على البعض، ولا تجب التسوية بينهم، وعلى هذا لو سلم الجميع إلى فريق مثلاً يغرم للثالث ","part":1,"page":357},{"id":854,"text":"وفي مقدار ما يغرم خلاف مشهور، منهم من اكتفى بأقل ما يتمول؛ لأنه يقنع بصرفه إليه ابتداءً ، ومنهم من غرّمه الثلث، ورأى ذلك أقرب ما يطالب نظرًا إلى العدد الواجب، ثم أعانه ، ثُم قال القفال: ليس للوصي أن يسلم ما غرمه للفقراء أو المكاتب بنفسه، بل عليه التسليم إلى الحاكم، فإنه غرم، وكان يتسلط بالوصاية على تسليم الأصل إلى من يشاء، والآن فليس له ذلك، ولا يبرأ بالتسليم إلى من يعينه، وهو حسن لا بأس به \rالثالثة: لو أوصى بصرف ثلث ماله إلى شراء عبيد ليعتقوا، فوجدنا ثلاثة عبيد، فإن تيسر  نفذنا، وإن لم نجد إلا عبدين فعلنا ذلك، واقتصرنا على الممكن ، فإن وجدنا عبدين وفضل فضل، فإن أمكن تكلف ثلاثة بتنقيص القيمة، فهو متعين ، وإن لم يمكن: قطع المراوزة بأنه لا يشترى بالفاضل شقص، ويرد على الورثة؛ فإن الوصية قد بطلت فيه ،  وقطع العراقيون بأنه يجب شراء شقص به، وزعموا أن ذلك أقرب إلى مقصود الموصي فيتعين رعايته ، والمراوزة يقولون: العبد يتناول الكامل دون البعض \rثم ذكر العراقيون وجهين فيما إذا تمكنا من: نفيسين، ومن خسيسين وشقص، فحكوا عن ابن سريج: أنه يتعين شراء النفيسين حذارًا من التشقيص ، وحكوا عن أبي إسحاق المروزي: أن شراء الخسيسين مع الشقص أولى؛ لأن مقصوده ربط العتق بجماعة \rالرابعة: قال الشافعي رحمه الله: ولو أوصى له ولمن لا يحصى، فالقياس أنه كأحدهم \rوصورة المسألة: أن يوصي لزيد والفقراء، فقد ذكر الصيدلاني قولين:\rأحدهما: أن الفقير كشخص يقال زيدًا، فله النصف \rوالثاني: أنه كواحد من الفقراء، وله أن يصرف إلى كل واحد من الفقراء أقل ما يتمول \rومن أصحابنا من فسر هذا القول بالثلاثة، و يقول يصرف إليه السدس إن صرف إلى خمسة من الفقراء، والعشر إن صرف إلى تسعة، ويجعل كواحد منهم بالسوية ، وهذا ضعيف","part":1,"page":358},{"id":855,"text":"وقد ذكر أبو علي قولاً ثالثًا: وهو أنه يصرف إلى زيد [الربع من]  الثلث؛ إذ لا ينقص عدد الفقراء عن ثلاثة فيسّوى بينه وبين أقل العدد \rوذكر الشيخ أبو علي طريقة أخرى: وهو أنه إن قال: أوصيت لزيد الفقير، وللفقراء: خرجت الأقوال الثلاثة، وإن لم يضف زيدًا إلى الفقراء، لا يخرج قول الاكتفاء بأقل ما يتمول، وإنما يخرج القولان الآخران \rفأما إذا أوصى لزيد وللعلوية فإن صححنا فهو كالفقراء، وإن أبطلنا فالصحيح الصحة في حق زيد، ثم في مقدار ما يستحقه: الخلاف الذي ذكرناه ، ومن أصحابنا من أبطل الوصية إذا وصى للعلوية، لم يمكن النظر إلى أعداد ما ينفق \rالخامسة: لو أوصى لزيد وللملائكة، بطل في حق الملائكة ، وفي حق زيد ما ذكرناه في ضمه إلى العلوية على قول الإبطال ، ويظهر  في أمر بين الفقراء، وبين الملائكة؛ فإن الخبر على قول صرف الأقل إلى زيد إلى الوصي لا مدخل للوارث فيه، حتى يجوز له أن يزيد على الأقل إلى ما شاء \rوفي الملائكة ذكر صاحب التلخيص قولين :\rأحدهما: أن الخيرة للوصي، كما ذكرناه، حتى إنه لو صرف المعظم إليه جاز، ويرتد ما بقي ميراثًا\rوالثاني: أن الخيرة إلى الوارث؛ فإن الثلث لم يصر مستغرقًا، فله مدخل فيه، ولعل هذا هو الأصح \rالسادسة: لو أوصى لزيد ولجبريل ، بطل في حق جبريل ، ولم يبطل في حق زيد، ولم تعد الأقوال كما في الملائكة؛ لأن ذلك للجهالة، وجبريل متجه في حكم الإضافة \rولو أوصى لزيد والريح، فقد اختلف الأصحاب، منهم من قال: هو كما لو أوصى لزيد ولجبريل يستحق النصف، وهو كالمضاف إلى شخصين ، ومنهم من قال: كل الوصية مصروفة إلى زيد؛ فليس الريح شخصًا حتى تعقل  الإضافة إليه، بخلاف جبريل ، والأصح هو الأول \rثم لو قال: لزيد وللرياح، فلا تقدر الرياح أعدادًا، بل هو كذكر الريح على الإطلاق\rولو أوصى لزيد وللجدار، فهو كالريح ","part":1,"page":359},{"id":856,"text":"ولو أوصى لزيد ودابة عمرو، فيخرّج على تفصيل ذكرناه في الوصية للدابة ومعناه \rالطرف الثالث: في الوصية للأقارب\rوفيه صيغتان إحداهما القريب، والأخرى الأقرب\rفأما إذا أوصى لأقاربه فيستوي فيه الذكر والأنثى، والغني والفقير، والقريب والبعيد، والمحرم وغير المحرم ؛ لأن لفظ القرابة يشمل الكل ويعمهم، فلا يفرق بينهم ، وإنما مجرى الفرق والتخصيص في أربعة أمور:\rإحداها: أنا إذا ارتقينا إلى الأجداد العالية وفروعهم فأطلق كلهم أقارب، فقال أبو يوسف: يرتقى إلى أبعد جد في الإسلام، وإلى فروعه، ولا يرتقى إلى آباء الشرك \rوقال الشافعي: يرتقى إلى أقرب بطن يعرف الرجل به ويعزى  إليه  هذا ما ذكره الصيدلاني، وذكر مثالاً له وهو: أنه لو أوصى لأقارب الشافعي صرف إلى بني شافع، لا إلى بني عبد مناف، ولا إلى بني المطلب، ولا إلى بني قريش، وإن كان الشافعي ينتسب إلى جميعهم، ولكنه مشهور بشافع، وهذا في زمانه، وفي زماننا لا يرتقى إلى شافع لو أوصى لأقاربه، بل إلى من يشهر به الموصى له \rوعلى الجملة لا نخرج من تعميم هذا اللفظ عن حد الضبط خروجنا في العلوية، فلا بد من استيعابهم، بخلاف العلوية \rالثاني: أن الموصى له إن كان من العجم اندرج تحت قرابة الأم، وقرابة الأب، وإن كان من العرب فهو لقرابة الأب لا غير ، وعلل الأصحاب ذلك بأن العرب لا تعرف القرابة، إلا من جهة الأب، بخلاف العجم، فإنهم لا يعرفون البطون، والقبائل \rوذكر بعض أصحابنا وجهًا أنه لا يفرق، وقرابة الأم داخلة؛ لأن الاسم مشتق من القرب، ولم يثبت من عادة العرب التخصيص أيضًا، وهذا وإن استبعده الاستصحاب فله اتجاه ","part":1,"page":360},{"id":857,"text":"الثالث: أن الوارث لا يصرف إليه شيء من هذه الوصية؛ لأن الوصية للوارث باطل  نعم، لو أوصى لقرابة غيره لم يظهر الفرق بين الوارث وبين غيره، ثم قال الصيدلاني: هي بجملتها مصروفة إلى الباقين، وكأن الوارث بحكم القرينة مخرج  عن العموم غير مراد به ، ومن أصحابنا من قال: تجعل الوصية مضافة إلى من تصح الوصية له، وإلى من لا تصح، وتنبسط ويبطل ما يقابل الورثة \rالرابع: أن الأبوين والأولاد هل يندرجون\rفقال قائل: نعم؛ لأنهم أقرب الأقارب \rومنهم من قال: لا يندرجون؛ لأن من سمى الأب والابن قريبًا عدّ ذلك إلغازًا وتعقيدًا، ثم هؤلاء اختلفوا في الأجداد والأحفاد، فمنهم من لم يدخل الأصول، والفروع، وخصص بمن  ليس على عمود النسب \rالصيغة الثانية: أن يقول أوصيت لأقربهم مني رحمًا، قال الصيدلاني: يندرج تحته قرابة الأم، وإن كان الموصي عربيًا، وعلل بتعرضه للرحم ، وهذا يقتضي أن لا يدخل إذا قال: أوصيت لأقربهم قرابة ولم يذكر الرحم ، ويقتضي أيضًا دخولهم لو ترك المبالغة في الصيغة الأولى، وقال أوصيت لأرحامي، أو لذوي رحمي، وكأنه يتخيل تخصيص العرب اسم القرابة دون اسم الرحم ، ويتهذب حكم هذه الصيغة برسم صور:\rإحداها: أن الأب والأم يستويان، والمال بينهما نصفان، ولا نظر إلى حكم الميراث وتفاوتهما فيه، والأصول والفصول داخلون في هذا اللفظ وجهًا واحدًا؛ لأن من سمى الولد أقرب أقاربه لم يعد مبعدًا، بخلاف ما لوسماه قريبه ، فأما الأب والابن إذا اجتمعا، فقياس طرق الأصحاب استواؤهما في القرب ، وذكر العراقيون وجهًا في تقديم الابن؛ لقوة قرابته ، وهو بعيد؛ لأن القرب نسبة، فإذا قرب الابن من الأب قرب الأب من الابن \rالثانية: أولاد البنات أقرب من [بني]  بني البنين وإن كانوا أولى بالميراث؛ لأن الاعتماد في هذا على القرب ","part":1,"page":361},{"id":858,"text":"الثالثة: الأحفاد وإن بعدوا فهم أقرب من الإخوة؛ لقوة انتسابهم بالبعضية، وهذا مفهوم من العرف \rالرابعة: ابن الأخ وبنت الأخ بمثابة ، والأخ للأب والأم مقدم على الأخ المدلي بأحد الجهتين ، وكذلك الأخ من الأب والأم مقدم على الأخ من الأب ، والأخ من الأم والأخ من الأب مستويان ، وابن الأخ من الأب مقدم على ابن ابن الأخ من الأب والأم ، وعلى الجملة هذا يدور على القوة وقرب الدرجة، والعرف هو المحكم في الجميع \rالخامسة: الجد والأخ، ذكر الصيدلاني وغيره قولين:\rأحدهما: تقديم الأخ؛ لإدلائه ببنوة الأب، والبنوة أقوى \rوالثاني: أنهما يستويان  وقد ذكرنا مثل هذا في عصبات الولاء \rوفي الجد وابن الأخ قولان:\rأحدهما: أن الجد أولى \rوالثاني: أن ابن الأخ أولى؛ لقوة البنّوة \rالسادسة: بنو الإخوة وإن سفلوا يقدمون على الأعمام؛ لقوة القرابة \rالسابعة: أب الأم والأخ للأم، قالوا فيه قولان \rولا خلاف في أن الجد مقدم على الأخ للأم ، وقال الصيدلاني: أب الأم بمثابة أب الأب والأخ للأم بمثابة أخ الأب، وهذا كله خبط، وتقديم الجد أولى لقوة الجدودة في اقتضاء القرب من حيث العرف والاعتياد \r\rالقسم الثاني من هذا الباب: في الأحكام المعنوية وفيه فصول:\rالفصل الأول: في الوصية بالمنافع، وغلة الدار\rقال الشافعي رحمه الله: ولو أوصى بخدمة عبده، أو بغلة داره، أو ثمرة بستانه جاز ذلك  وقد أجرى ثمرة البستان مجرى المنافع، وهو الصحيح، والمنصوص عليه \rوفيه وجه آخر نبّهنا عليه من قبل، وغرض الفصل أن الوصية بالمنافع صحيحة إذا وفّى الثلث بها \rوهي تمليك، وليس بعارية، ولذلك يسلط الموصى له على الإجارة، ولا نوجب عليه الضمان إذا تلف كالمستأجر بخلاف المستعير ","part":1,"page":362},{"id":859,"text":"وعند أبي حنيفة: هذه عارية، ولكنها من حيث وقعت بعد موت المعير لم تنقطع بالموت، بخلاف العارية في الحياة، ومن حيث لا رجوع إلا للمعير، وقد مات، استمرت الوصية على اللزوم، وبنى هذا منعه من الإجارة، ونزله منزلة الإباحة والإعارة دون التمليك \rوعندنا: أنه تمليك بطريق التبرع كما في الأعيان نعم، التبرع المضاف إلى الموت لا يتوقف لزومه على القبض كالتبرع بالأعيان، هذا حقيقة الفصل، ومقاصده تتهذب بالنظر في أحكام \rالحكم الأول:  جواز بيع العبيد للوارث، إن كانت المنفعة مؤقتة: خرج على بيع الدار المكراة ، وإن كانت مؤبدة: فهي أعني الوصية صحيحة، وإن كانت مجهولة، باتفاق الأصحاب، والبيع ممتنع على الصحيح على المذهب ؛ لأنه معجوز عن تسليمه على التأبيد، واليد مستحقة للموصى له  وذكر الشيخ أبو علي وجهًا نبّه عليه العراقيون، وهو جواز البيع؛ لكمال الملك في الرقبة، وسقوط منفعته كسقوط منفعة الزمن، وبيعه صحيح ، وهذا ضعيف؛ لأن اليد مستحقة على التأبيد في هذا المقام\rوقد قطع الشيخ أبو محمد بجواز بيع الجارية الموصى بولدها؛ لقيام المنفعة، وبقاء استحقاق اليد ، وتردد في بيع المواشي الموصى بنتاجها وصاغوه الأظهر إلى جواز بيعه \rوألحق الأصحاب الأشجار المثمرة والثمار بالأعيان ومنافعها في منع البيع، وهذا لا يخلو عن تردد من حيث إن يد مستحق المنفعة لا تطّرد على الأشجار، ولكن خرج أصحابنا مؤقته على قولين، وقطعوا في المؤبد بالمنع من البيع، وهو الصحيح على ما قررناه \rفإن قيل: فلو أوصى بمنفعة عبده ولم يتعرض للتأبيد والتأقيت قلنا: قطع الشيخ أبو علي في الشرح بتنزيله على التأبيد، نظرًا إلى الإطلاق، ولم يذكر غيره ما يخالفه ","part":1,"page":363},{"id":860,"text":"فإن قيل: فإذا امتنع بيع هذا العبد، فهل يصح عتقه، ومكاتبته قلنا: لا شك في نفوذ العتق ، ولكن الصحيح أنه لا يجزي عن الكفارة كالزمن، ومن أصحابنا من قال يجزي؛ لكمال الرق، وسلامة الأطراف  وأما الكتابة فقد اختلف الأصحاب في صحتها، منهم من منع؛ لامتناع الاكتساب عليه لنفسه ، وهذا القائل يمنع الكتابة في مدة الإجارة، ويجعل الكتابة الطارئة على هذه الوصية مبطلة لها لمناقضته إياها، ومن أصحابنا من صحح اعتمادًا على الصدقات \rفإن قيل: فإذا نفذتم إعتاق الوارث فهل يبقى حق الموصى له، قلنا: الذي  قطع به معظم الأصحاب أن ذلك الاستحقاق يبقى كالأمة إذا عتقت تحت حر تبقي أبدا تحت رق النكاح ، وقد ذكر أصحابنا وجهًا في أن العبد المستأجر إذا عتق يخيّر في فسخ الإجارة في بقية المدة، وهو بعيد في الإجارة، وله اتجاه ها هنا؛ لتأبد الاستحقاق، ويتأبد أيضًا بعتق الأمة تحت العبد؛ فإن هذا الضرار لا يتقاعد عنه، ولم يصر أحد من الأصحاب إلى انفساخ الوصية بنفسها \rفرع: لو أوصى رجل لغيره بدرهم من غلة داره وأجّره الدار بمائة: امتنع البيع في الكل فلو قالوا: تبيع الدار إلا قدرًا يغل الدرهم ، لم يمكنوا منه، فلعل الأجرة لجملة الدار تعود إلى قدر الدرهم، هكذا قاله ابن الحداد، وهو صحيح \rالحكم الثاني: في كيفية احتسابها من الثلث: وقد أجمعوا على أنه محسوب من الثلث؛ لأنه تنقص قيمة العين، وإن كنا لا نقضي الديون من المنافع الحاصلة بعد الموت ولا نراها موروثًا، بل نراها مملوكة بملك الإرث، إلا أن الوصية بها نفذت فإنها حاصلة، فمصروفة إليهم ولذلك نفذت الوصية، وهي تصرف فيما يحدث على ملك الغير، وكيف تحتسب من الثلث نظر فإن كانت الوصية مؤبدة فوجهان :\rأحدهما: أن المعتبر خروج قيمة العين، فإنه ساقط القيمة إذا كانت مسلوبة المنفعة، والحيلولة مؤبدة، فكأنه الفائت ","part":1,"page":364},{"id":861,"text":"ومنهم من قال: يعتبر ما نقص من العبد بسبب الوصية، فيقال كم يساوي موفور المنفعة، وكم يساوي دونها  ثم ذكر العراقيون وجهين في أن المقدار الذي يبقى من القيمة للرقبة هل يحسب على الورثة من التركة منهم من قال: لا يحسب؛ لوقوع الحيلولة المؤبدة \rفأما إذا كانت الوصية مؤقتة وقضينا بجواز البيع فالمحسوب من الثلث أجرة المثل لا غير ، فإن منعنا البيع فطريقان: منهم من خرّج على الوجهين في الوصية  المؤبدة ، ومنهم من قطع باحتساب أجرة المثل؛ لأن ما وقع من حيلولة معرّض للزوال \rالتفريع: إذا لم يملك إلا العبد، وأوصى بخدمته عشر سنين فيّقوم العبد، فإن قالوا: إنه يساوي مع المنفعة مائة، ودون المنفعة ثلثي المائة: نفذنا الوصية، وإن قالوا: يساوي نصف المائة، فلا بد من رده إلى قدر الثلث، فإن قلنا: المعتبر الرقبة لوقوع الحيلولة: رفعنا الحيلولة عن ثلثي العبد، وبقي ثلث العبد موصًى بخدمته إلى منتهى المدة \rوإن قلنا المعتبر المنفعة، ففي كيفية حسبه وجهان:\rأحدهما: أنه ترد الوصية إلى بعض المدة على ما يقتضيه الحساب، ويكون العبد مستغرقًا به في تلك المدة \rوالثاني: وإليه ميل الشيخ أبي علي: أنه تبقى الوصية في بعض العبد إلى منتهى المدة، ويرفع الحجر عن بعض العبد حتى ينطلق فيه الورثة؛ لأن المواقيت تختلف أجرة المدة فيها فلا يهتدى إلى ضبطها، وهذا متجه، سيما على قولنا بامتناع البيع، هذا إذا كان مؤقتًا ","part":1,"page":365},{"id":862,"text":"فإن كانت الوصية مؤبدة، فيجب رد الوصية إلى بعض الرقبة؛ فإن المنفعة المجهولة لا تعرف قيمتها حتى يتصرف فيها بالتبعيض ، فإن قيل: فإذا كانت الوصية مؤقتة، وفرعتم على أن المعتبر خروج الرقبة عن الثلث، فلو لم يملك سواه ورددتم الوصية إلى ثلث العبد في عشر سنين مثلاً، وهو منتهى المدة، فينطلق الحجر بعد ذلك عن جميع العبد، فيكون الحاصل للوارث زائدًا على الثلثين قلنا: هذا يضعّف ذلك ، والصحيح أنه يعتبر قيمة المنفعة، وناصر هذا الوجه ينظر إلى ثلث مقدار العطية، وهو بعيد لا وجه له \rالحكم الثالث: نفقة العبد الموصى به  على الوارث على المذهب الظاهر ؛ فإنه المالك، والنفقة إذا لم تجب عوضًا في عقد يتبع الملك، واحترزنا بهذا عن نفقة النكاح ، وفي المسألة وجهان  ضعيفان:\rأحدهما: ذكره صاحب التقريب، وهو أنه على الموصى له تشبيهًا له بالزوج فإنه يستحق المنافع، وإيجابه على المالك ولا منفعة له إضرار، وهذا إن اتجه في الوصية المؤبدة فلا اتجاه له في المؤقتة، وهو على الجملة على خلاف اتباع الملك، فليعتقه المالك إن أراد الخلاص منه ، وهذا الوجه مذهب أبي حنيفة \rالثاني: ذكره العراقيون: أنه في كسبه وحق الموصى له وراء ما يكفيه، فإن عجز فيجب عند هذا القائل على بيت المال، فلا تجب على واحد منهما، وهو أيضًا بعيد، فإن الملك والمالك قائم، فكيف يوظف على بيت المال \rالحكم الرابع: فيما يملكه الموصى له، ولا خفاء تملكه المنافع وأجرة عمله، إن كان محترفًا، وكذلك ما يحصله من اصطياد واحتطاب ، وما يحصله من اتهاب فوجهان:\rأظهرهما: أنه يتبع الملك؛ لأن حصول ذلك بالهبة، لا بقوله: قبلت؛ فإن هذه القولة ليس من الأعمال التي يستحقها الموصى له، ولذلك لا يجب على العبد استئذان السيد في نطقه وكلامه ","part":1,"page":366},{"id":863,"text":"وذكر العراقيون أن منفعة البضع تندرج تحته حتى يصرف إليه عقر الوطء ، وهذا على خلاف قياس المراوزة ؛ فإن الوصية بمنفعة البضع باطلة، ولذلك لا يحل للموصى له قولاً واحدًا، ومنافع البضع لا تملك بالإباحة والتمليك إلا بطريق معين مشروع ، وترقى بعض الأصحاب من هذا إلى ولد الجارية الموصى بخدمتها، وذكر فيه وجهين، وشبّه الولد بالشبكة التي يقع فيها الصيد، وهذا بعيد، فإن الولد جزء من الأم يملك بملك الأصل \rوذكر بعض الأصحاب هذين الوجهين على وجه آخر، وهو أنه هل يستحق منفعة الولد كما استحق منفعة الأصل وهذا أبعد؛ لأن استحقاق الوثيقة  والإجارة لا تتعدى إلى الأولاد عند الشافعي، فكيف يتعدى هذا الاستحقاق \rالحكم الخامس: في وطئها، وهو حرام على الموصى له قطعًا، وعلى الوارث أيضًا، وإن كان ملكًا له ؛ لأنه يسبب النقصان عند الطلق والحمل ، وذكر الصيدلاني في مجموع له في الخلاف وجهًا عن الشيخ سهل أنه مباح، وهو بعيد ، وإن صح فالوجه تنزيله على وطء في حالة الصغر إذا كان لا يرجى له العلوق ، وقد ذكرنا نظيره في الرهن ، ولا خلاف في أن الحد لا يجب عليه؛ لملكه الرقبة، ولا يجب عليه المهر ، إلا على مذهب العراقيين؛ حيث رأوا صرف مهر وطء الشبهة إلى الموصى له، وهو بعيد ؛ إذ لا خلاف في امتناع الوصية بمنفعة البضع مقصودًا، فكيف نحكم باستحقاقها في عموم اسم المنفعة ، وأما الموصى له إذا وطئ مع العلم، فالظاهر أنه يجب الحد: كالمرتهن والمستأجر ، وعلى مذهب العراقيين لا يجب إذا قضوا بصرف بدل المنفعة إليه ، وعلى هذا الخلاف يخرّج وجوب المهر عليه، ولا تصير مستولدة له قطعًا، وتصير مستولدة للمالك إذا أولدها لأجل الملك ","part":1,"page":367},{"id":864,"text":"الحكم السادس: ما يملك الموصى له من التصرفات: كل ما يبتنى على ملك المنفعة؛ فإن المنفعة عندنا مملوكة له، فله الإجارة والإعارة، وإذا مات انتقل إلى وارثه ، خلافًا لأبي حنيفة ، وهو وجه لأصحابنا مصيرًا، إلى استبعاد إجراء الإرث في المنفعة المجردة ، واختلف الأصحاب في المسافرة به، فمنهم من قال: له ذلك؛ لأنه مالك المنفعة على الإطلاق ، ومنهم من منع لملك الوارث ، ولذلك يمتنع على زوج الأمة المسافرة بها، إلا أن السيد يسافر بالأمة، والوارث ها هنا لا يسافر، فهذا وجه الفرق ، وكأنّ هذا القائل لا يجوز المسافرة لأحدهما إلا بالتراضي، كما لا يجوز تزوج الجارية الموصى بخدمتها إلا بالتراضي؛ لأنه مضر بكل واحد منهما، ثم الولي هو الوارث، والموصى  له لا بد من رضاه ، والعبد الموصى بخدمته لا يستقل بالنكاح، ويفتقر إلى رضاهما أيضًا ، ومن أصحابنا من قال: يكفيه رضى الموصى له؛ لأن النكاح حق العبد، وإنما امتنع عليه الاستقلال؛ لتعلق حقوق النكاح بكسبه \rوالكسب للموصى له، ولا نظر إلى قول القائل: إنّ الإكثار من الوطء يضر به؛ لأن ذلك لا يبتنى عليه النظر، بل هو متعلق بالطبع، كالإكثار من الطعام، ولذلك لا يجوز للسيد الحجر فيه بعد التزويج \rالحكم السابع: في الجناية عليه: فإن قُتِلَ قَتْلَ قصاص فللوارث استيفاء القصاص، وحق الموصى له يحبط ، ومن أصحابنا من أثبت للموصى له حق طلب القصاص، وهو غلط غير معتد به \rفأما إذا كان القتل موجبًا للقيمة ففي مصرفها أوجه:","part":1,"page":368},{"id":865,"text":"أحدها: أنه يصرف إلى الوارث، والوصية قد انتهت نهايتها؛ إذ كانت ثابتة إلى منقرض عمر العبد، فهو كالزوجة إذا قتلت لا شيء للزوج في ديتها بحكم العوضية ، ومن أصحابنا من قال: يُشْتَرى به عبد ، ويقام مقام ما قتل وفاءًا بالحقين، ونظرا إليهما ، وأبعد بعض أصحابنا، وزعم أن القيمة مصروفة إلى الموصى له، وكان العبد مستوعبًا لحقه ، ولذلك نقول على وجه يعتبر خروج الرقبة من الثلث، وهذا على بعده ينبغي أن يجري في الوصية المؤبدة\rوقد ذكر بعض الأصحاب وجهًا رابعا وهو: أن القيمة توزع على المنفعة، وعلى الرقبة مسلوبة المنفعة ، وسبيل تقويم المنفعة أن يقال: منفعة هذا العبد أبدًا كم تساوي وهو دون المنفعة كم يساوي \rفأما إذا قطع طرفه: فالذي قطع به الجمهور أنه مصروف إلى الوارث، لأنه بدل الملك، والعقد قائم \rوذكر صاحب التقريب وجهًا: أنه نقص على ما انتقص من المنفعة، وعلى ما انتقص من الرقبة المسلوبة المنفعة، ولم يصر أحد إلى صرف تمامه إلى الموصى له، ولا إلى  شراء عبد أو شقص من عبد، وإن ذكر ذلك في القتل \rالحكم الثامن: في جنايته على غيره: وهو متعلق برقبته، يقدم على حق الموصى له، فيباع فيه كما يباع المرهون إذا جنى ، فإن فدى الوارث بقي حق الموصى له ، وإن فداه الموصى له، وقبل المجني عليه انفكت الجناية ، وإن امتنع فهل يجبر على قبوله وجهان:\rأحدهما: أنه لا يجبر؛ لأنه أجنبي عن الرقبة، وهي متعلق الجناية، فأشبه الأجانب \rوالثاني: أنه يجبر؛ لأن اطراد حقه في بقاء الملك عليه ، وطرد أصحابنا الوجهين في فداء المرتهن في مثل هذه الصورة، ولعل المرتهن أولى بقبول الفداء منه؛ فإن حقه متعلق بالعين \rفرع: قال صاحب التقريب: إذا أوصى لإنسان كل سنة بدينار، ولم يذكر مقدار الدنانير، ومنتهى السنين، فيستحق الموصى له الدينار في السنة الأولى؛ لانضباطها، وتنجزها ، وفيما بعد ذلك هل تصح الوصية قولان:","part":1,"page":369},{"id":866,"text":"أحدهما: البطلان؛ لأنه مجهول، ولا نهاية له، وليس كالوصية بمنفعة عبد لا مال له سواه، فإنه يمكن الرد إلى ثلاثة؛ فإن قيمة المنفعة على الجملة تعلم، والدنانير لا ضبط لها \rوالثاني: أن الوصية صحيحة؛ لأن الجهالة لا تمنع الصحة، وكذلك توقع الاستحقاق كثمار الأشجار \rالتفريع: إن قضينا بالبطلان فله دينار في السنة الأولى، ولا كلام بعده ، وإن قضينا بالصحة وهو الذي اختاره صاحب التقريب نظر، فإن لم تكن له وصية سواه، فللورثة التصرف في الثلثين؛ إذ لهم رد كل ما يتعرض للثلثين ، وهل ينفذ تصرفهم في الثلث فعلى وجهين :\rأحدهما: أنه ينفذ في الباقي بعد إخراج الدينار؛ لأن استحقاقه غير مستيقن، فلا يدفع التصرف بالتردد \rوالثاني: أنه لا ينفذ \rفإن قبل الوصية، وهي على انتفاء النهاية عنها صحيحة، فعلى هذا يوقف الثلث ويدر عليه دينار في كل سنة ، فإن استغرق الثلث في حياته فذاك، وإن مات قال صاحب  التقريب: يرد باقي الثلث إلى الورثة، ولا يورث عنه استحقاق الدنانير ، وهذا فيه إشكال؛ فإن ظاهر المذهب أن المنفعة الموصى بها تورث، وإن كان فيه وجه، وثمار الأشجار أيضًا تورث وردها إلى الورثة ها هنا أظهر \rوالوصية بالدنانير تلي هذه المراتب، فإن الاستحقاق يتجدد له ابتداء، وليس مضافًا إلى عين حتى يترسخ فيه حقه فينتقل ، وإن فرعنا على تنفيذ التصرفات: فإذا تكررت السنة جاء الموصى له مطالبًا للورثة، وكان ذلك بمثابة ما لو اقتسم الورثة التركة، ثم ظهرت وصية، وهذا أيضًا مشكل؛ لأنا نتبع التصرف ثم بالنقض لتبيننا أن الوصية كانت ثابتة، وهذه الوصايا متراخية الوجوب، ومن خبط هذا التفريع خرج قول الإبطال ","part":1,"page":370},{"id":867,"text":"فأما إذا كان معها غيرها من الوصايا قال صاحب التقريب: لا يقف شيئًا من الثلث بل نقص عليهم وعلى الدينار المنجز ، بخلاف الوقف بين الموصى له والوارث، فإن الثلث محل تبرع المالك، وقد أرصده للتبرع فقطع حق الورثة في الحال غير بعيد \rوأما التبرعات الناجزة لا يعارضها التبرع المتوقع بعد قطع حق الورثة عن جميع الثلث، والمشكل أنه قال: يصرف إليهم، ثم لا يزال يتقضى السنة، وهو يرجع إليهم وينتزع مما في أيديهم مقدار ما يقتضيه التقسيط ، وهذا يولد محالاً؛ لأنه يضارب بحقوق لا نهاية لها أموالاً مقدرة، فإن اختص بحياة الموصى له يتطرق إليه ضرب من التقدير، وإن حكمنا بانتقاله إلى ورثته فلا نهاية لما به المضاربة، وانتزاع الجميع من يدهم محال؛ فإنه حرمان في حقهم، فيحتمل أن يقال: يضارب بكل المال، كما يضارب من أوصى له بكمال المال بجزء منه على التفصيل الذي سنذكره ، ويحتمل أن يقال: لا يضارب بأكثر من الثلث ، كما يراه أبو حنيفة في  جميع المسائل ، إلا أنا لا نرى ذلك في هذه المسألة المضروبة، وعلى الجملة خبط المسألة يكاد يتداعى\r\rالفصل الثاني: في الوصية بالحج\rونحن نقدم عليه القول فيما ينقطع من العبادات بالموت، وما يبقى فنقول: ما لا يتطرق إليه النيابة فيسقط بالموت \rوما يتطرق إليه نيابة فينقسم إلى ما يلزم بالشرع، وإلى ما لا يلزم بالتزام فما يلزمه شرعًا كالحج، والزكاة، فإذا استقر وجوبها في الحياة يجب إخراجها من التركة من رأس المال، أوصى به أو لم يوص  وقال أبو حنيفة: يسقط بالموت إلا إذا أوصى، فإذ ذاك يحتسب من الثلث كالتبرعات ، وكان الشيخ أبو محمد يحكي قولاً قديمًا للشافعي رحمه الله مثل مذهب أبي حنيفة، ولم ير هذا النقل لغيره ، ومستند هذا المذهب فوات النية عند الموت، وعدم الوصية، ولكنه لا يلائم أصلنا؛ فإنّا نستوفي الزكاة من الممتنع كما فعله الصديق |  مع امتناع النية ","part":1,"page":371},{"id":868,"text":"فأما ما يلزم بالالتزام: كالحج المنذور، والصدقة المنذورة، ففيه قولان :\rأحدهما: أنه دين كواجب الشرع \rوالثاني: أنه لا يجب من رأس المال ، وقد أطلق أصحابنا هذا على أن المنذور يسلك به مسلك واجب الشرع أم لا  وهو غير مشعر بالغرض، وإنما ذلك التردد يظهر في أن الصلاة المنذورة هل تؤدى قاعدًا مع القدرة تلقيا من تنزيل اللفظ على أقل جائز، وعلى أقل واجب، وأما هذا فمأخوذ مع إدخال الناذر اللزوم على نفسه وهو متبرع به، فألزمه الشرع ذلك في تمكينه، فأما إن تزاحم فلا، فهذا أقرب من البناء على ما ذكر، وألحق الأصحاب الكفارات بالمنذورات، فإنها لزمت بأسباب والتزامات \rالتفريع: إن جعلناه دينًا فهو من رأس المال، وإلا فلا بد من الوصية ؛ فإن لم يوص سقط بالكلية، هذا ما أشعر به ظاهر كلام الأئمة، وفي كلام بعض المحققين  ما يدل على أنها تخرج من الثلث، وإن لم يوص وكان النذر في حكم الوصية بالإضافة إلى هذا الغرض \rرجعنا إلى الوصية بالحج والنظر في التطوع، وحجة الإسلام\rأما الوصيّة بحج التطوع ففي صحتها قولان :\rأظهرهما، وبه الفتوى: الصحة؛ وهو الذي تشهد له الآثار، وسير الأولين \rوالثاني وهو الأقيس: البطلان؛ فإن الاستنابة في الحج على خلاف القياس جوّز بحكم الضرورة في حجة الإسلام \rفإن حكمنا بصحته ففيه مسألتان:\rإحداهما: أن الوصية بها هل تقدم على سائر الوصايا فيه قولان، ذكرهما الأصحاب ، ولا وجه، ولا مأخذ له؛ فإن في أصل صحته خلاف، فكيف يتأكد هذا التأكد نعم اختلف القول في تقديم العتق على غيره من الوصايا؛ لقوة العتق، وسلطانه ، وذكر الشيخ أبو علي في هذا تفصيلاً حسنًا فقال: الوصية بحج التطوع لا تقدم إلا إذا نص الموصي على تقديمها، والحجة المنذورة في الصحة إذا قلنا إنها محسوبة من الثلث هل تقدم فعلى قولين؛ لتأكدها في اللزوم ","part":1,"page":372},{"id":869,"text":"والوصية بحج التطوع هل تقدم على الوصية لزيد وعمرو فيه تردد مأخذه أن حق الله تعالى وحق الآدمي إذا اجتمع على مال فما المقدم ففي قول: يقدم حق الله، وفي قول: حق الآدمي، وفي قول: يسوّى \rفأما الوصية بالحج، والوصية بالصدقة فلا يتبين لتقدم الحج وجه بحال  ثم الذين ذهبوا إلى التقديم مطلقًا خصصوه بأجرة المثل ، فأما إذا شرط للحاج زيادة على الأجرة فتلك الزيادة لا تقدم؛ لأن سبب التقدم قوة الحج فتختص به  وقال الشيخ أبو محمد: من الأصحاب من يفرع على ذلك، ويطرد في الزيادة، وهو بعيد، لم ير لغيره \rالمسألة الثانية: أنه إذا أطلق الوصية بحج التطوع فهل يقتصر على حجة ميقاته فيه وجهان ذكرهما العراقيون:\rأحدهما: أنه يقتصر؛ لأنه الأقل، والوصايا منزلة على الأقل \rوالثاني:  أنه ينزل على حجة تنتهض له قاصدًا من دويرة أهل الموصي؛ لأن العرف يقتضي ذلك \rأما الوصية بحجة الإسلام فلا أثر لها في أصل اللزوم؛ فإنه دين محسوب من رأس المال عند عدم الوصية ، ولكن أثر الوصية في محل إخراجه؛ فإن أطلق وقال: أحجوا عني إنسانًا؛ أخرج من رأس المال، وأخرجت الوصايا من ثلث الباقي \rوإن قال: أحجوا عني من الثلث، كان قدرته مزاحمة الوصايا من الثلث، فيضارب بالحج جملة أصحاب الوصايا في الثلث؛ فإن تحصل ما يتم به الحج من المضاربة فذاك، وإن لم يتحصل تممناه من رأس المال \rوهل يقدم الحج على الوصايا في الثلث الذي دل عليه ظاهر كلام الأصحاب: أنا على قولنا: نقدم الوصية بحجة التطوع على سائر الوصايا، نقدم حجة الإسلام في الثلث مهما أوصى بها من الثلث؛ فإن لم يبق شيء بعد إخراج الحج، فلا شيء لهم، وإن بقي نقص عليهم ","part":1,"page":373},{"id":870,"text":"ومن أصحابنا من قال: وإن فرعنا على هذا القول فلا يقدم في هذا المقام؛ لأن وضع حجة الإسلام أن تخرج من رأس المال، وإنما أخرج من الثلث لمقتضى لفظه، وذلك لا يقتضي إلا المضاربة، ولا يقتضي التقديم  ولو قال: أوصيت إليكم أن تحجوا عني إنسانًا، ولم يتعرض للثلث؛ فقال قائلون: هو كما لو صرح بالإضافة إلى الثلث حتى يضارب به الوصايا؛ فإن لفظ الوصية شائعة في إرادة الحصر في الثلث بخلاف قوله: أحجوا عني \rومنهم من قال: هو كقوله: أحجوا عني؛ فيخرج من رأس المال، ولا يضارب الوصايا \rولو قال: أوصيت إليكم أن تحجوا عني وتعتقوا، وتتصدقوا، ولم يتعرض للثلث ففي مضاربة الثلث بالحج وجهان مرتبان، وها هنا أولى بالمضاربة؛ لأنه قربة لا يقتضي الحصر، والاقتران يفيد نوعًا من البيان ، ولو قال: أحجوا عني وأعتقوا وتصدقوا، وأتى بصيغة الأمر، لا بصيغة الوصية: ففيه  خلاف، والظاهر أنه لا يثبت الحج في المضاربة بهذا الاقتران؛ لأن مجرد الاقتران لا يفيد البيان، وقد ينتهض مؤيدًا للفظ الوصية إذا سبقت مشعرة بالحصر \rومما يتصل بهذا إذا قال: أحجوا عني حجة الإسلام، فهل يقتضي هذا حجة من دويرة أهله، أم يقتضي الحج من الميقات اختلفوا فيه، أخذا من الاختلاف في الوصية بحجة التطوع، فمنهم من قال: تعرضه له في محل الوصايا مشعر بترشيح قاصد له من دويرة أهله ، وكان الشيخ أبو محمد يقول: الأمر المطلق بالحج لا يقتضي الحج من دويرة الأهل \rفرع: لو قال: أحجوا عني فلانًا بألف، وهو زائد على أجرة المثل، فيصرف إليه كمال الألف؛ إذ الزيادة وصية له مهما وفّى الثلث به، إلا أن يكون وارثًا فلا يصرف إليه إلا أجرة المثل \rفأما إذا قال: أحجوا عني بألف ولم يعين، فقد اختلف الأصحاب فيه، فمنهم من قال: لا يحج عنه إلا بأجرة المثل، والزيادة للوارث؛ فإنه لم يعين لها مستحقًا \rوالثاني: أنه يحج عنه بألف، والزيادة مصروفة إلى شخص موصوف بأنه يحج عنه ","part":1,"page":374},{"id":871,"text":"قال القفال: وقعت مسألة اختلف فيها فتاوى الأئمة، وهو أن رجلاً أوصى أن يشترى عشرة أقفزة حنطة بمائة درهم فيتصدق بها، فوجد أجود أنواع الحنطة عشرة أقفزة بثمانين، فمنهم من أفتى بأن الزيادة ترد على الورثة، ومنهم من قال: هو وصية لبائع الحنطة كما في الحج، وهذا بعيد؛ فإن زيادة مسامحة في حق الحاج تحسن؛ إذ الحج له وجه، فلا يبعد كونه مقصودًا، بخلاف بائع الحنطة ومنهم من قال: يشترى بالزيادة الحنطة، ومثل هذا لا يتصور في الحج \rواختتام هذا الفصل ببيان ما يقع عن الميت من القربات بعد الموت، والنظر في الدعاء، والصدقة، والعتق، والكفارة \rأما الدعاء: فينال الميت بركته ، لما روي عن النبي \\ أنه قال: >إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له< \rأما الصدقة: فقد أطلق الأئمة وقوعها عن الميت من غير فصل بين الوارث، والأجنبي؛ إلحاقًا له بالدعاء ، وتمسكوا بما روي أن سعد بن أبي وقاص | قال لرسول الله \\: إن أمي  أصمتت ولو نطقت لتصدقت، أفينفعها أن أتصدق عنها قال: >نعم< \rوصرح الشيخ أبو محمد بوقوعها عنه، وعلل بإشارة الاعتقادات إلى إتباع الموتى بالصدقات مع حث الشرع على تكثير جهات الصدقات\rوذكر في بعض التصانيف: أن الصدقة يرجى لحوق بركتها الميت؛ فإن لم نحكم بوقوعها عنه حتى تلتحق بأعماله، ولم يعمله، وهذا منحة، وعليه يحمل حديث سعد، والدعاء منزل على مثله أيضًا ، ولكن المشهور هو الأول \rأما العتق: فلو تبرع به إنسان عن الميت لم يقع عنه وفاقًا، وارثًا كان أو لم يكن، بل يقع عن المعتق، وله الولاء ، وفرقوا بينه وبين الصدقات بافتقار الولاء إلى الخروج من الملك، وهذا يؤيد الاحتمال الذي ذكرناه؛ فإن وقوع الصدقة عنه أيضًا يستدعي الخروج عن الملك ","part":1,"page":375},{"id":872,"text":"أما الكفارات: فقد ذكرنا قولين في أنها: هل يسلك بها مسلك الديون حتى يحسب من رأس المال إن قلنا: يسلك بها مسلك الديون، ففي كلام الأصحاب تردد في أنه لو مات ولم يوص بها هل تسقط ولعل الصحيح أنه لا تسقط ، وإن لم يوص؛ لجريان أسبابها في الحياة، وإنما أثر ما ذكروه في الحسب من الثلث\rوإن قلنا: إنه دين، وهو الصحيح، وعليه التفريع:\rفإن أخرج وارثه عنه الكسوة والطعام وقع وفاقًا ، وإن أخرجه أجنبي فوجهان: والظاهر وقوعه عنه ؛ لأن الحق إذا بقي، وسقطت النية، كان كالدين  المحض، ولذلك لو أخرجه بعض الورثة كفى، وإن لم تكن له الخلافة الكاملة، ومنهم من جعل للوراثة فيه تأثيرًا \rفأما العتق في الكفارة: إن كان متعينًا ككفارة الظهار، وقع عنه إن أخرجه الوارث، وانصرف الولاء إليه ، وإن اخرجه الأجنبي فوجهان: كما في الإطعام، وأولى بالمنع؛ لأجل الولاء \rفأما إذا لم يكن متعينًا ككفارة اليمين، فإن أخرجه الوارث فوجهان: لأنه كالمتبرع فيه من وجه ، وإن أخرجه الأجنبي فوجهان مرتبان، وأولى بالمنع \rفأما إذا أوصى بأن يعتق عنه، والكفارة مخيرة، فإن وفى الثلث به فذاك، وإلا فالوجه المنع؛ لأنه يظهر أثر التبرع ها هنا ، وقال: الشيخ أبو محمد: ينفذ؛ لأنه أحد الواجبات الثلاث، وهو ضعيف؛ فإنه كتعيين عبد نفيس لا يفي الثلث به إذا كان في الخسيس مقنع \rأما الصوم الواجب عن قضاء أو غيره ليس للأجنبي أن ينوب عنه وهل للوارث ذلك قال في القديم: له ذلك ؛ لما روي عن رسول الله \\ أنه قال: >من مات وعليه صوم صام عنه وليّه< \rوقال في الجديد: لا يفعل ذلك؛ لأنه عبادة بدنية، ولا يشترط المال في وجوبها، فلا تتطرق النيابة إليها \r\rالفصل الثالث: في مسائل متفرقة لابن الحداد، وغيره:\rمسألة: إذا ملك قريبه في مرض الموت، نظر: إن ملك إرثًا عتق من رأس المال؛ لأن العتق مستحق، ولا عوض في مقابلته ","part":1,"page":376},{"id":873,"text":"وإن ملّك بالشراء عتق من الثلث ، فإن كان عليه دين مستغرق صح البيع، وامتنع العتق ، وفيه وجه: أن البيع يمتنع، وهو ضعيف \rفإن ملكه بهبة، أو وصية، فوجهان:\rأصحهما: أنه كالإرث؛ لانتفاء العوض \rوالثاني: أنه كالبيع؛ للاختيار، وهو ضعيف \rتفريعان: أحدهما: أنه لو اشترى ابنه بخمس مائة، وهو يساوى ألفًا،  فما يقابل قدر المحاباة حكمه حكم الموهوب؛ لأنه حصل مجانًا \rالثاني: أن الابن الذي عتق من الثلث في مرض الموت لا يرث؛ لأنه لو ورث لصار العتق وصية له، ولامتنع ذلك، فينقلب رقيقًا لا يرث، ويؤدي إلى الدور \rوإن عتق من رأس المال ورث في صورة الإرث؛ فإنه وقع العين مستحقًا، فلا يكون وصية له  وقال الإصطخري: لا يرث وهو ضعيف ، ووجّهه الشيخ أبو علي بأنه لا يبعد أن يقدم وصية في حقه، وإن لم يكن وصية في حق غيره، كالمرأة إذا نكحت في مرض الموت بأقل من مهر المثل لم يحسب من الثلث؛ لأن البضع ليس يبقى للورثة، ولكن ذلك فيه إذا كان الزوج رقيقًا، أو مسلمًا وهي كافرة، فلو كان وارثًا ثبت كمال المهر، ويكون ذلك كالوصية له، والشيخ أبو محمد منع هذه المسألة، وصحح المحاباة بمهر المثل وإن كان الزوج وارثًا \rمسألة: إذا أوصى لمن نصفه حر، ونصفه عبد ففي صحة قبوله لما على مقابلة الرق دون إذن سيده وجهان يجريان في قبول العبد الهبات  والوصايا، فإن صححنا دون إذنه فالظاهر أنه لا أثر لرده، وإن صرح بالمنع كمنعه من الاحتطاب والاحتشاش ","part":1,"page":377},{"id":874,"text":"وإن قلنا: لا بد من إذنه، فلو أذن بعد قبوله فله أن يستأنف قبول الوصية، بخلاف الهبة؛ فإنها تفتقر إلى تواصل الإيجاب والقبول ، ولو أراد السيد أن يقبل الهبة لنفسه وقد خوطب العبد لم يكن له ذلك، وإن كان الملك يقع له لحق التخاطب ، ولو قبل الوصية فهذا فيه احتمال؛ لأن وارث الموصى له يقبل، فلا يبعد قبول السيد، وعلى هذا لو رد العبد، وقبل السيد فلا أثر لرد العبد، بخلاف رد المورث؛ لأن الملك لا يحصل للعبد أصلاً \rوإذا فرعنا على أنه لا يصح قبوله لما على مقابلة الرق، ففي صحته لما على مقابلة الحرية  وجهان، ووجه المنع أن الحصر محال؛ إذ لا يتعين للحرية مقابل، وقد امتنعت الإشاعة، فيحكم ببطلانه \rهذا إذا لم تجر مهايأة، فإن جرت ففي دخول التبرعات تحت المهايأة وجهان :\rأحدهما: المنع؛ لمسلكين:\rأحدهما: أنه نادر ، فلا يتناوله مطلق المهايأة، فعلى هذا لو جرى التصريح به، أو عم العرف بالتبرعات في قطر دخل في المهايأة \rوالثاني: أن المهايأة عل استيفاء المنافع وقبول الهبة لا تحتاج إلى عمل يعد منفعة، فعلى هذا لا تدخل وإن جرى التصريح به \rفإن قلنا: يدخل تحت المهايأة  فالعبرة بالنوبة بيوم الإيصاء، أم بالموت وما بعده فيه وجهان ، فإن قلنا: إنه بالموت، ورأينا أن الملك يحصل به إما تحقيقًا أو تبينًا  فذلك ، وإن قلنا يحصل بالقبول فوجهان:\rأحدهما: أن النظر إلى الموت؛ فإنه الأصل\rوالثاني: أن النظر إلى القبول؛ لاستعقابه \rوفي اللقطة الاعتبار بيوم الالتقاط، لا بانقضاء الحول ، وهذا يؤيد النظر إلى يوم الإيصاء، وفي الهبة الاعتبار بيوم الهبة أو بيوم القبض فيه خلاف  قال الشيخ أبو علي: يبنى ذلك على أن الملك يحصل بالهبة مقرونًا بخيار الرجوع، أم بتراخي القبض وفيه اختلاف قول، فإن قلنا يحصل بالعقد فالعبرة به، وإن قلنا يحصل بالقبض، فإذ ذاك وجهان، كنظيرهما من الوصية ","part":1,"page":378},{"id":875,"text":"فرع: لو كان الشخص نصفه رقيق  لوارث الموصي، فلا مطمع في تصحيح ما يقابل الرق ، وفي تصحيح ما يقابل الحرية إذا صححناه مع الأجنبي كلام قال الشيخ أبو علي: لا يصح؛ لأن ذلك يؤدي إلى التبعيض، وهو ممتنع ؛ ولذلك حرمه الشافعي رحمه الله عن الميراث رأسًا ، وهذا فيه نظر؛ فإن الإرث لا يقبل التبعيض، وهذا يقبله؛ ولذلك يبطل ما زاد على الثلث، ويبقى الباقي ، وعند هذا يتصدى النظر في أمرين: \rأحدهما: أنه لو قبل الموصى له بعض الوصية، ورد البعض يحتمل المنع كما في الهبة، ويحتمل التجويز لما نبهنا عليه من اختصاص الوصية في تراخي القبول عن الإيجاب، وغيره \rالثاني: أنه لو قال: أوصيت لنصفك الحر، أو وهبت من نصفك الحر، قال القفال: هذا باطل من كل وجه؛ إذ الخطاب لا يوجّه على نصف الشخص ، وذكر الشيخ أبو علي وجهًا: أنه يصح ، والوجه المنع إن قلنا إنه لا يدخل تحت المهايأة، أو لتجر مهايأة، أو قال ذلك في نوبة السيد، فأما إن وقع في نوبة الشخص وجوزنا المهايأة عليه فوجهان، ووجه المنع فساد اللفظ به \rمسألة: لو قال: أعتقوا عبدي هذا بعد موتي؛ أعتق، ولم يفتقر إلى قبول العبد؛ لأن حق الله غالب في العتق، فليس للعبد رده \rولو قال: أوصيت لعبدي برقبته، فمآله العتق، وفي افتقاره إلى قبوله تردد للأصحاب من حيث أشعرت الصيغة بالقبول؛ فإنه يملك نفسه، ويعتق على نفسه \rولو قال: ثلث عبدي نفذ، ولم يسر، وإن زاد الثلث عليه فالعتق الموصى به بعد موت الموصي لا يسري أصلاً؛ لأنه وإن خلّف مالاً كثيرًا فهو بعد الموت معسر، وإنما الملك لغيره ","part":1,"page":379},{"id":876,"text":"ولو قال: أوصيت لعبدي بثلث مالي، وصرّح بإدخال رقبته فيه عتق ثلث رقبته، ونوجب الوصية إن ملك من جميع أصناف ماله ثلثا، فبعضه يقابل الجزء الرقيق، فيخرج على التفصيل الذي ذكرناه من قبل ، ولو لم يصرح بإدخال رقبته ففي دخولها وجهان، اختار ابن الحداد أنها تدخل؛ لأن اسم المال يتناولها ، ومنهم من قال: لا تدخل؛ لأن الموصى به ينبغي أن يكون غير الموصى له في نظم الكلام \rمسألة: إذا كان بين رجلين عبدان مشتركان قيمة كل واحد ألف، فأعتق أحدهما في مرض موته نصيبه منهما، وثلث ماله ألف  وخمسمائة، فقد استوفى بمباشرة العتق ألفًا، وهو موسر بخمسمائة إلى تمام الثلث، ومعسر بما وراء الثلث في المرض كما أنه معسر بجميع المال بعد الموت، فيشتري بمقدار خمسمائة من العبدين جميعًا، هكذا قاله ابن الحداد ، ولم يقرع بينهما، وحكم بالإقراع في غير هذه المسألة إذا لم ينجز العتق، بل أوصى بإعتاق نصيبه منهما، وبتكميل العتق فيهما، فرد للورثة ما زاد على الثلث، فإن من خرجت قرعته يشترى منه بمقدار خمس مائة؛ فإن مذهب الشافعي رحمه الله الإقراع في أصل العتق إذا اعتق عبيدًا، فكيف في السراية فاختلف الأصحاب في المسألتين على طريقين منهم من قال فيهما جميعًا وجهان:\rأحدهما التقسيط؛ للقياس\rوالثاني: الإقراع؛ كما في أصل العتق، وهو الصحيح \rومنهم من فرّق كما ذكره ابن الحداد، فإن قصده إلى إكمال العتق قد ظهرفي صورة الوصية لما أوصى بإكمال العتق، والتكميل بالقرعة وفاء بمقصوده، كما إذا أعتق عبيدًا بخلاف صورة السراية، قال الشيخ أبو علي: على هذا لو قال في مرضه: أعتقت العبدين، وعبّر عن الكل؛ ينبغي أن يقرع، ولو كان التسوية في مسألة الوصية إلى قدر الثلث لا يؤدي إلى التكميل فينبغي أن لا يقرع، ولعل الأظهر في مذهب الشافعي إلحاق السراية بابتداء العتق في المسألتين ","part":1,"page":380},{"id":877,"text":"مسألة: إذا ملك ثلاثة أعبد، قيمة كل واحد ألف، ولا مال له سواهم، فأعتقهم في مرض الموت آيسًا، ورد الورثة ما يزيد على الثلث أقرع بينهم، وأعتق واحد، ورق اثنان ، وكذلك لو أعتق من كل واحد نصفه؛ لأن الملك في الكل له، فهو كما لو أعتق الكل، وفي الوصية يفرّق بين الصورتين \rولو أوصى بإعتاق الكل أقرعنا ، ولو أوصى بإعتاق نصف من كل عبد  لم يكمل العتق في عبد واحد، بل يعتق نصفي عبدين بالقرعة، ويرق النصفان؛ لأنه لم يظهر قصد التكميل، بل خرج بالتنصيف في حالة لا تحتمل السراية؛ فإن الملك لغيره، هذا ما اتفق عليه \rمسألة: إذا ملك عبدين لا مال له سواهما، فقال: أعتقوا من هذا نصفه، ومن هذا ثلثه بعد موتي، فقد زاد على الثلث؛ إذ قيمة كل عبد ألف، فيقرع بينهما، فإن خرجت على صاحب النصف عتق نصفه، وعتق من الآخر سدسه، وهو تمام الثلث، وإن خرج على صاحب الثلث عتق ثلثه، ومن الآخر ثلثه، وبه كمال الثلث \rولو قال في مرضه: أعتقت من هذا نصفه، ومن هذا ثلثه فهو كما لو قال: أعتقوا؛ لأن الملك في الجميع له، ولا فرق في حق المالك في حال الحياة بين التبعيض والتكميل، ولو أعتقهما جميعًا لكنا نقرع بينهما، فمن خرجت قرعته عتق ثلثاه، وهو ثلث المال، فيرق باقيه مع العبد الثاني، فكذلك نفعل ها هنا \rمسألة: إذا قال: أعتقوا هذه الجارية بعد موتي، وهي حامل، وهو لا يعرف، قال الشيخ أبو علي: تعتق عنه، ويسري إلى الجنين مع أن عتق الميت لا يسري، ولكنّه وجّه هذا بأنّ استمرار الجارية يتناوله ، وقد ذكرنا وجهًا أن الوصية بالجارية لا يتناول الجنين، فيتجه على هذا منع السراية، وإن قطع به الشيخ أبو علي \rولو خرج فاستثنى الجارية، ذكر الشيخ وجهين، أصحهما: أنه لا يسري؛ لأن الاسم لا يتناوله، ولا سراية لعتق الميت \rوالثاني: أنه يسري؛ لأن الجنين في بعض الأحكام كعضو من أعضاء الجارية ","part":1,"page":381},{"id":878,"text":"مسألة: إذا قال لجاريته: أنت أو حملك حر، وكان ذلك في مرض موته، أقرع بينهما، فإن خرج على الحمل اقتصر عليه؛ إذ المذهب أن العتق لا يسري من الحمل إلى الوالدة ، وإن خرج على الأم والثلث متسع للولد أيضًا، ففي سرايته إلى الولد الوجهان   المذكوران  فيه إذا استثنى الحمل؛ لأن الترديد صريح في منع الجمع ، وإن لم يحتملهما الثلث، وقلنا: إنه يسري لو احتمل ففيه وجهان:\rأحدهما الاقتصار \rوالثاني: أنا نعتق من الحمل والأم ما يسعه الثلث تنزيلاً له على منزلة عضو وتسوية بينهما \rمسألة: إذا ملك جارية، ولها ابنان حرّان: أحدهما منه ، والآخر من غيره، فأوصى بها للذي ليس منه، فمصيرها إلى العتق على أي وجه يغلب، إما عند رد الوصية، وإما عند قبولها ، نعم لو كان الثلث لا يفي بها فرد الابن الوارث عتقت عليه، فإن أجاز وقلنا: إن الإجازة ابتداء عطية لم تنفذ إجازته، بل يبنى عتقها عليه، وإن قلنا إنها تنفيذ فتنفذ الإجازة \rولو كان بدل الابن الوارث أخ يرث، ولكن لا تعتق عليه فأنشأ العتق بعد رد الزيادة على الثلث، وقبل الابن الموصى له الوصية، قال ابن الحداد: نفذ عتق كل واحد منهما في نصيبه، ولم يسر عتق أحدهما إلى الآخر  قال الأصحاب: ليس الأمر كما ذكره في السراية، بل هو مبني على أن الملك يحصل للموصى له مستندًا إلى الموت، أو مترتبًا على القبول، فإن قلنا بالموت، فقد تبين بقبوله أنه عتق نصيبه، ويسري إلى نصيب الوارث، فيغرم له، ويصادف إنشاؤه لمعتق غيره، وإن قلنا: يحصل بالقبول، فينفذ إنشاؤه أولاً، ويسري إلى جميع العبد فإذا قبل بعده غرم له الأخ الوارث قيمة نصيبه، فيكون قبوله مصادفًا للقيمة لا لنفس العبد، وما ذكره ابن الحداد ذهول عن هذا الأصل ","part":1,"page":382},{"id":879,"text":"مسألة: إذا أوصى بعبد لرجلين: يعتق على أحدهما، فإن قبلا جميعًا، أو قبل القريب: عتق نصيبه، وسرى إذا كان موسرًا، وغرم ، فإن رد الآخر غرم للوارث، وإن قبل الأجنبي أوّلاً وأنشأ العتق، ثم قبل القريب، فإن قلنا:  يحصل الملك بالقبول، فيغرم الأجنبي للقريب قيمته، وقد نفذ إنشاؤه، وإن قلنا: يحصل بالملك غرم القريب للأجنبي، وبان أنه عتق قبله وسرى، وصادف عتق الأجنبي حرًا، والعجب أن ابن الحداد أجرى هذا التفريع في هذه المسألة، وذهل عنه في المسألة التي قبل هذه \rمسألة: إذا أوصى بعبد لابن العبد، أو أبيه وهو حر فمات قبل قبول الوصية، وخلّف ابنين؛ فإن رداه فذاك، وإن قبلاه عتق على الميت تفريعًا على الأصح في أن الملك يحصل للموصى له عند قبول وارثه  فذكر بعض أصحابنا أنه لا يصح ها هنا قبول الوارث فإنه يودي إلى إلحاق الولاء بالميت من غير اختياره، وهو بعيد  فأما إذا قبل أحدهما، ورد الآخر عتق على الميت مثل نصيب القابل، ثم قال يسري إلى الباقي، فإن كان في يده من التركة شيء، فلا يعتبر غير التركة، ولا ما في يد غيره من الورثة  قال الشيخ أبو علي: عندي أنه لا يسري؛ لأنا بينا أن عتق الميت لا يسري، ولو سرى لسرى على الميت  قال الإمام: هذا هو الصحيح، والآخر غلط في القياس \rوعندي أن ما ذكره الأصحاب لا يخلو عن غور في القياس لست أطول بذكره، فيتأمله الناظر، ثم قال الأصحاب: إذا سرينا بثلث الولاء للميت ورث به الابن القابل، وهل يرث به الراد فيه وجهان، والصحيح أنه يرث؛ لأن الولاء يورث به، ولا يورث في نفسه ","part":1,"page":383},{"id":880,"text":"مسألة: إذا قال إن مت فعبدي حر، فقتل، عتق؛ لأن كل قتيل ميت، وكذا في عاقبتي البر والحنث ، ولو قال: إن مت من مرضي هذا فقد أوصيت لفلان ، فتنازع الوارث والموصى له، فقال الوارث: برأ عن ذلك المرض ثم مات؛ قال ابن الحداد: القول قول الوارث؛ فإن ما قاله محتمل، والأصل عدم الوصية  ومن أصحابنا من قال: القول قول الموصى له؛ فإن الموت ثابت، والأصل بقاء المرض، والوارث يدّعي زواله  والصحيح المشهور ما  قاله ابن الحداد \rمسألة: ملك الموصى له يثبت بالقبول ولا يتوقف على القبض، بخلاف الهبة، ولا يجوز له رده بعد القبول ، وذكر العراقيون وجهًا أنه يبقى له خيار الرد إلى القبض، وهو ضعيف، لا أصل له \rمسألة: لو أوصى بثلث عبد بعينه فاستحق ثلثاه، تناول الثلث المملوك إن وفى به ثلث ماله ، نص الشافعي عليه \rوقال زفر ، وأبو ثور : يرد إلى ثلث الثلث، وكأنه أوصى بالثلث من كل جزء \rوفي نظيره من البيع خلاف في المذهب في أنا نحصر أم نشيع، والفرق أن الوصية وإن ترددت تحمل على الصحة كالوصية بالطبل المطلق يحمل على طبل الحرب ميلاً إلى التصحيح ، والصحيح الحصر في البيع أيضًا؛ لأنه باع النصف، وملك النصف ، وذهب ابن سريج إلى أن الوصية تصح في جزء من حصته، وتخالف البيع، فإن البيع يفسد، وتتفرق الصفقة، والوصية لا تفسد، وأمكن تفريقها، وفرق بين مسألة الشيوع، ومسألة الطبل؛ لأنه في تنزيله على طبل اللهو تعطيل بالكلية مع ظهور قصد التصحيح بخلاف الشيوع، فإن الوصية وجدت منشأً \rمسألة: إذا جوزنا نقل الصدقات فنقل الوصايا أولى، وإن منعنا ففي الوصايا وجهان :\rأحدهما: منع النقل؛ فإن ألفاظ الموصي في المساكين وأبناء السبيل وغيره تنزل على موجب لفظ الشارع، فكذلك في التخصيص \rوالثاني: التجويز؛ لعموم اللفظ، وأما الزكاة فمنعها لآثار ومصالح تختص بوظائف متكررة، ولا جريان لها في الوصايا ","part":1,"page":384},{"id":881,"text":"القسم الثالث: في معرفة مقادير الموصى به من موجب اللفظ والحساب\rوفيه فصول:\rالفصل الأول: في الوصية بالنصيب، والجزء الشائع، والجمع\rبينهما والكلام في ثلاثة أطراف:\rالأول: في الوصية بالنصيب، وفيه مسائل:\rإحداها: أنه لو أوصى بمثل  نصيب ولده، صحت الوصية، وموجبها عندنا التسوية بينه وبين الولد، فكأنه نزّله منزلته، حتى لو أوصى بمثل نصيب أحد أولاده وله ابنان قسم المال عليه وعلى الابنين أثلاثًا؛ إذ به تحصل التسوية، ولو كانوا ثلاثة قسم أرباعًا، ولو كانوا أربعة قسم أخماسًا، وعلى هذا القياس \rوقال مالك: إن كان الابن واحدًا فقد أوصى بالكل، وإن كانا اثنين فقد أوصى بالنصف ، وهو ينظر إلى النصيب قبل الوصية، ونحن ننظر إليه بعدها؛ لأن ما ذكرناه أيضًا محتمل، وهو الأقل ، وعلل بعض أصحابنا المذهب: بأنه إذا أوصى بمثل نصيب ولده وله ابن واحد فقد أوصى له بكل المال، وللابن كل المال، والمال إذا صار عائلاً بجميعه عاد كل واحد إلى النصف ، وهذا التعليل ضعيف؛ فإن موجبه أن يأخذ الكل عند الإجازة، وعند الشافعي رحمه الله لا يأخذ عند الإجازة إلا النصف ، فتعليله أن المفهوم تنزيله منزلة واحد من الأولاد، وطريقه أن تصحح مسألة الفريضة، ثم تزيد عليها مثل نصيب من أضيفت الوصية إلى نصيبه حتى لو كان له بنتان وعصبة، فأوصى بمثل نصيب بنت، فمسألة الفريضة من ثلاثة: لكل بنت واحد، ونزيد عليه واحدًا، وتصبح المسألة جامعة للوصية، والفريضة من أربعة \rالثانية: إذا أوصى بمثل نصيب أحد أولاده، أعطي مثل نصيب أقلهم نصيبًا ، حتى لو كان له بنت لم يزد حقه على نصيب البنت، ولو كان له بنت، وبنت ابن فله مثل نصيب بنت الابن؛ لأن اسم الولد يتناوله في مثل هذا المقام، وكذلك لو قال: مثل نصيب أحد الورثة نظر إلى أقلهم نصيبًا فإنّه المستيقن ","part":1,"page":385},{"id":882,"text":"الثالثة: لو أوصى بمثل نصيب ابن ثالث لو كان له، وله ابنان كان له ربع المال، فيقدر كأنّ المقدر موجود، أو يسوى بينه وبين المقدر، ولو كان له ثلاثة بنين فنجعل الموصى له  كابن خامس، ونقدر الرابع  وحكى الشيخ أبو محمد عن الأستاذ أبي إسحاق: أنه إذا كان له ابنان استحق هذا ثلثًا، وإن كان له ثلاثة استحق ربعًا، وكأنه نزل هذا منزلة ابن آخر، وقدر ثبوته ، وهذا متجه في القياس، إلا أنه مسبوق بإجماع الأصحاب على خلافه \rالرابعة: إذا قال: أوصيت بضعف ما يصيب أحد أولادي، أعطي مثله مرتين، فلو كان له ابنان فلكل ابن سهم، وله سهمان، ولو كانوا ثلاثة يزاد الموصى له سهمان، وتصح من خمسة \rولو قال: أوصيت بضعفي نصيب أحد أولادي، أعطي مثله ثلاث مرات ، وقال أبو حنيفة: أربع مرات ، فهو يضعف الزيادة والمزيد عليه، ونحن نضّعف الزيادة دون المزيد عليه، فما يزيد بسبب قوله: ضعفه، يتضاعف بقوله: ضعفيه \rولو قال: بثلاثة أضعاف نصيبه، أعطي مثله أربع مرات\rولو قال: بخمسة أضعاف، أعطي ستة أمثال نصيبه، وعلى هذا القياس عندنا ، وهو مشكل؛ فإن الضعف إذا كان مثله مرتين فالضعفان مثله أربع مرات، وإن نظر إلى عرف اللفظ فقد قال الله تعالى: {    } ، وهي لا تجلد إلا مائتين، فعلى هذا القياس ينبغي أن يعطى مثله مرتين، وإن أوصى بضعفين ، وقال الأستاذ أبو منصور: لو قال: ضعّفوا لفلان ضعف نصيب ولدي، أعطي أربعة أمثاله؛ فإنه خرج بتضعيف الضعف، وإنما الشافعي نص فيما إذا أطلق الضعف أو الأضعاف إلى النصيب \rالخامسة: إذا قال: أوصيت بنصيب أحد أولادي، كان كما لو قال: بمثل النصيب \rوقال أبو حنيفة: لا تصح الوصية؛ لأن النصيب مستحق، فلا يوصى به  واستدل عليه أصحابنا بما إذا قال: بعت بما باع به فلان فرسه  وكان القدر معلومًا، صح ونزل على المثل كذلك الوصية، بل أولى فإنها أقبل للجهالات ","part":1,"page":386},{"id":883,"text":"الطرف الثاني: في الوصية بالجزء الشائع، وفيه مسائل:\rالأولى: في الجزء المبهم، فإنه إذا قال: أوصيت لفلان بنصيب، أو حظ، أو سهم، أو قليل، أو كثير، فالرجوع في جميعها إلى الموصي ، فإن مات نزّل على أقل ما يتمول ، ووافق أبو حنيفة في جميع ذلك، إلا في السهم فإنه نزله على السدس \rوكذلك إذا قال: أوصيت له بالثلث إلا شيئًا، أو إلا كثيرًا نزل على أقل ما يتمول  وقال الأستاذ ابو منصور: إذا قال: إلا كثيرًا نزل على الأقل، وإذا قال: إلا شيئًا نزل على نصف الثلث وزيادة؛ لأن الاستثناء المطلق يظهر حمله على ما دون النصف ، وهذا لا يلائم مذهب الشافعي، فإنه لو قال: لفلان علي عشرة إلا شيء، قبل تفسيره بأقل القليل ، وحكى صاحب التقريب: أن الشافعي سئل عما إذا قال: أوصيت لفلان بما قل من مائة دينار، قال: ينزل على تسعة وتسعين دينارًا، ويستثنى قدر الدينار؛ لذكره الدينار، وهذا لا يعرف له أصل \rفأما إذا قال: أوصيت لفلان بأكثر مالي، حمل على النصف وزيادة، وإن قلّت \rالمسألة الثانية: في الوصية بجزء معلوم: وحكمه لا يخفى، وإنما النظر في الحساب، والطريق فيه أن تصحح فريضة الوصية، وتصرف جزء الوصية إلى الموصى له، وتنظر إلى ما بقي، فإن انقسم على الورثة فقد صحت المسألتان من مسألة الوصية، وإن انكسر عليهم فاطلب الموافقة بين ما بقي من أصل مسألة الوصية، وبين سهام الورثة بعد تصحيح فريضة الورثة، فإن كان بينهما موافقة بشيء فخذ جزء الوفق من فريضة الورثة، واضربه في فريضة الوصية، فما بلغ فمنه تصح المسألتان، وإن لم تجد  موافقة فاضرب أصل فريضة الورثة في فريضة الوصية، فما بلغ فمنه تصح المسألتان ","part":1,"page":387},{"id":884,"text":"طريقة أخرى: صحح أولاً فريضة الورثة، ثم انظر إلى جزء الوصية من كم تخرج ثم خذ جزء الوصية من أصله، وانظر إلى نسبته فما بقي وزد على سهام الورثة مثل تلك النسبة، فما بلغ فمنه تصح المسألتان، وهذه الطريق أعسر؛ إلا أنها أحسن وأعم فائدة \rتفسير الطريقتين: أوصى بثلث ماله، ومات عن ابنين، وبنتين، فصحح فريضة الوصية، فإذا هي من ثلاثة، للموصى له سهم، يبقى اثنان للورثة، ولا تصح على ستة، وبينهما موافقة بالنصف، فاضرب نصف الستة في فريضة الوصية، فإذا هي تسعة، فمنها تصح المسألتان، للموصى له ثلاثة، وستة للورثة \rوعلى الطريقة الثانية: تنظر أولاً إلى فريضة الورثة فتصححها، وهي من ستة، وهو واحد من ثلاثة، وتنسبه إلى ما بقي، وهو سهمان، فإذا هو مثل نصفه، فتزيد على فريضة الورثة، وهي ستة مثل نصفها، تصير تسعة، ومنها تصح المسألتان \rوامتحان ثان لهذا القياس: لو كان له ابنان، والمسألة بحالها، فعلى الطريقة الأولى تأخذ جزء الوصية من مخرجها، وهو ثلاثة، فتصرفه إلى الموصى له، ويبقى سهمان ينقسم على الاثنين، فقد صحت المسألتان من ثلاثة\rوعلى الطريقة الثانية: تأخذ جزء الوصية وهو الثلث من ثلاثة، وتنسبه إلى ما بقي، وهو مثل نصفه فتزيد مثل نسبته على فريضة الورثة، وهو سهمان، ومثل نصفها واحد، فتصير ثلاثة، وتصح المسألتان منها \rامتحان ثالث: لو كان له ثلاث بنات، وعصبة، فعلى الطريقة الأولى خذ جزء الوصية وهو الثلث، بقي سهمان لا ينقسمان على الورثة؛ لأن مسألة الورثة تصح من تسعة، فتضرب تسعة في أصل مسألة الوصية  وهي ثلاثة، فتبلغ سبعة وعشرين، فمنها تصح المسألتان، للموصى له بالثلث تسعة، يبقى ثمانية عشر، للبنات اثنا عشر، والباقي للعصبة","part":1,"page":388},{"id":885,"text":"وعلى الطريقة الثانية: تزيد على التسعة مثل نصفها؛ لأنها نسبة جزء الوصية بما تبقى من مسألة الوصية، وليس للتسعة نصف صحيح، فتضربه في مخرج النصف وهو اثنان، فتصير ثمانية عشر، فتزيد عليه إذ ذاك مثل نصفه، فتصير سبعة وعشرين كما سبق \rامتحان رابع: في الجمع بين جزأين، لو أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بالربع، وقد خلّف أبوين وبنتين، فعلى الطريقة الأولى تأخذ جزء الوصية، وهو الثلث، والربع من مخرجها، وهو اثني عشر، فالثلث والربع سبعة، تبقى خمسة لا تنقسم على سهام الورثة؛ لأن سهامهم ستة، ولا موافقة، والكسر على ستة، فتضرب ستة وهي فريضة الورثة في فريضة الوصية وهي اثني عشر، فتبلغ اثنين وسبعين، منها تصح المسألتان، يعطى للموصى لهما ثلث المال، وربعه، وهو اثنان وأربعون، تبقى ثلاثون، للأبوين السدس، عشرة، ولكل واحدة من البنتين عشرة \rوعلى الطريقة الثانية: صححنا مسألة الورثة فإذا هي من ستة، ثم نظرنا إلى نسبة جزء الوصية وهي سبعة مما بقي من مخرجها وهي اثني عشر، فإذا هي مثله، ومثل خمسه، فهذا نسبة سبعة من خمسة، وتزيد على مسألة الورثة مثلها، ومثل خمسيها، ولا خمس لستة، فتضربها في مخرج الخمسة وهي خمسة، فتصير ثلاثين، وتزيد عليها مثلها، ومثل خمسها، وهي اثني عشر، فتصير اثنين وسبعين، فتقسمها على ما سبق \rامتحان خامس: في الجمع بين جزأين: لو أوصى بالسدس، والربع، وقد خلف أبوين، وبنتين، فتأخذ السدس  والربع، وهي خمسة من أثني عشر، فهو مخرجها، فيبقى سبعة لا تنقسم على ستة، ولا موافقة، فتضرب ستة في فريضة الوصية وهي اثني عشر، فتصير اثنين وسبعين فمنها تصح ","part":1,"page":389},{"id":886,"text":"وعلى الطريقة الثانية: تنسب خمسة إلى ما بقي من اثني عشر، وهو سبعة، فهي خمسة أسباع سبعة، فتزيد على فريضة الورثة وهي ستة، خمسة أسباعها ولا سبع لستة، فتضربها في سبعة فتبلغ اثنين واربعين، فتزيد عليها خمسة أسباعها، فتصير اثنين وسبعين، وقد صحت المسألتان منهما، هذا تهذيب الطريقتين، والطريقة الأخيرة أحسن، وأعم فائدة؛ إذ بطريق النسبة تستخرج المجاهيل، والمعميات \rبيانه: إذا قيل: رجل أوصى بثلث ماله، وبسدس ماله، فأخرجا من ماله، فبقي عشرة دراهم، كم كان جملة ماله فتقول: أصل مسألة الوصية من اثني عشر، والمصروف إليهما خمسة، والباقي سبعة، فالمصروف مثل خمسة أسباع الباقي، فقد كان مع العشرة مثل خمسة أسباعها، وخمسة أسباع عشرة دراهم سبعة وسبع، لأن سبع العشرة عشرة أسباع الواحد، وهو سهم وثلاثة أسباع سهم، فبه تعرف جميع المال، إلى غير ذلك من مسائل حسابية لسنا للخوض فيها \rالمسألة الثالثة: في معرفة الحساب عند الرد، والإجازة إذا زادت الوصايا على الثلث\rفإذا أوصى لإنسان بثلث ماله، ولآخر بالنصف فللمسألة أحوال:\rإحداها: أن يجيز الورثة الكل، فللموصى لهما خمسة أسداس المال، وما بقي للورثة، وسبيل التصحيح ما سبق \rالثانية: أن يرد الوارث الزيادة على الثلث، فيتزاحمان في الثلث على نسبة حصتيهما حالة الإجازة، فيقسم بينها على  خمسة، لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب الثلث سهمان \rوقال أبو حنيفة: يستويان، ويختص تمكن الرد بالقدر الذي زاد به النصف على الثلث، فيبقى موصيًا بثلث ماله \rوقد ذكرنا فساده في مأخذ الخلاف، وعلى مذهبنا تصح فريضة الرد من عدد لثلثه خمس ، وهو خمسة عشر، خمسة للوصية، وعشرة للورثة \rولو أوصى لواحد بالنصف، ولآخر بالسدس، ولآخر بالربع، قسم الثلث بينهم على أحد عشر سهمًا؛ لأن هذه نسبة حصصهم عند الإجازة ","part":1,"page":390},{"id":887,"text":"الحالة الثالثة: أن يجيز الورثة لصاحب النصف دون صاحب الثلث، فالوجه أن تضرب فريضة الرد في فريضة الإجازة إن لم يكن بينهما موافقة، وإن كان فتضرب جزء الوفق فيها، فما بلغ فيصرف إلى صاحب النصف ما كان نصيبه حالة الإجازة، وإلى صاحب الثلث ما كان نصيبه حالة الرد، وما بقي يقسم على الورثة \rبيانه: إن فريضة الإجازة من ستة، وفريضة الرد من خمسة عشر، كما سبق، وبينهما موافقة بالثلث، فتضرب ثلث ستة في خمسة عشر، فتصير ثلاثين، فمنها تصح الوصيتان، فنقول لو عمهما الإجازة لأصاب صاحب النصف خمسة عشر، وقد أجيزت وصيته فله خمسة عشر، ولو ردت الوصيتان جميعًا لكان لصاحب الثلث خمسا ثلث المال، فنعطيه أربعة فهو خمسا ثلث المال، يبقى أحد عشر، فهي للورثة، فإن لم ينقسم عليهم إن كان الورثة ابنًا، وبنتين فمسألتهم من أربعة، فنضرب أربعة في ثلاثين، فتصير مائة وعشرين، لصاحب النصف ستين، ولصاحب الثلث خمسا الثلث، وهو ستة عشر، وللورثة أربعة وأربعون، للابن اثنان وعشرون، ولكل بنت أحد عشر \rالحالة الرابعة: أن يجيزوا لصاحب الثلث دون صاحب النصف، وهي عكس ما قبلها، فاعكس القسمة، وإنما تصح المسألة من ثلثين كما  سبق إلا أنا نعطي صاحب الثلث ثلثًا كاملاً، وهو عشرة، فإنه يخصهما لو عممنا الإجازة، ولصاحب النصف ثلاثة أخماس الثلث، وهو ستة، بقي أربعة عشر لا تنقسم على أربعة كما صورناها، ولكن بينهما موافقة بالنصف، فنضرب نصف الأربعة في ثلثين فتبلغ ستين، لصاحب الثلث عشرون، ولصاحب النصف اثنا عشر، وللورثة ثمانية وعشرون، للابن أربعة عشرة، ولكل بنت سبعة ","part":1,"page":391},{"id":888,"text":"الحالة الخامسة: أن يجيز الابن مثلاً الوصيتين جميعًا، ويرد البنتان الوصيتين جميعًا، فلا يكفيك في هذه الصورة ضرب أصل الفريضة للرد في أصل فريضة الإجازة، وإن كفاك فيما قبلها، بل لا بد من ضرب ما تصح منه فريضة الرد فيما تصح منه فريضة الإجازة، فنقول أصل فريضة الإجازة من ستة، ويبقى للورثة واحد، لا ينقسم على أربعة، فنضرب ستة في أربعة، فتبلغ أربعة وعشرين، فمنها تصح فريضة الإجازة، ونعود إلى فريضة الرد ونقول أصلها من خمسة عشر كما سبق، فإذا أخرج منه الثلث يبقى عشرة لا تنقسم على أربعة، وتوافقها بالنصف، فنضرب نصف الأربعة في خمسة عشر فتبلغ ثلاثين، فمنها تصح فريضة الرد، ثم نقابل إحدى الفريضتين الصحيحتين بالأخرى، وهي ثلاثون، وأربعة وعشرون، فبينهما موافقة بالسدس، فنضرب سدس أحدهما في جميع الآخر فتبلغ مائة وعشرين، للابن ستون، لولا الوصيتان، وقد أجاز جميع الوصايا، فنخرج من نصيبه نصفًا كاملاً، وهو ثلاثون، يصرف إلى صاحب النصف، ونخرج أيضًا ثلثًا كاملاً وهو عشرون نصرفه إلى صاحب الثلث، فلا يبقى إلا عشرة، وللبنتين ستون، وقد رددنا الوصيتين، فيخرج من نصيبهما الثلث، فإنه لا نفاذ لردهما فيه، وهو عشرون، ونصرفه إلى الموصى له، فيبقى أربعون للبنتين،  لكل واحدة عشرون، ثم نقسم ثلث نصيبهما على الموصى لهما على نسبة حالة الإجازة لصاحب النصف، ثلاثة أخماسها، ولصاحب الثلث خمساها، فيجتمع لصاحب النصف اثنان واربعون، ولصاحب الثلث ثمانية وعشرون \rالمسألة الرابعة: في الوصية الزائدة على جميع المال، فإذا أوصى بجميع المال فللورثة رد ما زاد على الثلث، فإن لم يكن وارث كان ذلك لبيت مال المسلمين فإنه جهة وارثة عندنا ، فلو أوصى لإنسان بجميع ماله ولآخر بثلث ماله فللمسألة أحوال:\rإحداها: أن يجيز الورثة الكل، قسم المال بينهما أرباعًا؛ لأن المال إذا عال بثلثه عاد كل ثلث ربعًا ","part":1,"page":392},{"id":889,"text":"الحالة الثانية: أن يرد الجميع، قسم المال بينهما أرباعًا على نسبة حالة الإجازة \rالحالة الثالثة: أن يجيزوا لصاحب الكل دون صاحب الثلث، أما الموصى له بالثلث فله ربع الثلث كما إذا شملهما الرد، وتكون المسألة من أثني عشر حتى تكون أربعة، فله واحد من اثني عشر، وأما صاحب الكل ففيه وجهان: أحدهما له ثلاثة أرباع المال، وهو تسعة، ويبقى اثنان للورثة؛ لأن هذا إنما يحصل برد الورثة، ففائدة ردهم يرجع إليهم، ولم يكن لصاحب الكل عند إجازة الكل إلا ثلاثة أرباع المال \rوالوجه الثاني: وهو القياس أن الباقي له؛ لأن الرد إلى ثلاثة أرباع كان لضرورة العول، وضيق المال، وإلا فقد أوصى له بالكل، وكان يستغرق الكل لو انفرد، وقد اندفع العول إلا في القدر الذي ذكرناه، فله الباقي \rالحالة الرابعة: أن يجيزوا لصاحب الثلث دون صاحب الكل، فيقسم المال، ويصرف ثلاثة أرباع الثلث إلى صاحب الكل، وهو ثلاثة من اثني عشر، ويكمل لصاحب الثلث ثلث المال على أحد الوجهين، مصيرًا إلى رفع العول، كما لو انفرد بالوصية، وعلى الوجه  الثاني يكمل له ربع المال فقط، كما لو أجيزت الوصيتان، وعلى هذا تعود المسألة بالاختصار إلى أربعة؛ لاستواء حصصهم من اثني عشر إذا كان في المسألة ابنان إذ لكل واحد بالآخر ربع المال، فيعود إلى أربعة ","part":1,"page":393},{"id":890,"text":"الحالة الخامسة: أن يجيز أحدهما لهما، ويجيز الآخر لأحدهما دون الثاني، فنأخذ اثني عشر، فنقسم ثلثها بينهم أرباعًا لصاحب الكل ثلاثة، ولصاحب الثلث واحد، تبقى ثمانية في يد الاثنين، فللذي أجاز الوصيتين تؤخذ الأربعة التي في يده، وتقسم بينهما أيضًا أرباعًا فيحصل ستة، لصاحب الكل دون صاحب الثلث، خرج أمره على الوجهين، فعلى وجه يخرج من يده الأربعة وتسلم إلى صاحب الكل، ولا يبقى له شيء، وعلى وجه يخرج من يده ما يكمل به لصاحب الكل ثلاثة أرباع المال، فيأخذ منه ثلاثة حتى يكمل له تسعة، فيبقى في يده واحد، وكذلك إن أجاز لصاحب الثلث دون صاحب الكل خرج ما يخرج من يده على الوجهين، فإن رفعنا نقض العول أخرجنا من يده ما يكمل به لصاحب الكل ثلاثة أرباع المال، فيأخذ منه ثلاثة حتى يكمل له تسعة فيبقى في يده واحد، وكذلك إن أجاز لصاحب الثلث دون صاحب الكل خرج ما يخرج من يده على الوجهين، فإن رفعنا نقض العول أخرجنا من يده ما يكمل به لصاحب الثلث ثلث المال، وإن بقينا العول أخرجنا له ربع المال \rالحالة السادسة: أن يرد أحدهما كلا الوصيتين، ويجيز الآخر إحداهما، أما الثلث فيقسم بينهما أرباعًا، يبقى في يد كل واحد من الاثنين أربعة، أما الذي ردهما فلا يوجد منه شيء، وأما الذي أجاز أحدهما يؤخذ منه ما أجاز، فإن أجاز لصاحب الثلث فعلى وجه يؤخذ منه ما يكمل به  ربع المال، وعلى وجه ما يكمل به ثلث المال، وإن أجاز لصاحب الكل يأخذ منه جميع ما في يده وجهًا واحدًا؛ فإنه مع الاستغراق لا يبلغ نصيب الكل ثلاثة أرباع المال \rالحالة السابعة: أن يجيز أحدهما لأحدهما، ويجيز الآخر للآخر، فالذي أجاز لصاحب الكل يؤخذ منه جميع ما في يده، وجهًا واحدًا؛ لأنه يتقاصر عن ثلاثة أرباع المال، والذي أجاز لصاحب الثلث يخرج أمره على الوجهين كما سبق \rالطرف الثالث: في الجمع بين الوصية بالجزء والوصية بالنصيب، وفيه مسائل:","part":1,"page":394},{"id":891,"text":"إحداها: أن يوصي بجزء من جملة المال، وبنصيب أحد الأولاد، كما إذا كان له أربعة  بنين، فأوصى لواحد بسدس ماله، ولآخر بمثل نصيب أحد أولاده، فيصرف إلى صاحب السدس سدسًا كاملاً، ويقسم الباقي على البنين وعلى الموصى له بالنصيب، وتنزيله كواحد منهم، وتصح المسألة من ستة، واحد لصاحب السدس، وخمسة تنقسم على خمسة، فلو كان البنون [خمسة]  انكسرت الخمسة على ستة؛ لأن الموصى له بالنصيب كواحد منهم، فنضرب ما عليه الكسر وهو ستة في أصل المسألة وهو ستة، فتبلغ ستًا وثلاثين، لصاحب السدس ستة، ونقسم ثلاثين عليهم، لكل واحد خمسة، وإن كانوا ثلاثة  فينكسر خمسة على أربعة، فنضرب أربعة في ستة فتصير أربعة وعشرين، لصاحب الجزء أربعة، وتنقسم عشرين على أربعة لكل واحد خمسة، ولو كان بدل السدس ثلث، وله ابنان، فاثنين بعد الثلث ينكسر على ثلاثة، فنضرب ثلاثة في ثلاثة، فتصير تسعة، لصاحب الثلث ثلاثة، يبقى ستة تنقسم على ثلاثة ","part":1,"page":395},{"id":892,"text":"المسألة الثانية: إذا أوصى بنصيب أحد الابنين، وبجزء مما تبقى من المال بعد إخراج النصيب، مثاله: ثلاثة بنين، وأوصى لإنسان بنصيب أحد أولاده، ولآخر بثلث ما تبقى بعد إخراج النصيب، والأمر في ذلك مفض إلى الدور؛ لأن الموصى له  بالنصيب كأحد البنين، فالمال بينهم على أربعة، فإذا صرف إليه واحد، وإلى الموصى له بثلث ما يبقى واحد، وقسم الباقي على البنين، لم نخص كل واحد مثل حصة صاحب النصيب ، وفي استخراج ذلك بالحساب طرق كثيرة، نقتصر فيها على أيسرها، وهي طريقة العثمانية المنسوبة إلى رجل من أهل البصرة، يسمى عثمان ، وهو أن نقدر المال ثلاثة أسهم، ونصيبًا مجهولاً، وإنما جعلناه ثلاثة أسهم ليكون له ثلث بعد قطع النصيب عنه، والنصيب المجهول لصاحب النصيب، وللموصى له بثلث ما يبقى سهم واحد، تبقى سهمان نقسمهما على ثلاثة، يخص كل واحد ثلاثة أسهم، فيتبين أن النصيب المجهول كان ثلثي سهم؛ إذ وجب أن يكون مثل نصيب أحد البنين، فنعود ونقول: المال ثلاثة أسهم، وثلثا سهم، ولا كسر في الفرائض، فنبسط الأثلاث آحادا، فتبلغ أحد عشر سهمًا، فمنه تصح المسألة، للموصى له بالنصيب سهمان، وللموصى له بثلث ما يبقى ثلاثة؛ لأن الباقي تسعة، تبقى ستة تقسم على ثلاثة، لكل واحد سهمان يساويان حصة الموصى له بالنصيب \rامتحان ثان لهذا القياس: لو كان بدل الثلث ربعًا، قدّرنا المال أربعة أسهم، ونصيبًا مجهولاً، يكون له ربع النصيب المجهول، لصاحب النصيب ولصاحب الربع سهم، يبقى ثلاثة، لكل واحدٍ واحدٌ، وقد تبين أن النصيب المجهول كان واحدًا، فنعود ونقول المال خمسة أسهم، لكل واحدٍ واحدٌ \rالمسألة الثالثة: إذا أوصى بنصيب أحد أولاده وبجزء مما تبقى من جزء من المال بعد إخراج النصيب، لا مما تبقى من جملة المال","part":1,"page":396},{"id":893,"text":"مثاله: أن يكون له ثلاثة بنين، فأوصى لإنسان بنصيب أحد أولاده، ولآخر بثلث ما يبقى من ثلث المال، فتضمها إلى ثلثي المال، وثلثا المال ستة أسهم  ونصيبان؛ لأن الثلث كان ثلاثة، ونصيبًا، فتصير ثمانية ونصيبين مجهولين، فنصرف النصيبين إلى الابنين، يبقى ثمانية للابن الثالث، فتبين أن النصيب المجهول في الابتداء الثمانية، فنعود إلى الأول ونقول: كنا قدرنا ثلث المال ثلاثة أسهم ونصيبًا مجهولاً، وقد بان الآن أن النصيب المجهول ثمانية، فإذًا ثلث المال أحد عشر سهمًا، فنخرج النصيب ثمانية، بقي معنا من الثلث ثلاثة، فنعطى الموصى له بثلث ما تبقى من الثلث سهمًا واحدًا من السهام الثلاثة، يبقى معنا سهمان نضمهما إلى ثلثي المال، وهو اثنان وعشرون؛ لأن الثلث أحد عشر فيصير أربعًا وعشرين فقسّمها على ثلاثة بنين، فيخص كل واحد ثمانية، مثل النصيب المخرج لصاحب النصيب، وعلى الجملة العمل في هذه المسألة بثلث المال كالعمل في المسألة التي قبلها بجميع المال، ولكن هذه الوصية بالثلث مما تبقى من الثلث إنما تصح إذا لم يكن النصيب مستغرقًا لثلث المال حتى لو كان له ابنان، بطلت الوصية بثلث ما بقي من ثلث المال؛ لأنه لا يبقى من ثلث المال شيء، وإنما يتصور هذا في ثلاثة بنين وأكثر ","part":1,"page":397},{"id":894,"text":"امتحان ثالث لهذا القياس: المسألة بحالها، ولكن أوصى بثلث ما يبقى من الربع، فالعمل فيه ما ذكرناه، فإن كان البنون ثلاثة لم تصح الوصية بثلث ما تبقى من الربع؛ لأنه لا يبقى من الربع شيء بعد إخراج النصيب، وإنما يتصور ذلك في خمسة بنين وزيادة، وفي أربعة بنين أيضًا، فنجعل ربع المال ثلاثة أسهم، ونصيبًا مجهولاً، ونعطي واحدًا إلى صاحب الثلث من الربع، تبقى سهمان فنضمها إلى ثلاثة أرباع المال، وهو تسعة، فيصير أحد عشر سهمًا، وثلاثة أنصباء، فنصرف الثلث إلى ثلاثة  بنين، يبقى ها هنا أحد عشر سهمًا، وثلاثة أنصباء، صرفنا الأنصباء الثلاثة  إلى ثلاثة  بنين، بقي أحد عشر، للابنين الباقيين، إذا المسألة مفروضة في خمسة  بنين، لكل واحد خمسة ونصف، فتبين أن النصيب المجهول في الابتداء كان خمسة ونصفًا، فنعود إلى الابتداء ونقول: كنا جعلنا ربع المال ثلاثة أسهم ونصيبًا مجهولاً، وقد بان أن النصيب خمسة ونصف، فإذًا الربع ثمانية ونصف، ولا كسر في الفرائض، فنبسطها أيضًا، فإذا هي سبعة عشر، فللموصى له بالنصيب أحد عشر سهمًا وهو مبسوط خمسة ونصف، يبقى ستة للموصى له بثلث ما تبقى من الربع، سهمان، يبقى معنا أربعة أسهم، نظمها إلى ثلاثة أرباع المال، وهو واحد  وخمسون، فيصير خمسة وخمسين، نقسمها على خمسة بنين، لكل ابن أحد عشر، مثل حصة صاحب النصيب \rالطرف الرابع: في الاستثناء: وفيه مسائل:","part":1,"page":398},{"id":895,"text":"إحداها: أن يقول: أعطوا فلانًا مثل نصيب أحد أولادي إلا ربع المال، فالوصية صحيحة ، وقد يتخايل إلى الناظر أنه لو لم يستثن لكان يستحق ربع المال، وقد استثنى ربع المال واستغرق فلا تصح، وليس الأمر كذلك، ويتبين ذلك بالحساب، وفي استخراجه طرق كثيرة، أبينها طريقة أيوب ، وهو أن حقيقة هذه الوصية أن نفضل كل واحد من البنين على الموصى له بربع المال، فنجعل المال أربعة أسهم، ونقول: لكل واحد من البنين ربع المال، من غير مزاحمة، وهو الذي ينبغي أن نفضل كل واحد على الموصى له، فبقي وأحد فيقسم بينهم بالسوية، لكل واحد ربعه، وينزل الموصى له منزلة أحدهم في هذا الربع، إذا انكسر هذا الواحد بالأرباع، فيحصل لهم سهم واحد، لكل واحد من البنين خمسة أسهم، وما في يد الموصى له أقل مما في يد كل واحد  منهم بربع المال، فإنه إذا ضم إليه ربع المال صار مثل النصيب إلا ربع المال \rامتحان ثان لهذا القياس: لو أوصى بمثل نصيب ابنه إلا نصف المال، وله ابن واحد، فكأنه فضله على الموصى له بنصف المال، فيجعل نصفين، ونخصص الابن بأحدهما، ونقسم النصف الآخر عليهما، فيخص الموصى له ربع المال، فنبسط الأنصاف آحادًا، فتصير أربعة، للابن ثلاثة أسهم، وللموصى له سهم واحد، وهو مثل نصيب الابن إلا أنه أقل منه بنصف نصف المال \rامتحان ثالث: لو كان له ابنان فأوصى لإنسان بمثل نصيب أحدهما إلا نصف المال، فالوصية باطلة؛ لأن الاستثناء مستغرق؛ لأنه فضل كل واحد بنصف المال، فنجعل المال نصفين، وإذا سلمنا إلى كل واحد نصفًا به التفضيل لم يبق من المال شيء يجري به التشريك \rالمسألة الثانية: إذا كان المستثنى من النصيب جزءًا مقدرًا مما يبقى من المال، وذلك لا يخلوا إما أن يقول: مما يبقى بعد النصيب، أو يقول: مما يبقى بعد الوصية، أو قال: مما يبقى من المال","part":1,"page":399},{"id":896,"text":"فإن قال: مما يبقى بعد النصيب مثل أن يقول: أعطوه مثل نصيب أحد ولدي وله ابنان إلا ثلث ما تبقى من المال بعد إخراج النصيب، فالطريق في معرفة ذلك أن يجعل المال كله ثلاثة أسهم، ونصيبًا مجهولاً، وإنما جعلناه ثلاثة أسهم ليكون له ثلث بعد النصيب، ثم نسترد من النصيب سهما كاملاً، فله ثلث المال ونضمه إلى السهام الثلاثة، فيصير معنا أربعة أسهم، نقسمها بين الابنين، يخص كل واحد سهمان، فيتبين أن النصيب المجهول في الابتداء كان سهمين؛ لأنه يقدر بمثل النصيب، فنعود ونقول: بأن المال خمسة أسهم، والنصيب منه سهمان، فيصرف إلى الموصى له بالنصيب سهمين، يبقى ثلاثة، فيسترد منه مثل ثلث  الباقي بعد النصيب، وهو سهم واحد، فإن الباقي بعد النصيب ثلاثة اسهم، ونضمه إلى الثلاثة، فيصير معنا أربعة، تبين لكل واحد سهمان مثل النصيب المخرج ابتداء ","part":1,"page":400},{"id":897,"text":"فأما إذا قال: إلا ثلث ما تبقى بعد الوصية لا بعد النصيب، والوصية هي التي يتقرر الاستحقاق عليها بعد الاستثناء، فالطريق في ذلك أن يجعل المال كله سهمين ونصيبًا مجهولاً، وإنما جعلناه سهمين ونصيبًا حتى إذا أخرجنا النصيب يبقى من المال ما إذا زيد عليه مثل نصفه يصير ثلاثة حتى يسترد من النصيب مثل نصف الباقي بعد النصيب، فنكون قد استرددنا مثل ثلث الباقي بعد الوصية، وإذا جعلنا المال سهمين ونصيبًا مجهولاً استرددنا من النصيب سهمًا كاملاً فصار معنا ثلاثة أسهم ونصيب مجهول، فنقسم الثلث على الابنين  فيخص كل واحد سهم، فبان لنا أن النصيب المقدر أولاً كان نصفًا ونصفًا، فنعود ونقول: تبين أن المال كله ثلاثة أسهم ونصف، فنبسط الأنصاف، فتصير سبعة والنصيب منه ثلاثة، فنصرفه إلى الموصى له، ونسترد مثل نصف الباقي بعد النصيب، والباقي بعد النصيب أربعة، ومثل نصفه سهمان فنستردهما، ونظمهما إلى الأربعة، ونقسمهما على الابنين، لكل واحد ثلاثة فقد حصل الموصى له على ثلاثة إلا مثل ثلث الباقي بعد مجرد الوصية وهو سهمان، فيبقى له واحد \rفأما إذا أطلق وقال: أعطوه مثل نصيب أحد ولدي إلا ثلث ما يبقى من المال، ولم يقل بعد الوصية أو بعد النصيب، فمذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه يحمل على النصيب، وكأنه قيد ، ومذهب الشافعي رحمه الله أنه ينزل [على]  الوصية، فإنه الأقل واللفظ متردد \rوالمسألة الثالثة: أن يستثني  جزءًا مقدرًا من جزء مقدر مما يبقى من المال، مثاله: أن يقول: أعطوه مثل نصيب أحد أولادي إلا ثلث ما تبقى من الثلث، فلها ثلاثة أحوال:","part":1,"page":401},{"id":898,"text":"إحداها: أن يقول إلا ثلث ما تبقى من الثلث بعد إخراج النصيب، وله ثلاثة أولاد، فالطريق في ذلك أن نجعل ثلث المال ثلاثة ونصيبًا مجهولاً، ثم نسترد من النصيب المجهول سهمًا كاملاً، فيحصل معنا أربعة أسهم، نضمها إلى ثلثي المال، وهو ستة أسهم، ونصيبان، فتصير عشرة أسهم، ونصيبين، فنصرف النصيبين إلى الابنين، يبقى عشرة أسهم، للابن الثالث، فبان أن النصيب كان عشرة أسهم، فنعود ونقول: كنا جعلنا ثلث المال ثلاثة أسهم، ونصيبًا، وقد بان لنا أن الثلث ثلاثة عشر سهمًا، والنصيب عشرة أسهم، وثلثاه ستة وعشرون، وجملة المال تسعة وثلاثون، فنأخذ من الثلث عشرة لصاحب النصيب، ونسترد ثلث ما بقي من الثلث بعد النصيب، وهو واحد لأن الباقي ثلاثة، فيصير معنا أربعة، فضمه إلى ثلثي المال، فيصير ثلاثين، لكل ابن عشرة، مثل النصيب المخرج ابتداءً \rالحالة الثانية: أن يقول ثلث ما تبقى من الثلث بعد الوصية، فالطريق فيه أن تجعل ثلث المال سهمين، ونصيبًا مجهولاً، وتسترد من النصيب سهمًا، وتضمه إلى سهمين، فتصير ثلاثة أسهم، فتضمها إلى ثلثي المال، وهو أربعة، ونصيبان، فتصير سبعة ونصيبين، فتعطي النصيبين ابنين، يبقى سبعة لابن واحد، فيتبين أن النصيب سبعة، فترجع فتقول: ثلث المال كان تسعة أسهم، والنصيب سبعة، تخرجه إلى الموصى له، وتسترد من النصيب ما إذا ضم إلى الباقي كان ثلثه، وهو سهم واحد، تضمه إلى السهمين الباقيين، فتصير ثلاثة، فتضمها  إلى ثلثي المال، وهو ثمانية عشر، فتصير إحدى وعشرين، لكل ابن سبعة، وهو مثل النصيب المخرج ابتداء، والباقي في يد الموصى له ستة أسهم، وهو مثل نصيب الابن إلا ثلث ما بقي من الثلث بعد الوصية على ما رسمه الموصي \rالحالة الثالثة: أن يطلق ولا يتعرض للنصيب والوصية، فالحمل على المقيد بالوصية ؛ لأنه الأقل، وعند أبي حنيفة يحمل على النصيب ، والله أعلم\r\rالفصل الثاني: في مسائل متفرقة يتعلق النظر فيها بالحساب","part":1,"page":402},{"id":899,"text":"مسألة: لو أوصى لرجل بعبد قيمته مائة، ولآخر بثلث ذلك العبد، أو بثلث ماله، ولا مال له غيره، فيتقاسمان العبد عند الإجازة بالأرباع، فيعود الثلث بالعول إلى الربع، والكل إلى ثلاثة أرباع، ويتقاسمان الثلث عند الرد على هذه النسبة \rوإن ردت نصف الوصيتين تقاسما نصف العبد على هذه النسبة ، فلو ترك مع العبد مائتي درهم، فأوصى لرجل بجميع العبد، ولآخر بثلث المال، فحق صاحب العبد محصور في العبد، وحق صاحب الثلث شائع في العبد والدراهم، فيأخذ صاحب الثلث عند الإجازة من الدراهم ثلثًا كاملاً، وهو ستة وستون وثلثان، ومن العبد ثلثًا عائلاً، وهو ربع العبد وقيمته خمسة وعشرون، فيحصل له واحد  وتسعون وثلثان، ويبقى لصاحب العبد ثلاثة أرباع العبد وهو خمسة وسبعون، وقد نقص حقه مع أنه أوصى له بما هو الثلث، كما أوصى للآخر بالثلث، إلا أن حقه محصور في العبد، فانزحم من حقه بشيوع حق الآخر، ونقص نصيبه، ودخل على صاحب الثلث أيضًا قدر من النقصان للقدر الذي فيه التزاحم، ونقص المخرج إليهما عن ثلثي المال  وإن كانت الوصيتان في الظاهر كأنهما ثلثا المال ، فإن رددنا ما زاد على الثلث قسم الثلث بينهما مع المحافظة على أمرين:\rأحدهما: حصر حق صاحب العبد في العبد وشيوع حق الآخر في الكل ","part":1,"page":403},{"id":900,"text":"والثاني: إيقاع التفاوت بينهما على نسبة حالة الإجازة، والطريق فيه: أن تجعل ثلث المال أربعة، إذ تبين أن العبد يقسم عند الإجازة أرباعًا، ولكن لا بد من أن يكون الربع مثلثًا أيضًا؛ لوجوب رده إلى الثلث، فتضربه في ثلثه فيصير اثني عشر، فنجعل ثلث المال اثني عشرة، مجموعه ستة وثلاثون، لصاحب العبد من العبد تسعة؛ لأنه ثلاثة أرباع العبد، والعبد ثلث، ولصاحب الثلث من العبد ثلاثة، ومن الثلثين الباقين ثلث كامل، وهو ثمانية، فتجمع له أحد عشر، ولصاحب العبد تسعة، فهذه نسبة التفاوت بينهما، فنعود ونجعل ثلث المال عشرين؛ لأنه لا بد من قسمة الثلث على نسبة العشرين، فمجموع المال ستون، العبد ثلث منه، لصاحب العبد من العبد تسعة لا غير، وللآخر ثلث منه، وبقي للورثة من العبد ثمانية أسهم، وللموصى له الثلث ثمانية من أربعين سهمًا من الثلثين الآخرين، فتحصل لهما عشرون على تلك النسبة، مع انحصار حق صاحب العبد في العبد، هذا ما ذكره جماهير الأصحاب، والأستاذ أبو منصور رفع التفاوت بينهما في حالة الرد مع الاعتراف بالتفاوت عند الإجازة، قال: لأنه إنما أوصى لكل واحد بما هو ثلث المال، وإنما تفاوتا لتفاوت النقصان، وأصل النقصان لتزاحم الحقوق على العبد مع ضيقه عن الوفاء \rفإذا رد إلى الثلث فقد ظهر في العبد متسع؛ فإنه مع توفية حقهما يبقى للورثة شيء، فلا معنى للعول والنقصان مع انتفاء التزاحم، فالطريق أن تقول: الثلث بين  صاحب العبد، وصاحب الثلث نصفان بالسوية، ونضرب صاحب العبد بخمسين، ونأخذ من العبد، وهو نصف، ونضرب صاحب الثلث بخمسين، ونأخذ ثلث هذا الثلث من العبد وهو ستة عشر درهمًا وثلثان، وهو قيمة سدس السدس، ونأخذ ثلاثة وثلاثين وثلث من الدراهم، وهذا الذي تنبه له أغوص، ولعله أصح ","part":1,"page":404},{"id":901,"text":"مسألة: عبد قيمته مائة، أُوصي لإنسان بجميعه، ولآخر بثلثه، ولآخر بسدسه، ولا مال له غيره، فيجعل العبد ستة أجزاء من المخرج الأقصى، وقد عالت الستة بسدسها وثلثها إلى تسعة، والعبد بينهم على تسعة أسهم، لصاحب الجميع ستة، وهو ثلثا الجميع، ولصاحب الثلث اثنان، وهو ثلثا الثلث، ولصاحب السدس واحد، وهو أيضًا ثلثا حقه، فقد رجع حق كل واحد بالعول إلى ثلثي حقه، هذا عند الإجازة \rفإن ردت الوصايا إلى الثلث قسم العبد بينهم على تسعة أسهم على هذه النسبة، ولا يختلف جواب الأستاذ والفقهاء في ذلك \rولو ترك مأتي درهم سوى العبد، وأوصى لواحد بجميع العبد، ولآخر بثلث ماله، ولآخر بسدس المال، فإن أجيزت الوصايا كان المال بينهم على تسعة أسهم لصاحب الجميع ستة لا غير، وهو ثلثا وصيته، ولصاحب الثلث تسعاه، وله ثلث الدراهم أيضًا، ولصاحب السدس تسع العبد، وسدس الدراهم أيضًا، هذا متفق عليه حالة الإجازة \rفإن ردت الوصايا إلى الثلث أختلف الجواب فعند الأستاذ يضرب صاحب العبد بجميع العبد، وهو مائة، وصاحب ثلث المال أيضًا يضرب بمائة، وصاحب السدس بخمسين، والثلث بينهم عنده على خمسة سهمان، لصاحب العبد  يأخذه من العبد، فإن حقه محصور فيه، وسهمان لصاحب الثلث يأخذ ثلث سهميه من العبد، وثلثا سهميه من الدراهم، وسهم لصاحب السدس يأخذ ثلثه من العبد، والباقي من الدراهم ، وأما الفقهاء يعتبرون حالة الرد بحالة الإجازة، فيقولون: نجعل كل ثلث تسعة، والعبد ثلث، لصاحب الجميع منه ستة فقط، ولصاحب الثلث سهمان من العبد، وستة أسهم من المأتين، فيجتمع له ثمانية، ولصاحب السدس سهم من تسعة من العبد، وثلاثة أسهم من المأتين، فله أربعة، ومجموع ما لهم ثمانية عشر، فنجعل كل ثلث ثمانية عشر، ونقسم الثلث بينهم على هذه النسبة كما سبق ","part":1,"page":405},{"id":902,"text":"مسألة: أوصى بعتق عبد لا مال له غيره، وأوصى لآخر بثلث ذلك العبد، فالصحيح أن الوصية بالعتق لا يقدم على غيره؛ لأن الوصايا على رتبة واحدة، يعتق عند الإجازة من العبد ثلاثة أرباعه بطريق العول، ويسلم لصاحب الثلث ربعه، وعند الرد يفعل بثلثه مثل ذلك، فيعتق ثلاثة أرباع الثلث، ويسلم لصاحب الثلث ربع الثلث \rولو ترك عبدين قيمة كل واحد مائة، وأوصى بعتق أحدهما، وأوصى لآخر بثلث ماله، فيعتق من العبد المعيّن للعتق ثلاثة أرباعه، ويأخذ الموصى له بالثلث ربعه وثلث العبد الآخر، هذا عند الإجازة، فأما عند الرد فمبلغ الوصيتين مائة وستة وستون وثلثان، وقدر الثلث ستة وستون وثلثان، فالثلث مثل خمس الوصيتين، ولكل واحد منهما خمسًا مما أوصى به، فيعتق خمسا العبد، وذلك أربعون، ولصاحب الثلث خمسا ثلث كل عبد، وقيمة ذلك ستة وستون وثلثان، وهذا اختاره الأستاذ على طريقته، وعلى طريقة الفقهاء نضبط نسبة حالة الإجازة، ونقسم الثلث على مثل ذلك النسبة، ولا تخفى طريقه \rمسألة: ترك ثلاثة أعبد قيمة كل واحد مائة، وأوصى بعتق أحدهم، وأوصى لآخر  بثلث ماله، فيعتق من المعين للعتق ثلاثة أرباعه، ويأخذ صاحب الثلث ربعه، وثلث العبدين الآخرين عند الإجازة، وعند الرد نقول مبلغ الوصيتين مائتان، والثلث مائة فهو مثل نصف، لكل واحد نصف ما أوصى به، فيعتق نصف العبد، ولصاحب الثلث ثلث كل عبد، هذا على طريقة الأستاذ، وعلى طريقة الفقهاء لا يخفى وجهه","part":1,"page":406},{"id":903,"text":"مسألة: أوصى لرجل بثوب قيمته مائة، ولآخر بنصف ماله، ولآخر بسدس ماله، وترك الثوب وخمسمائة، فيقسم الثوب على عشرة أسهم عند الإجازة؛ لأنه في الأصل ستة، فهو المخرج الأقصى، وقد عال بنصفها وسدسها، فيأخذ صاحب الثلث ستة أعشاره فقط، وصاحب الثلث ثلاثة أعشاره، وثلث الدراهم، وصاحب السدس عشره وسدس الدراهم، هذا عند الإجازة، وعند الرد يتضاربون عند الأستاذ بأقدار وصاياهم، لا بأقدار حصصهم عند الإجازة، فيضرب صاحب الثوب بمائة، وصاحب النصف بثلاثمائة، وصاحب السدس بمائة، فيكون الثلث بينهم على خمسة أسهم، ثم صاحب الثوب يأخذ جميع حقه من الثوب، والآخرون تسع حقهم في الكل كما سبق \rمسألة: إذا أوصى لزيد بعشرة، ولعمرو بعشرة، ولخالد بخمسة، وشرط باقيه على زيد، فإذا اتسع المال وأجيزت الوصايا أخذ كل واحد ما أوصي له به، وإذا رد ما زاد على الثلث، والثلث عشرون قسم الثلث بينهم على نسبة الأخماس نظرًا إلى حالة الإجازة، فلصاحب العشرة خمساه، ولصاحب الخمسة خمسه وهو أربعة إلا أنه يسترد من زيد مقدار ما يتم له به خمسة؛ لأنه شرط تقديمه فيبقى في يد زيد سبعة، ويحصل لخالد خمسة، ولعمرو ثمانية \rهذا تمام النظر فيما يتعلق بالحساب على رسم الفقهاء، ولقد أطنب إمام الحرمين برّد الله ضجيعه في حساب الوصايا، ولم يقتصر على مقصود الكتاب ،  فرأينا الاقتصار على هذا القدر أولاً؛ فإن الحساب فن برأسه، فلا معنى لمزجه بالفقه، هذا تمام هذا الباب\r\rالباب الثالث : في الرجوع عن الوصية\rوالموجب لانفساخ الوصية أسباب:\rالأول: الفسخ، وصريح الرجوع، وهو نافذ، وكيف لا  وينفذ في الهبة المنجّزة قبل القبض، وهذا لا قبض فيه، ولا تنجيز ، ويلتحق بلفظ الفسخ والرجوع كل لفظ يدل عليه كقوله هذا حرام على الموصى له ، أو هو ميراث عني، أو هو لوارثي؛ فإنّ كل ذلك يناقض الوصية، ولا معنى للفسخ والرجوع إلا النقض \rولو قال هذا من تركتي ففيه وجهان:","part":1,"page":407},{"id":904,"text":"أحدهما: أنه رجوع؛ لأن التركة للورثة \rوالثاني: لا؛ لأن الوصايا والميراث كلها في التركة، فمعناه أنه ملكي الذي أترك بعد موتي، وليس فيه أنه يتركه على وارثه، أو على الموصى له به \rالسبب الثاني: التصرفات الموجبة زوال الملك على وجه اللزوم، فإن من ضرورة تحقيقه بطلان الوصية كالبيع والعتق والكتابة والهبة مع التسليم \rفروع : أحدها : أن الوصية المتأخرة هل تفسخ المتقدمة نظر، إن كان في لفظه دليل على الرجوع فسخها، كما إذا أوصى لإنسان بعبد ثم قال: العبد الذي أوصيت به لفلان قد أوصيت به لآخر، وعينه، أو صرفته عنه إليه، أو ما جرى مجراه مما لا يحتمل فيه نسيان الأولى، ولا التشريك فيه ، فإن لم يكن فيه أمارة الرجوع كما إذا قال: أوصيت بهذا العبد لفلان، فهو ليس برجوع؛ لأنه ربما نسي الأول، أو قصد التشريك \rفإذا أوصى لاثنين متعاقبًا فكأنه أوصى لهما معًا فيوجب ذلك تشريكًا ، وعليه وافق مالك ، وأبو حنيفة ، ومن أصحابنا من ذكر في قوله العبد الذي أوصيت به لفلان فقد أوصيت به لغيره وجهًا أنهما يشتركان أيضًا، وهو بعيد \rالثاني: إذا أوصى لإنسان بعبد ثم دبّره، فهو رجوع عن الوصية؛ لأنه تعليق قوي في نفسه ، ومنهم من قال:  إذا فرعنا على أنه وصية يجوز الرجوع عنها صريحًا فهو كوصية أخرى، ولا يفترقان إلا في استغناء التدبير عن القبول، وهذا لا يوجب كونه رجوعًا \rالثالث: إذا أوصى بثلث ماله ثم باع المال لم يكن رجوعًا؛ فإن الوصية ما تناولت عين المال، والبيع اختص بالعين \rالرابع: لو أوصى بعبد لإنسان، ثم أوصى بأن يكاتب بعد موته، أو يعتق، أو يباع، فكل ذلك رجوع، بخلاف ما لو أوصى بعد الوصية؛ لأن الجمع ممكن لفصائل كما إذا قال: أوصيت لهما، يجعل التعاقب كالتساوي ","part":1,"page":408},{"id":905,"text":"السبب الثالث: مقدمات الأمور التي لو تحققت لناقضت الوصية، كما لو عرض الموصى به على البيع، أو وهبه ولم يسلمه، أو رهنه ولم يسلمه، والأظهر أن هذا رجوع ؛ لأن إقدامه قصد إلى ما لو تحقق لا متنعت الوصية، والوصية عقد ضعيف فيقطع به \rومن أصحابنا من قال: لا تنفسخ قبل تحقيق البيع، والقبض \rفروع ثلاثة:\rالأول: إذا قال: وهبت، فلم يقبل المتهب، يخرج على اختلاف؛ لأن مأخذ الرجوع ما يظهر من قصده بالإقدام على الهبة \rالثاني: إذا أوصى بسكنى دار سنة، ثم أجرها سنة، لم تنفسخ؛ لأنه ربما تنقضي قبل موته ، فإن مات قبل الانقضاء فوجهان:\rأحدهما: بطلان الوصية في القدر الذي بقي من حق المستأجر، فإن فضل منه وقد بقي من السنة بعد موته شيء كملت السنة بالوصية، ولو استغرق بقية حق المستأجر مدة استحقاق الموصى له اندفع بالكلية؛ لأن السنة منزلة على السنة الأولى، بعد الموت، وقد فاتت \rوالثاني: أنه يسكن بعد مضي مدة الإجارة، وإنما ذكر السنة لتعريف المقدار، والوفاء به ممكن \rالثالث: إذا زوّج العبد الموصى [به]  الأمة الموصى بها ، أو أحدهما، أو علمهما  صنعة، أو كانت دارًا فأصلح ما استرم  منها، فكل ذلك لا ينافي الوصية \rأما إذا وطئ الجارية وعزل، لم يكن رجوعًا؛ كما لو استخدمها ، وإن أنزل قال ابن الحداد: هو رجوع، واستدل بأنه لو حلف لا يتسرى، فوطئ وأنزل حنث، وإن عزل لم يحنث  ومن الأصحاب من قال: لا يحصل الرجوع إلا بالعلوق، فأما مجرد الإنزال فلا يكفي ، وهذا قريب من الهبة قبل القبض\rالسبب الرابع: ما يبطل اسم الموصى به، كما لو أوصى بغزل ثم نسجه، أو بقطن فغزله، أو بحنطة فطحنها، أو بشاة فذبحها، أو بدقيق فعجنه، أو بعجين فخبزه، كل ذلك يوجب فسخ الوصية؛ لأن الموصى به لم يبق على الاسم الذي كان؛ ولأن الإقدام عليه مشعر بالصرف عن الموصى له \rفروع:\rأحدها: إذا أوصى بخبز فجعله فتيتًا، فيه وجهان:","part":1,"page":409},{"id":906,"text":"أحدهما: أنه رجوع؛ لزوال الاسم \rوالثاني: لا؛ لأنه يسمى خبزًا مدقوقًا، فالاسم الأول باق، فإن تجدد اسم آخر بخلاف الدقيق فإنه لا يسمى حنطة بحال \rوالثاني: إذا أوصى بقطن ثم حشى به فراشًا، فوجهان: أحدهما أنه رجوع؛ لأنه غرضه الاستهلاك إلى جهة مقصودة \rوالثاني: لا؛ لأن العين والاسم باق، وهذا انتفاع، فهو كلبس الثوب الموصى به \rالثالث :إذا أوصى برطب فجففه تمرًا، أو بلحم فقدده، فيه وجهان:\rأحدهما: أنه رجوع؛ لأنه كتجدد اسم آخر فصار كما إذا استوى، واتخذ من الرطب الدبس \rوالثاني: لا؛ لأنه قصد إبقاءه حتى لا يفسد، ويبقى للموصى له، فالجمع بين الفعل والوصية ممكن \rالرابع : إذا أوصى بثوب فاتخذه قميصًا، أو بخشب فاتخذه بابًا، أو سريرًا، ففيه وجهان:\rأحدهما: أنه ليس برجوع؛ لأن اسم الثوب، والخشب باق \rوالثاني: أنه رجوع؛ لأن مطلق الاسم لا ينصرف إليه \rالخامس : إن أوصى بدار فهدمها، كان رجوعًا كما لو طحن الحنطة؛ لأنه أبطل اسم الدار بالتصرف ، وإن انهدمت، ولم يزل اسم الدار فالوصية باقية، ولكن ما انفصل  من النقض هل يستحقه الموصى له\rالنص: أنه لا يستحقه؛ لأنه انفصل في حياة الموصي، وكان يستحق تابعًا، وقد بطلت التبعية \rوالثاني: يستحق، وإليه ذهب بعض الأصحاب؛ لأن السبب انعقد في جميع الأجزاء، ولم ينفسخ، فيبقى ، وهذا يقرب من بقاء حق الشفيع في النقض إذا انهدمت الدار قبل الأخذ بالشفعة \rأما إذا زال اسم الدار فوجهان:\rأحدهما: الانفساخ؛ لزوال الاسم \rوالثاني: لا ينفسخ، وهو الأظهر ؛ لأنه لم يصدر من جهته حتى يستدل به، هذا ما علل به هذا الوجه، ومساقه يلزم الحكم بأن الدقيق لو خبزه غير الموصي، وكذا الحنطة لو طحنها غيره لا ينفسخ على هذا الرأي \rالسادس : إذا أوصى بأرض فبنى عليها، أو غرس فيها، ففي كونه رجوعًا وجهان:\rأحدهما: لا؛ كما لو زرعها، فإنه ليس برجوع، إذ حاصله انتفاع ","part":1,"page":410},{"id":907,"text":"والثاني: أنه رجوع؛ لأن هذه منفعة مؤبدة، وإحداثها مؤثر في تغيير اسم البقعة حتى يسمى بستانًا، ودارًا \rالتفريع: إذا قلنا ليس برجوع فلا يملك الموصى له الغراس، والجدار، ويملك العرصة ، وهل يملك من الأرض مغارس الأشجار، ومواضع الجدران فيه وجهان :\rأحدهما: نعم حتى لو كان بجنب الدار والغراس، كان الكل مسلمًا له \rوالثاني: لا، بل هو رجوع عن موضع البناء، فقد تحصلنا على وجه ثالث، وهو أن البناء والغراس رجوع عن موضع الغراس والأساس دون غيره \rالسابع : إذا أوصى بحنطة فخلطها، كان رجوعًا؛ لأنه أحدث ما تعذر معه التسليم، هذا إذا كان الموصى به معيّنًا \rأما إذا أوصى بصاع من صبرة، ثم صب عليها غيرها لم يكن رجوعًا إذا كان المخلوط مثله ، فإن كان أجود منه فرجوع؛ لأنه أحدث زيادة لم يرض بالتمليك فيها ، وإن كان أردى منه فوجهان:\rأحدهما: كالأجود؛ فإنه غير ما  أوصى به \rوالثاني: لا، وهو اختيار ابن أبي هريرة؛ لأنه نقص وصفه، فصار كما لو أتلف بعضه؛ فإنه لا يكون رجوعًا عن الباقي \rالثامن : لو نقله إلى بلد أبعد عن بلد الموصى له ففي كونه رجوعًا وجهان، وهو تردد في دلالة النقل عن قصد الرجوع \r\rالباب الرابع : في الأوصياء ، والنظر في أحكام الوصاية وأحكامها\rالنظر الأول: في الأركان وهي أربعة: الوصي، والموصي، والموصى فيه، وصيغة الوصاية\rالأول: الوصي\rوله شرائط:\rالأول: التكليف، ولا تصح الوصاية إلى الصبي والمجنون، بل كل واحد منهما يحتاج إلى وصي، وكافل \rالثاني: الحرية، فلا تصح الوصية إلى عبد؛ لأن مشابهة الولاية ظاهرة في الوصاية، مع ما يتعلق به من القيام مقام الولي، ومجموع التصرف في المال الكائن والذي يحدث من بعد إلى بلوغ الأطفال، فلا يصلح العبد له \rوقال مالك: تصح بكل حال ","part":1,"page":411},{"id":908,"text":"وقال أبو حنيفة: له أن يوصي إلى عبد نفسه إذا كان الأولاد كلهم صغارًا، ولا بالغ في الوارثين، حتى يكون العبد آمنًا من البيع \rوالعبد  المدبر، والمكاتب، ومن نصفه حر، ونصفه رقيق في حكم القن، في أنه لا تصح الوصاية إليه \rولو أوصى إلى مستولدته، أو مُدَبّره فصحة ذلك يبتنى على أن الحالة التي تعتبر فيها الشرائط حالة الموت، أو حالة عقد الإيصاء  وفيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه تعتبر حالة الإيصاء؛ لأنه وقت العقد، والقبول، فتجدد الشرط بعده لا ينفع \rوالثاني: أنه يعتبر وجوده في حالة الموت، هكذا اختاره ابن سريج، فأما قبل ذلك فلا يعتبر الشرط؛ لأنه حالة تولي الولاية، والأمانة، والوصاية قبل ذلك لفظ يفيد الحكم عند الموت \rوالثالث: أنه يعتبر من أول الوصاية إلى الموت، فلو اختل الشرط في إثناء ذلك فسد الشرط \rالثالث: العدالة، فلا يفوض إلى فاسق؛ لأن الأمانة مقصود منه،  والفاسق ليس من أهلها، ولا من أهل الولاية، فليس الموصى متصرفًا في حق نفسه كالموكل، فإنه يوكل الفاسق، ولكنه متصرف لأطفاله بنصب قوّام عليهم، فليكن على وفق المصلحة، ولذلك نقول: الوكيل حيث يجوز له التوكيل، لا يوكل فاسقًا بخلاف المالك \rالشرط الرابع: الإسلام، فلو أوصى مسلم إلى كافر لم يجز؛ فإن شفقة الكافر على المسلم أضعف من شفقة الفاسق؛ ولأنه لا ولاية لكافر على مسلم \rوإن أوصى كافر إلى كافر على أولاده الكفار، فإن كان غير عدل في دينه لم تنفذ\rوإن كان عدلاً في دينه فوجهان: والأظهر جوازه إذا أثبتنا الولاية للكافر على ولده، وهو الصحيح؛ لأن نسبة الكافر إلى الكافر كنسبة المسلم إلى المسلم \rالشرط الخامس: الكفاية والاهتداء إلى ما أوصي إليه فيه، فلو كان الموصى  إليه ما لا هداية له فيه فلا يصح؛ لأنه غير شرط المصلحة \rفرعان:","part":1,"page":412},{"id":909,"text":"أحدهما: لو كان كافيًا فضعف بصره بسبب من الأسباب، وعجز عن حفظ الحساب فلا ينعزل، ولكن ينصب القاضي معه من يحفظ الحساب، ويحتاط ، بخلاف ما لو فسق فإنه ينعزل؛ لفوات الشرط الذي هو أصل الغرض، وهو النظر للطفل ، وبخلاف ما لو نصب  الحاكم قيمًا فضعف بصره في الحساب فإن القاضي يعزله؛ لأنه مولّى من جهته، بخلاف وصي الأب فإنه يجب إبقاء تصرفه ما أمكن \rالثاني: مهما عاد الموصى أمينًا بعدما انعزل بالفسق لا يعود وصيًا ، والأب إذا تاب عن الفسق عاد وليًا ، والصحيح أن القاضي لا يعود قاضيًا؛ فإنه ينعزل بالفسق ، والأصح أن الإمام لا ينعزل بالفسق، فإن تيسر لأهل  الحل والعقد الاستبدال به من غير تحريك فتنة يعسر تطفيتها وجب عليهم ذلك ، أما إذا زال الجنون عاد الأب وليًا، وفي الوصيّ  والقاضي وجهان، الأقيس أنه لا يعود؛ لأنه لا يستفاد من عقد تفويض، فإذا انقطع فلا بد من استئناف سببه، وهو التفويض، فأما سبب ولاية الأب الأبوة وهي قائمة \rالشرط السادس: البصر، وفي الوصاية إلى الأعمى وجهان:\rأحدهما: المنع ؛ لأن هذه ولاية، فهي كالشهادة، ولربما لا يوافق النظر التفويض إلى أعمى، والتعليل بهذا أولى \rوالثاني: الجواز ؛ لأن له شهادة على الجملة، وقد يهتدي إلى مراعاة الأمور ببصيرته وإن اختل بصره \rفإن قيل وهل تشترط الذكورة قلنا: لا، بل تجوز الوصاية إلى المرأة؛ فإنها أهل للشهادة، والأمانة، وللقاضي أن يفوض أمر الأطفال إذ لم يكن وصي إلى امرأة، فتكون قيمًا ، ولو كانت هي أم الأطفال فذلك أولى \rالركن الثاني: الموصي\rوهو كل من له ولاية على أطفاله، فله نصب ولي لأطفاله، بعد وفاته؛ ليقوم مقامه عند موته ","part":1,"page":413},{"id":910,"text":"فلو كان ورثته كبارًا فلا معنى للوصاية؛ إذ لا ولاية له عليهم، فكيف يستنيب عليهم نعم، يوصي في قضاء دينه، وتنفيذ وصاياه لا في تركته المنتقل إلى ورثته، هذا إذا لم يكن له أب، فإن كان له أب عدل فهو جد الأطفال، فلا تصح وصايته، بل الجد أولى؛ لأنه يستحق بالجدودة شرعًا، فهو أولى من المستحق بالتفويض كما أنه أولى من قيّم الحاكم وقال أبو حنيفة: وصيّ الأب أولى، فكأنه الأب ولأصحابنا وجه بعيد يوافقه، أما إذا كان للأطفال أم فالوصاية صحيحة؛ إذ لا ولا ية للأم إلا إذا فوّض إليها، وقال الإصطخري: لا تصح الوصاية مع الأم، بل الأم أولى وهي ولية أطفالها عند فقد الأب؛ لأنها أحد الأصلين، وإنما رجح الأب بالذكورة\rفرع: إذا أوصى بثلثه للفقراء ومات وخلف جد أطفاله، فالجد لا يتصرف في الثلث مهما لم يوص إليه، بل المتصرف فيه القاضي إذا لم يكن وصي\rالركن الثالث: الصيغة\rوهو قوله: فوضت إليك أمور أولادي، ونصّبتك وليًا لهم، وما جرى مجراه، والقبول: لا بد منه، إلا أن الأظهر أن يقبل بعد موته كما في الوصايا، وفيه وجه أنه يملك بالقبول في الحال\rفروع:\rأحدها: أنه لو قال أوصيت إليك في أمر أطفالي، واقتصر عليه، ولم يقل فوضت إليك التصرف في المال فهل يملك التصرف فيه وجهان:\rأحدهما: أنه لا يملك بهذا اللفظ إلا حفظ مالهم، فأما التصرف فلا؛ إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه\rوالثاني: يجوز؛ لأن اللفظ يدل عليه من حيث العرف، وهذا الخلاف جار في لفظ القاضي إذا قال: نصبتك قيمًا للأطفال\rالثاني: لو اعتقل لسانه، وقرأ عليه كتاب الوصية، وهو يفهم، فأشار برأسه، صح؛ لأن إشارة الأخرس كعبارة الناطق، وهو الآن أخرس\rالثالث: لو أوصى إليه في جنس من التصرف، لا يتعدى إلى غيره، بل يقتصر لأنه يستفيد التصرف من التفويض، فيقتصر على قدره","part":1,"page":414},{"id":911,"text":"وقال أبو حنيفة: يتعدى إلى غيره، ويصير وصيًا مطلقًا، فلا فرق عنده بين الإطلاق والتجزئة \rالرابع: إذا أوصى إلى رجلين، وأذن لكل واحد في التصرف، وأثبت له رتبة الاستقلال صح، واستقل كل واحد \rفإن فسق واحد، أو جن انعزل، وانفرد الآخر، ولم يكن للحاكم أن ينصب معه غيره؛ لأن الموصي قد أثبت له الانفراد ، وإن ضعف نظر أحدهما ضم الحاكم إليه أمينًا، ولم يعزله، كما سبق \rأما إذا نهى كل واحد عن الانفراد فعليهما التشاور في كل تصرف، فإذا تطابقا على أمر فقد نفذ ، وإن انفرد أحدهما بتصرف دون رضى الآخر بطل \rفلو انعزل أحدهما بفسق، أو جنون، أو موت فأقام القاضي بدله أمينًا فإن القاضي لم يثبت له الانفراد، وكذلك لو ماتا  أقام القاضي  أمينين بدلاً عنهما \rفلو أقام أمينًا واحدًا، وإذا مات أحدهما فوض إلى الثاني حتى يكون أمينًا من جهة الحاكم، ووصيًا من جهة المورث ففيه وجهان:\rأحدهما: لا؛ لأن الموصي لم يرض إلا برأي شخصين \rوالثاني: يجوز، وهو يكون نائبًا عن شخصين \rأما إذا أطلق الإيصاء إليهما، ولم يصرح بالنهي، فهو منزل على التصريح بالنهي عن الانفراد، فلا ينفرد أحدهما في هذه الصورة عن التصريح بالنهي، إلا فيما لا يحتاج فيه إلى الوصي، وهو رد الغصب، والوديعة، وأخذ المالك جنس حقه ، وبالجملة ما يجوز للمستحق الانفراد ولا مجال للنظر فيه، هكذا أورده الفوراني ، وأطلق المحاملي القول بأنه لا ينفرد، ولم يتعرض لتفصيل\rالخامس: إذا أوصى إلى زيد ثم إلى عمرو، فإن لم يقبل عمرو انفرد زيد بالتصرفات، وإن قبل عمرو لم نجعل هذا فسخًا للأول، بل جعلناه تشريكًا كنظيره من الوصية، ثم لا يستبد أحدهما بالتصرف إلا إذا كان في اللفظ ما يدل على الرجوع ","part":1,"page":415},{"id":912,"text":"ولو قال لزيد: أوصيت إليك، ثم قال ضممت إليك عمرًا ، فإن قبل عمرو مع زيد فهما شريكان لا ينفرد أحدهما، وإن لم يقبل عمرو انفرد زيد ، وإن قبل عمرو دون زيد كان عمرو وصيًا في النصف كنظيره من الوصية \rالسادس: إذا اختلفا، فقال أحدهما: افرق المال على هولاء، وعين الآخر طائفة أخرى، فالحاكم يتولى التعيين على ما يراه، ويلزمهما متابعة الحكم \rالسابع: إذا اختلفا في حفظ المال، فإن كان لهما موضع يكون في يدهما حفظ، وإلا قسم ما يقبل القسمة، وانفرد كلٌ بحفظ النصف، ومالا ينقسم فإن اتفقا على ثالث سلّم إليه، وهو نائبهما، وإلا تولى الحاكم حفظه، واستحفظه من شاء  ومن أصحابنا من قال: ذكر الشافعي القسمة وأراد ما إذا كان قد سلط كل واحد على الاستقلال  فتنازعا، أما إذا بقي الاستبداد فلا وجه للقسمة؛ لأن فيه استبدادًا  بالبعض، وهو مخالف لموجب التشريك في كل جزء ، ومنهم من طرد ذلك في صورة التشريك وصورة الاستقلال \rالركن الرابع: الموصى فيه\rوهو المال الذي للأطفال، والتصرف فيه، وقضاء الدين، وتنفيذ الوصايا، وبناء المواضع للقربات، كالمساجد، أو الأبنية المباحة بخلاف بناء البيعة، أو شراء القناديل  التي تزين به البيعة، أو كِتْبَة التوراة، والإنجيل؛ فإنها محرمة وكتابتها معصية \rولا يجوز تفويض تزويج الأولاد إلى الوصي؛ لأن الإجبار على النكاح رق مؤبد فلا يتولاه من لا تتكامل شفقته، ولا مصلحة في تفويض النظر فيه إلى الوصي، وبالجملة ما يتولاه القاضي في ماله من التصرف لو لم يكن وصي فله التفويض إلى الوصي في كل ذلك \rالنظر الثاني: في أحكامها\rولها أحكام:\rالأول: أنه تخرج الزكاة من ماله، وأرش الجناية الواجب بإتلافه، والكفارة عند قتله ، والدية إن كان عمدًا وقلنا إن عمد الصبي لا يلحق بالخطأ، وينفق عليه بالمعروف، ويكسوه، فإن جاوز في ذلك حد المعروف ضمن ","part":1,"page":416},{"id":913,"text":"ولو تنازعا بعد بلوغ الصبي في مقدار الحاجة في النفقة رجع فيه إلى العرف، فإن احتمل القولان عرفًا فالقول قول الوصي؛ لأنه أمين\rوإن تنازعا في مدة موت الولي إذ تكثر النفقة بتقدم الموت، فالقول قول الصبي والبينة على الوصي إذ الأصل عدم الموت\rوإن اختلفا في رد المال إليه فالقول قوله في ما استرد، والبينة على الوصي؛ إذا الأصل عدم الرد وهو غير مؤتمن من جهته، إنما هو مؤتمن أبيه، والإشهاد على الرد ممكن، فقد قال تعالى: {}، وأما الإشهاد على قدر النفقة عسير، فلذلك صدق الوصي\rفأما إذا تنازعا في بيع سبق أنه وافق الغبطة، أم لا فالقول فيه قول الولي والوصي؛ لأن الأصل عدم الخيانة منهما، هكذا ورد في بعض الطرق\rالثاني: التزويج، وقد ذكرنا أنه لا يملك تزويج الصغيرة، والتزويج من الصغير، وهل يملك تزويج إماء الأطفال فيه وجهان:\rأحدهما: لا، كالأصل\rوالثاني: يصح؛ لأن الغبطة قد تقتضيه، ولا يشترط فيه النسب، حتى يقال: لا يلحق الوصي عار، فلا ينظر لها؛ بخلاف بنت الموصي\rالثالث: أنه مهما بلغ رشيدًا سلم إليه المال، وإن كان غير رشيد استمر الحجر كما ذكرناه في كتاب الحجر\rالرابع: أن الوصي لا يبيع من نفسه، بخلاف الولي فإن الولي غير متهم؛ لكمال شفقته، وفيه نظر ذكرناه من قبل\rالخامس: إذا أوصى بالثلث لم يكن للوصي أن يبيع أكثر من ثلث المال ليصرفه إلى ما أوصى به\rوقال أبو حنيفة: له بيع الكل إذا كان في التشقيص تنقيص عن القدر الذي يبلغه لو بيع الكل\rالسادس: له أن يعزل نفسه مهما شاء، فهو في حقه جائز\rوقال أبو حنيفة: يعزل نفسه قبل موت الموصي، ولا يعزل بعد موته\rالسابع: أنه لو أشرف الوصي على الموت، فأوصى إلى غيره لم يجز؛ إذا لم يكن مأذونًا في الإيصاء وقال أبو حنيفة: يجوز وهو ضعيف؛ لأنه لم يفوض إلا إليه، وهو متصرف بالتفويض","part":1,"page":417},{"id":914,"text":"أما إذا أذن له في الإيصاء فقولان:\rأحدهما: الجواز؛ لوجود الأذن، وهو كالوكيل المأذون في التوكيل\rوالثاني: لا؛ لأن الوصية زائلة بعد الموت، فليس له الأذن فيما يبتدأ في حال زوال ولايته\rأما إذا قال: أنت وصيي إلى أن يبلغ هذا الصبي، فإذا بلغ فهو وصيي جاز ذلك قطعًا، وإن كان فيه تعليق بالغرر\rوكذلك إذا أو أوصى إلى رجلين، ثم قال: وإذا مات أحدهما كان الثاني منفردا بالوصاية صح ما قال\rولو قال للوصي: إذا أوصيت إلى شخص فذلك الشخص وصيي فيه طريقان:\rأحدهما: الجواز؛ كما إذا قال إذا بلغ الصبي فهو وصي، فليكن أيضًا، وكالشرط الذي تعلق به\rوالثاني: طرد القولين؛ لأنه أثبت له ولاية الإيصاء، وعلق إضافته إلى نفسه بإيصاء الوصي، وليس للوصي الإيصاء على رأي\rوكذلك إذا عيّن رجلا، وقال: أذنت لك أن توصي إليه، ففيه طريقان:\rأحدهما: الجواز؛ للتعيين\rوالثاني: طرد القولين\rالثامن: لو شهد الوصي على الورثة قبلت شهادته، وإن شهد لهم بما لا يدخل تحت تصرفه قبل أيضًا، وإن شهد بشيء يستفيد حصول التصرف فيه، أو يستفيد به اتساع المال وقد أوصى إليه بالتصرف في الثلث، ولولا هذا المال لضاق الثلث لم تقبل شهادته؛ فإنه متهم، فإنه يثبت لنفسه بشهادته سلطنة وولاية هي حقه\rالتاسع: الوصي لا يتولى طرفي العقد؛ لأنه يتصرف بالتفويض، فأشبه الوكيل، وهذا قد عرف بما قدمناه من أنه لا يبيع من نفسه مال الطفل، ولا يشتري من نفسه له\rالعاشر: للوصي أن يوكل في آحاد التصرفات، وإنما الحجر عليه في الإيصاء، إلى غيره، وإلا فلا حجر عليه في الاستنابة في الحياة، والله أعلم\r\rكتاب الوديعة\rوالأصل فيها قول الله سبحانه: {}، وقوله \\: >أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك<","part":1,"page":418},{"id":915,"text":"واختلف في اشتقاقها، فقيل إنها مشتقة من قولهم: ودع الشيء إذا سكن، واستقر، أي أنها مستقرة عند المودع \rوقيل: اشتقت من الدّعة، يقال فلان في دعة، أي في خفض من العيش، أي الوديعة في يد المودع غير مبتذلة بالانتفاع \rوحقيقة الإيداع: استحفاظ، واستنابة في حفظ المال \rوالنظر في أركانها، وأحكامها \rأما الأركان: فالمودع، والمودع، والوديعة، والصيغة\rأما المودع، والمودَع لا يعتبر فيهما إلا ما يعتبر في الوكيل، والموكل؛ لأن المودع مستنيب في الحفظ، وموكل به، والمودع ممتثل، ومتوكل فيه، فلا يستدعي إلا التكليف من الجانبين ، فلو أخذ الوديعة من صبي ضمن إلا أن يخاف من الصبي الإهلاك ، فأخذه على قصد الحفظ فيه وجهان ، كما لو خلّص طيرًا من جارحه ليحفظه على صاحبه \rأما الوديعة: فهو كل مال تثبت عليه اليد الحافظة \rوأما الصيغة: فهو أن يقول: أذنت لك في الحفظ، وأودعت عندك، واستودعتك هذا المال، وما يجري مجراه \rوفي اشتراط القبول لفظًا  ما ذكرناه في الوكالة ، وهذا أولى بأن لا يشترط فيه القبول؛ لأنه أبعد عن ما يشبه العقود  فإن قلنا: لا يشترط القبول فإذا قال: أودعتك، ووضع يده فقبضه، أو بين يديه فرفعه، وأخذه، كان ذلك منه قبولاً، وثبتت الوديعة \rولو قام من المجلس ولم يأخذه كان ذلك إعراضًا، وردًا للوديعة \rولو قام المالك أولاً، وخلى بينها وبين المودع لم تنعقد الوديعة ؛ فإن التخلية قد تقوم مقام القبض على رأي، ولكن إذا سبق تثبيت استحقاق القبض ","part":1,"page":419},{"id":916,"text":"فإن قيل: الوديعة هل هو عقد، أو إذن مجرّد قلنا ذكر القاضي فيه خلافًا مستنبطًا من تردد الأصحاب في وجوب الضمان على الصبي إذا أودع واستهلك، وكذا من الخلاف في العبد، وكذا من ذكر الخلاف في أن المودع لو عزل نفسه ، والأظهر عندي أن هذه المسائل تفرد بتعليلها، ولا معنى لذكر الخلاف في كونه عقدًا، أو إذنًا مجردًا، فلا معنى للعقد إلا تسببت لفظي منصوب من جهة الشرع محكم ، نعم يكاد تظهر فائدة هذا الخلاف في مسألة عزل المودع \rأما تعليل المسائل ففي وجوب  الضمان على الصبي قولان :\rأحدهما: أنه لا يجب؛ لأنه تسليط عليه، فصار كما لو استقرض، أو ابتاع فأتلف \rوالثاني: أنه يجب؛ لأن البائع، والمقرض مسلط على الإتلاف، وشارط عوضًا عليه \rأما الشرط فلا يصح مع الصبي، وأما التسليط فيؤثر في حق المسلط، والمودع؛ لأن الإيداع إزالة اليد، وتفويت لها، وهو سبب الضمان، ولكنه خرج عن كونه تفويتًا بإعارة المودع يده نيابة للمالك، والتزامه الحفظ ، فأما إذا لم يصح الالتزام من الصحيح بقي إزالة اليد من المالك تفويتًا من جهته، وهذا هو التعليل بعينه في إيداع العبد إلا إذا أبقينا الضمان ها هنا بقيتنا في العبد عن رقبته، لا عن ذمته علقنا في العبد برقبته \rأما عزل المودع نفسه يحتمل أن يقال تنفسخ الوديعة، ويبقى المال في يده أمانة شرعية؛ لأن الوديعة عقد جائز من الطرفين، ويحتمل أن يقال هو تسليط من جهة المالك على الحفظ، وهو غير قابل للزوم؛ لأنه يبقى بعد العزل، فهو كالتسليط على أكل الطعام بطريق الإباحة؛ فإنه لا يقبل الفسخ بالرد، بخلاف الوكالة والعقود، وهذا أقرب ما يوهم ترددًا في كونه عقدًا ","part":1,"page":420},{"id":917,"text":"فإن قيل: وإذا بقي أمانة شرعية في يده فأي فائدة لقولكم: انفسخت الوديعة قلنا ذكر القاضي أنه مهما ظفر بالمودع وتمكن من الرد فلم يرد ضمن، كما إذا طيّر الريح ثوبًا في داره؛ لأن تسليط المالك قد انفسخ، فصار بقاؤه في يده كوقوع الثوب في داره، وهو على التردد في كونه عقدًا \rأما إذا كانت الوديعة حيوانًا فنتج الولد هل يكون وديعة يجوز إمساكها، أم هي أمانة شرعية يجب ردها عند التمكن إن قلنا ليس بعقد فلا تسري إلى الولد، وإن قلنا عقد فيسري  إلى الولد، وحكمه حكم الأصل، وهذا التردد أيضًا محتمل دون البناء على كونه عقدًا؛ فإن العقد الضعيف أيضًا لا يسري إلى الولد، فلا يبعد أن لا تسري الوديعة لذلك هذا هو النظر في أركانها \rأما حكم الوديعة فهو أنه عقد جائز من الجانبين، ينفسخ بما تنفسخ به الوكالة من الجنون، والإغماء، والموت \rوموجب العقد تسليط المودع على الأمر  بالمعروف، وأنه إن تلف من غير تقصير فلا ضمان، سواء شرط عليه الضمان أو لم يشرط، فإن تلف بتقصيره ضمن \rوإن كانت العين باقية وجب الرد على المالك مهما طلب \rوالنظر إذًا في الرد عند بقائه، والضمان عند تلفه:\rالنظر الأول: في الضمان، وذلك لا يجب إلا بالتقصير \rوللتقصير أسباب نفصلّها:\rالسبب الأول: الإيداع عند غيره، وذلك سبب للضمان؛ فإنه المسلط على الحفظ، والإطلاق لا يقتضي الثقة بيد غيره، ولا فرق في هذا بين أن يودع زوجته، أو عبده، أو قريبه، أو أجنبيًا \rوقال أبو حنيفة: لا يضمن بإيداعه زوجته \rقال ابن سريج: وعندنا أيضًا لا يضمن لو استعان بزوجته، وغلامه وسلم إليه ليحمل إلى حرزه، وبيته الذي هو محل حفظ المال، أعني بيت المودع، ولكن يضمن إذا استحفظ غيره قصدًا كيف ما كان ، هذا إذا لم يكن له عذر ","part":1,"page":421},{"id":918,"text":"فإن كان له عذر نظر، فإن كان في سآمته من الحفظ واستقلاله فيضمن إذا أودع غيره؛ فإنه التزم الحفظ فليرد على مالكه، فإذا غاب المالك فليحفظ إلى حضوره \rفلو رفع الأمر إلى القاضي وأخذ منه القاضي فلا ضمان عليه؛ لأنه ليس تلزمه المداومة على الحفظ ، وإن أبى القاضي أن يأخذ فهل يجوز ذلك، أم يجب على القاضي قبوله فيه وجهان:\rأحدهما: بلى؛ لأن الوديعة جائزة، والحفظ ليس بلازم عليه، والقاضي نائب عن كل غائب، فليقبض عنه كالملتقط إذا حمل اللقطة  إلى القاضي يلزمه قبوله \rوالثاني: لا، بخلاف الملتقط، فإنه لم يلتزم، والمودع ألتزم بقبول العقد \rفإن قيل: الغاصب إذا حمل المغصوب إلى القاضي هل يلزمه القبول قلنا: فيه وجهان مرتبان ، وأولى بأن لا يلزم؛ لأنه في يد الغاصب مضمون، وفي يد القاضي معرض للتلف؛ لأنه أمانة، فالنظر للمالك المتعدي عليه بعصمة ماله بالضمان أولى، ولعل هذا ينقدح إذا كان الغاصب ممن له مال، وذمة يوثق به \rفإن قيل: من عليه الدين إذا عين المال ورفعه إلى القاضي في غيبة المستحق هل يلزمه القبول قلنا: المستحق إن قلنا لا يجبر على القبول فالقاضي أولى، وإن أجبرنا المستحق ففي القاضي خلاف مرتب على قبول المغصوب، وأولى بأن لا يلزم ؛ لأنه مستقر في ذمته لا يتعرض للتلف، وقد رضي المستحق بذمته، فإذا صار عينًا تعرض للهلاك وليس ينقل عليه استدامة الحق في ذمته بخلاف حفظ الأعيان إذ يحتاج فيه إلى حرز، ومؤونة ، هذا إذا كان عذره سفر حضره، فإن قدر على المالك وأودع غيره ضمن، وإن كان غائبًا فليسلمه إلى الحاكم ، فإن سلمه إلى أمين سوى الحاكم فالظاهر أنه يضمن؛ لأن أمانة الحاكم كالمعلوم بالنص، وأمانة غيره في محل الشك، والاجتهاد ، وفيه وجه آخر أنه لا يضمن عند ظهور الأمانة ","part":1,"page":422},{"id":919,"text":"وإن عجز عن الحاكم فأودع أمينًا يودعه مال نفسه لو احتاج إليه فالظاهر أنه لا يضمن؛ لأنه معذور فيكلف ترك السفر، أو يعرض الوديعة للخطر ، والتعرض للضمان لا محالة إجحاف به ، وفيه وجه آخر أنه يضمن؛ لأنه ملتزم الحفظ، ولم يرض المالك بيد غيره فلا يخرج عن العهدة إلا بالرد، وهو بعيد \rأما إذا دفنه في موضع فإن لم يكن محرزًا ضمن، وإن كان محرزًا ولم يخبر به  أحدًا، أو أخبر فاسقا ضمن؛ لأنه معرّض للضياع ، فإن أخبر به عدلاً فهو كما لو أودع  ذلك العدل، وقد سبق حكمه \rالسبب الثاني: السفر بالوديعة، ومهما أودع مقيمًا لم يجز له السفر؛ لأن المسافر وماله على قلت، إلا ما وقى الله ، وعلى الجملة تفاوت الخطر والحرز في السفر والإقامة لا ينكر، والعرف يقتضي في إيداع المقيم تعيين الإقامة، وهو كما لو عين بلفظه الإمساك في الإقامة \rوقال أبو حنيفة: يسافر به  وعندنا مهما سافر ضمن، سواء أكان الطريق مخوفًا، أو آمنًا، طويلاً، أو قصيرًا \rنعم يجوز السفر به في موضع واحد، وهو أن يكون في البلد حريق، أو غرق، أو نهب وغارة، فالنقل جائز بهذه الضرورة، ولا ضمان \rفإن قيل: فإن احتاج المودع إلى سفر، وعجز عن المالك، والحاكم، وأمين آخر يودعه، فإن منعتموه من سفر فقد أجحفتم به، وإن ضمنتموه فكمثل، قلنا: أطلق العراقيون المنع من السفر في هذه الصورة \rوذكر القاضي حسين وجهين:\rأحدهما: الجواز، وسقوط الضمان؛ للضرورة \rوالثاني: أنه يضمن؛ لأنه ملتزم للحفظ في الإقامة، فإن سافر فهو ملتزم خطر الضمان، فليتعرض للضمان، أو ليترك السفر \rهذا إذا أودع وهو مقيم، فإن أودع وهو في السفر فله أن يستصحبه في سفره حيث تردد، ولو أقام في أثناء ذلك ثم أنشاء سفرًا جازت المسافرة؛ لأن الرضى واقع به في الابتداء إلا إذا كان المودع عند الإيداع قد قارب بلده، ودلت القرينة على أن المراد إحراز الوديعة بالبلد فيحكم فيه بموجب القرينة ","part":1,"page":423},{"id":920,"text":"فإن قيل: فلو حضره الوفاة فماذا يفعل بالوديعة قلنا حكمه حكم من حضره سفر عسر معه استصحاب الوديعة، فليودع الحاكم أو أمينًا، أو ليوصي إلى وارثه، وليشهد عليه ، فإن الوارث لو أنكر الوديعة فالقول قوله، فإن سكت تعرّض  للضمان، فإن تلف ضمن من تركته لا محالة ، فإن مات فجأة فلا تقصير منه فلا يكون ضامنًا \rفرع: إذا أوصى المريض إلى عدل أن عنده وديعة، وعيّنها، فلا ضمان ، وإن أوصى إلى فاسق ضمن ، وإن تلفت الوديعة بعد موته، وقبل التمكن فلا ضمان ، وإن تلف بعد التمكن من الرد ففيه وجهان ، كمن طير الريح ثوبًا في داره فتلف بعد التمكن، وقبل المنع من المالك عند مطالبته، وإن لم توجد الوديعة أصلاً في التركة فلا ضمان، ويحمل على أنه ضاع قبل موته \rوإن قال: عندي ثوب وله أثواب ضمن؛ لأنه ضيعه بالخلط ، وإن قال: عندي ثوب له، ولم يصف الثوب، ولكن ليس في تركته إلا ثوب واحد، فالظاهر أنه لا يضمن ، وقيل: إنه يضمن ؛ لتقصيره بترك الوصف المعين، ولو لم يوص فوجد في تركته كيس مختوم مكتوب عليه أنه وديعة فلان، لا يجب تسليمه بمجرد ذلك ما لم يقم بينة؛ فلعله كتب لتلبيس، أو تملك بعد الكتابة، ولم يغير المكتوب \rوإن قال: عندي وديعة، فلم توجد بعد موته فالظاهر أنه يحمل على الفوات قبل موته ، ومن أصحابنا من قال: يجب الضمان؛ إذ قال الشافعي: يحاص الغرماء ، ولأن الأصل ثبوت الوديعة إلى أن يظهر مسقط، والقائل الأول يحمل نص الشافعي رحمه الله على صورة التقصير بترك الوصف \rالسبب الثالث: نقل الوديعة من موضع إلى موضع، وهي أقسام ثلاثة: النقل من قرية إلى قرية، أو من بيت إلى بيت، أو من ظرف إلى ظرف","part":1,"page":424},{"id":921,"text":"القسم الأول: من القرية إلى قرية أخرى، فإن نقلها من قرية أهله إلى قرية غير أهله ضمن؛ لأن قرية أهله أحرز في حقه من قرية هو غريب بها ، وإن نقل من قرية غيره إلى قرية أهله، فإن كان بينهما مسافة القصر فينطلق عليه اسم السفر، ويضمن به ، وإلا نظر فإن  كانت قرية أهله أحرز من الأول، أو مثله فلا ضمان؛ لأنه زاد خيرًا ، وإن كان دونه ضمن لأنه نقص الإحراز فكأنه كما لو سافر به \rالقسم الثاني: ما إذا نقلها من بيت في داره إلى بيت آخر، فللمودع ثلاثة ألفاظ:\rالأول: أن يقول أحفظ في هذا البيت، ولا يتعرض للمنع من الإخراج، فإذا نقله إلى بيت مثله أو أحرز منه لم يضمن؛ لأن الإشارة إليه تنبيه على مثله، أو على ما فوقه ، فإن نقله إلى ما هو دونه ضمن ، وإن كان أصل الحفظ والإحراز قائمًا حتى يجوز إيداع الوديعة المطلقة فيه، ولكن إذا عيّن المالك البيت فلا فائدة لتخصيصه إلا طلب خاصيته في الإحراز ، نعم يجوز أن يجعل تنبيهًا على مثله، أو على ما فوقه، وأما على ما دونه فلا \rفإن قيل: إذا نقلها إلى مثله أو ما فوقه فانهدم البيت عليه، أو تلف، فيتجه للمالك أن يقول لو لم يترك تخصيصي لم يتعرض لهذا التلف فما قولكم فيه\rقلنا: قطع الأصحاب ها هنا بالضمان ، وإنما بقي الضمان إذا كان حيوانًا فمات، أو جاء التلف من ناحية أخرى لا من جهة النقل ، وكذا لو قال: احفظه في هذا البيت ولا تدخل عليه أحدًا، فأدخل إنسانًا فتلف لا من جهة الداخل لم يضمن ، وإن تلف من جهة الداخل ضمن ، وكذلك مكري الدابة إذا سلمها للركوب فربطها المكتري في الإصطبل فمات، لا ضمان عليه ، وإن انهدم عليها الإصطبل ضمن ، فإن قيل: فهذا إن كان أمانة فليكن أمانة بكل حال، وإن كان مضمونًا فليكن مضمونًا بكل حال، وأما الغرر فما مأخذه","part":1,"page":425},{"id":922,"text":"قلنا: مأخذه أن ما يتعاطاه المودع من تغيير الحرز ينقسم إلى ما لا يرضى به المودع في ملك نفسه، فهو عدوان يجب به الضمان بكل حال، وإلى ما لا يمنع الشرع، ولكن يخالف الشرط فإذا فعل كان جائزًا بشرط سلامة العاقبة، فإذا لم تسلم العاقبة ضمن، وإن سلم عاقبة فعله وجاء التلف  من ناحية لا يتعلق به فأصل الأمانة مطرد، فلتفهم هذه الدقيقة\rاللفظ الثاني: أن يقول احفظ في هذا البيت، ولا تنقل عنه، فلا يجوز النقل إلا بضرورة نهب، وغارة، وحريق، ثم لينقل عند الضرورة إلى حرز مثله ، فإن نقل إلى ما دونه ضمن ،إلا إذا لم يجد غيره فعند ذلك لا يضمن\rوإن لم تكن ضرورة في أصل النقل، فنقل إلى مثله، أو فوقه، أو دونه ضمن؛ لأنه خالف الشرط \rفإن قيل: فهلا قلتم إنه إن تلف بسبب آخر لا من جهة النقل لا يضمن كما في اللفظ الأول\rقلنا: لأنه خالف صريح اللفظ، وتصرف في مال غيره بوجه نهى عنه \rوأما مطلق تعيين البيت ليس نهيًا عن النقل إلى غيره، بل هو تنبيه على مثله، فالنقل في مثل هذا اللفظ إلى المثل كالنقل في ذلك اللفظ إلى ما هو دون البيت المعين، وذلك يوجب الضمان بكل حال \rفإن قيل: لو قال المالك: نقلت من غير ضرورة، وادعى المودع أن النقل كان لضرورة، قلنا: إن كان السبب الكلي مشهورًا وقوعه، فالقول قوله، وإلا فالقول قول المالك؛ فإن الأصل عدم السبب، وكونه مخالفًا \rاللفظ الثالث: أن يقول احفظ في هذا البيت، ولا تنقل وإن وقعت ضرورة أيضًا، فإن نقل بغير ضرورة ضمن ، وإن وقعت ضرورة فتركها حتى ضاع فهو مكروه؛ لأنه تضييع مال، ولكن لا ضمان؛ لأنه مأذون فيه \rوإن نقل محتسبًا فتلف ففي وجوب الضمان وجهان  مبنيان على من احتسب على الغاصب فأخرج المغصوب من يده ليرده على مالكه فتلف في يد المحتسب، هل يستقر الضمان عليه وفيه وجهان :\rأحدهما: لا؛ لأنه محتسب بقطع المنكر إذ يد الغاصب عدوان ومنكر، فيجب قطعه","part":1,"page":426},{"id":923,"text":"والثاني: نعم؛ لأنه مضمون في يده فله زجره عن إمساكه، وليس له إثبات  اليد على المال دون إذن صاحبه، فكأنه تردد في جواز الاحتساب بإخراج المال من يده وأخذه منه، أما في مسألتنا فلا خلاف في إباحة النقل؛ لأنه ضائع، بخلاف المغصوب فإنه مضمون على الغاصب\rوالقسم الثالث: النقل من ظرف إلى ظرف، كصندوق، أو كيس، فإن كان الظروف للمالك فتصرفه فيها بالا بدال من غير حاجة ليس بمضمن، إلا إذا قص الختم، أو حل القفل، أما مجرد النقل والإخراج ليس بمضمن، هكذا نقله الأصحاب ، ودل عليه مطلق كلام الشافعي رحمه الله \rفإن كان للمودع فحكمه حكم البيت في النقل إلى الأحرز، أو المثل، أو الأضعف على ما سبق \rالسبب الرابع: التقصير في دفع المهلكات، ومن جملته ترك العلف والسقي في الدواب، فإذا أودعه دابة وأمره بالعلف والسقي، فترك حتى مات جوعًا ضمن ، وعصى، فإذا أنفق عليه رجع عليه إن شرط الرجوع ، ولا يرجع إن شرط التبرع ، وعند الإطلاق فيه خلاف ذكرنا نظيره، وكذلك الحكم إذا أطلق ولم يأمر بالعلف؛ فإن مطلقه منزل عليه ، نعم لا يجب عليه الإنفاق من مال نفسه، بل يرفع الأمر إلى الحاكم ، كما ذكرنا في الجمال إذا هرب، وترك الجمال ، والعامل في المساقاة \rوإن عجز عن الحاكم وأشهد فهل يرجع ففيه خلاف، قال أبو إسحاق: إذا قلنا يرجع مهما أشهد، فقد نزلناه منزلة الحاكم، فإن استصوب أن يستقرض عليه من غيره أو يبيع جزءًا من الدابة، كان ذلك له؛ كما للحاكم \rأما إذا نهاه عن العلف والسقي، فهذا النهي ساقط الأثر، إلا في الضمان، وإلا فيجب العلف لحرمة البهيمة \rنعم لو لم يفعل، وهلك فلا ضمان؛ لأنه مأذون في السبب المهلك ، وقال الإصطخري: يضمن؛ لأنه عاص به ، وهو ضعيف","part":1,"page":427},{"id":924,"text":"ويقرب من هذا الثوب الذي يفسده الدود من الخزوز، والأصواف؛ فإنه يجب  صيانتها بالنشر والتعريض للرياح، وإن ترك حتى هلك ضمن ، إلا إذا صرح بالنهي فإنه لو ترك لم يضمن ، ومهما كان لا ينتفي الدود إلا بأن يلبسه وتعبق به ريح الآدمي، فله لبسه، وإن لم يحتج إليه فلبسه ضمن، ومهما نهاه ففعل ذلك فقد زاد خيرًا فلا يضمن \rفإن قيل: أليس ذكرتم وجهين فيما إذا نهاه عن النقل عن البيت عند وقوع الحريق بناء على انتزاع المغصوب من يد الغاصب، فهلا ذكرتم ها هنا الوجهين\rقلنا: أطلق الأصحاب ها هنا ونقلوا التردد ثم، والصحيح سقوط الضمان في الموضعين؛ لأن الشيء في يده، وقد زاد خيرًا بالإحراز، بخلاف الانتزاع من يد الغاصب؛ فإنه إثبات يد من غير إذن المالك، وإن اتجه ذلك الوجه فهو ها هنا أيضًا منقدح، لاسيما في الصورة التي يفتقر فيها إلى لبس الثوب \rفروع:\rأحدها: لو امتنع عن العلف فماتت الدابة ضمن بشرط أن لا تكون الدابة جائعة عند الإيداع، فإن كان قد سبق جوع فقد فات بالجوعين، ففي الضمان تفصيل ذكرناه في القصاص فليلتفت إليه \rالثاني: إذا أمر غلامه بالسقي والعلف، إن كان عادته ذلك في دابة نفسه جاز ذلك ، وإلا فليفعل بها ما فعل بدابة نفسه، فإن تسليمه إلى صاحب له إثبات يد الغير عليه ، وقال ابن سريج: إن له ذلك مطلقًا، ولم يفصل الأمر في العادة، وعلل بأن ذلك يعد في يده إذا كان في يد خادمه، وصاحبه وغلامه \rالثالث: ينبغي أن يغير عليه البيت في الصيف والشتاء كما يفعل بدابة نفسه، ويسقيه، ويعلفه في منزله إن قدر عليه، وإن عجز عنه فله أن يخرجه ويسقيه، ويعلفه \rوإن أخرج للعلف والسقي مع القدرة عليه في المنزل، قال الشافعي: ضمنها ، واختلف الأصحاب فقال أبو إسحاق: لا يضمن إذا كان الطريق آمنًا إلى ذلك  الموضع؛ لأن العادة بذلك جارية، وإنما أراد الشافعي رحمه الله به إذا لم يكن آمنًا ","part":1,"page":428},{"id":925,"text":"وقال الإصطخري: يضمن؛ لأنه أخرج الوديعة عن الحرز من غير حاجة فصار كإخراج الثوب من الحرز ثم رده إليه \rالسبب الخامس: الانتفاع، فإذا أودع شيئًا فانتفع به ضمن، وهو كلبس الثوب، وركوب الدابة، وأمثالها ، إلا إذا كانت الدابة جموحًا لا يمكن سقيها وسوقها إلى الماء والعلف إلا بالركوب، أو كان الثوب صوفًا يفتقر في صيانته من الدود إلى اللبس أيامًا ، وكذلك إذا أودع دراهم فأخذ درهمًا انتفع به ضمن بالأخذ قبل أن يصرف إلى حاجته \rوقال أبو حنيفة: لا يضمن بمجرد الأخذ \rونحن نزيد على هذا ونقول لو كان الكيس مختومًا فحل الختم ضمن باقي الكيس بهذه الخيانة؛ لأن حل الختم خيانة في المختوم ، وهل يضمن الكيس فيه وجهان :\rأحدهما: لا؛ لأنه ليس يعد ذلك خيانة على الكيس\rوالثاني: نعم؛ لأنه ليس من جملة الوديعة \rأما إذا لم يكن ختم، بل كان على رأس الكيس عقد من نفس الكيس، أو خيط فحله، وأعاده لم يضمن، وكذلك إذا نظر إلى ما في الكيس، فهذا لا يعد خيانة فيما لا ختم عليه \rفرعان:\rأحدهما: لو أخذ درهمًا لينفقه وضمن فندم ورده لم يخرج عن ضمانه ، ولكن الضمان مقصور  عليه إذا كان متميزا عن غيره ، وإن اختلط فوجهان :\rأحدهما: أنه يضمن الكل؛ لأنه خلط المضمون بغير المضمون، فهو كما لو خلط به درهمًا لنفسه، أو خلط حنطة مودعة بحنطة نفسه، فإنه يضمنها للمودع ، وكذلك لو أنفق الدرهم المأخوذ ورد بدله، ضمن الكل؛ لأن البدل ملكه، ولا يصير ملكًا للمالك إلا بقبضه، ولم يوجد القبض \rوالثاني: أنه يضمن بقدره (فإن كان الكل عشرة)  لأنه خلط ملكه بملكه، ولم يخلط به ملك نفسه، ولم يجر في غير المأخوذ عدوان، فلا معنى لضمانه ","part":1,"page":429},{"id":926,"text":"الثاني: إذا أتلف بعض الوديعة  ولم يكن المتلف  منفصلاً، كما إذا أودعه ثوبًا فأتلف ذراعًا منه، أو دابة فجنى عليها، فإن كان عامدًا ضمن الكل؛ لأنه جناية على الكل ، وهو على ضد وضع الأمانة، بخلاف ما لو أخذ درهمًا من العشرة فإنه جناية على ذلك الدرهم، وكذلك إذا أودعه ثوبين، أو حيوانين فأتلف أحدهما لا يضمن الآخر ، أما إذا كان أخطأ ضمن المفوت ، وفي الباقي وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن الضمان لا يختلف بالعمد والخطأ \rوالثاني: لا؛ لأنه إنما يتم بنسبة الخيانة عند التعمد \rفأما إذا كان مخطئًا فلا يعد جانيًا على الباقي\rالثالث: إذا أخرج الدابة ليركبها، فلم يركبها ضمن ، ولو نوى إخراجها للركوب، فلم يخرج، لا يضمن؛ إذ لم يوجد فعل ، وقال ابن سريج: يضمن؛ كالملتقط إذا نوى التمليك ضمن بالنية ، وعامة الأصحاب فرقوا بينهما، والجمع أقيس من الفرق، وغاية الفرق أن يد الملتقط إنما صارت  يد أمانة بقصده لا بقصد المالك وإيداعه، فيؤثر مجرد قصده في تغييره إذ صار أمانة بقصده التعريف، أما ها هنا جعله المالك يد أمانة، واستنابة فيه، فهذا الأصل لا يزول إلا بعدوان في عين المال ، وحكى عن بعض الأصحاب: أنه لو نوى أن لا يرد على المالك ضمن؛ لأنه صار ممسكًا على نفسه ، فإن نوى الانتفاع فقط لم يضمن، ما لم يحقق تصرفًا في الثوب \rالسبب السادس: التقصير بكيفية  الحفظ، وفيه ثلاث صور:\rالأولى: إذا سلم إليه صندوقًا وقال لا ترقد عليه، فرقد عليه، قال الشافعي: فقد زاد خيرًا، فلا يضمن \rوقال مالك: يضمن؛ لأنه أغرى اللص به \rوما ذكره الشافعي صحيح في الحرز \rأما إذا كان في الصحراء، فرقد عليه، وجاء اللص وأخذ شيئًا من رأس الصندوق فلا ضمان عليه ؛ لأن الأخذ مع الرقود  عليه أشق \rفإن أخذ من جنب الصندوق ضمن ؛ لأنه لو نام على جانبه ربما لا يتيسر ذلك، وهذا من قبيل المخالفة الجائزة بشرط سلامة العاقبة ","part":1,"page":430},{"id":927,"text":"الثانية: سلّم إليه دراهم، وقال: اربطها  في كمك، فأمسكه في يده، فإن أخذه غاصب لا ضمان؛ لأن اليد أحرز في هذه الحالة \rوإن استرخى يده بنوم، أو نسيان ضمن؛ لأن الربط أحرز في مثل هذه الحالة \rالثالثة: إذا قال: اربطها في كمك، قال الشافعي: إن جعل الخيط الرابط خارج الكم ضمن، وإن جعله داخل الكم لم يضمن \rفمن أصحابنا من جرى على الظاهر، وفرّق بأن الخيط إذا كان خارج الكم ظهرت الصرة، وسهل على الطرار  حلها ، ومن أصحابنا من فصّل، وقال: إن ضاع بأخذ الطرار فهذا الفرق متجه، وإن ضاع بالاسترخاء والسقوط فبالعكس، إن كان الرباط خارجًا لم يضمن، وإن كان داخلاً ضمن؛ لأنه إذا كان خارجًا فإذا انحل الرباط بقي الدراهم داخل الكم، فهو أحرز \rالرابعة: أودعه خاتمًا، قال أبو حنيفة: إن جعله في خنصر  ضمن، لأنه مستعمل، وإن جعله في أصبع آخر لا يضمن؛ لأنه إحراز وليس باستعمال ، وما ذكره ليس بعيدًا عن قياس مذهبنا ، ولكنه يحتمل أيضًا أن يقال إذا لم يقصد بالخنصر الاستعمال، بل قصد الإحراز لم يضمن، لا سيما إذا كان يضيق حلقة الخاتم عن سائر أصابعه ، فإن كان واسعًا يتجافى عن أصبعه ضمن إذا ضاع بالسقوط \rالسبب السابع: التضييع، وله صور:\rإحداها: أن يلقيه في مضيعة، أو تنهدم داره فلا ينقل، أو ما يجري مجراه \rالثانية: أن يدل سارقًا عليه، فهذا بنفسه عدوان مضمن ، ويحتمل أن يقال إنه إن ضاع لا بجهة السرقة، فتكون الدلالة كنيّة الخيانة؛ إذ هو لفظ لا يوجب تعلق فعل بالمال في الحال ، والأظهر أنه عدوان موجب للضمان كيف ما كان  \rالثالثة : أن يصادف المالك ظالم فجاء المودع إليه، وقال له: عندي وديعة حتى أخذ، ضمن؛ لأنه مضمن بالسعاية، وهو ملتزم للحفظ، وقد أتى بما يناقضه ، وليس كما لو دل الظالم، أو السارق على ما ليس في يده، فإنه لا يضمن؛ لأنه لا يلتزم حفظه، ولم يتعلق بعينه عدوانه من حيث الفعل ","part":1,"page":431},{"id":928,"text":"الرابعة: إذا أخذ منه كرهًا إن لم يقدر على الدفع، ولم يباشر تسليم المال فلا ضمان عليه ، وإن قدر على الدفع فلم يدفع ضمن؛ لأنه تضييع ، وإن أكره حتى باشر تسليم المال، فقرار الضمان على الظالم ، ولكن في وجوب أصل الضمان عليه وجهان ، وهو قريب من المأخذ من القولين في المكره على الإفطار مع القطع بأنه لو أوجر  دون اختياره لم يفطر \rالخامسة: إذا نسي موضع الوديعة، فقد سئل الخضري  عن زوجة سلمت خلخالاً إلى زوجها ليسلمه إلى صائغ فسلم ونسي الصائغ الذي سلمه إليه، فقال: إن لم يشهد فقد ضمن بالتقصير في الإشهاد، إذ كان يجب عليه الإشهاد على الصائغ حذرًا من إنكاره، فإن شهد فترافع الشهود فإن كانوا قد ماتوا أو نسوا أيضًا فلا ضمان ، ومساق هذا يوجب أنه لو نسي موضعه من أحرازه أو بيوته، أو كان قد أمر بالدفن في بقعة فدفن، ونسي لا يضمن ؛ لأن الإشهاد غير ممكن، والنسيان عذر عارض لأجله حط الإفطار عنه \rالسادسة: لو جاء الظالم إليه يطالبه بالوديعة، فلينكر، فإذا كان يكتفي بيمينه فليحلف، وليكفّر ، فإن حاذر من اليمين واعترف ضمن ، وإن حلفه بالطلاق فإن لم يحلف وسلم ضمن ، وإن حلف طلقت زوجته؛ لأنه جعلها فداء الوديعة ، وليس هذا كما لو حلف السراق من اطلع عليهم بالطلاق وحلّفوه أن لا يخبر إكراهًا، فإذا أخبر لم يقع الطلاق؛ لأنه مكره على نفس اليمين ، وإنما المودع مخير بين تسليم  الوديعة، وبين الحلف، وليس يلزمه من التسليم إلا الضمان، ووجوب الضمان لا يثبت إكراها، هذا ما نقل في طريقة القاضي حسين \rوعليه الإشكالات:","part":1,"page":432},{"id":929,"text":"الأول: أن اليمين الفاجرة كيف يجوز الإقدام عليها والجواب: أن المعلول ها هنا أنه يجب أن يحلف كاذبًا أنه ليس عنده وديعة؛ لأن الكذب ليس محرمًا لعينه، ولذلك يباح في بعض المواضع، وقد يجب في بعض المواضع، وهو إذ دخل مظلوم داره فأتبعه ظالم ليقتله فسأله وتردد بين أن يدل عليه، ويصدق، فيقتل إذا، أو يفديه بيمين مكفرة ملزمة اليمين وإن كانت كاذبة، وأبيح لهذه الحاجة  وقد جوز الشرع النطق بكلمة الردة، وأنه ثالث ثلاثة عند خوف النفس فلا يستبعد هذا \rالإشكال الثاني: أنه لو حلف بالطلاق، فهو بين أن يسلم الوديعة فيضمن ويقضي، وأن يحلف فيطلق زوجته، وهو إضرار به\rوالجواب أن له وجهًا ثالثًا، وهو أن لا يحلف، ولا يسلم، فإن أكره بالسيف على اليمين لم تنعقد يمينه، وإن أكره على تسليمه فقد نقول لا ضمان، وإن قلنا يضمن فله طريق في الرجوع على الظالم، فهو أقرب من تسليطه على تسليم الوديعة \rالثالث: هو أنه إذا حلف لزمه الكفارة من ماله، وإنما لزمه التوصل إلى حفظ ماله، فهلا كان كمؤونة في الحفظ حتى يرجع به\rقلنا: وفي المؤونة، أيضًا لا يرجع إذا لم يشرط الرجوع كيف والمالك يقول كان ينبغي أن تصبر ولا تحلف، فليس الحلف لازمًا، فإن نشأ منه إكراه بالضرب والصبر على الأذى فإذًا إنما صان بيمينه نفسه عن الضرب، وهذا وجه دفع الإشكالات، ولم أر هذا منقولاً إلا في طريقة القاضي وهذا غاية توجيهه \rالسبب الثامن للضمان: الجحود\rوتفصيله أنه إن جحد مع غير المودع لم يضمن؛ إذ شرطه الإخفاء ، وأما مع المالك فينظر، فإن لم يطالبه  بالرد ولكن قال: ليس لك عندي شيء فسكت ، لا يكون جاحدًا ، وإن أنكر فوجهان:\rأحدهما: لا؛ لأن الجحود بعد الطلب \rوالثاني: أنه يضمن؛ لأنه جحود أيضًا بعد السؤال \rأما إذا طالب فللجحود صيغتان:\rإحداهما: أصل الإيداع، فيقول: ما أودعت عندي شيئًا","part":1,"page":433},{"id":930,"text":"والآخر أن ينكر وجود الوديعة في الحال، وقال: مالك عندي شيء، أو لا يلزمني تسليم شيء إليك ، فإن أنكر أصل الإيداع فالقول قوله ، وإن أقر بعد ذلك لزمه الرد، وهو في ضمانه إن تلف بعدوانه بالجحود ، وإن قامت عليه البينة طولب به، فإن ادعى ردها من قبل الطلب وأقام بينة ففي سماع البينة وجهان:\rأحدهما: لا تسمع؛ لأنه كذب البينة، حيث نفى أصل الإيداع \rوالثاني: تسمع؛ لأنه لا تهمة في البينة، والكذب الصادر منه لا ينبغي أن يمنعه من إظهار الحق ، وهو كالمرأة إذا ادعت القذف على زوجها فأنكر، فأقامت البينة، فأراد الزوج إقامة البينة على زناها هل يمكن منه فيه خلاف \rأما إذا أنكر وجود الوديعة في الحال، ثم أقر بعد ذلك فهو ضامن لعدوانه بالجحود، فإن أقام المدعي بينة على الوديعة فادعى المودع ردا سابقًا على الجحود فالقول قوله مع يمينه؛ لأن إنكاره لا يضاد ذلك، بل يلائمه  فهذا ما أردنا أن نذكره في إثبات التقصير\rفإن قال قائل: فإذا ترك التقصير وعاد أمينًا هل يبرأ عن الضمان، كما لو لبس الثوب ثم رده إلى الصندوق، أو ركب الدابة ثم ترك الركوب، أو ألقاها في وديعة  ثم ردها إلى الحرز قلنا: لا يعود أمينًا؛ لأن عقد الأمانة قد انقطع بطرآن ضدها فلا يعود إلا بالاستئناف \rقال أبو حنيفة: يعود أمينًا، ويسقط الضمان \rوقد استقصينا المسألة في الخلاف\rفإن قيل: لو قال: المالك استأمنتك، أو احفظ، أو ما يجري مجراه مما  يوجب تجرد الأذن فهل ينقطع الضمان\rقلنا: فيه وجهان، أظهرهما أنه ينقطع، وهو جار في الإيداع من الغاصب بطريان الإذن في إدامة اليد؛ لأن الحفظ صار مأذونًا فيه \rوالثاني: لا ؛ لأنه سبب ضمان، فلا بد له من قاطع، وإنما انقطاعه بزوال سببه، وهو اليد العادية، وزوالها بالزوال إلى اليد المحققة، وهو كضمان العقد لا يسقط عن البائع بإذن المشتري في الإمساك ","part":1,"page":434},{"id":931,"text":"فأما إذا قال المالك ابتداءً: أودعتك هذا، ومهما خنتني فأنت أميني، قطع القاضي بأنه لا يصح؛ لأنه لم يجر سبب الضمان، وهو إبراء عنه قبل وجوده، وهذا ينبغي أن نقسم صورته:\rفإن قال: فإذا خنت فأنت أميني في تلك الحالة، فهذا في صورته متناقض، ومعناه شرط انتفاء الضمان عن الغاصب، والمستعير \rفإن قال: إذا تركت الخيانة وعدت إلى الحفظ فأنت أمين فهذا أيضًا يضاهي ابتداء استيمان، إلا أنه معلق، فهو إيداع معلق، فلا يبعد أن يكون عند وقوعه \rالنظر الثاني: في رد العين إذا كانت باقية\rوفيه مسائل:\rالأولى: مهما طالب بالرد وجب الرد، فإن أخر بغير عذر ضمن ، وإن كان جنح ليل، أو تعذر عليه في الوقت الوصول إليه لم يضمن ، فإن كان في حمام أو على طعام لم يعص بالتأخير في هذا القدر، ولكن إن تلف ضمن؛ لأنه لو بادر لما فات، فكأنه جاز التأخير، والجري على العادة بشرط سلامة العاقبة \rوإن عيّن وكيلاً ليرد عليه لزمه الرد ، فإن تمكن من الرد ولم يطالبه الوكيل فتلف ففي الضمان وجهان، كنظيره في الثوب إذا طيّره الريح في داره، وتلف بعد التمكن من الرد، وقبل المطالبة، ووجه التشبيه أن الوديعة قد انفسخت بالأمر بالرد على الوكيل، وإنما يبقى بعد ذلك أمانة شرعية \rالثانية: لو طالبه بالرد فادعى التلف، فالقول قوله مع يمينه، وهكذا القول في كل أمانة ، إلا أن يدعي التلف بحريق  أو نهب وغارة، وسبب مشهور، فإنه لا يصدق ما لم يستفض أو يقيم عليه بيّنة؛ لأن إقامة البينة عليه سهل، بخلاف ما لو تلف بعارض آخر ، فلو أطلق دعوى التلف، وطالبه المالك بالسبب فلا يلزمه البيان وليس عليه إلا يمين على التلف ","part":1,"page":435},{"id":932,"text":"فأما إذا ادعى الرد، نظر فإن ادعى الرد على من ائتمنه، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن من ائتمنه اعترف بعدالته وأمانته فلزمه قبول يمينه ، وإن ادعى الرد على غير من ائتمنه كما إذا ادعى الرد في الثوب الذي طيّره الريح إلى داره، أو في اللقطة، أو ادعى الرد على وارث المالك الذي أودعه بعد أن مات المالك، أو مات المودع فادعى وارثه الرد على المالك الذي أودع مورثه، فهولاء كلهم يلزمهم إقامة البينة جريًا على قياس الدعاوى ؛ فإنه لزم الرضى بيمين المدعي من جهة ائتمانه لمسيس الحاجة إلى ذلك، ولا يجب على من لم يعرف بأمانته الرضى بيمينه، وكذلك المودع إذا ادعى الرد على وكيل المالك، فإن أنكر المالك أصل الإذن فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم الأذن، وليس يلزمه من ائتمانه في الوديعة تصديقه في غير الوديعة، وهو التصديق في دعوى التوكيل\rوإن اعترف المالك بالإذن، ولكن أنكر تسليمه إلى الوكيل، فإن اعترف الوكيل انقطعت الخصومة، وإن أنكر الوكيل فمذهبنا أنه لا تقبل يمين المودع، بل تفتقر إلى البينة، فإنه  لم يدع الرد على من ائتمنه، وإنما ادعى الرد على وكيل لم يصدر منه ائتمان \rوقال أبو حنيفة: يجب تصديقه؛ لأن بعد اعترافه بالوكالة فوكيله نازل منزلته، وهو قياس ظاهر، لا بأس به ، هذا إذا أنكر أصل الأذن، أو التسليم دون الأذن\rفإن اعترف بالإذن والتسليم، ولكنه نسب  المودع إلى التقصير في ترك الإشهاد  إذا أنكر وكيله، وعجز عن الاستيفاء فهل يضمن بهذا التقصير، وهل يجب الإشهاد فيه وجهان: أحدهما: يجب الإشهاد؛ كما إذا قال: خذ هذا واقبض الدين الذي لفلان علي، فإنه إن لم يشهد حتى أنكر ذلك الشخص المستحق للدين غرم المأذون، وإن فرق بين أن يقول: خذ هذا وسلم إلى فلان، أو يقول اقض به دين فلان ","part":1,"page":436},{"id":933,"text":"والوجه الثاني: أنه لا يجب الإشهاد في الوديعة؛ لأن الودائع في الغالب تخفى، ولأن المودع مهما ادعى التلف قبل قوله، فليس في الإشهاد عليه عند قصده الخيانة كبير فائدة، بخلاف من عليه الدين فإنه لا حيلة له مع الإشهاد ، والخلاف في وجوب الإشهاد جار في الوصي إذا رد المال على اليتيم بعد بلوغه ، ويشهد للوجوب ظاهرًا الأمر من قوله تعالى: {     } \rالتفريع: إن قلنا يجب الإشهاد فتنازعا في الإشهاد، فالأصل عدمه، والقول قول المالك \rوإن اعترف بالإشهاد وادعى حضورهم، وادعى المودع غيبتهم، أو موتهم فلا شيء عليه؛ لأن  حفظ الشهود غير ممكن \rفإن قيل: فلو أودع المودع عند إنسان آخر بإذن المالك عند سفره فهل يصدق المودع الثاني في الرد قلنا ينظر، فإن لم يعين الشخص، ولكن قال: أودع أمينًا، فالثاني مودع الأول، فلو ادعى الرد على الأول صدق، ولو ادعى الرد على المالك فلا؛ لأنه لم يعترف بأمانته، ولم يأتمنه \rوإن عين  وقال: أودع عند فلان، فهو أمين المالك، فإن ادعى الرد صدق لا محالة \rالثالثة: إذا ادعى رجلان وديعة عند إنسان، فقال هو لأحدهما ونسيت عينه، فإن اعترفا له بعدم العلم فلا خصومة لهما معه ، والشيء ينتزع من يد المودع، وقد نقل العراقيون ها هنا قولين:\rأحدهما: أنه يوقف حتى تفصل الخصومة بحجة، وتنتزع  في يده في يد أمين \rوالثاني: أنه يقرر في يده؛ لأنه أمين، وأي فائدة في تحويله إلى أمين آخر \rثم بعد ذلك إن لم يدعيا شيئًا وترك المال دام التوقف، وحفظ المال على وجه التوقف \rوإن ادعى كل واحد منهما أنه له، فيطالبان بالبينة، وإن أقام كل واحد بيّنة فتجري أقوال تعارض البينات، وإن أقام واحد دون آخر سلم إليه ، وإن حلف، فقولان:\rأحدهما: نقسمه بينهما ، والآخر يوقف الأمر، هكذا نقل المحاملي ","part":1,"page":437},{"id":934,"text":"وأما القاضي فإنه قال: يجعل الشيء في يديهما ويكون كل واحد مدعى عليه في النصف، ومدعيا في نصف الآخر، والذي يبتدئ باليمين يجمع بين النفي والإثبات في يمين واحدة لو حلف على النفي المحض، حتى إذا نكل الآخر حلف مرة أخرى على الإثبات ، فيه خلاف ذكرناه في موضعه \rأما إذا ادعيا عليه العلم فيحلف لهما يمينًا واحدة على النفي، هذا مذهبنا \rوقال أبو حنيفة: يحلف لكل واحد يمينًا ، فإذا حلفناه فإن حلف عاد الأمر كما كان في الصورة الأولى ، وإن لم يحلف ونكل حلفا يمين الرد ، فإذا حلفا ضمن المودع القيمة، وجعلت القيمة أيضًا في يدهما، فيحصل كل واحد على نصف الوديعة، ونصف القيمة ، فإن حلف أحدهما على أن العين له دون الآخر سلمت العين له، ورد نصف القيمة التي في يده إلى المودع إذا وصل إليه المبدل، وأما الآخر فلا يرد النصف الذي في يده لأن نكوله عن يمينه بعد حلفه عن نكول المودع لا يكون حجة \rفإن قيل: وأي فرق بين الغاصب والمودع، والغاصب لو قال: غصبت من أحدكما، ولست أعرفه، ألزم البيان، ولم يكتف بيمين على النفي\rقلنا: ذكر الأصحاب وجهين:\rأحدهما أنه ضامن، إذ كان من حقه أن يحفظ المالك\rوالثاني: لا؛ إذ ليس عليه إلا حفظ الوديعة ، ولا عدوان في النسيان بخلاف الغاصب  فإنه معتد بإثبات أصل اليد\rفإن قلنا: إنه ضامن فقد سوينا بينه وبين الغاصب، وإلا فالفرق واضح، وهو أن الغاصب يجب عليه الخروج من عدوانه، ومعرفة المتعدى عليه شرط للخروج من العدوان، فما لا يتم الواجب إلا به فهو منه، والمودع لم يتطوق عهدة  إلا حفظ المال، وإحرازه  والله أعلم\r\rكتاب قسم الفيء والغنائم\rوفيه بابان:\rالباب الأول: في الفيء\rوهو مشتق من قولهم: فاء، إذا رجع، والمعني به، ما فاء من الكفار إلى المسلمين ","part":1,"page":438},{"id":935,"text":"والغنيمة أيضًا تسمى فيئًا ، بهذا التأويل، ولكن اطراد اصطلاح الفقهاء للتمييز بتخصيص اسم الفيء: بكل مال فاء إلى المسلمين من غير إيجاف  خيل وركاب \rوهو قسمان:\rأحدهما: ما انجلوا عنه خوفًا من المسلمين من غير قتال، أو بذلوه للكف عن قتالهم، وهذا مُخَمَّس، وخمسه مصروف إلى من يصرف إليه خمس الغنيمة \rالثاني: ما أخذ منهم لا بتخويف ناجز، كالجزية والخراج المضروب على أراضيهم، وعشر تجارتهم، ومال المرتد، ومال من مات منهم ولا وارث له، والصحيح أن هذا كالأول في أنه مخمس ؛ لأنه مأخوذ من غير إيجاف خيل وركاب، والآية عامة إذ قال تعالى: {  ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ    }  الآية\rوفيه قول قديم للشافعي: أنه لا يخمس ؛ لأنه في حكم المأخوذ بالرضى، كالمأخوذ بالبيع، والصحيح الأول \rفإذا عرفت مخمس  فالنظر في طرفين:\rأحدهما: في الخمس، ومصرفه\rوالثاني: في الأخماس الأربعة، وكيفية قسمتها، وصرفها\rالطرف الأول: في الخمس: وهو مقسوم بخمسة أسهم:\rالسهم الأول: لله ورسوله، وهو الذي كان ينفرد به رسول الله \\  في حياته ، وهو فيما بعد وفاته مصروف إلى مصالح المسلمين ؛ لأنه  رد على المسلمين؛ إذ تناول من الأرض وبرة  من بعير حين انصرافه من خيبر، فقال: >والذي نفسي بيده، ما لي مما أفاء الله إلا الخمس، والخمس مردود عليكم<  ولم يقصد به إلا ما بعد الوفاة ، وليس يمكن توزيعه على المسلمين بعد أن جعله إليهم إلا بالصرف إلى مصالحهم، كسد الثغور، وعمارة المساجد، والقناطر ، وأرزاق القضاة، وما يجري مجراها \rوقيل إنه \\ في حياته أيضًا كان يصرفه إلى المصالح كسلاح الحرب، وغيره، وكان ينفق على عياله من أربعة أخماس الفيء \rومن الأصحاب من قال: يصرف سهم رسول الله \\ إلى الإمام؛ إذ كان رسول الله \\ يتخذ من ذلك نفقة عياله، ويدخره لسنة واحدة، والإمام خليفته ","part":1,"page":439},{"id":936,"text":"والصحيح هو الأول؛ لظاهر قوله: >والخمس مردود عليكم< \rالسهم الثاني: لذوي القربى، وهم المدلون بقرابة رسول الله \\ ، وفيه مسائل:\rالأولى: أنه يخص من جملتهم بني هاشم ، وبني المطلب  دون غيرهم من بني عبد شمس ، وبني نوفل  ؛ لما روي عن جبير بن مطعم  أنه قال لما قسم رسول الله \\ سهم ذوي القربى بين بني هاشم، وبني المطلب: أتيته أنا وعثمان | فقلنا: يا رسول الله هولاء إخواننا من بني هاشم لا ينكر فضلهم بمكانك الذي وضعك الله منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وقرابتنا وقرابتهم واحدة، فقال \\: >إنما بنو هاشم وبنو المطلب هكذا، وشبك بين أصابعه< \rالثانية: إذا ثبت أنه لهم فهو لأولادهم  وأولاد أولادهم أبدًا ما تناسلوا في كل عصر، على التشريك، لا على الترتيب، فلا يحرم الابن وإن كان أبوه حيًا، هذا كله بشرط أن يكون الانتساب بالآباء \rأما من ينتسب إليهم بالأمهات فلا حق لهم ؛ لأنه معلق بالنسب، فلا يعد ابن البنت من النسب، قال الشاعر:\rبنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد \rولأنه  لم يعط الزبير ، وعثمان، وأُمَّاهما كانتا هاشميتين \rالثالثة: يشترك في استحقاقه أغنياؤهم وفقراؤهم، ولا يشترط الفقر مع القرابة ؛ لأنه معلق في الكتاب، وإلا دَلَّ بهذه الفضيلة؛ ولأن العباس | كان يأخذ منه، وكان من أغنياء قريش \rالرابعة: أنه يشترك في استحقاقه النساء والرجال، فقد حصل الانتساب للنساء بمحض الذكور؛ لأن القرابة شاملة، وكذلك النسب \rالخامسة: لا يفضل رجل على رجل، ولا امرأة على امرأة، ويفضل الرجل على المرأة، ويقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، هذا ظاهر المذهب ، وهو نص الشافعي ، وعليه عامة الأصحاب، سوى المزني فإنه ذهب إلى التسوية ، وإليه ذهب أبو ثور ، وهو منقاس من حيث أنه يستحق باسم القرابة، فأشبه الوصية للأقارب ","part":1,"page":440},{"id":937,"text":"ولكن يجاب عنه بأن القرابة متأبدة أيضًا بضرب من النصرة، ونصرة الرجال فوق نصرة النساء ، قال القاضي: الأقيس التسوية، والأمر على ما قال \rوفي طريقة القاضي أنه لو كان أحدهما يدلي بجهتين يفضل على من يدلي بجهة واحدة، كما يقدم الأخ للأب والأم على الأخ للأب في الميراث، ولو كان إدلاء الذكر والأنثى بالأم إلى هاشم لسويّ بينهما كالأخوة للأم في الميراث، وفي هذا تشبث بوجه في أن أولاد الهاشميات يستحقون، وهو ضعيف؛ لما نقلناه \rالسادسة: يشترك في استحقاقه الصغير والكبير منهم؛ لاشتراكهم  في القرابة، فالمستند لاشتراط البلوغ، وهذا يضعف التعليل بدخول معنى النصرة في الاعتبار \rالسابعة: أنه يشترك في استحقاقه جميع بني هاشم، وبني المطلب حيث كانوا في أقطار الأرض ، وقال أبو إسحاق: ما يقع في إقليم فيختص به ذوي القربى من أهل ذلك الإقليم ، وهو ضعيف \rنعم إذا أعسر النقل فللإمام أن يقصر ما يقع على أهل كل إقليم ما يقع فيه، إن تساوى المفترق في الأقاليم بالنسبة إلى العدد، وإن تفاوت فلا بد من التلاقي بالسوية، وإن لم يقع الفيء إلا في إقليم واحد فلا بد من النقل إلى الآخرين \rالسهم الثالث: اليتامى: وهو كل طفل لم يبلغ، ولا كافل له ، وفيه مسألتان:\rإحداهما: إن كان فقيرًا استحق، وإن كان غنيًا فوجهان: الأظهر أنه لا يستحق إذ ينبئ لفظ اليتم عن المفتقر إلى التعهد، فأما الغني المثري الذي تجب في ماله الزكاة يبعد فهمه من الآية \rالثانية: أنه إن كان من أولاد المرتزقة صرف إليها، وإن لم يكن فالظاهر أنه يصرف إليه ، وذهب القفال إلى أنه لا يصرف إلا إلى اليتامى المرتزقة ، وهو بعيد، وخالفه عامة الأصحاب؛ فإنه زكاة لا مستند له، ولعله يحتل ذلك من أربعة الأخماس فإنه اختص بالمرتزقة، وذلك ينتقض بسهم المساكين، وابن السبيل وغيره ","part":1,"page":441},{"id":938,"text":"السهم الرابع: سهم المساكين ، وسيأتي بيانهم في تفريق الصدقات ، إلا أن الفقراء  أيضًا يجوز صرف هذا السهم إليهم ؛ لأن الفقير أشد حاجة من المسكين، فذكر المسكين تنبيه على الفقير ، بل كل واحد من الاسمين في وضع اللسان يتناول الآخر إذا أفرد كل واحد بالذكر، ثم إذا جمعا في الذكر قسم عليهما كما في الصدقات ، وشبب بعض الأصحاب  بوجه في التخصيص بمساكين المرتزقة ، وها هنا أبعد منه في اليتامى\rالسهم الخامس: لأبناء السبيل، وهو المجتاز بغير بلده إذا لم يكن معه مال وإن كان له ببلده مال ، ومن أنشأ السفر من بلده ولا مال له بالجملة تصرف إليه الصدقات كما سيأتي \rوالقول في اختصاص الاستحقاق بأهل الإقليم في هذه الأقسام ما مضى في ذوي القربى \rفإن قيل: فهل يجب التسوية بينهم قلنا: أما الأسهم الخمس في الأصل ينبغي أن يتساوى ، وأما سهم ذي القربى فيقسم على التسوية، إلا بسبب الذكورة والأنوثة  وأما الأسهم المستحقة باليتم، والمسكنة، والسفر فلا يجب التسوية بين آحاد كل فريق، بل على قدر الحاجة؛ لأن العلة الحاجة وهي تتفاوت ، هذا تفصيل مذهب الشافعي رحمه الله في قسمة خمس الفيء، وهو بعينه جار في خمس الغنيمة \rوقال أبو حنيفة: يقسم على ثلاثة أسهم، وزعم أنه سقط في زماننا سهم رسول الله \\، وسهم ذوي القربى؛ إذ كان ذوو القربى في زمانه يأخذون بالحاجة، والآن أيضًا يصرف بالحاجة لا بالقرابة، وأما سهم رسول الله \\ فقد سقط؛ إذ لا تورث حقوقه \rوروي عن بعض العلماء  أنه يقسم على ستة أسهم، سهم لله، وسهم لرسوله \\، وإن الذي لله فهو لزينة الكعبة، ومصالحها ، ويدل على بطلان هذا المذهب قوله : >ليس لي إلا الخمس وهو مردود فيكم< ، فدل على أنه لم يكن سدسًا، وأنه مردود في المسلمين، وعائد عليهم على العموم \rفإن قيل: وهل يصرف شيء من هذه السهام إلى كافر؛ لو جود اسم اليتم، أو المسكنة، أو السفر","part":1,"page":442},{"id":939,"text":"قلنا: لا؛ فإنّ هذا مال أخذ من الكفار فلا يرد عليهم، كيف وهو عطية من الله يشبه الزكاة، وسائر الحقوق، فيختص بالمسلمين \rالطرف الثاني : في الأخماس الأربعة، وفيه مسائل:\rالأولى: فيمن يقسم عليه في زماننا، وقد كان يأخذه رسول الله \\ في زمانه ، وفيه ثلاثة أقوال:\rأحدها: أنه مردود في مصالح المسلمين، كسهمه من خمس الغنيمة، والفيء \rوالثاني: أنه للمقاتلة المرتزقة؛ إذ كان  يأخذ ذلك لحصول خوف الكفار منه، ووقوع شوكة الإسلام به، فهو الآن لجميع المقاتلين ، فكأنا عقلنا السبب ها هنا فاتبعناه، أما الخمس فمأخوذ من ظاهر قوله: >وهو مردود عليكم< \rوالثالث: أنه يقسم على الجهات الخمس، فعلى هذا جميع الفيء خمسة أقسام كما سبق ، فدل عليه ظاهر قوله تعالى: {  }  الآية\rفإن قيل: فهلا انتقل إلى ورثة رسول الله \\\rقلنا: ذهب إلى هذا بعض الشيعة ، وهو باطل ؛ لنصوص وردت فيه، قال : >نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة<  وروى مالك بن أويس بن الحدثان  عن عمر | أنه قال لعثمان، وطلحة ، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف: أنشدكم بالله أيها الرهط هل سمعتم رسول الله \\ يقول: >إنّا لا نورث ما تركنا صدقة، ألا إن الأنبياء لا تورث<، فقالوا: نعم، بلى، ثم أقبل على علي، وعباس وسألهم مثل ذلك، فقالا: نعم ","part":1,"page":443},{"id":940,"text":"المسألة الثانية: إذا فرعنا على الأصح: وهو أنه للمقاتلة فيفتقر الإمام إلى وضع ديوان  في كل ما يفرقه على المرتزقة ليعرفهم بأسمائهم، وأنسابهم، ويستحب له أن ينصب لكل عشرة عريفًا  يجمعهم في وقت العطاء ويعرفهم، ويتولى أمرهم، فيكون أسهل عليه ، ويراعى فيه أمرين: أحدهما: التسوية، فلا يفضل واحد على آخر في قدر ما يعطيه بسبق في الإسلام، ولا  لسن ولا نسب، بل يعدّهم ويعطي كل واحد على قدر حاجته بعد أن يعد عيالهم، وأولادهم ، كان أبو بكر | يسوي فقال له عمر |: أتجعل من هاجر في سبيل الله كمن دخل في الإسلام كرهًا، فقال أبو بكر: إنما عملوا لله وأجرهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ ، وكان عمر بعد ذلك يفضل بعضهم على بعض ، ولكن اختار الشافعي التسوية تشبيهًا بالتسوية في الغنائم بين الشجاع، وبين الوضيع والشريف \rوالثاني: أنه يقدم في الإعطاء الأولى بالتقديم، فيقدم قريشًا ؛ لقوله : >قدموا قريشًا< ، ويقدم من جملتهم بني هاشم، وبني المطلب، ويسوى بينهم؛ لأنه شبك بين أصابعه في تمثيلهم، ودل به على التسوية \rفإن كان فيهم مسن، قدم الأسن ، ثم يعطى بعدهم بني عبد شمس، وبني نوفل ابني عبد مناف، ويقدم بني عبد شمس على بني نوفل؛ لأن عبد شمس أخو هاشم من أبيه وأمه، ونوفل أخوه من أبيه، لا من أمه ، ثم يعطي عبد العزى وعبد الدار، ويقدم عبد العزى على عبد الدار؛ لأن فيهم أصهار رسول الله \\ ، وكذلك يعطي الأقرب فالأقرب حتى تنقضي قريش ، ثم يقدم الأنصار على سائر العرب ، ثم إذا تفرغ من العرب يعطي بعد ذلك العجم، وإذا تفاوتت الرتبة بين العرب والعجم قدم للسن، أو للسابقة بالإسلام، ولم يقدم بنسب سوى ما ذكرناه ","part":1,"page":444},{"id":941,"text":"الثالثة: أنه لا ينبغي أن يقصر ما يعطى  كل مقاتل عن كفايته، وكفاية زوجته وأولاده؛ لأنهم كفوا المسلمين أمر الجهاد فليُكفوا أمر النفقة ، وعند ذلك يفتقر الإمام إلى عدد الزوجات والأولاد، ولو كان لواحد أربع زوجات أنفق على الكل، ولو كان له عبيد لم ينفق إلا على واحد؛ إذ الخدمة تحصل بواحد، ولا حصر لعدد العبيد، وعدد النساء محصور ، والمقصود الوصلة،  فإن لم يكن له عبد ولا فرس، واحتاج إليه اشتري له العبد والفرس ، وعلى الجملة ترعى الكفاية، ويعطى كل واحد على قدره، ومن يليق أن يخدمه عبد أو أمة، أو جارية عدّ ذلك أيضًا له، ويعطى كفايته ، ولا يفرق في أولاده بين صغير وكبير ؛ لما روي أن عمر | سمع صوت امرأة تبكي ولدها وهي تشكي من عمر، فقال: مالك ولعمر فقالت: إنه لا يعطي رزق الصبيان إلا بعد الفطام، وقد فطمت ولدي لأجل ذلك قبل وقته، وهو يبكي، فبعد ذلك كان يعطي الرضيع \rالرابعة: لا يثبت ابتداءً في الديوان اسم صبي ولا مجنون، ولا عبد، ولا ضعيف لا يقدر على القتال، ولا كفاية فيهم، بل يثبت اسم الأقوياء البالغين، وحقهم أن يكونوا مستعدين للغزو مهما أمروا ، وليس بشرط للاستحقاق وجود الغزو، بل يكفي الاستعداد \rفأما إذا طرأ الضعف والجنون، فإن كان يرجى زواله فلا يسقط الاسم، وإن كان لا يرجى زواله فقد خرج عن كونه مجاهدًا فيسقط اسمه \rوإذا مات وخلف زوجة وولدًا فما كانوا يعطون في حياة الأب هل يسقط لموته ففيه قولان :\rأحدهما: أنه يسقط إذ كان ذلك بطريق التبعية، والآن فقد زالت التبعية، وليس في نيتهم جهاد \rوالثاني: أنه يستصحب؛ لأن المجاهد إذا علم أن ذريته تضيع بعد وفاته اشتغل بالكسب، وفتر عن الجهاد ","part":1,"page":445},{"id":942,"text":"التفريع: إذا فرعنا على هذا ، أما الزوجة فيبقى حقها إلى أن تتزوج، فإذا تزوجت فقد استغنت بزوجها، وسقط حقها  وأما الصبيان فإلى البلوغ، فإن بلغوا عاجزين عن القتال بجنون، أو إغماء أو ضعف، أو أنوثة استمر  ما كان، وكأنهم لم يبلغوا ، وإن صلحوا للقتال خيّروا، فإن اختاروا الجهاد فرض لهم ما يفرض  لسائر المجاهدين بالسوية ، وإن أعرضوا فقد التحقوا بالمكتسبين فينقطع حقهم عن الكفاية التي كان يوصل إليهم بطريق التبعية ، ومن اختار القتال فليفرض له كالمجاهدين \rفرعان:\rأحدهما: هل يجب تمليك زوجات المرتزقة، كما يجب تمليك المرتزقة على وجهين، والأظهر أنه لا يجب؛ لأنهم أتباع \rالفرع الثاني: أن الصبي الرضيع لا يزال يكبر وتزيد حاجته، فعلى الإمام أن يتدرج في الزيادة على نفقته كما يحتاج إليه \rفإن طلب واحد زيادة على الكفاية لا يعطى، إلا إذا فضل شيء من الأخماس الأربعة، ففي الفاضل قولان: إن قلنا إن الأخماس الأربعة للمرتزقة فترد عليهم وتوزع، وإن زاد على كفايتهم \rوإن قلنا هي للمصالح فإنما بدأنا بالمرتزقة؛ لأنها أهم المصالح، فعند ذلك ينظر فإن لم تكن مصلحة لهم من توسيع الأمر عليهم وترفيههم بزيادة المال صرف إليهم، وإلا صرف الزيادة في تلك المصلحة \rفرع: قال الشافعي رحمه الله: مال الصدقة والفيء في يد الإمام، فمن يعطيه الفيء لا يعطيه الصدقة، ومن يعطيه الصدقة لا يعطيه الفيء ، ومعناه أن من يأخذ الفيء فهو مكفي به فليصرف الصدقة إلى غيره \rالخامسة: لا ينبغي أن يفرق الإمام أرزاقهم في كل أسبوع، وشهر بل في كل سنة، وإن فعل ذلك باجتهاده، فلا بأس فإنه مفوّض إلى اجتهاده، ولكن التقدير بالسنة أولى ؛ إذ فيها تتكرر الجزية  والخراج ، ويتجدد الدخل والخرج","part":1,"page":446},{"id":943,"text":"فلو مات واحد بعد أن جمع المال ومضت السنة، كان نصيبه لورثته، وإن مات قبل الجمع والحول فلا حق له فيه ولا مطالبة للوارث بحصته، وإن كان بعد جمع المال وقبل انقضاء السنة فقولان:\rأحدهما: أنه تنتقل حصة ما مضى من السنة إلى وارثه\rوالثاني: أنه لا يستقر الحق إلا بمضي السنة فلا يتجزأ، ويسقط الكل، وهو قريب من الخلاف في الذمي إذا مات قبل تمام السنة، أنه هل يؤخذ بحصّة ما عاش من تركته أم لا\rالسادسة: إن كان في جملة الفيء أراض فخمسها لأهل الخمس، أما أربعة أخماسها، قال الشافعي رحمه الله: يكون وقفًا، فمن أصحابنا من قال هذا تفريع منه على أنه من المصالح، فإن من المصلحة أن يترك وقفًا، وتكون غلتها للمسلمين، وعلى القول الآخر يقسم على المرتزقة ليكون ذلك رزقًا مؤبدًا دارًا عليهم، وهذا بخلاف الأراضي المغنومة، فإنها متروكة مملوكة لا يدخل الاجتهاد بها، ولذلك لا يفضل واحد على غيره\rوأما الفيء فموضوع في بيت المال ليصرفه باجتهاده إليهم، ولذلك يجوز التفضيل بالاجتهاد كما فعل عمر | وإن كان الأولى التسوية، كما فعل عمر |، وهو أحسن الاجتهاد، والاجتهاد ترك الأراضي وقفًا، فإذا قلنا بالوقف فقد اختلف الأصحاب في معناه، منهم من قال: أراد الشافعي التوقف كالرقبة عن القسمة، وقسمة الغلة، ومنهم من قال: معناه أن يجعله وقفًا شرعًا، كما في سائر الأوقاف الشرعية، حتى يمتنع بعد ذلك بيعه، وقسمته\rفرع: عامل الصدقة يعطى من الصدقات لا من الفيء، والعامل على الفيء في الجمع والتفريق يعطى من الفيء لا من الصدقات\r\rالباب الثاني: في قسم الغنائم\rوالغنيمة: كل مال تأخذه الفئة المجاهدة في سبيل الله على سبيل القهر والغلبة من الكفار، وذكرنا في كتاب السير تفصيله، وإنما الآن نريد أن نذكر كيفية قسمته، ومستحقه","part":1,"page":447},{"id":944,"text":"وكيفية قسمته: أن يصرف خمسه إلى مصرف خمس الفيء، كما سبق ، وأربعة أخماسه إلى الغانمين، ولكن يتطرق إلى هذا المال إخراج النفل  والرضخ والسلب ، ثم قسمة الغنائم على الأسهم بعده، فنعقد في كل واحد فصلاً\r\rالفصل الأول: في النفل \rوبيانه أنه يجوز لأمير الجيش أن يشرط لمن يتعاطى فعلاً يفضي إلى الظفر بالعدو ، كتقدمه طليعة، أو بهجمة على قلعة حصينة (   انه)  على طريق بابًا فقلعه، مالاً فيسمى ذلك المال نفلاً ، أي كأنه زيادة خصصت به، والنفل عبارة عن الزيادة، ولأجله سميت النافلة نافلة ، وفيه مسائل:\rالأولى: أن تقدير ذلك إلى اجتهاد الإمام، ومستند اجتهاد الإمام النظر إلى قدر العمل والخطر ، ولذلك روى عبادة بن الصامت  أنه  كان ينفل في البداءة الربع، وفي القفول الثلث ؛ لأن خطر التأخر عن العسكر ومراعاة العاقبة أخطر، وأما في الابتداء فيدخل على غفلة من العدو، وقبل الاستعداد \rالثانية: أنه يجوز للإمام شرط ذلك من بيت مال المسلمين؛ لأنه من مصالح المسلمين ، ويجوز أن يشرطه مما يؤخذ من المشركين، فإن شرط من مال المشركين فهو من خمس الخمس، وهو السهم المرصد من مال المسلمين، وجاز كونه مجهولاً للمصالح ، ولكن إن شرط من بيت المال فليكن القدر معلومًا، فإنه جعالة ؛ لأنه  شرط الثلث، والربع ، وذكر القاضي عن القديم وجهًا أنهم يعطون الربع، أو الثلث مما أخذوا من أصل المال، لا من خمس الخمس، ثم الباقي يكون غنيمة مشتركة ، وعلى هذا فيعطون من أصل المال، أو يخمس ما أخذوه بعد الخمس ذكر فيه قولين كما سيأتي في الرضخ، أنه يعطى بعد الخمس، أو من أصل المال \rفإن قيل: الثلث الذي شرطه رسول الله \\ مماذا كان، والربع مماذا كان قلنا: إنما كان نصيب كل واحد زاد له مثل ثلثه، أو مثل ربعه، وإنما الصحيح أنه كان الثلث من الخمس، أو الربع من الخمس ","part":1,"page":448},{"id":945,"text":"فإن قيل: روي أنه نفل  كل واحد بعيرًا بعيرًا، وكان سهامهم اثني عشر بعيرًا ، وهذا أكثر من جميع خمس الخمس\rقلنا: يحتمل أنه أتمه من بيت المال، ويحتمل أنهم كانوا أصابوا شيئًا سوى البعير \rالثالثة: لو قال الأمير من أخذ شيئًا فهو له، وأراد أن يجعل ما أخذه نفلاً لآخذه، فقد أشار الشافعي رحمه الله إلى قولين ؛ إذ ذهب أبو حنيفة إلى جوازه \rوقال الشافعي: لو قال قائل: يملكه؛ لكان مذهبًا ، وهو متأيد بما روي أنه  قال يوم بدر: >من أخذ شيئًا فهو له< ، والمذهب الصحيح أنه لا يجوز ذلك ، بل يصرف الخمس مما أخذ كل واحد إلى مصرفه، والباقي بين الكل من الغانمين، والحديث لم يصح ، وقيل: إن غنائم بدر كانت لرسول الله \\ خاصة يفعل فيها ما شاء \r\rالفصل الثاني: في إخراج الرضخ \rوهو قدر من المال، لا يتقدر أدناه ويتقدر أقصاه بمبلغ سهم واحد من الغانمين، فينبغي أن يحط عنه كما يحط التعزير  من الحد ، ويصرف ذلك إلى أربعة أصناف: العبيد، والصبيان المراهقين الذين حضروا الوقعة، والنساء ، و الكفار من أهل الذمة: إن حضروا بإذن الإمام أغنى الكفار، فإن استبدوا بالحضور فلا يستحقون \rقال الشافعي: والمستحب للإمام أن يستأجر أهل الذمة بشيء من بيت المال، فإن لم يفعل ذلك رضخ لهم ، ثم ينبغي له أن يفاوت بين أهل الرضخ على حسب غنائهم بحسب سهام الغنيمة ، واختلف الأصحاب في المحل الذي يخرج منه على ثلاثة أقوال، قول في المختصر، وقول آخر في موضع آخر:\rأحدها: أنه يخرج من أصل الغنيمة، تقديمًا على الكل، كأجرة النقل، والحمل، والحافظ للغنيمة، فإنه مقدمة من أصل المال لمصلحة المال، فكذلك الرضخ \rوالثاني:  أنه من الأخماس الأربعة؛ لأنه سهم من الغنيمة، ولكن دون سائر السهام، واستحقاقها بشهود الوقعة \rوالثالث: أنه من خمس الخمس، كالنفل الذي ذكرناه على الأصح؛ لأنه نوع مصلحة، فكان من مصالح المسلمين ","part":1,"page":449},{"id":946,"text":"فرع: العبد إذا حضر فلا يستحق السهم وإن حضر بإذن السيد ، ولكن يستحق الرضخ بكل حال، قاتل أو لم يقاتل، مأذونًا كان أو لم يكن من جهة السيد والإمام جميعًا ، وكذلك النساء والصبيان، وإنما يرعى الإذن في حق الكفار؛ لأنه متهمون \r\rالفصل الثالث: في السَّلَب \rوقد قال رسول الله \\: >من قتل قتيلاً فله سَلَبُه< ، وعن أبي قتادة  قال: خرجنا مع رسول الله \\ يوم حنين ، فرأيت رجلاً من المشركين علا رجلاً من المسلمين، فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه، ثم أدركه الموت، فقال \\: من قتل قتيلاً له عليه بيّنة فله سلبه، فقصصت عليه القصة، فقال رجل : صدق يا رسول الله، وسلب ذلك الرجل عندي فأرضه منه، فقال أبو بكر: لا ها الله إذا لا يعمد إلي أسد من أسد الله يقاتل عن الله فيعطيك سلبه، فقال \\: صدق، فأعطه إياه، فأعطاني إياه، فإنه لأول مال تأَثَّلتْه  في الإسلام \rولا فرق عندنا في استحقاق السلب بين أن يتقدم بذل الإمام، أو لم يتقدم \rوقال أبو حنيفة: لا يستحق إلا إذا نادى الإمام ، والحديث حجة عليهم \rثم النظر في ثلاثة أركان، السبب الذي به يستحق، والسلب الذي يُستحق، والسالب الذي يستحق \rوحكم السلب الأول في السبب: وهو ركوب الغرر في قهر كافر مقبل على القتال، بما يكفي بالكلية شره ، وفيه قيود:\rالقيد الأول: قولنا ركوب الغرر، احترزنا عن الرمي من حصن، والرامي آمن على نفسه، وكذلك إذا رمى من وراء  الصف، وإن كان اسم القتل حاصلاً، ولكن فهم معنى التغرير بالنفس في ذلك، وأثبت السلب حثًا على الهجوم على الأبطال ","part":1,"page":450},{"id":947,"text":"القيد الثاني: قولنا: في قهر كافر، وقد عممنا به القتل، والإثخان، والأسر، أما القتل فكاف، وأما الإثخان فقام مقام القتل؛ لأنه كفى المسلمين شره ، فلو أثخن واحد ، وقتل آخر فالسلب لمن أثخن، لا لمن قتل؛ نظرًا إلى معنى القهر، لا إلى اسم القتل ؛ بدليل ما روي أن ابن مسعود قتل أبا جهل ، فلم يعطه سلبه؛ إذ كان قد أثخنه غلام من الأنصار ، ولذلك نقول: لو اشترك رجلان في القتل اشتركا في السلب \rأما إذا قطع أحدهما اليدين دون الرجلين، أو الرجلين دون اليدين، وحز الآخر الرقبة ففي السلب قولان:\rأحدهما: أنه للقاطع؛ لأنه عطّله فقام مقام الإثخان \rوالثاني: أنه للقاتل؛ لأنه إن قطع الرجلين فيقاتل باليدين، وهو راكب، وإن قطع اليدين فيعدوا ويجمع العسكر، فلم تحصل كفاية شره \rأما إذا أسر كافرًا، وسلمه إلى الإمام ففي استحقاق السلب قولان:\rأحدهما: لا؛ لأنه لم يهلكه، ولا مهّد سبيل الهلاك بالإثخان \rوالثاني: وهو الأقيس ، وهو الذي قطع به الصيدلاني، ولم ينقل القول الآخر إلا في طريقة العراق، وقد نص الشافعي في المختصر على الاستحقاق ، وتوجيهه حصول القهر، وكفاية الشر بالأسر، وهو أبلغ من القتل؛ فإنه مهيّأ للقتل، والاسترقاق جميعًا \rالتفريع: إذا قلنا يستحق سلبه فليس له إلا ذاك إذا قتله الإمام، أو من عليه ، فإن فاداه أو استرقه ففي رقبته ومال الفداء قولان، ومنشأه نظر في حد السلب ، كما سيأتي \rالقيد الثالث: قولنا مقبل على القتال، ونعني بأنه لو قتل منهزما مدبرًا لا يستحق سلبه، كما لو قتل مثخنًا، فإنه لم يرتكب غررًا، ولم يقهر إلا  مقهورا، إلا أن يكون منهزمًا منه فيستحق سلبه \rولو قتل نائمًا  أو مشغولاً بالأكل فلا يستحق \rولا يشترط أن يقتله في المبارزة، بل إن كان قد بارز غيره فقتله استحق القاتل، وكذا إذا لم يبارز أصلاً \rالركن الثاني: في مستحق السلب","part":1,"page":451},{"id":948,"text":"وهو كل من يستحق السهم الكامل من الغانمين ، وكذا الأجير إن قلنا: يستحق السهم، فإن قلنا: يرضخ، فهو كمن يستحق الرضخ \rأما من يستحق الرضخ كالصبي والمرأة والعبد والكافر ففيه  وجهان:\rأحدهما: نعم ؛ للعموم في قوله : >من قتل قتيلاً فله سلبه< \rوالثاني: أنهم كما استثنوا عن عموم حكم الغنيمة ، فكذلك السلب؛ لأنه ورد في معرض تخصيص بعض الغانمين لاختصاصه بزيادة أمر \rأما الذمي إذا قتل فلا يستحق السلب، قطع به القاضي ، وذكر وجهين فيمن قتل امرأة كافرة، أو مراهقًا كافرًا، أو عبدًا كافرًا، فإنه هل يستحق سلبه، ووجه المنع أن هذا القتل محرم، فلا يفيد  الملك\rأما المخذل  إذا قتل فلا يستحق أصلاً \rالركن الثالث: في حد السلب\rوهو كل ما ثبتت يد القتيل عليه، مما هو عليه من عدة القتال، وزينة المقاتل، وهو ثيابه، وسلاحه الذي معه، وفرسه الذي ركبه ، وأما خيمته، وما فيها من كراع، وسلاح ومراكب فلا يستحقه القاتل ، وترددوا في مسائل:\rالأولى: الخاتم، والسوار ، والمنطقة : قطع الفوراني بأنه يملكه؛ لأن ما استصحبه وهو من زينته فهو من السلب اعتيادًا كالسلاح \rوذُكر في طريقة العراق فيه وجهان \rالثانية: ما معه من دنانير استصحبها للنفقة ففيه قولان مشهوران:\rأحدهما: أنه أيضًا من السلب؛ إذ يده ثابته عليه \rوالثاني: لا؛ لأنه ليس من عدته في القتال، ولا من زينته، وزينة فرسه، فصار كالحقيبة المشدودة على فرسه، وفيها أقمشته ودنانيره، فإنه لا  تملك قطعًا، اتفقوا عليه \rوإن فرق بين أن يكون مشدودًا على بدنه أو على فرسه، وقال القاضي الحقيبة أيضًا تخرج على الوجهين، والقياس ما قاله \rالثالثة: الجنيبة  التي معه، وهو الفرس الثاني فيه قولان:\rأحدهما: لا يمتلك؛ لأنه ليس يقاتل عليه ","part":1,"page":452},{"id":949,"text":"والثاني: أنه يملك؛ لأنه قد يعجز عن واحد فيقاتل على الثاني ، فهو كما لو كان يقاتل، وهو قابض بلجام فرسه، ولا خلاف أنه يملك الفرس المأخوذ بلجامه \rالركن الرابع: حكم السلب\rوحكمه أن يفرز من رأس مال الغنيمة، فيسلمه الإمام أوّلاً ، ثم تقسم الغنيمة، ولا ينحصر في خمس الخمس بخلاف الرضخ، والنفل على رأي ؛ لأن هذا مستحق بالعمل الذي اختص به فلم يتعلق به حق آخر \rوهل يخرج الخمس من السلب\rذكر الفوراني قولين ، وقطع في طريقة العراق بأنه لا يخمس ، لما روى عوف بن مالك ، وخالد بن الوليد : أن رسول \\ >قضى بالسلب للقاتل، ولم يخمس السلب< \r\rالفصل الرابع في قسمة الغنيمة\rونعني بها ما بقي بعد تسليم السلب من رأس المال، وبعد تسليم الرضخ، والنفل من محله الذي ذكرناه، فإن الإمام يقسمها على الغانمين بالسوية ، وقسم العقار كما يقسم المنقول، فإنه ملك بالقهر، وإنما الوقف في الفيء على رأي ذكرناه في الغنيمة \rوقال أبو حنيفة: يتخير الإمام بين قسمة العقار، وبين الرد على الكفار، أو الوقف على المسلمين \rوعندنا الحيوان والعقار، وكل ما يتملك من الدواب حكمها في الغنيمة حكم واحد، وهو القسمة، ويعطى الراجل  سهمًا واحدًا \rوقال أبو حنيفة: يعطى الفارس سهمان \rولا يفضل من قاتل على من لم يقاتل أصلاً ، والأحب أن يقسم في دار الحرب، ولا يؤخر إلى دار الإسلام بغير عذر ، خلافًا لأبي حنيفة  فإنه كره القسمة في دار الحرب ، وهو ضعيف؛ إذ صح أنه  قسم غنائم بدر بشعب من شعاب الصفراء قريب من بدر ، وقسم غنائم بني المصطلق على مياههم ، وقسم غنائم حنين بأوطاس، وهو وادي حنين \rفإن قيل: فمن الغانمون الذين تصرف إليهم\rقلنا: قال الله تعالى: {       }  وأضاف الحق إلى من غنم، وثبت أن القتال ليس بشرط، فلا بد من ضبط لسبب الاستحقاق، والضبط شهود الوقعة، مع تجريد القصد لنصرة المسلمين ","part":1,"page":453},{"id":950,"text":"ويخرج على الضبط مسائل:\rالأولى: أن المدد إذا لحقوا بعد حيازة الغنيمة لانقضاء الحرب لم يشتركوا في الاستحقاق ؛ لأن الأولين اختصوا بشهود الوقعة، وقال عمر |: الغنيمة لمن شهد الوقعة \rوإن لحقوا قبل حيازة المغانم، وانقضاء الحرب، فإن كان بعد الشروع في القتال شاركوا في الاستحقاق؛ لشهودهم الوقعة، وحصول الغناء والنصرة بهم \rوإن كان بعد انقضاء الحرب، ولكن قبل حيازة الغنيمة ففيه قولان :\rأحدهما: لا يستحقون؛ لأنهم لم يشهدوا الوقعة \rوالثاني: يستحقون؛ لأنهم لحقوا قبل ملكهم الغنائم بالحيازة، وبه يتم السبب \rوقال أبو حنيفة: يشتركون في الاستحقاق مهما لحقوا قبل الإحراز بدار الحرب إلا إذا كان بعد القسمة في دار الحرب لا يعتقد أنه لا يملك الغنائم إلا بالإحراز بدار الإسلام \rفرع: لو لحق مدد في أثناء القتال يشاركون فيما أحرزوا بعد لحوقهم ، وما كانوا أحرزوه قبل لحوقهم فيه وجهان: والأصح أنهم يشاركون ؛ لأن القتال ما دام قائمًا فالمال متداول بين المسلمين، والكفار والحرب سجال وعاقبته لا يدرى بتمام الاستيلاء بانقضاء الحرب، ولذلك لا تجوز القسمة قبل انقضاء الحرب \rالمسألة الثانية: لو مات القاتل  بعد انقضاء القتال انتقل سهمه إلى ورثته؛ لأنه ملك بتمام القتال ، فإن مات قبل انقضاء القتال فإنه لا يثبت لورثته حق الانتقال قبل ثبوت الملك والحق ، وكذلك لو مات فرسه أو باعه أو عاره  قبل القتال لم يستحق سهم الفرس ، وإن مات بعد القتال أو في أثناء القتال أو يقدر على القتال معه فسهمه باق ","part":1,"page":454},{"id":951,"text":"وإن مرض مرضًا يرجى  زواله استحق ، وإن مات في أثناء القتال فالقياس أنه كموت صاحبه، فكذا القول في القتل، فلا فرق بينه وبين الموت من غير قتل ، ونص الشافعي رحمه الله في موت الفرس في أثناء القتال أنه يستحق ، وفي الفارس إذا مات أنه لا يستحق ، فمنهم من قال: قولان: بالنقل، والتخريج، يرجع حاصلهما إلى أن المعتبر شهود القتال، أو بعضه ، ومنهم من فرق بأن الفرس تابع فبقاء المتبوع كاف، بخلاف ما إذا مات الفارس، فإنه متبوع ، ولو مرض مرضًا لا يرجى زواله فقد قطع في طريقة العراق بأنه لا سهم له، وهو القياس؛ كالموت \rوذكر الفوراني قولين ، ووجه القول الآخر المصلحة، وحاجة المريض إلى المعالجة، ونفقة الإياب ، وهو قطع سهمه، وقد خرج مجاهدًا ، بخلاف الميت؛ فإنه تخلص من المؤن كلها \rأما إذا دخل دار الحرب مريضًا مرضًا لا يرجى زواله لا سهم له ، وإن كان يرجى زواله يسهم له \rأما إذا هرب عن القتال سقط سهمه، كما لو مات ، إلا أن يهرب متحيزًا إلى فئة أخرى أو متحرفًا لقتال فلا يسقط حقه ، فلو ادعي عليه الهرب، فادعى له كان التحيز إلى فئة أخرى، فالقول قوله مع يمينه \rالمسألة الثالثة: السرية التي وجّهها الإمام من جملة الجيش، والإمام بالقرب منهم مرصد لإمدادهم، إذا غنمت شيئًا شاركها فيه الجيش كلهم؛ لأنهم بقوّة نصرتهم تجاسروا  \rوكذلك لو بعث سريتين، فما أخذ كل واحد منهما فمقسوم على جميع الجيش، وعلى السريتين  وفي طريقة القاضي ذكر وجه أن أحد السريتين لا تشارك الأخرى إذا تباعد، ولكن الجيش يشارك كل واحد من السريتين \rوإن أقام الأمير مع الجيش في دار الإسلام أو في دار الحرب حيث لا يستعدّ لنصرتهم لو احتاجوا فما أخذته السرية لا شركة للجيش فيه \rوقال القفال: إذ اجتمعوا في دار الحرب اشتركوا، والأصح النظر إلى التقارب والتباعد، وإمكان الإعانة ","part":1,"page":455},{"id":952,"text":"المسألة الرابعة: المخذل للجيش والمضعف لقلوبهم، ينبغي أن يخرج من الصف فلا يؤذن له في الحضور، فإن حضر فلا يستحق شيئًا؛ لأنه أسوأ حالاً من الهارب عن القتال، والذي لم يحضر \rالمسألة الخامسة: الذي حضر لقصد آخر، وهم ثلاثة: الأجير، والتاجر، والأسير\rأما الأجير فإن لم يقاتل لم يستحق ، وهو الذي حضر أجيرًا لسياسة الدواب، أو غيره من الأشغال، فإن قاتل فثلاثة أقوال:\rأحدها: أنه لا يستحق السهم؛ لأنه خرج عن قصد الجهاد، فلم يجرد القصد للنصرة، وإعلاء كلمة الإسلام \rوالثاني: أنه يستحق؛ لأنه قاتل فأظهر هذا القصد، فانضمام قصد آخر إليه لا يضره \rوالثالث: أنه يخير بين إسقاط الأجرة، وبين طلبها، فإن أسقط الأجرة فقد بان تجرد قصده للجهاد فيسهم، وإن طلب الأجرة لم يسهم \rوعلى هذا فمن أي وقت تسقط الأجرة فيه وجهان:\rأحدهما: من وقت دخول دار الحرب فبه يصير مجاهدًا \rوالثاني: لا بل من وقت ابتداء القتال؛ إذ هو السبب الخاص في ملك الغنائم \rهذا في الأجير إذا استؤجر لغير الجهاد، فإن استؤجر للجهاد نظر، فإن كان ذميًا واستأجره الإمام، جاز مع الجهل بالعمل للحاجة والمصلحة ، فإن استأجره آحاد المسلمين، فلا يجوز  \rوإن كان مسلمًا فاستئجاره للجهاد فاسد، وإن استأجره الإمام ؛ لأنه إذا حضر الصف تعين عليه ، وإذا حضر فقاتل ولم يستحق الأجرة ففي استحقاقه السهم خلاف \rووجه المنع: أنه لم يقصد بالجهاد وجه الله تعالى فهو كأجير الحج إذا صرف الحج إلى نفسه في أثناء الحج وسقوط أجرته خلاف، مع أنه لا ينصرف إليه \rأما الذين حضروا مع العسكر للتجارة فإن لم يقاتلوا فلا سهم لهم، وإن قاتلوا فقولان ، كما في الأجير؛ إذ القول الثالث بإسقاط مال التجارة غير ممكن جريانه \rوأما الأسير المسلم إذا انفلت من الكفار واتصل بالصف؛ إن كان أسر من هذا الجيش فيستحق السهم إذا عاد قبل انقضاء القتال قاتل أو لم يقاتل ","part":1,"page":456},{"id":953,"text":"وإن كان من جيش آخر أسر من قبل فإن قاتل استحق، وإن لم يقاتل فقولان \rوإن كان كافرًا أو مسلمًا فالتحق بجند الإسلام؛ استحق السهم، قاتل أو لم يقاتل؛ لأن قصده إعزاز الإسلام ، بخلاف الأسير، فإن قصده الخلاص، إلا أن الأسير أحسن حالاً من الأجير، ووجه الفرق بينه وبين الأجير، وهو وإن قصد الإفلات من الكفار لا يناقض قصد القتال، وقهر الكفار؛ فإنه قهر من جنسه، بخلاف الإجارة ، ومن أصحابنا من قال: يتخرج قول أنه كالأجنبي، حتى إنه لا يستحق، وإن قاتل على رأي \rالمسألة السادسة: لا يعطى سهم الفارس إلا لراكب الخيل \rقال الشافعي رحمه الله: ويتعهد الإمام الخيل فلا يدخل إلا شديدًا ، أي لا يدخل الضعيف الذي لا يصلح للقتال، ولا سهم إلا للفارس، فأما راكب الفيل، والناقة، والبغلة فلا؛ لأن الكر والفر في القتال من خاصية الخيل ، وقال : >الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة< ، ثم يستوي فيه الفرس  العتيق: وهو الذي أبواه عربيان ، والبرذون: الذي أبواه عجميان ، والمقرف: وهو الذي أمه عربية وأبوه عجمي ، والهجين: وهو عكس ذلك \rوخص بعض العلماء السهم بالعربي، وهو تحكم لا مستند له \rأما الفرس الضعيف والأعجف ، فقد قال الشافعي في الأم: قد قيل يسهم له، وقد قيل لا يسهم له \rومن أصحابنا من قال في المسألة قولان:\rأحدهما: لا يسهم له؛ لأنه لا غناء فيه، ولا نصرة به \rوالثاني: نعم؛ نظرًا إلى جنس الخيل؛ لأن اتباع التفاصيل فيه عسر ، وقال أبو اسحاق المروزي: إن أمكن القتال عليه أسهم له، وإلا فلا، وهو القياس ، ولكن النص يدل على ترديد، وإنما يكون ذلك فيما لا يمكن القتال عليه لا محالة، أما ما يمكن القتال فلا يتجه فيه تردد \rفروع:","part":1,"page":457},{"id":954,"text":"الأول: لو أحضر فرسين فلا يستحق إلا لفرس واحد ؛ لأن القتال إنما يكون على فرس واحد  قال الشافعي رحمه الله: لو أعطي الثاني لأعطي الثالث  قال القاضي: ويمكن تخريج وجه في الجنيبة الواحدة؛ لأنه قد يحتاج إليه من الوجه المذكور في أن الجنيبة من السلب \rالثاني: لو كان القتال حدث في الماء، أو على حصن، فمن حضر بفرس استحق سهم الفارس؛ لأنهم ربما يخرجون فيحتاجون إلى الفرس \rالثالث: لو كان الفرس مغصوبًا فسهم الفرس للغاصب، أو لمالك الفرس قولان يقربان من القولين في أن ما ربحه التاجر على المال المغصوب في التجارة هل هو للغاصب وقياس الجديد أنه للغاصب \rالرابع: إن مات فرسه قبل قيام القتال لم يستحق ، وإن هلك عند دخول دار الحرب فهلك أو حصل إجارية  أو غيره قبل القتال يستحق سهم الفرس \r\rكتاب قسم الصدقة \rوفيه بابان:\rالباب الأول: في بيان المستحقين للصدقة\rوفيه فصول:\rالفصل  الأول: في بيان الأصناف الثمانية\rالمذكورين في قول الله تعالى: {   }   الآية\rالصنف الأول: الفقير: وهو الذي لا يملك شيئًا، [أو يملك] ، ولكن يقصر عن كفايته \rوبالجملة الفقير عندنا أشد حالاً من المسكين ، وعكس أبو حنيفة ذلك ، وإليه صار أبو إسحاق من أصحابنا ، والمسألة قليلة الفائدة؛ إذ لا خلاف أن اسم المسكين إذا افترد دخل تحت الفقير\rواسم الفقير إذا أطلق دخل تحته المسكين ، ويجمعهما الحاجة والعي عن قدر الكفاية، وإذا جمع بين اللفظين فلا بد من تفاوت في قدر الحاجة الشدة والخفة ، وقد استدل عليه بأن الفقير مأخوذ من كسر الفقار ، وأن رسول الله \\ كان يتعوذ من الفقر ، ويقول: >أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا<  واستدلوا بقصة خضر  ، ونسبة السفينة إلى المساكين في قوله: {گ گ گ    } ، فدل أن المسكين يملك شيئًا ","part":1,"page":458},{"id":955,"text":"ثم اختلف الأصحاب في أنه هل يشترط مع عدم المال الزمانة، والتعفف عن السؤال وقد قال الشافعي رحمه الله في صفة الفقير، وهو الضعيف الزمن الذي لا مال له، ولا كسب، سواءٌ سأل أو تعفف \rوالصحيح أن ذلك زيادة تأكيد، ويكفي أن لا يملك شيئًا، ولا يقدر على كسب، فهو به مكسور الفقار تحقيقًا \rومنهم من جعل المسألة على قولين، وشرط في أحد القولين وهو القديم كلا الشرطين ، و منهم من اقتصر على شرط التعفف ولم يذكر زمانة \rفروع:\rأحدها: أن الفقير هو: الذي لا مال له ولا كسب، فلو قدر على كسب فلا يعطى شيئًا  إلا إذا افتقر في كسبه إلى آلة، وكذا المسكين فيعطى ما يشتري به آلته، ولو بلغ ما بلغ  حتى لو كان لا يعرف إلا التجارة وافتقر إلى ألف درهم يجعله رأس مال، ويتجر عليه جاز أن يعطى ذلك \rومن يحسن أن يكتسب ولكنه لا يليق بمروءته ذلك الكسب فيجوز أن يعطى، ولا يكلف كسبًا  \rوالمتفقه إن قدر على الكسب بالوراقة مع التفقه لم تحل له، وكذلك المتصوف إذا قدر على تحصيل كفايته ولكن كان يمنعه الاشتغال به عن استغراق الوقت بالعبادات فلا تحل له الصدقة، فليكتسب قدر كفايته، ثم ليشتغل ، وقد قال : >إن الكسب فريضة بعد فريضة< ، قيل: معناه بعد الصلاة، وقيل: معناه يتكرر مرة بعد أخرى \rوقال عمر |: >كسب في شبهة خير من مسألة< \rوقال ابن عمر رضي الله عنهما: >لأن تأكل بالناي  والطنبور  خير من أن تأكل بدينك< \rوعلى الجملة كسب الحلال أولى من مد البصر إلى ما في أيدي الناس، والتخلي للعبادة، هكذا قاله الفقهاء \rأما المتفقه إن كان يتشوش عليه التفقه لو اشتغل بالكسب فتحل له الصدقة \rوأما المتفقهة المعطلة المعتكفون في المدارس من غير تحصيل لا تحل لهم الصدقة مع القدرة على الكسب بحال \rالثاني: من له أب غني، وهو في نفقته هل نجعله غنيًا به أم يجوز صرف الصدقة إليه فيه وجهان:","part":1,"page":459},{"id":956,"text":"أحدهما: لا؛ لأن استغناءه به كاستغنائه بوقف صنعة عليه \rوالثاني: يصرف لأنه استحق النفقة لفقره، ومن الفقر الحاجة إلى إنفاق الاحفا  بزكاة لإغنائه عن الحاجة إلى غيره عند وقوع الحاجة وقد وقعت \rالتفريع: إن قلنا يجوز صرف الصدقة، فلا يجوز الأول، يعني صرف زكاة نفسه إليه؛ لأنه يخرجه به عن استحقاقه النفقة على نفسه، فلا يقع خالصًا لوجه الله، وإنما أجره ذلك، هذا في سهم المساكين والفقراء ، أما سهم الغارمين فيجوز صرفه إلى الأب، والابن؛ إذ لا يجب قضاء دين الغريب فلا يكون فيه دفع الاستحقاق  بخلاف النفقة \rالثالث: المرأة الفقيرة التي ليس لها زوج غني، فهل يجوز أن يصرف إليها سهم الفقراء والمساكين فعلى الوجهين المذكورين في الوالدين، ولعل هذا أولى بالمنع ؛ لأنها تعد غنية بمال زوجها واستحقاقها النفقة ليس بالحاجة، بل بعوض بذلها فضاهى ما إذا كانت غنية باستحقاق المهر، وهي قادرة على الاستيفاء \rوإن فرعنا على الجواز فلا نفرق بين الزوج والأجنبي، بل ينبغي أن يجوز للزوج وضع الزكاة فيها؛ لأنه لا يستفيد دفع النفقة بخلاف الوالدين ، ولذلك قطع الأصحاب بجواز صرف الزكاة إلى الزوج الفقير أعني الزوجة الغنية التي وجبت الزكاة عليها ، وفي هذا لا يفترق الزوج والزوجة، وتنزل النفقة على هذا التقدير منزلة  الأجرة في الإجارة، ويجوز للمستأجر صرف الصدقة إلى أجيره الذي يخدمه أعني سهم المساكين والفقراء، إن كان فقيرًا \rالثالث: إذا صرف الصدقة إلى عبد مملوك لغني فهو ممتنع؛ لأن العبد لا يملك فيقع لسيده فيكون تمليكًا لغني ، ولو صرف إلى عبد فقير جاز ذلك مهما كان العبد بالغًا، ووقع ملكًا لسيده، فيكون صرفًا إلى فقير ","part":1,"page":460},{"id":957,"text":"فإن سلم إلى عبد لصبي فقير لم يجز، إلا أن يدفعها إلى قيّم الصبي ، وكذلك إذا كان العبد لبالغ فالصرف إليه يجوز بإذن سيده، حتى يقع للسيد ، فإن قيل: وكيف يتصور فقير له عبد قلنا: إذا احتاج إليه لخدمة فهو محتاج، وقد نعني بالفقير المحتاج، وإن كان المراد به المسكين؛ لأنا بيّنا أن الحاجة تجمعهما \rالصنف الثاني: المساكين: وهو من يملك كل ما يقع من كفايته موقعًا لكن لا يفي بكفايته، ويدخل في ذلك كل من له كسب، ودخل لا يفي دخله بخرجه  وإن كان قادرًا على كسب يفي بخرجه لم يعط \rوقال مالك: من ملك نصابًا لم يعط الزكاة، وإن كان لا يفي دخله بخرجه، ومن لم يملك أعطاه، وإن كان كسوبًا \rالصنف الثالث: العاملون على الزكاة: وهم السعاة الذين يجمعون الصدقات ، فيصرف إليهم الثُمن إن ساوى أجر مثلهم، فإن فضل من الثمن صرف إلى بقية الأصناف، ولا يزاد على أجر المثل؛ لأنه عوض العمل، ولا وسيلة لهم في أنفسهم للاستحقاق، فإن نقص الثمن عن أجرة عملهم كمل من بقية السهام، هذا أظهر المذهب ، هذا إذا لم يكن في بيت المال سعة، فإن كان كمل من مال المصالح وهو خمس الخمس ، وقد قال الشافعي رحمه الله: يتمم من بيت المال، ولو قيل يتمم من بقية الأصناف فلا بأس \rفمن الأصحاب من قال: فيه قولان ، ومنهم من قال: يتخير الإمام وينظر إلى سعة الصدقات، وسعة بيت المال، وهو الأصح ، ويدخل في العمل الجباة والحسّاب  والكتاب والقيّامون ومن يباشر هذه الأمور في الصدقة ","part":1,"page":461},{"id":958,"text":"فأما الإمام والوالي والقاضي فلا يدخلون فيه ؛ لأن عملهم لا يختص بالصدقات، وإنما كفايتهم على خمس الخمس وهو المرصد لمصالح المسلمين ، والدليل على تحريم أخذ الصدقة عليهم ما روي أن عمر | أرصد لنفسه ناقة من الفيء تحلب كل ليلة، فيفطر على لبنها، فأبطأت ليلة من المرعى، فحُلب من نعم الصدقة، فأُتي به، فشرب، فأعجبه ذلك، فسأل عنه، فقال: إنه من نعم الصدقة، فأدخل أصبعه في حلقه واستقاءه، وغرم قيمته للصدقات ، والأولى أيضًا التبرع [من]  الوالي وترك الأخذ من بيت المال، وإن كان لا يكره الأخذ، فإن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما أخذا، ولكن ردا في آخر أعمارهما، ما أخذا إلى بيت المال \rفأما الحاشر ، والعريف  داخلون فيه   وفي أجرة الكيال  وجهان، قال ابن أبي هريرة: على المالك؛ لأنه للإيفاء، وهو واجب عليه ، وقال أبو إسحاق: هو من الصدقة؛ إذ فيه إيجاب زيادة على ما أوجبه الله \rالصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم ، والذين ينطلق عليهم هذا الاسم ينقسمون: فمنهم من لا يستحق شيئًا أصلاً، ومنهم من يستحق ولكن من سهم المصالح، ومنهم من يستحق من الزكاة، والضبط فيه أن من يسمى بهذا الاسم ينقسم إلى كافر، ومسلم \rأما الكافر: فلا يجوز أن تصرف إليه الزكاة، فلا حق لكافر في الزكاة ، ولكن تألف قلبه قد يكون لارتقاب إسلامه، وتعلق خبر ظاهر به ، كما إذا كان الرجل مطاعًا يسلم بإسلامه جماعة ، وقد لا ينتظر إسلامه، ولكن يتقى شره، فيتألف دفعًا لشره ، فهؤلاء لا يعطون شيئًا من الزكاة ، وقد أعطى رسول الله \\ في حياته لهذا الجنس من التألف ، وقيل إنه أعطى صفوان بن أمية  لهذا السبب ، ولكن أعطى من خمس الخمس ","part":1,"page":462},{"id":959,"text":"وقد أوهم الشافعي رحمه الله القول في القديم، ثم قطع بأنهم بعد رسول الله \\ لا يعطون ؛ لأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم يعطيا، وقال عمر |: >إنا لا نعطي على الإسلام شيئًا، فمن شاء فليومن، ومن شاء فليكفر< ، وهذا لأن الله سبحانه وتعالى الآن أعز الإسلام فلا حاجة إلى التألف ، قال الشافعي رحمه الله: وإنما أعطى رسول الله \\ من خمس الخمس ، وكان ذلك خاصّ ملكه، يفعل فيه ما يشاء، والآن هو للمسلمين \rنعم لو نزل بالمسلمين نازلة وظهر إلى تألف الرجل المطاع حاجة، فإذ ذاك لا يمنع منه \rأما المسلمون الذين ينطلق عليهم اسم المؤلفة هم أربعة  أقسام:\rالأول: مسلم له شرف، وله نظراء في الكفر، ويتوقع بإعطائه رغبة نظرائه في الإسلام ، فقد أعطى أبو بكر | عدي بن حاتم الطائي  ثلاثين بعيرًا \rالقسم الثاني: قوم نيتهم غير صادقة في الإسلام، ويخشى عليهم التغير بعد أن أسلموا، فيعطون تقريرًا على الإسلام، وتألفًا على الملازمة بعد الشروع ، مثل عيينة ، والأقرع بن حابس ، فإن رسول الله صلى الله \\ أعطى كل واحد منهم مائة من الإبل كذلك \rوفي الإعطاء بهذين السببين لهذين القسمين بعد رسول الله \\ قولان:\rأحدهما: لا؛ لأن الإسلام غني عن التألف بعد أن أعزه الله، إلا أن يقع نازلة والعياذ بالله \rالثاني: أنهم يعطون؛ لأنه  أعطى فنتبعه \rفإن قلنا يعطى فمن سهم المصالح، أو الزكوات فقولان:\rأحدهما: من المصالح \rوالثاني: من الزكوات \rإذا ثبت سهم المؤلفة فهؤلاء أقرب قوم إلى موجب اللفظ؛ إذ تنزيله على الكفار غير ممكن \rالقسم الثالث: قوم لا يأخذون شيئًا من الفيء، وهم بالقرب من الكفار، ونيتهم غير صادقة في الجهاد، فتألف قلوبهم بإعطاء شيء للجهاد أهون من بعث سرية إلى تلك الجهة والإمام بعيد عنها ","part":1,"page":463},{"id":960,"text":"القسم الرابع: قوم لا تصدق نيتهم في أخذ الزكاة ممن يقربون، ويعسر على الإمام أن يبعث جابيًا للزكاة، وتألفهم لطلب الزكاة من الأغنياء بأنفسهم حتى يستغني سعاة الإمام عن التوجه إليهم أيسر من بعث السعاة \rفهاتان الفرقتان (تعطيان بهذين السببين)  قولاً واحدًا ، ولكن من أين يعطون فيه أربعة أوجه :\rأحدها: أنه من المصالح؛ إذ ليس فيه إلا مصلحة عامة \rوالثاني: من الصدقات فإنه سهم المؤلفة \rوالثالث: من سهم سبيل الله؛ فإنه تألف على الجهاد، والغزو \rوالرابع: أنه إن رأى الإمام أن يجمع بين  سهم المؤلفة وسهم سبيل الله فعل؛ إذ قد اجتمع في حقهم المعنيان \rفإن قيل: فقد قطعتم بأن القسم الأول لا يعطى، وترددتم في الأقسام التالية أنهم هل يعطون من الصدقات فإن فرعتم على أنهم لا يعطون من الصدقات، فلا يبقى لنص الكتاب معنى قلنا: لا ينبغي أن يعتقد أن للشافعي رحمه الله قولاً واحدًا في أن كل هؤلاء لا يعطون، ولكن التردد في التعيين، فإذا نفينا قسمًا أثبتنا قسمًا آخر، وقدرنا أنه المراد، فأما تقدير قول في نفي الكل جملة فلا، بل القول جار فيهما على البدل لا محالة، فرجع الخلاف في أن الأقسام الثلاثة كلهم من الداخلين تحت اسم المؤلفة في الكتاب، أو المراد به واحد من جملة الأقسام، وإن كان المراد واحدا فهو هنا \rالصنف الخامس: الرقاب، قال الله تعالى: {ہ ھ}  قال مالك: يشترى به عبيد ويعتقون \rوقال الشافعي رحمه الله: يصرف إلى المكاتبين الذين عجزوا عن أداء النجوم ، وذلك جائز لكل واحد، إلا للسيد فليس له أن يصرف الزكاة إلى مكاتب نفسه؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم \rوفيه فروع:\rالأول: أنه إن كان النجوم ألفًا، وملك ألفًا لم يعط شيئًا؛ لأنه غير محتاج إليه، وإن لم يملك شيئًا جاز أن يعطى الألف ، وإن ملك ثمان مائة جاز أن يعطى المائتين هذا بعد حلول النجم عليه ","part":1,"page":464},{"id":961,"text":"فأما قبل حلول النجوم: هل يجوز فيه وجهان، فينظر في أحدهما إلى الوجوب، وفي الآخر إلى عدم المطالبة \rالثاني: إذا سلم إليه، فأعتقه سيده متبرعًا، أو أبرأه عن النجوم، أو تبرع غيره بإعطائه، وبالجملة استغنى عما أخذه وعتق، فظاهر المذهب أنه يسترد ؛ لأنه أعطي ليحصل العتق به، وقد بان انتفاء الحاجة ، ومنهم من جعل المسألة على قولين   ووجه المنع من الاسترداد أنه سلم في حال السبب فيصير لو  أخذ الفقير ثم يورث مالاً والعين قائمة في يده ، [فإن قيل: فإن تلف المال]  قلنا: إذا كان بالغًا، إن تلف بآفة سماوية فلا يغرم، فكذا إن تلف بإتلاف المكاتب قبل العتق ، فإن أتلفه بعد العتق فإنه يغرم مهما حكمنا بالاسترداد \r[فإن]  سلم إلى المكاتب، وسلمه إلى سيده، ثم عجز العبد ببقية النجوم، والعين قائمة في يد السيد، منهم من قطع بأنه لا يسترد؛ لأنه وقع الموقع لما صرفه المكاتب في جهة الدين، ومنهم من طرد قولين ، ووجه الاسترداد: أن الصرف إلى السيد غير مقصود في عينه كما أن أخذ المكاتب غير مقصود في عينه \rالرابع: ينبغي أن يدفع إلى السيد بإذن المكاتب فهو الأولى ، فلو سلم إلى السيد بغير إذن المكاتب  لم يجز؛ لأن المكاتب هو المستحق، والمصروف إليه ، ولو سلم إلى المكاتب جاز، سواء كان بإذن السيد أو لم يكن \rالصنف السادس: الغارمون: وهو الذي في ذمته دين وهو مطالب نظر فإن استدان لنفسه وهو في الحال موسر فلا يستحق شيئًا من الصدقة ، فإن كان معسرًا؛ فإن استدان في مباح استحق، هذا إذا كان الدين حالاً \rفإن كان مؤجلاً، فإن كان له صيغة وقف يدخل له قدر الدين عند حلول الأجل فلا يستحق ، وإن لم يكن فوجهان  يلتفتان على أن الدين المؤجل هل له حكم الحال في وجوب الزكاة على مستحقه فيه ","part":1,"page":465},{"id":962,"text":"وإن استدان في معصية كصرفه إلى ثمن الخمر، أو كإسرافه في الإنفاق، فإن كان مصرًا عليها لم يعط شيئًا؛ لأنه إعانة على الفسق ، وإن كان تائبًا فوجهان:\rأحدهما: لا؛ لأنه إعانة على الجملة على المعصية، وسعي لإخراجه عن عهدتها \rوالثاني: نعم يستحق؛ لأن الدين ثابت، وهو الآن تائب ففك ذمته عن الدين في الحال من جملة الخيرات \rأما إذا كان الدين لزمه بسبب غيره فله حالتان:\rإحداهما: حالة  تحملها متبرعا بها لا بطريق الضمان عن شخص كما إذا ثارت فتنة بين شخصين في قتيل فتنازعا في ذلك، فأصلح ذات البين بأداء مال من عنده، فلا مرجع له على أحد، فهذا يستحق أن يقضى دينه من الصدقات إن كان معسرًا، وكذا إن كان يساره بالصناع والعروض ، وإن كان يملك من النقد ما يفي به فوجهان:\rأحدهما: يستحق؛ إذ لو منع اليسار لمنع ملك العقار، والدواب، والتحمل \rوالثاني: لا؛ لأنه تحمل في إقامة مروءة، وفي تكليف بيع [العقار]  هتك لمرؤته، وخرق لحشيمته، بخلاف تكليفه صرف النقد؛ فإن النقد باطن ولا ينكشف الحال بتسليمه \rومن أصحابنا من خصص هذا الاستحقاق بالتحمل في القتال، ولم يجز في غيره؛ لأن الفتنة فيها تعظم ، وعلى الجملة دفع فتنة محذورة؛ إذ يبعد إجراؤه في كل فضول يتبرع به \rالحالة الثانية: أن يكون ذلك بطريق الضمان عن شخص، فإن ضمن بإذن ذلك الشخص والمضمون عنه موسر فلا يستحق ؛ لأنه إن قطع رجوعه عنه كانت صدقة على المضمون عنه الموسر، وإن لم يقطع رجوعه يضاعف استحقاقه، فإن كان المضمون  موسرًا فلا رجوع عليه؛ لعدم إذنه \rفإن كان المضمون معسرًا استحق ، وإن كان موسرًا فوجهان :\rأحدهما: نعم؛ كما في الحمالة؛ لأن الضمان من المروءات؛ إذ لا يمكن صرفه إلى المضمون عنه المعسر، وفيه إبراء الضمان أيضًا \rأما إذا كان المضمون عنه مؤسرًا ولكن امتنع الرجوع فمطالبة المؤسر بقضاء الدين حتى يبرأ الضامن ممكن، بخلاف مسألة الحمالة ","part":1,"page":466},{"id":963,"text":"وأبو حنيفة لم يثبت للغارم سهما إذا كان فقيرًا، وهو مخالفة لنص الكتاب، ولما روي عن رسول الله \\ أنه قال: >لا تحل الصدقة إلا لخمسةٍ، لغازٍ في سبيل الله، أو عاملٍ، أو غارم ٍ، أو رجل اشتراها بماله، أو رجل له جار مسكين فتصدق عليه فأهداها إليه< والاستحقاق في القسمين الآخرين غير مراد، إنما المراد أخذ ما سلم صدقة إلى مستحقه بإذن آخذه ومستحقه هبة أو شراء\rالصنف السابع: المجاهدون في سبيل الله، قال الله تعالى: {ھ ھ ے}، وهم المطوعة من الغزاة الذين لا يأخذون من الفيء، ولا أسهم لهم في الديوان، أما الذي في الديوان فيأخذ الفيء، ولا تصرف إليه الصدقة، وإنما تصرف إلى من ينشط إلى الجهاد متقربًا إلى الله، فهولاء يعطون نفقتهم لدوابهم ورجوعهم ومقامهم، ويعطون الأسلحة، وكذا الدواب\rفمن لا يحسن القتال إلا فارسًا أعطي فرسًا، والرأي إلى الإمام فيه إن شاء ملكه الفرس، وإن شاء أعاره، أو استأجره له، وإن شاء اشترى بهذا السهم أفرسًا يرصدها في سبيل الله للغزاة، ومن لا يحسن القتال إلا راجلاً لا يعطى الدابة إلا للركوب في الطريق\rوهولاء، وإن كانوا أغنياء، جاز صرف ذلك إليهم، وأما أهل الفيء فلا يصرف إليهم شيء من الصدقات، إلا إذا قاتلوا مانعي الزكاة، جاز أن تصرف إليهم، وكان قتالهم على تحصيل الزكاة\rالصنف الثامن: ابن السبيل: وهو المسافر الذي شخص من بلد، أو اجتاز به، فيصرف إليهم سهم إذا لم يكن له مال، وإن كان له ببلد آخر مال، ولا مال معه أعطي القدر الذي يبلغه إلى ذلك البلد، وهذا كله بشرط أن يكون السفر طاعة، فإن كان معصية فلا، وإن كان مباحًا فالظاهر أنه يعطى، وفي طريقة العراق وجه أنه لا يعطى، وقد ذكرنا سفر المعصية في كتاب الصلاة","part":1,"page":467},{"id":964,"text":"فرع: إذا جوزنا نقل الصدقات فلا كلام، وإن منعنا فالصحيح أن الشاخص من البلد المجتاز به من أبناء السبيل لذلك البلد، فيجوز صرف الزكاة إليه ، ومن الأصحاب من ذكر وجهًا أن المجتاز ليس من أبناء السبيل لذلك البلد، بل هو الشاخص \rوقال أبو حنيفة: المجتاز هو من أبناء سبيل ذلك البلد دون الشاخص منه ،  أما على مذهبنا فالشاخص من بلد من أبناء سبيل ذلك البلد قطعًا، وإنما التردد في المجتاز \r\rالفصل الثاني: في موانع الصرف مع الاتصاف بهذه الصفات\rوهي ستة:\rالأول: الكفر، فلا يصرف شيء من هذه السهام إلى الكافر، وإن وجد الفقر والمسكنة، وسائر الأسباب ؛ لقوله  لمعاذ : >أنبئهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم<  فدل أن المصرف فقراء من دخل تحت خطاب الوجوب والأداء \rالمانع الثاني: أن يكون مستحقًا للنفقة على من يخرج الزكاة، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في صنف الفقراء والمساكين \rالمانع الثالث: أن يكون من المرتزقة ثابت الاسم في الديوان، فلا تصرف إليهم الصدقات، وإنما لهم خمس الخمس، كما لا يصرف خمس الخمس إلى أهل الصدقات، بل إن فضل شيء يدخر لهم، فإن الاستحقاق متعين لهم \rوقال مالك: يجوز صرف الفيء إلى أهل الصدقات، ولا يجوز صرف الصدقات إلى المرتزقة، وهم أهل الفيء \rفإن قيل: فإن لم يكن في بيت المال شيء من خمس الخمس، واحتاج المرتزقة، فهل تصرف إليهم الصدقات قلنا: ينظر، فإن لم يكن إليهم حاجة للغزو، فلا سبيل إلى إلحاقهم بالفقراء، إلا إن الاستغناء عن شوكة الإسلام لا يتصور، وإن لم يبق على وجه الأرض كافر - ضربًا للمثل؛ إذ يحتاج إليهم لدفع من يخرج على الإمام، وتسكين الفتن\rوعند هذا ذكر العراقيون قولين:\rأحدهما: لا يصرف إليهم؛ لأن هذا المال مستحق لأهل الصدقات، فهؤلاء هم أهل الفيء ","part":1,"page":468},{"id":965,"text":"والثاني: يصرف إليهم؛ لخلو بيّت المال، وتحقق الحاجة  فإن قيل: فعلى الأول كيف يجوز إهمالهم قلنا: لا يهملون، ولكن إن نزل بهم، ووجب فيه مجاهدة الكفار، وخلا بيت المال، وجب على كافة المسلمين  إعانتهم من رؤوس أموالهم لا من الصدقات  فإن قلنا: يعطون من الصدقات، فلا يعطون إلا من سبيل الله، فإنهم من غزاة سبيل الله، وليس لهم مال في الحال يكتفون به من بيت المال \rفرع: إن عمل واحد من المرتزقة على الصدقات، فهل يعطى سهم العامل فيه وجهان، ترجع حقيقتهما إلى أنه أجرة أو صدقة والأقيس أنه أجرة؛ إذ وجب تقدر العمل مع الغنى \rالمانع الرابع: أن يكون من بني هاشم، وبني المطلب: وهم ذوي القربى الذي جعل لهم سهم لا تصرف إليهم الصدقات ؛ لأنه  حرمها عليهم ، وأعطى بدلها من الفيء؛ صيانة لهم عن أوساخ أموال المسلمين \rفرعان:\rأحدهما: الهاشمي إذا كان عاملاً هل يعطى أجر العاملين فيه وجهان:\rأحدهما: نعم، وهو القياس؛ لأنه أجرة \r\rوالثاني: لا ؛ لما روي أن الفضل  بن العباس سأل رسول الله \\ أن يوليه العمالة على الصدقة، فلم يوله، وقال: >أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ أموال الناس< ، ويتأيد هذا بأن الكافر لا يستعمل قطعًا، ولم أر في الطرق فيه خلاًفا فدل أنه صدقة \rالثاني: موالي ذوي القربى في جواز صرف الصدقة إليهم وجهان، من أجرة العمل وغيره من السهام، القياس جوازه؛ لأنه مستجمع الصفات، ولم يشرف بالنسب حتى يصان عن أوساخ أموال الناس \rوالثاني: المنع ؛ لما روي أن رسول الله \\ سئل عن ذلك، فقال: >إن موالي القوم من أنفسهم، وإنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة<  هذا في الصدقة المفروضة، أما صدقة التطوع فلا يحرم على ذوي القربى قبولها \rواختلفوا في أنه هل كان يحرم على رسول الله \\ ","part":1,"page":469},{"id":966,"text":"المانع الخامس: أن يكون المستحق قد أخذ سهم الصدقات بجهة، واتصف بجهة أخرى، كالفقير الغارم إذا أخذ سهم الفقراء، وطلب سهم الغارمين، ففي جواز الجمع لشخص واحد بين سهمين بسببين  ثلاثة طرق:\rأحدها: لا يجمع أصلاً، بل يقال له اختر أيها شئت ، فأما الجمع فلا مطمع فيه، إلا سهم العاملين إذا قلنا إنه أجرة فإنه يجوز أن يجمع بينه وبين غيره، فإن قلنا صدقة فلا \rالثاني: أنه إن تجانس السببان، مثل أن يستحق بكل جهة لحاجته في نفسه كالفقر، وغرم لزمه لغرض نفسه فلا يجمع، وكذلك الغازي الغارم لإصلاح ذات البين، فإن كل واحد لحاجة المسلمين إليه، لا لحاجته  وإن اختلف السبب بأن يستحق بأحدهما لحاجته، وبالأخرى لحاجة غيره، فيجمع ، ولعل هذا تشبيه بالفرائض؛ إذ لا يجمع بين فريضتين، ويجمع بين فرض وتعصيب \rومنهم من قال في المسألة قولان :\rأحدهما: لا يعطى؛ لأنه لثمانية أصناف، وبهذا ينتقض \rوالآخر : يعطى، وهو القياس؛ لأن عدد السبب يعتبر لا عدد الشخص، وقد اجتمع الأسباب \rالمانع السادس: أن يصرف إلى موصوف بهذه الصفات، ولكن في بلده مال غائب عن تلك البلدة، فهذا يمتنع من جهة نقل الصدقة على رأي ، وسيأتي تفصيله\r\rالفصل الثالث: في الطريق الذي يعرف به وجود الصفات التي بها الاستحقاق\rوهذه الصفات تنقسم إلى ما يخفى، وإلى ما يظهر\rأما الذي يخفى ويعسر إظهاره كالفقر والمسكنة، فمن يدعيه فيعطى بقوله، ولا يطالب بالبينة؛ لأنه يعسر  نعم يحلف إن اتهم ، وفي وجوب التحليف وجهان ، ومنهم من قال: لا يحلف أصلاً، والحاصل ثلاثة أوجه: لا يجوز التحليف، يجب التحليف، يستحب التحليف \rأما ما يظهر فينقسم إلى من يأخذ لأمر ناجز، وإلى من يأخذ لمرتقب أما من يأخذ لمرتقب كالغازي وابن السبيل، فلا يحلفهم على أنهم يريدون الغزو، والسفر، ولكن يصرف إليهم فإن أقاموا استرد منهم ","part":1,"page":470},{"id":967,"text":"وأما من يأخذ لصفة ناجزة فهو كالمكاتب، والغارم، فيطالب بالبينة؛ لأن إظهاره ممكن ، فإن حضر السيد ومستحق الدين كان مطالبًا وأقر  أعطي؛ لأنه حجة قائمة لا يمكنه الرجوع منها، فإنه يطالب بعد الإقرار لا محالة ، وفي طريقة العراق وجه: أنه لا يقبل؛ لأنه ربما واطأه سيده على ذلك، وكذا غريمه \rوإن انتشر واستفاض كونه مديونًا، أو مكاتبًا وحصل غلبة الظن فلا بأس، فلو ترك الاستقصاء بالبينة صرف إليه \rأما المؤلفة قلوبهم، إن قال: أنا شريف مطاع فيما بين قومي، وجب عليه إقامة البينة؛ لأنه ممكن \rوإن قال: نيتي ضعيفة في الإسلام فيصدق؛ فإن هذا القول عين ضعف الاعتقاد \rأما المسكين إذا ادعى عيالاً، فلا يقبل إلا ببينة ظاهرة؛ لأنه ممكن \r\rالباب الثاني: في كيفية الصرف إلى المستحقين\rوفيه فصول:\r[الفصل] الأول: في القدر المصروف إلى كل واحد\rوفيه مسائل:\rالأولى: استيعاب جميع الأصناف واجب إذا كانوا موجودين؛ لأنه مال أضيف إلى جميعهم فصار كالمال الموصى به \rوقال أبو حنيفة: يجوز صرفه إلى صنف واحد \rالثانية: الأولى أن يستوعب الآحاد من كل صنف في تلك البلد إن أمكن، فإن أعطى ثلاثة فصاعدًا جاز؛ لأن الاستيعاب عسير، وأقل درجات الجمع ثلاثة، وقد ذكروا بصيغة الجمع \rالثالثة: يجب مراعاة التسوية بين سهام الأصناف، فيقرر لكل صنف الثُمن إن وجد الجميع، أو السبع إن وجد سبعة، أو الربع إن وجد أربعة، وعلى هذا الاختيار، فإذا فقد صنف رد نصيبه إلى الأصناف الباقية بالسوية ، هذا أيضًا يجب على الإمام مراعاته إن كان هو الموصل ، ولكن لا يجب على الإمام أن يشرك الجميع في صدقة كل رجل، بل لو صرف صدقة زيد إلى صنف، وصدقة عمرو إلى آخر جاز؛ لأنه إذا أوصل إلى يده، فكأنه وصل إلى المستحق، فالنظر في التعيين إلى الإمام، وتصير جميع الزكوات في يد الإمام كزكاة رجل واحد في يد نفسه ","part":1,"page":471},{"id":968,"text":"الرابعة: لا يجب مراعاة التسوية بين آحاد الصنف الواحد ، ولكن الأولى أن يصرف إلى ثلاثة ، ويصرف إلى كل واحد  الثلث إذا تساوت أحوالهم، وإن تفاوتت فيراعى  مقدار الحاجة، ولا يلزم التسوية، وإن كانوا محصورين ، بخلاف الوصية لمحصورين؛ لأن انحصارهم لعدم غيرهم لا لكونهم محصورين بالاستحقاق، نعم يجب تعميمهم إذا كانوا محصورين؛ لأنه الأصل، وإنما ترك لعزة الاستيعاب، وفي التسوية وجه ذكرناه في الزكاة \rفإن صرف إلى واحد نصف ذلك السهم، والنصف إلى اثنين آخرين: جاز بخلاف أصل السهام؛ لأن عدد الأصناف محصور، وعدد الآحاد ليس بمحصور، بل له أن يفرق على ألف، وله أن يفرق على ثلاثة  فما من واحد إلا وله التنقيص من نصيبه بهذا الطريق \rفرع: لو صرف إلى اثنين غرم للثالث شيئًا ، وفي قدره وجهان:\rأحدهما: الثلث؛ فإنه الأصل المستحب، والنقصان غير جائز إلا بشرط استيعاب الثلث \rوالثاني، وهو الأقيس: أنه يغرم القدر الذي لو صرف إليه لخرج به عن الواجب، وهو أقل ما يتمول \rالخامسة: الغزاة الذين يعطون سهمًا في سبيل الله قد ذكرنا أنهم يعطون أقصى كل واحد، إما الفرس والسلاح، وإما نفقتهم في الطريق ، فما زاد بسبب السفر أيضًا يعطون ما كانوا يحتاجون إليه لو أقاموا، ففيه وجهان يقربان من الوجهين في أن العامل في مال القراض، إذا قلنا: يستحق النفقة في سفره من المال، فيستحق أصل النفقة، أو قدر الزيادة \rأحد الوجهين: أنه يستحق الزيادة؛ لأن ذلك ضرورة السفر، والباقي ضروة بنيته، وحاجته، وإن أقام\rوالثاني: أنه يعطى الأصل؛ لأنه إذا تجرد لهذا الشغل في هذه المدة صارت هذه المدة كالمستوفى منه بالكلية، والمصروفة إلى هذه الجهة ، فأما الغارم والمكاتب فيعطى كل واحد قدر دينه، ولا يزاد، وأما المسافر فبلغته  ","part":1,"page":472},{"id":969,"text":"وأما الفقير والمسكين فلا يعطى كل واحد إلا ما يبلغ به أدنى الغنى، ولا ينظر إلى النصاب، وإن زاد عليه ، خلافًا لأبي حنيفة ، وأدنى الغنى غير مضبوط، ولعل الأولى الضبط بكفاية السنة ، إذ كان  يدخر قوت سنة ؛ ولأن به تتكرر الزكاة \r\rالفصل الثاني: في نقل الصدقات إلى بلدة أخرى\rوفي جوازه قولان:\rأحدهما: أنه يجوز؛ لأن صرفه إلى الأصناف الثمانية، وتعيين البلد واعتباره تحكم \rوالثاني: لا ؛ لقوله  لمعاذ بن جبل لما بعثه لجباية الزكاة: >نبئهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم<  والوجوب والرد راجعان إلى أهل البلد \rوقد طرد الأصحاب القولين في الوصية المطلقة للفقراء والمساكين أنه يختص بتلك البلدة \rالتفريع: إن قلنا: يجوز نقل الصدقة فلا كلام، وإن قلنا: لا يجوز فيفرع مسائل:\rالأولى: أنه لو نقل هل تبرأ ذمته من أصحابنا من قال: تبرأ ذمته ، وإنما القولان في الجواز، والأصح أن القولين في الصحة، ووقوعها الموقع، وأنه على هذا القول لا تبرأ ذمته \rالثانية: أنه يجب التفريق بالبلد الذي مال الزكاة فيه، لا بالبلد الذي المالك فيه ؛ لأن أعين الفقراء ممتدة إلى المال، لا إلى الشخص ، فإن كان المال طول السنة في بلدة، فلا يخفى، وإن كان بعضه في بلدة وبعضه في أخرى، فالنظر إلى وقت وجوب الزكاة، وهو وقت تمام الحول الموجب للزكاة عليه \rولا يشترط أن يكون الفقير المصروف إليه بلديًا، حتى لو كان غريبًا جاز، فهو من فقراء البلدة إذا كان في الحال منها ، والبلدي لو غاب إلى بلدة أخرى فبعث خلفه إلى تلك البلدة فإنه من فقراء البلدة التي سافر إليها، لا من التي سافر عنها ","part":1,"page":473},{"id":970,"text":"الثالثة: البلدة وإن امتد طولها فرسخًا،  فجميع أطرافها في حكم موضع واحد، ولا يجب مراعاة المحلة ، نعم الصرف إلى الجيران أولى؛ كما أن الصرف إلى الأقارب أولى، فإنه صدقة وصلة، والقريب الذي ليس بجار وهو في البلد أولى من الجار الأجنبي \rالرابعة: لا تنقل صدقة المال من قرية إلى قرية، وإن تقاربت القرى، بعد وجود الأصناف كلها في قرية المال، هذا في البنيان ، فأما أهل الخيام فلهم ثلاثة أحوال:\rإحداها: أن يكونوا منتجعين مجتازين، فإن كان معهم مساكين يدورون  معهم فليصرف إليهم، وإن لم يكن صرفها إلى البلدة التي تم الحول على المال وهو بها، فإن لم [يكن]  فيها مستحق نقل إلى أقرب موضع إليه يوجد فيه المستحق ، وهكذا يفعل البلدي إذا لم يجد مستحقًا طلب الأقرب فالأقرب \rالحالة الثانية: أن يكونوا أهل خيام ساكنين مجتمعين على التقارب والاتصال، فمن موضع المال إلى مسافة القصر من كل جانب حد تفريق الصدقة، فإن جاوز ذلك فهو نقل؛ إذ لا حد سوى هذا \rالحالة الثالثة: أن يكون لكل قرية حلة، وهي متباعدة غير متواصلة، منهم من قال: الحلة كالقرية، فلا ينقل منها ، ومنهم من قال: إذا لم تميز البلدان والصحراء جامع فلا قاطع إلا مسافة القصر \rالخامسة: إذا عدمنا بعض الأصناف في بلد، فإن عدم العامل لأنه أصل بنفسه، فقد سقط سهم العامل ، وإن كان من قسم آخر ووجد في بلدة أخرى فيرد سهم المفقود إلى الباقين في البلد أم ينقل إلى أقرب مكان يوجدون فيه وجهان يعبر عنهما بأن المغلب جانب الأصناف، فإنه مفهوم من نص الكتاب، والتخصيص بالنظر في محل النظر، فاقتحام النقل أهون من اقتحام حرمان بعض الأصناف  \rوالثاني: لا، بل الاستحقاق لأهل البلد فمن لا يوجد في البلد فكأنه معدوم أصلاً في حق صاحب هذا البلد، وهو الذي قطع به القاضي ","part":1,"page":474},{"id":971,"text":"التفريع: إن وزعنا على أهل البلد، فكثر المال وقل عددهم، وفضل عن قدر حاجاتهم، فلا بد من النقل؛ لأن هذا القدر فقد مستحقه، فصار كما إذا لم يكن في البلد أصلاً مستحق فإنه ينقل لا محالة، أما إذا كان في البلد محتاجون من بقية الأصناف، لا من هذا الصنف الذي فضل منهم، كما إذا كان من الغارمين ألفًا، ولم يصادف إلا غارمين بقدر خمس مائة درهم، فالذي فضل عنهم يرد إلى الفقراء، وبقية الأصناف، وفيهم بعد محتاجون أم ينقل إلى الغارمين من بلدة أخرى، هذا ينبني على أن المغلب النظر إلى البلد أو إلى الأصناف فيخرج على الخلاف\rالسادسة: إذا كان الفقراء في بلد ثلاثة، فماتوا بعد وجوب الزكاة وقبل الصرف صرف إلى ورثتهم وإن كان ورثتهم أغنياء؛ لأنهم تعينوا للاستحقاق، وعلى هذا تبنى فروع من هذا الباب ذكرناها في كتاب الزكاة فلا نعيده\rالسابعة: في نقل الكفارات والنذور وجهان:\rأحدهما: المنع؛ لأنها من حقوق الله تعالى كالزكاة\rوالثاني: لا؛ لأن أسبابها لا تظهر فلا تمتد الأعين إليها\rفأما صدقة الفطر حكمها حكم سائر الزكوات في امتناع النقل، ولكن العبرة فيها ببلد من وجب عليه أو ببلد ماله وجهان، والأظهر أنه ببلد هو فيها؛ لأن الأعين فيها تمتد إلى الرؤوس والأشخاص، لا سيما على أصلنا، وملك النصاب ليس يشترط فيه، وكذلك عندنا يجب استيعاب الأصناف فيها\rوقال أبو حنيفة: يكفي أن تصرف إلى ثلاثة من الفقراء؛ لأنه قليل يعسر تفريقه\rوالمذهب الأول، واشتراك جماعة فيه ليكثر، أو تسليمه إلى الإمام ليفرق ممكن، وكذلك لا يصرف إلى الكافر كسار الزكوات، وقال أبو حنيفة: يجوز أن تصرف هذه الصدقة إلى كافر\r\rالفصل الثالث: فيمن يتعاطى إيصال الصدقة\rوفيه مسائل:","part":1,"page":475},{"id":972,"text":"الأولى: أن مالك المال يجوز له أن يوصل الصدقة بنفسه إلى المستحقين، من غير أن يسلم إلى الإمام سواء كان المال ظاهرًا كالنعم والمواشي، والزروع، أو باطنًا كالنقود ، وللشافعي قول قديم: أن زكاة الأموال الظاهرة يجب صرفها إلى الإمام ، والصحيح هو الجديد \rنعم اختلف الأصحاب على ثلاثة أوجه في الأفضل :\rمنهم من قال: الإيصال إلى السلطان حتى يوصل هو أفضل ؛ لأنه أعرف بحاجات الفقراء، وقد وردت المطالبة في الشروع بذلك، فقال: {  } \rوالثاني: لا، بل مباشرته بنفسه أفضل؛ إذ ثقته بطلب المستحقين بفعل نفسه فوق ثقته بفعل غيره \rوالثالث: أن الإمام إن كان عادلاً فالتسليم إليه أولى، وإن كان جائرًا فالمباشرة أولى \rولا خلاف في أن الإمام لو طلب وجبت الطاعة، والتسليم، وقد كان كذلك في زمان رسول الله \\، وأبي  بكر وعمر |ما، ثم كثرت الخونة في زمان عثمان |، رأى أن يفوضها إلى ملاكها ، وجرى الأمر كذلك إلى زماننا، فصار ذلك كالإجماع على جواز استبداد المالك بصرفها إلى المستحقين \rولو طالب الإمام بما وجب نذرًا أو كفارة فهل له ذلك فيه وجهان :\rأحدهما: نعم ؛ لأنه حق الله تعالى كالزكاة\rوالثاني: لا؛ إذ عهد في العصر الأول المطالبة بالزكوات دون الكفارات، ولأن الزكاة في حكم نفقة تتكرر فتمتد أطماع المساكين إليه \rالثانية: الإمام إذا أراد أخذ الزكوات ينبغي أن ينصب ساعيًا عاملاً عادلاً فقيهًا؛ إذ يفتقر إلى معرفة ما يجب في الزكاة، وما يؤخذ، وما لا يؤخذ ، فإن كان هاشميًا، أو من المرتزقة فقد ذكرنا خلافًا في جواز ذلك إذا كان يعطى سهم العاملين \rالثالثة: ينبغي أن يعلم شهرًا معينًا من السنة يعلم فيه زكاة الأموال ، وأولاها المحرم؛ فإنه أول السنة حتى لا يشق الطلب على السعاة والأداء على الملاك، ثم يعجل من بقي من حوله بقية، أو يؤخر الإمام على من حوله قبل الشهر المعين ","part":1,"page":476},{"id":973,"text":"الرابعة: وسم الصدقات جائز ، خلافًا لأبي حنيفة \rوله فائدتان:\rإحداهما: تمييز مال الفيء عن الصدقات؛ إذ مستحقها مختلف \rوالآخر: أن يعرف المالك ما أخرجه للصدقة؛ حتى يمتنع عن شرائه، واتهابه، فإنه مكروه لذلك \rفإن كان جائزًا فكيفيته: أن ينقش في أفخاذ الإبل والبقر إن كان للصدقة، فيكتب لله، وإن كان للفيء صغار \rوأما الغنم فموضع وسمه الآذان لكثرة شعورها على الأفخاذ؛ فإنه تستتر بها ، وليكن ميسم البقر ألطف من ميسم الإبل، والغنم ألطف من البقر؛ نظرًا لها في الأشكال \r\rالفصل الرابع: وبه اختتام الكتاب في صدقة التطوع\rوفيه مسائل:\rالأولى: صدقة التطوع لا تحرم على الهاشمي، والمطلبي، وإنما تحرم عليهما المفروضة \rوهل كان يحرم على رسول الله \\ صدقة التطوع فيه خلاف:\rأحدهما: نعم ؛ إذ كان لا يأخذه \rوالثاني: لا، وإنما كان امتناعه لجواز الامتناع والتوقع \rالثاني: إذا احتاج إلى المال في الحال لنفقة نفسه أو عياله قال الفقهاء: لا ينبغي أن يتصدق؛ كما إذا كان عليه  دين واجب؛ فإنه لا يجوز له التصدق، والنفقة في حكم دين واجب ، ويدل عليه ما روي أن رجلاً قال لرسول الله \\: عندي دينار، فقال: أنفقه على نفسك، فقال: عندي آخر، فقال: أنفقه على ولدك، فقال: عندي آخر، فقال: أنفقه على عيالك، فقال: عندي آخر، فقال: أنفقه على أقاربك، فقال: عندي آخر، فقال: أنت أعلم به \rوقال \\: >كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت< \rالثالثة: إذا فضل عن كل واحد استحب له أن يتصدق ؛ لقول رسول الله \\: >من أطعم مؤمنًا جائعًا أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمنًا على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم، ومن كسى مؤمنًا عاريًا كساه الله من خضر الجنة< \rالرابعة: الإكثار منه في شهر رمضان يستحب ؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله \\ >كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان< ","part":1,"page":477},{"id":974,"text":"الخامسة: الواثق بنفسه في الصبر على الإضاقة يستحب له التصدق بجميع ماله، بعد فراغه من قوت يومه؛ لما روي عن عمر | أنه قال: >أمرنا رسول الله \\ بالتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت رسول الله \\ بنصف مالي، فقال لي رسول الله \\: ماذا أبقيت لأهلك قلت: مثله فجاء أبو بكر | بجميع ماله، فقال له: ما أبقيت لأهلك فقال: أبقيت لهم الله ورسوله فقلت: لا أسابقك إلى شيء أبدًا< وروى أنه قال: >بينكما ما بين كلمتيكما<\rوإن كان لا يصبر على الإضاقة كره له ذلك؛ لما روى جابر | قال: >بينما نحن عند رسول الله \\ إذ جاء رجل بمثل البيضة من الذهب، أصابها من بعض المعدن، فأتى به من ركنه الأيسر، فقال: يا رسول الله خذها صدقة، فوالله ما أصبحت أملك مالاً غيرها، فأعرض عنه، ثم جاء بها من ركنه الأيمن، فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم [من] بين يديه، فقال مثل ذلك، فقال \\: هاتها مغضبًا، فحذفه حذفة لو أصابه لأوجعه، أو عقره، ثم قال: يأتي أحدكم بماله كله يتصدق به ثم يجلس بعد ذلك يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى<\rالسادسة: أن يخص الصدقة الأقارب؛ لقوله \\ لزينب امرأة عبد الله بن مسعود: >زوجك وولدك أحق من تصدقت عليه<\rالسابعة: فعلها في السر أفضل؛ لقوله تعالى: {ٹٹ ٹ ٹ} ولما روى ابن مسعود أن رسول الله \\ قال: >صلة الرحم تزيد في العمر، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء<\rوالله أعلم بالصواب\rتم الجزء الثاني من كتاب البيوع\rوبتمامه تم ربع البيع من كتاب البسيط في المذهب\rوالحمد لله رب العالمين\rوصلواته على سيدنا محمد، وآله أجمعين\rفرغ من تعليقه لنفسه ثم لمن سأل الله بعده\rمحمد بن جماعة بن إبراهيم الشافعي\rفي منتصف شهر رمضان المعظم\rمن شهور سنة اثنتي عشرة وستمائة\rيتلوه كتاب النكاح\r\rكتاب الشفعة","part":1,"page":478},{"id":975,"text":"الباب الأول: فيما يدور عليه ثبوت الشفعة\rالركن الأول: فيما يؤخذ بالشفعة\rالركن الثاني: في السبب المثبت للشفعة\rالركن الثالث: في الشرط الذي يعمل السبب عنده\rالباب الثاني: في كيفية الأخذ، وما يحصل به ملك الشفيع\rالفصل الأول: فيما يحصل به ملكه\rالفصل الثاني: في تفصيل الثمن الذي يبذله\rالفصل الثالث: في كيفية الأخذ عند ازدحام الشركاء\rالباب الثالث: في بيان ما يسقط به حق الشفعة بعد ثبوتها\rكتاب القراض\rالباب الأول: في الأركان المصححة للقراض\rالركن الأول: في بيان رأس المال\rالركن الثاني للقراض: تصرف العامل\rالركن الثالث: الربح\rالركن الرابع: صيغة العقد\rالركن الخامس: العامل\rالركن السادس: المقارض\rالباب الثاني: في حكم القراض الصحيح\rالباب الثالث: في التفاسخ والتفاصل وما يتعلق به\rكتاب المساقاة\rالباب الأول: في أركان المساقاة\rالركن الأول: في بيان متعلق العمل\rالركن الثاني: في مساقاة الثمار\rالركن الثالث: العمل\rالركن الرابع: في الصيغة\rالباب الثاني: في حكم المساقاة الصحيحة ومقتضاها\rكتاب الإجارة\rالباب الأول: في أركان الإجارة\rالركن الأول: في الصيغة\rالركن الثاني: الأجرة\rالركن الثالث: المنفعة\rالباب الثاني: في بيان أحكام الإجارة الصحيحة\rالفصل الأول: فيما يقتضيه مطلق العقد عرفًا، أو وضعًا\rالفصل الثاني: في الضمان\rالباب الثالث:\rفي الطّوارئ التي تثبت استرداد الأجرة وتقتضي الفسخ أو الانفساخ\rكتاب إحياء الموات\rالباب الأول: في إحياء الأراضي\rالفصل الأول: في صفات الأراضي\rالفصل الثاني: في كيفية الإحياء\rالباب الثاني: في مقاعد الأسواق والاختصاص بالأماكن من غير تملك\rالباب الثالث: في نيل المعادن\rكتاب الوقف\rالباب الأول: في أركان الوقف","part":1,"page":479},{"id":976,"text":"الركن الأول: في المال الموقوف\rالركن الثاني: في الموقوف عليه\rالركن الثالث: في الصيغة\rالركن الرابع: فيما يجب على الواقف التعرض له\rالباب الثاني: في حكم الوقف الصحيح\rالفصل الأول: في موجب الألفاظ\rالفصل الثاني: في أحكام الوقف\rكتاب الهبة\rالباب الأول: في أركان الهبة\rالركن الأول: في صيغة العقد\rالركن الثاني: في الموهوب\rالركن الثالث: في القبض\rالباب الثاني: في أحكام الهبة الصحيحة\rالفصل الأول: في الرجوع\rالفصل الثاني: في الهبة بشرط الثواب\rكتاب اللقطة\rالباب الأول: في أركان اللقطة\rالركن الأول: في الالتقاط\rالركن الثاني: فيمن يجوز له الالتقاط\rالركن الثاني: فيما يجوز التقاطه\rالباب الثاني: في حكم الالتقاط الصحيح\rكتاب اللقيط\rالباب الأول: في أركان الالتقاط\rالفصل الأول: في النظر في أركانه\rالركن الأول: اللقيط\rالركن الثاني: في الملتقِط\rالركن الثالث: في الالتقاط\rالفصل الثاني: في أحكام الالتقاط\rالباب الثاني: في أحكام اللقيط\rالحكم الأول: إسلامه\rالحكم الثاني: جناية اللقيط والجناية عليه\rالحكم الثالث: نسب اللقيط\rالحكم الرابع: الكلام في رقه وحريته\rفصل يتصل بالرق والحرية\rكتاب الفرائض\rالباب الأول: في المقدمات\rالمقدمة الثانية: في تقسيم الأسباب المورثة:\rالمقدمة الثالثة: في تقسيم العصبات وأصحاب الفرائض المقدرة:\rالباب الثاني: في مقادير الأنصباء لأصحاب الفرائض\rالفصل الأول: في نصيب الزوج والزوجة\rالفصل الثاني: في نصيب الأم والجدة\rالفصل الثالث: في نصيب الأب والجد\rالفصل الرابع في نصيب الأولاد\rالفصل الخامس: في نصيب الإخوة والأخوات\rالباب الثالث: في العصبات\rالباب الرابع: في الحجب والتقديم\rالباب الخامس: في الجد والإخوة","part":1,"page":480},{"id":977,"text":"الباب السادس: في اجتماع القرابتين، أو انقسام القرابة الواحدة\rالفصل الأول: في اجتماع القرابتين\rالفصل الثاني: في انقسام القرابة\rالباب السابع: في دوافع الميراث مع وجود القرابة\rالباب الثامن: فيما يوجب التوقف في الميراث إما في بعضه أو كله\rالباب التاسع: في حساب الفرائض\rالفصل الأول في مقدرات الفرائض ومستحقيها،\rالفصل الثاني: في العول\rالفصل الثالث: في تصحيح الحساب إذا انكسرت السهام\rالفصل الرابع: في تصحيح حساب المناسخات\rالفصل الخامس: في قسمة التركات\rالباب العاشر: في مسائل المعاياة\rكتاب الوصايا\rالباب الأول: في أركان الوصية\rالركن الأول: الموصي\rالركن الثاني: في الموصى له\rالركن الثالث: في الموصى به\rالركن الرابع: في صيغة الوصية، وكيفية ترتب الملك عليها\rالباب الثاني: في أحكام الوصايا الصحيحة\rالفصل الأول: فيما يتعلق بالموصى به دون الموصى له\rالفصل الثاني: فيما يتعلق بالموصى له\rالفصل الأول: في الوصية بالمنافع، وغلة الدار\rالفصل الثاني: في الوصية بالحج\rالفصل الثالث: في مسائل متفرقة لابن الحداد، وغيره:\rالفصل الأول: في الوصية بالنصيب، والجزء الشائع، والجمع\rالفصل الثاني: في مسائل متفرقة يتعلق النظر فيها بالحساب\rالباب الثالث: في الرجوع عن الوصية\rالباب الرابع: في الأوصياء، والنظر في أحكام الوصاية وأحكامها\rالأول: الوصي\rالركن الثاني: الموصي\rالركن الثالث: الصيغة\rالركن الرابع: الموصى فيه\rكتاب الوديعة\rكتاب قسم الفيء والغنائم\rالباب الأول: في الفيء\rالباب الثاني: في قسم الغنائم\rالفصل الأول: في النفل\rالفصل الثاني: في إخراج الرضخ\rالفصل الثالث: في السَّلَب\rالركن الثاني: في مستحق السلب","part":1,"page":481},{"id":978,"text":"الركن الثالث: في حد السلب\rالركن الرابع: حكم السلب\rالفصل الرابع في قسمة الغنيمة\rكتاب قسم الصدقة\rالباب الأول: في بيان المستحقين للصدقة\rالفصل الأول: في بيان الأصناف الثمانية\rالفصل الثاني: في موانع الصرف مع الاتصاف بهذه الصفات\rالفصل الثالث: في الطريق الذي يعرف به وجود الصفات التي بها الاستحقاق\rالباب الثاني: في كيفية الصرف إلى المستحقين\rالفصل الأول: في القدر المصروف إلى كل واحد\rالفصل الثاني: في نقل الصدقات إلى بلدة أخرى\rالفصل الثالث: فيمن يتعاطى إيصال الصدقة\rالفصل الرابع: وبه اختتام الكتاب في صدقة التطوع","part":1,"page":482},{"id":979,"text":"البسيط كتَابُ النكاح\rبسم الله الرَّحمَنِ الرَّحِيْمِ\r[لا إله إلا الله عدة للقائه] ربِّ يَسِّر وأَعن\rكتَابُ النكاح\r(وَالكلامُ في) هذا الكتاب يحصُره أقسامٌ [خمسة]\rالقِسمُ الأول: في مقدمة تتعلق ببيان أنكحة رَسُولِ الله\rوالقِسمُ الثاني: [في] مُصَحِّحات العقد، ويشتمل هذا القسم على بيان\rالأركان والشرائط\rوالقِسمُ الثالث: في الموانع من العقد، من الكفر، والرق، والنسب، والمصاهرة، وغيرها\rوالقِسمُ الرابع: في الأسباب المثبتة للخيار\rوالقِسمُ الخامسُ: في فصُول متفرقة شَذَّت عن هذه الأقسام\r\rالقسم الأول\rفي مُقَدِّمةِ الكِتَابِ\rوَهو بيان خصائص رَسُول الله، فنقول: ما خُصَّ به (الرَسُول) ينقسم إلى تخفيفٍ وَتغلِيظ، والتغليظ ينقسمُ إلى إيجاب [وَإلى تحريم]\rفأما الواجبات عليه دون غيره من أمته فثمانيةٌ:\rأحَدُها: التهجُّد بالليلِ (ويشَهِدَ) لهُ قوله تعالى:، وإن اشتهرت لفظ النافِلة للسُنَّة، ولكنها في اللغَةِ\rللزِيادة، ولأن السُنّة (جبرٌ) للفريضة، وكان رَسُول الله معصوماً عن النقصان في الفرائض\rالثاني والثالث والرابع: صلاة الضحى، والأضحى، والوتر، ويدل على ذلك قوله عليه (الصلاة) والسلام: (كُتِبَ عليّ ثلاث [لم تكتب عليكم الضحى والأضحى والوتر]) الحديث\rالخامس: السواك، وفيه تردد للأصحاب","part":1,"page":1},{"id":980,"text":"السادس: قضاء دَين من مات معسراً، ويدل عليه قوله (عليه الصلاة والسلام) : (من مات وخلف حقاً أو مالاً فلورثته، ومَن خلّف دَيناً أو كلاًّ  فإليَّ وعَليَّ) ، هذا ما عليه الجمهور ، ومنهم من قال: كان ذلك تكرُّماً منه ، وما نقلناه من اللفظ لا يمكن حمله على الضمان؛ لأن من صحح (ضمان المجهول لم يصحح)  على هذا الوجه، نعم\rذكر الشيخ أبو علي  وجهين في أن الإمام هل يجب عليه قضاء دَين المعسرين إذا ماتوا إذا كان في بيت المال سعة تزيد على حاجَة الأحياء (ووجهه إيجاب)  الترغيب في إقراض المحتاجين \rالسابع: مشاورة ذوي الأحلام ، تعلُّقاً بقوله تعالى:       \rوقيل: إنه كان ذلك لاستمالة القلوب، ولم  يكن واجباً ، وجميع ما (ذكرناه)  لا تعلق له بالنكاح، ولكن أحببنا ذكره في هذا المقام\rالثامن: التخيير للنساء : والأصل فيه، ما روي أنه عليه السلام كان يُطالَب بأمور\rلا يملكها، وكان  نساؤه يكثرن [من]  مُطالبته حتى قال عمر [بن الخطاب]  : (كنا معاشر المهاجرين نتسلط  على نسائنا بمكة، وكان  نساءُ الأنصار مُتسلِطات على الأزواج فاختلط نساؤنا بهنَّ فتخلقَّنَ بأخلاقِهنَّ، وكلَّمتُ  امرَأتي  يوماً فراجعتني فرفعتُ يدي؛ لأضربها، وقلتُ أتُراجعِيني يالَكعَاء  فقالت: إن نِسَاء رَسُول اللهِ  يُرَاجعنه، وهو خيرٌ منك، فقلتُ: خابت حَفصَةُ وخَسِرَت، ثم أتيتُ حفصَةَ وسألتُها، فقالت: إن رَسُول الله  قد يظَل على بعض نسائه ، فقلتُ لها: لا تغتري بابنة \rأبي  قحافة  حِبُّ رَسُول الله   يحتملُ منها ما لا يحتملُ منكِ)، وقال عمر  : كنت ناوبتُ  رجلاً من الأنصار  حُضُور مجلس رَسُول اللهِ","part":1,"page":2},{"id":981,"text":"  ليُحَدِّث كل وَاحدٍ منا صَاحبَهُ بما يجري فقرعَ [عَليّ]  الأنصاريُّ باب الدارِ [يَوماً]  فقُلتُ أجاءت  غَسَّانُ  (وكُنا قد أُخبرنا أن غسَّان)  تُنعِلُ  الخيل  لتغزونا، فقال: أمرٌ أفظعُ من ذلك طلّق رَسُولُ الله   جميع نِسَائه، فخرجتُ من البيت، ودَخلتُ المسجد، وَرَأيتُ أصحابَ رَسُول الله  يَبكون حَوله، وَهُو جالسٌ، وكان\rأسامة  على الباب  فقلتُ أستأذن لي، فلم يُجِب فانصَرفتُ، فنازعتني نفسي، وَعاودتُ فلم يُجِب حتى فعلت ذلك ثلاثاً، فسمع رَسُول الله  صَوتي فأذِنَ (لي، ودَخلتُ فرأيتهُ)  نائماً على حصير  من الليف ، فاستوى، وَأَثَرُ الليف في  جنبهِ، فقلتُ: إن قيصر وكسرى يفترشان الديبَاج  والحرير ، (قال: أَفِي شَكٍّ)  أنتَ يا عُمَر، أَمَا علمتَ أنَّها لهُم في الدنيا، ولنا في الآخرة، ثم قصَصتُ عليه القِصّةَ  فَتَبَسَّمَ  لما سمع قولي لحفَصَة، لا تغترِي (بابنة أبي قحافة) ، ثم قلتُ: أطلقتَ نساءك فقال: لا، وروي أنه كان آلَى عن نسائه شهراً، فمكث في غرفته شهراً، فنزل قوله تعالى:    •     الآية، فبدأ رَسُول الله  بعائشة وقال: إني ملق إليكِ  أمراً، فلا تُبَادريني  بالجواب حتى تُؤامِري  فيهِ أبَويك، وَتَلا الآية، فقالت: (أو فيك)  أؤامر أبَويَّ! اخترتُ اللهَ ورَسُوله والدار الآخرة، ثم قالت: لا تخبر زوجاتكَ بذلك، وكانت تريد أن يخترن الدنيا، فيُفارقهن رَسُول الله  فطاف  رَسُول الله  على نسائه، وَكان يُخبرُهُنَّ بما جَرى لعائشة، فاخترن بأجمعهن اللهَ ورَسُولهُ) ، فثبتَ\rبما  ذكرناه وجُوبُ التخيير، ثم اختلف أصحابنا في أربعة أمورٍ، تتعلق بالتخيير:\rأحدها: أن من اختارت [الدنيا]  منهن هل كانت تبين بنفس الاختيار منهم من قال نعم، لعلّتين:","part":1,"page":3},{"id":982,"text":"أحدهما : أن الرجل إذا قال لزوجته: اختاري نفسك، ونوى الطلاق، فاختارت وقع الطلاق، وهذا ضعيف، فإن التخيير بين زهرَة  الدنيا  والآخرة لا نظير له\rفي حقنا\rالثاني : أنه كان يجبُ عليه المفارقة، والفراق إذا وَجبَ وقعَ، وبه تعلقنا في فرقة اللعان وتنجزها\rومنهم من قال: لا تبين بنفس الاختيار، ويدل عليه قوله تعالى:         ، وذلك يدل على استئناف تسريح \rالثاني: أن الاختيار منهن هل كان يجب على الفور\rفإن  قلنا: لا يتضمن الاختيار البينونة، فهو على التراخي، وإن قلنا: يتضمن يبنى  على ما لو قال الرجُل لزوجته: طلقي نفسَكِ، فقالت بعد ذلك: طلقتُ، وفيه قولان، والأصح في الاختيار أنه لا تجب المبادرة، لأنه عليه السلام قال لعائشة [رضي الله عنها] : (شاوري فيه أبَويك)  \rالثالث: أن من كان يختار رَسُول الله   منهنّ هل كان يحرم عليه طلاقهن\rوفيه وجهان:\rأحدهما: أنه لا يحرم؛ إذ (لا احتكام في إثبات)  الخصائص، ولم يثبت حجر\rفي الطلاق\rوالثاني: التحريم؛ لأنه حَرُم عليه التبدُّل بهنَّ في قوله:      [          ]   ، ومعنى التبدل  مفارقتها، ونكاح غيرها \rالرابع: حرمَ التبدُّل  على رَسُول الله   وفاقاً، وحرم عليه نكاح من سواهن ، واختلفوا في ارتفاعه، فذهب  الشافعي [رحمه الله إلى]  أنه ارتفع التحريم قبل وفاته، ولكن امتنع رَسُول الله   ليُظهر  مِنَّته عليهن ، وقال أبو حنيفة [رحمه الله]  دام التحريم إلى وفاته \rأما المحرَّمات  :\rأحدها: الزكاة المفروضة، (شاركه فيه ذوو)  القربى  \rوالثاني: صدقة التطوع ، وفي (مشاركة ذوي)  القربى خلاف، ومنهم من قال: لم تحرم عليه صدقة التطوع، ولكنه كان يرتفع من قبولها ","part":1,"page":4},{"id":983,"text":"الثالث: خائنة الأعين، وهو أن يُظهر خلاف ما يضمر ، وطرَدَ [بعض]  الأصحاب ذلك في مكائد الحروب، وهو ضعيف؛ لأن ذلك لا يُزري بأصحاب الإيالة  فإنه من الحزم، والإيالة المحمودة ، وقد صح (أن رَسُول الله  كان إذا أرادَ سفراً ورَّى بغيره) \rالرابع: كان إذا لَبِسَ لأمته  حرم عليه نزعها إلى أن يَلْقى\rالعدُو ، وقيل: إنه كان مكروهاً في حقه، ولم يكن محرماً، وهو بعيد \rالخامس: قوله: (أما أنا فلا آكل متّكئاً) ، قيل: إنه كان محرماً عليه ، وقيل: كان يجتنبه ولم يكن محرماً \rالسادس: امتناعه عن أكل الثوم، وحُمِل  على تحريمه عليه  ، ومنهم من حمله على العيافة، ولعله الأظهر \rالسابع: حَرُم عليه التبدُّل بالنساء اللواتي اخترن اللهَ ورَسُوله كما سبق ، ثم الأمر في استقرار التحريم على ما سبق \rالثامن: حَرُم عليه نكاح امرأة تكره صحبته ، بدليل ما روى أنه نكح امرأة، فَعَلَّمَها نساؤه أن تقول إذا رأته: أعوذ بالله منك، وقلنَ: هذه  كلمة تُعْجِبُه،\rفقالت: ذلك لما دخل رسول الله  فقال عليه السلام: (لقد استعذت بمَعَاذٍ \rفالحقِي بأهلك) \rالتاسع: نكاح الحرّة الكتابيّة، وقد اختلفوا فيه:\rفمنهم من حرّم لأنها  تكره صحبته ، ولأنه لا يليق بعلُوِّ  منصبه مُصَاحبة كافرة، ووضع مآئه في رَحمهَا \rوالثاني: الجواز فإن أمرَ النكاح أوسع عليه منه على غيره \rالعاشر : نكاح الأَمَةِ، وفيه وجهان: أحدهما: التحريم، لأنه مُقَيَّد  بخوف العَنَتِ  [وهو معصوم منه ، والثاني: الجواز توسيعاً للأمر ثم لا يخصص بخوف العنت] ، ولا يعتبر في حقه هذا الشرط ، وعلى هذا ذكر الشيخ أبو محمد  تردداً في اعتبار فَقْدِ طَوْلِ الحُرَّة، فإن شرطنا فَقْدَ الطَوْلِ اقتصر على واحدة، (وإن) \rلم نشرط  فلا حجر عليه في العدد توسيعاً للأمر \rثم اتفقوا في (هذه)  المسألة على أمور ثلاثة:","part":1,"page":5},{"id":984,"text":"أحدها: أنه يَتسرَّى الجواري وقد فعل ذلك \rوالثاني: أن ولدُه لا ينعقدُ على الرق، وإن ترددنا في جريان الرق على\rالعرب ، وذكر بعض المصنفين وجهاً في انعقاد ولده على الرق، إذا رأينا ضربَ الرق على العرب، وهوَ  بعيد لا يحل اعتقاده \rالثالث: أنه لو فرضَ في حقه غرور فانعقد الولد على الحرية، فلا ضمان عليه؛\rلأنه لو علم حقيقة الحال لما انعقد على الرق \rهذا ما أردنا ذكره في قسم المحرمات\rوهذا أوان التنبيه على أمرين:\rأحدهما: أن الاختلاف في هذه المسائل لا وقع (له)  عند المحققين، فإنها أمور مضت، (والاحتكام)   على الغيب لا سبيل إليه، فما وقع منه على مظنّة الظنون، فالوجه أن لا نخوض فيه إذ الظن ضرورة يفزع المجتهد (إليه)  لحاجة حاقة، فلا معنى لرجم الظنون فيما لا حاجة إليه \rالثاني: أن السِرَّ في تخصيصه بفرائض تشريفه، وإكرامه؛ ليحوز من الثواب ما لا (يحوزه)  غيره ؛ ولهذا  قال الله تعالى: (ما تقرّبَ المتقربُون إلي بمثل آداء ما افترضتُ عليهم) ، ولا يبلغ مبلغ الفرض نافلة حتى قال العلماء: ثوابُ الفرض في مقابلة سبعين نافلة ، تلقوه من فحوى قوله (عليه الصلاة والسلام) : (من أدّى خصلة من خصال الخير في رمضان كان كمن أتى بفريضة في غيرها، ومن (أدّى فريضة)  كان كمن أدّى سبعين فريضة في غيرها) ، وكذلك التحريم أيضاً كالإيجاب في هذا المعنى الذي ذكرناه \rفأما التخفيفات فهي كثيرة:\rأحدها: صفيه  [من]  المغنم \rوالثاني: الاستبداد  بخمس الخمس ، وهما مذكوران في موضعهما  \rالثالث: الوِصَال في الصَوم، أُبيح له، وهو محرّم على غيره ، وحكى الشيخ أبو علي: خلافاً في أنه مكروه لغيره، أو محرّم، وهو بعيد ","part":1,"page":6},{"id":985,"text":"الرابع: وهو متعلق بالنكاح، جواز الزيادة على أربع ، واختلفوا في جواز الزيادة على التسع، فمنهم من قال كانت المنكوحات في حقه كالسراري في حقنا ، واختلفوا أيضاً في انحصار طلاقه في ثلاث  \rالخامسُ: انعقاد نكاحه  بلفظ الهبة دون غيره ، كما سيأتي [تفصيله] \rفي موضعه \rالسادس: النكاحُ بغير وَلي، قيل: إنه جائزٌ في حقه فإن الولي مَطلوب لطلب الكفاءة، وهو كفؤ كُل (شريفة) ؛ ولذلك قال لأم سلمة إذ  تعلّلت بمعاذير منها أمر الولي: (ليس فيهم من يكرهني إذا حضر)  ، ومنهم من قال: لابد من الولي\rفي حقه \rالسابع: النكاح بلا شهود، وفيه خلاف، والظاهر الجواز، فإن المقصود الإثبات عند الجحد، ولا يظن به الجحد، ولو جحدت المرأة دعواه لكانت كافرة\rبتكذيبها إياهُ \rالثامن: نكاحه في حالِ  الإحرام، وفيه خلاف \rالتاسع: وجوب القَسْمِ  عليه، منهم من قال: لا يجب ، لقوله [تعالى] :\r       ، ومنهم من قال: يجبُ ؛ إذ قال الرَسُول : (هذا قَسمي فيما أملك) ، وكان يُطاف به في مرض موته على حُجرَ نسائه، وكان يستبطئ نوبة عائشة ويقول: أين أنا اليوم وأين  أنا غداً حتى فَهمنَ ذلك (منه فَحلَّلنَهُ، وكان)  يُمَرَّضُ في بَيت عائشة، فقالت  عائشة رضي الله عنها: (مات رَسُول الله  بين سَحْرِي ونحري ) ، والقائل الأول: يحمل قَسْمَهُ على (التكرم)  ، وهذا الجنس من المسائل بناهُ أصحابنا  على أن المنكوحات في حقه، هل هُنَّ كالسَراري [في حقنا]  \rالعاشر: قالوا: كان إذا وقع بصَرُه على امرأة فوقعت منه\rمَوقعا وجب على الزوج أن يطلِّقها ؛ لقصّة زيد\r  ، ثم اختلفوا في قوله تعالى:      \r•  ، منهم من قال: كان ذلك تزويجاً ، ومنهم من قال: كان إباحة للتزوُّج، ورَسُول الله  تزوَجها بعد ذلك ","part":1,"page":7},{"id":986,"text":"الحادي عشر: (أن رَسُول الله  اعتق صفية، وجعل عتقها صداقها) ، واتفقوا أن فيها خاصية لرَسُول الله   ، [ثم]  من أصحابنا من قال الواحد منا: إذا أعتق سُريِّتَهُ  على شرط النكاح فليس عليها الوفاء بالنكاح، وإنما عليها قيمتها، وقد وَجبَ على صفية الوفاء بشرط رَسُول الله   ، ومنهم من قال: خاصيته أنه جاز أن يجعل عتقها صداقها مع الجهل بمبلغ القيمة ، وفي حقّنا في مثل ذلك خلاف سنذكره  \rالثاني عشر: أنه دَخل مكة من غير إحرامٍ ، وفي حقنا خلاف \rالثالث عشر: أنه عليه (الصلاة) السلام لا يُورَث ، قال [رَسُول الله]  : (نحن معاشر الأنبياء لا نُورَث) ، ثم قال العلماء: يبقى على ملكه؛ فإنهم أحياء، وهذا يوافق فعل أبي بكر   (فإنه أنفق ما خَلَّفَه رَسُول الله   على أهله وخدمه، وكان يرى أنه باقٍ على ملكه) ، ومنهم من قال ما خلفه صدقة، إذ قال عليه (الصلاة) والسلام [في آخر الحديث] : (ما تركناهُ صدقة)  \rالرابع عشر: أن النسوة اللَّواتي توفِّي عنهن مُحَرَّمات على الخلق، وهنّ أمهاتُ المؤمنين لا في معنى المحرميّة وجواز النظر، بل في معنى التحريم، والغرض منه الإكرام ، وهُنَّ تسع مات رَسُول الله  عنهُنَّ: عائشةُ، وحفصةُ ، وأمُ حبيبة بنت أبي  سفيان، وأمُ سلمة بنت أبي أُميَّة، وميمونة بنت الحارث خالة ابن عباس، وصفية بنت حُيَي بن أخطب، وجُويرية بنت الحارث المصطلقية، وسَوْدة بنت زمعة، وزينب بنت جَحش، وهي التي كانت امرأة زيد، فهُنَّ اللوّاتي مات عنهُنَّ رَسُول الله  ، [وبناتُ الرَسُول ]  لا نقول : أنهنّ أخوات المؤمنين، إذ لو كان كذلك لحرمْن على أُمته، فنقول : هُنَّ بنات أمهات المؤمنين، ولا نزيد على ما وردَ التوقيف به، وكذلك لا نقول: معاوية خال المؤمنين بل نقتصر \rالخامس عشر: أنه لو فارق امرأة في حياته هل كان يحرم على غيره نكاحها","part":1,"page":8},{"id":987,"text":"فيه أوجه:\rمنهم من قال: نعم كاللواتي توفي عنهن ، ومنهم من قال: لا يحرم؛ لأن النكاح لم ينته نهايته ، ومنهم من فصَّل وهو أعدل الوجوه فقال: إذا كان [قد]  دَخل بها رَسُول الله   حَرُمت  وإلا فلا ، (ورُوي أن الأشعث [بن قيس]   نكح المستعيذة)  في زمان عمر   فَرُفعت القضية  إليه، فهَمَّ برجم الأشعث، فذُكر له أن رَسُول الله  ما كان دَخل بها، فكَفّ عنه، وتركها في حباله)  ، ولا خلاف في أن اللواتي خيّرهن لو اختارت واحدة منهن مفارقته يحل لها النكاح؛ إذ به تفيد اختيار الدنيا وزينتها \rهذا تمام القول فيما أردنا ذكره من خصائصه، وقد فصلها صاحبُ التلخيص، وذكر  ثلاثة أمور هي غلطٌ\rأحدها: هو أنه قال كان إذا أمنَ كافراً لم يلزمه الوفاء به ، وهو غلطٌ فإنه حَرُم عليه خائنة الأعُين، فكيف يحل له ذلك!، (فكان)  لا يوثق بعهده إذ ذاك \rالثاني: أنه قال: كان له أن يلعَن من شاء من غير سبب ، وهو غلط صريح\rبالاتفاق \rالثالث: أنه قال: كان يحل له أن يدخل المسجد جنباً ، وهذا هوسٌ لا أصل\rله، هكذا قاله الإمام (أبو المعالي)  ، هذا تمام القول في مقدمة النكاح، وبيان خصائص الرَسُول  \r\rالقسم الثاني\rفي مُصحَحات العقد من الأركان والشرائط\rالركن الأول: (صيغة)  العقد، وهو الإيجاب والقبول ، ونحن نقدم على بيانه  مقدمة يحصرُها أربعة فصول\rالفصل الأول: في الترغيب في النكاح\rفالنكاح  على الجملة مرغوبٌ فيه مندوب إليه  قال الله تعالى:        و (كان الحسن بن علي   مطلاقاً منكاحاً) ، و (كان يقول: وَعد اللهُ الغِنى في الفراق والنكاح في هذه الآية) ، (وقال)  [الله]  تعالى:","part":1,"page":9},{"id":988,"text":"         ، وقال عليه (الصلاة) السلام: (تناكحوا تكثروا  )  الحديث، وقال: (معاشر الشباب عليكم بالباءة ؛ فإنه أغض للبَصر،\rوأحصن الفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)  ، وقال:\r(من تزوج فقد أحرز ثُلُثَي دينه، فليتَّق الله في الثلث الباقي) ، قيل: أراد به\rأكل الحرام ، وقال عليه (الصلاة) السلام لعكّاف بن وداعة الهلالي : (أتزوجتَ فقال: لا، فقال: إنكَ إذاً من إخوان  الشياطين، أو رهبان النصارى، فإن كنت من رهبان النصارى فالحق بهم، وإن كُنتَ مِنَّا فمن سُنَّتنا النكاحُ) ، وقال: (من أحبّ فطرتي فليستن بسنتي ألا وهي النكاح) ، وقال عُمر   لأبي الزوائد : (أتزوجت [فقال: لا] ، فقال لا يَمْنَع من النكاح إلا عَجْزٌ أو فُجُورٌ)  ، وَلما اُحتضَر مُعَاذ   قال: (زوِّجوني زوِّجوني لا ألقى اللهَ عَزَباً)  ، وفي القرآن الثناء على المتعفف القاعد عن النكاح، قال [الله]  تعالى:         وقال في صِفَة يحيى      وقد فَسَّر بعضُ أهل اللغة الحَصُور الذي لا يقدرُ على إتيان النساء ، وفسَّره الشافعي [رحمه الله]  بالذي لا يأتي النساء مع القدرَة؛ إذ جرَتِ الآية في معرض المدح، والعاجزُ لا يستحق المدح ، فإذا تبين تعارض (الآيات والأخبار) ، قال الشافعي: من تتوق نفسه إلى النكاح فالأولى له  أن يَنْكِح، ومن لا تتوق نفسه فالأولى أن يتخلى للعبادة، ومن تتوق نفسه إلى النكاح، ولكن لا يجدُ أهبته فالأولى أن لا ينكح ؛ فإن  ذلك يشغله عن العبادة، ويقحّمه أموراً محذورةٌ فليشغل بكسر التوقان بالصوم  ","part":1,"page":10},{"id":989,"text":"وذهب أبو حنيفة [رحمه الله]  إلى أن النكاح أولى (في)  جميع الأحوال ، وهو ضعيف؛ لأنه ليس قُرْبة في نفسه ، وطلب الولد موهوم، ثم إذا كان (ليس يدري)  أصالحٌ أم طالح فالتخلي للعبادة أفضل منه ، ثم ندبَ رَسُول الله  في النكاح إلى أربعة أمور\rأحدها: طلبُ الحسيبة ، قال [عليه السلام] : (تخيَّروا لنطفكم فلا تضعُوها في غير الأكفاء) ، وقال: (إياكم وخضراء الدِّمَن : وهي المرأة الحسناء في المنبت السُّوء)  وكذلك فسّر  الرَسُول [عليه السلام]  \rالثاني: النَدب إلى الأبكار، فإنها أَحْرى   بالموافقة، رُوي  أن جابراً نكح فقال عليه السلام: (أبكراً أم ثيباً ) فقال: ثيِّباً، فقال: (هلا بِكْراً تُلاَعِبُها وتلاعِبُك)  \rوالثالث: الندبُ إلى (الولود) ، روى معقل بن يسار  قال: (انكحوا (الودود الولود)  فإني مكاثر بكم الأمم) ، وقال: (لحصيرٌ في ناحية بيت  خيرٌ من امرأة لا تلد) \rالرابع: النَدبُ إلى الأجنبيات، وأن لا ينكح من أهل قَرابَتِه القَرِيْبَةِ، فإن ذلك قد يمنع تَوَفُّر الشَّهوة ، وقال (عليه السلام) : (لا تَنْكحوا القَرَابة القَرِيْبَة؛ فإنَّ الولد يُخلق ضَاوِيا)  أي: نحيف الخلق مهزولاً  \rالفصل الثاني: في النظر إليها إذا وقعت  الرغبة في نكاحها\rونحن نتعَرَّض في هذا الفصل لأحكام النظر جملة، والكلام فيه في أربعة مواضع:\rأحدها:  في نظر الرجُل إلى الرجُل، وهو (مُبَاح إلا)  العورة، وهو ما بين\rالسُرَّة إلى الركبة، وما وراء ذلك فالنظر  فيه مُباح، وكما يحرم النظر إلى العورة\rيحرم المس، فهو  في معناه ، ونظر الإنسان إلى فرج نفسه لا يحرم، ولكن يكره من غير حاجة \rفرعان:\rأحدهما: أنه يكره للرجلين أن يضطجعا في ثوب ، قال رَسُول الله :\r(لا يفضي الرجل إلى (الرجل)  في ثوب واحدٍ، ولا تفضي المرأة إلى\r(المرأة)  في ثوب واحد) ","part":1,"page":11},{"id":990,"text":"الثاني: النظر إلى المُرْد  بالشهوة محرم، ودون الشهوة مع الأمن من الفتنة مباح ، وعند خوف الفتنة وجهان:\rأحدهما: التحريم؛ لأنه في معنى المرأة \rوالثاني: الجواز، وهو الأصح، إذ الأمرد الوضيء محل الفتنة غالباً، ولم يُكلفوا الستر  على دأب النساء، وروى (أن قوماً وفدوا على رَسُول الله ، وفيهم غلامٌ حسن الوجه، فأجلسه وراءه، وقال: ألا أخاف  مثل ما أصاب أخي داود!) ، وكان بمرأى من الناظرين، ولم يأمره بالاحتجاب عنهم  \rالموضع الثاني: نظر المرأة إلى المرأة، منهم من قال حكمه حُكمُ الرجل مع الرجل ،\rوقد ذكرناه ، ومنهم من قال حكمه حكم الرجل مَع محارمه ، وسنذكره \rفرع: الذميَّة هل تنظر إلى المسلمة\rمنهم من قال: هي كالمسلمة ولا فرق إلا استحباب  البُعْد عنهن \rوالثاني: أنها كالرجل الأجنبي ينظر إلى المرأة ، وسنذكر حكمه ؛ لأن الله تعالى قال:        وأراد به نساء المسلمات \rالموضع الثالث: نظر الرجل إلى المرأة، وفيه أربع مسائل:\rأحدها: النظر إلى المُسْتَحَلَّة بنكاح أو ملْكٍ جائز إلا إلى الفَرْج، ففيه تردد، والأصح الجواز؛ إذ الاستمتاع المباح يزيد على النظر ، وقد قال ابن عمر -- لامرأته: (اقبلي وأدبري ولَكِ أَلْفٌ، وأمرها بالتجرّد ) ، وقول رَسُول الله : (إنه يُورث العمَى)  يدل على كراهيته، ومن أصحابنا من فرق بين ظاهر الفرج وباطنه، ولا مأخذ له إلا تفاحش النظر إلى الباطن، وذلك لا يدل إلا على تأكد الكراهية \rالثاني: أن تكون مَحْرماً له، وفيه وجهان:\rأحدهما: أنه ينظر إلى ما يبدو [منها]  في حالة المهنة والفضلة؛ لمسيس الحاجة إليه مع كثرة المداخلة \rوالثاني: أن ينظر إلى جميع بَدَنِها إلا ما بين السُرّة والركبة \rفرع: الثديُ  في أوان الظهور ","part":1,"page":12},{"id":991,"text":"منهم من أجْرَاه  في محل الوجهين، ومنهم من ألحقه بالساعد والوجه لمسيس الحاجة إلى ظهوره \rالثالث : الحرّة الأجنبية وفي معناها المملوكة المُحَرَّمة بالتمجُّس، والعدّة، والردّةِ، وغيرها لا يحل للرجل النظر إلى جميع بدنها إلا الوجه واليدين، ففيه  خلافٌ، منهم من جَوّز النظر عندَ عدم الشهوة وخوف الفتنة ، لأنه (لا يجبُ)  سَتْرُهُ في الصلاة، وأَمْرُ النَّظر أَخَفُّ مِن السَتْر، والصحيح المنع حَسْماً للباب [والدليل عليه تطابق الخلق على الأمر بالاحتجاب من غير تفصيل \rفروع ثمانية: أحدها: في جواز كشف الأخمصين  لها في الصلاة خلاف، فمن الأصحاب من طَرَد ذلك في النظر ، والأصح: أنه لا يَطَّرِد حَسْماً للباب ]  في النظر وإعْرَاضاً عن الصور والأحوال، كما أن الخلوة حَرُمت؛ لمعنى الفتنة، ثم عمَّم  الأمر فيه ، ثم من جَوّز النظر إلى (الأخمص)  لم يجوز إلى ظهر القَدم ، ومن جَوّز النظر إلى كفّ اليد  جَوّز إلى ظهر اليد إلى المعصم  ، ومنهم من خصّص  بكف اليد أيضاً \rالثاني: قُلامة  ظفر المرأة، سُئل عنه الشيخ أبو عبد الله الخِضْرِي   فسكت طويلاً، فقالت له زوجه ابنة أبي علي الشَّبوي ، [وكانت تحته]  لِمَ تتفكر وقد سمعتُ أبي يقول: إذا كانت قلامة أظفار اليدين جاز النظر ، وإن كانت قلامة أظفار الرجلين لم يجز؛ وبناه على أن يدها ليست بعورة بخلاف ظهر القدم، ففرح به الشيخ أبو عبدالله ، قال [الشيخ]  الإمام: وهذا القياس يقتضي في شعر الأمة الفرق بين شعر رأسها وشعر سائر بدنها؛ إذا جوّزنا النَّظَر إلى شَعر رأسها نظراً إلى حالةِ  الاتصال، وهذا  بعيد؛ إذ الشعور  وقُلامة الظفر مشتبهة، والاتقياء كانوا لا يتورعون عن النظر إلى الشعور مع تعارُض الاحتمالات، فالوجه  رفع الحرج فيه إذا كان لا يختلف به  ","part":1,"page":13},{"id":992,"text":"الثالث: العُضوُ المُبَان من المرأة والعقيصة  المُبَانَة لا يَحِل النظر إليها ، وليس كالقلامة، فإن العَقيصة متميزة بشكلها فالتحق بالعضو المبان، والجلدةُ المنكشطة  ينبغي أن لا تلحق بالقُلامة والشعر الذي لا يتميَّز \rالرابع: نظر الغلام إلى سيدته، من أصحابنا من قال هو منها بمثابة المحارم ؛ لقوله تعالى:        ، ومنهم من نزله منزلة الأجنبي ، وحمل الآية على الإماء، وزعم أن التأويل وإن كان بعيداً فهو أولى من خَلْوة العبد بالسَيِّدَة؛ فإنه مُخطر وليس كالمحْرَم؛ فإن اعتقاد المَحْرميَّة وازعٌ لا يُنْكر في العادة \rالخامس: المخَنَّث  والعِنِّين  والشيخ الهِمُّ  ، يَحْرُم عليهم النظر كالفحول  حسماً للباب \rالسادس: الممسُوح   يَحِل نظره عند الأكثرين كالمحارم ، وعليه حمل بعض الأصحاب قوله تعالى:           ، والإربة: الحاجة ، ومنهم من قال: هو كالفحل نظراً إلى الجنس ، أما المجبوب  الباقي الانثيين، أم المنزوع الانثيين الباقي الذكر  فهو كالفحل ","part":1,"page":14},{"id":993,"text":"السابع: نظر الطفل الذي لا يميّز ولا يقدر على الحكاية لا حُكمَ له ، والذي لا يتشوّف  أصلاً، وهو صغير ظهرت فيه تباشير  الكبير ، وقد تدعوه الداعية إلى الحكاية، (يستر عنه)  العورة التي يواريها الإزار، ولا يجب الاحتجاب عنه فيما وراءه ، فلو ظَهَر فيه التَّشوف إلى الشهوات وَجَب الاحتجاب عنه ، وإن كانت الشهوة غير مستقرة وإن لم يَظْهَر التَّشَوُّف ولكنه كَبُرَ وبَلَغَ مثلاً بالسنّ  فقال  القفال  في بعض الفتاوى: لا يطلق القول بالتحريم؛ إذ حِلُّ النَّظَر كان ثابتاً فلا يُرفعُ  إلا بثبت ، ومن أصحابنا من قال: يحرم التكشّف بين يديه، وهو الصحيح حسماً للباب ، وقد حمل بعض المفسرين قوله [تعالى] :       على الصبيّ الذي لا يتشوّف ، وهو بعيد؛ لأنه تعرّض للطفل بعد ذلك، واختلفوا  في قوله        ، منهم من قال معناها لا  تحملهم الدواعي على الحكاية ، ومنهم من حمله على التشوّف \rالثامن: لا يجوز النظر إلى فرج الصبيّة ، وفيما عداه وجهان، منهم من قال كالمحارم \rالمسألة الرابعة: نظر الرجل إلى أجنبيّة [مملوكة، منهم من قال: هي كالحرة فلا يجوز النظر للأجنبي إليها إلا لحاجة الشراء ، ومنهم من قال: هي كالمحارم ، ويدل عليه أن عمر قال لجارية متنقبة: (أتتشبهين بالحرائر يا لكعاء)  ، فعلى هذا يجوز النظر إلى ما يبدو منها في حالة الصلاة؛ فيصح لمسيس الحاجة، وعلى الجملة الأمر في الحرائر أضيق، ولذلك جاز للأمة في الصلاة التكشف ما لا يجوز للحرة\rالموضع الرابع: في نظر المرأة إلى الرجل، ونظرها إلى الزوج كنظر الزوج إليها ، ونظرها إلى الأجنبي فيه ثلاثة أوجه] :","part":1,"page":15},{"id":994,"text":"منهم من قال كنظر الأجنبي إليها ، ومنهم من قال: ما يبدو منه في حالِ المهنَةِ في حقها كوجهها وكفيهَا في حقه ، ومنهم من قال: ما فوق السرة (ودون الركبة)  منه في حقها كوجهها وكفيها في حقه ، أما نظرها إلى محرمها، منهم من قال: كنظر محرمها إليها ، ومنهم من قال: تنظر إلى ما ينظر الرجُل [إلى الرجل]  \rهذا كله كلامٌ في النظر من غير حاجة\rفأما النظر للحاجة ، فالحاجة تنقسم إلى ما يدعوا  إلى النظر في الوجهِ\rواليدينِ، وإلى ما يدعُوا  إلى ما وراءه ، فما يدعُوا  إلى الوجه واليدين يُكتفى فيه بحاجة خفيفة، كَتَحمُّل الشهادة، فإنها تَعْتَمدُ حِلْية الوجه، (فلذلك جازت لهذه)  الحاجة وإن (حرمنا النظر إليها)  ابتداءً من غير حاجة على الأصح ، ومن\rالحاجة الرغبةُ في النكاح، وذلك يُسلِط على النظر إلى الوجه واليدَين بإذنها وغير أذنها ، (وقيد)  مالك [رحمه الله]  بالأذن ، وينبغي أن ينظر قبل","part":1,"page":16},{"id":995,"text":"الخِطْبة فربما لا يرتضي بعد الخِطْبة فيؤدي الامتناع إلى وحشة ، ولا يَحِل النظر إلى ما وراء الوجه واليدين ، والأصل في حل النظر إلى الوجه ما رُوي أنه عليه السلام قال: (من أراد أن ينكح امرأة فلينظر إليها فإنه أحرى أن يُؤْدَم  بينهما) ، فقال قائلون: هو مستحب ؛ لأنه أقل درَجات الأمر، ومنهم من قال صيغة الأمر في مثل هذا المقام تُطلق للإباحة  كقوله تعالى:      ، أما الحاجة الداعية إلى النظر إلى ما عدا الوجه واليدين أو إلى العورَة من  الرجال فيُراعَى فيه ضرب من التأكيد حتى قال الإصطَخْرِيُّ : حُكم أداء الشهادة على الزنا لا يُسَلَّط على التَّطلع إلى العورَة، فإن الستر في ذلك من المكارم ، وقال الأصحاب: يجوز ؛ لأنه يؤدي إلى تعطيل هذا الركن في الشرع، فأما حالة  المعالجة فنسلط عليه إذا كان بحيث يجوز بمثله الانتقال من الماء إلى التراب، وذلك عند خوف فوات في العُضْو ، أما  المرض المضني  ففيه خلاف في جوازِ الانتقال ، والظاهر أنه يسلَط على النظر لا سيما فيما وَرآء السُّرة والركبة، والحاجةُ المعتبرة للنظر إلى (السوأة)   ينبغي أن يكون آكدُ ، وعلى الجملة ستر العَورَة مُروءة، فإذا  مَسَّت حاجة لم يُعَدّ التكشُّف هتكاً فيُمكن ضبطه بالمروءة، ويمكن ضبطه بما ذكرناه من خوف الضنا أم  الفوات  كما تقدم ، فالمرض إذاً على ثلاثة مَراتب: المرض الخفيف فيبيح  الإفطار ولا يبيح الانتقال إلى التراب، إلا مرضٌ متأكِّد مخوف؛ لأن ذلك يقع نادراً، والحاجة إلى (المغلظ أتمّ)  منه، والمرضُ  الذي يُسَلِّط على (الكشف لا يَبْعُد في)  أن يكون أخف \rالفصل الثالث: في الخِطْبَةِ \rوفيه مسألتان:","part":1,"page":17},{"id":996,"text":"إحداهما: أن التصريح بخطبة المعتَدّة حرام، والتعريض بخطبة المعتدّة إن كانت عِدّة وفاة جائز، وإن كانت عدة طلاق رجعي (فمحرم)؛ فإنها زوجة، وإن كانت عدة طلاق بائن فوجهان:\rأحدهما: الجواز كعدّة الوفاة\rوالثاني: المنع، فإنها تكون حنِقةً على زوجها، وعدتها بالإقراء ووقتُ الطلاق قد يخفى، فربما تكذب في انقضاء العدّة مراغمة للزوج، والتعريض: أن يقول: رُبَّ طالبٍ لكِ، ورُبَّ راغبٍ فيكِ، \"وإذا حَلَلْتِ فآذنيني\"، كما قاله رَسُول الله، وكذلك هي تجيب بالتعريض وَلستَ بمرغوبٍ عنكَ، وما يجري مجراه\rالثانية: نُهى عن الخِطبة على الخِطبة فإذا خُطِبت امرأة فجرت الإجابة حُرمت الخِطبة، (وإن) جرى الرد جازت الخِطبة، وإن لم يُدر أخُطبت أم لا، فلا يجب البحثُ، وتجوز الخِطبة، وإن لم يُدر أُجيب أم لا، تجوز الخطبة أيضاً؛ لحديث نرويه، فإن سكت المخطوب إليه فقولان ذكرنا مثله في السوم على السَّوم في كتاب البيع، وآتينا بتفصيل أشفى مما ذكرناه الآن، ثم التعويل في الإجابة والردّ والسكوت على ما يصدر من الولي إن كانت المنكوحة مُجبرةً، وإن لم تكن مجبرة فالتعويل عليها، فإن الولي لو امتنع عند رغبتها في كُفؤٍ كان عاضلاً، وزوَّجها السلطان، والحديث الموعود ما روى أن رَسُول الله قال لفاطمة بنت قيس وهي في العدة (إذا حَلَلْتِ فآذنيني)، فآذنتهُ لما انقضت عدَّتُهَا، وقالت: خطبني أبو جهم ومعاوية، فقال عليه السلام: (أما معاوية فصُعْلوكٌ لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه)، قيل أراد به مُداومةُ الضرب، وسوء الخُلُق، وقيل: أرادَ مداومةُ السفر، ثم قال: (انكحي أُسَامَةَ) فكرهت ذلك إذ كانت طمعت في رَسُول الله، ثم امتثلت الأمر، واغتبطت به\rدَل الحديث على أربعة أمُور:","part":1,"page":18},{"id":997,"text":"أحدها: جواز التعريض في العدّة، إذ قال: (إذا حَلَلْتِ فآذنيني) \rالثاني: جواز التصريح بعد العدةّ، إذ قال: (انكحي أسُامَة) \rالثالث:جواز الخِطبة على الخِطبة إذا كانت المرأة متوقفة في الرد والقبول ، فإنها لو كانت رادَّةً لأخبرت (رَسُول الله  به) \rالرابع: أن الغيبة مُحرّمة، وقد تَعَرَّض رَسُول الله   لها بالطعن، فَبَان به أن ذِكْر الخصال المذمومة عندَ مَحَاولةِ نصيحة، أو غَرَضٍ صحيح، أو في تخيير بين رَجُلين جائز، ولذلك جاز في الرُّواة والشهود، وإنما المحرّم التَفَكّه بذكر الناس، أو التقرُّب إلى الرجُل بالطعن في عدوّه، وما يجري هذا المجرى، وقد قال رَسُول الله : (اذكروا الفاسق بما فيه يحذره الناس) ، وإنما ذكره عند ظهور غرض كما ذكرناه \rالفصل الرابع: في الخُطْبَةِ \rوهي مستحبة ، وَنعنِي بها الثّناء على اللهِ ، والصلاة على رَسُوله ، ويستحبُ ذلك في موضعين:\rأحدهما: في ابتداء الخِطبة \rوالثاني: قُبيل إنشاء العقد ، ثم إن خطب الوليّ فحسن، وإن خطب الخاطبُ فكذلك، وإن خطبَ غيرهما ثم توليا العقد فحسن ، وإن حَمد الولي، وصلى على الرَسُول   وقال: زوّجت، فحمد الخاطِبُ وصَلى، (وقال) : قبلتُ، فالظاهر صحة العقد، وإن تخلّل بين الإيجاب والقُبول كلام؛ لأن له تعلقاً بالعقد، فلا يدل على إعراض المُخاطب عن الجواب ، ولا شك في أن السُكوتَ الطويل يقطعُ التواجبُ واليسير لا يقطعه ، والكلام القليل الذي لا يرتبط بالعقدِ فيه وجهان ،\rكما سنذكره ","part":1,"page":19},{"id":998,"text":"وأما كلمة الخُطْبة فتتعلق بالعقد، (فالظاهر)  أنه لا يقطعه ، وفيه وجه بعيد ، ثم إذا جَرَيْنا على الأصح فلا شك في أن الخُطبة الطويلة التي لو فرض في مثل وقتها السكوت لبطل (مبطلة) ، وإنما الكلامُ في خُطبة يسيرة  صغيرة  هذا تمام الكلام في مقدمة القول في بيان لفظ النكاح جَرَينا فيه على ترتيب الوقوع من حيث العادة والوجود فبدأنا بالرغبة في أصل النكاح، ثم بالنظر إلى معيَّنة، ثم (بخِطبتها)  إذا وقعت مرضية،  ثم بالخُطبة لإنشاء العقد\rوالآن حان أن نرجع إلى المقصود، ونتعرّض للفظ العقد \rفنقول: الشرط الأول في صحَّة العقْد: صيْغَة  العقدِ\rوهو قوله: زوّجتُكها، وقوله: تزوجتُهَا ، وهذا رُكنٌ ولكن تجوَّزنا بتسميتهِ شرطاً ، وتهذيب القول في هذا الشرط برسم [ست]  مسائل:\rأحدها: أنه لا ينعقد النكاح عندنا بالكنايات، (فلا)  ينعقد إلا بالإنكاح (أو التزويج) ، ومعناهما الخاص بكل لسان ، وله مأخذان:\rأحدهما: التعبُّد من حيث اشتمال  النكاح على مقاصد غريبة، لا يُعْربُ عنها سوى اللفظتين المعروفتين (شرعاً وعرفاً) ؛ ولذلك لا ينعقد بهما غير النكاح \rوالثاني: أن الإشهاد واجب، ولا يُطَّلع  على النيات، وقد قررنا ذلكَ -على غموضة- في مآخذ الخلاف \rالثانية: أنه لو عدَل إلى معناهُما الخاصّ بلِسَان الفارسية أو لغةٍ أخرى، هل يصح فيه أربعة أوجه، الظاهر الصحّة، فإنه صَريحٌ في مقصوده، ودعوى التعبُد إلى هذا الحَدّ عسير ، والثاني: أنه يمتنع ذلك تعبداً ، والثالث: أنه يفرق بين من يحسن العربية وبين من لا يحسنها، والظاهر أن من لا يحسن وكان عاجزاً عن تعلمه فله العدول ، وقال الأصطخري: ليسَ له ذلك فليصبر أو ليوكل من يتعاطي العقد (بلغة العرب)  ، وهذا نهاية الغُلُوِّ  \rوعند هذا نتعرّض لمراتب الألفاظ التي تتعيّن والتي لا تتعيّن:","part":1,"page":20},{"id":999,"text":"المرتبة الأولى: ما المقصود منه نظمه كالقرآن  لا يُعدَل إلى بَدلهِ في حالة العجز؛ لأن المقصود إعجازه \rالثانية: أن يكون المعنى مقصوداً مع النظم فيجمَع بينهما، وعند العجز يؤتى ببدله كالتشهُّد، وكلمة التكبير \rالثالثة: لفظ النكاح، وهو متردد بين مواقع التعبدات ومَواقع  المعاملات، فمن رأى التعبّد عَيَّنَ ، ومن لم ير  ذلك جَوّز العدول إلى صرائح ألفاظه بجميع اللغات \rالرابعة: صرائح الطلاق، وهي محصورَة في الطلاق، والفِراق، والسَّرَاح؛ لتكررها على لسان الشارع، ووجه الحصر أنه حَلٌّ غريبٌ لا يضاهي الهبة، والفسخ، والعتق، فتعيّن  فيه اللفظ الشرعي ، ولكنه أبعدُ عن التعبد من النكاح، فمِن أئمتنا من لم يحصُر صَرائحة، وألحقَ به كل لفظ شاعَ في العرف استعماله فيه ، ثم لا شك [في]  أن الكناية تتطرق إليهما  \rالخامسة: عقود  المعاوضات  سوَى النكاح لا تنحصرُ صَرائحها، وفي انعقادِها بالكنايات خلاف ذكرنا توجيههُ  في أوّل البيع  \rالسادسة: لفظ يستقل به المتصرِّف كالإبراء، والفسخ، وما في معناهما، فينعقد بالكنايات للاستغناء عن فهم مخاطَب يعجز عن فَهْم النيَّة \rفرعٌ:\rإذا قلنا: يصحُ العدُول إلى الفارسية، فلو قال: زوجتكها فأجابه القابِل بالفارسية صح إن فهم إيجابه، (وإن أحسن)  العَربية ، وإن لم يفهم ولم يعلم لم يصح ، وإن أخبره مترجمٌ بمقصوده ولم يتعلم بحيث يمكنُه استعماله، ولكن صار بحيث لو سمع مَرّةً أخرى لتذكر [به]  معناهُ، ذكر العراقيون هاهنا وجهين:\rأحدهما: أنه يصح ثقةً بتفسير المترجم \rوالثاني: لا يصح؛ لأنه لم يتعلمه فلا يوثق بفهمه ","part":1,"page":21},{"id":1000,"text":"المسألة الثانية: إذا قال: زوَّجتُكها، فقال الخاطب: تَزوّجتُها صحَّ، ولم يكن هذا قبُولاً وإن سُمِّي، بل [هو]  شِقٌ مُسْتَقِلٌ يصحُ الافتتاح به ، وإنما القبول ما لا يستقل بنفسه، فلو قال: قبلتُ هذا النكاح، أو قبلتُ نكاحها صح القبول وفاقاً ، ولو قال: قبلتُ واقتصر، فوجهان:\rأحدهما: المنع؛ لأنه لم يتعرّض للنكاح، (وللشرع اعتناءٌ)  بصيغة النكاح \rوالثاني: أنه يصح؛ لأن القبُول يبتني على الإيجاب لا محالة ، وأما  إذا قال: قبلتُ النكاح، ولم يقُل هذا النكاح، أو قال: قبلتُها، ولم يقل: قبلتُ نكاحها، ففي الصورتين وجهان مرتبان على ما إذا قال: قبلتُ واقتصر، وهاهنا أولى بالصحة،\rوالوجهُ بَيِّن \rالمسألة الثالثة: ظاهر النصِّ أن النكاح ينعقد بالاستيجاب والإيجاب، وهو قوله: زوِّجنِيها، وقوله: زوَّجْتُكَها ، وللشافعي قولان في البيع ذكرنا توجيهَهُمَا في\rأوّل البيع ، ومن أصحابنا من طردَ القولين في النكاح ، وقطعوا بأن الخلع ، والصلح  عن دم العمد، والعتق على المال يصح بالاستيجاب والإيجاب ، قال الشيخ أبو محمد: الكتابة تلتحق  بالنكاح فتخرج  على طريقين ، قال الإمام :\rوقد حكى الشيخ في بعض مُباحثاته عن المذهب [في تردده اتفقت له]  طريقة في طرد القولين في الخلع، والصلح، والعتق على المال، وهُوَ بعيدٌ في المذهب غريبٌ مُتجهٌ\rفي القياس ","part":1,"page":22},{"id":1001,"text":"التوجيه: مَن حَكَمَ بالإبطال قال: العقدُ إيجابٌ وقبولٌ، وهذا التماسُ إيجاب ، فلا بد من قبول إيجاب الملْتَمِسُ   ومن مالَ إلى الصحّة قالَ المقصودُ الرضَا من الجانبين، وقد حصل ، والنكاحُ [جُعِلَ]  أولى بالصحة من البيع؛ لأن البيع يقع بغتةً غالباً فربما يبغي (استبانة رغبة)  البائع حتى يتروّى بعدَه، بخلاف النكاح، والخلع، (والعتق والصلحُ)  أولى بالصحة لغلبة التعليق  (عليها) ، (ولصحتها)  على صيغة التعليق، فإن مقصود الخلع الطلاق، والعوَض تابع فيه؛ ولذلك لا يَفسد بفسادِه ، ورأى الشيخ أبو محمد: العوض أحرى بكونه مقصوداً في الكتابة (فألحقها)  بالنكاح \rفرع:\rلو قال: أتَزَوِجني فقال: زوَّجت لم يكن استيجاباً وإيجاباً وفاقاً ، ولو قال للولي: زوجتها  منكَ، فقال: تَزَوَّجَتَ ، لم يكن استيجاباً وإيجاباً فإنه لم يلتمس التمليك وإنما التمس النُطق به \rالمسألة الرابعة: تعليق لفظ النكاح مُبطل له ، فالنكاح لا يقبل التعليق، وللتعليق صُورٌ لا تخفى، ويتعيّن الآن ذكر صورتين:\rأحدهما: أنه لو أُخْبِرَ الرجل بأنه وُلِد له ولدٌ، فقال: إن كانت بنتاً فقد زوّجتُكها، فَقَبِل قال الأصحابُ: لا يصح، وإن بان أنها أنثى ، وكذلك لو قال: إن تَخَلَّت ابنتي عن نكاح زوجها وعدته، فقد زوجتُكَها، فبان أنها كانت مُخَلّية ، قالوا: لا يصح العقد ، وهذا فيه نظر ، فإن للشافعي قولين   فيما إذا باع أَمَة أبيه، أو زوّجَها على ظن أنه حيّ فإذا هو ميت ، فهاهُنا لو جزمَ القولَ ولم يأت بصيغة التعليق\r(لخرج)  على قاعدة الوقف ، ولو قال: إن مات أبي فقد (بعتُها)  منك ففيه وجهان مرتبان، الظاهرُ الصحة؛ لأنه لو جزمَ يصح  وكان تقديرهُ هذا التعليق ","part":1,"page":23},{"id":1002,"text":"والثاني: لا؛ لأن الصيغة قد فسدت، وللشرع تَعَبُدٌ في صيغ العقُود، ففي [مسألتنا] يخرُج على هذا الأصل أيضاً، وهذا يستندُ إلى أصل آخر، وهو [أنه] لو قال اشتريتُ منكَ هذا الزرع بدينار على أن تحصده، فهل ينزل منزلة ما لو جمع بين الإجارة على الحصاد وبين البيع حتى يخرج على تفريق الصفقة أم يُقضى بفساد الصيغة فيه خلافٌ ذكرناه في باب المناهي من كتاب البيع","part":1,"page":24},{"id":1003,"text":"الصورة الثانية: في التعليق: أن يقول: زوجتُ منك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، فإذا انعقد لي نكاح ابنتك انعقد لك نكاح ابنتي، فهذا باطل ، لما فيه من التعليق ، وعليه حمل القفال النهى عن الشغار ، وهو منقاسٌ جداً ؛ إذ إبطالُ نكاح الشغار في غير صورَة التعليق  لا يشهدُ له القياسُ كما سنذكره ، والمستنَدُ الخبرُ ، وهذا الحمل  يتأيد باللفظ، إذ يقال: شَغَرَ الكلبُ إذا رفع إحدى رجليه، ومعناهُ: أن العرب كانت تأنف من النكاح، فلا  ترضى بالتزويج إلا بالتزويج، فكأنه يقول: لا ترفع رجُل ابنتي إلا رفعتُ رجل ابنتك، وهو مطابق لعادَة  العَرب، وإن كان العَربُ يُطلِقون نكاح الشغار، وكانوا يفقهون  منه التعليق، فهو باطلٌ بناء على تفاهمهم، فإنهم أهل اللغة ، وعامة أصحابنا لم يتلقوا الشغَارَ من التعليق، بل قالوا: إذا جزمَ العقد في الحال فهو باطلٌ أيضاً، وصَوَّروا صُورَة القطع بالفساد، بأن يقول: زوجتُك ابنتي على أن تزوجني ابنتك أو أختك  على أن يكون بُضع كل واحدة منهُما صداقاً للأخرى ، فإذا قابلَ النكاح بالنكاح وَخَلِي عن المهر وأشرك في البضع بجعله صداقاً بَطل، ولا تعويل إلا على الحديث، وقد فسّر الراوي نكاح الشَغَار بهذه الصورة ، ولا يستقيم أخذه من المعنى، فإن الخلوّ عن المهر لا يُبطل، وشرط عقد آخر في النكاح شرط فاسدٌ، والنكاح لا يفسد بالشرائط الفاسدة، كما سنذكره  يبقى الاشتراك في البضع، وليس ذلك اشتراكاً بطريق الزوجيّة، ولا  هو تمليك بطريق العِوَضِيّة، وهو غير متصَوّر فَلْيُلْغ ، وقد تعلق أصحابنا في تقرير معنى الاشتراك بما إذا نكحت الحرّة عبداً بشرط أن تكون رقبته صَداقها لم يصح النكاح؛ لأن مضمونة أن يصير الزوجُ مِلكاً للزوجة، ولو فرض كذلك لا نفسخ النكاح، فهكذا  إذا شُرِط، وهذا لم ينقل فيه","part":1,"page":25},{"id":1004,"text":"خلافٌ ، وليس ينفَكُّ عن احتمال إذا أمكن إلغاء الشرط والرجوع إلى المهر الشرعي، فأما إذا قال: زوجتُك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، ولم يقل: بضع كل واحدة منهما (صداقاً للأخرى) ، ففيه وجهان، منهم من صحح؛ إذ لا اشتراك ، ومنهم من أبطل تعويلاً على لفظ الشَغَار، ومعناه الخلوّ عن المهر ، وقد ورد في بعض الروايات (أنه نهى عن نكاح الشغَار، وهو أن يزوج الرجَل ابنته على أن يزوجه ابنته)  من غير مزيد، ولو قال: زوجتُك ابنتي بألف على أن تزوجني ابنتك وبضع كل واحدة منهما (صداقاً للأخرى) ، ففيه وجهان من مال إلى معنى الاشتراك  أبطل العقد ، وهو ضعيف ، ومن مال إلى لفظ الشغَار وإشعاره بالخُلوّ صحّحه ؛ لاشتماله على المهر، والمنقاسُ طريقة القفال  وما عداها خبط \rالمسألة السادسة : في تأقيتِ النكاح، وهو باطلٌ وعليه يخرج نكاحُ المتعة ، سمّي به لمكان أنه يُقصَد للاستمتاع  فقط، وذهب ابن عباس وجماعةٌ من أهل مكة إلى أن نكاح المتعة ثابت منعقِدٌ ، وقد قيل: كان نكاحاً في ابتداء الإسلام لا يتعلق به ظهار، (وإيلاء، وطلاق) ، ثم نُسخ ، وروي عن علي    قال: (نهى رَسُول الله  عام خيبر عن نكاح المتعة، ولحوم الحمُرِ الأهليةِ، وقال: هما حرامٌ إلى يوم القيامة)  هذا \rتمامُ القول في لفظ الإيجاب والقبول، وألحقنا  به التأقيت؛ لأنه يتعلق باللفظ وإن أمكن أخذه من مأخذٍ آخر\rالشرط الثاني: في النكاح: الشُهُود :","part":1,"page":26},{"id":1005,"text":"قال رَسُول الله  : (لا نكاح إلا بولي وشهود)  (فلا)  ينعقد النكاح عندنا إلا بشهود، وقال مالك [رحمه الله] : يكفي الإعلان به ، وقال داوود: لا تجب الشهادة ، ثم المفهوم من إيجاب الشرع الشهادة مزيد احتياطٍ في النكاح ، كما أن المفهوم من استحبابه في المُداينات ذلك، والكلام بعدَ هذا في صفة الشهود، فلابد أن يكونوا على صفات الشهود، فلا ينعقد بحضور عبدين ، ولا بحضور صبيّين مراهقين ، ولا بحضور أصَمّين ، فإن الأصمّ لا يَسمع فحضورُه كغيبَته ، ولا ينعقد نكاح مسلم على ذمية  بحضور ذميين، فليسُوا عندنا من أهل الشهادة ، ولا ينعقد بحضور فاسقين  عندنا ؛ لأن المقصودَ الاحتياط، ولا يحصل به احتياط، ولقوله عليه السلام: (لا نكاح إلا بوَلي وشاهدي عدل) ، هذا ما نتفق عليه، واختلف في مسائل :\rأحدها: شهادة المستورين ، والذي يَدُل على ظاهر النص أن النكاح ينقعد (بحضورهم ويُسلط)  الزوج ، ولو بانا  فاسقين فهل نتبين بُطلان النكاح من أصله فعلى قولين مبنيّين على أن الشهود إذا شهدوا ثم بان فسقهم فهل يُنْقَض القضاء به ، ولم يحك أئمتنا  خلافاً في حضور المستورين، وحكى المحاملي  وقال: لا ينقعد بحضور مستورَين ، وهو قياس المذهب؛ لأن ما يؤثر الفسق فيه فلابد من التوقف عند الجهل بالعدالة، ولكن النصّ يتأيد بالحاجة العامة فإنها ماسة إلى تكثير الأنكحة، وتكليف إحضار عَدلين فيه شطط ؛ ولأنه يحصل به احتياط زائدٌ على التحمُّل، وهو توقُع الإثبات بخلاف الفاسقين، وتردد الشيخ أبو محمد في مستورَي الرق والحُرية  ، والظاهر فيه المنع ، وإذا جمعنا المسألتين تحصّلنا على ثلاثة مذاهب ","part":1,"page":27},{"id":1006,"text":"فروع: أحدها: إذا قلنا ينعقد النكاح بشاهدة المستورين فلو بان الفسق منعطفاً ففي البطلان قولان كما سبق، وإنما ذلك إذا قامت بينة، فأما إذا اعترف الشاهدان على أنفسهما فلا يقبل قولهما، ولا يبين  البُطلان، كما إذا قال الشهود بعد قضاء القاضي كنا فاسقين  \rالثاني: أن الزوجين إذا اعترفا بفسقهما فإن قالا عرفنا ذلك حالة العقد فلا ينعقد النكاح؛ لأنهما ما كانا مستورَين عندهما، والتعويل عليهما ، وإن قالا تبيَّن لنا بَعْد ذلك، فيخرج على الخلاف ، ويحتمل  خلافه [ولو قالا: كنا نعرفهما بالفسق ثم نسينا أعيانهما حالة العقد فيحتمل أيضاً تخريجه على الخلاف ] ؛ لأن هذا جهل ونسيان، وليس ستراً في حال الشاهد\rالثالث: أنهما لو سمعا (موثوقاً به)  يخبر عن فسقهما فَعُقد النكاح بحضورهما، فيحتمل أن يقال: هذا لا يثبُت الجرح به في الحُكومات فينعقد العقد، ويحتمل أن يقال: كل موثوق به تقبل روايته فإذا أخبر زال الستر \rالرابع: لو تابَ المعُلن بالفسق حالة العقد فهل يلتحق بالمستور تردد فيه الشيخ\rأبو محمد، وكان  الشيخ يعتاد استتابة المستورين حالة العقد استظهاراً ، ووجه إلحاقه  (التوبة)  بالستر أنه ليس يدرى سريرته عند التوبة، فلو عاد إلى الفجور على القرب فلا مبالاة بتلك التوبة \rالخامس: لو قال الزوجُ: كنتُ أعرف فسقَهُ حالة العقد وأنكرَت المرأة، قال","part":1,"page":28},{"id":1007,"text":"الصيدلاني: نُزِّل ذلك (منزلة طلاقه)  حتى يسقط نصف المسمّى قبل المسيس، ولو عادت إليه بعد ذلك عادت بطلقتين ، بخلاف ما إذا اعترفا بالمعرفة فإنا نتبين، ثمَّ إن لا عقد، ولا مهر، ولا طلاق، والفرق أن هذا الفراق وَقَع من جهته وبِقَوْله فَتَشطَّر المهر بذلك، وهذا ظاهر، والمشكل قوله: تعود بطلقتين، ولم يجر طلاق ، وقد نصّ الشافعي على أن الحر إذا نكح أمة ثم قال: كنتُ واجداً طَوْل حُرَّه عند العقد بانت منه بطلقة ، وهذا من مشكلات المذهب، وسنعود إليه في الخلع \rالمسألة الثانية: لو حضر العقد أبناء  الزوجين ففيه أوجه :\rأحدها: الانعقاد؛ لأنه قال: (لا نكاح إلا بولي وشهود)، وقد حضر\rوالثاني: لا ينعقد؛ لأن الاحتياط مفهوم، ولا احتياط فيه\rوالثالث: أنه إن حضر ابن للزوج وابن للزوجة فلا يصح، إذ لا يتصور الإثبات على الجملة من أحد  الجانبين\rوالرابع: أنهما إن كانا ابني الزوج لم يصح؛ لأن الجحود  منها يُفرض فيثبُت\rالنكاح عليها\rولا شك في أنه لو حضر أربعةٌ، ابنان للزوج وابنان للزوجة صح العقد؛ لأن إثبات الشقين ممكن \rالمسألة الثالثة: إذا حضر العقد عدوّا  الزوجين فالتفصيل فيه كالتفصيل في\rالابنين \rالمسألة الرابعة: في حضور الأعميين وجهان: وظاهرُ الحديث لا يمنع ، ومعنى الاحتياط يمنع الاكتفاء بهما ، ثم [اختتامُ]  الفصل بشيئين:\rأحدهما: إن الإشهاد على رضى المرأة لا (يُشْترط)  ، وهذا يكاد يجزم الاحتياط ، وقد ذكرنا مأخذه في الخلاف\r(والثاني: أنه)  لا ينعقد النكاح عندنا بشهادة رجلٍ وامرأتين خلافاً\rلأبي حنيفة ، وهذا يستقصى في (الشهادات) ، هذا ما أردنا ذكره في\rشرط الشهادة\rالشرط الثالث في النكاح: الوليّ:\r(ونحن ننبه)  في تمهيد الباب قبل بيان ترتيبه على أمرين:","part":1,"page":29},{"id":1008,"text":"أحدهما: أن المرأة مسلوبة العبارة في عقد النكاح في شقي الإيجاب والقبول بالولاية والنيابة والاستقلال ، وقال أبو حنيفة: أن عبارتها صحيحة، (فلها)  الاستقلال، ثم للولي الاستقلال بالفسخ إن أخلت بالكفاءة ، وقال محمد بن الحسن: يصح عقدها مستقلة إلا إذا أخلّت بالكفاءة فيقف على إجازة الولي ، وقال داود: الثيب تستقل بتزويج نفسها دون البكر ، وقال مالكُ [رحمه الله] : الدنيئة  تزوج نفسها دون الشريفة ، ومعتمدنا قول رَسُول الله : (لا نكاح إلا بولي مرشدٍ وشاهدَى عدل)  قال أصحابنا: خالف أبو حنيفة هذا الحديث من أربعة أوجه:\rأحدها: أنه ترك شرط الولي\rوالثاني: أنه ترك شرط الرشد في الولي، (والمرشد)  بمعنى الرشيد \rوالثالث: أنه ترك العدالة في الشهود\rوالرابع: أنه ترك الذكورة، وقوله: (وشاهدَي عدل) يدل عليه هذا قولنا في إنشائها النكاح، فأما  إقرارها  فالمنصوص جديداً قبوله ، والمنصوص قديماً  الرد إلا في بلاد الغربة ، والصحيح القبُول؛ لأن منع الإنشاء مأخوذ من الحديث، والإنشاء متقيد  بتعبدات لا يتقيد الإقرار بها","part":1,"page":30},{"id":1009,"text":"التفريع: أن فرّعنا على القديم فلو أقرت في الغُربة وأنكرت فالذي ذهب إليه جمهور الأصحاب أنها مؤاخذة بالإقرار السابق ، قال الشيح أبو محمد: لا تؤاخذ ؛ إذ ليس ذلك (إقراراً) ، وإنما هو إعراض عنها  للضرورة، فإن استصحاب الشهود في الأسفار غير مُمكن، ولا شك في أنه لو قضى قاضي عليها في الغُربة بإقرارها فلا يقبل بعد ذلك إنكارها ، وإن فرّعنا على الجديد فأقرت أنها  زوجته زَوَّجَها وَليُّها وصدَّقها  فهو المرادُ ، وإن لم تتعرّض للولي بل أطلقت الإقرار ففيه خلاف مبني على أن دَعوَى النكاح مُطلقاً من غير (تقييد)  بشرائطه هل تُقبل  وسنذكر ذلك في موضعه ، وإذا  أضافت إلى الولي وكذبها الولي فقد ظهر تردد الأصحاب، قال القفال: لا يثبت النكاح بإقرارها؛ فإنها أقرت على الولي بالتزويج وكذَّب ، ومنهم من قال: يقبل؛ لأنها مقرَّة على نفسها ، وإنما ذلك (تعرّضٌ منها)  للشرائط، إذ الحقُّ عليهما  لا على الولي، وإن كان الولي غائباً تُسلم المرأة إلى الزوج ، ولكن لو عاد وكذب فهل يسمعُ  ، بُنيَ  على الإقرار في بلاد الغربة إذا عاد إلى الوطن ، وتَقَارُب المأخذين؛ لعُسر استصحاب الولي والشهُود، وقبول  الإقرار للضرورة، فأما إذا أقر الولي إن لم يكن مجبِراً لم يثبت النكاح ، وإن كان مجبراً وأقر في حالة تعاطي العقد على الإجبار قبل؛ إذ الإقرار يُقاربُ الإنشاء ، وإن كان بعد زوال الإجبار فلا يقبل، وإن أسنَدَه إلى حالِة الإجبار نظراً إلى الحال ، ومما نُنَبِّه عليه في المقدمة أن النكاح بغير  ولي إذا جرى وجَرى الوطء ثبت مهر المثل، وسقط الحد ؛ لقوله عليه السلام: (فإن استحلها فلها المهرُ) ، وقال الصيرفي : يجبُ الحد، وتعلق بقوله عليه السلام: (الزانية هي التي تُنكح نفسها) ، ويُمكن أن يحمل ذلك على","part":1,"page":31},{"id":1010,"text":"المبالغة في الزجر، وذلك كقوله: (العينان تزنيان)  وذكر العراقيون خلافاً في\rأنّ حنَفِيّاً لو قضى بالنكاح  بلا وليٍ هل يتبع بالنقض، وهذا يقربُ من مذهب الصيرفي، فإنه مشعر بأن  لا  وقع لمذهب أبي حنيفة وظنه في المسألة مع ظهور الحديث \r\rهذا  غرضنا من تمهيد القول في هذا الشرط  وذكر مقدمته، ونقول (بعد مقصوده) : القول في [الولاية وتفاصيله يحصره بابان: باب في الولي، وباب في المولى عليه، ويشتمل كل باب على فصول الباب الأول: في الأولياء، وفيه فصول الفصل الأول: في أسباب]  الولايات  وما يناط بها الإجبار، وما لا يناط بها الإجبار، وللولاية  أربعة أسباب :\rالأبوّة، وفي معناها الجدودة  ويُعبّر عنها بالقرابة المنبئة عن كمال الشفقة\rوالثاني: العصوبة بالنسب\rوالثالث: الولاء\rوالرابع: السلطنة، وهي الولاية العامة\rأما الأب والجدُ فلهما منصبُ الإجبار في (حالة)  البكارة دون حالة الثيابة، وفي البنين في الصغير دون الكبير ، وقال أبو حنيفة: ليس لهما الإجبار بعد البلوغ بحالٍ   والثيبُ الصغيرة عندنا لا تجبر، والبكرُ البالغة تجبر ، والنظر إلى الثيابة والبكارة ؛ لقول رَسُول الله : ([الثيبُ]  أحق بنفسها [من وَليها] ، والبكرُ تُستأمَر  )  الحديث، وقد ذكرنا وجه الدليل في مآخذ الخلاف، ثم البكارة عبارة عن جلدة العُذْرة ، فإن زالت بجماع ولو بالزنا زالت البكارة وسقط الإجبارُ ، ولم ير أبو حنيفة لزوال البكارة بالزنا أثراً ، ولو زالت [البكارة]  بوثبة أو طفرةٍ  أو بأصبع  تردّد فيه أصحابنا، والظاهر أن البكارة قائمة لعدم الجماع ، وتردد الشيخ أبو محمد في أن هذه هل تندرج تحت وصية أضيفت إلى الأبكار ،\rوأورد الشيخ أبو علي في مبسوطه وجهاً أنها لا تندرج لا تحت الثيب ولا تحت\rالأبكار في الوصيّة ، ومعنى الإجبار الذي ذكرناه في البكر البالغة أنه لو زوّجها","part":1,"page":32},{"id":1011,"text":"من كفؤ وهي ساخطة نفذ العقد ، ولو استدعت من الولي  النكاح تجب\rالإجابة في ظاهر المذهب ، وذلك لا يناقض [الإجبار] ، فإن حاجتها إلى\rالنكاح لا تقصر عن حاجة الطفل إلى الطعام ، وقيل: أنه لا يجب الإجابة\rولا عبارة لها وأنها  مجبرة وهذا غلط غير معدود من المذهب ، نعم لو عَيّنت\rكُفوءً وعَيّن الولي كُفوءً ففيه اختلافٌ ظاهرٌ، منهم من قال يجب رعاية حظها في\rأعيان الأكفاء، ولاحظ  للولي إلا في أصل الكفاءة وتعاطي العقد ،\rومنهم من قال هي مُجبرةٌ ، والواجب على الولي إعفافها  فقط، وذلك يحصل بهذا  الكُفؤ ، فأما القرابة التي لا تُفيد كمالَ الشفقة كقرابة الأخوّة\rوالعمومة وأولادهم، وهم المنتمون إلى النسب بالعصوبة، (فلا ولاية إجبار لهم)  بحال، ولكنهم يزوجون الثيب بعد البلوغ بالرضى، والبكر كذلك ، وهل لهم الاكتفاء بسكوتها [بسكوت البكر فيه وجهان: أحدهما: الاكتفاء؛ لظاهر قوله عليه السلام: (وإذنها صماتها)، والثاني: وهو القياس أنه لا يكتفي؛ لأن الإذن شرط هاهنا فيتعين النطق والحديث محمول على الحث على مراجعتها في حق المجبر والاكتفاء بسكوتها]  وأما المولى المعتق فالقول في تزويجهم كالقول في تزويج الأعمام والأخوة ، وأما السلطان فوليٌ في أربعة مواضع: عند عدم الولي ، وعند غيبته ، وعضله ، وإذا أراد الولي أن يُزَوِّج من نفسه ، وليس للسلطان ولاية الإجبار\rعلى الصغيرة والصغير عندنا فإن ولايته دون ولاية الأخوة والأعمام ، أما المالك\rفله ولاية التزويج بالإجبار، وسنتعرض لتفاصيله في الباب الثاني، وليس","part":1,"page":33},{"id":1012,"text":"للوصي ولايةُ التزويج وإن فوض إليه المُوصِي ؛ إذ ليس له قرابة وشفقة تدعوه إلى رعاية الغبطة، (وتقطعه عن)  الأجانب، ولاحظ له في شجرة النسب والكفاءة واختتام الفصل بالتنبيه على حقيقة  في الولاية، وهو أن الولاية الحقيقية ولاية الإجبار، وذلك لا يثبت إلا للأبّ والجدّ في حالة البكارة، وتثبت لهما في المال في حالة الصغر ، فهذه  هي الولاية المحققة وجريانها عند قصور المَولى عليه عن التصرف\rوأما  السُلطان فلا يستقل بالتصرف في البضع، وقد يستقل بالتصرف في مال الغائب وما أشرف على الضياع، ويكاد أن يكون هذا نيابة؛ فإن المالك أهل [للتصرف بنفسه] ، ولكن تعذَّر عليه الوصول؛ ولذلك قدمنا السلطان في مال الغائب على الأب حتى لو شَغر البقعة  عن الوالي، فليس لأب الغائب التصرف في مالهِ المشرف على الضياع مستقلاً به، وقد تردد أصحابنا في شيئين: أحدهما: أنه إذا زوج السلطان عند عدم الولي فهو وليّ وإن لم يكن محتكماً  قال رَسُول الله : (السلطان وليّ من لا","part":1,"page":34},{"id":1013,"text":"وليّ له)  فنطلق القول بأن تزويجه بالولاية، فأما إذا عضل الولي فترددوا في تزويج السُلطان، منهم من قال: بالولاية ؛ فإنه يختصّ بالسلطان من بين سائر الناس، ومنهم من قال: بالنيابة ؛ فإن العم والأخ مقدم على  السُلطان في الولاية وفي هذا المقام السلطان أولى ، فدلَّ على أنها نيابةٌ قهريَّةٌ، ولكن أنتجها  الولاية العامة، والقائل الأول يقول: للسلطان استيفاء الحقوق عن  الممتنع بالولاية، وهذا حق على الوليّ مَنَعَه، وهو بعيد؛ لأن  تقدير العقد حقاً عليه مستحقاً لا ينتظم، فإن قيل: وهل يُعصى بالعضل قلنا: أطلق الأصحاب القول بالمعصية ، قال الإمام: إن لم يكن في البقعة سُلطان  عصي وإن كان فلا وجه لتعصيته فلا يتعيّن عليه التزويج مع قيام السلطان، ويجري التردد في أنه ولايةٌ أو نيابةٌ في التزويج عند غيبة الولي وعند تزويج الولي نفسَه؛ لأنه جارٍ مع قيام الولي الحاضر، فأنَّى  يكون نيابة\rالمحل الثاني: لتردد الأصحاب أنا نُطلق القول بأن الأخ وليٌ بعد البلوغ وإن كان لا يحتكم بل يُحتكم عليه فهل نطلق القول بكونه ولياً قبله، منهم من قال: نعم هو ولي إذ  البلوغ لا يفيد ولاية لم تكن ، ولكن كانت الولاية مشروطةً بالإذن فلم تُفد إلا بعد وجود الشرط، ومنهم من قال: ليس ولياً  والخطبُ في هذا قريب، والولاية ليست ولاية احتكام، ولكن الأقيس هو الأول\rالفصل الثاني: في ترتيب الأولياء\rونقول في ترتيب أجناس الأولياء: الإدلاء بالنسب مقدم على الإدلاء بالعتق والولاء، ونعني بالإدلاء بالنسب الإدلاء بالعصوبة، وجهة الولاء مقدمة على جهة الولاية العامة، والازدحام يُفرَض بالنسب والولاء جميعاً، فنتكلم أولاً في النسب، فنقول: الأب ثم الجد ولهما ولاية الإجبار، ومن عداهما فترتيبهم ترتيب العصبات في الميراث  إلا في\rثلاث مسائل:","part":1,"page":35},{"id":1014,"text":"أحدها: أن الابن عصبة في الميراث، وليس له ولاية بالبنُوّة إلا أن يكون قاضياً، أو عصبة المعتق، أو ابن عَمَّ المزوجة، فالبنُوّة لا تفيد بنفسها، ولا تمنع التزويج بجهة أخرى، ومأخذه مستقصى  في مآخذ الخلاف \rالثانية: أن الجد في الميراث يقاسم الأخوة، وفي مسألتنا الجد أولى؛ لأنه مجبرٌ، وهو على عمُود النسب، وشفقته أكمل لا محالة \rالثالثة: أن الأخ من الأب والأم مقدم على الأخ للأب  في الميراث   وفي مسألتنا قولان:\rأحدهما: التقديم كالميراث \rوالثاني: التسوية؛ لأن الإدلاء بالأم يؤثر في إفادة الميراث ولا يؤثر في باب الولاية ، وذهب المزني  إلى التقديم، واحتج بالتقديم في الصلاة على الجنازة، وفي الوصية للأقرب، وهو مُسَلَّمٌ إليه ، والفرق أن للقريب  أثراً في الدعاء والصلاة؛ ولذلك  مزيد في القرب لا ينكر، ولكن الولاية ما نيطت بذلك الجنس من القرابات، ومن أصحابنا من قال يعود  الخلاف في الوصية وفي الصلاة  وهو بعيد، والفرق ظاهر ، قال الإمام: وهذا الخلاف يجري في ابنيهما، وكذلك في العم من الأب والأم والعم من الأب وابنيهما أعني في ولاية التزويج ، ولا جريان له في ابني عمٍّ أحدهما أخٌ لأم ؛ لأن معتمد التقديم العصوبة والتقديم بها، وأخوّة الأم في هذه الصورة لا يفيد عصوبة، وإنما يفيد ترجيحاً ، وكذلك إذا كان للمرأة ابنا عمٍّ أحدُهما ابنها فلا تقديم؛ لأن البنوّة لا تُفيد بنفسها ولا ترجح عصُوبة العمومة ، وذكر الشيخ أبو محمد وبعض المصنفين طريقةً في جريان القولين في الصورتين  ويوافقه نص ابن الحداد  على أنه إذا كان للمعتق  ابنان  أحدهما (من المعتقة)  فهو أولى ، وهذا أبعد مما ذكروه، فإن النسب جنسٌ بخلاف  الولاء فكيف ترجح به، وما ذكروه أيضاً بعيد غير معتد بهِ هذا هو القول في ترتيب الولاية بالنسب\rأما ترتيبُ الولاية بالولاء فنقول:","part":1,"page":36},{"id":1015,"text":"أوّلاً: للمعتق ، فإن كان المعتق امرأة فلها الولاء، والتزويج إلى وَليها الذي يزوجها  فيزوج معتَقَهما برضى المعتقَة، ولا يحتاج إلى رضي المعتِقَةِ هذا هو المذهب؛ لأن الإجبار لا يثبت لها وليس لها تعاطي العقد ، وذكر الشيخ أبو علي: وجهاً أنه لابد من رضاها؛ لأنها المستحقة، ومنها تلقى الولي الولاية ، ثم إذا رُوجعت فامتنعت  كانت عاضلة يزوجها  عصباتها ولكن بإذن السلطان ، وإن كان يحتمل تفويضاً  إلى السلطان حتى يزوج بإذن العصبات لما جرى من العضل ، ولكن ما ذكرناه أولى؛ لأن العقد ليس إليها فيكون  السلطان نائباً عنها في العقد إنما إليها الرضى، فالسلطان ينوب عنها في الرضى\rالاجتماع   في الولاية، ففيه ثلاثة مسائل، أحدها: إذا أعتق رجلان جاريةً فليس لأحدهما الاستبداد بالعقد عليها  بل هُما كولي واحد؛ لأن السبب متحد فوزّع عليهما وليس كالأخوة، فإن كل واحد يدلى بأخوَّة كاملة \rالثانية: إذا اتحد المعتق وخلف ابنين فكل واحد ولي على الكمال؛ لأن الولاء\rلا يورث حتى يُوزّع  عليهما، بل يُورث به، وكل واحد يُدلى ببنوة كاملة ، ولو اعتقها شريكان ثم خلف كل واحد ابناً فهما كشخص واحد  إذ كل واحد ليس يُدلى إلى من له الولاء الكامل\rالثالثة: إذا اجتمع عصبات المعتق فترتيبهم كترتيب العصبات للنسب ، إلا\rفي مسائل\rأحدها : أن ابن المرأة لا يزوجها إذ لا ينتسبُ إلى شجرتها وابن المعتق يزوج؛ لأنه ينتسبُ إلى المعتق \rالثانية: أن الجد في النسب مقدم على الأخ ، وفي مسألتنا إذا اجتمع جَد المعتق وأخوة من الأب أو  الأب والأم ففيه قولان:\rأحدهما: أنهما يستويان؛ لأن هذا أب الأب، وهذا ابن الأب ، فيُدليان\rبواحد \rوالثاني: أن الأخ أولى؛ لأنه يُدلي بالبنُوّة وهي أقوى، والجَد في النسب مقدمّ؛\rلأنه أبُ المزوجة تحقيقاً، وفي مسألتنا تمحَّضت رعايةُ العصوبة، فالبنُوّة \rأولى منها ","part":1,"page":37},{"id":1016,"text":"الثالث: إذا مات المعتق وخلف ابناً وأباً، فالابن هو المزوّج؛ لأنه العصبة، والأب صاحب فرض \rالرابعة: الجد وابن الأخ، منهم من قال: هاهنا يقدّمُ الجد؛ لأنه أقرب\rبدرَجة ، ومنهم من قال: التعويل على قوّة العصوبة كالبنوّة ، وابن الأخ يُدلي\rبالبنُوّة \rالخامسة: أخ المعتق للأب والأم وأخوة للأب، وفي التقديم بالميراث  خلاف ؛ لأن الولاء يجري بمحض العصوبة، وقرابة الأم لا أثر لها فيه بخلاف ولاية  النسب، ففي  التقديم في الولاية  طريقان، منهم من قطع بالتسوية ؛ لأن الولاء لا يتعلق إلا بالعصوبة، ومنهم من أجرى التقديم أخذاً من الميراث \rفرعان: أحدهما إذا كان للمُعتِقَة أب وابنٌ فيزوج المعُتَقة في حياة المُعتِقة أبوها لا ابنها؛ لأنه وَليُّها ، وإذا  ماتت يزوجها ابنُها لا أبوها؛ لأنه عصبتها ، ومن أصحابنا من ذكر [في ذلك]  وجهاً أن ولاية الأب تدومُ بعد الموت ، وهذا  بعيد ، وأن حكاه الشيخ أبو علي ، وذكر آخرون أن الابن يزوج في حياتها؛ لأنه الذي يزوج في مماتها  وهو أيضاً بعيد، والمذهب ما ذكرناه \rالثاني: جارية نصفها حرٌ ونصفها رقيقٌ فمن يزوجها، نُقدِّم على هذا أنها لا\r تورَث ، وإذا خلفَت مالاًّ (حصل لها)  بالحرية، فهل يرثه أقاربها، فيه خلاف، إن قلنا: لا ترثه فإلى ما يُصَرف [فيه]  وجهان:\rأحدهما: إلى بيت المال \rوالثاني: إلى  مالك الرق، فإنه الأقرب","part":1,"page":38},{"id":1017,"text":"رجعنا إلى الولاية، المذهب الصحيح أنا إن قلنا ترثه ورثتها  فيزوجها عصبتها  ومالك الرق ، وإن قلنا: لا ترثه فيزوجُها المالك والقاضي ، ومن أصحابنا من ذكر وجهاً أنا وإن ورثنا فلا (تثبت الولاية للعصبة) ، فإنها لا تتبعَّض ، فإذا لم يُفِد  تزويج النصف لا يُفيدُ  الباقي، وهذا يكاد يحزمه الميراث، ويُمَكِّن الفرق بينهما أيضاً ، [وذكر بعض أصحابنا وجهاً أنا إذا لم نورث أهل النسب، ولم نورث أيضاً المعتق بالولاء، فيزوجها المولى مع المالك]  وذكر بعض أصحابنا وجهاً أنها  لا تزوّج أصلاً لعسر الأمر  فرجعَ  حاصل الوجُوه إلى أنا إن أثبتنا الميراث لأهل النسب فأربعة أوجه، فالظاهر  [أنا إذا لم نورّث أهل النسب، ولم نورث أيضاً المعتق بالولاء، زوجها المولى مع المالك وذكر بعض أصحابنا]  أنهم يزوجُونها معَ المالك \rالثاني: أن الولاية إلى المعتق والمالك، وإن حجب المُعتق عن الميراث فلا يُحجب عن التزويج بخلاف النسب \rوالثالث: أنه يُخرج المعتق كما أُخرج القريب فيزوجها السلطان والمالك \rوالرابع: أنها لا تزوج أصلاً لعسر الأمر \rفأما إذا لم يورث أهل النسب ولم  يورث صاحب الولاء أيضاً، فيخرج\rثلاثة أوجه:\rأحدها: أن القاضي والمالك يزوجان \rوالثاني: أن المالك والمعتق يزوجان، وكأن المعتق مالك \rوالثالث: أنها لا تزوج أصلاً ، والصحيح ما ذكرناه في أول الأمر ، (والباقي) : خبط [جاء]  غير معتد  به\rهذا تمام القول في اجتماع مستحقي الولاء فإن عُدم عصبة المعتق فمُعتِقه، فإن عُدم فمُعتِق معتِقِه على الترتيب ، فإن عُدموا فالسلطان يزوج بعلتين :\rأحدهما: بالولاية العامة\rوالثاني: بنيابة المسلمين، فإن الولاء ينتقل إلى بيت المال: (بيت مال المسلمين) ، والإمام نائبهم\rالفصل الثالث: في اجتماع الأولياء في درجة واحدةٍ","part":1,"page":39},{"id":1018,"text":"وإذا اجتمعوا فكل واحد يستقل  بكمال الولاية ، وإن  عضلوا بأجمعهم عصوا ، ولو عضل واحد دُعي  إلى النكاح فهل يعصي  يبتني على أن (الشهادة التي لا تتعين)  هل تعصي بالامتناع وإن تشاحوا  أو أراد كل واحد تولى  العقد فإن عينت المرأة واحداً تعين؛ لأنهم كالولاء بالنسبة إلى الأجانب، وإن أذنت للكل فالأحب تقديم الأسن الأفضل، وإن بادر غيره صح، ولم ينته الأمر إلى الكراهة ، وإن تساوت الدرجة أو استمروا على النزاع  فالقرعة، وتُسَلّم ، إلى من خرجت له القرعة ، فإن بادر غيره [وزوّج]  صح ،\rوحكى بعض المصنفين وجهاً أنه لا يصح؛ ليكون للقرعة فائدة [ومزية] \rوزَيَّفة الإمام ، وقال: لا ينتهي الأمر  إلى الكراهة إلا أن تكون القرعة من السلطان  (لمخالفة استصوابه فهو مكروه)  لا محالة، هذا إذا زوّج الواحد من كُفؤ ، فإن زوجها من غير كفؤ برضاها فقد قال الشافعي [رحمه الله] : النكاح مفسوخ  وللأصحاب ثلاثة طرق: منهم من قال ينعقد العقد قطعاً؛ لأنه صدر  من أهله في محله ولكن للأولياء الفسخ؛ لأنه يتضمن الإعراض  عن حقهم كما\rفي الشفعة ، ومنهم من قطع بأنه لا ينعقد أصلاً؛ إذ لو انعقد وتسلط غير الكفؤ لكان لا يتدارك ذلك بالفسخ، وللزم  العار لزوماً لا يدحض  ، ومنهم من\rقال: قولان ، وعلى الجملة حق بقية الأولياء باق عندنا ، وقال أبو حنيفة يلزم  النكاح  وليس للباقيين الاعتراض ، هذا تمام الغرض من الفصل\rالفصل الرابع\rفي صفات الأولياء، وما يقدح من الصفات في الولاية\rوفيه سبع مسائل:\rإحداها: أن الرق سالبٌ للولاية (لأنه لا)  ولاية لرقيق على نفسه، فكيف (يلي على)  غيره \rفرع: لو توكل العبد من جهة غير السيد، لقبول  (النكاح له صح)  سواء كان","part":1,"page":40},{"id":1019,"text":"بإذن الولي أو دون إذنه، فإن عبارته، صحيحة، وليس يفوت به شيء على سَيّده ، ومن أصحابنا من (جَوَّز بشرط)  الإذن  وهو بعيدٌ، ولو وكّل في شق التزويج فكذلك   وإن كان من السيد أو بإذنه ففيه وجهان ، ووجهُ الإبطال أنه\rنائبٌ الولي، فيشترط فيه ما يشترط في الولي بخلاف القبول للزوج فإنه نائب\rالمالك \rالمسألة الثانية: كل صفة تنافي النظر كالصبي والجنون والإغماء المطبق ، أو تُخِل به كالسفيه المحجور عليه بالسفة ، والمختل  المعتوه  الذي لا رأى له ولا حزم، أو العليل الذي توالت عليه الأسقام [أسقام]  تلهيه عن النظر ، وكل ذلك (يسلب الولاية) ؛ لأن النظر ينعدم به فيلتحق بالصَبي والمجنون  أما المحجور\r[عليه]  بالفلس فولي؛ فإنه ناظر، وإنما حجر عليه لحق غيره \rفرع: لا نعني بالإغماء الغشية الخفيفة من هيج المِرَّة الصفراء التي تنجلي عن  قريب  ومن جملته الصَّرع  فذلك (لا أثر له) ، وإنما نعني به زوال العقل، ودوام الأمر ، ثم إذا فرض ذلك فالمذهب الصحيح أن المزوِّج هو السلطان ، ويكون ذلك كالسفر؛ لأن الإغماء لا يُصَيِّره  مولياً عليه فلا يزيل ولايته، وفائدته: إن البعيد لا يلي به، وظاهر المذهب في الجنون المنقطع أنه ينافي الولاية  وينقلها إلى البعيد بخلاف الغَيْبَة، ومن أصحابنا من ذكر وجهاً في الجنون المنقطع من الإغماء ، ومنهم من ذكر وجهاً في الإغماء من الجنون المنقطع ، وحاصل المذهب ثلاثة أوجه ","part":1,"page":41},{"id":1020,"text":"التفريع: إن ألحقنا الإغماء بالغَيْبَة، وكذا الجنون المنقطع  على وجه، فلا نسلِط  السلطان على التزويج إلا إذا تمادى مُدة يخرج فيها الرجل إلى الولي المسافر (القريب مسافة سفر)  القصر أو إلى سفر العُدْوى  -على ما فيه من الاختلاف كما سنشرحه- ويَؤُوبُ إلى منزله ، وإن ألحقناه بالجنون المطبق تسلط البعيد في الحال على الولاية ، ويتفرّع عن هذا الخلاف شيء آخر:  وهو أنا إن ألحقنا الجنون المنقطع بالغيبة فكما زال عادت الولاية، وامتنع على السُلطان الولاية \rوإن قلنا: إنه يسلبُ أصل الولاية، فإذا أفاق ولم يكن به خَبَلٌ عادت ، وإن كان به أدنى خبَل يحتمل مثله في غير المجنون، ويحمل على جُرأة  طبع، فهل تعود الولاية وجهان  ، ومن لا يحكم بالعود يزعم أن هذا جنون مُحَقق مُطبق فيستتبع  حالة الإفاقة إذا كان فيها [أدنى]  خلل ، والقائل الأول: لا يعتقد هذا جنوناً بل يحمله على عارض يعرض\rالمسألة الثالثة: العمى هل ينافي الولاية، منهم من قال نعم، (للقصور\rفي النظر)  ، ومنهم من قال مقاصد النكاح لا ترتبط بالبصر، فالأعمى \rأهل له \rالمسألة الرابعة: الفاسق هل يلي التزويج ظاهر نصوص الشافعي [رحمه الله]  في القديم والحديث : أنه يُزَوِّج ، وقال: (لا يلي السفيه) ، فاختلف  الأصحاب على خمسة طرق\rأحدها: وهو الذي اختاره القفال: القطع بأنه يلي ، وحمل نص الشافعي في السفيه على المُخبَّل  الذي لا ينظر لنفسه، وهذا يتأيد في المعنى بسببين :\rأحدهما: ترك النكير من السلف الصالحين عن  التزويج، والفسق غالب على\rالناس \rوالثاني: أنه ناظر لنفسه، والفسق جناية على خاصة دِيْنِه، ومن ينظر لنفسه ينظر لولده ","part":1,"page":42},{"id":1021,"text":"قال الشيخ أبو محمد: ولهذا ترددنا في أن السفه  إذا عاد بعد زواله عند البلوغ فهل يعود الحجر  ولا خلاف في أنه لا يعود حجر بِطَرآن الفسق ، ولو  اقترن الفسق بالصَبى لوجب  اطِّراد الحجر  فعند ذلك لا يخفى سقوط الولاية، وإذا\rقلنا السفه الطارئ لا يُوجب  عود الحجر ، فقبل ضرب الحجر، قال الشيخ: ينقدحُ أن يُقال: لا يلي؛ لاختلال النظر هذا ما فصّله الشيخ في آخر عهده \rالطريقة الثانية: وهي المشهورة تخريج  المسألة على قولين : ويجريان في ولاية المال من غير فصل \rوالطريقة  الثالثة: أنه إن فسق بشرب الخمر لم يكن ولياً؛ لأن السُكَر يغلِب على حاله فيمنعه من النظر، وإن فسق بغيره كان ولياً \rالطريقة الرابعة: أن النسب القوي الذي يُفيد الإجبار لا يرتفع بالفسق لقوته والنسب  الضعيف الذي لا يفيد الإجبار يندفع به لضعفه \rالطريقة الخامسة: عكس ذلك، ذكرها أبو إسحاق المروزي ، وهو أن الفاسق لا يستبد بالعقد في صورة [الإجبار]  وإن زوّج بالرضا لم يقدح الفسق \rفروع ثلاثة: أحدها: أن المستور الحال وليٌّ قطعاً، ويتأيد ذلك بترك البحث في عادة السلف \rالثاني: أن الفاسق لو توكل في شق القبول جاز ، ولو توكل في شق التزويج وجهان، ينبنيان  على العبد إذا توكل فيه ، وهاهنا أولى بالجواز لأنا في اشتراط العدالة في الولي نفسه على علالة \rالثالث: السكران : على قولنا يُزوِّج الفاسق [إن قلنا لا تنفذ تصرفاته فهو كالمغمى عليه  وسنذكره ] ، وإن قلنا: تنفذ تصرفاته، قال أصحابنا: ينفذ تزويجه ، وفيه مستدرك، فإن النظر ينخرم به فيضاهي المعتوه \rالمسألة الخامسة: في الكفر، ولا شك في أن اختلاف الدين مانع من الولاية\rبالنسب الخاص ، ولقاضي المسلمين ولاية التزويج على الكافرات ، فأما ","part":1,"page":43},{"id":1022,"text":"المسلم إذا أراد التزويج بكتابية، وليس لها ولي حاضر، ولا في ذلك القطر قاضٍ فإن  قَبِل نكاحه من قاضي الكفار لا يجوز، هذا هو الظاهر ، وفي كلام صاحب التقريب  ما يدل على أنه يجوز ذلك وهو بعيد ، وسبب انقطاع الولاية باختلاف الدين انقطاع النظر ، فأما الكافر يزوج  وَلِيَّته  الكافرة من المسلم والكافر، هذا  هو المذهب ، وقد قال الشافعي : \"وولى الكافرة كافر\" ، ثم إذا قلنا:  يزوج لم  يشكل تزويج الكافر، وإن قلنا: لا يزوج فربما يكون (فاسقاً في دينه) ، ولا ثقة لنا بقولهم وشهادتهم في التزكية والجرح، فيبنى  أمرهم على السترِ، والمستُور الفسق ولي كما ذكرناه ، فإن ظهر ذلك بمعاينة الزنا، والقتل، والسرقة، وغير ذلك منه لم يكن ولياً، وكذلك إن أقر على نفسه أو شهد عليه مُسلم خَبير بحكم  شرعهم  قال الحليمي : \"لا ولاية للكافر ، كما لا ولاية للفاسق\" ، ونص الشافعي محمول\r\rعلى أنا لا نتعرض لهم إذا زَوَّجوا  فيما بين أظهُرِهم، وهذا يخالف المذهب ، ويلزم عليه أنهم إذا ترافعوا إلينا في طلب نفقة النكاح نُعرِض  عنهم كما نُعْرِض عنهم في طلب قيمة الخمر ، وهذا يحبط  أصل القول في نكاح المشركات ، فالمذهب\rالأول  ، وإنما ارتكب الحليمي ذلك لإشكال نبهنا عليه في [كتاب]  مآخذ الخلاف في مسألة الولي الفاسق، ومسألة شهادة أهل الذمّة\rالمسألة السادسة: غَيبة الولي، وذلك لا يخرجُه عن كونه ولياً إذ صفات الأولياء قائمة  (ولذلك)  لو زوج ابنته وهو في غيبته (صح لاستجماعه)  الشرائط ، ولو كان قد وكل وكيلاً ثم غاب لم تنقطع الوكالة وإنما هذا تراخي نظر  وجميع الصفات التي ذكرناها تنافي الولاية  إلا الإغماء والجنون المنقطع  ففي\rإلحاقه بالغيبة خلاف  ذكرناه ، ثم اختلف أصحابنا في تفصيل هذه المسألة في\rثلاثة أمور:","part":1,"page":44},{"id":1023,"text":"أحدها: حَدّ الغَيْبَة، فقالوا: إن بلغ مسافة القصر كان  للسلطان التزويج ،\rوإن كان دون مسافة العدوى (وَهي التي ينهض إليها المرء)  نهاراً فيعود إلى منزله قبل أن يجيء  الليل ، فيجب مراجعته ، وإن كان فوق ذلك ودون مسافة القصر\rفوجهان ، ومثل هذا الخلاف جاري في قبول شهادة الفرع، وفي الاستدعاء \rعند القاضي \rالثاني: أن السلطان يزوج بولاية في هذه الصورة أو بنيابة، وقد ذكرنا هذا الخلاف من قبل \rالثالث: أن المرأة إذا جاءت إلى السلطان تطلب النكاح، قال الشافعي: \"لا يزوجها ما لم يُشهد أنه ليس لها ولي حاضر، وليست في زوجيّة ولا عدّة\" ، فاختلف  الأصحاب، منهم من قال ذلك غير محتوم وإنما هو استحباب؛ لأن الاعتماد في العقود على قول (أصحابنا)  فيعتمد قولها ، ومنهم من قال: هو واجبٌ؛ إذ النكاح يفارق غيره من العقود في الاحتياط ، (ولذلك)  اختصّ باشتراط الشهود،\r(فاعتماد)  قولها مع جهل القاضي بحالها  (هجوم عظيم) ","part":1,"page":45},{"id":1024,"text":"التفريع: إن قلنا: إن ذلك واجبٌ، فشهادة الشهود على نفي الوليّ الحاضر، ونفي الزوجية والعدة تضاهي الشهادة على الإعسار، وعلى أن لا وارث للميّت سوى الطالب حتَّى تختصّ هذه الشهادة بمن يَطَّلع على بواطن أحوالها ، وإن قلنا: إنه احتياط، فلو ألحت المرأةُ وقالت: ترك الاحتياط جائزٌ، وإجابتي ممكنةٌ، فلا تترك إجابةٌ واجبةٌ، باحتياطٍ [ ب] يجوز تركه، فهل يجب على القاضي [استمهالها]  المبادرة اختلف فيه عُلماء الأصول؛ لارتباط المسألة بأحكام الإيالة  ، فقال: قائلون تجبُ الإجابة، وغاية ما يملكه السلطان استمهالها  إلى أن يبحث ، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني : له التأخير؛ ليحتاط في الأمر إذا رأى الاحتياط ، ومما يتصل بتتمة هذا الفصل أن الولي إذا غاب غيبة  منقطعة، وانقطع الخبر وعَسُر البحث فلابد من تزويجها ، ويعتمد القاضي [على]  قولها (في أن الولي)  لم يزوجها في غيبته بإذن أو غير إذن، فإن  أراد تحليفها احتياطاً فله ذلك ، وكل تحليف لا يتعلق بدعوى وإنما هو احتياط ففي كونه مستحباً أو مستحقاً خلاف  سنذكره في موضعه ، فإن قيل: أليس يبيع القاضي مال الغائب وإن احتمل منه في الغيبة البيع من غير تثبّت وتحليف، قلنا: بيعُ القاضي تنفيذٌ  على المشتري من الغائب أيضاً، ونكاحه يستحيلُ  أن ينفُذ على الزوج؛ فلأجله فارقه في الاحتياط ","part":1,"page":46},{"id":1025,"text":"المسألة السابعة: في الإحْرَام، والمُحْرِم عندنا بالحج والعمرة مسلوب العبارة في شِقَّي عقد  النكاح حتى لا يوكل ولا يتوكَّل في الشقين ، ولو طرأ الإحرام على الوكيل أو الموكِّل فهل ينعزل الوكيل الظاهر أنه [لا]  ينعزل ، ومنهم من يبنى  على أصل، وهو إن الإحرام ينافي الولاية حتى [تنتقل]  إلى البعيد، أم يؤخر النظر حتى يكون كالغَيْبة، ويَنتقل النظر إلى السلطان، منهم من قال هو كالغيبة؛ لأن الصفات الموجبة للولاية قائمة ، والعقدُ قائم ولكن الشرع منع منه، فصار ذلك كالمنع الحسّي بالغَيْبة ، ومنهم من قال يُنافي؛ لأن الإمكان حاصل، والعقد باطل إذا تعاطاه، فليسَ ذَلك إلا لمنافاة  فإن ألحقناهُ بالمنافاة انعزل الوكيل بطرآنه من الجانبين، ولم\rيَعُد عند زواله، وإن قلنا: هو كالغَيْبة فيحتمل فيه خلاف ، فإنَّا ألحقنا الإغماء بالغَيبة في وجه، ثم في انعزال الوكيل بالإغماء خلاف ، ثم قال الصيدلاني: إذا\rقلنا: لا ينعزل فلا يزوج الوكيل والمُوكِّل محرم؛ إذ يَبعُد أن يتصرف بنيابةٍ  في حالة لا ينفذ تصرفه ، وعلى الجملة هذه القاعدة خارجةٌ عن القياس، ولأجلِه خَالَف","part":1,"page":47},{"id":1026,"text":"أبو حنيفة ، ومعتمدُنا قوله عليه السلام: (لا يَنْكح المحرِم ولا يُنْكح)  والإنكاحُ هُو تعاطي العقد في الغير، وَفي بعض  الروايات (ولا يَشْهد) ، فاختلف  الأصحاب فيه، فذهب ذاهبون إلى أنه لا ينعقد بحضور مُحرَمين ، ومنشأ التردُّدِ في الرواية، (ثم هذه المحرمات)  هل تنقطع بالتَحَلُّل الأول  فيه وجهان، والظاهر أنه لا تنقطع ؛ لأنه مُحرِمٌ، وقد قال عليه السلام: (لا يَنْكِح المُحرِم) ويتصل بهذا أن المنكُوحةَ المَحرِمة لا يجوز تزويجها، فالإِحْرَامُ في المنكُوحة مانع من الصحة في العقد للحديث، وهل يَمنعُ من الرجعَةَ وجهان، يقرُب مَأخذُهما من اختلاف القول في أن الرجعة هل تفتقر إلى الشهَادة والصحيح أنهُ لا يمنعُ الرجعة ؛ لأنها في حُكم استدَامَة ، والحديث إنما ورَدَ في ابتداء النكاح [لا في استدامته]  \rالفصْل الخامِسُ: في تولِي الولَي طرفي العقد\rوذلك غير مجوَّز لمن أراد أن يزوج من نفسه ويتصور ذلك في بني الأعمام وعصبات المعتق والقضاة، فليس لهُم تولى الطرفين ، ولا التوكيل بأحَدِ  الطرفين، إذ عبارة الوكيل عبارة المُوكِل ، وإنما لا يثبت لهم التولى؛ لأن أصل العقد مبنيٌّ على التخاطب، ولا ينتظم أن يُخاطب الإنسان نفسه، نعم الأبُ يتولى طرفي البيع في مال ولده للضرورة، إذ المراجعة إلى الوالي في دقائق الأمور عَسِر ، وولاية الأب على نهاية القوّة، فلا يُوازيها غيرها من الأسباب ، ثم الطريق لهؤلاء في التزويج أن يرفعوا الأمر إلى الوالي حتى يزوّج منهم، وإن  كان في درجتهم من يُساويهم، زوّج منهم  وأما القاضي فيرفع [الأمر]  إلى الإمام ليزوج  منه، ويجوز أن يرفع إلى قاضٍ آخر، أو ينصب حاكماً من جهة نفسه فيزوّج منه ولم يكن كوكيله، فإن حُكَّامَه حُكّامُ الإمام حتَّى ينفذ حُكمهم عليه ، واختلف الأصحاب في مسألتين:","part":1,"page":48},{"id":1027,"text":"إحداهما: أن الإمام الأعظم هل يتولى الطرفين منهم من قال: نعم؛ إذ لا منصب فوقه، وجَميعُ الحُكَّام وُكَلاؤُه وَمُستنابوه، وولايته أعظم الولايات، ولا يُمكن الحجر عليه في التزويج ، وَمنهم من قال: لا يتولى جرياً على القياس ، فأما  الأب فخارجٌ عن القياس ، ثم طريقه أن يزوج منه بعض حُكَّامه [وَوُلاتِه]  فإنهم حُكَّام  عليه ، رُوي أن شريح القاضي حَكَم على عليٍ ، فقال: (حَكمتَ عليَّ أيها العبد (الأبطن)) ، ولا يُمكن التعلق بما روي (أن رَسُول الله  نكح صفيّة، وجعل  عتقها صدَاقها) ، فإن أفعال رَسُول الله  في محل خصائصه لا يجوز التعلق بها أصلاً\rالثاني: أن الجد هل يتولى طرفي النكاح على حَفَدته اختلفوا فيه، منهم من قال: يتوَلى؛ لأنهُ في معنى الأب، والأب يتولى طرفي البيع، كذَلك  يتولى طرفي النكاح \rوَالثاني: [أنهُ]  لا يتوَلى؛ لأن للشرع تعبُّداً في الصيغة في النكاح، وليس ينتظمُ أن يُخاطبَ الإنسان نفسَهُ، وَإن احتمل ذلك في البيع فليس يحتمل في النكاح \rفرعان: أحدُهما: إذا قلنا: يتولى ، فهل يُكتفى بأحَد الشقين يبتني على أنهُ في تولية البيع هل يُكتفى بأحد الشقين وفيه وجهان\rأحدُهما: أنه لا يكتفي ليتمَّ الإيجابُ والقبُول \rوالثاني: أنه يُكتفى؛ لأن قوله: بعتُ من نفسي كاملٌ في التمليك ، وإنما يتعدَّد من شخصين إذ لا يقدِرُ أحدُهما على إلزامِ الآخر شيئاً، فإن قيل: لو قال: رضيتُ بأن تبيع مني، فلو قال: بعتُ منكَ، ينبغي أن ينعقد، قلنا: إذا قلنا ينعقدُ البيع بالاستيجاب والإيجاب فلا يبعُد أن يكون قوله: رضيتُ بأن تبيعَ مني، كقولهِ: بع منِّي، ويحتمل خلافه، ومنشأ (هذا التردد هذا)  رجعنا إلى الجَدّ فهاهنا أولى بأن لا يُكتفى بأحد الشقين، لاختصاص النكاح بالتعبُّدات ","part":1,"page":49},{"id":1028,"text":"الثاني: أن الجد على قولنا: لا يتولى الطرفين، لو وَكّل وكيلاً حتى يقبل النكاح ويتولى الطرف الثاني، هل يجوز منهم من قال: لا؛ لأن عبارة الوكيل عبارته، فصار كسائر الأولياء \rوالثاني: أنه يجوز؛ لأن السبب هاهُنا قويٌّ متكامل، وَالمطلوبُ تعبُّدٌ في الصيغة في تخاطب شخصين، وقد جَرى ، ثم إذا قلنا: لا يُوكِّل فيُرفعُ إلى السُلطان، ثم يحتمل أن يخصص ما يتولاهُ السلطان بما يفوضه الجد إليه، أو بما يراهُ السلطان أو يتخيَّرون من غير حجر، ولعل الأولى اتباع السلطان ، ومما اختلف الأصحاب فيه أن الوكيل في النكاح من الجانبين هل يتولى طرفي العقد وهذا خلافٌ ذكره بعض المصنفين وَوَجَّهَ وَجهَ الجواز بالتوكيل  في الخلع من الطرفين ، وزيَّف الإمام ذلك إذ لا فرق بينه وبين الولي ، وأما السرُّ في الخلع فسنذكره في محلِه ، ولاشك في أن وكيل البيع لا يتولى الطرفين، وإن كان وكيلاً من الجانبين ، فإن أبا حنيفة وإن  رأى للولي تولى النكاح من الطرفين  فليس يجوِّز في البيع ذلك لما فيه من الإلزام والالتزام \rالفصل السادس: في توكيل الولي وتوكيلها\rأما الولي فإن كان مُجْبِراً جاز له التوكيل قطعاً ، وهل يجب عليه تعيين الزوج فيه قولان:\rأحدهما: لا يجبُ، ثم يتقيّد بالغبطة والكفاءة، كما في النكاح \rوالثاني: أنه يجب؛ لأن الغرض الأعظم في النكاح طلبُ الكفاءة والمصالح،\rوالولي منصوب  له والتفاوت بين الأكفاء كثير، وحقُّ الولي أن يحتاط في\rتلك الدقائق ، فأما المرأة فإن أذنت للولي الذي ليس بمجبرٍ حتى يزوجَها وعينت  جاز  وإن لم تُعيّن  ففيه قولان مُرتبان على إذن الولي، وأولى بالجواز ؛ لأنها وكلت الأمر إلى ذي حظ في الكفاءة مشفقٍ  وإن صرَّحت بإسقاط حق الكفاءة تخيّر الولي ، وهل يجب التعيين في هذه الصورة طريقان \rوإن قالت: زوجني ممن شئت، فهل له التزويج من غير كفء وجهان:","part":1,"page":50},{"id":1029,"text":"أحدهما: الجواز للتفويض  المُطلق كما في البيع، إذا قال: بع بما شئتَ بما  عَزَّوهان \rوالثاني: أنه يتقيد بالكفؤ، ويُحمل هذا التفويض إلى تخيُّر بعض الأكفاء، ولا محمل له في البيع، سوى التخيير  في مقدار الثمن، فاختلفا لذلك ، هذا هو الكلام في إذنها، أما التوكيل إن أذنت للولي في النكاح ونهت عن التوكيل فليس له التوكيل؛ لأن الولي ليس مستقلاً بالتصرف ، وإن رضيت بالتوكيل فله التوكيل ، وإن أطلقت الإذن فوجهان مشهوران\rأحدهما: أن ذلك لا يجوز كالوكيل المطلق في بيع مُعَيَّن \rوالثاني: الجواز؛ لأن هذا وليٌّ وله مدخل في العقد، لا يُستغنى عنه \rفرع: إذا عَيِّنتِ المرأة زوجاً ورضيت بالتوكيل، فإن عَيَّن الوليُّ في التوكيل الزوج فذاك ، وإن أطلق وقلنا: تصُح الوكالة مُطلقاً، فإن لم يتفق التزويج من المُعيَّنِ، فهو باطلٌ ، وإن وقع ذلك وفاقاً فالظاهرُ البطلان؛ لأن الصيغة كانت فاسدةً، إذ\rكانَ  يجبُ التعيين في هذه الصورة، فكان كالولي إذا قال للرجل : بع مَال\rالطفل بالغبن، فباعَ بثمن المثل لا يصح لفساد الصيغة ، ويتصل بختام  هذا الفصل كيفية تعاطي وكيل النكاح العقد، فإن كان وكيل المزوّج قال : زوّجتُ فلانةً\rمنك، وإن كان وكيلاً في القبول فلا يخاطبه الولي، فلا  يقول زوجتُ منكَ  بل يقول: زوجتُ فلانَة من فلان، فإن قال: قبلتُ له صح العقد، ولو\rقال: قبلتُ لنفسي لم يصح العقد، ولا ينتظم الجواب، ولا يقع عن الوكيل أيضاً ، (فلو أطلق فقال: قبلتُ) ، فهل يصح العقد هذا يترتب  على أن الخاطب\rلو قال: قبلتُ ولم يقل نكاحها أو هذا النكاح، فهل يصح  وهاهنا أولى\rبالبطلان ؛ لأنه ليس مخاطباً حتى يقول: قبلتُ، وينعطف  الجواب على الخطاب بخلاف الخاطب، فإنه مُخاطبٌ فابتنى جوابهُ  على الخطاب، ثم فرق أصحابنا بين","part":1,"page":51},{"id":1030,"text":"البيع والنكاح، فقالوا: الوكيل في البيع لو قال: اشتريتُ ونوى مُوَكله وقع عن المُوكل، ومثل ذلك في النكاح غير مُحتمل؛ لأن معقود البيع يقبل النقل، وهذا لا يقبل [النقل] ، فينتظم في البيع أن يضيف صُورَة العقد إلى نفسه، ويقصد حصُول المقصُود لغيره، فإنه لو حصل له لقدر على إحلال غيره محل نفسه فيه، وهذا لا ينفك عن\rعُسر وإشكال \rالفصل السابع: في الكفاءة  وخِصَالها\rفنقول: في تمهيد الفصل: الكفاءة حقها وحق الأولياء، فلا تسقط إلا برضى، جميعهم ، وإذا رضوا بغير كفؤ صح النكاح  إذ الحق لا يعدوهم ولا حقّ لله (تعالى فيها، وذهبت)  الشيعة  إلى منع ذلك، وأن نكاح العلويات  يمتنع  على غيرهم مع التراضي  وهذا باطل ؛ لأن  رَسُول الله  زوّج من عثمان وعلي\rوأبي  العاص  بناته، وما كان أحدٌ  من الخلق كفؤاً له، قال الشافعي [رحمه الله] : كيف كان عليّ [رضي الله]  كفؤ فاطمة [رضي الله عنها]  وأبُوهُ كافرٌ وأبوها سَيّد البشر! فإن قالوا أبو طالب كفؤ لعِبد الله والد رَسُول الله، (فسنقولُ الناسُ يجمعهم في الانتساب)  أبٌ واحد، وهو آدم ، وإنما افترقوا بالفضل أشتاتاً، وأمر رَسُول الله  فاطمةَ بنتَ قيس، وهي قُرشية: أن تنكح أسامة [بن زيد] ، وكان مَولى رَسُول الله  ، (وَهَمَّ عُمر   بأن يزوج ابنتَه سلمان الفارسي\r  فشَقَّ ذلكَ على ولده عبدالله فراجع [فيه]  عمرو بن العاص، فقال: أنا أكفيك هذا، فدخل  على سلمان فقال : هنيأً لك تواضعَ لك أمير المؤمنين، فقال سلمان  : ألمِثْلى يُقَالُ: هذا! وَاللهِ: لا أنكحُهَا أبداً) ، فبان  بطلان","part":1,"page":52},{"id":1031,"text":"مذهبهم، [ثم تردّد أصحابنا]   في مسألة، وهي أن المرأة التي  لا ولي لها إذا رضيت بغير كفؤ فهل للسُلطان إجابتها فالمذهب، وهو القياس: الجواز؛ لأن الحق لا  يعدُوهما، وقال الصيدلاني : لا يجوز؛ لأنه يزوج بالنظر فلينظر للمُسلمين ، فنقُول: ولا  عارَ على المسلمين في ذلك، وهي صاحبةُ الحق لا غير، فقد بان بهذا أن الكفاءةَ يجبُ رعايتها على الولي المجُبِر بكل حال، وَفي غير صُورة الإجبار لا يسقط إلا بالتراضي من الجميع ، هذا تمهيدُ الفصل\rونقول الآن في بيان الكفاءة: إنها ترجع إلى مناقب وفضائل، وهي شتَّى، ورِعايةُ جميعها محال، فالمرعية منها خمسَةُ خصال: التنقي من العيُوب المُثبتةِ للخيار، وَالحُريَّة، والنسب، وَالتنقي من الحِرَف الدنيَّئة والصلاح  في الدين ، وفي السادس خلاف، وهو اليسار \rفأما العيُوبُ المثبتة للخيار فسنعقد في تفصيلها باباً في القسم الرابع من\rالكتاب \rوأمَّا الحريّة فلا خفاء بها وباشتراطها مع ما فيها من الضرار \rوأمَّا النسبُ فلا مُبالاة  بالانتساب إلى الظلمةِ وأبناء  الدنيا، والشرعُ يدُل على حَطِ مناصبهم في الدين ، فالمرعى في الانتساب ثلاثة جهات\rأحدها: الاعتزاء إلى أروُمَة رَسُول الله  وَشَجَرَتِه، وكذلك يُرعي  القرب والبُعد منه، وعليه بني عُمر  ديوانهُ في المُرتزقة  \rوالثانية: الانتسابُ إلى العلماء ","part":1,"page":53},{"id":1032,"text":"والثالثة: الانتساب إلى أهل الصلاح، ونعني به المشهُور بالورَع والصلاح الذي لا يُنسَى أمرُه على تناسُخ الدهور، فإنه الذي يرفع النسب، وقد دَل على هذه الجهات أمورٌ في الشرع، قال رَسُول الله: (العلماء ورثة الأنبياء) فانتسابُ إليهم كالانتساب إلى الشجرةِ؛ فإنهم عصامُ الدين، وقد ناط الله بناصيتهم حفظ الدين، كما ناط بالأنبيَاء أصلها، وأما الصلاح في النسب فقد قال الله تعالى:، ودل على رعايته آثار، وأخبار هذا بيان النسب\rأما الصلاح في الزوج فلا يعتبر الاشتهار به، إنما يعتبر فيه التنقي مما يُوجبُ التفسِيق، ورَدَّ الشهادة، ويستقصَى تفصيله في كتاب الشهادة، بخلاف الصلاح في الأب فإنا راعينا الاشتهار العظيم فيه، إذ به يَرتفع النسب، وتحصل المفارقة، فليؤُخذ كُل شيءٍ من مأخذه، ثم إذا انتفى التفسيق فلا ينظر إلى التفاوت في الخصال التي بها الصلاح وتفاوتها؛ فإن ذلك لا ينضبط وسِرُّها التقوَى (وَهو غَيبٌ لا مُطلع) عليه\rوأما الحِرَف الدَّنيئة فهي التي يدل مُلابسَتُها على سقوط النفس وخِسَّتها وحَطيطة المروءة، والرُجُوع فيه إلى العادات، ويختَصُّ قدر الدنئ منها بملابسة القاذُورات في غالب الأمر، وَسنذكر تفصيل ذلك في كتاب الشهادات، قال الإمام: ولا يَبْعُدُ أن يُعتبر التنقي من هذه الحرف في النَّسب؛ فإن ذلك يَحُط من الأحساب وإن لم يكن للولي خبرة فيه\rوأما اليسار ففيه خلافٌ\rقال الإمام: اعتباره بعيد لا أصل لهُ، والوجهُ تنزيل الخلاف على المسَكنة وملك بلاغ، وَأما الجَمالُ فلا صائر إلى اعتباره، وإن كان مقصوداً؛ لأنه يَرجع إلى مَيل النفوس، والأمر فيه لا (ينضبط) أصلاً هذا تمام القول في تمهيد الفصل، وإيضاح خصال الكفاءة، واستتمام الغرض برسم [ستَّ] مسائل:","part":1,"page":54},{"id":1033,"text":"أحدها: (هذه الخصال معتبرة في)  جانبها فلا يُزَوج الولي المُجْبِر وليته إلا\rمِمَّن يكافئها فِي هذه الخصال ، وَهل يزوج من ابنه من لا يُكافئه  في هذه\rالخصال\rأما العيوب المثبتة للخيار فلا تحتمل (من)  جانبه أيضاً ؛ لأنه يثبت الخيار من الجانبين، نعَم لو كان الابن أيضاً معيباً بجنس ذلك العيب، فجواز العقد يبتني على أن الخيار هل يثبت (في مثله)  وفيه خلاف سنذكره ، وإن  كان معيباً بعيب يخالفه فيثبت الخيار، ويمتنع على الولي العقد على هذا الوجه ، وكذلك لا يزوج منه رقيقةً نظراً لولده ؛ ولأن نكاح الأمة يجوز بشرط خوف العنت، وهو غير متصوّر في حقه ، فليس هذا لأجل الكفاءة، وما عدا العيوب والرق فلا يعتبر في جانبه ؛\rلأن سبب الاعتبار فيها أن الشريفة تَتَعَيَّرُ بأن يتجلَّلها  خسِيسٌ، (والشريفُ\rلا يتَعَيَّر)  باستفراش الخَسِيسة، فإنها مُهانة بالافتراش ، وحكى الشيخ أبو محمد عن بعض أصحابنا: أنه يعتبرُ  في جانبه جميعَ خصال الكفاءة  ويتأيد  بقولهِ عليه السلام: (تخيَّروا لنُطفِكم)  وَاعتضَد  بأنهُ قد يتعيَّر بنكاح الخسِيسة، كما يتشرف بنكاح الشريفة، قال الإمام: وهذا لا بأس به في القياس، وَلكنه بعيد في المذهب وَالنقل، ولولا أني وجدتُ في بعض نُصوص الشافعي في باب الغرِيم  ما يدُل  على اعتبار النسب من الجانبين لما عددتُه من المذهب \rالمسألة الثانية: إن هذه الخصال حيث يجبُ رعايتها هل تُجبر بفضائل سوَاها\rأما العيُوب فلا تنجبر بِخصلة وَإِنْ عَظُمَت، وكذا الرِق \rفأما اليَسارُ إن اعتبرناهُ فيجبر فواتُه بجميع الخصال التي  ذكرناها وفاقاً \rوأما خسَّةُ الحرفة وشرفها فلا (تُعارِض النسبَ ، وتُعارض) ","part":1,"page":55},{"id":1034,"text":"الصلاح  وعلى الجملة الأمر في الحِرف قريبٌ، فإن الكلام في حِرفة تحل ملابستُها؛ إذ لو حَرَّمنا لامتنعُوا ولوجَب على كرام الناس ملابستها، وقد مَنَّ  اللهُ [تعالى]  على عباده بصَرف دَواعيهم إلى مناصب مختلفة، إذ قال:             وقال الحليمي في تفسير قوله عليه السلام: (اختلاف أمتي رحمة)  أراد به اختلاف الناس في الحِرَف ،هذا مجالُ الوفاق في المُجْبَر  نفياً\rوإثباتاً\rأما فضيلة النسب فالانتساب إلى رَسُول الله  لا يُوازيهَا الانتسابُ إلى العلماء والصُلحاء ، وهل  يُوازيه الصلاح الظاهر المشهور في الخاطب إذا كان  يتميّز به عن  الأضراب فعلى وجهين:\rأحدهما: أنه لا يُعارضه؛ لأن الأصل في الكفاءة النسبُ، وهو أول مبتدر إلى القلوب وَالأفهام من إطلاق الكفاءة ، وَمنهم من قال: يَجْبُرَ  وَاعتمد فيه آثاراً وذلك (أن عُمر )  هَمَّ بأن يُزوج ابنته [من]  سلمان الفارسي كما حَكيناه ، (وروى أن عبد الملك بن مروان أرسل رجلاً صالحاً إلى خطبة ابنة لابن عمر ، فدخَل المسجد وأحسن أداء ركعتين ثم افتتح الخطبة فقال ابن عمر : لا رغبة لي فيه، فأما أنت فإن أردتها لنفسك فخذها، وكان الرجل من الموالي) \rالمسألة الثالثة: إذا (أَخل)  الولي بخصلة من خصال الكفاءة في (صُورَ) \rالإجبار فالظاهر من المذهب أن النكاح لا ينعقد؛ لأن هذا لا يتقاصر عن الغبن في\rالبيع، وهو مُبطل  وذكر العراقيون في تزويج السليمةِ من المعيب قولين ،\rولا خفاء بجريانها فيما عدا العيب ، وهو بعيدٌ؛ وتوجيهَهُ أن الأبَ مؤتمنٌ،","part":1,"page":56},{"id":1035,"text":"(ووجه)  الغبطة في النكاح خفية ، فربما يكون الخسيس لحُسن  خلقه أو بخصلة خفية أغبط لها من غيره، والأبُ غير متهم ، وهذا يكادُ أن يكون تأسياً  بأبي حنيفة في منهَاجِه ، فالصحيح  الإبطال  ثم يتفرعُ على القول البعيد ، فرعان:\rأحدهما: أنه إذا انعقد فهل يثبت للأب التدارك بالفسخ\rقال العراقيون قولان : ولم يفرقوا بين العلم والجهل ؛ لأنه إنما يؤاخذ بعلمه إذا كان يستدرك لنفسه، وهاهنا ينظر لغيره، والفرقُ مُتَّجهٌ فإن ذلك يؤدي إلى استمرار النكاح، ودوام الخيار، وذلك لا يُحتمل في النكاح  الثاني: أنهَا إذا بلغت هل يثبت لها الخيار منهم من قال لا خيار [لها]  إذ رضي الأب يلزمها، فإنه ليس مُتَّهماً ، وهو مذهبُ أبي حنيفة \rوالثاني: [أنه]  يثبت الخيار (لفوات)  حقها ، ومنهم من فرق بين العيوب وغيرها ، وَالتفريع على [القَول]  البعيد، يَجُرُّ خبطاً، فالوجه التفريع على قول الإبطال، ثم لو كان جاهلاً حال العقد فتتبين  عدم الكفاءة تبينا فساد العقد، كما في الغبن في البيع، إذ شروط العقود لا تتغير بالظنون أصلاً \rالمسألة الرابعة: [أن]  الولي إذا قبل (نكاحَ ابنه)  على صداق في الذمة، هل يصير ضامناً الجديدُ أنه لا يضمن، و [هذا]  هو القياس ، والقديم أنه يضمن، لأنهُ عَرَّضه له، وهو متصد لمطالبته  عُرفاً ، قال القاضي : على القديم إذا أدى لا يرجع كالعاقلة ، وَهذا بعيد؛ لأنهُ يمنعُ  الأب من النظر لمصلحة طفله \rالمسألة الخامسة: (لو)  تبرَّم الولي بالتصرّف في مال طفله فله أن يستأجر أجيراً للعملِ وله أن يطالبَ السُلطان بأن يقدّر له أجرةً (إذا لم يجد متبرِّعاً) ، وإن\rوَجد متبرعاً بالعمل لم يُقدَّر له أُجرةً في الظاهر من المذهب  بخلاف الأم إذا\rلم تُرْضع إلا بالأجرة  فإنا نقول على قول هي أولى من أجنبية متبرعة لما بينهما\rمن التفاوت ","part":1,"page":57},{"id":1036,"text":"المسألة السادسَةُ: فيما يجب على الولي في مال طفلهِ ولا يحبُ عليه أن يَكُدَّ  نفسَه بالتجارات  وَالأسفار بحيث تتعطّل  عليه أشغاله، ويجب عليه صون مالهِ عن الضياع، وقدرٍ من الاستنماء يَصُونه عن النفاذِ بالنفقة ، وَلَو طُلب مالُهُ بزيادة قيمة يجبُ البيع ، ولو  بيع شيءٍ بأقل من قيمته فله أن يشتري لنفسه فإن لم ير  ذلك فيجبُ أن يشتريه لطفله \rأما التزويج  فيجبُ تزويج المجنونة البالغة إذا تشوَّفت ، والتزويجُ من الابن الصغير لا يجب ؛ لأن فيه مؤونة  عظيمة ، وتزويج الصغيرة  يحتمل أن  تأخير الأمر لتعلقه  بالجبلة ليسَ بعيداً ، ويحتملُ إيجابهُ رعَايةَ للغبطة  إذا ظهرت وجُوه الغبطة ، وَيَبعُد مذهب القاضي في التزويج من الابن المجنون إذا أوجبنا عند ظهور الحاجة، فإنه يلزمه المهر، ولا يجوز الرجوع، وذلك يمنعَهُ من النظر ، فإن فرق بين حالة الوجوب  وحالة الاستحباب كان بعيداً ومهما  تبرَّم الولي بهذه التصرفات، فلهُ طلب الأجرة من السلطَان \rالفصل الثامن: في ازدحام الأولياء على العقود\rوالمسألة منعوتةٌ بالإشكال وصورتها: بأَن  يفرض للمرأة وَليان، وأذنت لهما في التزويج مُطلقاً، وصححنا التوكيل كذلكَ، (فتعاطى)  كل واحد عقداً من شخص آخر، فإن علمنا وقوعهُمَا معاً بطلا ، إذ ليسَ أحدهما أولى من الآخر، ولا سبيل إلى الجمع ، وإن عُرف  تقدم أحدهما، فالثاني مردود وإن (جرى المسيس)  على الظن خلافاً لمالك [رحمه الله]  ","part":1,"page":58},{"id":1037,"text":"فأما إذا (أشكل فله ثلاثة أحوال) : فإن لم يُدرَ وَقَعَا  معاً، أو سبق أحَدُهما، فالنكاحُ مفسوخٌ، إذ لسنا نتيقن انعقاد النكاح ، وإن سبق أحدُهما وتعيَّن ثم أشكل وأيسنا من البيان فالنكاح موقوفٌ لا سبيل إلى الهجوم على فسخه بعد يقين  انعقاده وتعيُّنِه ، وإن أشكل الأمر من الابتداء فعرف السبق ولم يتعيَّن أصلاً، فقولان  مرتبان على القولين في جمعتين تعقدان في (بلدة واحدة)  لا تحتملُ إلا جمعة واحدة، وهاهنا أولى بالفسخ من الجمعَة؛ إذ الصلاة لا تقبل الفسخ بعد انعقادها حتى تفسخ وتُنشأ جمعة أخرى، فيتعين على الكل أداء  الظهر؛ لأنهم لم يستيقنوا أداء الجمعة، وفي مسألتنا الفسخ ممكن؛ لأن النكاح يقبل ذلك، وقد تعذَّر تعذُّراً لا يُرجى زواله، والمسألةُ مفروضةٌ في اليأس من زوال الإشكال \rتوجيه القولين: من نَصَرَ قول التوقيف  اعتبر بما إذا تعيّن ثم أشكل، وقال: أي فرق عند تيقن جريان العقد بين أن يقترن الإشكال، أو يتراخى، وزعم  هذا القائل: أن فسخ النكاح بالتعذُّرِ  ما لم يثبت (عليه فلا ينتظم علمه)  بنفي ضرار دائم، ونحن نحتمل مثل ذلكَ في المعتَدةِ إذا انقطع دَمُهَا؛ إذ يلزمُهَا الصبرُ إلى سنّ اليأس ويتعطل عليها من شَبابهَا وأعصارِهَا إلى انتهاء عُمرها ، وناصرُ القول الأول: يتعلقٌ (بالعذرِ للإمضاء) ، وعُسُر البيان، والحذار من الإضرار بها طول العُمر ،\rولكن تلزمهُ الصورة الأخيرة فيها  إذا تعيَّن ثم أشكل؛ ولأجلهِ حَكى الشيخ\rأبُو محمدٍ في آخر عمره  عن بعض الأصحاب طَرْدُ القولين في الصُورَة الأخيرة أيضاً؛ لعُسرِ الفرق ","part":1,"page":59},{"id":1038,"text":"فرعان، أحدهما: أنا حيثُ رأينا الفسخ في الصُورَة الأولى أو في صورة القولينِ، قال القفال: فيما حكاه الصيدلاني ينفسخ ولا حاجة إلى (فسخ من جهة القضاء) ، أو إنشاء من جهة غيره ؛ لأن الإشكال لازم لا يتوقع زواله فإن لم يكن قد انعقَدَ في علم الله [تعالى]  فهوَ المنى، وإن انعقد فينفسخ للتعَذُّر، وَفي بعض التصانيف ذُكر خلافٌ في أنه هل ينفسخ باطناً ، وقال الصيدلاني: لا ينفسخ بل لابد من إنشاء فسخ؛ لأن العقد بين أن يتيقن صحته أو يتوهَّم صحته في هذه الصورة، فلابد من رفع ، ثم على هذا اختلفوا على ثلاثة أوجه: منهم من قال: يتعين القاضي للفسخ؛ لأنه محل الالتباس  فليُفوَّض إلى المجتهد \rومنهم من قال: لها الفسخ إذ تعذَّر عليها الاستمتاع، فصار كما لو تعذر بالجُبِّ والعُنَّة، ولا يثبت للزوجين فإنهما يقدِران على الطلاق \rومنهم من قال: يثبت للزوجين أيضاً كما في الرتق  والقَرن ، وَلم يصر أحدٌ\rإلى اشتراط اجتماعهم ، وذلك لو جرى كان فسخاً بالتراضي، وَهوَ مُجَوَّزٌ\rلا شك فيه \rالثاني: إذا طلبت المرأةُ النفقة في مُدّة التوقف أو قبل اتفاق الفسخ ففيه وجهان:\rأحدهما: أنه لا يجب؛ لأن أحد الزوجين ليسَ مُمكنَّا من الزوجة ، ومن يُطالَب بالنفقة يَزْعمُ أنها إن كانت زوجتي فلتُسلمَ إليَّ، وإلاَّ فلا أُسَلِّم النفقة، يبقى أن يُقَال: لم يُوجَد منها نشوز تعصي به فنقول: إذا جُنَّت تسقط  النفقة، وإن لم تكن تعصيه\rبجنونها ","part":1,"page":60},{"id":1039,"text":"والثاني: أنه تجب النفقة فتوزَّع  عليهما إذ لا سبيل إلى الجمع؛ لأنها محتبسة في حُبالتهما  وَهُما يقدران على الطلاق، فصار كما إذا   طلق إحدَى زوجتيه ولم يُعيِّن تجبُ  النفقة في مُدّة الإبهام ، وينقدِحُ للقائل الأول فَرْقٌ، وَهوَ أنه إذا طلَّق فهو المتَسبِّب إلى الإبهام، ولا [ينقدح]  تسبُّب منه في هذا المقام، فالأصح أن لا نفقة، فإن قيل صورة العقد جرى يقيناً، ونحن نتردد في بطلانِه، فَهلاَّ قِيل: الأصل وُجوب النفقة","part":1,"page":61},{"id":1040,"text":"قلنا: لا ينبغي أن نُجرِّد النظر إلى أحَدِ العقدين بل ننظر  إليهما جميعاً، وقد بينا  بُطلان أحدهما فَتَعَيُّنُ  البُطلان عارض يقين العقد، وهذا كما أن الإناء الواحد وإن غلب على الظن نجاسته (لم نُجَوِّز)  استعماله (ولو فرض لمقتضاهُ التِباسُ)  إناءٍ نجس بإناءٍ طاهر، لم يجُز استعمال أحدهما للتردُد في النجاسة ، وَإن لم يغلب على الظن نجاسة عينه؛ لأنه عارض يقين النجاسة يقين الطهارة، فوجب الاجتهادُ، وفي مسألتنا المحكومُ عليه شخصان  وإطلاق تعَيُّن في حقِّه محال، فإن قيل: فما حُكمُ  المهر، قلنا: هي لا تَسْتَيْقِن استحقاقاً  على أحدهِما، وَكل واحد منهما لا يستيقن، وقد وقع الاعتراف بالإشكال، ولا سبيل إلى التوزيع ولا مدخل للتسوِية ، في المسألة، فالوجهُ الإسقاط فإن تقرير  النفقة على من ليس بزوج لإبقائه الزوجة في حِبالِهِ بظاهر  الزوجية مُمكن (وتقريرُ المهر غير مُمكن، هذا)  كله كلامٌ فيه إذا وقع الاعتراف من الكُل بالإشكال، فأمّا  إذا فرض النزاع من الزوجين في دعوَى السبق فالكلامُ أوّلاً فيمن توجَّه الدعوى عليه، قال الصيدلاني: ليس لأحد الزوجين أن يدعى على الثاني إذ ليس في يده شيءٌ حتى (ينفي الابترام)  وليس أحدهما بأن يَدعي أولى من أن يُدَّعَى عليه ، وإن أُدْعِىَ على الولي وَلَم يَكن مجبراً لم يجز  وإن كان مُجْبِراً فوجهان، لا اختصاص له بمحل التنازع","part":1,"page":62},{"id":1041,"text":"أحدهما: أنه لا يتوجه  عليه دعوى، وليسَ  إليه إلا عقد وتعاطي قول وإلا فالحقُ على غيره ، والثاني: يتوجه ، لأنهُ يقبل إقرارهُ في حالة الإِجبار، فرُبما يُقِر لأحدهما وينقطع النزاع ، ولو ادّعِيَ  على المرأة صح الدعوى تفريعاً على القول الصحيح في قبول إقرارها ، قال الإمام: وهذه الطريقة مُزَيَّفة فإنه إن أمكن دعوى العلم على المرأة فلا ينبغي أن تناط  الدعوى بغيرها ، وإن اعترفا بإشكال الأمر  عليهما فليس يبعُد عندي أن يدعي كل واحد منهما على صاحبه ، (وتقدر المرأة)  كمالٍ في يد ثالث ليسَ\rيدعيه لنفسه فتداعيانه  فيتحالفان في هذه الصورة، ثم القاضي في البداية بالتحليف يقرع بينهُما إذ ليسَ أحدهما أولى من الآخر ، هذا بيان القول فيمن تُوجَّه  عليه الدعوَى، ونقول: بعدَهُ إذا (وجه)  الدعوَى عليها فلا يخلو إما إن ادعى عليها العلم بالسبق، أو ادعى عليها زوجية مُرسلة، فإن أدُّعِيَ العلم بالسبق فلا يخلو إمّا إن أقرت، وإما (إن أنكرت) ، فإن أقرّت (لأحدهما)  ثبتت زوجيته في الحال ، وهل للثاني أن يحلفها [عليه]  فيه قولان مبنيّان على أن من أقر بالشيء لعمرو ثم أقر به لزيد هل يغرم للثاني بالحيلولة  وذلكَ فيه إذا توقعنا عودَ عين الملك إلى المقر له ثانياً، فإن  كان ذلك شيئاً يفُوت كما إذا شهد شهود العتق ثم رجعُوا، أو شهود الطلاق إذا رجعوا فيغرمون لوقوع اليأس ، وفي مسألتنا لا يأسَ من إقرارها للثاني، ولو أقرت المرأة لزوج بعد الإنكار يُقبل إقرارها ، ولا يكون ذلك كما لو أقرت برضاع ثم أنكرت، فإن ذلك لا يقبل أصلاً؛ لأن مقصود  إقرارها في الرضاع إثبات حرمة، وفي  الزوجية تبغي إنكار حقه، فكانت  كمن ينكر حقاً  ثم يعترف به، فلأجله خرجَ على القولين\rالتفريع:\rإن قلنا: لا تحلِف فقد انقطعت الخصومة بين المقر له والزوجة، وبينه وبين","part":1,"page":63},{"id":1042,"text":"الزوج الثاني ، وإن قلنا: يُحَلِّفَها، فإن حلفت انقطعت الخُصُومة ولا غرم ، وإن نكلت حلف الثاني، فإن نكل كان نكُوله كحلفها ، وإن حلف  فما فائدته ، قال الصيدلاني: قولان: أحدهما: وهو القديم أن فائدته أن يثبت النكاح له، وينفسخ نكاح الآخر ، والمعنى بلفظ الانفساخ أن يتبين أن هذا [هو]  السابق، وكأن  انقطاع الخصومة كان تمامها موقوفاً على حلفها، فإن  لم تحلف تبينا أن الحق ثابت للثاني ، والقول الثاني: وهو المخرّج من قياس الجديد أن فائدته الغرم؛ لأن النكاح\rثبت للأول ، فلو انقلب منه لكان بسبب  نكولها فإن عماد يمينه نكولها، ويبعد أن يجعل قولها سبباً لإبطال حقه بعد أن أقر له بالحق ، وبنى أصحابنا هذا على القولين في  اليمين المردودة (على المدعِي تنزل منزلة  البينة)  ينفسخ النكاح وإلا فلا ، قال الصيدلاني: وهو فاسد؛ لأن ذلك لا يعدُوا المدعى عليه، فإما أن يتعلق بثالث فتجعل  اليمين يَيِّنةً في حق ثالث محال؛ لأنه صار كالبينة بالاستناد إلى نكُول المدعى عليه، ونكوله لا يؤثر في حق غيره ، والتوجيه على الجُملة مُمكن دون البناء، فإن الواقعة كالمتحدة فلا يتم الأمر بإقرارها ما لم تحلف للثاني، ولابد (من)  البينة هاهنا لأمر، وهو أنا إذا فرعنا على القديم، وهو أن النكاح يثبت للثاني  فلا ينبغي أن يبتني  أصل تحليفها في حق الثاني على الغرم، فإنا وإن لم نر الغرم فنتوقع ثبوتُ النكاح، فليجز له تحليفها هذا فيه إذا أقرت لأحدهما ، فأما إذا أنكرت العلم بالسبق فلتحلف على نفي العلم بتاريخ العقدين ، فإذا حلفت ففيه مسألتان:\rإحداهما: أن اليمين هل تتعدد عليها إن كان الزوجان حاضرين في مجلس واحد أو يكتفي  منها بيمين واحدة على نفي العلم  وإن بادر أحدهما فحلفت له، فهل للثاني تحليفها بعد ذلك في مجلس آخر إذا حضر، فيه وجهان:","part":1,"page":64},{"id":1043,"text":"أحدهما: له ذلك؛ لأن دعواه تنفصل عن دعوى الأول \rوالثاني: أنها لا تحلف؛ لأنها لو حلفت لكانت الصيغة تلك الصيغة والواقعة متحدة، وهذا يجري في كل شريكين يَدّعيان شيئاً واحداً \rالمسألة الثانية: أنها إذا حلفت على نفي العلم مرةً أو مرتين يبقى التداعى بينهما، ولا تنقطع الخصومة بينهما بدعواهما  نفي العلم، فيتحالفان في مجلس القاضي على ما يراه من الإقراع أو التقديم، ولم يكن هذا كالابتداء ، فأما  ترددنا في أن كل واحد منهما لو ربَط الدعوَى بصاحبه هل يجوزوها هنا لا نتردد؛ لأن الدعوى (واحدةٌ مناطاً بها تحريم، يقطع)  الخصومة بدعواها نفي العلم ، ومن أصحابنا من قال لا يتحالفان كما في الابتداء قال الإمام: (وهذا ركيك) ؛ لما ذكرناه هذا فيه إذا حلفت على نفي العلم بالتاريخ، فأما إذا نكلت حلف المدعى على السبق، ولا يحتاج إلى دعوى  نفي علمها؛ [إذ دعوى علمها]  إنما شرط (لتصح)  الدعوى بها فإذا بتَّ اليمين بأنه السابق كفى ذلك هذا [بيان]  ما ذكره المحققون \rهذا كله إذا ادَّعيا علمها، فأما إذا أطلقا دعوى الزوجية فمثل هذه الدعوى ابتداءً هل تقبل فيه قولان: :","part":1,"page":65},{"id":1044,"text":"أحدهما: أنه يجب إسنادها إلى عقد، ولو ادعى عقداً على امرأة مُطلقاً فهل يجب ذكر الشهود والولي قولان، وسنذكر هذا في كتاب الدعاوى رجعنا إلى مسألتنا إن قضينا بأن الدعوى المطلقة غير مسموعة فلابد من دعوى العقد، وتحتاج إلى دعوى العلم؛ حتى ينتظم الكلام، وإن قبلنا الدعوى المطلقة قبلنا الدعوى دون العلم، ثم عليها أن تَبُتَّ القول بالإنكار واليمين بنفي الزوجية، وليس لها الاقتصار على نفي العلم، وإن كنا نكتفي بذلك لو أدُّعِي العلم؛ لأن ذلك لرعاية التطابق في الصيغة، وهذا كما أنّ من ادعى على إنسان أن مورّثه أتلف عليه شيئاً، وادَّعى علمه به فيكفيه (أنَّا نحلفه) على نفي العلم، وإن جزمَ الدعوى وقال: يلزمك تسليم ألف إليَّ من التركة فيجبُ عليه بَتُّ اليمين بنفي ذلك، ثم من سر الدعاوى أنه يجوزُ البَتُّ في الحلف عند عدم العلم هذا تمامُ الفصل [والله أعلم]\rالباب الثاني\rفي أحكام المُوَلى عليه\rوالكلام فيه (في) فصول:\rالفصل الأول: في تزويج المجنونة، والتزويج من المجنون\rومسائل الفصل تدور على معنيين:\rأحدهما: رعاية الحاجة، كتزويج (المجنونة) البالغة، إذ في تزويجها شفاؤها\rوالثاني: رعاية الاستصلاح، وعليه بنى تزويج الصغيرة، والتزويج من الصغير، فإن ذلك جُوز مع انتفاء الحاجة في الحال فإذا تَمهَّد المعنى فنتكلم أوّلاً في الأب والجدّ، وفيه مسائل:\rإحداها: أن له تزويج البالغة المجنونة إذا اتصل الجنون بالصبى بكراً كانت أو ثيباً هذا نص الشافعي [رحمه الله] (ويبتنى) الأمر على المصلحة، وإن لم تظهر حاجة، (ومنهم) من قال: لا يزوجهَا إذا كانت ثيباً؛ لأن الأب في حق الثيب كالأخ، وسنذكر أن الأخ لا يزوجهَا في ظاهر المذهب، والأصح هو الأول، فإن تزويجها واجبٌ إذا مَسّت الحاجة وشفقَة الأب كاملةً، فالتفويض إليه أولى من الرفع إلى\rالسُلطان","part":1,"page":66},{"id":1045,"text":"الثانية: لو بلغت عاقلة ثم جُنّت ففي عَود ولاية المال خلاف، فإن قلنا: تعود، عادت  ولاية البضع، وإن قلنا: لا تعود ، ففيه تردُدٌ، والظاهر (أنها تعود) ؛ لأن الأب أولى معَ كمالِ  شفقته من السُلطان إذ يَقبحُ تكليف الأب رَفعَ  الأمر في بنتِه إلى السُلطان \rالثالثة: الثيبُ الصغيرةُ المجنونةُ فيه وَجهان:\rأحدهُما: الجواز كما في البالغة؛ إذ انضمام الصغر إلى الجنون يؤكِّد الولاية ولا يسقطُهَا \rوالثاني: أنه لا يُزَوِّج ؛ لأن الأمر في حق الثيّب بُني  على الحاجَة، ولا حاجة\rفي الصغيرة ، وكان ينقدح من هذا أن يستنبط منع الأب من تزويج الثيّب البالغة المجنونة إلا عند الحاجة، وقد ذكرنا أنه جُوَّز التزويج بمجَرَّد الاستصلاح، ولم يُذكر\rفيه خلاف، والفرق عسير إذ الاستصلاح مُمكن تقديره في (الصغر لدفع مؤنتها) \rعن مَالها \rالرابعة: التزويج من الابن الصغير فيه وجهان:\rأحدهما: المنع؛ فإنه ليس [في]  مَظنَّة الحاجة \rوالثاني: الجواز؛ للاستصلاح كما إذا كان عاقلاً إذ الجنون لا مُنتهى له فلا يسقط الاستصلاح به ، ورأوا تزويج الثيب الصغيرة أولى من تزويج الابن؛ لأن التزويج منه يكثر عليه المؤن بخلاف تزويجها \rالخامسة: الابن إذا بلغ مجنوناً يزوّج الأب منه؛ لأنه في مظنّة الحاجة ، وينقدح من الوجه البعيد الذي ذكرناه في الثيب البالغة كلامٌ في أنه لا يزوج ؛ إذ الذكورة معَ البلوغ كالثيابة، فأما إذا بلغ عاقلاً، ثم عاد مجنوناً مبنى  على خلاف مقَدّم في أن الولاية هل تعُود والأصح أنّها تعود \rالسادس: البالغة إذا لم يكن لها أب أو جدٌ فهل يزوجها بقيّة الأولياء كالأخوة والأعمام أم السلطان فيه وَجهان:\rأحدهما: السلطان كما أنه الذي يلي مَالها؛ فإن هذا ولاية إجبار؛ ولا كمالَ في شفقتهم، فليستند إلى النظر  العام ","part":1,"page":67},{"id":1046,"text":"الثاني: أنهم يزوجونها ؛ لأن شفقتهم أكمل من شفقَة السُلطان ونظره  وهم ذَووا الحظ على الجُملة في حقُوق النكاح \rالتفريع:\rإن قلنا: يزوجها الأولياء فعليهم مُراجعة السلطان، ولا يجوزُ الاستبداد حتى يرضى السلطان بالنيابة عنها ، وإن قلنا: يزوجها السلطان، قال الشافعي: يشاور أهل الرأي من أهلِها، واختلفوا في وجوبه، منهم من قال: واجبٌ؛ لأنهم أبصر بأسَرار أمرها، فلا استقلال بالنكاح دونهم، كما إذا كانت عاقلة ، والثاني: إنه يستقل والمُراجعة مستحبَّةٌ   فإذا أوجبنا المُراجعة آل أصلُ الخلاف إلى من يتعاطى التزويج منهما ، إذ لا استقلال بالعقد إلا بالاجتماع \rالسابعة: المجنونة، إذا زوجها غير الأب والجد من سُلطان  أو قريب فهل يجب عليهم التوقف إلى حُكم الأطباء بظهور حاجتها، أو إلى ظهُور مخائل  التوقان عليها وجهان، ومنشؤه أن المرعي في حقهم الحاجة أم الاستصلاح \rالثامنة: لا يُزاد في التزويج من المجنون على واحدة؛ لأنه تكثر المؤن عليه ولا حاجة إلى الزيادة  وظاهرُ المذهب أنه يُزوجُ الأب من ابنه الصغير [العاقل]  أربعاً بناءً على الاستصلاح ، وفيه وجهٌ أنه لا يزيد على واحدة، وهو بعيد ، وفي المجنون\r[لا]  يزيد على واحدة بلا خلاف \rالفصل الثاني: في المَولىَّ عليه بالسَّفَه","part":1,"page":68},{"id":1047,"text":"وتمهيدُ القول في الفصل: أن الصبيَ إذا بلغ سفيهاً اطردَ عليه (الحجر، وليسَ)  له الاستقلال بالنكاح نظراً له، وليسَ للولي إجبارُه؛ فإنه مُكلفٌ في نفسه، ولكن يزوَّج منه برضاهُ ، ويتزوج هو برضى الولي ، ومهما دَعَا إلى النكاح وَجَب الإسعاف ولم يقف الأمر على مُراجعة طبيب  في حاجته، فإنه أعرَف بداعيتهِ ، وقد نقل عن الشافعي [رحمه الله]  نَصٌّ في أنه إذا دَعَا  إلى النكاح لا يزوجهُ  الولي، وهو محمول على ما إذا كان الولي غير الأب والجد أو القيم ، ثم لا شك في أنه لو زوج منه فله الطلاق؛ فإنه لا يندرج تحت الحجر  هذا تمهيد القول واستتمام الغرض بذكر  مسائل:\rإحداها: أن عبارته صحيحة حتى لو فوض الولي العقد إليه صح منه تعاطي العقد ، ولو فوض إليه التصرف  في الأموال فالمذهب جواز ذلك ، وأنكر  بعض الأصحاب فقال : هو مُولَّى عليه في المال (إذا تصرف فيه)  دون مُراجعته بخلاف النكاح ، فشابه الصبي في تصرفات الأموال فخرج من هذا أن الصبي لا عبارَة له؛ لأنه ليس أهلاً للإلزام ، وعبارَة العبد صحيحة لأنه كامل العقل، ناظرٌ ، وعبارَةُ المرأة مسلوبةٌ في النكاح لا على منهاج القياس ، وعبارة المحجُور عليه بالسفه صحيحة في النكاح إذ ليسَ موليًا عليه في النكاح مُطلقاً، وعبارتهُ في (البيع)  صحيحة في ظاهر المذهب ، وفيه تردد لمضاهاته الصبيِّ في اطراد الحجر بسبب قُصور النظر ","part":1,"page":69},{"id":1048,"text":"الثانية: في كلام العراقيين ذكر وجهين في أن الولي إذا  امتنع عن إسعافه بالتزويج بعد الطلب فهَل له الاستقلال بنفسه  واستشهدوا على وجه الجواز بالمطعومات، قال الإمام: والوجهُ أن يقال: إن وصل  الأمر في الطعام إلى ضرورَة فللسفيه أن يستقل بنفسه في الشراء لصحة عبارته ولهجُوم الضرورة؛ فإنه مَولى عليه نظراً له، وليس هذا من محل النظر ، وإن ظهرت حاجته  ففي كلام العراقيين ما يدُل على تردد والضرورة غيرُ متصوَّرَة  في النكاح، ولكن يفرض فيه الحاجة؛ فالوجهُ أن يقال: إذا أمكن مُراجعة السلطان فيتعين كالمرأة تراجع السلطان إذا عضل وَليُها ، واستقلال  المحجُور ممتنع كما أن عبارة المرأة مسلوبة، وأن عسر مُراجعَة السلطان ففي استقلاله ينقدحُ خلاف مرتب على صورة الحاجة في الطعام ، والنكاح أولى بالمنع ؛ لأن الحاجة فيه هينة ولذلك لم يجب على الأب إعفاف ابنه، ووجبَ  عليه الاتفاق عليه عند حاجته \rالثالثة: إذا دَعَا إلى النكاح من غير حاجة ولكن عند ظهور المصلحة التي عندها يتسلط الولي على التزويج من الصغير فقد اختلف الأصحاب، فمنهم  من قال ترعَى الحاجة كما ذكرناهُ في الابن المجنون فإنه (تكثر المؤن به) ، وزوَالُ  السفه غيرُ منتظر كزَوال الجنُون ، بخلاف زوال الصِّبَى؛ فإن الولي يبغي استصلاحاً على تقدير زوال الصِّبَى، ومنهم من جوَّز بالاستصلاح ، وعلى هذا يبتنى جَواز الزيادة على واحدة، وقد قطعنا في الابن المجنون أنه لا يُزاد على واحدة \rالرابعة: إذا استقل المحجُور بالنكاح لم ينعقد ويُفرَّق بينهما وإن  جرى الوطء ، ثم فيما يجبُ بالوطء ثلاثة أوجه \rأحدها: أنه لا يجب كما إذا استقل بالشراء، أو أتلف لا يلزمه شيء؛ لأن البائع\rهو المتلف ، ولو أتلف ابتداءً يلزمُه الضمان بلا خلاف \rوالثاني: أنه يجبُ مهر المثل إذ الوطء لا سبيل إلى تعريته عن المهر نصاً \rفي الشرع ","part":1,"page":70},{"id":1049,"text":"الثالث: أنه يجب أقل ما يتمول جمعاً بين رعاية التعبُّد، ومُراعاة حق السفيه ، وهذا الاختلاف يبنى  على أن الراهن إذا أذن للمرتهن في الوطء فأقدم على ظن الحِلِّ ففي وجوب المهر قولان \rالخامسة: في كيفية الإذن للسفيه: حق الولي أن يعيِّن (المرأة والمهر)  جميعاً،\rفإن عَيَّن المرأة دون المهر جاز، وله أن ينكحها بمهر المثل وإن قل ، وإن  زاد\rسقطت الزيادة  لأنه تبرُّع منه وتبرُّعه غيرُ نافذ ، وإن عَيَّن المهر دون المرأة فله أن يعَيِّن من شاء، وينكح بالمقدار المعيَّن، أو بأقل فإن زاد سقطت الزيادة ،\rوإن لم يُعَيِّن الولي المهرَ والمرأة، وقال: أنكح من شئت، ففي صحَّة الإذن على هذا الوجه وجهان:\rأحدهما: التصحيح ثم المحذور الزيادة على مهر المثل فليُقضَ  سقُوطها إن كان ، ومنهم من قال: لا يصح لأنه على نقيض المصلحة ، ويخرج من هذا فرع، وهو أنه مهما لم (يعيِّن المهر)  وقدرناه بمهر المثل، فلو تزوَّج شريفة  يستغرق مهر مثلها جميعَ ماله، فيبعُد التصحيح ، فالوجهُ أن ينظر إلى المصلحة، فإن لم يُوافق المصلحة حُكم  ببُطلانه وإن كان النكاح قد جرى (المثل)  فإن قيل: إذا زادَ على المهرَ المأذون هلا بطل العقد لحيده عن الإذن كالوكيل إذا زاد على المهر المأذون، وكالسفيه إذا عُيّن له امرأة فنكح أخرى ، قلنا: ذكر بعض الأصحاب وجهاً في الوكيل أنه ينعقدُ بمهر  المثل ، وهو بعيد، ولم يذكر أحدٌ وجهاً في أنه لا ينعقد عقد السفيه إذا زادَ تخريجاً","part":1,"page":71},{"id":1050,"text":"من ظاهر المذهب في الوكيل ، ولو قيل به لكان أقرب، والفقه فيه أن العقد مستقل  دون العوض، ومقصُودُ الإذن رفع الحجر، ثم الغبطة مرعِيَةٌ في مقدار المهر فإن السفيه يتصرف  لنفسه لا للولي حتى يتبع موجب إذنه، ولكن ربطناه بالإذن لرعاية المصلحة، ولا مستند للوكيل إلا الإذن؛ فإنه يتصرف له ، ولهذا يلحق العبد في هذه المسألة بالسفيه لا بالوكيل؛ فإنه ينكح لنفسه، فأما إذا عَيّن امرأةً فقد حاد عن موجب الإذن بالكلية ، وفي مسألتنا ما حاد عن موجب الإذن؛ إذ  مقصود الإذن النكاحُ والمهرُ في حكم التابع له ، فإن قيل: فما يزيده السفيه في المهر يسقط من أصله، وما يزيده العبد يتعلق بذمته فما الفرق قلنا: لأن السفيه محجورٌ عليه لحق نفسه، وفي (تعليق الزيادَة بذمته إبطال حقه) ، والعبد ممنوعٌ لحق سيده، فلا جرم لا تتعلق  الزيادة\rبكسبه بخلاف أصل المهر، نعم تتعلق  بذمته، هذا ما أطلق الأصحابُ القول به؛\rلأنه لاحظ للسيّد فيه ، وينقدحُ تخريج وجه في أنه لا تتعلق بذمته، فإنا ذكرنا\rتردداً في أن استقلال العبد بالضمان هل يصح حتى يتبع به إذا عتق ","part":1,"page":72},{"id":1051,"text":"وحقيقة الخلاف ترجعُ إلى أنه هل له ذمةٌ مع أن الغالب اطراد الرق ونبني عليه خلافاً في صحة شراءه مستقلاً، وذكرناه في كتاب البيع في باب مُداينة العبيد، فإن قيل: إذا قال الولي للسفيه والعبد: أنكح بألف ولا تزد (فنكح بألفين) فليس مأذوناً في النكاح بألفين هل ينعقد النكاح قلنا: قال الإمام: نقطع في هذه الصورة بالانعقاد فإن مستندنا عند الإطلاق أن النكاح يستغني عن المهر، فيفهم من إطلاقه مقصود رفع الحجر وتوجيه مضمونه إليه في تقدير المهر، فإذا صَرّح لم يفهم منه ما يفهم حالة الإطلاق، وهذا لا يخلو عن إشكال فإن التقدير بالألف مطلقاً نَصٌ في نفي الزيادة، هذا تمامُ الغرض من [أحكام] السفيه، أما السفه من جَنَبَتِهَا فلا أثر له في البكر والثيب جميعاً، ووجهه بَيِّن لمن تأمله فأما الحجر بالفلس فلا يُثبتُ ولاية بحال ولكن لا يُمكَّن من الإنفاق من (المال لتعلق) حق الغرماء، وسببه ظاهر، فأما [المحجور] بحكم المرض إن زاد في مهر (المثل) وكانت المنكوحة وارثة سقطت، وكان ذلك تبرعاً على وارث، وإن كانت مُكاتبة أو أمة فالزيادة محسوبة من الثلث، وإن نكحت هي في المرض بأقل من مهر المثل فهل ينفذ تبرعها بالنقصان فيه تردد من حيث أن البُضعَ ليس مالاً، فرجع حاصله إلى منع دخول مال في ملكها لا إلى التبرع\r\rالفصل الثالث: في حكم العبيد\rوالكلام في طرفين:\rأحدهما: في أصل النكاح\rوالثاني: في النفقة والمهر","part":1,"page":73},{"id":1052,"text":"الطرف الأول: في النكاح، والمنصوص جديداً أنه لا يجبره السَيد والمنصوص  في القديم الإجبار ، وفي الصغير خلاف مرتبٌ ، وحاصل المذهب أقوال ثلاثة، وثالثها : الفرق بين الصغير والكبير ، فإن الكبير ناظرٌ لنفسه فبَعُدَ عن الإجبار، وتوجيه الأقوال استقصيناه في مآخذ الخلاف، فأما العبد فهل بجبر سيّده على أن يزوج منه، ذكر العراقيون قولين  توجيه الإجبار أن هذه حاجة (عامةٌ والرِق لا منتهى)  له والمنع من الزوجة تقحمه [في]  ورطات الفجور ، وتوجيه المنع أن هذه حاجة لا تنتهي إلى الضرورة فلا عبرة بها ؛ ولذلك لا يجب على الأب أن يعفّ ابنه وإن مسَّت إليه الحاجة ، ثم يحتمل أن يقال: هذا الخلاف يجري على قولنا: إن السَيّد لا يجبر عبده إذ يَبعُد  ثبوت الإجبار من الجانبين، ويحتمل طرده، وإن قلنا: إنه يجبر كما في البكر البالغة إذ مسلك هذا الإجبار يخالف مسلك الإجبار من [جانبه]  ، ثم إذا أثبتنا له الإجبار فامتنع السيد فالتفصيل فيه كالتفصيل في السفيه إذا دَعَا إلى النكاح وأبَى الولي في أنه يستقل أم يرفع  إلى السُلطان \rالطرف الثاني: في المهر والنفقة: وهو كالمعترض الدخيل في أحكام الولاية ولكنه لائق بهذا المقام، فنقول: لاشك في أن المهر والنفقة لازمان إذا كان العبدُ مأذوناً في النكاح ، ولا خلاف في أنه يتعلق بإكسابه وإن كان ملكاً للسيد؛ لأن الإذنَ في الالتزام  إذن في الأداء ، وإن كان في يده مال تجارة وكان مأذوناً فيتعلق بأرباحه ، وهل يتعلق برأس المال وجهان:\rأحدهما: أنه لا يتعلق؛ لأنه ليس من كسبه \rوالثاني: أنه يتعلق فإن من يعامله يطمع في ذات يده ، واختلف قول الشافعي\r[رحمه الله]  في أن السَيّد هل يصير بالإذن ضامناً  للمهر والنفقة الجديد أنه لا يصير ضامناً ؛ لأنه لم يضمن تصريحاً (ولا تعريضاً) ","part":1,"page":74},{"id":1053,"text":"والثاني: أنه يضمن؛ لأنه تعلق بكسبه، وهو ملكه ولم يضمنه فيه ولا عَلقه به، ولا فرق بين الكسب وسائر أمواله، وإذا قضينا باللزوم فليس مأخذه الضمان، فإن الضمان فيما لم يجب ولم يجز سبب وجوبه ممتنعٌ ولكن مأخذه انعكاس عند عقد العبد المأذون إلى السَيّد، وقد ذكرنا خلافا في العبد المأذون في التجارة إن عهدة عقوده هل تتعلق بالسيد، أما العراقيون فأنهم قالوا: إذا قلنا يلزمه فهل يكون ضامناً فعلى قولين؛ فإنه إذا لم يكن العبد كسوباً فينقدح أن يُقال: إذنهُ\rإلزامٌ للأمر إذ إحالته على الكسب بعيد، وهذا ضعيف؛ لما ذكرناه من إبطال الضمان على هذا الوجه، نعم ينقدحُ في اللزوم كما ذكروه قول ثالث في الفرق بين الكسب وغير الكسب حتى إن لم يكن كسُوباً لم يتعلق بالسيد سواء علِم السيّد أو لم يَعلم، ففي هذا القول لا ينظر إلى العلم إذا كان قادراً على البحث فقصر إذ لم يبحث، ولو كان كسُوبا فطرأ إزمان فلا نظر إلى ما يطرأ إنما النظر إلى حالة العقد، ويقرب من اختلاف القول في المهر اختلاف القول في أن السيد إذا أذن لعبده في التمتع في الحج هل يكون ملتزماً للدّم وهذا أولى بأن لا يلتزم؛ فإن له بدلاً وهو الصَومُ فينقدح الاعتماد عليه في الإذن، هذا إذا أطلق السيد الإذن في النكاح، فإن قيَّد بالضمان فهو باطل، فإنه ضمان ما لم يجب، والقول الجديد بطلانه كما سبقَ في كتاب الضمان، فإن انعقد العقد فضمن المهر صح، ولو ضمن النفقة فهو ضمان مجهُول، فإن قدّر مقداراً فهو ضمان ما لم يجب، وجرى سبب وجوبه، وفيه قولان مشهوران","part":1,"page":75},{"id":1054,"text":"التفريع : إذا قضينا بأن السَيّد لا يلزمه مهر ولا نفقة فليُمكن العبد من الاكتساب وينفق من الكسب، وما فضل يصرفه إلى المهر إلى أن يتأدّى تمام المهر ، وهل للسَيّد استخدامه، والمسافرة به، قال   المراوزة: له ذلك، ثم يلزمه بسبب المنع من الاكتساب لوازم النكاح ، وقال العراقيون: لا يجوز له  ذلك؛ لأن الحق يتعلق  باكتسابه، فليس له إسقاط الحق  وعند هذا يتحصّل في التعليق  على ثلاث مراتب: تعلق الرهن أعلاها فإنه أنشِئ  قصدا، وتعلق الأرش يليه، لأنه لم (يرتبط به القصد)  والمرتبةُ الأخيرة تعلق لوازم النكاح بالاكتساب؛ وسبب التأخير أن الكسب غير كائن، وإنما يليق (التعليق بكائن يحقق)  للتوثق به، ثم خصَّصَ العراقيون المنع بما إذا لم يضمن ، وفيه نظر؛ لأنه وإن ضمن فما لم يؤدِّ فتسليطه على الاستخدَام فيه بُعد على قياسِ قولهم ، فإن قيل: فماذا يلزمُ السيّدَ إذا استخدَمه  مُتعدّياً أو مُحقاً على المذهب قلنا: فيه قولان :\rأحدهما: كمال المهر والنفقة والمؤونة؛ إذ كان يحتمل أن تنفق له اكتساب مال كثير، والتوقعات لا ضبط لها \rوالثاني: أنه يغرم أقل الأمرين من واجب اليوم مع المهر أو أجرة المثل  في ذلك اليوم، وهذا  الأقربُ ، وهذا الخلاف يضاهي الخلاف في أن السَيد إذا أراد فداء العَبد الجاني يُفدِيه بكمال أرش الجناية، أو أقل  الأمرين من الإرش (والقيمة) \rالتفريع: إن قلنا: يضمنُ كمال الواجب، فنفقةُ المستقبل إلى منقرض العمر، هل تجب فيه أم يقتصر على المهر ونفقة مدة الاستخدام وجهان :","part":1,"page":76},{"id":1055,"text":"ووجهُ التردُد بيّنٌ هذا كله إذا استخدَمه السَيد، فأما إذا  استخدمه أجنبي فليس عليه إلا أجرة المثل فإنه لم يسبق منهُ الالتزام  وتوريط في الالتزام ، واختتام الكلام بأمرٍ قال العراقيون: إذا اكتسبَ العبدُ نهاراً فليسَ للسَيد أن يستخدمَهُ ليلاً ؛ فإنه وقت دعته، وليس له أن يستوعب جميع أوقاته بالاستخدام، والأمرُ على ما قالوه ، هذا كله إذا نكح بإذن السَيد نكاحاً صحيحاً، فأما إذا نكح بغير إذنه فهو فاسق  وإن جرى وَطء فالمهرُ لازمٌ وفي متعلقه قولان:\rأحدهما: أنه في ذمته؛ لأنه غير مأذون \rوالثاني: برقبته ؛ لأنه يضاهي الجناية ، (ولذلك أوجبنا توجُه)  المهر على السفيه إذا استقل بالنكاح ووَطء إلحاقاً له بالجنايات ، فأمّا إذا أذِن له في النكاح مُطلقاً فنكح نكاحاً [صحيحاً، وفسد المهر فيه، ووَجبَ مهر المثل عند الوطء أو بالعقد، فيتعلق بكسبه كالمهر الصحيح؛ لأنه مأذون في التزام المهر على الجملة ، فأما إذا أذن في النكاح مُطلقاً]  فنكح نكاحاً فاسداً ووطئ فهل يتعلق مهر المثل بأكسابه، فعلى قولين:\rالأصح أنه لا يتعلق بأكسابه؛ لأنه ليس مأذوناً في هذا النكاح \rوالثاني: أنه يتعلق به ، ولا مأخذ له إلا أن اسمَ النكاح (يشتمل على)  الصحيح، والفاسد، فعلى هذا ينقدح وجه في أنه لو حلفَ أنه لا يبيع ولا ينكح فيحنث بالفاسد  على ما قال أبو حنيفة [رحمه الله] \r\rالطرف الثالث: في  نكاح العبد إذا ملكتَهُ  زوجته:\rوهذا أيضاً كالمعترض في أحكام الولاية، فنقول: إذا ملكت الزوجَةُ زوجها فحُكمه انفساخ النكاح ولا  اجتماع بين النكاح والملك ، والنظر بعدَه في سقوط المهر، فنفرض أولاً (في الهبة، ثم في البيع، فإذا)  جرت الهبة من السَيّد والقبُول منها، فالانفساخُ مضاف إليها أم إليه فيه قولان: ذكرهما الشيخ أبو محمد  والعراقيون:","part":1,"page":77},{"id":1056,"text":"أحدهما: مضاف  إليه؛ لأنه المُوجِبُ والقبول يبتنى عليه \rوالثاني: أنه مضاف إليها؛ فإنها المتملِكةُ ، وفائدَةُ الخلاف تظهر في المهر قبل المسيس حتى تُسقط الكل إن أضيف إليها ، والشطرُ إن أضيف إليه ، وبعد المسيس ينزل منزلة (رِدَّة)  من يُضَاف إليه \rفأما إذا جرى الملكُ بالشراء فإن فُرض الشراء بغير الصداق صح العقد، ثم حُكم سقوط المهر بعدَ المسيس وقبله وما يتولد من التفريع عند التقاصِّ  لا يخفى أمرُه، فهو مأخوذ من أن الشراء (يُضَاف إليها أم إليه) ، فأما إذا اشترتهُ من سيده بالصَداق الذي ملكَتْه فلا يخلو، إما إن جرى قبل المسيس أو بعدَه، فإن جرىَ  قبلَهُ والتفريعُ على الأصح في أنه يُضَاف الملكُ  إليها حتى يسقط المهر ، قال الشافعي\r[رحمه الله] : لا يصح الشراء؛ لأن تصحيحه يُؤدي إلى إفساده، فإنه لو صح (لملكته ويسقط المهر وارتدّ)  إلى السَيّد، ولكان العقد عَرِياً عن العوض ، فإن المهرَ إذ ذاك يعُود إلى السَيّد بحكم الانفساخ لا بحكم عوَضِيَّة العقدِ، وهذا من قبيل الدور الحُكميّ ، هذا إذا فرّعنا على أن المهر بكَماله يسقُط، فإذا  قلنا: إنه لا يسقط كله، وإنما  يسقط شطره، فلا يؤدي التصحيح  إلى تعريه العقد عن تمامِ العوض، بل يؤدي إليه في نصف العوض، فيبطل في ذلكَ النصف ، وهل يصحُ في الباقي إن لم نَر تفريق الصفقة يصح ، وإن رأيناهُ يبنى  هذا على أصل، وعليه يبنى الشراء في الكُل بعد المسيس؛ لأن جميع المهر بعد المسيس لا يسقط ، فإن الفسخ بالأسباب الطارئة لا يسقط المسمى على ما سنذكره \rقال  القفال: كان حفظي عن أصحابي أنه يصح العقد بناءً على أن المهرَ لا يسقط، ثم رأيت في المنام أني سُئِلتُ عنها، فقلت: لا يصح، وعلَّلتُ بسقوط المهر، وبنيتُه على أصلين للشافعي [رحمه الله] :\rأحدهما: أنه لا يستحق المالكُ على عبدهِ ديناً","part":1,"page":78},{"id":1057,"text":"والثاني: أنه إذا لم يستحق برأ العبد عن المهر بشرائها إياه، وهو الأصل، ومهما برأ الأصيلُ برأ الكفيل وهو السَيّد، فيؤدي إلى ارتداد العوض ، ثم انتبهتُ فتصفّحتُ الكتاب فَوَجَدْتُه  [على وجهين]  مبنيّين على أن من اشترى عبداً له دينٌ في ذمته بجناية أو غيرها، فهل يسقط الدين بالملك الطارئ كما يمتنع بالملك المقارن، فعلى وجهين \rهذا تمامُ الغرض، وقد جرى رَسم الأصحاب في هذا المقام بذكر مسائل في الدور الحُكميّ، فنذكر من جملتها خمس مسائل:\rإحداها: إنه لو اعتق أمَتهُ في مرض الموت وتزوجها وكانت ثلث مَاله، فإذا مات ولم يزد ماله لم يكن لها المُطالبة بالمهر، إذ ذلك يُلْحِق دَيناً به، وَيَرُدُّ العتقِ، ويُبني  عليه فساد النكاح، وسقُوط المهر \rالثانية: المريض إذا زوج أمتَهُ عبداً ثم قبض صداقها وأتلفه، ثم أعتقها ، فلا خيار لها، إذ لو فسخت لارتَدّ المهر ، ولما خرجت عن الثلث، فيبطل العتق، ولا يثبت الخيار \rالثالثة: لو مات وخلف أخاً وعبدين فأعتقهما، ثم شهدا على أن الميت كان قد نكح، وأتت المرأة بهذا  الولد في زمان (الاحتمال) ، ثبتت الزوجية والنسبُ  ولا يثبت للولدِ الميراث إذ لو ثبت لحجب الأخ، ولبطل العتق، ولبطلت الشهادَة، (ولما ثبت)  الميراث فلا يثبت أصلاً، ولو  كان الولد أنثى، فإن كان الأخ معسراً لم ترث البنت؛ إذ في توريثها رَدَ بعض الرق في مقدَار نصيبها، وإن كان مُوسر أثبت الإرث؛ إذ ليسَ من ضرورته الرد إلى الرق، وإبطال الشهادة \rالرابعة: إذا أوصَى له بابنه  فمات  وخلف أخاً فله القبُول بنيابته، ثم يعتق؛ (فإنه قَبِل لهُ وكأنه ملكه، فيعتق)  عليه، ولا يرث؛ لأنه لو ورث لحجب الأخ، ولما صحّ قبُوله \rالخامسةُ: المريض لو اشترى (أباه أو ابنهُ)  عتق من ثُلُثِه، ثم لا يرث منه ؛ لأنه لو ورث لبطلت به  الوصية، والعتق وصيَّةٌ له، فيبطل العتق ولا يرث ","part":1,"page":79},{"id":1058,"text":"هذا تمامُ الغرض ولابدّ الآن من التنبيه على أمر  وَهوَ أن الدور قد يستند إلى أمر واحدٍ لا سبيل إلى دفعه وهو شراؤها الزوج قبل المسيس، (إذ لو)  صحّ البيع لارتدّ العوض وتعدي ، فلا وجه إلا إبطال البيع، إذ لا سبيل إلى تصحيح البيع، والحكم بأن المهر لا يزيد؛ فإن البيع تردد  بين الفساد والصحة، وأما ارتداد المهر (يقع قهرياً)  فلا يقبل الردّ ، وأما مسألة الأمةِ إذا أعتِقَت كان يُمكن أن يقال: لا تعتق؛ إذ لو عتقت لثبتَ الخيار، فينقطع الدور من أصله، كما في شراء الزوج، لكن  قيل العتق لا يقبل الرد، والخيارُ يسقط بأعذار خفيفة فلابد من تنفيذ العتق \rوأما مسألة شهادة العبدين على نسب الابن، يُمكن أن يقال: لا يثبت النسبُ إذ لو ثبت لثبت الإرث، فإنه لا مانع، ولكن الظاهرُ أنه يثبت النسبُ، فأنا لا نُبعِد نسباً لا يُورث به بأسباب ، ومنهم من قال: لا يثبت النسبُ قطعاً للدورِ من أصله، فإنه لو ثبت فلا مانع من الميراث, ولا يبعُد رَدُّ شهادة في حُكم بعذر من الأعذار فتخرج الشهادة عن كونها مفيدة في النسب، ولم  يَطْرُد  أحد هذا الخلاف في العتق ، فهذا فَنٌّ من التحقيق لابُدّ من الإحاطة به في مسائل الدور، وباقي  مسائله تأتي متفرقة  في المسائل\rالفصل الرابع: في حُكم الإماء\rوالكلام فيه في أطراف\rأحدها: في تزويجها، والسَيّدُ على الجملة يملكُ إجبارها على التزويج بالغة  كانت أو صغيرةً لا تردّد فيه بخلاف العبد؛ فإن منافع يضعها مملوكة للسيد ، واستتمام الغرض في هذا الطرف برسم فروع:\rأحدها: أن السَيّد الفاسق هل يزوجها إجباراً [فيه]  وجهان:\rأحدهما: أنه يجوز؛ لأنه تصرف في الملك بحكم الملك \rوالثاني: أنه لا يزوجها؛ لأن هذا تزويج ولاية  على الجُملة ، ومأخذ هذا الوجه أن الأمةَ هل لها حقٌّ في النكاح فيما يتعلق بالعيوب وغير ذلك وسنتعرض له في\rهذا الفصل ","part":1,"page":80},{"id":1059,"text":"الثاني: المسلم هل يزوج الأمةَ الكتابية من العبد والحر الكتابي حيثُ أحللناها لهُما على أحد المذهبين  كما سنفصله ، وفيه وجهان: ووجهُ المنع أنه يزوج  بالولاية واختلاف الدين ينافيه \rالثالث: أن الأمة المجوسيّة إذا قلنا تحلُّ لحُرٍّ مَجُوسي فلا شك في أنها لا تحل للسيد المُسلم بملك اليمين، فهل له تزويجها وجهان مرتبان على الوجهين في الأمة الكتابية ، وأولى بالمنع ؛ لأنها لا تحل له بملك اليمين بخلاف الكتابية ، والترتيبُ ضعيف من حيثُ إنه لا يُحِل السَيّد الزوج محل نفسه فيما يستحله، ولذلك يزوج أمتهُ التي أخته من الرضاع، أم  من النسب مع تحريم الاستمتاع، وفيه وجهٌ بعيدٌ لا يعتَدُّ بهِ ","part":1,"page":81},{"id":1060,"text":"الرابع: الكافرُ هل يُجبر الأمة المسلمة على النكاح، حيث يفرض للكافر ملكٌ عليها في دوام الأمر فيه وجهان ، مأخذهما أنه يزوج بالولاية أو بالملك ، ويقرب مما ذكرناه الإجبار في حق العبد إذا رأيناه ، وفي جريانه في المسلم (في العبد الكافر، والكافر في العبد المسلم)  يُخَرَّج على هذا الأصل، وهو أنه تزويج بالملك (أو الولاية)  وجعله ولاية في العَبد أظهر، لأن مُستَمتَعه غيرُ مملوك للسيد ، وإذا قلنا: إن الكافر لا يُجبرُ العبد المسلم فله أن يتزوج برضاه، فيكون رضاهُ إسقاطاً لحقه، والعبدُ يستقل ناكحاً كما أن المرأة إذا ملكت عبداً لا تتعاطى  عقده، ولكن العبد يستقل ناكحاً بإذنها ولا يحتاج إلى أوليائها ، فإن قيل:  بنيتم هذه المسائل على أن هذا تزويج بالولاية، أو تصرف بالملك  فما وجه التردد والتصرف وارد على مملوك قلنا: مستمتع العبد غير مملوك للمولى والعقدُ واردٌ عليه  فيظهر كونه متصرفاً بولاية لكن تلك الولاية سببها الملك، كما أن (ولاية الأب سببها)  القرابة ، ومستمتع الأمة وإن كان مملوكاً للسيد ولكن ليسَ النكاح نقلا لما مَلَكه إذ مَلك  الزوج الطلاق والظهار ، ويتعلق به أحكام لا تتعلق بالملك، وتنفيذ العقد بالشهادة\r[والولي] ، والمرأة لا تتولاه  بنيابة ولا ولاية كما في النكاح ، ولو نظرنا إلى محض الملك لكان ذلك عقد مال كالعقد الوارد على الأعيان حتى لا يترتب عليه أحكامُ النكاح، ولكان  الزوج واطئاً بملكِ اليمين؛ لأنه ثبت له بطريق الانتقال، والثابتُ الأول  مُلْكُ يمين، فكل ذلك يدل على أن تجرد  النظر إلى الملك لا وجهَ له، وأنه من باب الولاية \rالخامس: أن أمةَ المرأة يزوجها وليها برضاها، وقيل: لا يحتاج إلى رضاها؛ لأنها لا تتعاطى العقد بنفسها، ولا ولايتها ","part":1,"page":82},{"id":1061,"text":"وقال صاحبُ التلخيص يزوجها السلطان؛ إذ وليها ليسَ وَلي الأمة ولا مالكها ، وقد أجمع الأصحابُ على تغليطه  وإن كان ما قاله لا يخلو عن احتمال ظاهر ، ويجب عليه طرده في معتقتها  في حياتها \rالسادسُ: أن وَلي الطفل لو تصرف في رقيقه بالنكاح فيه ثلاثة أوجه ، الثالث: أنه يزوج الأمة لحظ المؤونة ، ولا يزوج من العبد  لاشتغال كسبه ، وَوَلِي البكر البالغة لا يزوج أمتها وإن كان يجبر البكر؛ لأنه لا يلي مالها، وأخوها وإن كان يكتفي بصَمْتها في وجه فلا يكتفي بصمتها في أَمَتِها؛ لأنه يستند إلى التصرف بولاية المال \rالطرف الثاني: فيما يبقى من حق السَيّد بعد التزويج:\rوحاصل القول أن حقهُ في الاستخدام ، فيستخدمها نهاراً ويُسلِّم  إلى الزوج ليلاً؛ لأنا لو منعناه  عن الاستخدام لما رَغِب في تزويجها، ولكان ذلك أضراراً بها بخلاف الحرّة فإن مقصودها الأعظم من عُمُرها أمر النكاح، فتوفير مقصود النكاح بتعطيل منافعها لا يزَعُها عن العقد \rثم اختلف القولُ في  السَيّد لو قال: أُبَوِّئُهَا  بيتاً في داري ليأوي  الزوج إليها، ولا تُسَلَّم  الجارية إليه أحد القولين: المنع من ذلك؛ لأنه يناقض التمكين فَلْتُسَلَّم إليه ليلاً \rوالثاني: أنه يملك ذلك؛ إذ اليد حقه عليها، فلا يجبُ  عليه إبطالها \r، ولم يختلفوا في أنه  لو أراد أن يُسَلِّمَها نهاراً ويستخدمَها ليلاً لم يَجز ؛ لأن الليل وقت الاستراحة من الخدمة، ووقت التمتعُ، ولذلك نُعَوِّل في القسم على الليل ، ولم يختلفوا في أن (السَيد له)  أن يُسافر بها، وإن كان يُعطِّل عليه الأمر ولكنه غير ممنوعٍ [من]  مصاحبتها حتى يَسْتَبِدَّ بها ليلاً إن أرادَ \rنعم اختلفوا في أنه لو سَلَّم إليه ليلاً واستخدم السَيّد نهاراً هل تجب  النفقة على الزوج ذكر العراقيُون وجهين:","part":1,"page":83},{"id":1062,"text":"أحدهما: أنه لا نفقة؛ لأن الشرع أوجب النفقة للحُرَّة في مقابلة التمكين الكامل، وليس هذا تمكيناً كاملاً فلا يلحق به \rوالثاني: أنه يجبُ عليه نصف النفقة لتشطر الزمان بينهما \rوذهبَ الشيخ أبو محمد إلى أنه يجب كمال النفقة ؛ لأن التمكين المستحق بالنكاح جرى بكماله ولو كان التمكين بالنهار مُستحقاً للزِمَ التسليم ، ثم قال: إذا سَلَّمت المرأة نفسها ليلاً ونشزت نهاراً فيحتمل ترديد الوجهين  كما ذكره العراقيون ، ولم يختلفوا أن السيد إذا سافر بها سقطت نفقتها، ولم يكن له أن يُكَلِّفه  السفر ليستبدِ بها ليلاً وينفق عليها \rفرع: إذا فرعنا على قولنا: لا يجبُ على السَيّد أن يُسَلِّم الأمة ليلاً إلى الزوج في وقت فراغها، بل له أن يُؤيها بيتاً في داره مُراعاةً للسَيّد، فلا شك في أنه لا يجبُ التسليم في وقت العمل نهاراً وإن كانت محترفةً  مُمكنةً  من الاحتراف في يد الزوج، وإن قلنا يجب التسليم في وقت الفراغ فإذا كانت محترفة فالظاهر أنه لا يجب التسليم في مدة العمل \rوقال أبو إسحاق المروزي: يجبُ جمعاً بين الحقين ، ولهُ  عرض في مؤانستها، والنظر إليها، كما أنا في الرهن على وجهٍ نقول: العبد الكسوب يُستكسب [في يد المرتهن جمعاً بين الحقين]  ولا ينزع  من يده، وهذا ضعيف؛ لأن يد المرتهن مقصودة بالاستحقاق فلا تبطل  إلا الضرورة ؛ ولذلك لا يُسافر الراهنُ بالمرهون، والسَيد يسافر بالأمة المزوجة\rالطرف الثالث: في مسائل متفرقة تتعلق بهذا الفصل:","part":1,"page":84},{"id":1063,"text":"أحدها: أن الأمة هل لها حقٌ في النكاح وقد اختلف الأصحابُ فيه، وظهر أثره في أنها هل تملك الإجبار للسَيِّد وفيه وجهان  كما في العبد ، فعلى  وجهٍ نقول: لها ذلك حتى إذا عضَل زَوَّجَها السُلطان؛ إذ في منعها أضرار بها ، ولم يختلفوا في أنه لا يجوز تزويجها من معيب بالعُيُوب الخمسة ، وأنها لو زوجت بغير رضاها لم يصح ، ولو تزوجت  برضاها من معَيِّن  ثم اطَّلعت على عيب فلها الخيار ، ولا خيار للسَيّد ؛ لأن هذا مأخوذ  من دفع الضرار حتى قال (قائلون: على مساقه)  لو باعها من معيب فلها الامتناع من التمكين من الوطء دفعاً للضرار؛ إذ هي مقهورة في النكاح كما في الملكِ \rوقال آخرون: ليس لها الامتناع في الملك بحال؛ فإنها مقهورة ، وأما النكاح فلها فيه حظ على الجُملة؛ فإن إعفافها مقصود مع (مقاصد الملك) ، وذكر بعض أصحاب الخلاف أنه لا خيار  في النكاح أيضاً، ويجوز تزويجها من معيب، إذ لا حق لها كما في الملكِ، وهذا لم نَعُدّه من المذهب ، وإن كان ذلك قياس النظر إلى الملك كما في البيع على المذهب الظاهر\rالمسألة الثانية: تزويج أمَة العبد المأذون قبل رُكوب الدين يستقل به السَيّد ، وبعد رُكوب الدَين والحجر فليسَ للسَيّد ذلك، وقبل الحجر وبعد رُكوب الدين لا يستقل أيضاً ، ولكن أن يزوج  برضى العبد دون الغرماء، ففيه وجهان:\rأحدهما: الجواز لعدم الحجر، كما في الحُرّ المعسّر، إذا زوّج أمته قبل الحجر\rبالفلس \rوالثاني: المنع؛ لأن ما في يد المأذون بصدد التعلق للديون بخلاف سائر أمواله ،\rولو زَوَّج بإذن الغرماء دون إذن العبدِ، فوجهان \rواختار القفال منعه إذ العبد يقول: ما يبقى من الديون فأنا مُطالب  به\rبعد العتق ","part":1,"page":85},{"id":1064,"text":"المسألة الثالثة: المُعتقَة في مرض الموت لا يزوجها أقاربُها، كذلك قال ابن  الحداد فإنه ربما (يموتر)  (ويتبيّن)  بُطلان العتق رعاية لحق الورثة ، وهذا يظهر تصوره  فيه إذا لم يكن له مال سواه ، أو لم يكن الثلث وافياً بها ، وخالفهُ الأصحابُ في هذا قالوا : العقد يبني على الحال ولا يقدَّر الموت ؛ ولذلك لو وهب الجارية للمُتَّهِب وَطَأَها وإن (كنا نستبين)  بالموت بطلان الهبة ، قال الشيخ أبو علي: الظن بابن الحداد طرد القياس في هذه الصورة إذ  نفذ تصرفات المتَّهِب ومن تصرفاته تزويجها فكيف يُفَرِّق بين المسألتين، ولكن  لو طرد  لكان مخالفاً نص الشافعي، فقد نص الشافعي [رحمه الله]  على نفوذ الهبة ، ثم قال الشيخ : قياس مذهبه أن السَيد لو زوجها جاز (فإن بان ملكا فللسَيّد)  وإن بان صحة العتق فله الولاء، وهذا إنما يجري إذا لم يكن أخ ، فإن كان فهو أولى من المولى المعتق، فلا يقتضي قياس ابن  الحداد صحته ، ثم إذا فرعنا على الصحيح في صحة العقد توقف الأمر على زيادة (مال أو أجازه)  الورثة، فإن رَدَّ الورثة تبين بُطلان النكاح من أصله، وإن أجازوا وقلنا: الإجازة ابتداء عطيه فكمثل، وإن قلنا: تنفيذٌ فتستمر صحة العقد، وكذلك إذا زاد المال قبل موته ، ولا نقول: العقد كان موقوفاً على هذه المتجدِّدات فإن تجدَّد استمر العقد؛ لأن الحال موافق لصحة النكاح، ولكنا كنا نَحْذَر أمراً طارئاً فاندفع ما كُنّا نحذره، فهذا أولى من البناء على الوقف، وإذا فرعنا على قول ابن  الحداد فلو كانت له أموالٌ جمَّةٌ ثم تلفت ففيه على قياسه تردُّدٌ يحتمل أن يُنظر إلى الحال، ويحتمل أن يقال: تَصَرُف المريض ناقص، والأموال عُرْضة الزوال ","part":1,"page":86},{"id":1065,"text":"المسألة الرابعة: إذا قال السَيّد لأمته: أعتقتك على أن تنكحيني، فلا ينفذ العتق إلا بقبُولها  (فإنها تعامل)  بعوض يقصد على الجملة، ثم إذا قبلت حصل العتق، وفسد العوض؛ إذ العقود لا تلزم بالشرط  والرجوع  عليها بقيمتها يثبتُ للسَيد كما إذا أعتقها على خمر  ثم لو نكحها بعد ذلك بالقيمة التي له عليها وكانت معلومةً صح ، وإن كانت مجهولة صح النكاحُ، وفي الصدَاق وجهان مشهوران أصحهما -وهو اختيار المزني- أنه لا يصح؛ للجهالة ","part":1,"page":87},{"id":1066,"text":"والثاني: أنه يصح إذ الاستيفاء غير مقصود ، وينضم  إليه أن الرقبة معلومة ، ولو أصدقها رقبةً لا يعرفان قيمتها صح العقد  ولو اتلفت  امرأة عبداً على (إنسان فنكحها)  بقيمته مع الجهالة فالصحيح بُطلان الصداق ، ويتجه في القياس طرد الوجهين ، وهذا كله في جانب الأمة، فلو قالت  السيدة: لعبدها أعتقتك على أن تنكحني، فالصحيح أنه ينفذ من غير قبول ؛ لأن ذلك ليس عِوَضاً متقوّماً فكأنها قالت: أعتقتُك على أن أعطيك بعده شيئاً بخلاف الأمة، ومنهم من قال يفتقر إلى القبول  إذا المرأة قد تبذل الأموال إلى الوصول إلى رجل مُعَيَّن فهو مقصود ولو لم يكن متقوماً، وهذا ضعيف ؛ إذ لا خلاف في أنه لو قال الزوج لزوجته: طلقتك على أن لا تحتجبي  مِنِّي، وقع الطلاق من غير قبول، ولم يكن ذلك عوضاً وإن كان مقصوداً ، ثم قال صاحب التقريب: مَن أعتق أمة وأراد نكاحها ولم يأمن امتناعها فسبيله أن يقول: إن يسرَّ الله [تعالى]  بيننا نكاحاً فأنت حُرَّةٌ قبله بيوم، ثم إذا مضى يوم أو أكثر ينكحها  فينعقد النكاح، وتبين  صحة العقد، ونفوذ العتق قبله ، ومن أصحابنا من (خالفَ، وقال: يبنى هذا على)  ما لو زوَّج  أَمَة أبيه على ظن أنه حيٌّ ثم تبيّن موته ، وهذا ضعيف؛ فإنه في تزويج (أمه أبيه)  ليس على بصيرة، وهو في هذا المقام على بصيرة من مصادفة  النكاح العتيقة ؛ إذ العتق يتقدم على النكاح، ويحتمل أن يقال: لسنا نعتقد عتقها في حال التلفظ بالعقد، فإن العتق يبتني على صحة النكاح وإنما نتبين الصحة بتقدير العتق، وإنما يتبين العتق بتقدير صحة العقد، فهذا يورث إبهاماً حالة التلفظ، والأحوط  ما ذكره صاحب التقريب ","part":1,"page":88},{"id":1067,"text":"المسألة الخامسة: إذا زوج أمتَه من عبده فلا يثبت المهر؛ إذ يستحيل أن يستحق على نفسه شيئاً ، وذكر الشيخ أبو علي وجهاً أنه يثبت ويسقطُ ، فزيَّفه الإمام ، وهذا يضاهي قول الأصحاب يجب القصاص على الأب، ثم يسقط، ومن زيَّفه قال المعنى المسقِط مقارن فليمتنع، (وهذا فيه)  نظر، ذكرناه في مآخذ الخلاف في مسألة شريك الأب، وهو تخيُّل فرق بين انتفاء المُنشَئ  لعدم جريان مُوجبه، وبين اندفاعه لمقارنة المسقِط الموجب وتعارضهما، وهاهنا المُوجِب جرى وهو النكاح، والمسقط قارنَه وهو أن السَيد يصرف  المهر والمستحق عليه عبده، ويبعد أن يملك على رقيقه، فالمعني بقول القائل: وجب ثم سقط أن طريق انتفائه اندفاعه بعد جريان موجبه بمعارضة  المسقِط لا انتفاؤه من حيثُ  أصله، وهو غائصٌ لا بأس به \rالمسألة السادسة: إذا زوّج الرجل أمته ثم قال زوجتُهَا  وأنا  مجنون أو كنت محجوراً عليَّ وأنكر الزوج فالقول قول الزوج ، هكذا قاله: ابن  الحداد؛ لأنه اعترف بالنكاح، ثم أراد إبطاله، قال الشيخ أبو محمد: هذا فيه إذا لم يُعهد حجرٌ وجنون ، فإن عُهد ففيه وجهان، ذكرهما الشيخ أبو زيد :\rأحدهما: القول قول الزوج؛ لأنه اعترف بالنكاح ومُطلق لفظ النكاح يتناول  الصحيح كما في البرّ والحنث ","part":1,"page":89},{"id":1068,"text":"والثاني: القول قول السَيّد؛ لأن الجنون النافي للعقد معلوم، والزوج يبغي إثبات العقد بتراخيه عن الجنون والحَجْر، والصحيح هو الأول، وقد نصّ الشافعي على أنه لو أحرَمَ الولي بعد التوكيل بالنكاح، ثم أدعى أن الوكيل زوَّجَ بعد الانعزال بالإحرام فالقول قول الزوج؛ لأن العقد معترف به فيحمل على الصحيح، وينقدح فرق بين هذا وبين الحجر، فإن الإحرام طارئ، وقد جرى التوكيل في حالة الحِل، والجنون في المسألة المفروضة متقدمٌ، والزوج يدَّعي زوالها ووقوع العقد بعدها، هذا تمام النظر في أحكام الأولياء والموَلَّى عليهم، وشرائط النكاح ذكرنا معها أحكاماً معترضة متعلقةً بها\r\rالقسم الثالث من أقسام كتاب النكاح\rبيان الموانع من النكاح في الناكح والمنكوح\rوهي أربعة أجناس:\rالجنس الأول: ما يتعلق به محرمية، وهي ثلاثة: النسب، والرضاع، والمصاهرة\rوالجنس الثاني: ما يتعلق باستيفاء عدد محصور شرعاً كالزيادة على أربعة، وكالجمع بين أختين، وكنكاح المرأة بعد استيفاء الطلقات الثلاث منها\rوالجنس الثالث: الرق في المنكوحة في بعض الأحوال، وملك الناكح في المنكوحة في جميع الأحوال\rالجنس الرابع: الكفر في الناكح والمنكوحة في بعض الأحوال، وأصناف الكفار: اليهود، والنصارى، والمجوس، وعبده الأوثان، والمرتدات، فسنذكر هذه الأقسام ونسلكها في سياق واحد، فنَعُدّ كل واحد منها مانعاً وإن اختلف أجناسها ومآخذها، ونصل جناح هذا القسم عند اختتامه بنكاح المشركات، ونبدأ بالجنس الأول: وهو ما يتعلق بمحرمية، وهي ثلاثة، فنقول:\rالمانع الأوَّل من النكاح: النَّسبُ","part":1,"page":90},{"id":1069,"text":"والجامع فيه أنه يحرم بالنسب جميع الأقارب إلا أولاد الأعمام والعماتُ وأولاد الأخوال  والخالات، وإن أردنا تفصيله فالمحرمُ بالنسب تسعةٌ نصّ عليه الرب سبحانه  في قوله تعالى:    •          \rفأمَّا الأم: فهي كل أنثى انتهيت إليها بالولادة بواسطة أو بغير واسطة كانت الواسطة ذكوراً أو إناثاً، واندرَج تحتهُ الجَدَّات \r(وأمّا)  البنات: فالبنت كل [أنثى]  تنتهي إليكَ بالولادة بواسطة أو غير  واسطة، كانت الواسطة ذكراً أو أنثى، واندرج تحته الأحفاد \rفأمّا الأخت فكل امرأة ولدَها أبوَاك أو أحدهما ، وبنات الأخ وبنات الأخت محرمات، وهن منهما كبناتكَ منك ، وكل من ولدها أجدادُكَ وجَدَّاتُك من قبَلِ الأب فهي عَمَّة مُحَرَّمة وأولادُها غير مُحَرَّمة، وكل امرأة ولدها أجدادكَ وجداتك من قبَل الأم فهي خالةٌ، وهي مُحَرَّمة دون أولادها ، وجمع الأستاذ أبو إسحاق الكُل، فقال: يحرم على الرجل أصُوله وفصُوله، وفصُول أول أصوله، وأول فصل من كل أصل بعده أصل [وإن أعلا]  \rفرَعان:","part":1,"page":91},{"id":1070,"text":"إذا ولدت المرأة [ولداً]  من الزنا فليس له نكاحها فإنه منها قطعاً ، ولو زنا رجل [بامرأة]  فأتت بولد له أن ينكحها  إذ لا اطلاع على حقيقة الحال وأنها منه، والزنا لا حرمة له حتى يثبت النسب، نعم يكره نكاحها للكراهية ؛ ولأن أبا حنيفة رأى المنع من النكاح ، فالخروج من الخلاف أولى، ولو تحقق قطعاً أن الولد منه، فالقياس يقتضي التحريم ، لأنا قطعنا في المرأة بأنه يحرم عليها نكاح ولدها لتحققّ البعضية، ومنهم من قال: لا يحرم ، والفرق عسير، وكأن هذا القائل يقول: الولد  بعض من الأُم؛ فإنه ينفصل منها في حالة كونه آدمياً إنساناً، وبعضية الأب لا حقيقة لها؛ فإن المنفصل منه نطفة قذرة من  غذاء مستحيل ولكن الشرع أثبت انتساباً في النكاح  فلا جريان له في الزنا؛ ولذلك يرق ولد الحُرّ من الرقيقة في النكاح، ولو كنا نعتقد بعضيته لامتنع إرقاق ما حُكم بحُرّيته ووَلد العبد من الحُرّة حُرٌّ \rالفرع الثاني: إذا لاعن عن امرأته ونفي الولد فهل له نكاحها فيه وجهان:\rأحدهما: الجواز إذ ثبت أنه من الزنا بلعانه وانتفي النسب \rوالثاني: المنع، لأنه عُرْضة  أن يُكَذِّبَ نفسه فيلحق  به بحُكم النكاح الصحيح الذي وُلد الولد فيه \rالمانع الثاني: الرضاع\rقال رسُول الله : (يحرمُ من الرضاع ما يحرمُ من النسب)  فتحرم منه الأم، والبنت، والعمّة، والخالة، والأخت، وبنات الأخت، وبنات الأخ ، والأم من الرضاع: كل امرأة أرضعتك وأرضعت من يرجع نسبك إليه من جهة أبيكَ أو أمك، وكذلك كل امرأة يرجع نسبُ المُرضعة إليها من قبل أبيها أو أمها فهي أمك ، وكل امرأة يرجع نَسبُها إلى هذه المرضعة من قبل أبيها أو أمها فهي أختك من الرضاع ،","part":1,"page":92},{"id":1071,"text":"[وكذلك كل امرأة أرضعتها أمك بلبن أبيك فهي أختك من الرضاع] لأب وأم، وإن أرضعتها بلبان غير أبيك فهي أختٌ لأم، وإن أرضعتها أجنبية بلبان أبيكَ فهي أختٌ لأب، وعلى هذا قياس العمات والخالات، وتفصيل ذلك يستقصى في كتاب الرضاع فلا نزيد على ما ذكرناه\rالمانع الثالث: المصاهرة\rوالكلامُ في طرفين:\rأحدهما: فيما يحرم بالمصاهرة، وهي أربعة: أم الزوجة من الرضاع والنسب، الثانية: بنتها من الرضاع والنسب، وقد ذكرنا حَد الأمّ والبنت الثالثة: زوجةُ الابن الرابعة: حليلة الأب، ولا تتعَدّى الحرمة إلى أولاد حليلة الأب والابن، ثم تحرّم أم الزوجة وزوجة الابن وزوجة الأب بالنكاح الصحيح، ولم يتوقف على المسيس، وأما بنت الزوجة فلا تحرم إلا بالدخول [بالأم]، قال الله تعالى:، وعن علي بن أبي طالب (أن الأم لا تحرم إلا بالدخول بالبنت، كما لا تحرم البنت إلا بالدخول بالأم)، وعن زيد بن ثابت (أن الأم إن ماتت قبل الدخول حرمت (البنت) وكان موتها كالدخول بها)، وعن مالك رحمه الله: (أن الربيبة هي الصغيرة التي تربي تربية البنات مع\rالزوج، وأما الكبيرة فلا تحرم، ولأنه قال:، والشافعي [رحمه الله] حمل هذا التقييد على العادة العامَّة كقوله تعالى في الخلع بأنه قَيّد بحالة الشقاق ولا يتقيد به، وقوله:، لا يخرج حليلة الابن من الرضاع عن التحريم، بل فائدة التقييد إخراج حليلة ابن التبنّي، وكان للتَّبنّي حُكمٌ في الجاهلية، وكان رسُول الله تَبنَّى زيد بن حارثة قبل أن يُبعث نبيّاً\rالطرف الثاني: فيما تحصُل به المصاهرة:","part":1,"page":93},{"id":1072,"text":"وللنظر مجريان: أحدهما: أجناسه والثاني: صفاته\rأما الأجناس فمُجَرّد النكاح في البنت يُحَرّم الأم لا غير، والوطء يُحَرِّم لا محالة جميع الأربعة التي  فصلناهُنّ ، والملامسة  فيها قولان:\rأحدهما: أنه لا تحصل به حرمة المصاهرة، وهو الأصح؛ لأنه ليس في معنى الوقاع \rوالثاني: أنه يلحق به كما في انتقاض الطهر والفدية، وهو بعيدٌ في القياس المعنوي، والمسلك الشبهي  وإنما يبقى استواء في حُكم الطهارة والفدية؛ وذلك لا يغلبُ على الظن الاستواء في هذا المقام \rوأما النظر فظاهرُ النصّ أنه لا يتعلق به التحريم ، وحكى العراقيون قولا مثل مذهب أبي حنيفة في أنه يحصل به الحرمة ، وهو بعيد ولا وجه  له إلا ما روى عن رسُول الله  أنه قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينظر إلى فرج امرأة وابنتها) ، ولعلَّ ذلك كناية عن الجمع في النكاح\rالتفريع: إن حَكمنا بالحصول بالملامسة والنظر فقد قيّد المحققون بالمسّ  بالشهوة ليقرب من الجماع، ومنهم من أرسل الأمر فيه، فأما  النظر فإنه مقيّد بالشهوة لضعفه ، وهل يختص بالفرج خصص أبو حنيفة القبل من الرجل والفرج من المرأة ، وكان الشيخ أبو محمد يقطع بأن لا اختصاص بالفرج ، قال الإمام: وينبغي أن يخرج من جملته ما لا يحل النظر إليه من الرجل والمرأة على تفصيل المذهب الذي قدمناهُ في أول الكتاب، فإن فوق السرّة والركبة محل للنظر ، فيبعد أن يقال: نظر المرأة إليه (يثبت)  تحريم المصاهرة، وعلى الجملة هذا القول في الملامسة ضعيف، وفي النظر غريب؛ فلأجله ضعف التفريع عليه\rوأما  الصفات فما كان منه حلالاً محضاً أعني الوطء والملامسة إن قلنا به  تعلق  التحريم به، وما كان حرَاماً محضاً كالزنا لا  يتعلق التحريم به ","part":1,"page":94},{"id":1073,"text":"خلافاً لأبي حنيفة ، وما استندَ إلى شبهة فهو ملحقُ بالحلال في جلب التحريم وفي جميع الحرمات  وهي العدة، والنسبُ، والمهر، والمصاهرة، وسقوط الحد ، (ولو كانت)  الشبهة من أحد الجانبين فهل يثبت حرمة المصاهرة فيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: لا تثبت لسقوط الشبهة في أحد الطرفين \rوالثاني: تثبت تغلباً للتحريم بعد تعارض أسبابه \rوالثالث: أنه إن اشتبه على الرجل تثبت، فإن النسب يثبت والصهر قرينته ، ثم قال أصحابنا: ينظر في النسب والعدّة إلى الاشتباه عليه، فإن كان عالماً لم يثبُتا وإن كان جاهلاً ثبتا وإن علمت المرأة ، وينظر في المهر وسقوط الحد (عنهما إليهما)  فلا يثبت إذا علمت وإن اشتبه على الزوج ، وحرمَة المصاهرة لما لم تختص  خرج على التردد الذي ذكرناه، وفي بعض التصانيف إشارة إلى قول في أن وطء الشبهة لا يوجب حرمة المصاهرة  وهو غير مُعتد به إذ لم يختلفوا في العدة والمهر والنسب ولا فرق، وقد جمع الأستاذ أبو إسحاق مسائل الخلاف ففرض هذه مسألة خلافية بيننا وبين أبي حنيفة، وهو غير معتد به، نعم ظهر الاختلاف في أن التحريم إذا حصل فهل تحصل المحرمية من حيث أن المحرمية أثبتت للحاجة إلى تداخل البيوت، ومنهم من قال إذا كنا نثبت النسب فلا يبعد إثبات هذه الحرمة أيضاً، وهذا تمام القول في الجنس الأول وهو بيان المحرمات على التأبيد مع اقتضاء المحرمية\rفرع: لابن الحداد نصل به جناح هذا الفصل لتعلقه بالمصاهرة، وهو أنه إذا تزوج رجل بامرأة وتزوج ابنه بابنتها ثم غلط كل واحد منهما  [فزفت إلى كل واحد منهما]  زوجَة صاحبه فوطئها بالشبهة فنقُول: نفرض المسألة الأولى فيما إذا غلط الأب إلى زوجة ابنه فوطئها فالنظر في أربعة أحكام:\rأحدها: انفساخ النكاح، وقد فسد النكاحان، أما نكاح الابن؛ لأن زوجته صارت مَوطوءة للأب ، وموطوءة الأب محرّمة على الابن، سواء كان الوطء في نكاح أو ملك يمين أو شبهة","part":1,"page":95},{"id":1074,"text":"وأما نكاحه فلأن زوجته صارت أم موطوءة [له] ومن وطء امرأة حرم عليه نكاح أمها وإن كان الوطء وطء شبهة\rالحكم الثاني: مهر زوجة الأب: يجب شطره؛ لأنه انفسخ قبل المَسِّ بفعله، والمسألة مفروضة فيه\rالثالث: تفويت الأب على ابنه نكاح زوجته فيغرم له، وماذا يغرم فيه ثلاثة أوجه كما في المرضعة\rأحدها: مهر المثل والثاني: نصف مهر المثل والثالث: ما يغرمُ الزوج لزوجته، وسيأتي ذلك [مفصّلاً] في كتاب الرضاع\rالرابع: مهر زوجة الابن على الابن، قال ابن الحداد: لا شيء لها؛ لأنه لم ينفسخ بفعله، فمن أصحابنا من خالفه؛ لأنه لم يوجد منها أيضاً قصد (فإنها غالطة فينزل) منزلة ما لو جَمعَ بين زوجتين فأرضعت الكبيرَةُ الصغيرةَ ثبت (نصف المهر للصغيرة)؛ لأنه لا قصد لها\rقال الشيخ أبو علي: إذا كانت المرأة نائمة أو مضبُوطة فلا فعل لها،\rوإن كانت منتبهةٌ فهي مغرورة، من وجه ولكن لها فعل، وإن كانت غالطة\rفتكون كما إذا دنت الصغيرة إلى ثدي الكبيرة وهي نائمة فارتضعَت سقط مهرها\rأعني مهر الصغيرة، نعم لو كانت تمتَصّ والإرضاع من الكبيرة فالنظر إلى\rجانب الكبيرة، فأما إذا كانت نائمة أو مضبُوطة فلا فعل لها، فيتعَيّن في هذه\rالصورة إيجاب المهر؛ لأنه لا فعل لها ولو نزلت على الرجل واستدخلت فيسقط مهرها كما إذا دنت الصغيرة، ولو كان عندها اشتباهُ الحال فينقدحُ التردُد على\rما ذكره الأصحاب وابن الحداد هذا تمامُ هذه الصورة فلو وطء الأب\rبعد ذلك زوجته بشبهة فلا يلزم إلا مهر المثل؛ لأن النكاح قد انفسخ من قبلُ فلم يبق نكاح ينفسخ به","part":1,"page":96},{"id":1075,"text":"فأما إذا سبق الابن إلى زوجة الأب فالحُكم على ما ذكرنا إلا أن التفصيل ينقلب إلى جانبه فأما  إذا وطئا معا فحُكم الانفساخ والنظر كما  سبق، ويبقى غرم أحدهما للآخر، وقد  ازدحم على الفسخ سببان، كل سبب مستقل فوطء كل واحد سببٌ في فسخ نكاح صاحبه، وفسخ نكاح زوجته، فقال أصحابنا: يغرم كل واحد لصاحبه نصف ما كان يغرمه لو استقل، وينزل منزلة اصطدام دابتين  \rقال الشيخ أبو علي: لا غرم أصلاً بخلاف الاصطدام، إذ الاصطدام لا يتصور مفرداً ، وفي مسألتنا فعل كل واحد لو تُصَوِّر مفرداً  لكانت علته  كاملة في الفسخ، وما ذكره  أولى \rفرع آخر:  لابن الحداد وهو أن ينكح الرجُل امرأتين في عقدَين، ثم يطأ أحدهما، ويتبين أن أحدهما أم الأخرى، فللمسألة أحوال:\r[أحدها] : أن ينكح الأمَّ أوّلاً ثم البنت ثم يطأ الأم، فحكمه: أن الأم ثابتةٌ  في النكاح ووطئها لم يقدح في نكاحها، نعم حُرمتِ البنتُ على التأبيد؛ فإنها ربيبة ولم يكن نكاح البنت منعقداً؛ فإنها أُدخلت على الأمِّ، ولا سبيل إلى جمعهما، فدفعُ الدخيل أولى من قطع المتقرر \rالثانية: نكح البنت أوّلاً ثم الأم ثم وطئ البنت، فنكاح  البنت ثابت ووَطئها لم يُحرمها، والأم محرّمة كانت (حرمت)  بالعقد على البنت \rالثالثة: نكح الأمّ أوّلاً ثم البنت ووطء  البنت اندفع نكاح الأمّ بوطء البنت\rعلى الشبهة، ولم يكن نكاح البنت صحيحاً؛ فإنها أدخلت على الأم ، نعم لو انشأ نكاحها (جازماً به) لم يجز إلا وطئها ومُجرّد العقد على الأم وهي لا تحرم بشيء\rمن ذلك \rالرابعة: نكح البنت أوّلا ثم الأم, ووطء الأم لم ينعقد نكاح الأم فإنها كانت حرمت بالعقد على البنت، فاندفع نكاح البنت بوطء الأم فحرمتا على التأبيد \rالخامسة: لو شك  أنه وطء الأولى أم الثانية وعلم أن الأم هي السابقة في","part":1,"page":97},{"id":1076,"text":"النكاح فنقول لو قَدّرنا وطء الأم  لثبتت  محللة، وتحرم البنت، ولو قدّرنا سبق\rوطء البنت لحرمت الأم، وقد استيقنا نكاح الأم فلا يدفع  بالشك فتبقى  محلَّلَة، والبنت محرّمة في الحال، إذ لا سبيل إلى إدخالها على الأم ، فلو طلق الأم فهي مع\rبنتها امرأتان:\rإحداهما، محرمة (لا يدري)  التحريم في إحداهما  بعينها، فلا يحل  له نكاح أحدهما، وهذا من بدائع التفريع، إذ كان يحل له استصحابها ثم إذا  طلقها لم يجز استئنافها لأنا كنا نتعلق بأصل سابق في النكاح \rالسادسة: أن تتعيّن  الموطوءة ولا تتعين  من سبق النكاح عليها، وكان قد وطئ البنت فغير الموطوءة محرمة على التأبيد، وهي الأم، وأما البنت فلا نحكم بثبوت نكاحها (إذا لم نستيقن ثبوتاً ويجوز)  أن تكون مسبوقة بنكاح الأم فلا يثبت الأمر إلا بيقين ولا نحلها  أيضاً حتى تُنكح، بل الأمر موقوف فيها، وعلى الزوج البيان فإن حلف على نفي العلم أو اتفقا على الإشكال قال الشيخ: لها أن تستدعي من القاضي حتى يفسخ النكاح إن كان  وإن رضيت بالمقام مع الإشكال ففي نفقتها ومهرها كلام، قدمنا نظيره في تزويج الوليين من رجلين مع اشتباه الحال  هذا تمام الكلام في هذا الجنس\rالجنس الثاني من أجناس الموانع\rما يتنجز التحريم به ولكن لا يفيد تحريماً\rمؤبداً ولا محرمية أصلاً\rويستند التحريم في هذا الجنس إلى أمر حصري  تعبّدي من جهة الشرع،\rوهي ثلاثة:","part":1,"page":98},{"id":1077,"text":"المانع الأول: نكاحُ الأخت على الأخت، قال الله تعالى:        ففهم منه تحريم الجمع، وألحق به رسول الله  جمع محارم المنكوحة، وقال: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها لا الصغرى على الكُبرى ولا الكبرى على الصغرى) ، وأراد بالصغرى ابنة الأخ وابنة الأخت وبالكبرى العَمّة والخالة ولم يرد به السن، فإن ذلك يتفاوت ، ثم ترددوا في قوله تعالى:       فقيل: أراد به ما سلف قبل التحريم ، وقيل: أراد به الأخت التي سبق نكاحها فهي مُحللة والدخيلة مردودة ، وضابط هذا التحريم أنه يحرمُ على الرجل الجمع بين امرأتين بينهما قرابة أو رضاع يقتضي محرَميّةً حتى لو كان أحدهما ذكراً والآخر أنثى (يحرم على إحداهما نكاح الأخرى) ، واحترزنا بالقرابة والرضاع عن مسألة وهو أنه لو جمع بين امرأة وبنت زوجها أو أم زوجها جاز، وإن كان بينهما نسب لو كان أحدهما ذكراً  والآخر أنثى لاقتضى محرمية وتحريم نكاح ، وإذا تمهّد تحريم الجمع في النكاح اطّرد في الوطء بملك اليمين فله أن يشتري أختين وليس له أن يطأهما بل إذا وطيء إحداهما حرمت الثانية، فلو وطئ الثانية تعَدَّى ، ولم تعد الأولى مُحَرَّمة بل استمر حِلُّ الأولى وتحريم الثانية إلى أن يزول ملكه عن الموطوءة ببيع أو هبة، أو يزول الحِلُّ بالتزويج أو بالكتابة ، ولا يزول بما يطرأ من إحرامها والحيض عليها، ولا (بوطء شبهة)  فتشرع في العدّة، ولا بالردة، (فالعدة، والردة) ، والإحرام، والحيض من الطوارئ التي تمنع الاستيفاء (فلا)  تزيل الحق والملك  وترددوا في الرهن والبيع بشرط الخيار، أما الرهن فالظاهر أنه من الطوارئ؛ لأنه لا يزيل حق الاستمتاع وإنما يمنع الاستيفاء في الحال ، وأما البيع بشرط الخيار، (فحيث نقول)  بأنه لا يزيل الملك  لا  يؤثر جريانه؛ لأن الوطء يحل في ذلك الوقت على الظاهر فكيف","part":1,"page":99},{"id":1078,"text":"نحلُ الثانية والأولى بعد مُحَلَّلَةَ، وهذا فيه إذا كان الخيار ثابتاً للبائع  فأما  إذا كان الخيار للمشتري وقلنا: إن الملك قد زال فالوَجه القطع بالحل؛ لأنه لم\rيبق مستدرك ، وإن قضينا بأن الملك قائمٌ على قول بعيد في هذه الصورة فعند هذا يتجه التردد وما قبله ينبغي أن لا (تردد فيه أوّلا)  وذهب أصحابُ الظاهر إلى أن الجمع في ملك اليمين بين أختين غير محرم ؛ لأن الآية وردتَ في النكاح، والفقهاء رأوا إلحاق الوطء في ملك اليمين بوطء النكاح، وطردوا ذلك في حرمة المصاهرة حتى إذا اشترى امرأة وابنتها فوطئ أحدهما حرمت الأخرى على التأبيد، وحرمت الموطوءة على (ابن الواطئ وأبيه)  وسُئل عثمان  عن الجمع بين أختين بالوطء في ملكِ اليمين فقال: (أحَلّتُهما آية وحرمتهما آيةٌ)  وأراد به قوله تعالى:       وعموم قوله في المُمَلَّك         ثم اختتام\rالكلام بأمرين:\rأحدهما: هو أن نكاح الأخت الثانية لا يحل بالطلاق [الرجعي للأخت الأولة ؛ إذا الملك قائم ويحل بالطلاق]  البائن في مُدّة العدة ، وأبو حنيفة ألحق العدة في تحريم نكاح الأخت ونكاح الخامسة بصلب النكاح ورأها من حقوق النكاح  على ما استقصيناه في كتاب مآخذ الخلاف","part":1,"page":100},{"id":1079,"text":"الثاني: هو أنه إذا ملك جاريةً ووطَئها ثم نكح أختها الحُرّة انعقَد النكاح وحرمت المملوكة ، وبمثله لو كانت المرأة في حُبَالة نكاحه فنكح الثانية لم يصح العقد؛ لأن إحداهما ليست أولى من الأخرى، ودَفعُ الطارئ أهون من قطع المترسِّخ، وأما  ملك النكاح أقوى من حل الوطء بملكِ اليمين؛ لغلبة سلطانه ، ولو اشترى الرجل منكوحته صحّ الشراء وانفسخ النكاح؛ لأن ملك الرقبة في الشراء أقوى من استحقاق الحل في النكاح وإنما كان حل النكاح أقوى من حل ملك اليمين [إذا تعدَّد المحل، فأما إذا اتحدَ محلهما فلا] ، فهذه المراتب لابد من التنبّه  لها \rالمانع الثاني منشؤة زيادة العدد  على الأربع:\rفنقول: حَلّ لرسُول الله صلى الله عليه وسلم تسعٌ، وفي الزيادة خلاف ، ولم يحِل للأمَّة الزيادة على أربع، فنكاح الخامسة مندفع باطل ، ونكاح الثالثة\rفي حق العبد كَمِثْل، فلا ينكح العبد إلا اثنتين  خلافاً لمالكِ [رحمه الله] \rفإنه  جَوَّز للعَبد أربعاً تعلقاً بعموم الآية المبيحة  للأربع ، قال الشافعي\r[رحمه الله] : إنما وردت الآية في الحرائر بدليل قوله:       ، وقوله:      [ ]   ، وقوله:           الآية، وكل  ذلك يليق بالأحرار، وإلى مذهبنا صار\rالخلفاء (الراشدون) ، وعبدالرحمن بن عوف ، وقال  الليث بن سعدٍ \rقال الحَكم : (أجمع أصحابُ رسول الله  على أن العبد لا ينكح إلا اثنتين) \rفرع لابن الحداد إذا نكح امرأة في عقدة واثنتين في عقده وثلاثاً في عقده، وأشكل تاريخ العقود، قال ابن الحداد: نكاح (المفردة)  مستيقن ونكاح الباقيات على إشكال  ووجهه بَيِّن ، والكلام بعده في النفقة، والميراث، والمهر","part":1,"page":101},{"id":1080,"text":"أما النفقة في (مدة)  الإبهام بعد جريان الاعتراف به\rقال الشيخ أبو علي: على الزوج أن ينفق على جميعهن؛ لأنه حَبَسَهُنَّ في هذه الرِّبقة فكان كما إذا أسلم كافر على عشرة نسوة فعليه الإنفاق إلى أن يُعيِّن ويثبت ، ولكن ينقدح فرقٌ، وهو أن الامتناع عن رفع الإبهام سبب من جهته مع القُدرة عليه، وفي مسألتنا جرى التطابق على الإشكال، ويمكن أن يقال الزوج منسوبٌ إلى تقصير في الإخلال بحفظ تاريخ العقود\rأما الميراث فيقف لأجلهن الربع (أو الثمن)  عائلاً على ما تقتضيه الفريضة، ويصرف ربع الموقوف إلى (المفردة) ؛ فإنه أسوأ أحوالها، وأحسن أحوالها أن لا يزاحمها إلا اثنتان  فيبقى لها التردد في نصف السدس، وأما الثنتان فأحسن أحوالهما  أن لا يزاحمهما إلا (المفردة)  فلكل واحدة الثلث وأسوأ (أحوالهما أن لا ثمن لهما) ، وأما الثلاثة فأحسن أحولهن أن يزاحمهن المفردة، فلكل واحدة ربع الموقوف وأسوأ أحوالهن  سقوط حقهن، فهذه ترددات لا يقطعها إلا بيان أو اصطلاح منهن \rأما المهر فإن كان قد سَمّى لكل واحدة ألفاً ولم يكن دخل بهن (فأقصى)  ما يفرض لهن أربعة  آلاف، ويقف  ثلاثة آلاف، ولا تصرف إليهن، للإشكال، أما مهر المفردة فلا شك في (أنه يسلم)  إليها، وإن كان قد دخل بهن ومهر [مثل]  كل واحدة مائة فنأخذ بالأكثر، وهو أن نقدر ورود العقد على الثلاث فنقف ثلاثة آلاف  ومائتان بعد أن (تُسلم إلى المفردة ألف ونوقف)  إلى البيان ولا يخفى الحكم عند انكشاف الأمر \rوأما  التوقف عند الدخول فيما وراء مهر المثل إذ مقدار مهر المثل يسلم لهن فإنه مستيقن، وإن كان مهور أمثالهن أكثر من المسمى لكل واحدة منهن فيصرف مقدار المسمى إليهن، ويُوقف الباقي إلى البيان، ولا تخفى هذه التفريعات على من أحكم القواعد ","part":1,"page":102},{"id":1081,"text":"فرع: لو نكح خمساً في عُقدة [واحدة]  فالعقد باطل فيهن ، ولو كان فيهن أختان فهو باطل فيهما ، وفي الباقيات قولا تفريق الصفقة ، وكذلك الخلاف فيما لو جمع بين مُعتَدَّة وخَلِيَّة عن العدة، ولو جمع بين الأم وابنتها فالنكاحان باطلان؛ إذ يحرم الجمع بينهما كما يحرم بين الأختين \rالمانع الثالث: استيفاء عدد الطلقات:\rفإذا طلق الحر  زوجته ثلاثاً حرم عليه نكاحها حتى تنكح زوجاً آخر ويطأها ويطلقها (وتنقضي)  عدتها ، والعبد إذا طلق طلقتين كان كذلك ، وهذا تحريم غير متأبد حَكَم  الشرع بإثباته عند استيفاء العدد، وكان الغرض زجر الزوج عن الهجوم على التطليقات؛ فإنه (أبغض مباح إلى الله تعالى) كما قال رسول الله  ، ثم نتكلم في أمرين:\rأحدهما: فيما يحصل التحلل به\rوالثاني: في معنى قوله [عليه السلام] : (لعن الله المحلل) ، أما ما يحصل التحليل به فلا يحصل بالوطء في ملك اليمين ، ويحصل بوطء الصغير  وفاقاً ، ولا يحصل بالزنا ، ولا يحصل بالوطء بالشبهة على الصحيح ، وذكر بعض أصحابنا قولا غريباً: أنه يحصل التحليل به  وإن كان لا يحصل به الإحصان؛ لأن الإحصان يُبتغي  به كمال حاله، والكمال يحصل بالنكاح الصحيح، والمقصود من هذا إرغام  الزوج، ثم قال العراقيون: هذا فيه إذا جرى نكاح فاسد، فأما إذا جرى وطء شبهة من غير نكاح فلا يحصل، وما ذكروه حسنٌ ؛ لأن الله [تعالى] قال:    ","part":1,"page":103},{"id":1082,"text":"   فلابدّ من نكاح [زوج آخر]  حتى ينطلق عليه الاسم على قُرْب أو على بُعْدٍ، وأجمعوا على أنه يحصل بوطء (العنين) ، ويحصل باستدخال المرأة والزوج نائم ، ولا يشترط في العضو الانتشار ، وذكر بعض الأصحاب أنه إذا كان العضو مما لا ينتشر ولا يتهيّأ للانتشار  لم يقع الاكتفاء باستدخاله، وإنما تلقوه من أن المطالبة عن العنِّين لا تسقط بمثل ذلك  والصحيح أن التحليل يحصل به ، ثم المعنِيُّ بالوطء: تغييب الحشفة، ولا يحصل بتغييب بعضها، ولو قطعت الحشفة فمقدار حشفة هذا المقطوع من البقيَّة  كافٍ ، ومنهم من قال لابد من الإيعاب إذا زالت الحشفة ولو بقي أقل من حشفة فلا مبالاة به، ولا يتعلق بتغييبه التحليل ، ومن لطائف الحِيَلِ في هذا الباب إذا حاول المطلق دفع الغيط عن نفسه أن يشتري عبداً صغيراً ويزوج المرأة منه؛ إذ له إجبار العبد على النكاح في المذهب الصحيح، سيما الصغير، ثم إنها تستدخل زُبيبَة الصغير مع حائل من ثوب، ثم يبيع العبد منها حتى ينفسخ النكاح، ويحصل التحليل، ويندفعُ الغيظ ، فأما قول رسولُ الله : (لعن اللهُ المُحلِّل والمُحلَّل له)  قال بعض أصحابنا: يختص هذا بالنكاح المُؤقتِ وهو نكاح المتعة، فإنه المعقود بالتحليل، أو بالنكاح الذي يشترط فيه الطلاق ، ومنهم من قال: لابد من التعرض لِلَعن مع صحة النكاح، وحصُول التحليل؛ لأنه لَعَنَ المحلَّل [له]  فيحمل على ما إذا استدعى المطلِّق منه العقد والطلاق وإن لم يكن الطلاق بطريق الشرط، وهذا يؤيده قوله عليه السلام: (ذاك هو التيسُ المُستَعار)  فإن الاستعارة تتحقق بالتماسة ، وكان الشيخ أبو محمد يقول: لا يتعرّض للعن؛ لأنه التماسُ مبُاح، وإنما لَعنَ (رسولُ الله )  المحلِّل لاعتقاده التحليل، والمعنيُّ به النكاح المؤقت، ولعل الأول أولى؛ لأن استدعاء ذلك فقد للمروءة فهو جديرٌ بأن يلعن، ويلعن المُعِيْر نفسَهُ","part":1,"page":104},{"id":1083,"text":"أيضاً، فإن قال قائل: فما قولكم في نكاح شرط فيه طلاق\r(قلنا): من قال: هو باطل كالنكاح المؤقت؛ لأن الطلاق يدفع النكاح في المستقبل كالتأقيت لاسيما إذا عَيّن وقت الطلاق\rومنهم من قال: يصح النكاحُ ويلغو الشرط، ويكون هذا شرطاً فاسداً؛ لأن النكاح أُثبت مؤبداً، وإنما الطلاق شُرِط قطعاً له لتأبده بخلاف التأقيت، فإنه تمكن الفساد من نفس النكاح؛ إذ لم يثبت إلا إلى أمد، فلا سبيل إلى التسوية، ولا خلافَ في أنه لو قال: زوجتُكَ بشرط أن لا تتزوجَ عليها، (أو لا) تتسرى عليها، ولا تسافر بها، وما يجري هذا المَجْرَى، فالنكاحُ لا يفسد؛ لأنه لا يُخِل بالمقصود، ولو قال: زوجتُكَ بشرط أن لا تطأ، اختلفوا فيه:\rمنهم من قال: يفسُد؛ لأنه المقصود فصار كما إذا قال: بعت بِشَرْط أن تهبه مِنِّي، أو ما يجري هذا المَجْرَى\rوالثاني: أنه لا يفسُد؛ لأنه شَرْطٌ فاسدٌ فَيُلْغى بخلاف البيع فإنه يفسد؛ لأنه يَجُرُّ جهالة إلى العوض، والنكاحُ لا يفسد بجهالة العوض، وكل شرط لا يَجُرُّ إلى العوض جهالة فهو في النكاح أيضاً لاغي لا أثر له، ولعل الأولى الإفساد؛ (فإنه يؤثر) في المقصود، ولو قال: زوّجتك على أن لا تحل لك، فالفساد هاهنا في غاية الظهور لفسادِ الصيغة، وحيثُ حَكمنا بأنه يفسد، فإنما يفسد إذا اقترن الشرط بالإيجاب والقبُول، فلو تقدّمَ التواطِئ وتعرَّى عن الإيجاب والقبول لم يفسد، ونقل القاضي وجهاً بعيداً أنه وإن تقدَّم التواطئ فيفسُد، (فإنما يتلقى) ذلك من مسألة مهرِ السر\rوالعلانية، وسنذكرها في كتاب الصداق إن شاء الله تعالى هذا تمام القول في\rهذا الجنس\rومن الموانع أن تكون معتدة عن غيره، أو منكوحة، أو مُحْرِمة، أو كان\rالناكح مُحْرِماً وكل ذلك لا يخفى فلا نطنب فيه، وحكم الإحرام قد ذكرناه\rفي كتاب الأولياء","part":1,"page":105},{"id":1084,"text":"الجنس الثالث من الموانع: رق المنكوحَة وكونها مملوكة للمالك\rأما الرقُ فله أثر على الجملة في المنع، فلا يحل للحُر نكاح رقيقة إلا بثلاثة شرائط، شرطان فيه: وهو فقدُ طول الحرّة ، وفقد الحرّة تحته \rوالثاني: أن يخاف على نفسه العنتَ والزنا ، وشَرْط فيها: وهو أن تكون مسلمة، فلا يحل لمسلم  نكاح أمة كافرة كتابية عند الشافعي [رحمه الله]  وهي من مشكلات الخلاف على ما قررناه في كتاب مآخذ الخلاف، واستتمام الغرض من (بيان)  نكاح، الإماء برسم مسائل مرسلة\rالأولى: أن العبد لا حجر عليه في نكاح الآماء، فالأمة في حقهِ كالحرّة في حق الحر، يجوز له الجمع بين أمتين، كما يجوز له الجمع بين حُرَّتين، والحرّ لا يزيد مع تحقق الشرائط على أمة واحدة، وتعليل ذلك مشكل، والمُمكن فيه أن المحذُورَ من نكاح الآماء إرقاق الولد، والحرّ مأمورٌ بالنظر لولده، والعبد ليس مأموراً بالنظر، لولده الموجود فكيف ينظر لولده المفقود ، وأما الآية وإن كانت عامة، وهي قوله [تعالى] :\r        الآية، ففي مساق الآية دلالات على أنه خطابٌ\rمع الأحرار\rالثانية: المكاتب كالعبد، وكذا الذي  نصفه حرٌّ ونصفهُ عبد، كما\rإن من نصفها حُرّة ونصفها رقيق كالأمة حتى يفتقر إلى الشرائط لنكاحها ، نعم ينقدحُ نظرٌ في أن من تمكن منها هل يجوز له نكاح رقيقة كاملة الرق لمكان أن\rولدها يتبعّض في الرق والحُرية تبَعُّضاً، وإرقاق بعض الولد أهون  فإن قيل: ومن نصفه حرٌّ ونصفه عبد هلا الحق بالأحرار تغليباً للمنع من النكاح، فإن رتبتَه قريبٌ  من رتبة الأحرار","part":1,"page":106},{"id":1085,"text":"قلنا: لا يُمنع الحرّ من نكاح الآماء لحط الرُتبة، ولا  معَرَّة عليه في غشيان خسيسة، (فكيف يجوز)  للحرة أن تنكح عبداً مع القدرة على حر ، وإنما المحذور إرقاق لولده ممن هو مأمور بالنظر بولده، ومن تبعّض الأمر فيه ناقصٌ ليس له رتبةُ الناظرين [أصلاً] \rالثالثة: لو كان  تحت الحر رتقاء أو هرمة  أو غائبة ليس له نكاح الأمة \rالرابعة: لو قدر على طول حُرّة كتابية هل يجوز له نكاح الأمة [فيه]  وجهان:\rأحدهما: المنع؛ لأن ولد الكتابية كولد المسلمة، ونكاحها لا ينحط في الحقوق عن نكاح المسلمة \rوالثاني: الجواز لما في مخالطة المشركات من النفار، ويدل عليه قوله تعالى:  •  •     ويدل عليه  قوله تعالى:             (قيد)  بالمؤمنات \rالخامسة: لو وجد جارية يتسرى بها، قال الأصحابُ: ليس له نكاحُ الأمة فإنه ليسَ يخاف العنت، ولا  ضروره به إلى إرقاق الولدِ ، وفي بعض التصانيف ذكر وجه آخر، ووجهه على بُعده أن التسري لا يتعلق به مقاصد النكاح، ولذلك لا قسم  بينهن، ولا قسم بين المنكوحات وبينهن، وحقيقة الآية أيضاً فليس فيها للعجز عن التسري تعرض \rالسادسة: لو وَجَدَ مالاً ولم يجد حُرّة ينكحها جاز له نكاحُ الأمة؛ إذ المال ليس مانعاً بعينه ، بخلاف الحُرّة الغَائبة \rالسابعة: لو كان له مال غائبٌ لا يتوصَل إليه إلا بمشقة، ولا يأمن العنت في الحال، فله نكاح الأمة بخلاف الحُرّة الغائبة، إذ تطليق الحُرّة مُمكن وإحضار المال غير مُمكن \rالثامنة: لو رضيت الحُرة بمهر مُؤجل، والزوج  في الحال [لا مال له] ، فله نكاح الأمة، لأن المُطالبة تتنجر بانفصال الأجل ","part":1,"page":107},{"id":1086,"text":"التاسعة: لو رضيت الحُرّة بدون مهر المثل، وكانت  تقلدهُ مِنَّة، وملك ذلك (القدر) ، فهل له نكاح الأمَة [فيه]   وجهان مشهوران:\rأحدهما: يجوز ؛ لأن المِنَّة محذورة؛ ولذلك لا يجب قبول الثوب مِنَّة  في حق العاري وإن وجبَ عليه الشراء بثمن المثل \rوالثاني: وهو الذي أختاره الصيدلاني: أنه لا يجوز؛ لأن النكاح يتعلق به أغراض في المواصلة، يهون بسببها احتمال الزيادة في المهر، واحتمال النقصان، ولا يعُدُّ ذلك مِنَّةٌ بخلاف تصرفات الأموال \rالعاشرة: إذا وجد حُرّة تغالية في المهر، ولم ترض بمهر المثل، قال الإمام: ينظر فإن كانت تلك الزيادة تحتمل مثلها، وتنزل على غرض يتعلق بالمُواصلة ولا يُعَد سرفاً وكان الرجُل ذا يسار فيمنع  نكاح الآماء ولا ينزل هذا منزلة سرف في المال  لما نبهنا عليه من الفرق، فينبغي أن يُعتبر في كل أصل ما يليق به، وإن كان يُعَدُّ ذلك سرفاً ولا ينزل على غرض، فلا يمنع نكاح الأمة ، وهذا يُثير  أمراً في نقصان الولي من مهر المثل في حق الطفل، أو الزيادة في حق الطفل، فما كان إلى حَدٍّ يُقَدَّر فيه غرض خاصٌ في المواصلة جعله  الولي وسيلة إليه فهو محتمل، وما انتهى إلى حد الإسراف فهو الممنوع، ولا يستبعد هذا، وقد ألزمنا نكاح  الأب على الطفل في قول مع الإخلال بالكفاءة لتخيُّل مصلحة خاصة في النكاح خَفِيَّة ","part":1,"page":108},{"id":1087,"text":"الحادية عشر: إذا وجد حُرّة ينكحها ولكنها غائبة واحتاج  إلى سفر، إن قرب السفر وجب ذلك، وإن طال فلا يجبُ ولا يضبط بسفر القصر ومسافة العدوى؛ لأنها قواعد لا تلائم هذه القاعدة فإن المشقة ليست مرعيةً في حق الأعيان في الرخص؛ لعموم وقوع السفر، وعُسْر تتبُّع ذلك، فرجع إلى تقدير شرعي ، (أما مُدّة)  مشقة يرعى فيها اختلاف الأشخاص، فنقول: كل مشقّة يعد متحملها في طلب الزوجة مجاوزاً للحد فلا يجب (احتماله وما لا يعد احتماله)  في أغراض الزوجية فيجب احتماله، وهو قريب المأخذ من المغالاة في المهر \rالثانية  عشر: بيان خوف العنت، فنقول: إذا ضعفت شهوته  وفترت وكان الرجُل تقياً فلا خوف من العنت، وإذا تاقت الشهوة وغلبت، فلم يكن الرجل\rتقياً فخوف العنت قائم، ولا نعني بالخوف عليه وقوع الزنا بل نعي به توقع الوقوع، فهو كاف، وهذا كالخوف  في الطريق نعني به توقع وقوع محذور لا أن يغلب على الظن الوقوع  ونعني بالأمن أن يغلب على الظن عدم الوقوع  ، ثم قد تتفق أمور من نوائب الدّهر لا ردّ لها، وكذلك يتفق انحلال العصمة عن التقي، وذلك لا نظر إليه، فأما إذا اشتدَّت الغلمة  ولكن كان الرجُل مستمسكاً  بعصامِ التقوى (معتمداً)  على نفسه في أنه لا يقتحم السفاح، فإن كان الصَّبر لا يفضي به إلى علة ومرض ومشقة عظيمة فليس له نكاح الآماء ، وإن كان يفضي إلى مرض (فيما)  يُتوقع قال الإمام: هذا محلُ التردد، فيحتمل  أن يقال: إرقاق الولد عظيمٌ (ولا يحتمل مثل)  هذه التوقعات ، ويحتمل أن يقال: يثبت له ذلك ؛ فإن هذه رخصة فلا تحتمل المشاق في تركها هذا ما ذكره الإمام ، وفي مساق كلامه الفرق بين التقيّ والفاجر، وفيه نظر  إذ تسليط الفاجر على الرُخص (سبب فجور) ، وقد ساواهُ التقي في الحاجة فليمتنع  الفاجرُ عن الفجور كما امتنع التقي، فهذا لابد فيه من أدنى نظر","part":1,"page":109},{"id":1088,"text":"الثالثة عشر: الأمة الكتابية هل يجوز للحُرّ الكتابي نكاحها نصّ الشافعي [على]  أن الكافر لا يلي المُسلمة إلا إذا كانت أمته ، فهذا يدل على أن تزويجها مُمكن من الكافر، ونصّ على (أن العبد المسلم كالحُرّ المُسلم في نكاح الأمة الكتابية) ، وهذا يدل على التحريم، وإلحاقها بالوثنيات، قال الماسرجسي : كنتُ عند ابن أبي هريرة  إذ ذكر هذه المسألة من المختصر، وقال: يحل للكتابي نكاحها فقلت: كيف ومن لا تحل  للمُسلم لا تحل  للكافر كالوثنية، فقال: استدرك على المختصر ما لم يستدركهُ  غيرك، فقلت: أنا أرى من يفعل ذلك وكنت اعترض  به ثم قال بعد ذلك: فحدث للشافعي قولاً إنها تحل للكافر فالوجه أن تجعل المسألة على قولين ، وطرد أصحابنا هذا التردد في العَبد المسلم ، ومنشؤ النظر أن الشافعي [رحمه الله]  حَرّم الأمة الكتابية؛ لأنه اعتورها نقصان، والأمةُ في حق العبد كالحُرّة، فليس الرق بالإضافة إليه نقصاً ، ولَيسَ الكفر بالإضافة إلى الكافر نقصاً إلا أنه في الكفر أضعف؛ لأنه يجوز لهم التزوج بالوثنيات والمُرتدات فرجعَ النظر إلى أن الأمة الكتابية هل هي محرّمة لعينها أم لا \rالرابعة  عشر: أن من استجمع شرائط نكاح الآماء فأراد أن ينكح أمةً مسلمةً لكافر، هل له ذلك الظاهرُ الجواز، نظراً إلى إسلام المنكوحة ، ومنهم من منع ذلك؛ لأنه يؤدي إلى أن يرق الولد الكافر ، وخرّج بعض (الأصحاب  في)  الخلاف وجهاً بعيداً من هذا، فقالوا: لو نكح المُسلم أمةً كتابيةً لمُسلمٍ جاز؛ لأن الولد يرقُ لمسلمٍ وهو بعيد، إذ المحذورُ الإرقاق لا من يُضاف إليه الملك","part":1,"page":110},{"id":1089,"text":"الخامسة عشر: لو صَحّ للحُرّ نكاح أمةٍ فنكح حُرّة وأيسر  واستغنى، أو أمن من خوف العنت (بأن حُبَّ)  فلا ينقطع نكاحه؛ لأن النكاح صارَ كالمستُوفى فلا يُشرط دَوام هذه الشرائط، وذهب المزني إلى أنه ينقطع بطرئان اليسار ، ولاشك في أنه يَطَّرِدهُ  في الحُرّة إذا طرأت عليه، ولم يَطرده في الأمن من خوف العنت  قال أصحابنا: الرَبُّ تعالى وَعد الغِنى على النكاح، فكيف يكون الغِنى قاطعاً  وما ذكره  المزني ليس خالياً عن الاحتمال  إلا أن المذهب ما ذكرناه \rالسادسة عشرة: لو جمع بين حُرة وأمة في عقد واحد فله حالتان:\rأحدهما: أن لا يحل له نكاح الأمة، فنكاح الأمة مردود، ونكاح الحُرّة صحيح، وهو الذي نص عليه الشافعي قديماً ، وهو القياس ؛ لأن جهالة الصداق لا تؤثر وتفريقُ  مضمُون اللفظة الواحدة لا يزيدُ على ضَمّ شريطة إلى النكاح، والنكاح لا يفسد بالشرائط ، فقد قال في الجديد: قد قيل ينفسخ نكاحهما، وقيل: ينفسخ نكاح الأمة، ويصح نكاح الحُرّة ، فجعله أصحابنا ترديدُ قول، وقالوا في المسألة قولان ، ووجَّهُوه ؛ بأن الصيغة مُتحدة، فإذا فسد بعضها لم يقبل التبعيض ، وهذا فاسدٌ؛ لما ذكرناه  [قيل] : فينبغي أن يحمل (تردد الشافعي على حكاية)  مذهب الغير، فأما إذا تعددت العبارة مثل: أن (قال: زوّجتك ابنتي، وزوجتك أمتي) ، فقال: قبلت نكاح الأمة، وقبلت نكاح البنت ، فالوجه القطع بصحة نكاح الابنة ؛ لتعدد العبارة ؛ إذ خيال الإبطال اتحاد اللفظين ، ولو تعَدّد لفظ المزوج فقال الزوج: قبلتهما، فالظاهر أنه كتعدد اللفظ؛ لأنه يبنى  على الإيجاب \rومنهم من قال: ينزل منزلة ما لو اتحد لفظ المزوج ","part":1,"page":111},{"id":1090,"text":"الحالة الثانية: أن يجري بحيث  يحل نكاح الأمة، فإن  رضيت الحُرّة بدون مهر المثل، وكنا نقول: لا يجب تقلُّدُ المِنَّة، ويحل نكاح الأمة فهذا  رجل تمكن من حُرّة وحَل له نكاح أمة، فإذا قبل نكاحهما فلا ينعقد  نكاح الأمة، إذ لو انعقد لا نعقد نكاح الحُرة، وكان  ذلك جمعاً بينهما، ولجاز له  إدخال أمة على حُرّة، وهو ممنوع قطعاً  ، فأما نكاح الحرة  ففيه طريقان، منهم من قطع بالفساد؛ لأنه قادر على نكاح كل واحدة منهما، والجمع محال فصار كما لو جمع بين أختين  وهو بعيد إذ ليست إحدى الأختين أولى  من الأخرى، والحُرّة أولى من لأمة فإن نكاح الأمة لا يدفع [نكاح]  الحرّة ونكاح الحُرّة يدفعُها ومن أصحابنا من طرَدَ [قولين ورتبهما على الصورة السابقة وجعله أولى بالبطلان  والأصح عندنا]  صحّة نكاح الحُرّة هكذا قاله الإمام  وقد تمَّ الغرض في نكاح الآماء، ويتصل بتمام  هذا الفصل نكاح  المملوكة فليس للرجُل أن ينكح مملوكته وإنما يتصَوّر ذلك ابتناء  على مذهب من لا يرى التمكن من التسرّي مانعاً ويجُوِّز نكاح الآماء ، فلا ينكح سُرّيته مع أطراد الملك، ولا تنكحُ المرأة عبدها المملوك لها، فالملك والنكاحُ لا يجتمعان في  الطرفين فهذا أيضاً من الموانع، وهو متميز عن العدّة، والردّة، ونكاح الأمة، فإن هذا لو طرأ دواماً قطع، فلو اشترى الزوج زوجته، أو اشترت المرأة زوجها انفسخ ","part":1,"page":112},{"id":1091,"text":"فرع: لو نكح جارية أبيه فمات أبوهُ وورث الجارية انفسخ النكاح ، وإن  كان بعد الدخول [سقط جميع المهر إذ لو أخذ منه لصُرف إليه إلا أن يكون للميّت دَين فيؤخذ ويُصَرف إلى ورثته ، وإن كان قبل المسيس]  سقط  جميع المهر أيضاً، كذلك قاله ابن  الحدّاد حتى إن الغريم لا يطالبه بشطر  المهر ، وعلل بأن الفسخ حصل لا بسبب من جهته، ويُعارضه أنه (حصل لا)  بسبب من جهتها، وقد نبهنا على هذا في  تحريم المصاهرة ، وحكينا فيه خلافاً للأصحاب، ولو زوّج الرجل ابنته برضاها من عبده، ثم مات الأب وورثت النصفُ سقطت المُطالبة بنصف المهر، فإنها لا تستحق على المملوك شيئاً، وتطالب بالنصف الباقي؛ فإنه مملوك لبقية الورثة، والمهر بعد المسيس لا يسقط بالانفساخ إلا إذا استند إلى عيب كما سنُقرِّره ، والنصفُ الذي لا تطالب به في الحال هل تطالب به (إذا أُعتق)  العبد فيه خلاف نبهنا عليه في مسائل الدور ، فأما إذا كان قبل المسيس فعند ابن الحَدّاد يسقط المهر؛ لأنه انفسخ لا بسبب من جهته ، وعند بعض الأصحاب  يبقى الشطر ، ومن أصحابنا من رأى السقوط إذا ورثت (أولى مما)  إذا ورث  الزوج؛ لأن الملك مضاف إليها، وكان  ذلك في حكم سبب  منها ، ويبتني على هذا انفساخ النكاح بإسلام أحد الأبوين في حق  الصغير؛ فإن ذلك لا يندرج تحت الاختيار ، ثم الكلامُ بالمطالبة  بذلك الشطر ما سبق في الكل بعد المسيس  هذا تمام النظر في هذا الجنس من الموانع\rالجنس الرابع من الموانع: الكفر\rوفيه [ثلاثة]  فصُول\rالفصل  الأول: في أصناف الكفار\rفنقول: الكفار ثلاثة أصناف: أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، فتحل مُنَاكحتهم وذبائحهم، وحُكمهم في حقوق النكاح كحكم المُسلمات إلا في الميراث فإنهنّ لا يرثن من المسلمين ولا كراهية في نكاحهن عندنا \rوقال مالك [رحمه الله] : يكرهُ ","part":1,"page":113},{"id":1092,"text":"قال الشيخ أبو محمد: يُندَب إلى الانكفاف ، وكيف لا! وقد قال عليه السلام : (عَليك بذات الدين [تربت يَدَاك] ) ، وهذه درجة دون الكراهية \rأما الحربيَّةُ اليهودية فالكَراهية ثابتةٌ في نكاحها؛ فإن مخالطة الكُفّار في ديارهم تورث الافتتان، ورُبما تُسبَى المرأة وهي حامل بوَلد مسلم، والكراهية  تَثْبُت بدُون ذلك \rالصنف  الثاني: عبدة الأوثان والمُعطِّلة والدَهرية لا يحل نكاحهم، ولا تحل ذبائحهم، ولا يُقَرّون بالجزية \rالصنف الثالث: المجُوس ويقَرَّون بالجزية، ولا تحل مناكحتهم وذبائحهم في المذهب الصحيح ، ونقل بعضُ المصنفين قولاً عن الشافعي يُوافق مذهب أبي ثور  في تحليل نكاحهم وذبائحهم  وهو بعيدٌ لا يُعْتَدُّ به، قال عبد الرحمن [بن عوف: (سُنُّوا بهم سنَّة أهل الكتاب غير آكلين ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم) ، واختلف قول الشافعي في أنه هل كان لهم كتاب أم لا، إحداهما لم يكن] : ويشهد له قوله عليه السلام: (سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتابِ)  وهذا (يشبه أنهم)  لم يكن لهم كتاب \rوالثاني: أنه كان؛ إذ نُقِل عن علي   أنه قال: (كان لهم كتاب يتدارسُونه، ثم واقعَ مَلِكٌ لهم ابنته فاجتمعوا (على رَجمهِ)  فقال: إنا على دين أبيكم آدم، وكان يزوج بناته من بنيه فأصبحُوا وقد أُسْري بكتابهم) \rفرع: إذا صح نكاح الكتابية فهي كالمسلمة في جميع الحقوق من\rالنفقة، والقسم، وغير ذلك ، وللزوج أن يمنعها من البروز  إلى البِيَع  والكنائس ، كما له منع المسلمة من الخروج إلى المساجد، وله أن يلزمها الاغتسال\rمن الحيض؛ فإنه يُحرِّم الاستمتاع ، وذكروا قولين في أنه يلزمها الغسل من\rالجنابة ، وكذلك ذكروا قولين في الاستحداد ، والوجه في ضبط هذا الجنس أن يترك  الاستحداد (إلى أن ينتهي مبلغاً)  يمنع الجماع، فيجب إزالته ","part":1,"page":114},{"id":1093,"text":"وإن لم يمنع وكان يكسر شهوة التوقان  فيجب إزالته أيضاً وإن كان يضعف\r(الشهوة المتوسّطة)  ويورثه عيافة فهذا في محل القولين ، ويطرد ذلك في التضمخ بالنجاسات، وشرب المسكر، وتناول الخنزير، والمستقذر ، وأكل الثوم،\rوما (له)  من الروائح الفائحة ، وذلك يجري في المُسلمة  أيضاً ممّا  يحلُ لها ويمنع من الاستمتاع \rالفصل الثاني: في أقسام أهل الكتاب\rوهم أقسامٌ:\rأحدها: من كان من أولاد بني إسرائيل  حَلَّ نكاحهم، وذبيحتهم، ويُقرُّون بالجزية قطعاً؛ لأنهم اجتمع لهم شرف النسب والتعلقُ بالدين قبل التحريف \rوالثاني: من دان أوّل آبائه بعد المبعث فلا يحل نكاحهم، وذبائحهم، ويُقرون بالجزية لشُبهة الكتاب كما في المجوس، ولا حرمة  لكتابهم؛ إذ لا حرمة للأديان بعد نزول الفرقان \rالثالث: من دان أول آبائه قبل التحريف أو بعده، ولكن علم المُحَرَّف ولم يؤمن به، ولم يكن من بني إسرائيل ففي حل مناحكته وذبيحته قولان؛ لأنه نقي أحد نوعي الشرف دون الثاني \rالرابع: أن يؤمن بعد التحريف بالدين المحرَّف، فقولان مرتبان، وأولى بالبطلان لسقوطهِ  حرمة الدين المحرّف \rوالخامس: أن يشكل فلا يُدرى أنه آمن أوّل آبائه قبل التحريف أو بعده، فقولان مرتبان وأولى بالمنع \rالسادس: أن (يُشكل)  فلا يُدري أنه آمن أوّل آبائه قبل المبعث أو بعده، فلا تحل ذبائحهم ومناكحهم ويُقَرون بالجزية تقرير المجوس ، فهذه أقسام، وقد أكثر الأصحاب في هذه الصُورَ من ذكر القولين والطريقين، ومجامعهما ما ذكرناهُ، ومدَار النظر فيها على رعاية شرف الانتساب والتعلق بالدين قبل التحريف، والتردُد في الاكتفاء بأحدهما ، ثم التردد في الاكتفاء  بأصل الدين  مع زوال الشرفين ، والقطع بأنه لا يكتفي بالتَّدين إذا تراخي أوّله عن المبعث ","part":1,"page":115},{"id":1094,"text":"فرعان: أحدهما: أن من دانَ بدين اليهود بعد نزول عيسى (عليه السلام) ، منهم من قال: حكمه حُكم ما لو دّان به بعد مبعث محمد  فإن دين عيسى [عليه السلام]  نسخ دينهم ، ومنهم من قال: هو كما لو دَان بعدَ التحريف إذ لو لم يكن مغيّراً لآمنُوا بعيسى؛ إذ تشتمل التوراة على تصديق عيسى ومحمد    فإن قال قائل: كأنكم تُطلِقون  كونهم محقين في التعلق بذلك الدين\rقلنا: لا، فإنهم كفره في دينهم؛ إذ موجب دينهم التصديق بمن بعدَهُم، فإذا لم يصدقوا كانوا كفره دينهم، ولكن يُعتبر الانتهاء  إلى أولٍ يستند  إلى تصديق حق فإن وجدناه وكان من بني إسرائيل قطعنا بالتحليل ولم ننظر إلى ما طرأ بعد ذلك من تحريف في الأول ، وإن لم يكن من بني إسرائيل واستند إلى الدين قبل التحريف فالوجه القطع بالجواز ، ومن أصحابنا من طردَ القولين كما حكيناه ، وإن رجع بعدَ التحريف من  أصحابنا من قطع بالتحريم ، ومنهم من طردَ القولين \rالفرع الثاني: الصابئون  والسّامرة  نص الشافعي [رحمه الله]  في موضع على حل مناكحتهم وذبائحهم ، ونَصّ في موضع على خلافه ، واتفق جمهور الأصحاب على أن المسألة ليست على قولين، ولكن مَن قَضى بالتحريم ظن أنهم يُخَالِفُون اليهودَ فيما يُوجبُ التكفير عندهم فيلحقُون بالدهرية والزنادقة ، وهم على الجُملة من طوائف اليهود والنصارى ولكنهم بينهم خلاف، فإن صح أن ذلك خلاف في أصل الدين لم يثبت لهم حُرمة ، وإن صح إن ذلك اختلاف  في الفروع وتعلق بما تعلق  به أهل البدع من ملة الإسلام فينقدح فيه تردد؛ إذ الشيخ أبو علي طرد القولين  ولم يطرد أحد من الأصحاب القولين في هذه الصورة ، فأنا نقطع بتجويز مناكحة أهل البدع من ملتنا، ولا نكفرهم لأمُورٍ سمعية (منعتنا منه فكأننا نتردد في المبتدعة)  من سائر الأديان؛ إذ لم يثبت لنا فيهم سَمع يُوجبُ المنع من التكفير ","part":1,"page":116},{"id":1095,"text":"الفصل الثالث: في تبديل الدين\rوله صورٌ:\rأحدها: أن يتهَوّد نصراني أو يتنصّر يهودي فهل يُقَرّ على دينه قولان:\rأحدهما: أنه لا يُقَر؛ لأنه استفتاح دين بعد المبعث فلا حرمة له\rوالثاني: أنه يقر؛ لأن الأديان سوى ديننا كلها باطلة، وإنما الممنوع أن يستجد عصمة بعد المبعث كالوثني يتهَوّد، إن قلنا: يقر فلا كلام، ولا يَبِين له أثر في دوام النكاح وابتدائه، وإن قلنا: لا يُقَر فندعُوه إلى الإسلام فإن أسلم كففنا عنه، وإن عاد إلى دينه الأول هل نكفّ عنه قولان:\rأحدهما: أنه غير مُقَرّ في الحال ولا معصوم، وهو يبتغي إثبات عصمةٍ جديدة بعد المبعث بدين باطل، وهذا هو الأصح؛ لأن عصمة دينه انقطعت بتركه، ومنهم من قال يُجعل كأنه لم يترك ولم يُبَدَّل فإن قلنا: لا يُقْنَع منه بالتنصُّر أو لم يَعُد إليه ولا قَبِل الإسلام فماذا يفعل به قولان:\rأحدهما: أنه يقتل غيلة قتل المرتد\rوالثاني: أنه يلحق بمأمنه، فإن له عهداً لابُدّ من الوفاء به، كما إذا أراد الذمي أن يلتحق بدار الحرب لا يتعرّض له\rوالأول أصح؛ (لأن الذمي) غير ممنوع عن الالتحاق، وهذا غير مُقَرَّر على ما انتقل إليه فقد أبطل العصمة فصار كما لو أبطلها بجناية، وسنبيِّن في كتاب الجزية جواز قتله إذ ذاك فتحصل من هذا أربعة أقوال:\rأحدها: أنه لا يقنع منه إلا بالإسلام\rوالثاني: أنه يقر عليه\rوالثالث: أنه يكف عنه إذا عاد إلى أول دينه وإلا فيُقْتل\rوالرابع: أنه يلحق بمأمنه\rالصورة الثانية: أن يتهَوّد وثني أو يتنَصَّر، فلا يُقَرّ عليه قطعاً ولا يثبت له حرمة ولا يقنعُ منه إلا بالإسلام؛ فإنه يُريد أن يستجد عصمة بدين باطل بعد المبعث\rالصورة الثالثة: أن يتوَثن اليهودي، وفيه ثلاثة أقوال مقتَضَبة مما قدمناه:\rأحدها: أنه لا يقنع منه إلا بالإسلام","part":1,"page":117},{"id":1096,"text":"والثاني: (أنه يقنع منه)  بالعَودِ إلى التهود \rوالثالث: لو  تنصَّر أيضاً قنعنا به \rوهذا اقتضب من قولنا: لو تهَوّد النصراني يُقَرّ عليه، وعند هذا يَبِين  ضعف هذا القول، فإن هذا تنصُّر عن توثُنٍ، والوثني لا يُقَرّ  على تنصُّره \rالصورة الرابعة: أن يرتد المسلم -والعياذ بالله- عن (دين الإسلام) ،\rفالأديان في حقه سواء، ولا يقنع منه إلا بالإسلام ، ويمتنع نكاح المرتد ونكاح\rالمرتدّة ، وإذا طرأ على دوام النكاح تنجزّت الفرقة قبل المسيس ، ثم إن كان منه سقط شُطِّر المهر، وإن كان منها سقط كمال المهر، وإن ارتدا معاً انقطع النكاح عندنا  خلافاً  لأبي حنيفة ، وفي المهر وجهان:\rأحدهما: أنه يبقى الشطر لوجود السبب في الزوج \rوالثاني: يسقط لوجوده منها أيضاً ، وسيأتي نظائر ذلك في الخلع ، فأما إذا كانت الردة بعد المسيس لم تتنجز الفرقة عندنا بل يتوقف مقدار العدة، فإن عاد إلى الإسلام استمر العقد وإلا تبيّن وقوع البينونة بنفس الردّة ، ثم المنصوص أن المسمى لا يسقط فإنه تقرّر بالوطء وجرى الانفساخ  بمعنى  طارئ ، وفيه قول آخر أن المسمى يسقط؛ لأن حكم الانفساخ في العقود ارتداد العوضين كما إذا جرى فسخ  النكاح بالعُيوب، فإن المنصوص أن المسمى يسقط فيه بعد المسيس وقبله ، ثم يجب على الزوج مهر المثل ، ويبقى وراء هذا إشكال فيما إذا ارتدّت بعد المسيس؛ فإنها فوتت على الزوج الاستحقاق فهي حَرِيَّة  بأن يُغَرِّمها شيئاً  لا أن يَغْرم لها ، وقد نبّهنا على هذا الإشكال في مآخذ الخلاف ذكرناه  في مسألة شهود الطلاق\rإذا رجعوا\rفرع: يلحق  بالباب، وهو أن المتولِد من يهودي ومجوسي هل تحل  مناكحته وذبيحته فيه قولان:\rأحدهما: التحريم، تغليباً له ونظراً إلى المحرّم \rوالثاني: النظر إلى الأب وتغليب جانب النسب ، والأحكام منقسمة في","part":1,"page":118},{"id":1097,"text":"الأولاد، فقد ينظر إلى الأب، وقد ينظر إلى الأم، وقد يكتفي بأحدهما ، وسيأتي\rذلك في مواضعه \rثم قال القفال: هذا فيه إذا لم يبلغ المتولد، فإن بلغ المتولد وتمجّس فحكمه حُكم المجُوس ولا منع مِنه \rقال الإمام: يحتمل أن يقال: إذا جعلناه يهودياً نظراً إلى أبيه وكان يهودياً فنمنعه من التمجس إذا منعنا الانتقال من دين إلى دين \rوقد  تم الغرض من هذا القسم أعني قسم الموانع، وهذا:\r\rبابُ نكاح المشركات\rذكرناه في هذا المقام؛ لأن مسائلها تتشعب  من الأصول المقدمة في الموانع، ومقصود الباب يحصره فصُول:\rالفصل الأول: في حكم إسلام المشرك على\rامرأة واحدة أو على نسوة\rويُفَصِّل  القول فيه: إنه إذا أسلم وأسلمت زوجته معه استمر النكاح سواء كان قبل الدخول أو بعده ، وإن أسلم وتخلفت نظر، فإن كانت كتابيّة استمر نكاحه عليها، ولا حاجة إلى (إسلامها) ، وإن كانت وثنيةً أو مجوسية نظر فإن جرى قبل المسيس انبتَّ النكاح، وإن كان بعده توقف على انقضاء العدة، فإن ساعدت قبل مضيها استمر النكاح، وإن (أصرت)  حتى انقضت العدة تبيّن انقطاع النكاح من وقت الاختلاف، وتبيّن  وقوع الاعتداد بعدتها؛ فإنها تلبست بها كما بانت بالاختلاف ، فأما إذا أسلمت وتخلف الزوج، فإن كان قبل المسيس  انبتَّ النكاح، وإن كان بعد المسيس توقف على  انقضاء العدة كما ذكرناه في (جانبها) ، والقول الوجيز أن أثر  الإسلام كأثر الردّة إلا أنهما لو توافقا على الردة كان كما لو انفرد أحدهما، وهاهنا لو توافقا على الإسلام استمرّ النكاح  هذا كله إذا أسلم على العدد الشرعي، فأما إذا أسلم على ما فوق الأربع فالإسلام يقتضي دفع الزائدات ، وعلى الزوج الاختيار للعَدَد الشرعي لا على فرق بين أن يكون العقد في الشرك ورد عليهن دفعة واحدةً (أو في)  دفعات ","part":1,"page":119},{"id":1098,"text":"وقال أبو حنيفة: ينظر إلى شرط الشرع فإن نكح أوّلاً أربعاً ثم زاد فالأوائل مُتَعيّنات، وإن جمع الملْك  في عُقدَة فالكل باطل ، والقياس ما قاله؛ إذ طرآن التحريم هاهنا يضاهي طرآن التحريم بين زوجتي الرجل بإرضاع امرأة واحدة أياهُمَا في الصغر، وإثبات الأخوّة بينهما، فلا يتخير الرجل بل يتدافعان، وهذا على أصل الشافعي أوقع؛ لأنه يرى استتباع الكفار في عقائدهم؛ ولذلك لا يوجب الضمان بإراقة خمورهم، ولكن معتمد الشافعي أحاديث هي نصوص على ما نقلناه في مآخذ الخلاف، فاعتقد الشافعي هذا رُخصة (وتخفيفاً وترغيباً)  للكفار في الإسلام، وترك القياس بالحديث، وما ذكرناهُ يجري في الجمع بين أختين فإنه يختار إحداهما إذا أسلم وأسلمتا سواء عقد عليهما في عقدين أو في عقد واحد ، ولو أسلم الرجل وأسلمت بعض نسوته، وتخلفت  الباقيات فيُنتظر إسلامهن في العدة بعد المسيس، فإن أسلمن احتاج إلى الاختيار إذا زاد العدد وإن أصررن وكانت  المسلمات دون الأربع تعيَّن  النكاح  فلا حاجة إلى الاختيار  واستتمام  الغرض من هذا الفصل بالتنبيه على أصلين تستند إليهما مسائل الباب في معرض الجواب عن السؤال الأول\rفإن قال قائل: أقررتم  المشرك على نكاحِه ولم تطالبوه بشرائط الإسلام في عقده الذي عقده، وقطعتم النظر عنه أفتطلقون القول بصحة أنكحتهم وإن لم توافق شرائط الإسلام إذا اعتقدوها صحيحةٌ اتباعاً لعقدهم  أم تحكمون بفسادها ثم تقررون عليها أم تعرضون عنها قبل الإسلام وتحكمون بصحتها بعد الإسلام ","part":1,"page":120},{"id":1099,"text":"قلنا: هذه احتمالات ثلاثة صار إلى كل واحد منها صائر فأما الحكم بفساد أنكحتهم  وإن كان مشهوراً فهو باطل قطعاً  فإنا نقرّرُهم بعد الإسلام فالتقرير والحكم بالفساد أطلاقان متناقضان، كيف وقد حَصَّل الشافعي التحليل بوطء الذمي مع أن الأصح أنه لا يحصل بالوطء في النكاح الفاسد! وحَصَل للذمي الإحصان [في قصة رجم اليهوديين  كما ذكرناه في شرائط الإحصان]  كيف وهذا يَجُرُّ إلى أن لا نوقع (طلاقهم)  ولا يتجاسر عليه فقيه!  ثم هذا القائل إن حَكمَ بفساد نكاحهم وإن وافق شرط شرعنا فقد أبعد؛ إذ لا خلاف في صحة بياعاتهم ومعاملاتهم، وإن صَحّح ذلك وأفسدنا  ما يخالف شرعنا، فإذا نكح أختين في عقدين ثم (أسلم فليتخير)  الأولى فإن نكاحها صحيح دون نكاح الثانية، وقد أمر رسولُ الله  فيروز  الديلمي  وقد أسلم على أختين [وقال]  (أختر أيتَهُما شئت) ، ولم يستفصل حال العقد، فبطل هذا المذهب\rالاحتمال  الثاني: إن إطلاق القول ببطلان نكاحهم لا وجه له كما سبق، ولا سبيل إلى إطلاق القول بالصحة؛ فإن ذلك مخالفة للشرع  فنعرض عنهم ونتوقف في أمرهم، ثم نحكمُ عند الإسلام بالصحة تخفيفاً وترغيباً (إذا أمكن التقرير)  وإن زاد العدد تبيّن  فساد النكاح في الزائدات  من الأصل، وصحته في الباقيات من الأصل، وهذا أقرب من الأول، وإليه ميل ابن  الحداد ","part":1,"page":121},{"id":1100,"text":"الاحتمال الثالث: إطلاق القول بصحة أنكحتهم؛ فإنهم  ليسوا مؤاخذين بتفصيل شرعنا، ويشهد له التقرير عند الإسلام، وحصُول الإحصان، وغير ذلك ، وهذا مقام  فيه إشكال  ووجهُ الإشكال منعُ الشرع أيانا عن الجري [على القياس]  (فلو تمكنا)  منه لحكمنا بحكم شرعنا عليهم، ولكن التقدير على اختلاف الأحوال يناقضُ ذلك ففي  هذا اختبط الناظرُون ، ثم بني أصحابنا على هذا أمر المهر والطلاق، وقالوا: إذا قضينا بالفساد فلا مهر (للتي يدفع)  الإسلام نكاحها ، وكذلك إذا توقفنا  فإنا نتبين عند رفع الإسلام الفساد من الأصل ، وكذلك إذا طلَّق زوجته ثلاثاً وأسلم لم يفتقر إلى محللٍ إن أرادَ نكاحها إذا قضينا بالفساد ، وقد قدمنا أن قول الفساد باطل قطعاً فلا  ينبغي أن نفرع  عليه\rقال ابن  الحداد: إذا نكح أختين في الشرك وطلق كل واحدة ثلاثاً ثم أسلم وأسلمتا خيّرناه بينهما (فإن اختار واحدة)  تعينت للنكاح، ونفذ الطلاقُ  عليها، وافتقر  إلى محلل، وتَعيَّنت الثانية التي لم يختَرها للفراق بدفع الإسلام إياها، ولها نصف المهر إذا جَرى الإسلام قبل المسيس من الزوج \rقال الشيخ أبو علي: إن حكمنا بصحة أنكحتهم  فقد نفذ الطلاق فيهما\rجميعاً ولا  حاجة إلى الاختيار، وإن حكمنا بالفساد لم ينفذ الطلاق فيهما جميعاً، وإن توقفنا فيخيّر فإذا اختار إحداهما تبيَّن صحة النكاح ونفوذ الطلاق (فيهما، وافتقر فيهما)  إلى محلل واندفعت الثانية بالإسلام؛ لأنه احتاج إلى اختيار الثانية ، وظهر أثر اختياره في تصحيح نكاحها بتنفيذ  الطلاق عليها، فتندفع  الأخرى فيستقيم مذهب ابن  الحداد على هذا الاحتمال إلا أنه لا وجه لقوله لها نصف المهر؛ إذ مساق مذهبه يبين  اندفاع نكاحها من الأصل ، فإن قيل: إذا فرّعتُم على ظاهر المذهب وهو صحة أنكحتهم، فلو طلب كافرٌ منا أن نفرض النفقة لأختين هما تحته ","part":1,"page":122},{"id":1101,"text":"قلنا: قال الإمام: الوجه القطع بالامتناع من ذلك  وإن كان فيه امتناع؛ لأن ذلك يُوجِبُ أن (يزوج الأختين منهم)  بالولاية العامة إذا التمسوه وذلك بعيد في الدِّين ، ولكن لا نترك  عقودهم صحيحة فيما بينهم (ولا ننتهي نحن على\rحكمها في الحال؛ لأن حُكمهم)  على خلاف الشرع، وهذا يكاد يقوِّي قول التوقف أو قول الفساد، ولاشك في أنهم لو نكحوا بغير ولي ولا شهود، فنفرض النفقة، ولا ننظر إلى ما سبق؛ إذ لا مفسد في الحال بخلاف الجمع بين الأختين، ولاشك في أنا لا نفرض النفقة لِمُحَرَّم لقيام المُفسد ، وسنذكر تفصيل ذلك في أحكام ترافع الكُفار إلينا  فهذا أحد الأسئلة، وقد انكشف به أصل من أصول الباب\rالسؤال الثاني: فإن قال قائل: هل تنظرون في الحُكم بالصحّة والفساد وفي التقرير إلى اعتقادهم فساد العقود أو لا ، الجوابُ: أنا ننظر في التقرير على العقود إلى اعتقادهم حتى لو أَجْبر الأب في غير محل الإجبار وجرى الإسلام فيقرر ولا يثبت الخيار للمزوجة، ولو جرى النكاح من غير صداق وكانوا يعتقدون  أن الصداق لا يثبت بالمسيس أيضاً فلا يثبت الصداق وإن جرى في الإسلام، وإن اعتقدوا ثبوت الصداق مع التفويض  أثبتناه ، وتمام الجواب بالنظر في مسائل ثلاثة:\rإحداها : أنه لو أسلم واحد على امرأة وكان يُسافح بها مع اعتقاد السفاح فلا يقرّر، فلو اغتصب  واحد امرأة واستولى عليها واعتقد ذلك نكاحاً، قال القفال: لا نقرهم  إذ لابد من صيغة عقد هكذا نقلَهُ الصيدلاني، ثم اختار خلافه ،\rوهو القياس؛ لأن إقامة الفعل مقام القول ليس فيه إلا اختلال (بشرط)  فهو كشرط الولي والشهود \rوالثانية : النكاح المؤقت إن اعتقدوه مؤبداً أقررناهم عليه، وإن اعتقدوه مؤقتاً فلا تقرير، وإن تعيّنت  مُدَّة فإن التأقيت لا وجه له، والتكميل على خلاف\rاعتقادهم بعيد ","part":1,"page":123},{"id":1102,"text":"الثالثة : إذا أسلموا على عقد أعتقدوه فاسداً فتردد  فيه الشيخ أبو محمد، قال الإمام إن  كنا نعتقد فساده أيضاً  فيبعد التقرير، وإن اعتقدنا صحته فيظهر التقرير إلا أن هذا إعراض [عن اعتقادهم] ، وذلك يُلزم تقديم الأخت السابقة في النكاح، ويحتمل  رد الأمر إلى اعتقادهم \rالسؤال الثالث: فإن قال قائل: التقرير على النكاح عند الإسلام حُكمه حُكم الابتداء أو حُكم استدامه النكاح\rقلنا: أطلق الأصحاب قولين مستنبطين من معاني كلام الشافعي [رحمه الله] :\r(أحدهما: وهو الصحيح)  أن حُكمه حُكم الدوام؛ لأنه تقرير على نكاح سابق \rوالثاني: أن حُكمه حُكم الابتداء  بدليل أنه لو أسلم على أمة  وكان موسراً وكان تحته حُرّة يندفعُ نكاح الأمة ، ولا يعتبر في دوام نكاح الأمة فقد اليسار وعدم الحُرّة إلا على مذهب المزني فدل أنه مشتبه  بالابتداء ، وسنذكر السبب  في اعتبار اليسار والحُرّة في الفصل الذي يلي هذا، وقد تمّ الغرض  من هذا الفصل  وانكشف الغطاء عن أمهات القول في نكاح المشركات\rالفصل الثاني: فيما يقترن من المفسدات بحالة الإسلام\rوضابط القول فيه أنه إذا اقترن بحالة الإسلام مانع يمنع (من ابتداء العقد فيمتنع)  التقرير، ويخرج على هذا زيادة العدد فإنه يمنع الابتداء فلا يقرّر على الزيادة بل يخير ،\rويخرج عليه المَحْرَم، (فلا يقرر)  عليه بحال ، ويخرج عليه ما لو نكح في  العدّة أو بشرط الخيار ثم أسلم قبل انقضاء العدّة فيهما [فلا تقرير] ، ويخرج عليه أنه لو نكح بغير ولي (وشهود أو شرط)  فاسد لم ينعطف على ما سبق، وتقرر العقد في الحال ، واستثنى صاحب التقريب عن هذا الضابط مسألتين:\rإحداهما: أنه لو أسلم أحدُهما وأَحْرَمَ قبل إسلام الثاني جاز الاختيار مع أن هذا يمنع الابتداء ","part":1,"page":124},{"id":1103,"text":"والثانية: أن المرأة لو وُطئت بالشبهة فشرعت في العدّة فأسلما قبل انقضاء العدة جاز التقدير، ولا يُنْشأ النكاحُ على هذا [الوجه] ، وما قاله صاحب التقريب [صحيح] ؛ لأن الإحرام والعدة لو طرآ على نكاح مسلم لم يقطع فإذا طرآ على نكاح مشرك فبان لا نؤاخذهم به أولى مع بُعدِهم عن المُطالبة بشرائط شرعنا، وليس هذا كالعِدّة المقارنة؛ فإن ذلك فساد اقترن بأصل العقد وبقي إلى الإسلام فلم يجد طريقاً في التقرير ، والمشكل على هذا الاستثناء أنه لو أسلم الحُر على أمة وهو موسر بيسار طاريء بعد النكاح أو مُقَارن اندفع نكاح الأمة، وطرآن  ذلك لايقطع نكاح المسلم،، وكذلك لو أسلم على حُرّة وأسلمت الحُرّة ثم ماتت الحُرّة ثم أسلمت الأمة، لم يجز له اختيارُ الأمة واندفع نكاحها بوجود الحُرّة حالة الإسلام ، (ولما نظر)  القفال إلى هذا الإشكال خالف صاحب التقريب في الاستثناء وطردَ القياس، ومنعَ الاختيار في الإحرام وعدة الشبهة على ما حَكاهُ بعض النَّقَلة عنه وإن لم ينقله الصيدلاني  مع شدة اعتنائه بنقل خواصه ، ونقل القفال نصاً عن الشافعي ما يوافق قوله في الردّة، (وهو أنه إذا أسلم أحدهما وارتد  ثم أسلم الثاني امتنع الاختيار، وإن كانت الردة في الدوام لا تقطع)  قال الإمام: الصحيح ما قاله صاحبُ التقريب ، أما مسألة الردَّة فالفرق بَيِّن؛ لأن الردَّة تُنَجِّز الفرقة على الجملة، وحيث يتوقف فيتبين استناد الفراق فهو جديرٌ  بالمنع من الاختيار بخلاف العدّة  والإحرام؛ ولذلك يجوز رجعتهما ولا يجوز رجعه المرتدة ، أما مسألة الأمة فالفرق بينها وبين العدة والإحرام مشكل  وينضم إليه إشكالان آخرانِ :","part":1,"page":125},{"id":1104,"text":"أحدهما: أن الصيدلاني قطع القول في النقل بأنه لو بقيت العدّة المقارنة حتى أسلم أحدهما ثم زالت العدة وأسلم الثاني امتنع التقرير، وكفى اقتران المفسد بإسلام أحدهما وإن انعدمَ عند الاجتماع ، وبمثله لو أسلمَ على أمة وتخلفت الأمة وهو موسر ثم أعسرَ وأسلمت  الأمةُ جاز التقرير ، فلابد من ابتداء فارق بين اليسار في حق الأمة\rوبين العِدّة\rوالثاني أنه إن أسلم على حُرّة وأمة  وأسلمت الحُرّة وتخلفت الأمة ثم ماتت الحُرّة وأسلمت  الأمة امتنع الاختيار، وهذا أيضاً لم يختلفوا فيه  فاكتفي بوجود الحُرّة عند إسلام أحدهما في دفع الأمة، ولا يكتفي في اليسار به مع أن فقد الطول وفَقْد الحُرّة يجريان في نكاح الإماء مجراً واحداً ، فهذه الفروق ثلاثة يغمض مَدرَكها، وعلى الناظر إمعانُ النظر فيها، وغاية ما قرره الإمام أن نكاح الأمة في حق الكافر ليس متقيداً بشرط فقْد الطَول ، فإن اشتراطه مأخوذ من الكتاب وهو خطاب مع المؤمنين بدليل سياق الآية؛ ولأن الكافر لا يجب عليه أن ينظر لولده ويعصمه عن الإرقاق، وهو  مع أولاده عُرضة الرقّ؛ فلذلك لم يفترق  اليسار بين أن يُطرأ وبين أن يُقارن ، وإنما ينظر إلى حالة الاجتماع في الإسلام ، وكأنَّ الشرط لما حُطَّ عن الكافر في أوّل العقد نُقل  إلى حالة الإسلام فاعتبر وجوده ثم لا يمتنع إلا بوُجُوده عند الاجتماع بخلاف وجود الحُرّة؛ فإنه يكفى وجودها عند إسلام الأول؛ لأن اعتبار عدم الحُرّة أكد بدليل\rأنه لو وجد  طَول رتقاً حل له نكاح الأمة ولو كان تحته رتقاً لم يحل له\rنكاح الأمة ","part":1,"page":126},{"id":1105,"text":"هذا ما تكلَّفه، والإشكال قائم بعده، ولا يخفى تقريره لمن تأمله فلم أُطَوِّل الكلام به، وأما القفال فقد تخلَّصَ من الفرق الأول وهو الفرق بين اليسار والإحرام ولكن يبقى عليه الإشكال في المسألتين الأخيرتين، وحُكي عن أبي يحيى البلخي  أنه اكتفى بوجود اليسار عند إسلام أحدهما، ولم يعتبر في دفع النكاح وجوده واستمراره إلى حالة الاجتماع [حتى قال: لو كان موسراً عند الإسلام ثم أعسر عند الاجتماع]  لم  يقّرر عليه، ولو كان معسراً ثم أيسر حالة الاجتماع قرر عليه؛ لأنه إذا اعتبر تلك الحالة  فما بعد ذلك طارئ  والصائر إليه يُكفى مؤونة  الفرق\rالثاني: الفرق بين بقية العدّة المقارنة إذا اقترنت بإسلام أحدهما دُونَ الآخر فقد قطع الصيدلاني بالاكتفاء به  في المنع، وقطع بنقيضه في اليسار، وأبو يحيى البلخي كفى نفسه تلك المؤونة  بما ركبه \rالفصل الثالث: فيما إذا أسلم الرجل على امرأة وابنتها\rفإن كان  دخل بهما فهُما مُحَرَّمتان، ومَحْرَمان فلا تقرير عليهما إذا وطئ كل\rواحدة بالشبهة تحرم  الثانية، وتثبت المحرمية ، وإن لم يكن دخل بهما فقد نقل\rالمزني أنه يتخير بينهما إذ لا سبيل إلى الجمع ، ثم قال في موضع آخر بتعَيُّن البنت","part":1,"page":127},{"id":1106,"text":"للإمساك والأم للتحريم، واختار هذا القول ، (وبني الأصحاب)  القولين على أن أنكحة الشرك هل لها حُكم وهذه الصيغة فاسدة  فأنا بينا أن إسقاط الحُكم مُطلقاً لا وجه له فيبتني  على القولين في أَنَّا نحكم بالصحة (أو نتوقف إلى الإسلام)  ونُعرض في الحال فإن حكمنا بالصحة فقد صادف الإسلام نكاحها فاندفعت الأم بنكاح البنت ، (والدافع نكاح البنت)  فبقيت، وإن قلنا: يتوقف ثم عند الإسلام نتبيّن الصحة في المُختارة والفساد في المفارقة فيتخيّر؛ إذ لسنا نحكم بنكاح إلا  عند الاختيار فإن [اختار]  الأم تعيَّنت  وتبيّنا أنه لا نكاح على البنت، وإن اختار البنت سقطت الأم، وحرمت على التأبيد بنكاح البنت ، ثم قال ابن  الحداد: إن فرعنا  على التخيير وجب نصف المهر للمُفَارَقة فإن الفراق حصل باختياره ","part":1,"page":128},{"id":1107,"text":"قال القفال: الأمر على ضدّه؛ فإن التخيير بني على إسقاط حُكم النكاح السابق  وتَبَيُّن الفساد فكيف يجب المهر ! نعم، إن اختار  البنت فعليه نصف مهر الأم؛ لأن هذا تفريعٌ على صحة نكاح الشرك وقد اندفع بإسلامه ، قال الإمام: وفيه نظر؛ لأنها اندفعت للمحرمية على هذا القول، ومن أسلم على هذا محَرَّم فلا يثبت المهر للمَحْرم إذ لا يقرر  عليه بحال ، وإنما يجري القولان في الزائدات على الأربع، وفي الأختين، (وفي وجوب)  نصف المهر، فإن اندفاعهن بالزحمة والاختيار فليس  البعض أولى من البعض؛ إذ يُمكن تقرير النكاح على آحادهن  ومن أصحابنا من بني القولين في التخيير والتعيين على أن الاختيار  ابتداء أو استدَامةً، وهو فاسد فلا نطول بذكره، وذكر  فساده ، وقد قال الصيدلاني: نقطع بما اختاره المزني  ونجعل ما نقله حكايةً عن  الشافعي لمذهب الغير  هذا إذا وطئهما  أو لم يطأهما، أما إذا وطِئ إحداهما فإن وطِئ البنت حرمت الأم، وصارت محرماً، وتعيّنت البنتُ عند الإسلام، وإن وطِئ الأم واختار  البنت لم يجز؛ لأنها حَرُمَت وصارت مَحْرماً بالوطء ، وإن اختار الأم فيخرَّج على القولين إن صححنا أنكحتهم فقد حرمت هي بنكاح (البنت)  وإلا فيصح \rالفصل الرابع: في اختيار الآماء\rوتمهيد الباب أن المرعيّ في شرط اختيار الأمة حالة الاجتماع في الإسلام فلا نظر إلى فقد الشرط ووجوده بعد الاجتماع، ولا نظر إلى فقده ووجوده قبل الاجتماع وإن كان في حالة إسلام أحدهما ، وتهذِيبُ القاعدة بفرض  صور:","part":1,"page":129},{"id":1108,"text":"الأولى: (إذا أسلم)  وتحتَه أمة فأسلمت معه أو بعده قبل انقضاء العدة فإن كان عاجزاً حالة الالتقاء في الإسلام فيختارها، وإن كان قادراً فلا يختارها، ولا نظر إلى ما سبق ولا إلى ما يكون من بعد، ولا نظر إلى حالة الاختيار حتى لو كان عاجزاً حالة الالتقاء في الإسلام وموسراً حالة الاختيار جاز له ذلك (فإنما نفرض)  هذا عند الزيادة في العدد فإن الاختيار لا حاجة إليه في أمة واحدةٍ \rالصورة الثانية: أن يُسلم على إماء وأسلمن  معه أو بعده فيختار واحدةً عند الاجتماع، إن كان عاجزا (إذ لو)  كان تحته ثلاثة من الآماء فأسلم وأسلمت واحدة وهو معسرٌ وأسلمت ثانية وهو موسرٌ وأسلمت الثالثة وهو معسرٌ يتخيّر بين  الأولى والثالثة، [والثانية اندفع النكاح فيها بفقد الشرط عند الاجتماع، ومنهم من قال: يتخير بين الثلاث]  وهذا لا وجه له \rالثالثة: أن يكون تحته حُرة وآماء، فأسلم  وأسلمن وتخلفَت الحُرّة لم يكن له الاختيار في الآماء بل ينتظر إسلام الحُرَّة، فإن أصَرَّتْ أو ماتت اختار واحدةً من الآماء إذا كان عاجزاً، وإن أسلمت قبل مضي العدّة فإن  كان بعد مضي عدة  الآماء لقصُور عدتهن تعيّن نكاح الحُرّة واندفع نكاح الآماء؛ لأنا تبيّنا أنها بقيت في نكاحه حالة اجتماعها  مع الآماء في الإسلام (ولا يجوز تقرير)  الجمع بين أمةٍ وحُرّة كافرة إن تصَور النكاح عليهما  كما لا يتصور تقرير  ذلك في أمة\rوحُرّة مسلمة \rالرابعة: إذا أسلم وأسلمت الحُرّة وتخلفت الآماء تعيَّن نكاحُ الحُرّة واندفع نكاح الآماء، فلو ماتت الحُرة وأسلمن لم يجز له اختيارهن؛ لأن النكاح قد اندَفع ونكاحُ الحُرة قد استقر وانتهى بالموت ولم يرتفع ","part":1,"page":130},{"id":1109,"text":"الخامسة: أسلمت الحُرّة وماتت، ثم أسلم الزوج مع الآماء تخيّر ، لأن الحُرّة مفقودة حالة الاجتماع مع الآماء في الإسلام ، وكذلك إذا  كان تحته آماء أو حرائر فأسلمت واحدة وماتت، ثم أسلم الزوج مع الباقيات تخير بينهن ولم (تحسب الميتة)  في عَدَد الاختيار أصلاً ، وكذلك لو أسلم على واحدة ومات ثم أسلمت الباقيات تعيّنت الأولى للنكاح والميراث لها وليس للباقيات شيء؛ لأنهن تخلفَن عن موافقته حتى فُقِد، فصار تخلُّفُهُنّ إلى وقت  الموت بالنسبة إليه كإصرارِهن على الكفر؛ لأن مدة الترقُب للعدّة  بشرط تَصوُّر بقاء النكاح \rالسادسة: ما ذكرناه من أن الحُرّة إذا تقدّمت مع الزوج في الإسلام اندفع نكاح الآماء، وإن أسلمن فيه إذا ثبتن  على الرق فإن عتقن ثم أسلمن فهنّ كالحرائر الأصليات حتى لو لم يكن تحته حُرّة فأسلم على إماء وتخلفت واحدة وعتقت، ثم أسلمت قبل العدة  تعينت العتيقة  للنكاح، وكانت كحُرَّة أَصْليَّة [ولو تقدمت واحدة من الإماء وعتقت ثم أسلمت الباقيات تعينت العتيقة وكانت كحرة أصلية]  فطرآن الحريّة قبل جريان الاجتماع بالكل في الإسلام يلحقها بالحرائر الأصليات ، فلو أسلم على أمتين وتخلفت أمتان فاعتقت  واحدة من المتقدمتين ثم أسلمت المتخلفتان  رقيقتين اندفع نكاح المتخلفتين  إذا أسَلمتا وتحت زوجهما  حُرَّة، أما  نكاح المتقدمة\rالرقيقة لا  يندفع؛ فإنها أسلمت قبل حُرِّيتها فينحصر الاختيار فيهما، ولا  أثر لعتقها  في حق المتقدمة في الإسلام معها ","part":1,"page":131},{"id":1110,"text":"فرع: إذا كان تحته حُرة وآماء وأسلمن  الآماء فلا تقطع ببقاء نكاح واحدة منهن ولا بالاندفاع بل الأمر موقوف فلو اختار واحدة في حالة الوقف فإن أسلمت الحُرّة قبل انقضاء العدّة فلا خفاء بسقوط أثر الاختيار إذ تبيَّنا اندفاع النكاح من وقت الإسلام ، وإن أصرّت  الحرّة فهل عليه استئناف الاختيار فهذا يضاهي وقف العقود الذي  نقله المزني صحة الاختيار وقد غلَّطه  بعض أصحابنا ، وقالوا  القول:  الجديد للشافعي أن العقد لا ينعقد موقوفاً  كما  إذا باع مالاً على اعتقاد أنه مال أبيه ثم تبيّن أنه بخلافه وأنه  كان قد باع ماله فهذا يخرج على ذلك الأصل، والمزني فرع على القديم ، ومنهم من قال: يحتمل أن يقال على الجديد قولان  بناء على أن الاختيار في عقد متبدأ أو في حُكم إمساك، فإن  جعلناه في حُكم استدامه اتّجهُ ما قاله المزني [في الجديد وإن قلنا: في حُكم ابتداء فيخرج على\rالخلاف]  في الجديد والقديم ، وعلى  هذا فَرَّع أصحابنا فقالوا لو أسلمت امرأة وتخلف الزوج ونكح أخت المسلمة ثم أسلم وأسلمت يتخيّر  بينهما؛ لأنه جرى في حالة الشرك فصار كما إذا اسلم على أختين ، ولو أسلم هو أولاً ونكح أخت المتخلفة ثم أسلمت المتخلفة  بطل النكاح الذي جرى في الإسلام؛ لأنا تبينا بقاء ذلك النكاح ولا سبيل إلى الجمع ، ولو أصرّت المتخلفة فصحة النكاح يبتني على ما إذا زوج جاريةً على ظن أنها مال أبيه، ثم تبيّن أنها ماله وأن أباه قد مات من قبل فيخرَّج على الجديد والقديم \r\rالفصل الخامس: في العبيد","part":1,"page":132},{"id":1111,"text":"وتمهيد الباب : أن العبد يتخيّر من  الآماء والحرائر اثنتين  فلا فرق في حقه بين الآماء والحرائر أصلاً ، نعم لو أسلم على حُرّة أو حرائر وأسلمن معه فهل يثبت [لهن]  الخيار  الذي اختاره المزني، ونقله ثبوت  الخيار كما إذا أعتقت الأمة تحت عبد، وكأنه يتخيّل  أن حُكم الحُرية يثبت لهم بالإسلام ، والقياسُ وهو المذهب أنه لا يتخيّر، لأنها رضيت برقه إذ نكحته ، ويحمل نصّ الشافعي على ما إذا كانت حرة بحُرّية طارئة ، فإن الشافعي ذكر هذا في أثناء مسائل طرآن العتق، والإبعاد في التأويل أولى من مناقضة الفقه، والغرض  من الفصل التعرَّض لطرآن العتق، والكلام في طرفين، أحدهما: في طرآن العتق عليه\rوالثاني: في طرآنه على نسائه\rأما إذا أعتق  ففيه صور:\rإحداها: إن أسلم وأسلمت نساؤه ثم عتق يختار الاثنتين ، ولا يزيد في الحرائر\rإلى أربع، ولا يُدفع  في الآماء إلى واحدة؛ لأنه لم يكن حُراً حالة الاجتماع\rفي الإسلام \rالثانية: أن يسلمن ويتخلف ويعتق ثم أسلم  فإن كان تحته حرائر اختار أربعاً، وإن كان تحته إماء اختار واحدة وحكمه حُكم الأحرار \rالثالثة: إذا أسلم وأسلمت معه حُرّتان ثم عتق وأسلمت الباقيات  من الحرائر فلا يزيد على اثنتين؛ لأنه صادف كمال عدد العبيد في حالة الرق  ولو أسلمَ وأسلمت معه واحدة ثم عتق ثم أسلمت الباقيات اختار أربعاً؛ لأنه طرأ العتق قبل أن صادف كمال عدد العبيد ، وشبه أصحابنا هذا بمسألتين:\rإحداهما: أن العبد يملكُ على زوجته طلقتين فلو استوفاهُما ثم عتق لم يجز له نكاحها؛ لأنه تمّ العدد قبل العتق فيقتصر عليه ولو استوفى إحدى الطلقتين ثم عتق بقيت له طلقتان وكمل عدد الأحرار؛ لأنه لم يستوف كمال العدد قبل الحُرية ","part":1,"page":133},{"id":1112,"text":"المسألة الثانية: أن الأمة لو عتقت في يوم القسم لها في النكاح يكمل لها عدد الحرائر في القسم، ولو عتقت بعد تمام  القسم متصلاً بانقضاء مدته لم تؤثر الحُرية في هذه النوبة أصلاً؛ لأنها كانت قبل الحرية \rالرابعة: لو أسلم على أربع إماء فأسلم  معه ثنتان فعتق (فأسلمن الأخرتان)  جاز له اختيار ثنتين؛ لأنه تم عدد العبيد قبل العتق كما مضى  ولكن هل يتعيّن الأوّلتان قال الإمام: لا يتعين فيتخيّر  الأخرتين  إن شاء، أو الأوّلتين، أو واحدة وواحدة، وكان كما إذا أسلم حر وتحته أربعٌ فأسلمن على التوالي فالسابقة لا تتعين ، ونقل عن القاضي أنه قال: إذا أسلم وأسلمت واحدة ثم عتق ثم أسلمت الثانية، فلا يختار إلا واحدة جريا على القياس إذا طرأت الحرية قبل كمال عدد العبيد، وألحقه  بالأحرار، إلا أنه قال: تتعيّن الأولى ، قال الإمام: وهذا هفوة بدليل أن الحرية الطارئة لا تزيد على الحُرية الأصلية كما ذكرناه ، وفي بعض التصانيف في [مسألة]  الإسلام على أربع من الآماء أنه لا يجوز له اختيار الأخيرتين، ويجوز اختيار الأولتين ، وهل له أن يختار واحدة من الأولتين وواحدة من الأخرتين فوجهان ، ومستند من صار إلى أنه لا يختار الأخيرين أنهما أسلما تحت حُر فكيف يجمع الحُر بينهما وقد (أدركها)  الإسلام مع الزوج في حالة الحُريّة، ولو لم يفرض سبق الأولتين لكان يمتنع عليه الجمع بين أمتين أسلمتا بعد عتقه ، ومن صار إلى جواز اختيار واحدة (من)  الأولتين وواحدة من الأخرتين ؛ فمستنده أن إسلامهما تحت حُر لا يوجب دفع نكاحهما  بل يمنع الجمع فهذه الحالة لا تنافي اختيار واحدة، (فاختاره)  (واحدة منهن) ، ومن الأولتين واحدة   ومَن يُعَيّن الأولتين يقول: جَوّزنا له اختيار اثنتين، لأنا قرّرنا  كمال عدد العبيد قبل الحرية، وذلك يكون بتعيين السابقتين ؛ إذ لو لم يتعينا لكان ذلك إمكان استيفاء","part":1,"page":134},{"id":1113,"text":"كمال العدد لا (يقين الكمال، ولما تبينا به)  استيفاء العبد طلقتين ثم عتقه بعدهما؛ فإن إمكان الاستيفاء لا تعويل عليه في الطلاق، وإلى هذا المعنى يستند القاضي في تعيين السابقة المتحدة ، وفيما قال القاضي في الواحدة ضعف لإخفاء  به، وقد قطع الإمام (رحمه الله)  بأنه لا (يعين فإن)  إمكان العدد هو الذي حجر عليه فيقع الاكتفاء به في الحصر، ثم لا موجب للتعيين فيكون كما لو بقي (عددهم حتى أسلم)  هذه وجوه الاحتمالات في المسألة\rالطرف الثاني: في عتقهن\rوفيه مسائل:\rإحداها: في أثر العتق وأثره إلحاقها بالحرائر إن تقدَّم العتق على الاجتماع في الإسلام، فلا تطويل بالتصوير، فما  ذكرناه من اللفظ جامع، وإن تراخى عن الاجتماع في الإسلام فحكمها حكم الإماء \rالثانية: في الخيار ويثبت لها الخيار ، مهما عتقت تحت عبد، ولابد\rمن التنبه  لأمرين:\rأحدهما: خيارُ  العتق على الفور ، ولكنها لو أسلمت وعتقت فلها أن تتوقف وتنتظر؛ إذ الزوج ربما يُصر على الكفر فلا تحتاج إلى الفسخ فعذرها مُمَهَّدٌ هاهنا في التأخير، فلا تكون  مقصّرة بالانتظار، وكذلك الرجعية إذا أعتقها  جاز لها انتظار انقضاء العدة، ولم يفسد  خيارها بالتأخير إلى أوان الرجعة \rالثاني: هو أنها لو لم تؤخر وبادرت فإن فسخت نفذ الفسخ، وإسلام الزوج بعد ذلك لا ينفع، فإن قيل: (هلا)  قضيتهم بالوقف؛ إذ يحتملُ الإصرار والاستغناء عن فسخها يتبيّن الانفساخ باختلاف الدين","part":1,"page":135},{"id":1114,"text":"قلنا: الفُسوخ كلها جنس واحد، وإن اختلفت أسبابها فلابد من الحُكم بالفسخ وتستفيد المرأة بذلك قصور مُدَّة العدة؛ فإنها لو أخّرت الفسخ فربما يسلم الزوج في آخر العدة فتنشئ فسخاً، وتستفتح عدّة من ذلك الوقت فيتمادى زمان الانتظار، ثم لو فسخت فأصرّ الزوج تبينا أن الإنفساخ حصل من أول اختلاف الدين، (ولو أنها) عتقت في أثناء مُدّة العدة فهل تكمل عدد الحرائر للمذهب ترتيب يذكر في كتاب العدة، وعلى قول نفرق بين الرجعية والبائنة، فنقول: إن طرأ العتق على عدة البائنة فلا حُكم له؛ لأن العلائق قد انبتَّت من قبل فنقتصر على عدة الآماء، وإن طرأ على عدّة الرجعيّة فتستكمل عدة الحرائر، وفي مسألتنا ترددوا في أنها تلحق بالرجعيّة أو بالبائنة فإلحاقها بالبائنة أقيس لأنا بالتبيّن نحكم بالانفساخ من وقت الاختلاف في الدين، ومن أصحابنا من ألحقها بالرجعيّة إذ الزوج يقدر على تقرير النكاح هاهنا بالإسلام كما يقدر على تقريره بالرجعة\rوهذا المعنى لا جريان له فيما لو أسلم الزوج أوّلاً وأعتقت وفسخت ثم أسلمت؛ فإن الفسخ طرأ عليها في أثناء العدة؛ إذ تبيَّن احتساب العدة من وقت الاختلاف في الدين، ولقد كان في حاله ليس يبقى للزوج اختيار؛ فإن إسلامها ليس إلى اختيار الزوج هذا حُكم الخيار إذا فسخت أو توقفت، فأمّا إذا أجازت ورضيت بالمقام قبل إسلام الزوج قطع أصحابنا ببُطلان إجازتها؛ إذ ليس لها اختيار المقام تحت كافر، وفائدة سقوط الاختيار بقاء حقها في الفسخ، ولو عتقت الرجعية وفسخت صح فسخها؛ فإنها زوجة ولو أجازت هل تنفذ إجازتها وجهان:","part":1,"page":136},{"id":1115,"text":"أحدهما: لا تنفذ كالمسألة السابقة، فإنها لا تفيد الزوج حِلاً ناجزاً مع استمرار الطلاق فلا فائدة لإجازتها فتلغوا ، ومنهم من قال: تنفذ ، والفرق أنها تفيد الزوج سلطان الرجعة، وهو تصرف من تصرفات النكاح ، وفي مسألة الإسلام لا يمكن أن يقال: تفيد الزوج سلطان الإسلام؛ إذ ذاك  غير مستفاد من تصرفات النكاح ، وقد اختلف أصحابنا في هذه الصورة في أصل الخيار، منهم من قال: الخيار من حكم الإسلام، فليس لها في الكفر فسخ ولا إجازة ، ومنهم من قال: لها الفسخ والإجازة جميعاً ، ومنهم من قال وهو الذي نقطع به: أن لها الفسخ وأما الإجازة فلا؛ فإنها كافرة لا يُمكن تقرير النكاح عليها ، فإن أرادت ذلك فلتسلم أوَّلاً ثم\rلتجيز ، وهذا مسلك  من صار إلى أنها لا تفسخ أيضاً؛ لأنها قادرة على أن تسلم ثم تفسخ، وهذا لا وجه له \rفرع: لو أخَّرت المسلمة الخيار إلى إسلام الزوج وأسلم  الزوج قبل مضي العدّة ففسخت، هل تستأنف عدة أخرى أم تكتفي ببقية عدتها الظاهر  الاستئناف؛ لأنا تبينا أنها لم تكن في العدة ، وفيه  وجه أنها تكتفي  مأخذه الخلاف في أن الرجعية إذا طلقت طلقة ثانية فهل تستفتح عدة أخرى فيه  خلاف \rوإذا قلنا: لا تستفتح فلو راجعها زوجها ثم طلقها فتبني أو تستفتح فيه خلاف ، والظاهر في المسألة  الاستفتاح وهو في الفسخ أظهر \rالفصل السادس: في الاختيار\rوالكلام فيه في طرفين:","part":1,"page":137},{"id":1116,"text":"أحدهما: في وجوب الاختيار، فإذا أسلم الرجل على ثمان نسوة مثلاً وأسلمن فيتعَيَّن عليه الاختيار، فإن الإسلام رفع النكاح في أربع وإليه التعيين ، فإن امتنع فعليه الإنفاق في مُدَّة الامتناع؛ لأنه حبسهُنّ في ربقته وَحُبَالتِه، وللقاضي أن يحبسَهُ إلى أن يختارَ، فإن أصَرَّ معَ الحبس وَظهَر عنادُه ترقى إلى التَعزير وَالضرب، هكذا قاله  الشافعي ، وكذلك يفعل بمن يُعَاند في دفع الحقوق ، نعم إذا أنكر الحق، (وثبتت بينَة)  فحبس  فلا يُعَزّر؛ ولأن التعزير عَظيم، وَلسنا نتيقن عناده هَكذا قاله الإمام ، وفيه نظر، فإنا نقول: الشهود تقبل إذا شهدوا على مُوجَب القتل، فإذا شهدُوا على حق آخر ومَسّت الحاجة في استيفائه إلى تعزير، وعلمنا على قطع تَمكُّنه من التمكين فيتّجه تعزيره إذ الحبس لا شك فيه، وهو عقوبة في نفسه، فإذا لم ينفع ذلك ورأينا التعزيرَ في الإجبار على الاختيار في مسألتنا لم يَبعُد ذلك في سائر الحقوق، نعم لا نبادر بالتعزير ونمهل  مُدّة التروّى في الاختيار، وأقصاهُ تقريباً مُدّة استمهال  المرتد ، ولا يُوالي في التعزير ، وإنما اختارَ القضاةُ الحبس؛ لأنه عقوبة يُمكن ادامتها، وفيه استيثاق لذي  الحق أيضاً ، ثم القاضي لا يُعيِّن ، وإن كنا نرى على قولٍ للقاضي أن يُطلق زوجة المُؤْلِي ، والفرق بينهما  أنها مضرورة من جهة الزوج، فالقاضي يقطع النكاح لضرار، وفي مسألتنا النكاح منقطع لا لحقها ولكن اندفع بالإسلام، والمدفوعة متعيّنة، وهو إلى الاختيار، فالاستنابة  في الاختيار المستند إلى الرأي بعيد ، فإن قيل: لم يجب الإنفاق عليهن وأربعٌ منهن مُفَارَقاتٌ قطعاً، قلنا: لأنه لا تَعَيَّن، وإسقاط الكُل محال، والتوقف بعيد؛ إذا النفقة شُرعت لحاجة الوقت، ولو وَزَّع مقدار نفقة أربع  عليهن لكان لا يسُدّ منهنَّ مُسَدّاً (إذ الزوج)  مقصد  في ترك الأمر مُهملاً فليفسخ إن أراد","part":1,"page":138},{"id":1117,"text":"الخلاص وإلا فليُنفق  ويتصل بهذا إنه لو مات قبل التعيين فقد أيسنا عن البيان، فيجب على كل واحدة الاعتداد بأقصى الأجلين لتعارض الاحتمال في حق كل واحدة والعدة تبنى على الاحتياط ، ويُوقف لهُنّ من الميراث الرُبع أو الثمن، ثم يُسَلَّم إليهن بالاصطلاح ، فإن  كان فيهن صغيرة  فلا يرضى وَليُها بدون رُبع الموقُوف؛ فإنه أكثر ما يفرض لها ، ولو جاء  أربعُ منهن لم يُسَلَّم إليهن شيء  لاحتمال أن الاستحقاق للأربع المتخلفات ، وإن جاء  خمسٌ سلمنا ربع الموقوف (إليهن، وإن جاء)  ستة فنصف  الموقُوف، والقاعدة أنه لا يسلم إلى بعضهن إلا المستيقن لهُنّ ، وَحكى صَاحبُ التقريب طريقة عن ابن سريج على خلاف جمهُور الأصحاب، وقال: الموقوف يُوزّع عليهن بالسَوية ؛ فإن التوقف يحَسن فيما يتوقع البيان فيه، أو فيما يتيقّن تَعَيُنَه في علم اللهِ تعالى، وتقدير إشكال  في حقنا كما إذا قال: إن كان هذا غُراباً فعمرةُ طالق، وإن لم يكن غراباً فزينبُ طالق، فقد طلقت إحدَى زوجتيه ولكنا في هذا الصورة إذا لم يتبيّن حتى مات يقفُ  الميراثُ؛ إذ يُعلم  أنه في علم اللهِ معلوم متَعيّن، وإنما الاستبهامعلينا، وفي مسألتنا لا يُمكن أن يقال: وقع  في علم الله تعالى نكاح أربعَ متعينات؛ فإذا تساوت الدرجات وجب التوزيعُ،\rوهذا قياس لا بأسَ به ","part":1,"page":139},{"id":1118,"text":"فرع: إذا أسلم على ثمان نسوة، وأسلمت  معهُ أربعة، وكانت المتخلفات كتابيات فلا يشترط إسلامهن بل يختار من الكُل أربعاً؛ إذ نكاح الكتابية يُمكن تقريرهُ ، فلو مات قبل البيان قال أصحابنا: لا يقف لهن شيئاً من الميراث ؛ إذ يحتمل أن يقرّر نزول الفراق على المسلمات فيحرمن عن الميراث؛ للفراق، والكتابياتُ محرومات؛ للاختلاف في الدين، فلم يتيقن أهل الميراث ، وكان هذا كما لو نكح مُسلمة وكتابية، ثم قال إحداكما طالق، ثم ماتَ قبل البيان، فنقولُ: لا نقِفُ شيئاً من الميراث؛ لاحتمال نزول الطلاق على المسلمة، وحرمانُ الكتابيّة؛ لاختلاف  الدين ، وحكى صاحبُ التقريب  في مسألة الطلاق وجهاً: أنا نقفُ لهُنّ  ميرَاث زوجة بخلاف مسألة الكتابيات والمُسلمات عند اختلاف الدين، وحاوَل الفرق بأن الطلاق نُزل على مُعَيَّنَة  أو مُستبهم علينا تعيينه بخلاف الفراق عند الإسلام على ثمان، وليس يلوح بين المسألتين فرق  للمتأمل \rالطرف الثاني: في ألفاظ الاختيار\rوفيه مسائل:\rإحداها: أنه إذا قال اخترتُ هؤلاء  الأربع للزوجيّة تعيّنت الباقيات للفسخ،\rوإن  قال اخترتُ هؤلاء  للفسخ تعيّنت الباقيات للنكاح، ولم يفتقر  إلى تصريح بلفظ الاختيار \rالثانية: أنه إذا طلق أربعاً منهن وهُن ثمانية أسلمن معه، وجميع المسائل مصورة فيه (وقع)  الفراق على الكل، فإن الطلاق اختيار للنكاح فينفذ الفراق فيهن للطلاق، وفي الباقيات بالتعيين للفراق \rالثالثة: إذا قال فسخت نكاح هذه الأربع، وقال: أردت به التعيين للفراق\rتعين، ولو قال: أردت به الطلاق يقبل، وَيُجعل تعييناً للزوجية؛ لأنه محتمل \r(ولو أطلق) فيحمل على التعيين للفراق؛ لأنه ظاهر فيه، وهو لائق بالحال فيتعيَّن الباقيات للنكاح ","part":1,"page":140},{"id":1119,"text":"الرابعة: إذا ظاهرَ عن أربع منهنَّ، أو آلى عن أربع منهنّ لم يَكن ذلك اختياراً للنكاح بخلاف الطلاق؛ إذ لفظ الإيلاء ولفظ الظهار يصح مخاطبة الاجنبيّات بهما بخلاف لفظ الطلاق \rالخامسة: أنه لو قال: من دخل منكُنّ الدار فهي مُختَارة للنكاح، لم ينَفذ، ولا  يجوز تعليق الاختيار؛ إذ معناه التعيين ولا تعيين  مع التعليق؛ ولأن الاختيار في حُكم ابتداء عقد، وهو  مُشَبّه به، ولا (تعليق للعقود)  \rفأما إذا قال: من دخل منكن الدار فهي طالق، وقع الطلاق، وتعلق  الاختيار به ضمناً، وإن كان لا يتعلق صريحاً كالإبراء في حق المكاتب يتعلق ضمناً للعتق، ولا يتعلق في نفسه \rفأما إذا قال: من دخل منكن الدار فقد فسخت نكاحها، وأراد التعيين للفراق لم يتعين؛ لأنه لا يقبل التعليق، وإن قال : أردت به الطلاق، فالظاهر أنه يقبل ويكون طلاقاً معلقاً بمعنى  الاختيار \rالسادسة: إذا أسلم أربَعٌ وتخلفَ  أربع، فقال : أجزتُ  نكاح المسلمات صح، واندفع النكاح في المتخلفات \rفأما إذا قال: فسخت نكاح المسلمات، فالذي ذهب إليه جمهور الأصحاب\r رَدّ فسخه حتى إذا أسلم  الباقِيات وَجَب عليه استئناف التعيين؛ لأن من ضرورَة الفسخ فيهن اختيار الباقيات, والاختيارُ في الباقيات مما لا يتَصوّر على حَالة التُوثُّن والكفر ، ونقل العراقيُون وجهاً أن ذلك يبتنى على الوقف، فإن أصَرّ  المتخلفات تبيّن بُطلان فسخه، وإن أسلمن تبيّن الصحة فيه، وهذا فاسد؛ إذ من ضرورتِه تقدير صحّة الاختيار عليهن في حالة الشرك، ومن جَوّز  وقف العقود ليس يُجَوِّز بيع الخمر موقوفاً على مصيره خلاً ، فأما إذا خاطب المتخلفات وفسخ نكاحهن نفذ، وتعيّنت الباقيات المُسلمات للزوجية ","part":1,"page":141},{"id":1120,"text":"السابعة: إذا أشار إلى الأربع المتخلفات واختارَهُن للفسخ تعين  المُسلِمات للزوجية؛ إذ الانفساخ يُلائمُ حَالهن، وَفي مقابلتهن من يتصوّر تقدير  الاختيار فيهن بخلاف ما إذا كُنّ بجملتهن مشركات؛ إذ لا يتصَوّر تنفيذ الاختيار في الباقيات، وإن اختارهن للنكاح لغى ، فإن اختيار الوثنية محال ، ولا سبيل إلى الوقف؛ فإن ذلك يضاهى الوقف في بيع الخمر إلى أن يصير  خلا، [ويحتمل القول بالوقف؛ لأن الملكَ لا يستند في الخمر إلى حالة كونه خمراً] ، والنكاح يستندُ إلى حَالة التوثَنُ\rإذا جَرى الإسلام ، فأما إذا أشار إلى اربع في الشرك فطلقهن  فلا ينفذ الطلاق\rفي الحال؛ لأن الطلاق اختيار وليست  المشركة صالحة للاختيار ولكن لو أسلمن\rفهل يُحكم الآن بالطلاق ظهر الاختلاف بخلاف صريح الاختيار؛ لأن الطلاق\rقابل للتعليق، والوقف لا يزيد عليه، فإذا اندرج الاختيار تحته لم يبعُد قبول الوقف\rعلى هذا الوجه \rالثامنة: إذا أسلمن معه فوطيء بعضهن هل يكون تعييناً للنكاح في الموَطؤة\rفيه وجهان مبنيان على ما إذا طلق إحدى زوجتيه، ثم وطيء إحداهما، وفيه\rخلاف ظاهر \rالتاسعة: لو أسلمن  معه ثمان نسوة، فقال: حصرتُ المختارات في ستّة منهن، وأشار إليهن انحصر، واستفدنا منه تعيين  المخرجتين للفراق، وكذلك إذا جرى الحصر على هذا القياس؛ فإنه إن لم يفد تعيين المختارات فيفيد تعيين المفارقات ","part":1,"page":142},{"id":1121,"text":"العاشر: إذا أسلمت  أربع أوّلاً، فقال: فسختُ نكاحهن  فإن فرعنا على ظاهر المذهب، وهو إلغاء فسخه في  المُسلِمات، فإذا أسلمت المتخلفات نفذ الفسخ فيهنّ، وتعيَّن المتقدّمات للنكاح ، وإن فرّعنا على مذهَب العراقيين في الوقف تعيّنت المتخلفات للزوج ، فإنهن كما أسلمن تبيَّنا نفُوذ الفسخ في المتقدّمات فلا  ينفذ الفسخ في المتخلفات ، ولو أسلمنَ على ترادُفٍ وكان يقُول: لكل من تُسلِم مِنهُنَّ فسخت نكاحك فعلى ظاهر المذهب ينفسخ نكاحُ الأربعَ الأواخر؛ فإنه وقعَ في أوان الفسخ ، وعَلى مذهب العراقيين ينفسخ نكاح الأوائل، فإن الأمر كان موقوفاً فإذا أسلمت الخامسَة تعيّنت للزوجية، واستفاد  به فسخ الأولى إذا كان موقوفاً، والآن وجد ذلك نفاذاً، والفسخ في الباقيات ليسَ يُدْرَى أيجب نفاذاً أم لا فإذا  أسلمت السادسة تعيّنت للزوجية، واستيقن  الفسخ في الثانية، وكذلك على هذا القياس إلى استيفاء العدَدِ \rالفصل السَّابع: في أحكام مُتفرقة\rيجمعها أربعَةُ أقسام:\rالقسم الأولُ: في النفقة في مُدّة العدة:","part":1,"page":143},{"id":1122,"text":"فنقول إذا أسلم الزوج أوّلاً وتخلفت المرأة حتى انقضت العِدَّةُ فلا نفقَة لهَا في (مُدّة التخلف؛ لأنها)  بائنة وَمُسيئة بالامتناع من الموافقة، وقد بان انبتات النكاح ، وإن أسلمت قبل انقضاء العدة فالمنصوص في الجديد أنه لا نفقة (لها لأنها)  بالامتناع (في التخلف، والمتخلفة)  كالناشزة وَالمُسُيئَةِ في إثبات منع الزوج من الاستمتاع ، وقال في القديم: لها النفقة؛ لأنها لم تحدث شيئاً  إنما الزوج هوَ الذي أسلم ، ولذلك لو أصَرَّت لثبت لها شطر المهر قبل المسيس بناءً على أن السبب وُجد من جهة الزوج، ويُمكن أن يُجَاب عن هذا فيقال: المهرُ وَجبَ بالعقد [وقد انقطع بمجرد إسلامه، والنفقة في مقابلة التمكين] ، فهي  الممتنعة بالإصرار فضاهَى ما لو سافر الرجل فلم توافقه المرأةُ فتخلفت  فتسقط نفقتها ، فأما إذا أسلمت المرأة أوّلاً، فإن جمعهما الإسلام في العدّة فالمذهبُ أنها تستحق النفقة؛ لأنها مُحسنَةٌ بالإسلام والزوج هو المتخلف ، وفيه وَجهٌ بعيدٌ، أنها لا تستحق؛ لأنها أحدَثت سَبَبَ المنع في تلك المدة ، فأما إذا أصرَ الزوج حتى انقطع النكاح قال الأصحاب: الصحيح ثبوت النفقة؛ لأنها أحسنت في إنشاء  الإسلام فلا تسقط نفقتها ، وحكوا وجهاً في أنها لا تستحق  وزيَّفُوه ، والقياسُ أنها لا تستحق؛ لأنها بائنة، وقد تَبيّن انبتاتُ النكاح فلا يَظهَرُ لإيجاب النفقة مأخذ \rقال القاضي (مأخذ التردد)  أن المُسلمة في مدة العدة كالرجعيّة أم كالبائنة ، منهم من قال: كالرجعيّة إذ الزوج قادرٌ على تقرير النكاح بالإسلام ، ومنهم من قال: إنها بائنةٌ ","part":1,"page":144},{"id":1123,"text":"قال الإمام: وهذا البناء لا وجهَ له، فإنها بائنة إذا أصرّ الزوجُ فقد  تبيّنَا البينُونة، ولذلك لو طلقَها، ثم فُرض الإصرار على الاختلاف تبيّن أن الطلاق لم يقع بخلاف الرجعيّة فإن الطلاق يلحقها كيف! وإسلامُ الزوج وصف يقتضي حُكماً، وَلَيسَ تصرفاً في النكاح حتى يكسبُ العدة وَصفاً ، ثم ينبغي أن يُقطع إن صَحّ هذا القياس، بأن المرأةَ إن كانت هي المُتخلِفة فحكمُها حُكم البائنة؛ لأنه لم يبق للزوج قدرَة، ومعلومٌ أن وصف العدة لا يختلف بتقدمها وَتَأخرها \rفرعان: في الاختلاف إذا فرعنَا على أنها إذا تخلفت ثم أسلمت لم تستحق (النفقة)  في مدّة التخلف فلو تنازعا، فقال الزوج: تخلفت عني ثلاثين يوماً، وقالت المرأة: بل (عشرة أيام) ، فالقول قوله؛ لأن النشوز بالتخلف ثابتٌ فعليها إثباتُ الارتفاع ","part":1,"page":145},{"id":1124,"text":"الثاني: لو تنازعَا في السبق إلى الإسلام فقال الزوج: أنا السابق، وقد تخلفتِ وسقط حَقُّك بالتخلف في مُدَّة [التخلف] ، وقالت المرأةُ: لا بل أنا السابق ، فالقول قول المرأة؛ لأن النفقة ثابتة، وَعلى (الزوج إثبات النشوز عنه) ، وَحَكى العراقيون وجهاً: إن القول قوله؛ لأن الأصل استمرارها على الشرك [وهذا يعارضه أن الأصل استمراره على الشرك]  فيتعارضان، ويبقى أن الأصل وجوب النفقة ، نعم ينقدحُ ما قالوهُ فيما إذا كان وقت إسلام الزوج متفقاً عليه، وكان في أوّل يَوم الاثنين مثلاً فقال الرجل: أسلمتِ بعدي، وقالت: أسلمتُ قبلك، فينقدح أن يُقال: الأصل استمرارها على الشرك ، فأما إذا تنازعا في المهر وذلك متصَوّر  قبل الدخول، فقالت المرأة: أسلمتَ أوّلاً وبقي لي شطر المهر، وقال  الرجل: أنتِ أسلمتِ وسقط كمال المهر، فالقول قولها؛ إذ  الأصل بقاء المهرِ   ولو تنازعَا في النكاح، فقال الزوج: أسلمنا معاً (فالنكاح مُطردٌ) ، وقالت المرأة: أسلم أحَدُنا قبل الآخر وانقطع، فالقياسُ أن القول قول الرجل؛ لأن الأصل بقاء النكاح والمرأةُ تدعي انقطاعه ، ومنهم من قال: القول قولها؛ لأن التوافق في الإسلام بعيد نادرٌ ، ويبتني (على هذا)  أن المدَّعِي مَن الظاهر معه [أو المُدَّعِي]  من يُخَلَّى وسكوته ، وما  يخفى وَجهُ البناء\rعلى مُتأمِّل \rالقسم الثاني: في الصداق الفاسد:\rفإذا أصدَق الكافر زوجتَهُ خمراً أو خنزيراً وَأسلما ، فإن كان قد قُبِض المهر لم تثبت المُطالبةُ في الإسلام بمهرٍ فقَد استقرّ ذلك الأمر قراره، وإن لم يقبض فلهَا المُطالبةُ بمهرِ المثل في الإسلام، هذا قانون المذهب ، وحكى صاحبُ التقريب نقلاً عن سير  الواقدي نُصُوصاً مضطربة ، واستخرج من مجمُوعها طريقين:","part":1,"page":146},{"id":1125,"text":"أحدهما: أنه إن قُبِض فلا مهرَ لها في الإسلام، وإن لم يقبض ففيه قولان ، ووجهُ المنع أنها رضيت بالخمر، ثم (عسر عليها)  المُطالبة فسقط حقها \r(الطريقة الثانية: أنها إن لم تقبض)  فلها المُطالبةُ، وإن قبضت  فقولان ، ووَجه التسليط أن قبض الخمر وجوده كعدمهِ؛ إذ لا حُكم له، والنكاح قائمٌ في دوَامهِ فلابدّ من مهر حتى لا يعرى الوطء عنه ، والصحيح ما ذكرناه ، ولا تفريع على\rهذا إلا  النقل الغريب، وإن فرع [على ذلك]  فلا ينبغي أن يجري (على\rتفاصيلهم)  في الخُمور، والخنازير ، والربويات، بل يقضي بأنهم  إذا أسلموا\rبعدَ  التقابض لم يمتنع  شيء من ذلك، وإن جرى قبل التقابض نُقض ولم ينفذ، وكذلك لو أتلف بعضهُم خمر  بعض ثم أسلمُوا قبل الغرم فلا يغرَّم، ولو كان بعدَ الغرم بالتراضي فلا يستردّ ، وإن  كان بعد الغرم قهراًً [من جهة الحاكم فوجهان، والأصح أنه لا يسترد؛ لأنا لا نتتبع ما مضى ، ووجهُ الاسترداد أن لا نَتْبع ما جَرى تراضياً، وهذا جَرى قهراً] ، وهو باطل في اعتقادنا ، وهذا الخلاف جار فيما إذا ترافعوا إلينا ورَضُوا بحُكمنا بعدَ جريان الغرم على هذا الوجه، ومن أصحابنا من خصّص الخلاف بمسألة الترافع في الكفر، ولم يطرُده  في الإسلام ، وهو غير متجه في المعنى بحال من الأحوال\rفرع: لو أصدقها ثلاثةً من الكلاب وخنزيرين وزق  خمر  فقبضت  الكلابَ دون الباقي فمهما فرّعنا على الصحيح قضينا بأنه يُطالب ببعض مهر المثل دون البعض، فما طريقةُ  التوزيع فيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنا ننظر إلى الجنس فنقول: قبَضَ الثلثُ\rوالثاني: أنا ننظر إلى العدَد فنقول: قبض النصف","part":1,"page":147},{"id":1126,"text":"والثالث: وهو الصحيح أنا ننظر إلى القيمة، ونُقَدّر لها قيمةً، ونوزع  عليها  ولا خلاف في أنه لو كاتبَ عبدَه على عوض فاسد، وَجرى القَبض في بعضه فإذا أسلم لزم تمام القيمة وَلا يُعتد بما جرى؛ إذ حُكمُ الكتابة تعليق العتق فيها بأداء  النجوم فلا يحصل بسبب أداء البعض شيء من العتق، فلا حُكم له \rالقسم الثالث: في ترافعُ الكفار إلينا:\rونرى  أنه يجوز لحاكمنا أن يَحكم بينَهم بالحق ويستتبعهم، وَهل يجب ذلك عليه فإن كان أحد الخَصمين مسلماً وَجب ذلك سواء كان مدعياً أو مدّعى عليه؛\rإذ يجب أن ينتصف لهم من المسلم  كما ينتصِف منهم ، وإن كانا ذمّيين\rففيه قولان:\rأحدهما: لا يجب؛ لقوله تعالى:        \rوالثاني: وهو الأصح أنه يجب ، والآية لم تنزل في أهل الذّمة؛ وإنما أَوجبنَا\rلأنا التزمنَا الذَبّ عنهم ، وفيه دفع الظلم، ولا يتمّ ذلكَ إلا بتقرير صاحب البيّنة\rعلى حقه ","part":1,"page":148},{"id":1127,"text":"فأمّا إذا كانا مختلفي المِلَّةِ فالذي ذهب إليه المحققون وجوبَ الحُكم؛ لأن ذلكَ يؤدِي إلى قيام النزاع بينهم أبدَ الدهر؛ إذ لا يجمعهما حاكم ، وَحكى العراقيون طريقة في طرد القولين ، فأمّا المعاهدون إذا تنازعُوا فلا يجب الحُكم بينهم [أصلاً وإن كانوا مختلفي الملة  فإنا لم نلتزم الذب عنهم بل التزمنا الانكفاف عنهم] ، ومن أصحابنا من طردَ الخلاف في مختلفي الملة ، وهو بعيد في المذهب ، والقياس أنه  لا يجبُ عليهم الحُكم لهم، ويمكن أن نتلقى هذا من أصل، وهو أنهم إذا تنازعوا وشهرُوا السُيُوف فهل نمنعهم (عن ذلك أو نتركهم يصطدمون)  ويتقاتلون، منهم من قال: نتركهُم (ومَا لنا والخوضُ في أمرهم) ، ومنهم من قال: نمنعهم؛ فإن السيُوف إذا شهرت أثارت الفتن فعلى هذا يتجه أن يُحكم بينهم كيلا يفضي بهم النزاع إلى اصطدام  وتنازع محذور ، ويتفرع على هذه القاعدة أن الواحد منهم إذا استعدَى على خصمه يجبُ إعداؤه على قولنا: يجبُ الحكم لهم، ثم إذا حضر خصمه وَلم يرض بالحُكم لم يُحكم عليهم ؛ فإنا إنما نحكُم عليهم إذا رضُوا بحكمنا، وإن  قلنا: لا يجب  الحُكم فلا يجب إعانةُ  المستعدى ، ولا خلاف في جَواز الحكم عليهم، وإنما ما ذكرناه كله في الوُجوب، ثم يستتبعهم في عقائد أهل الإسلام ، (وفيه اختلاف)  الأصحاب في مسألتين:\rأحدهما: أن المجوسي إذا طلب فرض نفقة المجُوسية ، منهم من قال: لا نجيبهم ؛ لأنها محرمة على الكفار والمسلمين جميعاً، والمفسد قائمٌ فصار كما إذا طلب نفقة محَرّمة  فإنا لا نحكُم به قطعاً \rومنهم من قال: نحكم، وهذا القائل كأنه يقول: المجُوسيّة محَرّمة على المسلِم  لا على الكُفَار \rالثانية : أنهم إذا طلبوا نفقة محرم فلا نفرض النفقة ، وَهل نُفرِّق  بينهما","part":1,"page":149},{"id":1128,"text":"منهم من قال: نُفرِّق ؛ لأنهم اعترفوا بذلك فصار كما إذا أظهروا خمورهم ، ومنهم من قال: لا يصح ، وهو الأصح؛ لأنا لا نتعرّض لهم فيما يعتقدون جَوازه، ولكن لا نحكُم لهم  به ونكُفّ عنهم ، هذا تمامُ الغرض من أحكام  المشركات على ما فيه من الغمُوض والإشكال، وقد انتهى هذا القسم المعقود في بيان الموانع\rمن النكاح\rالقسم الرابع من أقسام الكتاب\rفي بيان ما يُثبت خياراً في النكاح\rوأسباب الخيار في النكاح أربعة أجناس فنعقِد في كل جنس باباً\rالبابُ الأول\rفي خيار العيب\rوفيه فصلان :\rالفصل الأول: في أجناس العيب\rومحل الاتفاق من  الأصحاب منها خمسة: اثنان تختَصّ بالزوج، وَهوَ الجبُّ والعُنَّة، واثنان تختص بها، وهوَ الرتق والقرن ، وثلاثة تثبتُ على الاشتراك، وهو  البرص  والجذام  والجنون ، ونعني بالجُذام ما استحكم وأخذ (العضو)  في التقطع، قال الإمامُ: إذا  أسوَدّ العضو، وَعُلِم أنه لا يقبل العلاج يحتمل أن يقال: يكفي  ذلك، وأما البرصُ فأوَائل الوضح لا يكفي ما لم يستحكم البرصُ ، وأما الجنون فلم يفرقوا فيه بين ما يقبل العلاج وبين ما لا يقبل، بل أطلقوا القول بكونه مثبتا للخيار ،\r(وللنظر فيه مجال) \rوأما الجب فنعني به الاستئصال، فأما إذا  قطع الحشفة [فلا يثبت الخيار، وإن كان الباقي دون الحشفة]  فالخيار ثابت، فإن ذلك لا مبالاة به ، (فهذا)  هو القول في أوصاف هذه العيوب، وقد اختلف أصحابنا وراء هذا في أمرين:\rأحدهما: أن (البخراء  أو الصَّنّاء  أو العِذْيَوْط )  إذا كان ذلك  مما لا يقبل العلاجَ هل تردّ بالعيب المشهور أنه لا يُرَدُّ، (وأن لا يُزاد)  على\rالخمسةِ ، وعن زاهر السرخسي  أنه أثبت الخيارَ في هذه العيُوب الثلاثة ","part":1,"page":150},{"id":1129,"text":"وأما القاضي حُسين فإنه اتسعَ [في]  الباب وقال: لا توقيف حتى يقتصر الخيار على (عيوب الخمس) ، ولو أمكن الاقتصار على ما يمنعُ الجماع كالرتقِ والقَرن وَالجبّ وَالعنة لكان له منهاجٌ، فإذا أثبتنا بالجُذام وَالبرص فلا مأخذ له إلا العَيافة، فيطرد القَياس في كل عيب متفاحش يَكسِر سوْرَة التَوقان ، ويورثه عَيَافة تمنَعه من الاستمتاع حتى قال: قد يفرض آحاد عيوب لا يثبت الخيار بها وَلكنها إذا اجتمعت أورث مجمُوعها  عيافة عَظيمة، فيثبت  الخيار بِها ، وهَذَا منه تشُوف إلى إلحاق النكاح بالبيع في إثبات الخيار عند انخرام المقصود، وَهوَ قياس ظاهرٌ لكنه يُخَالِف المذهب ، وتقرير إلحاقه بالبيع سهل فإنه لا ينفصل عنه إلا في خيار الرؤية، وَخيار الشرط, وَخيار المجلس، ووجه انفصاله أن البيع يجري بغتة وفجأةً فجرت هذه الأنواع ذريعة\rإلى دفع الخلابة ، والنكاحُ (منشأٌ بعدَ التروِّي فلم تَلِق)  تلك  الأنواع\rبموضوع النكاح \rفأما ما يخرم  المقصود إذا ثبتَ أنه مؤثر كالبرص والجذام، فليجرِ في\rسائر العيُوب \r(المسألة الثانية) : أن أحد الزوجين لو  كان خُنثى فهل يثبت الخيار فيه أربعَةُ أوجه :\rأحدها : لا؛ يثبت إذ لا معنى له إلا زيادَة سَلْعة  من المرأة، وزيادة ثقبه من الرجل؛ وذلك لا يمنع الاستمتاع \rوالثاني: أنه يثبتُ؛ (لأنه أمر شنيعٌ)  في نفسه فاحشٌ وقد يورثُ منعاً \rوالثالثُ: أنه إن انكشف الحال بأمر محسوس لا يُتمارى فيه كالإحبال \rوَالعُلُوق  وما يجري مجراه فلا خيارَ، وإن كان بعلامة تُورِثُ ظناً فيثبتُ الخيار؛ فإنه لا يؤمن عَاقبته \rوالرَابع: (إن ما ثبت بأمرٍ محسوسٍ)  أو بعلامة فلا يجوز الهجُوم على رَده،\rوإن ثبت بإقراره، (أو إقرارها)  جاز الرد هذا تصويرٌ العيُوب ، وَفي العُنَّة كلام نفردهُ بباب","part":1,"page":151},{"id":1130,"text":"نقُول  الآن هذِه العيوب إن اقترنت بابتداء العقد أثبتت الخيار من الجانبين \r خلافاً لأبي حنيفة، فإنه لم يثبت له الخيار قط ، [ولم يثبت لها إلا بالجَبِّ\rوَالعُنّة ، وإن كانت هذه العيوب طارئة ثبت الخيارُ لها] ، إن كان\rقبل المسيس ، وإن كان بعده فوجهان \rوَأما العُنَّة فلا يثبت خيارها  بعدَ الوطء؛ لأن اليأسَ لا يحصُل به ، وسيأتي مأخذ التردد في باب العنين \rوَهل يثبت الخيار له، فيه قولان:\rأحدهما: وهو اختيار المزني أنه يثبت؛ إذ لا يُفَارقها إلا في التمكن من الطلاق، وهو جارٍ  في الابتداء، ثم استويا \rوَالثاني: أنه لا يثبت؛ لأن العقدَ إذا سَلِم فإثباته بأمر يَطرأ بعيد، وَلكن أثبتناه في حق المرأة؛ فإنها مضطرّة إلى التحصن به، ولا سبيل لها سوى ذلكَ، ولا  تتحصن معَ حصول اليأس، وأما الزوج فيقدر على الطلاق، وعلى التحصن  بغيرها \rفأما أولياء المرأة فهل يثبت لهم الخيار بعيوب الزوج إن كان طارئاً لم يثبت، وإن كان مقارناً فثلاثة أوجه:\rأحدُها: أنه يثبت؛ لأنهم يتعَيَّرون به \rوالثاني: لا؛ لأن ذلك يختَصّ بالاستمتاع، وخصال الكفاءة قد سلمت \rوالثالث: أنه لا يثبت لهم الخيار، (إلا بما)  يكون في ذلك عاراً  عليهم كالجب والعِنَّة، ويثبت بالجنون وغيره ","part":1,"page":152},{"id":1131,"text":"قال العراقيون: يثبت بالجنون ولا يثبت (بالجب والعنة) ، وفي البَرصِ والجُذام وجهان ، وهذا أقربُ الطرق، [(ونقَلَ الأصحاب عن الشافعي رحمه الله)  أنهُ لو نكح امرأة على [ظن]  أنها مسلمة فإذا  هي كتابيّة يثبت  له الخيار، وإن ظنها حُرة فإذا  هي رقيقة لا يثبت ، فاختلف  الأصحاب، منهم من قال في المسألة  قولان نقلا وتخريجاً ، ومنهم من قال: لا خيار في الموضعين، وحَمل  نصَّ الشافعي في الكتابية على نقل مذهب الغير ، ومنهم من أقَرّ النصَّين، وفرق بأن الكتابيَّة لا تلتبس بالمسلمة ووَليها كافر إلا [أن]  يُقصَد التلبيس  فهو جدير بأن يكون تغريراً، والتغرير سَبَبٌ  لإثبات الخيار كما سنذكره ، (وأما الرقيقة فتشبه بالحُرة فلا سبيل)  إلى تلبيس \rقال الإمام: مأخذ هذا التردُد أن (الكفر والرق هل يلحقان) \rبالعيوب المثبتة للخيار  وأحد  القائلين يلحقه به؛ لأن الضرار فيه يبلغ\rمبلغ الضرار في البرص \rوالثاني: لا، لأن الاستمتاع بكماله مُمكن من غير عيافة  \rوالثالث: (الفرق)  بأن الكفر يورث نِفاراً والرق لا يورث؛ ولذلك لا يمنع \rالطباعَ عن التسري  (فمأخذه)  هذا النظر إلحاقه بالعيوب، (وهذا أوجه)  على\rمذهب القاضي حسين [حيث]  اتسع في العيوب، ولم يضيق فيها المجال]  \rالفصل الثاني: في أحكام الخيار\rوَمِن أحكامِه أنه يثبت على الفور، (كخيار الرَدّ)  بالعيب في البيع من غير فرق ، ثم إن رضيت المرأة بالعيوب فذاك، وإن فسخت وكان قبل المسيس فلاحِقاً بسقوطِ المهر، وَكذلك إذا فسخ الزوج، وليس هذا كما إذا ارتد؛ لأن هذا مما يستند إلى أصل العقد، فكأنَّ المعقودَ عليه لم يُسَلَّم من أصله ، فأما إذا كان بعد المسيس فالكلامُ في المهر، والنفقة، والعدة، والرجوع بالمهر","part":1,"page":153},{"id":1132,"text":"فأما العدة فواجبة، وأما المهرُ المسمّى فساقط، هذا هو المنصوص عليه؛ لأنه عيبٌ استندَ  إلى أصل العقد، ثم يجبُ عليه مهر المثل للوطء الذي استوفاه ، وخُرِّج قولٌ من الرِّدة أن المُسمّى يتقَرّر؛ إذ المنصوص في الردة أنّ المسمّى يتقرَّر، وخُرِّج في الردَّة قول أيضاً أن  المسَمّى يسقط، والمنصوص الفرق بين المسألتين  [لما]  نبهنا عليه من استناد الفسخ بالعَيبِ إلى أصل العقد ، ومن قرّر المُسمّى اعتمد على أن الوطء جرى في العقد (مقرّراً للعِوض)  لا سيما وليس من إيجاب المهر بدّ فإثباتُ  المُسمّى أولى من إثبات مهر المثل ، هذا فيه إذا كان العيبُ مقارناً ، فإن كان العيب طارئاً ففي سقُوط المُسمّى ثلاثة أوجه بعد التفريع على المنصوص ، أحدها: السقوط؛ طرداً لقاعدة الفسخ، فإن مقتضاه الترادُّ في العوض؛ ولأن ذلك استند  إلى أصل العقد ، وهذا ما [لا]  ينبغي أن يعول عليه، فإن حُكم الفسخ لا يختلف بأن يكون صادراً عن الردِّة، أو عن العيب في اقتضاء التراد في العَوضين\rوالثاني: أنه يثبت المسمى؛ لأنه لم يستند الاستحقاق إلى حالة العقد إذا  كان سليماً حالة العقد \rوالثالث: أنه ينظر فإن طرأ  قبل المسيس سقط المسَمَّى، وإن طرأ\rبعدَ المسيس فقد جَرى استيفاء الوطء في حالة السلامة، فيوفر  العوض على\rسَلامةٍ فليقرَّر  المعَوَّض ، أما العدة فواجبة، وأما النفقةُ  فلا تثبت\rلها إن كانت حائلاً، وكذلك لا سُكنى لها ؛ لأن إسقاطها (أهوَن من إسقاطِ\rالمهر) ، وقد أسقطناه في ظاهر المذهب ، وإن كانت حاملاً ففي وجوب النفقة قولان ، بناءً على أن النفقة للحمل أم للحامل فإن قلنا للحاملِ فإنما يثبت لها بحضانة  الولد مُستندةٌ إلى التزام النكاح، ولوازم أن النكاح ساقطة عنه  في صورة العيب، وإن أثبتنا النفقة للحمل فيثبت هاهنا ","part":1,"page":154},{"id":1133,"text":"أما الرجوع بالمهر على الولي إذا غرم مهر المثل أو المسَمَّى فقولان :\rأحدهما: وهوَ القياس أنه لا يغرم إذ لم يصدُر منه إلا تعاطى العقد، وهذا\rلا يُوجبُ رُجوعاً \rوالقول الثاني: أنه يرجع، وكأنّا نقَدّره غاراً  بترك التنبيه على العيوب ، وَمُستنده أثرُ عُمر [بن الخطاب ]  قال عمر بن الخطاب : (وعليه المهر، وما بذله فهو غُرْم له على الولي) ، والوجه طردُ القياس وتقديمه على مذهب عمر  ، ثم إن فرَّعنا على هذا القول فهل نشترط أن يكون الولي  مَحْرَماً حتى يُنْسَب إلى تقصيرٍ بترك التنبيه ؛ إذ الأجنبي معذور في عدم الاطلاع فقولان  بنوا  على هذا أنَّ علم الولي هل هو شرط لتغريمه حتى يكون منتسباً إلى تدليس فمنهم  من قال لا يشترط؛ لأنه مقصر بترك البحث ، ومنهم من اشترط العلم ، فأما إذا كانت هي الغارَّة، فيقتضي  هذا القياس أن يكون الرجوع عليها فنتيجته أن لا غرم؛ إذ كيف يغرم لها ثم يَرجع عليها! نعم نُطلق القول بالوجوب والسقوط أم يُقْضَى بأنه لم يجب فيه تردد يضاهى التردد في تزويج السيِّد الأمة من العبد ، ثم إذا قلنا بأنه  لا يغرم فهل يُسَلِّم إليها مقدار ما يستحل به البضع، وهو أقل ما يتموّل حتى لا يعرى البضع عن (عوض وجهان) :\rأحدهما: لابُدّ من ذلك تعبداً \rوالثاني: أنه لا يشترط؛ لأن استحقاق الرجوع لا يختص بالبعض، فهذا القدر\rأيضاً إذا سُلِّم ينبغي أن يثبت الرجوع به فلا فائدة في تسليمه، ولا معنى لتخصيص الرُجوع بالبعض  هذا  فيه إذا كان العيبُ مُقارناً، فأما إذا كان طارئاً فلا\rرُجوع على الولي قولا واحداً؛ لأنه ليس ينتمي إلى تقصير بحال من الأحوال   هذا تمام الباب واختتامه بذكر مسألة ، وهُوَ أن الأصحاب ","part":1,"page":155},{"id":1134,"text":"(أجمعُوا على)  أنه لو زوج الولي المرأة برضاها من مجهُول على ظن الكفاءة، ثم بان خلافه لا يثبت الخيار؛ لأن  الكفاءة ليست غالبة ونقيضها ليس عيباً، وإنما فواتها كفوات (الفائت من المبيع)  \r\rالباب الثاني\rفي خيار الغرور \rوفيه فصلان:\rالفصل الأول: في مجاري الغرور\rوَهي ثلاثة:\rأحدها: التغرير بالنسب، وله حالتان:\rإحداهما: أن تكون هي المغرورة، (بإن)  قال الزوج: أنا قُرشيٌ ثم أخلف الشرط ففي صحّة العقد أوّلاً قولان يجريان في كل شرط يقترن  بالعقد إذا أخلف أحدُهما: وَهُو القياسُ الصحة كالبيع إذا فات فيه الوصف المشروط، كما إذا باعَ بشرط أن يكون كاتباً \rوالثاني: الفساد، وهوَ بعيدٌ، ووَجههُ أن مقصوُد النكاح يعتمد الأوصاف ففواتها كفواتِ الأصل في البيع، وهو  فاسدٌ لا خفاء به ، وربما (قُرِّب بما)  إذا أشارَ إلى بقرةٍ، وقال بعتُ هذه الرَّمَكة  وفي صحة العقد قولان، وهو بعيد أيضاً؛ لأنهما جنسان مختلفان، وفي مسألتنا الزوج تَعَيَّن ، وإنما الإبهام في صفته ، فإن فرّعنا على الصحيح  فهل يثبت لها الخيار نُظر  إن كان الزوج دُوْنَها ثبت لها الخيار ، وإن كان مثلها أو فوقها وهو دون المشروط فقولان:\rأحدهما : لا يثبت لانتفاء  الضرر \rوالثاني: أنه يثبت للخُلف في الشرط؛ فإنها رضيت بهذه الشريطة، فضاهَى الخلفُ في البيع، وهذا تَرَدَّدَ في إلحاق النكاح بالبيع، أو قَطْعِه عنه ، ثم لابُدّ من التنبُّه لشيئين:\rأحدهما: أنه لا خيار للأولياء إذا كان مثلها أو فوقها وإن كان دونها ورضيت هي فللأولياء الاعتراض \rوالثاني: أن قَوْلَي صحّة العقد لا تبتني على هذا التفصيل (فمهما فات) \rالمشروط من نقصان إلى كمال أو على نقيضه جَرى الاختلاف، ووَجهه بيِّن ","part":1,"page":156},{"id":1135,"text":"هذا  فيه إذا كانت هي المغرورة، فأما إذا غُرَّ الرجُل منها  فتجري القولان في صحة العقد، وتجري القولان في الخيار على قول التصحيح، سواء كانت مثله أو دونه ؛ إذ لا ضرار  عليه في خستها فضاهى  ما إذا غُرَّت المرأة وكان هو مثلها ودون الشرط فمأخذ التردد إثبات [خيار الخلف] ، ورتَّب الشيخ أبو محمد القولين فيما إذا كانت دونه على ما إذا كانت مثله؛ لأن المفاخرة  بالاتصال بالشريفة  مما لا ينكر على الجملة ، ولهذا لا يجُوز للولي أن يزوج خسيسَةً من وَلدِه الشريف على قول\rكما ذكرناه \rالمجرى الثاني: التغرير بالدِّين، وذلك لا يُتصَوَّر فيهما  فإن المسلمة لا ينكحها كافر، فأما إذا غُرَّ الرجل بإسلام امرأة فإذا  هي كتابية فالقولان في صحةِ العقد جاريان، وَعلى الصِّحة إن رأينا الكفر عيباً فلا خفاء بالخيار، وَإن لم نرهُ عيباً فقولا خيار الخلف جاريان \rالمجرى الثالث: (التغرير بالحرّية) ، وذلك إن كان منه، وكانت هي المغرورة ثبت الخيارُ لها في ظاهر المذهب بعد التفريع على الصحَّة؛ لأن الضرارَ يعظمُ في الرق، وكيف لا! والأمة إذا عتقت تحت عبد فلها الخيار ، نعم إذا كانت أمة فالعبد مثلها  فيخرج على القولين فيه إذا ظهر الزوج  في مسألة الغرور بالنسب مثلها، وهاهنا أولى بثبوت الخيار إذ في رقه ضرار يتعلق بالنفقة، ويرجع  إلى السَيِّد، ثم هذا الخيار يثبت للسيد إذ إليه يَرجع الضرارُ  في النفقة؛ ولأنها مجبرة على التزويج من العبد ، فأما إذا كان الزوج هو المغرور بحرّية أمةٍ فلا يتصَوّر ذلك من السيد، فإنه لو قال: زوجتك هذه الحُرَّة نفذت الحرّية وإنما يتصوّر من  وَكيلهِ ، فإذا جرى فالذي ذكره الأئمة أن الزوج إن كان حُراً وقضينا بصحة العقد على الصحيح ثبت له الخيار، وذكر (العراقيون وصاحبُ التقريب)  ثلاثة أقوال:\rأحدها: أنه يثبت؛ لظهور الضرار في رق الولد ","part":1,"page":157},{"id":1136,"text":"والثاني: أنه لا يثبت؛ لأن  الطلاق بيده، والفسخ لا يثبت إلا عند\rالضرورَة  \rوالثالث: أن الزوج إن كان حراً ثبتَ الخيار، وإلا فلا يثبت؛ لأن الأمة لائقه به (وهي مثله)   وهذا يستمدُ من الفرق بين أن (تظهر مثل الزوج، أو دونه، فهذا)  تمام الغرض، واختتامُ الفصل بأمرين:\rأحدهما: أن الفسخ بحكم الغرور كالفسخ بحُكم العيب (في النفقة) ، والسكنى، والعدة، والمهر، والمتعة  ، نعم ظهَر الاختلاف في أن الزوجَ هل يرجعُ بالمهر على الغَارِّ وفيه قولان:\rمنهم من قال: يَرجع  كما يَرجع بقيمة الولد على ما سنذكره ، وهذا أوجه من الرجوع على الولي في خيار العيب؛ لأن ذلك يستندُ إلى أثر عُمر  ، وإلاّ فلا تغرير من الوليّ، وَهاهنا قد جَرى تغريرٌ\rوالثاني: أنه لا يَرجع؛ لأن المهر وَجبَ بوَطئه وَهوَ استهلاكٌ من جهته، (واستيفاء للمنفعة، وَالغرور بسبب لا يبينَ)  أثرهُ مع مُباشرة الإتلاف في حُكم الضمان \rالثاني: أن الفصل يُرَدّ  على التغرير، فلابُدَّ من تصويره، وَلاشكَّ في أنهُ لو جرى مقترناً بالعقد فهو مُؤثر كما ذكرناه \rفإن  تقدَّم\rقال بعض أصحابنا: لا أثر له؛ فإن ذلكَ لم يَجر في معرَض الشرط فأشبه\rشرائط البيع ","part":1,"page":158},{"id":1137,"text":"قال الإمام: وَهذا  ضعيف ؛ لأن الاقتران بالعقد إنما يَرْعى في [الأكثر]  الالتزامات، وَالمناقبُ غير مُلتَزمةٍ (وَظنّ كونها إنما يلزم بالإلزام الصريح، والإلزامُ)  يجرى حالة العقد ، أما الرجُوع بالمهر وَالولد على ما سنذكره  يستند إلى الغرور فلا ينتفي  أن يخصَّص بحالة العقد، وَكيف!  وقد قال الشافعي: لو كان الغَار هي الأمة فحُكم الغرور ثابت ، فالأمة  ليست عاقدة حتى يتصور اقتران تغرير  بالعقد، فالاعتمادُ  في هذا على تحصيل الغرور وَإن تقَدّم وَلذلك نقول: إذا قَدَّم طعاماً مغصُوباً إلى إنسان فتناوَلهُ غَرِم المقدِّم على أحد القولين بمحض التغرير وَلم  يجر التزامٌ وعقدٌ ، وهذا الذي ذكره الإمام ينقدح في حُكم الرجُوع، ولا ينقدحُ في فساد العقد وَصحته إذ ذلك يتلقّى من تأثير الإيجاب والقبُول بهِ، وقد صَرَّح بهذا \rأما الخيار وإثباته فينبغي أن يخصّص  أيضاً بما إذا اقترن، فإن تقدَّم فليسَ يلوحُ بينهُ وبين ذكر الكتابة في البيع ، قبل جريان البيع ، فرق (فإذا تمهد)  هذا الأصل فنقول: إن جرى ذكر الحرية في معرض الترغيب والتغرير قبل  العقد، ثم جرى العقد على قُرب فهذا تغرير محقق، وإن جرى لا في معرَض الترغيب وتطاول الزمان إلى جريان العقد فليسَ تغريراً ، وإن جرى في معرض الترغيب وتطاول الزمان، أو جرى وفاقاً وقرب الزمان، فهذا محل  التردُد ، هذا تمام والغرض من  هذا الفصل\rالفَصْلُ الثَّاني: في أحكام الولد\rإذا جرى التغرير بالحرِّية وَلهُ أحكام:\rأوَّلها: أن الولد ينعقد على الحرية إذا جرى العلوق به قبل انكشاف الحال، وَهذا متفق عليه؛ لأنهُ ظن الحرِّية فأتْبِع مُوجِبَ ظنهِ، ثم نحن لا نفرِّق بين الحُرّ والعبد؛ إذ وَلد الحُرّ من الرقيق لا ينعقد حراً في صُورة الغرور لحريته ، وإنما هُوَ لِظَنِّه، وَالعَبدُ يُسَاويه فيه ، وَفرَّق أبو حنيفة بينهما ","part":1,"page":159},{"id":1138,"text":"الثاني: حُكم القيمة وَهي لازمَةٌ  على الزوج ، وَسببه في المعنى أنَّ رِق الأمةِ يقتضي لا (مَحالة)  رِق الولد، فاندفاع الرق بِظَنِّه، وهو وصْفٌ (فيه فكان)  محالاً عليه حتى يُنَاط به الضمان ، ثم إنما يجب عليه قيمته إن  انفصل حياً باعتبار يوم الانفصال؛ إذ ما قبل ذلك لا يُمكن اعتباره ولا يظهر له قيمة، وَلو انفصل منها  مَيِّتاً فلا شيء عليه؛ لأنه لم يثبت تفويته  حتى يتبَيَّن تفويت رِقٍّ يُقَوَّم  \rوالثالثُ : أنه إذا غرم رَجع بقيمة الولدِ على الغَارِّ  (وفي المهر)  قولان كما مضى ، وقد قضى به عُمر  ، ووَافقه عليه العلماء، وسببه أن الحُريَّة تحصل  بِظَن الحُرِّية، وَهوَ الذي نَشَّأَ الظن فقد  حصلت الحرية بسببين فأحيل على\rالسبب الأول \rالرابع: في وقت الرجوع ولا يرجع مَالم يغرم ، وكذلكَ الدية المضروبة\rعلى العاقلة بشهادَة الشهود [يغرمونها]  (بعد موتهما)  ويَغْرم [الشهود] \rلهم ذلك إذا رجعوا، ولا يَرْجِعُون قبل الغرم (وكذلك الضامن)  لا يُطالب\rالمضمون عنه قبل الأداء، هذا هو المذهب ، وفي الضمان وجهٌ بعيد\rنطردُه  في هذه المسائل \rالخامس: في محل الغرم: ومُتعَلَّقة الذِمة إن كان المغرور حُراً ، وإن كان عبداً ففيه ثلاثة أقوال:\rأحدها: أنه يتعلق بكسبه؛ لأنه من لوازم النكاح كالنفقة وَالمهر \rوالثاني: أنه يتعلق برقبته؛ لأن النكاح لا يقتضي قيمة الولد، وإنما هو لإتلافه بظن الحُرّية، فضاهَى الجناية \rوالثالث: أنه يتعلق بذمتِه؛ لأنه ليس جانياً، ولا متلفاً مُتَقَوَّماً، وإنما (هو لظن)  منه، وَحُكم من الشرع بحُرَّية، وتعلق تبعةٍ بهِ فضاهَى  ضمان العبد ، فعلى هذا لا يرجع مَا لم يعتق؛ إذ لا يغرم مَا لم يعتق  وَعلى القولين الآخرين  يثبُت للسَيِّد الرُجُوع قبل عتقهِ ","part":1,"page":160},{"id":1139,"text":"فأمّا المهر فإن  أوجبنا المُسمَّى فيَتعلق بكسبه؛ لأنه مهر نكاح، ونعني به إذا جرى الفسخ بخيار الغرور، وفرعنا على ثبوت الفسخ ، وَإن أوجبنا مهر المثل فيخرج متعلقَة على الأقوال الثلاثة، فيما إذا أذِن له في نكاح فنكح نكاحاً فاسداً ووَطئ ، وقد بيَّنا ذلك في باب الموَلَّى عليه في نكاح العبيد ، وَيظهر هاهُنَا التعلقُ بكسبه؛ لأن من يوجب مهرَ المثل يوجبه بحُكم النكاح، وَلكن  يُقيمه مقام المسمى لفقه  في الفسخ على ما ذكرناه، وَهذا النكاح مأذون فيه \rالسادس: في الرجوع  عليه: فإن كان حُراً وَهوَ وكيل السَيّد ثبت  الرجوع، وَلا يتصَوَّر ذلكَ في السَيّد؛ إذ الغرور منه لا يتصور كما تقدَّم ، وإن كانت هي الأمة بنفسها، فقد اتفق الأصحاب على ثبوت الرجُوع، وَإن ذلكَ يتعلق بذمتها، وَلا يتعلق بكسبها؛ إذ التعلق بالكسب من أثار الإِذن، ولا يتعلق برقبتها؛ لأنه من أثار الجناية بالإتلاف وَلم يُوجَد منها إتلاف، وَلكنها تلفَّظت بكلمة اغتَرّ  بها غيرها، فيرجع  إليها عُهدَته فكان في حُكم التزامٍ وَضمانٍ ، فأما إذا كانت هي الغّارَّة، وَلكن كانت مكاتَبَه فتُفارق الأَمَة في شَيئَين:\r(أحدُهما: أنا إن أثبتنا)  الرجُوع بالمهر فلا  يجب المهر هاهنا؛ إذ المهرُ لها، فكيف يغرمُ لها وَيرجع عليها! نعم هل يُسَلِّم إليها مقدار ما يُتمول كيلا يعرى الوطء عن مقابل فيه تردُد ذكرنا مثله في كتمان المرأة العيُوب \rالثاني: النظر في قيمة الولد في أنه هل تجب وذلك ينبني على أن وَلد المُكاتبة\rقنٌ للسَيّد أم مُكاتَبٌ  عليه فإن قلنا: إنه قنٌ فتجبُ القيمة وَيرجع عليها؛\rلأنه مصروف إلى السَيَّد، وإن قلنا: أنه مُكاتبٌ  فهي المصروف إليها، فلا يغرم لها أصلاً؛ إذ لو غرم لرجع \rفأما إذا كان الغرور من الأمة المزوَّجة، ومن وكيل السَيِّد  ففيه وجهان:","part":1,"page":161},{"id":1140,"text":"أحدهما: أنه يتخير في الرجوع على أيَّهما شاء إذ أتى كل واحد منهما  بما يستقل بنفسه تغريراً لو انفردَ به ، ومنهم من قال يرجع بالنصف عليه، وبالنصف عليها، إذا عتقت؛ لأنهما كالمشتركين في السبب \rفرع: قد بينا أن الولد لو انفصَل ميّتاً فلا غرم على المغرور؛ لأنه لو لم يُقَدَّر ظَنُّه لكان السيد  لا يتَحصّل على شيء بل يفوت حقه، وَلو انفصلَ [حيّاً يجب؛ إذ لو لم يكن ظَنُّه يُسَلَّم له الولد رقيقاً ، فأما إذا انفصل]  ميتاً بجناية جاني، فيجبُ على الجاني غُرَّةٌ عبدٌ أو أمةٌ مضرُوباً  على عاقلته؛ لأنه لا يجري إلا على صُورة شبه العمد ، وَهو مصروف إلى أب الجنين، وَهوَ المغرور ، وَإلى أم أم  الجنين، وَهيَ الجدَّة إن كانت، ولا يتصوَّر للجنين وارث مع وجود الأب سوى الجَدّة وهذا بيِّن  وَلهمَا  النظر فيما يجبُ على المغرور للسَيِّد ولابد من إيجابه، فإن الولد لو  انفصَل مضموناً فكأنه انفصَل حيّاً؛ إذ لو لا ظَنَّه لَسَلِم للسَيِّد عُشْر قيمَة الأُمِّ، فهو الواجب على الجاني على وَلد رقيق ، وقد اختلف أصحابنا هاهنا ، منهم من قال يجبُ عُشر قيمة الأم، وَهوَ اختيار القاضي؛ لأنه فَوَّت بِظَنِّه هذا القدر على السَيَّد؛ إذ لو لا ظَنَّه لَسَلِمَ له هذا القدر \rوالثاني: وإليه ذهب  الجمهور أنه يجبُ أقل الأمرين من عُشر قيمة الأم أو قيمة الغرّة؛ لأن سبب الوجوب وُجوب الغرة، فلا مزيد على الغرة، نعم إن زادت الغرة على العُشر فهي للمغرورِ؛ إذ هي زيادة بسبب حرِّية الولد، وَقَد تمَّ ضمان تفويت الحُرية بعُشر القيمة \rالتفريع: إن فرَّعنا على ضمان العُشْر فهوَ وَاجبٌ في الأحوال كلها من غير التفات إلى الفاضل  ، وإن فرعنا على أن الغُرة يُنظَر إلى قدرها فما لم تَسْلم لهُ الغرة لا يُطالبُه  السَيِّد بشيء، وَإذا كان معه جَدّة ولم يَسْلم له سوَى خمسة أسدَاس الغُرة","part":1,"page":162},{"id":1141,"text":"لا  يُطالب بما يزيد على هذا القدر، فَيُرعى  القدر بين العُشْر وبين خمسة أسداس الغرة ، هذا إذا كان الجاني هُو الأجنبي ووراء هذا أحوال:\rأحدها : أن يكون الجاني هوَ السيد\rوالثاني: أن يكون هو المغرور\rوالثالث: أن يكون الجاني عبد المغرور\rفإن كان الجاني سَيِّد الجارية فتغرم عاقلته الغُرَّة لورثة الجنين، وهوَ  الأب وَالجدة إن كانت، وَعلى مذهب الجمهور يغرم  المغرور للسَيِّد الجاني الأقل من الأمرين، وعلى اختيار القاضي يغرم له عُشر قيمة الأم، هكذا قاله القاضي ","part":1,"page":163},{"id":1142,"text":"قال الإمام: وفي  هذا نظر؛ لأن سبب وجوب [الغرة]  العشر فيما يراه ، وَهوَ المختار؛ إذ  ظنَّه فوَّت  عليه هذا القدر، وَفي هذا المقام التفويت حصل من السَيِّد (إذ لا)  يمكن أن يقال لو لا ظَنَّه لسَلم للسَيِّد هذا القدر؛ [فإنه لو لا ظنَّه لكان السَيِّد مُتْلِفاً، ولا يحصل على شيء، هذا]  ما ذكره الإمام ، وينقدحُ للقاضي أن يقول: إذا انفصل مضمُوناً على الجُملة لم ينفصل مهدراً، وَكان  ذلك سبباً لوُجوب الضمان، فإن وَجدَ من السيد جناية فمُوجبَها  الغُرّة، وَقَد التزمتها  عَاقلتُه، وأما الحُرِّية فهي ثابتة  قبل جنايته في تقدير ما يظنه  فَلْيَغْرم له؛ إذ لو لم نُقَدِّر حياةً  واندفاع رق  قبل الجناية لما كان لإيجاب الغُرَّة معنى  أمَّا إذا كان الجاني هُو المغرور فيجبُ على عاقلته الغُرّة لورثة الجنين، والأبُ محجوب؛ لأنه قاتل، وَلا يُحجب غَيره فَتَرِثه  إخوته وأعمامه وَمن وجد منهم ، ثم يغرَم المغرور على طريقة القاضي للسَيِّد العشر ، وعلى طريقة الجمهُور قالوا: الوجه أن تؤخذ الغُرّة من عاقلته، فإن (كانت)  مثل العُشْر أو دونه (صُرفت)  إلى السَيِّد، وإن (كانت)  أكثر منه سُلِّمت الزيادة للورثة، وَالباقي للسَيِّد؛ لأنا إذا كنا نتبع  الغُرَّة فلا يُمكن صرف الغُرّة إلى الورثة، ويضمن  المغرور، وَلم نُسلِّم له عُشره ، وَلا يُمكن مُطالبة الورثة بالقيمة، فهذا أقصد الطرق، ونُزِّل هذا منزلة مَا لو جنى على رَقيق فعتق وَمات، فَالواجبُ الدية، وَهي  الإبل، ثم يصرف مقدار القيمة إلى السيد، كذلكَ هاهنا، هذا ما نقله الإمام تفريعاً على هذا المذهب ، وفيه نظر؛ إذ قياس هذا المذهب أن  تُسَلَّم الغُرّة (للورثة ويغرم)  المغرور للسَيِّد أقل الأمرين من العشر، أو قيمة الغُرّة؛ لأنه فوَّت بظنِّه الحُرّية فكان ذلكَ سبب وُجوب الغُرّة  لورثة الجنين على عاقلته ","part":1,"page":164},{"id":1143,"text":"بقي  أن يقال: إذا لم تُسَلَّم له الغُرّة كيف يضمن للسَيَّد شيئاً! وَنحن على هذا المذهب نلاحظ الغُرّة فيقال: هُو الذي صَرف الغُرَّة عن نفسه بجنايته فكأنه استوفاها، وَسلمت له على (هذا التفريع)  ، وَليسَ هذا (كمسألة)  الرقيق إذا مات حراً؛ إذ الجناية (متحدة)  ولكن الأحوَال في (سريان)  الجناية اختلفت) ، هذا محل الإشكال ، فأما إذا كان الجاني (عبداً لمغرور) ، فإن كان سوى الأب وَارث تعلق حقهم  برقبته وحِصَّة المغرور  يستحيل أن تتعلق برَقبة عبده فكأنه استوفاه ، فيَجري الخلاف في الغرم على الوجه الذي جرى في الأجنبي ، وَلا يكون كما إذا جنى هوَ بنفسه؛ فإنه يُحرَم عن الميراث بالقتل ، وهاهنا حقه قائمٌ تقديراً، والله أعلم \r\rالبابُ الثالث\rفي خيار العتق\rوفيه فصلان:\rالأوَّل: فيما يُثبِتُ الخيار، وَمَن يثبت له الخيار\rوفيه مسائل:\rإحداها: أن الأمة إذا عتقت تحت عبدٍ ثبتَ لها الخيار، سواء كانت مُكاتبةً فزوجت برضاها، أوقنّاً  فزوَّجت قهراً ، والأصل فيه قضيَّة  بَرِيرَة  \rالثانية: إن عتقت تحتَ حُرٍّ فلا خيار لها ، خلافاً لأبي حنيفة \rالثالثة: إن عتق بعضها فلا خيار لهَا، وإن عتقت بكمالها وقد عتق من الزوج بعضه فالخيار ثابت، والقول الجامع: أن بقاء شيء من الرق في الطرَفين ككمال الرق، وبهذا (يبين أن)  لا خيار بالاستيلاد والكتابة، وَإن كان ذلكَ سبباً في العتاقة \rالرابعة : أنها إذا عَتُقت ثم عَتُق الزوج قبل علمها بالعتق، ففي ثبوت الخيار وَجهان مبنيان على العيب القديم إذا زال قبل الاطلاع، وَعلى الشفيع إذا باع نصيبه ثم شعُرَ بجريان البيع الموجب للشفعة، والأصح أنه سقط  الحق في الصُوَر كلها؛ إذ سبب الفسخ قد زال ","part":1,"page":165},{"id":1144,"text":"الخامسة : إذا طلقها الزوج قبل الفسخ، نُظر فإن كان رَجعياً فحقها قائم، ثم قال أصحابنا: إن فسخت نفذ الفسخ وبانت ، وَهل يفتقر إلى استفتاح عدة أخرى أم تبني على تلك العدّة فيه كلام، نبَّهنا عليه في نكاح المشركات \rفأمَّا إذا أجازت قَطَع الأصحاب بأنه لا تصحّ إجازتها ؛ لأنها لا تستفيد بالرضى بالمقام شيئاً، إذ لا حِلَّ في الحال، وهي صائرة إلى البينُونة ، وزعمُوا أنه لا يخرج على وقف العقود؛ لأن من يُجَوّز الوقف يُجَوِّزه حيثُ يكون المعقود عليه قابلاً للعقد، ولا يَجُوِّز في الخمر موقوفاً على أن يصير خَلاًّ ، ونقل الشيخ أبو محمد: وجهاً عن بعض الأصحاب أنه ينفذ، وَهو منقدحٌ في القياس؛ فإنها تَقْدِر على الفسخ فَلْتَقْدر على إبطال حق الفسخ، وفائدة ذلك تتبين  عندَ جريان الرجعَة ، فأما إذا كان الطلاق بائناً\r ثم فسخت بعدَ ذلكَ نقل المزني أنا نتبيَّن بُطلان الطلاق، وكأنه كان موقوفاً ، وَقد اتفق المحققون على خلافه؛ إذ لا معنى لرَدِّ الطلاق بعد التصريح به  فما  ذكره الشافعي  مَحمُول على نَقْله  بمذهب) الغير ، ومنهم من جرى على  الظاهر وزعمَ أن حقها في الفسخ مُتَأكِّد، وَالطلاق يُبطل حقها، فلا بُعد في أن يمتنع كما يمتنع نفوذ العتق في المرهون لحق الغير ، وَهذا ضعيف لا شك فيه\rالسادسَةُ: إذا كانت الأمة صغيرة، فعتقت فالخيار موقوف على بلُوغِها، وَليسَ لوليِّها الفسخ، وَهذا الانتظار واجبٌ هاهنا، وفي العيوب كلها في حق الصبيّة في النكاح ","part":1,"page":166},{"id":1145,"text":"السابعة: إذا عتق الزوج وتحتهُ أمة فلا خيار له في ظاهر المذهب؛ إذ معتمد الباب الخبر، وقد وَرَدَ في الزوجَة، وَليسَ الزوج في معناها ، وَذكر العراقيون وَجهاً: أنه يثبت له الخيار؛ لما ينالهُ من ضرار الرِّق في الولد، ويتأَيَّدُ ذلكَ بأن الشرع ألحقَ رق الزوج بالعيوب حتى أثبت لها الخيار، وقد تمهّد استواء الزوجين في العيوب، هذا ما ذكروه والأصح هُو الأول \rالفصل الثاني: في حُكم الخيار\rوفيه مسألتان:\rإحداهما: في وقت الخيار وَفيه ثلاثة أقوال:\rأحدها: أنه على الفور كعيوب المبيع \rوالثاني: أنهُ على التراخي حتى لا يسقط إلا (بالإسْقَاط أو يُمَكَّن)  من الوطء بخلاف البيع، فإن [البيع]  وَضعُه على اللزوم، وسببُ الخيار فيه أمر قريبُ المدرَك، (فالبدار)  إليه بالرضى (أو الفسخ)  مُمكنٌ، وإدامة الجواز ومبني البيع على\rاللزوم بعيدٌ \r(وأمَّا النكاح فيفتقرُ إلى تروِّي)  لخفاء مقاصده \r(والثالث) : أنه يثبت، ويتمادى ثلاثة أيام؛ لأنه يحتاج فيه إلى تأمُّلٍ، وإدامة الخيار في النكاح، ومبناهُ على اللزوم عظيم، فأقرب التقديرات الأيام الثلاثة؛ فإنها ميقات الخيار شرعاً ، فإن قيل: وَما الفرق بين خيار العتق وخيار العيب في النكاح؛ فإنه يثبت  على الفور قطعاً\rقلنا: حكى الشيخ أبو علي [وجهاً]  في شرح التلخيص طريقة للأصحاب\rفي طرد الأقوال الثلاثة  في العَيب بخلاف البيع؛ لاختصاص النكاح بالحاجة\rفيه إلى التروي، ولكنه بعيدٌ، وظاهرُ المذهب اختصاص الأقوال بالعتق ،\rوالفرق عسير، وغايته  أنّه لا مَرَدَّ لنظر الأَمَةِ إذا عَتُقَت؛ إذ لم يتجدَّد\rعلى زوجها شيء، [حتى]  تستجدَّ تَرَوِّياً بخلاف العَيب؛ فإنه اطَّلع عليه\rآنفاً فيستفتح  التروَى (وينظر، وهذا)  ضعيف لاشك فيه ، ويعتضد هذا\rبمذهب حفصة [رضي الله عنها] ، فإنها قالت: (لها الخيار إلا أن يمسَّها\rزوجها)  ","part":1,"page":167},{"id":1146,"text":"التفريع: إن قضينا بأنه على التراخي يسقط  بإسقاطها، (أو بالتمكين)  من الوطء، فلو جرى التمكين من الوطء  ولم يجر الوطء فلا يسقط؛ لأن التمكين يظهر به ، وَسَبب السقُوط بالتمكين أن أدامَة الجواز مَع استمرار الاستمتاع عَظيم، فإذا مَكَّنَت فقد رَضِيَت لا محالة \rفرع: لو وَطئها الزوج العبد، ثم ادعت الجهالة [نقل المزني قولين ، واختلفوا في محلهما، منهم من قال: هما فيه إذا ادعت الجهل]  بعتقها ، فأما إذا ادَّعت الجهل بثبوت الخيار شرعاً فيقبل  ومنهم  من قال: إذا ادَّعت الجهل بالعتق يقبل قطعاً فهذا  هوَ الصحيح، وَكيف لا! ولا تقصير من  جهتها، وأمَّا  إذا ادَّعت الجهل بالخيار فقولان:\rأحدهما: أنه لا يقبَل، كما لو ادعى المشترى الجهل بخيار العيب فأَخَّر  \rوالثاني: أنه يقبل؛ لأن الرَدَّ بالعيب في البيع مما تتقاضاه الطباع، ولا يخفى مدركه، وأمَّا الجهل بخيار العتق فليس بعيداً ، قال الإمام: فلا  يقبل دعواهَا الجهل بأنه على الفور، وتأخيرها (على هذا القول)  مُبطل ، قال: وينبغي أن يُخَرَّج على القولين: دَعواها الجهل بالخيار عند الاطلاع على البرص وسائر العيُوب؛ فإن ذلك ليسَ بعيداً  ، ثم قال: مهما غلبَ على الظن كذبها لم تقبل  دعوَاها وإن أمكن الصدق؛ لأن الأصل [ظهور]  لزوم النكاح؛ ولذلك جعلنا القول قول البائع إذا كان يدعي حدوث العيب، وجَوّزنا له أن يحلف على البَتِّ بنفي العَيب ، فأمَّا إذا ظهر صِدْقُها فيعارض ظهور الصدق لزوم النكاح، فَيُخَرَّج على الخلاف ، ولو صَدّقَها الزوج في دعَوَاها فلاشك في بقاء الخيار؛ إذ الخيار (يبطل بتقصيرها، ومهما)  اعترف الزوج بعدم التقصير فالخيار يبقى لا محالة ","part":1,"page":168},{"id":1147,"text":"المسألة الثانية في المهر: فنقولُ: إن رضيت بالمقام فالمهرُ لسَيّدها؛ إذ وَجبَ بالعقد إلا إذا كانت مُفَوَّضة  ووطئت بعد العتق وَقلنا: إن مهر المفوَّضة يثبتُ بالمسيس فيُصرف إذ ذاك إليها ، وفيه وجه أنه يصرف إلى السَيِّد لاستناده إلى العقد ، فأمَّا إذا فسخت فإن كان قبل المسيس سقط  كمال المهر؛ لأن التشَطُّر ثبت خارجاً عن القياس حيث يجري الفراق من الزوج ، فأما إذا كان بعدَ المسيس فقد قطع الأئمة بأنّ المسمَّى لا يسقط ولم يُجْرُوا القول المُخَرَّج في سقوط المُسَمَّى في العيُوب ، والفرق عسيرٌ؛ ووَجهه أن المهرَ للسيِّد وقد تم مِلكه فيه ، وهو مُحسنٌ بإعتاقها فيبعد  أن يكون إعتاقه إياها سبباً في استرداد المهر منه بخلاف الفسخ بالعيُوب؛ فإن ذلك يستند ، إلى أمر سابق ، بخلاف  الردَّة فإن فيه قولاً  أن المسمى يسقط؛ فإن  ذلك انفسَاخ يَرِد على العقد  لا باختيار  المرأة، والانفساخ [بالاختيار]  يُوجبُ التراد، وَأمَّا هذا فسخ انشئ  اختياراً بعد تَغَيُّر صفتها بِحُرِّية طارئة، هذا وجهُ الإمكان في الفرق ، واللهُ أعلم\r\rالبابُ الرابع\rفي خيار العُنَّة\rوالكلامُ فيه في فُصُول\rالفصل الأوَّل: في بيانِ العُنَّة وَما يلحق  بها في إثبات الخيار\rوالعُنَّةُ: عبارة عن احتباس الوِقَاع وامتناعه، والعُنَّة هي الحظيرة  التي تُحبسُ\rالإبل فيها، ومنه سُمِّي العِنَانُ عِنَاناً؛ لأنه يَحْبِس الدابة عن التَّمَطي، ويُقال: فلان\rكالمملُوكِ  في العُنَّة إذا كان لا يَصْدُر كلامُه عن نظر وَعقلٍ، فَشُبِّه  بالإبل\rالمعقَّلة في حَظِيرة  فإذا امتنعَ على الزوج لسقوط قوته أن (يباشرها)  فهو العُنَّةُ ،\rولو عُنَّ [عن]  امرأة دون أخرى فلهَا الخيار ، ولو كان يأتيها في غير المأْتَى،\rويُعَنُّ على  المأْتَى فلهَا المُطالبة، وَذَلك متصَوَّر لا ينكر ، ولو مَرِض مرضاً مانعاً","part":1,"page":169},{"id":1148,"text":"عن  المباشرة فالذي مال إليه المحققون أنه كالعُنَّة؛ إذ العُنَّة مَرَضٌ في آلةِ مخصوصة، وإذا  عمَّ المرض جميع البدن فهو أولى ، قال الإمام: المرض الذي يرجى زواله على قرب، أو افضاؤه إلى الموت لا ينبغي أن يطرد هذا فيه، أما المرض المُزمِن الذي تتمادى  الحياة معه يتجه فيه ما ذكروه، ولإطلاق القول أيضاً وجه، فإن مَن ألحقَه بالعنَّة فيضرب له الأجل سنة، وإذا  تمادى سنة يجمع  (مع العجز)  فهو جدير بأن يكون سبباً للخيار، فأما قطع الحشفة [مع بقاء مقدار]  من الآلة لا يثبت خياراً  ، ولو كان ممسوحاً فيثبت الخيار في الحال للجب ، أما  الخصي ففيه قولان:\rأحدُهما: أنه يثبت الخيار كالجب؛ لنقصانه عن الفحول \rوالثاني: أنه لا يثبت الخيار؛ لأنه أقدر على المباشرة؛ إذ الآلة عَتِيْدة ،\rولا ينالها  فتور، نعم إن كان لا يقوى على الوقاع فحكمه حُكم العنِّين \rأما العُنَّة الطارئة بعدَ الوطء فقد اتفق الأصحاب على أنه لا أثر لها ؛ إذ اليأس لا يحصُل بالعُنَّة، وقد جرى استمتاع يقرر الحق ، [وَالجبّ] ، وسائر العيوب، إذا (طرأت)  بعدَ الوطء ففيه وَجهان، ذكرناهُما من قبل ، فأما القادر على الوطء إذا كان ممتنعاً فلا يسلك به مسلك العنِّين، ولكن هل للزوجة مُطالبته بوطأة (وَاحدة فيه)  وَجهان\rالظاهر أنه ليسَ لها ذلك، إذ لو جاز  لزاد على وطأة وَاحدة [إذ]  لا اختصاص للواحدة  بالاستحقاق، والشرع اكتفي في جانبهم بتوَفُّر الدوَاعي، وَلم يثبت المُطالبة لهُن \rوالثاني: أنه يثبت المطالبة بوطأة وَاحدة لمعنيين:\rأحدهما: تقريرُ  المهر ","part":1,"page":170},{"id":1149,"text":"والثاني: لأن أصل التحصين  مستحق لها، فلابد من مَرَّة واحدة ، فلو أبرأت عن المهر فَالمطالبة على الوجه البعيد تبتنى على المعنيين فمن علل بتقرير المهر لم يثبتها ، وَكذلك المنكوحة إذا كانت أمة فالْمُطَالَبة لسَيِّدها إن  عللنا بتقرير  المهر؛ فإنه المستحق، وإن علل بالاستمتاع والتحصُّن فالمطالبة لها  ، وعلى الجملة لا يضرب له مدة حتى يجامع فيها كما في حق العنين، وَلكن يُطَالَب به فإن امتنع حبسناهُ ولا مزيد عليه ، ثم يسقط المطالبة عنه بتغييب الحشفة، فهُوَ الجماع الذي ناط الشرع به المهر، والغُسل، وَالحد، وتحريم المُصاهرة، والتحليل، والإحصان، وَسائر الأحكام؛ لأنه الحَسَّاس من العضو، والباقي كالتابع له ، وَمعنى التغييب أن يحتوي الشُفران  على (وُريَّة)  الحشفة ، فلو انضغط  الشفران، وانقلبا إلى الباطن حتى حصلت  الحشفة في حَيِّز الفرج من غير انفتاق فليسَ ذلك بجماع، وَلو جرى انفتاق وملاقاة بين الحشفة وبين الباطن فإذ ذاك يُحَصِّل حُكم  الجماع \rالفصل الثاني: في ضرب المُدَّة\rولا سبيل إليها إلاّ بعدَ الترافع إلى القاضي، واعتراف الزوج بالعُنَّة، أو شهادة الشهُود على اعترافه، ولا تقبل شهادتهم على عُنَّته؛ فإن ذلكَ غَيْبٌ  لا يُطلع","part":1,"page":171},{"id":1150,"text":"عليه ، ثم إذا أنكرَ الزوجُ العُنَّة فالقول قَوْلُه، (ويحلفهُ ونكتفي)  بيمينه، ولا نُطالبه بإقامة البُرهان بالإقدام على الوقاع، فإن نَكَل رددنا اليمين على المرأة، فإن حَلَفْت كان حَلِفُها كإقراره، وإن نَكَلَت سَقَط عَنهُ دعوَاها ، وقال أبو إسحاق المروزي: لا تُرَدُّ اليمين إليها، فإنها لا تقدِرُ على الحلف على عُنَّتِه وَهُوَ مُغَيَّب عنها، كما لا يشهد الشهُود على ذلكَ ، وهذا بعيدٌ؛ فإنها بقرائن الأحوال بعد طُول المُمَارَسة تَسْتَدْرِك ذلكَ اسْتِدْراكاً لا يُتَمادَى فيه ، ولقد رَدَّ الشافعي [رَحمهُ اللهُ]  اليمينَ عليها إذا ادّعت على الزوج نيَّة  الطلاق في الكنايات، والاطلاعُ على النيات أعسرَ  ، ولكن جُوِّز ذلكَ اعتماداً للدَّرَك  بقرينَة الحالِ ، ثم إذا ثبت العجزُ عن الوطء  إما بإقراره، أو حَلفها، أو شهادَة  الشهُود على إقراره بالعُنَّة فلا يثبت (الخيارُ لها)  في الحال بخلاف الجُبِّ؛ فإن الطمَع منقَطِع من  الجُبِّ، ولا يأسَ في العُنَّة؛ فإنها عُرضَة الزوَال، ولو قال الزوج: قد مارستُ نفْسي طويلاً فلستُ أتوقعُ اقتدارا لم ينظر إليه، وَضُربت مُدَّة العُنَّة من وَقت ثبوت العُنَّة سَنَةً كاملةً إن طلبت المرأة ضَرْبَ  المُدَّة، وإن سَكَتَتْ لم تُضْرَبْ ، ويستوي في هذه المدة العبد والحر؛ لأنه يتعلق بالطبع وَاستشعار القوة عند انقضاء الفُصول الأربعة ، فإذا  انقضت المدَّة ولم [يجر]  إصابة  باتفاق مع التمكن منها فإذ ذاك يثبتُ لها  الخيار ، ثم ليسَ لها الفسخ هجُوماً بعد مضي السنة  بل ترفع الأمر إلى القاضي حتى يَحكمُ عليه بإقراره، فإن للقاضي","part":1,"page":172},{"id":1151,"text":"نظراً في الرجُوع إلى الزوج ودعوَاه  الإصابة، أو إقراره بالعجز ، فإذا  قضى القاضي بإقراره فالصحيح  من المذهَب أن لها الفسخ تتعاطاه بنفسها  (وتُنَزَّل العُنَّة)  بعد ضرب المدّة، والاعتراف بالعجز أوّلاً، وعدم الإصابة آخراً، وقضاء القاضي فيه  مَنْزِلَة الجب؛ إذ به تحقق الحال ، وَمنهم من قال: هذا على الجملة في مَحَلِّ الاجتهاد فيتولاهُ القاضي ، ثم لم يختلفُوا في (أن هذا)  فَسْخ يُضاهى في أحكامه فسخ المجبُوب، وليس كالمُوْلِي؛ فإنه يُطالب بالطلاق ، أو يُطَلِّق ولا يَفْسَخ؛ لأن الإيلاء كان طلاقاً  في الجاهلية فَزِيد  فيه مُدَّة على مذهبَ بعض\rالعلماء ، ونُقِل إلى الحَمْل على الطلاق على مَذْهَبِنا، فَبَيْن المأخذين تباينٌ \rفرع: إنما (تُحسب)  المُدَّة إذا لم تعتزل المرأة منه، فلو لم يُمَكَّن  لم (تُحسب)  المُدَّة، ولو انعزل الزوج قصداً احْتُسِبت  المُدَّة؛ فإنه لا يَعْجز عن مُدافعة الحَق بالانعزال ، وإن سافر الزوج ففيه وَجهان، والظاهر  أنه يُحْتَسب؛ لأن سببَ  المنع جاء من جهته \rالفصل الثالثُ: في استيفاء الخيار\rونقول فيه: إن فسخت فَحُكم فسخها بالعُنَّة حُكم  الفسخ بسائر العيُوب، وإن أجازت ورضيت فلها ذلك، وَليسَ للأولياء الاعتراض؛ لأن ذلك يتعلق (بخالص)  حقها في ظاهر المذهب ، كما تقَدّم ، ثم هذا الخيار على الفور بعد جريان القضاء، وضَرْب المُدَّة كخيار العيُوب ، (وإذا)  رضيت به فليسَ لها العَوْد إلى الطلب بعد ذلك  بخلاف المرأة إذا رضيت بالزوج المُؤْلِي؛ فإنها تعتمد على دوَاعي الزوج وحملهَا  إياهُ على الحنثِ؛ لأن القُدرة عتيدَة، ولم يحدث عَيبٌ به ولا بهَا، وأما هاهنا فقد تحقق العجز، وَحصل اليأس ظاهراً فلا مطالبة بعدَ الرضا ، وَإن فسخت في أثناء المدَّة لم تجد إلى ذلكَ سبيلاً، وإن رَضيت فهل تؤاخذ به قولان :","part":1,"page":173},{"id":1152,"text":"أحدهما: أنه يلزم الرضا؛ لأنها تَدَّعي المعرفة بحقيقة الحال، وَإنما تُؤَخِّر  الفَسْخ\rلتتثَبَّت  فيما (تدعيه)  من عُنَّة \rوالثاني: لا  يثبت؛ لأن الفسخ لا  يثبت لها، والإجازة على  معارضة الفسخ ، ولو رضيت فطلقها زوجها طلاقاً بائناً، ثم عادت إليه بنكاح مُستَأنف فهل لها استئناف المطالبة فيه قولان بناهُمَا أصحابنا على عَوْد الحِنْث، وَهو إبْعَادٌ ، وحاصله بناء بالتشابه في لقب، فالوَجْهُ أن يُوَجَّه في نَفْسِهِ ، فعلى قول: لا تثبت المُطالبة؛ لأنها رضيت به بعد معرفتها عُنّته  \rوالثاني: أنه تثبت؛ لأن هذا نكاح مُستَأنف، (والرجاء)  غير منقطع، ولعلها  تتوقع عودَ القُوة ؛ ولذلكَ لو وَطئها في نكاح ثم عُنَّ عنها في نكاح آخرَ ثبت الخيار وفاقاً  بخلاف ما إذا كانت العُنَّة في ذلك النكاح ، فأما إذا طَلَّقها طَلْقةً رجعيةً ثم ارتجعها فلا تعُود المطالبة، فإن  النكاحَ الأوَّل هُو المُستمرُّ فلم يتجدَّد أمرٌ حتى تَسْتَأْنِف مُطَالَبة ، فإن قال قائل: كيف تُتصَوّر  الرجعة، ولا رَجعة إلا بعدَ الوطء، والعُنَّة بعدَ الوطء لا تُثْبِت حُكما!، وَهذا ما اعترض به المُزَنِّيُ على الشافعي في مسألة الرجعَة ، فنقُول: ذلكَ متصور في استدخالها الماء، وإتْيانِه إيَّاهَا في غير المأْتَى، وَفي الخلوَة في  أحَد القولين ، فَلْيَكُفَّ المُزَنِّي عن الاعتراض، فالمسألة متصَوَّرة \rالفصل الرابع: في الاختلاف في الإصابة\rوقاعدةُ الباب: أن النزاعَ إذا وقعَ بين الزوجين في الإصابة في مسألة العُنَّة، وسَائر المسائل، فقياس الخُصومات: أن يكون القول قول من ينفي الإصابة؛ إذ الأصل عَدَمُها  واسْتُثْنِي عن هذا الأصل أربع مسائل:","part":1,"page":174},{"id":1153,"text":"إحداها: [أنها]  لو قالت: أَصَبْتَنِي، وتَقَرَّر تَمامُ المهر، فَأَنْكَر  الزوج فالقول قوله، والأصل عدمُ الإصابة ، وإنما يجري هذا النزاع إذا كان  طلقها، فلو أتت بولد لزمان يحتمل  أن يكون العُلُوق من النكاح أثبتنا النسبَ، وَألحقناهُ بالنكاح، وضَعُف بهِ جانبُ الزوج، فنقول: القول قولها مع يمينها في هذه الصورَة إلا أن يلاعن الزوج عن  الولد، فعند ذلك يَسْتَقِر الظاهر في جانبه فَيَسْتَمر على القانون \rفي تصديقه \rالثانيةُ: إذا تنازعا في مُدَّة العُنَّة فقال الزوج: أصَبْتُ، وأنْكَرَتْ، فالقول قوله، وَإن كان الأصل عدمُ الإصابة للتَّشَوِّف إلى إلزام النكاح، (ودَفْع)  الفَسْخ (ولأمر آخر هو السبب )، وهو أنَّ تَكْلِيفَه الإشهاد على الإصابة عَسِر ، إذ لا تصح الشهادَة عليه ما لم يَرَ الشاهد ذلك منه في ذلك منها كالمِرْوَد  في المكْحلَة ، وَهذا مما لا يُكَلِّفه الشرع ، وَكذلك إذا تنازعا في مُدَّة الإيلاء فالقول قَوله على [خلاف]  القانُون للسِّرِّ الذي ذكرناه  إلا إذا أقامت المرأةُ بَيِّنة على أنها بِكْر فعند ذلكَ يَضْعُف جانبه، وتنقلب اليمين إليها؛ لزوَال الظاهر وضُعْف الحال، وإنما حلَّفناها؛ لأن البكَارة قد تَعُود فيما قِيْل ، ثم إن حَلَفَت ثبتَ لها الفسخ، وإن نَكَلَت رُدَّ [اليمين]  عليه، وإن حَلَف انْدفع طَلَبُها ، وإن نَكَل ثبت لها الفَسْخ، وكان نُكُوله كَحَلفها ، وحكى صاحبُ التقريب وَجهاً: أنه لا يثبت لها  الفسخُ ما لم تحلف؛ لأن الأصل بقاء النكاح، وَمُستندُه  اللزوم، وَالرجُل يَدَّعِي الوطء وَلم نجد  إلا مُجرَّد نكُول فلا يقضى به، وَهذا تَرَدُّد  لا أصل لهُ ","part":1,"page":175},{"id":1154,"text":"الثالثةُ: إذا ادَعت الإصابةُ لتقرير المهر، وَأنكر الزوج  ذلكَ؛ لتشطيره، وَاعترفا بجريان الخلوة فالأصل عدمُ الإصابة ، وَلكن قال بعض أصحابنا: نصدقها؛ إذ الغالبُ أن الخلوة لا تخلو عن المسيس ، وَهذا ضعيفٌ، فإن هذه العلامة لا تظهر ظهُوراً تغيَّر  به قانُون الخصُومات في أن الأصل نفي الإصابة ، قال أبو إسحاق المروزي: إذا تنازعا في مُدَّة العُنَّة وكان الزوج مقطوع الحشفة، أو مسلول الأنثيين، فالقول قولهَا، وَيكون ذلكَ علاَمَةً في تصديقها كالبِكَارَة، فإن هذا يدُل على ضعف في الآلة ، وَما ذكرهُ ضعيف، لأن البكارة تدل  دَلالة ظاهرة أو قاطعة، وَأما  هذا \rفَوَهْمٌ  مَحْضٌ لا مستندَ له، وَمما يتصل بغرضنا أنه إذا ادعى الإصابة  لإثبات الرجعة، فقد قال أصحابنا القول قولها، إذ الأصل عدمُ الإصابة، وزعمُوا أنه لا عدة عليها، وَلها أن تنكح في الحال؛ فإنها غير مؤاخذة بقوله ، قال الشيخ أبو محمد: هذا يتجه إذا كان الطلاق بائناً، أمَّا إذا لم يكن عِوَضٌ، ولا استيفاء عَدَدٍ، فقبُول قولها (يثبتُ)  النكاح، والأصل بقاء النكاح، وَنحن نتشوّف إلى تقريره؛ ولأجله صَدَّقنا الزوجَ في مسألة العُنَّة في دعوَى الإصابة مع أن الأصل عدمها ، وَمع أنه اعترف من قبل بالعُنَّة فيحتملُ أن يقال: يقبل قوله، ويحتملُ أن يقال: الأصل أن الطلاق قاطع فعلى من يبغي مُسْتَدركاً إثبات سببه ، وَهو محتمل كما ذكرناه، هذا تمام الباب وبه (إنجاز)  الغرض من القسم الرابع\rالقسْمُ الخامِسُ\rيشتمِل على فصول متفرقة شَذَّت عن الضوابط؛ لأنها في حُكم اللواحق بالكتاب، ويشتملُ على أجناس من المسائل متباينة فنعقِدُ في كل جنس فصلاً\rالفَصْل الأوَّلُ: فيما للزوج  من الاستمتاع بزوجته","part":1,"page":176},{"id":1155,"text":"والقولُ الضابط: أن كل فنٍّ من الاستمتاع فهو مُبَاحٌ في حالة الطُهَر إلا الإتيان في الدُبر ، والنظر إلى الفرج على وجه ذكرناه في ابتداء الكتاب ، وَالعزل  على تفصيلٍ سنذكره ، أما العزل فقد اتفق الأصحاب على جَوازِه في الإماء صيَانَةً للملكِ عن البُطلان ، وَاختلفوا في المنكوحَة على أربعة أوجه:\rأحدُها: الجواز، وهو القياسُ؛ إذ لا مانع منه، وَليسَ يجبُ على الرجل التسبّب\rإلى الولد \rوَالثاني: أنه يحرُم ؛ لما روى عن رسول الله  أنه قال: (هي الموَؤُدَةُ  الصغرى) ، وقال: (إذا وطئتم فلا تعزلوا فما من نَسْمة كائة قضى الله بأنها كائنة إلا وهي كائنة إلى يَوم القيامة) ، وَالقائل الأوَّلُ يحمل هذا على كرَاهية، وَللشّرع توَسُّعٌ في التوعُدَاتِ وَالتهديدَات \rوَالوجهُ الثالث: أن المنكوحة إن كانت أمةً جاز ا لعزل صيانة للولد من الرق، وإن كانت حُرّةً فلا، هذا القائل يخَصّص الحديث بحالة الإضرار فيه \rوَالوجهُ الرابع: أنه يجُوز العزل برضاها، وَكان يعتقد إضراراً بها في تهيُّج دَواعيها ثم الامتناع عن إمتاعها ، وَهذا بعيدٌ إذ، الحديثُ ليسَ يفرِّق بين مَحَلٍّ ومحل، ولا حق لها في هذا المعنى بدَليل أنه لو غَيَّبَ الحشفة وَأنزل على قُرب واكسل جاز له ذلك دون رضاها، وإنما المشكل قطع الأصحاب بجواز العزل في الأمة، وبه قطع الشيخ أبو محمد في النكاح معَ ظهُور الحديث، وقد تردّدُوا في المستولدة، فمنهم من ألحقها بالمنكوحة ، وَهذا فاسدٌ إذ لا حظ لها في القسم، ولا تنزل منزلة المنكوحات في الاستمتاع ","part":1,"page":177},{"id":1156,"text":"فأمَّا الإتيانُ في الدبر فمحَرّمٌ في المملُوك والمملُوكة والمنكوحة ، ونقل عن مالك رحمه الله جَوازه في المنكُوحَة وَأنكَرهُ الثقات من أصحابه ، قال صاحب التقريب من الناس من يضيف قولاً في القديم إلى الشافعي أنه لم يقطع بتحريم ذلك، وقال: ليسَ عندي دلالةٌ في تحريمه ، وقال محمد بن عبد الحكم : قال الشافعي في تحريم ذلك: حديثٌ غير صحيح، وَالقياسُ عندي أنه حلال فحُكِي ذلكَ للربيع  فقال: كذبك والله الذي لا إله إلا هو لقد نَصَّ على تحريم في ستّة مَواضع من كتبه ، وقد سُئِل  عن ذلك، وقد أَبهَمَ السائل السؤَال فقال عليه السلام: (في أي الخُرْبتين أو الخُصْفَتين أو (الخُرزتين)  ، أمَّا من دُبرها في قُبُلهَا فنعم، أمَّا من دبُرها [في دُبرها]  فلا إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن) ، وقيل  أن قوله تعالى:        نزلَ في سبب، (وَهوَ أن اليهُود كانوا يقولون: إذا أتى الرجُل المرأةَ من دُبرها في قبلها خلق الولد أحوَل فنزلتِ الآية ردًّا عليهم) ، ولا خلاف في أن التمتّع بالدبر من غير إيلاح مُباح ، ثم ذكر الأصحاب ما يناط به من\rالأحكام فقالوا: يتعلق به الحدُّ إذا لم يكن ملكٌ أو شبهة ملك، (وقد ذكر) \rأصحابنا خلافاً في) إتيان الأخت المملُوكة في إيجاب الحد ، وَلم يذكروا في إتيان الجارية، وَالمنكُوحَة في الدُبُر مع تأكد  التحريم  (وتعلق به فساد العبادات) ، وَوجُوب الغسل من الجانبين، وَالكفارة، وَإن جَرى على شبهة تعلق به مهر المثل، وتعلق به تقرير المهر، هذا ما ذكرهُ المراوزَة ، وتردَد العراقيون في تقرير المهر، وهو حَسَنٌ","part":1,"page":178},{"id":1157,"text":"إلا أنهم قطعُوا بوجوب مهر المثل [به]  في النكاح الفاسد ، وقطعُوا بأنه يتعلق به العدة ، وحرمَة المصاهرة تغليظاً ، ولا يتعلق به التحليل للزوج الأول ، ولا الإحصان ، وَتردَّدوا في النسب، وقالوا: الظاهرُ أنه يثبت؛ لأن الماء يسبق ، وهذا يحسن استعمالُه في الأمةِ المملوكة، فإن فيه يعول على الوطء ، ولا يبعد هذا التردد، إذ تردَّدُوا في الوطء مع العزل أنه هل يَكون سبباً لإلحاق الولد  وقد قطع الأصحابُ بأنه يلزمُ  الحَدُّ بإتيان غلامه في غير المأتي؛ إذ الملكُ ليس مبيحاً هذا الجنس في الغلمان، فلا ينتهض حتى شبهة ، وَلم يختلفوا في أنه لا يجب الحَد في إتيان المملوكة،\rوَالمنكُوحَة في الدبر ، وَكأن ذلك يقرب  من وَطء الحائض؛ فإنها محل (الاستمتاع بها)  بجميع بدنها  وَلكن قال الشافعي [رحمه اللهُ] : الأذى دائم في هذا العضو ، وقد قال الله تعالى : [         ]  فكان هذا هُو السبب في التحريم ؛ ولأجلهِ ناطُوا به النسَب، وَالعدة، وتقرير المهر، وَجميع أحكام الجماع ، فالمذهب  المقطُوع أن المأتية في غير المأتى لا تلتحق بالثيب في حُكم الاستنطاق [في النكاح]  ، وذُكر (عن وجه غير بعيد)  نقله الشيخ أبو محمد، وغيره من الأصحاب \rالفصل الثاني: في امتزاج المُحرَّمة من النساء بالمُحَلَّلَةِ","part":1,"page":179},{"id":1158,"text":"وَبيانهُ: أنه إذا اختلطت أختٌ من  الرَّضاع بنسوَةٍ لا يُحصون  جاز الهجوم على نكاح من شاء منهُنَّ، (ونعني)  به الخروج  عن حصر أحَاد الناس في الاعتياد، فإن البلدةَ الواحدةَ  قد ينحصر  سكانها للوالي، ولا نظر إليه، وَلم يصر أحد إلى إيجاب المسافرة على هذا الرجُل  للتزوّج ، ولا إلى الاستظهار بامرأةٍ يستيقن حلها إذا تمكن  [من ذلكَ] ، و [قد]  نزلُوا هذا منزلة صَيد (تفلّت والتحق)  بالصيُود فلا حجر  على جميع الناس في الصيود، ويكون ذلكَ في حُكم (المعدوم، ساقط)  الأثر ، فأما إذا اختلطت (بمعدودات كعشر)  نسوةٍ مثلاً فالذي يُقطع  به المنع من النكاح؛ لأن المحرّم على معارضة المحلل والغالب التحريمُ ، ومنهم من جَوَّز الهجوم\rعلى النكاح؛ لأنه لا  يستيقن مُحرِّماً ، وَهذا في نهاية الفساد، وَعند هذا نُنَبِّه في الاشتباه على ثلاث  مَراتب:\rأحدها: أن يجري الاشتباه مَع إمكان التعويل على العلامات، والاعتصام بأصلٍ مُستصَحبٍ  كالماء النجس، يشتبه بالطاهر فهاهنا  لابُدَّ من الاجتهادِ، فإذا  اجتهد جاز التعويل  \rالثانية: أن يجد  العلامة، ولا يتمكن من أصل يستصحب كالبَول يشتبه\rبالماء، فالظاهر أنه وَإن اجتهدَ لم يجز ولا سبيل إلى الاحتكام  ، وفيه وجهٌ\rأنه يجتهد \rالثالث : أن تنتفي العلامات بالكلية، ويُعارض المُحرِّم المحلِّل فيتعَيَّن الاجتناب ، ومنهم من قال: يجوز الهجوم، وَهو بعيد لا وجهَ له \rالفصل الثالثُ: في دعَوى المرأة محْرميَّةً أو رضاعاً\rبعدَ انعقاد النكاح","part":1,"page":180},{"id":1159,"text":"فنقول: هي لا تخلو إن كانت تزوجت  برضاها فلا تقبل دعوَاها في ظاهر المذهب ؛ إذ سبق منها ما يناقض الدعوى، قال الإمامُ: وهذا يبنى  على (أن الراهن)  إذا رهن وأقْبَض، ثم ادَّعى بيعاً قبله، وزعم أنه اعتمَد كتابَ وَكيلِه، ثم بان أنه مُزَوَّرٌ، ففي قبول دعواه تفصيل ، وإذا قَبِلنا عند التفصيل، فإذا أطلق الدعوى وَلم يفصل فيه تفصيل، فهذه المسألة ينبغي أن تبنى على ذلك سيمَا  إذا أظهرت عذراً وقالت: بنيتُ الأمرَ على ظاهر الحال، والآن تبيَّنتُ  ، فأمَّا إذا كانت مُجبرَةً في ابتداء النكاح فدعوَاها مقبُولة قطعاً ولكن قال ابن  الحداد القول قولها  لأنها من الأمور الباطنةَ في النكاح الذي قد يُستبدُّ بمعرفتها ، وَحكى أبو زيد عن ابن سريج وَجهاً  أن القول قوله، فإن الأصل انعقاد النكاح، وَهي تبغي قطع النكاح فلتُقِم البينة ، فأما إذا كانت مُزَوَّجةً بالسكوت من الأخ فهذا  تَرَدُّد   بين المُجْبَرة والمستأْذَنة، (وَلعل إلحاقها)  بالمستأْذَنة أولى، فإنا  نقدِّر السكوت في حقها إذناً نازلا منزلة النطق، وَلكن الوجْه الحُكْم بسماع الدعوى؛ إذ لا مناقضة بين كلامين، نعم لا نصدِّقها بمجرَّد يمينها هكذا قاله الإمامُ (رحمه الله)  \rالفَصْل الرَابع: في الاختلاف في أصل النكاح","part":1,"page":181},{"id":1160,"text":"وتمهيد الباب أن الرجل إذا ادعى زوجية على امرأة قُبِلَت  الدعَوى، وَالقول قولها، وعليه إقامةُ البينة، وَإنما تعرض اليمين عليها تفريعاً على قَبُول إقرارها، وَهو الصحيح ، وَلو ادعت المرأةُ  على رَجل مهراً عن جهة النكاح صحت  الدعوى، وَعليها البينة ، فأمَّا إذا ادَّعت زوجيَّة، وَلم تتعرّض للمهر فالرجل لا يخلو [أن يكون منكِراً أو ساكتاً] : فإن كان ساكتاً فالظاهرُ قبُول دعواها؛ لأن الزوجيَّة (متعلقة بحقوقها)  من المهر، والنفقة، وغيرها، وإن لم تكن الزوجية في نفسها حقاً لها عليه فهذا  كالدعوى بالنسب؛ فإنه يُقْبل لكونه مَنَاط الحقوق وإن لم يكن حقاً في نفسه ، ومن أصحابنا من قال لا يُقْبل؛ لأن الزوجيَّة حقٌ عليها لا لها، فصيغة الدعوى فاسدة، وإن أرادت المهر فلتصرح بالدعوى ، فأما إذا كان الرجل منكراً فللشافعي (رحمه اللهُ)  تردد في أن إنكارَ النكاح هل يكون طلاقاً  فإن قلنا: إنه طلاق، فلا يبقى دعوى  الزوجية؛ لأنه لو اعترف فطلقها  انقطع دعوى الزوجية، وإن قلنا: أنه ليس طلاقاً، فتلتحق هذه الحالة بحالة السكوت \rفُروع ثلاثة لابن الحداد:\rالأول: أنه إذا ادعى زيد زوجية امرأة، وادعت  المرأة أنها زوجة عمرو حيثُ تقبل الدعوى، وأقام كل واحد بيَّنة، قال ابن  الحداد: بيِّنةُ زيد أولى؛ لأنها استندت إلى صيغة صحيحَة في الدعوى، واشتملت على إثبات الحق له ، فاستحسن منه بعض الأصحاب ذلك ، وخالفه بعضُهم، وقالوا: يتعارضان، فإن البيِّنة الدَّالة على أنها\r زوجة عمرو تُضادَّ بيِّنةَ زيد (وَهُمَا مُتساوِيتان)  في الإشعَار، (بالغرض)  فيتساويان ، والمسألة مفروضةٌ فيما إذا كان عمرو ساكتاً؛ فإنه لو كان منكراً فإنكارُه طلاق قاطع لدعوَاها في ظاهر المذهَب كما تقدم ","part":1,"page":182},{"id":1161,"text":"الفرع الثاني: إذا ادعت المرأة زوجيَّةً، أو مهراً في زوجيَّة، وشهد عليه الشهود، وقضى القاضي بموجبه ، ثم رَجعُوا هل  يغرَمُون للزوج ما خَسره  من المهر فيه قولان مبنيّان على أن الشهود على الملْكِ إذا رجعوا هل يغرمُون ففي قول نغرمهم للحيلولةِ  الناجزة ، وفي قول  لا نغرِّمهُم؛ للاعتراف المتوَقَع من المشهود لهُ ، فإن قلنا: ثَمَّ لا يغرمُون فهاهنا أولى، وإن غرَّمناهم ثَمَّ، فهاهنا وجهان، وَالفارقُ أن الشهود هاهنا ما شهدُوا إلا على إثبات حق له وهو الزوجية، فالمهرُ  الذي خَسرَه  مُقَابَلٌ بالبضع الذي أثبتوهُ له، وإنما خسر بإنكاره الزوجيّة فلا غُرم ","part":1,"page":183},{"id":1162,"text":"التفريع: إن قلنا: يغرمُون [فإنما يغرمون]  ما أخذ من الزوج ، وإن قلنا: لا يغرمُون لأجل المقابلة فهو مُطرد  إذا كان مهر المِثْل مِثْل  المأخوذ من الزوج، أو فَوْقه ، فأما إذا كان المأخوذ منه ألفاً ومهر المثل خمسمائة فلم يثبتُوا له حقاً في مقابلة (خمسمائة فلزم)  (التغريم)  على هذا الوجه بهذا القدر ، فأما إذا شهدَ  الشُهود على النكاح، وَالمسألة بحَالها، وشَهد آخرُون على الإصابة، وشهد آخرون على الطلاق، ثم رَجعوا بأجمعهم، قال ابن الحداد: الغرمُ على شهود الطلاق، ولا غرم على (الشهود بالنكاح)  وشهود الإصابة؛ لأن شهود النكاح أثبتُوا له حقاً، وشهود الإصابة أثبتوا استمتاعاً، وإنما فوات الحق من شهود الطلاق ، واتفق  أصحابنا على أن ذلكَ غلط منه ؛ لأن شهود الطلاق وافقُوا الزوج فإنه  ينكر الزوجية، وَما ذكروه لا يخالف قولَه فلا غُرْم عليهم، وإنما الغُرم على شهود النكاح على التفصيل المقدم ، وَأما شهود الإصابة فينظر إلى صيغة قولهم، فإن شهدوا على مُطلق الإصابة فلا شيء عليهم؛ إذ ليسَ من ضرورَة  الإصابة أن تجرى في نكاح، وإن شهدوا على الإصابة  في النكاح  فهُم شركاء مَع  الشهود الأُوَل في النكاح، (فيُفرض)  الغرم عليهم \rالفرع الثالث: إذا زوَّج الرجُل إحدى ابنتيه (ثم مات)  ووقع النزاع في عين المزوجَة، فللمسألة أحوَال:\rأحدها : أن يعيِّن الزوج إحداهما، وتَدَّعي كل واحدة أنها  ليست مزوَّجة، إنما المزوَّجَة صاحِبَتها، فالتي  عَيَّنها الزوج تَوَجَّه الدعوى عليها فتجري على منهاج الخصُومات","part":1,"page":184},{"id":1163,"text":"والثانية: (انقطعت)  الدعوى عنها؛ فإنها لا تَدَّعي زوجيَّة ولا يُدَّعى عليها ، فأمَّا إذا ادَّعت كُلُّ واحدة أنها هي المزوجة فيستقر النكاح على التي  عَيَّنها الزوج، وَتبقى الأخرى مُدَّعيَّة على الرجل زوجيَّة، وقد مضى الكلامُ في دعوى المرأة ، وقد ذكر الشيخ أبو علي وجوهاً بعيدة (نحكيها في هذا الفصل)  ونبيّن أنها  لا ينبغي أن تُعَدّ من هذا  المذهب:\rأحدهَا: أنه قال كل واحدة منهما ليست مزوجةً، فإذا عيَّن الزوج إحداهما تعيَّنت، ولم يحتج إلى التحليف وإقامة البينة؛ لأن (أحد)  النكاحين معترفٌ به، وهوَ صاحب الحق، وقد عيَّن ، وهذا رَكيكٌ لا يُعرَف  \rالثاني: هو أن كل واحدة إذا ادَّعت الزوجية، فإذا عَيَّن وَاحدة تعيَّنت، وبقيت الأخرى مدَّعية، وَلها أن تحلِّف الزوج، وغرضها  بذلك استيفاء المهر، قال بعض الأصحاب: فيه قولان: أحدهما: أنها لا تحلِّفه ، وهؤلاء شبَّهُوا القولين بما إذا ادَّعى رَجلان نكاح امرأة فأقرَّت لأحدهما فهل للثاني تحليفها فيه خلافٌ، ذكرناه في باب الأولياء ، وهذا ضعيف؛ إذ المرأة إذا ادعت المهر فلا خلاف في قبُول دعوَاها، وَلها التحليف ، وَليست تَبْغِي في هذا المَقَام إلا المهر؛ فإن الزوج مُنْكر إلا أن الشيخ\rأبا علي فرَّع تفريعاً أبانَ مأخذ الكلام، وَأنه يُضاهي المسألة التي اسْتُشْهِد بها فقال:\rإذا حلَّفته فإن حَلَف انْقَطع طُلْبتُها عن المهر وَالزوجية، وإن نكل رَدَّ اليمين عليها،\rفإن نكلت سقطت طُلْبتُها، وإن حلفت فهل يثبُت نِكَاحُها، ويرتفع نكاح\rالأولى فإن  هذا يبتني على أن يمين الرَدِّ كالإقرار أو كالبينة، فإن قلنا: كالبيِّنة،\rففيه وَجهان:\rأحدُهما: أنه يَبطل نكاح الأولى، ويثبت نكاح الثانية؛ لأنه ثَبَت في حقِّها  بيِّنة على نكاحها، وَقد جَرى الاعتراف باتحاد النكاح ","part":1,"page":185},{"id":1164,"text":"والثاني: أنه لا يرتفع النكاح الأوَّل، وَلا تستفيد الثانية [إلا]  المهر؛ لأن يمين الرَدِّ بيِّنة، ولكن في مقصود المُدعي من المدعى عليه على وَجْه لا يتعدَّاهُما ، ثم قال: وإن قلنا: إنه كالإقرار، فعلى هذا القول أيضاً خلاف  بين الأصحاب، منهم من يقول: ينتفي نكاح الأولى كما لو أقر للثانية، ويثبت نكاحُ الثانية على معنى أنه يتوجه طِلْباتُها ، وإلا فقد سبق منهُ إنكار ينافي نكاحها أيضاً، فينتفي النكاح أيضاً ، وَمنهم من يقول لا ينتفي النكاح الأول؛ لأنه لم يُوجَد منه قول يناقض القول الأول وإنما هذا تقرير  لا يتعدَّى مقصود الدعوى، وَمقصُود الدعوى للمرأة المهر، فلا يفيد  إلا استحقاق المهر ، ثم إن  قلنا: أنه لا يُنْقض النكاح الأول، فالوجهُ أن نثبت لها من المهر ما يليق بتصديقها ، وَحكى (أبو علي)  وَجهاً غريباً أنه لا مهر؛ لأن النكاح لم يثبت فلم  يثبت المهر، وَعن هذا الخيال [استمرَّ]  تخريج قول في الابتداء أنها لا تحلف  لأنها لا تستفيد به الزوجيَّة ولا المهر؛ فإنه فرع للزوجية  ، وَهذا كله خَبْط ينبغي أن يُحكي ويطوى، وَالمذهب ما قَدَّمناه أوَّلاً ، واختتام الفصل بأمر، وهوَ أن ابن  الحداد قَيَّد المسألة بما إذا مات الأب، وسببه أن يتعَذَّر الرجوع إليه، فإنه إذا أقر بنكاح ابنتهِ وكان مُجبِراً يُقْبل قوله، فعند ذلك يتعيَّن الرجوع إليه ، قال بعض الأصحاب: هذا ليس من شرط تصوير المسألة، فإنه لو كان باقياً وَأقرت الابنتان  بعد البلوغ قُبِل  إقرارهما سواء كانتا  بكرين أو ثيِّبين ، وَهذا فيه نظر فإن المسألة مفروضة في دوَام البكارَة؛ إذ إقرار الولي إنما يقبل على البِكْر التي  يقدرُ على إجبارهَا، والجمع بين قَبُول إقرار الولي وإقرارها يجر عُسراً؛ فإنها ربما تُقِرُّ بالزوجيّة لرجُل، وَالوليُّ يُقِرُّ لآخَر فكيف يستعمل الإقْرَاران! ولعل  من يرى قبول","part":1,"page":186},{"id":1165,"text":"إقرارها يقدم السابق من الإقرارين ، أو يقضي (بالتساقط والتعارض)  ، فالوجهُ  إسقاط إقرارَها إذا كانت مُجْبَرة كيلا يُفْضِي إلى هذا الخبط، وعلى هذا يتَّجه تقييد ابن  الحَدَّاد المسألة بما قيد بهِ من الموت \rالفصْل الخامسُ:  في أحكام تتعلق بمهر الجواري، وَالمهُور الواجبَةُ على العبيد\rفنتكَلم أوَّلاً في  الجواري، وفيه مسائل:\rإحداها: إن مهرَها (مُسْتَحَق للسيد) ، ولا يسقط بإسقاطِهَا، وإنما يسقط بإسقاطهِ ، وإنما النَّظر فيما يكون إسقاطاً، فلو قتل السَيِّدُ الأمَة قبل التسليم، وَقبل إلْمامِ الزوج بها هل يسقط المهر الذي  يقتضيه قياس العقود في الجُملة سقُوط العِوَض عند فوات المعَوَّض، وَهذا يُوجب سقوط مهر الحرة وإن ماتت وَلكن نشَّأَ الشرع غرضاً خاصّاً من النكاح، ونظر إليه ، وهُو أن النكاح معقودٌ للعُمَرِ، وَالمرأةُ في حُكم المُسَلَّمة بمجَرد العقد، وَإذا  انتهى العمرُ فقد انتهَى النكاح نهايتهُ، وكان  هذا غرضاً خَاصّاً ، فهذا القياس يقتضي التسوية بين الحُرَّة والأمةِ، وَبين [القتل وَالموتِ] ؛ لأن هذا  مما ينهي العُمر، وَليسَ يُقصد من القتل إفساد البِضْع، وإنما ذلك يقعُ تابعاً مُرتباً عليه، فذهبَ ذَاهبُون إلى طَرد هذا القياس، وَالحُكم ببقاء المهر في صورة القَتْل والموت، سواء كان القتل من السيد، أو من الأمة، أو من الحُرَّة، أو من الأجنبي ، ولكن المنصوص للشافعي [رحمه الله]  أن السَيَّد إذا قتل الجارية يَسْقُط  المهر ، والمذهَب الآخر الذي نقلناه مخرَّج، وهو القياس ، ثم قالوا في تعليل النصِّ:","part":1,"page":187},{"id":1166,"text":"سببه  فواتُ المعقود عليه قبل التسليم، فصار كفوات المبيع ، وَمنهم من عَلل: بأن هذا إتلاف من العاقد، ومُسْتَحِق المهر ، وبنوا على العلَّتين قتل الحُرَّة نفسها؛ لأنها عاقدة ، وقَتل الأجنبي الأمة ؛ لأنه يفوت المقصُود وَلم يتخيَّل أحَد خلافاً في الحُرَّة إذا ماتت أو قتلها أجنبي ؛ إذ المهر يستقر وفاقاً ، فمن فرق  بين الأمة والحُرَّة كأنه  يعَول على أن يَد السَيِّد ثابتة عليها، وليسَ يجب تسليمها إلى الزوج في جيمع الأحوال ، وَهو في تزويجها كالمتصرف في ملكة؛ فإذا فُوِّتت  كان ذلكَ كتفويت المبيع، وهذا لا يتجه إلا على بُعد  فأمَّا  الفرق بين أن تَمُوت الأمة وبين أن تقتل نفسها فلا يتجه أصلاً، ولو  قَتَلت الأَمة نفسها، كان كقتل الأجنبي؛ فإنها ليست عاقدة أصلاً \rالمسألة الثانية: إذا باع السَيَّد الجارية لم ينفسخ النكاح خلافاً لابن عباس ، فإنه جعل تجدَّد الملك كتجدد الرق  دَليلُنَا ما روى أن بريرةَ اشترتها عائشة","part":1,"page":188},{"id":1167,"text":"[رضي الله عنها] وَاعتقتها، وخَيَّرها، رَسُول الله، وَلم يُقَدِّر انفساخ نكاحها، وَمسلكُه من طريق المعنى وَاضح؛ فإن الرق (لا يُغَيّر) وَصفها، وَالملكُ لا يُبَدِّل منها إلا بالإضافة (من مالك إلى مالكٍ)، وإنما النظر وراء هذا في المهر، فنقُول: إذا جرت تسمية صحيحة في العقد فالمهر (للبائع)، ولكن إذا لم يكن مُسَلَّماً فليس له بعدَ البيع منع الجارية منه؛ إذ لا يبقى له بعد البيع تصرُف على الجارية وحقٌّ، وليسَ للمشتري أيضاً المنع، وليس مستحقاً للمهر، فيَستفيد الزوج بالبيع بطلان حق الحبس، وهذا جاري أعني ثبوت المهر للبائع صَحَّت التسمية أو فسدَت؛ فإن وجُوب مهر المثل عند فساد التسمية يستندُ إلى العقد، فأما إذا كانت مفوضةً وقلنا: أنها تستحق بالعقد فهو كذلك، وإن قلنا: تستحق بالمسيس ففيه ترددٌ؛ لأن من الأصحاب من يُحيلهُ عند جريان المسيس على العقد على ما سنقرره في كتاب الصداق، وَمما يتفرع على هذا أن لهُ في صورة التفويض المُطالبة بالفرض قبل جريان المسيس كما إذا دَامَ ملكُه عليها، وَلو أعتق الجارية فالقول في المهر كالقول في البيع فحَيثُ يكون للمشتري يكونَ لها، وحيث يكون للبائع فهوَ للمالك، هذا هو القول في الرقيقة\rفأمَّا العَبد فقد ذكرنا أنهُ إذا نكح تعلق المهرُ بكسبه، فإذا بِيْع بعدَ أدَاءِ المهر فطلَّق ورجع التشطرُ فإنما يرجع إلى السَيَّد؛ لأنه أدَّاهُ من كسبهِ، وَسببُ استحقاقه العقد، وقد صدر عن إذنه، (وقد حكى) الشيخ أبو علي وَجهاً بعيداً أنه يرجع إلى المشتري؛ لأن سبَبهُ الطلاق وقد جَرى في ملكهِ وَهو بعيد، فأما إذا بِيْع قبل الأداء فاكتسب في ملك المشتري وأدَّى، فإذا تشطر الصدَاق فإلى من يعود فيه وَجهان بناءً على المذهب الصحيح:\rأحدُهما: أنه يَرجع إلى المشتري؛ لأنه اكتسبَ في ملكه بخلاف الصورَة السابقة","part":1,"page":189},{"id":1168,"text":"والثاني : أنه يرجع إلى البائع، (وكأنَّ أداء)  المهر كان مُستحقاً قبل الخروج من ملكه، فوقع ذلكَ مُستثنَى في البيع ، وَهذه الاختلافات والتفصيلات بأعيانها تجري في العتق، ويكون العبد بَدل المشتري في الاستحقاق عند  العتق، وَالوَجهُ النظر إلى الكسب؛ فإنه إذا اكتَسب في الحُرية فيبعُد أن يُقال وقع ذلك في حُكم المُستثنى عن الإعتاق فرجع  الشطر إلى السَيِّد بل يتجه على نقيضه أن يُقَال: (كان العَبد)  يستحق أن يُؤَدِّي المهر من كسبه فلم يُؤَدّ، وَبقيت ذمَّته مُرتهنَةً بعدَ العتق ، ويتفرَّع على (الأصل مسألتان) :\rإحداهما: أن أجنبياً لو أدَّى مهرَ المرأة  من غير رُجُوع إلى الزوج فلها الامتناع من القَبُول، ولكن إن قبلت حصل  براءة الزوج عن المهر، وَكان  ذلكَ في حُكم [فداء]  فلو طلقها قبل المسيس فشطرُ المهر يرجع إلى الأجنبيِّ؛ لأنه خرجَ عن ملكهِ فيعُود إليه إلا على الوجه البعيد  في النظر إلى حَالةِ الطلاق وكونه سبباً للملكِ ، فأمَّا وَلي الطفل إذا تبرَّع بأداء مهره ثم جَرى طلاق قبل المسيس، فإن قَصد به الفداء فهو كالأجنبي، وإن قصدَ به التمليك فهو متمكن من ذلك فيرجع النصف إلى الصبي؛ لأنه وقعَ ملكاً لهُ، وإن أطلق (القول فهذا تردُد)  بين الفداء وَالتمليك فيتطرَّق إليه  احتمال ظاهر، ويتفَرَّع عليه أنه إذا جُعِل فداء جاز للمرأة الامتناع، وإنما تجبر على القبول إذا قَصَدَ التمليك \rالفصْل السَّادِسُ: في وَطء الأب جارية الابن\rوذلك لا يخلو إما إن كانت الجارية مَوطوءة للابن  أو لم تكن، فإن لم تكن فلا يخلوا: إما أن (يُحْبِلَها أو لا)  يُحْبِلَها، فإن لم يُحْبِلَها فالكلام في (ثلاثةِ أحكام) :\rأحدها: الحَدُّ، وَهُوَ ساقط لمكان الشُبهة؛ إذ للأب في مال وَلدهِ شُبْهَةُ الإعفافِ عند الحاجة، وبمثل هذا أسقطنا عنهُ حَدَّ السَرقة إذا سرق ماله ","part":1,"page":190},{"id":1169,"text":"وَالثاني: المهر، وهو وَاجبٌ؛ لقيام حُرمة دافعة للحَدِّ ، وَمن أصحابنا من قال: إن كانت مُكرهةً وجب وإلاَّ فعلى خلاف كالغاصب  إذا زنا بالجارية؛ لأنه  زنا، وهو فاسد؛ إذ إسقاط الحد يدفع هذا الخيال \rالثالث: تحريمُ الجارية على الابن على التأبيد؛ لأنها صارت مَوطوءة الأب، وَهو ثابت؛ لأن الوطء مُحتَرمٌ بدَليل وجوب المهر، وسقوط الحد، فالتحق بوَطء الشبهة، وانفصل عن الزنا المتمحَّض تحريمه \rفأمّا إذا أحبلها فالأحكام الثلاثة على ما مضى ، وأبو حنيفة لا يُوجب المهر، ويَدرُجُه تحتَ  قيمة الجارية؛ فإنه يَرى حصُول الاستيلاد ، ونحنُ نتكلمُ في أحكام:\rأحدُها: النسبُ، وهو حاصل لحُرمة الوطء ","part":1,"page":191},{"id":1170,"text":"والثاني: الحرِّية، وَالولد ينعقِد حُراً قطعاً؛ لما ذكرناه من الشُبهة، وَهوَ كما لو وطئ جارية أجنبي بشبهة تثبت الحُرِّية، وهل تصيرُ [الجارية] مُستَولدة لهُ حتى ينتقل الملكُ إليه فيه قولان، المنصوصُ عليه: أنها تصير مستولدة، وهوَ مذهب أبي حنيفة، ووَجههُ: أن (الحد منفي) مع العلم بالتحريم فكيف ينقدحُ ذلكَ إلا بعد تقييد شُبهَة الاستيلاد لو أفضى الأمرُ إليه، وإلا فالتحريم ناجِز، وَالملكُ منتفي فلِمَاذا لا يجب الحد! والثاني: وَهوَ القياسُ (وهوَ اختيارُ) المزني أن الاستيلادَ لا يحصل؛ لأنه لا مِلكَ له في الجارية، وَليسَ من ضرورة حُرِّية الولد حصُول حرمة الاستيلاد، وَحكى عن صاحب التقريب قول ثالثٌ: أنه يُفرّق بين المُعسر وَالمُوسر كما في إعتاق الشريك، وَكما في إعتاق الراهن على أحَد الطريقين، وَهوَ بعيد؛ إذ سبَبُ الاستيلاد هَاهُنَا هو حُرمَة الأبوَّة أو شُبهة الملكِ، وذلك لا يختلف باليَسار وَالإعسار، فأمَّا عتق الشريك فإنما ينظر فيه للشريك، فلذلك يُفَرَّق، والرهنُ يقَاربه من وجهٍ، وَإن بَعُد من وجهٍ فاختلف (فيه النظر لذلك) ثم على ما نقلهُ صاحبُ التقريب يلزم تأخير الاستيلاد إلى وقت أداء القيمة على تفصيل للمذهب في إعتاق الشريك فلنطرد الأمر فيه بكماله\rالتفريع: على القولين إن قضينا بأن الاستيلاد لا يحصُل (ترتبَ عليه\rثلاث) مسائل:\rإحداها: أنه يجبُ عليه قيمةُ الولدِ اعتباراً بيوم الانفصال إذا انفصل حياً، وإن انفصل ميتاً فلا كما ذكرناهُ في باب الغرور\r(والثانية): أنه إن اشتراها يوماً من الدَهر فهل تصير أم وَلد لهُ فعلى وَجهين مشهُورَين لا اختصَاصَ له بالأب، بل يجري في وطء الشُبهة [من الأجنبي] كما سيأتي في كتاب الاستيلاد","part":1,"page":192},{"id":1171,"text":"(الثالثة) : أن الجارية تبقى حاملاً بولد حُر فلا يصح (بَيعُها)  على ظاهر المذهب  فلو أرَادَ الابن تغريم الأب بهذه  الحيلولة هَل له ذلك  وجهان، وَالظاهر المنع؛ لأن يَده مستمرة (وانتفاعه به ثابت)  وإنما هو  تأخير بيع إلى أيام ، وأما  إذا فرعنا على ثبوت الاستيلاد فلا شكَّ  في وُجُوب قيمة الجارية ، وفي وجوب قيمة الولد وَقد انعقد حُراً  خلافٌ مبنيٌّ على أن الملك ينتقل إليهِ  قبيل العلوق ، أو معه ، أو بعده ، فإن قلنا: ينتقل قبله فلا قيمةَ ، وإن قلنا ينتقل بعدَهَ فتجب القيمة ، وإن قلنا: ينتقل معَه، فمن  أصحابنا من قال: فائدتهُ وجُوبُ قيمة الولد؛ إذ الملك ليسَ سابقاً عليه ، فهو  بعيد، فالوجهُ أن يُقال على هذا التقدير: لا قيمة؛ إذ الملكُ إذا قارَن العلوق لم يمكن  إطلاق القول بتفويت رقٍ على الابن، وأثر  هذا التقدير نفي القيمة  هذا وجهُ البناء على التقديرات، [وهو صحيح، فأما وَجهُ التقديرات]  مَن رأى التقديم  حاوَل تعظيم حُرمةَ الأب، وتقدير علوقه في مِلْكِه؛ إذ المقصود من النقل احترامُ مائه ، وهذا يكاد يَجُرُّ إلى مذهب أبي حنفية في تقديم  الملك على الوطء حتى يسقط المهر لكي يكونَ الولد من وَطء حلال ","part":1,"page":193},{"id":1172,"text":"والثاني: أنه يحصل بعد العلوق؛ لأن عِلَّته العلوق، والمعلول يترتب على وُجود العلة، وَهذا كما أن من اشترى قريبَهُ مَلَكه ، ثم يعتق عليه بعد حصُول الملك ، وَهذا بعيد؛ إذ المعلول يساوق العلة، ولا يتخلف عنهَا، والأصح  أن الملك يحصُل معَ العلوق مقروناً به فإنه سببَهُ ، وأما عتق القريب قال الشيخ أبو إسحاق المروزي: يحصل الملك وَالعتق في حالة وَاحدةٍ، وزعمَ أن الجمع بين النقيضين وتقديرهما  غير بعيد، وإنما يتعذَّرُ  تحقيقاً ، وزَيَّف الإمام هذا، وقال لا يتصوَّر العتق إلا بعدَ الملك فينظر  إلى التأخير بخلاف مسألة العلوق ، وَما ذكرهُ أبو إسحاق لا يخلو عن غَوْر، فإنه يقول القرابة سَبَبُ الزوال، والشراء سبَبُ الملكِ، وَهما يزدحمَان على حَالة وَاحدة؛ إذ القرابة لا تفيد العتق إلا إذا صادَفت محلاً فيترتب على تعارُض الحال  والمزيل اندفاع الملك، ويُقضى بحصُول العتق في وقت حصُول الملك، ولا ينكر اندفاع  الملك في نظر الناظر عن عدم الملك؛ وَلذلك نقُول: تجبُ قيمة الولد على الواطئ بالشُبهة مِلك  الغير؛ لأنه فوت الحُريَّة، ولا نقول: انعقَد رقيقاً ثم عتق، بل نقول: وقعت الحُرِّية في حالة يقع الملك (فيها لو لا سبب)  الحُرِّية فازدحم السببان، واندفع الملكُ، وحصلت الحُرِّية، فخرج من هذا  أن الأَصَحَّ أن الملك يَحصُل مع العلوق وَأن  قيمة الولد لا تجبُ، هذا إذا لم تكن الجارية موطوءة [الابن]  ، فإن كانت مَوطُوءةٌ فأوَّلُ مردود  وُجُوب الحَدِّ على الأب، فإنّه  لا يجب؛ لقيام شبهة الإعفاف كما سبق ، ثم على هذا يخرج جميع الأحكام على التفصيل السابق  إلا في أمر وَاحد، وَهُو أَنَّا وإن أثبتنا الاستيلاد فلا يثبت (لهُ حل)  غشيانها؛ لأن التحريم المُؤبد لا يتغيَّر بأمر طارئ ، والقول القديم إيجابُ الحَد عليه، وهو القول الذي يجري في كل تحريم مُؤبدٍ لم يختلف العلماء فيه،","part":1,"page":194},{"id":1173,"text":"ولم (يلتبس على الواطئ )  حتى طُرِد ذلك في الأخت المملُوكة ، ومنهم من طرَدَهُ في الجارية المشتركة ، ولم يطرده  في وَطء الحائض؛ إذ الوطء غيرُ مُحرَّم إنما المُحَرَّمُ ملابسَةُ الأَذَى ، ثم اختبط تفصيل المذهب في تحصيل  النَّسب، وَحُرمَة الاستيلاد في هذه المسائل التي هي مجاري القول [القديم] ، وَحاصل ما ذكروه ثلاث  مَراتب:\rالمرتبةُ الأولى: الجارية المشتركة لم يتجاسَر أحَدٌ على نفي الاستيلاد فقالوا: يحصل النسبُ، ويثبت الاستيلاد في النصف ، وهل يَسري إلى الباقي على تفصيل ؛ لأن النصف مملوك، وكأن  التحريم في النصف ليس يثبت، ولكنه لا يقدر على التمييز فهو كاللبن المشوب بالخمر ، وَأمَّا الحَدُّ فقد ترددوا فيه على القديم  فالذي ذُكرِ ظاهراً وجوب الحد لتأبد التحريم، وَهذا مناط القول القديم ، ومنهم من قال إثبات النسب مع إيجاب الحد بعيد، وهذا  احتمال رَدَّدناهُ وليسَ منقولاً بعينه ؛ إذ يحتملُ أن يُحال الحَدُّ على الزَّجر عن التحريم المحض، فينفذ  الاستيلاد لمُصَادفته الملك (فينقطعُ مسلك)  النَسب والاستيلاد عن الحدِ ، وَهذا كما يجبُ الحدُ باللواط  بالغلام المملُوك ، ويجبُ الحد بشرب الخمرة المحترمة التي لا تراق لحُرمَة مالكها \rالمرتبة الثانية: في وطء الأخت المملُوكة، ووُجُوب الحَدِّ في القديم منصُوص عليه ، وَأمَّا الاستيلادُ، والنسبُ ترددوا فيه، منهُم  من طردَ القياسَ وقال: لا يحصلُ؛ لأنه زنا لا حرمَة لهُ  ومنهُم [من قال] : صادف الوطءُ الملكَ فيبعَد أن لا يثبت النسبُ والاستيلاد ","part":1,"page":195},{"id":1174,"text":"المرتبة الثالثةُ: وَطء الأب جاريةَ الابن، وهي موطوءةُ الابن، أمَّا الحَد فيثبت، وَأمَّا الاستيلاد  فالظاهرُ أنه لا يثبت؛ إذ لا ملك، ولا حُرمَة معَ إيجاب الحد ، وَمنهم من أثبت الاستيلاد لشُبهةَ الملكِ، وَصَرف الحد إلى الزجر عن المُحرَّم ، قال الإمامُ: وهذا القول القديم في إيجاب الحد، ينبغي أن يجري في جارية الابن، وَإن لم تكن موطوءة؛ لأن التحريم ناجز على  قَطْع فإنا على هذا القول قد نوجبُ الحد على أحد الشريكين إذا وطيء الجارية المشتركة، فيخَرَّج على هذا نفي الاستيلاد، وَالنسب، وَنفي حرمة المصاهرة، وبقاء الولد على الرق ، هذا تمامُ التفصيل في المسألة تفريعاً على البعيد والصحيح\rالفصلُ السابع : في إعفاف الابن أباه\rوتمهيد المذهب أنه يجب على الابن الموسر أن يُعف أباه المحتاج، هذا هو المذهب ، وقال أبو حنيفة: لا يجبُ على الابن [إعفاف]  أبيه، كما لا يجبُ على الأب إعفاف\rابنه ، وإليه صارَ المزني ، وذكر ابن  خيران  قولاً في المسألة يوافق مذهب أبي حنيفة ، وهو القياس، فأجرى العراقيُونَ والمراوزةُ المسألة على قولين ، والقياسُ منع الوجوب؛ إذ لم يثبت في المسألة حديث، وليَس يلُوح بين الأب والابن فرق إلا أن المذهب حصُول الاستيلاد في وطء الأب جارية الابن ، ولكن لا يستقيم هذا الاستدلال  على المزني، وهو لا يرى حصول الاستيلاد ، فإذا تمهَّد أصلُ الفصل فيتصَدّى للناظر بعده النظرُ في مواضع ثلاثة:","part":1,"page":196},{"id":1175,"text":"أحدُها: النظرُ في الحالةِ التي يجب (فيها الإعفاف ) ، وَظاهرُ المذهبَ أنه يتبع وجوب النفقة، والنفقة واجبة للأب الزَّمِن  المُعسر ، وفي وجوبها للقويِّ المعسر قولان فيخرَّج الإعفافُ عليه، هذا ما ذكره بعض الأصحاب ، ومن أصحابنا من رتَّب وُجوب الإعفاف على وُجُوب النفقة ورآه أولى بأن لا يجب في محل القولين؛ لأن إيجاب الإعفاف أبعَد ؛ ولذلكَ لا يجبُ على الأب لولده، ولا على بيت المال لأحدٍ من المسلمين بخلاف النفقة ، وكل ما ذكروه لا يُشفى الغليل في البيان، فالوجه  فيه: أن يقال: الأبُ المعسر إذا كان لا يحتاج إلى الإعفاف لفتور شهوته فلا يستحق الإعفاف قطعاً ، وإن استحق النفقةَ فلابد من حاجةٍ ، ثم يتصَدَّى فيه رأيان:\rأحدهما: (أن يعتبر خوف)  العنت  على ما ذكرناهُ في باب نكاح\rالإماء وفصَّلناه ","part":1,"page":197},{"id":1176,"text":"والثاني: لا  يعتبر خوف العنت بل يعتبر شِدَّة الشهوة، وَعُسر المصُابرة ، وإنما يظهَرُ  الاختلاف بين المسلكين في حق التقي الصَالح، فأما الفاسق فإذا اشتدَّت شهوَتُه فلابُدَّ أن  يخاف العنت، ولا ينبغي أن يكتفي بأصل الشهوة، إذ معظم من يشتهي الجماع [يضره الجماع]  فليسَ ذلكَ من الحاجات أصلاً، ثم الوَجهُ في هذا الرجُوع إلى قول الأب، فإن تحليفه على الشهوَة لا يليق بمنصبه، وَإقامَة البيَّنة محال، فيكتفي بقوله، وهذا يعود إلى ما ذكره الأصحاب في أن المستحق للنفقة مهما طلب الإعفاف لزم الإسعاف؛ فإنه إذا طلبَ فيستدعي  شهوةَ الجمَاع، وَلكن السبب (المحال)  لطلبه ما ذكرناه  فلابُدَّ من الإحاطةِ به ، وقد  اختلف أصحابنا في أنهُ لو كان في يده بلاغ يغنيه عن النفقَةِ أياما وَلكنَّه لا يفي بالنكاح، فهَل على الابن (الإعفاف)   وهذا الخلاف لا وَجهَ له؛ لأنه إذا ظهرت حاجَةُ الإعفاف فلا معنى للنظر إلى الاستغناء عن النفقة، ورُبما يستغني عن النفقة بأسباب لا تُغنِيه عن الإعفاف \rالموضع الثاني: فيمن يجبُ إعفافهُ، وهوَ الأبُ، وَأب  الأب وَإِن علا، والجد أبُ  الأم [وإن]  علا ، ولم يتردَّد الإصحاب فيه ، وإن ترددُوا في أن الرجُوع في الهبة هل يختص بأب الأب ؛ لأن ذلكَ ثبت بحديث خارج عن القياس ، وأما هذا فقد فهمَ منهُ حاجة (تضاهي)  حاجَة النفقة معَ حُرمَة الأبوة، وَلو اجتمع هؤلاء وفي ذات يد الابن [ما يفي]  بإعفاف الكُلِّ وَجبَ عليه ذلك، وإن لم يف إلا بواحد فالأبُ أولى ، ولو اجتمع أبُ  الأب وأب الأم فأبُ الأب  أولى لتساويهما في القرب، وقُوَّة (الأدلاء بأب)  الأب ، وحكى الشيخ أبو علي وَجهاً غريباً في التسوية لم يُرَ لغيرهِ فلا تعويل عليه ، نعم أبُ أبِ الأبِ وأبُ الأم إذا اجتمعا، فللعراقيين فيه اختلاف على وَجهين؛ لتعَارُض القرب وقُوَّة الأدلاء:","part":1,"page":198},{"id":1177,"text":"أحدُهما: أن القُربَ أولى \rوالثاني: أن القرب يقابله مزيد القوة، فيتساويان \rقال الإمام: وكان ينقدح تقديم الأقوى كما يقدَّم  ابن الأخ في العصُوبة في الولاء على الجَدِّ  لتأكُّد إِدلائه، هذا ما ذكره، ولم [ينقله]  وَجهاً ، ثم إذا قضينا بالاستواء فلا سيبل إلى القسمة؛ إذ لا ينتفع واحد منهما به ، فقال أصحابنا: يقرع بينهما ، وقال الشيخ أبو علي: يجتهد القاضي في تقديم  من يَراه أحوَج ، وَحاصلُ هذا خلافٌ في أنهما إذا استويا في دَعوى الحاجة فعلى وجه تُحَكَّم القرعة ، وَعَلى وَجه يُحَكَّم رأي القاضي  حتى يستبين بالمخائل ظهُور الحاجة ، ثم لا شك أنهما  لو استويا في ظنِّه فالَحاكم لا يقدم بالتشهى فيعُود  إلى القرعة \rالموضع الثالث: فيما به الإعفاف، وفيه مسائل:\rإحداها: أنه يخرج عنه بأن يُقْبل له نكاح حُرَّة مُسلمة كانت أو كتابية، وكذلك بأن  يُسَرِّيه جاريةً، ويُمَلِّكَه، وكذلك بأن يُسَلِّم إليه صَدَاق امرأة، أو ثمن جارية، ثم يَلْتَزِم مَؤونة الزوجَة في دوَام النكاح \rالثانية: هو أنه لا يخرُج عن الإعفاف بأن يُزَوِّجهُ  عَجُوزاً شوهاء لا تَسُدَّ مَسَدّاً، أو معيبةً ببعض العيُوب، ويكون ذلكَ كالطعام الفاسد الذي لا ينساغُ في النفقة \rالثالثة: ليسَ للأب أن يُعَيَّن امرأة رفيعةُ المهر، نعم (له تعيين)  مقدار المهر، وَهُو أقل ما يكفي، وإليه  تعيين آحاد [النساء] ، ولا احتكام للابن فيه \rالرابعة: أنه لا يجبُ عليه تسليم الصدَاق قبل نكاحهِ، بل لهُ أن يُسَلِّطهُ على النكاح، ثم يستوفى  الصدَاق بعد النكاح \rالخامسَة: إذا زوَّج منه مَرّة  واحدةً فهل يجبُ ثانياً لا شك في أنه يكفيه\rزوجة واحدة، وَلكن إن ماتت فيجب عليه أن يُزوج [منهُ]  أخرى؛ إذ لا","part":1,"page":199},{"id":1178,"text":"(إعفاف)  بالميتة ، وذكر العراقيون وجهاً: أنه يسقط بدفعةٍ واحدة، فإن النكاح (وظيفة)  العُمُر، والأصل فيه أن لا يتكرَّر ، وَهوَ بعيدٌ ، فأمَّا إذا طلقها ففيه\rوَجهان ظاهران:\rأحدُهما: الوجوبُ للحاجة \rوالثاني: أنه لا يجبُ؛ لأن القطع حصل من جهته ، فأمَّا  إذا فسخ\rنكاحها ببعض العيُوب، أو انفسخ لا باختياره فيجب [تجديد]  الإعفاف كما\rفي الموت ، وَأما إذا رابه منها أمرٌ فطلقها لغرض صحيح، ترددوا فيه في ذلك، منهم من ألحقَه بالفسخ ، ومنهم من ألحقه بالطلاق من غير غرض  ، فأما إذا كان مطلاقاً بحيث يُنسَب في العُرْف إليه، فلا يجبُ عليه التجديد؛ لأن ذلك مما لا يتصوَّر الوفاء به \rالسادسة: لو زوَّجَ منه أمةً فيه وجهان، يرجع حقيقتهما إلى أنه هل هو عاجز عن  شرط نكاح الإماء، فمنهم من قال هو  عاجزٌ إذ لا مالَ لهُ ، ومنهم من قال هُو قادرٌ بمال وَلده وَمال ولده، ينزل منزلة مَالهِ ، ويجري هذا الخلاف فيما لو تزوَّج هُو وَله ابنٌ موسِرٌ \rالسابعَةُ: لو ملكَ الابن جارية فأرادَ أن يُزَوِّجها [منه] ، أو أراد الرجل أن يتزوج بجارية ابنه ابتداء، فإن قلنا: لا يتزوج بجارية أجنبي؛ لأنه موسر بمال وَلده فلا يصح النكاح ، وإن قلنا: يتزوَّج إن  كان الابن معسراً لا يملكُ إلا هذه الجارية (وهو لا يفي)  لا تفى بإعفافه، فيُبنَى  صحة نكاحه على حصُول الاستيلاد ، وَلو وَطئ جاريةَ ابنه فإن قلنا: لا يحصل الاستيلاد يصح النكاح، ويلتحق الابن بالأجنبي، وإن قلنا: يحصل الاستيلاد فلا يجوز النكاح؛ لأن المقصُود منه الاستيلاد، وسيفضي إليه، وينفسخ العقد \rولو كان الأب عبداً فتزوج  بجاريةَ ابنه الحُر جاز ذلك قطعاً؛ إذ لا يجري  الاستيلاد؛ فإن من ضرورةَ تقدير الاستيلاد ملكٌ، ولا يتقدَّر الملك للعبد، ولا يرد","part":1,"page":200},{"id":1179,"text":"أيضاً من جهة اليسار بمال الولد؛ إذ لا حق للرقيق في مال وَلده الحُرِّ ، فأمَّا إذا نكح الحرُّ جارية أجنبي  (فملكها)  ابنه، قال أصحابنا: لا ينفسخ العقدُ، وإن كنا\rنمنعه  ابتداءً ، بخلاف ما إذا مَلَكَ هُو في نفسهِ فإن ملكَهُ يرفع  النكاح دوَاماً وابتداء ، والفرق أن المنع منه ابتداء إما بعلَّة  اليسار، وأما بعلة  الاستيلاد، أمَّا اليسارُ الطارئ فلا أثر له، وأمَّا الاستيلاد فمُنتهاهُ تَوقعُ انفِسَاخ، والعقود في ابتدائها تُبعَّد عن هذه التوقعات، فأما أن ينقطع دوَامه بمثلها فلا، وَأما  ملكُ الرجُل في نفسه فهو (يُضاد ملكَ)  اليمين ، قال الإمام: ورأيتُ الشيخ أبا محمد في بعض مناظراته ألزَمَ هذه المسألة  في مسألة ملك المرأة زوجَها المكاتب بالإرث فارتكبه ، وَقال: ينقطع النكاح، ورأيتُ ذلكَ لبعض أئمة الخلاف، ولم ينقله الشيخ في المذهب ، نعم قال أصحابنا: لا ينكح السَيِّد جارية مُكاتبه؛ لأنه لو استولدها ينقلبُ الملك إليه، وينقعدُ الولد حُرّاً، ويحصل الاستيلادُ كما في حق الأب ، ثم ذكروا وجهين فيما لو ملك المكاتب زوجة السيد في أنه هل ينقطع  فمن هذا يتَّجه ذلك الوجه البعيد في الانقطاع، وتحصيل الاستيلاد في جارية المكاتب  لَعَلَّه مبنيٌّ على تحصيله في الأب، حتى إذا منعنا ذلك في الأب على القول البعيد منعنا في المكاتب، فإن جارية المكاتب مِلْكه ، وَيتصل بهذا المسلك  أمرٌ، وهوَ أنه إذا ملك الابن زوجتهُ ، وقلنا: لا ينقطع ، فلو علقت بعد ذلك بمولود فالمذهب أنه ينعقد على الحُريَّة، ويحصل الاستيلاد، وينفسخ النكاح، كما إذا وطيء في غير النكاح ، قال  الشيخ أبو علي: لا ينقعدُ على الحُرية؛ إذ الوطء في ملك النكاح لا يقتضي حرية الولد، فلا  يحصُل الاستيلاد ، وهذا بعيدٌ؛ إذ لو صح لحَكمنا بصحة النكاح ابتداء، كما قالهُ أبو حنيفة تعويلاً على أن الاستيلاد لا","part":1,"page":201},{"id":1180,"text":"يحصل  في دوام النكاح ، فمنعُ النكاح لا مأخذ له إلا هذا فلا  سبيل إلى رفعه   (هذا تمامُ الفصل) \rالفَصْلُ الثامن : في تسَرِّي العبد\rوهو ممنوع على قولنا: إن العبدَ لا يُملكُ بالتمليك ، وإن قلنا: يملِكُ فمُجَرّد  التمليك لا يُسلِّطه على التسري ، وإن أَذِنَ له السَيّد في التَّسَرِّي فظاهرُ المذهب وبه يقطعُ  الأئمة جَواز التسري، (ولا)  لا ينعقدُ ولدُه إلا رقيقاً ، وقد نقل أن ابن  عُمَر  (كان يُسَرِّي عبيده جَواريَه) ، وقال الأستاذ أبو إسحاق: [إن]  العبدَ لا يتسرى بالإذن؛ لأن الإذن لا ينفي ضعف الملك في حقه، وَالتسري\rيستدعى ملكاً قوياً ، واحتج بما روى عن ابن عُمر  أنه قال: (لا يطأ الرجُل إلا وَلِيدَةً إن شاء باعها، وإن شاء وَهبها، وإن شاء صنع  بها ما شاء) ، والعبد المملوك لا يملك البيع والهبة ، وقد حمل أصحابنا هذا من ابن  عُمر على النهي عن الوطء في زمان الخيار، فإنه لم يتعرَّض للعَبد في كلامهِ \rالفَصْل التاسع : نكاح الزانية صحيح\rوهو جائز على كراهية، ووَجه الكراهية بَيِّنٌ ، وعن  الحسن أن نكاح الزانية باطل  تَعَلُّقا بقوله :  •       وقد قيل: [إن]  الآية منسوخة ، وقيل: أراد بالنكاح الوطء من غير عقد  ، وقيل: المرادُ\r[به]  الزجر عن اقترابهن، وقد يجري في الزجر مبالغات، وإن كان يُراد به\rالكَراهيةُ ، ثم الزنا لا يُوجبُ العِدَّة على المَزْني بها فينعقد النكاح، وهي حامل؛ إذ حَمْل الزنا لا حُرمَة له ، وفي حِلِّ الوطء بعدَ صحة النكاح وقبل  وضع  الحملِ وجهان:\rأحدهما: الحِلُّ لسقُوط تلك الحُرمة ","part":1,"page":202},{"id":1181,"text":"والثاني: التحريم، صيانةً لماءِ النكاح عن الاختلاط، وَإليه ذهبَ ابن الحداد، وَلفظُ الشافعي [رحمه الله] يدل على الجواز، فإنه قال: وأُحِب أن يُمْسِك عنها حتى تضع، هذا تمامُ الغرض من القسم الحاوي للفُصُول المُقدَّمة، وبه تمامُ الغَرض من جملة كتاب النكاح، [والله أعلم]","part":1,"page":203},{"id":1182,"text":"- البسيط كتاب الصداق\rكتاب الصداق\rومقصود الكتاب يحصُره أبواب\rالبابُ الأوَّلُ\rفي حُكم المسمَّى الصحيح\rوفيه فُصول:\rالفصْل الأوَّلُ: فيما يجوزُ أن يُسمّى صداقاً\rوفيه مسائل:\rإحداها: أن أقل الصدَاق لا يتقدَّر عند الشافعي [رحمه الله]، وقال أبو حنيفة\r[رحمه الله]: يتقَدَّر بنصاب السَرقة، وإليه ذهبَ مالكٌ [رحمهُ الله] وأبو ثور، ثم نصابُ السرقة (عند أبي) حنيفة عشرة درَاهم، وَعند مالك ثلاثة [دراهم] وثلث، وعندَ أبي ثور خمسةٌ، وذهب ابن المُسيِّب وسفيان الثوري، وَالحسن، والأوزاعي، وإسحاق، إلى أنه لا يتقدر الصدَاق كما ذهبنا إليه\rالثانية: أكثرُ الصدَاق لا ضبط له، نعم المستحبُ ترك المغالاة قال عمرُ --: (لا تُغالُوا في مهور النساء؛ فإنه لو كان ذلك مكرمة لكان أحقهم بها رسُولُ الله، فقامت امرأة فقالت: الله يُعطينا ويمنَعْنَا عُمَرُ، فقال: أينَ ذلك فَقَرَأَت، قولَهُ تعالى:\rفقالَ: كُل الناس أفقَه من عُمر، أصابت امرأةٌ، وأخطأ رَجل)، فبان به أن ذلك جائزٌ، وليس بمكروه، ولكن تركه مستحب، وَليسَ كل ما يستحب [تركه يكره فعله]","part":1,"page":1},{"id":1183,"text":"الثالثة: أنه كما يجوز أن يصدقها كل ما يتموَّل مما يصح عليه البيع يجُوز أن يصدقها كل منفعة متقوَّمة يصحُّ (عليها الاستئجار)  حتى تعلّم القرآن، وما يجري مجراه من الخدمة وَالعمل ، وقال أبو حنيفة: لا يصدقها منفعة حُرٍّ، ويصدقها منفعة عبد، ويصدقها سُكنى الدار، في خبط طويل ، فإن قيل: وما الذي تجوز الإجارة عليه من المنافع قلنا: الكلامُ فيه يَطول، وَالتشاغل  به في كتاب الإجارَة أولى، وإن جرى رَسمُ الأصحاب بذكره في هذا المقام  وَضابطه: كل عمل معلوم يلحق العاملُ فيه كُلفة، ويتطوَّع به الغير عن الغير فيصح الاستيجار عليه، وما يصح الاستيجار عليه يجوز أن يُجعَل صداقاً \rالرابعة: إذا أعتق أمةً ، وجعل عتقها صدَاقها نفذ  العتق، وَلم يكن صدَاقا لها؛ إذ لا يلزمها الوفاء بالنكاح، نعم عليها قيمة رقبتها، فإن  جعل تلك القيمة صداقاً صح إن كان معلوماً ، وإن كان مجهولاً هل  يصحُ الإصداق ، فيه تردُدٌ ذكرناه في كتاب النكاح في نكاح  الإماء ","part":1,"page":2},{"id":1184,"text":"الخامسَةُ: إذا زوج ابنتَهُ بأقل من مهر المثل، فهل (تصح هذه التسمية)  أم يُعْدَل إلى مهر المثل فيه خلافٌ ذكرناهُ في كتاب النكاح ، واختتام الفصل بالتنبيه على حَقِيْقَةٍ، وَهوَ أن الصدَاق في عقد النكاح هل يثبت على حقائق الأعوَاض اختلفَ فيه المُحققون، فقال: قائلون: ليسَ الصدَاق على حُكم الأعواض  ، ويشهدُ له من الكتاب قوله تعالى:          سمَّاهُ نحلة، وَعَطيَّةً، ويشهد به حَقِيْقة معنويَّة: وَهو أن مقصُود النكاح الاستمتاع، وهما شريكان  فيه، ولَعَّلَ حظهَا أوفَرُ؛ لوفُور شهوَتها وبُعدِها عن الفُتُور، وإلزام  العوض عليه في مقابلة الاستمتاع، وَهي مشاركة له فيه، (فيه بُعْدٌ) ، نعم هي تحفة تُقَدَّم لاستمالتها ولتهيَّئة  أسبابها، وَوُظِّفَت على الزوج؛ إذ النكاح يقتضي ضروباً من الحجر عليها في  ملازمَة البيت، والمنع من الاكتساب، وَغير ذلك، نعم قد يرتدُّ الصدَاق عندَ جريان فسخ تابعاً لزوال النكاح، كما يثبت في الابتداء تابعاً لثبوته، وشَهِد  لهذا المسْلَك أن النكاح لا يفسد بفساد العوض، ولا يَرْتدُّ برَدِّه، ولا يبطل بترك ذكره  بخلاف البيع ، وذهب ذاهبُون إلى [أن]  الصدَاق عوض يَثْبُت على حقائق الأعواض، وشهِدَ  له صيغةُ المقابلة في الإيجاب وَالقبُول، وشَهدَ  له الرجُوع عند الانفساخ، التقدير  بتسليم المقصود، وجملة من أحكام النكاح، نعم لا يَرْتَدَّ النكاح بِرَدِّه، ولا يُفْسخ  بفسخه؛ لأن العوض ليسَ رُكناً في النكاح وَلكن إذا أثبت فهو عوض على تحقيق ، ولذلك أثبت الشافعي [رحمه الله]  الشفعَة في الشقص  الممهور ، وَلو كان في حُكم نحلة؛ لما ثبت كما في الموهوب  \rالفَصْلُ الثَّاني: في أحكام المسمى","part":1,"page":3},{"id":1185,"text":"الصحيح والذي نقطع به أن المرأة تملك المسمَّى بنفس العقد، ثم إذا تشطر بالطلاق لم يستند الشطر  إلى العقد ، وقال مالك [رحمهُ الله] : تملك النصف بالعقد، وَالنصف بالدُخول ، وَإذا تمهَّد هذا الأصل فمقصودُ الكلام في الفصل يحصُرهُ النظرُ في ثلاثة أقسام : الضمانُ، والتسلِيمُ، وَالتقدير \rالحُكم الأولُ\rأن الصدَاق في يَد الزوج مضمُون عليه قطعاً؛ إذ  وَجب عليه تسليمه ، فإذا فات  يجبُ عليه تسليمُ بَدله  لا محالة ، ولا يتلف أمانةً، وقد وجَبَ عليه تسليمه ، فالعُهدَة (عليه قائمة)  بعدَ التلف ؛ إلا أن هذا الضمان ضمان عقد أو ضمان يد فيه قولان مشهُوران عليهما، ردَّد الشافعي مُعظم مسائل الصدَاق\rأحدُهما: أنه مضمون ضمان العقد؛ لأنهُ عوضٌ في معاوضة (فضاهى البيع)  قبل القبض ، فعلى هذا إذا تلف نُقَدِّر انفساخ الصدَاق، ونُقدِّر انقلابُ الملك إلى الزوج قبله حتى يجب عليه (المهر، إذا)  كان عبداً، وفائدته الرجُوع إلى مهَر المثل؛ لأن رَدَّ البِضْع إليها إنما يكون بفسخ  النكاح، والصداق ليسَ رُكناً، وَإن كان عِوَضاً فلا سبيل إلى فسخه فيقدَّر (بقدر ردّ)  البضع إلى المرأة فَيَغْرم الزوج لها مهر المثل ، ويُنَزَّل مَنْزِلة ما لو بَاعَ جارية بعبد، وأَقْبَض الجارية، واستولدها القابض، ثم تلف العبد قبل القبض ينفسخ العقد، ويتعَذَّر استرداد الجارية، وَلو  كانت قائمةً في مِلْكه، وَلكن نُقَدِّرها تالفةً، ووجب  عليه قيمتها ","part":1,"page":4},{"id":1186,"text":"والقول الثاني: أنه مضمون ضمان اليد ؛ لأن معنى ضمان العقد تقدير الانفساخ ، وأفراد الصدَاق بالفسخ دون مقابله وَهوَ أحدُ العوضين بعيد، فيتعَيَّن ضمان اليَد ، وهذا الاختلاف منشؤه التردد الذي قدمناه في أن الصدَاق يدور بين الأعواض وبين النِحْلة  ، ولكن معاني الأعواض غالبة عليه، وَلهذا  حكم بالضمان مع أن النِّحَل  لا تُضَمن، (ولا تملك)  بمجَرَّد العقد، ولا  يُنْكر كونه عِوَضاً ، والأصح ضمان العقد ؛ فإنه عِوَضٌ مُحَقَّقٌ، نعم للشرع رأيٌ في أن النكاح  لا يَرْتَد بِرَدِّه تَشَوُّفاً إلى تقريره، فَلْيُقَدَّر البِضْع المتَعذِّر رَدّه كالمبيع الغائب؛ فإنه يَغْرم قيمته بدلاً عنه ، ثم المفَرِّعون على قول ضمان (اليد) ، اختلفوا في أنه هل يضمن ضمان الغصُوب حتى إذا تلف ضمنهُ بأقصى قيمته من يوم الاصداق إلى يَوم التلف أم لا يضمن ضمان الغصوب حتى ينظر إلى يَوم الأصداق قولان  مشهوران يجريان في يد المستام  حتى إذا تلف أوجبنا أقصَى القِيَم  من يَوم الأخذ إلى يَوم التلف على قول ، والوجه  الثاني: اكتفينا بقيمته  يوَم القبض ، ويجري هذا في المُستَعار أيضاً ، ولكن يعترض فيه أمرٌ وهو أن الأجزاء لو استحقت بالاستعمال فذاك لا ضمان فيه فلا يُمكن الاعتبار بيَوم القبض؛ لأن ذلك يُؤدي إلى ضمان الأجزاء ، فإن قيل: إذا قلتم أنه لا يضمن ضمان الغصب  فهلا اعتبرتم في مسألة الصدَاق وَالسوم بيوم التلف إذ به حصل الفوات!\rقلنا: لأن الفقهاء أطلقوا قولهم بأن العين مضمُونة في يده قبل التلف، ولو خصصنا الضمان بحالة التلف لناقض  ذلكَ ، ومعنى الضمان قبل التلف قد قررناه في كتاب مآخذ الخلاف في مسألة العارية على أحسن وجه في الإيضاح\rهذا تمهيد القولين، واستتمامُ الغرض بذكر مجاري القولين  وفروعهما، ونحن ندرج الكُلَّ في رسم المسائل، ويحصرُها أربعةَ عشر مسألة:","part":1,"page":5},{"id":1187,"text":"الأُولى: أنهُ لو أصدَقها عبداً مغصُوباً صح النكاح، وَفسَد الصدَاق، وَالرجُوع إلى ماذا يُبنَى  على القولين فإن قلنا: بضمان العقد، فالرجُوع إلى مهر المثل ، وإن قلنا: بضمان اليد، فالرجُوع إلى قيمة العبد المغصُوب ، ويَجري هذا التردد في الخلع على المغصُوب، وَالصُلح عن دَم العمد، وما يستقل بنفسه دون  العوَض، ويحصل مع فساده ، وهذا فيه غموض من حيث إنه إذا  اتَّجه الرُجُوع إلى قيمَة العبد إذا صَحَّت التسمية لتعذُّر  الملك (فذاك)  وَجه ، أما المطالبة ببَذَل ما لم تملكهُ المرأةُ فبعيدٌ عن موجب قياس اليَد، وَلكن اتفق الأصحابُ على التخريج على القولين  كما ذكرناهُ، وتحقيقه أن النكاح يستقل بنفسه دون الصدَاق، فإذا جرى ذكر صداق فنستفيد به أنهما  لم يرضيا إلا بعوَض فأحد القائلين بقول: رضينَا بمالِيَّة هذا العوض، فالرجوع إليه أولى من الرجُوع إلى مهر المثل \rوالثاني: يقول هذا العوض قد فسدَ في نفسه فلا سبيل إلا الرجوع إلى مهر المثل \rالثانية: إذا أصدَقها حُرًّا [خرج]  على القولَين  فنقدِّر  الحُرّ عبداً، أو  تقدير قيمته، وتقدير الرضا بمالِيَّتِه مُمكن، وهذا أبعَد قليلاً من المغصُوب ","part":1,"page":6},{"id":1188,"text":"الثالثة: إذا أصدقها خمراً أو خنزيراً ففيه  طريقان: منهم من قطع بالرجُوع إلى مهر المثل؛ إذ  رَأينا الشرع يُقَدِّرُ قيمة الحُرِّ وتقدير قيمةَ الخمر لا عَهْد به  ، ومنهم من طرَدَ القولين ، ثم أجمعُوا على أنه لا تقدَّر  قيمته عندَ من له قيمة عنده؛ فإن ذلك تغيير للشرع ، قال الشيخ أبو بَكر الصيدلاني: نقَدِّرُ الخمر عصيراً وَالخنزيرَ شاة ، فهذا  تَحَكُّم لزم من سياق  هذا القول، وَهو ضعيف، وبه نَتَبَيَّن أن الصحيح الرجُوع إلى مهر المثل، وأن الضمان ضمان العقد ، وهاهُنَا لابد من تنبيه، وَهو أن الصيدلاني وَطَبَقَة الأصحاب قطعوا القول بأن البناء على القولين إنما يجري في مسألة الحُرِّ والخمر إذا صحت التسمية بأن يشير إلى الحُرِّ، ويقول: أصدقتك هذا العبدَ أو هذا، ويشير إلى الخمر، ويقول: أصدقتك هذا العصير حتى قالوا: لو قال: أصدقتُك هذا الحُرَّ أو أصدقتك هذا الخمر فَسَدَت التسميَّة قَطْعاً، والرُجُوع إلى مهر المثل، فإنما  يعتمد المقوِّم  قولَه هذا العبد فيقدِّر عبداً، وقولَه: هذا العصير فيقدِّر عصيراً، فإذا فسدت التسميَة فلا مَرْجِع سوى مهر المثل، وهذا أيضاً يَبِيْن  عن ضَعْف ذلكَ القول؛ لأنه إذا قال: أصدَقْتُك  هذا العبد، فبان  أنه حُرٌّ فقد لاحَ فَسادُ التسمية فليرجع إلى مهر المثل \rالرابعة: إذا أصدقها مجهولاً لا يُمكن مَعْرفة مقدَاره فيتعيَّن الرجُوع إلى مهر المثل قولاً واحداً؛ إذ تقدير قيمة المجهُول وَالرجُوع إليه  محال \rهذا بيان القول في مجاري القولين، وما بعدَ هذا من المسائل يتعلق بفروعه\rالخامسة: تصرُّفُها في الصدَاق قبل القبض نافذ على قول ضمان اليَد، غيرُ نافذٍ على قول ضمان العقد كالتصرف في المبيع ","part":1,"page":7},{"id":1189,"text":"السادسَةُ:  منافعُ الصدَاق إذا فاتت  قبل القبض لا يضمنها الزوج على قول ضمان العقد، وَكذلك على قول ضمان اليدِ إلا إذا قلنا: بأنه ضمان الغصب  \rالسابعةُ: لو استخدَم الزوجُ وانتفعَ به فيضمنُ المنافع على قول ضمان اليد على الوجهين جميعاً ، وعلى [قول]  ضمان العقد، فيه وفي (البائع)  إذا انتفع وَجهان مبنيّان على أن جناية (البائع)  تُلحق  بآفة سَماوية أو بجناية أجنبي \rالثامنةُ: إذا حدثت زيادةٌ من وَلد أو ثَمَن لا يَدْخُل في ضمان الزوج على قول ضمان العقد، وكذلك على قول ضمان اليد إلا إذا ألحقناه بضمان الغُصُوب \rالتاسعة: إذا تعَيَّب الصدَاق قبل القبض فالخيارُ ثابتٌ لها على القولين جميعاً ، وهذا يؤكد ضمان العقد (في زمان)  الخيار، ولا  يليق إلا به، وَلكن الصائر إلى ضمان اليَد يعترف بأنه التزم تسليمهُ في عقد، ولكن ظهرَ  فائدة القولين في أمرٍ آخر، وَهو أنها  على قول ضمان العقد إن فسخت رَجعت إلى مهر المثل، وإن أجازت اكتفت بالمعيب، وَلم تطالب بأَرْش ، وَعلى قول ضمان اليد إن فسخت رَجعت إلى قيمَة الصداق، وإن أجازت طالبت بأرش العيب ، لفواته تحت ضامنه \rالعاشرة: لو اطلعت على عيب قديم فحُكمه  على قول ضَمَان العَقْد حُكمُ المبيع، وَعلى قول ضمان اليَد لهَا الخيار أيضاً، فإن فسخت رَجعت بالقيمة، وإن أجازت فهل تُطالِب بالأرش، تردَد القاضي في هذا، ولم يُنقَل عنه جوابٌ باتٌّ ، ويتَّجِهُ فيه رَأيان:\rأحدهما: أن لا تُطالب إذ لم يَفُت تحت يده شيءٌ، وقد أجازت العقد \rوالثاني: أنها تطالِب؛ فإن مَا يُقَدَّر وجُوده حالة  العقد كالموجُود إذا فات، ولذلك طَردنا الرجوع إلى القيمة في العَبد المغصُوب وَالحُرِّ، وقدرنا نزول الصدَاق على بَدل المغصُوب، فيُقَدِّر نزول الصدَاق على بدل التسليم [ويظهر أثره]  فيما (إذا عجز فيه)  عن التسليم بالعيب الكائن لدَى العقد ","part":1,"page":8},{"id":1190,"text":"الحادية  عشر: إذا تعيب الصدَاق بجناية  فلها ثلاثة أحوال:\rإحداها: أن يكون بجنايتها فجنايتها  قبض منها، ولا  يثبت لها خيار \rالحالة الثانية: أن يتلف بجناية أجنبي فيجب الأرش على الأجنبي  وَيثبت لها الخيار ، وَلكنهَا على قول ضمان العقد إن فسخَت طالبت الزوج بمهر المثل ولم تطالب الأجنبي، وإن أجازت طالبت الأجنبي بالأرش؛ لأنه جنى على مِلْكها، وَعلى قول ضمان اليد إن فسخت طالبت الزوج بقيمة الصدَاق سَالماً (ولم تطالب)  الأجنبي بالأَرش وَإن أجازت فتخيّر إن شاءت طالبت الأجنبي؛ لأنه مُتْلِف، وإن شاءت طالبت الزوج؛ لأن الإتلاف جَرى في يده، ويَده يدُ ضمان، نعم قرارُ الضمان على الأجنبي؛ لأنه مُتْلِف \rالحالة الثالثة: (إن تَلِف)  بجناية الزوج فعلى قول ضمان العقد يُبنَى الأمر على أن جناية العاقد كآفة سماوِيَّة أو كجناية أجنبيٍّ، وفيه خلاف مشهور قدمناه في كتاب البيع، وقد ذكرنا حُكم جناية الأجنبي، وحكم الآفة السماوية ، وَعلى قول ضمان اليد تَرجع إلى قيمة السَالم إن فَسَخَت، وتطالِب  بالأرش إن أجازت \rالثانيةُ  عشر: أن يفوتَ جُزءٌ من الصدَاق كفوات أحد العبدَين، فتفصيل الأحوَال فيه إذا كانت بآفةٍ أو بجناية كما مضى ، ولكن يُعْتَرض فيه على قَولِ ضمان العقد تفريق الصفقة، وهو انفساخ العقد في التَالِف، والتَّردد في الانفساخ في الباقي ، ولا يخفى تفريعه \rالثالثة  عشر: إذا فات كلُّ الصدَاق فله أحوال :","part":1,"page":9},{"id":1191,"text":"أحدها: أن يكون بآفة سماويّة ففيه القولان: وقد ذكرناه  ، وإن كان بجنايتها فهو قَبْضٌ منها ، وإن كان بجناية الزوج أو بجناية أجنبي ، وفَرَّعنا على ضمان العقد فتفريعُه لا يخفى على ما تقدم في فوات الوصف ، وإن [فرعنا]  على قَوْل ضمان اليد فلو فسخت رَجَعَت بقيمة العبد يومَ الإصداق، وإن  أجازت رجَعَت بقيمة العبد يَوم الإصدَاق أيضاً، إن كان ذلك أكثر على الوجهين  وإن كان قيمته  يوم الإصداق أقل فتستفيد  بالفسخ الرُجوع إلى الأقل، فإذاً لا فائدة لها في الفسخ، فإنها تستفيد نقصاناً، أو تستفيد سقوط مُطالبتها عن الأجنبي، فَيُقْضى بأنه ليسَ لها الفسخ لعدم الفائدة ، وليسَ هذا كما إذا وَجَد بالعَبْدِ عيباً، وهو يُسَاوي أضعاف الثمن، فإنه يُرَدّ (إذ له)  غرض في جنس الثمن وأخذه من غير عُهدة يلتزمَها في بَيْع\rجديدٍ ، وَالرجُوع في مسألتنا إلى القيمة  في الأحوال كلها  فلا فائدة إلا النقصان، وهذا يستبينه الناظر الفطن بأدنى تَأَمُّل إن شاء الله [تعالى] ، وَمما لابدَّ من التنبُّه له أن الزوج لو منعَ الصدَاق منها حيث يجب التسليم فتلف بآفة سماوية كان كما لو تلف بإتلافه، ونُزِّل منزلَة الغاصب المتَعَدّي، فتلتحقُ هذه الصُورة بإتلاف الزوج، ولا يخفى تفريعه \rالرابعَةُ  عشر: إذا كان الصدَاق ديناً فجوازُ الاستبدال عنه يبتنى على القَولين حتى يجوز على قول ضمان اليد، وَعلى قول ضمان العقد يلتحق بالثمن لا بالمُسْلَم فيه؛ لأن المُسْلَم فيه مقصود في نفسه، والمهرُ في مقام الأثمان؛ فإنه تابِعٌ لغيره ، وهذا تمَامُ التفريع، واختتامُ الفصل يذكر وَجهين بعيدين:","part":1,"page":10},{"id":1192,"text":"أحدهما: حكاه صاحبُ التقريب عن أبي حفص الوكيل  [أنه]  إذا تعيَّبَ الصدَاق في يد الزوج، وقلنا: إنه مضمون ضمان اليد، وأنه يلحق بضمان الغُصَّاب فلا خيار لها؛ كما لا خيار للمَغْصُوب منه، بل ليس لها إلا المُطالبة بالأرش ، وهذا متجهٌ في القياس بعيدٌ في الحكاية، ويلزم  طردهُ على هذا القول، وإن لم نَقْضِ بأنه ضمان الغُصَّاب \rالثاني : حكى الشيخ أبو محمد وَجهاً أن  الردَّ بالعيب لابُدّ منه على هذا القول أيضاً، ولكن إذا جرى فيتعين الرجوع إلى مهر المثل؛ فإنَّا نُثْبِت لها الرُجُوع إلى القيمة عند التلف؛ لأنا نقدِّر عَينَ  الصدَاق قائماً، وَالرد فَسخٌ للصدَاق بكل حال، وَهذا متجهٌ، ولكن ينقضهُ اتفاق الأصحاب على طرد القولين فيما إذا أصدَقها مغصُوباً  إذ رَدَّ الصدَاق لا يزيد أمرُه  على عدم الصدَاق من أصله، فإذا جاز في المغصُوب تقرير الصدَاق على بَدل المغصُوب جاز (أيضاً في هذا المقام)  وتقدير  ذلك ، فهذان وجهان بعيدَان أخرناهما لخروجهمَا عن قانون المذهب، وإن كان فيهما  ضرب\rمن المعنى\rفرع: إذا وطئ الزوج الجارية المُصَدقة قبل القبض مع العلم بزوَال الملك فهو زاني، وإن ادعى الجهل وقال ظننتُ أنه إنما يملك النصف بالمسيس فيقبل قوله في دعوَى الجهالةِ، وَإن كان لا يقبل قول الغاصب للجارية إذا ادعى الجهل بالتحريم؛ لأن الجهل في الصدَاق مُمكن  وقد صار مالك [رحمه الله]  إلى أن الملك  في النصف يتراخي إلى المسيس ، فإذا (قلنا يقبل)  قوله ثبت النسب وانعقدَ الولد حُراً ولا تثبت  أمية الولد، ويجبُ عليه قيمة الولد، ومهر مثلها على القولين جميعاً ، هذا تمام الكلام في حُكم الضمان\rالحكم الثاني: في تسليم الصَداق\rوالتسليم وَاجب بمجَرّد العقد، إذا كانت مهيأة  للاستمتاع ، فلو تنازعا في البداية بالتسليم أو التمكين ففيه ثلاثةُ أقوال، ذكرنا نظيرها  في كتاب البيع ","part":1,"page":11},{"id":1193,"text":"أحدها: أنهما يُجبران [تسْوِيةً بينهما، ويعدّل الصداق على يد عَدْل ويؤخذ منه]  \r\rوالثاني: أنهما لا يُجْبَران أصلاً، ومَن أرادَ طلب مَا يستحقه فيبدأ  بتسليم ما يستحق عليه \rوالثالث: أنه يُجبر الزوج ولا يَعود \rالقول الرابع: في إجبار المرأة وإن كانت في مقام البائع؛ لأن البُضع يفوت بالتسليم بخلاف المبيع ، فأمَّا إذا كانت ممتنعة ناشزة لا بِعِلَّة  انتظار تسليم المهر فلا يجبُ تسليم المهر ، ولو كانت صغيرة لا تتهيأ للاستمتاع ففي المهر قولان، كالقولين في النفقة، إذ وُجوب النفقة بالاستمتاع، وقرار المهر بالوطء أيضاً ، فإن قال قائل: هلا قطعتم القول بوجوب تسليم  النصف على الزوج على الأحوال كلها، فإن ذلك لا يتوقف تقريره على الوطء؛ فإنه لا يسقط بالطلاق\rقلنا: ولكنه يسقط بضروب من الفسخ فلا نظر إلى الطلاق على الخُصوص\rهذا تمهيدُ القول وتتمته بتصوير الأحوال\rالتفريع  على الأقوال، فنقول: البدَاية بالتسليم اتفاقاً ليسَ يخلو، إما أن تجري  من الزوج أو الزوجة ، فإن جَرى من الزوجَة التمكين  من الوطء ثبتَ لها المُطالبة بالصدَاق على الأقوال كلها ، فأمَّا إن  قلنا: لا يجب على الزوج\rالبدَاية بالتسليم، فإذا بذلت ما في مُكنتها فيثبتُ لها الطلب، ولكنها لو مَكنت\rوَلم يَطأها الزوج وثبت الطلبُ فعادت إلى الامتناع سقط الطلب، فشرط استقرار الطلب على قولنا الابتداء بالزوج استمرارها على التمكين، فبان بهذا أن أصل\rالطلب ثبت  بالتمكين، ولكن لايستقر به كما لا يستقر المهر به، فأمَّا  إذا\rوَطئها الزوج (استقر)  [الطلب  فلو امتنع الزوج من تسليم الصداق فليس لها الامتناع من التمكين بعد ذلك وإنما لها]  المُطالبة بالمهر؛ لأن وَطء  واحدة\rكتسليم وَطئات العمر، فصارَ كالبيع  إذا سلم على قول إثبات الحبس، فلا طريق","part":1,"page":12},{"id":1194,"text":"إلى الاستردَادِ  ، وقال أبو حنيفة: لها الامتناع من الوطء ، فأمَّا إذا مكنَّت وَلم يَجر وَطء، فهذا لا يمنعها من الامتناع بعدَ ذلك؛ لأن التسليم  لم يتم وَالمهر\rلم يتقَرَّر ، فأمَّا إذا (أكرهها الزوج على الوطء فهل يبطل حقها في الاحتباس فيه وجهان: أحدهما: أنه يبطل؛ لأن العوض قد تقرر، والثاني: لا)  ؛ لأنها مضطرة إلى ذلك، ومما  يتّصل بجانبها أنها  إذا مكنَّت فلم يَطأها الزوج فسلم  الصدَاق إليها على قولنا أنهما يُجبران، وَطريقة تعديل الصدَاق على يَد عَدلٍ فالعَدلُ يُسلم إليها، فإن امتنعت بعدَ ذلكَ استُرد الصدَاق منها؛ لأنه لم يتقرّر وجوب التسليم بعد ، ومما يتصل بجانبها إذا  قلنا البداية بالزوج فلها طلبُ الصدَاق ولكن على شَرط أن تكون مهيأة للاستمتاع، فلو كانت محبوسة أو ممنوعة بسبب من الأسباب لم يطالب كالبائع لا يُطالب بالثمن في حالة إباق العَبد، وإنما يُطالب به إذا تمكن من تسليم العبد\rفي الحال \rفأما إذا ابتدأ الزوج  وساق الصدَاق إليها ففيه مسائل:\rإحداها: أنها لو امتنعت عن التسليم فهل للزوج الاسترداد إن قضينا بأن البداية بالزوج فله الاسترداد لأنه ليس متبرعاً بل هُو مجبرٌ على شرط الوفاء بمقابلة ، وَإن قضينا بأنه لا يجبر فتبرَّع بالتسليم فلا تخلو المرأة إما إن كانت معذُورة لدى  التسليم أو لم تكن، فإن لم تكن معذورة لم يجز له الاسترداد ؛ لأنه تبرَّع به فبطل حقه فهي  مُطالبَة بالتمكين وَإن كانت معذورة فتبرّع به  ثم بداله، فالأصح أنه لا يسترد ، وذكر القاضي وَجهاً ضعيفاً أنه يسترد؛ لأنه جَرى التسليم حالة  الامتناع، وذكر هذا الوجه في غير المعذورة أوجه؛ إذ ينقدح أن يقال تبرَّع على رجاء التسليم، فأما إذا كانت معذورةً وكان عالماً بعذرها فلا ينقدح الرجوع ","part":1,"page":13},{"id":1195,"text":"المسألة الثانية: إن الزوج إذا ساق إليها الصدَاق فليسَ له أن يرهقها بل يُمهلها، ثم قال أصحابنا بطريق التقريب يمهلها ثلاثة أيام لتستعِدَّ ، والضبط في هذا عسير، فإنه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، وعلى الجملة ما يعتقدهُ الناسُ استعداداً، أما  تهيئة الجهاز وغيره ليسَ من الاستعداد، إنما الاستعداد التنظيف والاستحداد والتهيؤ للاستمتاع \rالمسألة الثالثة: الصبيَّةُ  إن كانت لا تطيقُ الجماع  فلا يجب تسليمها إلى الزوج، وإن قال الزوج: أنا أنكفُّ عن مُباشرتَها؛ فإنه لا يؤمن توقان  النفس، ولذلك لا يحل للتَّقي الخلوة بالأجنبية ، وكذلك إن كانت مريضة يَضربها الجماع، إضراراً بيِّناً فلا يجبُ في حقها التسليم ، وقد نصَّ الشافعي [رحمهُ الله]  على المسألتين جميعاً ، ولا خلاف في أنها لو كانت حائضاً وجبَ التسليم؛ إذ الزوج (مستمتع بما)  فوق الإزار بأنواع من الاستمتاع، وذلك لا يحرم قطعاً بدليل ما روى إن عائشة [رضي الله عنها]  قالت: (كنتُ مع رسُول الله  في مضجعه فحضتُ فانسللتُ فقالَ: مالكِ أنفَستِ فقلتُ: نعم، فقال: خُذي ثياب حيضتك  وعودي إلى مضجعك، ونال مني ما يناَل الرجل من امرأته إلا ما تحت الإزار) ، فإن قيل والاستمتاع بالمريضة مُمكنٌ سوى الجمَاع فما الفرق\rقلنا: المرعي في المرض حقُ المريضة، وَلها أن لا تُرهق  نفسها، لتعذر  الهجوم\rمن الزوج، وَالمرعي في الحيض حق الشرع، فتحريمُ الشرع (ناجزٌ)  كافٍ في\rحقهما جميعاً ، نعم لو علمت [المرأة]  الحائض أنها لو ضاجعتهُ  يغشاها  الزوج فهل لها الامتناع هذا فيه تردد ويحتمل أن يجوز لها الامتناع أو  يجبُ\rعليها ذلك \rالحكم الثالث: تقريرُ الصداق","part":1,"page":14},{"id":1196,"text":"لا  يتقرر إلا بالوطء، أو بموت أحد الزوجين ، فأما الخلوة فلا تقرر المهر على المذهب  الجديد ، ونُقل عن الشافعي  في القديم قول أن الخلوة تؤثر ، فمنهم من حمل تأثيرها  على التقرير، ومنهم من قطع بأنها لا تقرر ، وَحمل تأثيرها  على أنهما لو تنازعا في الإصابة لغرض التقرير بعد جريان الخلوة، فالقول قولها، إذ ظاهر الحال يقتضي صدقها ، وَمنهم من قال القول قوله وإن جرت الخلوةُ أيضاً ، ثم إذا فرعنا على القديم قال أصحابنا: تنزل الخلوة منزلة الوطء في العدّة وَالرجعة ، وفيه بُعدٌ، فإن تنزيل التمكين منزلة الاستيفاء في تقرير الأعواض لا يبعد، أما العدَّة التي تتعلق بشغل الرحم فيبعُد إثباتها ، وأبو حنيفة أثبت العدة ونفى الرجعة ، ثم قال أبو حنيفة: الخلوة بالحائض والنفساء والصائمة صوم الفرض لا تقرر للموانع الشرعية ، فوافقه  المحققون من أصحابنا في التفريع على هذا القول عليه ، وقال أبو حنيفة: الخلوة بالرتقاء تقرر المهر ، وخالفه المحققون من أصحابنا\rإذا قالوا: لا (تمكين)  من الوطء معَ الرتق، وما ذكره هؤلاء يؤدي إلى أن لا يتقرَّر\rمهر الرتقاء قط، وإن أتت بما في وسعها ، هذا تمام العرض من (ذلك في) \rأحكام المُسمَّى الصحيح\r\rالباب الثاني\rفي أحكام الصدَاق الفاسد\rوفيه فصول:\rالفصل الأولُ: فيما يفسد من جهة الشرط","part":1,"page":15},{"id":1197,"text":"وتمهيد الباب أنه لو أصدَقها خمراً أو خنزيراً فالصداق فاسدٌ وَالنكاح صحيح، وَالرجوع إلى مهر المثل على المذهب الصحيح، كما سبق في الباب الأول ، وهذا يُنَبِّه على أن الصدَاق لا يجري من النكاح مجرى الثمن من البيع، فإن النكاح يشتغل بالانعقاد والصداق، وإن  كان عوضاً فهو في حُكم تابع لا  يتوقف صحة العقد على صحته  وَالمنقول عن مالكٍ [رحمه الله]  أن العقد يفسد بفساد الصدَاق على الوجه الذي ذكرناهُ ، وفي بعض التصانيف حكاية (عن قول)  الشافعي [رحمه الله]  يطابق مذهب مالكٍ ، وإذا تمهَّد هذا الأصل فنقولُ: الشرائط المقرونة بعقد النكاح تنقسمُ إلى ما يُوافق مقتضى العقد كقوله بشرط أن انفق عليك، وأن أجامعكِ، وَما جرى  مجراهُ فلا يبين له أثرٌ في العقد ، وإلى ما لا يُوافق المقتضي وَيُخِلُّ بمقصود النكاح، مثل تأقيت النكاح، أو شرط الامتناع من الوطء، أو شرط الطلاق، فالعقدُ يفسُد  أعنى النكاح؛ لأن النكاح يفارق البيع فيما يرجع [إلى العوض]  إذ لا ينعطف الفساد عليه بفساد العوض، فأما مقصود العقد فلابد من تحقيقه كما في البيع، فلا يفارقهُ في المقاصد ، وفي شرط الطلاق، وشرط الوطء وجهٌ أنه لا يفسد ذكرناهُ في أحكام (المحلل)  في كتاب النكاح ، وَهو بعيدٌ ، ومنها ما لا يخل بمقصود العقد ولكن يؤثر فيه بعض التأثير كما إذا شرط لها أن تخرج من الدار مهما شاءت، وأن لا يتسرَّى عليها، وأن لا يتزوج عليها، وأن لا يُطلقها، أو شرط  عليها أن لا  يجمعها وضرائرها  في مسكن  ، أو لا يَقسم لها، أو لا ينفق عليها فهذه الشرائط فاسدَةٌ لاغيَّةٌ لا تُؤثر في النكاح ، ولكن تؤثرُ في إفساد  الصدَاق هذا ما قالهَ الأصحاب  وسلك محمد بن الحسن مسلكاً فقهيّاً، فقال: إن زادَ المُسَمَّى\rعلى مهر المثل وشرط (لها شيئاً)  فالشرط لاغ، وَالمُسَمَّى صحيح، وإن نقص عن","part":1,"page":16},{"id":1198,"text":"مهر المثل وشرط عليها، فالمُسَمَّى صحيح، والشرط لاغ، فأما إذا زاد المهر وَشرط عليها، أو نقص المهر وَشرط لها فهذا يورثُ جهَالة في الصدَاق، لا  يثبت مُقَابلة\rمن  الشرط، وزيادَة المهر، أو نقصَانه، فيصيرُ الباقي مجهُولاً (فيَفسُد المُسمَّى) ، وَيرجع إلى مُهر المثل ، وفي بعض التصانيف أنه خُرِّج للشافعي [رحمه الله] \rقولٌ آخر من الخُلع مُوافقٌ  هذا المذهب ، والمذهَب الظاهِر هو الأوَّل، ووَجههُ:\rأنه حيثُ لا يقتَضي المُقَابلة فقد اقترنَ في الذكر (بفاسد، والفاسد)  ليسَ\rمقصُوراً على الجهالةِ، كيف وتقدير المقابلةَ في زيادَة المهر وَالشرط لها مُمكنٌ؛ إذ\rمعناه مقابلة البضع بهذا المقدّر  مع ما ينضمُّ إليه من شرط، وَإذا نقص المهر وشرط عليها فمعناهُ أن هذا القَدر من المهر مُقَابلٌ بالبضع ، وَالمشروط معَهُ، فلا معنى (للتحكم بترك)  المقابلة بالنظر إلى مهر المثل ، هذا هُو الكلامُ في الشرط الذي يُطلقُ في العقد، وغير  مخصوص بالصداق\rفأمَّا الشرط المخصوص بالصداق ففيه مسألتان:\rإحداهما: شَرط الخيار في الصدَاق: وَلم يختلفُوا في أن شرط الخيار في النكاح\rيُفسِدُ النكاح؛ لأنه يُنَافي مقصُودَهُ، فيُنَافي شرط نفي الحل، وشرط التأقيت ، فأمَّا شرط الخيار في الصدَاق نصَّ الشافعيُ [رحمه الله]  في الجديد على أنهُ يُفسدُ الصدَاق دون النكاح ، ونصَّ في القدِيم على أنهُ يُفسدُ النكاح ، فاختلف فيه طرق الأصحاب، ونحن نذكر حاصلها فنقول: في صحَّة الشرط في الصداق أوَّلاً الظاهر أنه لا يصحُّ ، وحُكي عن  الصيدلاني قولاً أنه يصح تخريجاً من خيار الشرط، وخيار المجلس في البيع، كما ذكرناهُ، ومعتَمدُه أن الصداق يفردُ بالرَدِّ، والفسخ، فجاز أن يُفرَد بالخيار ، ثم يقصر  تأثيرهُ على الصداق، وإذا قضينا بفسادِ الشرط فهل يَفسُد به النكاح قولان:\rأحدهما: أنه لا يفسد كسائر الشرائط الفاسدَة ","part":1,"page":17},{"id":1199,"text":"والثاني: أنه يَفسُد؛ لأن إثبات الخيار في أحَد العوضين يؤثرُ  في العَوض الثاني، وَيُطرق إليه جهلاً ؛ ولذلك لا يفرد أحد العوضين في عقد البيع بالخيار، وإن كان يفردُ به أحدُ العاقدَين ، ومن أصحابنا من خرَّجَ من هذا وَجهاً وَطرَده في سَائر الشرائط المفسِدَة للصَداق في أنه يفسُد النكاح على مُوافقة مذهب مالك [رحمه الله]  ، ومنهم من خصصَهُ بالخيار، ولم يَطردهُ  في غيره \rولم يختلفُوا في أن الصدَاق إذا رُدَّ بعَيب أو فُسِخ بسببٍ لم ينعطف الفسخ على النكاح، وإنما هذا التردُد في الفاسد  في أوَّل العقد، وهو  الذي يقطعهُ عن\rقياس البيع \rولم يختلفُوا أيضاً في أوّل العقد إن تَرك ذكر المهر لا يفسد النكاح أصلاً\rبخلاف البيع \rالمسألة الثانية: نقل المُزني (لفظين متشاكلين) ، وَأجاب بجوابين مختلفين فقال: لو عُقِد النكاح بألفٍ على أن (لأبيها)  ألفاً فالمهرُ فاسدٌ؛ لأن الألفَ ليس بمهر لها، ولا بحق (له)  باشتراطه إيَّاهُ ، ولو نكح امرأة على ألف، وَعلى أن يُعطى أباها ألفاً كان جائزاً، وَلها منعه وَأخذها منه؛ لأنها هبةٌ لم  تقبض، أو وكالة ، هذا لفظ السواد، فاختلف الأصحاب، فمنهم من قال: المهر فاسدٌ في المسألتين، ولا فرق بين لفظِ الإعطاء، وبين لفظ الإضافة، ففي المسألتين أضاف  الاستحقاق في بعض العوض إلى غير المستحق ففسد  كنظيره من البيع ، نعم لو قال: نكحتها بألفين على أن أعطي أباهَا ألفاً، وكان ذلك برضاهَا، احتملَ أن يُقَال: هذا صدَاقٌ  صحيحٌ، وإلزام  عمل لها في تسليم ما وَهبه من الأب إليه، وذلكَ مما لا يجبُ  الوفاء به، وَالأمرُ فيه قريبٌ ، ومن أصحابنا من قال في المسألتين قولان بالنقل والتخريج؛ لتقاربهما:\rأحدُهما: الفساد، كما  سبق ","part":1,"page":18},{"id":1200,"text":"والثاني: الصحة، وهو [أنه]  إذا أضاف إلى أبيها فإنما يُضيف إليه بسببها، وكأن  الإضافة إليها، فصح العقد، وَما بعدَه التزامُ إعطاء ، وهذا بعيدٌ أيضاً، وَالمزني لم يتعَرَّض للقولين في المسألتين، وكان الشيخ أبو محمد يتشَوَّفُ إلى الفرق بين الإضافة إلى الأب وَبينَ الإعطاء، ويقول: الإضافةُ صَريحٌ في إرادَة التمليك، فهو إضافة عوض إلى غير العاقد، فأمَّا  لفظ الإعطاء فيحمل على الإعطاء بغير  إضافة الاستحقاق إليها ، وهو  (ضعيف أيضاً) ، إذ لا فرق بين اللفظتين  إذ لم يقل نكحتُهَا بألفَين على أن أُعطي أباها بل (قال) : نكحتُ بألفٍ  فلم يُضِف إليهَا  إلا هذا القدر، وَالمُتجه في المعنَى هو الأول ، هذا تمام الغرض في الفساد من\rجهة الشرط\r\rالفصل الثاني: في الفساد من جهة تفريق الصفقة\rوفيه مسألتان:\rإحداهما: إذا أصدقها عبداً على أن تَرُدَّ ألفاً، فقد (جعل)  العبدُ مبيعاً وَصدَاقاً فجمع بين صفقتين مختلفتي الحكم، (في)  صحته قولان  ذكرناهما في كتاب البيع ، فإن قضينا بالصحة فإذا تلف العبد قبل القبض استردَّت  الألف في مقابلة بعض العبد، ورَجعت  إلى مهر المثل في مقابلة الباقي ، أو إلى مقدار قيمته بعدَ التوزيع على مَهر المثل ، وعلى ألف ، ولو قبضت [العبد]  فوجدت به عيباً فأرادَت أن تفرد المبيع بالرد أو الصداق (فهذا يُبنَى)  على ما إذا اشترى عبدين ووَجدَ بهما عيباً فأرادَ أن يرد أحدهما، وَفيه قولان مأخوذان من تفريق الصفقة في الفسخ، ووَجهُ الشبه: أن المعقود (لم يتعدَّد) ، وقد تعددت الجهةُ في مسألتنا؛ إذ لا خلافَ في أنه لو اشترى عبداً ووَجد به عيباً وأرادَ أن يرُد نصفه كان للبائع الامتناع؛ لأنه يؤدي إلى التبعيض، وهذا التبعيضُ وَاقعٌ في مسألتنا، وَلكن لما تعدَّدت الجهة لم يبعُد احتمالهُ على وَجهٍ كما إذا تعدَّد المعقود عليه ","part":1,"page":19},{"id":1201,"text":"قال الإمام: وَإذا فرعنا في أصل هذه المسألة على المنع من تفريق الصفقة فأثرُهُ في فسادِ الصدَاق لا في فساد النكاح؛ لأن ذلك لا يزيد على الشرائط، وَالنكاحُ لا يفسد بها ، وَفي بعض التصانيف، أن القولين في صحة النكاح ، وذلك يتأيّد بما إذا جمعَ بين مُسْتَحَلَّة ومُحرَّمَة في صفقة، ففي بُطلان النكاح في المستحلَّة قولاً تفريق الصفقة، وَالأصح الصحَّة، وَلكن إذا اتجه قولٌ ثَمَّ، فلا مأخذ له إلا أن الصيغة متحدة، وقد تطرق الفسادُ إلى بعضها، وَهذا جاري في مسألتنا  \rالمسألة الثانية: إذا جمعَ بين نسوَة في عقد وَاحد  فالنكاح صحيحٌ ، وفي صحَّة الصداق قولان نصَّ الشافعي عليهما ، وكذلك في نظيره من الخلع ، ونصَّ على أنه لو اشترى عبيداً من رجال لكل  وَاحد (عَبْدٌ بثمن واحد)  فالبيع فاسد ، وَنصَّ على أنه لو كاتبَ عبِيدَهُ على عوض وَاحد فالكتابة صحيحة ، فاختلف  طُرق الأصحاب، منهم من أقرَّ المنصُوص ، وَقال: أمَّا البيع فباطلٌ؛ لأن العوض رُكنٌ فيه، وَهوَ مجهُول؛ إذ ليسَ يَدري كُلٌّ ما يستحقهُ إلا بالتقويم، والتوزيع، وينزل  منزلة ما لو قال: بعتُ بما باع فلانٌ  عبده، أو بعتُ  بما يخُصُّ عبدَك من الألف لو (وزعت ألفٌ)  عليه، وَعلى قيمة العبد الآخر، وأمَّا الكتابة فتصح؛ إذ تحتمل فيها  أنواعٌ لا تحتمل في غيرها ؛ فإن صيغة التمليك فيه فاسدةٌ؛ فإنه مقابلة  الملك بالملك، ولكن احتمل لتحصُل  العتاقة ، وأما النكاح والخلع ففي صحَّة العوض فيهما قولان:\rأحدهما: الفساد، كما في البيع بخلاف  الكتابة؛ لما سبق ","part":1,"page":20},{"id":1202,"text":"والثاني: الصحَّة؛ لأنه لو فسد لعسر  لمسيس الحاجَة إلى رَفع الجهَالةِ بالتوزيع وَالرُجُوع إلى مهر المثل أيضاً رجُوع إلى مجهُول ، ومن أصحابنا من ضرب هذه النصوص بعضها ببعض، وطرد في الكل قولين ، ووَجهُ الفساد: الجهَالةُ في عوض كل وَاحد، وَهو مفردٌ بحُكمه ، ووجه الصحة أن المتقابلَين في الصفقةِ مَعلومان، ولا عُسر بعدَ ذلك في الوصُول إلى الغرض \rالتفريع: إن قضينا بصحَّة الصدَاق فالتوزيع على مهُور أمثالهنَّ ، وحكى القاضي قولاً غريباً أنه يُوزَّع على عددَ الرؤوس، وقطعَ بأنهُ لا يجري في البيع ، وَهذا بعيدٌ لا وجهَ له، ويتعَيَّن التوزيعُ على مهُور الأمثال ، وإن فرَّعنا على فساد الصدَاق، فالرُجُوع لكل وَاحدة إلى مهر مثلها، وهذا ظاهرٌ على قول ضمان العقد ، فأمَّا على قول ضمان اليد فإنا  نقدر الحُرَّ عبداً، والخَمْر عصيراً فنرجع  إلى قيمتِه، وَهذا المجهُول مما يُمكن تقويمُه بالتوزيع، وَليسَ هذا كمجهُول لا يتوصل إليه، فعلى هذا القول كان يتَّجه القطع بصحة الصدَاق، وَطرد  القولين على القول الآخر، وَلكن قطع الأصحابُ بطرد القولين مُطلقاً فليُتَّخذ هذا إشكالا (أو)  مُصحَّحاً لقول\rضمان العقد \rالفصل الثالثُ: في بيان مأخذ آخر لفسادِ\rالصدَاق وراء ما ذكرناه\rوفيه مَسألتان:","part":1,"page":21},{"id":1203,"text":"إحداهما: أن يقبل السَيِّد نكاح حُرَّة لعبده، وَجعل  رَقبتَه صدَاقها، فالصدَاقُ فاسدٌ وَالعقدُ فاسد، إذ لو ملكت رَقبة زوجها لا نفسخ النكاح ، قال الإمامُ : وكُنَّا نودُّ لو قيل بفَسادِ الصدَاق وَصحَّة النكاح كما في الخمر وَالخنزير، وَلكن قطع [الأصحاب]  بفسَاد النكاح، ووَجههُ بَيِّن، وَهو أن ذكر الخمر في العقد وإثباته لو قدِّر وتقرَّرَ  لا يُؤثر في النكاح، ولا يقتضي فيه رَفعاً، وَأمَّا  العبدُ فهوَ معلومٌ قابل للملك، فليسَ الفساد لأمر فيه، وَإنما الفسادُ من حيثُ إنه لو قُدّر ثبوته كان في ثبوته رفعه، ورفع النَّكاح [معاً] ، فشرطُ (إصداقه)  يُضَاهي شرط نفي النكاح بعدَ ثبوته، فهو مُخِلٌّ بمقصُود  العقد؛ إذ العقدُ يقتضي ملك الصداق، وَالملكُ يقتضي الانفساخ الذي من مُوجبه نفي الملك في الصدَاق، فيؤدي لا محالة إلى (التدافع)  فلأجله امتنع النكاح \rالمسألة الثانية : في إصدَاق الوَلي في نكاح ابنهِ الصغير، وَله صورتان:\rإحداهما: أن يُصدقه  من ماله، وَإذا فعل ذلك وَلم يزد على مهر المثل صح الصدَاق والنكاحُ ، وإن زاد على مَهر المثل ففي المسألةِ قولان:","part":1,"page":22},{"id":1204,"text":"أحدهما: صحة العقد، والرد إلى مهر المثل  [والثاني: فساد العقد لفساد الصداق على وجه عسر الرد إلى مهر المثل]  فإنها لم ترض بمهر المثل، وَلها طلبُ زيادة ، فلا سَبيل إلى الاحتكام عليها بردِّهَا إلى مَهر المثل، وليسَ هذا كالخمر وَالخنزير فإن ذلك يدل على (طلب)  أصل العوض، ولا يُشْعر بقدر مخصُوص، فثبت أصل العوض ، ومن الأصحاب  من لا يرى لقول فساد النكاح هاهنا وجهاً واحداً  إلا على القول الضعيف المُوافق لمذهب مالك [رحمهُ الله]  في فساد النكاح بفساد الصدَاق على أي وجه كان، ووجههُ ما ذكرناه وهو بَيِّن ، وكذا القولان فيما إذا زوَّج ابنتهُ بأقل من مهر المثل فالصداق فاسدٌ ، وَفي النكاح ما ذكرناه ، (إذا)  عَسُر الرَّد إلى مهر المثل، وَالزوجُ ما رضي ببضعها  بمهر المثل، وَإنما رضي به على شرط نُقصان ، وَالشافعي نصَّ على هذين القولين مَع الحُكم بأن النكاح لا يفسُد بفسادِ الصدَاق ، فدلّ أن مأخذَهُ ما ذكرناه، وَللشافعي [رحمه الله]  قولٌ آخر ذكرناهُ  في كتاب النكاح، أن (تزويجهُ إياها)  بأقل من مهر المثل يصحُّ  ويثبتُ هذا القدر ، وكذلك  لو زوَّجها من غير كفؤ يصحّ ، ويلزم على وفق مذهب أبي حنيفة  بخلاف البيع؛ إذ المصالح الخفيَّة في النكاح أولى بالرعاية من الأمُور الظاهرَة، والأبُ غيرُ  مُتَّهم في حق وَلده، ويتأيَّدُ هذا القول بأمر، وَهوَ أنه لو كان يُخطبهَا الكفئان  كُفؤٌ بأكثر من مهر المثل، فزوجها من كفؤ آخر بمهر المثل صحَّ قطعاً، ومثل ذلكَ لو فُرض في البيع لم يصح فدل على  بُعدِ المأخذين، هذا فيه إذا أصدق امرَأة ابنه من مال الابن، (زادَ أو نقصَ)  ، فأمَّا إذا أصدق من مال نفسهِ صح ذلك ، ثم إن قصد الفداء لا التمليك كما يفعَله الأجنبي برئت ذمتُه ، وَلو طلقها قبل المسيس لرجعَ  الشطر إلى الأب لا إليه كما في الأجنبي على المذهَب الظاهر،","part":1,"page":23},{"id":1205,"text":"كما ذكرناه في القسم الآخر  من كتاب النكاح ، فإن  قصد التمليك من الابن صح [قصده]  ، وَمهمَا طلق قبل المسيس رَجع النصف إلى الابن \rفرْعان:\rأحدُهما: أنه لو أصدق زوجته أُمَّ الصغير، قال أصحابنا: هذا باطلٌ؛ لأنه يصح  صدَاقا بتقدير انتقال المِلك إليه قُبَيلهُ، ومهمَا ملك أُمّهُ عتقَت عليه، ولا  يتصور الاصدَاق فتدور المسألة، ويتيقن أن لا صداق، فهذا من قبيل فساد الصدَاق لا لخلل في غير الصدَاق، بل لأمر خاصٍّ يتعلق بالزوج كما ذكرناه في المسألة الأولى  إلا أنا في هذه المسألة نحكُمُ بصحة النكاح؛ إذ هذا فساد غير مؤثر في مقصُود النكاح \rالثاني: إذا أصدَقها من ماله على قصد التمليك للابن ما يزيد على مَهر المثل، فقد قضينا على  الزيادة على مهر المثل من ماله بالفساد ، وهذا لو صح لتقَدَّر له الملك، ثم ينبنى عليه التبرُّع بزيادة، فيحتمل أن يقال: هذا  الإصداق كذلك  إذ لو ثبت لملكَ وكان  ذلك تبرعاً ممنوعاً، فتدُور المسألة كما في مسألة الأم، ويُحتمل أن يُقَال: التبرُع معلوم  ممنوع من ماله نظراً له، وَليسَ من النظر له الآن أن لا يصح الإصدَاق في هذه الصورة، فكان هذا تبرعاً  يحصل ضمناً، وما يحصُل ضمنا لا يتقيَّد بالشرائط، وهذه مسألة لطيفة المأخذ ، فإن قيل: فهلا أجر يتمُ وجهاً في مسألة الأم وعتقها مصيراً إلى أنها لا تعتق، ويصح الإصدَاق لا سيما على مذهب أبي إسحاق المروزي، وقد قررتمُوه من أن الملك والعتق يزدحمان على حالة واحدة [على معنى تدافع الموجبات قلنا: لا سبيل إليه في مسألة الأم، فإن موجب العتق الملك، فلابد من تقدير وقت للملك حتى يبتنى عليه تقدير ملك المرأة، وهذه التقديرات وإن قدرنا ازدحامها على حالة واحدة]  فموجب العتق يقارنها  ويسقطها فلابد من إفساد الإصداق ، هذا تمام القول في أحكام الصدَاق الفاسد","part":1,"page":24},{"id":1206,"text":"واختتام  الباب بمسألة  السر وَالعَلانية أراها لائقة بهذا المقام، (فإذا تواطأ)  أولياء الزوجين على ذكر ألفين في العقدِ ظاهراً، وعلى الاكتفاء بألفٍ  في الإلزام باطناً، (فقد)  نقل المزني عن الشافعي [رَحمهُ الله]  قولين:\rأحدهما: النظر إلى السِرِّ \rوالثاني: النظر إلى العلانية ، قال  وَهذا أولى؛ لأن ما قبله وعدٌ محضٌ ، فاختلف  الأصحاب، (فمنهم)  من وافق المزني، وقطع به، وحمل نصَّ الشافعي\rعلى ما إذا جرَى نكاحٌ في السِرِّ ، وهذا قياس  يخالفُ المذهب، إذ لا يُبقى\rهذا التأويل للقول الآخر وجهاً ، ومن أصحابنا من قال: المسألة على قولين ، وَاختلفوا في مأخذه وَمحله، فقالوا: محلهُ ما إذا تواطؤا على أن يجعلوا الألفين عبارة\rعن الألف، فعلى قول: لا يجوز ذلك الاصطلاح؛ لأن صريح  الألفاظ لا تغيَّر  وعلى قول يجُوز؛ لأن اللغة اصطلاحٌ، فلهم الاصطلاحُ على ما يتفاهمونه ،\rوَمن أصحابنا من قال: فإن  لم يجر (تنصيص على تغيير)  اللغة جَرْي (القولان) ؛\rلأن المقصُود من المواطأة هذا، وإن لم يصرِّح به  ، وهؤلاء أعني الصائرين\rإلى القولين في المسألة طردُوا في لفظ الطلاق إذا قال لزوجته: أنت  طالق، أردتُ به القيام أو القُعود، (أو ما)  يجري مجراه، وَسنتكلمُ على ذلك في كتاب الطلاق، هذا تمام الغرض من الباب \r\rالباب الثالث\rفي إخلاء النكاح عن ذكر المهر\rوفيه فُصُول:\rالفَصل الأوَّلُ: في صُورة التفويض  وحُكمه\rأما (الصُوَر فانشعَابُها)  من اختلاف صيغ الإذن في التفويض إلى الولي أو الوكيل، ونحنُ (نعددها) ","part":1,"page":25},{"id":1207,"text":"إحداها: أن تقول المرأةُ المستقلَّة للولي: زَوجِني من غير مهر فَزَوَّجَها وَنفى المهر، أو زَوَّجها وتَرَك (ذكر المهر) ، (فانَ لم)  يُصَرِّح بالنفي، فالعقد صحيح، والصُورَة صورةُ التفويض، فإنه صَدَرَ [إسقاط]  طلب [إصداق]  المهر من مستحق المهر، وَجَرى العقد على وَجه التفويض من المُستحقّة ، ويلحق  بهذا ما إذا زوَّج السيِّدُ أمته ونفي المهر، أو ترك ذكرهُ، فالعَقدُ يصحُّ، وكان ذلكَ في معنى التفويض  على ما\rسنذكر حُكمه \rالثانيةُ: أن تقُول السفيهة: زَوجْنِي من غير مهرٍ، فليس هذا تفويضاً؛ إذ ليسَ لها الرضى (بسقُوطه)  ، نعم إذا زوجها الولي بهذا الإذن  بمَهر المثل صح النكاح، وثبتَ المهرُ، وَيُستَفادُ منهُ أصلُ الإذن في النكاح؛ فإنها لا تزوَّج إلا برضاها، ويلغو رضَاها بسقُوط المهر ، فإن قيل: هُو مُخالفٌ؛ فإنهُ زَوَّج بالمهر، وقد أمرت بترك المهر، قلنا: زادَها خيراً فكان  كما إذا قالت: زوِّجني بألف، فزوَّجَها بألفين، وَليسَ هذا كما إذا قال: هب مالي من فلان فباعه  منهُ، لا يصح وَإن زاد  خيراً؛ لأنه عدَل إلى جنس آخر، وَأمَّا  عقدُ النكاح فجنسٌ واحدٌ يشتمل  على المهر، أو يعرَى  عنه، فلو  زوَّجها في هذه الصُورة ونفي المهر، كان كما لو زوَّج الصغيرة بغير مهر، ففي  صحَّة النكاح قولان ذكرناهُما ، وإذا صحَّ ثبت مَهر المثل \rالثالثة: أن تقُول زوِّجني بما شئت، أو بما يشاء  الخاطب، فهذا إذنٌ في النكاح  على مهرٍ، فلو عقد النكاح كذلك، وقال: زوجتك بما شئتَ، فهو مجهُول فالرجُوع إلى مهر المثل، وَالنكاحُ صحيح، وَلو كان يعرفُ الزوج  مَا شاءهُ  الخاطبُ، فالوَجه القطع بصحَّة التسمية ، وقال القاضي تفسد التسمية؛ لأن المذكور صَريحاً مجهُول، ولا نظر إلى ما في الضمير إذا لم يجرِ به صَريحٌ ، وكأنَّه  يفسد الإذن على\rهذا الوجه ","part":1,"page":26},{"id":1208,"text":"الرابعةُ: إذا قالت: زوجني مُطلقاً، فلينزل  على طلب المهر؛ لقضاء العُرف، كما ينزل الإذن في البيع على طلب ثمن المثل، فلو زوجها من غير تعرُّض للمهر، أو زوجها بأقل من مهر المثل ففيه طريقان أصحهما القطعُ بفساد النكاح، فإنهُ يزوج بالإذن فما لا يتناوَله الإذن ليسَ مملوكاً لهُ فلا يصحّ إقدامه عليه ، فكان  كالوكيل إذا قيل: زوِّج بكذا فزوَّج بدونه  لا يصح ، وكذلك الولي إذا قُرِّرَ  له مقدارُ فنقصَ لم يختلفوا في فساد النكاح؛ لأنه ليسَ مأذوناً قطعاً، وَالمُطلقُ يُقيَّدُ بالعُرف (كما يُقَيّدُ)  باللفظِ ، ومن أصحابنا من قال: إذْنُهَا أَلْحقَ الوليَ بالمُجبرِ في الاقتدار على التزويج، ثم حظه من المهر كحظ المجبر، وَفيه قولان في صحة النكاح، كذلكَ هذا \rالخامسَةُ: التفويض إلى الوكيل: فإذا قال الولي للوكيل: زوَّجها بألفٍ فزوَّجها  بخمسُمائة، فهو باطلٌ قطعاً أعني  النكاح؛ لأن (مستنده)  الإذن، وما أتى به غير مأذون فيه ، فأما إذا أطلقَ الإذن فَنَفَى الوكيل المهر، أو ذكر دُونَ مَهر المثل فمن أصحابنا  مَن قال في صحَّة النكاح قولان ، وَالوَجهُ القطعُ بفسادِ النكاح؛ لأن المُطلق المقيَّد بالعُرف كالمقَيَّد باللفظ \rفرعان: في الوكيل:\rأحدهما: لو  وَكَّل مُطْلَقاً فلم يتعَرَّض للمَهر بنفي ولا إثباتٍ، فهذا فيه تَرَدُّد يُحْتَمل أن يُقَال: يصح؛ إذ الإطلاقُ في العقد يُنَزَّل على مهر المثل ، ويحتملُ أن يقال: يَبطل، إذ حقه ذكر المهر \rالثاني: أنه لو زوج بخمرٍ أو خنزيرٍ فحُكمُ الشرع ثبُوتُ مَهر المثل، فيحتمل التصحيح اعتماداً عليه، وَالأظهَرُ الإفسَادُ؛ لأنه مُخالِفُة في الصيغة  بخلاف الفرع الأول، (إذا أطلق له)  الإذن فأطلق النكاح فلا مخالفة في الصيغة، وَالشرعُ يحكم بإثبات مهر المثل ، هذا هُو الكلامُ في صُوَر التفويض","part":1,"page":27},{"id":1209,"text":"أما حُكم التفويض في الصُور التي ألحقناهَا بالتفويض أن العقدَ صحيح، وأما المهر ففيه طريقان، قال العراقيُون: لا يجبُ بالعقد لتعريتهِ عنه، ويَجبُ بالوطء؛ إذ تعريته عن عوضه  يأباهُ الشرع ، وهل يجبُ بالموت قولان ، وقال المراوزة: هل يجبُ بالعقد قولان:\rأحدهما: لا يجب، وهو ما قطع به المراوزةُ، وَسبَبُه بَيِّن؛ فإنه لم يجر  له تعرُّضٌ؛ وَلم يجر مسيسٌ يأبى الشرع تعريته عن العوض، ولا موت ألْحَقَهُ  الشرعُ بالمسيس في تقرير المهر \rوالثاني: أنه يجبُ، ومن المراوزة من قال هُو مُخَرَّج ، ومنهم من قال: مأخوذ  من نصِّ الشافعي على قولين في الموت ، فإن إيجابه بالموت، والموتُ لا يوجبُ، وإنما (يقَرِّر فدلَّ)  على أن وجوبهُ قد  سبقَ في العقد، وتوجِيهُ هذا القول: أن المهر يجب بالمسيس وفاقاً، فلولا وُجوبه بالعقد ما  وجبَ بالمسيس؛ إذ معنى المسيس استيفاء مستَحقّ، وَالشرعُ إنما يأبى تعرية الوطء عن العوض إذا لم يَكن مُستَحقاً؛ بدَليل [أن]  السَيِّد يَطأ أمته ولا مقابل لهُ، فدلَّ أن الاستحقاق كان بالعقد، وكان سببه أن الشرعَ عظَّم النكاح، وَمَيَّزهُ عن السفاح [بخصائص من جملتها إثبات العوض، فكان العوض ركناً في تميزه عن السفاح] ، وإن لم يكن رُكنا في كَونه عِوَضاً، وَفي ترتُب أحكام الأعواض عليه ، وأمَّا توجيه القولين في الموت ، فقولُ  الإسقاط يتوجَّه بسببين : أحدُهما: أنه إذا لم يجب بالعقد (فالموت)  ليس موجباً إنما هوَ مقرِرٌ لواجب ولا واجبَ، ويتأيدُ هذا بأن الموت يقرَّر كل المهر  وَالطلاق يقرر نصفة في المُسمَّى الصحيح ، وَفي مسألتنا أجمَعُوا على أنه لو طلقها قبل المسيس لم تستحق شيئاً من المهر ، فإذا  مات الزوج أو الزوجةَ لا  تستحق التمام \rوالقول الثاني  يتوجّه بأمرَين:\rأحدُهما: أن الشرع ألحق الموت بالوطء في تقرير تمام المسمى ","part":1,"page":28},{"id":1210,"text":"والثاني: ما روى أن ابن مسعُود  سُئل عن هذه المسألة فتردد كثيراً حتى\rاجتهدَ شهراً ، ثم قال: إن أصبتُ فمنَ الله، وإن أخطأتُ [فمنِّي]  ومن \rالشيطان، أرَى لها مهر نسائها، وَالميراث فقام معقل بن سنان   وقال: أشهُدُ\rأن رسُول الله  قَضَى في بَرْوع بنت وَاشق الأشجَعِيَّةَ  بمثل  قَضائِكَ، فَسُرَّ به سروراً عَظيماً  (فالحديثُ)  نصٌّ إلا أن الشافعي [رحمه الله]  تردَّدَ في صحّة الحديث إذ قيل: معقل  بن يسار، وقيل: معقل بن سنان، وقيل: ناسٌ من\rأَشْجَع ، وقد بَلَغَ الحديث عليَّ (بن)  أبي طالب   فلم يَرَ قَبُول رواية معقل، وقال: (لا نقبَل في ديننا قولَ أعرَابيّ بَوَّالٍ على عقيبه) ، فيبقى مذهب ابن  مسعُود ويُعَارضهُ مذهب عليّ [رضي الله عنهما]  ، ووَجهُ  التَّردُد أن المعاني كالمتعارِضَة، وهذا الحديث يَصْلُح للترجِيح إن استقل  بنفسِه، فإنه أثار  تردداً فلا يتقاعدَ عن أنواع الترجيح \rهذا تمام الطُرق ، وقد اتفق الأصحابُ على شيئين:\rأحدُهما: أن المهر في صُورَة التفويض قبل الفرض يسقط كله بالطلاق قبل المسيس ولا يتشطر ، وكان الشيخ أبو محمد يقول: يتشطرُ كما في تسمية الخمر والخنزير، فإنه يرجعُ إلى مهر المثل، ثم يتشطر، وما ذكره قياسٌ بَيِّن، ولكنه على مخالفة الأصحاب ، وَمستند الأصحاب أن القياس سقوط الكل بالطلاق قبل المسيس وَلكن حكم الشَرعُ (في المفروض) ، وقال :        وَلهذا تعلق أبو حنيفة بالظاهر، وَقضى بأنه لا يتشطر أيضاً وإن رأي وُجوبَهُ بالعقد ، كما نراهُ في قولٍ  إلا أنَّ أصحابنا لم يَطردوا هذا في الخمر والخنزير، ورأوا ذلكَ في معنى المفروض؛ لأن مستنده تَسْمِية صحَّت في إثبات أصل المهر، وفسَدت في إثبات\rعَيْن المسمى ","part":1,"page":29},{"id":1211,"text":"الوفاقُ الثاني: وجُوب المهر بالمسيس ، وخرَّج القاضي قولاً خالف فيه الجمهور، وهو أنا إذا قلنا: لا يجبُ بالعقد فلا يجبُ  بالمسيس أيضاً، وتأيَّد (بالقياس)  في أنه إنما يستوفى ما يستحقه ، وخَرَّجهُ [من قول]  الشافعي [رحمهُ الله]  في الرهن، وَهوَ أن الراهن إذا أذِنَ للمرتهن في وَطء المرهُونة فظنَّ إباحته ، فالوطء مُحْتَرم حتى يَثْبُت النسب والعدَّة، ولا يجب المهر في قولٍ ، ولا مستند للسقوطِ إلا إذن المستَحِق وهُو السَيِّد، والمُسْتَحِقُ هاهنَا هي المرأة وَقد رَضيَت ، ثم هذا التَّخْرِيج نُقِل عنهُ على وجهين:\rأحدهما: أنه لا يجبُ إن جدَّدت عندَ المسيس تسليطاً على الوطء من غير عِوض وقالت: رَضيتُ به، فأما إذا استمرَّت على التفويض الأوّل ثبت المهرُ؛ لأن ذلكَ يُحْمَل على سقوطه عند العقد، وعدم استحقاقه عند الطلاق، وليس من ضرورته الرضا به\rمع المسيس \rوالثاني: وهو قياسُ تخريجه أنها لا تستحق وإن لم تُجَدِّد تسليطاً اتباعاً للإذن في الابتداء ، وكلما (ذكره يدور)  على قياس لا ننكره، وَلكنهُ مخالفٌ لما اتفق عليه الأصحاب، وَإنما ذكرنا مذهبهُ، ومذهب الشيخ أبي محمد في التشطُر  آخراً بَعْدَ سَرْد المذهب على (وَجه التبيين) ، أن هذا ليس معدوداً من قانُون المذهب \rفرعٌ: إذا قضينا بأن المهرَ يجبُ بالمسيس ولا يجبُ بالعقد، فيُعتبرُ مَهر مثلها باعتبار يوم العقد، أو باعتبار يَوم  المسيس فيه وجهان:\rأحدهما: وَهوَ الذي يقتضيه ظاهرُ النظر أنه يجبُ باعتبار حَالة المسيس؛ لأنه المُوجِب \rوالثاني: أنه (يراعى)  حالة العقد ، وهذا يتجهُ لهُ محملان:","part":1,"page":30},{"id":1212,"text":"أحدهما: أن الأمرَ كان موقوفاً في العقد، وكأنا  نقضي بنفي المهر حتى لا (نُثْبت تشطيراً)  عندَ المسيس، وإنما تجاسَرْنا على تعرِيَة العقد؛ لأنه لم يشتمل على (مسيس) ، فإذا اشتمل على المسيس تبيّن به  الوُجوب بالعقد، فكأنا نقُول: النكاحُ المتأكِّد بالمسيس لا يَعْرَى عن المهر، والخالي عنهُ يجوز أن يَعْرَى؛ إذ سبَب تعبُد الشرع [في النكاح]  أفضاؤه إلى الوطء فَيُنْظَر إلى عاقبة الأمر ، ويحتملُ أن [لا]  يُتلقى هذا من الوقف بل يَبْتَنِي  على أن المسيس مستند في استحقاقه إلى العقد، فَيُضَاهي ما لو جَنى  على بطن جارية رقيقة فاجهضت جنيناً رقيقاً يجبُ عُشْر قيمة الأم باعتبار يَوم الجناية على وجه، لا باعتبار يَوم الانفصال للاستناد إليه، وهذا البناء ضعيف (المحمل، والأوَّلُ)  أظهر  \rالفصل الثاني: في الفرض ، ومعناه، وأحكامه\rوفيه مسائل:","part":1,"page":31},{"id":1213,"text":"إحداها: أن الأصحاب اتفقُوا  على أن لها المُطالبة بالفرض على القولين ، فإنا إن أوجبنا المهرَ بالعقد فتستفيد بالفرض تقرير  النصف عند الطلاق، ولم يختلفوا أنه إذا فرض يتشطرُ  بالطلاق ، وعليه حمل المفسرون قوله سبحانه :       ونزلوا الآيةَ على (المفروضة)  ، وقضى أبو حنيفة بأنه لا يتشطر معَ الفرض أيضاً إذا لم يكن الفرض في نفس العقد ، وكان الشيخ أبو محمد يقول: إذا قضينا بوجوب المهر بالعقد فلا مُطالبة لها بالفرض وَهذا [مما]  بناهُ على ما اعتقَدَهُ من تشطرّ مهر المثل ، وهو على خلاف الأصحاب وإن كان قياساً ، وإن فرَّعنا على أن المهر لا يجبُ بالعقد (وإنما يجبُ)  بالمسيس فلهَا  الامتناع من التمكين حتى تكون على ثقة (من الواجب)  وعلى تَثَبُّت فيه ، وَهذا لا يجري على مذهبَ القاضي في تخريجه إذا رأى سقوط المهر عند المسيس، وَإن لم يجر تسليطٌ مُجَرَّد؛ لأن الفرض مُستندهُ ما يتوقعُ من إيجابه  بالمسيس ، وقد بيَّنَا  أن ما ذكره أيضاً ليسَ من قانون المذهب ، وعند هذا نُنَبِّهُ على الإشكال، فإن الفَرْضَ على القولين مُشْكِل، فأمَّا  إذا أوجبنا [مهراً]  فمهر المثل وَاجب فما معنى الفرض! وليس عقداً على ابتدائهِ، ولا يُمكن أن يُجْعَل ذلكَ تصرفاً في عقد الصداق بعد ثبوته؛ لأن الزيادات على أصلنا لا تلحق بالعقد، وَالعقُود لا تلحقها التفاسُد  بعد اللزوم، وَلكن مأخذهُ طلبُ التقرير كما أنا على مذهب نُجَوِّز لها إجبار الزوج على وطأةٍ واحدةٍ للتقرير، ولكن التردد فيه من حيث إن الوطء قد لا يندرجُ تحت الاختيار [في كل وقت] ، وأمَّا (الغرض)  فإلى  اختياره، والإشكالُ على قول نفي المهر أيضاً ظاهر؛ إذ لا مهر فالتزامه بالفرض يَبْعُد أن يُجْعَل عقداً على الابتداء ولَيس عقداً؛ ولذلك لا يُشْتَرط فيه القبُول وشرائط العقود، وَإلحاقُ عوض بالعقد بعد","part":1,"page":32},{"id":1214,"text":"تَعَرِّيه عن العوض لا يُلاَئِم مذهبُ الشافعي [رحمه الله]  وهوَ يمنعُ إلحاقَ  زيادة بالعقد، هذا وجه الإشكال ، وسنُبيِّن حقيقة  الفرض بذكر المسائل\rالثانيةُ: لها الامتناع من التمكين في طلب الفرض ، وليسَ لها الامتناع لتسليم الصدَاق المفروض  بخلاف المُسمَّى  الصحيح ، وهذا على قول وجُوب المهر بالعقد مشكلٌ؛ إذ لا معنى لوجُوبه معَ المنع من المطالبة به قبل المسيس، وهذا  ما نقله الإمام ، وفي بعض التصانيف ذكر وَجهين في تمكينها من المُطالبة بقبض الصدَاق ، وهوَ متجهٌ ، وإنما المشكل المنع والمصير إليه يُضَعِّف قول الوجُوب بالعقد، وَلذلكَ لم يتعَرَّض العراقيُون لذلك القول \rالثالثة: إذا جرى الفرضُ بِعَرض من العَرُوض، أو جِنْس آخر غير جِنْس مهر المثل، أو عَيْن من الأعيان كيفَ ما فُرِض الأمرُ صحَّ الفرضُ  قطعَ به الأصحابُ سواء زادَ على مَهر المثل أو نقص ، وَكان هذا يستقيمُ على القياس لو جُعِل اعتياضاً عن الصداق، واستبدالاً عنه، وأجرى  على قياسِه في الإيجاب والقُبول، ولكن لم يذهب إليه الأصحاب ورَاجعتُه في الدرس، فأفتى به، وأجراهُ على قياس الاستبدال على قول وُجوبِ المهر وشَرْط القبول، وَكأنَّ الفرض من وَجْهٍ في حُكم عَقْد مُبتَدإ من وجه في حُكم تَصَرُّف في عَقْد ","part":1,"page":33},{"id":1215,"text":"الرابعَةُ: إذا جَرى الفَرْضُ بمقدار مهر المثل أو ما دُونه فهو صحيح، والنقصان محمول على الإسقاط، ووجهه  على قول نفي العقد: أنا وَإن (أوجبناهُ لدَى)  المسيس نوجبه تَعَبُّداً، ثم لا نَجِدْ ضَابِطاً فنرجع إلى مهر المثل، فإنْ  تَطَابقا على مَفْرُوض فهو المَرْجِعُ فلا يمتنع النقصان ، وإن زادَ على مهر المثل فإن كان من عَرَض أو (مُخَالِف جِنْس)  الصداق فجائز اتباعاً للتراضي بالفرض؛ فإن الفرض في نصِّ الكتاب مُفَوَّض إلى التراضي فلابد  من توسيع الأمر فيه ، وإن كان من جنس الواجب في مهر المثل، وهو نقدُ البلد فيخرَّج على القولين، (فإن)  قلنا: [إن]  المهرَ غيرُ واجب بالعقد فالظاهرُ جَوازه؛ لأن مقصود الفرض طلب مَرَدٍّ لما يُحْكم به عند المسيس ، وفيه احتمال ، لأنا نلتفت على ما سيجب ، وإن  فرَّعنا على قولِ وجُوب المهر بالعقد فالظاهر منعه؛ لأن هذه زيادة لا أصل لها، ويُنَزَّل مَنْزِلة ما لو صَالح عن دَم العمد على مائتين من الإبل \rوالتفريع: [على]  أن مُوْجِبَ العَمْد أحدهما  لا بعَيْنِه ، فذلك ممنوع في ظاهر  المذهب ، ويحتمل التصحيح في مسألتنا، فإن الوجوب السابق ضعيف، وتأَكُّده بالفرض، وقد جَوَّزنا  الفرض بعرض من العروض وإن  زادت على القيمة فلا يَبعد هذا أيضاً ","part":1,"page":34},{"id":1216,"text":"الخامسة: العِلمُ بمهر المثل هل يشترط للزوجين حَالة الفرض ذكر الأصحابُ وَجهين مطلقين [والوجه أن يفرَّع على القولين، فإن قضينا بأن المهر يجب بالعقد، وجرى الفرض بغير جنس المهر فلا حاجة إلى العلم فإن ذلك جائز وإن نقص] ، وليس  يجري على قانون الاستبدال حتى يحتاج إلى العِلم، وَإن كان من جنسه وعلم أنهُ واقعٌ دونهُ قطعاً  فهو جائز من غير علم ، وإن أمكن أن يكون فوقه أو دونه فيحتمل رعاية العلم بأنه  دائر بين أن يفسُد [إذا منعنا الزيادة]  وبين أن يصحَّ أو  دائر بين أن يكون تقديراً  لمسْتحَق أو إلزاماً  لما ليسَ مُسْتحقاً ، فأمَّا إذا فرَّعنا على أن المهر لا يجبُ بالعقدِ فالظاهر أن العِلم لا يشترط فإنا نجوِّزُ الفرض وإن زادَ على مهر المثل، ونقدِّر ذلك تراضياً؛ ليكُون (مرداً للواجب)  بالمسيس ، ويحتملُ اشتراط العلم كما احْتُمِل منع الزيادَة التفاتاً (إلى ما سيجب)  كما أَنَّا على القول الآخر نلتفتُ إلى ما وَجب \rالسادسَةُ: أن الزوج لو استقلَّ بالفرض، إن  كان دون مهر المثل لم يجز، وإن كان مِثْلهُ فَيُحْتَمل ذلكَ  من حيث إنه ليسَ عقداً مبتدأً حتى يحتاج إلى قبولها، (أو يُحْتَمل الافتقار إلى طلبها؛ ليكون كقبولها، ويُنَزَّل تراضيهما  على مفروض كالتراضي لدى  العقد ","part":1,"page":35},{"id":1217,"text":"السابعة: أنهَا لو أبرأتَ عن المفروض صح قطعاً ، ولو أبرأت عن المهر قَبْل الفرض، فإن فرَّعنا على قول الوجوب  صح إذا عَلِمَت مهر المثل؛ إذ الإبراء عن المجهُول باطل ، ولو  (كانت تستيقن)  أنه لا ينقص عن الألف فلا يصح الإبراء عن الزيادة ، وهل يصحَّ عن الألف على قولين لا مأخذ لهُمَا إلا تفريق الصفقة ، وإن فرَّعنا على أنه لا يجبُ  فقالت: أبْرَأت عما سَيَجِب لي فهذا يُبْنَى  على الخلاف في الإبراء عما لم يجب، وجرى سبَبُ وجوبه كالإبراء عن نَفَقَة العبد ، وَلم يَكن هذا كتسليطها من غير مَهر كما ذكرهُ القاضي ؛ لأن ذلك نفي المهر، فهو (مصادم)  التَّعَبُّد  في إثبات المهر، وَأمَّا الإبْرَاء حُكْمه  حُكم الاستيفاء؛ لأنه إسقاط يستدعي وجوداً  ، فأَمَّا إذا قالت أَسْقَطُّت حَقي من طلب الفَرْض  فهذا لغوٌ ؛ لأن المهر إذا لم يسقط فلا معنى لسقُوط الطلب به، (وبمثل)  ذلك لا يَسْقط حق المرأة التي  آلى عنها زوجها وَإن رضيتُ؛ لأن الأصل الاستحاق لا يسقط فلا\rيسقط الطلب ","part":1,"page":36},{"id":1218,"text":"الثامنة: إثباتُ أجلٍ في المفرُوض قال بعض الأصحاب يصح ، وقال بعض المصنفين فيه وجهان   والوجه أن يقال: إن فَرَّعنا على أنه لم يجب فالفرض في حُكم ابتداء التِزام، وليسَ  يَبْعُد عنه الأجل  ويُحْتَمَل نقيضه [وإن قلنا: وَجَب  فَيَبْعُد الأجل ابتداءً؛ لأنه في حكم البيان لواجب سَبَقَ، ويُحتمل أيضاً نقيضه] ، وعلى الجُمْلَة التَّردُد متَّجِهُ ، والذي يتحصل للناظر من تردُد الأصحاب في هذه المسائل أن الفرض (يَرُدُّ الواجب)  بحُكم التَّعَبُّد؛ فإن الشرع يأْبَى التَّعْرِيَةَ عن عِوض، ثم ليس بعض (المقدرات)  بأولى من بعض، فمهرُ المثل أقرب مَرجوع إليه إذا لم يَكن فَرْض، وإذا جرى فَرْض في العقد فهو أولى من مهر المثل  ، فإذا جرى فرض [من]  الزوجين [بعدَ العقد]  فكأَنَّ الشرع ألحق  ذلك بالفَرْض لدى  العقد حتى يصير كالمفروض حَالة العقد، وكأَنَّ العقد كالموقوف في اقتضاء العِوَض، فإذا  لم يَجْر فَرْضٌ نُزِّل على مهر المثل، فإن  جَرَى فرضٌ نُزِّل عليه، وكان ذلك أولى من مهر المثل ، ثم الفَرْض على  ما سَيَجِبُ بالمسيس على قَوْلٍ، وعلى ما سبق وجوبه بالعقد على قولٍ، فلا يفارق أَحَدُ القولين الآخر إلا في تَقَدُّم وتَأَخُّر، (والفرض متوسط) ، فمن هذا الوجه ضاهَى الفَرْض بَعْدَ العقد الفَرْضَ لدى  العقد، فاحتمل فيه الأَجَل، واحتمل الزيادَة والنقصان، والعدُول إلى جنس آخرَ ، ومن حيثُ تراخى عن العقدِ لم يمكن أن يُجعَل مستقلاً، وكانَ  في حُكم تابع [ولهذا]  ترددوا في الأجل والزيادةِ، والأقربُ أن يُقال: هذا الفَرْض في حُكم المقرون بالعقد والمقصود منهُ طلب مَرَدِّ لعِوَض اقتضاهُ الشرعُ جُملة من غير تقدير، وإنما النزول على مَهر المثل؛ لضرورة عدم الفَرْض، فإذا جرى فهو أولى، فهذا سِرُّ الفصل، ومنهُ نَشَأَ جميع الترددات، وعن هذا قضوا بأن المسيسَ إذا جَرَى سَقَطَ","part":1,"page":37},{"id":1219,"text":"طَلَب الفرضُ؛ لأن التَّوقف إلى جَرَيان ما يَسْتَحِيْل تَعْرِيَته عن عوض، فإذا جَرَى ذلك فلابُدَّ من تقرير  عِوَض، ويتقرر  مهر المثل؛ إذ لا مَرَدَّ سواه فلا معنى للفَرْض  بَعْدَه \rالتاسعةُ: أن الزوج لو فرضَ لها خمراً برضاهَا لُغِيَ الفرض، وكان وجوده كعدمه ، فإن قيل: إذا جعلتم الفرض آخِراً كالفرض في العقد، وبنيتم عليه جَواز التأجيل فلِمَ (لم)  تجعلُوا هذا كالمذكور حَالة العقد حتى يثبت مهر المثل متأكداً فيتقرَّر  نصفه [بالطلاق قبل]  المسيس ، ولا يتوجَّه الطلب بفرضه  بعد ذلك قلنا: لأن الغرضَ من الفرض  طلب مَرَدٍّ مَعْلُوم  لنزول تَعَبُّد الشرع عليه، وَتَسميَّةُ الخمر لا تصلحُ له، والرجوع إلى مهر المثل من حُكم طلب أصل العوض في العقد، وهاهُنا أصل العوض محكوم به، إما سابقاً، وإمَّا لاحقاً، فالحُكم يتغَيَّر بفرض مُفيد، وهذا غير مفيد فَلُغِي، وجُعِل وُجُودُه كعدمِه، وقد أفادَ طلبُ أصل العوض في\rابتداء العقد \rالعاشرة: للقاضي أن يفرض إذا امتنع الزوجُ من الفرض، أو لم يتطابقا على مِقْدارٍ، ولكنَّه لا يزيد على مهر المثل، فإن ما وراء ذلكَ ليسَ بواجب، وَهذا أقصى حقَّها، وهو في الفرض في حُكم نائب يفرِض؛ ولكنها نِيَابَةٌ قهرية لمسيس الحاجَة ، وعند هذا لابُدَّ من عِلْمِهِ بمقدار مهر المثل؛ حتى لا يزيد فيضُرُّ بالزوج ، فلو رَضيت (المرأة به)  مُؤجلاً فهل  للقاضي ذلكَ الذي قطع به المحققُون: منع ذلكَ؛ إذ القاضي مُسْتَوفٍ لحق يتنجز به المطالبة، وإثبات الأجل يليق بالعاقد عند التراضي هذا حُكم القاضي ، أمَّا الأجنبي إذا فَرَضَ برضاها دون الزوج فهل لهُ ذلك ذكر العراقيُون وجهين:\rأحدهما: الجواز؛ كما لُه أن يتبرَّع بأداء الصداق دون إذن الزوج، ثم إذا صحَّ الفرض فعليه المفروض، وليسَ على الزوج شيء، ويَسْقُط طلبها عن الزوج ","part":1,"page":38},{"id":1220,"text":"والوجهُ  الثاني: أنه لا يصحُ، وَهو الأصلُ؛ لأنه في حُكم تقدير وتغيير للعقد ليكون ذلك مرداً للتعَبُّد الشرعي  كما ذكرناهُ ، وذلك يليق بالعاقدين، وَليسَ ذلكَ كأداء أصلِ الصدَاق، فإنه افتداء على سبيل الابتداء، ومنهاجُه معلوم، هذا تمامُ التردُّد [في مسائل الفرض] ، وهي في غاية الغمُوض؛ فإنه  لا يشابه قاعدة من قواعد التصرُفات على مذهب الشافعي ، وأقربُ محمل لهُ ما ذكرناهُ من طلب مَردٍّ لمقتضَى التعبد  من العوضَ ، ثم ذلكَ بعدَ العقد كهُوَ حالة العقد، يبقى إشكالٌ على أصل [مذهبَ]  الشافعي، وهو أنه لا يلحق بالعقد ما يلحق من بَعْد، وهذا في حُكم إلحاقِ ، (فنقول)  اختَصّ [النكاح]  بِه من حيثُ إن الصداق فيه لهُ حُكم الاستقلال من وجهٍ، ولذلكَ يُفْرَد بالفسخ  والرَّد، ولا ينعطف أَثَرُهُ  على النكاح، فكان قابلاً للتصرُّف مستقلاً، ولسنا (ننكر)  بُعْد إشكال الفَصْل، ولكن ما ذكرناه غاية البيان، وحَقُّ الحَصِيْف   أن لا يطمع  في المضائِق في كلام جليٍّ، وَأن يقنعَ بما يليق بمضيق\rالفَصلُ الثالثُ: في تفسير مَهر المثل ","part":1,"page":39},{"id":1221,"text":"كثر تدوار مهر المثل في مسائل النكاح، إذ يجبُ في المفَوِّضَة، وَفي النكاح الذي فسدت التسميَّةُ فيه، وَفي وَطء (الشبهة) ، وتمسُّ إليه الحاجَةُ في التوزيع عند جمع نسوَة  في عُقدهِ، وَفي الشقص المشفُوع إذا كان صدَاقاً فلابُدَّ مِنْ بَيَانه ، والضابطُ فيه أن مهر المثل قيمَة البضع ، وإنما يُتَعَرَّف  قيمَةُ الشيء بالنظر إلى أمثاله، فكذلكَ هَاهُنا يُعَرف بالنظر إلى نساء عَشِيرَتِها، ممن  ينتمي إلى آبائها، كأخواتها للأب، أو للأب وَالأمُ، وعماتها (للأب والأم) ، وكذلك من ينتمي إلى آبائهَا، ولا ينظر إلى بناتها وأمهاتها إذا  كنّ لا ينتسبن  إلى الشجرة؛ لأن الغالب (أن المقدار)  المعلوم إذا ثبت في غيرها  فتجري الأنكحة عليه، والأصل الأعظم رعايَة (النَّسَب)  ، ثم لا اقتصار فلو  زادت أو نقصت بيسارٍ   (أو جمال)  وعِفَّة وسَلاسَة خُلُق، وَغير ذلكَ من الخصال، فكُلُّ ذلك مَرعيٌّ، وَإن لم يُرْعَ  في الكفاءة؛ إذ الرَّغباتُ تقل بها وتُكثرُ، والتعويلُ في القِيَم على الرَّغبات، وإن لم تكن نسيبةً تجرَّدَ النَظَرُ إلى هذه الخصال، وإلى امتَدادِ الرَّغبات إليها \rفروع: لو سمحت وَاحدةٌ من نساء عشيرتها بنقصان فلا يلزمها حُكمه، وَلو شاع التسامحُ فيهنَّ  بعدَ إن لم يَكن (ذلك فذلك)  يدُل على انتقاص الرغبات فَيُرَدُّ إلى القدر الباقي \rالثاني: لو كُنّ يُؤَجِّلَنَّهُ فإثبات مهر المثل مُؤَجَّلاً مُحَالٌ، وإنما تَمَسُّ الحاجَةُ إليه في بَدل إتلاف أو ما  يجري مجراهُ فَنَعُدُّ له بالحَالِّ، ونُنْقِص منه ما يقتضي التقويم تَنْقِيصَه ، ولو قالت: أوجِبُوا الكُلَّ وأمهلوهُ [هذا]  القَدْر لم يُلْتَفَت إليها \rالثالث: لو كُنَّ يُسَامِحْن (من يُواصِلُهُنَّ)  من عشيرتهن بشيء، ولا يَسْمَحْن","part":1,"page":40},{"id":1222,"text":"[به]  مَع الأجَانِب، قال أصحابنا: تعتبرُ تلك الحطِيطة  في حَقِّ عشيرتها إذا كان المطالِبُ به واحداً من العشيرَة ، وكان شيخنا أبُو محمد يأبى هذا كُلَّ الإباء، ويقُولُ القِيَم لا تختلفُ باختلاف المتلِفِين ، والوجهُ أن يقال: إن كان ذلكَ في إتلاف فلا نظر إليه، لأن تلكَ الحطيطة لغرض مُوَاصلةٍ، وإن كان في عقدٍ  فينبغي أن ننظر إليه في حق العشيرة \rالرابع: الوطءُ (في الشُبهة)  في النكاح الفاسد يُوجِب مَهر المثل باعتبار حال الوطء لا باعتبار العقد؛ لأن العقدَ لم يُفِد مِلْكاً، ولا تَسْلِيطاً، وليس هذا كمهر المفوِّضة إذا أوجبناهُ بالمسيس، فإنا [قد]  نَعْتَبِر حَالة العقد؛ لأنه السَّببُ المُسَلِّط ، ثم قطع أصحابنا بأنه لو وَطئ مراراً، والشبهة شاملة لم يلزم إلا مهر واحد ، ونقل الإمام القطع في أن الغاصبَ إذا أَكْره الجارية المغصُوبة مِراراً يجبُ بكل وَطأةٍ مَهرٌ، جرياً على قياس الإتلافات ؛ إذ لا شُبهة تَشْمَل الكُل حتى يُنْظَر إليها ، والأَبُ إذا وطِئَ جارية ابنه ولم تَحْبِل يجبُ المهر، ولا حَدَّ في ظاهر المذهب ، ولو  كان ذلكَ مِراراً فقد نقل عن الشيخ أبي محمد (ذِكْر وجهين)   من حيثُ إن شُبهة الإعفاف هُو الذي أثبت الحُرِّية  ، وهي شاملة فيُضَاهي النكاح من هذا الوجه، ومن حيثُ تَمَحُّض التَّحريم يُضاهي الغاصب ، ثم في النكاح الفاسدِ إذا كُنَّا ننظر إلى الشُّبهة الشاملة، ونعتبرُ حالة الوطء فلو كانت هزيلةً في حال  يَقِلُّ مهرها، وسمينة في حالة أخرى، وقد أجرى  الوطء في الحالتين، فيجبُ أكثر المهرين؛ لأن هذا حُكمٌ بالإنْدِرَاج يُضَاهي الحُكم بانْدِرَاج حَدِّ الزنا، وَلو عتق الرقيقُ، وقد زنا قبل العتق وبعدَهُ اندرَجت الحدود، ووجب أكمل الحدين، فكذلكَ هذا ، هذا  تمام باب التفويض \rالبابُ الرابع","part":1,"page":41},{"id":1223,"text":"في حُكم التشطير  في الصدَاق إذا جرى قبل المسيس [طلاق] \rوفيه فصول:\rالفَصْل الأوَّلُ: في محل التشطُّر  وحُكمه \rومذهبُ الشافعي [رَحمهُ الله]  أن الطلاق قبل المسيس يشطر المهر الذي يستند وُجوبه إلى تَسْمِية، صَحَّت التسميةُ أو فسدَت اقترن الفرضُ  بالعقدِ أو تراخى [عنه]  في صورَة التفويض ، فأمَّا مهرُ المثل إذا وجب تَعبُّداً في صورة التفويض، ولم يَجْرِ فرضٌ فيسقط كماله بالطلاق ؛ فإنهُ على غاية الضعف، فلا يُفْرَض له قرار إلا بالمسيس، أو بالموت على قولٍ ، وعند أبي حنيفة لا يتصور التشطير  إلا في مسمى صحيح في نفس العقد، فأما مهر المثل فلا يتشطر عنده أصلاً ، وأما الفسخ قبل  المسيس إن كان بعيب فَيُسْقِط  كل المهر ، وإن كان بِرَدَّته تَشَطَّر  ، وَإن كان بِرَدَّتها سقط  الكُل ، وقد ذكرنا حُكم الفسُوخ مفرَّقَة في مَواضع وغرضُنَا حُكم الطلاق فنقُول: إذا قضينا بالتشطُر ، فالمذهبُ الصحيحُ أن الطلاق بنفسِه يُشطِّر  حتى ينقلب نصف الصَداق إلى الزوج قهراً من غير احتياج إلى اختياره ، وَفي المسألةِ وَجهٌ مشهورٌ أن لهُ حق الرجوع في النصف  إن أرادَ كالواهب يرجع في هبته إن أراد، فأما أن ينقلبَ إليه بمجَرَّد الطلاق فلا؛ لأن الطلاق ليسَ فسخاً حتى يتضمَّن رَدَّ العوض لرجُوع المعُوَّض، وإنما الطلاق تصرُّفٌ  في النكاح مع إبقائه لا بطريق رفعهِ، فسقُوط العوَض به لا معنى له، إنما يُفيد الطلاقُ سَلْطَنةَ الرجُوع ، وَالصحيح هو الأول، فإن البضع عادَ إليها بالطلاق قبل المسيس، فكان القياس يقتضي أن يسقط جميع المهر، وَلكن الشرع تَحكم ببقاء النصف في مُقَابلة الابتذال الحاصل بالعقد تعظيماً لأمر النكاح، فالنصف الثاني ينبغي أن ينقلب جرياً على القياس ، وحَكى الشيخ أبُو محمد وَجهاً: أنه يفتقر إلى قضاء القاضي ، وهذا غلط لا يليق بمذهب الشافعي، فإنه لا يُحْوِج في","part":1,"page":42},{"id":1224,"text":"الشفعة، والرد بالعيب، والرجوع في [في الهبة وغير ذلك]  إلى قضاء القاضي فكيف يُحْوِج في هذا المقام ! نعم، مستند هذا الوجه لفظهُ مشكلة للشافعي في المختصر حيث قال في سياق كلامٍ: وهذا كلهُ ما لم يقض لهُ القاضي به ، فاشعر سياق كلامه بالافتقار إلى القضاء، قال أصحابنا: عبَّر بالقضاء عن وقت القضاء؛ إذ يُقَالُ: هذا لا يقضي القاضي به لفلان أي ليس له، ويقضي له به أي هُوَ لهُ ، وَسنذكر تأويلاً بَعد هذا إن شاء الله  \rهذا تمهيدُ القَولِ في أصل التشطير ، ويتفرَّعُ على هذا مسائل:\rإحداها: أنه لو حدثت زيادة بعد الطلاق فإن قلنا: ينقلب بمُجرَّد الطلاق\rفنصفها للزوج ، وإن أحوَجناه إلى الاختيار فهيَ خالصة للزوجَة  إلا إذا حدثت\rبعدَ الاختيار \rالثانية: لو  طلَّقها على أن لها كمال المهر فإن قلنا: ينقلبُ بمجَرَّد الطلاق فلا أَثَر لقوله، فَلْيَهب منها إن أراد، وإن قلنا: إنه  يفتقر إلى الاختيار فهذا في حُكم إسقاط \rالثالثة: لو أسقط الحق في  الرجُوع على الوجه الضعيف فيحتملُ أن يُقَال: سقط  كالشفيع، وَمن له الخيار، وَكمن يستحق المغْنَم إذا أسقط حقه، ويحتملُ أن يقال: لا يسقط كالواهب إذا أسقط حقه من الرجُوع، فإنه لا يسقط \rالرابعة: تصرُّف المرأة قبل الاختيار، فيه وجهان:\rأحدُهما: الجواز، كما في المتَّهِب قبل الرجُوع مَع اقتران السلطنة بهِ \rوالثاني: [أنه]  لا ينفذ؛ لأن ملكها ضعيف في هذا الحال، فيُضاهي الملك في زمان الخيار، وَقياسُ هذا الوجه الضعيف الإلحاق بالواهب، وأن  مِلْكها مُتَقَرِّر، وليسَ ذلك كالملكِ في زمان الخيار، ولا كالمغنَم، ويُبنَى على هذا كيفية رجُوعِه بالتَّصريح والتَّضمين في البيع والعتق ، وقد ذكرناهُ في أوَّل البيع ","part":1,"page":43},{"id":1225,"text":"الخامسَة: وَهي من مقاصد الفصل أن الصَدَاقَ لو تلف قبل الطلاق فالزوج على الوجهين يَرجع بنصف القيمة، ولا يتعطَّل حقه، ويكون الفوات من (ضمانها)  ، فأمَّا إذا تلف بعد الانقلاب  إليه، أما بمجرَّد الطلاق أو بالاختيار، فإذا لم يجر منهَا مَنْع في التعدِّي فتلف بآفةٍ سماوية فالذي قطع به المراوزة أن ذلكَ يتلف في (يَدِها)  أمانة ، وقطع العراقيون: بأنه يتلف مضموناً ، واستشهَدُوا بما إذا باع عبداً بثوب، ثم ردَّ الثوب بالعيب فتلف العَبدُ في يد قابضة قَبْل الاستردَاد كان مضمُوناً ، وهذا قياسٌ جليٌّ واضحٌ، والمراوزَة فرَّقوا بأن انقلابَ العوض في البيع بالفسخ الرافع للعقد، وهو من حُكم المعاوضة، فيقتضي الضمان، وانْقِلاب شَطْر الصداق فليس في مُقَابلة ارتِداد البِضْع إليهَا ، وفيه نظر؛ لأنه لو لم يَرْجع البضع إليهَا لكان لا يَرْجِع نصف الصدَاق إلى الزوج ، ثم  مَسَاق الطريقين مشعرٌ بأنه لو جرى فَسْخ النكاح بعيب فالصدَاق مضمون في يَدِها كالفسخ في البيع ، ولو ارتدَّ الزوج قبل المسيس فحكمه على الطريقين حُكم الطلاق، إذ لو كان انقلاب المهر بحكم الفسخ ورُجُوع العوض لما تشطَّر ، ولو كان الانفساخ بِردَّتها أو بسبب لا يستند إلى أصل العقد فيتضمَّن  سقوط الكل فهذا في محل الاجتهاد  ، والظَّاهرُ إلحاقه بالفسُوخ، وَإن كان لا يستندُ إلى أصل العقد بخلاف الفسخ بالعيب ","part":1,"page":44},{"id":1226,"text":"الفصل الثاني:  في التغييرات التي تَرُدُّ الحق إلى القيمة أو تثبتُ الخيار، وَنقُولُ فيه: التغيُّر  لا يخلُوا: [إما]  أن يَكون (بنقصان محض) ، أو بزيادةٍ محضةٍ، أو بنقصان من وجهٍ وزيادة  من وجه، فإن كان بنقصان محضٍ كالتعيُّب ، فإن حصل في يَد الزوج ثم طلَّق قبل المسيس فَلْيَقْنع بنصف الصدَاق مَعِيْباً؛ لأنه تعيَّبَ في ضمانهِ، ولا خيارَ لهُ ، وإن تعيَّبَ في يَدِها فلهُ أن لا يرضى بالمعِيْب، وأن يُطَالِب بنصف القيمة، فإن أرادَ الرجوع إلى نصف العين فعليه أن يَقْنع به مَعِيباً، هذا ظاهرُ المذهب ، وَهذا جارٍ\rعلى قاعدَة المراوزةِ في أن الصدَاقَ في يدهَا ليسَ بمضمُون  (وَهذا يشكل) \rمن وجهين:\rأحدهما: أنها تغرم جميع القيمة لو تلف، فلا يبعد أن تغرمَ النقصَ إذا تعيَّبَ \rوالثاني: أن من باع عبداً بثوب ورد الثوب وكان العبد معيباً فلهُ التعلُق بالعين، والمُطالبة بالأرش ، والظاهرُ من المذهب الفرق ، وسمعتُ الإمامَ في التدريس يقول: من أصحابنا من ذكر وجهاً في الصداق من مسألة الفسخ أنه يُطالب بالأرش، ومن الصداق في الفسخ وجهاً أنه لا يُطالب، والظاهرُ الفرق، وَلستُ وَاثِقاً بهذا النقل، فإني لم أصادِفهُ في مجمُوعه\rفرع: في النقصان المحض إذا تعيَّبَ في يَد الزوج ذكرنا أنه لا يثبتُ له حقاً بعد الطلاق ، فلو كان بجناية [أجنبي] ، وقد أَخَذَت المرأةُ الأرش، فهل يُرجعُ عليها بنصف الأرش عند الرجُوع بنصف الصدَاق تردَّدَ فيه القاضي، ومال إلى أنه لا يَرْجِع؛ لأنه تلف في يده فهو من ضمانهِ، نعم، تحصَّلت المرأة على الأرش بجناية الأجنبي، فهي زيادة منفصلة في حقها ، والزيادات المنفصلة لا رُجُوع فيها ، قال الإمامُ: والوجهُ القطعُ بالرُجُوع؛ فإنها ليست زيادَة، بل هي خلف عن فائت فكأن الصدَاق لم يَفُت منهُ شيء؛ إذ سَدَّ الأرشُ مسَدَّهُ  هذا حُكمُ النقصان","part":1,"page":45},{"id":1227,"text":"أما الزيادةُ المحضةُ فتنقسمُ إلى منفصلة، وَإلى متَّصلة، أما المنفصلة فتسلَّم للزوجة، ولا رجوع للزوج فيها، بل ترجع  في نصف الأصل \rأمَّا الزيادَة المتصلة  فَتَمْنعُ من الرجوع، ويَثْبُت الخيار لها ، فإن امْتَنَعت من تَسْلِيم الزيادَة فتغرَم نصف القيمة، وإن رضيت بردِّ الزيادَة أُجبرَ الزوج على القبُول،  وَلم يَكن لهُ الامتناع اجتناباً للمِنَّة، فإن الزيادَة المتصلةَ في حُكم تابع لا يُفَرد  بِمَنْحِه فلا تعظمُ فيه مِنَّةٌ ، والإشكال أن الزيادة المتصلة لا وقع لَها في معظم الأحكام، فلم تمنع الرجوع ، ولا خلاف أنه لا تَمْنع من الرُجُوع في الفَسْخ بالعيب، (فكذلك)  النكاح إذا فسخ بعيب ينبغي أن يكون كذلكَ ، ولو ارتد الزوج فحكمه حكم الطلاق ، ولو ارتدَّت المرأة فهذا مُحتملٌ، تردَّد فيه العراقيُون  من حيث إنه انفساخ، ولكنه ليسَ مُسْتَنِداً  إلى أوَّل العقد، وَإنما فارق الطلاقُ الفُسوخ؛ لأنه أمرٌ مُنْشَأ متجدِّدٌ لا اسْتِنَادَ له إلى العقد، وَأما الفسخُ فَيَرفعُ العقد من حِيْنِه، ويَجْعلُهُ بالإضافة إلى الوقت كأن لم يكن من أصلهِ، فيتَّجه فيه أن لا يُبالى بالزيادات المتصلة ، ولذلكَ  قال أصحابنا: لو أفلسَ المشتري وزادَ المبيع زيادةً متصلة، ووجد البائعُ عَيْن مَتَاعِه فله الرجوع، ولا يمتنع  حقه بالزيادَة ، وفرقوا من وجهين:","part":1,"page":46},{"id":1228,"text":"أحدُهما: أنه لو لم يَرجِع لضاربَ بالقيمة، وذلك يؤدي إلى إبطال حقه، وفي مسألتنا لو لم يرجع لرجع إلى القيمة حتى اضطرب رَأيهم  على مسَاقه فيما إذا حُجر على المرأة بالفلس، ثم طَلَّق الزوجُ ووَجد عَيْن متاعِه، فمنهم من قال: لا يرجع أصلاً وإن لم يزد لتعلُّق حق الغرماء به، ولتجدَّد حَقِّه بعد تَعَلُّق حَقِّهم ، ومنهم من قال: يرجع، ثم هؤلاء اختلفوا، فمنهم من قال: يرجع وإن زادَ؛ لأنه لو لم يرجع لضارَب بالقيمة، ولأدَّى إلى إبطال حقه ، وهذا ضعيف، ولا ينبغي أن يُعَلَّل برجُوع  المفلس بهذا، وَإنما رجُوعه مُعَلَّلٌ بأنهَ يستحقُّ الفسخ بسبب يستند إلى  أصل العقد، [فلم ينظر فيه إلى الزيادات، وَأمَّا الطلاق فمُنشِئ حقاً جديداً لا استنادَ لهُ إلى ما سبق ، وأمَّا المرأة إذا طُلِّقَت قبل المسيس وبعد الحجر عليها بالفَلَس فالظاهرُ أن الزوج لا يَرْجِع؛ لأن حقه تجَدَّدَ بعدَ الحجر بخلاف البائع، فإن حقهُ مستندٌ إلى العقد] ، وَهو متقدّمٌ على الحجر ، هذا في الزيادَة المحضة\rفأمَّا إذا زادَ الصدَاق من وَجه ونقص من وجه كما إذا أصدَقها عبداً صغيراً فكبر ، فالزيادَة لِقُوَّتِه، وتَهَيُّئِه للأعمال الشاقة، والنقصان لزوال الطراوة  ، وكذلك إذا أصدَقها نخلاً فَأرقلت   وَبسقَت   وصارت","part":1,"page":47},{"id":1229,"text":"قُحَاماً  يَقِلُّ ثمرها، فهي زيادةٌ في الجِرْم ونقصان في الفائدة ، وَلسنا نطلبُ في هذا الجنس من الزيادة ما يزيدُ في القيمة، إنما ينبغي أن يرتبط قصدٌ على الجُملة لغرض من الأَغراض، فإن العَبْد الكبير يصلح لما يصلح له الصغير، وإن كان قيمته أنقص، فإذا فُرِض ذلك فَلِكُل واحدٍ منهما الخيار، فإن أبَى الزوج عن القبُول فله المطالبة بنصف القيمة ، وإن  أبَتْ المرأة عن التسليم فلها تسليم نصف القيمة ، ويتصل بهذا أن الثمار في الأشجار زيادة محضة لا نقصان فيهَا ، وإن الحمل في الجارية زيادة من وَجْه ونقصان من وجهٍ ، والحمل في البهائم زيادة، وهل فيه نقصان تردّدُوا من  حيثُ لا غررَ على البهيمَة [بالحمل]  \rقال الإمام: إن كان مأكولاً فهو نقصانٌ؛ لأنه يظهرُ أثرهُ في اللحم، وَإن لم يكن مأكولاً فالمَرَّةُ الواحدة لا تُظهِر أثراً في القوَّةِ، ولكن إذا تكرَّر يُؤَثِّر ، فليتبع  فيه الأحوَال، وَالزرعُ في الأرض نقصَانٌ محض؛ إذ يَبْقَى الزرعُ لها وتكون الأرض ناقصة إذ القُوَّة تسقط به ، وَالحراثةُ في الأرض المُهيَّأة للزراعة زيادةٌ محضةٌ، وَفي الأرض\rالمهيَّأة للبناء نقصَانٌ محضٌ ، فإن الباني يحتاج إلى تنقية الأرض ، وَالغراسُ في\rمعنى الزرع \rهذا تمامُ الغرض من تمهيد الكلام في الأقسام الثلاثة، أعني  الزيادَة المحضة، وَالنقصان المحض، وَالمُركب منهُما، واستتمام الغرض برسم مسائل:","part":1,"page":48},{"id":1230,"text":"إحداها: أنه لو أصدَقها نخلاً فأثمرت في يدها فطلَّقها قبل الجَدَاد فقد تَلَقَّانا عُسرٌ في رَدِّ النصف، إذ الثمارُ تبقى للمرأَة خَالصةً، وَتكون الأشجار مشتركة ، ولا يتصوَّر الاشتراك في السقي والحالةُ هذه، ومهما  فُرض سَقْي انتفع  به الثمار والأشجار جميعاً، ويتعلق به أنه لو [لم]  (يَسْقِ لتضررت)  الأشجار؛ إذ الثمار تمتَصُّ رُطوبتها ، فللمسألة  أقسام وأحوالٌ، وحاصلها يرجع إلى ثلاثة أقسام :\rأحدها: ما يبغيه الزوج وتأباه الزوجة\rوالثاني: ما تبغيه الزوجةُ ويأباهُ الزوج\rوالثالث: ما يتراضيان عليه\rأمّا ما يَبْغِيه الزوجُ فهو  أن يقُول: اقطعي الثمار حتى ترجع  نصف الأشجار\rفي الحال إليَّ، فلا يُجَاب  إلى ذلكَ؛ لأن الزيادَات مُسْتَحَقَّة لها، وَفي تكليف القطع إبطال حقها، وَنحنُ نمنعُ الرجُوع  بالزيادَات المتصلة نظراً لها، فلا نُجبرها\rعلى القطع \rالثاني: أن يقُول: أرجعُ إلى نصف النخيل، ولا التزمُ السقي فاسقي أنتِ إن شئتِ أو اتركي السقي، فلا يُجاب إليه؛ لأنها لو سقت انتفع به أشجاره، ولا يلزمها ذلكَ، وَلو تركت السقي تضرَّر به ثمارُها \rالثالثُ: أن يقول: أَرْجِعُ إلى نصف النخيل، وأَبْقي  الثمار، والتزم السقي، وَالتَّعهُّد، فهل عليها الإجابة وَجهان:\rأحدُهما: [أنه يجب]  الإجابة (إذا)  المحذور عُسر السقي، وقد كفاها\rالمَؤوُنة ","part":1,"page":49},{"id":1231,"text":"والثاني: أنه لا يُجاب، وهو الظاهر؛ لأنه وعدٌ منهُ لا يلزمهُ الوفاء بهِ؛ لأنه  لا يَجد بُدّاً من مُدَاخلة البستان في السقي، والمرأةُ قد لا ترضى بمُدَاخلته، وتَحْتاط لِثِمَارها ، إن  قضينا بأنه لا يُجاب فلا كلام ، وَإن قضينا بأنه يجابُ فلو رجع وترك السَّقي فله ذلك؛ لأنه وَعد محضٌ، (ولكن)  يتبيَّن به أن النصفَ لم ينقلب إليه، وَكأنَّ الأمرَ كان موقوفاً على الوفاء بالموعُود ، وإذا كُنَّا نَجْعل الأَمْرَ موقوفاً فلو اتَّفَق تَسْلِيم القيمة على قولنا (لا يُجَاب) ، ثم اتَّفَق منهُ الوفاء بالمَوعد ، فهل تسترد القيمة، ويتبيَّن صحة التشطرُّ فيه تردّدٌ، والظاهر أنه لا تُستردُ؛ لأن تتبُع الحكم بعدَ إثباتِه بعيدٌ \rالرابع: أن يقول الزوج: أرجع إلى  نصف النخيل ونصف الثمار، فليس عليها الإجابة؛ لأن الثمار خالص حقها \rأمَّا ما تبغيه المرأَةُ ويأباه الزوج :\rأحدها: أن تَقُول أَخِّرْ حَقَّك إلى الجَداد ، فلا تُجاب بل له التعجيل\rبطلب الحق \rالثاني: أن تقُول: ارْجعْ في نِصْف [الشَّجرة، وَبَقِّ الثمرة، ثم اسق إن شئتَ، وَإن شئتَ فاترُك السقي، فأنا لا أسقي فلا تُجاب إليه؛ لأنه لو سَقَى انتفع به ثمارها، ولو ترك تضرَّرت]  الأشجار بامتصاص الثمار رُطوبَة الأشجار \rالثالث: إذا ابتدرت وَجَدَّت الثمار تعيَّن حق الزوج في نصف الشجر، إذا  لم تكسر الأغصان وَالسَّعَف ؛ لأن العُسرَ قد اندفع ، وليسَ كذلك\r(لو بادرت)  في الأرض المزروعة وقطعت ، فلا يجبُ على الزوج الرضا بالأرض ؛ لأن العيبَ والنقصان يبقى في الأرض بعد القطع بخلاف الأشجار \rالرابع: أن تقُول المرأةُ ارجعْ إلى نصف النخيل وأنا  التزمُ السقي [وإن]  انتفع به أشجارُك، فهل عليه الإجابةَ هذا وَعدٌ منها، ففيه  من التردد\rمَا في جانبه ، وَألحق أصحابنا بهذه الصُورَة  من جانب الزوج ما إذا أصدقها","part":1,"page":50},{"id":1232,"text":"جارية فولدت وكان الولدُ رضيعاً، فليسَ لهُ الرجُوع إلى نصف الجارية وَمنعها عن الرضاع؛ لأنه يتضرَّرُ به الولد ضراراً  ظاهراً، (وَلو قال: رَضيتُ)  بأن يسقي مرضعة إلى الفطام فهذا وعْد منهُ، ففي  وجُوب الإجابة الوجهان المذكوران\rفي نظيره \rالخامس : أن تقول المرأةُ: منشأُ الإشكال في عُسر السَّقْي لخلاص الثمار لي، فقد وهبتُ منك نصف الثمار حتى نشترك في السقي، فيرتفع الإشكال بهذا ، وَلكن هل يُجبَر الرجل على قبُوله وَالثمار مُؤبرةً فيه وجهان:\rأحدهما: أنه لا يُجبر؛ لما فيه من المنَّة \rوالثاني: أنه يُجبر لضرورَة الحال ، وطردَ صاحبُ التقريب هذا الخلاف في الأرض المزروعَة [إذا قالت: رضيتُ بِتَمْلِيك الزَّرع وهو غلط؛ لأنه لا عُسَر في السقي في مسألة الزَّرع؛ إذ الأرض لا تَنْتَفعُ بالسَّقْي، إنما ينتفع الزرع به]  \rأمّا  إذا كانت [الثمار مطلعة]  غير (مُؤبرة)  ففي الإجبار وجهان مرتبان، وأولى بأن يُجبَر ، ومنشأ الترتيب تردُّد الأصحاب في أن الثمار المُطْلِعة هل يَسْلُك بها مَسْلَك الزيادَة المتصلة ، وعليه بنوا تردُّداً في أن الطَّلع   للبائع إذا رجع بعدَ الفَلَس، أو  هو للغُرماء كالمؤبَّرة وَالظاهرُ أنها زيادة منفصلة \rالقسم الثالث في المسألة التوافق بينهما ، وفيه مسائل:\rإحداها : أن يتراضيا على تَبْقِيَة الثمرة، وَالتزام الزوج أو الزوجة السقي، فهذا تواعدٌ منهما فلهما الرجوع مهما شاءا  ، فإن استمرَّا تبيَّن استقرار الملكِ أوَّلاً، وَإن رَجع وَاحدٌ منهما تبيَّن أن الملكَ لم يحدُث  للزوج في الشطر ","part":1,"page":51},{"id":1233,"text":"الثانية: أن يتراضيا على أن يختار الزوج نصف النخيل، ويُبقى الثمار إلى الجَدَاد، ولا يَلزَم  واحد منهما سقياً، بل يُترك السَّقي، أو يَسْقِي من شاء تبرُعاً   فإذا تراضيا على ذلك لَزِم  (فلو)  نَدِم أحدهما وقال: أريد السَّقْي لِمَا عليَّ من الضرار  لم يُمَكَّن بخلاف الصُورَة الأولى ؛ لأن هذا رضاء بسقوط الحق، واحتمال الضرار، وهذا يلزم بخلاف وعد السقي فإنه التزام  نَفْع فلهُ الرجُوع قبل التسليم ، هذا تمام الغرض من تفصيل هذه المسألة، ويتصلُ به أن ما عَدا الأشجار من النخيل ينزل نَوْرَها  منزلة الطلع، وإذا  انقعدَ بعدَ تناثرُ النَوْر هو كالمُؤَبَّر \rالمسألة الثانية: قال الشافعي [رحمه الله] : ولو أصْدَقَها نخلاً وَصَبَّ على\rثمارِهَا الصَّقر   الفصلُ [إلى آخره] ، فاختلف أصحابنا في محل المسألة، وَتصويرها، وَطوَّلُوا الكلام بتكَرُّر  حُكم النقصان والزيادة ، وبأحكام\rتتعلق  بكتاب الغُصُوب  فلا نَرى التشاغل به، نعَم، المَعْنِي بالصَّقر: قُطارَهُ الرُطب، وهو ما يَتَحَلَّب مِنْهُ من غير عَرْض على النار، وما يَحْصُل بالعَرْض على النارِ فهو دِبسُ ، فإذا صَبَّ الصَّقر على الثمار إن كان الصَّقْر من ثِمَارِه فقد تتعَفَّن الثمار فَتَنْقُص أو يَنْقُص الصَّقْر، وقد يكون الصَّقْر من مِلْكه فهو  كما لو صبغ ثوبَ الغير بصبغ نفسه، وقد يسمح الزوج بالصَّقر فيُسَلِّمه  إلى الزوجَة فهوَ  كما لو سمح بنعل الدابة  ليتوصل  إلى فسخ العقد، وَكيف ما ترددت  المسألة فليسَ فيهَا\rفائدةٌ جديدة \rالمسألة الثالثة: إذا أصدَقها جارية حاملاً فولدت فطلقها  هل ينقلب نصف الولد إليه إن قلنا: لا يقابله قسط من الثمن في البيع فلا؛ فإنهُ في حُكم زيادَة جديدة، وإن قلنا: يقابله قِسْط ، فقد تردد فيه العراقيون، وحاصل ما فيه ثلاثة أوجُه:","part":1,"page":52},{"id":1234,"text":"أحدها: أنه ينقلب، وهو ظاهرُ القياس؛ لأنه كان صدَاقاً حالة العقد \rوالثاني: أنه يَسْقُط حق الزوج عن الولد، لأن الولد يقوَّم  بالانفصال،\rوالانفصال متجدِّد، وضبط  قيمة الجنين وما بَيْنَه وبين الانفصال عَسِيْر، فُيقضَى\rبسقوط حقه \rوَالثالث: أنه يَرْجِعُ إلى قيمة نصف الولد يومَ الانفصال ؛ لأنا لو رَاعَيْنا قيمته يوم العقد فهو جَنِينٌ لا قيمة لهُ، ولو رَاعينا ما يزيد بسببه فقد ينقص في الجارية ولا يزيد، وَإن زاد في البهيمة (فهو اعتبار)  بطريق الوصف، وهو مُنَاقِض لقولنا: أنه مُقَابل بِقِسْط من (الثمن) ، وقد عَسُرَ الرجُوع إلى العين، وفيه زيادة بالانفصال، فيرجعُ إلى نصف قيمته، وهذا فاسد فإن نِصْف قيمته يساوي نِصْفه، ونحن لا نوجب في الزيادة المتصلة نصف قيمته مَع الزيادة ، والأصح  هو الوجه الأوَّلُ طرداً لقياس المقابلة بالثمن، وقد تعيَّبت الجارية بالوِلاَدة فيتعلقُ  (النظر بالمعيب) ، ولكنه إن كانَ في يده فقد قال قائلون (يحسبُ)  من ضمانه؛ لأن مستنده الحمل، وَكان مَوجوداً حال العقد، فيُضاهى ما لو تعيَّب بسراية جرَاحة مَوجودة حال \rالعقد ، وفيه كلام سيأتي \rالمسألة الرابعة: إذا أصدَقها حُلياً (فكسَرَتهُ وَأعادَتهُ)  صَنْعَةً أخرى، فكل  واحد منهما بالخيار ؛ لأنه نقصان من وجه [وزيادة من وجه]  ، وَإن أَعَادَت تِلْك الصنعَة فهل للمرأة الامتناع من تسليم النصف وَبذل القيمة فيه وَجهان:\rأحدُهُما: ليسَ لها ذلكَ كما إذا هزُل (ثم عادَ)  سميناً كما كان \rوالثاني: أنها تمتنع ، وَهوَ اختيارُ ابن الحدَّاد؛ لأن هذه زيادَةٌ حدثت باختيارهَا ، وقد ذكرنا نظير ذلكَ في كتاب التفليس \rالتفريع: إن قلنا: يرجع بنصف القيمة فيرجع بقيمة الأناء معَ الصنعَة\rفي الصحيح ","part":1,"page":53},{"id":1235,"text":"والثاني: أنه يرجع في مثل تِبْر  الحُلِي وزناً بوزن ، ثم يُغَرَّم  نصف أجرة الصنعَة من نقد البلدِ \rالمسألة الخامسَةُ: لو أصدَق الذميُّ زوجتهُ  خمراً، ثم أسلما بعدَ القبض، فقد ذكرنا أنها تكتفي بذلكَ الصداق ، ولا تطالب (ولو انقلبت)  الخمر خَلاًّ، وطَلَّقها قبل المسيس، فهل يَرجع الزوج إلى نصف الخل فيه وَجهان:\rأحدُهما: وهوَ اختيار ابن الحدَّاد أنه يرجع بنصف الخل، وَليسَ هذا كزيادة متصلة؛ فإن الخل عين الخمر، وقد أصدقها حيثُ اعتقَد مَاليَّتَها \rوالوجهُ الثاني: أنه لا يرجع وَهو الأظهر؛ لأن هذه تجدُّد مَالية فلا يتقاعد عن زيادة متصلة، وَنحنُ الآن لا نلتفتُ إلى  اعتقادهم ماليَّة الخمر في الكفر \rالتفريع: إن قلنا: يرجع بنصف الخل، فلو أتلفت الخل ثم طلقها، ففيه \rوجهان:\rأحدُهما: وإليه صار الخِضْرِي  أنه يرجع بنصف مثل الخل؛ فإنه من ذوات الأمثال، وَلو بقي الخل لتَعيَّن، فإذا فات يجب  مثل نصفهِ \rوَالثاني: وَهوَ اختيارُ ابن  الحداد أنه لا يَرْجِعُ بشيء لأنه في حالة الفوات  ينظر إلى قيمته  يوم الأصدَاق، أو يوم القبض على ما سنذكره ، ولم يَكن خَلاً يَوم القبض، ولا وُجد عينهُ حالة الطلاق ، وهذا فقهٌ غائصٌ، والأول أقرب","part":1,"page":54},{"id":1236,"text":"المسألة السادسَةُ: لو أصدَقها في الكفر جلد ميتة، وقبضت كذلكَ، ثم أسلما، ودَبغت المرأةُ  الجلد ، ففي المسألة طريقان: منهم من ألحقها بالخمر ، ومنهم من قطع هاهنا بأنه لا يرجع؛ لأن المَالية تجدَّدت بصنعتها  واختيارها ، قال الشيخ أبو علي: لو فرعنا على أنه يرجع، فلو تلفَ الجلد المدبُوغ ثم طلقها يتعَيَّن هاهنا مذهبُ ابن  الحدَّاد ، (فإن)  الجلد لا مثل له، ويتعيَّن قيمته، (والقيمَةُ تُرَعى)  يوم الأصدَاق والقبض، وَلم يكن متقوماً إذ ذاك ، وهذا فيه احتمال من حيثُ (يُمكن)  أن يقَدَّر كأنَّه أصدَقها جلداً مدبوغاً كما قدر ذلك في الخمر في إيجاب المثل، [فإن إيجاب المثل]  وإن كان لا يحوج إلى تقدير وقت مخصُوص ولكن تقديرُه على مُوَازَاة تقدير القِيْمة والمُتَقَوَّمات ، فإنه لو أُعْوِز المثل الواجب فينقلبُ \rإلى القيمة \rالمسألة السابعة: إذا أصدَق الرجل امرأتهُ ديناً، فإن طلقها قبل تَوْفِية الصدَاق برئت ذمته عن النصف ، ووجب توفية النصف، وَإن كان بعدَ التوفية فهل لها مَنعُه عن عين المقبُوض وجهان:\rأحدهما: لها ذلك ؛ لأن العقد ورَدَ على الذمة لا على تيك العين \rوالثاني : أنه يرجع بنصف العين، وهو الصحيح؛ لأنه إذا تعين بالقبض عن جهة الصدَاق كان كما لو تعيَّن بنفس الإصدَاق ","part":1,"page":55},{"id":1237,"text":"المسألة الثامنة: إذا أصدقها تعليم القرآن (ولم يتفق إلى أن)  طلقها، فقد عسُر التعليم فإنها أجنبية، وتعذر الصدَاق قَبْل (التعليم) ؛ لأن تنصيف السُّور عَسِيْر ، وكلماتُها تختلف، وكذلكَ خياطهُ نصف الثوب، فإن (توصل)  متوصلٌ إلى تنصيف في صورة فتصويرهُ مُتَّبَع ، فإن فرَّعنا على ضَمَان العقد فلها نصف مهر المثل ؛ إذ لا سبيل إلى التعليم، وَإن فرعنا على ضمان اليَد فلها نصف أجرَة التعليم ، وإن  أبدَلت بنفسها صبياً ليُعَلِّمه فهل يجوز ذلكَ فيه خلافٌ في الإجارَة ، ولا يجري هذا الخلاف في المعَلَّم، فلا سبيل إلى الإبدال بعد إيراد الإجارَة على العَيْن ، ولو جَلَسَت وَرَاء السِّتْر ومعهَا مُحْرَم  فيبتني على أن صَوتها  عورَة أم لا \rالتاسعَةُ: إذا أصدقها خياطة فقُطعت يده، أو تعليم قرآن نَسيَتهُ ثم تَذَكَّرَت، فقد تعذَّر الوفاء، فإذا جرى طلاق أو لم يجر يخرج حُكمه على قولي ضمان العقد واليد ","part":1,"page":56},{"id":1238,"text":"العاشرة: وهي مقصودة في نفسها ينعطف حُكمها على جميع هذا الفصل ، فأنا  حَيثُ نُثبِّتُ الخيارَ من الجانبين فلا نحكُم قبل الاختيار بالمِلْك -وإن  فرعنا على الأصح في أن الصدَاق يتشطر بنفس الطلاق- ولكن ننتطر  ما يجري من توافق ، ثم إذا ثبتَ الخيار للزوج فليسَ ذلكَ على الفور، ولكن  يُضَاهي خيار الرجُوع في الهبة ، وإذا ثبت الخيارُ لها أيضاً فلا يَبْطل خِيَارها بالتأخير، ولكن للزوج المطالبة بِحَقِّه إما القيمة وإما العَيْن، فإن أَبَتْ رَفع إلى القاضي، وَحَبَس عين الصَداق عنها، وامتنع تصرفها فيه، ونُزِّل مَنْزِلة المَرهُون؛ إذ حقهُ لا يتقاصر عنهُ ، وليسَ هذا كتصرفها قبل اختياره على قولنا: أنه لا يتشطر بنفس الطلاق، فإنا قد ننفِّذهُ  على وجه، ووَجه الفرق بَيِّن ، ثم إن القاضي يبيعُ الصدَاق إذا أصرَّت على الامتناع، وَإنما يُتَصَوَّر خيارها في زيادة متصلة، فإن كان يشْتَرى  بزيادة فيُسلِّم الزيادَة\rإليها ، وَإن كان لا يُشْترى بزيادة، فقد اختلف الأصحابُ، منهم من قال: يُسلَّم إليه النصف؛ إذ لا فائدَة في البيع هاهنا ، ومنهم من قال: يَبِيْع؛ لأن حقَّهُ في القيمة ، والأول أظهر، ثم إذا قَضَيْنا (بأنها تسَلِّمه)  إليه فلا يثبت ملكه ما لم يقض [له] \rالقاضي به ","part":1,"page":57},{"id":1239,"text":"وَهذا ما أرادهُ الشافعيُ [رحمه الله]  بقوله: وهذا مَا لم يقض له القاضي به ، (فإنه)  ذكرهُ في أثناء هذه المسائل، وقد تخيَّل بعض أصحابنا منه أن التشطرُ بنفس الطلاق موقوفٌ على قضاء القاضي، وهوَ غلط كما حكيناه من قبل ، ثم إذا آل الأمر إلى القيمة في هذه الصُورة، وفي جميع الصور، فأيَّة قيمته نعتبر  إن مَسَّت الحاجة إليه عند تلف الصدَاق في يدها بعد الطلاق، ورأيناهُ مضموناً، فهو معتبر بوقت التَّلف ، فأمَّا إذا كان التَّلف من قبل، أو امتنع بعيب، أو زيادَة أو (زال ملكهُ)  فقد اتفقوا على أن الواجبَ عليها أقل قيمته من يوم الأصداق إلى يَوم الإقباض، فإن قيمته  يوم الإصداق إن كانت أقل فما بعده حدث على مِلْكها، وإن كان قيمته يوم الإقباض أقل فقد فاتت الزيادة في يده فكان من ضمانهِ ، وكنا نوَدُّ لو اُعْتُبِر يوم الطلاق في صورَة الزيادَة المتصلة؛ لأن العين قائمة، وله التعلُق بها، ولكن قُدِّر الامتناع به كالامتناع بالفَوَات، ولو فَاتَ لكان يَمْتنع اعتبار قيمته يوم الطلاق، فكذلك  يوم التلف؛ لأنه  تلف على مِلْكها، وكأن  الزوج عند العجز عن العين يُطالب بقيمة ما سلّمه إليها \r\rالفصل الثالث: في التصرفات المانعة من التشطر\rوفيه مسائل:\rأحدها: إذا زال مِلْكُها بجهة لازمة من (بيع أو هبة)  أو ما يجري مجراه امتنع الرُجوع وتعيّنت القيمة ","part":1,"page":58},{"id":1240,"text":"الثانية: إذا تعلق بالصداق حق لازمٌ، إما بالرهن وإما بالإجارة فلا سبيل إلى فسخها، ولهُ أن يطلب القيمة في الحال، فإن قال: انتظر افكاك الرهن، وانقضاء المُدّة، وقلنا: إن الصداق مضمُون في يدها فليس عليها الإجابة، بل لها تسليم القيمة؛ لأن ذلكَ يُورِّط في غرَر   وإن قلنا: إن الصدَاق ليسَ مضمُونا في يدها، أو إبرائها الزوج عن الضَمان إن كان من تلف، وجَوّزنا الإبراء عن [ضمان]  ما لم يجب ولكن جرى سببه كإبراء لمالكِ الغاصب عن ضمان المغصوب قبل التَّلف، فهاهنا لا غرر عليها في انتظاره فهل تلزمها الإجابة ذكر الشيخ (أبو علي)  وَجهين شبّهَهما بنظير لذلك ذكرناه فيما إذا اطلعت النخلة المصْدقة والتشبيهُ بعيد؛ لأن ذلكَ يتعلق بالنظر فيه بعُسر السقي، وأمَّا هاهنا يمتنعُ التمليك في المرهون في الحال، ولو قيل: لا يُمْلكُ في الحال فلا معنى للأبراء عن الضمان إذاً فالوجهُ أن لا يلزمها الإجابة هذا ما ذكرهُ الإمام ، وما ذكرهُ الشيخ محتملٌ على قول سقوط الضمان وَكون الصدَاق أمانة ، وعلى الوجه الآخر فلا ننكرُ  أن الطلاق سبَبُ الملك وَالتضمين وقد جَرى، وَالأبراء  ليس بعيداً على الأصل الذي ذكرناه فأمَّا  في الإجارَة فينقدح البناء على أنه هل يجري البيع فيه فإن أجريناهُ وجبت الإجابة، وإن لم يخرج  على الخلاف  \rفرع: لو لم يتفق منهُ المُطالَبة حتى انقضت المُدّة وانفكَ الرهن، وقال الزوج: [الآن]  لا أرضى إلا بالعين، وقد زال المانع، ففيه وجهان:\rأحدُهما: لهُ ذلكَ كما لو زالت هذه الموانع قبل الطلاق ","part":1,"page":59},{"id":1241,"text":"وَالثاني: لا؛ لأنه تعلق حقهُ بالقيمة فلا يُنْقض ما حَكمنا به ، وهذا بعيد؛ لأنه لو عجز عن طلب المثل في مثليّ أتلفِ فلهُ القيمة، وإن  لم يتفق المطالبة فله الرجوعُ إلى المثل ، إلا أن وجهُ التردد أن تعلق حق الرجوع  بالعَيْن ضعيف، ثم إذا قلنا: له التعلق بالعَيْن فيُحْتَمَل أن يقال: بتعَيُّن ذلك ، وليس له طلب القيمة لتمكُّنه من العَيْن، وَيُحْتَمل أن يتوقف على (اختياره) ، لتخَلُّل مانع \rالثالثةُ: إذا  أصدقها عبداً فدبرته نقل المزني نصَّ الشافعي: \"أن التدبير يمنع من التشطُّر\" ، واختارَ أنه لا يمنعُ ، واختلف الأصحاب على ثلاثة طرق: منهم من قال: قولان مبنيان على أن التدبير وَصيَّةٌ بِعْتِق أم تعليقُ عِتْق فإن قلنا: تَعْلِيقٌ، فيمتنع؛ لأن  التصريح بالرُجُوع عنهُ ممتنع ، وَهذا ضعيفٌ؛ فإنهُ وَإن امتنعَ التصريحُ فلا يمتنع إزَالة الملك معَهُ  كما على قولي  الوصية ، ومنهُم من قطع بأن التدبير لا يمنعُ، وهُوَ القياس؛ لأنه لا يمنع إزالة الملك ولكنهُ مخالفة  للنص ، ومنهُم: من قطعَ بأنهُ يمنع لأنها ربَطت بهِ عقد عِتَاقة مقصُودة، وجعلتهُ بصدد قُربَة تقرَّبت به  إلى الله تعالى، فضاهى ذلكَ الزيادَة المتصلة؛ فإنها لا يُرْعَى في الزيادَة المتصلة زيادَة القيمة، بل يُرعى  ارتباط القصد ، ولا يخفى أن القياسُ وقُوع التشطُر \rويتفرَّعُ على النص ثلاث فروع:\rأحدُها: أنها لو صَرَّحت بتعليق عِتْق العبد بصفة هل يمتنع  منهم من قال: يمتنع كالتدبير ، وَمنهُم من قال: لا؛ لأن التدبير عقد عِتَاقة مقصُود لا يُنْكر \rالثاني: لو صَرّحت بالوصية للعبد بالعتق  فيه وجهان ، ووجهُ  التردد ما ذكرناه ","part":1,"page":60},{"id":1242,"text":"الثالث: أن التدبير هل  يمنع الرجُوع في الهبَة ورُجُوع البائع في العوض المُسْتَرد عند رَد المُعَوَّض بالمعيب  فالظاهر أنه لا يمنع؛ لأنه ليس مانعاً من التمليك، وإنما امتنعَ للضعف، وحق الرجُوع في الشيء بحكم الفسخ بالغ في القوة ، ومنهم من عَمَّم الفسخ تشوُّفاً إلى إدَامَة عقد العِتَاقة \rالرابعة: إذا أصدقها صيداً وكان الزوج مُحْرِماً حَالة الطلاق، فإن فرَّعنا على أن الزوج يفتقر إلى اختيار المِلْك يُبَنى ذلكَ على أن المُحْرِم لو اشترى صيداً هل يصح شراؤه وفيه خلاف ، فإن قلنا: لا يفتقر إلى الاختيار فهل ينقلب الشطرُ إليه\rفيه وجهان:\rأحدهما: أنه ينقلبُ؛ لأنه لا اختيار له كما في الإرث \rوالثاني: أنه لا ينقلبُ؛ لأن الطلاق باختياره والملك يتجته، وهو ضعيف ","part":1,"page":61},{"id":1243,"text":"التفريع: إن قضينا بأنه لا ينقلب إليه فلهُ المطالبة بنصف القيمة، وإن كان السبب المانع من جهته، وإن قلنا: ينقلب، فهل يزول ملكه في الحال يُبنَى على  أن من أحرَم وفي ملكه صيد هل يزول ملكُه بالإحرَام الطارئ، والظاهر أنهُ لا يزول ولكن يجب الإرسال فالانقلابُ هَاهنا في حُكم الدوَام ، وينشعبُ عن هذا إشكال، وهو أنه على الأقوال  يجبُ على المُحْرِم إرسال الصيد، ونِصْف الصيد لا سبيل إلى إرسَاله، وَلو أرسَل الكُل لكان مُفوّتاً حقّهَا، فيُبنَى هذا على الخلاف المعروف في أنه إذا اجتمع حق الله وحق الآدمي فأيُّهما يُقَدّم إن قلنا: يقدم حق اللهِ  فيجبُ الإرسَال، وعليه أن يغرمَ لها نصف القيمة، وَإن قلنا: يقدّم حقها فإذا منعت تعذَّرَ الإرسال، فيبقى صَيدٌ في يد مُحرم، ويتمهّد عذره فيه لذلك، وَإن قلنا: لا يُقَدَّم أحَدُ الحقين فلا يتجه هَاهُنَا إلا التخيير ، فإن أرسَل غرم، وإن ترك لم يغرم، وَيكاد أن نلتفت هذه المسألة على قولنا: إن الحقين مُتَساويان على مسألة ذكرناها في الأصُول، وَهوَ أن من سقط على صَرعَى وعلم أنه لو مَكث لقتَل ولو انتقل لقتل المُنْتَقل إليه، فقد نقُول: حَلَّتِ الواقعَةُ على حُكم الله تعالى المتعارِض، وقد نقول: لا حرج عليه فيما يفعل ، ونفي الحرج حُكم الله، فهذه المسألة تقرب منها \rالخامسة: إذا طرأ مانعٌ وذاك قبل الطلاق نُظر، فإن كان ذلكَ بزوال مِلكَ، ففيه قولان مشهُوران، يُعَبَّر عنهما بأن الملكَ الزائل العائد كالذي لم يزُل أو كالذي لم يَعُد وَيجرِي هذا الخلاف في الرجُوع في الهبَة، ورجُوع البائع في متاع المفلس، وفي الردِّ بالعيب إلى  نظائر لهُ ذكرناهَا في كتاب البيع ، فأمَّا الرهن، والإجارة، والاحرَام فإذا زال فلا أثر له [أصلاً] ، ولا يمتنع الردّ به ، وترددوا في مسألتين:","part":1,"page":62},{"id":1244,"text":"أحدهما: الكتابةُ إذا طَرَأَتْ ثم زالت، والوجهُ إلحاق الكتابة بالرهن، فإن المكاتب عبد والمِلْكُ مطرِدٌ كما في المرهُون \rوالثانية: التدبير إذا زال بصريح الرُجوع إن جوّزنا بصريح  [الرجوع]  وفرعنا على أن التدبير مانع فقد نصّ الشافعي في هذه الصورة على أنه يرجع الزوج إلى النصف ، ومن أصحابنا من طردَ الخلاف المعرُوف في زوال الملكِ، ومنشأ هذا التردد أن التدبير وإن كان مانعاً فإبطاله إلى العاقد فهو على حُكم جَواز لا يتأكّد ، وطردوا هذا الخلاف في البيع الجائز ، وما أراهم يطردون في الهبَة  قبل القبض فإن ذلكَ لا يزيل الملك قطعاً، ولا تمام له قبل القبض فوجوده كعدمِه \rالفصل الرابع: فيما إذا وهبت الصداق قبل\rالمسيس من الزوج\rوإن الرجُوعَ هل يمتنع به ونحنُ نقدم على هذه المسألة مُقدّمتين:\rأحدهما: إن الله تعالى قال:       أثبتَ التشطرُ في  المفروض، ثم استثنى وقال:             فأمَّا قوله\r     فالمراد  به عَفْو الزوجات عن الصدَاق بعد الطلاق، فإن ذلك يُسقط المُطالبة بالنصف الذي يستقر لها ، وَأما قوله:         فقد اختلف الناس فيه، فقال قائلون: المعنى به الوَلّي، وَإليه صَار الشافعي في القديم ، وقال آخرون: الزوجُ  وَهوَ المنصُوص في الجديد ، وَثمرةُ الخلاف أن الولي هل يقدر على العفو عن الصداق فأمَّا الشافعي فإنه رَجَّحَ في القديم الحَمْل على الوَليِّ على الحمل على الزوج من أربعَة أوجُه:\rأحدها: أن ابن عباس   صارَ إليه ، وتفسيرُه أولى ، وقد قال رسُول الله\r--: (اللهم فَقِّهُه في الدين، وَعَلمه التأويل) ","part":1,"page":63},{"id":1245,"text":"والثاني: أنه ذكر الأزواج في الآية بصيغة المخاطبَة، فقال:      وذكر هذا بصيغة المغايبة، فأشعرَ أنه أرادَ غيره \rوالثالث: أنه أرادَ العفو من جانبين، وَكان ذلك عفواً يُخَلِّص  جميع المهر للزوج، فليكُن المعطوف عليه عفواً يقتضي  إخلاص جميع الصدَاق أيضاً للزوج، وذلك يكون من الولي لا من الزوج \rوَالرابع: أنه وصفَه بأنَّ بيَدِه عُقدة النكاح، وَأَجرى ذلكَ بعدَ الطلاق، والولي هو الذي بيده العقدَة الآن، وأمَّا  الزوج فليسَ إليه شيء ، والقول الجديد: أن المراد به الزوج، وترجيحه من أربعة أوجهٍ:\rأحدُها: أنه صار إليه علي بن أبي طالب -- وابن جرَيج، وَابنُ المُسَيِّب، وَغيرُهم \rوَالثاني: أن الله تعالى ذكر خُلُوص الصَداق للزوج بعفوها، ثُمَّ عَطفَ، فيدل على أنه أراد خُلُوص الصَّداق لها بعفوه؛ فإن الآية مسُوقَة للتَعرّض (من الجانبين)  \rوالثالث: [أن]  قوله تعالى:         وإنما يحسن ذلك من الزوج، وَأما  عفو الولي عن مهر (صغيرة  ضعيفة)  لا يقال فيه هُو أقربُ للتقوى \rالرابع: أنه قال في سياق الكلام        وَكَان ذلك\rخطاباً معهُما \rالتفريع: إن منعها عفوه  فهو القياسُ ، وَلا تفريع، وَإن صححناهُ فهو مقيَّد بأربعة شرائط:\rأحدها: أن يكون الولي مجبراً كالأب والجد \rوالثاني: أن تكون المرأة بحيثُ لا تَمْلِك أمر  نفسهَا \rوالثالث: أن يكون قبل المسيس، فإن العفو بعد المسيس تعطيل لحقها \rوالرابع: أن يكون بعدَ الطلاق، فإن العفو قبل ذلك يبقيها في حالتها ، ويُعَرِّضها لإهانته ، وَلو كان العفو في الخلع فهو مقرون بالطلاق ، وفيه تردُدٌ ذكرهُ صاحبُ التقريب، إذ يحتملُ أن يُجْعَل المقارن كالمتأَخِّر لا كالمتقَدِّم ","part":1,"page":64},{"id":1246,"text":"وَالخامس: أن يكون الصَداق ديناً، فإن كان عيناً لم يَجُز منه الهبة؛ لأن لفظُ العفو مشعرٌ  به ، وكل هذه الشروط مأخوذة من الآية، فإن فيها دلالة عليها ولا خفاء بها، وذكر الشيخ أبو محمد أن هِبَتَهُ عيناً من الزوج إذا كان الصدَاق عيناً يجوز إذ لا فرق بين العَيْن والدين (فيما يرجعُ إلى حقها) ، وإنما جُوِّز ذلك نظراً لها إذا اقتضى النظر، وَهذا قياسٌ بَيِّن  وَلكن المذهبَ ما حَكيناه، ثم تردَد أصحابنا في ثلاث مسائل:\rإحداها: أن الصغيرة المجنونة هل للولي الأبراء عن مهرها منهم من طَرَد؛ لعمُوم\rالآية ، وَمنهم من استثنَى؛ لأن ذلك جُوِّز حيث تتشوَّف الرغبات إلى نكاحها ليكونَ ذلك خَلاَصاً من هذا الزوج ومخَاصَمَتِه وَأما هذه فلا يرغب فيها \rالثانيةُ: البكرُ البالغةُ تردَدوا في إبرائه عن مهرها، منهم من طردَ للعمُوم؛ لأن\rعُقده نكاحها بيدِه ، وَمنهم من منعَ؛ لأن هذا تصرفٌ في مالها وَهي مَالكة أمْر المال ، وهذا تردُّد قَوْلٍ للشافعي، ويُبنَى هذا على أنه هل يستقل بقبض صدَاق\rالبكر البالغة  وفيه خلاف، وَأحَدُ  القائلين يُلحق الصدَاق بسائر الأموال ، وَالقائل الثاني: يسحَبُ ولاية البضع عليه؛ للقُرب ، ولا شك في أن البِكْر البالغة السَّفِيهة كالصغيرة \rالثالثة: أنه لا يُبرئ عن مهر الثيِّب البالغة ، وأما الثيب الصغيرة إذا كانت قد ثابت في صُلب النكاح بوَطء شُبْهَة -حتى لا يتقرَّر المهر به- فَطُلِّقَت  قبل المسيس فهل للولي العفو الظاهرُ المنعُ؛ إذ ليسَ بيده عُقدَة  نكاحها الآن ، وَمن أصحابنا من أَبعدَ وأثبتَ ذلكَ  لاطراد ولايته على مَالها ","part":1,"page":65},{"id":1247,"text":"المقَدمة الثانية: في ألفاظ العفو والإبراء: فالصدَاقُ  إن كان دَيْنا سقط بلفظ الإبراء، أو العفو، ولم يفتقر إلى القَبُول في ظاهر المذهب ، وإن قالت: وَهَبْتُ، فهل يفتقرُ إلى القبُول وَجهان ، ولا شكَّ في السقُوط إذا جَرى القبُول ، فأمَّا إن كان عيناً سَقَط بلفظ الهِبَة معَ القبُول وَكان تمليكاً ، وَلم يسقط بلفظ الإبراء وإن قَبِل؛ لأنه لا يُنبئ عنهُ، ولا يصلح لأن يكون كناية  ، وأمَّا لفظ العفو ففيه  ترددٌ، وما عليه الجمهُور أنه كلفظ الإبراء، فلا يحصل به التمليكُ ، وقال القاضي يحصُل لعموم اسم العفو في كتاب الله تعالى مع انقسام الصدَاق وهوَ بعيدٌ؛ لأن الآية مَا سيقت لبيان لفظ الإسقاط، وَإنما سيقت لبيان حُكم الترك إذا جَرى بطريقة \rفرع: إنما يصح الإبراء عن الصداق منها، أو من الولي على قول إذا كان معلوماً، ولا  يصح الإبراء عن المجهول  في ظاهر المذهَب ، والجهل إنما يُفرض\rإذا كان الواجبُ مهرَ المثل في الغالب، فإن تيقّنت أنه لا ينقص عن مائة وترددَت في الزيادة فأبرأت عن الكُلّ لم يصح  عن الزيادة ، وَهل يصح عن ذلك القدر\rقولان \rرجعنا إلى مقصُود الفصل فنقول: إذا رجعَ الصدَاق إلى الزوج قبل الطلاق فله خمسة أحوال:\rأحدها: أن يكون ذلك بمعاوضة فمهما طلقها رجع عليها بقيمة النصف لا على فرق بين أن تشتمل المعاوضة على مُحَاباة  أو لا تشتمل عليه  ويكون ذلكَ كالبيع من الأجنبي مثلاً \rالثانيةُ: أن يرجع إليه بهبَة وَكان الصدَاق عينا فهل يمنع  رجوعه به\rفيه قولان \rالثالثة: أن يكون دَيناً فيسقُط بإبرائها، ففيه طريقان:\rأحدُهما: القطع بامتناع الرجُوع بالقيمة \rوَالثاني: طرد القولين \rالرابعة: أن يَرجع (الدَّينُ إليه)  بهبَة، ففيه قولان مرتبان على ما إذا رَجع بالإبراء، وَهاهنا أولى بإثبات الرجُوع ","part":1,"page":66},{"id":1248,"text":"الخامسة: أن يكون الصدَاق دَيناً ثم يرجع إلى الزوج بهبَة بعد التسليم والتعيين، ففيه قولان مرتبان على ما إذا جرت  الهبَة قبل القبض في الدَين، وأولى بأن يثبُت الرجُوع \rتوجيه القولين في أصل المسألة: من قال: لا يمتنع الرجوع اعتصمَ بالقياس  فإنه لم يَرجع إليه الصدَاق بجهَةِ التشطُّر فصارَ كما إذا رجع بجهةِ البيعَ ، ومن قال: لا يرجع وَإليه صارَ أبو حنيفة ، جعل هبة الصداق في حُكم تعجيل حقّه إليه، وشبهه بتعجيل الزكاة ، وهو بعيد؛ لأنه لو صَرّح بغرض التعجيل لم يصح أصلاً ، ولكن في هذا غورٌ نبّهَنا عليه في كتاب مآخذ الخلاف في نُصرة مذهب أبي حنيفة، وَأما ترتيب الإبراء على الهبة من حيثُ إن الإبراء يُضَاهي الإسقاط من وجه، ولكن لا يشترط فيه القُبول على ظاهر المذهب ، وهذا الخلاف يجري في الفسُوخ، وكل جهة تقتضي رَد العوض ، وكذلكَ إذا باع عبداً بجارية فوهب منهُ العبد، ثم وجد بالجاريَة عيباً فهل يَرجع بقيمة العبد إذا وَهب على هذا الخلاف يجري، حتى تَرَدُّد أصحابنا في جواز الردّ على قولنا لا يرجع لعُرُوِّة عن الفائدة \rهذا تمهيدُ المقصُود من الفصل، وَاختتامُه بمسألتين:\rإحداهما: أنها لو وهبت نصف الدار  من الزوج قبل المسيس ثم طلقت، فإن قلنا: هبةُ الكل لا يمنعُ  الرُجُوع فهاهنا يثبت له الرجُوع بالنصف لا محالة ، وفي كيفية الرجُوع ثلاثة أقوال: أحدُها أنه يرجعُ إلى نصف  الباقي فيخلصُ له الكل ، وهذا كما قال الشافعي في الزكاة إذا أصدقها أربعين شاة فأخرجت الزكاة واحدة فيرجع الزوج إلى عشرين مما بقي  في يدها، وينحصرُ ما أخرجتُه في جانبها ، وكذلك قال في التفليس إذا اشترى عبدين مُتساويي القيمة بمائتين، وقضى مائة ثم أفلس وقد بقي  أحد العبدين، فللبائع الرجُوع إلى العبد، وينحصِرُ حقه فيه ، وهذا القول مشهور\rبقول الحصر","part":1,"page":67},{"id":1249,"text":"والقولُ الثاني: إنه يرجعُ في نصف الباقي ورُبع قيمَة الجُملة، وهذا قول يُعرف بالشيُوع وَهُوَ قياسٌ ظاهر \rوالقولُ الثالث: إنه بالخيارين ما ذكرناه في القول الثاني ، وبين أن يرجع (بقيمة نصف الكُل) ؛ لأن ذلكَ يؤدي إلى نوع من التبعيض، والتبعيضُ سبب ثبوت  الخيار ، والقولان الأخيران مذكوران للشافعي فما إذا أصدق أمرأته إناءين فانكسرَ أحدُهما فعلى قول يرجع في نصف الصحيح، ونصف قيمة المنكسر ، وعلى قول هو بالخيار بما  اعترض من التبعيض ، وقد شبّه أصحابنا هذا بما إذا اشترى عبدين ووجَد بأحدهما عيباً فأنا نمنعه على قول من رَدّ أحد العبدَين  حذراً من تفريق الصفقة ، فكأَنَّا على هذا القول نُقَدِّرُ تفريق الصفة، في مسألة الإناءين في الصدَاق أيضاً، وَهوَ بعيدٌ؛ لأن رجُوع النصف لَيسَ في حُكم عقد يَبعُد تفرِيقه ، ثم قال الأصحاب: الأقوال الثلاثة تجري في مسألة إخراج الزكاة من أربعين شاة، وكذلك فيما لو وَهبت النصف من أجنبي ، وفي كل مسألة تناظر، هذه  مأخذُ الكل النظرُ في الحصر وَالشُيوع، ثم إثباتُ الخيار عند التبعيض، هذا  تفريعٌ على قولنا إن الهبة لا تمنعُ الرجُوع ، أمَّا إذا قلنا: تمنع الرجُوع فيخرج من الحصر وَالشيُوع ثلاثة أجوبة:\rأحدُها: أنه يشيع فيرجع في نصف الباقي لها، وهو ربع الجملة، وهذا قياس الإشاعة \rوالثاني: أنه ينحصرُ الموهُوبُ في حقِّها فيرجع بالنصف الباقي، ويخلصُ\rله الكل ","part":1,"page":68},{"id":1250,"text":"والثالث: أنه ينحصرُ المَوهوبُ في حقه فلا يرجع شيء من الباقي، وكأنه عجَّل إليها ما  يستحقهُ ، وَعندَ هذا لابد من تنبيه: وهو أن الأصحاب في التفريع على هذا القول لم يثبتوا الخيار على قول الشيُوع، وقد ارتَدّ حقّهُ إلى الرُبع، وَيجبُ القطع بإثبات الخيار إذا كانت وَهبت النصف من الأجنبي، وقضينا بالإشاعةِ فإن رد الحق إلى الرُبع نقصَ  لا محَالة، إذ الجُزء مهمَا قلّ قَلّت قيمته، وَأمَّا إذا وهبت من الزوج فهذا  ثابتٌ إلا أن الرُبع ينضمّ إلى ما في يد الزوج فيكثر، وقد لا يكون ذلكَ النصف في يد الزوج فيتضرر بالاقتصار على الربع، وَالسبَبُ في ذلك أنا على هذا القول إذا جعلنا الهبَة مانعاً فكأنا نجعله تعجيلاً للصَداق فلم يتبعّض ، نعم لو وَهبت من أجنبي وتبّعض فينبغي أن يُقطع بثبوت الخيار إلا أن الأصحابَ لم يقطعُوا بالثبوت على قولنا: إن الهبَة من الزوج لا تمنَع، وذلك يُضَاهي الهبَة من الأجنبي؛ إذ لو  قطعُوا به لما كان في المسألة ثلاثة أقوال بل ترجع  إلى قولين:\rأحدُهما: أنه يأخذ الباقي\rوالثاني: أنه يتخيّر بين أن يأخذ نصف ما بقي ورُبع القيمة، وبين أن يأخذ نصف قيمة الكل، فهذا وجهُ التنبيه  \rالمسألة الثانية: إذا خالع  زوجته على  عين الصداق أو غيره بعدَ المسيس صح","part":1,"page":69},{"id":1251,"text":"الخلع ، وَإن كان قبل الدخول نظر، فإن كان بغير الصداق صح، وتشطر الصداق ، فأما إذا كان بالصدَاق فإن نصَّتِ المرأة على نصف صدَاقها الذي يبقى لها صح وخلص جميع المهر  للزوج ، وإن اطلقت فيحتمل الحصرُ والشيُوع، فإن حصرنا تصرفها في نصيبها صح، وكان كما إذا انصَّت ، وإن اشعنا  فسد بعضُ الصداق، وهل يفسُد الباقي يخرج على تفريق الصفقة ، ثم إذا فسَد فالمرجُوع إلى قيمة نصف الصداق أو إلى نصف مهر المثل فيه قولان ، مأخذه التردد في ضمان اليد والعقد ، وهذه المسألة يُمكن تكثير صُورها، ولكن أصُولَها مُمَهَّدَة، وتخريجها على الأصُول السابقَة سهل المدرَك\rالفصل الخامسُ: في المتعَةِ \rوامتَاعُ المطلقات بمقدَار من المهر ثابت على الجملةِ بالإجماع ، ونصِّ الكتاب، قال الله سبحانه:            وقال تعالى:     (وَامتعَ الحسين --، زوجةً طلقها اثنى عشر ألف درهم فقالت : متاعٌ قليل من حبيبٍ مُفاَرق) ، ثم الكلامُ في ثلاثة أطرافٍ:\rالطرفُ الأوّلُ: في أقسام المطلقات: وهي ثلاثة أقسام:\rأحدها: المفوَّضة إذا طلقت قبل الفَرْض وقبل المسيس فلا تستحق شطر المهر، وتستحقُّ المتعة وفاقاً ، وفيه نصُ القرآن إذ قال :                فكأن المتعة في حقها (بدل)  عن نصف الصداق \rالثانية: المُطلقة بعد الفَرْض في النكاح أو بعده وقبل المسيس لا تستحق المتعة\rفي ظاهر المذهب ، وفيه شيءٌ ضعيفٌ؛ لأن تقسيم القرآن يشهَدُ لجريان المتعَة\rونصف المهر على التعاقُب والتبادل؛ لأنه ذكر حُكم الطلاق قبل الفرض والمسيس، ثم قال:               \r    ","part":1,"page":70},{"id":1252,"text":"الثالثةُ: التي  استقر مهرها بالمسيس في وُجوب المتعة، لها قولان:\rأحدُهما: أنها لا تجب؛ لأنها استحقَّت الكلَّ بالمسِيْس فصارَ كما إذا استحقت النصف بالطلاق قبل المسيس \rوالثاني: أنها تستحق؛ لأن المهر استحقته بإتلاف البِضْع، لا بحق العقد  بخلاف ما إذا طلقت قبل المسيس، فإن النصف المُستحَق في مقابلة الابتذال بالعقد \rوَالمتعَة مستحبة  عند مالك (رحمه الله غير واجبة  ، [وعندنا]   أبي حنيفة مُستحَقَّةٌ حيث يقضي بها \rالطرفُ الثاني: في أنواع الفراق\rوقد أجمعوا على أنه إذا مات عنها زوجها  فلا مُتعَة؛ لأن المُتعة لمستَوحشَةٍ بالفراق، وَهي مُتَفَجِّعَة لا مُسْتَوْحِشَة ، أما الفراق في الحَيَاة فما يَصدُر  منها أو يستندُ إلى عيب منها فلا يُوجب المتعة؛ لأن السبب من جهتها ، ثم ما يَسْتَبِدُّ الزوج به فهوَ الذي يُشَطر المفروض، فيُوجبُ المتعة عند عدم الفرض على التفصيل المذكور في الطلاق ، وَكل فراق يُتَرَدَّد في كَونه مُشَطِّراً يُتَردَّدُ في إيجابه المتعة ، وَالخلع يُوجبُ المتعة قطعاً ، وغَلط بعضُ المصنفين فقال: لا متعةَ لها لاسْتنادِه إليها ، وَلا تردُّدَ في التشطُّر بالخلع إلا على قول من يَراه فسخاً فعليه يتجه  نفي المتعة \rفُروع: أحدها: تَثْبت المتعَة بِفرَاق اللِّعان؛ لأنه لا يَتَوقف على لعانها عندنا ","part":1,"page":71},{"id":1253,"text":"الثاني: إذا اشْتَرى الزوج زوجته فالمذهَبُ أن هذا يُشَطِّرُ المفروض، فأما  المتعة ذكروا فيها خلافاً واضطرابُ قول ، قال الإمام: هذا غلط؛ لأن المتعة تجبُ لمن حصل الفراق في مِلْكه؛ فكيف تُسْتَحق على نفسه، وَليسَ هذا كالتَّشَطُّر، فأنا نلاحظُ في (مَصْرِفه)  من جَرَى العقد في مِلْكهِ، وَمنهم من قال: تجبُ المتعة للبائع على المشتري، وهذا (بعيد إذ)  وُجوب المتعة لا يتقدم على الفراق، بل يجب عند الفراق فكيف يُرَدُّ إلى البائع هذا ما ذكره الإمامُ في التزييف \rالثالث: إذا فسخت بِجُبِّ الزوج وعُنَّته فقد نقل المزني أنه يثبت لها المتعة ، وَأجمعَ الأصحابُ على تغليطِه ؛ لأن الفسخ كان منها فهيَ التي آثرت الفراق \rالرابع: لو جرى رضاع قاطع للنكاح من غير الزوجين نثبت المتعة في ماله  وإن لم يُؤْذِها الزوج بالفراق ولكنها تَأَذَّت، وذلك كافٍ في الإيجاب \rالطرفُ الثالثُ: في قدر المتعة:\rولا توقيف فيه ، وقد اختلف الأصحاب، فمنهم من قال: تنقطع المطالبة\rعن الزوج بأقل ما يُتموَّل؛ فإنه لا ضبط، وَكل ما يجوز أن يكون صداقاً جاز\rأن يكون متعة \rوالثاني: وهوَ الأصحُ أن ذلكَ منُوطٌ باجتهاد القاضي ، ثم اختلفُوا في مُسْتَنَد القاضي في نظره، منهم من قال: ينظر إلى حال  الزوج فيقول: مثل هذا الرجل\rبكم  يُمَتِّع زَوْجَتَه في العادَة، فَيُنْظَر إلى يَساره وَإعساره، ويدلُ عليه قوله تعالى:          ، وَمنهم من قال: ينظر إلى حالها؛\rفإنَّ المُتْعَةَ وَجبت بابتذالها بالعقد، فمثلها إذا ابتذلتَ بالعقد ثم أُوْذِيَت بالفراق\rبكَم تُمَتَّع ","part":1,"page":72},{"id":1254,"text":"وَالثالث: ينظر إلى حالهما، وَهو  الأصح ؛ إذ لا مرجع إلا رأى القاضي، (وهو كالتعزير)  فإنه يختلف باختلاف الأشخاص في غرامتهم وسلاستهم ، ثم  قال الشافعي: (اسْتَحِب المُتْعَة ثلاثين درهَماً) ، وقال ذلكَ في القديم ؛ لأثر نُقل عن عمر -- ، وقال في بعض (كتبه) : \"يَفْرِض القَاضي لها مقنعة، أو ثوباً، أو خاتماً\" ، وَعلى الجُملة لا ضَبْط، وحقٌ على القاضي أن لا يزيد على نِصْف المهر كما لا يُزَاد التَّعزير على الحد وَالحُكومَة على الأرش ، ثم إن لم يكن في النكاح مُسَمّى (فالرُّجُوع)  إلى مهر المثل، فنصفه مَرَدُّ المتعة ، وإن كان فيه  مُسمَّى وقضينا بأنها  تُسْتَحَقُّ على قَوْلٍ بعدَ المسيس فمرَد النظر نِصْف المسمَّى، أو نِصْف مهر المثل هذا فيه احتمال ، -والعلمُ عند الله-، هذا تمامُ الغرض من الباب \r\rالباب الخامس\rفي الاختلاف في الصداق\rوفيه مسائل:\rالأولى: إذا  اختلفا في قدر الصداق أو صفته يتحالفان  كما وَصفناه في البيع ، ثم فائدة التحالُف انفساخ الصدَاق وَالرجُوع إلى مهر المثل على الأقوال كلها؛ (لأن منشأ)  الرُجوع الجهَالة فلا مَطْمَع في تقدير (القيمة)  ، وَلو كان ما تدَّعيه أقل من مهر المثل رَجعَ إلى مَهر المثل عند التفاسخ؛ لأنه رُجُوع بجهة أخرى ، وقال ابن خيران: \"ليسَ لها إلا ما ادَّعته ، وَهُو بعيد\" \rالثانية: لو جرى الاختلاف بعد النكاح كان كما لو جَرى في حالة النكاح؛ لأن عقد الصداق (مستقل بنفسه)  وَهُوَ مُسْتَقِل بتقدير الفسخ \rالثالثةُ: يجري  التحالف بين ورثة  الزوجين، ولا فرق إلا في خطة، وهو أن النافي من الورثة يَحْلِف على نفي العلم، والمُثْبِتُ يحْلِفُ على البَتِّ ","part":1,"page":73},{"id":1255,"text":"الرابعُة: لو قال الزوج: لم يجر في النكاح تسمية فادَّعت  المرأة التسمية يتحالفان ، وَإنما تظهر فائدته إذا كان ما تَدَّعِيه المرأة يزيد على مهر المثل، ومن أصحابنا من قال: القول قوله؛ لأن الأصل عدم التسمية ، وَهوَ بعيد \rالخامسةُ: إذا ادعت المرأةُ زوجيَّة، واعترف الزوج بالزوجية، وأنكر المهر أو سَكت عن المهر، قال  القاضي: يَثْبُت مَهر المثل [لها] ، وَلكنا نُحَلّفها، ونقول: الظاهرُ معها؛ لما جرى من الاعتراف بالنكاح ، وفَرَّع على هذا فقال: لو قال الرجل لصبيٍّ: هذا ابْنِي من هذه، ثبت لها مَهرُ المثل عليه، فإنه لا بُدَّ (من أن)  يستند إلى وَطء محترم، ويَبعُد تقدير استدخال الماء ثم العلوق منه، وَما ذَكَرَهُ فيه نظر، فإن أصل المهر يتجهُ إثْبَاته، أما إثبات مهر المثل وَالنكاح لا يتقيّد به، بل يتصور أن يُسَمّى فيه ما دون مهر المثل فبعيدٌ لا وجهُ له ، وهذا من القاضي التفاتٌ على [مذهب]  أبي حنيفة؛ فإنه قال: إذا ادعت مقدار مهر المثل وَأنكر الزوج فلا يتحالفان بل القولُ قولها ، ونحن لا ننظر إلى ذلك، كيف ولو اعترف الزوج بمهر دون مهرَ المثل، وَهي تدعي مهرَ المثل فهذا صُورة التحالف، وقد نص الأصحاب عليه فإنكارُ الزوج أصل المهر لا يَجْعَلُها أحسن حالاً منها إذا أنكر مقداراً من المهر \rالسادسَةُ: إذا ادعت مهرا مُطلقاً على زوج وَلم تتعرَّض للزوجية قُبِلت  دعواها، والقولُ قول الزوج على ما لا يخفى ترتيبُ الخصُومَة، ولو سأل القاضي الزوجَ عن السَّبَب كان ذلك فضولاً منه، فلا يلزمُه الجواب ، وَإن قالت للقاضي: سَله، فهل عليه السؤال وَهل على الزوج [الجواب]  نُقِل في هذا خلافٌ، وهو بعيد، لا وجه له فإنها إن أرادت ذلك فلْتَدَّع الزوجية، أما السؤال بالسفارَة فلا معنى له \rالسابعة: لو تنازعا في قبض الصداق فالقول قولها إذ الأصل عدمه ","part":1,"page":74},{"id":1256,"text":"الثامنة: لو تنازعا في مقصُود الإقْبَاض فقال: قصدتُ به التسليمَ عن جهة الصداق، وقالت: قصدت [به]  الهدية فالقول قوله؛ لأن قصدهُ يُعرَف منه \rالتاسعة: إذا تنازع الزوج ووَلَّى الصبيَّة في مقدار مهر المثل فهل يتحالفان\rفيه وجهان:\rأحدهما: أنه لا يتحالفان ؛ لأن الأبَ نائبٌ، والنائبُ يَبعُد أن يَحْلِف\rعن غيره \rوَالثاني: أنه  يحلف ؛ لأنه يُقِرْ فَيُقْبَل إقراره، ومن كان من أهل الإقرار في\rمالٍ فهو حَقِيْق بأن يَحْلف فيه كيف! وقد نصحح إبرَاءه عن المهر على قول كما ذكرناهُ ، وهذا إنما يجري في حالة يبقى الولي على استقلاله [حتى ينفذ إقراره]  ، فلو كانت استقلت وبطل قَبُول إقراره، فلا يحلف أصلاً ، ويجري هذا الخلاف\rفي الوصي، والقيّم، وَالوكيل قبل أن يُصْرَفوا (عن)  الولاية، فإنَّ  أقارِيْرَهم  مقبُولة \rهذا فيما يَتَعَلَّق إنشاؤه بالأب ، فأما ما لا يَتَعَلَّق بإنشائه كما إذا أدَّعى الوَليُّ\rعلى  إنسان إتلاف  مال الغير ، فالقول قول [من يدعي]  المدعى عليه، فإن حلفَ انقطعت الخصُومة عنه ، وإن نكل فهل ترد اليمين على الوَلِّي الظاهرُ أنه لا تُرَد ؛ لأنه نائبٌ وَاليمينُ امتحانُ مُكلف فيما يَرجعُ إلى خَاصِّ حقِّه، وَهذا في هذه الصورة أَظهر؛ لأن إقراره غير مقبُول ، وفيه وجهٌ أنه يحلف ؛ لأنه يُنَزَّل في مال طفله مَنْزِلته في ماله ، فإن قلنا: لا يحلف فهل تتفاصل  الخصُومة حتى لا تعرض اليمين على المدعى فيه وَجهان:\rأحدُهما: الوقف ؛ لأنه لو عُرض فلا يعجز عن النكول \rوالثاني: لا  تعرض ؛ لأنه يتوقع بتخويفه باليمين إقراره، ويتوقع حَلفه فتنقطعُ الخصُومَة [به]  فإن نكل فإذ ذاك يقفُ للضرورَة ، وَإن قلنا: أن الأب يَحْلف فلو نكل فهل يُؤاخذ الطفل بنكوله وجهان:\rأحدهما: لا يُؤاخذ حتى لو بلغ فلهُ الحلف ","part":1,"page":75},{"id":1257,"text":"والثاني: أنه يؤاخذ؛ لأنه نازل منزلته في اليمين فنزل منزلته في النكول \rالعاشرة: لو ادعت ألفين في عقدين: أحدُهما: يَوم الجمعة، والثاني: يَوم الخميس، وَأقامت البينة استحقت الألفين، وحُمل ذلك على تَخَلُّل طلاق ، وَالمشكل أن الطلاق قبل المسيس لا يُوجبُ إلا النصف والمرأة لم تتعرض للمسيس المقَدِّر، وَلكن قال أصحابنا: العقدُ يوجبُ الكل ثم الطلاق قبل المسيس (يسقطه) ، والطلاق بعده لا يسقطه فعلى الزوج التَّعَرُّض للسقوط إن أرَادَ ، هذا تمام الباب\rواختتامه بفرع لابن الحداد: وَهوَ أنه إذا كان في ملك الرَّجل أم امرَأته   وأبُوها فأصدَقها واحداً منهما على التعيين، ثم تنازعا فقالت المرأة: أصدقتني  الأم، وقال الزوج: أصدقتُ الأب، فالمذهبُ أنهما يتحالفان كنظيره من البيع ","part":1,"page":76},{"id":1258,"text":"وذكر الشيخ أبو علي وجهاً أنهما لا يتحالفان ؛ لأن الصداق عقد مستقل بنفسه في حُكم التَفَاسُخ ، والتَّحَالُف يَجْرِي إذا وقع التَّقارُّ على عَقْد، وتنازعَا في مَوْرِدِه، وهاهنا لم يتفقا  على صَدَاق، ولكن كل واحد يدَّعي عقداً آخر في الصداق فكان نظيره من البيع ما إذا قال أحدهما: بعتَ مني العبد بمائة دينار، وقال الآخر: بل بعتُ الجارية بألف درهم، فهما خصومتان منفصلتان يفصل بطريقهما، والمذهب هُوَ  الأوَّل؛ لأنّهما اتفقا على عقد النكاح، وَأصل الصَداق، وَالصدَاق عوضٌ فاختلفا في عين أحَد العوضين ، فعلى هذا لو تحالفا في مسألة ابن الحداد رَجعت المرأة إلى مهر المثل وبقيت الأمُ رقيقه، وَعتق الأبُ على الزوج؛ لأنه أقر بما يتضمَّن عتقَهُ، ثم لا يُطالبها بالقِيْمة، ولا ولاء له؛ لأن كل وَاحد منهما ينكرُ العتق عليه، فولاؤُه مَوقوف  وَلو حلف الزوج وَنكلت المرأة رَقَّت الأمُ وحُكم بأن الصَداق هُو الأب وَحُكم بالعِتْق، ثم لا ولاء لها لإنكارها ، فأمَّا إذا قال الزوج: أصدقتُك الأبَ ونصفَ الأم، وَقالت: بل أصدقنني الأبَ وَالأم بكمَا لهما ، فقد اتفقا على الأب فيحصل به حُرِّيتُه فلو تحالفها انفسخ الصدَاق فترجعُ المرأةُ إلى مَهر المثل، ولا مرَدّ للعتق في الأب، ولا في نصف الأم، وَقد حصَل في ملكها فيطالبها بالقيمة بدلاً عن العتق وقد\rعتقا عليها، ولها الولاء فيهما، وَالنصفُ الباقي من الأم يختلفُ باليَسار وَالإعسار\rولا يخفى تفصيله  \rالتفريع: على ما إذا حلفَ أحدُهما وَنكل الآخر، والشيخ أبو علي فَرَّع على\rالوجه البعيد في أنهما لا يتحالفان، وقال : إذا ادَعَّت أنه أصدقها  فالقول قوله فإن حلف انقطعت الخصومَة، وَلم يكن له عليها دعوى؛ لأن قوله: أصَدَقْتُكِ الأب إقرار","part":1,"page":77},{"id":1259,"text":"لها فلا تصح الدعوى [به] ، ثم قال: إذا حلف الزوج فلها مَهْر المثل، وَهذا  بعيدٌ؛ لأنها اعترفت بانحصَار الحق في الأم وقد فاتت ، [وقد]  تمَّ غرضنا من كتاب الصداق، وهذا\r\rوهَذَا بابُ الوليمَة  وَالنَّثِر \r(نختم به الكتاب)  على ترتيب الشافعي [رحمه الله] ، وفيه فصُولٌ\rالأولُ : في وُجوبها، ووُجوب الإجابة، وَالأكل\rأمَّا وجُوبها فقد اخْتُلِفَ فيه ، وَالوليمةُ مشهُورَةٌ بمأدُبَةِ العُرس ، ولا اختصاص لها بها في اللغة بل تتناول كُل مَأدبَهٍ في إمْلاكٍ  أو خَتَانٍ أو قُدُومٍ  وغير ذلك من أسباب السرُورِ ، وقد قال رَسُولُ الله -- لعبد الرحمن بن عوف --: (أَوْلِم وَلَو بِشاةٍ) ، وكان رسُول الله  لا يترك الوليمة في حضر ولا سفر (أَوْلَمَ على صفيَّة بسَويقٍ  وتمرٍ)  في السَّفر ، وقال الشافعي في سَائر أنواع الدعوات:\r (من تَرَكَهَا لم يَبْن لي أنه عَاصٍ كما يَبِيْنُ لي في وَليمة العُرس فكأنّ هذا\rترديدُ جَواب في وَليمة العُرس)  فاختُلِف  فيه فقال قائلون: في وجُوب وَليمَة العُرس قولان، وَمُستندَ الوُجُوب الأمرُ المُطلق ، وقطع المحققون: بأنه لا تجب ، وَحُمِل ما قالهُ الشافعي على الإجابة  إذ نُقل عن رسُول الله : (من لم يُجِب\rالداعي فقد عصَى أبا القاسم ) ، ومَن لا يُوجبُ الإجابة فَيَحْمِلُ ذلك على عصيان في تَرْك الاقْتِدَاء به في الفعل وَالعادَة الحِسّيَّة ، ومثل هذا  لا يَبْعُد","part":1,"page":78},{"id":1260,"text":"إطلاقه ، وقد قال رَسُول الله : (لو أهدِي إليَّ ذِرَاعٌ لقَبِلْتُ، وَلو دُعِيتُ إلى كُرَاع لأجبتُ) ، وقال  بعضُ المتكلفين: كُرَاعٌ قرية من المدينة على فراسخ فهو المعْنِي به، يعني: أني أجيب وَإن بَعُدَتِ المسافةُ، وهذا بعيدٌ؛ لأنه مقرون بالذراع ، وذكر  أبو سعيد الخُدري أخلاق  رسُول الله   فذكر فيما وصف أنه كان   يَخصفُ  النَّعلَ، ويَرقَعُ الثوبَ، وَيعلفُ الناضح ، ويحلبُ الشّاةَ، ويَركبُ الأتان ، وَيطحن معَ الخادم، وكان لا يحمِلهُ الحياء على أن لا يحمل البضاعة من السوق إلى أهله، وكان  يُسلِّم مُبتَدئاً، (وكان  يُصَافِحُ)  الغنيَّ والفقير، ويجيبُ إذا دُعي وَلَو إلى  حَشَف التمر، وكان هَيِّن المَؤَونَة  جَميل المعاشرة، بَسَّاماً من غير ضحكٍ محزُوناً من غير عبُوسٍ، جواداً من غير سَرفٍ رَحيماً رقيق القلب، مَا تجَشَّأ عن شبَعٍ ، وَلا مَدَّ يدَهُ إلى طمع  -بأبي هُو وأمّي- فإذا كان  تردد المذهَب في وجوب [إجابة]  الداعي، فنتعَرَّض الآن للآعذار المسقطة للوُجُوب وله أسبابٌ:\rأحدُها: أن يُدْعى جَماعةٌ فيحضر قومٌ [فقد]  ترددَ العراقيون في سقُوط الوُجُوب عن الباقين ، ورأوا ذلك على قول الوُجوب كفُروض الكفايات، وَأقرَبُ مثالٍ له رَدُّ السلام، وما ذكروهُ مُتَّجِهٌ فيما إذا لم يَقصِد (الآحاد)  بالدعوة فلو قَصَد فلا يسقط الوجوب بحضور  غيره \rالثاني: إذا قال لغلامه ادعُ من شئت فدَعا وَاحداً فلا تجبُ الإجابة؛ لأنه لا يُثْقِل تَخَلُّفه على الداعي إذا لم يكن قد جَرَّد القَصْد إليه \rالثالث: لو كان في دَار (الداعي)  أقوامٌ لا يلائمُون المدعُو، وَهو رَجل شريفٌ  وقد أحضر طبقةً من السَفَلة وَالإرذال فقد تردَدَ فيه الأصحابُ ","part":1,"page":79},{"id":1261,"text":"الرابع: إن كان صائماً لم يَجُزْ له التَّخَلف فَلْيَحْضُر ثم ليُمسك إن صامَ عن فرض، وإن كان تطوعاً  وَعلم أنه لا يثقلُ على الداعي إمسَاكه فليُمسك، وإن ألحَّ عليه (فإن)  علمَ أنه يثقل عليه فليُفطر، ولْيَصُمْ يوماً مكانه \rالخامسُ: لو عَلِم المدعُو بقرينة الحال أنه لا يعزُّ على الداعي امتناعه ففيه تردُدٌ أيضاً \rالسادسُ: إذا كان في الدعوة مُنكرات من المعازف وغيرها فإن كان الرجُل\rيُهاب وَيَتْرُك لأجله [فليَحضُر] ، ففيه الأمرُ بالمعرُوف، وَإن كان لا يُبَالى به فَلْيَمْتَنِع ، وَإن جرَى ذلكَ بعد حضوره فليأمر بالمعروف، أو ليخرُج، وَإيَّاهُ\rوالإقامة مادَام له اختيار \rالسابعُ: إن كان في البيت المدعُو إليه صور (إن كان)  على السُتُور، وَالجُدرَان، والسُّقُوف، فليمتنع فإن ذلك حرَامٌ فعله  ، وصُورُ الأشجار غير محَرَّمة  ، وصُور الحيوان على الفُرُش، ومَا يُوطأ  تحت الأقدَام، فذلكَ غير محرم ؛ لأن المَنْصُوبة على صُوَر الأصنام ، وَالوسادَة الكبيرة المنصُوبة في الصَدر في حُكم الستُور وَهي مُتهيِّئة للنظر إليها، وَلبسَ الثياب وَعليها الصُور تحرُم  وَهي  أولى بالاجتناب من (السجوف)  وغيرها ، وأمَّا (نسج) ُ  الثياب المصَورة: كان الشيخ أبو محمد يقول: لا يمتنع؛ لأنه يتهيأ [للانتفاع بهَا]  (في الفُرُش)  وذلك جائز  قال الإمامُ: ولعَلَّ الناسج المصَوّر يَبُوء بالإثم ، إذ الحديث عامٌ فيه قالَ رسُول الله : (يُحشرُ المصَوِّرون يومَ القيامة وَيُقال لهم: انفخوا الروح فيما خلقتهم وما هُم بنافخين، ولا يخفف (عنهمُ العذاب) ) ، وقد قال رسول الله : (لا تدخُل الملائكة بيتاً فيه صورة)  والظاهر أن الدُخول مُكروه ، وكان الشيخ أبو محمد يَحْمِله على التحريم، ويُوجبُ الخرُوج من البيت ، ومستند (الفرق بين) ","part":1,"page":80},{"id":1262,"text":"المنصُوب [والمفروش]  ما روي عن عائشة [رضي الله عنها]  أنها قالت: رَأى\rرسُول الله  في دَاره سترة عليها صورة  فكان يدنوا منها، وينصرف فَعلَ ذلكَ مراراً ثم قال: (حُطِّيهَا واتخذي  منها نمارق)  ، وَالمقصود مما ذكرناه أنه مهما ثَبَتَ التَّحْريمُ أو (الكراهة)  في شيء مما ذكرناه  انتهضَ ذلكَ عُذراً في حق المُمتنع من الإجابة \rالفَصْل الثَاني: في حُكم الضيافة\rوَفيه مسائل:\rأحدها: لا حجَر على المُضِيف  فيما يتخذ من الأطعمة، نعم في الوليمة إذا أوجَبْناها أو اسْتَحببناها فَلْيُهَيّء ما يليق بحالهِ وَمنصبه \rالثانيةُ: أنه لا يفتقر الضيف إلى تصريح من المُضِيْف بالإباحة إذا قَدَّم إليهم الطعام استباحوا ، وأبعَدَ بعض الأصحاب فقال: لابد من لفظه تدل عليه كقولهِ كُلُوا أو الصلاة أو ما يجري هذا المجرى \rالثالثةُ: المذهَبُ أنهم لا يملكُون، ولكنهم يستبيحُون تَناوُل مِلْكِ المُضِيْف؛ لأنه\rلم يَجْرِ تمليكٌ، والقرينة لا تدل إلا على إباحة ، وَمن أصحابنا من قال: يملكُه ،\rثم اختلفوا في وَقْتِه، (فمنهم)  من قال: عند رَفع اللقمة ، وقيل: عند الوَضْع في\rالفم ، وقيل: عند المضغ ، وقيل: عند الازدِرَاد  يتبين  أنه مَلكَ معَ الازدِرَاد ، وقال الشيخ أبو محمد: لا يملك الضيف أصلاً  وَهذه الترددات في أن الإباحة هل تلزم حتى يمتنع الرجُوع عند الرفع، أو الوَضْع في الفم وَالقياسُ أن لا تلزم  مَا لم يَنْتَه الأمر إلى الفوات؛ إذ لا يَلْزَمُه إباحة إلا في النكاح إذا قلنا: أنه لا مِلْك فيه \rالرابعةُ: الزلَّةُ المعتادة للصُوفِيَّة لم أرَها مَسطوره، وَلكن ينبغي أن يقطع بتحريمها إذا دلَّت القرينة على كراهيَة المالك [ذلك] ، ويقطع بإباحتها إذا (دَلَّت القرينَة القطعية)  على رضا المُضِيْف [بهَا] ،وإذا تعارضت القرائن فالظاهر التحريم ،\rوالله أعلم","part":1,"page":81},{"id":1263,"text":"الفَصْلُ الثالثُ: في نثر السُكَّر، والجوز، وغيرهما\rوفيه مسائل:\rأحدها: أن النثرَ  والالتقاط كلاهما مُباحان  لما روى جابر بن\rعبد الله أن رسُول الله  حضر إمْلاَكاً فقال: أين أطْبَاقُكم فأتى بأَطْبَاق\rعليها جوزٌ، ولوزٌ ، فنُثرَت، قال جابر: فَقَبَضْنَا أَيْدِيَنا، فقال عليه السلام:\rما لكم لا تأخذون فقلنا: لأنك نهيتنَا عن النهبى، فقال: إنما نهيتكم عن نُهْبَى\rالعساكر، خذُوا على اسم الله [تعالى] ، فَجَاذَبْنا وجَاذَبْنَاه ، (وقد\rقال)  الشافعي [رَحمه الله] : لو تُرِك ذلك كان  أحبّ إليَّ  فقال قائلون: هو مَكروهٌ؛ لأنه ربما يُؤثِرُ الناثِرُ التِقَاط قوم دون قوم ، ولا وجه للكراهية، وقد فُعِل ذلك في مجلس رسُول الله   ، وكلامُ الشافعي [رحمه الله]  لا يدل على كَراهِيَّة الفعل، بل يدُل على النَدب إلى التَّرك، وَكل من تركَ مندُوباً لم يَقْتَحِم به مُكروهاً ، والفَصْل بين هذه المرَاتِب قد قرَّرناه في أصُول الفقه\rالثانية: ما وقعَ على الأرض فالحاضرون فيه شرَعَ يملكهُ من يَبْتَدِرُه ، ومن يُثْبِت يَدَهُ على شَيء فلا يُسْلَب منه بل هو مِلْكه كالصيود \rالثالثةُ: لو وقعَ في حِجْر إنسان فإن كان بَسَطةٌ لذلك فهو مالكهُ   بخلاف ما إذا تحجَّرَ (أرضاً فإنه)   ليسَ لغيره أن يُحْييها لكن لو فَعَل فيه خلاف ؛ لأن الأرض لا تُملكُ بمجَرَّد اليَد إنما  تملك بالإحيّاء، وَهذا (يملك)  بمجَرَّد اليد، وَلو لم يقصد ببسطهِ ذلك، فهو كما لو عشَّش طائرٌ في داره، وفيه وَجهان ","part":1,"page":82},{"id":1264,"text":"الرابعة: لو وقعَ في ذيله ثم سقط منهُ فأخذهُ غيره هل له ذلكَ إن لم يَكُن قصد ببسط الذيل أخذَهُ جاز لغيره، ذلكَ كالطائر إذا عَشَّش ثم فارق الدار ، وَإن كان قصد ذلك ففيه خلاف، والظاهر المنع ، كالصيد إذا تعلق بالشبكة ثم أَفْلَتَ ، وَفي الصَّيد وآلة اللَّقْط كلاهُما وجهٌ من حيثُ الرجُوع  إلى العُرْف في مثل هذا، ولا يُعْتَقَد الاسْتِقْرار في الأمر والصُورة ما ذكرناه  هذا تمامُ الباب، والله أعلم","part":1,"page":83},{"id":1265,"text":"كتابُ القسم\rوفيه فصُول\rالفَصْلُ الأوّلُ: في وُجُوب أصل القَسْم\rونقول في مقدّمته: (الأصل الحقوق) في النكاح متعارضة من الجانبين، قال الله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَليْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ فأثبتَ المعارضَة بين الحقَّين، فكان ذلك تَشْبِيْهاً في وجود أصل الحق ولزومه، لا في وصفه وَكيفيته، فَيَسْتَحِقُّ الزوج على الزوجَة التَّمْكِين، والاسْتِعْدَاد للاستمتاع (بالاستحدَاد، وَالتنظف) وغيره، ويستحق عليها لزوم قعر البيت حتى أنه يمنعَها عن زيارَة الوالدين، وعيادتهما، (واتباع جنائزهما)، وَلكن الأحَب أن لا يفعل ذلك؛ لأنه يُثيرُ القِلَى، والمقتَ، ويقطعُ الأرحَام، وَالاقتصَادُ في الأُمور أقرب وَأَولى، وتستحق المرأة على الزوج النفقة، وَالكسوةُ، والمهر على ما ستأتي التفاصيلُ في مَواضعها، وأما القَسْم فَوَاجِب [ أ] في الأصل على ما سنبين مَوضعهُ فنقول إن لم يكن للرجُل إلا زوجةٌ واحدة فليسَ عليه أن يَبِيْتَ عندَها، وَلو خَلاَّها جميعَ العُمر فلا حَرَجَ عليه، وَلكن ذلك مَكروه، فإنه ربما يحملها على الفجُور إذا لم تتحصَّن به، وَقال أبُو حنيفةَ: في كُل أربعَ ليالٍ لابدَّ من ليلة،\r[فإن] أقصَى ما يتصوَّر في حقه أربع نساء، وَهذا لم يرتضِه أصحابنا، وَلا قسم عليه في المستوَلدات، وَالسُّرية، ولا قَسْم للحرائر معهُنَّ فلو بات عند وَاحدة منهن جميعُ العمر لم يتوجه عليه طَلَب المنكُوحات؛ لأن ذلك استمتاعٌ وراء مقصُود\rالنكاح وَلكن الأولى أن يُسَوّى بين الإماء والمُستَولدات، وَأن لا يخصِّصُهُنَّ عن\rالمنكُوحات، وإذا كان تحتَه حَرائر فلو أضرب عنهُنَّ جاز، وَلكن لو باتَ عند","part":1,"page":1},{"id":1266,"text":"وَاحدة ليلةً وجب عليه مثلها في حق جميع النساء، وَهذا محتوم رعايةً لحقِّهن ، (وكان رَسُول الله  يقسمُ بينَ ثماني نسوَةٍ) ، (وكانت سُودَةُ لما أن طَلَّقها رسُول الله  التمست أن يُراجعها لتحشر في زُمرَة نسائه، ووهبت نوبتها من عائشة)  [ثم]  لا تَجب المباشرة  في القَسم، وإنما نعني به السَكَنُ والأُلفَة، ولا حَجْر في المُبَاشَرة أصلاً، وتجبُ التسويَة فيما يَظهَرُ من الأمُور ويندَرِجُ تحت الاختيَار، أمَّا التسويَة في محبة القلب فغيرُ  مُمكن ، كانت عائشة -رضي الله عنها- أحَبُّ النساء إلى رسول الله ، فقال عليه السلام: (هذا قسمي فيما أملك، وأنت أعلم بما لا أملك) ، وكان ذلك مشهوراً بين  الصحابة -رضي الله عنهم-، حتى كانوا ينتظرون (ليلتها ويخصُّون)  بالهدية تلكَ الليلة فشق ذلك على ضرَّاتها فَحَمَّلْن  فاطمةَ -رضي الله عنها- رسالة إلى رسول الله   فقالَ: (ألا تُحِبِّينَ ما أحِبُّ ) [قالت: بلى، قال: (فَأَحبِّي هذه) ، وقال لأم سلمة رضي الله عنها] : إن جبريل لم يأتني وَأنا في فراش امرأة سوى فراش عائشة رضي الله عنها \rالفَصْل الثاني: فيمن يَسْتَحِق القَسْم، ومَنْ يُسَتَحقَ عليه","part":1,"page":2},{"id":1267,"text":"فنقُول: المريضة، وَالرتقاء، والتي آلي عنها زوجَها، أو ظاهرَ عنها، وَالنُفساء، والحائض، والمُحْرِمَة، وَجميع أصناف النساء، ممن بها عُذرٌ شرعيٌّ، أو طَبَعِي يَثْبُت لهُنَّ استحقاق القَسْم؛ لأن هذا يمنع الوقاع، ومقصُودُ القسم: السَكن والمؤالفة، والاستئناس  وَالحذار من التَخْصِيْص المُؤْذي ، ولسنا ننكر كون الجِمَاع مقصُوداً، ولكن أحيل ذلكَ على الدواعي؛ لأنه لا يندرج تحت الاختيار، أما المباشرة فلا تُسْتَحَق ، وسنصفُ النشوز وأسبابه ، ومما  نذكره الآن أن الزوج لو كان يسكن منزلاً، وكان يدعُوهن إلى منزله في نوبتهنَّ فعليهنَّ الإجابة فمن امتنعَ فناشزةٌ، ويَسْقُط حَقُّها من القَسْم في نَوْبة امتناعِها ، ولو كان يَدُور على حُجَرِهِنّ فله ذلك ، ولو كان يُساكن وَاحدة منهن، ويدعُوا الباقيات إلى منزلها جاز لهن الامتناع ؛ فإن مسَاكنه الضَرَّة (عَظِيْم، لم يَلْزِمُه)  الشرع ، وَلو كان يدعو\rبَعْضَهُنَّ إلى منزله، ويَصِير إلى بَعْضِهِنَّ في منازِلِهِنَّ فقد قيل: ليسَ هذا من العَدل؛\rفإنه يُورِّث مَغِيْظَةً ، قال الإمامُ: ولا ينتهي هذا إلى التحريم؛ لأن هذا القدر من التفاوُت قد تقتضيه المنَاصِب [فيضاهي ذلك التخصيص]   باستبشار، وتَهَلُّلٍ، وَما يجري مجراه \rوأمَّا المسَافِرة بغير إذن الزَّوج فناشِزَة، وحقُّها ساقط من القَسْم ، فالمُسَافِرَة لغَرَضْ الزوج بإذنه حقُّهَا قائم، فيجبُ القضاء إذا عادت ، وَإن سافرت في غَرَضِها بإذنه فقولان، القديمُ: قيامُ الحق  وَالجديد: وهوَ الصحيح  سقوط الحق ؛ فإنها معتزلة عن الزوج مستقلة بغرضها، فيبعُد أن يَسْتَمِر على الزوج استحقاقها ، وَهذا الخلاف جار في النفقة ","part":1,"page":3},{"id":1268,"text":"أمَّا المجنون فقد قال الشافعي [رَحمه الله]  على الوليِّ أن يَطُوف به على نسائه ، وقال أصحابنا في وجوب القسم وجهان ، وَيتَّجهُ فيه تفصيل: وَهوَ أن العاقل لو امتنع عن الكُل جاز له ذلكَ؛ فكيف يجب على الولي أن يَطوف به عَلَيْهن فَيَتَّجِه فيه التردُد ؛ لمكان أَنَّهن إنما يَصْبِرن اعتماداً على دَواعي الزوج وعقلِه ، وَإذا جُنَّ وَأَيسْنَ فلا يبعُد مُطالبةُ الولي بذلكَ، فإن رَأينا أن ذلكَ واجبٌ فيجب التَسْوية بين النساء، وإن قضينا بأن ذلك لا يجبُ فلو حمله إلى بيت وَاحدة في ليلة فهل يجبُ عليه ذلك في الليالي الأُخرى  لسائر النساء، يحتمل  فيه تردد، وَظاهرُ المذهب وجوبُه ، ووجهُ الاحتمال: أن وجوب ذلكَ لما يداخلهن من المغيظة في تخصيص الزوج، وذلك لا يجري في تخصيص الولي ، والأصحُ التسوية؛ لأن القَسْمَ حق مقصود  فلا ينظر في كل مقام إلى سبب \rوَأمَّا السفيه فلا شكَّ في أنهُ يُطالب  بالقَسْم؛ لأنه عاقل مُكلف فلا مدخل للولي في قسمه \rفرعان في المجنُونِ: \rأحدُهما: إنه لو جَرى ظلم وجبَ  القضاء إن أقامت المظلومةُ بيّنةً على الظُلم، وَإن لم تَقُم البَيِّنة، وَاعترفت الظالمة بالظلم وَجبَ القضاء، وَإن أنكرت فلا يثبت بمجرَّد قول الولي هذا الظُلم؛ فإنه إذا قال ذلك فهو مُدَّعٍ، على (الظالمة)  بها فيظهر فائدة هذا بعدَ الإفاقة، وقبل الإفاقة أيضاً ينبغي أن لا تُؤاخذ (الظالمة)  بها بقوله: ما لم تُقِم المظلومةَ بيِّنه \rالثاني: لو كان يفيق ويُجنَّ وَأمكن الضبط فليسَ من العَدل تخصيص البعض\rمنهُنَّ بإحدى الحالتين بل لابُدَّ من التعديل؛ فإن الاستئناس في حالة الإفاقة عَظيمة   فلو اتفقت الإفاقة في نوبة وَاحدة ففي نصّ الشافعي -رَحمهُ الله-  ما يدُل على أنه يقضي نوبَة التي كانَ عندَها مجنوناً ، وَهذا ينبغي أن يفصَّل: فإن اتفق ذلكَ بحيثُ","part":1,"page":4},{"id":1269,"text":"لا يُدرَك فلا يُعد في القضاء، وَإن كان ذلك معلوماً أعني وقت الإفَاقَة\rفَرَضِيَت  المرأة بيوم الجُنُون وَلم يُنْتَظَر، فهذا رضى بمعيب فليسَ لها بعدَ ذلكَ طلبه؛ لأن أيامَ الجنون على الجُملة أيام القَسْم كما سبق، إلا أن الاستئناس ناقصٌ فليلحق\rذلك بالعيب \rالفَصْل الثالثُ: في مَكان القَسْم، وزمانِه، وَعدَده\rأمَّا المكان فقد تعرَّضنا له في مسألة الناشزة وَبيَّنَا أنه لا يَجْمَع بينهُما في دار إلا إذا انْفَصَلَت المرافق ، وسيأتي تفصيله في كتاب العِدَّة \rوَأمَّا الزمانُ: فعمادُه الليل، والنهار يتبعُه، هذا في حق عَامَّة الناس، لأن المقصُود من القسم السَّكَنُ، وقد جَعل الله تعالى الليل سَكنا \rأمَّا الحارس، وَالأتُّوْنِي : فعمادُ القَسم في حقه النهار؛ لأنه وقت سُكونه، وَالأصل هُو الليل نظراً إلى الغالب، وَالنهار تابعٌ في حق العَامَّة سِوَى مَا استثنيناه \rفإن قيل فما معنى التأصُل وَالتبعيَّة\rقلنا: يتبَيّن هذا بذكر مسألتين:\rإحداهما: الخروجُ إلى وَاحدة في غير نوبتها\rوالثانية: مباشرة وَاحدة في غير نوبتها","part":1,"page":5},{"id":1270,"text":"أمَّا الخروج فقد أجمعُوا على أن ذلكَ بالليل ممتنعٌ من غير حاجة، ولو فعل عصَى ، ثم القضاء ووجوبه يُنْظرُ فيه إلى طُوْل المدة، قال القاضي: إن مَضَى فيه ثلثُ الليل يجبُ القضاء لها من نوبة التي دَخل بها ، وَإن كان أقلَّ فلا ، ولعل التقدير بهذا تحكّمٌ ، فنقول: إن كان ذلك مقداراً من الزمان يُحَسُّ ويُضبط فيجب  القضاء، وإلا فيُقتَصَرُ  على التَّعْصِية ، وَيُحْتملُ أن يقال: يجبُ عليه أن يَدخُل عليها في نوبَة تلكَ مثل هذه الدّخْلة، ولكن لم يُنْقَل هذا عن الأصحاب ، (فأمَّا إذا فُرِض)  مَرض، فإن كان مَخُوفاً يُتَوقع منه الهلاك فيجوز الخروج ، ثم إن مَاتَتْ فقد فات القضاء، وَإن لم تَمُتْ فعليه أن يقضي من نوبتها ، وَكذلك نَقُول: إذا أقامَ عندَ وَاحدةٍ مُدَّة مدِيدة لمرض عَظيم فَيَقْضِي للبَوَاقي إن استبلَّت  وَإلا فقد فات ، فأمَّا إذا لم يَكُن المرض مخوفاً فهل يجوز الخروج إليها بسَببهِ فيه وَجهان، قال صاحب [التقريب] \rلا يجوز ذلكَ، وما عَداهُ غلط ، وَمنهم من قطع بالجواز ، وينبغي أن نطرَد هذا الخلاف في مرض يتوقعُ منه على الجُملة أن يكون مخوفاً فيخرُج للاستبانة، وَليكون على فراغ في مبيتها ، فأمَّا إذا عُلم قَطْعا إنه ليسَ مخوفاً فَلْيُقْطع بمنع الخروج  هذا حُكم الليل ، أما النهار فلا يجبُ عليه أن يلازمها بالنهار في نوبتها؛ لأن ذلكَ يمنعَهُ عَن الاكتسَاب، وَهذا بيِّنٌ في نَفْسِه ، وَلكن لو كان يرجع إلى البيت  لوضوء، وتناوُل طعام، أو قيلولة  فليرجع إليها لا إلى ضرّاتها ، فإن دَخل على ضُرّاتها بالنهار، فقد اضطربت الطرق فيه، وَحاصلها ثلاثة أوجه:\rأحدها: التسويةُ بين الليلِ وَالنهار \rوالثاني: رَفع الحَجْر في النَّهار؛ لأنه جاز له الانتشار ومفارقها فلا حَرَج عليه بعدَ ذلك، وَهذا بعيدٌ شبَّب به العراقيُون ","part":1,"page":6},{"id":1271,"text":"وَالثالثُ: أنه يدخل عليها لحاجة، ومُهِمّ، وَإن لم يكن تمرض ، ولا يدخل\rبالليل إلا لمرض شديد ، وينبغي أن يكون الدُخول بحيث لا يتوقع جريان الجماع فيه، فإن الجماع ممنُوع بكُل حال فلتُتوق  مظنَّته، فإنه يُورِّث المغيظةَ وَيثيرُ النزاع \rفرْع: لو كان يعتادُ الانتشار بالنهار في أغراضه في نوبة واحدةٍ، ويُلازمُ  الأخرى في نَوْبَتِها، فهذا فيه احتمال يُحتملُ أن يقال: لا حجر في الانتشار ولا منعَ من الملازمةَ  ويحتمل أن يقال: هذا فيه تخصيصٌ ظاهر \rالمسألة الثانية: إذا جامعَ امرأةً في نوبَة أخرى فهو مُحرَّمٌ قطعاً، ولا نعني به تحريم نفس الوطء، فإنهُ صادف محل الحل، وَلكن المغِيْظة التي ترتبت عليه بسببه إليها مُحرمٌ كما أنا نحرم من وَطء الحائض ملابسَة الأذى، وَمن وطء الراهن للتعرض لحق المرتهن، وَلكن إذا جرى ذلك بالليل فما طريقة فيه ثلاثة أوجُه:\rأحدُها: التعصيَة المحضة، إلا أن يَجري في زمانٍ  محسُوس فيقضي الزمان  كما ذكرناه في الخروج ، وَهذا لأن المُطالبة بالوطء لا يراها الشرعُ  \rالثاني: أنه فسدَت تلكَ الليلة وَلو  عادَ إليها وبات عندَها لم يُعتَد بها فليقض لها ليلة، لأن مقصُود الليل الوقاع، وَإن كنا لا نُطالب به، وقد فات \rوالثالث: أنه يقضي بالجماع، فيُجَامعُها في ليلة تيك التي جامعها \rوَأما  إذا جرى الوطء بالنهار فهو ممتنعٌ، ولكن يُحْتمل القطع في النهار بالاقتصار على التعصية ، ويجوز أن يقال: النهار كالليل في وجوب القضاء، أو فساد النوبة، هذا هُو الكلام في المكان والزمان ","part":1,"page":7},{"id":1272,"text":"أمَّا المقدار فأقله ليلة ، ولا يجوز قسم اللَّيلة الواحدة؛ لأن الاستئناس (يتبتَّر به فليقم)  ليلةً ليلةً ، أما الأكثر فقد قال الشافعي [رحمه الله]  وأكرَهُ مجاوزة الثلاث ، واختلف الأصحاب فمنهم من اقتصر على الثلاث ، وقال: لا موقف بعدَه فربما تخترم  الزوجَ منِيَّة  ويؤدي ذلك إلى إضرار ، ومنهم من رقَّاهُ إلى سَبع؛ لأنه أقصَى مُدَّة رُوعِيَت في هذا الباب، وَهو القسم للبكر ، ومنهم من قال لا تقدير  بزمان ولا توقف  أصلاً، وإنما التقدير إلى الزوج ، ولم ينظر أحد إلى مُدَّة الإيلاء وإن كان مُحْتملاً \rفرع: إذا افتتح النوبة على مقدارٍ يراه فالمُحكَّمُ في البدَاية القرعة هذا هُو الظاهر ، ومنهم من قال: هو إلى خِيْره الزَّوج ، وله اتجاهٌ من حيثُ إنه لا يجب عليه الدخول عليهن، فإنما  يتوجَّه حق المطالبة لهن إذا بات عند وَاحدة فيحتمل أن يقال: التسويه في الابتداء، ويحتمل أن يقال: لا طلب لهن ما لم يبت عند \rواحدة \rالفصل الرابع: في التفاضُل  في القسم\rومُوجَبُ التفاضل شَيئان:\rأحدُهما: الحُرية، والرق\rوالثاني: التجدُّد في النكاح، أما الإسلام والكفر فلا يُوجب تفاضلاً فيسوِّي بين المسلمة وَالكتابية، إذ لاضَرر عليه من ولدها، ونكاحها على رُتبة الكمَال في الحقوق \rالسبب الأول: في التفاضل الحُرية، فإذا كان تحتُه حُرةٌ وأمةٌ فيقسمُ للأمة ليلةً وَللحُرَّة ليلتين ، خلافاً لمالكٍ [رحمه الله]  فإنه سوَّى بينهما ، ونحنُ نقول: نكاحُ الإماء على رُتبة النُقصان في جُمَلٍ من الحقوق، وينضمّ إليه أنه يتضرَّر برق ولده فليحترز عنها ، كيف! وقد روى الحسن عن رسُول الله   أنه قال: (للحُرَّة ثلثا القَسم وللأمة الثلثُ) \rفرع: إذا طرأ العتق  على الأمةِ فله أحوَال:","part":1,"page":8},{"id":1273,"text":"أحدُها: أن تكون البداية في النوبَة بالحُرَّة فمهما عتقت سواء كان في نوبة الحُرَّة (أو نوبتها)  فإذا  كان قبل انقضاء نوبتهَا أعني نوبَة الأمة التحقت بالحرائر، ونتيجة هذا أنه إن كان في نوبة الحُرَّة في اليوم الأول فعلى الزوج التسويةُ فإن  أقام عندَها ليلتين فليُقم عندَ العتيقة ليلتين، وإن أقام عندها ليلة، واقتصَرها  جاز ذلك، فليقم عندها ليلة، وَإن كان في نوبة الأمة وقد أتمَّ ليلتين للحرة فليتم لها أيضاً ليلتين ، وهذا فيه إشكال لأنه استفتح نوبتهَا، وَهي رَقيقة وَلكن قال أصحابنا: إذا لم يستوف تمام المُدَّة فالعتقُ الطارئ يلحقهَا بالحرائر كما إذا طلق العَبد طلقة واحدة، ثم عتق (يتمم)  عدَدُ الطلقات له، ولو كان استوفاها  فلا يستفيد بالعتق شيئاً ، وعلى هذا لو كان العتقُ في النصف من الليلة الأولى فأراد الاقتصار والخروج إلى العتيقة لم يجُز له ذلك؛ لأن أقل المُدَّة ليلة ، وَلو كان في النصف من الليلة الثانية  جاز له الخروج إليها ليقيم عندَها ليلة ونصفاً  ، ويستأنفُ النوبة ليلة ليلة إن أرادَ؛ لأن هذا لا يؤدي إلى التَبَتُّر   وَلو خَرَج إلى المسجد في بقيّة الليل أو إلى صديق له، قال الصيدلاني:\rلا يحتسب  ما مضى من الليل على الحُرة للتَبَتُّر فلا يستقر للحُرة إلا ليلة وَاحدة بيومها ، قال الإمام: وَهذا ضعيف، لأنا نُضَايق في الظلم ببعض الليل  (وهذا)  من الزوج ظلمٌ على الأمةِ لو اقتصر على لَيلة واحدة فلا يندفعُ هذا القياس (بالتحيلات)  ، فإمَّا إذا كانت البداية بها فإن عَتَقَت قبل انقضاء نوبتهَا التحقت بالحرائر فيجعل كأَن لا رِقَّ ، وَإن كان في نوبَة الحُرَّة فعليه أن يتمَّ نوبة الحُرَّة ليلتين؛ لأنه استقر لها ليلتين في مقابلة ليلة وفَّاهَا في زمان الرق، فيجبُ الوفاء بما (استقر من)  قبل، وَالعتقُ الطارئ\rلا يغيِّره ","part":1,"page":9},{"id":1274,"text":"السبب الثاني: في التفاضل التجَدُّد: فإذا (نكح جديدة)  فإن كانت بكراً باتَ  عندها سبعاً وإن كانت ثيباً فثلاثاً، ثم لا يحتسب  [عليهن] ، ولا يجبُ القضاء للبَواقي بل يستأنف القسم بعد مضى هذه المدة مبتدئاً ، وقال أبو حنيفة: يقضي ، ومعتمدنا الخبرُ أقامَ رسُول الله  لما تزوج أم  سلمة [رضي الله عنها]  عندَها ثلاث ليال، فلما انقضت فارقها، فتعلقت به، فقال عليه السلام:  (ليسَ [بك]  على أهلك هَوان إن شئت سَبَّعتَ عندَكِ وسَبَّعْتُ عندهن، وَإن شئت ثَلَّثتُ عندَك ودُرْتُ) ، وقد استفيد من هذا الحديث أن الثيب لو طلبت سبعاً فأجابها الزوج بطل حقها من الثلاث حتى يقضي السبع للبواقي، وإن أقامَ الزوج دون التماسها فلا يبطل جرياً على القياس، فإنه لا يقدرُ على إبطال حقها، نعم إذا التمست فقد جعل رَسُول الله  ذلك مُبطلاً حقها ، إذ قال: (إن شئت سبعتُ عندَك، وَسَبَّعتُ عندَهن)، وشبه أصحابنا الفرق في هذه المسألة بما إذا اسْتَحق القِصَاص من المرْفَق فَقُطِع من الكوع فليسَ له حُكومة الساعد ، فإنه تعدَّى في محل القطع فسقط  حقه ، وقد بالغ أصحابنا في الاقتصار وقالوا : لو زاد على السَّبع في البكر لم يبطل حقها، وَلو زادَ إلى الخمس في حق الثيب لم يبطل حقها ، ومنهم من قال: هاهنا يَبطل بالنسبة من الثلاث؛ لأنه في مورد الخبر (فقربُ)  [في]  الإلحاق هذا ما ذكره  الإمام \rفرع: لو كانت المنكوحة الجديدة أمةً ففيه وَجهان:","part":1,"page":10},{"id":1275,"text":"أحدُهما: التسوية في هذا القدر بينها وبين الحرائر؛ لأن المقصود التآلف، وَلهذا  فرق بين البكر وَالثيب، فإن البكرَ نفُورة  والثيبُ ألوفة  في الابتداء، وَما يتعلق بالطبع لا يختلفُ بالرق وَالحُرِّية كمُدَّة العُنَّة، والإيلاء ، ومنهم من قال: لابد من التنصيف كما في أصل القسم؛ فهذا  [إلى أصل القسم]  أقرب، والقسم يتعلق بالطبع ، ثم ننصِّف الليلة إذا رأينا التشطير بخلاف القُرء في العدَّة؛ فإن (ذلك لا يقبل التشطير)  حتى إذا اعتدّت بالأشهر فالظاهرُ أنها تعتَدّ بشهر ونصف \rالفصل الخامسُ: في الظُّلم ووُجُوب القضاء\rفإذا ظلم الزوج بعض نسائه بالإقامة عند ضَرّاتِها فعليه أن يقضيها من نوبة التي (ظَلَمها بها) ، ولو كان تحته ثلاث نسوة، فبات عند اثنتين عشرين ليلة على التناوُب، فقد بات عند كل واحدة عشرة، فليبت عندها عشراً على التوالي، ولا يجوز التفريق فيه بأن يبيت عندها ليلتين وعند الأُخْرَتين ليلة ليلة حتى يقضي التمام؛ لأن هذا حق تجمَّع عليه فهو كأموَال تجمَّعَت في ذمته فيجب الوفاء بها جميعها، (وكذلك هذا واستتمامُ)  هذا الفصل بذكر مسائل :","part":1,"page":11},{"id":1276,"text":"إحداهما: أنه لو تُصُوِّرت المسألة كما ذكرناها، ثم نكح جديدة قبل (قضاء العشرة)  للمَظلومَة  فقسمَ  للجديدَة إما سبعاً وإما ثلاثاً، وَيقدر ذلك كأن لم يكُن فلا يَعُدّ ذلكَ في حساب، فلْيَعُد [بعدَه]  إلى القضاء إلا أنه لا يجوز له الإقامة على التوالي عند المظلومة عشراً؛ لأن الجَدِيدَة تَتَضَرَّر  [به] ، ولا ظُلْم من جهتها فيقسم بينها وبين الجديدة، فيبيت عند الجديدة ليلة، وعند المظلومة ثلاث ليالٍ؛ لأن حقها ليلة من أربع ليالٍ، أعني: حق الجديدة، ثم إذا فعل ذلك (ومضت)  ثلاث نوب فقد قضى المظلومة  تسع ليال، وبقي الليلة العاشرة فلو بات عند المظلومَة ثم استأنف النوبة من الابتداء فلا تنتهي النوبةُ إلى الجديدة إلا في خمس ليالي ، وحقها إذا فارقها الزوج أن لا يُفَارِقَها أكثر من ثلاث ليالٍ فعَسُر طريق الاستدراك هُنا  حتى قال شيخنا أبو محمد لما ارتبكت المسألة عليه هذا تَحيُّفٌ  واجب للضرورة ، وقطع الأصحابُ بأنه لابد من استدراكه فإذا بات عندها ليلة فهذه الليلة تدور بين المظلومة والأولتين فتقسط عليهن أثلاثاً فيثبت للجديدة مثل ما ثبت  لكل واحدة، وهي ثُلثُ ليلة فليقض لها ثلث ليلة بعد هذه الليلة، ثم ليفارقها في بقية الليلة إلى بيت صديق، أو  مسجد حتى يتمكن  من استئناف النوبة، إذ تخلل الفُرَج ليس ظلماً إنما الظلم التخصيص بالإقَامَة، فقد وقع الانْكِسارُ في ليلة واحدة، واستوى  الحساب من\rليلة  وثلث ","part":1,"page":12},{"id":1277,"text":"المسألة الثانية: إذا ظَلَم بِنِصْف الليل كما إذا خَرَج في  نصف الليل، أو أخرجه السلطان، فعليه أن يقضي لها هذا النصف، ولا يجب بإعادَة  ليلة كاملة، ولا يقال: ما مضى (تعطيل وتبتيرٌ) ، وإن كان ذلكَ مما لا يُحتمل ابتداءً فليقض لها نصف لَيْلة، وهذا مُحْتَمل في القضاء، ثم طَرِيْقُه أن يَبِيت عند صديق إلى أن ينقضي من الليل مقدار ما نَام  عندها، ثم يدخل عندها  في بَقِيَّة [من]  الليل حتى يُتِمَّ، ثم يسْتَأْنِف النَوْبَة، ويرجع إلى الحال  المستقيم \rالمسألة الثالثة: إذا وَهبت وَاحدَةٌ نوبتها سقطت طلبتها في الحال، ولها الرجوع مهما شاءت؛ إذ لا قَبْضَ ولا يَلْزم ، وَلو وَهبَت ثم رجعَت ولم يبلغ الزوج الخبر فما مضى  قبل بلوغ الخبر لا يجب عليه قضاؤه ، كما إذا أباح التناول من ثمار بُستَان فرجع  فلا يلزم الضمان قبل بلوغ الخبر ، وقال الشيخ أبو محمد: يُخَرَّج هذا على القولين في عزل الوكيل في الغيبة ، والأول أغوص؛ لأن حق القَسْم ليس مِلْكاً مُقَرَّراً ؛ وَلذلكَ يجوز [له]  الإعراض عنهن  \rثم لهِبتها ثلاث صيغ:\rأحدها: أن تطلق الهبة فيكون ذلك إسقاطاً منها للحق كمَوتِها  فَيَْقسِم بين البَواقي، ونُقَدِّرها معدُومة \rوَالثانية: (أنها إن وهبتها)  من واحدة على الخصوص تعيَّن صَرفُها  إليها كما رُوِي في قصَّة سودَة وعائشة [رضي الله عنهما]  ، وَلو  قال الزوج: أسقَطتِ حَقَّكِ فأصْرِفها إلى من شِئْت لم يكن له ذلكَ؛ لأنها هبةٌ بشرط فتتقيد به (وَليست هذه)  هبة من الموهوب  منها؛ فإنها لو أبت وَما قبلت فالزوج يبيت عندها رغماً؛ لأن الحق له، وَلو لم يَقْبَل الزوج الهبة وأرادَ أن يبيت عند الواهِبَة في نوبتها\rفله ذلك ","part":1,"page":13},{"id":1278,"text":"الثالثة: أن تقول المرأة وَهبتُ نوبتي منكَ يا زوج، فإن شئتَ خَصِّص وَاحدة، وَإن شئت فاقْسِم بينهن، فلو أرادَ التخصيص  هل له ذلكَ قال الشيخ أبو محمد: تقع الهِبَة على هذا النَّسَق، وكأنَّه مقيد بهذا الشرط فله التخصيص، وَقطع الصيدلاني : بأنه ليسَ له ذلك؛ إذ ليسَ لها  إلا ترك الحق، وليس للزوج بعد ذلك التخصيص؛ لأن المحذور من التخصيص ابتداءً يقع الآن؛ إذا رُدَّ الأمرُ إلى مشيئته فهذه ليلةٌ تجدَّدت فعلى الزوج أن يأبى التخصيص فيها ، فأمّا إذا عيَّنت المرأة واحدةً ولم ترض إلا بها (فلا تخصيص من الزوج)  ، والمسألة محتملة، ثم قال العراقيون إذا كانت نوبة الموهوبة  منها متصلة بِنَوْبة الواهبة فيستمر  لها ليلتين [ولاءً]  ، وإن كانت متفرقة وبينهما فاصل فإذا انتهت النَوْبة إلى الموهُوبة فهل (يأتي)  بالليلتَين وَجهان:\rأحدُهما: أنه يأتي؛ لأنه لا معنى للتفريق \rوالثاني : لا يبيت عندها إلا في ليلة  الواهبة، وَلعل هذا أولى فإن حقها في محلِ نوبتها ولا حق لها قبل النوبة فكيف تستفيده بهبتها ","part":1,"page":14},{"id":1279,"text":"فرع: إذا ظلمها بعشرِ ليالٍ مثلاً وجبَ  القضاء، فلو طلقها انقطعت طِلْبَتُها، وبَقِيَت المظلمة عليه إلى [يوم]  القيامة؛ لأنه عَسُرت التوفية ، ولو  كانت رجعية فراجعها عادت الطِلْبة  فلو  أبانها ثم جدد النكاح، قال القاضي: عليه القضاء في النكاح الثاني؛ لأن حقها لم يكن سقط بل تعذّر إبقاؤه ، والآن ارتفع العُسر ، ويتجَه أيضاً تخريجه على عَوْد الحنث، وعود الأحكام في النكاح الثاني ، هذا إذا كان الباقي في نكاحه هُنَّ اللواتي وَقع الظلم بهن، فإن استجدّ المَنكوحات  فلا سبيل إلى القضاء إذ لا يتمكن من القضاء  إلا بالظلم في حق الجديدَات فقد تعذَّر القضاء، وَبقيت المظلمة ، وَلو لم يكن في نكاحه امرأة أصلاً فيظهر أن يجبَ عليه أن يبيت عندَها عشر ليالٍ؛ لأن ذلكَ استقر عليه، وَإن كنا لا نوجب الإقامة عند الفردَةِ أصلاً، ويَكون هذا كما إذا (ظلمها)  ثم طلق اللواتي ظلمَها بهِنَّ فلا يسقط حقها وَإن بقيت مفردَّة  هذا ما يتجهُ عندي وَلم أرَ المسألة مَسطورَة\rالفصل السادسُ: في المُسافرة بهن\rوفيه مسائل:\rإحداها: أنهُ لو أَزْمَع في سَفَرِه على النُقْلة بالكليَّة لم يَجُز له أن يخصِّص بعض نسائه بالاستصحاب ، وَإن حَكَّم القُرعة فيهن؛ لما فيه من الإجحاف الظاهر، ولا يجوز له أن يُخَلِّفُهن بأجمعهن؛ لما يتضمن ذلك من حصول اليأس عن التحصن، وتَشْتَدَّ الكراهية  فيه، وقال الإمامُ: لا ينتهي الأمر فيه إلى التحريم ، وقد أطلق الأصحاب القول بأنه لا يجوز [له]  ذلك، ولا خفاء بوُجُوب  القضاء [وإن حكّم القرعة في مدة الإقامة، وتردد في أيام الرجوع؛ لأنه اشتغال بالرجوع إلى الحق، وهو بعيد، فالوجه إيجاب القضاء]  مُطلقاً ","part":1,"page":15},{"id":1280,"text":"المسألة الثانية: لو أنشأ سفراً في حاجة  على قصد الانصراف على قرب جاز له أن يُحَكِّم القرعَة في استصحاب وَاحدة، ثم إذا عاد لم يجب عليه القضاء للبوَاقي ؛ لما رُوى عن عائشة [رَضي الله عنها]  أن رسُول الله  كان إذا أراد سفرا أقَرّع بين نسائه، وَاستصحبَ واحدة ، ثم ظهر أنه كان إذا عاد يدُورُ على النوبة ، وَالمفهوم من الحديث في سقوط القضاء شيئان:\rأحدُهما: أن المُسافرة في محن السفر (ومشاقه تتعب)  وَإن كانت تحظى بمُصَاحبته \rوالثاني: أنه يَسْقُط قَصد التخصِيص بحكم القرعَة ، وقال أبو حنيفة القضاء واجبٌ وإن جاز تحكيم القرعة \rالثالثة: إذا سافر سفراً قصيراً  واستصحب وَاحدة بالقرعة قطع العراقيون بأنه يجبُ القضاء؛ لأن هذه رخصةٌ ظاهرة إذ القياس وجوب القضاء، فيضاهي إخراج الصلاة عن الوقت كالجَمْع ، وتردَّد الشيخ أبو محمد في هذا، وقال: يُحْتَمل أن يُلْحَق بالرخَص التي تناط بالسفر القصير \rالرابعة: لو قصدَ الإقامة بِمَقْصِدِه (أياما لزمهُ)  قضاء تيك الأيام ؛ لأن سقوط القضاء في مقابلة تعب السفر، وأيام الإقامة أيام (التَودع)    فلو نَقَض العزم، وَخرَج إلى مَنْزِله فهل يجب عليه قضاء أيام الانصراف وجهان:\rأحدُهما: لا يجب ؛ لأنه جار فيه على حكم السفر، ولو لم يَجرِ قصد الإقامة\rلما قضى ، وإذا  جرى ثم عادَ إلى العزم الأوّل (تغير)  الحُكم \rوالثاني:  أنه يقضي ، لأن هذه رخصة شرطها الانفكاك عن قصد الإقامة)  فإذا قصد فقد تعدَّى به، وسقطت الرخصة فهذا  يضاهي المودَع إذا\rعادَ أميناً ","part":1,"page":16},{"id":1281,"text":"التفريع: إن قلنا: لا قضاء فهو من وقت خروجه ، فأما أيام الإقامة فيجبُ القضاء قطعاً ، وفي بعض التصانيف أنه يسقط القضاء من وقت العزم على الخروج ، وَهو ضعيف؛ لأن الإقامة لا ترتفعُ بالعزم وإنما ترتفعُ بنفس الخروج، وَليسَ كالسَّفَر فإنه يرتفع بمجرَّد قصد الإقامة، وَالفرق بَيّنٌ بينهما \rفرْع: لو أنشأ سفراً (مستدبراً) ، (وطَنَهُ)  بعد العَزْم على الإقامة،\rفإن لم يكن عزم عليه في أوَّل سَفْرَته لزمهُ القضاء؛ لأنه أنشأ من غير قُرْعه ، وَإن كان عزم عليه ففيه وَجهان مُرَتَّبان على أيام الرجُوع، وَهاهنا أولى لوُجوب  القضاء، وَالفرق لائح \rالخامسة: إذا لم يُبرم العزمَ على الإقامة، وَلكن أقام يوماً واحداً مثلاً فلا يقصر ولا يفطر ؛ لأنه لو عُدَّ من السفر لَضُمَّ  إلى المرحلة الواحدة حتى يَصِيْر مَرحلتين، ولكن لا يجبُ القضاء بهذه الإقامة، فَيَنْفَصل أمرُ القَسْم عن الرُخص  في هذا المعنى ، وَلو عزمَ على الانصراف عند نجاز حاجته، وكان مُتردِّداً في (بانتجاز حاجته)  ففي جَواز الترخُص كلامٌ مذكورٌ في كتاب الصلاة ، فإن أَدَمْنا الرخصة سقط  القضاء، وإن نفينا  الرخصة أوجبنا القضاء، وألحقناه بالمقيمينَ وإن لم يكن على صفة التودُّع (ولم يرفع)  قصد الانصراف \rالسادسَة: أنه لو سافر بواحدة من غير قرعَة عصى، وَلزمه القضاء ؛ لأنه أظهر الميل إليها، ولا يقال: إنها شَقِيَتْ بعناء السفر فَقَابَلَه حَظُّها من الصحبة، هذا كما إذا أقام عندَ واحدة لتمريضها يجبُ القضاء للباقيات من نَوْبَتِها إن استَبلَّت، وَإن ماتت قُدِّر كأن لم تَكن ، نعم قد تجوز  الإقامةُ؛ للتمريض بخلاف السفر؛ إذ لا مدخل للقرعَة في التمريض، وإنما يجوز ذلك إذا كان المرَض مخوفاً، ولم يجد مُمرِّضاً سواه، فإن لم يكن مخوفاً، ولم يجد ممرضاً سواه، (أو كان)  مخوفاً، وَلكن وَجَدت مُمَرِّضاً سواه ففيه","part":1,"page":17},{"id":1282,"text":"تردَّد الأصحاب \rفرعان: أحدهُمَا: أنه لو سافر باثنتين بالقرعة [فعليه التسوية في القسم بينهما في السفر، فلم ظلم إحداهما بالأخرى قضى لها من نوبتها إما في السفر وإما في منزله، ولو خلَّف إحداهما في بعض المنازل بالقرعة]  جاز له ذلك ، ولو نكح وَاحدةً جديدةً في الطريق، وقد استصحب وَاحدة فعليه القسم بينهما بالسَّوِيَّة بعد ما خَصَص للجديدة بنوبتها الزائدة ، إما الثلاث، وإمَّا السَّبعُ ، وَلو خرج منفرداً، ثم تزوَّجَ في الطريق، فإذا عادَ لم يجب القضاء للباقيات؛ لأنه تجدَّد الحق حيث لم يكن (عليه)  رعاية التسوية، وَلم يُظهِر الميل ابتداءً بإيثارها من غير إقراع \rالثاني: إذا كان تحته زوجتان فنكح جديدتين، وأقرع بينهُنَّ فخرجت القرعة على إحدى الجديدتين  فاستصحبها اندرَجت أيامها تحت صُحبة السَّفَر ، فإذا عاد فهل عليه أن يقسم عند الجديدة المقيمة سبعاً أو ثلاثاً فيه وَجهان، ذكرهما العراقيون:\rأحدهما : لا يقيم؛ لأن أيامها قد انقضت كما انقضت القديمتين فلا قضاء؛ إذ فواته بالقرعة \rوَالثاني: أنه يجب؛ لأن المقصود من هذه الزيادَة التوحش، وَالتوحِّش قائمٌ، وَليس هذا كالقسم فإنه ثبتَ خارجاً عن القياس لِسِرٍّ ذكرناهُ \rقال الإمام: هذا التردد فيه إذا زُفَّتا إليه، فأمَّا إذا أقرع بينهن قبل الزفاف، ثم خرجت قرعهُ واحدة، وَالمخَلَّفة [لم]  تزف، فإذا عاد وزُفَّت إليه، فيظهر وجوب   الإقامة عندَها، وفيه احتمال \r\rالفصل السَّابع: في الشِّقَاق  بَيْن الزَّوْجَيْن\rوفيه ثلاثة أحوال:","part":1,"page":18},{"id":1283,"text":"أحدُها: أن يكون التَعدَّي منهَا بالنُّشُوز  على الزوج، فالزوج يسلط  على تأديبها بالمهاجرَة في المضجع، والضَّرْب على ترتيب القُرْآن ، والنشوز  لا يحصُل بالتّدلُل وَالمجاذبة المعتادة للنساء في الاستمتاع، وَإنما المعنى به استبدادها بالخروج، أو امتناعها من التمكين في المنزل، ولا يشترط أن ينتهي إلى مبلغ لا يَقْدِر الزوج على ردِّهَا إلى الطاعة، بل إذا احتاج في ردِّهَا إلى مشقة، وتكلف تأديب، فهي ناشزة ، فإن تمكينها مُتَعلَّق حُقُوْقِها، فإذا افتقر الزوج إلى مشقة في تقدير حقوقها فله أن يتركها  ، ثم إذا تحَقَّق النشوز فلهُ أحكام ثلاثة:\rأحدُها: سقوط النفقة في مدة النشوز \rوالثاني: المهاجرة: قال الشيخ أبو محمد: لا ينقطع المنطق عنها أكثر من ثلاثة أيام ؛ للحديث الوارد في النهي عنه ، وفيه نظر؛ لأن ذلك وردَ في المهاجرة من غير تعدِّي، وَالنشوز منها يسلط على الضرب، فالسُكوتُ عنها أهون\rوالثالث: الضربُ: والأولى أن لا يفعل ذلكَ؛ لما فيه من الغرر، بخلاف الولي فإن الأولى أن لا يترك التأديب؛ لأن المقصود من ذلك مصلحة الطفل، والمقصُود هاهنا حق المُؤدِّب، وَمهما أفضى إلى فوات، أو تعيُّب  فعليه الغرم، فإنما جُوِّز ذلك بشرط سلامة العاقبة  استصلاحاً، وَإنما يجوز ذلك إذا علم أن الضربَ يُصْلِحُها، فإن علم أصرَارهَا معَ الضرب المبرّح المَخُوف لم يجز له الأقدام عليه \rفُروع: أحدُها: لو  كانت تؤذيه بالسَبِّ، وَالشَّتم فليسَ هذا من النشوز، فلا يسقط به النفقة ، نعم هل له تأديبها أم يجب رَفع الأمر إلى القاضي كما في حق الأجانب فيه (تردد)  ","part":1,"page":19},{"id":1284,"text":"الثاني: أنها لو مَكنت من الجماع، وَامتنعَت مما عداه من الاستمتاع المباح فهل تتقرر النفقة به فيه تردد ، وأقرب مثال إليه تسليم السيد الأمة ليلاً، واستردادها نهاراً وقد ذكرنا فيه خلافاً الثالث: هل يجوز له المبادرة إلى الضرب في أول نشوز فيه تردد ، ومن  العراقيين (من لم)  يُجوِّز ذلك [تعلقاً بترتيب القرآن في الأمر بالموعظة ثم المهاجرة ثم الضرب ، ومن جوز ذلك]  (حمل)  الآية على الجمع، وكلاهما محتمل، وَالأظهرُ التفويض إلى رأى الزوج ، وَإذا  علم أنها تمتنع بوَعِظ ولا تعود فليكتفِ به، وَإذا عَلِم أنها تستمر على النشوز، وَيُؤدِي إلى ضرار، فلهُ المبادرَةُ إلى الضرب، وَعلى الجُملة بِنَاءُ هذا على الاستصلاح، والأمرُ مفوض إلى الزوج، ولا معتمد له إلا الظن الغالب \rالحالة الثانية: أن يَكون التعدي من جهته بمُواظبته على الضرب مع تمكينها وغير ذلك، فيفرق بينهُما، ونُعِدُّ لها  على يد عَدل ولا نردها  إليه مَا لم يَبْن من قرائن أحوَاله العود إلى الاعتدال في المعاشرة، ولا يعتمد فيه على مُجرَّد قوله كالفاسق إذا تاب تُستبرأ  حالهُ بأن يُوكِّل القاضي به من يُراقبه في السرِّ والعلانية ، فإن قيل: إن تعَدّى بالضرب فلم يُعطل حقه بالحيلُولة فليُمنع من التعدي قلنا: المعارضة بالضرب غير ممكن؛ فإنه لا ينضبط، والإجبارُ على الطلاق لا وجهَ له، ولا سبيل إلى التَّخْلِية بينهما مع ضراره الظاهر، فأقربُ مسلك فيه ما ذكرناهُ من الحيلولة \rالحالة الثالثة: إذا أشكل الأمرُ فشبَّت  الخصُومة، وعَسُر الفصل فعلى القاضي أن يبعثَ حَكماً من أهله، وحكماً من أهلها كما اشتمل عليه نص القرآن [حتى]  يُنْظر في أَمْرِهما ، واختلف المفسرون في قوله تعالى:      ","part":1,"page":20},{"id":1285,"text":"منهم من قال: أرادَ به الزوجين ، ومنهم من قال: أراد به الحكمين ، (وَهوَ الذي فهمَهُ عُمر   لما أَنْ عَلا الحكمين بالدِرَّة إذ لم يَصْطَلِحا وتلا الآية،\rوقالَ: الله أصدق منكما، فَانْصَرِفا على قصد الإصلاح، فألفيَاهُما وقد أغلقا البابَ واصطلحا) ، ثم اختلف قول الشافعي [رحمه اللهُ]  في الحَكمين أنهما وكيلان من جهة الزوجين حتى يتوقف تصرفهما على إذن الزوجين ، أو هُما مُوَليَّان من جهةِ  القاضي، حتى (يستقلا بالتفريق)  والتَطْلِيْق على حسب المصلحة، أحدُ القولين أنهما لا يستقلان بالطلاق، وَبذل المال من جهتها، وَهذا هُو القياس، فإن الطلاق لا يندرج تحت الحَجْر إلا في المُؤْلي، وهوَ خارج عن القياس \rوالثاني: أنهما يُطَلَّقان؛ لأن الله تعالى سماهُما حَكَمين، وَالحكمُ من يُحْتَكم ، ولما (روى أن علياً -- بعث الحكمين بين زوجين وَقال: (هل تدرِيان)  ما عليكُما عليكما إن رَأيتُما أن (تَجْمَعا أن تجمعا، وإن رَأيتما أن تفرّقا فرَّقتما) ، فقال الزوج: أما الطلاق فلا، [فقال عليٌّ] : كذبت ، ووجهُ  الدليل بَيَّنٌ\rوالتفريعُ على قول الوكالة لا يخفى، فليسَ لهُما [إلا]  البحث، وَاتباع مَا يتوافقَان عليه ، وإن قلنا: إنهما حَكمان فلهما الاستقلال بالفراق، إن أصرَّا على  النزاع، ورَأيا ذلك رأياً، وَلهُما بذل مال من جهة الزوجة؛ لأن الحال أولى بالدخول تحت الحَجْر من الطلاق ، وَإن توافقا فلا (ينفذ)  تفريقهما إن كان يتوهَّم عَودهما غالباً، ولكن التوافق في الحال قاطع ، وإن سَكتا أو غاب أحدهما بعد ثوران النزاع، وَالنظر في أمرهما، فهل لهُما إنشاء الفراق على هذا القول ولا خلاف في جوازه على القول الآخر ، إذا لم يجر عزلٌ [الوكيل]  فقد   تردد أصحابنا، منهم من منع الاحتكام به إلا إذا كانت الشكاية دَائمة، فأما إذا أعرضا أو غاب أحدهما فلا خصُومة في الحال ،","part":1,"page":21},{"id":1286,"text":"ومنهم من جَوَّز ذلك ، فإن قيل: وهل يشترط في الحكمين وصف الحكَّام\rقلنا: أوّلاً: ليس يُشترط  أن يكون من أهله وَأهلها، وإنما ذلك استحباب؛\rلأن اطلاعهما على مقاصدهمَا وسَرائرهما أيسَرُ ، وأمَّا العدَدُ فيه  تردُّد، وظاهرُ القُرآن مُشعرٌ به، والقياسُ لا يدُل [عليه]  جعلنا ذلك وَكالةً أو تولية ،\rوأما الصفات فالعدالة لابد منها، وَالهداية إلى مَراشد الأمور، وَخفايا المصالح هو\rالعماد في الباب ، وأما منصب الاجتهاد فلا يشترط وإن رأينا ذلك ولاية؛ إذ كيف يتفق مصادفة مجتهدين في عشرتهما ، ونشأ من هذا أن التولية في أَمْرٍ مُعَيِّن مخصوص لا تستدعي منصب الاجتهاد ، وسننبِّه عليه في كتاب أدب القضاء ، هذا تمامُ الغرض من كتاب القسم، وأحكام النشوز والشقاق، [ولله الحمد والمنة، وهو أعلم بالصواب]  ","part":1,"page":22},{"id":1287,"text":"كتَابُ الخُلْع\rوَفيه أبوَابٌ:\rالبابُ الأوّلُ\rوفيه فصْلان:\rالفَصْل الأوّلُ: في معنى الخلع، وَوجهُ أثره\rفي النكاح، وبيان تردده بين التعليق والمعاوضة،\rوَبيان حقيقة القول في الخلع\rفنقُول: الخلع صحيحٌ بالاتفاق، وصورته أن تبذل المرأة مالاً في مقابلة إنشاء الزوج فراقاً وَهذا مُجمعٌ عليه، وَلكن إذا جرى ذلكَ فهو فسخ أو طلاق، اختلفَ فيه القول فالجديدُ الذي به الفتوى أنّه طلاق على مال، وَهوَ مذهبُ عمر، وَعثمان، وَعلي، وَمذهبُ أبي حنيفة [رَحمه الله]، وَاختيار المزني، وفائدته إذا تكَرّر ثلاثاً حَرَّمَ النكاح، وَللشافعي قولٌ في القديم، وَهو المنصور في الخلاف أنه فسخ، وَأن أعدادَ الطلاق لا ينتقض به كسائر أنواع الفسوخ، وحقيقةُ هذا الاختلاف (رَاجعة) إلى أن النكاح هل يقبل الفسخ تراضياً فمن يرى الخلع طلاقاً يقطع بأن النكاح لا يقبل الفسخ إلا بسبب من دفع ضِرارٍ وغيره، أمَّا (التراضي به) فلا سبيل إليه، وَمن جعله فسخاً فمن ضرورة ذلكَ تجويزه الفسخ بالتراضي، فليعتقد الخلاف قائماً في هذا الحُكم ليرجع إلى أمر معنوي فِقْهِي، ولا يتعلق باللفظِ، وَقد ذكرنا في مآخذ الخلاف مسَالكَ الكلام في المسألة، وَالآن إذا رددنا حقيقة الخلاف إلى قبول النكاح الفسخ فنتكَلّم [أولاً] في الألفاظ، وَهي فيما نقصده ثلاثةٌ: لفظ الخلع، وَالفسخ، وَالمُفَادَاة، فَنُفَرِّع حُكمها على القولين، ونَقُول على قول الفسخ: الخلع صريح في الفسخ، وَلفظ الفسخ كذلك في ظاهر المذهب، وَفيه وَجه، ولفظ المفادَاة فيه وَجهان، وَعلى هذا","part":1,"page":1},{"id":1288,"text":"إذا جعلنا الخلع صريحاً في الفسخ فلو نوى بهِ الطلاق لم ينفُذ في ظاهر المذهَب؛ لأنه وَجد نفاذاً في موضوعه، فكان كما إذا نوى الطلاق بلفظ الظهار ، هذا حُكم التفريع على هذا القول، ونعودُ الآن إلى تعليله فنقُولُ: أما لفظ الخلع جعلناهُ صَريحاً في الفسخ على هذا القول، ولا مدرَك له إلا شيوغ الاستعمال وتناطقُ حَمَلة الشريعةَ به، ونحن وإن تلقَّينا الصَرائح في الطلاق من لسان الشرع وَلم يرد بلفظ الخلع فكأنّا نتشوّف إلى إلحاق  ما تناطق به حَملةُ (الشريعة بما ورَدَ الشرع به) ، وَقول القائل: أنت عليَّ حَرام، وَإن شَاع فليسَ ذلكَ شيوعاً على لسان حملة الشرع، إنما هو شيوعٌ على لسان عَامةِ الخلق، ويتَّجه فيه معنى آخر، وَهوَ أن صرائح الطلاق حصرناها، وطرقنا  إليهَا تَعبداً؛ لمكان أنه تصرُّفٌ غريب؛ إذ ليسَ رفعاً للعقد على قياس الفسخ، ولا تقرُباً إلى الله بإزالة ملك كما في العتق فتطرق إليه نوع من التَّعبُد فاختص بما ورَد الشرع به، وَأما الفسخ فهوَ جار على القياس فَيُكْتفى فيه بشيُوع اللفظ على الألسنة ، فأمَّا  جعل لفظ الفسخ صَريحاً في مقصُودهِ فمأخذه بَيِّنٌ، وَمأخذ الوجه (البعيد في)  أنه ليسَ صريحاً: أنه لا شيُوع له في النكاح عرفاً على لسان حملة الشرع إلا عند سبب (ولم)  يرد به الشرع ، وَهذا لا خفاء بضعفه ","part":1,"page":2},{"id":1289,"text":"أمَّا لفظ المفاداة ظهَر فيه التردد من حيث إن القرآن اشتمل عليه؛ إذ قال تعالى: فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيْمَا افْتَدَتْ بهِ  إلا أنه لم ينضمّ إليه شيوع، وَلم يتكرّرَ في القرآن، وَما يتكرّر فهو صريحٌ كالفراق وَالسراح في الطلاق، فضابط المذهب أن ما تكرر في القرآن وَإن لم يشع فهو صَريح ، وَما شاعَ  استعمالهُ على لسان العَامّة، وَإن لم ينطق به لسان الشرع كقوله في بلادنا أنت عليّ حَرام، فيه ترددٌ كما سيأتي ، وَما نطق به القرآن، وَلم يتكرّر وَلم يشع ففيه تردد أيضاً كلفظ المفاداة ، ويُضاهيه لفظ الإمساك في الرجعَة، وَلفظ الفَكّ في العتق؛ لقوله تعالى: فَامْسِكُوهُنَّ  ولقوله : فَكَّ رَقَبَة ، وَأمَّا حُكمنا بأنه لو نوى بالخلع الطلاق على هذا القول  لم ينفذ؛ فسببه أنه وجدَ نفاذاً في موضعهِ  مستغنياً عن النيَّة فلا يُنْقَل إلى غير موضعه كما إذا أرَاد الطلاق\rبلفظ الظهار ، وَفيه وَجه ضعيف ذكره الشيخ أبو محمد وَالعراقيون ؛ لأن الفسخ ليسَ يُخَالفُ جِنسهُ جنسَ الطلاق إذ كل وَاحدة منهما يتضمّن بينونة بخلاف الظهار وَالطلاق ، وَهذا ضعيف؛ لأن الفسخ يُفَارقهُ في استيفاء العدد، وَفي أَحكام جملة فلابُدّ في النقل من تعطيل تلكَ الأحكام، وَلا سبيل إليه ، فإن قيل قوله: أنت علي حَرام، صريحٌ في التزام الكفارَة إذا خاطبَ زوجته، ثم لو نوى طلاقاً انتقل إليه، (فنقولُ):  لا اختصاص له في التزام الكفارة بالمنكوحَة؛ إذ يجري في الجارية  المملُوكة فلم يبعُد عن التصرف بالنية  ، وَسنذكر استقصاء هذا الفَصل في\rكتاب الطلاق ","part":1,"page":3},{"id":1290,"text":"فإن قيل: النكاح ينفسخ بلفظ الفسخ عندَ جريان أسبابه، ثم هُو كناية في الطلاق، قلنا: ذلك  إذا لم يجد نفاذاً في الفسخ، وَلم يجر له سبَبٌ، فإن جرى له سبب أمكن تنفذه من غير رضا المرأة فسخاً فنوى الطلاق، وَهذا  محتمل، ويحتمل أن يقال: لا ينفذ جَرْياً على القاعدة بل يُجْعل فسخاً ، وَيحتملُ أن يقال ينفذ الطلاق إذا نواهُ، وَهذا ما قطع به القاضي؛ لأنه لا اختصاص للفظة  الفسخ بالنكاح بل يجري في جميع العقود ، هذا تمام التفريع على قول الفسخ، وبيان إشكال الألفاظ فيه، فأَمَّا إذا فرَّعنا على قول الطلاق، وَقلنا: الطلاق لا يقبل الفسخ فلا يخفى لفظ الفسخ كناية عن الطلاق ، وَفي المفاداة وَجهان كما ذكرناه \rوَأمَّا لفظ الخلع فظاهرُ المذهب أنه كنايةٌ أيضاً ، ونص الشافعي في (الإملاء)  على أن الخُلعَ صَريحٌ في الطلاق  فاتفق  الأئمة على نقل قولين في أن لفظ الخلع صريحٌ في الطلاق أو كناية، واختلفوا في مأخذه [فمنهم من قاله]  إن اللفظ إذا شاع في إرَادَة الطلاق فهل يلتحق بالمنصُوص في القرآن المتكرُّر  فيه وَهذا خلاف سنذكره في كتاب الطلاق ، وَإلى هذا ذهبَ المُعظم ، وَمنهم من قال: مأخذه أن ذكر المال (هل ينتهض)  قرينه في إلحاق الكناية بالصَريح ، وَلا خلاف في مذهب الشافعي إن قرينَة الغضب، وَالسؤال، وَما يظهرَ من المخائل لا يُلْحِقُ الكنايةَ بالصَريح، وَإنما هذا على الخُصوص في المال ، هذا كله في أحكام هذه الألفاظ، وقد جرى ذكر المال فأمَّا إذا جَرى الاختلاع من غير تعرُّض للمال فمُطلق هذا اللفظ هل يقتضي المال\rفيه وَجهان:","part":1,"page":4},{"id":1291,"text":"أحدهما: أنه يجب ؛ لأن العرف يقتضي ذلك، وَهوَ الذي اختارَهُ القاضي، وشَبَّه الخلع بالنكاح؛ فإن مُطلقه يُنَزَّل على المهر وقربه من النكاح من حيث إن الخلع حَل النكاح ، فيقرب منهُ مأخذه؛ ولأن الخلع على الخمر والخنزير يوجبُ الرجوع إلى بَدَل كالنكاح على الخمر والخنزير فإذا ساوَاهُ في المُسَمَّى الفاسد فينبغي أن يساويه في المطلق، وهذا يؤيده الشيُوع \rوالثاني: أنه لا يثبت المال؛ لأن ثبوته في النكاح لتعبُّد ظاهر في استباحة البضع، ورأى الشرع في عدم تعريته عن العوض ظاهر، ولذلك ثبته على قول مع التصريح  بالنَفي، وَأمَّا إزالة الملك عن البُضع فلا يستَدعيه، وَهذا الخلاف جار","part":1,"page":5},{"id":1292,"text":"فيما إذا قارض رَجُلاً حتى يتَّجِر، وَلم يُسمّ لهُ ربحاً في أنه هل يستحق أَجْر  المثل، وكذلك في المساقاة وَنظائره ، وَمأخذه الآن  العُرف باللفظِ في هذه المسائل ، فإذا تأسَّسَ هذا الخلاف فنرجع إلى التفريع على قولي  الفسخ وَالطلاق، فنقول أوّلاً: إذا فرعنا على أن المال يثبت بمطلقه  يتفرع هذا على القولين؛ فإن رَأينا الخُلع فسخاً (فعل الفسخ ويثبت)  الرجوع إلى مَهر المثل ولا خفاء به، وَإن رَأيناه طلاقاً ونوى الطلاق (ثبت)  الطلاق بائناً على مَهر المثل، وإن لم ينو الطلاق فهذا يُبنَى  على أن الخلع صَريحٌ في الطلاق، أم  كناية فإن قلنا كنايةٌ فيلغوا، وإن قلنا صَريح فيبنَى  على أن مأخذه الشيُوع أو ذكر المال فإن قلنا: [إن]  مأخذه الشيوع نفذ الطلاق على مَهر المثل وإن لم ينو ، وَإن قلنا: مأخذه ذكر المال فلم يجر للمال ذكر فهو كناية فلا تعمل  من غير نية ، (فأمَّا إذا)  فرعنا على أن المال لا يثبت فيخرج  على قولي الفسخ والطلاق، فإن قلنا: إنه فسخ فهو لاغ هَكذا ذكره الأصحابُ؛ لأنهم لم يَروا فسخاً مُطلقاً بغير  عوض، وهذا فيه إشكال سنُنَبِّه  عليه، وإن قلنا: إنه طلاق وجرت النيَّة، أو رأيناه صريحاً بعلَّة الشيُوع فالطلاق واقع وهو رجعي إذ لا مال ، وعند هذا يتصَدّى أمرَان:","part":1,"page":6},{"id":1293,"text":"أحدُهما: أنه إذا جعل طلاقاً رجعياً ولا مال فلا يفتقر إلى قبولها، وقد اختلفوا فيه فمنهم  من قال لا يفتقر؛ لأنه طلاق رَجعي لا عوض فيه فلا حاجةَ إلى القبول ، ومنهم من قال (يفتقر)  إليه؛ لأن لفظ المخالعَة يقتَضي مفاعلة فاستدعاهُ القبول من حيث اللفظ، وكأنه في حُكم المعلق بالقبول، وقد يتعلق بالقبول ما لا يُوجبُ المال كمخالعة الرجل زوجته السفيهة على مال إذا قبلت نفذَ  طلاقاً رجعياً ولا مال، ثم لا ينفذ دون قبولها  قال الإمامُ: هذا يحسنُ في لفظ المخالعة فلو قال: خلعت ينبغي أن لا يفتقر إلى القبول، وَلو قال خالعتُ ونوى الطلاق، ولم يضمر التماس جَوابها فليقطع بوقوع الطلاق كقوله قاطعتُك وفارقتُك، وما يجري مجراه، فإن  أضمر التماسَ الجواب  فيتّجه إذ ذلك  خلاف، قال: والذي  عندي أنه لا يتوقف على القبول ، وسنعود إلى هذا في كتاب الطلاق  \rوالأمرُ الثاني: هو أنهُ لو جَرى (نية)  المال فهل تؤثرُ النية فيه وَجهان:\rأحدهما: أنه تؤثر (حتى إنه)  ينزل منزلة الذكر، فعلى هذا إذا نويا كان (الطلاق)  بائناً \rوالثاني: أنه لا أثر له وعلى هذا يتجهُ أن يقال: لا يقع الطلاق؛ لأن اللفظ إذا كان كناية يعمل بالنية، وقد جرت النيّة مُقيّدَةً  بالمال، ولا مال فكيف يقع الطلاق !، ومنهم من قال: يقع وتلغو نية المال فيصير كأن لم ينو، وَتبقى نية أصل الطلاق فينفذ الطلاق رجعياً ولا مال ، هذا تمامُ التفريع على القولين، ونحنُ نهذّب معنى القول الضعيف بتوجيه أسألة وأجوبَة عنها\rفإن قيل: كيف يصحّ جَعل الخلع فسخاً، وَهوَ جارٍ مع الأجنبي، والفسخ لا يجري إلا مع العاقد\rقلنا: نص الشافعي على تنفيذ الخلع (مع)  الأجنبي تفريعاً على أن الخلع طلاق ، وهو الصحيح ، فإن رأيناه فسخاً لم ينفذه (مع)  الأجنبي \rفإن قيل: لو كان فسخاً لارتدّ العوض كالفسخ في سَائر العقود","part":1,"page":7},{"id":1294,"text":"قلنا: لا يرتد المسمى قطعاً بعد المسيس، وَقبله يتشَطّر  كالطلاق، فهذا متفق عليه من  الأصحاب، وَسببه أن عوض النكاح لا ينزل منزلة عوض سائر العقود ، وَلذلك يقطع بأن الردة بعد المسيس لا تتضمَّن الرد [للمسَمَّى]  على المذهب  وَرِدَّةُ الزوج  قبل المسيس وإن تضمّنت فسخاً (فهو مشطر)  ، وَالسببُ فيه أن المهر قريبٌ من التقرير  في النكاح، وَلذلك يتقرّر شطره قبل المسيس، وَكله بالمسيس وَبالموت فلا  يرتَدّ كُله إلا بسبب يستَندُ إلى أصل العقد [كالعيوب وما يجري مجراها، والخلع ليس يستند إلى أصل العقد] ، فلم  يتضمّن الرد لذلك \rفإن قيل: فلِم جاز إيراده على عوضٍ مُبتدأ وهذا على خلاف وضع الفسخ\rقلنا: هذا أيضاً متفق عليه، وَسببُه أنه إذا لم يتعلق بالمُسمَّى كما ذكرناه، واستقل بنفسه عَنهُ، وُربما تمسّ الحاجة إلى بذل مَالٍ (ليسمَح الزوج به)  فجاز بذل عوض جديد، ونزل العوض فيه منزلة العوض في النكاح، وَصار مستقلاً بنفسه في هذا المعنى\rفإن قيل: فلو نفى العوض في الخلع هلاَّ يحصل  الخلع مع انتفاء العوض\rقلنا: قال الإمام: هذا لم يتعرّض له الأصحاب، وَلعلهم تبرَّمُوا  بالتفريع على الضعيف، ومساق كلامهم رمزاً وتصريحاً يدل على منعه، فإنا نقلنا عنهم أنه إذا جرى الخلع من غير تعرُّض للمال وقلنا: إن المال لا يثبت لغى الخلع على قول الفسخ ، وفيه إشكال، وَالقياسُ الحقُ تجويز  التخلية إذ الصحيح أن النكاح إذا نُفي المهر فيه انتفى، وَإنما يجبُ بالمسيس، وَمَن أوجبَ بالعقد فله عذر؛ لأنه سبَبُ المسيس فيجبُ  العوض رعاية لحرمة استحقاق البضع، وأمَّا إزالة الملك فلا تستدعي العوض، هذا تمام التفريع على القولين مع التناهي في التَنبيه على الإشكالات  ","part":1,"page":8},{"id":1295,"text":"فرع: يتشعب عن هذا الأصل إذا قالت المرأة: طلقني على ألفٍ، فقال: خالعتك على ألف، فإن قلنا: الخلع  طلاق ونوى، أو جعلناهُ صَريحاً وَقع الطلاق، وَإن قلنا: إنه فسخ لم يصح ؛ لأنها التمست أعظم الفرقتين، وَهو ما ينقص العدد فقَد أجابَ إلى ما دونه ، وَإن قالت: خالعني على ألف فقال: طلقتُك على الألف ، فإن قلنا: الخلع طلاق صح ، وَإن قلنا: إنه فسخ فَقد أجابها إلى ما فوق الفسخ، فيه  وَجهان:\rأحدهما: لا يقع شيء؛ لأنهما لم يتفقا على شيء وَاحد \rوَالثاني: أنه يقع؛ لأنه أجاب وَزادَ \rالفصل الثاني: في تنزيل الخلع على قواعِد العقود وَالمعاملات، وبيان (انجذابهَ)  إلى أصُول مختلفة\rوقد قال العلماء: الخلعُ من جانب الزوج يتطرق إليه أحكام المعاوضات إلا (أنه نازع)  من جملة المعاوضات إلى الجعالة  وَهذا التفصيل فيه، إذا قلنا: الخلعُ طلاق على مَال، أو جرَى الطلاق على المال، فأمّا إذا قلنا الخلع فسخ، فهي مُعاوضة محضة من الجانبين لا يتطرق إليه أحكام التعليق بحال، وَهي معاوضة مستقلة بنفسها، إذ ليسَ يَرِد الفسخ على [عوضي النكاح، بل يرد على]  عوض جديد فهو شديدُ الشبه (من)  قضايا المعاوضات بنفس النكاح ، ولسنا نقصد التفريع على هذا القول، وربما نفرِّع على القول الآخر، أو نفرض في الطلاق على الأموَال، وما ذكرناه ترجمَةٌ جُملِيَّةٌ في الإشارة إلى ازدحام القضايا، وَهي أحكام متناقضة لا سبيل إلى جمعها بل لابُدَّ من تمحيضهَا في مَواضعها، وَالمتَّبعُ فيه معاني الصيغ، وذلك يتبَيَّن بتفصيل نذكره فنقُولُ: إن إنشاء الزوج الخلع أو الطلاق على المال على صيغة المعاوَضة لا على صيغة التعليق مثل: إن قال: طلقتك على ألف، أو أنت طالق على ألف، فهذه الصيغة يتمحّض فيها حُكم المعاوضات ، ويظهَرْ ذلكَ في أحكام أربعة:","part":1,"page":9},{"id":1296,"text":"أحدها: أنه لو رَجعَ قبل قبُولها جاز كما في البيع فلو قبلت بعدَ الرجُوع لم يقع الطلاقُ؛ لأنه  أنشأهَا على صيغة المعاوضة فالتحق بالبيع \rالثاني: أنه لابُدَّ من القبُول منها قولاً كما في البيع \rالثالث: أنه لابد من القبول في المجلس على الاتصال \rالرابع: أنه لو قال: طلقتك ثلاثاً على ألف، فقالت: قبلت وَاحدة على ثلث الألف، لم يقع كما إذا قال: بعتك هذا العبد بألف فقالت: قبلت ثلثه (بثلث الألف)  ","part":1,"page":10},{"id":1297,"text":"فأمَّا إذا أنشأ على صيغة التعليق، وَقال: (متى ما)  أعطيتني ألفاً فأنت طالق، فهاهنا تتمحّض أحكام التعليق في جانبه فلا يصح رُجوعه كمَا في التعليق، ولا يفتقر إلى قبولها العَطاء، وَلا إلى التسليم في المجلس؛ لقوله: (متى ما)  ، فأما إذا قالَ: إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق، قال أصحابنا: فلو فارقت ثم أعطت لم يجز، وَهذا مأخوذ من موجب اللفظ؛ فإن قوله: (متى ما)  صريحٌ في جَواز التأخير، وَقوله: إنْ تصلح للتأخير، وتصلح للبدَار فيتعارَض  فيه الاحتمال، فَرُجِّح البدَار بقرينة ذكر العوض؛ فإن العوض في المعاوضة يتعجل التزامه، وَعليه يترتب المُعَوَّض، وقد ذُكر [العوض]  فَجَرَتِ الأحكام على (محض)  حُكم التعليق نظراً إلى الصيغة ، وَهذا الحُكم الواحد تعارض فيه الاحتمال فَرُجِّح بحُكم العوض وقرينته هذا معنى قول العلماء: إن الخلع مشُوبٌ من جانبه، وقد (تبين)  أن الأحكام لابد من تمحُّضِها ولا سبيل إلى تركيب أحَادِها من أصلين متناقضين، وَلكن المُتَّبع في التغليب المَعْنى كما تقَرَّرَ ، وَيجري كل ما ذكرناهُ في العتق على مال ، وَلسنا نعني به الكناية، ففيها خصائص نذكرَها في موضعها، فأمَّا جانب المرأة فقد بيَّنا أن الخلع في جانبها معاوضة نازعةٌ إلى الجعالة ، وَإنما قلنا: أنها معاوضة؛ لأن الطلاق ليسَ إليها حتى يتقرَّر في حقها حقيقة التعليق بخلاف الزوج، وَإنما هي مُلْتَمِسة طلاقاً على مال ، ويَظهر  فائدةُ هذا في [أمور:\rأحدها:]  أنها مهما رَجعت قبل التعليق فلها ذلك في جميع الصُور وَإن أتت بصيغة التعليق وقالت: إن طلقتني فلكَ عليَّ ألف ","part":1,"page":11},{"id":1298,"text":"والثاني: في أنه يختص لزومُ العوض (عليها)  بتطليقه إيَّاها في مجلس السُؤال على الاتصال، فلو طلقها بعد ذلك بزمان حُمل الطلاق على صدوره  من استقلال الزوج، ولم ينصرف إلى جهة العوض، وَإن كان لفظها في الالتماس صَريحاً في التراخي مثل: إن قالت: مهما طلقتني فلكَ ألفٌ؛ لأن أصل الطلاق أن يكون صدوره عن الاستقلال، وَأن يكون  إسقاطاً محضاً [وما]  لا يرتبط بعوَضٍ فلا سبيل إلى إثبات عوض له إلا إذا ربط بالعوض والارتباط يحصل بالتواصل بين الطلاق وَذكر العوض حتى يكون جَواباً وإسعافاً، وإذا  انفصل عنهُ وتراخى  لم يرتبط به ظاهراً (وللطلاق نفوذ)  في نفسه من غير عوض فجرى على أصله، وَلم يتحوَّل إلى الارتباط بالعوض بمجَرَّد النية كاللفظ الصَريح في نفسه لا ينقلنا  إلى غير موضوعهِ بالنيَّة فقد ظهرَ أثر المعاوضة في جانبها في جَواز الرجُوع قبل القبول، وَفي اختصاص الإسعاف بالمجلس ، والمَعْنِي بقولنا: إنها نازعة إلى الجعالة يَظهر في شيئين:\rأحدهما: أنه يحتمل منها صيغة التعليق فإنها لو قالت: إن طلقتني فلكَ ألف، (وَمتى ما)  طلقتني فلكَ ألف، فَطَلَّقها استحق الألف عليها، وَالصيغة صيغة تعليق  لا يُحْتَمل في سائر المعاوضات، واحتملت هاهُنَا كما في الجعالةِ تقول: إن رَددت [عَلَيَّ]  عبدي الآبق  فلكَ ألفٌ، وَإنما أُلْحِق بالجعالةِ في هذا الحُكم من حيثُ إن الجاعل يلتمس فعلاً فيه (عُسرٌ، وقد)  يتمكن منهُ، وقد لا يتمكن [منه] ، وَهو مجهول لا ينضبط فاحتمل فيه  صيغة التعليق والمرأة التمست طلاقاً  قابلاً للتعليق بالإغرَار، والأخطار، وَالزوج يستقل بتحصيل مقصُودها دونها، فاحْتُمل منها صيغة التعليق في الالتماسِ لذلك ","part":1,"page":12},{"id":1299,"text":"الثاني: أنها لو قالت: [لو]  طلقتني  ثلاثاً على ألفً فطلقها واحدة استحق الثلث، كما إذا قالت : إن رَددتَ عبيدي الثلاثة فلك ألفٌ فردَّ وَاحداً استحق ثلث  [الجعل] ، وكذلك إذ  قالتا: طلقنا على ألف فطلق إحداهما: استحق  نصفها  ، وَهذا بخلاف الرجل إذا قال: أنتِ طالق ثلاثاً على ألف فقبلت طلقةً واحدةً على ثلث الألف لم يقع الطلاق؛ لأن ما أتى به صيغة معاوضة فالتحق بالمعاوَضات، وما أتت المرأة به ضاهى  الجعَالة فالتحق كل جانب بالأصل الذي شابهه ونزعَ إليه في المعنى ، وَلو قال الزوج أوّلاً: خالعتكمَا على ألف فقبلت  إحداهما لم يقع الطلاق بلا خلاف؛ لأن الجوابَ لم يوافق الخطاب بخلاف ما إذا قالتا: طلقنا فأجابَ إحداهما (كان ذلكَ مأخوذاً)  من الجعالة ، وكذلك إذا باع عبداً مشتركاً من رَجلين فأجاب إحداهما فلا خِلافَ في المذهبَ أن العقد لا ينعقد \r(وإن شبب أصحاب الخلاف يمنع) ، نعم لو قال لواحدة خالعتك وضرَّتك\rفقبلت  صحَّ؛ لأن المعقود هو المُتَعَدِّد  دون العاقد  وَلو تخلل بين\rإيجاب الخلع وَقبوله كلامٌ يسيرٌ لم يَضر ، وفيه وَجه ، وقد قال الشافعي: لو قالتا: طلقنا فارتدتا  فأجابهما ثم عادتا  إلى الإسلام صح الخلع ، وقد تخلل كلمة الرِدّة إلا أن هذا كلام من المخاطب  بعد خطابه، فإنما  النظر في كلام القابل قبل القبول ، هذا تمام الغرض  من الفصل، وذكر مسائل (الكتاب تزيده) \rوضوحاً، ولكن لم أجد بُدّاً من تقديم هذا القدر في المقدِّمة؛ للتمهيد والتوطئة فمنه تنشعبُ  حقيقةُ الخُلع\r\rالبابُ الثاني\rفيما يصح من الخَلع، وَما لا يصح\rوَفيه مسائل، وَهي متبدِّدَةُ المأخذ نذكرها إرسالاً وننبِّه على مآخذها:","part":1,"page":13},{"id":1300,"text":"الأولى: أن الخلع صحيحٌ في (كلتي)  حالتي الشقاق وَالوفاق، خلافاً لداود فإنه خصصه بحالة الشقاق متعلقاً بظاهر القرآن ومفهومه ، وَذلك عندنا محمُول على إجراء الكلام على المُعْتَاد بين الخَلْق؛ ليكون ذلك أقرب إلى الأفهام؛ إذ الخلع في حالة التوافق والتصادق لا يجري، وذكر الافتداء فيه ليس يُفْهَم (منه مقصُوده)  على إطلاقه ما لم يَتَأَيَّد بقرينة، وذكر  الشقاق قرينةٌ الكلام تفهيماً ، وإجرآء على العرف ، ومثل هذا المفهوم لا متعلق فيه كما ذكرناه في [فنّ]  الأصول ","part":1,"page":14},{"id":1301,"text":"الثانية: خُلْع العبد زوجته على مال صحيح دون رضا السَيِّد؛ فإنه يستقل بالطلاق، ثم المال يحصُل للسَيِّد، ويُنَزَّل مَنزلة أكسابه ، أمَّا الأَمَة إذا خَالعَت بإذن السيد على عين مالهِ صح، وَاستحق الزوج عين المال ، وَإن كان بدين تَعلَق بأكسابها، وَهل يصير السَيِّد ضامناً فيه خلاف مبني على أن إذن السَيّد للعبد في النكاح هل هو ضمان  وَإن استقلت بالاختلاع فالمشهور في المذهب وقوعُ البينونة وَفساد المسمى؛ لأنهَا ليست من أهل الالتزام وَلكن يثبت مهر المثل، وتُطالب به إذا اعْتِقَت ، وَقطع الشيخ أبو علي جَوابه بصحّة الخلع، وثبُوت المُسمّى إلا أنها تُطالب به إذا اعتقت وَمآخذ هذا الوجه تصحيح الالتزام من الرقيق بطريق الضمان حتى يُطالب بعدَ العتق ، وقد ذكرنا فيه وَجهاً [في كتاب البيع]  وبنينا عليه تصحيح شرائه إذا استقل به أخذاً له من هذا المأخذ ، وَإن  صححنا الالتزام ثبت المسمى فائدته أنها  لو ذكرت شيئاً في الذمَّة صح الخلع على ذلكَ القدر، وَلو عَيّنت عيناً للسَيّد أو لغيره كان  كاختلاع الحُرَّة على المغصُوب  حَتَّى  يُخَرَّج حُكم الرجُوع على قولي ضمان العقد وَاليَد فَيُقضى بالرجُوع على قولٍ بمهر المثل، وَعلى قول بقيمة المُسمَّى ، أما المُكاتبة فاختلاعها بمال ببَذل  مالٍ منها ليستَ هي محتاجةٌ إليه فهو كتبرعها فإن استقلت لم يصح، وَيلتحق  بالأمة  وَإن كان بالإذن فيخرَّج على الخلاف في جواز تبرُّع المُكاتب بإذن السيد ","part":1,"page":15},{"id":1302,"text":"الثالثة: المحجُور عليه بالسَّفَه يستقل بمُخالعة زوجته؛ لأنه يَسْتَقِل بالطلاق مَجَّاناً ولا حَجْرَ عليه في قَدْر العوض ، وَالمحجور عليها بالسفه إذا اختلعت على مال لم يَثْبُت المال للحَجْر وَإن إذِنَ الوَلي؛ إذ ليسَ للوَلي أن يصرف مالها إلاّ إلى محَل ضرورتها، وَهذا وإن كان من الأوطار والأغراض (ولكنه)  مُستغني عنه ، وَلذلك لا يختلع [وَليُ]  الصبية بمالهَا في ظاهر المذهب إلا إذا رأينا لهُ العفو عن الصَداق ونزلنا العفو المقترن منزلة العفو المتراخي، وهو بعيد ، ثم إذا لم يثبت المال وقع الطلاق رجعياً؛ لأن الطلاق لا سبيل إلى رَدِّه بعد تمام الايقاع، وَلكن يتوقف على قبولها لأمر يتعلق بالصيغة  نبَّهنا عليه من قبل ، ثم حقُّ المرأة إذا اختلعت من المحجُور عليه أن لا تُسَلِّم المال إليه، فإن  سَلَّمت إليه لم تبرأ كما لا تسلم الأموَال  إلى الصبيان بل تسلمه إلى القَيِّم فإن  سلمت إليه بإذن القيّم ففيه تردد \rالرابعة: المريض يخالع بما شاء كالمحجُور عليه وَالعبد ، وَالمريضَة إذا اختلعت بمهر المثل فما دونه لم يحتسب  من الثلث ، وَقال أبُو حنيفة: يحتسب  من الثلث؛ لأن البضع لا قيمة له في الخروج عن الملك عندُه ، ونحن نرى له قيمة ، فإن قيل فلم جعلتموه من المُكاتبة تبرعاً فإن كان تبرعا فليحسب من ثلثها\rقلنا: ليسَ تبرُّعاً ولكنهُ صَرف مال إلى وَطر من الأوطار تستغني  عنهُ ، وللمريض أن يصرف جميع أموَاله في لذائذ العيش فإنه لو نكح أبكاراً بمهُور أمثالهن  ولا حاجة [به]  إليهن لم يحسُبَ من الثلث، وَمثل ذلك لا يصح من المُكاتب فلاحَ وَجهُ الفرق ","part":1,"page":16},{"id":1303,"text":"الخامسةُ: المختلعة في العدة لا يلحقها الطلاق ، ولا يصح اختلاعها ثانياً ، وقال أبُو حنيفة: يلحقها الطلاق، ولا يصح اختلاعها ، والمُرتَدَّة إذا اختلعت (توقفت إلى)  العود إلى الإسلام، فإن عادت تثبت  الصحة وإلا تبينا البطلان، وَله التفات على وقف العقود \rأمَّا الرجعية إذا اختلعت ففيه قولان: أصحهما الجواز لقيام النكاح ، والثاني: المنع، لتنَجُّز التحريم ؛ وَلذلك  نقُول: لو وَطئها الزوج قبل الرجعة التزم المهر، ثم إذا لم يصح الخلع وقبلت وقع الطلاق رَجعياً كما في السفيهة، وذكر الشيخ أبو علي وَجهاً أنه يصح اختلاعها بالطلقة الثالثة، وَلا يصح بالثانية، وَهو بعيد \rالسادسَةُ: إذا طلقها بدينار على أن له الرجعة ففي المسألة قولان:\rأحدهما: نقله المزني: وَهوَ أن العوض يسقط، والرجعة تثبت  ؛ لأن الجمع محال، والرجعة تثبت من غير إثبات، والمال يحتاج إلى إثبات، وقد ضم إليه ما يناقضه (فيقَدّم)  ثبوت الرجعة ، وَالقول الثاني وَهو مذهب أبي حنيفة ، واختيار المزني ، وَهو الذي نقله الربيع وَلم يصحح في النقل غيره، وَهو القياسُ الواضح أن البينونة تحصُل، ويفسُد  العوض لاقتران الشرط الفاسِد به، ويرجع الزوج إلى مَهر المثل؛ لأن البينونة غالبة، وَشرط الرجعة بالإفساد أولى من مُدَافعة البينونة بالشرائط  وَاستشهَد المزني على (اختياره)  هذا بمسائل:","part":1,"page":17},{"id":1304,"text":"إحداها: أن الشافعي قال: إذا خالع زوجته بطلاق على مال، وَقال: مهما بدالك أن تستَردِّي العوض فاسترديه وَلي الرجعَة فالطلاق يقع بائناً، وَالرجُوع إلى مَهر المثل ، وكذلكَ إذا قال: اعتق عبدَك عني على ألف [والولاء لك فأعتق]  نفذ العتق، وَفسدَ الشرط والولاء للمُستَدعي، فقال أصحابنا: أما المسألة [الأوُّلى]  فنصَّ الشافعي فيه جَوابٌ على أحد القولين، وإلا فلابد من طردِ هذا الخلاف ، ومنهم من فرق فقال: نَجَّز  البينونة، وَلكن رَام استِدرَاكاً بعدَه فلم يثبت، وَفي مسألتنا ضم إلى البينونة ما (يُضادها) ، وَأما  مسألة الولاء (قالوا: نطرد فيه هذا الخلاف)  أيضاً، وَلكن إذا جعلنا للشرط أثراً دَرَأنا العتق عن المُستَدعي، وَلم ندرأهُ في أصله؛ إذ تنفيذه على المعتق المالك مُمكن \rالسابعة: إذا خاطبَ الصبيَّة، وقال: خالعتك على ألف فقالت: قبلت فالمذهبُ أنه لا يقع الطلاق  بخلاف السفيهة فإنها ليست من أهل القبول، وإن تساويَا  في سقوط أَهليَّة الالتزام ، وَمنهم من بنى على أنه لو قال لها: أنت طالق إن شئت، فهل يقع الطلاق إذا قالت: شئت وزعمَ أن الالتزام ساقط في السفيهة  أيضاً فيقع الطلاق رَجعيا وَيكون قبولها كمشيئتها \rالثامنة: لو خالعها على أن ترضع وَلده حَولين صح كما يجوز الاستئجار ،\rوَلو ضَمَّ إليه الحضانة فكمثل ، وَلو ضَمَّ إليه نفقة عشر سنين، فإن كانت النفقة مجهولة فسدَ العوض ، وإن (كانت معلومة)  بالمقدار وَكذا  الكسوة فينظر إلى جنسه، فإن كان مما لا يصح السلم فيه فلا يجوز، وَإن صح السَلم فيه","part":1,"page":18},{"id":1305,"text":"ابتنى على الجمع بين صفقتين مختلفين إن صححنا هما فلا كلام ، وَإن أفسدنا فالرجوع إلى مهر المثل، (أو إلى)  بدل هذه الأشياء المختلفة فعلى قولين  إلا إذا فسَد للجهالة  فيتعيَّن الرجُوع إلى مَهر المثل ، ومن أصحابنا من قال: يَرجع إلى مهر المثل، لأنا لو جوزنا الرجُوع إلى إبدال مختلفات لأثبتنا الإبدَال المختلفة، وَمن أصحابنا من قال: إن  لم نجَوِّز الجمع بين صفقتين مختلفتين فهاهنا يصحّ؛ لأن النفقة غير مقصُودة فهي في حُكم التابع \rالتفريع: إن قلنا: لا يصح فالرجُوع إلى البدَل على ما سبق، وَإن  قلنا: يصح فإن عاش الوَلد حتى استوفى فذاك، ثم إن كان زهيداً  فالزيادة للزوج، وإن كان رَغيباً  فالزيادَة على الزوج ، وإن مات نُظِر فإن مات بعدَ الحولين فقد تمَّ عقد الإجارَة، وَاستوفى  الزوج النفقة ، وَهل تحل لها  فعلى وَجهين الأصح أنه لا تحل ، وَمن قال: تحل علل بأن سبب (التأخير تأخير)  الحاجة وقد ارتفعت الحاجةُ الآن في  الدين ، وَإن مات قبل مضيّ شيء من الحولين على القرب بالخلع فهل ينفسخ العقدَ في (الجولين) ، يبتني على [أن]  إبدال هذا الصبي بصبي آخر [هل يجوز] ، وفيه خلاف مذكور في نظائرها   من الإجارة فيه إذا استأجر  لخياطة ثوب وتلف الثوب فأبدَله ، وَإن  كان ذلك وَلده منها فهاهنا أولى بمنع الإبدَال لما يتطرق إليه من التفاوُت في الاعتياد، فإذا قلنا: يمتنع الإبدال وَالفسخ في الإرضاع فاستيفاء النفقة مُمكن، وَهل  ينفسخ في النفقةِ على  قولي تفريق الصفقة ، وَإن ماتَ في خلال الحَولين، وَقلنا: ينفسخُ فيما بقي وَفي النفقة فهل ينفسخ فيما\rمضى فعلى وَجهين، والأصح أنه لا ينفسخ لاتصال القبض به ، وَكذا الخلاف فيما إذا قبض أحدَ العبدين المبيعين وتلف الذي لم يقبض فهل  ينفسخ في المقبُوض","part":1,"page":19},{"id":1306,"text":"على  تفريق الصفقة وَجهان ، هذا تمامُ هذه المسألة، وَليست من خصائص الخلع، وَلكن تشتبكُ فيها الأصُول، فمن أحسن التفريع لم يَخْفَ عليهِ مأخذ الكلام\rالتاسعَة: في خلع الوكيل وهو صحيح إذا كان ممن تصحّ عبارته في الخلع على الجملة فيصح توكيل الذمي، وَالعبد والمحجُور، وَكل من صحت عبارته، وَجرى  ذلك في طرفي الخلع والاختلاع ، نعم اختلفوا في أن المرأة  هَل تتوكَّل في الخلع مَع القطع بأنها تتوكَّلُ في الاختلاع فإن لها أهلية الاختلاع بل هي الأصل ، وَالصحيح أن توكيلها بالخلع صحيح ، وَلذلك لو  قال الرجل لزَوجته: طلقي نفسَكِ فطلقت صح ، وَمنهم من قال: لا يصح؛ لأنه لا يتصور منها أهليّة الطلاق ، فأمَّا  قول الرجل لزوجته طَلِّقي نفسَك ففيه خلافٌ في أنه تمليك أو توكيل، وهذا الوجه ضعيف؛ لأنه إن كان (تمليك)  فهذا أدَلُّ على جَواز التوكيل إذ يتصور منهَا ملكُ الطلاق بالتمليك ، وَاختلفوا أيضاً في [أن]  الوكيل  من الجانبين في الخلع هل يتولى الطرفين فمنهم: من منعَ كما في البيع وَالإجارَة ، وقال: ذلك من خواصّ سلطنة الأب وَالجد ، وَمنهم من جَوَّز ؛ لأن الخلع يحتملُ فيه الاكتفاء باللفظ من أحَد الجانبين فإنه لو قال: إن أعطيتني  ألفاً فأنت طالق فإذا أعطته وقعَ الطلاق على مال، وهذا  له حُكم الخلع، وَليسَ منها قبُولٌ لفظيٌّ فلا بُعد في أن (يُحتمل هذا في التوكيل)  ، ثم إذا (جوزنا هل)  يكتفى بأحَد الشقّين فيه من الخلاف [ما] \rفي الأب \rالعاشرة: مخالفة الوكيل ومُوافقته، ونتكلم أوّلاً: في وكيل الزوج، ونقولُ: إن وكَّل بالمخالعة على مقدار معلوم فزاد أو وافق صح، وَإن نقصَ فالمذهب المبتوت أن الخلع لا ينفذ؛ لأنه تعاطى ما لم يتناوَله الإذن ، وفيه تخريج  كما سنذكره ","part":1,"page":20},{"id":1307,"text":"وَأما الوكيلُ المطلقُ بالمخالعة  إن خالع على مَهر المثل أو زادَ نفذ ، وإن نقص عن مهر المثل فالمنصُوصُ في الإملاء أن الطلاق وَاقع، وفيه تخريج من الوكيل بالمقدار أنه لا يقع الطلاق؛ لأن المطلق يترك على العرف كما في البيع ، وَفي الوكيل بمقدار معَيَّن تخريج أنه ينفذُ من هذه المسألة، وَهو بعيد، ووجهُ النَصّ هاهنا أن الإذن معلق فيتناوَل بإطلاقِه الطلاق على مال، وَالبياعات تحمل على العادات، ويترك فيها العمُوم لكثرة وقوعها، وأمَّا هاهنا يُتعلّق بعموم اللفظ، وَهذا أيضاً ضعيف، نعم كان يحتمل أن يقال: هذا الإذن المطلق هل يقتضي مالاً أصلاً كما إذا قال الرجل خالعتك فقالت: اختلعتُ، وَلم يتعَرضا  للمال فلا يثبت المال على وجه بمجَرّد لفظ الخلع فإذا صدر من الموكل  احتمل ذلك، ولكن لا قائل به، وَالفرقُ بيّنٌ لمن تأمَّله \rالتفريع: أن فرَّعنا على التخريج، وَهوَ أن الطلاق غير وَاقع لغا لفظ الوكيل ، وإن فرَّعنا على  النَّصّ فقد نقل الشيخ أبو علي قولين:\rأحدهما: أن الزوج بالخيار إن رَضيَ بذلك وَقعت البينُونَة، وَإن لم يرض بالمسَمَّى اندَفع المال، وَبقيَ الطلاق رجعيّاً؛ لأنه لابد من وقوعه بمُطلق الإذن، وَالمال في حُكم المنفصل عنه، وَلم يُوافق  الوكيل فيه فله رَدَّه ","part":1,"page":21},{"id":1308,"text":"والثاني: أنه يتخير [إن شاء]  فإن أجاز نفذ بالمُسمَّى، [وَإن رَد اندفع الطلاق، وهذا يَكادُ أن يكون قولاً بوقفِ الطلاق، ويُمكن أن يقال: يحتمل ذلكَ في الطلاق؛ لأنه يقبل التعليق بالإغرار بخلاف]  البيع، وَلكن يلزم عليه أن يقف طلاق الفضولي على إجازة الزوج، وإن كان لا يقف بيعه ولا وجه لذلكَ، والمُمكنُ في قطع هذا القول عن الوقف أن الطلاق وقع من غير وقف لكنهُ منُوط بعوَضٍ قابل للرَدِّ فإذا رد العوض انعَطف الردّ على الطلاق، وَهذا   أيضاً بعيدٌ، وكذا القولُ الأوّلُ في رَدّ العوض، وبقاء الطلاق رَجعياً، وَهذا الترتيب لم (يرهُ إلاّ الشيخ)  أبو علي ، وَأما جمهور الأصحاب نقلوا (وَجهين على قول)  آخر:\rأحدهُما: أنه (وقعت)  البينونة، وَفسد العوض فالرجوع إلى مَهر المثل \rوَالثاني: أنه يخيّر بين أن يَرضى بالمُسمَّى، وبين أن يُطالب بمهر المثل، وهذا قريب، وَالقياسُ أن لا يقع الطلاق أصلاً كما في الوكيل بمقدار معين ","part":1,"page":22},{"id":1309,"text":"أمَّا وكيل المرأة بالاختلاع (نظر، فإن وَكلت)  بالاختلاع بمائة معيَّنة فنقصَ الوكيل أو وَافق نفذ ، وإن اختلع بمائتين [نُظر]  فإن أضاف الخلع إلى مَالها، وقال: اختلعت بمائتين من مالها فالمنصُوص عليه في الكتب الجديدة وَالقديمَة أن الخلع وَاقع، وَالبينُونة حاصلة ، ومذهب المزني أن البينونة ساقطة؛ لأن الوكيلَ لم يأت بما أمِر به في القبول وَكأن  لا قبُول ، وَهذا هو القياسُ ، وَلم يجعلهُ أحد  من الأصحاب تخريجاً منه ملحقاً بالمذهب؛ لأنه لم يُبدِهِ في صيغة التخريج  ، وَتوجيه النَصّ أن العوضَ ليسَ رُكنا في الخلع، وَلو خالع على خمر وقبلت المرأةُ وقعت البينونة باعتبار قبولها مع أن الخمر لا سبيل إلى قُبولها  شرعاً، والخلل في مسألتنا في العوض، وإلا فهو ممتثل في قبول الخلع، وذَاكِر من العوض ما ذَكَرَتْه، وزائد عليه زيادة فاسدة؛ فلا يزيد ذلك على فساد الأصل هذا هو الممكن في التوجيه ، ثم إذا حَصَّلْنا البينُونة على مُوجب النصُوص فلا خلاف في أن الوكيل لا  يلتزم شيئاً؛ لأنه أضاف إلى مالها مُصَرِّحاً به ، وَما الذي يلزمُ المرأة فيه قولان: الظاهر، وهو القياسُ أن الرجوعَ إلى مهر المثل للفساد ، ولا نظر في هذا القول إلى تفصيل أصلاً ","part":1,"page":23},{"id":1310,"text":"والثاني: أنها تغرَم أكثر الأمرَين مما سَمَّتْهُ، أو مَهر المثل إن لم يَزِد مهرُ المثل على ما سَمَّاهُ الوكيل ، وَبيانه أنها إذا سَمَّت مائة، وسَمّى الوكيل مائتين فإن كان مهر [المثل]  مائة وَخمسين فعليها المائة وَالخَمسُون؛ لأنه فات حق الزوج فلابُدّ  من مأخذ لِبَدلهِ، وَأقربُ شيء فيه القيمة، وَقيمةُ البضع لم يلزم  المرأة ما فَوْقَها ولا رضي الرجل بما دونها، وَإن كان مهرُ المثل ثلاثمائة فعليها ما سمَّاه الوكيل مائتان؛ لأن الزوج رَضي بهذا القدر فكما (تُؤَاخذه)  المرأة بالزيادَة إذا رَضيت في التسميَّة، فيُؤاخَذ الزوج بالنقصان إذا رضي به في التسمية؛ ولأن  هذا القائل يقول: لا يخرج  القول بفساد التسمية من الوكيل لوافقنَا  مذهَب المزني، وَللزِمَ (بطلاق قبولهِ) [ولكن نقول: إن وافقت مهر المثل أو نَقَصت فهو الثابت، وإن زَادَت على مهر المثل فقد اشتمل على ما سمته المرأة وزيادة فما سمته المرأة لابد من ثبوته وإن كان لا يتم به مهر المثل، ولابدَّ من التتمَّة أيضاً، وكأن  هذا القائل يقول: لو أفسدنا التسمية من الوكيل بالكلية لوقعنا في]  ، فأما إذا أطلق الوكيلُ الاختلاع وَقال: أخلعها  بمأتين، وَلم يضف إلى مالها وَلا إلى مال نفسه، فلا خفاء بحصُول البينونة على المذهب كما في الصورة الأولى، وَلكن الوكيل يتعرّض لغرمِه  في هذهِ الصورَة، وَالمرأة لا تخرج من البين بالكليَّة، ولكن فيما يجبُ عليها [قولان: أحدهما: أن الواجب عليها]  أكثر الأمرين من مَهر المثل أو ما سَمَّت فإن بقي إلى ما سماه الوكيل بعد ما غرمت الأكثر شيء فهوَ على الوكيل ، وبيَانهُ أنهَا إذا سَمَّت مائة وَسَمَّي الوكيل مائتين، وَكان  مهر المثل مائتين فعليها تمام المائتين، ولا شيء على الوكيل، وَإن كان مهر المثل مائة وخمسين فعليها ذلك، وَعلى الوكيل خمسون، وإن كان مهر المثل تسعين فعليها المائة التي سَمّت،","part":1,"page":24},{"id":1311,"text":"وَعلى الوكيل المائة تتمَّه المائتين؛ وتوجيه هذا أن الخلع لم يقع عن  الوكيل بل وقع عنها على مُوجب مذهب الشافعي؛ إذ لم تفسد التسمية [بخلاف ما]  في صورَة الإضافة فإذا تعلق بها دَار الأمرُ عليها بين مهر المثل وبين ما سمَّته \rوَالقولُ الثاني: أن الواجبُ عليها ما سَمّته أبداً، والزيادَةُ على الوكيل أبداً؛ لأن التسمية منهُ  (صحيحة) ، إذ لو استقل بالالتزام لصح فليسَ عليها إلا ما سَمّت، وَهذا هو الأقيَس ، وقياسُ مذهب المزني انْصِراف الخُلْع عن المرأة ووقوعه عن الوكيل ؛ إذ لم يُصَرِّح بالإضافَة إلى المرأةِ حتى (يفسد)  فليقَع عنه كالوكيل بالشراء إذا [زاد فإنه لو]  أضاف إلى الموكل فسَد، وَإن  أطلق وَقعَ  عنه، وَسِرُّ القولِ الأخير أن الزيادَة من الوكيل افتداء منه، وَلو افتدَى [بالكل أو افتدى]  بالبعض مُصَرِّحاً بهِ جاز، فمطلقه ينزل عليه ، فأمّا إذا أضاف الوكيل إلى مال نفسه [في]  الاختلاع فلا خفاء في صحّة  الخلع، وثبوت المُسمّى عليه وبراءة الزوجة من جملة المسمى ، وَلو أضاف إليها وضَمِن قال الصيدلاني: فيما حَكاه الإمام: حُكمه حُكم المطلق ، وَهذا هفوة؛ إذ التسميةُ إذا فسدَت فالضمان لا يغير حُكمه، بل حُكمه حُكم المضاف إليهَا إلا في مُطالبته بما يُطالبَ به  لأجل الضمان ، هذا كله إذا كانت قَيّدت (للوكيل مقدَار) ، فإن أطلقت فقد قطع الأصحاب بأن مَهر المثل في المطلق في حُكم المقيَّد به حتى يجري التفصيل الذي ذكرناهُ في الزيادَة، وَالنقصان، وَالإضافة، وَعدمها ، هذا كله في مخالفة  الوكيل في المقدَار، فلو خالفَ في الجنس بأن وَكلت بالاختلاع بالدراهم فاختلع بالدنانير، قال القاضي: انصرف الخلع عنها؛ لأنها مُخَالفة  من كل وَجه  ثم ينظر ، فإن أضافَ إليها لغى الخلع، وَإن أطلق وقع عن  الوكيل ، وَهذا يكاد يُؤكِّد مذهبَ المزني، فإن الإذنَ  في","part":1,"page":25},{"id":1312,"text":"القبول [عام] ، وَهذا فسادٌ في العوض ، وَالمُمكن في الفرق أن الوكيل إذا زاد في القَدْر فقد أتى بما أُمِر وزاد، فإن الزيادَة لا تدرأ أصلَ المُسمَّى بل في الجملة المُسمّىَ، وَالزيادَة بخلاف المخالف في الجنس، هذا تمام الغرض في بيان ما يصح من الخلع، وما يرد ، أما لفساد في العوض، أو لقصور في متعاطي العقد، أو لمخالفة بعد الاستناد إلى الإذن، وبقيّة مسائل الباب تدور على التماس الطلاق منها، أو التماس العوض منه، أو السؤال من أجنبي فسبيلُنا  أن نعقد في كل قسم باباً، ونقُصُّ عليها المسائل \r\rالبابُ الثالثُ\rفي الصفات التي يستعملها الزوج في الخلع مبتدئاً بها،\rوما يستحقُه من العوض وأحكامه\rوفيه فُصُول:\rالفَصْل  الأوّلُ: في الصفات  التي يستعملها\rالزوج إذا ابتدأ بالكلام","part":1,"page":26},{"id":1313,"text":"ونقول فيه: إذا قال أنتِ طالق على ألف، أو طَلَّقتك على ألف اقتضى هذا قبولها  في المجلس، وَليسَ عليها ذكر الألف بعدَ أن قالت: قبلتُ، وَهو كما لو قال بعتُك بألف، فقال: اشتريت كفى ذلك ، وَلو قال: أن أدَّيتِ إليَّ ألفاً، أو أعطيتني ألفاً، فهذا لا يقتضي قبولاً، وقد قدمنا ذلكَ في الباب الأول ، وَلو قال: أنتِ طالق وَلي عليك ألف، قال الشافعي: وقع الطلاق رَجعياً كما إذا قال: أنتِ طالق وعليك حج ؛ لأن هذا صيغة إخبار لا صيغة إلزام  وَمعَاوَضة، وَقوله: أنتِ طالق مستقلٌ، وَما يجري بعدَهُ لا يؤثر فيهِ إذا لم يَكُن على صيغة الإلزام  ، وَلو قال: أردتُ به ما يريدهُ القائل بقوله: أنت طالق على ألف، قال الأصحاب: لا يقبل ، قال الإمام: وقد وجدتُ تردُداً للأصحاب في أنهما لو توافقا على أنه أرادَ به ذلك، فمنهمُ من قال: لا أثر للتوافق والطلاق الرجعي هوَ الواقع؛ لأن اللفظ لا يصلح للتعليق وَالمعاوضة ، ومنهم من قال: [هذا]  لا يتقاصر عن الكنايات وإذا  تطابقا على إرادَة ذلك قُبل ، وَيتفَرّع على هذا أنه إذا ادعى ذلك وَأنكرت المرأة فله أن يحلفها على نفي العلم، وَإن فرَّعنا على الأوّل فلا معنى للتحليف إذ لا حُكم للتوافق ، فأمَّا إذا قال: أنتِ طالق على أن لي عليك ألفاً، قال صاحبُ التلخيص: هذا شرطٌ والصيغةُ مشعَرةٌ به ، فلو قال: عنيتُ أنكِ طالق إن ضمنتِ لي ألفاً قُبِل ، وَإن قال: أردتُ به الالتزامَ الناجزَ في الحال، وَهو ما يريده القائلُ بقوله: أنتِ طالق على ألف، قال صاحب التقريب: هذا لا يقبل ، وَفي كلام غيره ما يدل على القبُول ، ثم إذا فُسِّر هذا بالضمان فللتعليق بالضمان صيغتان:\rأحدهمَا: أن يقول: إن ضمنت [لي]  ألفاً فأنتِ طالق، فهذا يقتضي ضماناً في المجلس كما إذا قال: إن أعطيتني ، وقد ذكرنا سببَه ","part":1,"page":27},{"id":1314,"text":"والثانية: أن يقول متى ضمنتِ  لي ألفاً فهذا لا يستدعي الفور ، وقوله: أنتِ طالق على أن [لي]  عليك ألفاً يتردّدُ بين الصيغتين، فيحتملُ التأخير، وَيحتملُ الفور ، فأمَّا إذا قال أمرُك بيدك فطلقي نفسك إن ضمنت  لي ألفاً، فهذا صحيح، وَهو تفويض الطلاق إليها، وتفويض الطلاق إليها توكيل أو  تمليكٌ، فيه قولان، سنذكرهما في كتاب الطلاق ، وفائدتهُ أنه يختصّ نفوذ الطلاق بالمجلس على قول التمليك، وَعلى قول التوكيل  لا يختص كما في الأجنبي ","part":1,"page":28},{"id":1315,"text":"رَجعنا إلى صورة الضمان إن قضينا بأن مُجرّد التفويض يقتضي (البدار)  فهاهنا إذا ذكرنا  الضمان فلابُدّ من البدار، وإن قلنا: لا بدارَ في التفويض فالظاهر أن التقييد بالضمان يقتضي البدار  كما إذا قالَ: إن ضمنتِ لي ألفاً فأنتِ طالق ، وَمنهم من قال: التفويض إذا اقتضى التراخي استتبعَ الضمان ، ثم سبيلُهَا مهما أرادت الضمان، وَالطلاق أن تجمع بينهما فتقول: طلقتُ نفسي وَضمنتُ ألفاً، أو ضمنتُ ألفاً وطلقتُ نفسي، فإذا  جرَى اللفظان على التوالي  فوقوع الطلاق يُسَاوق لزوم الضمان فلا يتقدَّم وَلا  يتأخر، وَيكون كما إذا قالَ: أنتِ طالق إن ضمنت، فقالت: ضمنتُ، فإنهما يحصلان معاً ، فأمَّا إذا قال: أنتِ طالق إن أعطيتني ألفاً اقتضي الإعطاء على الفور، بخلاف ما إذا قال: أنتِ طالق إن دخلت الدار وَهُما  تعليقان، وَلكن قرينةُ العوضية (اقتضت)  العَوض في المجلس ، وَفي شرح التلخيص حكاية وَجه أن الإعطاء لا يختص  بالمجلس كالدخول ، وَهو بعيد ، وَلو قال: أنتِ طالق إن شئت، فهذا تعليق محضٌ ولا عوض فيه، وَلكنه لابدّ من المشيئة في المجلس؛ لأن ربط  الأمر بمشيئتها يضاهي مفاوضة المتعاوضين، وَالرجوع فيه إلى العادَة، وَنعني بالمجلس : ما يتواصل به الإيجابُ وَالقبول ، ولو قال: أنتِ طالق على ألفٍ إن شئت، فقالت: شئتُ (وقبلتُ، صح اختصّ)  ذلك بالمجلس ، وَلو اقتصرت على المشيّئة، أو على القبول، اختلف فيه الأصحابُ، وَالظاهرُ جَوازُ الاقتصار على المشيئة؛ لأنه يتضمن القبول، وَكذا القبُول يتضمن المشيئة، ثم يَبتني على هذا، أنا إذا اكتفينا بلفظِ المشيئة امتنعَ على الزوج الرجُوع؛ لأنه تعليقٌ مُجرّدٌ، وَإن شرطنا الجمع بين القبول وَالمشيئة فيحتمل التردد  بين التعليق، والمعاوضَة، وَالرُجُوعُ عن صيغة التعليق ممنوع أبداً، وعن صيغة المعاوضة، وإن كانَ في الخلع جائز أبداً وهذا دائر بينهما، ولكن","part":1,"page":29},{"id":1316,"text":"الصحيح أن مجرّد المشيّئة كافيةٌ ، ولا تفريع على الوَجه الآخر، وَهو  ضعيف ، فأمَّا إذا قالت المرأةُ: طلقني على ألف، فقال: أنتِ طالق على ألف إن شئت، فهذا يستدعي مشيئة مستأنفة، وقد خرج جوابه  عن أن يكون جواباً لكلامها ، وكذلك لو قالت: طلقني بألف، فقال: أنتِ طالق إن شئت وَلم يذكر المال، فهو كالمبتدِئ بهذا الكلام، وقد لغى أثر استدعائها \rالفصل الثاني: في أحكام المُعَطى إذا جرى التعليق عليه\rوالكلام (في طرفين) :\rأحدهما: المُطلَق: وصورته أن يقول : إن أعطيتني ألفاً فأنتِ طالق، وفيه مسائل:\rإحداها: أنه [لا]  يجبُ الإعطاء في  المجلس على المذهب، وَقد ذكرناه \rوالثانية: أنه لا يفتقر إلى قبولها باللسان، وَقد ذكرناه ؛ لأنه تعليق  بالإعطاء","part":1,"page":30},{"id":1317,"text":"الثالثة: أن المرأةَ إذا أتت بالألف، وسَلَّمت مَلَك الزوج الألف، ووقع الطلاق من غير لفظ، وَهذا يكاد يؤيد مذهب ابن  سُريج في أن المعاطاه بيعٌ ، ويُؤكِد المذهبَ في أنّ مِن التُحَفِ وَالهدايا ما يكتفى فيه بالفعل، وَوَجه الإشكال قائم، وهوَ أنه لا (التزام منها)  من قَبْلُ، وَإِنما هذا تمليكٌ قهراً بمجرَّد فِعْل فإنها مهما جاءت به ووَضعَت بين يديه فهذا إعطاء فيقعُ الطلاق ويَملِك ، وليسَ هذا كما إذا قال: أنتِ طالق على ألف، فإن ذلك يتوقف على قبولها، وَإذا قبلت كان ذلك كقبولها في المعاوضات كلها، ويكون قوله: أنتِ طالق على ألف إلزاماً، وقولها: قبلتُ التزاماً، وَأمّا هاهنا لا التزام فإنها بالخيرَة في الإعطاءَ، وَلم يَجْر منها قبول، وَلكن لما تطرَّق التعليقُ إلى أصل الخُلع غَلَب في هذا الحُكم حُكم التعليق، وَقيل: لابُدّ من الوقوع إذا أعطت، ثم لا سبيل إلى إيقاع الطلاق مجاناً، وما ذكره [لا]  يشعرُ بانتفاء العوض، وقد قصدَ بهذا  الألف عِوَضاً فلابُدّ من تمليكه وفاءً بقضيَّة التعليق ، وذكر الشيخ أبو علي وَجهاً:  أن الطلاق يقع [بالإعطاء] ، ثم يرجع بمهر المثل عليها، ويُرد الألف؛ لأن تمليك هذا من غير التزام بلفظ  بعيد ، وَهذا عوضٌ في الفقهِ، وَلكن ظاهِرُ المذهب وَهوَ المشهورُ الذي قطع به الأئمة خلافه ، ثم هذا الوجه يجري في قولهِ: أنتِ طالق إن ضمنت  لي ألفاً، فضمنت، وكان  ضمانها التزاماً ؛ لأن ذلكَ ليسَ جَواباً لإلزامِه، وَلذلكَ يُتَصَوَّر تأخرُه  عن التعليق بأن يقول: [متى]  ضمنت إلي  ألفاً فأنتِ طالق، فدَل أنه في حُكم وُجود صفة تُعَلِّق الطلاق به  كالإعطاء، فلم يَكن كالالتزام بالقبول ، فأمَّا إذا قال: إن أقبضتني ألفاً فأنتِ طالق، فإذا أقبضته ألفاً طلقت طلاقاً رجعياً؛ لأن هذا لا يُنْبِي  عن طلب الملك، وَإنما هو في حُكم صفة محضة تعلق الطلاق بها، ومنهم من","part":1,"page":31},{"id":1318,"text":"ألحق لفظ الإقباض بلفظِ الإعطاء في كل تفصيل ذكرناهُ ، وعلى هذا فيجبُ الإقباضُ على الفور، وَعلى الأول لا يجبُ البدار فيه كدخول الدار، وَغيره من الصفات \rالرابعة: في كيفيّة الإعطاء وَالوضعُ بَين يَديه  كَافٍ، وَلا يجبُ الاحتواء منهُ بالبراجم ، وَكما  وضَعتَ مَلَكَ الزوجُ قهراً (إذ لا)  سبيل إلى رَدِّه عليهَا على المذهب، وَبطل خيارُها فليسَ لها الاسترداد، وزال  مُلْكُها بتجدُّد ملكهِ، وبوقوع الطلاق، اللهم إلا أن يقول: إن قبضتُ منكِ ألفاً فعند ذلك ما لم يقبض لا يقع الطلاق وَلو  أُكره، ففيه خلاف سنذكره، وَكذلك لو أكرهتَ المرأة على الإقباض إذا ألحقنا الإقباضَ بسائر الصفات، وَلم نُقَدِّر فيه الملك، أمّا الإعطاء فهو تمليكٌ، فالإكراهُ عليه لا يفيد؛ لأنه ليسَ تمليكاً، وَلهذا نقولُ لو أعطت ألفاً من مال غيرهَا لم تطلق؛ لأن المعنِي به التمليك بخلافِ الإقباض على المذهَب الظاهر، فإنه  لا تمليكَ فيه \rالخامسة: في المقدَار: ولا شك في أنها لو نقصَت من الألف لم تطلق؛ لأن الصفة لم تتحقق، وَلو زادت وَقع الطلاق، وَلم تلزمها  الزيادَة؛ لأن الألفين تشتمل على ألف، وَليسَ هذا كما إذا قال: أنتِ طالق على ألف، فقالت: قبلتُ على ألفين، نفذ  القبول، ولا يقع الطلاق؛ لأنه قبول (يفسد) حَقُّه أن يُوافق الإيجاب من حيث الصيغة وَلا مُوافقة ، وَليسَ كذلك التعليق، فإنه يعتبر فيه الوجود الحقيقي دون الموافقة في جواب وخطاب إذ ليسَ يتعلق ذلك بخطاب ","part":1,"page":32},{"id":1319,"text":"السادسَة: إذا كان في البلد نقودٌ مختلفة، وكلها وازنة، وَهي نُقْرة  [خالصةٌ]  لا غشَّ فيها فوقوع الطلاق لا يختص في التعليق بالإعطاء بالغالب من تلكَ النقود، بل ما أعطته  مما يُسَمَّى درَاهم بعدَ أن كانت مضروبة، وكانت نقرة خالصة وَقع الطلاق ، ثم الزوج يملكُ هذا أم يُطالبهَا بالنقد الغالب للتمليك سنذكر  ذلكَ، وغرضُنَا الآن وقوع الطلاق، وَكذلك في الإقرار لا يختصُّ بالنقد الغالب بل كل ما يُسَمّى درهماً كافٍ في هذا المقام، وَأمَّا البيع بالدرَاهم مُطلقاً فيتقيد بالنقد الغالبِ، وَالفرقُ أن العُرف العام في المعاملات انتهض قرينة، واللفظ صالح للكُلِّ، وَهو متناولٌ بعمُومِه لجميع الأجناس فقرنية العرف خصَّصته ببعض المُسمَّيات به، وَأمَّا الإقرار إخبار، وتقدير عُرف في المخبَر عنه ولا يُدري جهته بعيد ، وَكذلك  التعليق بالإعطاء ليسَ مما يُعتَاد حتى يختص بالغالب، فاتبع فيه الاسم كما في البِرِّ والحنثِ ، وَلو قال: أنتِ طالق على ألف، فهذا معاملة فيجب تنزيله على  عُرفِ المعاملات، فهذا وجهُ الفرق بين الإقرار وَالتعليق، وبين المُعاملات ","part":1,"page":33},{"id":1320,"text":"السابعة: إذا غلبَ في البلد الدرّاهمُ المعدودَة الناقصة في الوزن، وَهي مع ذلك [نقرة]  خالصة، فلفظ المقِرِّ، ولَفظ المعلِّق ينزّل على الدَّراهم الوازنة ، وَلكن المُقِرّ لو فَسَّر قوله به، وقال: أردتُ الدرَاهمَ الناقصةَ المعدودة [هل يقبل]  فعلى وَجهين ذكرناهُما في الأقارير ، قال أصحابنا: هذا الخلاف أيضاً يجري في التعليق بالإعطاء إذا  فسَّر الزوج به تَعْلِيْقه ، قال الإمام: وَهذا لا يفيد  في التعليق؛ لأنه تنقيصٌ منه، وتوسيع لوقوع الطلاق ، نعم لو كانت المعدودة  في العرف زائدة ففسّر بهَا، فهذا يضاهى تفسير المقِرِّ بالناقصة، وتفسير المعلّق بالناقصة ينبغي أن يقبل كما يقبل تفسير المقر بالزائدةِ ، فأمَّا المعاملات أعني البيع وَغيرها هل ينزِّل مُطلَقُهَا  على الناقصة نظراً إلى العرف الظاهر أنه ينزل  عليه ، وفيه وَجه أنه لا ينزل عليه مُطلقه ؛ لأن الدرَّاهم صريح في الوازنةِ، وَالصريح لا يغيَّر بالعُرف بخلاف النقود المختلفة، فإن اللفظ يشملُ  الكل بالوضع، ويصلح للآحادِ صلاحاً واحداً\rفجاز أن يُحكَّم العُرف في رَفع الاحتمال ، فأمّا أن يُحكم في تغيير الصَريح\rفكَلاَّ ولمَّا ","part":1,"page":34},{"id":1321,"text":"الثامنة: الدرَاهمُ المغشوشة لا ينزل عليها لفظ المُقِرِّ وَلا لفظ المُعَلِّق؛ لأنها ناقصة وَالنُحَاسُ لا يتناوَله اسم الدرَاهم ، فامتزاجها  بالنقرة لا يقلب  جنسها فحكمها في المعاملات، والإقرار، والتعليق حُكم الدَّراهم الناقصَة في الإطلاق، والتفسير على التفصيل الذي ذكرناهُ ، نعم يتجَدّد أمرٌ في المغشُوشةِ، (وَهو)  أنها إن لم تكن جارية في المعاملات عرفاً فلا يجوز التعامل عليها، إذا كان مقدار النُقْرة (مجهولا)  لا في الذمة، ولا عندَ الإشارَة، وَالإشارَة (إليها)  كالإشارَة إلى تراب المعدن ، وَإن كانت جارية في العُرف غالباً ففيه وَجهان ذكرناهما في البياعات ، فإن قيل: إذا فرعتم على قبول التفسير بالمغشوشةِ وَالناقصة في الإقرار وَالتعليق فتحكمُون  بالظاهرِ أم تراجعُونه فيما أرادَهُ قلنا: يحتمل أن يقال [يراجع؛ لأنه محتمل، فيحتمل أن يقال:] : ينزّل على موجب الاسم، فإن أنشأ تفسيراً فنقبله ","part":1,"page":35},{"id":1322,"text":"فرع: مهما أتت المرأة بالدرَاهم الوازنة الخالصة، وكان ذلكَ هو الغالبُ في العرف وسَلَّمَت طَلُقَت، وَملك الزوج ، وَلو كان الغالب غير الذي  أتت به، وَلكن لم  يُخَصّص حُكمُ التَّعْلِيق بالغالب، (وَالتمليك عليهما)  من حُكم المعاملة، (وَحُكمه أن)  يخصَّص بالعادة، قال الأصحاب: يقع الطلاق، ثم الزوج يَرُدُّ ذلك، ويرجع إلى ما يغلب في البلدِ؛ لأن التمليك من حُكم المعاوضة، ووقوع الطلاق من حُكم التعليق ، وَهذا فيه إشكال من حيثُ [إن]  ما أتى به إن كان هو الذي تناوَله الوصف فهو الذي قصَدَ تملكه [وإن لم يكن هو الذي قصد تملكه]  فينبغي أن لا يقع الطلاق به؛ لأن التمليك مضمر في الإعطاء، وَهما في هذا المقام شيء واحد ، وقد قال الشافعي: لو كان الألف من النقرة (الذي جاءت به)  (مُعيناً)  وقع الطلاق للاسم، وَلكنه يَرجع عليها بِنُقْرةٍ سليمة من العيب، وَلم يرجع إلى النقدِ ، وَهذا أيضاً لا يدفع الإشكال (فإن)  فيه قَطْع التمليك عن الإعطاء، وَعندَ هذا يتوجه  الذي ذكره الشيخ أبو علي في أنه يقع الطلاق بالإعطاء، ويرجع إلى مهر المثل؛ لأنه إذا انقطع اللزوم وَالتمليك عن التعليق فما ذكرَه أولى ، وَلكن المذهب ما نقلناه ، وعلى مساق المذهب نقول: لا يقع الطلاق إلا بألفٍ من النقرة الخالصة ، ثم تُسْتَرد (وَتُسلِّم إليه)  ألف درهمٍ مغشوشة إذا كانت هي الغالبة ","part":1,"page":36},{"id":1323,"text":"التاسعة: إذا قال: إن أعطيتني عبداً فأنتِ طالق، فأتت بِعَبْد وسَلَّمَت وقع الطلاق، لوجُود الاسم وَلم يَمْلِك؛ لأنه مجهُول، والتمليك هاهُنَا بحكم المُعاوضة فيُرده  ويرجع إلى مهر المثل قولاً واحداً؛ لأن التعَذُّر من جهة الجهالةِ، ثم لا يُفرَق في وقوع الطلاق بين أن يَكُون العبدُ معيباً، أو سليماً؛ إذ الاسم شاملٌ، ولسناً نُملِكُه العبد عن جهة المعاوضة حتى تعتبر سلامته؛ لأنه مجهُول ، فأمّا إذا أتت بعبد مغصُوب، وَأعطته ففي وقوع الطلاق وَجهان:\rأحدُهما: أنه يقع لجريان الاسم فإنا لسنا نُمَلِّكه العبد حتى نشترط ملكها، وَالعبدُ  وإن كان ملكاً لها فيُستردَ  \rوالثاني: أنه لا يقع الطلاق؛ لأن اسم الإعطاء إنما ينطلق على ما يتصوّر إبقاؤه وتمليكه، فأما ما لا يتصور فلا يُسمّى إعطاء، وهوَ  كما لو أعطته حُراً لا يقع الطلاق؛ لأنه لا يُسمّى إعطاء  والوَجه  الأوَّل أليقُ بفقه الخلع\rالتفريع: إن شرطنا الملكَ، فلو قال: إن أعطيتني خمراً فأنتِ طالق، فجاءت بخمرة محترمة مغصوبة، ذكر القاضي هاهنا تردداً؛ إذ الملكُ غير متَصوّر في الخَمر ، وَالإعطاء بطريق التمليك غير مُمكن أصلاً فيه، وَيحتمل أن يقال: الاختصاص بالخمر يشِير إلى [أن]  إمكان الإعطاء كالملكِ \rفأمّا إذا عَيَّن العبد، وقال: إن أعطيتني هذا العبد وقع الطلاق بإعطائه ومَلكَ؛ لأنه معلوم فإن وَجد به عيباً فله الرد بالعيب، وَالرجوع إلى بدَل الخلع ، وإن خرج مستحقاً فهل نتبيَّن أن الطلاق لم يقع وجهان:\rأحدهما: وهو اختيار ابن  أبي هريرة أن الطلاق غير وَاقع؛ لأنه محمُول  على التمليك وَلم يجز التمليك \rوالثاني: أنه يقع الطلاق، وَهو الذي أختاره القاضي؛ لأن الإعطاء قد جَرى فإن تَعَذّر التمليك فنحنُ قد نُوقعَ الطلاق، وننقُل التمليك إلى بَدل فيقعُ الطلاق بائناً ، وَالرجُوع إلى القيمة أو مهر المثل فعلى قولين ","part":1,"page":37},{"id":1324,"text":"وإن قال: إن أعطيتني هذا العبد المغصوبَ فأعطته، فيه وَجهان مُرتبان، وهو  أولى بوقوع الطلاق؛ لأنه إذا صرح بالغصب (دَل على)  أنه [قد]  قنع بإعطائه من غير تمليك ، ووجهُ المصير إلى أنه لا يقع أن إضافة التمليك إليه محال، فقد علق الطلاق على محال، إذ الإعطاء هو التمليكُ فهو كما لو قال: إن صَلَّيتِ مُحدثة أو بعتِ الخمر فأنت طالق، فلا يقع الطلاق (بجريان)  صورة البيع والصلاة ، وَالمزني يخالفُ في هذه المسألة؛ فإنه يحصل الحنث بمثل ذلكَ ، ثم إذا صححنا فالظاهر أن الطلاق بائنٌ، وَأن الرجوع إلى مهر المثل قولاً واحداً؛ لفسادِ الصيغة ، وقد ذكرنا نظيره في كتاب الصداق عند التفريع على قولي ضمان اليد وَالعقد ، وَذكر القاضي في بعض أجوبته أن الطلاق يقع رَجعياً، وطردَ هذا فيما إذا قال إن أعطيتني خمراً أو خنزيراً؛ لأن قصدَه في طلب العوض في هذه المواضع فاسد فتمحّض التعليق، وَهذا (متّجه) ،\rوَلكنهُ بعيدٌ \rوَلو قال: إن أعطيتني ميتةً كان كما لو قال: إن أعطيتني خمراً؛ لأنه يقصد الميتة لطعمة الكلاب، وَالجوارح وينتفع (بها)  في مواضع  الضرورة، وربما يعتقده بعض أهل الملكِ مالاً \rولو قال: إن أعطيتني هذا الحُر فالصيغة فاسدة؛ إذ التمليك في الحُرّ محال، والإعطاء للتمليك وَلكن إن قضينا به فالأظهر وقوع الطلاق رَجعياً، وَمنهم من أثبت البينونة وَالمال فردّ  النظر إلى بدله ، هذا تمامُ العَرْض \rالطرفُ الثاني: في المقيَّد، ولا يخفى حكمه في التعليق ، فإذا قَيَّدَ المُسَلَّم بصفةٍ مثل (أن يقول) : إن أعطيتني ثوباً مَرْويّاً  فأنت طالق، وَقعَ الطلاق إذا كان المُسلَّم مَرَوياً، فإن لم يَكن مروياً لم يقع، وَكذلك كل وَصفٍ يذكر فلا بد من وُجُوده حتى يقع الطلاق به، ثم إذا وُجدت الصفات وقع الطلاق وحصل الملكُ ","part":1,"page":38},{"id":1325,"text":"فَأمَّا إذا عَيَّن وقال : إن أعطيتني [هذا الثوب وَهو مَرَويٌّ وكان هَرَوِيّاً  لم يقع الطلاق؛ لأنه شرط فيه وَصفاً  وَإن قال: إن أعطيني]  هذا الثوب المَرْويّ، فقد تردَّد القاضي في هذه الصيغة، وقال: يحتملُ أن يكون شرطاً، ويحتمل أن يقال: ليسَ بشرط؛ لأنه صيغة وَاثق بوُجود الصفة ، وَالواثقُ لا يَشْرِط، ولكنه يخبر عن مُعتقده في\rمَعرض التعريف \rالفصل الثالثُ: في أحكام العوَض إذا جرى الخلع\rبصيغة المعاوضة\rوَالكلامُ  في أطرافٍ:\rالطرف الأول: في العوض الصحيح، وَهُو كل عوض معلوم يصح استحقاقه بعقد البيع في الذمة أو غيره ، وَفيه مسائل:\rإحداها: أن يكون عيناً معلوماً فيصح الإيجاب والقبول، ويجبُ تسليمُ العين، فإن تلف  قبل التسليم أو قُبِض ووجِد به  عيباً فله الرد ، ثم في الرجُوع إلى بَدله عند الردّ (أو الانفساخ)  من الخلاف ما في الصداق ، (ومَأخذ)  التردد في ضمان اليَد، وضمان العقد، وجُملة تلك التفصيلات جارية فلا نعيدها\rالثانية: إن  كان في الذمةِ فالطلاق وَاقع بمُجرّد القَبول، وَالبينونة حاصلة ، وَتسليم العوض على الوصفِ المذكور لازم، فإن قيَّدَهُ بالوصف  بالهروي فلا يلزمُه تسليم المَرْوي [فلو سلمت المروي]  فله الرد وَالمطالبة بالهروي؛ لأنه المستحق وَلو رضي بقبول (المروي) ، وَلم يكن بينهما إلا اختلاف النوع فله أن يرضى [به]  من غير عقد جديد \rالثالثة: أن يَكون الخلع على عين موصوف  مثل أن يقول: خالعتكِ على هذا الثوب المَرْويّ، أو على أنه مَرْويّ صح الخلع، ووقعت البينونة سواء وُجد الوصف أو فات، فإن تخلف الوصف في البيع لا يُبطل العوض ، فكيف يُبطله في الخلع، نعم له الرد، وَيكون ذلك [خيار خلف ، ثم]  عندَ الرد يرجعُ إلى ماذا فيخرج على القولين: أحدهما: بقيمة الموصوف بتلكَ الصفة، وَالثاني: بمهر المثل ","part":1,"page":39},{"id":1326,"text":"الرابعة: إذا خالعها على ثوب معين على  أنه مَرْوِيّ من قطن فإذا هو كِتّان فهذا اختلافُ جنس، فهل يصح العوض حَتى يجوز للزوج الاستمساك (بما)  عيَّنه إن رَضي به من غير استئناف عقد، الظاهر من المذهَب أنه لا يصح العوض، ولا يجوز الرضا به؛ لأن هذا اختلاف جنس ، (وقد ذكر)  الشيخ أبُو حامد وَجهاً أن له ذلكَ تغليباً للإشَارَة، وَهذا يداني الاختلاف فيما إذا قال: بعت منكَ هذه الرَّمَكَة فإذا هي نعجة \rالطرف الثاني: في العوض المجهُول: وَهو فاسدٌ، وَالرجُوع عند فسادِه إلى مهر المثل قولاً وَاحداً لتعذّر الرجوع إلى البَدل ، وَفيه مسائل:\rإحداها: أنه لو خالعها على عبد أو ثوب مطلقاً فقبلت وقعت البينونة، وَالرجوع إلى مهر المثل؛ للجهالة \rالثانية: أن يخالعها على ما في كَفِّها: وصححنا بيع الغائب، ورَدّ الخلع عليه، (صح)  وَإن أبطلنا فالرجُوع إلى مهر المثل؛ لأن معرفته وإن (كانت مُمكنة)  (فمستند)  الرجوع إلى القيمة الرضا بذلكَ القدر من المالية، ولا يتصوّر ذلك إلا عندَ المعرفة لدى  العقد ، وقال أبو حنيفة: إن أصابَ في يدها شيئاً فهوَ الغرض ، وَإن لم يُصِب فله ثلاثةُ دَرَاهم ، وَهذا تحكمٌ\rالثالثة: إذا خالع على ألف مؤجل  إلى الدياس  وَالحصاد [فالبينونة حاصلة، والرجوع إلى مهر المثل لفساد العوض]  ، وَقال أبو حنيفة: العوض صحيح، والأجل  ساقط \rالرابعة: إذا قالت: طلقني على شيء، فقال: أنتِ طالق على ألفٍ، قال صاحب التقريب: الرجُوع إلى مهر المثل؛ لأنهما لم يتوافقا على شيء، وَلكن هذا يتجه إذا (قصَدت)  الاستدعاء جزماً، فإن قالت: أردتُ استنطاقه بشيء حتى أَقْبَل عليه الخلع فيظهرُ أن يُقْبَل ذلكَ منهَا؛ فإن ذلكَ يجري في العادة \r[الخامسة: لو خالع نسوة على ألف ففي صحة العوض قولان ذكرناهما في مسألة من كتاب الصداق ، ومستنده جهالة التوزيع] ","part":1,"page":40},{"id":1327,"text":"الطرف الثالث: في الفساد لا عن جهةِ الجهل: وفيه مسائل:\rإحداها: أن يقول: خالعتكِ على هذا العبد [وهو حر] ، أو على هذا الثوب، وَهو مغصوب، (وقعت)  بينونة ، وَفيما يرجع به عليها قولان، كما  في النكاح \rالثانية: أن يقول: خالعتك على هذا الحر، أو على هذا المغصوب، ففي الصيغة فساد، وَفي مثل هذا في النكاح قضينا بأنه يتعيّن الرجوع إلى مهر المثل ، وذكرنا (فيه احتمالاً وَهو جارٍ)  في مسألتنا \rالثالثة: إذا خالعها على خمر وخنزير كان كالمخالعَة على مغصُوب في فساد العوض، وكيفية الرجوع \rالرابعة: لو تخالعا  على ميتة فهو كالخمر؛ لأنه يُقْصَدُ على الجملة لطُعمةِ الكلاب ، وَفي مَواقع  الضرورَات، وَتحل في بعض المِلَل اتفق عليه الأصحابُ هكذا حَكاه الإمام ، وحُكِي عن القاضي وجه أن الطلاق في الخلع على المغصوب (وَالخمر وَالخنزير)  يقع رجعياً ويسقط العوض، وهذا نوع من القياس وَلكنه مخالفٌ  نصوص الشافعي \rالخامسة: لو خالعها على الدَّم، وما لا يناط به قَصْد [بوجه] ، فالطلاق رَجعي، والعوض ساقطٌ، وَالفرقُ بيِّنٌ \rالبابُ الرابعُ\rفي سؤال المرأة الطلاق\rوفيه فصول:\rالفَصْل الأوّلُ: في الصِلات التي تستعملها ","part":1,"page":41},{"id":1328,"text":"وَهي أن تقُول: طلقني بألف أو على ألف (أو ما)  يجري مجرَاه، فإذا قال: طَلَّقْتُ على الاتصال صحّ الخلع، وَلزم المال، وَلم يجب عليه إعادةُ العوض، وَإنما الواجبُ عليه الجوابُ على الفور كما في البيع ، وَلو  قالت: متى ما طلقتني، أو إذا طلقتني، أو إن طلقتني، فلكَ ألف صحت هذه الصيغة، وَإن تضمنت  تعليقاً كما يصح مثلهَا في الجعَالةِ، وقد ذكرنا سببه في الباب الأوّل ، وَالغرضُ أن (التطليق)  ينبغي أن يكون على الفور بخلاف ما إذا قال الزوج: مهمَا  أعطيتني ألفاً فأنتِ طالق، فإن الإعطاء في [مثل]  هذه اللفظة لا يختص بالمجلس؛ لأن هذا اللفظ منه تعليق محضٌ؛ فإنه يستقل بتعليق الطلاق، وقوله: مهمَا  صريحٌ في التأخير، وَأمّا قولها : وإن كانت على صيغة التعليق فليسَ لها معنى التعليق، فإن الالتزام لا يُعلَّق، وَإنما هُو التزامٌ بحكم المُعاوَضة \rوَلو قالت: مهمَا طلقتني أو إن طلقتني فأنتَ بريءٌ من الصداق، فطلقها وقع الطلاق رجعياً ولا براءة؛ لأن تعليق البراءة غير جائز ","part":1,"page":42},{"id":1329,"text":"ولو قالت: طلقني وَلكَ عليَّ ألفٌ، فطلقَها فهذه الصيغة منها التزام عوض بخلاف ما إذا قال الزوج: أنتِ طالق وَلي عليكَ ألف؛ لأن قوله: أنتِ طالق مستقل، وقوله: وَلي عليك ألف إخْبَارٌ بعده ، وَأبو حنيفة لم يجعل هذه الصيغة من المرأة التزاماً  كما في الرجل  ووَجهُ الفرق ما أوْمَأنَا إليه، فإنها ذَكَرَت الألف تتمَّة الالتماس  فارتبط به، وقد ذَكَرَت  هذه الصيغة للالتزام بخلاف التطليق من الزوج فإنه مستقل بنفسه ، وَذكر القاضي وَجهاً مثل مذهبَ أبي حنيفة أنه لا يكون التزاماً، وهو متجه في القياس بعض الاتجاه ، وَلكنه مُخَالف نصّ  الشافعي وَما عليه الجَمهور وَلم  يطرد القاضي هذا الوجه في نظيره من الجعَالة  ، نعم اختلف أصحابنا فيما لو قالَ: بعني وَلكَ [علي]  ألف، فمنهم من ألحق بالخلع وَالجعالة، ومنهم من فرق \rفرع: لو قالت: طلقني على ألف، فقال: طلقت ، وَلم يذكر العوض، ثم قال: أردتُ به ابتداء الطلاق، وما أردتُ به جَوابها صحّ، وفائدتهُ ثبُوت الرجعة، ونفي البينونة؛ لأنه مستقل بالطلاق (وَاللفظ صالح)  للاستقلال، نعمَ إن اتهم حُلِّفَ، وَإن قصدَ الجواب، أو أطلق فهوَ محمُول على الجواب؛ لأن الاتصال يتضمّن ارتباطاً في الظاهر ، وَليسَ هذا كما إذا قال الرجل لغيره: أطلَّقْتَ زوجتك، فقال: نعم، ثم قال: ما قصدتُ جواباً لا يقبل قوله: لأن قوله نعم لا يستقل، وَكذلك المشتري إذا قال اشتريتُ، وَاقتصر عليه، وقال ما قصدتُ الجواب فيظهَر أن لا يقبل؛ لأنه غير مستقل، وقوله طلقتُ يستقل  لو لم يتقَدّم التماسها، وَفي صورَة الإطلاق  وَجهٌ بعيدٌ\rفي الطلاق \r\rالفصل الثاني: في الألفاظ الدائرَة بين الزوجين\rفي الصَرائح وَالكنايات","part":1,"page":43},{"id":1330,"text":"فنقُول: إن كان التماسُها بصريح، وجَوابها  كذلك فلا يخفى الحُكم ، وَإن كان الجاري منهما جميعاً الكناية، فإن نويا نفذ، وَإن لم ينويا لغَى، وإن نوى أحدهما نظر فإن نوت دونه لم ينفذ؛ لأن الاعتماد في تحصيل الفرقة على جانبه، وإن نوى دونها نظِر فإن  جَرى ذكر المال في التماسها، وجَوابه  جميعاً لم ينفذ؛ لأنه ربط قوله بمال، وَلم يصح منها التزام، فإن قيل: هلا وقع الطلاق رَجعيّاً كما إذا خالع السفيهة فقبلت لم  يثبت (المال) \rقلنا: لأن هذه المخالعة جرت منُوطةٌ بالتزام المال ممن يتصَوّر منها الالتزام ثم لم يصح الالتزام بخلاف السفيهة، فإن الالتزام (غير متصوَّر منها)  فلم يُفد خطابها إلا الارتباط بقبولها \rفأمَّا إذا لم يجر ذكر المال من الجانبين، وقد نوى الزوج فالظاهر وُقوع الطلاق رَجعياً، وصورته: أن تقُول أبِنيِّ فيقول : أبَنْتُك، ونوى الطلاق دونها \rفأما إذا جرى ذكر العوض من جانبه، وَلم يَجْر من جانبها لا ينفذ الخلع؛ لأنها لم تلتزم مالاً، وقد أنشأ  الزوج ما ليسَ جواباً لها؛ فإنها لم تتعَرّض للمال، وقد تعرض الزوج فهذا يستدعي قبولاً مستأنفاً والتزاماً \rفأمَّا إذا ذَكَرت   المالَ، وقالتَ: أبِنيِّ بألف، فقال: أبَنْتُكِ، ففيه وَجهان:\rأحدُهما: أنه [لا]  يقع الطلاق كما إذا أعاد  الزوج ذكر المال؛ لأن المال  يقتضي ذكر العوض، فإن ماَ جاء به على الاتصال، ولا يصح منها قبول المالِ إذا\rلم ينو الطلاق \rوَالثاني: أنه يقع وَتجعل هذه الكلمة كالمستقلة بنفسها إذا  لم يتعرض للمال، وَهذا بعيدٌ لا وجهَ له ","part":1,"page":44},{"id":1331,"text":"فأمَّا إذا جرى من أحدِهما صريحٌ ومن الآخر كنايةٌ، فالصَريحُ من أي جانبٍ وُجد فهو كالكناية مع النيّة ، وقد ذكرنا حُكمه ، هذا كله في سَائر الكنايات دون لفظ الخلع، فإن جَرى بلفظ الخلع، فيُبنيَ على أنه صَريح، أم كناية إن جعلناهُ  كناية التحق  بالكنايات وَإلاّ فيلتحق  بالصَرائح ، وَلكن إذا لم يَجْر ذِكْر العوض فقد  ذكرنا وَجهاً أن مُطلق لفظِ المخالعة يقتضي العوض فحكمه حُكم الكناية مع ذكر العوض، وقد ذكرنا هذا التفصيل في الباب الأول ، واقتضاء المطلق العوض لا يجري في لفظ البينونة وغيرها، فإن لفظ الخلع يُشْعِرُ بالعوَض ، وَلذلك قال أبو حنيفة: مهما اختلعت الزوجة برئ الزوج عن الصداق سواء كان قبل المسيس أو بعدَه تلقياً من اللفظِ ، وَمَا ذكره لا وجه له، والتردد في اقتضاء العوض  على الجُملة عند\rالإطلاق قريب \rالفصل الثَالثُ: في التماسها طلاقاً مقيداً بعدد\rوَفيه صُورٌ:\rإحداها: أن تقول: طلقني ثلاثاً بألف فيُطلقها  وَاحدة استحق عليها ثلث الألف ، بخلاف ما إذا قالَ: أنت طالق ثلاثاً بألف، فقالت: قبلتُ الواحدة بثلث الألف، لم ينفذ؛ لأن الجوابَ لم ينطبق ثَم، وَأما جانبها فمأخوذ من مأخذ الجعالة، وقد ذكرنا هذا الفرق في الباب الأول ، ثم لا فرق عندنا في هذا الحُكم بين صِلَة وَصلة، فقولها: طَلِّقني بألف، أو عَلَى ألف، أو لكَ ألف حكم الجميع وَاحد ، ووافقنا أبو حنيفة في قولها: طلقني ثلاثاً بألف، وَقال: الباء للمقابلة، فتقتضي توزيع الأبعاض عَلَى الأبعاض، وَكَلِمَةُ عَلى للشرط فلا يثبت المشروط إلا عند كمال الشرط ، وَهوَ خيال؛ لأن كلمة عَلَى تستعمل للتعويض أيضاً\rالثانيةُ : أن تقول طَلِّقني ثلاثاً على ألف، ولم يبق للزوج إلا طلقة وَاحدة، فطلَّقها تلك الطلقة، والمنصوص للشافعي أنه يستحق الألف؛ لأن غرضها البينونة الكبُرى بالألف وَقد حصل ","part":1,"page":45},{"id":1332,"text":"وَلو كان قد بقي طلقتان  فإن طلقها طلقتين استحق الألف، وَإن طلَّقها طلقة وَاحدة استحق ثلث الألف جرياً على مُوجب الحساب، إذ البينونة الكُبرى لم تحصل، هذا منصوصُ الشافعي على هذا التفصيل ، وَالمزني اختار اتباعَ الحساب، وَالتوزيع من غير نظر إلى حصولِ البينونةِ بالواحدة، وَيقول: لا يَسْتَحِق إلا ثلث الألف فالحسابُ متبعٌ في كل صورة ، وَقال أبو إسحاق المروزي: ينظر فإن كانت عالمة بأنه لم يبق إلا طلقة واحدة، فليست تبغي إلا البينونة الكُبرى فيَسْتَحِق عليهَا الألف إذا طلقها تلكَ الطلقة، وَإن كانت جاهلة فلا يستحق عليهَا إلا الثلث، فإنها لو علمَت فالظن بها أنهَا كانت لا تلتزم جميع الألف في مقابلة الواحدة، وَحاوَل تنزيل (نص الشافعي)  على هذا التفصيل ، وَهو غلط؛ إذ لا يُطابق نصّ الشافعي فيما إذا بقيت له طلقتان فمُوجب  مذهبه كما حَكيناه؛ إذ مذهبهُ أنها إن كانت عَالمة (استحق)  بالثنتين الألف كما قال الشافعي، وَلكن يستحق بالواحدة النصف، وإن كانت جاهلة (يستحق)  بالواحدَة الثلث، كما قال الشافعي، وَلكن يستحق بالثنتين الثلثين، والشافعي لم يُفَصِّل هذا التفصيل، وَأجرَاهمَا في سيَاق وَاحدٍ، فتحصَّلنَا على ثلاث طرقٍ، وَتوجيهُ النصّ النظر إلى المقصُود عندَ حصُوله، وَإلى مَسْؤلها عندَ عدم  المقصود، وَمذهبُ المزني النظر إلى مَسؤلها في الحال توزيعاً، فإنه يقول: الحُرمة الكُبرى لا تحصل بالطلقة الثالثة بمجَرّدها، بل تحصلها  بجملة الطلقات، وَلأنها وَزَّعت الألف على الثلاث فلا تغيّر صيغتها، ومذهَبُ المروزي في حالةِ الجَهل يضاهي مذهب المزني في النظر إلى مَسؤلها، وَفي حالة العلم يُخَالف مذهبه، ويخالفُ النصّ أيضاً، فإنه يجعلُ الباقي ككُل المَسؤُل، فإن بقيت طلقة فالألف مقابلة بها، وَإن بقيت طلقتان فالألفُ مقابلة بهما، وَلكل واحدة نصف الألف هذا ضبط المذهب ، وَالغرضُ يتهَذَّبُ","part":1,"page":46},{"id":1333,"text":"بالتفريع، وقد بان الحُكم على الطرق فيما إذا التمست ثلاثاً وقد بقيت وَاحدةٌ أو اثنتين \rفأمَّا إذا قالت: طلقني عشراً بألف فمقتضى النص أنه إن طلقها الثلاث استحق تمام الألف، وَكذا إذا حصلت  البينونة الكبرى بأن لم يكن بقي إلا طلقة أو طلقتان ، وَإن لم تحصل البينونة الكبرى وَطلَّقَ وَاحِدةً  استحق عليهَا عُشْر البَدل توزيعاً على المَسؤل، وَيستحق باثنتين خُمس البَدل ، وَالتفريعُ على مذهَب المزني [أيضاً]  أنه يستحق بالواحدَة العُشْر، وبالثنتين الخُمس كما قالهُ الشافعي، وَلكن\rلا فرق عنده بين أن تحصل به البينونة (بأن)  لم يكن بقي طلقة (سواه) \rأو لا تحصل، فأمَّا إذا طلقها الثلاث فالمشهور من مذهبه اتباع التوزيع، وأنه يستحق تلقائه  طرداً للقياس ، وَحكى الشيخ أبُو علي وَجهاً في التصرف على مذهبهِ بأنه وَإن رَاعَى التوزيع فيراعيهِ في العدَد الشرعي، فإذا زادَ على العَدَدِ لم يُرَاعَ وَرَدّ التوزيعَ إلى الثلاث ، وَهذا بعيد على أصله، أمَّا مذهبُ (المروزي)  في حالةِ الجَهل يُوافق مذهب المزني، وَحَاله العلم لا يُتَصَوّر في هذه المسألة؛ لأنها تعلم أن الطلاق لا يزيد على ثلاثة إلا إذا كانت حدِيثه عهد  بالإسلام، ثم إذا علمت بالألف في مقابلة المعلوم عنده  فيستحق بالواحدة الثلث، وبالثنتين ثلثا الألف، وبالثلاثة الكُلّ ، ومنهم من بنى على مذهبه، وَقال: الجَهل على أصله أيضاً إنما يقتضي التوزيع إذا لم يزد على العدَد الشرعي ، وَهذا أيضاً ضعيف على مذهبه","part":1,"page":47},{"id":1334,"text":"الصورة الثالثة: في التماسهَا أن تقول: طلقني ثلاثاً بألفٍ، وقد بقي لهُ عليها الثلاث، فقال: أنتِ طالق واحدة بألف، واثنتين بغير شيء، قالوا: وقعت الأولى بثلث الألف؛ لأنها لم ترض [إلا]  بهذا القدر فكانَ كما لو  قالت: طلقني ثلاثاً  بألف، فقال: أنتِ طالق وَاحدة بثلث الألف صح، وَالزيادة على الثلث لا يلزمها  والطلقتان الأخريان  لا تقعان؛ لأنها صارت مختلعة، وَالمختلعة لا يلحقها الطلاق، هذا ما ذكره الصيدلاني وَالقاضي وَالفورَاني  وَأئمة المذهب ، وَفيه استدرَاك ظاهرٌ ذكره الإمام ، وَهوَ أنه إذا قال: أنتِ طالق وَاحدة بألف، فليسَ كلامهُ جَواباً عَن كلامها، وَليسَ كما إذا قالت: طلقني ثلاثاً بألف، فطلقها وَاحدة بالثُلث فإنه منطبق على (كلامِها)  في البعض، أما هاهنا ما رضي الزوج في طلقته إلا بالألف فكيف ينفذ بثلث الألف وَلو قالت: طلقني وَاحدة بثلث الألف، فقال: طلقتك وَاحدة بتمام الألف لم ينفذ فعلى هذا يجب أن تقع الطلقتان، وَهما رجعيتان هذا هو القياس الحق، وَما ذكره الأصحاب ليسَ يتبين له وجهٌ معقول \rالصورة الرابعة:  أن يقول: طلقني ثلاثاً بألف، فقالَ: أنت طالق واحدة مجاناً، وثنتين بثلثي الألف، فالطلقةُ الأولى  وَاقعة رَجعية، فإذا  صارت رَجعياً فالتطليقتان على ثلثي الألف مخالعة رَجعية، وَفيه قولان إن جَوّزنا وقعت الطلقتان  وثبت ثلثا الألف ، وإن منعنا فلا يثبت سبيل إلى إثبات العوَض، ولكن الطلقتان وَاقعتان أيضاً؛ لأن الرجعية يلحقها الطلاق، وَإن كان لا يصح منها التزامُ العوض في هذه الحالة فشابهت السفيهة حتى يَفْتَقر إلى قبولها، ثم لا يجبُ المال أصلاً ","part":1,"page":48},{"id":1335,"text":"الخامسَةُ : أن تقول: طلقني  ثلاثاً بألف فقال: أنت طالق واحدةٌ مجاناً واثنتين بالألف، فالواحدَةُ تقع  مَجّاناً وإذا  جَوزنا مخالعة الرجعية (فيقتضي النصّ وُقوع الطلقتين)  بتمام الألف إذ بهِ حصلت الحُرمة الكُبرى، فصارَ كما إذا لم يبق إلا طلقتان، فقالت: طلقني ثلاثاً [بألف] ، فقالَ: طلقتُ اثنتين بألف ، [وعلى]  وَمذهبُ المزني يتعارض مَا نقله الأصحاب وَما ذكرناه استدراكاً، فعلى ما نقلوه يقع الثنتان بثلثي الألف وَتلغُو الزيادة، وَعلى القياس الذي ذكرناهُ  جرت المخالفة بين كلاميهما إذ زادَ الزوج من  المقابلة  فينبغي أن لا يقع \rالسادسة : أن تقول طلقني واحدة بألف، فقال الزوج: أنتِ طالق ثلاثاً، قال الشافعي: طلقت ثلاثاً واستحق الألف؛ لأنه إجابهَا وزاد ، (وصار إليه)  أبو يوسف وَمحمد ، وقال أبو حنيفة: لا يستحق شيئاً؛ لأنهَا لم تلتمس البينُونة الكُبرى  فأجابهَا إلى غير ملتمسها ولكنَّه ناقضَ فقال: لو قالت: طلقني ثلاثاً بألف فطلقها وَاحدة استحق ثلث الألف مع تحقق المخالفة ","part":1,"page":49},{"id":1336,"text":"هذا إذا لم يُعِدْ الزوج ذكر المال ، فلو أعادَ فقالت المرأة: طلقني وَاحدة بألف، فقال: أنتِ طالق ثلاثاً بألف، فذَهب مُعظم الأصحاب أن الثلاث (وَاقعة)  وَالألف مستحق، ولا فرق بين الإعادَة وَعدمها ، وحكى الفورَاني: عن القفال أنه تقع الثلاث، ويستحق ثلث الألف؛ لأنها  رضيت بالعوض على وَاحدة، فقد وافقها في تلكَ الواحدة، وزاد الثنتين ونَقَصَ العوض في تلك الواحدة فأحسن ، وحكى وَجها آخر أنه لا يقع إلا طلقة وَاحدة، ويستحق ثلث الألف؛ لأنه قابل الطلقتين الأخيرتين بالعوض، وَهي لم تقبله إذ  قبلت الأولى ، والذي حكاه عن القفال ضعيف؛ إذ لو كان مقتضى قوله مقابلة الواحدة بثُلث الألف لكان  لا (تقع)  تلكَ الواحدة كما إذا قالت: طلقني وَاحدة بألف، فقال: طَلقتُك وَاحدة بثلث الألف لا يقع وَإن نقصَ، وَهوَ  كما لو قال: بع منّي العبد بألف، فقال: بعتُ بخمسمائة لا يصح وَإن أفادَ  مزيداً\rفإن قيل: إن لم يكن معنى الثلاث بالألف مقابلة كل وَاحد بثُلث فما طريق استحقاق الألف\rقلنا: طريقةُ إنها التَمست شيئاً فأجابها إلى البينونة الكُبرَى وَفيها ما ذَكَرَته وزيادَة صفة، فيقَدّر الكل كالشيء الواحد، وبَطل  التوزيع، وَنقُول: الألف في مقابلة البينونة المحرَمة، وَهذا يَظهرُ إذا لم يُعِد ذكر المال، وَإذا أعاد فيظهرُ أيضاً تقريره وَلكنه دونهُ في الظهور ، ولكن لا يظهر إجراء هذا في صورة، وَهوَ كما لو قالت: طلقني وَاحدة [بألف] ،  فقال: أنتِ طالق ثنتين بألف، وَلم تحصُل به البينونة الكُبرى، فمساقَ كلام الأصحاب أنه يستحق الألف ؛ لأنهُ أجابَ وزاد، وَلكن يتجه أن يُقال خالفَ في هذه الصورَة كلامها، فإنه [لو]  طلقها كل طلقة بنصف الألف فهيَ مخالفة فلا يقع شيء، فيتجه مذهب أبي حنيفَة في هذه الصورَة ، هذا ما ذكرهُ الإمَامُ  ","part":1,"page":50},{"id":1337,"text":"[الصورة]  السابعة: أن تقول لزوجها وَهوَ لا يملك إلا طلقة وَاحدة: طلقني اثنتين بألف، فقال الزوج: طلقتُك اثنتين، الثانية منهما بألف، قال صاحب التلخيص: لا يستحق شيئاً من العوض ؛ لأنه ذكر ما يقتضي جمع الطلقتين وتساويهما، وَلكن إذا ذكر (الثانية)  فمن ضرورته الأولى، ثم (الواقعة هي)  الأولى، (وَالثانية زائدة)  على العدد فلا يستحق [به]  العوض، وَتحصل البينونة، وَلو قالَ الأولى منها  بالعوض استحق تمام الألف، وَالتفريع على النصّ ","part":1,"page":51},{"id":1338,"text":"وَلو أطلقَ وقال: أنتِ طالق اثنتين، وَلم يُعِد ذكر المال، فإذا رَاجعناه وَقال: أردتُ صرف العوض إلى الأُولى  استحق، وَإن قال: صَرفته إلى الثانية ، قال الشيخ أبو علي: لا يستحق ، وَإن قال لم يكن لي نيَّة فقد ذكر الشيخ: وَجهين لتعارُض الأمرَين وَاختار أبو إسحاق المروزي الوجوبَ ، وَهو الصحيح؛ لأنه  طابقها في صيغتها فلا ينبغي أن نقَدِّر تجزئاً وَلكن ما وقع مقابل بالعوض ، وَعلى هذا لو قال: كنتُ نويتُ العوض للثانية  فيتّجه خلاف ما قاله الشيخ أبو علي؛ لأن مُطلق لفظهِ مُشعر بأصل المقابله بالواقع فالنية، لا  تُغَيّر الأمر، هَكذا قاله الإمامُ  هذا كلهُ [فيه]  إذا لم يُعِد ذكر المال بل قالَ: أنتِ طالق اثنتين، فإن قال: أنت طالق اثنتين بألف، قال الشيخ أبو علي: اختلف فيه أصحابنا، منهم من قال: يستحق خمسمائة؛ لأن موجبه التوزيع فيكون كما إذا قالت: طلقني اثنتين بألفٍ، وَملكَ عليها طلقتين فقال: أنتِ طالق واحدة بخمسمائة، فإن (الواحدة)  تقع ، كذلك هاهنا الواقعُ وَاحدة ، وَالثاني أنه يستحق الألف، وَهوَ الصحيح؛ لأنه إذا (حصلت)  الحُرمَة الكُبرى فلا نظر  بعده إلى التوزيع ، وَهذا كله تفريعٌ على النَصّ، وَما عدَاه لسنا نُفرِّع عليه، وقد قال [بعض أصحابنا: مذهب المزني في المسألة تخريج يلتحق بالمذهب، ومنهم من قال] : لا يلتحقُ، وَكلامه في المختصَر يَدُل على التخريج؛ إذ قال: وَقياسُ مذهبه كذا ، وتفريع هذه المسائل على مذهبَه لا يخفى، فإنه يتبعُ العددَ ولا يُبَالي بالحُرمة الكُبرى، وَهذه المسألة وَما بعدَها ذكرها  صاحب التلخيص ","part":1,"page":52},{"id":1339,"text":"الثامنةُ: إذا قالت: طلقني وَاحدةً بألف، فقال: أنتِ طالق وطالق ثم طالق فنراجِعُهُ، فإن قال: أردتُ مقابلة الألف بالطلقة  الأولى، وقعت [الأولى]  بالألف، وَالثنتان لا تقعان لأنها مختلعة، وَإن قال: قصدتُ العوض بالثانية، فالأولى رَجعيّة، وَالثانية بالعوض ينبني على خُلع الرجعيّة فإن صححناهُ لم تقع الثالثة، وَإن لم نصحح وقعتَ الثانية ولغت الثالثة، وإن  قال: قصدت العوض بالثالثة، قال أصحابنا: ينبني هذا على خلع الرجعية ، وذكر الشيخ أبو علي: وَجهاً أن مخالعة الرجعيّة على الطلقة الثالثة يصح لتستفيد البينونة الكُبرى، وَإن كان لا يصح على الطلقة الثانية، وَهذا ضعيفٌ؛ فإنها بالطلقة الثانية على المال تستفيد بينونةً ناجزةً، فإذا لم يجز ذلك فكيف يصحّ الخلع للاحتياج إلى المُحَلِل! هذا ما ذكره صاحبُ التلخيص ، وَمما ذكرهُ وغلط فيه أنه [قال] : إذا قالت: طلقني ثلاثاً بألف، وَليسَ يملكُ الزوج إلا طلقة وَاحدة، فقال: أنتِ طالق ثلاثاً بألف، قال: يثبتُ الرجُوع إلى مَهر المثل ، فاتفق الأصحاب على تغليطه ، وَقال الشيخ أبو علي: وَجدتُ بعض نسخ التلخيص وَقد حُذف منه هذا وَأُصْلِح، ثم قال: ووَجدت لبعض الأصحاب وَجهاً غريباً: أن الرجُوع إلى مَهر المثل مهمَا التمست زيادة (عدد فَيُحَصِّل)  الزوج البينونة الكُبرَى بإيقاع ما مَلَك؛ لأن المُسمّى إنما يُثبِت عندَ التوافق  وَلا توافقُ ، وَهذا كله خَبطٌ أجريناه  كيلا يُعَدّ من المذهب\rالتاسعَة: إذا قالت: طلقني نصف طلقة بكذا، فقال: أنت طالق نصف طلقة، وقع الطلاق مُكَمَّلاً  بائناً وَالعوَض فاسدٌ هَكذا قاله الأصحابُ، ثم الرجوع إلى مهر المثل قولاً واحداً؛ لأنه فسادٌ نشأ من صيغةِ المخالفة  لا من المسمى فإنما  يجري اختلاف القول إذا كان الفَساد من جهة المسمى ، وَكذلك لو قالت: طلّق نصفي أو طلق يَدِي يجري على هذا المذاق ","part":1,"page":53},{"id":1340,"text":"العاشرةُ: لو قالت: طلقني طلاقاً يمَتدّ تحريمه إلى شهر، ثم ينقضي بألف فطلقها وَقع الطلاق، واسترسل على وفق (الشرط) ، وَفسدَ العوض لفساد  صيغة العقد، وَفي  المسألتين احتمال من حيث إنها إذا استدعت مَا الشرع يُكمِّله ، فكأنها استدعَت الكمال فيصح، وَلكن المنقُول ما ذكرناه ، وَذكر الإمام في المسألتين وَجهاً واختارَهُ  أن المُسمّى يثبت؛ لأن معنى اللفظ صحيح وَإن أفسدَه (الشرط)  \rالفَصْل الرابعُ: في استدعائها الطلاق المقَيّد بزمان\rوَفيه صُور:\rالأُولى: أن تقول: طلقني غداً وَلكَ ألفٌ، فمقتضى الاستدعاء (تأخير)  الطلاق وَتنجيز (التزام الطلاق)  في الذمة، فلو طلقها بعد مضيّ الغَد على قصد الإسعاف لم يستحق عوضاً [عليهَا] ، ووَقعَ الطلاق رجعياً \rوَلو طلقها في الحال على قصدِ الإسعاف، أو قبل مضي الغَد، أو في الغَد على الوجه الملتَمس كيف مَا كان لم ينقض الوقت (المؤقت) ، قال الأصحاب: وَقعت البينونة، وَفَسدَ العوض (لفسادِ صيغة)  (المقابلة، فالرجُوعُ)  إلى مَهر المثل \rوَلو قال الزوجُ: قصدت اسعافها وَلكن علمتُ فسادَ العوض، فالأمرُ لا يختلفُ به ، وحُكي عن القاضي أنه قال: إذا علم لم يقع طلاقه جَواباً، وَإن قصدَه ونفذ  الطلاق رَجعياً ، وَهذا رَكيكٌ لا أصل له؛ إذ المسلم يعلمُ فساد العوض عند ذكر الخمر ثم يقع الطلاق بائناً على المذهب ، فإن قيل: إذا رَبَطَت العوض بطلاق الغد وَلم  يَسْتَحِق (إذا)  أخر عن الغَد للمخالفة فَلِمَ يَسْتَحِق إذا قدَّم على الغد\rقلنا: كأنا نقُول: أجابها إلى ذلكَ مع زيادَة، فضاهَى ذلك ما إذا قالت: خالعني على ألف، فطلقها على ألف، وَقلنا: الخلع فسخ، وَفيه احتمال من حيثُ إن الطلاق يتضمن الفسخ وَزيادَة، وَلا تَبعد  هذه المسألَة عن الاحتمال أيضاً ، ثم لابُدّ في هذه المسألة من التنبُّه لشيئَين:","part":1,"page":54},{"id":1341,"text":"أحدُهما: أن الزوج لو لم يُطلق في الحال وَإنما طلقَ في الغد على الوقت المسْتَدعَى فالعوض يُسْتَحَق عند وقوع الطلاق وَإن سبق منها الالتزام؛ لأنه إنما يتم بوقوع الطلاق، فأبداً  يلازم وجوب العوض حصول البينونة \rوَالثاني: أنها لو رَجعت قبل تطليق الزوج صح الرجُوع؛ لأن ما أتت به أحَد الشقّين وَالشِّق الثاني يحصُل بطلاقه، ثم لا فرق في جَواز الرجُوع بين أن تقُول: [إن]  طلقتني غداً، وبين أن تُقول: طلقني غداً، فإن صيغة التعليق تجري أيضاً في الجعالَة، وَيصح الرجُوع فيها ، وقد ذكرنا في أوَّل الكتاب أن الخلعَ في جانبها معاوضة نازعَة إلى الجعَالة \rالصورَة الثانية: أن تقُول: خُذ منّي ألف درهم وَأنتَ (مخير)  في تطليقي من اليوَم إلى شهر، فلك الألف عَجَّلتهُ (أو أخَّرته)  مادَامَ الطلاق وَاقعاً في الشهر، قال أصحابنا: يلتحق هذا بالصُورَةِ الأولى حتى إنه إذا طلقها في الوقتِ المذكور على قصدِ الإسعاف وقعت البينونة، وَسقط العوض المسمّى، والرجُوع إلى مَهر المثل، وَتعودُ التفاصيل  كما سبق ، فإن قيل: قد  ذكرتُم في الباب الأول أنها إذا قالت للزوج: متى ما طلقتني فلَك ألفٌ فالصيغة صحيحة، وَعلى الزَوج البدار في الطلاق، فإن بادر استحق المُسمّى، وَإن أخّر لم يستحق شيئاً أصلاً، وَهذه المسألة  تُضَاهى تيك المسألة، فإن قولها: متى ما [صريح]  في التصريح بين التعجيل وَالتأخير فما الفارق\rقلنا: ليسَ بين المسألتين فرقٌ ، وقد فرق الأصحاب بين المسألتين من وَجهين :","part":1,"page":55},{"id":1342,"text":"أحدهما: صحّة المسمى عندَ التعجيل في (قولها)  متى ما، وفساده هاهنا وَإن عجل ، وَالثاني: إسقاط (العوض)  أصلاً في التأخير في مسألة متى ما، وإيجاب العوض هاهنا وَهوَ مهر المثل ، فالوجه نقل جواب من كل مسألة إلى أختها ، قال الإمامُ: وقد وَجدت هذا التصرُف لصاحبِ التقريب في مَرامز كلامه حكاية  عن ابن  سُريج [رَحمهُ الله] \rالصورة الثالثة: مقابلةُ الطلاق المعلق بمال، مثل أن يقول الزوج لزوجته: أنت طالق غداً على ألف، فتقُول: قبلتُ، أو تقُول المرأة علق الآن (طلاقي)  على غد بألف، ففعَل ففي المسألة أربعة أوجه:\rأحدها: أنه يصح التعليق والقبول على هذا الوجه، وَالرجُوع إلى المسمى فهو ثابتٌ؛ لأن المعلق كالمنجّز فإذا  جاز مقابلة المنجز بالمال جاز مقابلة المَعلّق ليسَ يبقى إلا بُعد التعليق في المُعاوضة، وَهوَ محتملٌ بدليل أنهَ لو قال: إن أعطيتني ألفاً فأنتِ طالق، (وقع الطلاق)  واستحق المُسمّى عند الإعطاء \rالثاني: أن الطلاق يتعلق، وَالمُسمّى يَفْسُد، فالرجوع  إلى مَهر المثل؛ لأن هذه مُعَاوضة فلا تقبل التعليق بخلاف ما إذا قال: إن أعطيتني، فإن ذلك تعليق محضٌ على التمليك، ثم الإعطاء جُعِل تمليكاً، وَهذان الوجهان ذكرهما الصيدلاني، وَصاحبُ التقريب \rالوجه الثالث: حكاه الشيخ أبو محمد عن القفال أن الزوج إن قال أوَّلا: أنتِ طالق غداً على ألفٍ (فقبلت)  صحّ، وثبتَ المُسمَّى، وإن ابتدأت هيَ والتمست فسَدَ الخلع، وَالرجُوع إلى مَهر المثل ، وَهذا لا أصل له، فإنه إذا جاز مقابلة المعلق بمال، فهي قد استدعت مَا يقابل بمال ","part":1,"page":56},{"id":1343,"text":"الرابعُ: ذكره القاضي: وَهوَ أن الطلاق لا يقعَ أصلاً؛ لأن إثبات المُسمَّى غيرُ مُمكن؛ فإنه معاوضة لا يَقْبَل التعليق، وإذا لم يثبت المال وقد رَبط الزوج الطلاق بالمال استحال إيقاعه من غير مال، وَهذا ركيكٌ لا يُعتَدّ بهِ ، فإنه إذا قال: أنتِ طالق غداً على ألفٍ، فقالت: قبلتُ، فقد استقلّ الكلام بقبولها، فليقع الطلاق قطعاً، ثم لينظر بعدَهُ إلى حُكم العوض، وَأنه إن عَسُر إثباته فرجعيٌّ، وإن أمكَن فبائن، فهذا له وجه ولا قائل بهِ، أما نفيَ الطلاق فبَعيدٌ \rالتفريع: إذا حَكمنا بما هُو المذهبَ وَهو وقوع [هذا]  الطلاق عندَ وُجُود الصفة فلا يُلزمها المال إلا عندَ وجُود الصفة؛ لأن الوجُوبَ في العوض يُسَاوق البينونة ، ثم لا يصحّ رُجوعها قبل وجُود الصفة سواء صححنَا المُسَمّى أو أفسَدناه؛ لأن المعاوضة استقلت بالتعليق وَالقبول، ولا رجُوع بخلاف الصُورَة الأولى، فإن ذلك في حُكم الرجُوع [عن أحدَ الشقين، إذ لم يجر من الزوج بَعْدُ]  جَواب [له] ، وَأمَّا هاهنا الجواب هو التعليق، وقد وُجد وجوداً لا يُسْتَدرَك  بالرجوع، وإنما يظهر  الحُكم في الصُورة الأولى لفساد  المسمى؛ لأن ذلكَ مقابلة المال بطلاق غير منجّز إيقاعاً وَتعليقاً في الحال، فَكان (كالملتزم)  في الذمة ففسدت الصيغة لذلك \rالصورة الرابعة: إذا قالت: خُذ منّي ألفاً  وَطلقني طلقةً، أحْرُمُ بها عليك، والتَزِم في ذمَّتِك طلقتين تنجزهما في نكاح جديد إن كانَ، أو عَلِّق طلقتين أخرتين على نكاح جديد، فالصيغة فاسدة؛ لأنها حاوَلت مقابلة المال بطلاق ملتزم في الذمة فينجزهما  في نكاح آخر، أو مقابلته  بطلاق (يُعَلق قبل المِلك) ، وَكلاهما فاسدان، وَلكن إذا أسعفها إلى الملتمس، وَقعَت الطلقة، وَحصلت البينونة   (وَما حُكم)  العوض فيه ثلاثة أوجُه:","part":1,"page":57},{"id":1344,"text":"أحَدُها: أنه يفسُد المُسمّى، وَالرجوع إلى مَهر المثل قطعاً؛ لفساد الصيغة، وَلم يذكر القفاليُونَ سوى هذا الوجه؛ ووجهه أنها ضمّت شرطا فاسداً إلى المعاوَضة ففسدت الصيغة، وَفسدَ الصداق \rوالثاني: ذكرهُ صاحبُ التقريب، وَهوَ تخريجُه على تفريق الصفقة ؛ فإنها قابلت الطلقة المنجزّة بثلث الألف، وَهوَ صحيحٌ لو أُفْرِد، وَلكن ضُمَّ إليه ما يُفْسِد (مقابلته) ، ففسدَ في ذلكَ القدر، وَهل يفسد في هذا الذي لا خلل فيه فعلى القولين إن رأينا منعَ التفريق فالرجُوعُ إلى مَهر المثل وقد فسدَ، ولا  يرجع إلى جُزء من مَهر المثل؛ لأن النظر عند الفساد إلى ما فات على الزوج، وَإن رَأينا التفريق فللمرأة الخيارُ؛ لتبعيض مقصُودهَا، فإن فسخت العوض رَجعَ عليها بمَهر المثل، وَإن أجازت فيجبر تلك الطلقة المُحَرّمة  بجميع العوَض أو بثلث (هو قسطها)  فيه من الخلاف ما في البيع، وَهذه الطريقة انفرد بهَا صاحبُ التقريب \rالثالث: ما ذكره الإمام وهو تصحيح المُسمّى تخريجاً من نصّ الشافعي، فإنها لو قالت: طلقني ثلاثاً بألف، وَلم يبق إلا طلقة فيستحق المُسَمّى بكمَالِه بالطلقة الواحدة بحصول  المقصود من حيث إن الزائد غير مقصود  فكذلك حصل  المقصود بوقوع البينونة، والالتزام في الذمَّة غير مقصود، فالرجُوع إلى مَهر المثل يَكاد يخالف قياس النَصّ في تلكَ المسألة، (ويُؤيّد)  ما حَكيناه عن صاحب التلخيص من الرجُوع إلى مَهر","part":1,"page":58},{"id":1345,"text":"المثل في مسألة النَّص هذا ما ذكره ، وَالفرق متخيّل  أيضاً، فإن الزيادة على العدَدِ في مسألة النص لا تطلب، وَالطلاق في نكاح آخر قد يُقصد، فقد ضُمَّ إليه ما هو مقصود، فيحتملُ أن يُوَزَّع أخذاً من التفريق كما قاله  صاحبُ التقريب ، ويحتملُ أن يقال: ليسَ ينتهي القصد إليه إلى هذا الحد، فهو كشرط فاسدٍ مُفسدٍ  للعِوَض ، فإن قيل: فهل على الزوج أن يلزم  الطلاق في الذمة، وَيعلق الطلاق على النكاح الآتي ، وَإن كان فاسداً؛ لينتظم قبوله (في جَوابه)  عن كلامها، أو  يقتصرُ على تنجيز الطلقة المُحَرّمة\rقلنا: هذا محتمل، فإن قلنا: لابُدَّ منه، فهذا يُؤَكد مذهب صاحب التقريب؛ فإنه في حُكم مقصُود ، وَإن قلنا: لا يجب التَّعرض له، فهذا يؤيد تصحيح المُسَمَّى؛ فإنه كالساقط الذي لا يُقْصد كما في مسألة النَّص في الزيادة على العدد، وَلعل الأظهر أن لا يحتاج إلى التلفظ به، وَإن فرعنا على طريقة القفّالين؛ لأن الجوابَ حصل بتنجيز الطلاق، وذلك في حُكم شرط فاسد لا معنى لقبوله \rالفصل الخامسُ: في سُؤَال الأجنبي\rوَاختلاع الأجنبي صحيحٌ، والكلام في صيغة سؤَاله وإسعاف الزوج، كالكلام في الصيغ الدائرة بين الزوجين حرفاً بحرفٍ، وكذلك القولُ في صحة العوض وفساده؛ لأن اختلاعه صحيح، وَالمال يلزمه، ويكون ذلك منه افتداء؛ إذ لا غرضَ له في الخلع، وَإنما الخلاصُ (يرجع)  إلى غيره ، ثم لاختلاع الأجنبي ثلاثة أحوَال:\rأحدها: أن يختلع عن جهةِ نفسه مستقلاً به فهو صحيحٌ، ثم له أن يُوكل أجنبياً به، وَله أن يوكِّل الزوجَة حتى تختلع نفسَها بوَكالتهِ، وتكون الوكالة رَاجعة إلى التزام المال عن جهته ","part":1,"page":59},{"id":1346,"text":"الحالة الثانية: أن يَكُون وَكيلاً عن جهة المرأة وعند ذلك تزدَحم  جهة الوكالة وَجهه الاستقلال، وَالنظر فيه إلى قصده ولفظه، وَإذا أطلق فهو وَاقعٌ عن جهة الوكالة، وَلكن إذا لم يَكن سفيراً  فقد (توجه)  المُطالبة عليه، وَإن صدقه الزوجُ في الوكالة كما في الوكيل في البيع ، وَهذا [قد]  ذكرناهُ في أحكامِ العُهدة \rفرع: لو قال الأجنبي: أنا وكيل الزوجَة لاختلعها  بألفٍ من مالها، فخالعها الزوجُ، (وصرح)  الوكيل بالإضافة إلى المرأة في القبول وبان أنه كاذبٌ، فلا يقع الطلاق؛ لأنه منوط بالتزام، وَلم يلتزم الوكيل ذلِكَ في نفسه ولا صحت إضافته\rفإن قيل: إذا خالع السفيهة فقبلت وقع الطلاق رَجعياً وَإن لم يلتزم  المال\rفما الفرق\rقلنا: لأنها من أهل القبُول فاعتمد وقوع الطلاق قَبولها، وسقوط  المال؛ لأنها ليست أهلاً للالتزام، ثم كان  الطلاق رَجعياً؛ لعُرَوّه عن المال، وَفي مسألتنا لم يقبل الوكيلُ عن جهة نفسه، بل أضاف القبول إليها، وَأرَادَ أن يجعل لسانهُ عارية لها وَلم يسبق منها توكيل فكأنَّ زوجها خاطبها فسكتت وَلم تقبل \rالحالة الثالثةُ: أن يكون الأجنبي أب الزوجة، وَهي (طفلٌ فله)  الاستقلال بالاختلاع من مالهِ، وَليسَ له أن يختلعها من مَالها، فلو اختلعها من مَالِه التحق بالأجنبي ، وَإن اختلعها بمالها مثل أن قال: اختلعتك على هذا العبد، فله أحوَال:\rأحدها: أن يُصَرّح بأنه مُسْتقِل بالاختلاع وَلكنه يَزعم أنه يخالعه على مَالها (اختلاع)  الأجنبي على المغصُوب، فهوَ كالاختلاع على المغصُوب حتى يقع الطلاق بائناً ، وَفيما يرجع به عليه [فيه]  قولان ","part":1,"page":60},{"id":1347,"text":"الثانية: أن يقُول اختَلع بمالها بطريق الولاية والنيابة عن جهتها فلا يقع الطلاق؛ لأنه منُوط بلزوم المال عليها وقبُولِه  عن جهتها، (وهي)  لم تقبل ولا (يصحَّ قبوله)  عنها بنيابة الولاية، فكان كالوكيل الكاذب  على ما ذكرناه \rالثالثة: أن يُطْلِق ويقُول: اختلعتُ بهذا العبد، وَهو من مالها، وذكر أنه من مالها، وَلم يتعَرّض لما يزيد على هذا ، فالطلاقُ يقع رَجعياً، لأن (القبول)  قد صح ممّن هو  أهله، وَلم يَصرِف الأبُ القبول عن نفسه، وَلكن امتنع التزام المال فصار كقبول السفيهة ، وهذا فيه غموض من حيثُ إن إضافته إليها كإضافة الغاصب المال إلى المالكِ، وَلو اختلع الأجنبي بمال مغصُوب صَرّحَ به، وقع الطلاق بائناً، فخرّجَ القاضي من هذا وَجهاً في الخلع على المغصوب والخمر أن الطلاق الرجعي  فيهما ، وخُرِّج منه هاهنا وجها أن الطلاق بائن ، والمنقول الفرق ، ووجه الفرق: أن الأب في مظنّة أن يتصَرّف عنها بالنيابة المستفادة بالولاية بخلاف الغاصبِ، ولكن الإشكال قائمٌ إذ مساق هذا أن الطلاق لا يقع كالوكيل الكاذب إن حُمل ذلك على الولاية، وَإن حُمِل على استقلاله فليقع بائناً كالاختلاع بالمغصوب ، (وقد ذكر)  صاحب التقريب وَجهاً: أنَّ الطلاق لا يقع في مسألة تضاهى هذه ، وَهذه  قريبٌ منها، فيتّجه تخيِّله فيه، وَالفرق بين هذا وبين الوكيل الكاذب أنه صَرَّح بصَرف القبول عن نفسه، وَالولي لم يُصَرح به ؛ فهذا وجهُ الغموض، وبيان وجه النظر \rالحالة الرابعة: أن يقول: اختلعتها بهذا العَبد [ولا]  يُضيف إليهَا العبد، فإن كان الزوج جاهلاً ظَانّاً أنه مِلْك الولي وَقعَ الطلاق بائناً، وَكان كما إذا خرج العوض مُسْتَحَقاً ، وإن كان عالماً فوجهان منهم من قال: هُوَ كما لو كان جاهلاً نظراً إلى اللفظِ ، ومنهم من قال: عِلْمهُ بأنه مالها يُنَزَّل مَنْزِلة الإضافة إليها حتى يقع","part":1,"page":61},{"id":1348,"text":"الطلاق رَجعياً \rالحالة الخامسَةُ: أن يختلعها بالبرَاءة عن الصَداق، فإن جَوّزنا له البراءة في الاختلاع صحّ، وَكان كاختلاعها وَهي بالغة ، وَإن منعناه وهو الصحيح فهو كما لو أضافَ العَبد إليها هذا ظاهرُ النظر ، وَقد ذكر صاحبُ التقريب هاهُنَا وجهين:\rأحدهما: أن الطلاق لا يقع أصلاً، ووجهه: أن الحال مشعرٌ  بانتهاضه مُتَصَرِّفٌ  بالولايةِ؛ إذ أضاف إلى الصَّداق قياسَ الوكيل الكاذب إذا قبل \rوَالثاني: وهوَ ظاهرُ النصّ أن الطلاق يقعُ رَجعياً كقبول السفيهة، فاعتمَد الطلاق قبوله، وسقوط المال امتناع الالتزام من مالها   وَصاحبُ التقريب لم يذكر هذا فيما إذا اختلع بعبدها، وأضاف العبد إليها بل قطع ثَمَّ بوُقُوع الطلاق ، والصحيحُ أن  لا فرق؛ لأن إضافة العبد إليها يُشعِر  بكونه متصرفاً بالولاية كما في الإضافة إلى الصداق، (وسبيل)  تخيُّل فَرْق على بُعْد: أن الإضافة إلى الصداق نصٌّ في التصرف بينهُمَا ، وَالإضافة إلى عَبْدِها دُونَه في الإشعار، فإنه من وجهٍ على مضاهاة الإضافة إلى المغصُوب منه \rالحالةُ السادسَةُ: أن يقول الأب: خالعها وأنا ضامن براءتك من صدَاقها، قال الأصحاب: في هذه الصورة المذهب أن الطلاق يقع ، وهل يجب المال على الأب فعلى  وَجهين:\rأحدهما: أنه لا يلزمه كما إذا قال: خالعها على البراءة ","part":1,"page":62},{"id":1349,"text":"وَالثاني: أنه يلزمه؛ لأنه أضافَ الضمان إلى نفسه فأشعرَ ذلك بالتزامه، والتحق بالخلع على المغصُوب ، وَمن المحققين من ذكر وجها مُفصّلاً، وقال: إن قال: خَالِعْها وَأنا ضامنٌ عين البراءة، فهذا ضمانٌ لاغٍ لا أثر له، فيقع الطلاق رجعياً، وَإن قال: إن طولِبْتَ أدّيتُ عنك، وَأنا ضامنٌ صَرّح به، أو فَسَّر  كلامه المُطْلَق، فهذا منهُ التزام مال  على الجملة وإن كان على فساده  فيجب المال، وتَحْصُل  البينونة ، هذا وجه النظر في هذه المُغْمِضَات المُرْتبِكة وَضَابطهُ أن  وقُوعَ الطلاق يَسْتَدعي قبولاً ممن هو [من]  أهل القبول لِيَنْتَظِم الخِطَاب وَالجواب، وليس يَسْتَدْعي ثبوت المال وَإن رُبط به كما في حق السفيهة، فإن ذكر المال معَها كذكر شرط فاسدٍ لاغٍ ولكن القبول شرط  اللفظ، وإذا  اختل القبول امتنعَ الطلاقُ كقبول الصبيّة في نفسها على المذهب الظاهر ، وكقبول الوكيل الكاذبِ مَع التصريح الكاذب ، فهذا محل القطع في الطرفين ، ومنشأ التردد في وُقوع [أصل]  الطلاق تخيّلٌ ضعيف  في القبول، كما ذكرناه في اختلاع الأب على البراءة من الصداق ، ونقلنا فيه  احتمالاً أيضاً إلى الاختلاع بعبدها مَع الإضافة (إليها)  ، أمَّا ثبوت المالِ يستدعي التزاماً من أهله على وجه [لا]  يتطرق الخلل إلى نفس الالتزامِ، فأن  تطرق إلى الملتزَم كما في الخمر وَالمجهُول وَالمغصُوب وَلكن الالتزام صريح، وَهو صادرٌ من أهله، وَمنشأ التردد في لزوم  المال الترددُ في جريان الالتزام  كما إذا قال: أنا ضامنٌ للبراءة؛ فإنه التزامٌ على خلل ظاهر فتردّدُوا فيه ، ثم البينونة وَالرجعَة في جميع الصُوَر تتبع ثبوتَ المال وَانتفاءه، هذا ضابط هذه المسائل تصويراً وفقهاً ، وقد حَكينا وَجهاً في أن الفَسادَ إذا كان من (عين)  الملتزَم كالخمَر، وَالمغصُوب يسقط أثر الالتزام حتى يقع الطلاق رَجعياً","part":1,"page":63},{"id":1350,"text":"ولكنه ضعيف يخالف نصُوص الشافعي، ولا  يُعتدّ به، وَلا يُفَرَّع عليه \r\rالبابُ الخامس\rفي الاختلاف في الخُلع\rوَهي  أربَعَةُ أنواعٍ:\rالأوّلُ : الاختلاف في أصل العوض، فإذا قال: طلقتك بعوض، فقالت: طُلِّقتُ على غير شيء ، فالقول قولها في نفي العوض، ثم إذا حَلَفَتْ حصلت البينونة، وَانْقَطَعت رَجْعَة الزوج (عنها)  مُؤاخذة له بقوله، والمرَأةُ أيضاً مُؤاخدة بقولها فيما يلزم على مَوْجِب قولها ، وَلو قالت: خَالَعَنِي بعوض وَلكن كُنْتُ مُسْتَكْرَهة، فالقول قولها في نفي العِوَض عنها بالإكراه ","part":1,"page":64},{"id":1351,"text":"النوع الثاني: الاختلاف في الجنس، فإذا قال الرجل خالعتُك بألف درهم، فقالت: بل بألف فلسٍ، وما يجري هذا المجري فيتحالفان، وَالرجوعُ إلى مهر المثل، وَكذلك الاختلاف في المِقْدار، وكذا الاختلاف في عَيْن العوض وَهو جارٍّ عَلَى  منهَاج الخلاف في الصَداق ، فأمَّا إذا اتفقا على أن الخلع جَرى بألف مُطْلَق نُطْقاً من الجهتين وَلكن قال الزوج: أردنَا به الدراهم جميعاً، وقالت المرأة: بل أَرَدْنا به الفلوس جميعاً، فظاهرُ كلام الأصحاب أنهما يتحالفان كما إذا اختلفا في التصريح باللفظ، وَهذا يستدعى تقدِيم مقدِّمَة، وَهي تصوير المسألة من غير اختلاف فنقولُ: إذا كانتِ النقود مختلفة في البلدِ على تعارض من غير غَلَبة فأطلق العاقدان لفظ الدراهم في البيع وَالمعاملات فسدَ البيع بجهالة العوض، وكذلك في الخلع ، هذا إذا لم يتفقا على نيَّة فإن نَوَيا جِنْساً معيَّناً فالبيع لا ينعقد اعتماداً على النية؛ لأنه في حُكم إضْمَار لما لا ينبني اللفظ عنه، وَأمَّا الخلعُ فالظاهر من المذهب وَهوَ الذي (صَرّحت)  به طريقة  القاضي، وطريقة صاحب التقريب، وَطريق العراقيين صحة الخلع، (ورده)  على ما توافقا  بالقصد عليه، ويجعل المنويّ كالملفُوظِ في الخلع ، وَهذا فيه غموض؛ لأن عوض الخلع يستدعي من الإعلام، ما يستدعيه عوض البيع إلا أن أثر الجهالة في الخُلْع ينحصر في فساد العوض، وَلا ترتَدُّ البينونة، وَالجهَالة في البيع تدرأ أصل اللبيع، وَالمُمكِنُ في الفرق أن الكناية في لفظ الطلاق محتملة في الخلع والعوض مقابله فليس يبعُد الاعتماد فيه على النيّة أيضاً؛ لأن الأصل هو الطلاق، والعوض كالتابع فيُحْتَمل فيه ما يُحْتَمل في الأصل ؛ ولهذا لو قال: إن أعطيتني هذا العبد فأنت طالق، انعقد الخلع، وَاقتضى اعطاءً في المجلس تغليباً لحُكم المعاوضة، ويُحْمل الإعطاء على التمليك ، وَإن كان لا يصرح به هذا في التصريح بالدرَاهم،","part":1,"page":65},{"id":1352,"text":"فلو قال: خالعتُك على ألف فَقَبِلَت على هذا الوجه، ونويا  (به)  جنساً من المعدودات كالدراهم وَالدنانير وغيرها  فما دَلَّ عليه كلام القاضي: أن ذكر الألف مُطلقاً كذكره  الألف معَ التعَرُّض للدَراهم؛ فإن الألف تتناول الأجناس تناول الدراهم الأنواع ، وأمَّا العراقيون فلم يحتملوا هذا بل أوجبُوا التعرُض للدرَاهم، وزعمُوا أن تعيُّن النَوع في حُكم البيان وَالإتمام، وَأما الألف (فقاصرة، وَتعيَّن الجنس بعيد)  في حُكم أمر مستقل لا ينتهض تتمَّة له \rفأمَّا إذا قال: خالعتُك على ألف شيء فقالت: قبلتُ قطع القاضي هاهنا بأنه لا يُعوَّل على النية  وَإن هذا إجمالٌ يورث جَهالة العوض، ويتعيّن الرجوع إلى مهر المثل، وَإن اتفقا على النيّة وزعم أن هذا صريحٌ في الإجمال، فالنية لا تؤثر فيه ، هذه مَراتب الإجمال، وَهي متقاربةٌ والفرقُ عسير، وَقياسُ سائر المعاملات الحُكم بالجهالة في الكُل، ولكن المذهب ما نقلناه، وعن هذا تصرَّف الشيخ أبو محمد فقال: إنما تنتفي  الجهالة بالنية إذا كانا قد توافقا من قبل على إرادَة النوع المعَيّن باللفظ المُطلَق، فإن لم يَسْبِق توافق فهو مجهُول، ثم طرد هذا في سائر  المعاملات، وَلم يخصصه بهذه المسألة، تشوفاً منه إلى القياس ، وَهذا يلاحظ  مسألة السِرّ وَالعلانية [في المهر، والأصح أن الاعتبار فيه بمهر العلانية]   ، وإن تغيير اللغة لا سبيل إليه وَلكن هذا أقرب من ذلكَ؛ لأنه في حُكم بيان مجمل لا في حُكم تعيين  صَريح هذا نقل المذهب، ووجهُ  الإشكال في محل التوافق على القصد ، فأمَّا الاختلاف ففيه صُورٌ","part":1,"page":66},{"id":1353,"text":"إحداها: أن يقول الزوج: أردتُ الدرَاهم وَأنتِ أيضاً أردتِ ذلكَ، فقالت : المرأة لا بل أردتُ  الفلوسَ فالبينونة حَاصلة وفاقاً، وَالوجه التحالف إذا كنا نقضي بثبوت المسمى عند التوافق كما إذا جرى التصريح؛ لأن النية التحقت باللفظِ فيه ، وذكرَ العراقيون وَجهاً وزيفوه أن التحالف لا يجري؛ لأن هذا تنازع يرجعُ  إلى النية ، وَهذا فاسد؛ لأن التنازع في اللفظ كالتنازع في النيّة، وَكلٌ يختص بلفظهِ، وَيرجع إليه فيه كما رجع  إليه في نيّته \rالثانية: أن يتوافقا على أن الزوج أراد به الدرّاهم ولكن قالت المرأة: (أنا أردت الفلوس) ، وقال الزوج: لا بل أردتِ الدرَاهم كما أردتُ، فالقول قولها، وَإذا حلفت فمُوجب (قولها)  لو صدق أن لا يقع الطلاق، ولا يجب عليها شيء، وإذ حَلَفت فلا حُكم لقولها في دفع البينونة؛ فإنها مأخوذة من قول الزوج ونيته، نعم يندَفعُ عنها العوض المدَّعَى \rالثالثة: أن يتوافقا على أنها أرادت الفلوس وَلكن قال الزوج: أردتُ الدرَاهم، وغرضه نفي الفرقة؛ كيلا يكون القبُول موافقاً للإيجاب، وقالت المرأةُ بل أردتَ الفلوس وَالبينونة حاصلة، قال القاضي: وَقع الطلاق وَالرجوع إلى مهر المثل ، أما الرجوع إلى العوض فلا وجه له؛ لأن مُوْجِب قَولِه أن لا عوض ، فأما  وقوع الطلاق فله وجهٌ للتوافق على اللفظ حيث قال:  خالعتُ على ألف، فقالت: قبلتُ على ألف، فيعتمدُ ظاهر الإيجاب وَالقبُول، وَيجبُ فيه الحُكم بوقوع الطلاق وَإن توافقا على اختلاف القصد، وقد صَرح به القاضي ","part":1,"page":67},{"id":1354,"text":"الرَابعة: أن يتوافقا على أنه أراد الدراهم فقالت المرأة: أردتُ الدراهم ووقعت الفرقة، وقال الزوج: بل أردتِ الفلوس فلا  فرقة، قال القاضي: القول قولها في نيَّتها، وَإذا حلفت وقعت الفرقة، ولم يقبل قول الزوج عليها، والرجُوع إلى مهر المثل ، أمّا وقوع الفرقة فكما قال، وأمَّا مهر المثل فمشكل؛ لأن الزوجُ يدعى عَدَمَ الفرقة وَعدمَ العوض، فيستحيلُ  أن يُطالب به؛ فالوجه نفي العوض، وَالحُكم بوقوع الفرقة \rالخامسَةُ: إذا قال الزوج: أردتُ الدراهم، وَلم يدّع عليها شيئاً في النية، (وقالَت)  المرأة: أردتُ الفلوس ولم (تدّع عليه)  شيئاً فالطلاق وَاقع اعتماداً على ظاهر الإيجاب وَالقبول، هذا ما ذكره القاضي ، ثم قال: يتحالفان، وَهذا لا وَجه له؛ لأن الزوجَ ليسَ يدَّعي مالاً معيناً عليها فيتعيَّن هاهنا الرجُوع إلى مهر المثل \rفإن قال قائل: لم وقعَ الطلاق معَ التصادُق على اختلاف النية وَالنيةُ كاللفظ في هذا المقام، وَلو اختلف اللفظ لما وَقعَ شيءٌ\rقلنا: لأن اللفظ مصَرِّحٌ به، وَنحنُ لا نُعوِّلُ هاهُنَا على التوافق الظاهر في القبُول فنُحكمُ بوقوع الطلاق ظاهراً، ولا ندرأ أمراً  ملفُوظاً به بنيّةٍ لا تفرض منها هذا  وَجهه ، فإن قيل: هذا حُكم الظاهر فما حكم الباطن","part":1,"page":68},{"id":1355,"text":"قلنا: القياسُ يقتضي أن لا يقع الطلاقُ باطناً لو تصوّر اطلاع (كل)  واحد منهما على شرط  صَاحبِه  كما إذا قال: أنتِ طالق ينوي  به الطلاقَ عن وثاق فيُحكم بالطلاق ظاهراً ولكنه يُدَيّن بينهُ وبين الله تعالى؛ لأنه مُطلعٌ  على نيّة نفسه وَفي هذه الصورَة لا يطلع على نيّتهَا فضاهى  مَا لو قال: وَاحدٌ من رجلين إن كان هذا غراباً فامرأته  طالق، وقال آخر: إن  لم يَكن غراباً (فامرأتي طالق) ، فلا يُحكمُ في الباطن بشيءٍ؛ إذ هوَ منُوط بعلم الله  وَلا مُطلع عليه فكذلك أمر النيّة فالاحتياطُ اعتقاد حصُول البينُونة اعتماداً على ظاهر اللفظ معَ اليأس عن الاطلاع على النية، هذا تحقيق القول فيه بقي  الإشكال في حُكم القاضي عند الاختلاف في القصد  بالرجُوع إلى مهر المثل، وَهوَ مشكل فَكأنّه  يقولُ: إذا اختلف القصد فوجوده كعدمهِ (فيكون الألف مجهولاً)  وإنما يُؤثر القصدُ إذا توافقا على قصد وَاحد وادعَيا التوافق على القصد \rالنوع الثالثُ: من الاختلاف في عددَ الطلاق وَله صورتان:\rإحداهما: أن المرأة إذا قالت: طلقني ثلاث تطليقات  على ألف، فقبلتُها، فقال : سَأَلْتِني طلقةً على ألفٍ فاجبتُكِ فهذا نزاعٌ واقعٌ في مقدَار العوضِ وَهيَ الطَّلقات، مَع الاتفاق على قدرِ العوض","part":1,"page":69},{"id":1356,"text":"الثاني وهوَ الألف فقال أصحابنا يتحالفان، ثم يثبت الرجُوع إلى مهر المثل ، ففيه يَظهر أثر التحالف، وإلا فالقول قول الزوج في نفي ما عدا (الواحدَة)  المقَر بها، ولا يظهر أثر التَّحالف فيه، وَإنما يظهر أثرُه في البَدل، وَهذا فيه إشكال؛ لأن الألف متفق على لزومه، والقولُ في الطلاق قولُ الرجل، ولا مزيد على (وَاحدة اعترف بها)  فلا معنى للتحالف، وفائدتهُ الرجوع إلى غير المُسَمّى المتفق عليه، وَلكن وَجهه: أن قياسَ التحالف رَدّ المُسمّى إليه  وَردّ الطلاق أيضاً حتى يجعل كأنه لم يُطَلِّق، وَلكن الفراق لا يقبل الردّ، ولا سبيل إلى تتبّعه بعد التوافق على وقوعِه، بل يعدّ اعتراف الزوج به، فجرينا على قياس التحالفِ، وَطرّقنا  الفسخ إلى ما تطرق إليه \rالصورة  الثانية: أن تقول: المرأة سألتُك أن تطلقني ثلاثاً بألف وَطلقتني  وَاحدة، وقال الزوج: بل طلقتُك ثلاثاً: كما استدعَيتِ، فقد نقل القَفَّال عن الكبير في هذه المسألة أن الشافعي قال: إن لم يكن قد طال الفصل وَقع الثلاث، وَإن طال الفصل ومضى مَا يُبطل خيار القبُول فالطلقات وَاقعة بإقرار الزوج ويتحالفان؛ لأنه يَدَّعي عليها كمال الألف، وَهي تقرّ بثلث الألف، وَإذا تحالفا فالرجُوع إلى مهر المثل، هذا هوَ النص ، وقد اقتصَر الفوراني ومُعظم الأصحاب على إطلاق القول كذلك ، وَهذا النصّ مشكلٌ في طرفي اتصال الزمان وَانفصَاله، أما طرف الاتصال فوجهُ النصّ أنه إذا قَرُبَ الزمان يُجعَل كأنه أنشأ [في الحال]  الإسعاف بما سألت فانطبقَت على السُؤَال ، وفيه إشكال من وجهين:\rأحدهما: أنه مقرٌ عن تطليقات سابقة، وَليسَ مُنْشِئ في الحال، فكيف يكون الإخبارُ عن سابقٍ جواباً، والآخر:  أنه إن كانَ طَلّق واحدةً كما قالَته، فقد بانت بثُلث الألف فلا يلحقها الطلاق بعد البينونة","part":1,"page":70},{"id":1357,"text":"فأجابَ الأصحاب  عن الإشكالين فقالوا: أمَّا الإقرار فقد يُنَزَّل منزلة الإنشاء في حالة القدرَة على الإنشاء، وهذا كالرجل يدعي الارتجاع والزوجة منكِرَة فقد تقبل  دعوَاه الارتجاع، وَإن كان إخباراً عن سابق في صيغة يُجْعل إنشاء في الحال على ما سنذكره في الرجعة \rفأمّا  الإشكال الثاني في أن الطلاق لا يلحق بعدَ الطلاق، فوَجههُ: أنَّ من قال لزوجته قبل المسيس: [أنت طالق وطالق لا يقع إلا واحدة تَبِين بها، والثاني لا يلحقها، ولو قالت: إن دخلت الدار]  أنتِ  طالق وَطالق إن  دَخلت [الدار]  فيقع طلقتان، أم طلقة وَاحدة فعلى وَجهين، فعلى وَجه: تجعل الصفة  جامعة للطلقتين المتواليتين في الذكر، فكذلك لا يبعُد أن يُجعل سؤالها جامعاً حتى لو قالت: طلقني ثلثاً على ألف، فقال: أنتِ طالق وطالق وطالق [يقع الثَلاث بالألف، ويكون العوض كالدخول، وإذا تمهد هذا على أحد الوجهين، فإذا اتصل الزمان فيلحق ما يصدر منه آخراً بالأول، وإن كان صيغة أخبار فنزل منزلة الإنشاء كما ذكرناه، وما ذكروه لا يشفي الغليل فإن الوجه القطع، وإنها إذا قالت: طلقني ثلاثاً على ألف فقال: أنت طالق وطالق وطالق] ، لا يقع إلا واحدة بخلاف مسألة الدخول، فإن [الطلاقين]  في مسألة التعليق بالصفة يجتمعان من حيث الزمان على وَقت الدخُول، وإذا قال لزوجته قبل الدخول: أنتِ طالق وطالق، لم يقع إلا واحدة؛ لأن اللفظ في الوجود وَقع مترتباً ، وَحُكمُ اللفظ لا يسبق اللفظ فيستحيل تقدير الاجتماع فيه، وَمسألة السؤال تضاهي ذَلك؛ فإنَّ الاعتماد على اللفظ، وَقد وَقعَ اللفظ مَتوالياً، وَأما تنزيل الإقرار منزلة الإنشاء فلا يستقيم في تعليله فقهٌ كما سنذكره، ولكن إن قيل به فلا خير فيه، وَقد بَيَّنَا أن الطلقة الواحدة تُبِين","part":1,"page":71},{"id":1358,"text":"والثانية: لا تلحق، وَهذا  وَجهُ الإشكال ، وَمن أصحابنا من حمل النص على ما إذا قال : سألتكَ ثلاثاً بألف فطلقتني واحدةً بألف، ورامَتْ بذلك أن لا يقع شيء حتى يتصَوّر التطليق بعدَهُ، وَهذا فاسد؛ إذ في مساق النصّ ما يُصرِّح ببطلان هذا التأويل ، فالوجهُ أن يُحمَل النصّ المنقول عن الشافعي على خلل في النقل، أو زلل في النسخَة  ونذكر ما هُو الحقُ في المسألة، ونقولُ: إن قال الزوج ما طلقتُك من قبلُ وَأنا  أطلقُك الآن ثلاثاً  بألف، والزمان متصل وَقع الطلاق ، واستحق الألف، ودعواها عليه تطليقة  قبل ذلك لا يقبل عليه، نعم لها أن تُحَلِّفهُ ولو قال الزوج: طلقتُكِ ثلاثاً من قَبْل، وهي تزعمُ أنه طلقها واحدة فلا ينفع، والصورَة قرب الزمان فإن الإنشاء بعد جريان الطلاق المُبِيْن  غير مُمكن فنحكم بوُقُوع الثلاثة مُؤاخذَة للزوج، بموجب قوله، وَلكن لا يُقْبل قوله عليها في استحقاق تمام الألف عليها؛ فإنها المسْتَحَق عليها فالرجوع إلى قولها، كما أنه المطلِّق فالرجُوع إلى قوله في أصل الطلاق وعدده، فالقول قولها مع يمينها في الزيادة التي يدعيها الزوج ، وَأمَّا طرق انفصال الزمان فقد قال الشافعي: لا يستحق كمال المُسَمّى، وَهو حقٌّ ولكن نقل أنه قال: يتحالفان ، وهذا مشكل؛ لأن التحالف يجري إذا وقع نزاعٌ في صفة العقد، أو صفة المعقود، وهاهنا قد اتفقا  على أن العوضَ ألف، وَأن المسؤول ثلاثة، وَإنما الاختلاف فيما وَقع فالوجهُ الرجُوع إلى قوله فيما وقع، وأن لا يستحق عليها إلا القدر المُستَحَقّ المتفق عليه، ثم للزوج أن يحلفها على نفي العلم بأنه ما طلقها ثلاثاً؛ فإنها تَحْلِف على فعل الغير، واليمين على فعل الغير  تجري على هذا الوجه، فإن قيل: هلا قلتم يتحالفان؛ لأن الزوج من وجه مُصَدَّق في التطليق، وَالمرأة مُصَدَّقة في عدم التزام  البدلِ فيتعارض الأصلان، وَهذا منشأ التَّحَالف","part":1,"page":72},{"id":1359,"text":"قلنا: إن كان لما نقله الأصحاب وَجهٌ فهذا وجهٌ  ولكنه ضعيف؛ لأن الزوج فيما يَدَّعى إيقاعه بمثابة البائع يدعى تسليم المبيع إلى المشتري وتلفَهُ في يده مع إنكار المشتري للقبض  هذا وجه التنبيه على النقل وَالإشكال \rالنوع الرَّابعُ: الاختلاف في المستَحقّ عليه، وَفيه ثلاث  صُوَر:\rإحداها: أن يقول الزوج: طلقتُك على ألفٍ، فَقَبِلْتِ وَالتَزَمْتِ، وَقالت المرأة: إنما قبلِهَا أجْنَبيٌّ عن نفسه فلا شيء عليَّ، وإنّما جَرى الخلع بينك وبين الأجنبي فالبينونة واقعة ولا شيء للزوج على الأجنبي؛ لاعترافه  بأن الخلع جَرى (معهَا فالقول)  قولها في أنها ما التَزَمَت، وَهذا واضح \rالصورة الثانية: أن يقول الزوج : خالعتُك على ألفٍ، التزمتها مطلقاً، وقالت: بل أضفتُ الالتزام إلى فلان وقلتُ: قبلتُ عنه، وكنتُ وكيله، وَلم أضِف الالتزام إلى نفسي، وَلا  شيء عليَّ إذ السَّفيرُ لا يُطالبُ، قال: المراوزة يتحالفان وَالرجُوع إلى مهر المثل ووجههُ: أنهما اتفقا على جريان العقد بينهما، وَاختلفا في صفة العقد ، وذكر العراقيون وَجهين:\rأحدهما: ما ذكره  المراوزة \rوالثاني: أنهُمَا لا يتحالفان؛ لأنها أنكرت أصل  الالتزام، وَالأصل براءة ذمتها، وَهذا هُو القياس ، لكنهم أفسدوه بالتفريع [عليه] ، فقالوا: لا تَحَالف وَلكن  يلزمها مهر المثل، وَهذا لا وجه له؛ لأنها إذا حَلَفت ينبغي أن تصدَّق وليسَ  المُطالبة بمهر المثل مُوجبُ  التصديق، (ويُمكن توجيه)  ما ذكره المراوزة بأنه جَرِى [من]  أصل العقدِ، وَما فيه الالتزام وَلكنها ادَّعت سقوط اللزوم بإضافته ، وَهيَ صاحبَةُ الواقعة، وَيَبعُد إضافتها إلى غيرها فيتعارض القول في تصديق كل وَاحد  منهما وتكذيبه فيَتَحَالفان ، وَالوجه الآخر أوجهَ وأقيَس","part":1,"page":73},{"id":1360,"text":"الصورَةُ الثالثةُ: إذا جَرى الخلع بينَهُ وبينها وَاطلقتِ الاختلاع، ثم ادّعت أنها أضمرت الإضافة إلى أجنبيّ وَكَّلَها، فقد نُقل ثلاثة أقوال:\rإحداها : أنهما يتحالفان؛ لرجُوع الاختلاف إلى صفة العقد \rوالثاني: أن القول قول الزوج؛ لأن الظاهر ما يدَّعيه عند [إطلاق]  الاختلاع \rوَالثالث: أن القول قولها؛ فإنها الناوِيةُ، والرجوع في النيّة إلى صاحبها، وَهذه المسألة فيها تعقيدٌ، فالوَجهُ في (حله)  أن يُقال: إن فرعنا على أن الوكيل إذا أطلق اللفظ مُطالب مَع اعتراف المعامل بالوكالة فلا فائدَة لهذا النزاع، فإنها مُطالبة، وَإن قلنا: (إنها غير مُطالبة)  نُظر فإن أنكر الزوج أصل التوكيل فهي مُطالبة أيضاً، وَإن اعترف بأصل التوكيل ووقعَ النزاع في نيتها فيتّجه هَاهُنَا احتمال، وَالأظهرُ تصديقها؛ فإنها مقتدرة على الجهتين وهي الناوِية فالرجُوع  فيه إليها \rهذا تمامُ الغرض من كتاب الخلع، وَلم نألُوا جُهداً في اجتناب التكرير، ورعاية الترتيب، وَحَل الإشكالات مع اختصاص هذا الكتاب بالغموض والإشكال ","part":1,"page":74},{"id":1361,"text":"كتَابُ الطلاق\rوَالكلامُ فيه ينقسمُ قسمين:\rأحدُهما: في غمُوض أحكام الطلاق\rوالثاني: فيما يختصّ بالتعليق، وَالقسمُ الأوَّل فيه ستة أبواب:\rالبابُ الأوَّلُ من القسم الأوَّل\rفي بيان معنى السُنَّة وَالبدعة في الطلاق وَأحكامه\rوفيه فصلان:\rالفصْل الأوّلُ: (في معنى السنة والبدعة وبيان) مَواقعها\rفنقُول: اتفق العلماء [ أ] على انقسام الطلاق إلى السُنِّي وَالبدعي بعدَ اتفاقهم على ثبوت أصل الطلاق في النكاح، واستنادهم فيه إلى نَصّ الكتاب، وَسُنّة الرسُول [عليه السلام]، وإجماع الأُمّة، وَالسُنَّة والبدعة عبارتان تداولتهما ألسنة عُلماء الشرع\rوالمعنى بالبدعي: هو الطلاق المحَرَّم إيقاعه النافذ مع التحريم خلافاً للشيعَةِ حيث حَكموا بأن البدعي غير نافذ\rوَالسُنِّيُّ: [ما] لا يوصَفُ بالتحريم، وَالطلاقُ البدعي: هو الواقعُ في حالة الحيض دون سؤالها بعد المسيس، وَالواقع في طهر جَامعهَا فيه، فهذان أصلان اتفق (العلماء عليهما)، وَكل امرأةٍ مَمسُوسَةٍ ينقسم حَالُها إلى طُهْر وَحيض\rفالطلاق في حيضها بدعيٌّ إلا بسؤالها، وفي الطهر بدعِيٌّ إلا إذا لم يجامعها في الطهر، أو تَبَيَّن كونها حاملاً على يقين، ومُستند التحريم في الحيض ما روي أن ابن عُمر طلق زوجته في حالةِ الحيض، فقال رَسُول الله [(لعُمر)]: (مُرهُ فليُرَاجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلقها، وَإن شاء أمسكهَا فتلكَ العدّةُ التي أمرَ الله تعالى أن يُطلق لها النساء)، وَأشار به إلى قوله تعالى:","part":1,"page":1},{"id":1362,"text":"      وقد قرأ رسول الله  لقُبل عدّتهن ، والظاهر أنه ذكر ذلك في معرض التفسير وَالمعْنِي به الطلاق لوقت (يشرعن [به] في العدّة عقيبها، وَإذ)  طُلِّقت في الحيض لم يحسب  بقية الحيض فتطول عليها مُدّةَ التربُّص، فذلك  مُجتَنِبٌ مُراعاةً لجانبها، هذا ضبط المذهبَ بالمَعْنِي، وَالتعويلُ على الحديث ، وَالتحريم\rبسبَب تطويل العدة، يندَفع بالخلع، فإذا طلقها على مال فلا تحريم، وَالأصل فيه ما روى أن زوجَة ثابت أمرَها رسُول الله   بالافتداء وَلم يستفصل  مَع انقسام أحوال النساء غالباً  نعم، لو طلقها برضاها (من غير)  عوض فهذا فيه وَجهان:\rأحدهما: أنه لا بدعة كما إذا اختلعت فإن المحذور  تطويل العدة عليها، فإذا (رضيت)  في الخلع سقط التحريم، فكذلك إذا رضيت بمُجرّد الطلاق \rوالثاني: أنه يحرم؛ لأن حدود الشريعة لا يجوز خرمها بالنظر  إلى الرضا والسخط ، وَأمَّا أمرُ الخلع فمأخوذٌ من حديث زوجَة ثابت، وليسَ الرضا في معناهُ؛ لأن الخلع افتداء يراد منهُ التخلُص فلا يليق به تكلف (تخير)  الأوقات \rومما يَتَطرَّق إليه الاحتمال خلع الأجنبي في زمان الحيض\rحكى الشيخ أبو محمد عن القفال أنه محظور؛ لأن الحديث ورَدَ في اختلاعها  وبها يليق الافتداء، وَيحتملُ أن يقال: الخلعُ في جنسِه لا بدعَة فيه؛ لأنه افتداء،\rوالأول أظهرُ \rوَأمَّا المُولي إذا طولب بالطلاق في زمان الحيض فأجاب فليس الطلاق بدعياً وإن ترددنَا في الطلاق بسؤالها؛ لأن هذا سؤال حق يستحق  لدفع الضرار  فكان شديد الشبه بالخلع فخرج منه نفي البدعَة في الخلع، وَطلاق المُؤلي  وَالتردد في حالة رضاها وَفي خلع الأجنبي؛ لتعارُض معنى الافتداء والرضا في المسألتين على التناقُض ","part":1,"page":2},{"id":1363,"text":"الأصل الثاني في البدعة: الطلاق في طهر جَرى الجماع فيه، وَهو بدعَةٌ أيضاً بالاتفاق ، وَقد اختلفوا في هذا الأصل في مسائل:\rإحداها: الخلعُ في هذه الحالة قال القاضي يحتمل أن يقال: هُوَ بدعة أيضاً؛ لأن مُستندَ التحريم (خيفة النَدم)  على الولد، إذا تبيّن أنهَا حامل؛ إذ لو عرف الرجل ذلك فربما كان ينكف، ورضا المرأة لا يؤثرُ في أمر  الولد، وإن كان يُؤثر في جَوازِ تطويل العدة عليها، والوجهُ القطع بجواز الخلع لحديث زوجة ثابت وإعراض رسُول الله   عن  الاستفصال معَ أن الطهر غير بعيد، وَلا الجمَاع فيه، فليخرج الافتداء عن\rمحل البدعَة \rالثانيةُ: إذا وطئهَا في الحيض ثم طهرت، قال الشيخ أبو علي: عليه أن يصبر حتى يتبين ؛ إذ يحتمل العلوق في حالة الحيض، فهوَ في معنى الوَطء في الطهر، وَهذا فيه احتمال من حيث إن بقيّة الحيض قد دَل  على نفي العلوق \rالثالثة: إذا أتاها في غير المأتَى في الطهر، وَعَلم أن الماء لم يسبق إلى الرحمِ تردد فيه الشيخ أبو (علي) ، وَمال إلى أن هذا لا يثير بدعة، وَالظاهرُ أخذ ذلك من العدّة وقد ذكرنا أن هذا الوطء هل يُوجب العدة \rالرابعة: إذا  استدخلت المرأة ماء الرجل  كان هذا كالوطء، فإن معنى الندَم في حق الوَلد جارٍ وَالحالةُ هذه، وَهذا مما لم يُتردد فيه ، وتمامُ  الغرض في  هذه المسائل، وضبطها في طرف الإثبات ما ذكرناه، وضبطها في طَرف النفي أن نقول: خمسةٌ من النسوة لا بدعةَ في طلاقهن وَلا سُنَّة: المختلعة، وغير المدخول بها؛ إذ لا عدة عليها، وَالصغيرة إذ ليسَ لها حيض، ولا توقّع حَمل، والآيسة؛ فإنها في معنى الصغيرة بناءً على ظاهر الأمر، وَإعراضاً عن توقع النوادر، وَالحامل إذا تبيّن أنها حامل؛ فإنها \rلا تزيدُ ولا تنقُص، (ولا يتوقع للمُدّة)  طُولٌ، ولا يتوقع ندم مع جريان الطلاق\rعلى ثبت ","part":1,"page":3},{"id":1364,"text":"فأمّا الجمعُ بين الطلقات الثلاث فليسَ من البدعَة عندنَا في شيء ، خلافاً لأبي حنيفة فإنه جعل الجمع أحدَ مدارك البدعَة كالطلاق في الحيض \rفإن قيل: فقد قال رسُول الله   (أبغضُ المباحَات إلى الله الطلاق) \rفما معناه\rقلنا: هذا أوّلاً في أصل الطلاق، وَقد قال الفقهاء أصل الطلاق مَكروه لهذا الحديث، إلا أن الفقهاء يتساهلون (بإطلاق لفظ الكَراهَة)  بأدنى مخيلة، والأصُوليون لا يسمَحُونَ به ، فالوجه أن يقال: مَهما كان له غرض في تطليقها فلا كَراهية؛ بأن كان يُريبُه منها أمرٌ أو كان لا يهواها، (أو  لا) تسمح نفسه بمؤونتها وَإن لم يكن غرض بحال (فلابُدّ من)  إطلاق الكراهة ؛ فإنه (إبطال ملك)  من غير فائدة، وحيث\r(تنتفي الكراهة)  عن أصل الطلاق فلا تثبت  لأجل الجمع بين العدد كراهيةٌ، نعم لا ننكر أن وضع الشرع ينسحبُ  على التفريق والتدريج [كي]  لا يلحقه ندَم وَلكن لا ينتهي الأمرُ إلى كراهة ، نعم قال الشيخ أبو علي في شرح التلخيص: جمع الطلقات لا بدعَة فيه، وَلكن هل يقال  السَنّة تفريقها، فعلى وجهين ، وَهذا [مما]  يدل على التردُد في أنه هل يستحب التفريق وليسَ في إثبات الاستحباب في  التفريق إثبات الكراهة في الجمع؛ إذ استيعاب الأوقات بالعبادات مستحب وتاركُها  ليس مقتحماً (كراهة)  فليدرك الناظرُ الفرق بين الكراهة في الفعل وَالنَدب إلى نقيضه (كان يدل)  كلامه أيضاً على التردد في أنه هل يُطلق عليه  اسم السُنّة أعنى على التفريق ويُفِيدُ ذلكَ أنه لو قال: أنتِ طالق ثلاثاً للسُنَّة، وَفَسَّرَ بالتفريق على الأقراء قبل ظاهراً، وَهو بعيدٌ يخالف المذهب وَالنصُّ، وَلفظُ السُنَّة وَالبدعةَ يتعاقبان فلو كان التفريق  سنة لكان في الجمع بدعَة \rفرع: إذا أقدمَ  على طلاق بدعي فيُستحبُ [له]  الارتجاع لقصّة ابن  عُمَر إذ قال : (مُره فليُرَاجعها)","part":1,"page":4},{"id":1365,"text":"فإن قيل: فهلا حُمل على الوُجُوب إذ قال: مُرهُ [فليُراجعها]) \rقلنا: أجمعَ الأصحاب على أن ذلك لا يجب، وإن تركه أيضاً لا تطلق عليه الكراهية ، وَإنما النهاية استحباب الرجعة؛ لأن المنوط به تدارك تطويل العدة، أو تدارك الندم في زمان الطُهر، وَهذا لا يبلغ بعد جريان سبب وقوعه مبلغاً يجب رفعه \rثم إذا رَاجعها فهل له أن (يطلقها)  إذا انقضت بقية هذا الحيض فيه وَجهان مشهوران:\rأحدُهما: أنه يجوز؛ إذ لا حيض ولا جماع حتى يتوقع ندامة \rوَالثاني: أنه يحرَم؛ لأن ذلك يُؤدي إلى أن تكون الرجعة لأجل الطلاق، وَلا يليق ذلكَ بمحاسن الشارع فليُمسكَها في طُهر، ثم ليُطلقها في الطُهر الذي بعده، وَيشهد له قوله عليه السلام: (مُره فليُراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر)  والقائل الأوَّل يتعلق بروَاية مالك عن نافع عن ابن  عُمر أنه عليه السلام قال: (مُره فليراجعها حتى تحيض [ثم تطهر] ) ، وَهذا القائل يحمل قوله تحيض  على انقضاء بقية الحيض، وَالقائل الأوَّل يحمله على حيضٍ مُستَفتح، وَالمذهب الذي عليه الجمهورُ أنه لا يُطلقها في الطهر الأوَّل \rالتفريع: إن قلنا: لا يُطلقها فهل يستحبُ أن يجامعها مَرَّة تحقيقاً للمعنى الذي ذكرناه (وجهان)  وَلا يخفى مأخذ التردد \rالتفريع: إذا  قلنا: يستحب فلو طلقها كما رَاجعَها في الحيض فالأمرُ مستدَام، وَما جرى لا يُعتدّ به؛ لأنه منهي عنهُ لا يتعلق به غرضٌ في الشرع من هذا الجنس ","part":1,"page":5},{"id":1366,"text":"فأمَّا إذا طلَّقها في طهر لا جماع فيه ثم راجعها فله أن يطلِّقها كما راجعها؛ إذ لا بدعة، ولم يكن الأوَّل بدعيّاً حتى يخصّص في استدرَاكه طريقاً ، وَحكى القاضي وجها: -لم يُرَ لغَيرهِ وزيَّفه- أن الطلاق بدعيٌّ؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون غرض الرجعَة الطلاق فقط  وَهذا بعيدٌ لا وجهَ له ، هذا تمهيدُ القول في الطلاق السُنِّي وَالبدعيّ وَمجاريهما وَمأخذهما نقلاً وفقهاً وَمما  يتصل به أن التعليق بصفة مُطلقاً لا يوصف بالبدعة، وإن كان يتوقعَ وُقوعه في حالة الحيض؛ لأن الأوّلين لم يحظروا تعليق الطلاق، وَلا فَصّلُوا والمتّبع الحديث، نعم إذا وقع الطلاق فينظر فإن كان في حيض فهوَ بدعَةً وإلا فهو سُنَّة، أما وصف التعليق بالبدعة فلا  وَجه له، وحكى عن القفال أن نفس التعليق المُطلق بدعَةٌ لتردّده ، وَهو ضعيف \rالفصل الثاني: في تقييد  الطلاق بالسُنّة، وَالبدعة\rتنجيزاً وتعليقاً\rوَفيه مسائل:\rإحداها: أن يُعلق طلاقها بآخر جزءٍ من الحيض، وقال: أنت طالق معَ آخر جُزءٍ من الحيض فَهي تستقبل أوَّل الطهر، وَهو مُعتدٌّ  من العدة فلا يؤدي إلى التطويل ولكنه يصادف الحيض، وَكذلك لو قال: أنتِ طالق مع آخر جزءٍ من الطهر، وقلنا: إن الانتقال ليس بقرءٍ فهذا تطويلٌ وَلكن صادف الطلاق عين الطهر ففي المسألتين وَجهان:\rأحدُهما: النظر إلى المعنى في المسألتين \rوَالثاني: اتباع عين  الطهر والحيض؛ لأن هذا المعنى ضعيف ، وإن ثبت فاتباع مظنته أولى من اتباعه في نفسِه، وَهذا مسلكٌ للنظر يعظم وقوعه في المسائل \rالثانية: إذا قال: أنتِ طالق للسُنّة وَالبدعة، فلا يخلوا إما إن خاطب به من يعتورها الحالتان أو خاطبَ به من ليسَ في حقها سُنةٌ ولا بدعَةٌ كالنسوة الخمس فإن خاطب","part":1,"page":6},{"id":1367,"text":"به معرضةً  للوصفين فقال للحَائض: أنتِ طالق للبدعة وقعَ في الحال، وإن قالَ: للسُنَّة لم يقع حتى تطهر، فإن  قال للتي طهرَت قبل الجماع: أنتِ طالق للبدعَة لم يقع\rفي الحال، بل (يقع حين)  تحيض أو يُجامعها، فيقعُ بعد غيبوبة الحشفة، فإنه\rأوَّل وقت البدعة، وَكذا القول في قوله: أنتِ طالق للسنة، وَالحاصل  أن اللاّم في هذا المقام للتأقيت، وَلذلك أجمعوا على أنه إذا قال: أنتِ طالق لشهر رمضان\rكان كالتأقيت \rوللتعليق صيغتان:\rإحداهما: أن يقول: إن كان كذا\rوالثاني: أن يقول إذا، وكلاهما في حُكم واحد إلا أن كلمة إن تستعمل فيما يتردّد فيه، فلو قال قائل: إن قامت القيامة فهذا كفر لأنه [لا]  تردُد فيه هَكذا قاله سيبويه  وقول القائل: أنتِ طالق لشهر رمضان معناه  إذا كان شهر رَمضان وَهوَ  فصيحٌ جارِ في اللِسَان، فأمَّا ما لا يجري مجرى الأوقات، فاللاَّمُ فيه للتعليل كقوله: أنت طالق لرضا فلان، فالطلاق يتنجَّز رَضي  أو سَخِط؛ لأن الطلاق مُسْتَقِل، وَالتعليل مُنشأ للطلاق الواقع فلا يدفعه أخطأ فيه أم أصاب ، وَلو قال: أنتِ طالق لدخول الدار، فهو تعليلٌ كقوله: لرضا فلان  ، وَلو قال: أنتِ طالق لقدوم زيد فهو محمول على التأقيت؛ لأنه من قبيل ما ينتظر فيه الأوقات، وَالدُخُول يكاد يقاربه في الظاهر وَلكنه ينفصل عنهُ عند (التأمل)  ، وَحيث حُمل على التعليل فلو قال: أردتُ به التأقيت فيُؤَثِّر  في الباطن، وَهل يقبل ذلكَ ظاهراً فيه خلاف سيأتي في محَلِّهِ ، والغَرضُ أن التعليق بصلة اللاّم بالسُنّة وَالبدعةِ في حق المعَرَّضة  للوصفين من قبيل التأقيت؛ لأن اعتقابهما عليها  كاعتقابِ الجديدين  \rفإن قيل: فإذا قال للتي طهُرت وَلم يُجامعها: أنتِ طالق للبدعَة، فوقع الطلاق بغيبُوبة الحشفة فما حُكمُ المهر","part":1,"page":7},{"id":1368,"text":"قلنا: كما غابت الحشفة وَجبَ الإمسَاك (ونزل)  التحريمِ وَإن كان الطلاق رَجعياً ، وَأمَّا  المهرُ فيجبُ بوَطء الرجعية ابتداءً إذا تركت حتى بانت ، وإن روجعت فوجهان ، والشافعي سَكتَ في دَوام الوطء عن وجوب المهر ونصّ في الصائم  إذا أصبح مجامعاً وَاستدام عمداً أنه يلزمُه الكفارة ، فاختلف الأصحابُ على طريقين منهم من قال قولان:\rأحدهما: يجبُ المهر وَالكفارَة في المسألتين إلحاقاً لدوام الوطء بابتدائه \rوَالثاني: أنه لا يجب في المسألتين لأن الوطء وَاحد فلا سبيل إلى تجزئة حُكمه، وَلم يتعلق المهر وَالكفارَة بأوَّلِهِ ، وَمنهم من فرق وَلم يُوجب المهرَ؛ لأن المهر الواجب في النكاح تناوَل أوَّل الوطء هاهنا؛ إذ المهرُ في مقابلة جميع الوطآت فيبعد أن يتعلق به مهرٌ ثانٍ، وَالكفارَة ليست كذلك  ، ثم لا خلاف في المسألتين أنه كما تغيّر الحُكم [إن]  نزع، فلا مهر ولا كفارة في المسألتين ، وَلو كان المُعَلَّق في مسألتنا الطلقات الثلاث فيتصَدّى  النظر في الحَدّ، فإن أخرج وَأولج معَ العلم فيجبُ الحد؛ لأنه في حُكم وطء مبتدأ، وفي مثله لا يتردّد [في]  وُجوب المهر وَالكفارَة في الرجعية  وَالصائم ، وَإن استدام وَلم ينزع فظاهرُ المذهَب أنه لا حَدّ لسقوطِه عن أوّله ، وَمنهم  من أوجبَ لوُجُود صُورَة الوطء معَ العِلم ، ثم إن أوجبنا الحَدّ فلا مهر ، وَإن أسقطنا الحَدّ فيخرج  على الخلاف السابق، فإن  نزع فلا حَدّ","part":1,"page":8},{"id":1369,"text":"ولا مهر   هذا إذا خاطبَ بقولهِ: أنتِ طالق للسُنَّة وَالبدعَة امرأةً تتعَرّض للحالتين، فأمَّا إذا خاطب به من لا تتعَرّض للحالتين  كغَير المَدخُول بهَا أو الصبيّة فقد اتفق الأصحاب على وقوع الطلاق ناجزاً سواء علق بالسنة أو البدعَة ، وَجعلوا ذلك تعليلاً في حقها؛ لأنا ألحقناه بالتأقيت لمضاهاة (اعتوار)  الحالتين اعتوار الأزمنة، وَذلكَ غير متصور في حقها   وليس يخفى أنه كان يحتمل ترقب الانقلاب إلى هذه الحالة بالمسيس، وَلكن لم يصر إليه صائر لما ذكرناه؛ إذ اللاّمُ في الوضع للتعليل فلا ينقَل  [إلى]  التأقيت إلا فيما ظهرَ فيه مشابهة الأوقات ، وَحكى الشيخ (أبو علي)  وَجهاً بعيداً لا بأس به، فقال: إن قال: (أنت)  طالق للسنة يقع، فإن المعْنِيّ بالسُنّة مَا هو مسوغ ، فإن  قال: للبدعَة فلا يتنجز بل ينتظر مصيرها إليه ، ثم قال الشيخ: الصحيح مَا  عليه الأصحاب أنه يتنجز في اللفظتين  جميعاً \rفأمَّا إذا صَرّح بالوقت وَقال لها: أنتِ طالق لوقتِ السُنَّة أو لوقتِ البدعة فإن نوى التعليل وَقع في الحال، وَإن لم تكن نيّة فالظاهر أيضاً وقوعه، وإن قال: أردتُ به التأقيت بمنتظر فيحتملُ قبوله؛ لأن تصريحه بالوقت يكادُ يلحقه بالمواقيت فليتأمله الناظر فلا نَقْل فيه ، فأمَّا إذا قال للمتعرضَة للحالتين: إذا قدِمَ زيد فأنتِ طالق للسنة، فإن قدمَ في طهر لم يجامعها فيه طلقت، وَإن كانَ في حيض فلا، وعلى هذا القياس التعليق بالبدعة [وإن علق بالقدوم مطلقاً فنفس التعليق لا نصفه بالبدعة] ؛ لتردده وَلكن إن قَدُمَ في حالة حيض وقع، وَكان الواقع بدعياً كما ذكرناه ، (ولم تكن)  في حالة التعليق من أهل السُنّة وَالبدعَة، ثم صارت من أهله عند وجود الصفة فالاعتبار فيه بحالة\rوجود الصفة ","part":1,"page":9},{"id":1370,"text":"الثالثة: إذا قال: أنتِ طالق ثلاثاً بعضهن للبدعَة وبعضُهُنّ للسنة، وَالمرأة بعرض الحالتين فللمسألة أحوال:\rإحداها: أن (يقول أردت تشطر)  الآحاد وَإيقاع ثلاثة أنصاف طلقة [في الحال]  فيقع الثلاث ، [وإن قال: أردت إيقاع اثنتين في الحال، والواحدة في الحال المنتظر قبِل]  ، وَإن قال: أردت إيقاع طلقة ونصف في الحال، وَهو التشطير  وقعت ثنتان ، وإن قال: أردت إيقاع وَاحدة في الحال وثنتين  في الحال المنتظر  فالظاهر أنه يقبل؛ لظُهور الاحتمال ، وإن قال: لم  تكن  لي نية، فالمنقُول\rعن الشافعي فيما حَكاهُ المزني وقوع طلقتين ، حملاً على التنصيف، وتكميلاً للبعض ، وتنزيلاً له منزلة ما لو قال: هذه الدار بعضها (لزيد وبعضها لعمرو،\rيُحمل ) على التشطير ، قال المزني: وقياس قول الشافعي أن لا يقع إلا طلقة؛\rلأن لفظ البعض مُجْمَل فينزل على الأقل ، وَقوله: وقياسُ قول الشافعي ينبغي\rأن يحمل على التخريج  ، وَتخريجهُ أولى من تخريج غيره إلا إذا استفتح\rمن  نفسِه أصلاً فعند ذلكَ لا يلحق بالمذهب  ، وَعلى هذا القياس في مسألة الدار يُرجع إليه، وَيُحكم بالإجمال، وَعلى النصّ  يتعيّن  الرَدّ إلى شطر   وَعلى هذا لو قال: أردتُ تنجيز واحده، فيحتمل أن يقال: لا يقبل؛ لأن الثنتين الأخريين  جعلهما بعضاً، وَلا يسمّى ذلك بعضاً فهوَ على خلاف الظاهر هذا مسَاق النص ، وقد ذكر صاحبُ التقريب وَالعراقيون وَجهين في ذلك:\rأحدهما: القبول؛ للاحتمال \rوالثاني: الرَدّ لمخالفة الظاهر فكأنا نقُول ظاهرُ اللفظ ما ذكرناه \rفإذا أبدى احتمالاً له ظهور فيتّجه قبوله على رَأيه ، وَليسَ هذا كقوله:\rأردتُ بالطلاق الطلاق عن الوثاق  على ما ستأتي مراتب القبول \rفي التَّديين  وفيما يقبل ","part":1,"page":10},{"id":1371,"text":"الرابعة: إذا قال: أنت طالقٌ أحسن الطلاق، (وَأجمله أو أعدله أو أفضله) ، أو ما يجري مجرَاه من صفات المديح  فهوَ كقوله: أنت طالق للسنة، فإن كان في زمان سُنّةٍ وقع ، فلو قال: أردت التأخير لم يقبل لأنه يبغي نفي طلاق ظاهره التنجيز ، وَلو كان في حالة بدعة لم يقع في الحال ، وَلو  قال: أردتُ به الحَّال فإن أحسنَ الطلاق أعجله وقع ؛ لأنه احتمالٌ في إيقاع الطلاق، وذلك مقبول وإن لم يقبل ما هو أظهر منه في (نفسه  فلو) قال: أنتِ طالق أقبح الطلاق وأسمجه  وأفضحه، وَما يجري مجراه من صفات الذم فمُطلقه محمُول على البدعة، وقياسُه ما ذكرناه في نقيضه على الضدّ منه ، فأمَّا إذا قال: أنتِ طالق طلقة حسنةً قبيحةً، أو لا حَسنةً ولا قبيحةً، (أو لا سُنِّيَّةً ولا بدعيَّة) ، وكانت  متعرّضةٌ (للسنة وَالبدعة)  أو لم تكن تنجّز الطلاق في جميع الأحوَال؛ فإنه جمع بين صفات متناقضة فتنتفي الصفات وتتساقط ويبقى مُطلق الطلاق ، وَلو (قيل: أرادَ)  به إيقاع طلاق لا وجود له، فكأنه حاوَل مُحَالاً فيلغوا  كلامه\rقلنا: لا سبيل إلى إلغاء الطلاق فهو كقوله:  أنتِ طالق طلاقاً لا يقع فلا يُنظر إليه، ويُحكم بوقوع الطلاق\rالخامسَةُ: إذا قال: أنتِ طالق ثلاثاً في كُل قرء طلقة نظر فإن كانت المرأة غير مدخول بها، وَكانت في حالة الحيض لم يقع شيء؛ لأن القرءَ عند الشافعي (رَحمهُ الله)  عبارَة عن طهر مُحتَوشٍ  بِدَمَيْن ، فإذا  طهرت أو كانَت في حالةِ الطهر وقعت طلقة وَبانت ، فلو طَهُرت بعد البينونة طهرين (ثم جددت نكاحها) فقد انحلَّت اليمين، وَلم يقع","part":1,"page":11},{"id":1372,"text":"الطلاق ، وَلو نكحها قبل الانقضاء فيبتني على عَود الحنث وَسنذكره ، وَإن كانت صغيرة فهل يقع في الحال وَجهان: مأخذهما أن الانتقال من الطهر إلى الحيض قرء أَمِ القرء هو الطهر المُحتَوشُ بحيضين ، وَإن كانت آيسَةً وحَاضَت من بَعد على ندورٍ وَقعت طلقة ، وَإن لم تحض فهل يُحكم بوقوع واحدة في الحال وجهان مأخذهما ما ذكرناه في الصغيرة ، وَحكى صَاحبُ التقريب وَجها غريباً أن الأقراء في حق الصغيرة محمُولة على الأشهر؛ لأنها بَدل الأقراء في حقها ، وَهذا بعيد؛ لأن اليمين تتبعُ الاسمَ لا تنزيل الشرع ، وَإن كانت مدخولاً بهَا من ذَوَات الأقراء وكانت حائلاً يقع عليها طلقة في طهرها، وتشرع في العدة، وتلحقها الثانية وَالثالثة في القرءين الأخيرين ، وَهل تستأنف العدّة فيه كلامٌ ذكرناهُ  ، وَسنذكرهُ في العدة  ، وَإن كانت حاملاً وَكانت لا ترى الدم، أو قلنا: إن دمها دم فساد وقعت وَاحدة في الحال؛ لأنه طهرٌ مُحتَوشٌ بحيضتين، وَإذا وضعت فقد انقضت العدّة وبانت فلا يلحقها الثانية في الطهر بعدَ النفاس إلا أن يُراجعها فيلحقها في الطهر بعدَ النفاس الطلاق الآخر ، وإن قضينا بأن الحامل تحيض فيقع في الطُهر الأول طلاق، وَهل يتكرّر بتكرر الطهر في مدة الحمل وَجهان:\rأحدهما: أنه يتكرر وَهوَ القياس؛ لأن القرء طُهرٌ بين حيضتين \rوالثاني: لا؛ لأن هذا لا يدل على براءة الرحم، فتخصَّص  بما يدل على البراءة ، وَهذا بعيدٌ عن اتباع الاسم ، فهذه خمسة أحَوال تنزّل المسألة عليها\rفأمّا إذا قال: أنت طالق ثلاثاً للسنة ثم قال: أردتُ به التفريق على الإقراء فنقدم على هذه المسألة قاعدَة التديين؛ فإنها تمسُّ الحاجة إليهَا في كثير من المسائل ","part":1,"page":12},{"id":1373,"text":"فنقول: إذا قال لزوجته: أنتِ طالق، ولم ينو الطلاق ولا غيره، وَقع الطلاق ظاهراً وباطناً؛ لأن اللفظ صَريح وَلو أراد به طلاقاً  عَن وثاق لم يقبل دَعوَاه ظاهراً؛ لأن اللفظ صَريحٌ ولكن الطلاقَ بينَه وَبين الله تعالى لا يقع، ويُعبر عن هذا المعنيَّ  [ولو قال: أنت طالق، ثم قال: أردت به طلاقاً لا يقع فهذا لغو، والطلاق واقع ظاهراً وباطناً؛ إذ النية إنما تؤثر فيما يليق به اللفظ إرادته، وهذا لو صرح به فهو تناقض]   فلو  قال: أنتِ طالق، ثم قال: أردتُ به إن دخلت الدار أو تعليقاً سوَاه فهل يدَيّن فيه وَجهان ، وَضابط محل التردّد ما ينتظم اللفظ لو ضم إلى اللفظ [الأول]  لا يصلح لإرادَته، وَمن هذا الجنس قوله: أنتِ طالق، ثم إضماره إن شاء الله ، وَوَجهُ التردّد  بَيّن من حيث إن هذه نيّة مجرّدَة لا مستندَ لها من لفظ بخلاف الطلاق عن الوثاق والنية المجرَّدَة لا أثر لها في الطلاق، ولذلك لو جزَم النية [بالطلاق]  لم يقع ، خلافاً لمالكٍ  [رَحمه الله] \rفإن قيل: نصَّ الشافعي على أنه لو قال: إن كلَّمتِ زيداً فأنتِ طالق، ثم قال: أردتُ به شهراً فلو (كلَّمته)  بعدَ شهر لم يقع الطلاق باطناً  واللفظ صريحٌ في الأزمان  ","part":1,"page":13},{"id":1374,"text":"قلنا: ليس الأمر كذلك؛ فإن تخصص العموم ليسَ من قبيل تغيير الصريح بل هُو تصرف في ظاهر ؛ ولذلكَ قال قائلون: العموم لا صيغة له؛ لكثرة إطلاق العموم في إرادة الخصوص، هذا ضبط الكلام في التديين، وقد يَظهر الاحتمال المُضَمر ظهُوراً قد يُقبل في الظاهر كما ذكرناَهُ في قوله: أنتِ طالق [ثلاثاً]  بعضهن للسُنّة وبعضهنّ للبدعةِ إذ أبَدَينَا تردداً في قبول بعض تأويلاته ظاهراً ، رَجعنا إلى مسألتنا فإذا قال: أردتُ بقولي: [أنتِ]  طالق ثلاثاً للسنة التفريق فهذا لا يُقبل ظاهراً؛ لأن اللفظ لا ينبئ عنه ، وَالشرع غير قاضٍ به إذ بيَّنَا من مذهبَ الشافعي أنه لا سُنَّة في التفريق ولا بِدعَة في الجمع ، فأمّا  تديينه فيتعلق بمحلّ التردُد كما إذا أضمرَ تأقيتاً أو تعليقاً؛ لأن هذا لو ضمّهُ إلى اللفظ فينتظم، ومُجرّد اللفظ غير صالح له ، وكذلكَ إذا قال: أنتِ طالق ثلاثاً وَلم يقُل للسُنة ثم فسّر بالتوزيع على الأقراء فهو كإضمار التأقيت وَالتعليق في حُكم التديين  \rوَممَّا يتصل بالتديين أن المرأة إذا نازعت زوجها وَنسبَتهُ إلى نكاح جديد  فقالَ في جَوابها: كل امرأة لي فهي طالق، فإن لم يَعزِلها بنيّة  وَقع الطلاق ، وَإن عزلها بنيّتهِ قال الشافعي: لا يقع؛ فإنه قال: إلا أن يعز لها بنيّته ، فاختلف أصحابنا منهم من قال: يقبل هذا ظاهراً؛ لأنه احتمال اعتضَد بقرينةٍ مصدّقة وهو تديّن في الباطن فيقبل في  الظاهر لظهُور الدلالة ، ومنهم من قال: لا يقبل ظاهراً؛ لأن اللفظ صريح في العموم ، ثم هؤلاء حملوا ما جَرى للشافعي على التديّن  ، وَمنهم من حمَل على خللٍ في النقل ، وَمن الأئمة من كان يستقرئ إلا إذا عزلها بتثنيته ، وهو الاستثناء الظاهر، وَهذا نسبَهُ الأصحاب إلى التصحيف مع التفاوتِ في عَدد الحُروف فلا وَجهَ له ، وقد مال القاضي إلى أنه يُقبَل ظاهراً، إذ الدعوَى قد تظهر","part":1,"page":14},{"id":1375,"text":"بالقرينة  ِ، وهذا الخلاف يطّرد فيما إذا كان يَحُلّ من الزوجَة وثاقاً (ثم قال)  لها: أنتِ طالق، ثم فسّر به، ففيه خلاف لظهُور القرينة ، وزاد القاضي على هذا فقال: لو قال: نسائي طوالق، وَعزل وَاحدة بنيته قُبِل من غير قرينةٍ في الظاهر، وَعَلل بأن العموم ليس بنص؛ فإنه قابلٌ للتخصيص ، وهذا ضعيفٌ؛ فإن العموم لا يخصّص إلا بدَليل ، ثم أبانَ القاضي في الألفاظ أربع مَرَاتب: صريح كقوله: أنتِ طالق، [فلا يقبل فيه الإضمار، ظاهر أو صريحٌ انضمت إليه قرينةٌ كما إذا حَلَّ الوثائق فقال: أنتِ طالق]  ففيه  تردّد، والظاهر قبوله، وظاهر بمطلَقه كالعموم فيه تردد، ولفظ لا ظاهرَ له كالكنايات فلا يُنَاط بمُطْلَقِهَا حُكم  وما ذكره حسن إلا في تخصيص العموم من غير قرينةٍ إذ يَبعُد أن يقُول الرجل: عبيدي إحرار ثم يَرُد العتق إلى ثلاثة منهم \r\rالبابُ الثاني\rفي بيان ما يشترط لوقوع الطلاق\rوَلابُدَّ فيه من متصرف هوَ من  أهل التصرف، وَهو المُكلف، فالصبي والمجنون خارج عن الجُملة وقد ذكرنا ذلكَ في سائر التصرفات، ولابدّ من صيغة للتصرف تدل عليه من لفظٍ أو فعْلٍ يَسُدّ مسَدَّه، ولابُدّ من قصدٍ إلى اللفظِ، ولابدّ من محلٍ يُضاف إليه، وَهوَ  المرأة، ولابد من ولاية على المحل، فهذه أمور أربعةٌ لابد منها بعد رعاية الأهليّة، وَذلكَ مما تقرّر بيانه في سائر التصرفات فنُعَبِّر عنها بالأركان \rالركن الأوّلُ: اللفظ، وفيه فصول :\rالفصْل الأوّلُ: في بيان مَراتب الألفاظ\rوَهي تنقسم ثلاثة أقسام: صَريح ، وَكناية ، وَما ليسَ بصريح وَلا كناية","part":1,"page":15},{"id":1376,"text":"أمَّا الصَريح فهي ثلاثة ألفاظ عند الشافعي [رحمه الله]  الطلاق، والفراق، والسراح   أمَّا الطلاق فمأخذهُ في كونه صَريحاً الشُيوع والتكَرُّر في الكتاب، وَأمَّا  الفراق والسراح فمأخذهما التكرر في القران ، وَقال أبو حنيفة [رحمه الله] : الطلاق هو الصَريحُ فقط ، وَقيل: للشافعي  قولٌ في القدِيم يُوافقه حَكاهُ العراقيُون ، وَهوَ مُتّجه؛ لأن التعليقَ بالقران فيه ضعف، فإن قوله تعالى: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانٍ  مَا سيق لبيان الطلاق  بهذه (اللفظة في الطلاق) ، وَإنما هُو كقول القائل: حَقٌّ الضيف أن يُحسَن إليه أو  يُسَرَّح، فلا يعني به أن يقال له: سَرّحتُك ، هذا تمهيد الفصل، وَتهذيبُ مأخذه برسم مسائل:\rإحداها: أن كل مَا يشتق  من لفظ الطلاق من فعل واسم كقوله: طلقتك، وأنت مُطلَّقة، وطالق كله صريح ، وَاختلفوا في شيئَين:\rأحدهما: قوله: أنتِ الطلاق، منهم من قال: ليسَ بصريح؛ لأنه غير شائع في العُرف، ولا تكرَّر  في القرآن ، وَالثاني: أنه صريح نظراً إلى أصلِ الكلمة، فإن هذه اللفظة لا تطلق إلا لإرادَة الفراق \rالثاني  لو قال: أطْلقتُك ، أو أنتِ مُطْلَقة، اشتق من الإطْلاق، فهذا لم يتعرض له الأصحاب، وفيه ترددٌ؛ لأن استعمال هذا في إطلاق الدواب وَحَل الرِبَاق   وَإرسَال المحبوس  شائع، وَمَهما حَسُن استعمال اللفظ شائعاً في غير معنى الفراق اندَفع به كونه صريحاً \rالثانية: الفعل من الفراق والسَّراح كقوله: سَرّحتُك وفارقتك صريحٌ ، والاسمُ كقوله: أنتِ مُسرحة وَمفارقةٌ فيه وَجهان:\rأحدهما: أنه صريح كالمُطلَّقَة نظراً إلى أصل الكلمة \rوالثاني: أنه كناية؛ لأن المُعتصَم القرآنُ، وَلم يَرد على صيغَة الاسم، وأما الطلاق؛ فإنه ورد التكرار  في القرآن معتضداً بشيُوع الاستعمال ","part":1,"page":16},{"id":1377,"text":"الثالثة: معنَى  هذه الألفاظ بسائر اللغات فيه ثلاثة أوجُه:\rأحدها: أنها ليست صريحة، وإليه ذهبَ الاصطخري؛ لأن المتبع التعبُّد عندَه، وَلذلكَ أجراه في النكاح، وهذا بعيد \rوالثاني: أن معنى هذه الصرائح بكل لسان صريح ، فمعنى قوله: أنتِ طالق: (تُوهشتَه أي)  : ومعنى  قوله: طلقتك: (دست  بازداً شتمُ)  ، وَمعنى فارقتك: (أز تو جدا كشتر) ، وَمعنى سَرّحتُك: (تراكي  كَردَم) \rالثالث: قاله  القاضي: الصَريحُ من هذه الألفاظ (توهَشَّته) ،  فأمَّا  قوله: (دست بازدا شتم) وَما عَداه فليس  تصريح ، وَهذا ضعيفٌ في قولهِ: (دست  بازدا شتم)؛ لأنه معنى قوله: طلقتُك، وَهوَ مستعمِلٌ أيضاً ، أما معنى الفراق والسَّراح فلا يَبعد التوقف فيه، فأنا في إلحاق عَربيَّته بالصريح  على عُلالةٍ، ولذلك لا نعَدّيه إلى الاسم منه بالعَربيّة فلا يبعد أن لا نعديه إلى فارسيّته ","part":1,"page":17},{"id":1378,"text":"الرابعَةُ: قوله: أنتِ عليَّ حَرَامٌ أو حلالٌ الله عليّ حَرَام، فقد ذهب المتقدمُون إلى (أن ذلكَ)  كناية ، وَقال المتأخرون: هوَ صَريحٌ لشَيُوعة في عصرنا ، وَمنهم من قال: وَإن شاعَ فلا يزيدُ على الألفَاظِ الثلاثةِ ، وَمنشأ هذا الخلاف التردُد في مأخذ الصَريح، فأحَدُ القائلين يستند إلى التعبُّد، ويتأيَّد بتعلُق الشافعي بالقرآن في الفراق والسَراح ، وَالقائل الثاني يتبع الشيوع؛ لأن المقصُود منهم  التفاهم كصرائح سائر المعاملات؛ فإنها مأخوذة من الشيوع فأمَّا  الفراق وَالسراح فهوَ مأخوذ من الكتاب، وَلا بُعْدَ في أن يَكون للصَرائح مأخذان ، وقال القفّال في قوله: أنتِ عَلَيَّ حرَام وَحلالُ الله عليّ حَرَام: إن كان المُطلِّق فقيهاً عالماً بأن الكناية لا تعمل إلا بالنية ولم ينو لم يقع الطلاق، وَإن كان عَاميّاً ونوى طعاماً أو غير الطلاق قُبِل وَصُدِّق، وَإن أطلق سألناه عما يسبق إلى فهمه إذا سمع مُطلقَهُ ونزلناه عليه ، قال الإمامُ: أما مصيرُه إلى أنه إن نوى (غيره)  قُبِل فحسن؛ لأنه يظهر استعمال هذا اللفظ في أغراض سوَى الطلاق، وَأمَّا قولَه  ينزّل على فهمِه فيكادُ أن يكون تحكُماً إذ لا عَهد بمثل هذا  في الصرائح وَالكنايات ","part":1,"page":18},{"id":1379,"text":"أمَّا الكنايات: فهي كل لفظٍ يصلح للفراق وَلكنه [لا]  يشيع استعماله فيه ، وَهي منقسمةٌ إلى جليّة وَإليّ خَفَيَّة، أما الجلِيّةُ فما يجري استعماله وَإن لم يستفض كقوله: أنتِ خليَّةٌ   وَبَريَّةٌ ، وَبتّةٌ  ، والخفيّةُ ما لا ينتظم إلا باستعارَة أو تقدير استعارة كقوله اعْتَدِّي وَاستبرئي رَحمكِ، ففيه تقدير استعارة أي: طلقتُك فاعتدي، وقوله: الحقي بأهلك، وحبلك على غاربك ، ولا أندهُ سَرْبَكِ ، وَاغربي   واذهبي، وتجرعي ، وتجرَّدي ، وتزوَّدي ، وذوقي، وما في معناها ، وَأمَّا ما لا يُشعر  كقولهِ: اقعُدي وَما يجري مجراه، فلا يقعُ الطلاق به وَإن نوى؛ لأن اللفظ غير مُشعرٍ وَالنِيَّةُ بمجرّدها لا أثر لها ، وَقد تردّدُوا في قوله: اشربي على تقدير اشربي كأسَ الفراق ، وكقوله: تجرعي، وكذلك قوله: ذوقي ، وترددوا في قوله: كُلِي فألحقهُ القاضي والعراقيون بقوله: اشربي ، وكان الشيخ\rأبو محمد يقطع بأنه ليسَ بكناية  ، وذكر العراقيون وَجهين في قوله: أغناك الله، تعلقاً بقوله تعالى: وَإن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِن سَعْتِه   وَلو قال: بارَك الله عليكِ لم يَكن كناية ، وَالضابط أنه إذا ظهرَ الإضمار فهوَ كنايةٌ، وإن احتمل فكمثل، وَإن بَعُد ففيه تردد كما ذكرناه ، وَإذا قال: لزوجته أنتِ حُرّة ونوى به الطلاق وقعَ؛ لأن المتبع الاحتمال، وهذا محتمل وكنايات الطلاق وَالعتاق متداخلة إلا ما يستثنيه الدليل ، فإنه لو قال لعبده: اعتَدّ واستبرئ رَحِمَك، ونوى الحُريَّة لم تَحصُل؛ لأن هذا غير متَصوّر\rفي حقّه \rولو قال لامرأته التي لم يدخل بها ذلك ففيه وجهان:\rأحدهما: أنه كنايةٌ،؛ لأنها (بصدد)  العدّة على الجملة، وَلو قال لأمتهِ: اعتدي واستبرئي رَحمَك، وَنوى العتق فالظاهر أنه يحصل ، وذكر القاضي وجهاً أنه \rلا تعتق ","part":1,"page":19},{"id":1380,"text":"فإن قيل: لفظ الظهار يحتمل الطلاق، وكذا الطلاق يحتمل الظهار ثم لم يستعمل أحدهما في الآخر\rقلنا: لأن كل واحد إذا وجد نفاذاً في موضوعِه  صريحاً  مع الاستغناء عن النية بَعُدَ تحويلهُ بالنيّة إلى غير موضوعه فينفذه في مَوضوعِه \rفإن قيل: ليجمع  بينهما\rقلنا : ما وُضِع لهما وضع العموم للمسّميات، وإنما وضع للآحاد على البَدل فلا سبيل إلى الجمع \rفإن قيل: فما قولكم في قوله: أنت عليَّ حَرام، فإنه صَريحٌ في إيجاب الكفارة، ثم لو نوى به الطلاق نفذ\rقلنا: فيه تفصيل، فإن جَرى مُقَيَّداً بنيّة الظهار كان ظهاراً، وإن نوى  التحريم كان تحريماً حتى لا يترتب عليه إلا لزوم الكفارة على ما سنذكره في الأيمان ، وإن نوى الطلاق وقع الطلاق \rوإن أطلق ففيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه صريح في إيجاب الكفارة \rوَالثاني: أن مطلقه لا يتعلق به شيء؛ إذ لو كان صريحاً لما جاز نقله بالنية، وفي هذا الوجه دفع  السؤَال \rوَالثالث: أنه في حق الأمَة صَريح في التحريم، وفي حق الحُرّة كناية ؛ لأن أصل الآية ورَد في الأمَة، وَهي (مارية القبطية التي  حرّمها رسُول ا لله   على نفسه) ، هذا إذا لم يكن اللفظ صَريحاً في الطلاق ، فإن  صار اللفظ بالشيوع صريحاً في الطلاق، وقد أطلق اللفظ فإن أخذنا الصَرائح  من الشيوع فقط، فلا يتصَوَّر أن يكون صريحاً في المعنيين، إذ  الشيوع الذي يثبت به الصريح هو الذي يقضي بحصر استعمال اللفظ على المقصُود ، ولكن إذا  أخذ من الكتاب وَمن الشيوع وتصوّر ازدحام المأخذين فيتصَدّى فيه رَأيان:\rأحَدهما: تغليب الطلاق لما يختص به من النفوذ عند تعارض الأمور \rوَالثاني: التدافع إذ الجمع محالٌ فاللفظ  ما وُضع للجميع  وَالترجيح لا مأخذ\rله فلا سبيل إلا التدَافع ، فخرج من هذا أنا نجوز أن ينوي به الطلاق، وإن","part":1,"page":20},{"id":1381,"text":"قدرناه صريحاً في الكفارة على وجه وكأنا نقول هُو صريح بشرط أن لا ينوي به\rغيره، فإن نوى به غيره لم يكن صريحاً؛ لأنه لم يجر  فيه حاجةٌ  بخلاف كلمة الطلاق فإن العُرفَ حصره  في الاستعمال حتى إنَّ مستعملهُ  في غيره مُبْعِدٌ\rخارج عن المعتاد في النطق، بخلاف كلمة التحريم ، فهذا ينبه على مَرتبة الصَرائح والكنايات وتفاوتها\rهذا تمام النظر في الكنايات والصرائح\rفرعان بهما تتمة النظر في الكنايات:\rأحدهما: أن القرائن ساقطة الأثر في الكنايات فلا تنقلب الكناية عندنا صريحاً بقرينَة الغضب والمنازعة خلافاً لأبي حنيفة ، وكذلك قرينة السؤال عندَ محاوَلة الخلاص لا تلحق الكنايات بالصَرائح، وإن كنا نعول على القرائن في الشهادة على الرضاع وَغيرها  وَلكن الرجل مختار في جميع أحواله، وليس يبعُد منهُ أن يضمر غير ما أظهر عِناداً لا سيما وقد عَدل إلى الكنايات وترك الصَرائح فلا مُطلّع على القصد فالقول قوله، ثم إن اتهم حُلِّف \rالثاني: أنه لو قدّمَ النيّة على اللفظ أو أَخّر عنه لم يقع شيء، وإن طبّق عليه وَقع ، وإن طبّق النية على أول اللفظ وَلكن انقطعت النية قبل اللفظِ فالظاهر  أنه يقع ، وَإن عَرَّى أوّله وَأتَى بالنية في أثناء اللفظِ وانطبق آخر النية على انتجاز اللفظ ففيه وجهان مشهوران ، وقد نَبّهنا على جنس ذلك في كيفيّة  بَسط النية على كلمة التكبير في الصلاة \rالفصل الثاني: في الأفعال الدالة على الطلاق","part":1,"page":21},{"id":1382,"text":"وقد ذكرنا حُكم الألفاظ، وليس يخفى أن الألفاظ غير مَعنيَّةً لأعيانها، (وَإنما نعني به الدلالة)  على مَا في الضَمير، وعند هذا يتصَدّي للناظر النظر في الفعل الدال عليه مثل الإشارة والكتابة فنتكلم (فيهما) ، أمّا الإشارَة بالطلاق فلا تخلُوا إمّا إن (صدَرت)  من قادر على النُطق أو من عاجز فإن (صدرَت)  من عاجز كالأخرس فالطلاق وَاقعٌ به  قطعاً والقولُ الضابط إن إشارة  الأخرس كنطق الناطق في جميع التصرفات  إلا في الشهادَة ففيه تردُدٌ ، ثم تنقسم إشارته إلى صريح وَكناية، وَحَدُّ الصَريح منها مَا يُفهَم الطلاق [منه]  على وجه يشتركُ في إدرَاكه كافة الناس، ولا يختصّ به\rالفطن، فأمَّا ما يختص به الفطن أو يتطرّق إليه الاحتمال وَلا يكُون نصّاً في الغرض \rفهو كناية \rمسألتان: إحداهما: إذا فهم منه معنى الطلاق لمُتَابعته الإشارة  فقالَ: أردتُ غيرَ ذلك، وأفهم هذه الدَعوى، فينبغي أن يلحق هذا بالطلاق، فإن الإضمار على خلاف موجب اللفظ لا يقبَل (منه)  ظاهراً قولاً واحداً بل يلحق هذا بمأخذ  كونه صريحاً من  شيُوع الاستعمال، وتفاهم  الخلق؛ لأن الإشارة اعتمادها على الفهم لا على التوقيف والاصطلاح \rالثانية: أنه لو أشار بالطلاق في صَلاته طلقت، والظاهر أن الصلاة لا تبطل \rوأما القادر على النطق فهل يقع طلاقه بالإشارَة\rحكى الشيخ أبو محمد عن القفال (أنه سلكَ)  بإشارة الناطق مسلك كتابته على ما سنذكره ، ورأى الإشارَة أولى (بالاحتياط) ؛ لأن الكتابة معتادَة مع القدَرَة على النطق سيما في الغيبَة، أما الإشارة فبعيدَةٌ  ، ثم إذا صححنا فالوجهُ القطع بأن ذلك منه كناية، وإن جعلنا مثله في  الأخرس صريحاً؛ لأن عدوله إلى الإشارَة مع القدرة يُوهِم إضمار خلافه ","part":1,"page":22},{"id":1383,"text":"أمَّا الكتابة فهي طلاق  من الأخرس وَهيَ أوضح من الإشارَة ، ولكن الأخرس القادر على الكتابة لا تلزمه الكتابة بل يُطلِّق بالإشارَة؛ إذ كل وَاحد منهما في مقام الأفعال، وإن كانت الكتابة منتظمة ، نعم قال الشيخ أبو محمد: الكتابةُ من الأخرس صريح ، وإن لم تكن صريحاً من الناطق كما سنذكره ، وفيه نظر؛ لأن الكِتْبَة قد تكون لنظم حروف، وامتحان قلم، وَمُحاكاة خطٍّ، فإذا انَضمَّ إليه قصد الإفهام فعند ذلك يظهر الحُكم \rأمّا الناطق: إذا كتب بالطلاق فإن كتبَ وقرأ ونوى الطلاق وقع ، وإن قرأ كلمة الطلاق، وهو قوله: كل زوجة لي طالق، ثم قال: قَصَدْت القراءة، فهل يقبل ظاهراً فهذا يُداني ما إذا حلّ الوثاق وقال: أنتِ طالق ، فأمَّا إذا كتَب ولم ينو لم يقع الطلاق أصلاً ، وإن [كتبَ]  ونوى فهذا مقصُود الفصل، فقد  نصّ الشافعي هاهنا على الوقوع ، ونصّ في الإملاء على أنه لا يقع طلاقه ، وقال في الرجعة: لا يكون رَجعة إلا بكلامٍ كما لا يكون (نكاحاً ولا طلاقاً)   إلا بكلام واختلف أصحابنا، فمنهم من قال قولان ، ومنهم من قطع بأن الطلاق يقع  ، وحمل قول الشافعي على الرد على أبي حنيفة في تحصيل الرجعة بالفعل  ، وحاصل ما ذكره الأصحاب في (الحاضر والغائب)  ثلاثة أقوال:\rأحدُها: أنه طلاق؛ لأن المقصود التفاهُم من النطق، وهذا طريق التفاهُم  كالنطق \rوالثاني: أنه لا يحصل؛ لأنه عدول عن اللفظ مع القُدرَة، والألفاظ هيَ (الموضوعة)  لإنشاء التصرفات \rوَالثالث: الفرق بين الحاضر والغائب إذ الغائب يُؤَلف منه  التفهيم بالكتابة  دون الحاضر ، وذكر [الشيخ]  في شرح التلخيص وجهاً  أن الكِتْبَة بصريح الطلاق طلاقٌ من غير نيّة  وَهذا بعيد [لم يُرَ لغيره]  وَإذا  تمهَّد أصل القول في الكتابة فالكلام يتصل بثلاثة أطرافٍ\rأحَدُها: ما تجري  فيه الكتابةُ من التصرفات","part":1,"page":23},{"id":1384,"text":"والثاني: في ألفاظ الكاتب\rوالثالث: في أحوَال المكتوب إليه \rفأمَّا  التصرفات فكل تصرف لا يفتقر إلى القبول كالعتاق، والإبراء، والعفو، فهذا كالطلاق على تفصيله ، وما يفتقر إلى القبول سوى النكاح ففيه قولان مُرتّبان على الطلاق؛ لأنه  تراخى الإيجاب  عن القَبُول ، والنكاح مُرتَّب على البيع، وأولى  بالمنع لما فيه من التضييف ، فإن قيل: وَما  وَجهُ التصحيح وقد تراخى القبول عن الإيجاب\rقلنا: يُجعل  وصُول الكتاب كافتتاح الإيجاب إذ عندَهُ يتّصل به فعليه أن يقبل على الفور فلو تراخى لم يجز؛ إذ لا حاجة، ويحتمل أن يُقَال: التأخيرُ في القبُول لم  يحتمل؛ لأن الإيجاب في العرف يقتضي جَواباً ناجزاً، والكتابة لا تقتضي إلا ما يليق بالعُرفِ، وَهذا مُتّجهٌ ولكن يلزمُ على مساقه أن يجوز تأخير القبول لو خيَّرهُ  المُوجِب وَلا صائر إليه وَكَأناَ نقُول: ليسَ ذلك جَواباً؛ إذ لم يَتصل وإن رضي به\rوَأمَّا هذا القبول في العادة بَعد وصُول الكتاب لائقٌ بالحالِ، ولو قال الغائب: بعتُ دَاري من فلان وأشهد عليه فبلغه الخبرُ فقبل فهو كالكتابة هكذا قاله الإمام \rوَأمَّا الكتابة في النكاح فيفرض  فيه أمر الشهادَة فإن شهدَ على الإيجاب عدلان، ثم هُمَا بأعيانهما شهدَا على قبول الزوج عند وصول الكتاب فصحيح ، وإن شهد عدلان آخران فوجهان ، فإن قيل: كيف يشهد على الإيجاب المكتوب وهو كناية والشاهدُ لا يطلع عليه\rقلنا: أطلقَ الأصحابُ ذلِكَ، وقياس مذهَب الشافعي منعَه؛ إذ الشاهد لا يطلع على الضمير، ولعلهُم احتملوا ذلكَ لحاجَة الغيبة إذا أخبر الرجل أنه يريدُ به النكاح ، وَيتّصل بهذا أنه مهمَا أنكَر الكاتب الكتابة وَأنه خطّه فالقول قوله، وَلو اعترف وأنكَر النيّة فالقول قوله وهذا لا خفاء به ","part":1,"page":24},{"id":1385,"text":"فَأمَّا القولُ فيما يكتب عليه، فالكتبة على القرطاس، والرَّق ، وَالألواح، وَالنقر في الحجارَة وَالخشب كلها بمثابه ، وَكذلكَ إذا خط على الأرض خطوطاً وَأفهَم  المرأة [به]  ، وَإذا فهمت المرأة ما كتَبَه كان كما إذا بلغهَا كتابه ، ولو رسمه على الماء (أو الهواء)  وما لا ينتقش بالخط فليس ذلك بكتابَة، نَعم إن  أفهم ذلك (بالحركات)  فقد ينزل ذلك منزلة الإشارَة \rوَأما صيغ الكتابة فهي ثلاث :\rإحداها: أن يقول: أما بعد فأنت طالق، فإذا حَكمنا بالوقوع تبيَّنا ذلك من\rوقت الكتابة \rالثانية: أن يقول: إذا بلغك كتابي فأنتِ طالق، فلا يقع ما لم يبلغ\r إليهَا \rالثالثة: أن يقُول: إذا قرأت كتابي فأنتِ طالق، فلا يقع بمُجرّد البلُوغ مَا لم تقرأ\rثم إن كانت أمِّيَّة وقع الطلاق إذا قُرِئ عليها، هذا ظاهرٌ المذهب؛ لأن ذلك يُعَدُّ\rقراءة في حقها عُرفاً ، وَمن أصحابنا من أبعد وقال هو تعليقٌ على محال كقوله:\rإن صعدت السماء فلا يقع بأن يُقرأ عليها ، وإن كانت كاتبة فقرأت بنفسها\rوقع الطلاق، وَالمعنيِّ به أن تفهم مضمون الكتاب بالمُطالعة لا أن تقرأ باللسان ،\rوإن قرئ عليها في هذه الصورَة فيه وَجهان، أظهرهما  أنه لا يقع؛ لأنها قادرة فيحمل على قراءتها \rوالثاني: أنه يقع؛ لأن معناه الاطلاع على مضمونه فشابه ما إذا قال: إذا رأيت الهلال فأنت طالق يقع وإن رآه غيرها، والقائلُ الأول: يفرق بأن الرؤية يُرادُ بها العلم دون القراءة \rوَأمَّا ما يعتور المكتوب من الأحوَال فهي  خمسة:","part":1,"page":25},{"id":1386,"text":"الطلاق، على الطلاق على البلوغ، فبلغ وقد انمحت الكتابة لم يقع؛ لأنه بلغ  دون الكتاب، وإن لم ينمح إلا السطر الذي فيه الطلاق أو سقط ذلك القدر ففيه ثلاثة أوجه  وإن لم يبق لم يقع الطلاق ، وَإن بلغ القرطاس (وكان الطلاق)  معلقاً بالبلوغ [لم يقع] ؛ لأن هذا ليس بلوغ كتاب فهو كما لو محاهُ بنفسه ثم بلغ القرطاس ، وذكر صاحب التقريب وجها أن الطلاق يقع إذ يُقال: أتاني كتاب فلان وقد انمحى، وَهذا بعيد \rالثانية: أن يسقط من الكتاب أسطر الطلاق ويبقى الباقي، أو تنمحي  أسطر الطلاق ويُرى الانمحاء كالسقوطِ على الظاهر، وَكان الطلاق معلقاً ببلُوغ الكتاب، ففي المسألة ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه يقع؛ لأن الكتاب قد بلغ \rوالثاني: لا يقع؛ لأن الكتاب عبارَة عن جميع الأجزاء \rوالثالث: أنه إن أشارَ وَقال: إن جاءكِ كتابي هذا لا يقع، وإن قال: إن جاءكِ كتابي مُطلقاً فيقع؛ لأن هذا كتابه على الجُملة \rالثالثة: أن يبقى أسطر الطلاق وُيسقط ما عداها من الأسطر المشتملة على مقاصد في الكتاب (ففيه)  الأوجُه الثلاثة على الترتيب، وَأولى بأن يقع لقيام المقصود \rالرابعة: إذا سقط منه  التصدير وَالتسمية وَالحمدَ [له] ، وَلم يسقط من مقاصد الكتاب ففيه الخلاف، وَأولى بالوقوع من الصورة الثالثة \rالخامسة: سقطت حَواشي الكتاب دون محل السطر، فيه الخلاف (مُرتب)   على الصُورَة الرابعَة وَأولى بالوقوع، وقد قطع بعض أصحابنا بالوقوع هاهنا، وَهو الصحيح ، وَوَجهُ المنع أنه من أجزاء الكتاب؛ ولذلك لا يجوز للمحدث مَسَّهُ من المصحف \rفرع: إذا قال: إن بلغك  نصف كتابي فأنتِ طالق، فبلغ الكل ذكر صاحبُ التقريب وجهين:\rأحدهما: الوقوع؛ لأن في الكل نصفين \rوَالثاني: لا [يقَعُ] ؛ لأن المقصود من التخصيص بلوغ النصف \rالفصل الثالث: من هذا الركن الكلام في التفويض إلى الزوجة\rوَالكلامُ في أطراف ثلاثة:","part":1,"page":26},{"id":1387,"text":"الأول: في ألفاظ التفويض\rأمَّا الصَرائح منها فلا يخفى حكمُها، كقوله: طلقي نفسكِ، وكقولها: طَلَّقت ، فأمَّا  الكنايات فتقوم مقام الصَرائح إن نويا، وإن لم ينو أحدهما لم يقع الطلاق ، وقال أبو حنيفة: إن نوى وقع الطلاق وإن لم تنو المرأة؛ لأن كلامه كالمُعَاد في كلامها ، وهذا ضعيف ، ثم في هذا ثلاث مسائل:\rإحداها: لو قال: اختاري، فقالت: اخترت نفسي، وَقعت طلقة رَجعية،\rوَإن قالت: اخترت زوجي لم يقع شيء، وهو مذهب عمر، وعائشة، وابن عباس،\rوابن مسعود [رضي الله عنهم]  ، وقال عليٌّ وزيد  [رضي الله عنهما] : إذا اختارت نفسها وقعت طلقة بائنة، وإن اختارت زوجها وقَعت طلقة رجعية ، (فاشتَدّ)  إنكار عائشة [رضي الله عنها]  عليه لما (بلغَها ذلك) ، وقالت: خَيَّر رسُول الله  نِساءهُ فاخترنَهُ أفتُرَى أن ذلك طلاق \rالثانية: إذا قال: طلقي نفسك، فقالت: أبنتُ نفسي، أو خلَّيتُ نفسي، أو غير ذلكَ من الكنايات، ونوت فالظاهر وقوع الطلاق ، وفيه وجه أنه لا يقع للمخالفَة في الصيغة، وَخروج ذلك عما يُسَمّى امتثالاً \rقال القاضي: وَهذا  الخلاف [مُرتب]  يجري في توكيل الأجنبي أيضاً ، وَلو قالَ أَبِنْ زوجتي أو قال للمرأة: أبيني نفسَك، فقالت: خَلَّيتُ، فعلى الوجه الضعيف في هذه الصُورة (تردّد) ؛ لأن المتبع النية في هذه الصُورَة دون اللفظ، وقد نوت الطلاق فيحتملُ أن يُقطع بالوقوع \rالثالثةُ: إذا قال الزوج: ما نويتُ، وقد فَوَّض بالكناية فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه الناوي ، ولو قالت المرأة: نويتُ  وَأنكَر الزوج فالقَولُ قولهَا؛ لأنها النَاوِيةُ، وَذكر العراقيون هاهنا وجهاً أن القول قوله؛ لأن الأصل بقاء النكاح وَهي تدعي الانقطاع، وَهذا بعيد لا أصل له \rالطرف الثاني: في حقيقة التفويض وحُكمه، وقد اختلف فيه قول الشافعي","part":1,"page":27},{"id":1388,"text":"[رَحمهُ الله] ، فقالَ في قول ، وهو الصحيحُ الذي (يلفى)  في مُعظم كتبه المشهورَة: أنه تمليكٌ بخلاف التفويض إلى الأجنبي؛ لأن هذا يتعلق بغرضها فإنه  ملَّكَها\rأمرَ نفسها \rوالثاني: وَهوَ الذي لا يُرى منصوصاً إلا في الأمالي المتفرقة أنه تفويض وتوكيلٌ كما في حق الوكيل \rوَيتفرع على هذا الاختلاف مسائل:\rإحداها: أنها لو طلقت بعدَ تخلل فصلٍ [فإن قلنا توكيل فيقع]  (وإن)  قلنا: تمليكٌ فلا؛ لأنه في حُكم جَواب عن خطاب فيُضَاهي قبولها في الخلع، وَإنما القبول هاهنا بأن تقول: طلقت نفسي إلا أن هذا تمليك بغير عوض ، قال القاضي: وإن  قلنا: إنه توكيل فيحتمل أن يقال: يختص الجواب بالمجلس كَما إذا قال: أنت طالق إن شئت؛ لأن الصيغة صيغة التعليق في المشيّئة أيضاً وَلكن لما  تضمّن تمليكها لفظاً اقتضى التعجيل، وهاهنا  أيضاً يتضمّن التوكيل تمليكها لفظاً، وَحيثُ قلنا: إنه يجبُ البدار فلابد من الاتصال  ولو  تطاوَل الزمنُ وَالمجلسُ جَامع لم يَكفِ وَغلِط بعض (الأصحاب فقال) : إذا كان في المجلس جاز، وَإنما غلط من إطلاق الشافعي لفظ المجلس ، وَالشافعي قد يُطلق ذلك ويريد به اتصال الجواب وَالخطاب \rالثانية: هل  يفتقر إلى قبُولها [إن قلنا: عليها أن تطلِّق نفسها فهو القبول، وإن لم نشترط ذلك وجعلنا هذا توكيلاً فتفصيل القول في قبولها]  كتفصيل القول في حق الأجنبي في قبول الوكالة، ثم التطليق بعده ","part":1,"page":28},{"id":1389,"text":"الثالثة: لو قال الزوج: وَكلتُك بأن تطلقي نفسكِ، أو أنتِ وكيلي وصَرّح به، قال القاضي: يحتمل أن يقال: التطليق يختص أيضاً بالمجلس وإن كان لا يختص به في حق الأجنبي؛ لأنه يشوبه شبه التمليك وَإن لم يصرح به، وَهذا مما  انفرد به وإن كان متجهاً ، وإنما الذي رَمز إليه المحققُون أنا إن جعلنا مُطلق التفويض توكيلاً فهذا حُكمه حُكم التوكيل، وإن جعلناهُ تمليكاً فهل للزوج أن يُوكل أم ينزل توكيلُه على التفويض والتمليك فيه ترددٌ، وَهذا أمثل \rالرابعة: إذا رجعَ عن التفويض قبل قبولها فهو صحيح على  القولين؛ لأن الرجوع عن التمليك أيضاً قبل القبول جائز ، وَقالَ ابن  خيران: لا يجوز ذلكَ على قول التمليك؛ فإنه مضمّنٌ بتعليق، وكأنه يقول: متى تلفظت بالطلاق فأنتِ طالق ، وَلم يحك الشيخ أبو محمد على قول التمليك غير ما ذكره ابن  خيران ، وهو بعيدٌ؛ إذ مثل ذلكَ يُمكن تخيّله في قوله: أنتِ طالق على ألفٍ، وقد قطعنا بأنه لو رَجعَ قبل قبولها جاز فكذلك هذا \rالطرف الثالث: في حُكم العدَد في التفويض، وفيه مسائل:\rإحداها: أنه لو قال: طلقي نفسك ونوى ثلاثاً فطلَّقت ونوت الثلاث وَقعَ الثلاث؛ لأن اللفظ عندنا يحتملُ العدَد  على ما سنذكره ، وكذلك لو قال: أبيني نفسَك، فقالت: أبنتُ ونوى الثلاث \rالثانية: لو نوى الرجل بالكناية في التفويض أصل الطلاق وما نوت المرأة لم  يقع ، وَقال أبو حنيفة يقع على ما ذكرناه من قبل ، فلو قال الزوج: طلقي نفسَك ونوى ثلاثاً، فقالت: طلَّقتُ وما نوت العدد هل يقعُ الثلاث الظاهرُ أنه لا يقعُ إلا واحدة؛ فإنها  لم تنو العدَد، وَالزوجُ لم يُصَرّح بالعدَد حتى يتخيّل بناء (كلامَها على كلامه) ، فصارَ كالاختلاف في نيّة أصل الطلاق ، وفيه وَجه (آخر أنه يقَع جوابَها)  على خطابه وَهذا يؤيد مذهَب أبي حنيفة ","part":1,"page":29},{"id":1390,"text":"الثالثةُ: لو صَرَّحَ الزوج بالثلاث وَقالت المرأة: طلَّقت وَلم تنو، قال القاضي: هاهنا تخيُّل البناء مُمكنٌ ظاهراً؛ لأن العدَد مُصَرَّح به بخلاف ما إذا كان منوياً إذ البناء عليه مُحَالٌ ، قال الإمامُ: وَالوجهُ في هاتين المسألتين البناء على القولين فإن قلنا: إنه تمليك فيتجه البناء، إذ قد يستقلُ في  القبول ما لا يستقل ابتداءً بطريق البناء، كقول القائل: قبلتُ من غير ذكر عوض  في إيجاب المعاوضات، وَإن قلنا: توكيلٍ فلا يقع الثلاث؛ لأن تصرفَ الوكيل لا يُبنى على التوكيل ، وَيحتمل أن يقال: يبنى أخذاً مما ذكرناه ، وَإن جعل توكيلاً فيحتملُ التقييد بالمجلس، فإذا تقَيَّد بالمجلس لم يَبْعُد  البناء، وقد يخطر للفقيه عَكس ذلكَ وَهوَ أنه إن جعل توكيلاً فلا بناء، وإن جعل تمليكاً فعلى تردُدٍ؛ فإنها متصرفة على الابتداء تصرفاً له صيغة التمام  وَليسَ هذا كالقبول الذي حقهُ التَبعِيَّة والبناء؛ بدَليل أنه لو قال: طلقي نفسك ثلاثاً، فطلقت وَاحدة وقعت الواحدة [ولو قال: طلقي واحدة فطلّقت ثلاثاً وقعت واحدة]  وَلغى الزائد وَلو قال: بعتُك بألف، فقال: قبلتُ بألفين لم يصح، وَلا [يقال] \rيلغوا الزائد \rالرابعة: ما ذكرناه وَهوَ أنه لو قال: طلقي نفسك ثلاثاً، فطلقت وَاحدة وقع (عندنا واحد)  وعند أبي حنيفة ، لو قال: طلقي وَاحدة فطلقت ثلاثاً وقعت الواحدة عندنا ، وقال أبو حنيفة: لا يقع ، ففرق بين الطرفين وهو غامض عليه","part":1,"page":30},{"id":1391,"text":"هذا تمام الغرض من أحدِ الأركان، وهو لفظ الطلاق [وما يقوم مقامه الركن الثاني: القصد إلى اللفظ] ، وَذلكَ لابد منه وفاقاً، فالنائمُ إذا تلفظ (بالطلاق أو)  المنتبه إذا بدرت كلمة الطلاق من لسانهِ من غير قصد [لم يقع]  الطلاق ، ويَعسُر قبول دعوى اللغو والبدُور في الطلاق إذا رَأينا الرجل قد صَرّح بكلمة الطلاق ، وَلكن قال أصحابنا: إذا كان اسم امرأته ما يقارب حروفه حُروف الطلاق كالطالع أو الطالب أو الطارق مثلاً فقالُ يا طارق، فالتف لسانه فإذا قال: ذلك قُبِلَ وَلم يقع الطلاق ظاهراً؛ لظهُور القرينة ، بخلاف ما إذا قال: أردتُ الطلاق عن وثاق، وقد حَلّ القيدَ فإن فيه خلافاً ؛ لأن التلفُظ بكلمه الطلاق مستنكر في حالةِ النكاح، وقد نطق بهِ فَبَعُدَ قبول قولِه ، ولو كان اسم امرأته طالقة أو اسم عبده حُرٌ فقال: يا طالقة ويا حُرّ، وقصَدَ النداء لم يقع، وإن قصد الطلاق والعتاق  حصل ، وإن لم يقصد شيئاً فوجهان ، يقرب مأخذهما مما إذا قال: أنتِ طالق طالق طالق وَلم يقصد تكراراً ولا تأكيداً وسنذكر ذلك ، وقد تبيّن بهذا أن القصدَ إلى لفظِ الطلاق شرط، فإذا ألتف لسانه فما قصد إلى اللفظ وإذا قصد النداء فما قصدَ إلى لفظِ الطلاق، فإن هذه اللفظة هي التي تنطق بها الأجانب في ندائها، وليس هو لفظ الطلاق وإن ساوت الحروفُ الحروفَ من كل وجه فليتنبّه لهذه الدقيقة  إذا  تمهدت هذه القاعدة فيتصَدّى الناظرُ  عند هذا النظر في أربعَة أمُور:\rأحدها: في الهزل، وطلاق الهازل\rوالثاني: في الإكراه\rوالثالث: في النسيان والجهل\rوالرابع: في السكر ","part":1,"page":31},{"id":1392,"text":"أَمَّا الهَازلُ فقد اتفق الأصحابُ على وقوع طلاقه  وهو الذي يَهزُل بكلمة الطلاق وَيُلاعِبُ المرأة بمخاطبتها بهذه اللفظة من غير قصد بينونة أو حضور  (بال)  وَطلاقه  وَاقعٌ ظاهراً وباطناً  وليسَ كما إذا نوى الطلاق عن وثاق؛ لأنه يُديَّن قطعاً وَسببهُ أنه صرف اللفظ  عن أن تكون لفظ  الطلاق، وإنما هي لفظة أخرى مُسَاوقة  لصيغة الطلاق في الحروف بخلاف الهازل؛ فإنه أتى بالصيغةِ من غير صَرف، وإنما عُدم (رضاهُ بموجبه)  وَالرضا حُكمٌ  غير مشروط في وقوع الطلاق، وَلذلكَ إذا طلق بشرط الخيار لنفسه نفذ الطلاق وَسقط الشرط، وَإن كان الخيار بعدم الرضا بالبينونة في الحال ، وَأما الهزلُ بالبيع وَسائر التصرفات، فقد تردد فيه الشيخ أبو محمد، وَقال: يحتمل أن يقال: ينفذ لوجُود القصد (إلى اللفظ) ، ويحتملُ أن يخَصّص هذا بالنكاح  لما روى أن رسول الله  قال: (ثلاثٌ جدهُنّ جدّ وهزلهنّ جدٌ: الطلاق وَالعتاق وَالنكاح) ، ومقتضى الحديث إلحاق النكاح بهما، وهو مشكل؛ لأنه يُضَاهي المعاوضات في أنه لا يُكمّل مُبَعَّضَه، ولا يُؤبَّد مُؤقّته  ، وَعن هذا صار  أصحاب أبي حنيفة، وهو  أنه إذا قال: زوجتُ نصف ابنتي، صحّ النكاح وَعَمَّ وَسَوَّى بين النكاح وَالطلاق  ، والشافعي لم يرَ ذلك \rأمَّا الناسي وَالجاهِل فطلاقُه وَاقع لوجُود القصدِ وصورته أن يخاطب امرأته بكلمة الطلاق ، وهو يَظن أنها زوجة غيره، وكان بعض (المذكرين)  في زماننا يلتمس من أهل المجلس مُكرُمةً ماليّةً فطالَ إلحاحه  وَلم ينجح فتَبرّمَ بذلك فقال : طلقتُكم ثلاثاً بالفارسِيّة، وَكانَ فيهم زوجته وَهو لا يدري فأفتى الإمامُ بوقوع الطلاق ، وفي القلب من هذا شيءٌ لا يُنكَر","part":1,"page":32},{"id":1393,"text":"وَأمَّا بيع الناسي وَالجاهل فهو صحيحٌ في الظاهر في صورة فرضناهَا في البيع، وَهو أنه لو باع مالاً على ظن أنه مال أبيه [ثم تبين أنه ماله] ، (وَقد كان أبُوه\rماتَ)  فالظاهرُ نفوذ البيع، وفيه قول: أنه لا ينفذ \rأمَّا المكره على الطلاق فالكلام فيه  في ثلاثة أطراف:\rالطرف الأول: في أحوال المُكَره في الإسعاف  فنقُول: إذا تحقق الإكراه على الطلاق فطلق الرجل، وقال: كنتُ مُرِيداً مختاراً فوافق الإكراهُ اختياري نفذ طلاقه ، وإن قال كنتُ مُكرهاً وهو الظاهرُ لم يقع الطلاق عندنا  خلافاً لأبي حنيفة، ومعتمَده (أن القَصد وَاللفظ)  قد وُجِدَ من أهله وَصادفَ محلهُ، وَلم يُعدَم إلا الرضَا بحكم البينونَة، وذلكَ غير مشرُوطٍ كَما في الهازِل ، ومعتمدنا إبانه ضعف القصد هاهنا من حيث إن القصدَ الذي ابتنَى اللفظ عليه نتيجَة الإكراه فكأنه أوجدَه أعني المُكرِه فكان  كالمعدوم بالنسبة إلى المُكرَه  على ما قررناهُ في مآخذ الخلاف، ويتهَذّبُ الغرض من هذا الطرف برسم مسائل:\rإحداها: أنّهُ لو تركَ التورِيَةَ فإن كانَ عَييّاً   لا يدري التورِية، أو كان عالماً ولكن أدهشه  مَهابة السيف فلا يقع طلاقه \rوَإن كان عالماً وترك فوَجهان:\rأحدهما: وَهوَ اختيارُ القفال وقوعه، فإن إضرابهُ عن التورِيَة مُشعِرٌ بالاختيار \rوالثاني: أنه لا يقع؛ لأن الإكراه محققٌ وما وُجد اختيارُ الطلاق فلا يُحكم بالوقُوع  \rالثانية: لو أكرهه على طلقةٍ فقال: هي طالق ثلاثاً وقع؛ لأنه يشعر  باتساعِ صورة  الطلاق \rالثالثة: لو أكره على طلاق إحدى زوجتيه فطلق وَاحدةً وَقع؛ لأنه اختارَها وَأصدرَ تعيينها عن قصد صحيح لا إكراه فيه، وَفي مثله يجبُ القصاص على المُكرَه\rقولاً واحداً ","part":1,"page":33},{"id":1394,"text":"الرابعة: لو أكرهه على الثلاث فطلق وَاحدة وَقع؛ لأنه خالف المُكرِه فأشعَر باختياره غير ما التمسه، وفيه احتمال، وَإن قطع الأصحابُ بما ذكرناهُ  ولا  يبعَدُ أن يُحمَل ذلك على دفع إكراهه  بالإجابة إلى بعض ما يلتمسه  كالمتدَرِّج  في دفع المُكرِه \rالخامسَةُ: إكراهُه  على تطليق امرأتين فطلق وَاحدة فحكمه [حُكم]  النقصان في العدد \rالسادسَةُ: لو أكرههُ  على طلاق امرأة فطلقها وضرتها قالوا: يقع؛ لأنه إذا زاد مقروناً به دَل على الاختيار ، وفيه احتمال إذ ليس يبعد الجمع بين ما يريد وبين ما لا يريد  وَلكن قطع الأصحاب بما ذكرناهُ، وقالوا: مهمَا خالف المُكرَه المكرِه في زيادَة أو نقصان  وقع الطلاق حتى قالوا: لو قال المُكرِه قُل: فارقتُها أو طلقتُها فقال سرّحتُها أو أبنتُها حُكم بوقوع الطلاق للمخالفة \rالطرف الثاني: في مجاري الإكراه من التصرفات، ولم يختلفُوا أن  رِدَّةَ المُكرَهِ ساقطة ، وقد قيل: يجبُ عليه التلفظ به للخلاص ، وَالأصحُ أنه لا يجبُ ذلكَ ، وَأمَّا  الإسلام من الحربي نافذٌ ؛ لأنه جُوِّز الإكراه عليه فلا يفيد  تجويز الإكرَاه لو كان لا يحصُل ، وفي إسلام الذمي المُكرَه خلاف لعدَمِ الجواز ، وَأمّا (الإكراهُ على الرضاع)  فمُحَرِّم للنكاح؛ لأن ذلكَ منُوطٌ بصُورَة الوصُول لا يشترط  القصد فيه ، وَقذف المُكرَه لا يُوجِبُ الحد؛ لأن سبب الحدّ التعيير ولا تعيير ، وَفي وجوب الحد على المُكره على الزنا خلاف منشأهُ أن الإكراه [غير]  متصَوّر  فيه إذ يدُل الانتشارُ على الاختيار ","part":1,"page":34},{"id":1395,"text":"وَأمَّا سائر التصرفات فالإكراهُ يسقطُهَا عندَ الشافعي (رحمه الله إذ)  أجراها بالنفوذ [مجرى]  الطلاق وَالعتاق، وقد أَثَّر الإكراه في رفعهما  ، وَأبو حنيفة حَكم بانعقاد بيع المُكرَه وزعمَ أنه لا يلزم وَإن أُجبر على الإلزامِ؛ لأن الانعقاد لا يستدعي الرضا بموجب العقد، وإنما اللزوم هو الذي يستدعيهِ ، وَالضابِطُ عندنا: أن كل ما يشترط فيه القصد فالإكراهُ يُسقِط أثر القصد فيه، وليس يستثنى عن هذا إلا الإسلام لجواز الإكراه عليه ، وَالمُكرَه على القتل فيه خلاف، ومستندُه سقوط أثر الإكراه بدليل تأثيم المُكرَه ، وفي المُكره على الزنا خلاف منشؤه التردُد في تحقق الإكراه وَفي الصفة  التي علق الطلاق بها إذا جرى مُكرهاً قولان ، ومستنَد إسقاط الإكرَاه أنه منُوطٌ بالاسم وقد حصل ما يُسَمّى  دُخولا؛ ولهذا لو أتى به ناسياً للتعليق تحصل أيضاً، ولو حُمِل وَأُدْخِل  الدار لم يقع الطلاق؛ لأن هذا لا يسمى دخولاً ، فهذا جوامع القول في التصرفات واستقصاؤُها في مواضعها","part":1,"page":35},{"id":1396,"text":"الطرف الثالث: في حدّ الإكراه، وفيه مسلكان متباعِدَان ذهب طائفةٌ من المحققين إلى أنه لا ينظر في الإكراه إلى مقادير ما يُكرَه عليه وإلى  الأحوال، وإنما ينظر إلى خطةٍ واحدة، وهو أن يتَضمّن إرهاقاً إلى الملتَمس على وجهٍ لا يبقى للمُكرَه طاقةً في  المخالفةِ، وَيكون اختيارُه في إسعاف المُكرِه مضَاهياً لاختيار من يَفِرُّ من الأسدِ في وَطء  الأرض المشوِكة فإنه يتخطاها وَلا يحسّ بألم الشوك، فهذا إذا تحقق فهو الإكراه، وَهؤلاء لم ينظروا إلى ما يقتضي الحزم إيثاره من تقديم الطلاق مثلاً على ما يُخَوِّف  به وزعموا أن ما كان كذلك فطريقه طريق الاستصواب، وَالاختيار فيه صحيح، وإنما يسلب  الاختيار ما ذكرناه وهو  كمن يخوف بالحبس المخلد فليسَ  يزول اختياره، وإنما [هو]  بالطلاق (بانٍ للأمر على حزمٍ)  واستصواب، وإنما تزول الطاقة بالتخويف بالقتل ممن يظن غالباً تحقيقه، وكذلك بالقطع، وَهذه الطريقة أضمُ للنشر من الطريقة التي سنذكرها \rوَلابدّ من النظر في شيئين في هذه الطريقة:\rأحدهما: أنه (لو خُوّف)  بإيلام عَظيم لا يتعلق القصاص بمثله لو حصل القتل، ولكنه لا يُطيقه فهل يكون [هذا]  إكراهاً\rقال الإمام: لو فوتح بإيلام  [عَظيم لا يتعلق القصاص بمثله] ، فهذا\rيَكاد [أن]  يسلبُ الطاقة، فيحتمل أن يكون إكرَاهاً، وَأما مُجرَّد التخويف\rفلا يكون إكراهاً \rالثاني: أن الأخرق قد يهجم عليه الخوف فيما يظنه عَظيماً في نفسه، وَهو قريبٌ يُضَاهى  مَا لو رَأى سواداً فظن أنه عدو، وصلى  صلاة الخوف، هذا ما قاله الإمام ، ولعل الوجهَ هاهُنا أن لا يقع الطلاق؛ لأن مُعَوّل هذه الطريقة ضعف  الاختيار، وَقد ضَعُفَ بسبب الإكراهِ ","part":1,"page":36},{"id":1397,"text":"الطريقة الثانية: أنه لا يشترط الانتهاء إلى هذا المبلغ وَلكنه ينبغي أن يُكرَه على الشيء بما لا يؤثره العاقل على ما أكره عليه، فإذا كان بحيث لا تسمح نفسُ العاقل باحتمال ما أكرَه عليه وَالامتناع  عن مُوافقة المُكرِه فالإكراه متحقق ، وهؤلاء اختلفوا في هذه الطريقة بعد الإجماع على أن التخويف بالقتل، والقطع الذي يتعلق القصاص بمثله إكراه؛ لأن ذلكَ إكراهٌ على مُوجب الطريقة الأولى ، وفي الإكراهِ  بالضَرب الذي لا يتعلق القصاص بالقَتل بِه، وصفع ذي المرُوءَةِ على مَلاءٍ من الناس، وإتلافِ المال، وقتل الولد، والحبس المخلد على طرق مضطربة ، وعن العراقيين حكاية وجه في أن الإكراه بالقطع ليسَ بإكرَاه وهو بعيدٌ لا وجهَ له ، ومن هؤلاء من خصص الإكرَاه بِكُل ألمَ ينال البَدن على وجه لا طاقة به فيندرج تحته  الإيلام الذي لا يُطاق، وإن كان لا يجب القصاص بمثله ، ومنهم من عَمَّمَ وقال: كل ما يُؤْثِره العاقل على احتمال ما أكره ، وعند هذا ينتشر النظر في المطلوب والمطلوب منه ، أمَّا المطلوب فإن كان قتلاً فالإنسانُ يحتمل الحبس عليه، وإن كان طلاقاً فلا (يحتلمه) ، وإن أكره بإتلاف مال [فقد يحتمل ذلك، ولا يُطلِّق، وإن أكره بإتلاف مال على إتلاف مال]  فيتصَدَّى النظر في القلة والكثرة، وإن كان الرجل ذا مُروءة فقد لا يحتمل الصفعَة في السوق ويطلق [به]  زوجته، والخسِيس قد يحتمل ذلكَ، والبخيل قد يُؤثِر ماله على قتل غيره، والرجُل الأَيّدُ  قد يحتمل ضربات لا يُبالي بهَا، والضعيف لا يحتمله ، وهؤلاء في هذا المسلك يتبعون كل ذلك ، وهو خبط لا سبيل إلى ضمّه، والطريقة الأولى أقرب إلى الانضباط ، وعلى الجُملة القاعدَة مشكلة في الضبط (ولذلك تتباين)  المسالك، وتحصل منه أن الإكراه بالقتل هو المتفق عليه ، والإكراهُ بما يوجب القصاص لو جرى الإكراه به من القطع وَالضرب العظيم فيلحق  به إلا","part":1,"page":37},{"id":1398,"text":"على وَجهِ العراقيين ، والإيلامُ المتعلق بالبدن (فيه تردد)  ، وَأمّا إتلاف  المال فمنهم من يجعله إكراهاً بالنسبة إلى إتلاف المال لا إلى القتل ، ومنهم من لا يجعل ، وكذلك القول في التفاصيل، هذا حُكم الإكراه\rأمَّا السكر فالكلام فيه في طرفين:\rأحدُهما: في تصرفاته\rوالثاني: في حَدّ السُكر ومعناه\rالطرف الأول: في تصرفاته، ونقول فيه: تصرفات المجنون، والمغمى عليه، والنائم، ومن زال عقله بجهَة لم يتعَدَّ  فيها مردودٌ؛ لسقوطِ الأهلية وعدَم القصد \rوأمَّا السَكران فمنصُوص الشافعي جديداً وقديماً أن طلاقه يقع  ، ونصَّ في الظهار قديماً على قولين ، فمن أصحابنا من نقل من الظهار قولاً إلى الطلاق، وقالوا في المسألتين قولان ، ومعظم العلماء صائرون إلى وقوع طلاق  السَكران ، وذهبَ عثمان، وابن  عباس، وأبو يوسف، وزفر، والمزني، وابن سُريج، في أتباع لهم إلى أن طلاق السَكرَان لا يقع ، وأمَّا سائر (التصرفات من)  السَكران ففيه طرق، منهم من قالَ: في الكُل قولان، حتى في أفعاله ، ومنهم من قال: أفعاله كأفعال الصاحي لقوّة [في]  الفعل، والخلاف في أقواله ، ومنهم من قال: ما عليه ينفذ لا محالة، وما له فيه قولان ، وَأشهرُ الطرق طَرْد القولين في الكل، وقد نصّ الشافعي على أن السَكران إذا ارتدّ ثبتت  ردته لكنه قال لا يستتاب حتى يُفِيق ، فعنه نشأ التردُد (فيما له)   وعليه ، ولا شك (في أن من)  أوْجِر خمراً قهراً فحكمه حُكم المخبّل  بالجنون؛ لأنه غير متعَدٍّ في ذلك هَكذا قال  الشيخ أبو محمد، وَهذا [فيه]  إذا انتهى إلى السُكرِ الطافح  ، ومتى  شَرِب البنج  متعدِّياً حتى جُنّ فمن أصحابنا من ألحقه بالسَكران لتعَدِّيه ، ومنهم من ألحقه بالمجنون؛ لأن ذلك مما لا يقصد في نفسه ، وَقد نبهنا على جنس هذا الكلام في كتاب الصلاة في حُكم القضاء ","part":1,"page":38},{"id":1399,"text":"الطرف الثاني: في حَدّ السُّكْر: قال الشافعي [رحمه الله] : إذا اختلط كلامهُ المنظوم وانكشف سِرَّه المكتوم فهو سَكران ، وقيل : إذا أخذ في الهذيان وتمايل في المشي ، وقيل: إذا كان لا يعلم ما يقول  ، ولا يحصل شفاء الغليل بذلك، فالوجه أن (يقال: للسكران)  أحوَال ثلاثة:\rإحداها : ابتداء شربه إذا عَريه  هِزّة وَطربة  وَدَبّت الخمرَة في دماغه قبل أن يزول عقله فهذا ليسَ بسُكر إذ  المطلوب من السُكر (زوال)  العقل، وهذه الحالة قد تؤثر في حدّة العقل \rالحالةُ الثانية: السَكران الطافح الساقط في صُورة المَغمي عليه، وَهي نهايةُ السُّكر، فالوجهُ أن تلحق تصرفاته بتصرفات المغمَى عليه ؛ إذ القصدُ معدوم، فإن فرِض هذيان فهو كهذيان النائم ، ومن أصحابنا من أَبعدَ وَطردَ فيه الخلاف؛ لأنه متعَدٍّ بالابتداء ، وَعنهُ (نشأ طرد)  الخلاف فيمن  تسبّب إلى الأغماء بشُرب البنج أو غيره، وَإنما أخذ ذلك من إيجاب قضاء الصلاة عليه، وهذا بعيدٌ، ومأخذ وجوب القضاء يباين مأخذ تصحيح التصرفات  وَالمؤاخذة بها ","part":1,"page":39},{"id":1400,"text":"الحالة الثالثة: متوسِّطةٌ  هي حالة زوال العقل مع بقاء ضربٍ من التمييز، والعلم، وَالإصغاء إلى الكلام والجواب عنه، وكل ذلك مفروض من المجنون فلا ينتفي العلم عن المجنون من كل وجه ولا ينتفي القصد  وعند ذلك يختلط كلامه، ثم قد يتفق له تارَات في النظم (والخبطِ كما في المجنون)  وَحَدَّه: زوال العقل، ويعرفُ ذلكَ من يعرف حَدَّ العقل، وهو الصفة التي يتهيَّأ للإنسان  بها إدرَاك  المعقولات النظرية، والمجنون والسَكران لا يتأتى منهما ذلك، (وإن)  فرض منهما اللفظ  بشيء من ذلك فهو من (قبل تلقن)  الألفاظ دون إدرَاك المعنى ، فعند (هذا تطرد الاحتمالات) ، وَمأخذه الظلم بالتسَبّب إلى هذه الحالة مع مسيس الحاجة إلى الزجر لكونه مقصُود النفوس، وهذا عندَ بقاء القصد الحسيّ والمَيز البهيميّ، فأمّا إذا سقط القصدُ على صورَةِ الإغماء فالظاهرُ أنه كالمغمى عليه في التصرفات دون قضاء العبادات \rالركن الثالثُ لنفُوذ الطلاق: المحل، وهي المرأة، فإذا أضاف إليها أو إلى نصفها نفذ وسَرى النقص  وَلو أضاف إلى جُزءٍ معيّن كاليد وَالرأس والشعر، (فما يتصل\rبها)  اتصال خلقة نفذ عندنا  خلافاً لأبي حنيفة، ومأخذه معلومٌ في الخلاف ، وَفي تفصيل ذلكَ مسائل:\rإحداها: أنه لو أضافَ إلى جنينها   أو إلى فضلاتِ البدَن من البول وَالدمع وَالعرق (والمني وَاللبن)  (وما لا ينتقص البدن به) ، ولا ينتهض قواماً للروح لم يقع الطلاق؛ لأنه ليس من جملة ما تناوَله  الحل وَالحُرمة وليس من جُملة بدنها ، وفيه وجه أنه يقع ، وهذا الوجهُ لم يطرد في الجَنين؛ لأن له حُكم الاستقلال وَهوَ بعيد هاهنا أيضاً \rالثانية: لو أضافَ إلى الأعضاء الباطنة كالكبدِ وَالرئة (وَغيرها)  وقع، وَإن كان لا يُتَصَوَّر الاستمتاع به  بحكم النكاح؛ لأنه جزءٌ منها ","part":1,"page":40},{"id":1401,"text":"الثالثة: لو أضاف إلى الدم، منهم من قال: هو كسائر الفضلات ، ومنهم من قطع بالوقوع؛ إذ فيه  قوامُ البدن فكأنه البَدن \rالرابعة: لو أضاف إلى الروح والحياة وقع؛ لأنه عبارَة عن الجملة ولا ينبغي أن يرتبك الفقيه في الفصل بين الحياة والروح؛ فإن ذلك لا يليق  بنظر الفقه  \rالخامسَة: لو أضافَ إلى سِمَنِها وَقع؛ لأنه جُزءٌ ، ولو أضافَ إلى الشحم، ففيه ترددٌ ؛ فإنه إذا ذبح الحيوان كان منفصلاً في الوجود لا سيما الثرب  منه، وَليسَ له حياةٌ أيضاً \rوَلو أضاف إلى الصفات كالحُسن والقُبح وَاللون لم يقع الطلاق؛ لأن ذلكَ ليسَ من الأجزاء \rالسادسَة: الأذُن إذا انقطعت  ثم التحمت فأضاف الطلاق إليهَا، ففيه وَجهان:\rأحدهما: الوقوع للاتصال الخلقي \rوالثاني: أنه لا يقع؛ لأنها  ميتةٌ يجب فصلها، وَليس  من البَدن ، (وهذه صُورةٌ صوّرها)  الفقهاء، وَهي  غير متصورة  وجوداً ، نعم يتصَوّر\rذلكَ  في شعرة تسقط من الرأس ثم تنغرز في المنكب، ويبقى اتصالها  بحيث تنمُو، وحُكم هذا حُكم الأُذن المنفصلة الملتحمة؛ إذ لا يفارقه إلا أنها  لم تلتصق بالمحل الذي انفصلت  منه، وَلعل تصويره في المحل الذي تسقط  منه ممكن أيضاً ، وَكل ما ذكرناه في الطلاق جارٍ في العتاق ","part":1,"page":41},{"id":1402,"text":"فإن قيل: إذا نفذ تم الطلاق، فتنفيذه بطريق التسرية أم لا قلنا: اختلف [فيه]  أصحابنا، منهم من قال: هو بطريق التسرية فينفُذ فيما أضيف إليه وَيسرى إلى الباقي كالعتق المضاف إلى نصف العبد ، وَمنهم من قال: العتق في النصف معقول، أما العتق في طرف معين، والطلاق في معين، وَفي شائع غير معقول ولا ثابت، فسبيل التنفيذ أنا نجعل ما خَصَّصه بالذكر عبارة عن الكل، فيجعل ذكر اليد كَذِكْر الكل كقوله: أنت طالق نصف طلقة ، وتنبني  على هذا مسألة، وهوَ أنه لو قال لها: إن دَخلت الدار فيمينُك طالق، فَقُطِعَت يمينها فدخلت  الدار إن سلكنا مسلك التسرية لم يقع؛ لأنه لم يجد مقراً وَإن جعلناه عبارة عن الكل وقع الطلاق ، ولو قال لامرأته التي لا يمين لها: يمينُك  طالق، فمن أصحابنا من خرجَه على هذا التردد ، وَمنهم من قطع بأنه لا يقع؛ لأنه لابد من مُعيّن  في الحال، ولا معين  فضاهى ما لو قال: لحيتُكِ أو ذَكَرُكِ طالق، فينبغي أن يقطع بأنه لا يقع؛ لأنه (لا متعيّن)  في الحال ، والظاهر أن السيد إذا قال لعبده: نصفك حر، فهذا ينفذ بطريق التسرية ، ومنهم من طردَ؛ لأن التجزئة من مالك وَاحد أيضاً غير متصوِّر  على هذا الوجه ","part":1,"page":42},{"id":1403,"text":"واختتامُ هذا الركن  بالتنبيه على أصل يليق به، وهو  أن الزوج لو أضاف الطلاق إلى نفسه فهو كنايَةٌ عند الشافعي، فلو نوى وقع ، وقال أبو حنيفة: لا يقع ، ثم اختلف أصحابنا في مأخذ المذهب، فمنهم من بناه على أنه معقود عليه كالزوجَة فكان محلاً للطلاق ، وَهذا فاسدٌ؛ إذ لو كان كذلكَ لكان  صريحاً، وَعدُوله عن العادَة لا يلحقهُ بالكناية مع صَريح اللفظ كقوله: يَدُك طالق، وكقوله: أنتِ طالق، ولو كان معقوداً عليه لما جاز أن ينكح غيرها، (ولما ثبتَ)  لغيرها الاستحقاق معها، ولجاز للزوجَة أن تطلقه، وهذا بيِّن، فالوجهُ فيه أن يقال: الزوج قيدٌ على الزوجَة، وقد يُضاف الحل إلى القيد كما يُضاف إلى المقيد فهو كناية من هذا الوجه \rوالثاني: أنه في حجرٍ منها (على الجملة؛ فإنه)  لا ينكح أختها وأربعاً سوَاها، فيناوله  ضربٌ من الحجر يقتضي  ذلك رَفع النكاح ويكنى  عنه ، واختلف  أصحابنا في ثلاث مسائل:\rإحداها: أنه إذا نوى أصل الطلاق فهل يجبُ عليه أن ينوي الإضافة إليها وجهان :\rأحدهما: وهو الذي عليه الجمهور أنه يجبُ ذلكَ، إذ ليسَ هو محلاً حتى تصح الإضافة إليه، وَلو كان محلاً لكان اللفظ صَريحاً فلابد (من أن)  ينويهَا بالطريق\rالذي ذكرناه \rوالثاني: وهوَ اختيارُ القاضي أنه لا يجبُ ذلكَ؛ لأنه إذا نوى الطلاق فقد نوى رَفع العقد  فلا حاجة إلى الإضافة ، هذا إذا لم ينوِ تخصيص الطلاق بنفسه وَلكنه لم يخصصه بها أيضاً ، فإن خصص الطلاق بنفسه قال الإمام: يَبعُد هَاهُنَا كل البُعد المصير إلى الوقوع إذ ليسَ محلاً، وقد خصص بما ليسَ يحتمل  ، وذهبَ بعض أصحاب الخلاف إلى أن ذلك نافذ \rالثانية: إذا قال السيد لعبده: أنا منك حُرٌّ ونوى العتق، فيه وجهان:\rأحدهما: أنه ينفذ؛ لأنه في حُكم القيد عليه \rوَالثاني: أنه لا ينفذ وهو الظاهر، إذ ليس  حجر سبب الرق بخلاف\rالنكاح ","part":1,"page":43},{"id":1404,"text":"الثالثة: إذا قال [الزوج]  لزوجته اعتدُّ منكِ وأستبرئ رحمِي منك فقد اشتمل  فيه ذكر خلاف  والوجهُ القطع بسقوطه؛ لأن الكلام غير منتظم، وَإنما الكناية ما له نظمٌ وأشعار بالمقصود \rوَإذا قال: أنا منك بائنٌ، أو خلِيٌّ، أو برئ، فهو كلفظ الطلاق، والتفصيل كالتفصيل  \rالركن الرَّابعُ في نُفُوذِ الطَّلاق بالولايَة  عَلى المحَلّ\rوهذا معتبر بالاتفاق، وَالمعنِي به أن (يوجد التصرف)  بالطلاق في غير المنكوحَة تنجيزاً وتعليقاً باطل \rفإن قيل: وَلِمَ ذكرتَ  هذا في التنجيز، ولا يُعقل وقوع الطلاق بحيثُ  لا نكاح\rقلنا: يُعقل تنفيذهُ لتنقيص العددِ كما تخيّله أبو حنيفة في المختلعة ولا نكاح؛ إذ يصح نكاحهُ ، وكما (نقولُ في الطلقة)  الثانية في حق الرجعية، فإنه لا يفيدُ إلا نقصان العدد، إذ لا يزيل الملك ولا يفيد تحريماً، وَالتحريمُ حاصل قبله ،\rواتفقوا  على أنه بعدَ انقضاء العدّة يلغُو ولا ينقص العدَد، وَفي عدّة الرجعيّة ينفذ؛ لأن ولاية الملك قائمة ، وَفي عدّة المختلعة ثار الخلاف فرأى الشافعي إلحاقه بالبائنة لانقطاع النكاح وَعلائقه؛ إذ رَأى العدَةَ من علائق الوطء لا من علائق النكاح \r(فأمَّا التعليقُ إذا قال لأجنبيّة) : إن نكحتكِ فأنتِ طالق، فنحكها لم يقع الطلاق عندنا؛ لأنه أنشأ التصرف، وَهوَ التعليقُ في حالة لا ولايةَ له على المحل فلغى ، وزعمَ أبُو حنيفة أن المحل يراد للنفوذ وَهو متهَيئ وقت الوقوع ، و [قد]  ذكرنا مثار النظر في مآخذ  [الخلاف] \rهذا تمهيد الكلام في القاعدة، وقد اختلف أصحابنا في سياق هذا الأصل في مسائل:\rإحداها: الالتزام في الذمةِ كالنذر وهو صحيحٌ على الإطلاق، إذ ليس يرتبط قوله: لله عليَّ أن أعتق عبداً بعين من الأعيان حتى يعتبر فيه الولاية على المحلِّ، وإنما هذا تصرف في الذمة (بإلزام مَا لم يلزم) ، وَالذمة مملوكة له ","part":1,"page":44},{"id":1405,"text":"ولو أشارَ إلى عبد الغير وَقال: لله علي أن أعتقه لم ينفذ التزامه ولغى نذره \rولو قال: إن ملكتُ هذا العبد فلله علىّ أن أعتقه، ففيه خلاف للأصحاب؛ لأنه التزامٌ في الحال، وَلكن (لم تعلق بالغير)  فيعارض  النظر ، وهذا فرق بين الإضافة والإطلاق على ما يراه أبو حنيفة في الطلاق \rالثانية: الوصية، وتفصيلها في الإطلاق، والتعيين، والإضافة إلى الملك كالنذر، وَمأخذها  مأخذه، وحكى الشيخ أبو علي وجهاً: أن الوصية المرسلة أيضاً لا تصح؛ لأنها في حكم التمليك لا في حُكم الالتزام بخلاف النذور ، وَهذا ضعيف \rالثالثة: التصرف بالتعليق  فيما يملك أصله لا عينه، كالعبد، يقول لزوجته: إن دَخلت الدار فأنتِ طالق ثلاثاً، ثم تدخل بعد  حُريته ففي وُقوع الثالثة خلاف ، وكذلك إذا قال لجاريته: الولدُ الذي تلدِينَه هو حر ؛ وَمأخذه أن الولاية على المحلِ، وَسببُ الملك قائم وإن تراخى وجود الملكِ في المسألتين فضاهى من وجه التصرف في منافع الدار بالإجارة مَع قيام الاستحقاق في الدار في الحال ، وَمنهم من حسم الباب وقال: لم  يملكه فلا يصح تصرفه [فيه ] ، وَلا يشترط في هذه المسألة الإضافة إلى الملك، وإن شرط  في النذرِ والوصية \rالرابعة: إذا ثبتت الولايةُ على المحل في كلا حَالتي التعليق ووُجود الصفة، ولكن تخللت بينونة كما إذا أبانها ثم نكحها ثم دخلت الدار مثلاً، ففي وقوع الطلاق قولان في الجديد، وَالمنصُوص قديماً أنه يقع \rأحدُهما: الوقوع لوجُود الولاية وَالأهلية وَالمحلية في طرفي التعليق، ووجود الصفة \rوالثاني: وهوَ اللائق  بالمذهب أنه لا يقع؛ لأن الطلاق الذي يقع في هذا النكاح هو طلاق [مستفاد من هذا النكاح، ولم يكن يملكه في ذلك النكاح ، وهذه المسألة]  مُلقَّبة بعَود الحنث في النكاح، وَيجري نظيره في تعليق العتق، إذا تخلل زوال ملك  ","part":1,"page":45},{"id":1406,"text":"الخامسةُ: إذا علق الطلقات الثلاثة  على الدخول، ثم نجَّز الطلقات الثلاث، ثم نكحها بعدَ تحليل المنصوص جديداً أنه لا يقع؛ لأنه استوفى ما علق فلم يبق منهُ شيء ، وفي القديم قولان ، وَلا وجهَ للقول الآخر إلا إرسال النظر بوجود الولاية على المحل، حالة التصرف، وذلكَ لا يليق بالمذهب \rفرع: لو علق طلقة وَاحدة، ثم قال: نجزَّتُ تلك الطلقة، (وَله عليها)  بَعدُ طلقتان، فهذا التعليق (هل يَعُودُ)  في نكاح مجدد منهم من ألحق هذه الصورَة بصُورَة استيفاء الثلاثة  ، ومنهم من ألحقها بالصورَة الأخرى ؛ لأن الطلاق ليس معيناً حتى يتعين تنجيزه فما بقيت طلقة فللطلاق مجال فيتناول  التعليق  هذا كله [فيه]  إذا لم توجد الصفة في حال  البينونة ، فلو وجدت الصفة وهو دخول الدار في وقت البينونة انحلت اليمين؛ لأنها لم تتناوَل إلا  أوّل دَخله ، وقال الاصطخري: لا تنحلّ؛ إذ القرينَة تدُل على إرادَة دُخول في دَوام النكاح، وهذا متروك عليه ، ثم (على)  مذهبهُ وَمذهبُ الجمهور لو قال: أنتِ طالق غداً ثم أبانها في الحال ونكحها بعد مضيّ غدٍ هذا تعليق لا يتصَوّر عوده؛ لأنه انقضى ما علق به؛ إذ لا عود للغد [بحال] ، وذلك الغد لا (يتكرر)  بخلاف الدخول فإنه يتكرر \rالسادسَة: إذا صَرّح وقال: إن أبنتك ونكحتُكِ، وَدخلت الدار في النكاح الثاني فأنتِ طالق، فظاهر المذهب أن هذا  لا يصح؛ لأنهُ تصريح  بتعليق الطلاق قبل  الملك على مضاهاة، مذهبَ أبي حنيفة ، ومنهم من قال: يخرج على الخلاف؛ لأن المعتمد ثبوت الولايَة (في حالتي)  التعليق والصفة، وهذا يخرج على صُورَة\rاستيفاء العدَد ","part":1,"page":46},{"id":1407,"text":"السابعة: إذا قال: إن ملكتُ هذا العبد فقد وَكلتك ببيعه أو نكحتُهَا فقد وكلتَك بطلاقها، فقد نقل عن القاضي فيه وَجهان ، قال الإمامُ وهوَ غلط؛ فإن  الوكالة وإن جوزنا تعليقها على رَأى فلا تصح الوكالة إلا فيما يملك، وَالطلاق غير مملوك  في الحال فكيف يملك !\rهذا تمام النظر  في أركان الطلاق، واختتام الباب بذكر حقيقة الطلاق وَحُكمه\rأمَّا حقيقته: فهوَ إسقاط [ملك] ؛ ولذلكَ يقبل التعليق بالإغرار وإن كان\rالإبراء إسقاطاً ولا يقبل التعليق، ولكن الغرض من هذا أنه لو كان في حُكم التمليكِ\rلما سقط \rوَأمَّا حُكمه فله أحكام:\rأحدها: أنه يسقط شطر المهر قبل المسيس، وَلا يسقط بعدَ المسيس شيئاً \rوالثاني: أنه يقع رَجعياً إلا أن  يقع قبل الدخول، أو على مال؛\r(أو مع)  استيفاء العدد، وَلا (تنقطع الرجعةُ)  بشرط القطع \rوَالثالث: أنه إذا استوفى العدد حَرم إعادة النكاح إلا بمحلّل، وحُكم المحلل ذكرناه في النكاح ، والغرضُ أنا لا نرى هدمَ الطلاق حتى لو أبانها بطلقة فنكحها ثان ثم عادت إليه لم تعُد إلا ببقية الطلقات ، وَإليه ذهب محمد بن الحسن ، وخالف \rأبا حنيفة \rالرابع: عدَدُ الطلاق، وذلك يختلفُ بِرِق الزوج وحُريته عندنا، فيملك الحُرّ ثلاثاً أبداً وَالعبد اثنتين   على الحُرَّةِ وَالرقيقَةِ  خلافاً له؛ فإنه نظر إلى جانبهَا \rفَرعان:","part":1,"page":47},{"id":1408,"text":"أحدُهما: أنه لو طلق زوجته الذمية طلقتين ثم التحق بدار الحرب فاسْتُرِق ، قال ابن  الحداد: ينكحها بطلقة؛ لأنه لم تحرُم عليه بالطلقتين، وَالرق بعدَهُ لا يُثْبِت تحريماً لم يَكن ، وفيه وَجهٌ بعيدٌ حَكاهُ الشيخ أبو علي ، وبمثله لو طلقها  طلقة واحدة ثم استرِق فلا يملكُ في الرّق إلا طلقة واحدةً [وفاقاً]  ، ولو طلق في الرّق طلقة ثم عتق فيملكُ طلقتين في الحرية ، ولو طلق طلقتين في الرق ثم عتق لم يملك نكاحها؛ لأن التحريم قد تنجز، وَالنظر  إلى استيفاء العدَد ، وَحكى الشيخ أبو علي في هذا أيضاً وَجهاً غريباً أنه ينكح نظراً إلى ما طرأ، وهو مزيفٌ \rالثاني: إذا طلق العبد طلقتين وعتق وَلم  يدرِ أنَّ العتق السابق  أم الطلاق، قال ابن  الحداد: يُحكم بالتحريم؛ لأن الطلاق مستيقن، والرق كمثل، والعتق ليس يدري وقته، ووافقه مُعظمُ الأصحاب ، ومنهم من قال: الأصلُ عدَمُ التحريم، وَهذا ضعيف ، ولو تنازع الزوجان فإن اتفقا على وقت العتق وتنازعا في وقت الطلاق، فالقول قول الزوج في الطلاق  ، وَإن اتفقا على  وقت الطلاق،\rوتنازعا في العتق، فالقول قولها إذا ادّعت التأخير؛ لأن الأصل استمرار الرق ،\rهذا تمامُ الكتاب \rالبابُ الثالث\rفي طلاقِ المريض وحُكْمهِ\rاعلم أن طلاق المريض والصحيح يتساويان في النفوذ الرجعيّ منه والبائن ، وَإنما النظر في الميراث، وفيه قولان، الجديدُ وهو المشهور أن حُكمها في الميراث حُكم المطلقة في الصحّة \rوالثاني: وهو القديم أن الزوج فارٌّ عن توريثها فنُعاقبه بنقيض قصده، ومعتمدُ القول [القديم]  قصّة عبد الرحمن بن عوف    على ما ذكرناه في الخلاف، وَضابطُ هذا القول التُهمة بقصد الفرار \rويترتب على هذا القول مسائل:","part":1,"page":48},{"id":1409,"text":"إحداها: أنه لو طلق بسؤالها بعوَض أو بغير عوض لم يكن فارّاً  إلا أن يُخَالف الملتَمَس (بأن قيل)  طلقة رجعية أو طلقتين فيطلقها ثلاثاً فيسقط أثر السؤال، وذكر العراقيون عن  [ابن]  أبي هرَيرة طردَ القولين في الطلاق بسؤالها ، ويَعضُده قِصّة عبد الرحمن ، وَلكنَّه  لا يُعتَد به\rالثانيةُ: أن الميراث إلى متى يتمادَى فيه ثلاثة أقوال:\rأحدُها: إلى انقضاء العدة، وعلى هذا لو كان قبل الدُخول فلا ميراث؛ إذ لا عدّة ، وَهذا مذهَبُ أبي حنيفة؛ لأنه لابُدّ في التوريث من عُلْقَه \rوَالثاني: أنه يتمادَى أبداً؛ إذ هي في العدَّة بائنة، فلا معنى للربط [به]  وَهوَ مذهب مالكٍ \rوالثالث: إلى أن تنكح زوجاً غَيره، وهوَ مذهب ابن  أبي ليلى، إذ يَسمُح توريثها من زوج  وَقد نَكحت زوجاً [غيره]  آخ \rالثالثة: (لو طلق)  أربعاً وَنكح أربعاً ومات، ففيه ثلاثة أوجه:\rأحَدُها: أن الميراث للمُطلقات، فإنه قصَد الفرار وَلا سبيل إلى تحقيق قصده، وَلا سبيل إلى الزيادَة على العدَد المحصُور الشرعي حتى يجمع \rوَالثاني: أنه للمنكُوحات؛ فإنهن متعلقات بنفس النكاح وَالأوَّليات  متعلقات بتهُمُة فرار \rوَالثالث: أنه يوزع عليهنّ؛ لتعارُض الأمر ، وَعلى هذا لا يبعُد ازدحام عدَد كثير إذا فرض تكرر  الطلاق، وَالنكاح على أعداد، وَلو نكح امرَأةً وَنكح أخرى فلا وجه إلا الإشراك ، فإن منشأ التردُد عسرُ الزيادَة على العدد الشرعي، ثم لو طلق أربعاً ونكح وَاحدة أو طلق واحدة ونكح أربعاً فلا يخفى التفريع، فإن المحذُور زيادة العدَد، والواحدة تقوم مقام الأربع في ذلك ","part":1,"page":49},{"id":1410,"text":"الرابعة: إذا علق طلاقها بفعل نفسه، أو بفعلِ أجنبي، أو بفعل لابدّ لها منه طبعاً، (أو شرعاً)  فهو فارٌّ ، وإن علق بفعل يستغنى عنه ففعلت مع العلم فهو كسؤالها، وإن نسيت بعدَ الفعل  فهذا محتمل؛ لأنَّها ليست رَاضية، وَلا الزوج فارٌّ ولكن الأظهر أنه فارٌّ ، وإذا علق الطلاق بأكلها فلا يعتبر في حقها الضرورة، فيجعل فاراً بكل ما يضُرّها مثل  الأكل وَما يضرها  عدَمهُ، فلا (تكون مختاراً)  فيه للطلاق ، وَما يتلذذ بفعله وَلكن لا يحتاج إليه يحتمل أن يقال: يلحق بجنس الطعام ولا  استغناء عن الجنس، وإذا راعينا الضرر فلا ينبغي أن يعتبر فيه علم الأطباء ومهارة الحُذَّاق، ولكن ينبغي أن يتبع علمها أو ظنها في ذلكَ، هذا وجه  الضبط وَهوَ عسيرٌ جداً \rالخامسَةُ: إذا علق في الصحّة على صفة وجدت في المرض، فله ثلاثة أحوَال:\rأحدُها: أن يعلقهُ بصفة لابُدّ من وجودها في المرضِ  كقولهِ: أنتِ\rطالق إذا تردَّدَ  الروح في شراسيفي  أو قبيل مَوتى بلحظةٍ، فهذا تصريح بالفرار، فليقع  به ، وكان الشيخ أبو محمد يذكر [فيه]  خلافاً وهو ركيك \rويتصل بهذا\rفرعٌ لطيف: وهو أنه لو قال: أنتِ طالق، قبل مَرض مَوتي بيوم، فقد حُكي عن القاضي فيه تردد، وهو محتمل من حيث إنه وقع في حالة الصحة، وَلكن ظهر قصدُ الفرار جدّاً فإنه قيّدَه بمَرض الموت وما يتقَدّم عليه ، وكذلك إذا قال: أنتِ طالق قبل مَوتي بيوم، فإنه  يظهر قصد الفرار ، فلو ماتَ فجأةً ولم يتقَدّمه مرض فقد تبيّن نفوذ الطلاق في الصحة، فيحتملُ أن نتبع التهمة، وهو القياس، ويحتمل أن يقال: كل تهمة لا تتبع فلابد أن  يقعَ الطلاقُ في مرض \rالحالة الثانية: أن يعلق بفعل من أفعال نفسه، ثم يأتي به في المرض فقد قطع القاضي أنه  فارٌّ، وذكر الشيخ أبو محمد وَجهين، وَالوجهُ ما ذكره القاضي ","part":1,"page":50},{"id":1411,"text":"الحالة الثالثة: أن يعلق بصفة لا تتقَيَّد بحالة مخصُوصَة (كقدوم)  زيدٍ مثلاً ففيه قولان (يترجحان بأن العبرة)  بحَالة التعليق أو بحالة وجود الصفةِ، ولعلَ الأظهر  أنه ليسَ فارّاً إذ ليس يتبَيّن قصدُ فرار ، وأبو حنيفة لا يجعله فارّاً في هذه الصورة، وَيجعل\rالعتق في مثله محسوباً من الثلث نظراً  إلى تعلق  حقُوق الورثة ، وَهو فقهٌ\rغائصٌ  ولكن لم يصر أصحابنا إليه، وينقدحُ الفرق بينهما ظاهراً في الفرع اللطيف الذي ذكرناهُ، وهذا عَكسه في الصورة، وَالمأخذ متقارب في المسألتين \rالسادسَةُ: إذا أقرّ بالطلاق في المرض وأسندَهُ إلى الصحة، أو أقرّ بالعتق وَأسندَهُ إلى الصحّة فهوَ كما لو أنشأ في الصحّة؛ لأن الإقرار حجة؛ وَلذلك يصح الإقرار (بالوارث ، وقال)  القاضي: يجوز أن يخرج على  المسألتين قول من حيث إنه محجورٌ في الحال، وَقد أسند إلى حالة الإطلاق فهوَ كالمفلس إذا أسندَ إلى ما قبل الحجر وَفيه قولان، وَليس هذا كالإقرار للوارث، فإنه ليسَ محجُوراً عن أن يلزم ديناً باستقراض وَمعاملة فكان  له الإخبار عنه \rالسابعَةُ: إذا أبان زوجته الأمَة أو الذميّة ثم عتقت تيك وأسلمت هذه وماتَ فلا فرارَ في هذه الصورة؛ نظراً إلى حالة الطلاق ، وقد يتطرق إلى هذا نظرٌ من تبرُّع الرجُل في مرضه على عَمِّهِ وَهوَ محجُوب بوَلده، فإذا مات وَلدُه ففيه قولان  وَلكنَّ المذكور ما ذكرناه وتَخَيُّل فرقٍ أيضاً غَيرُ بعيد ","part":1,"page":51},{"id":1412,"text":"الثامنَةُ: في أسباب الفراق، والزوجُ لا يكون فارّاً (بالفسخ)  بالعيب، فإنه استيفاء مستحق ، وَأمَّا اللعان فقد قال الشافعي: لو قذفهَا في الصحّة ولاعنهَا في المرض ليسَ  فارّاً ، فأشعرَ مفهومه بأنه رَاعى ضرورَةً في دَفع الحَدِّ إذا سبق القَذف، فلو قذف في المرض ولاعن في المرض ففي كلامهِ ما يدُل عليه، ورَدَّد  فيه الأصحاب، ووجهُ منع الفرار ظاهر؛ إذ ليسَ (يتهم مع)  ما يقترن (به من اللعان)  من القرائن التي تنزجر النفس عنها ، وَأمَّا ردّة الزوج إذا فرض  ثم فرض العود حتى يتصوّر الإرث، فقد ذكر العراقيون [فيه]  وَجهين، والظاهر أنه ليسَ فارّاً إذ الدين لا يُبذل  لأمثال ذلك ، ولو ارتدتِ المرأةُ فيخرج الوجهان في أنها هل هي فارَّةً عن توريثه  وَهوَ بعيد، فإنا وَإن اتبعنا التهمة فينبغي أن تحصر  على مورد التوقيف وهو جنس الطلاق، ثم مهما ثبت الإرث للفرار، فالفارُّ لا يرثُ لو جرَى الموت من الجانب الآخر، وإنما الكلام في الإرث منه ، والله أعلم\r\rالبابُ الرابع\rفي عَدَدِ الطلاق\rوَفيه فصُول\rالفصل الأول: في نيّة العَددِ\rوَفيه مسائل:\rإحداها: أنه لو قال: أنتِ طالق، أو طلقتُ ونوى عدداً وقع ما نوى، وكذلكَ في الكنايات؛ لأن اللفظ المأخوذ من المصدر مُشعرٌ بالمصدر، وهو صَالح للجنس، فالنيّة تنزلهُ  على ما يصلح له، فإن قول القائل: أنتِ طالق ثلاثاً نافذ قبل المسيس، وذلكَ يدل على أن الثلاث له انعطاف على قوله: أنتِ طالق، وَهوَ نعتٌ له أو  تفسير، وقد قال قائلون: هو تفسيرُ له، (فإن قلنا) : نصب على التفسير، وهذا جهل بالعربية، وَإنما الصحيح أن الثلاث نعتُ مصدر محذوف، والتقدير: أنت طالق طلاقاً ثلاثاً ، وقال","part":1,"page":52},{"id":1413,"text":"أبو حنيفة: إذا نوى العَدَدَ بصريح الطلاق لم ينفذ، وإن نوى بقوله: أنتِ بائن ثلاثاً [نفذ] ، وإن نوى ثنتين لم ينفُذ؛ وبناه على اعتقاده في فصل البينونة الكبرى عن الصغرى ، على ما قررناهُ في مآخذ الخلاف\rالثانية: إذا قال: أنتِ طالق واحدة ونوى الثلاث، ففيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه لا يقع الثلاث؛ لأن الواحدة تنافي العَدَد وَمُجرَّد  النيّة\rلا يكتَفى به \rوَالثاني: أنه يقعُ الثلاث، وَكأنه يُصَيِّرها واحدة بالطلاق الثلاث \rوَالثالث: وَهو اختيارُ القفال أنه ينظر فإن بسط نِيَّة الثلاث على جميع قوله لم يقع الثلاث؛ لأن اللفظ لا ينبيء عنه، وَإن نوى الثلاث بقوله: أنتِ طالق وذكر الواحدة بعد تمام النية وقع الثلاث، وَهذا بناهُ على المذهب الصحيح الذي ادعى الفارسي  الإجماع فيه، وَهوَ أنه إذا قال: أنت طالق ولم يَكن في عزمه أن يقول: إن شاء الله، فقال: على الاتصال به إن شاء الله، وَبدَاله ذلكَ مع الفراغ من اللفظ فالطلاق وَاقع، والاستثناء ساقط، وَمن الأصحاب من خالفه، وقال: إذا اتصل باستثناء  لم يقع الطلاق، فعلى هذا لا يتبين  لما قاله القفال أثرٌ في النية \rالثالثة: لو قال: أنتِ طالق واحدة، فالصحيح أنه يقع الثلاث إذا قال: أردتُ واحدة ملفقةً من ثلاث طلقات، ومنهم من قال: لا يقع؛ لأن اللفظ لا ينبئ عن هذا، والواحدُ يُضادّ العدد، وَما ذكرهُ بعيدٌ عن المدرَك  والفهم، وَالنيّةُ لا تعمل إلا إذا (طابقت)  لفظاً تنبئ عنهُ ظاهراً، وَهذا تردُّدٌ في كونه كناية، والأوَّل أظهر ","part":1,"page":53},{"id":1414,"text":"الرَابعةُ: لو قال: أنتِ وَاحدة ونوى الثلاث وَقع الثلاث ، وحُمل على التوحُّد وَالتفرُّد  ، وحكى القاضي وَجهاً وزيَّفَه أنه لا يقع الثلاث؛ لأن الواحدَة تنافي العَدَد ، (وَعندَ هذا)  لابُدّ من التنبُّهِ لدقيقة: وهوَ أنه إن خطر بباله معنى التوحُد (وقصَد)  فلا يتجه للخلاف وَجهٌ، وإن لم يقصد ذلك ولكن نوى الثلاث فهذا فيه احتمال، وينبغي أن لا يغفل الفقيه (عن وجوه)  الكنايات عن هذا الجنس، إذ التَّعلُق باحتمال لم تشتمل النيّة عليه على ذلكَ الوجه بعيدٌ، فإذا  (اشتمل عليه)  واحتمل فردُّه بعيد \rالخامسَة: إذا قال: أنتِ طالق ثلاثاً، فوقع قوله ثلاثاً في حالةِ مَوتها، فإن  ماتت مقترنا  به، ففيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه يقع الثلاث؛ لأن الطلقات الثلاث  لا تقع بآخر الكلام، وَإنما يقع بقوله: أنتِ طالق، وإنما الثلاث نعتٌ  بدَليل وقوعه قبل الدخول، وَالمرأة كانت محلاً عندَ ذكر الطلاق \rوالثاني: أنه لا يقع شيء؛ لأن الكلام كله في حُكم شيء وَاحد، وبعضُه لم يُصادف المحل \rوَالثالث: أنه يقع وَاحدة؛ لأن قوله: أنتِ طالق مستقل فينفذ، والثلاث يلغوا (ذكرها)  ، ولو قالَ: أنتِ طالق، وكان على (غرم الاقتصار  فماتت) ، فقالَ: على الاتصال ثلاثاً فعلى  مذهَب الفارسي لا يخفى أن ذلكَ ساقط، ومن ذهب إلى أنه لا يسقط أثره، فيظهر إسقاط أثره هاهنا، وَهذا التفصيل يجري في مصادفة قوله: إن شاء (الله حالة)  الموت، وينظر  فيه إذا قصدَه أوَّلاً (فإنشاء قصده بعدَ)  الطلاق، ولا يخفى وَجه التفريع \rالفصل الثاني: في تكرار  اللفظ\rوَفيه مسائل:","part":1,"page":54},{"id":1415,"text":"إحداها: إذا قال للمدخول بها، وَجملة هذه المسائل نفرعها في المدخول [بها] ، إذ غير المدخُول [بها]  لا يتصَوّر فيها إيقاع طلقتين متواليتين، فإذا قال: أنتِ طالق، أنت طالق، أنتِ طالق، فإن نوى (بتكرير اللفظ إنشاء الطلاق)  وقع الثلاث، وإن نوى التأكيد لم يقع إلا واحدة ، وإن نوى بالثانية الإيقاع، وبالثالثة تأكيد الثانية قُبِل  ، وَإن نوى بالثالثة تأكيد الأولى  ففي القبول وَجهان، وَالظاهر أنه لا يقبل؛ لتخلُّل الفاصل بينهُمَا ، وإن أطلقَ وَلم ينو تأكيداً ولا إنشاءً فقولان:\rأحدهما: الحملُ على التأكيد؛ لأنه أصلٌ ظاهرٌ في الكلام، ومن يبغي التعدُّد  يجمع ولا يُكرِّر كذلكَ، والأصل عدم الطلاق \rوالثاني: أنه يحمل على الإنشاء فيقع الثلاث؛ لأن الأصل أن صريح الطلاق لا يتعطَّل ما لم يُصرَف عنه إلى جهة أخرى \rفإن قيل: فلم قبلتُم أصل التأكيد وإن نواه وَاللفظُ صريح\rقلنا: لأن التأكيد أصل في كلامٍ العرب لا سبيل إلى إنكاره ، (وكان رَسُول الله  إذا أرادَ أمراً مؤكداً وَكَّدَهُ  ثلاثاً) ، وللتأكيد  ثلاث مراتب في لسان العَرب أعلاها التأكيد بالتكرير، كقَوله: رَأيتُ زيداً (زيداً)  أنتِ طالق طالق، ويليه  رَأيتُ زيداً نفسه، وَهوَ  للتأكيد أيضاً، وَيليهِ تغيير العبارَة كقولهِ: رَأيت القوم أجمعين أكتعين ، وَللمُؤَكِّدِ غرضٌ ظاهر في التأكيد، وهوَ (أن يتوثق)  بوصول الكلام إلى سمع المخاطب دَرءاً لتوَهَّم غفلتهِ، وكذلك الإشعار بأنَّ ما جَرى ليسَ أمراً سبق إلى اللسان لا عن قصد ولكنه معمود مقصود \rالمسألة الثانية: إذا قال: أنتِ طالق وطالق وقعت طلقتان، وكانت الواو العاطفة قاطعة للتأكيد؛ (فإنها تشعرُ)  باستئنافٍ، وهوَ كقوله: رَأيت زيداً وزيداً لا يشعِر بشخص وَاحد ","part":1,"page":55},{"id":1416,"text":"الثالثةُ: لو قال: أنتِ طالق وطالق وطالق، فالثاني   إنشاء كالأوّل، والثالثُ في صُورَتِه تكرير الثاني  معَ الواو فيُقبل ذلكَ منه، وَإن  تخلَّل الواو تكريراً للفظِ بعينه بخلاف الثاني معَ الأَوَّل؛ إذ الواو زيادة بينة  بالنسبَة إلى الأوّل، فلم يُمكن الحمل على التكرير، وعند هذا لو قال: قصدت (بالثالثة تأكيد الأُولى)  لم يقبل، وَلم (بطرد)  الوجهين للمغايرة بين اللفظين ، نعم لو أطلق ولم ينو ففي حملنا  على (التأكيد)  للثانية  قولان كما ذكرنا نظيره ، وَلو قال: أنتِ طالق وَطالق\rبل طالق وَقع الثلاث، وَلم  يُمكن جعل الثالثة  تأكيداً للثانية  مع\rمغايرة اللفظ \rولو قال: أنتِ طالق (طالق)  أنتِ طالق، فيتطرق إلى الثالثة تأكيد الثانية، وَإن تخلل أنت  فإن هذا إعادة لأداة الضمير، وَذلكَ يُحمل على النية، فلا ينقطع به التأكيد بخلاف واو العَطف \rوَلو قال: أنتِ طالق وطالق فطالق وقع الثلاث؛ لتخلل الفواصل المانعة من التأكيد ، هذا هوَ المذهَبُ في جميع ما ذكرناه ، وَقد نقل صاحبُ التقريب نصّاً للشافعي بخلاف ما ذكرناهُ، وهو أنه [لو]  قال: أنتِ طالق وطالق لا بل طالق، ثم قال: عنيتُ بقولي: لا بل طالق، تحقيق ما مضى، (قال)  الشافعي فيما نقله يَقْبل ذلك ولا يقع إلا طلقتان ، ثم قال صاحب التقريب: جعل أصحابنا المسألة على قولين:\rأحدُهما: ظاهر النص، وهو بعيدٌ ، ثم قال: لو قال: أنتِ طالق وطالق بل طالقٌ وحذف (لا)  فطريقان، منهم  من قال قولان كما مضى، ومنهم من قال: يقع الثلاث، وَما ذكره صاحب التقريب حَكاهُ العراقيُون أيضاً، وَالمذهبُ ما قدمناه، ووَجهُ النصّ على ضعفه أن كلمة بل للاستِدرَاك على مُخالفه ما سبق، وَفي هذا المقام ضعف؛ فإنه لم يجر على وضعها في المخالفة فسقط حُكمها، وهذا ضعيفٌ جداً ","part":1,"page":56},{"id":1417,"text":"الرابعة: إذا قال: أنتِ طالق طلقة فطلقة، نص [الشافعي]  على وقوع طلقتين ، ونصَّ على أنه لو قال: لفلان عليَّ درهمٌ فدِرهم لم يلزمه إلا درهم ، فمنهم من قال قولان في المسألتين بالنقل والتخريج ، ومنهم من فرَّق؛ إذ الإقرار إخبارٌ فيتطرق إليه ضروب من التكرار، ولذلك  لو أعاد في ذلكَ المجلس لم يتكَرّر بخلاف الطلاق ، وكذلك لو قال: لفلان عليّ درهم بل درهمان  لم يلزم إلا درهمان ، وَلو قال: أنتِ طالق طلقة بل طلقتين، وقعَ الثلاث ، قال الإمام: وَفي هذه المسألة نظرٌ؛ إذ قوله : بل طلقتين يحتمل استدرَاكاً للأوّلِ كما في الإقرار، وَلكن يتّجه مَا ذَكَره الأصحاب من حيث إن حملها  على الاستدرَاك إنما يتّجه بطريق الإخبار، وحمل ألفاظ الطلاق على الإخبار بعيدٌ \rالخامسَةُ: إذا بيَّنَ وقت الثانية فقال: أنتِ طالق طلقة قبلها طلقة، أو قبل طلقة أو بعدَها طلقة أو بعد طلقة، يقع طلقتان في المدخول بها، وَطلقة في غير المدخُول بها  [فرعان في غير المدخول بها] \rأحدهما: أنه لو قال: أنتِ طالق طلقة مع طلقة، ففيه وجهان:\rأحدُهما: أنه يقع ثنتَان كَما في حق المدخول [بها]  إذ الجَمعُ في حقها مُمكنٌ، وَإنما الترتّب  هو الممتنع \rوَالثاني: أنه لا يقع؛ لأن قوله: أنتِ طالق طلقة كلامٌ تام فنفذ، وَقوله معهَا طلقة ليس نعتاً وتفسيراً له وإنما هو ضمٌّ بعد سبق وقوع الطلاق، وليسَ كقوله: أنتِ طالق ثلاثاً، فإن قوله ثلاثاً (نعتٌ لما)  سبق \rالثاني: إذا قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق (وطالق) ، فإذا دَخلت ففيه وَجهان:\rأحدهما: أنه يقع وَاحدة وَكأن الزوج تلفظ باللفظتين حَالة الدخول ","part":1,"page":57},{"id":1418,"text":"والثاني: أنه يقع طلقتان؛ لأن الدخول جَامع، وَالدخول  تزدحم عليه ازدحاماً واحداً ، وَالمسألة محتملة، والأوّل أظهرُ، وَلابُدَّ الآن من ذكر استدرَاكٍ لطيفٍ في المسألة الخامسة: وهوَ أنه لو قال: أنتِ طالق طلقة قبل طلقة أو طلقة بعدها طلقة، وقعت طلقتان في حق المدخول [بهَا]  ، ويقعُ في غير المدخول [بهَا]  طلقة وَاحدة، وَ [هي]  المذكورَة أوّلاً المنجزّة في الصيغة، وَهي الموصُوفة بكونها أوَّلاً ","part":1,"page":58},{"id":1419,"text":"فأمَّا إذا قال: أنتِ طالق طلقة قبلها طلقة، أو أنتِ طالق طلقة بعد طلقة، فما تناوَلتهُ  صيغة التنجيز مشروط تأخرُها في مضمُون الكلام ومعناهُ، وقد حُكم بوقوعهَا  في (حق)  المدخول بهَا على التوالي في زمانين لم يختلفوا فيه، وَلكن الواقع أوّلاً هُو المنجزَّ بقوله: أنتِ طالق طلقة، ثم يتعقبها  الثانية أو  الواقعُ أوّلاً الطلقة الثانية، وَهوَ مضمون قوله: قبلهَا طلقة، فيه وَجهان: ذكرهُمَا العراقيون، وذكرهُمَا القاضي ، ووَجهُ التردُّد أن البداية في اللفظ بالمنَجَّز، ولكن المعنى في اللفظ يدل على تقدم المذكور ثانياً، فأيُّهُما تقدم فعلى وَجهين، وَالظاهر أن المتبع المعنى دون البداية اللفظية فإنَّ ما نجزّه شرط  أن  تُكون  قبلها طلقة فليكن قبلها طلقة، فإن قيل: كيف يكون ذلكَ وَهوَ إضافةٌ للطلاق  إلى ما قبل التلفظ، فليكن كالإضافة إلى الشهر الثاني ، قلنا: لا بل كلتا الطلقتين يقعان في زمانين بعد الفراغ من اللفظ، وَمعناه: أنتِ طالق طلقة بعد زمنٍ يقع فيه طلقة فكلاهُما  بعدَ اللفظ ، قال القاضي: هاتان الصيغتان إذا أطلقتا في غير  المدخُول بهَا يخرج أمرُها على الوجهين ، فإن قلنا: الواقعُ أوَّلاً هوُ المنجّز المذكور أوّلاً لحِقَتْها طلقة وَلم تَعْقُبها الثانية للتعدّد، وإن قلنا: [الواقع]  أوّلاً مضمون قوله قبلها طلقة، فهذا يبنى على مذهب ابن  الحداد، وَأبي زيد في الدور فعلى مذهب ابن  الحداد لا يقع شيء إذ ما قبلها يقع بوقوع هذه ليكون قبلها، فإنه موصوف به، ومشروط فيه، وَلا يقعُ التنجيز ، فإنهُ مَوصوفٌ بأن يَكون قبلها طلقة، فمعناهُ: أنتِ طالق طلقة مسبوقة بطلقةٍ، وَذلكَ محال في حقها، فيلغوا اللفظ، وإن فرعنا على مذهب أبي زيد فيقع مضمُون قوله: أنتِ طالق طلقة وَإن لم يقع مضمون قوله قبلها طلقة ، قال الإمامُ: ما  ذكره القاضي سديدٌ ، ولكن ما جعله مأخذاً لا","part":1,"page":59},{"id":1420,"text":"يُفارق فيه طريقة أبي زيد طريقة ابن  الحدّاد؛ لأنه أخذه من وصف الطلاق بكونها مسبوقة، وإذا عُدِم الوصف امتنع الموصوف لا محالة امتناعاً حقيقياً، وليس كذلك مسألة الدَور، فإنّ تنجيز  الطلقات الثلاث  ليسَ مَوصوفاً بالتعليق، ولا مشروطاً فيه، وَإنما هو شرط والشرط إذا ثبت وتحقق استقل، ثم ينظرُ في المشروط إن أمكن تحقيقه حقق وإلا فلا، هذا مسلك أبي زيد، وَمسألتُنا هذه تخالفُه  ، قال الإمام: والوجه أن يُقَال: إن أوقعَنا المنجَّز أولاً لحقت غير المدخول [بها]  طلقة، وإن أوقعنا أوّلاً في حق المدخول [بها]  مضمون قوله قبلها طلقة احتمل ما ذكره القاضي أخذاً من الصفة [الموصوف] ، لا من مأخذ الدَّور، وَاحتمل أن يقال: مقصوده توزيع طلاقين على زمانين لا أن يجعل الطلاق وصفاً للطلاق؛ إذ الطلاق لا يتصف بالطلاق، وهذا يتأيد بقطعنا القول بوقوع طلقة في الصيغتين  الأخرتين، وهي قوله: أنتِ [طالق]  طلقة قبل طلقة، أو بعدها طلقة؛ فإنه لم يجعل وصفاً  وشرطاً، ويحتمل تَخيُّل فرق فإن الرجل  إذا قال لجاريته: أوَّل وَلدٍ تلدينه فهو حُرٌ ووَلدت  عتق الولد، وَإن لم يأت  بعدَه ثانياً، وَلو قال: ثاني أولادك حرٌّ فلابدَّ من تقدم متقَدِّم فهذه  طرق الإشكالِ، (وقَد أبديناها)  على أحسن وَجه \rالمسألة السادسة: إذا قال: أنت طالق طلقة تحت طلقة، أو فوق طلقة، أو تحتها طلقة [أو فوقها طلقة] ، أو على طلقة، أو عليهَا طلقة، فقد قال الأصحابُ هذا يتضمّن الجمع كقوله: أنتِ طالق طلقة مع طلقة \rالفصل الثالثُ: في الطلاق بالحساب\rوَهوَ  ثلاثة أقسام:","part":1,"page":60},{"id":1421,"text":"أحَدُها: حسابُ الضرب فإذا قال: أنتِ طالق وَاحدة في اثنتين أو اثنتين في وَاحدة، وَ  ما يجري مجراهُ فإن أرَادَ الحساب حُمِل عليه، وَإن أرادَ الجمعَ حُمل عليه؛ لأنّ (في) تُطلق بمعنَى (مع)، وَالاحتمالات  البعيدَة مقبُولة في الإيقاع، وَإن كان لا يقبل في نفي الطلاق ، وَإن أرادَ الظرف قبل [وإن]  كان الظرف مخالفاً لما فيه فلا يقعُ\rما جعلهُ ظرفاً \rوإن أطلق وَلم يقصد شيئاً فقولان:\rأحدُهما: الحمل على الحساب لظهور ذلكَ في اللسان \rوَالثاني: الحمل على الظرف؛ لأنه يحتملهما جميعاً ولا حُكم إلا بالمستيقن ، وَقد نقلَ الفورَاني قولاً ثالثاً ذكره الشيخ أبو محمد: وهو وقوع الثلاث لتلفظه بالثلاث، وهذا [بعيد ، هذا فيه]  إذا كان المُطلِّق يفهم معنى الحساب ولكنه لم ينوهِ، فأمَّا إذا كان جاهلاً لا يفهم معنى الحساب فلا يفهم  في حقه الحمل على الحساب قطع به المحققونَ ، ويبقى إيقاع الواحدَة أو الثلاث لتلفظه باللفظ \rفرْع: الجاهل بالحساب إذا أطلق هذه اللفظة وَهو لا يدري ما يُرِيدهُ الحُسَّاب بهذه الكلمة (وَلكنه قال) : قَصدت ما تريدونه  فليرجع إليهم، (ففيه)  وجهان، ذكرهما العراقيون:\rأحدهما: أنه يحمل على الحساب وإن كان لا يدرى ما قصده، كما إذا قال: إن كان الطائر غراباً فامرأتي طالق، فإنه يبحث عن صفة الطائر ويبتني  الأمر عليه \rالثاني : أنه لا يقع إلا واحدة؛ لأن ما يناط بالنيّة وَالقصد افتقر إلى التفصيل، فينبغي أن يكون المقصُود معلوماً حتى يتصوّر القصد إليه بخلاف مسألة الطائر فإنه صَرّح بالتعليق  ، ولا  خلاف في أن العجمي  إذا نطق بالطلاق ونوى معناه عندَ أهله وهو لا يفهَمُه لم يقع الطلاق  وإن وضح له معناهُ بعدَه اتفَق عليه الأصحاب ، فتحصَّلنا من هذا الفرع على ثلاث مَراتب :","part":1,"page":61},{"id":1422,"text":"إحداها : أن أصل الطلاق لا يُحكَم به بمُجرَّد الإحَالة على مجهُول، بل لابُدّ من فهم اللفظ\rوَالثاني: تعليق الطلاق بِمُبْهَم لا يدرَى وَهو جائز\rوَالثالث: أن  يفهم أصل الطلاق وتعلق العَدَد بمبهم لا يدريه، وَفيه من\rالتردد  ما ذكرناهُ \rوَيلتحق بهذه الرتبَة  ما إذا قال: طلقت زوجتي مثل ما طلق فلان زوجته، وَلم يدر عدَد ذلك، ثم تبين  له فينبغي أن يخرج على التردّد \rالقسم الثاني: في تجزئة الطلاق \rفإذا قال: أنتِ طالق نصف طلقة، وَقعَت طلقة كاملة لا بطريق (التسرية بل)  تجعل العبارَة عن البعض عبارة عن الكل أخذاً من سراية الطلاق وغلبته \rوَفيه مسألتان:\rإحداهما: أنه لو قال: أنتِ طالق ثلاثة أنصاف طلقة، أو خمسة أرباع، أو أربعة أثلاث، وَغير ذلكَ مما يزيد الجُزء على المضاف إليه فوجهان :\rأحدهما: أنه لا يقع إلا طلقة وَاحدة؛ لأنه المضاف إليه، فإن زادَ الجُزء المذكور ألغي \rوَالثاني: أنه يقع طلقتان نظراً إلى المضاف وَتكميلاً له من الطلاق الثاني \rويتفرع على هذا صور لا تخفى كقوله: أنتِ طالق أربعة أنصاف طلقة، ففي وجه طلقة واحدة نظراً إلى المضاف [إليه] ، وَفي وَجه طلقتان، ولو قال خمسة أنصاف ففي وجه طلقتان، وَفي وجه ثلاث، وَلو قال: أنتِ طالق ثلاثة أنصاف طلقتين، فقد زادَ المضاف على المضاف إليه ففي وجه طلقتان، وَفي وجه ثلاث، [ولو قال خمسة أنصاف ففي وَجه طلقتان، وَفي وجه ثلاث]  ","part":1,"page":62},{"id":1423,"text":"الثانية: أنه لو قال: أنتِ طالق نصف طلقتين، فالظاهر أنه يقع طلقة واحدة؛ لأنه الأقل، وَهو محتمل؛ إذ نصف الاثنين وَاحد، وَليس هذا كما إذا أشارَ إلى عبدين قائمين ، وقال لفلان نصف العبدين، ثم فسَّر بأحدهما؛ إذ لا تماثل بين العبدين حتى ينتظم الكلام بخلاف الطلقات؛ فإنهما  في حكم المعدودات المحضَة ، وَمن أصحابنا من قال يقع طلقتان نزل  الطلقتين منزلة العبَدين، وَأشاع النصف فيهما ، وهؤلآء اختلفوا فيما لو فسَّر بطلقة وَاحدة في أنه هل يقبل ظاهراً معَ القطع بأنهُ يقبل باطناً، وقد ذكرنا قاعدة التديين  وضابطه أن ما يُنَاقضُ اللفظ مردود ظاهراً وباطناً كقولهِ أردتُ طلاقاً لا يقع، وَما لا يناقض  لو تلَفّظ به [وللفظ إشعارٌ به قُبِل باطناً كالطلاق عن الوثاق وَما لا يناقض وَلكن لا يشعر اللفظ به]  كإضمار التعليق ففي التَديين وجهان  هذه مَراتب التديين  \rأمّا القبول ظاهراً فإذا ذكر احتمالاً  يُعارض وقوع الطلاق وظهَر التردد على تساوِي فلا يُحكَم بوقوع الطلاق، وَإن ظهَر وقوع الطلاق وكان ما يبديه من الاحتمال معها  غير مستنكرة  في الإرادَة فيُحكم في المُطْلَق بوقوع الطلاق، وَيقبل تأويله إذا ذكرَهُ وإذا خفي التأويل بعض الخفاء نشأ منه ترددٌ في القبُول ظاهراً \rرَجعنا إلى مسألتنا فإذا قال: نصفَي طلقة فهذا في رُتبهِ التقاوُمِ فلذلك اخترنا أنه لا يقع بمطلقه إلا طلقة، وَمن قال: لا يقبل تردَّدَ في قبولِه إذا فسَّر، والتردُد لا وَجهَ له؛ لظهورِ الاحتمال \rالثالثة: إذا قال: أنتِ طالق سُدس ورُبع وثلث طلقة، فالواقع وَاحدة ، وَلو قال: سُدس طلقة، وَرُبع طلقة، وثلث طلقة، وَأعادَ الطلقة في كل جُزءٍ فالصحيحُ أنه يقع ثلاثة؛ لأنها  تعدَّدت (الطلقات المضافة)  إليها، وعَسُر الحمل على التأكيد؛ لتغاير الألفاظ ، وَمنهم من حمل على التأكيد، وَهذا ضعيف معَ تغاير الألفاظ ","part":1,"page":63},{"id":1424,"text":"القسم الثالث: في اشتراك  نسوة في عددِ من الطلاق:\rوَصورته: أن يقول أوقعت عليكُنّ -وهُنّ أربع- طلقةً واحدة طلقت كل وَاحدة طلقة، إذ يخصّ كل وَاحدَة الرُبع ، ولو قال: طلقتين إلى أربع فلا يقع عند الإطلاق على كل واحدة إلا واحدة ، وإذا قال: خمساً فيقع ثنتان على كل وَاحدةٍ إلى ثمان ، ولو قال: تسع طلقات يقع على كل واحدة ثلاث ، هذا فيه إذا أطلق أو أراد الاشتراكَ  على التسوية  أو كان اللفظ قوله أوقعتُ عليكن [فإن ذلك للتشريك، وإدخال للكل، إذ عمهن بالطلاق، وإذا قال: أوقعت بينكن طلقة فهو كقوله عند الإطلاق أوقعت عليكن] ، وَإن أبدَى إضمار تخصيص وَاحدة فحاصل ما قيل في هذه المسائل أربعة أوجه:\rأحدها: أنه لا يقبل قط ما يخالفُ الاشتراك ؛ فإنه في غاية الظهور، وَخلافه مناقض  الظاهر، ويرد الكلام إلى حَدّ المُستكرَه \rوَالثاني: أنه يقبل ما يُبديه من تخصيص وإضمار على أي وَجه كان \rوالثالث: أنه يقبل بشرط أن لا يخرج وَاحدة منهن عن الطلاق حتى لو قال: أوقعتُ بينكن ثلاث طلقات، ثم قال: أردت تخصيص زينب بطلقتين وَتوزيع  طلقَة على الباقيات صَحَّ وقُبل؛ لأنه ثبتَ الاشتراك  في أصل الطلاق، وَإنما هذا تفاوت أبداه في المقادِير، وَلو أرادَ على هذا الوجه إخراج وَاحدة عن الطلاق لم يجُز \r(والرابع: أنه) ؛ [إنما]  يقبل الإخراج والتخصيص بمقدَار على شرط أن لا يتضمن تعطيل طلاق واحدة  حتى لو قال: أوقعت بينكن أربع طلقات، ثم قال: خصصتُ بذلك زينب على الخصوص يقبل في اختصاص ثلاث بها  وَلكن الطلقةُ الرابعةُ لا تعطل فتوزع على الباقيات، والصائر إلى الوجه الثاني إذا قُبل ما يُبدِيه مُطلقاً يُعطِل هذه الطلقة، ويجعل كما لو خاطبها بأربعَ طلقات \rفرعان:","part":1,"page":64},{"id":1425,"text":"أحَدُهما: أنه لو قال وَهُنّ أربع أوقعتُ بينكن سُدس طلقة، ورُبع طلقة، وَثلث طلقَة، قال العراقيُون: طلقت كل واحدة ثلاثاً، وكان كل جُزءٍ مقسُوماً على الكل، وهذا أوّلاً تفريعٌ على ظاهر المذهَب في أن مثل هذه اللفظة في الواحدة لا يحمل  على التكرار، [وَإذا لم يحمل على التكرار]  احتمل ما قالوه ، واحتمل بأن  يقال: هو كثلاث طلقات، ولو أوقع بينهن ثلاث طلقات لما وقع على كل واحدة إلا طلقة ، ولو قال: أوقعتُ بينكن طلقة [وطلقة] ، فهو على قياس العراقيين محتمل؛ إذ يُمكن حمله على ثلاث طلقات يوقعها بينهن، ويُمكن أن يُوَزع كل طلقة [كما قالوه في السدس والربع، وهاهنا أولى بأن يوزع على كل طلقة] ؛ لأنه إذا فرق بين الألفاظ كان فيه دلالة ظاهرة على توزيع كل وَاحدة  \rالثاني: فرعٌ لصاحب التلخيص : إذا قال: لثلاث من النسوة أوقعتُ بينكن طلقة، ثم قال للرابعة: أشركتُك معهُنَّ، فإن لم ينو الطلاق لم يقع شيء؛ لأنه كنايةٌ، وإن نوى وقصد تنزيلها منزلة وَاحدة منهن لحقها  طلقة [واحدة] ، وَإن قال: قصدت أصل الطلاق وَأطلقتُ اللفظ، ولم يخطر ببالي (صفة الإشراك) ، حكى عن (القفال)  أنه يقع عليها طلقتان؛ لأنه جعلها في مقابلة الثلاث، وقد وقع على الثلاث ثلاث فلها نصف مَالهن، وَهو  طلقة ونصف، وَكأنهنَّ شخصٌ  واحد وهي شريكهن  ، وَقال الشيخ أبُو علي: يقع طلقة واحدة وهو الأظهر؛ لأن مطلق الإشراك لا ينبي عن  التسوية بينها  وبينهن \r\rالبابُ الخامسُ\rفي الاستثناء\rوَالكلامُ في قسمين:\rأحدهُما: في استثناء عَدد عن عددٍ، وَلابُدّ فيه من (التنبيه)  لأصلين:\rأحدُهما: أن الاستثناء حقهُ أن لا  يستغرق، فلو  استغرق لغى \rوَالثاني: أن الاستثناء يناقضُ المُستَثنَى عَنْه، فالاستثناء عن النفي إثبات وَعن\rالإثبات نفي \rوإذا تمهد ذلكَ فالكلامُ في أربع مسائل:","part":1,"page":65},{"id":1426,"text":"إحداها: أن الاستثناء صحيح إذا لم يستغرق، فلو قال: أنتِ طالق [ثلاثاً إلا واحدة أو اثنتين إلا واحدة صح الاستثناء، وحُكم بموجبه؛ لأنه غير مستغرق \rولو استغرق فله صورتان:\rإحداهُما: أن يقول]  ثلاثاً إلا ثلاثاً، وَهو  باطل لا خفاء به \rوَالثاني: أن يقُول: أنتِ طالق ثلاثاً إلا (اثنتين)  وواحدة، ففيه وَجهان:\rأحدُهما: أنه يقع الثلاث، ويجمع ما فرَّق من الاستثناء، وكأنه  قال: ثلاثاً\rإلا ثلاثاً  \rوَالثاني: أنه يقع واحدَة ويلغوا قوله الأخير المستغرق  (فَأحَدُ)  القائلين يفرق\rوالثاني: يجمع، وكذا الخلاف في عكسه إذا قال : طلقتين ووَاحدة إلا واحدة، ففي وَجه يجمع المستثنى عنه، ويصحح الاستثناء، وَفي وجه يفرق فيبطل  الاستثناء، وَهذا الخلاف ذكره القاضي وغيره وإن لم يذكره الفوراني ، وعلى هذا الخلاف يخرج ما إذا قال: أنتِ طالق واحدة ووَاحدة وواحدة [إلا واحدة فمن جمع أوقع طلقتين، ومن فرَّق أبطل الاستثناء (وكذا)  إذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة وواحدة وواحدة، فمن جمع أبطل الاستثناء، ومن فرَّق أبطل الأخير المستغرق ، ولو قال: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة وواحدة وواحدة]  وقع الثلاث على الوجهين، فإنا إن جمعنا جمعنا في الطرفين فيكون مستغرقاً وإن فرقنا فرقنا في الطرفين ويكون مستغرقاً ، ولو قال قائل: طرف الإيقاع أولى فليجمعَ ما يقتضي الإيقاع، قيل: لا بل الأصل عدم وقوع الطلاق، ولذلك إذا شككنا لم نُوقع فالأمر في هذا يتعارض، وَالمتبعُ الصيغة وهو فيهما على وتيرة واحدة \rالثانية: الاستثناء المستغرق باطل، وَالاستثناء من الاستثناء صحيح، فإذا قال: أنتِ طالق ثلاثاً إلا اثنتين  إلا واحدة وقعت اثنتان  ، ولو قال: أنتِ طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا واحدة، ففيه ثلاثة أوجه:\rأحدُها: أنه يقع الثلاث؛ لأن الاستثناء الأول مستغرق فبطل ","part":1,"page":66},{"id":1427,"text":"والثاني: استثناء عن لاغي فيلغوا، والثاني وهو الصحيحُ أنه يقع ثنتان؛ لأن الكلام تَمّ بآخِرِه، وَبانَ أنه ليس مستغرقاً \rوالثالث: أن الاستثناء الأول مرتفعٌ  من البين فيبقى الاستثناء الثاني، فكأنه قال: أنتِ طالق ثلاثاً إلا واحدة ، وَهذا تحكمُ رَكيكٌ لا أصل له \rالثالثة: قال ابن  الحداد: إذا قال: أنتِ طالق خمساً إلا ثلاثاً وقعت (اثنتان، فصحح)  الاستثناء عما يزيد، وَجرى [على]  قياس الحساب، وهو الصحيحُ؛ لأنه زادَ ليُوسع الاستثناء على نفسه ، ومنهم من أبطل ذكر الزيادة وجعل  الخمسَ عبارة عن الثلاث، وأبطل الاستثناء؛ لكونهِ مستغرقاً على هذا التقدير، فعلى هذا لو قال: أنتِ طالق أربعاً إلا طلقتين فعلى مذهب [ابن]  الحداد: ثنتان ، وَعلى الوجهِ الآخر تقعُ واحدة وكأنه قال: ثلاثاً إلا ثنتين \rالرابعة: إذا قال: أنتِ طالق ثلاثاً إلا نصف طلقة، وَقع الثلاث؛ لأنه أبقى نصفاً من الثالثة، وَالنصف في الطلاق كالكُل، وحكى الشيخ أبو علي وَجهاً غريباً أنه يقع اثنتان، والنصفُ في الاستثناء أيضاً كالكل، كما أنه في الإيقاع [كالكل] ، وهذا بعيد؛ لأنه لا يتوجَّه إلاّ بأنه لا يتجزَّأ، وَلو قيل به للزم أن يقال: تزويج نصف البنت يسري إلى الكل؛ لأنه لا يتجزَّأ ولا قائل به من أصحابنا فتعَيَّن توجيهه بسراية الطلاق، وإذا تعيَّن به وَجبَ إيقاع الثلاث في مسألتنا؛ لبقاء نصف من الثالثة  ، ولو  قال: طالق  ثلاثاً إلا طلقتين ونصف، فعلى الوجه الغريب الاستثناء مستغرق فيقع الثلاث، وَعلى المذهَب يحتملُ أن يقال الاستثناء في النصف يلغو، ويبقى الباقي غير مستغرق، ويحتمل أن يستعمل؛ لأن في استعماله  إبطاله مع المضمُوم إليه، وَليس يبعُد تغليب جانب الإيقاع؛ فإنه مأخذ التكميل، وَفي تصحيح الاستثناء هاهنا ميل إلى الإيقاع \rالقسم الثاني: في الاستثناء بالإضافة إلى مشيئة الله تعالى","part":1,"page":67},{"id":1428,"text":"وصورتُه: أن يقول: أنتِ طالق [ثلاثاً]  إن شاء الله، فالمذهبُ الصحيح الذي قُطع به في معظم الطرق أن الطلاق لا يقع، وَكذلكَ القولُ في العتق وَسائر التصرُّفات التي حقها أن تُجزم ، وقال مالك [رَحمه الله] : ينفذ العتق دون الطلاق ، ويشهدُ لمذهبه ما روى في مسند معَاذ بن جبل [رَضي الله عنه]  عن يحيى بن يحيى  عن إسماعيل بن عَيّاش  عن حميد بن مالك اللخمي  عن مكحُول  عن معاذ [رضي الله عنه أنه]  قال: قال رَسُول الله : (ما خلق الله شيئاً على وَجه الأرض (أبغض إليه  من الطلاق) ، وما خلق الله شيئاً على وجه الأرض (أحبُ إليه  من العتاق) ، فإذا قال الرجل لمملوكه: أنت حرٌ إن شاء الله فهو حرٌّ ولا استثناء له، وإذا قال لامرأته: أنتِ طالق إن شاء الله فله استثناؤه، وَلا طلاق فيه)  (وروي)   أبُو الوَليد  في مُخَرَّجه في الأيمان عن [المقدام بن]  معدي كرب  عن رسُول الله  أنه قال: (من طلق أو أعتق  وَاستثنى فله ثنياه)  فهذا وَجه يعارض الحديث، والمذهب الظاهرُ عن الشافعي [رَحمه الله]  ما نقلناه، وحكى صاحب التقريب وَالشيخ أبو علي قولاً غريباً أن الطلاق يقع ويَلغو الاستثناء ، وَنقلُوا عن نص الشافعي (أنه قال)  لو قال لامرأته: أنتِ  عليَّ كظهر  أمي إن شاء الله، فهوَ مُظاهرٌ ، وَطردَ  المحققون هذا القول في الطلاق وسائر العقود، ورام بعضُهم الفرق بين الظهار وغيره، وليس يستتب ذلكَ على السبر ، وَقال بعض المحققين: الاستثناء عن الإقرار باطلٌ، فإذا قال: لفلان عليَّ عشرة إن شاء الله لزمه؛ لأنه إخبارٌ، وَقد أَخبرَ ثم رامَ أن يَرفع، وَأمّا الإنشاء فيستدعي لفظاً مجزُوماً وهذا ينفي الجزمَ في اللفظِ ، وهذا أيضاً غير سديد، والوجهُ التسوية بين الإقرار، والإنشاء، وسائر العقود هذا حُكم المسألة ، وَنذكر الآن حقيقته، وشرطهُ، وَفروعه","part":1,"page":68},{"id":1429,"text":"أمَّا حقيقته فقد سَمَّوه استثناءً، وفيه نظرٌ؛ لأن صيغته صيغة التعليق، وهو كقوله: أنتِ طالق إن شاء زيدٌ وإن دَخل زيد الدار، إلا أن هذه الصفة  ليس يُطلَّع عليها فهو تعليق، نعم لتسمية التعليق استثناء أيضاً وجهٌ لا ينكره، ثم معتمد المذهب أن الكلام منتظم ، وليسَ كقوله: أنتِ طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً، فإن ذلكَ مما لا ينتظمُ، وَإذا انتظم وقرَّ عليه مقتضاه وَقد علق بمشيئة الله، وَمشيئة الله غيبٌ لا يُطلع عليها، فلو قال قائل: مشيئة الله إرادته القديمة، فإن عني به مشيئةَ الله لَفْظهُ فقد شاء؛ لأنه تلفظ به، وَإن عني به مشيئةَ الله البينُونَة، فالبينُونَة حُكمهُ، وَحُكمه قديم، وَالقديمُ لا تتعلق المشيئَة به؛ إذ الحُكم عبارَةٌ عن الخطاب، وَالخطاب كلامه، وَكلامهُ قديم  \rقلنا : هذا أمرٌ لا يُبنى الفقه عليه، فالفقيه مُعتَقِدٌ  لله تعالى مشيئةً متعلقة بالطلاق، وَيُتَردَّدُ في تلك المشيئة أكائنةٌ  أم لا ثم غاية هذا أن تكون مشيئة الخطاب القديم محالاً، فقد علق الطلاق بمحال فلا يقع كما إذا قال: أنتِ طالق، إن صعد فلان السماء؛ ووجه القول الغريب أن الطلاق واقعٌ ، وَهوَ قد حاوَلَ رَفعَه  بعدَ تمامه ، هذا حقيقته","part":1,"page":69},{"id":1430,"text":"وَأمّا  شرطهُ فهوَ أن يتَّصل بالكلام أيضاً لا يزيد على الاتصال المرعي بين الإيجاب والقبول، فإنه (يحتملُ)  في ذلك فَصلٌ يسير، وكلام يسير قد لا يحتمل مثله في هذا المقام ، ومن شرطهِ أن يكونَ [نَاوياً]  عند إنشاء كلمة  الطلاق على (عزم)  الاستثناء، فلو بَدا له على الاتصال بالفراغ من الكلمة أن يقول: إن شاء الله لم ينفع الاستثناء، هكذا قاله أبو بكر الفارسيُّ  وادعى فيه الإجماع ، وَخالفهُ بعض أصحابنا (في هذا)  وعزى إلى الأستاذ أبي إسحاق ، وقالوا: شرط وقوع الطلاق أن لا يتعقّبهُ استثناء فإذا تعقبهُ اندفع، وَإن لم (يَعزم)  عليه أولاً، وهذا لا وجه له، والصحيح الأوَّل \rوأمَّا فروعه فثلاثة:\rأحدها: أنه لو قالَ: يا طالق إن شاء الله، قال الأئمة: يقع الطلاق؛ لأن\rالاستثناء إنما ينتظم عن الفعل، أو الإخبار، أما  الاسمُ فلا ينتظم ، قال الإمامُ: هذا  فيه نظرٌ؛ إذ الاسم في هذا المقام مشعرٌ بالفعل، ومعناهُ طلقتك\rقال: وقد وَجدتُ في مَرامز [المحققين]  ما يدل على هذا \rالثاني: أن يقول يا طالق أنتِ طالق ثلاثاً إن شاء الله، [قال الأصحاب] : انصرف استثناؤه  إلى الثلاث، ووقعت طلقة بقوله: يا طالق \rولو قال: أنتِ طالق ثلاثاً يا طالق إن شاء الله، قال الأصحاب: لا يقع شيء؛ لأن قوله: يا طالق لا يعمل الاستثناء فيه تفريعاً على الظاهر، فانصرف إلى ما يقبل الاستثناء، وَلم يقع شيء بقوله: يا طالق فإنه وصفها بالطلاق الثلاث الذي أوقعها ، ثم اندفع بالاستثناء وَما تخلل من هذه الكلمة لم يقطع الاستثناء؛ لأنه من جنس الكلام الذي هُوَ فيه، وَهوَ كقوله: أنتِ طالق ثلاثة  يا حفصة إن شاء الله ، قال الإمام: ويتجه وراء هذا وَجهان:","part":1,"page":70},{"id":1431,"text":"أحدهما: أنه  يقع الثلاث، ويقال قوله: يا طالق يقطع الاستثناء بخلاف التسمية فإنها من تتمّة الكلام، وقوله: يا طالق مستغنى عنه خارجٌ عن النظم ، ويحتمل أن يقال: يصح الاستثناء عن الثلاث، وتقع وَاحدة بقوله: يا طالق، ولا معنى لحمله على الوصف فيكون كقوله: أنتِ طالق ثلاثاً إن شاء الله يا طالق \rالثالث: إذا قال: أنتِ طالق إن لم يشأ الله [أو قال: أنت طالق إلا أن يشاء الله]  فمُوجَبُ اللفظين واحدٌ، وهو كقول القائل: أنتِ طالق إن لم يدخل زيد [الدار]   أو يقول: إلا أن يَدخل زيد [الدَار]  فمعنى اللفظين  تعليق الطلاق بعدم الدُخُول، ونفي الطلاق عند وُجُود الدخول، وَإن  كان كلاهُمَا مُمكناً أعني الدخُول وَنفيه، وَجاز أن ينوط الطلاق [بوجود الدخول]  جاز أن ينوطه بعدم الدخول وكلا (اللفظتين)  تشعران بذلك، وإذا  جرى هذا في التعليق بالدخُول لم يُحكم بوقوع الطلاق في الحال ما لم يتبين الدُخول وعدَمه، فإن وجد الدُخُول حَكمنا بأن الطلاق لا يقع، وقد امتنع وُقوعه بوُجود الدخُول، وَإن عُدِم الدخول، وذلكَ بأن يمُوت فلانٌ قبل الدخول فيُحكم بوقُوع الطلاق إذا  حصل اليأس من الدخول إسناداً إلى ما سبق، وإنما ذلك لأن الدخول أمرٌ يتصوّر الاطلاع عليه، فإذا نيط (بالمشيئة لله تعالى)  فقياسُ ما ذكرناه أن لا يقع الطلاق؛ لأن الاطلاع على مشيئة الله غير ممكن، والطلاق منُوط بعدَمِ المشيئة، وكما لا يعرف وجود المشيئة في قوله: إن شاء الله لا يُعرَف\r(النفي أيضاً)  \rفإن قيل: مشيئةُ الله قديمة فكيف يتشكل في نفيها\rقلنا: الكلام في تعلق  تلكَ المشيئة بالطلاق، وَالمشيئة القديمة تتعلق تارة بالشيء ولا تتعلق أخرى، والكلامُ في تعلقها، فإن قيل: فما قولكُم فيما إذا أشكل دخول زيد في صيغتي التعليق بنفي الدخول","part":1,"page":71},{"id":1432,"text":"قلنا: إذا قال: أنتِ طالق إن لم يدخل، وأشكل فالظاهر أنه لا يقع لتعارُض الاحتمال، وفيه وجهٌ ضعيف أنه يقعُ؛ لأنه نجزَّ واستدرك فلم يثبت المستدرَك وهو غير سديد؛ لأنا بينا أنه تعليق ، وإن قال: أنتِ طالق إلا أن يدخل، فالذي عليه الجمهور أنه يقعُ؛ لأنه  تنجيز واستثناء، ولم يثبت الاستثناء، وهذا بعيد، والصحيح أنه لا يقعُ في الصورتين؛ لأن الاحتمال متعارض، ومُوجبُ اللفظتين وَاحد، ومعناهُمَا التعليق ، هذا في الدُخول وَلو  ذكر بدل الدخول على هذه الصيغة مشيئة زيد فيتعلق [الكلام]  بعدَم مشيئته فإن شاء مرَّةً واحدةً امتنع وقوع الطلاق، وإن لم يشأ، إما بأن لم يَشأ الطلاق، وَإما بأن لم يبلغه الخبر، أو أعرض حتى مات تبيَّن وقوع الطلاق، هذا إذا علق بمشيئة زيد، فإن علق بمشيئة الله  على الصيغة التي ذكرناها فالمذهَبُ أن الطلاق لا يقع، قال الصيدلاني:  وَلم يذكر القفال غيرَهُ ، ونُقل عن القاضي أنه  يختارُ الحُكم بوُقوع الطلاق ، ويتأيَّد هذا بمذهب من يصير إلى أنه لو اشتبهت  المشيئة، أو الدخول يقع الطلاق، فيُقال: مشيئة الله مشتبهة ، وقد أوقع الطلاق، وَلم يتبين مشيئة الله [تعالى] ، فكان كما إذا ماتَ زيدٌ على الإبهَام، ومن هؤلاء من فرق فقال: إنما حُكمنا بوُقوع الطلاق (في حق)  زيد؛ إذ الأصل عدم مشيئته، وَلا يُمكن أن يقال: الأصل عدم مشيئة الله تعالى، فإن مشيئته قديمةٌ ، وَهذا خَبْط صَدَّرُه عن غير بصيرة، فإن الكلامَ في تردُد التعلق  في مشيئة الله [تعالى]  كالكلام في أصل مشيئَة زيد، ولا  فرق، إنما  طَرد القياس المذكور أن الطلاق لا يقعُ ، وقد نص الشافعي على أنه إذا قال: أنتِ طالق إن لم يشأ الله لم يقع الطلاق ؛ لأنه علق على محال، قال: صَاحبُ التلخيص يحتملُ أن أقول: يقع، بخلاف ما إذا قال: أنتِ طالق إن صعدت السماءَ ، وفيه خلاف سنذكره ، ولكنه على حاله  مُمكنٌ","part":1,"page":72},{"id":1433,"text":"في نفسه معقول في الوقوع، وَأمّا وقوع شيء على خلاف مشيئَة الله محال في الوجُود، وَهو معنى اللفظ فيلغوا هذا التعليق وينفذ الطلاق، وبيان الإشكال أن عدَم المشيئة من الله مناط الوقوع، فمعناه إيقاع ما لا يريدهُ الله وهو محال، فيجبُ أن يقال: لا يقع، وَإذا لم يقع فلو سألنا عن مشيئة الله [تعالى]  فنقول: ما شاء الله الوقوع؛ لأنه لو شاء لوقع، وقد حَكمنا بأنه لم يقع، فبان أنه ما شاء، وإذا لم يشأ فقد عدمت المشيئةُ، وإذا عُدمت المشيئة فقد وجد الوصفُ الذي نيط به الطلاق فليقع، وَلو وقع لكان قد شاءهُ  الله، وَلو شاءه  لما وقع؛ لأنه  علق (على تقدم)  مشيئته، فيدور هذا التقدير دوراً لا مخلص منه ، فيحتمل أن يقال: يسقط هذا التعليق لاستحالته ، وَيبقى الطلاق كما قاله  صاحبُ التلخيص ، ويحتمل أن يقال: يفسد اللفط بالربط بهذا المحال فيلغُوا ولا يقع الطلاق، وَهذا الإشكال لا يجري في حق الآدميين؛ إذ يتصور وقوع أمر على خلاف مشيئتهم ، هذا إشكال المسألة، وقد ذكرنا نهاية الإمكان فيه\r\rالبابُ السَّادسُ\rفي الشَّكِ في الطلاق، والشكِ في محلهِ","part":1,"page":73},{"id":1434,"text":" أما الشَّكُ في الطلاق فصُورَتهُ: أن يتردَّد في أنه طلَّق أم لا فالأصلُ  عدمُ الطلاق فيأخذ به، وَكذلك لو قال: إن كان الطائر غراباً فامرَأتي طالق، ولم يتبين الحال فلا يُحكم بالطلاق، فلو قال غيرهُ: إن لم يكن غراباً فأمرَأتي طالق، فلا يُحكم بوقوع طلاقه؛ لأنه لو انفرد لا يُحكمُ به، فلا يتغيّر حَكمهُ بانضمام غيره إليه، نعم الواحد إذا قال: إن كان غراباً فعمرَة طالق، وَإن لم يكن غراباً فزينبُ طالق، فيقع الطلاق على واحدة، وَيجبُ أن يمتنع عنهُمَا؛ لأنا استيقنّا وقوع الطلاق، وَالمُخاطَبُ وَاحدٌ، وقد ازدَحم النفي والإثبات في حقه بخلاف شخصين، ويُحكمُ في حق شخصين أيضاً بوقوع طلاق أحدهما في علم الله تعالى، وَلكن لا مُؤاخذه فيه  بناءً على اليقين السابق ، وَيتبين أثر ذلكَ في عبدين علق عتقهما رَجلان على هذا الوجه، فإذا أقدم أحدهما على شراء الآخر، وَاجتمعا في ملكِه، فليسَ له أن يتصرف فيهما، بل يتوقف عن التصرف فيهما إلى التَّبَيّن ، وَذكر صاحبُ التقريب وَجهاً آخر أنه لا يُمنعَ عن التصرف إلا في المشترَى؛ لأن ذلكَ مما سُوِّغ  لهُ التصرف فيه، فلا يقطع ذلكَ ما يطرأ، وَإنما هذا الجديدُ هو الذي يُغيَّر الحُكُم بسببهِ، وَالأقيَسُ هوَ الأوَّل، وَهوَ أن يُنَزَّلَ منزلة ما لو كانا في ملكه حالة التعليق، وَلو باعَ الأول ثم اشترى الثاني فالقياسُ أن ينفذ تصرفه في الثاني؛ لأن بيعَ الأوَّل في حُكم وَاقعةٍ، [وقد]  انقضت، وهذه وَاقعة منفصلة عنها ، فيُضَاهي مَا لو صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادَين، وَلم أرَ المسألة مسطورة، وَالقياس ما ذكرته، وَعلى الوجه الذي ذكره صَاحبُ التقريب يتطرق إليه احتمال وَلكنهُ ضعيفٌ؛ إذ لو صحَّ لوجب  تعيين الجديد للعتق فإن الأول حكم بكونه ملكاً وينفّذ  بيعهُ، ولا سبيل إلا هذا التعيين فالوجهُ التسويةُ، فإن قيل: وَلم حَكمتم بأنه إذا وقع الشكُّ في الطلاق فيؤخذ","part":1,"page":74},{"id":1435,"text":"باليقين السابق مع غلبة الطلاق \rقلنا: تعلق الشافعيُ في صدر هذا الباب ، بما روى أن رسُول الله  قالَ: (إن الشيطان ليأتي أحدَكم فينفخ بين أليتيه، وَهوَ في الصلاة، فلا ينصرفن  حتى يسمع صوتاً أو (يجد ريحاً) ) ، فاتخذ الشافعي هذا أصلاً في هذا الجنسِ  وقال: إذا تعارَض أمران -وهو المعني بالشَّكِ- وتقاوَماً، وانحسم مسلك الاجتهاد، وخفيت العلامات فلابدّ من الترجيح، وَاستصحاب  الحال كافٍ في الترجيح، إذ اليقين سَابقٌ، وَالشكُّ طارئ، وَالاستصحابُ يرجح أحدَ الاحتمالين، وتعلق الشافعي بهذا الحديث، وَحاوَل الردَّ على مالكٍ  (فإنه)  قال: إن شك في الحدث  بعد يقين الطهارَة قبل الشروع في الصلاة لم تنعقد صلاتهُ؛ لأنه عارَضَه أصل، وهو أنه استيقنَ أن صلاتَهُ لم تنعقِد، وَإن كان في أثناء الصلاة لم تنقطع؛ لأنهُ استيقن انقعادَ الصلاة ، والشافعي  تعلق بمُطلق الحديث، وجعله عمدته، هذا قول الشافعي حيثُ لا علامة ، فأمَّا إذا اختلفَ الفقهاء في وقوع الطلاق في وَاقعه فلا يستصحب اليقين بل يبنَى على الاجتهاد [والعلامات، وكذلك في نجاسة أحد الإناءين يبنى على الاجتهاد] ، وَإن اتَّحد الإناء وشكَّ  في طرآن نجاسةٍ فَهَاهُنَا تخفى العلامة فيتعلق بالاستصحاب، أو  بطلب علامة ، وَإن خفيت فيه كلام ذكرناهُ في كتاب الطهارة ، وَمما لابُدَّ من ذكره أنه لو قال: إن كان هذا غراباً فزينبُ طالق، وَإن كان حماماً فعمرة طالق،\rلا يقع الطلاق على واحدة لاحتمال أن يكون غيرهما ، هذا كلهُ كلام في الشكِّ\rفي أصل الطلاق\rفأمَّا الشكُّ في محل الطلاق (فله صُوَر) :\rأحدها: أن يُطلِّق واحدة وينسى، فيقال له: تفكر، ولا طريق إلا ذاك \rوالثاني: أن يقول لامرأته ولأجنبيّة إحداكُما طالق، وأرادَ به الأجنبية فهل  يقبل ذلكَ فعلى وَجهين:\rأحدهما: يقبل؛ لتردُّد اللفظ ","part":1,"page":75},{"id":1436,"text":"وَالثاني: لا ، والظاهرُ أنه يقبل، (ثم إذا)  قبل فهو مُبهمٌ قبل البيان، وهذا التردد يضاهي مسألة، وهوَ أنه لو قال: زينب طالق، وكان اسم زوجته زينب، وقال: أردتُ جارتي، ففي قبول ذلك وجهان، ولا خلاف في أنه لو نسي زوجته فقالَ هي طالق\rوقع الطلاق \rالثالثة: أن يقول: إن كان هذا غراباً فزينب طالق، وإلا فعمرةُ طالق، هذا إبهامٌ في المحلِ، وكذلك إذا قال: إن كان غراباً فعبدي حُرٌّ، وَإن لم يكن فامرَأتي طالق، فهذا أيضاً من الإبهام الذي يتوجَّه المُطالبة بالتعيين، وَغرضنا بيان جنس يتوجهُ فيه المطالبة \rالرابعة: أن يقول: (أحدكما)  طالق، فهو مبهم حتى يبين، فإن كان قد  عَيَّن بقلبه وَقعَ الطلاق من وقت النية وَالعدّةُ في ظاهر  المذهب محسُوبةٌ من ذلك الوقت ، ومنهم من قال: من وقت البيان ، وقرب هذا من العِدّة في النكاح الفاسدِ، وَأنها تحسَبُ من وقتِ التفريق، أو من وقت الوطء، وهذا بعيد، والأصحُ الأولُ، هذا صُورَةُ الإبهام، وَنحنُ نَتكلمُ في صورة واحدةٍ منها، وَهوَ أن يقُول: إحداكما طالق، ثم تبين به حُكم الصُوَرِ الباقية، وَالكلامُ فيه في قسمين: أحدهما: في حالة الحياة، وَالثاني: في حالةِ الموت  \rالقسم الأول: في حالة الحياة:\rوفيهِ مسَائِل:\rإحداها: أن يُحبَس عنهن قبل البيان، ولا يمكَّن من الغشيان، وسببه بَيّن، وهو [فيه]  إذا تعلق الأمر بالقاضي، فأمَّا إذا كان قد عَيَّن بقلبه، وكان يغشى التي لم يعينها بالطلاق، فلا حجرَ عليه بينَه وبين الله في ذلك ","part":1,"page":76},{"id":1437,"text":"الثانية: أنه ينفق عليهن ما دُمنَ في حبالته قبل التعيين، وليسَ وُجوب الإنفاق مُعللاً بامتناعِه نكداً عن البيان، فإنه إن كانَ في مسألةِ الغراب ، وَكان مقدُوراً  كان كذلك [ولا هو معلل بكونه مورطاً نفسه فيه، فإنه لو عين واحده في الطلاق ثم نسي كان الحكم كذلك]  وَلكن لما كان  حبساً مضاهياً لجنس النكاح من  كل وَجه وَجبت النفقةُ  وليسَ منوطاً بالعدة، فإنه تجبُ قبل الدخول أيضاً ولا عدة؛ فمأخذهُ ما ذكرناه، وفيه إشكالٌ على أصل الشافعي، فإنه لا يرىَ النفقة للبائنةِ، وكان يحتمل أن يقال: إذا تبيَّن كونها بائنة يستردُ النفقة ولكن لا قائل به \rالثالثةُ: أنه يجبُ عليه التعيين، فلو أَخَّر عصى ولا أمهال كما لا يُمهل المُسلم إذا أسلَم على عشر  نسوة مع أنَّ ذلكَ يتعلق بنوع من التروِّي ، نعم لو أبهمَ طلقة رجعية بين زوجتيه، فهل يلزمُه التعيين فيه وجهان:\rأحدهما: أنه لا يلزم؛ لأنها زوجته \rوالثاني: يلزم للتحريم الناجر \rالرابعة: إذا عَيّن بقلبِه أوَّلاً فقد ذكرنا أن الطلاق واقع عند التعيين بالقلب، والبيان إخبار عنه ، فأمَّا إذا لم ينو وَعَيَّن ففي وقت وقوع الطلاق وجهان:\rأحدهما: أنه وقع أوّلاً ؛ لأنَّه نجّز الطلاق ولم يعلقه، وإذا وقع فلا سبيل لتقديره معلقاً من غير نزول في محل ، وَلأن التعيين ليسَ إنشاء للطلاق  فكيف يحتمل طلاقاً! ويستحيل أن يجعل تتمةً للأوَّلِ، وقد تخلل بينهما فصلٌ، والجُملة الواحدة حقها\rأن تتواصل  ","part":1,"page":77},{"id":1438,"text":"والثاني: أنه يقع عند التعيين؛ لأن قوله: أحدهما  لا يتناوَل معيَّنةً فإيقاعُ الطلاق على مُعَيَّنةٍ  (تحكماً)  وَلا لفظاً ولا نيّة تَخالف اللفظ ، فتقديره أنه أوقع الطلاق فصدر منه سبب  بقي أن الطلاق يستدعى محلاً، ولا  يذكر محلّه، ولا سبيل إلى رَدِّ ما صدرَ منه، إذ الطلاق لا مَرَدَّ له فعليه أن يتمم ما أوقعه بأن يُبيِّن محله، فكانَ يتبين المحل تتمَّة الكلام الأول ، وَقرَّبَ القاضي هذه المسألة من اختلاف القول في أن القسمةَ بيعٌ أو إقرار الحق  فإن الشركة تقتضي الشَيوع كالطلاق يقتضي الإبهام، ثم يتعيَّن عند القسمَة أحدُ النصيبين وَكأنا  إذا جعلناها إقرار حق تبيَّن أنه نزل حقه على هذا أوّلاً وإذا جعلناها بيعاً فنقولُ نزل شائعاً، وَالقسمَةُ تمليكٌ  مبتدأ والتشبيهُ قَريبٌ جداً لمن تأمُّله، والمسألة مستقلة  بفِقْهِهَا دُون التشبيه \rالخامسة: أن العدَّة محسُوبة من وقت التعيين إن قلنا: يقع الطلاق به، وَإن قلنا: يقع من وقت التطليق فالظاهرُ أنه  محسُوبٌ من ذلكَ الوقت، وَفيه وَجهٌ ذكرناهُ فيه إذا عيَّن بقلبه \rالسادسَةُ: أنه لو وَطِئ إحداهُما هل يَكون معيناً  إن كان قد عين بقلبه لم يكن؛ لأنه لا صيغة له ، وإن لم يكن نواهُ فالأمرُ مبتنى  على تشهِّيه، وَلا يَبعُد أن يجعل ذلك دَلالة على الاختيار، فاختلفوا على وَجهين، قال القاضي: إن قلنا: يقع الطلاق بالتعيين فلا يكون الوطء طلاقاً، وإن قلنا: يقعُ بالتطليق فلا يبعُد أن يجعل هذا بياناً، فجعل ذلك التردَّد مأخذ هذا الخلاف ، وَهذا الخلاف جار عندنا فيما لو اعتق أمةً (من أمتيه) ، ثم وَطِئ إحداهما ، وَأبُو حنيفة لم يقم للوَطء في ملك اليمين أثراً وناط بالوطء في النكاح التعيين \rالمسألة السابعة: في صيغها  في التعيين، وهيَ كثيرة:\rإحداها: أن يقول: أردتُ هذه أو هذه، فنقول: ما أفدتَ بياناً فالمطالبة قائمة ","part":1,"page":78},{"id":1439,"text":"الثانية: أن نقول: أردتُ هذه وَهذه، حُكم بوقوع الطلاق عليهما ظاهراً؛ لأنه\rأقر لهما بالطلاق، فليسَ له الرجوع، وَلكل واحدة أن تؤاخذه بالإقرارِ في حقها،\rنعم المطلقة بينه وبين الله تعالى  وَاحدة، فإنه لو قال: نويتهما جميعاً لم (يقع الطلاق) ، إذ اللفظة يناقض الجميع، وَهو قوله: إحداكما، وليسَ هذا كما إذا قال: أنتِ طالق وَاحدة ونوى به عدداً، إذ يقع  بناءً على  احتمال ذكرناه، وَهاهنا لا احتمال، ولكن الحُكم بالمؤاخذة ظاهرٌ لا  لابُدّ منه \rالثالثة: أن يقُول: هذه هذه، فإن أشارَ إلى إحداهما تعينت، وكان ذلك تكريراً، وإن أشار في كل كلمة إلى واحدة فهو إقرار لهما فنؤاخذه  به \rالرابعة: أن يقول: هذه ثم هذه، قال القاضي: طلقت الأولى دون الثانية؛ لأن معناهُ إني أردت هذه ثم هذه [ولا سبيل إلى الجمع فما أراده أولاً هي المطلَّقة] ، ولا سبيل إلى حملة على الإنشاء؛ فإنه ليسَ ينشيء طلاقاً، وقوله ثم يقتضي التأخير  قال الإمام: وَهذا ضعيف؛ لأن قوله: ثم هذه اعترافٌ  فليُؤاخذ به وَليفسُد قوله ثم؛ فإنا نؤاخذه في قوله هذه، (وهذه) ، لا بطريق الإنشاء إذ لا إنشاء، ولا لفظ يُشعرُ بالطلاق ، ويتفرّع على مذهب  القاضي أنه لو قال: أردتُ هذه بعدَ هذه وقع الطلاق على الثانية؛ فإنها متقدمة في المعنى وإن تأخرت في الذكر، وكذلك لو قال: هذه قبل هذه يقع على الأولى دون الثانية، وَالصحيحُ  أنه يُؤاخذ في حقهما كما ذكرناهُ في كلمة ثم ","part":1,"page":79},{"id":1440,"text":"الخامسةُ: أنه لو أبهمَ طلقة بين ثلاث نسوة، ثم أجلسَ إحداهُنّ من جانب واثنتين من جانب مجتمعين، ثم أشار إلى الاثنتين جميعاً، وقال: أردتُ هذه وهذه، ثم وقف وقال: أو هذه، وأشار إلى الفردة، قال الأصحابُ: الطلاقُ متردِّدٌ  بين الثنتين وبين الثالثة الفردَةِ فلو عيّن الثالثة، (تعيَّن الأوليان)  للنكاح، وَلو عين واحدة من الأولتين تعينت للطلاق هي والتي عيَّنها  معهَا؛ لأنه أشارَ إليهما فكأنه أقر لهما أو  للثالثة، فإذا عيَّن واحدةً شاركتها الثانية ، وَكذلكَ لو بدأ وقال: هذه ووقف ثم قال: أو هذه وَهذه، فالحُكمُ لا يختلف بالتقديم والتأخير ، فأمَّا إذا لم يقف بل قال على السرد: أردتُ هذه أو هذه وَهذه فعند هذا يتعارض الاحتمال، فيحتمل أن يكون الثالثة مضمومة إلى الأولى، فيكونانِ حزباً، والثانية حزباً فيجري ما ذكرناه في صورة الوقف، ولكن على هذا الترتيب، ويحتملُ أن تكون الثالثة مضمومَة إلى الثانية، كما في صورَة الوقف  فلابُدَّ عندَ هذا من مراجعته، وَما يُبْدِيه مِن ذلكَ مقبُول، وَمحكومٌ  به، هذا ما ذكره القاضي، ويُسمِّي الصورة الأولى: الوقفة، والثانية: النغمة ، ورَدّ الأمر إلى تحزيبهن ، وَهذا أمرٌ يدرَك بالقرينة، ولا يُمكن أن يفهم بالكتابة، ورَسم الخطُوط، وَلا يتم  هذا إلا بذكر أمرين:\rأحدُهما: أنه في صُورَةِ الوقْفَةِ لو طالَ الوقف انقطعَ نظمُ الكلامِ  فلا وَقفة، ولهذا  قيَّدَ القاضي بلحظة ، وَغرضهُ أن يكون بحيثُ لا يقطع نظمَ الكلام، وَلكن يقطع العَطف وَتصويرُ ذلكَ مُمكن وَدَرَكه بالقرينة ","part":1,"page":80},{"id":1441,"text":"الثاني: أن القرائن عندَ الشافعي [رحمه الله]  لا عبرة بها، وَهذه قرينة [فما وجهها فالوجه أن يقال: الشافعي أسقط قرينة]  الغضب  في صَرف اللفظِ إلى الصَرائح، وَقال: الكنَايَة إنما تصير طلاقاً بالقصد، وما في ضميره (لا يدُل)  الغضب عليه، فلعَلَّهُ مع الغضب أضمرَ غيره، ويدُل عليه عدوله من الصريح إلى الكناية، فكأنه ينكر دلالة القرينة لا أصل القرينة؛ إذ القرينةُ لا سبيل  إلى إنكارها، وَمسألتنَا هذه تبتني على القرينة ، هذا كلّه في صيغ التعيين إذا كان قد عيّن حالة التطليق فأخبر عن إرادته بهذه الصيغَ فيُؤَاخذ به، فأمَّا إذا لم يكن قد نوى وَطالبناهُ  بإنشاء التعيين فإذا قال: هذه أو هذه، فيقال: ليس هذا تعييناً  فلو قال: هذه أو هذه، أو  قال: عينت هذه بل هذه تعينت الأولى، ولغى قوله في الثانية؛ إذ ليس هذا إقرار  حتى يؤاخذ به إنما هوَ إنشاء تعيين فلا يصح على وجه لا يقتضيه الطلاق السابق، وذلك لا يقتضي إلا تطليق  واحدة فليعَيّن بحسبه، وليس هذا من قَبِيل الإقرار حتى تتمكن كل واحدة من المؤاخذة في حقها، وَهذا الحُكم الذي ذكرناهُ جار على المذهبين جميعاً في أن الطلاق يقع بالتعيين أم يستند  فإنا أن  قضينا [بالاستناد]  فليس تعيينهُ إخباراً، وإنما هو إنشاء أمر بالتشهي فهو في حُكم التتمة للأول \rالمسألة الثامنةُ: أن المطالبة بالتعيين لا تسقط عنهُ بموتها، والتعيين لا ينحسمُ، هذا ما قطع به الأئمة، وَهذا يُؤيد أحدَ الوجهين في الاستناد إلى اللفظِ ، وَمن  قال بالوقوع عند التعيين اختلفوا هاهنا، منهم من قال في هذه الصورة يستند إلى اللفظِ للضرورة؛ إذ لا سبيل إلى رَدِّ الطلاق، ولا سبيل إلى ترك الأحكام مبهمة فيلتقي المذهبان على هذا الوجه في  الصورة ","part":1,"page":81},{"id":1442,"text":"والثاني: أنا نسنده إلى ما قبل  الموت، فإنه آخر وقت يتصَور أن يكون المرأة فيه محلاً للطلاق، وهذا يضاهي مذهب أبي حنيفة [رحمه الله]  في مصيره إلى أن المكاتب إذا خلَّفَ وفاءً ومات فأُدّيتِ  النجومُ عتق قبل  المَوت تَبَيُّناً ، وَيُضاَهي مذهَبُنَا في أن المبيعَ إذا تلف تبيَّن انفساخ العقد قُبَيل  التلفِ؛ لعُسر إيراد الفسخ على التالف، وَعند أبي حنيفة ينحسم الطلاق بالموت، فإن الطلاق  عنده إنما يقعُ عند التعيين ، وكان الشيخ أبو محمد يميل إلى هذا المذهب، وهو غير ملتحق بمذهب الشافعي، وقد ذكر الفورَاني هذا وجهاً منقولاً، وَقال  في المسألة وَجهان، وَإنما المذهب ما ذكرناه \rالمسألة التاسعة: في التنازع، وله (أربع)  صور:\rإحداها: أن يُعَيِّن بالقلب أوّلاً فإذا ادّعت واحدَةٌ أنه عَيَّنَها وَأنكر تعَيَّنت الثانية بإقراره للنكاح، وعليه أن يحلف جزماً لهذه المدّعية أنه ما قَصَدها، فإن نكل رُدّت  اليمين عليها، فإن حلفت جزماً حَكمنا بطلاقها أيضاً ظاهراً، وإن نكلت كان نكولها  كحلفه \rالثانيةُ: أن يَدعى الزوجُ النسيان فإن صَدَّقناه ولم تَدعيا شيئاً فلا حجر عليهمَا ، وَلا مَدخل للقاضي  وَإن سبقت واحدة وقالت عيَّنتني، فقال: لا أدري، فَنُعرِضُ  عليه يميناً جازمة بأنهُ ما عنَاهَا، فإن أرادَ الحلف على نفي العلم لم يُمكن منه؛ لأنه يحلِف على فعل نفسِه، ولو فتحنا هذا الباب لما تصوِّر توجيه اليمين الجازمة على من يُدَّعى عليه الإتلاف والاستقراض وغيره، نعم لا يقضى عليه بنكُولهِ عن اليمين الجازمة بل ترد اليمين عليها، فإن حلفت حَكمنا بيمينها  الجازمة وهي حجّة، وإنما كان يبعد أن لو كنا نحكُم بمُجَرَّد نكوله وهو يدّعي النسيان ","part":1,"page":82},{"id":1443,"text":"الثالثة: إذا قال: إن كان  غراباً فزينب طالق، وإلا عمرَةُ  طالقٌ، فإن اعترفنا بالإشكال فلا دعوى، وإن ادعت واحدة أنها مُطلّقةٌ جزماً فعلى الزوج أن يحلف جزماً كما في الصُورة الأولى، وكذلك إذا  ادعّت المرأة أن الطائرَ [كان]  غُراباً [فعليه أن ينفي على الجزم كونه غراباُ] ، فإن لم يفعل كان ناكلاً فتردّ اليمين عليها، وليس هذا كما إ ذا علق الطلاق بدُخولها أو دخول غيرها وأنكر الزوج الدخُول فإنه يحلف على نفي العلم لا على الجزم، وليس هذا أيضاً كصورَة النفي في الأيمان فإن نفي وصْف الغُرابيّة عن الغراب يتضمَّن إثباتاً للاطلاع  عليه كالاطلاع على الإثبات، فإذا كان ذلك مما يطلع عليه على الجملة فلا يُنظر إلى تفاصيل الصُور حتى لو كان في جنح ليل وظهر قولُ الزوج كان الأمرُ كذلك، هذا ما قاله الإمام، وَاختارَهُ ، وفي القلب  من الفرق بين نفي الدخُول ونفي كَونِه غراباً شيء فليتأمَلهُ الناظرُ\rالرابعَةُ: لو علق طلاق نسوَةٍ على الإبهَام، أو علق طلاقهن على دخُولهن الدار، فادَّعت واحدة دُخُول الجميع فنكل الزوج عن اليمين، فحلفت، طلقت هي دون صَواحباتها؛ لأن يمينها لا تعمل إلا في حقها، وهذا كما أن من مات، وله على غيره دَين وَخلَّف ابنين فأقام  أحدُهما شاهداً وَاحداً على الدّين، وحَلَف لم يثبتُ إلا نصيبه، ولو أقام شاهدين ثبتَ الجميع، فاليمينُ لا تعمل إلا في حق الحالف ","part":1,"page":83},{"id":1444,"text":"المسألة العاشرةُ: إذا وطِئ واحدة قبل البيان فحيث، نقول: الوَطء تعيين فلا مهر؛ لأنها تعيَّنت للنكاح، وحيث لا نجعلهُ تعييناً، فإن عَيَّنها للنكاح فلا مهر، فَإن عَيّنها للطلاق، وقلنا: إن الطلاق يقع من وقت التطليق وَجب المهر، وَإن قلنا: يقع من وقت التعيين فهذا فيه احتمال، وقد قطع الفوراني بسقوط المهر وبنى على الوجهين مُطلقاً في وقت وقوع الطلاق، وفيه احتمال من حيث إن وَطء الرجعيَّة يوجب المهرَ عند الشافعي، وَهذا  أقربُ إلى البينُونة إذا عُيِّنت للطلقات الثلاث مثلاً من الرجعية \rالقسمُ الثاني من الكلام: في حُكم الإبهام، وَحُكم  الميراث بعدَ الموت، وَحُكم النزاع من الورثة\rوَفيه صور ثلاثة:\rإحداها: أن تمُوت المرأتان وَيبقى الزوج، فالصحيحُ أنه لا ينحسمُ التعيين، وَإن لم يكن قد عَيَّن بقلبه، فإن كان قد عَيَّنَ بقلبه  فقولهُ مَقبُول، وَلورثة الميتة أن يحلفُوهُ لحيازة ميرَاثها، وَإن لم يكن قد عَيَّن فلهُ التعيين على المذهب، ولا يتوجّه عليه دَعوَى، فإنه إنشاء باختياره، وَإن فرعنا على المذهب البعيد الموافق لمذهب أبي حنيفة ، وقد  قال أبو حنيفة: يرثهما، ويأخذ من ميراث كل واحدة منهما نصف الحق ، وكان الشيخ أبو محمد: يميل إلى مذهبه، ثم يثبت ميراثين كاملين ، ثم قال أبو حنيفة: لو (ماتَت)  إحداهما تعيَّنت الأخرى للطلاق، وَالميّتةُ للزوجية ، وساعده الشيخ أبو محمد في التفريع على هذا الوجه الموافق له في هذا \rالثانية: أن يمُوتَ الزوج أيضاً فهل للورثة التعيين والتبيين","part":1,"page":84},{"id":1445,"text":"أطلق العراقيون وَصاحبُ التقريب قولين مُرسلين، ومنهم من قال: القولان في التبيين، إذ لم يكن تعيينٌ بالقلب فإن كان فللورثة ذلكَ، ومنهم من عكس هذا وقال في صُورة  التعيين قولان، وليس لهم التبيين، وحاصل ذلكَ ثلاثة أقوال: أحدها: أن للورثة ذلك؛ فإنهُم يخلفُونه في جملة الحقوق الثابتة كالشفعة، والخيار، وحق الفسخ، والرد بالعيب، وغيره \rالثاني : لا يثبت لهم تعيين ولا تبيين؛ لأن هذه من حقوق النكاح، ولا خلافة\rفي حق  النكاح ","part":1,"page":85},{"id":1446,"text":"والثالث: أن التبيين لا سبيل إليه فإنه تتمَّةُ الطلاق حتى كأنه جُزءٌ منه، فحقُّهُ أن يتعاطاه الزوج وهو مبنيٌّ على التشهي، وتحصيل الزوج بتشهِّي غير الزوج بعيد، أمَّا التعيين فبيانٌ لأمر سَابق، ولا بُعدَ في أن يُفرَض اطلاع الوارث على ذلك بسَماع أو قرينة   ومن حسم باب التعيين والتبيين جميعاً (تعلق في ذلك)  بالكافر يُسلم على عشر نسوة، وَيمُوت قبل الاختيار، فإنه لا يثبت للوارث اختيار هذه طريقة ، وقد سلك القفال طريقةً حسنة توافق النَصَّ، وَتستمدُّ من المعنى وَالفقه، فقال: إن ماتَ الزوج وهُمَا حَيَّتان فليسَ للوارث تعيين ولا تبيين؛ إذ لا (غرضَ له)  في ذلك فيوقف  ميراث زوجة وَاحدة بينهما إلى أن يصطلحا، ولا تعلق للخُصومَة بالوارث ، وإن  ماتت أحدهما، ثم مات الزوج، ثم ماتت الثانية، فللوارث هاهُنا غرض وَالأمر  يرتبط به ، فيُنظر فإن عيَّن الوارث الأولى للطلاق قبل قوله؛ لأنه مقرٌ على نفسه بحرمان مورثه عن مالها وباستحقاق الميتة الأخيرة ميراث مُوَرّثة فهو مقرٌّ على نفسه من وَجهين، فلابدَّ من القبُول وإن عيَّن  الأخيرة للطلاق حتى يحرِمها عن ميراث مُورثه وحتى يجوز ميراث الأولى، فهذا محل غرضه، وهذا التعيين نافع في حقه، فهاهنا يحتملُ ترديد القولين والفرق بين التبيين والتعيين ، وعلى هذا لو أجمل عتقاً بين عبدين فالوارثُ هل يعين  أحدهما يخرّجُ على الخلاف؛ لأنه في محل الاستحقاق وَللخصُومة ارتباط به، ولسنا نُعلل  هذا بالغرض بل نعلل بارتباط الواقعة به ، وَأمّا العراقيون فارسَلُوا القولين وذاكَ له وَجهٌ أيضاً؛ إذ لا معنى لاتباع الأغراض، وَإنما تُبنى الصور الصحيحة، وَالفساد في مثل هذا على (الأهلية)  في الخلافة، ولكن إذا كان الوارث مقراً على نفسه آتياً بما يضره ينبغي أن يقطع بقبول إقراره، ولا ينبغي أن نُطرد الخلاف فيه ","part":1,"page":86},{"id":1447,"text":"التفريع: حيث قضينا بجواز التعيين  فلا يخفَى حُكمه، وَإن منعنا  فلابُدَّ من وقفِ ميراث زوجة إلى الاصطلاح \rالثالثة: إذا دَارَ الإبهام بين الطلاق وَالعتاق، (بأن)  قال: إن كان غراباً فعمرَةُ طالق، وإن لم يكن فغانمُ حُرٌّ، أو قال لواحدة من النساء والأرقاء في جنح الليل إن كنتِ أمةً\r(فأنتِ حُرَّةٌ)  وإن كنت حُرَّةً فطالق، ثم استبهمَ الأمرُ، قال الشافعي: وقف عن نسائه وأرقائه ، والأمرُ كما قال فلابُدَّ  من الحبس ويجب الإنفاق كما كان، ويُطالب بالتعيين ، وهل يقوم الوارث مقام الموروث في هذا التعيين فيه طريقان، منهُم من قال قولان كما في إبهَام الطلاق بين المنكُوحات، ومنهم من قطع بأنه لا يثبت له ذلك ؛ لأن الأمرَ إذا تعلق بالعتق كانت القرعة أولى حكم فيه، فإن للقرعَة  مدخلاً في العتاق دون الطلاق، وهذا المذهَب يلزم قائله الطرد، فإذا وقع الإبهام في العتق المحض بين العبيد فتُحكّم القُرعَة فيه \rالتفريع: إن قلنا لا تعيين ورجعنَا إلى القرعة فإن خرجت القرعةَ للأمة عتقت وتعين  المرأة للزوجية، وَإن خرجت على المرأة لم تطلق؛ إذ القرعةُ لا أثر لهَا في الطلاق \rولكن الأمَة هل تتعين للرق، فيه ثلاثة أوجه:\rأحدُها: وهَوَ الصَّحيح أن الأمر يبقى ملتبساً، وزال ما كنا نتوقَّعُه من القرعَة، وليسَ إلى الوارث تعين فيدُومُ  الإبهام، وَهذا هُو الأصح في التفريع \rوَالثاني: أنه تُعاد القُرعَة، نقله الفورَاني عن بعض الأصحاب، وهذا في غاية الركاكة؛ لأن إعادة القرعَة ثانياً يُوجب إعادتها ثالثاً إلى أن تقع على الأمة لا محالة فليقض بعتقها أوّلا، فمثلُ هذا الكلام لا يسوى أن يُحكى ","part":1,"page":87},{"id":1448,"text":"الثالث: أن الأمة تُرَقْ؛ لأن للقرعَة تأثيراً في العتق والرّق، ولو ورَدَ عليها لعتقت وصارت المرأة متعيِّنة للزوجية، فإذا خرجَ على المرأة ينبغي أن ترق هي وإن لم يَحكُم بالطلاق؛ لأن القرعَة إن لم يؤثر في الطلاق تؤثرُ في تعيين الرق والحرية ، وسَبَبُ التردُد في أنها تُرَقْ؛ لأن  القرعَة في محلِّها غير مُؤثرة فيبعُد أن تؤثر في غير محلِّها، فإن القرعَة حقها أن تؤثر أوّلاً (فيمن خرجت)  عليه، ثم يقع حُكم البواقي  من ضرورتِه مقروناً به \rهذا تمام الغرض من القسم الأول من كتاب الطلاق وما  يتعلق بعمومِ أحكامهِ\rالقسم الثَاني من الكتاب\rالنظر في التعليق  والصفاتُ\rالتي تعلق بها الطلاق\rوفيه فصُولٌ وفروع لا تندَرِجُ تحت ضابط؛ لأنها نشأت من الإطلاقات وَما يتصَوَّرُ النطق به لا ينحصرُ، وَلكنَّا نتشَوَّفُ إلى ضبط ما يقبل الضبط منه فنبدأ أوَّلاً (بالفصُول التي)  يَطُول النظر فيها، (وَهي فصُول ثمانيةٌ) \rالفَصْلُ الأوَّل: في تعليق الطلاق بالأوقات\rوهي أربعة الأنواع\rالنوعُ الأَوّلُ: التعليق بمجيء وقت منتظر:\rفأوَّلُ مَبدُوْء به أنه لا فرق بين أن يقول: إن دَخلتِ الدار فإنتِ طالق، وبين\rقوله: إذا طلعت الشمس فأنتِ طالق، وإن كان أحدهُما مستيقنُ الوقوع؛ لأن\rالصيغة واحدة، والطلاق في الحالين غير منجّز ، وقال مالك [رحمه الله] : إذا علق بما يتحقق كونه وقعَ الطلاق في الحال ،فإذا تمهَّد هذا الأصل فنسُرد صُور  التعليق من غير عَدٍّ وحصر\rفلو قال: أنتِ طالق في أوَّل شهر رمضان طلقت كما أهل الهلال مقروناً بأوّلِ جُزءٍ منه\rفإن قيل: كلمَةُ (في) تقتضي ظرفاً فيُبنئ  عن وقوع في وقت محتوشٍ بوقتين من رمضان\rقلنا: هذا خيال بل معنى الظرف انطباق الطلاق على وقت، فإذا وُجد ما ينطبق عليه الطلاق وقع ","part":1,"page":88},{"id":1449,"text":"ولو قال: أنتِ طالق في شهر رمضان فكمثل؛ لأن المتبعَ الاسم فإذا حصل (فلابد أن يقع)  ، وَكذلك إذا قال: أنتِ طالق في يوم السبت تُطلق (بطلوع)  الفجر ، وقال أبو حنيفة: يقفُ الوقوع على إنهاء ذلكَ اليوم، ثم يقع مع آخرِ جُزءٍ منه بناءً على (أن ما)  أضيف إلى وقت مُوَسَّع اتّسعَ ولم يتضَيَّق ، وعليه يبنى  أن الصلاة، لا تجبُ بأوَّل الوقت، وهذا خروج عن وضع اللفظِ ومقتضاه\rولو قال: أنتِ طالق في آخر شهر رمضان فوجهان:\rأحدُهما: أنها تطلق في آخر جُزءٍ من أجزاء الشهر؛ لأنه الآخر حقاً \rوَالثاني: أنها  تطلق مع أوَّل جُزءٍ من ليلة السَادس عشر [فإن للشهر أولاً وآخراً، والنصف الأخير آخره، وهذا أول آخره، ولو قال: أنت طالق في أول آخر الشهر فعلى الوجه الثاني يقع مع أول جزء من ليلة السادس عشر] ، وَالمُطلق وَالمقيَّد [فيه]  واحد، وعلى الوجه الأوَّل يقعُ في أوَّل جزء من اليوم الأخير من الشهر؛ لأنه الآخر ولابد له من طلب أوَّلِه، وَأقربُ شيء إليه ذلكَ ، وَلو قال: أنتِ طالق في آخر أوَّل هذا الشهر، ففي المسألة أوجهٌ ذكرها العراقيُون\rأحدها: أنه يقعُ في آخر جُزءٍ من اليَوم الخامس عشر، فإن النصف الأوَّلَ هوَ الأول \rوالثاني: أنه يقع مع آخر جزء من الليلة الأولى من الشهر، وهي آخر الليلة التي يُرى  فيها الهلال؛ فإنه أوَّل الشهر، ولابد من طلب آخرِ وهو أقربُ ما يقدر عليهِ  ","part":1,"page":89},{"id":1450,"text":"وَالثالث: أنه يقع مع  آخر جزء من اليَوم الأول فتُضَمُّ الليلةُ إلى اليوم الذي يتعقبها ، ولو قال: أنتِ طالق في سَلخ شهر رمضان، ففيه أوجه قال العراقيون: يقع مع آخر الشهر إذ به الانسلاخ  المحقق ، وقال آخرون : يقع كما طلعَ الفجر من اليَوم الأخير، وَهذا ما ذكره القاضي ، ويحتمل أن يقال: يقع في أول اليوم الذي يبقى معَهُ من الشهر ثلاثة أيام، فإن السلخ يُطلق على الثلاث كالغُرَّة ، وَذكر صاحب التقريب وَجهاً أنه إذا مضى جُزءٌ من أوّل الشهر وقع الطلاق؛ إذ به الانسلاخُ، وَهذا ساقط لا يُعتَدُّ به \rوَلو قال: أنتِ طالق عندَ انسلاخ شهر رَمضان لم يتجَه فيه إلا القطع بوُقوع الطلاَق في آخر جُزءٍ من الشهر؛ فإنه حَاله الانسلاخ \rالنوع الثاني: التعليق بمضي وقت \rلو قال: إذا مضى يوم فأنت طالق، فإن (كان ذلك)  بالنهار فلابُدَّ من مضى يَوم كامل وهو أن يعُود إلى ذلك الوقت من غدٍ؛ لأنه ذكر  اليَوم فلا يتناوَل إلا كاملاً\rولو قال  بالليل فيقَعُ مع الغروب من الغَد، ولو قال: إذا مضى اليَوم وَهوَ في النهار وَقع الطلاق بغروب ذلكَ اليَوم \rوَلو قال إذا مضتِ السنة يقعُ باستهلال هلال المُحَرَّم  وَإن لم يبق من السنة التي هو فيها إلا يَوم، وَلو قال: إذا مضت سنة فلابد من سنة كاملة بالأشهرُ العَربيَّة، نعم يُكمَّل الشهر الذي هو فيه ثلاثين يَوماً إذا انكسر، وَإن لم ينكسر فإن  قال: إذا مضت سنة من أوَّل رمضان فأنتِ طالق، فتحسب بالأهلة ، وَقال أبو حنيفة إذا انكسر الشهر الأوَّل انكسَر جميعه فلابُدَّ (من أن)  يُكمَّل كل شهر ثلاثين يَوماً؛ لأن الشهر الثاني يتبعُ الأوَّل، فلا يُمكن تَبقية الأول مُعلقاً إلى انقضاء إحدى عشر شهراً ثم تكميله من الشهر الثالث، وذهب بعض أصحابنا إلى هذا، وَالمذهبُ الأوَّلُ؛ لأن عددَ الأهلة أصلٌ في الشرع لا يُنكر ","part":1,"page":90},{"id":1451,"text":"النوع الثالثُ: في التعليق بالزمان الماضي\rوصورته: أن يقول: أنت طالق للشهر  الماضي، فإن راجعناه فقال: أطلقت، ولم أقصد  قصداً حكمنا بوقوع الطلاق، وكذلكَ إذا ماتَ قبل المراجعة؛ لأنه يحتمل وجوها، والظاهرُ في جميعها حصول الطلاق في الحال، فيحمل عليه ولا يتعطل  ، ولو قال: أردتُ تنجيز الطلاق في الحال على وجه ينتشرُ  حُكم الفراق إلى ما مضى فيقع الطلاق [ولا يتبين؛ لأن ذلك محال، وحاصله يرجع إلى أنه أراد انعكاس حكم الوقوع إلى ما سبق مع تنجيز الإيقاع ، ولو قال: أردت إيقاع الطلاق]  في الشهر الماضي بهذه الكلمة  ولم أقصد تنجيز إيقاع ثم إسناد وُقوع بل قصدتُ إسناد الإيقاع إلى الزمان الماضي بهذا اللفظ، ففيه وجهان:\rأحدهما: أنه لا يقع؛ لأنه أتى بما يستحيل إيقاعه، وَهو منتظمٌ في نفسه، وَاللفظ (مشعرٌ به) ، وليسَ كقوله: أنتِ طالق طلاقاً لا يقع \rوالثاني: أنه يقع؛ لأن مُوجب قوله وإن قبل  انبساط الطلاق على هذا الوقت فيثبت  هذا، وإن لم يُمكن  الإسناد \rولو قال: أردتُ أن زوجاً آخر طلقك في الشهر الماضي، قال الأصحاب: إن أقامَ على ذلك بيِّنه قُبِل ولم يقعَ الطلاق، ثم يحلف إن أتهم وإن لم يقم بينه يقعُ الطلاقُ، وَهذا فيه احتمال؛ لأن ما ذكرهُ مُمكنٌ، وإذا كُنَّا نقبل قوله في إسناد الإيقاع إلى ما مضى على وجه (حتى نحكمُ)  باندفاع الطلاق فاحتمال هذا أقرب ، ولو قال: أردتُ  طلاقاً أوقعته في الشهر الماضي، وقد جَدَّدتُ النكاح عليك، فهو كما لو أضاف الطلاق إلى غيره ، ولو قال: أردتُ طلقة رَجعية أوقعتُها  من قَبْل وأنا الآن على الرجعة، الذي ذكره المحققون أن ذلكَ يقبل؛ لأنه مُرددٌ بين الإقرار والإنشاء وهو متضمن طلاقاً في هذا النكاح على الأحوال فليقبل ، وَحكى القاضي : أن المرأة إن صدقته قُبِل، وإلا فالقول قولها، وعندَ ذلك  نحكمُ بطلاقين:","part":1,"page":91},{"id":1452,"text":"أحدُهما: إنشاء، والآخر: إقرار، وَهذا بعيدٌ لا وَجه له ، هذا تفصل هذه الصُور، ويتصَدَّى عند هذا للناظر إشكال في وصف الطلاق بالمحال أو ربطه، وقد قال الربيعُ في الصُورَة الأولى إذا قال: أردت تنجيز طلاق ينعكس حُكمه ووقوعُه إلى ما مضى مع\rتنجُّز  اجتماع في الحال لم يقع الطلاق؛ لأنه وصف الطلاق بوصف، وَاستحال إيقاعُه على ذلكَ الوصف، وَهوَ الموقع، ولا وَاقع إذاً، وَاستدَل بما إذا قال: إذا  صعدت السماء أو أحييت ميتاً فأنتِ طالق، فإنه لا يقع ، واختلف أصحابنا فيه على\rثلاثة أوجه:\rأحدُها: أنه لا يقع، وغرضه منع الطلاق، كقوله تعالى:          فإن المقصُود منه النفي ، ومنهم من قال: يقع؛ لأنه ربَطها  بالمحال فصار كما إذا قال: أنتِ طالق طلاقاً لا يقع ","part":1,"page":92},{"id":1453,"text":"والثالث: أنه يقع في مسألة الإحياء؛ لأنه غيرُ مقدورٍ إلا للقادرِ الأزَلي فيلتحق بالمحالات، وَأمَّا الطيران في الهواء وَالصعود  فهو مقدورٌ للمخلوقات فلم يلتحق بالمحالات، وَهذا بعيدٌ ، والوجهُ القطعُ بوقوع الطلاق فيما إذا قال: أنتِ طالق طلاقاً  لا يقعُ؛ فإنه كلامٌ هازل غير جاد في الكلام، ولا انتظامَ له ، وهو كقوله: أنتِ طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً، وهذا متفق عليه ، فأمَّا  التعليق بالطيرَان فالوجه القطع بأنه لا يقع؛ لأنه الكلام مُنتظم، وَالمقصُود النفي والإبعاد، كقوله تعالى:         ، وَأمَّا وصف الطلاق بالمحال فلا يمنع الوقوع، ويُخَالفَ فيه الربيع ، وحيثُ ترددنا في تفسير قوله: أنتِ طالق [في]  الشهر الماضي، إذا رَدَّ التنجيز إليه فسببه هَينٌ، وهوَ أن الكلام منتظمٌ ولكن الشرع قاض بأن التصرفات لا سبيل إلى رَدِّها إلى سَابق ، فأمَّا إذا قال: إذا مات فلان فأنتِ طالق قبلهُ بشهر فالكلامُ منتظم، والطلاق لا يقع في الحال، ولو مات فُلان قبل مضيّ شهر لم يقع طلاق أصلاً، إذ لو وقع لسبق اللفظ، وليسَ هذا من فنِّ الوصف بالمحال؛ لأنه منتظمٌ والوقوع فيه متوقع، ولو ماتَ بعد شهر تبَيَّنا وقوع الطلاق قبل موته بشهر، وكذلك نقول: إذ قال: أنتِ طالق قبل قدوم زيد، أو قبل أن أضربَك بشهر يستند عند الضرب إلى ما سبق، إذا كان مُتراخيا عن اللفظ بشهر ، وقال أبو حنيفة: يستند في الموت، ولا يستندُ في القدوم والضرب بل يقع عندهما ، وهو تحكم لا يظهر سببه","part":1,"page":93},{"id":1454,"text":"فرع: لو قال: أنتِ طالق غد أَمسٍ أو أَمس غَدٍ على الإضافة في الموضعين، وَقع الطلاق في الحال، فإن اليَوم غد أمس وَأمس غدٍ ، وإن قال [أنتِ طالق] : أَمس غداً أو غداً أمس وترك الإضافة وقع الطلاق غداً ولغى  قوله: أمس ، وهذا ظاهر في الصُورَة الأخيرة وفي الصورَة الأولى [احتمال] ؛ لأنه إذا قال: أنتِ طالق أمس فكيف يلغي في الحال، وهو في صورة قوله: أنتِ طالق الشهر الماضي فليُعد فيه تلك التقاسم \rالنوع الرَّابعُ: التعليق بتكرُّر الأوقات:\rوَفيه مسألتان:\rإحداهما: أن يقول: أنتِ طالق ثلاثاً في كل سنة طلقة، وقعت في الحال طلقة؛ لأنه في سنة لا محالة، ثم إن أرادَ (السنين)  العَربيّة وَقعت الثانية في أوَّل جُزء منَ المحرم وربما لا يكون بينه وبين اللفظ  إلا يومٌ أو سَاعة فيتوالى طلقتان في زمان قريب، والطلقة الثالثة تقع إذا مضت سنةٌ من وقت الطلقة الثانية، وهذا إذا  كانت العدَّةُ باقية، أو فرضت رجعة حتى يلحقها الثالثة، فإن  أراد تخلُّلَ سنة بين كل طلقتين وَقعت واحدة في الحال، ثم لابد من مضى اثنى عشر شهراً حتى تقع الثانية، وكذلكَ في الثالثة  وَإن أطلق اللفظ ففيه وجهان على حسب الاحتمالين \rفرع: لو أبانها قبل وقت الطلقة الثانية والثالثة ثم نكحها بعد مضيّ السنة فلا يقع طلاق في نكاح ثان ؛ لفوات تلكَ الأوقات، وَلو جَدّد النكاح قبل مضي تلكَ الأوقات فيُبنَى  عود الطلاق على قولي عَود الحنث  دَقيقةٌ، (وهي)  أنه لو جَدّدَ النكاحَ في أثناء السنة الثانية، وقلنا: بعَود  الحنث تقعُ الطلقة الثانية كما نكحها ، فإن قيل: قد فات وقتها قبل النكاح إذ (وَقتُ الطلقة)  أوَّل السنة الثانية","part":1,"page":94},{"id":1455,"text":"قلنا: لا، بل وقتها جميع السنة وَلكنَّ إذا صادفنا الوقت في أوَّلِه  عجلنا الطلاق لحصُول الاسم، وَهوَ كمن أفاقَ في أثناء وقت الصلاة يلزمه  الصلاة، وَإن كنا نقول تجبُ الصلاة بأول الوقت؛ لأن الوقت باق على الجملة \rالمسألة الثانية: إذا قال: أنتِ طالق في كل يوم طلقة، وهو في يوم وقعت واحدةٌ في الحال، ووقعت الثانية صبيحةَ اليوم اليوم، ولم يشترط على احتمال [على]  ما مضى يوم؛ لأن اليَوم عبارَة عن مقدر محصُور لا يختلف ولا يتدَاخل بخلاف السنين؛ فإنها تتداخل على حسب الحساب ، فلو قال: أردت  تخلل يَوم بين كل طلقتين فيدَّين فيه، وَهل يقبل ظاهراً فيه وَجهان ، وَقد نبّهنا على هذا الجنس فيما سبق \rالفصل الثاني: في التعليق بالتطليق أو نفيه\rوَفيه صيغ:\rالصيغة الأولى: أن يقول: إن طلقتُك فأنتِ طالق، وَله أحكامٌ:\rأحدها: إذا  طلقها وقع ما نجزَّ، ووقع مَا علق، ولا يستدعي هذا التعليق طلاقاً في المجلس، فلو طلقها بعد ذلكَ بزمان وقعَ المعلق؛ لأن كلمة إن [كلمة]  شرط يسترسل على فعل في الاستقبال لا يختَصّ بزمان دون زمان، هذا وضعه  فلا يقتضي الفور في التعليق بالطلاق، والدخُول، والقدوم، وَالضرب، وَجميع الصفات إلا في محليّن:\rأحدُهما: التعليقُ بمشيئة الزوجة على ما سنذكرها  \rوالثاني: التعليق بإعطائها مالاً وقد ذكرناه  فإنه يقتضي الفور أخذاً من القرينة المستندة إلى طلب العوض ، وقوله: متى، ومتى ما، ومهما [أيضاً]  في معنى قوله إن في التعليق (وسائر)  الصفات، فأما في التعليق بالإعطاء يفارقه؛ فإنه صَريحٌ في التأخير ، وفي التعليق بالمشيئة كلام يذكر  ","part":1,"page":95},{"id":1456,"text":"الحكم الثاني: الفرق بين ما قبل الدخول وبعده، فإذا خاطب بقوله: أنتِ طالق إن  طلقتُكِ غيرَ مدخول [بها]  ثم طلقها وقع  المنجز، ولم يَقع المعلق اتفق الأصحابُ عليه؛ لأنها صارت بائنةً بالأولى فلا تلحقها الثانية ، وهذا يشير إلى أمرٍ: وهو أن الطلاق المعلّق بالدخول يترتب على الدخول، وَيقعُ بعدَهُ لامعَهُ، والذي نراهُ أن الطلاق المعلق يقعُ مع وجود الصفة؛ إذ الصفة جعلت في حُكم العِلّة للطلاق، وَالمعلُول يلازم العلّة، هذا وضعه\rفإن قال قائل: الفاء للتعقيب\rقلنا: الفاء في هذا المقام لترتب الكلام، وإلا فلو قال: أنتِ طالق إن دَخلت وإذا  دخلت الدار كان الحُكم ما ذكرناه مع ترك الفاء، فإن  قال قائل: الجزاء يترتبُ على الشرطِ كقوله: إن أكرمتني أكرمتُك\rقلنا: ذاك يترتب في الوجُود بضرورة  الفعل، وَإلاّ فحقُّ المعلُول أن لا يتراخى عن العلة، وهذا مما ينبغي أن يقطع به، وَإليه ذهبَ المحققون ، (ولكن ذهبَ بعض) \rالأصحاب إلى أنه يقع مرتباً، وذلك وإن كان بعيداً من التحقيق، ولكن تشهَدُ\rله أحكام :\rأحدها: ما ذكرناه في حق غير المدخُول فهو متفق عليه في أن الطلاق المعلق بالطلاق لا يلحقها ، وقد نص الشافعي في المدخُول [بهَا]  على أنه إذا علق طلاقها بالتطليق ثم خالعها لم يقع الطلاق، وعَلل بأن المختلعَة لا يلحقها الطلاق ","part":1,"page":96},{"id":1457,"text":"والثاني: أنه لو قال لغانم: مهما اعتقتُكَ فسالم ثم اعتق غانماً في مرض الموت، وَالثُلثُ لا يفي إلا به عتق غانم، ولم يعتق سالم، ولو جمعَ بينهمَا في العتق لتوَزَّع ، والعَجبُ أن الأصحاب ترددوا في أن الطلاق يقَعُ مع الصفة أو بعدَها وَلم يتردَّدُوا في هاتين المسألتين، نعم حكى الشيخ أبو علي: وَجهاً أنَّه لا تقديم في مسألة العتق، وَلم يذكر في تعليق الطلاق بالطلاق شيئاً ، نعم لو قال: أنتِ طالق إذا طلَّقْتُ طلقة أخرى معَهَا، ذكر وجهين ، وَسبيلُ حَلِّ الإشكال أن يقال: الطلاق يقعُ معَ الصفة ولكن الصفة التي علق بهَا في غير المدخول يضاد وُجودها وُجود الطلاق؛ إذ معنى إذا طلقت إذا صرت مُطلقة، فأوَّل زمان الاتصاف بالطلاق زمان وقوع التعلق، وهو ينافيه، وَكذلك أوَّل زمان الدخُول ظرف لوقوع الطلاق المعلق حتى يكون معهُ، وليس هذا كما إذا طلقها طلقتين، فإن البينونة ثم تحصل تطليقتين فهما في حُكم شيء واحد، وَالبينونة (معلولها وَنتيجتها) ، وَأمَّا هاهُنَا الطلاقُ  المعلّق منفصلٌ عن المنَجَّز، وَلو وَقع لوقع مقارناً لأوَّل وقوع البينونة، وأول وقت البينونَة يُنافي الطلاق كتناني وقته فإن المنافاة تُستندُ إلى ذات البينونة، فلا تختلف بالأوقات، فَهذا  نظر دقيق لايدرك إلا بقريحة وقّادة وَجِدٍّ وافر في التأمُّل ","part":1,"page":97},{"id":1458,"text":"الحُكم الثالث: بيان ما يَكُون تطليقاً، ولا خلاف في أنه لو قال: بعد هذا التعليق إذا دخلت الدار فأنتِ طالق فدخلت طلقت بتعليق الدخول، وطلقت نانية بالتعليق الأوَّل، والكلام كله بعد هذا في الدُخول، وفي المدخول بها؛ لأن التعليق مع وجود الصفة كلاهما (تطليق) ، وقد تراخيا عن التعليق على التطليق، ولو كان التعليق على الدُخول يقدّم على التعليق على التطليق وتراخى الدخول عنه، فلا يقع الطلاق المعلق بالتطليق؛ لأن الدخُول ليسَ تطليقاً، وَكذلكَ مُجرَّد التعليق بعدَ التعليق بالتطليق لا يحصل به الحنث فإنه ليسَ تطليقاً إنما يكون تطليقاً معَ الضَمِّ إلى الصفة، فأمَّا  إذا قال: إن وقع عليك طلاقي فأنتِ طالقٌ، وكان التعليق بالدخول متقدّماً على هذا التعليق ثم فرض الدخول بعد هذا التعليق وقعت الطلقة المعلقَة بوقوع الطلاق ","part":1,"page":98},{"id":1459,"text":"فروع: أحدُها : إذا قالَ مهمَا طلَّقت عمرة فحفصَة طالق، ثم قال: مهمَا طلقت حفصَة فعمرة طالق، ثم بدأ بحفصة فطلقها طلقت حفصة بالتنجيز طلقة، وَطلقت عمرة طلقة؛ إذ كان طلاقها معلقاً بطلاق حفصة، وعادت طلقة إلى حفصة من طلاق عمرة، فإن تعليق طلاق عمرة تراخى عن تعليق طلاق حفصة، فكان تطليقاً لها، وقد علق طلاق حفصة على تعليقها فاجتمع في حفصة التنجيز والوقوع بتعليق طلاقها على طلاق عمرة، وقد طلق عمرة لمَّا أن علق بعد التعليق ثم وُجدت الصفة، ولا  ينعكس طلاقاً على عمرة من الطلقة الثانية الواقعة على حفصة؛ لأن تعليق طلاق حفصة سبق تعليق طلاق عمرة، فكان ذلك بالنسبة إلى تعليق طلاق عمرة وقوعاً محضاً لا إيقاعاً، نعم لو أبدَل لفظ الإيقاع بالوقوع، وقال: مهمَا وقع طلاقي بدَل قوله: مهمَا طلَّقتُ، وَالمسألة   بحالهَا انعكس طَلْقة على عمرة، فيقع على كل وَاحدة إذا طلق حفصة طلقتان، وَيتمُّ انحلال اليمينين ولا  مزيد بعده؛ لأن هذا اللفظ وهو قوله: مهمَا لا يقتضي التكرار فتنحل اليمين بوجُود الصفة مرة واحدة، وهذا بين  بأدنى تأمل ، (ومن)  العراقيين حكاية وجه أن التعليق معَ وجود الصفة لا يتناوله اسمُ الإيقاع، حتى إذا علق الطلاق بإيقاع الطلاق لم يحنث بالتعليق مع وجود الصفة، وهذا بعيد؛ فإنهُم لو لم يَطردوا  في لفظ التطليق لم يتمكنُوا من فرق بين التطليق وبين الإيقاع، وإن طردُوا كانوا مخالفين لجملة الفقهاء؛ فإنهم سَمَّوا ذلك تطليقاً وربطوا به الأحكام، وكيف لا! ومن علق طلاق زوجته على فعل من الأفعال ثم أتى به يقال: فلان طلق زوجته، فهذا لا سبيل إلى إنكاره ، هذا ما ذكر ولا عوَد إلى التفريع عليه\rبعد هذا","part":1,"page":99},{"id":1460,"text":"الفرع الثاني: إذا قال وله نسوة وعبيد إذا طلقتُ (منكن واحدة)  فعبد من عبيدي حُر وإذا طلقت اثنتين فعبدَان حُرَّان، وإذا طلق ثلاثاً فثلاثة أعبد، وإذا طلقتُ أربعاً فأربعَةُ أعبُد، ثم طلق نساءه الأربع جمعاً أو ترتيباً عتق عشرة من عبيده؛ لأنه أتى بأربعة أيمان وقد حنثَ في جميعها، فيجمع مضمون أيمانه ولا يكرِّر؛ إذ ليس اللفظ للتكرار، وَنقولُ: عتق واحد؛ لأنه طلق وَاحدة، وَاثنتين؛ لأنه طُلق اثنتين، وثلاثة؛ لأنه طلق ثلاثاً، وأربعة؛ لأنه طلق أربعاً، وواحدة واثنتان وثلاثة (وأربعة تكون عشرة) ، وَكذلك القول فيما إذا قال بدل إذا إن أو متى ما أو مهما فإن كل ذلكَ لا يقتضي تكراراً، فأمَّا إذا قال: بدل  (إذا كُلما)  عتق من عبيده خمسةَ عشر؛ لأن الأيمان أربعة، وقد حنث في اليمين المنوطة بالواحدة  أربعة مَرات؛ إذ الأربع تشتمل على أربع آحاد فيعتق  بيمين الواحد أربعة، وحنثَ في اليمين المنُوطة  بالاثنتين مرتين؛ إذ الأربع تشتمل على الاثنين مرتين فيعتق بهما  أيضاً (أربعة ويعتق)  باليمين المنوطة بالثلاث مَرَّة؛ إذ الأربع لا تشتمل إلا على ثلاثة  (وواحده)  فيعتق به ثلاثة، ولا يحتسب  الواحد الفاضل في حساب الأحاد  ولا  يكرر الحكم في وَاحد عن جهة وَاحدة وَفي  اليمين المعقودة بالأربع مَرَّة واحدة؛ إذ الأربع  تشتملُ على الأربع مَرَّة وَاحدة، وَمجموع ذلكَ إذا حسبته خمسة عشر ، وَأبو حنيفة يقول: يعتق ستة عشر من عبيده، ويَحْسِبُ الواحد الفاضل من بين  الثلاثة مَرَّة أخرى ، وَقد نبَّهنا على وَجه فسادهِ، وَمن الأصحاب من يقول يحنث بالثالثة معَ الثانية في يمين الثنتين مرةً أخرى فيقدر الاثنتين  في الأربع من ثلاثة أوجه الأول، والثاني، والثالث، وَالرابع، وهو ما حَسَبْنَاه، ويزيد (الثاني والثالث)  فينتهي عنده إلى سبعة  عشرَ  ولو صح هذا لحسبنا إذا طلق أربعة  في اليمين","part":1,"page":100},{"id":1461,"text":"الثالثة، فإن الثلاثة الأخيرة من الأربعة غير الثلاثة الأولى بزعمهِ فينتهي إلى عشرين، وَهذا لا قائل به ، فدل أن مَا حُسِبَ في يمين  لا يحسَب في ذلكَ  اليمين بعينه  مَرةً أخرى ما لم يتكرر، وَهذا كما إذا قال: كلما دَخلت الدار فأنتِ طالق، فدخلت مَرتين وقعت طلقتان، ولا يقال: إذا دَخلت ثانية وَقع للأولى طلقة أخرى؛ لأنها صارت به دَاخلة مَرتين، (وَلكن قبل لما حسبت الأولى)  مرّة فلا يحسَب مَرَّة أخرى \rالفرع الثالث: إذا قال: [إن]  طلقتُ واحدة منكن (فصواحباتُهَا طوالق) ، ثم طلق  وَاحدة وَقع على كل واحدة طلقة، فإذا طلق ثانية طلقت كل واحدة طلقتين، وعلى هذا الحساب ، فأمَّا إذ  قال: إذا طلقت واحدة فأنتُنَّ طوالقٌ، فإذا طلق واحدة وقع عليها طلقتان، وعلى كل واحدة من البواقي طلقة طلقة فإذا طلق ثانية كمل لها الثلاث، وكذلك  الأولى، ولكل واحدة من (الباقيتين طلقتين) ، فإذا طلق الثالثة كمل الطلاق على الرابعة وبقيت في حق الثالثة طلقة ضائعة لم تجد نفاذاً ، فأمَّا إذا قال: كلما وقع طلاقي على واحدة منكن فانتُنَّ طوالق، فإذا طلق وَاحدة طلقت كل واحدة ثلاثاً؛ لأن اللفظ للتكرار ولا يخفى أمره ، هذا  تمام القول في هذه الصيغة، وقد بان فيه أن إذا، وإن، [ومتى]  ومتى ما، ومهما متساوية [في]  أن شيئاً منها لا يقتضي الفور في هذا المقام، وإن فرق بينهمَا في التعليق بالإعطاء على ما\rقدمناه ، وهي متساوية أيضاً في أنها لا تقتضي التكرار، وأن اليمين المعقود  بها تنحل بمَرَّة وَاحدة \rوأمّا كُلَّمَا فتساوي هذه الأدوات التي ذكرناها في (أنها لا تقتضي)  الفور (لكنَّها  تختَصَّ)  عَمَّا عَدَاها باقتضاء التكرار ، وكُلُّ ذلكَ بَيِّنٌ من وضع اللسان، وَظاهرٌ في الإفهام","part":1,"page":101},{"id":1462,"text":"الصيغة الثانية: في التعليق بنفي التطليق، وَهو أن يقُول إن لم أطلقك فأنتِ طالق، فالمذهبُ المثبُوتُ في هذا الفرق بين إن، وإذا ، ومتى، وَمتى ما، وَأي وقت، فإن إن في هذا المقام لا تقتضي فوراً فلو لم يطلقها في الحال لم تُطلق وَإنما تطلق قَبْل  حصُول اليأس من التطليق  كما سنذكره \rوإن قال: إذا لم أطلقك ثم مضى زمان يسير يسع تطليقَه فلم يفعل وقع\rالطلاق ، والفرق أن إذا ظرف زمان يُشعرُ به، وَمعناه أي وقتٍ لا أطلقك فيه فأنتِ طالق، فإذا مضى ما يُسَمَّى وَقتاً وَلم يُطلقها فقد وُجدت الصفةُ، وَكذلكَ متى، ومتى ما، وأي وقت، فإن كل ذلكَ يشيرُ إلى الوقت بخلاف إن فإنه حرفٌ وليس بظرف فلا ينبئ عن الزمان، ولا هو اسمٌ لزمان فيسترسِل على الاستقبال من غير إشعار بوقت، وهذا نظر دقيق في اللغة ، وقد صَرَّح به الشافعي (رحمه الله)  ، وقال العراقيون من أصحابنا من  لم يتضح له الفرق بين (إن وإذا)  فقال: اجعل في  المسألتين قولين بالنقل وَالتخريج أحَدُ القولين أنه يقع على الفور فيهما وَإن  لم يُطلق والثاني: أنه لا يقع مَا لم يحصُل اليأس، وهذا بعيدٌ غير معدُود من المذهب، فالفرق  ما ذكرناه، وقد ظهر أثرُ  الفرق في طرف النفي دُون طرف الإثبات؛ لأنه في الإثبات مسترسل على جميع الأحوَال كما ذكرناهُ  ، نعَم نقل صاحبُ التقريب تردُّداً في أنه لو قال الزوجُ: أردتُ بإذا ما يُريده المريد بقولهِ: إن فهل يقبل ظاهراً معَ أنه يُدَيَّن فيه وَجهان، وَهذا قريبٌ؛ لأنه احتمال ليسَ بخفي ولا مستنكر  ، وَقد ذكرنا جنس هذا\rالتردد من قبل \rفرع: إذا حَكمنا في هذه الصيغة أعني صيغة إن بأن الطلاق لا يقعُ على الفَور بل يتوقف على اليأس، فلحصُول اليأس صُور:","part":1,"page":102},{"id":1463,"text":"أحدها: أن يموت أحدُ الزوجين قبل وُجود الطلاق، أو قبل وجود الضرب أو  القدوم وما  علق به تبيَّنا وقوعَ الطلاق قبيل الموت؛ لأن بالموت  الطارئ حَصل اليأس ولا صائر إلى إسناد الطلاق إلى أوَّل الوقت الذي فيه جرى التعليق مَع إن ذلك  محتملٌ، فإن من أصحابنا من صار إلى  وُجُوب الحج وَإن كان على التراخي، وإذا  مات المستطيع قبل الحج يعصي وَتَستند التعصية  بطريق الانبساط إلى أول حَاله القدرَة، فكذلكَ هاهنا التطليقُ في حُكم الواجب عليه على التراخي لينتفي  الطلاق المعلق، فإذا أخرنا على رجاء وُجُود التطليق منه ثم عدم وَلم تسلم العاقبة المنتظرة ليسَ يبعد إسنادُ الطلاق إلى الأول وَلكن لا صائر إليه؛ لأن قوله: إن لم أضربك فأنتِ طالق يصلح للمعنيين جميعاً\rأحدُهما: الوقوع الآن، وَإن لم يتحقق الضرب في العمر\rوالثاني: الوقوع إذا تحقق إخلاء العمر عن الضرب، وَليسَ في اللفظ قرينة تدُل، وَالاحتمال متعارضٌ، والأصلُ نفي الطلاق في الحال من غير يقين، فإن الصيغة صيغة التعليق هذا فيه إذا طرأ مَوتُ أحد الزوجين \rالصورة الثانية: طرآن الجنُون إن طرأ عليها فلا يأسَ عن التطليق، إذ تطليقها متوقعٌ، وإن طرَأ عليه فالإفاقة أيضاً  متوقعة فلا يحكم بالطلاق، ولكن لو اتصل الجنون بالموت تبين تحقق اليأس من وقت الجنون، فيستند الطلاق إلى ما قبل \rالجنون ","part":1,"page":103},{"id":1464,"text":"الصورة الثالثة: طرآن الانفساخ على النكاح، أو طرآن الفسخ؛ ولذلكَ  لا يحصل اليأس من تطليقها فإنه يتصَوَّر أن ينكحها وينشئ طلاقها ، والذي  نرى أن الصفة لا يختص وجودها بالنكاح؛ وَلذلك قلنا: تنحل اليمين بوجود الصفة في حالة البينونة خلافاً للاصطخري، ولنفرض الكلام فيما إذا قال: إن لم أضربك؛ ليكُون أظهر، فالضرب غير ميؤس عنه فيتوقف، وإن  ضربها فهو المُنَى، وإن مات أحدهما قبل الضرب فقد يحقق الخُلْف وَلكن صادف وقت اليأس حالة لا يمكن الإيقاع  فعند هذا يتعين الاستناد إلى ما قُبَيل الانفسَاخ، ويكون الانفساخ مع الموت على البينونة كالجنون الطاريء  على الزوج مع الموت عليه، فأنا نسند الطلاق إلى ما قبل  الجنون، وليفرض هاهنا في الطلاق الرجعي حتى لا يقع في الدور، ويتصَوَّر الجمع بينه وبين تحقيق الفسخ وإسنادُ الطلاق إلى ما قبل الجنون فيه إشكال يكاد يقضي الاستناد إلى أول اللفظ؛ لأنه إذا طرأ الجنون ثم الموتُ  فإيقاعُ الطلاق قبل المَوتِ مُمكن، وَعندَه يتحقق اليأسُ (إذ به)  يحصل نفي الصفة المطلوبة لمنع الطلاق فإن ساغ أن يقال: تتبيَّن  أن ما كنا نتوقف فيه ونتوقع  من أفاقة لم يكن، فينبغي أن يقال تبَيّن  إن ما كنا نتوقعه من ضرب لم يكن فليسند إلى أوَّل الطلاق وَهذا  وجهُ التنبيه والمنقول ما ذكرناه، والاستنادُ  في الأشكال إلى ما قُبَيل  الفسخ على هذا\rالمذاق أيضاً ","part":1,"page":104},{"id":1465,"text":"فرع: إذا فسخ النكاح ثم أعادَ النكاح وقلنا: يَعُود  الحنث فمات قبل التطليق فلا حاجة إلى إسناد الطلاق إلى ما قبل الفسخ إذا  أمكن إيقاعُه عندَ اليأس بالموت فيقع قبيل الموت، فكأنهُ  في ذلكَ النكاح لأنا على قول الحنث كأنَّا نبني النكاح على النكاح، وإن قلنا: لا يعود الحنث فلا يُمكن إيقاعه فيكون كما لو مات  على البينونة فيستند الطلاق إلى ما قُبيل  الفسخ، وَلو طلقها في النكاح الثاني إنشاءً ثم مات فقد وُجدت الصفة المطلوبة لنفي الطلاق فلا حاجة إلى إيقاع الطلاق [المعلّق] ؛ لأنا وإن منعنا عَود الحنث فلا ننكر وُجود الطلاق يجوز أن يكون صفة هي مناط الطلاق في النكاح الأول، ولذلكَ يحصل  الضرب في حالة البينونة متناولة  بالتعليق في النكاح حتى تنحَلَّ اليمين\rهذا وَجه إشكال المسألة، وَإنما فرضناهُ في الفسخ، فإنه لو وجد الطلاق لكان ذلكَ في حكم الوفاء باليمين، نعم لو قال: إن لم أضربك فيستوي فيه الفسخ والطلاق بشرط أن يبقى من الطلاق (عدد يمكن تقرير)  إيقاعه مستنداً  إلى ما قبل الطلاق ، هذا تمام الغرض في هذه الصيغة\rالصيغة الثالثة: أن يقول: إن طلقتُك فأنت طالق، أو إن لم أطلقَك فأنتِ طالق، تنجَّز الطلاق في الحال؛ لأن هذه الصيغة للتعليل، ومن ربط الطلاق مُعللاً تنجَّز طلاقه، كما إذا قال: أنتِ طالق لرضا زيد، وأنتِ طالق للسُنّة، والحال  حاله السنة يسقط التعليل، ويلغُو اللفظ ، وفي التعليل  بالسُنَّة نظرٌ ذكرناه في أول الكتاب ، وقوله: أنتِ طالق أن  لم أطلقك، معناه أنتِ طالق لأن لم أطلقك (فيحذف اللام) ، ويستعمل أن التعليل في اللغة الفصيحة، نعم لو صدر هذا ممن لا يعرفُ هذه اللغة في العربية فهو في حُكم  قوله: إن طلقتُك ، وَسنعُودُ إلى هذا الجنس\r[في الفروع]  \rالفصل الثالث: في تعليق الطلاق بالحمل\rوفيه أربع مسائل:","part":1,"page":105},{"id":1466,"text":"إحداها: أن يقول: إن كنت حاملاً فأنتِ طالق، فلا يُحكم بوقوع الطلاق\rفي الحال؛ فإنه لا يتيقن الحمل فإن أتت بوَلد لدون ستة أشهر تبيَّنا وقوع\r(الطلاق قطعاً)  من وقت التطليق ، وإن أتت لأكثر من أربع سنين (تبَيّن أن الطلاق\rما وقع)   وإن كان فوق ستة أشهر ودون أربع سنين، وكان الزوج يَطأها وأتت لستة أشهر من وقت (الوطء)  فلا طلاق قطعاً ، وإن كان الزوج لا يَطأها ففي وقوع الطلاق قولان:\rأحَدُهما: أنه يقعُ، وهو الظاهرُ؛ لأن الولد ملحق بالنسب وَذلكَ لتقدير كونها\rحاملاً \rوالثاني: أنه لايقع؛ لأن الطلاق يندَفع بالاحتمال، وَالأصل دوَامُ النكاح، والاحتمال لا ينكَر، وإن كان الشرع يُلحق النسب تغليباً، هذا حُكم الطلاق \rأمَّا تحريمُ الوطء في الحال قَبْل تَبيُّن حقيقة الحال، قال الأصحاب: لا يطأها حتى يستبرئها ، وذكر العراقيُون: قولاً أن الوطء غير مُحرَّم وَلكنه مٌكروهٌ ، وَمن قال بالتحريم قال الطلاق ينجَّز على حالةٍ ليس يَبعُد كَونها في الحال، ومبنَى الأبضاع على التحريم والتشديد، ومن قال: لا يحرُم استندَ إلى أصل النكاح، كما إذا طار طائر وقال: إن كان هذا غراباً فامرأتي طالق، فإنه يحتملُ أن يكون غراباً ولا يحرم الوطء\rفي الحال \rالتفريع: إذا قضينا بالتحريم وجبَ الاستبراء، وبكم يستبرئهَا وجهان:\rأحدُهما: بعدَّة الحرائر؛ لأن هذه حُرَّةٌ فتستبرأ بثلاثة أقراء \rوالثاني: بقُرء واحد، إذ ليسَ هذه عدة، وإنما هو تبيَّن حالة فيضاهى استبراء المملُوكةِ، وعلى هذا يستبرئها بحيضة، كما في المملُوكة على الظاهر من المذهَب، وفي المملُوكة وجه بعيدٌ أنها تستبرأ بطُهر \rالتفريع: إذا استبرأها بقُرء أو أقراء ثم قال قبل الوطء مَرةً أخرى: إن كنتِ حاملاً فأنتِ طالق، فهل يحرم الوطء ثانياً فيه وجهان:\rأحَدُهما: أنه يحرُم، ولا حُكم لما مضى في هذا الطلاق، كما لا حُكم للعدَّة\rالماضية ","part":1,"page":106},{"id":1467,"text":"وَالثاني: أنه لا يحرم، وهو الأظهرُ؛ لأن هذه ليست عِدَّة، وإنما الغرض بيان حاله، وقد بانت مَرَّة \rوَيتفَرَّعُ على وجُوب  الاستبراء مسألتان :\rإحداهُمَا: أنه لو خاطبَ به من هي في سن الحيض وإمكان الحملِ ولم تحض فيستبرئها بشهر أو أشهر؛ لأن الأشهر في حقها كالحيض في حق الحائض \r(والثانية) : إذا خاطبَ به آيسَة فهذا يحتمل أن يستبرئها بالأشهر، ويحتمل أن يقع الاكتفاء بما بانَ من اليأس، وهذا يلاحِظ الاكتفاء بالاستبراء السابق \rالمسألة الثانية: أن يقول: إن كنت حائلاً فأنتِ طالق، فالطلاق هَاهنا منُوط بعدَم الحملِ، فحيث يقضى في الصورَة الأُولى بالوقوع يقضى هاهنا بنقيضه، وَحيثُ نترَدَّدُ ثمَّ نتردّد هَاهنَا على نقيضه، وَلا تطويل بالإعادة وَما فيه من دقيقة فرق فلا يخفى على المتأمل هذا في الاستدلال بالحمل ، (ويزيد)  في هذا الطرف أمران:\rأحَدُهما: يترتب  في تحريم الوطء على القولين في تلك المسألة ، وَهنا  أولى بالتحريم؛ لأن الأصل عدم الوطء، وهوَ الحيَالُ  ، وبهذا الترتيب يحصل في المسألتين ثلاثة أقوال ","part":1,"page":107},{"id":1468,"text":"وَالثاني: أن أمرَ  الاستبراء في تلكَ الصورة في حل الوطء وَهاهنا في إيقاع الطلاق؛ لأنه  يتبين به الحيال، وقد قطع أصحابنا بوقوع الطلاق تبيُّناً إذا مضى ثلاثة أقراء، وترددُوا في القُرء الواحدِ كما ذكرناهُ في رَفع التحريم ، وترددوا في تنجيز وقوع الطلاق إذا كان مضى الاستبراء بثلاثة أقراء على ما تقدم ، والمآخذ مُتقاربة، وَهذا أقربُ إلى الإشكال؛ فإنه وإن مضت ثلاثة أقراء فليس يستيقن الحيال، وَإنما ذلك ظنٌّ ونحنُ نطلبُ في الصفات التي تعلق بها اليقين؛ إذ لا فرق بين أن نقول إن قدم زيد أو  استيقنتُ قدوم زيد فأنتِ طالق، في أنه يُطلبُ اليقين، وهاهنا لو قال: إن استيقنت برأة الرحم فأنتِ طالق، لم تطلق بثلاثة أقراء، وَلو قال: إن برَّأت رحمك تطلق بثلاثة أقراء، ومسألة الحيال تحري على هذا الوجه أيضاً، قال الإمامُ: وقد وجدت لشيخي ما يدُل على اتباع المعنى الذي ذكرناه وهو التوقف إلى اليقين قطعاً لصفات التعليق عن أحكام العدَد ، ثم قال الأصحابُ: إذا حَكمنا بوقوع الطلاق لمضي  الإقراء الثلاثة فلو أتت بولد لدون ستة أشهر أو لزمان يلحق بالزوج فتبيَّن إن ما ظنناه من  الطلاق غير وَاقع ونتبع  ذلكَ بالنقض ، وإن كان وَطِئها بعدَ الطلاق، وطئاً يُمكن الإحالة عليه ففي نقض ما سبق وَجهان ، وَهذا مأخذه ما ذكرناه \rالمسألة الثالثة: متعلقة بتغايير الصيغ، وللتعليق بالحمل صيغ:\rإحداها: أن يقُول: إن كنت حاملاً بِذَكَرٍ فأنتِ طالق طلقة واحدة، وإن كنت حاملاً بأنثى فأنت طالق طلقتين، فإذا ولدت ذكراً مفرداً أو أنثى مفردة لم يَخْفَ حُكمه، فيقع ما علق وتنقضي العدَّة بالوضع ، وإن وضعت ذكرين أو أنثيين لم يختلف الحُكم، وَلم يزد الطلاق ، فإن  وضعت ذكراً وأنثى وقعت الثلاث، وحنثَ في اليمين وانقضت العدَّة بمجَرَّد الولادَة ","part":1,"page":108},{"id":1469,"text":"الثانية: أن يقُول: إن كان حَملُك ذكراً فأنت طالق طلقة، وإن كان أنثى فأنت طالق طلقتين فوضعت ذكراً وأنثى جميعاً لا يقع شيء؛ إذ اللفظ يقتضي الحَصرُ في جنس \rولو أتت بذكرين قال القاضي: يقع طلقة واحدة، وَكان قوله  ذكراً محمولاً على جنس الذكور ، وكان الشيخ أبو محمد يقول: لا يقع شيء؛ لأن التنكيرَ في هذا المقام يقتضي الاتحادَ فمعناه إن كان حملكِ ذكراً واحداً ، ولو قال: إن كان مَا في بطنك ذكراً فهو كقوله: إن كان حملك ذكراً ، وَلو  قال: إن كان في بَطنك ذكراً فهذا  كقوله: إن كنت حاملاً بذكر فلا يقتضي الحَصر حتى إذا أتت بالذكر والأنثى جميعاً طلقت ثلاثاً  كما في الصورة التي ذكرناها \rالثالثةُ: أن يقُول: إن كان مما في بطنك ذكراً فهذا لا يقتضي الجنس الوَاحد؛ لأن من للتبعيض وَلكن لو أتت بذكر واحد قال الأصحاب: (هو كما إذا)  علق به، وهذا فيه نظر، والوجهُ أن لا يقع شيء إذا كان الولد وَاحداً؛ لأن ممَّا مُركب مِنْ مِنْ وَمَا فيقتضي التبعيض، فهوَ معلقٌ بالذكر إن كان بعضاً من الحمل، وَهذا ليس بعضاً من الحمل، نعم لو أتت بذكرين أو أنثيين حنث؛ لتحقق التبعيض \rالفصل الرابعُ: في التعليق بالولادة\rوَفيه مسائل:\rأحدها: أن يقُول: إن ولدت ولداً فأنتِ طالق، فولدت ولدين نُظِر فإن كانا ولدي بَطن واحد، فإن  كان بينهما أقل من ستة أشهر تطلق بالأول، وتنقضي العدة\rبالثاني ، وإن كانا ولدي بَطنين تطلُقُ  بالأول وانقضاء العدة\rبالثاني  يبتَني على اللحوق فإن أتت به لأقل من أربع سنين من وقت الطلاق لحقهُ النسب، وانقضت العدة، وإن كان لأقل من أربع سنين من وقت الولادة لا من وقت الطلاق [فهو مبني على المدة تعتبر من وقت الطلاق]  أو من وَقت العدة ، ففيه كلام وحقيقته رَاجعٌ  إلى أن ما أمكن العلوق به في العدّة معَ القطع أنه غير مُمكن في النكاح هل يلحق ","part":1,"page":109},{"id":1470,"text":"الثانية: إذا قال: كلما وَلدت فأنتِ طالق، فولدت وَلداً طلقت، وَشرعت في العدة، فولدت ثانياً من ذلك البطن تنقضي العدة، ولا يلحقها الطلاق؛ لأن البينونةَ تحصل بالولادَة فيُصادف الطلاق حالة البينونة ، وقال الشافعي في الإملاء تلحقها الثانية \rقال أصحابنا: أصل هذا القول [أن]  الرجعية إذا طلقت استأنفت العدَّة أو بنت، وَهذا توجيهٌ لا ينقدح وَالمقطوع به هُوَ  القولُ الجديد، وَتكلَف القفال توجيهَهُ فقال: يقع الطلاق على منقطع النكاح والبينونة لا في البينونة وَلا في النكاح، وَبنى عليه طرد القولين فيما إذا قال للرجعيَّة: أنتِ طالق مع انقضاء العدة، وَشبَّه هذا بمال إذا قال: أنتِ طالق بين الليل والنهار، وزعمَ أنه يقعُ في وقت لا من الليل ولا من النهار، وَهذا غلط؛ فإنه يقعُ في آخر جُزءٍ من النهار، وَالطلاق لابدّ له [من]  ظرف ولا فاصل بين النكاح وَالبينونة، ولا بين الليل وَالنهار، فهذا  خبط لا وجهَ له فليحمل نصَّ الشافعي على ما إذا تخلل رَجعة أو ليقدَّر مرجوعاً عنه \rالثالثة: أن يقول: إن وَلدت ذكراً فأنت طالق وَاحدة، وإن ولدت أنثى فطالق اثنين، فله خمسَةُ أحَوال:\rأحدها: إن تلد ذكراً ثم أنثى تطلق بالذكر واحداً ، وَهل تطلق بالأنثى فعلى قولين ، والجديد أنه لا يلحق \rولو  وَلدت أنثى ثم ذكراً طلقت طلقتين بالأنثى، وَفي لحوق الثالثة قولان \rولو ولدت ذكرين ثم أنثى لم تطلق بالذكرين إلا طلقة واحدة، وفي اللحوق بالأنثى القولان ، ولو ولدت خنثى طلقت واحدة؛ لأنه المستيقن، ثم يتوقف في الثالثة \rالرابعة: إذا قال: إن ودلت ولداً فأنتِ طالق وَاحدة، وإن ولدت غلاماً  بطلقتين ، فوَلدت غلاماً طلقت ثلاثاً لوُجُود الصفتين ","part":1,"page":110},{"id":1471,"text":"الخامسة: إذ قال: إن ولدت  ذكراً فأنت طالق طلقة، وَإن كنت حاملاً بأنثى فأنت طالق طلقتين فولدت ذكراً حكمنا بوقوع واحدة، وإذا  ولدت أنثى على الاتصال يتبيَّن  وقوع طلقتين حالة التعليق، وَالثالثة صادفتها عند ولادة تنقضي بها العدة، فيخرج على القولين ، ولو ولدت أوَّلاً أُنثى طلقت طلقتين تَبَيُّناً وَلكن العدة لا تنقضي ويعدّ الرحم مشغول، فإذا ولدت ذكراً على الاتصال ففي وقوع الطلقَة (الثالثة)  قولان \rالسادسةُ: إذا قال: كلما ولدت واحدة منكن فصواحباتها طوالق، فوَلدت واحدة طَلقن اللاتي لم يلدن واحدة واحدة فإذا ولدت ثانية طلقت التي ولدت أولاً طلقة واللاتي لم يلدن طلقتين طلقتين إذا كانتا في بقية العدة، وانقضت عَدّة الثانية، فإذا ولدت الثالثة انقضت عدتها، وطلقت الرابعة التي لم تلد ثلاثاً والتي ولدت أوّلاً طلقتين، فإذا ولدت الرابعة انقضت عدتها [بها] ، وَطلقت الأولى ثلاثاً فإذا قد طلقت الأولى وَالرابعة ثلاثاً ثلاثاً، وَالثانية وَاحدة، وَالثالثة ثنتين، وكذلكَ قياس ما سوَاه مما إذا قال كلما ولدت واحدة منكن فأنتن طوالق  فلا نطوِّل بالفصل ، وَهو يَظهر بأدنى تأمل\rالسابعة: إذا قال (وَفي نكاحه)  عمرة وَحفصة: كلما ولدت واحد منكما فأنتما طالقان ، فولدت كل واحدة ولدين فإن ولدت عَمرة أوَّلاً طلقت هي وطلقت حفصة، فإذا ولدت حفصة طلقت عمرة طلقة ثانية، وَطلقت حفصة أيضاً؛ لأن المسألة مفروضة فيما إذا كان رحمها يعدّ مشغُولاً بوَلد آخر، فإذا ولدت عمرَة الثانية طلقت حفصَة الثالثة؛ لأن عدتها موقوفة على الولد الثاني ، وهل تطلق عمرة وقد انقضت عدتها بهذا الولد فإنه آخر البراءة فعلى القولين ، وعلى الجملة هذه التصديرات لا ضبط لها فنُنبِّه في كل باب على جنس النظر، ونتعَدَّى إلى غيره\rالفَصل الخامس: في التعليق بالحيض","part":1,"page":111},{"id":1472,"text":"فلو قال: إن حضت  حيضة فأنتِ طالق (فلا تطلق)  إلا بانقضاء حيضة كاملة \rولو قال: إن حضت فأنتِ طالق، تطلق بانقضاء يوم وليلة من الحيض تبيُّناً إذ به يتبيّن أنه ليسَ بدم فساد ، وذكر الشيخ أبو على وَجهاً أنها  تطلقُ بأوَّل جُزءٍ، وَهو الذي ذكره الفوراني  ثم إذا قلنا: لا يتحقق وقوعاً إلا بيوم وَليلة ففي جواز الاستمتاع  مَا ذكرناه في التعليق بالحملِ قبل التَبيُّن \rولو قال: إن حضت وَهي في أثناء الحيض لم تطلق إلا بحيضه مستأنفة لأن الشرط يستدعى استئنافاً في المستقبل، وَكذلك لو قالت في وقت أدرَاك الثمار، إذا أدرَكت الثمار يتعلق بالإدراك في السنة الثانية \rولو قالت المرأة: حضت فالقول قولها معَ يمينها، وَهي مصدَّقة في حقها؛ إذ لا اطلاعَ على الحيض إلا من جهتها، فإن  أمكن رؤية الدم من غيرها فلا يتبيّن ذلك إلا بأدوَار معلومة هي مختَصَّة  بمعرفتها \rولو علق على الدُخول فإذا ادعت الدخول من نفسها فعليها البينة ، وَإن علق\rبالزنا  فكذلكَ على المذهب الظاهر، وفيه وجه، وكذلك في كل عمل خَفيٍّ حَكاهُ الشيخ أبو محمد ، وتأيدَّت حَكايته بوجهين ذكرهما الشيخ  أبو علي في أنها هل تصدّق في الولادة إذا أخبرت \rولو قال: إن أضمرت بغضي، فقالَت: أضمرت، فالقول قولها، فإنه يتعلق بالقصُود والنيات، وَهذا الأصل جارٍ في جنس الضمائر \rوَأمَّا المُوَدَع فإنه إذا ادعى شيئاً في خلال الوديعة فهو مُصدّق سواء كان خفياً أو جلياً ، ومالكٌ (رحمه الله)  فرق بينهما ، والوَجه الذي حَكيناه يُلائمُ مذهبَه، والفرق على المذهب أن المُودِع إئتمنه، وكأنه  التزمَ تصديقه في كل ما يأتي به بخلاف ما نحن فيه ","part":1,"page":112},{"id":1473,"text":"ولو قال: إن حضت فضرّتُك طالق، فلا تُصَدّق في تطليق ضرّتها، وَهذا يَكاد يخرمُ ما ذكرناه من عُسر الاطلاع إلا من جهتها وَلكنا لا نصدقها إلا بيمين، فالتحليف  هَاهنا متعذر؛ إذ لا ارتباط للواقعَة بها فتحليفها لا وجهَ له، فهذا وَجهُ الجواب ، ويزيدُ الإشكال بأن يقُول: إن حضت فأنت وَضرتك طالقتان، فإذا قالت: حضتُ وَحلفت طلقت، وَلم تطلق ضرتها، وَقد جَرى الحلفُ، وَالسبب أن يمينها لا عمل لها في حق غيرها فيمين كل حَالف تختَصّ ثمرَتهُ  به، وَكذلك أحدُ الشريكين إذا أقام  شَاهداً وَحلفَ لم يثبت من الدين إلا حصته، وَلو أقامَ شاهدَين ثبتَ الكل، وَذكر صاحب التقريب وَجهاً: أن الحيض إذا ثبت بيمينها في حقها في الصورَة الأخيرة طلقت ضرتها ، ولا خلاف في أنه لو علق بحيض أجنبية فلا مدخل ليمين الأجنبية؛ إذ ابتداء تحليفها   لا وَجهَ له بخلاف ما نحن فيه \rولو قال: إن حضتما فأنتما طالقان، فلا يطلقان إلا بأن تحيضاً جميعاً، فلو ادعتا وصدق  الزوج إحداهما وكذّبَ الأخرى طلقت المُكذبة؛ لأنه اجتمعَ في حقها قولها في حيض نفسها، وثبت حيض ضرتها في حقها بتصديق زوجها، ولا تطلق المصدقة؛ لأن حيضها إن ثبتَ في حقها فلم يثبت حيض ضرتها بمجرد قولها، أعني قول  الضرة في حقها \rولو قال: إن حضتما حيضة فأنتما طالقان ، ففيه وَجهان:\rأحدهما: أنهما لا تطلقان وإن حاضتا ؛ لأن هذا يتضمّن حيضةً وَاحدة، وَالحيضة الواحدة (مستحيلة منهما)  ","part":1,"page":113},{"id":1474,"text":"والثاني: أنه يقع؛ إذ يتجه تنزيله على حيضة في حق كل وَاحدة منهما ، وَهذا أيضاً من أصُول الباب فمهمَا دار لفظ بين الإمكان والاستحالة، فمنهم من يحمل على الاستحالة، ولا يبعد ذلكَ حتى يمتنع الطلاق، ومنهم من يحمل على المُمكن؛ لأن إرادَة المحال في حُكم الهزل، وهزل الطلاق جد، والتصحيح مُمكن ، وعلى هذا يخرج التردُّد فيما  إذا قال لزوجته وَأجنبيته: إحداكما طالق، ثم فسَّر  بالأجنبية ، ولو قال لأربع: إن حضتُنَّ فأنتُنَّ طوالق، فقلن: حضنا، فإن صدقهن طلقن، وإن كذبهُنَّ لم يَطلقن، وإن صدَّق ثلاثاً طلقت المُكذَّبة؛ لما  بيناهُ دون المصدقات، وإن لم يصدق إلا اثنتين لم تطلق واحدة ؛ لأن حيض كل واحدة من المكذبتين غير ثابت في حق صاحبتها \rولو قال: أيتكُنّ حاضت فصَواحباتُها طوالق، فقلن: حضن، فصدقهن طلقت كل واحدة ثلاثاً؛ لأن لكل وَاحدة ثلاث صَواحب، وَإن صدق وَاحدة طلقت كل واحدة من صَواحباتها طلقة طلقة بلا مزيد، وَإن صدق اثنتين طلقت كَل وَاحدة من المصدقتين طلقة طلقة بلا مزيد؛ إذ ليسَ لها إلا صاحبةٌ وَاحدة مصدقة، وَطلاقها ما نيط بحيضها في نفسها، وطلقت كل واحدة من المكذبين  طلقتين طلقتين؛ لأن لكل وَاحدة (صاحبتين مصدقتين) ","part":1,"page":114},{"id":1475,"text":"فإن قيل: إذا قال: إن حضت فصاحبتك طالق، فقالت: حضتُ، فصدَّقها فما مستند تصديقها ولا مرجع لها  إلا قولها، وهي ليست معصُومة من الكذب، وَلا هيَ شاهدةٌ يجوز قبول شهادتها، وليس هذا إقراراً  من الزوج مُطلقاً حتى يُؤاخذ به، بل قال: صدقت وَلو قال: لستُ أدري  أصادقة أم  كاذبة فلا يقع الطلاق، وَهذا التردد لا يزايله قط، وإن قالَ صدقت فليكُن كما لو صَرَّح بالمستند، وَهذا كما أن الشافعي حَكم بقبُول إقرار السَيِّد بوطء أمته في إلحاق النسب؛ لأنه مستند علمه وكان  كما لو صَرح بالاستلحاق، وَهذا فيه إشكال، وقد حكى بعض أكابر العراقيين  عن القاضي أبي الطيب أنه حَكى عن الشيخ أبي محمد تردُّداً في الحُكم بوقوع الطلاق إذا لم يكن للتحليف وَجه، فأمَّا إذا أحلفت  في واقعة ترتبط بها فيُحكم بوقوع الطلاق، هذا ما حُكي، وجمهور الأصحاب على خلافه، وسبيل الجوَاب أنا نجوزُ للمرأة أن تحلف على نيّة الرجل، (وَهي خفِيّةٌ في نفسها) ، ولكن ربما يستندُ إلى قرينة فجاز إسناد الحلف إليه، وَهوَ حجة فالإقرارُ حجة فلا يُعد في إسنادها إلى مثل تلكَ المخائل \rالفصل السَّادس: في التعليق بالمشيَّة\rفإن  علق بمشيَّتها بمخاطبة ، وقال: أنتِ طالق إن شاءت، فشأت على الاتصال طلقت، ولو أخَّرت لم تطلق، فلابد من المشيئة في المجلس والقرينة في هذا المقام مُتَّبعة وَكأَنَّ الزوج يلتمسُ جوابهَا، والجوابُ (لابُدّ من)  أن يكون متصلاً \rولو قال: هي طالق إن شاء زيد، فلا تختصُّ مشيئةُ زيد بالمجلس؛ لأنه تعليق محض ليسَ فيه تمليك وَلا مخاطبة تقتضي جَواباً \rولو قال لزيد: إن شئتَ -مخاطباً إيّاهُ- فزوجتي طالق، فوجهان :\rأحدهما: التعجيل؛ لأنه التماسُ جَواب \rوَالثاني: [أنه]  لا يشترط التعجيل؛ لأن المرأة في حُكم المُمَلَّكة بالتفويض إلى","part":1,"page":115},{"id":1476,"text":"مشيئتها فافتقِر إلى الجواب لذلك ، وَهذا الخلاف يُبَيِّن مأَخذ التعجيل في المسألة\rولو قال: إن شاءت امرأتي فهي طالق، تردد القاضي فيه؛ لتحقق معنى التمليك دون المخاطبة ، قال الإمامُ: إن كانت غائبة فهذا التوقف في البدار عند بلوغ الخبر إليها، وإن  كانت حاضرةً فالتردُد في البدار في الحال \rولو قال: أنت طالق إن شئت وَشاء أبوك اختص (مشيئتها)  بالمجلس ، وَهل يختص مشيئة الأب للاقتران بمشيئتها حَكمَ القاضي (بأنها تختص)  بالمجلس للاقتران، وروجع فيه فاصَرَّ عليه، وَيحتمل أن يقرَّر كل مشيئة على أصلها هَكذا قاله الإمام ، كما إذا قال:  أنتِ طالق إن شئت ودَخلت الدار؛ إذ الدخول لا يختَصُّ (بالمجلس بسبب الاقتران)  \rولو قال: أنتِ طالق إن شئت، فقالت: شئتُ إن شئتَ، فقال الزوج: شئتُ، لا يقع الطلاق؛ لأن المشيئة لا يتصَوَّر تعليقها \rولو  قال: أنتِ طالق ثلاثاً إلا أن يشاء أبوك واحدة، فشاء الأبُ وَاحدة لم يقع شيء على المذهب الظاهر كما إذا قال: أنتِ طالق إلا أن يدخل أبُوك الدار، فدَخل الدار، وذهبَ بعض أصحابنا إلى أنه يقعُ واحدة وَالتقديرُ عنده: أنتِ طالق  إلا أن يشاء أبُوك وَاحدة، فواحدة مُقدَّرة  استثناء عن العدَدِ، وَالنَّظرُ فيه إذا أطلق اللفظ، فإن أرادَ أحدَ التأويلين فلاشك في قبوله على المذهب المشهور؛ لأن فيه مزيد إيقاع، وعلى المذهبَ الثاني إذا فَسّر بالأوَّل فهل يقبل ظاهراً [فيه]  وجهان، أظهرهما التصديق؛ لظهور المُراد \rولو قال: أنتِ طالق إن شئت فقالت: شئتُ وهي كارهة بالقلب وقع الطلاق ظاهراً، وَهل يقع باطناً تناظرَ القفالُ وَأبُو يعقُوب في هذه المسألة، فقال أبو يعقوب : لا يقع باطناً كما إذا علق بالحيض فكَذَبَتْ في الإخبار، وقال القفال: يقعُ باطناً؛","part":1,"page":116},{"id":1477,"text":"لأنه علق  بوُجود لفظ المشيئّة، وقد وُجدت  بدَليل أنه لو علق بمشيئة زيد فقال: شئتُ وقعَ وصُدِّق، ولو كان منوطاً بالباطن، لكان لا يُصَدَّق في حقه كما لا تُصَدَّق إحدى المرأتين في حق ضرتها إذا قالت: حضتُ وإن صُدِّقت في حق نفسها ، ومال القاضي إلى مذهب الأبيوردي ، [وهذا النظر يُنَجَّز إلى أنها لو أرادت بالقلب وَلم تذكر باللسان هل يقعُ ظنّاً فعلى مذهبَ القفال يقطعُ أنه لا يقع وَعلى مذهب الأبيوردي]  يحتمل تردداً \rوإن علق لمشيئة  زيد، وَقال: شئت يتَّجه  أيضاً تردد في الباطن إذا كان كارهاً، وإن وُجدت الإرادَة باطناً دونَ اللفظ فتقديرُ وقوع الطلاق أبعد \rولو قال للصبيَّة [أنتِ طالق]  إن شئتِ، فقالت: شئتُ، (فوجهان، مأخذهما أن)  هذا تمليك أم تعليق بوُجُود (الصفة ويُمكن)  أخذه من التردد الذي ذكرناه  فلو نيط باللفظ فيظهر  التسويةُ بين الصبيَّة والبالغة ، ولو قال للمجنُونَة: أنت طالق إن شئتِ، فقالت: شئتُ، لا يقع؛ لأنا وإن جردنا النظر إلى اللفظ فلابد من صدوره  ممن يتصور منه الإعراب عما في الضمير عن قصد صحيح \rولو قال ذلكَ  للسَكران فيخرج على أن السَكران كالمجنون أو\rكالصَاحي \rوَلو قال للصبيَّة: أنتِ طالق على ألف، فقالت: قبلتُ، المذهَب أنه لا يقع بخلاف المجحُور عليها بالسَّفة فإنّها صحيحةُ العبارَة في المعاملات المالية دون الصبية، وقال القاضي: إذا تصور إيقاع الطلاق بمجَرَّد اللفظ دون المال فليسَ يَبعُد إلحاق الصبيَّة بالسفيهة، وَهذا ضعيف، وَالأوَّلُ أولى \rولو قال: أنتِ طالق إن شئت، وَرجعَ لم يصحّ، وإن كنا نُقَدّر فيه تمليكاً؛ لأن الصيغَة صيغةُ التعليق فهوَ كما لو قال: إن أعطيتني ألفاً فلا يجُوزُ الرجوع عنه \rولو قال: طلقي نفسكِ إن شئت، فهذا تفويض وتعليق، والرجُوع  عن التفويض","part":1,"page":117},{"id":1478,"text":"جائز، وَعن التعليق غيرُ جائز، فقد ازدَحم معنيان فما حُكمه  قد ذكرناه  هذا من قبل فلا نعُودُ إليه \rالفصل السابع: في التعليق في مسائل الدَّور\rفإذا قال لزوجته: إن طلقتُك فأنتِ طالق قَبْله ثلاثاً ثم طلَّق ، قال ابن  الحداد: لا يقع؛ إذ لو وَقع لوقع ما قَبْله، ولانعكس على الصفة (ويبين)  أنه غير واقع ، وقال أبو زيد: يقع، ثم المُعَلَّق ينتفي للعُسر ، وَهذا مذهبُ أبي حنيفة، وقد احتج له محمد بن الحسن بأن الشرط لا يترتب على الجزاء، بل الجزاء يترتبُ على الشرط، (والشرط محقق فما)  كان من عُسر فينزل على الجزاء لا على الشرط \rولو قال: إن طلقتُك فأنتِ طالق قبله طلقتين وَقع الثلاث، ولا دور إذا كانت (مدخولاً)  بها ، ولو قال: إن طلقتك طلقة أملكُ (بها الرجعةَ)  فأنت طالق قبلها  طلقتين فدَورٌ، وذكر الشيخ أبو علي وَجها في إبطال الدَورِ (وأنه تقع)  الثلاث، وأبو زيد لا يُوقع إلا المنَجَّز ، ثم اختلفوا في وجهه، فمنهم  من قال: تقع  الثلاث بالمعلقة ، وكأنه قال: مهما تلفظت بطلقة  فأنتِ طالق قبلها، وهذا ردئ، وقال قائلون: تقع الواحدة التي أنشأها واثنتان  من المعلقات الثلاث؛ لأن العُسَر في الثالثة لا في الثنتين ، فانتظم في قوله: إن طلقتُك فأنت طالق [قبله] \r\rثلاثاً، ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه لا يقع شيء \rوالثاني : وقوع المنجز وهو (واحد)  \rوَالثالث: وقوع الثلاث ، ثم في طريقهِ مسلكان ، والمذهب الثالث لا يفيدُ [في]  غير المدخُول بها  إلا على مسلك إسقاط المنجَّز وحمل التطليق  على التلفظ بالطلاق ","part":1,"page":118},{"id":1479,"text":"ومن صُوَرِ الدور أن يقول أحدُ الشريكين في العبد وَهما موسران: مهما أعتقتُ نصيبك فنصيبي قبله حُرٌّ، فإذا أعتق لم ينفذ على (مذهب ابن)  الحداد ، وكذلكَ إذا قال: إن وَطئتُكِ وطئاً مُباحاً فأنتِ طالق قبلهُ فهذا  من الدور فإذا وطئ فلا يقع، وَأبو زيد يوافق [في]  هذا، فإن هذا لا يحسم (بابَ الطلاق)  المنجَّز، وَالمستبعد عندَه الحسم \rوكذلكَ إذا قال: إن آليتُ عنك أو ظاهَرتُ عنك فأنتِ طالق قبله ثلاثاً، فعند ابن  الحدّاد لا يصحُ الظهار، وَعندَ أبي زيد يصحُ؛ إذ لا سبيل إلى حسم باب تصرُفٍ من التصرفات، ثم المعلق لا يقع [ولذلك إذا قال للرجعية: إن راجعتك فأنتِ طالق قبلها ثلاثاً فلا تصح الرجعة عند ابن الحداد، وتصح عند أبي زيد كيلا ينحسم\rالتصرف]  \rوكذلك إذا قال: وله امرأةٌ وعبدٌ للعبد مهما دخلت الدار (وَأنت عبدٌ)  فزوجتي طالق [قبله]  ثلاثاً، وقال للمرأة: إن دَخلت  وأنت زوجتي فالعبدُ حرٌّ قبله فدَخلا معاً لم يحصُل وَاحدٌ من الحرية وَالطلاق، وَأبو زيد لا يخالفُ في المسألة؛ فإنه لا يحسُم بابَ التصرفات  \rولو قال: إن طلقتك طلقة أملكُ الرجعة بها فأنتِ طالق ثلاثاً ولم يقل قبله، قال  الشيخ أبو علي: حُكِي  عن ابن  سُريج أن المسألة دورٌ فلا يقع منجَّزٌ ولا معلق، ثم قال الشيخ: هذا خطأ من الناقل فلا يُظن به ذلكَ؛ إذ الواحدة  يستعقِبُ الرجعة، والثلاثُ يترتبُ عليها فتُوجَد الصفةُ والموصُوف \rولكن لو قال: إن طلقتك طلقة أملِكُ بهَا الرجعة فأنتِ طالق معها ثلاثاً، فإذا طلقها فيجوز أن تخرج المسألة على وجهين:\rأحدهما: أنه لا يقع؛ لأن الاقتران يمنعُ الرجعةَ \rوالثاني: أنه يقع على الترتيب، وَإن قيد بالجمع للتراخي في اللفظِ،\rوَهو كالاختلاف فيما إذا قال لغير المدخول بها: أنتِ طالق طلقة معها طلقة في أنه","part":1,"page":119},{"id":1480,"text":"يقع واحدة أم (اثنتان)  ، قال الإمام: وما حُكي عن ابن  سُريج فله وَجه،\rإذ ما من حال يقَدّر فيه الرجعةَ  إلا والطلقاتُ الثلاث تصادفها  فلا\rيتصَوّر الرجعة  \rالفصل الثامن: في التعليق بالحلف بالطلاق\rإذا كانت له امرأتان فقال: إن حلفتُ بطلاقكما فعمرة طالق، وأعاد ذلك ثانياً وثالثاً لم يقع طلاق ؛ لأنه علق بالحلف [لا]  بطلاقهما، وما ذكره حلف بطلاق عمرة لا  بطلاقهما \rولو قال: أوَّلاً إن حلفتُ بطلاقكما فعمرةُ طالق، ثم قال: إن حلفت بطلاقكما فزينبُ طالق لا تطلق وَاحدة بمجَرَّد هذا، إذ  حلف بطلاق زينب (لا بطلاقهما) ، فلو أعاد ذلكَ في حق زينب مراراً  لم تطلق أيضاً \rفلو قال بعدَ ذلك: إن حلفتُ بطلاقكُمَا فعمرَةُ طالقٌ، فعند هذا يجمعُ  الحلف بطلاقهما فتطلق عمرَة الآن \rفلو  قال: إيماً امرأة لم أحلف بطلاقها [منكما]  فصاحبتها طالق، قال: صاحبُ التلخيص إذا سَكتَ ساعةً أمكن فيهَا الحلف فلم يحلف طلقتا ، فلو أعادَ على الاتصال هذه الصيغة لم يقع الطلاق وَبَرَّ في اليمين الأولى، ولكن انعقدت يمينٌ ، والمسألة واضحةٌ، والإشكال فيه (أن أوجبَ)  البرَّ على الفور، وَالقياسُ يقتضي أن يُقَال: مَا لم يحصل باليأس  بالموت لا يقع، قال الشيخ أبو علي: عَرضتُ هذه المسألة على القفال، وعلى كل من شرح التلخيص فصَوَّبوهُ، قال الإمامُ: والرأي عندي أن هذا ليسَ على الفور بخلاف إذا، وَأيِّ وقت، فإن ذلك  ظرف زمان، وكذلك متَى، وأمَّا أَيُّما فلا ينبئ عن زمان، فإن قيل: نصُّ الأصحابُ على أنه لو قال كلما لم أطلقك فأنتِ طالق، فهذا على الفور","part":1,"page":120},{"id":1481,"text":"قلنا: نعم؛ لأن ما في قوله: كلما زمان، ومعنى كل وقت، وقوله أيَّما امرأة معناهُ: أي امرأة فلا يناسبُ الزمان ، ولو قال: أنتِ طالق مَا لم أطلقك فهذا على الفور أيضاً فإن ما في هذه المنزلة  بمثَابَة إذا، وَهوَ ظرف زمان  ، ولو قال: إن حلفتُ بطلاقك فأنتِ طالق، ثم قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، طلقت بهذا التعليق طلقة في الحال؛ لأنه حلف بطلاقها ، ولو قال: إذا طلعت الشمس فأنتِ طالق، قال ابن  سُريج: لا تطلق؛ وَاعتَل بأن اليمين ما يتصَوَّر فيه منع واستحثاث، ووَافقه الأصحاب ، ولو قال: إذا دخلت الدار، فأنت طالق فوجهان  ؛ لأن كلمة إذا في حُكم التأقيت، وطردوا هذا الخلاف في قوله: إن طلعت الشمس، والأَوجه في هذا المحل اتباع المعنى دون الصيغة \rهذا تمام النظر في التعليقات التي يطول الكلام فيها، واستتمام الكتاب بذكر فروع مفرَّقة  نذكرها إرسالاً؛ فإنها لا تندَرج تحت رابطة واحدة، وهي أربعُون\rالأوّل: إذا قال لزوجتهِ  إن بَدأتُك بالكلام فأنتِ طالق، وقالت : إن بدَأتُكَ بالكلام فعبدي حُرٌّ، ثم كلمها، ثم كلمته، لم تطلق الزوجة، ولا عتقَ العبد؛ إذ كل واحد بعد يمينه ما بدأ بالكلام؛ فإنها بدأته بالكلام إذ قالت: إن بَدَأتُكَ بالكلام فعبدي حُرّ، ثم  كلمها الزوج أوّلاً بعد يمينها فقد بدأها بالكلام بعد يمينها، فلم يتَصَوّر بعدَهُ حنثٌ في حقها ، ولو قال لأجنبيٍّ: إن بدأتكَ بالكلام فعبدي حُرٌّ، وقال الأجنبيُّ: إن بدأتُك بالسلام فعبدي حُرٌّ، ثم سلما معاً لم يعتق عبد واحد؛ لأنه لا بدَاية عند التَجَاري ","part":1,"page":121},{"id":1482,"text":"الثاني: إذا قال: إن أكلتِ رُمانة فأنت طالق، وَإن أكلت نصف رُمانة فأنتِ طالق، فأكلت رُمانةٍ  طلقت ثنتين؛ فإنها أكلت رُمانة وَأكلت أيضاً نصف رُمانة، فإن في (الواحدة)  نصفاً، ولو قال بدل إنّ كلما طَلُقَتْ ثلاثاً؛ لأن في (الرمانة الواحدة)  نصفي رُمَانة فيحنث في يميني النصف مرتين، وَفي يمين الواحدة مَرّة واحدة \rالثالث: إذا قال وَله زوجتان: أيتكن بشّرتني بقدُوم زيد فهي طالق، فبشرَّهُ أجنبيٌّ، ثم (بشَّرتاه)  لم تطلقُتا؛ لأن البشارة تتناوَل الأول ، وإن بشرتا معاً طلقتا، وإن بشرتا على الترتيب طلقت الأولى، وإن كانت المبشرة كاذبة في البشارَة لم [تطلق، إذ]  لا بشارةٍ ، ولو قال: إن أخبرتماني بقدُوم زيد طلقُتا إذا أخبرتا صادقتين\r[و]  كاذبتين معاً أو ترتيباً؛ لأن الترتيب لا ينافي الإخبار، ولا الكذب ينافيه، فإن الإخبار ينقسم إلى صدق وكذب \rولو قال: إن أخبرتماني بأن زيداً قدم فليس يلوح فرقٌ بينهُ وبين قولهِ: إن أخبرتماني بقدُوم زيد، وقد فرق الفوراني، وقال: إذا علق (بالإخبار)  بالقدُوم لم يقع إذا كان كاذباً فإن قال: إن أخبرتني بأن زيداً قدم يقع وإن كان كاذباً، وَكأنّهُ تخيل أن معناهُ إن قلت إن زيداً قدم ، وَهذا غامضٌ لم أرَهُ لغيره فقد تحصلنا من نقله على وَجهين في قوله: إن أخبرتني  [بالقدوم وعلى القطع في قوله إن أخبرتني]  بأن زيداً قدم","part":1,"page":122},{"id":1483,"text":"الرابع: لابن الحداد إذا كان له امرأتان زينبُ وَعمرة، فقال: يا عمرة، فأجابت زينب، فقال: أنت طالق، فنَستفصله فإن قال : علمتُ المجيبة، وَقصدتُ تطليقها لا تطليق المنادَى بها، حُكم بما قال  ، فإن قال: قصدتُ تطليق التي ناديتُ بها طلقت عمرة ظاهراً وباطناً؛ لأنه أقر بأنه قصدَها، وَطلقت زينب ظاهراً؛ فإنه خاطبها ظاهراً فلا يقبل ما قالهُ في دَرءِ الطلاق المُصَرَّح به في صيغة الخطاب ، وهذا فيه مزيدُ نظر؛ فإن استرسَل في الكلام استرسال من لا يذكر  جَواباً لم تُطلق إلا عمرة ظاهراً وباطناً، وَذلك يدرك بالنغمة  والتقطيعات ، فأمّا إذا قال: حسبتُ أن المجيبة عمرة، قال ابن  الحداد: لا  تطلق عمرَة؛ لأنه اقتصر في حقها على النداء، وَخاطبَ بالطلاق غيرَها فهو  كما إذا قال لامرَأته: أنتِ طالق، ثم قال: ظننتُ أنها زينب وهي عمرة يقع الطلاق على المخاطبة لا على المظنونة، هذا قولنا في عمرة التي نوديت وَما خُوطبت بطلاق ، أمَّا زينب المخاطبة بالطلاق ذكر ابنُ  الحداد فيه وَجهين:\rأحدهما: أنه تطلق وهوَ الظاهر؛ إذ سببه  قَطَعْنا الطلاق عن عمرة، وذكر وَجها آخر أنها لا تطلق أيضاً ، ولو قال: المخاطبة تطلق ظاهراً، والتي ناداها هل تطلق على وجهين لكان له وَجهٌ أيضاً \rالخامسُ: إذا قال: أنتِ طالق إن دَخلت الدار لا بل هذه، وَأشارَ إلى الثانية، أمَّا تعليق الأولى فلا سبيل إلى الرجوع عنهُ بقوله لا بل وَلكن الثانية أيضاً تطلق إذا دخلت الأولى الدار، وتقديره: أنتِ طالق إن دخلت الدار بل هذه طالق دونك، فلا يصح رُجوعه عن الأول، وَيصح التعليق ثانياً ","part":1,"page":123},{"id":1484,"text":"ولو قال: أردت بقولي هذه أي  هذه إذا دَخلت بنفسها تطلق، فهل يقبل ظاهراً فعلى وجهين، (وسببه)  انقدَاح الاحتمال مع أنه غير ظاهر، واختيار القفال أنه لا يقبل؛ لأن هذه كناية في الحلف، والكناية تقبل في التطليق لا في الحلف بالطلاق، وتمسك بأنه لو علق [طلاق]  واحدة بالدخُول ثم قال للثانية: أنتِ شريكتها، فإن فسّر بالطلاق منجّزاً عليها عند دُخول تيك قُبِل، وَإن أرادَ الشركة في التعليق لطلاقها بدُخُولها في نفسها لم يقبل، وَهذا مما لم  يسلم (للقفال)  دَعوَى الوفاق فيه، فليخرج على الخلاف؛ لأن التعليق للطلاق قريبٌ من الطلاق، فلا (يبعد)  إن يثبت بالكناية ، نعم لو حَلف باللهِ على أن لا يأكل طعاماً، ثم قال: أشركتُ هذا الطعام مع ذلك في اليمين لم تنعقد وإن  نوى اليمين؛ لأن اليمين منُوط  بذكر اسم الله، ولم يجر ذكر اسم الله  ثم إذا لم يقبل قولها  في مسألة استشهاد القفّال ألغينا لفظه، وَإن لم يقبل قوله في المسألة التي نحنُ فيها فلا نلغي قوله بل يقعُ الطلاق بدخول الأولى؛ لأن ما ذكره صريح في إدخالها في اليمين فلابد [له]  من وَجه ","part":1,"page":124},{"id":1485,"text":"السَّادس: إذا قال لزينب أوّلاً: إن طلَّقتُك فعمرَة طالق، ثم قال لعمرَة إن طلَّقتُك فزينب طالق، فإذا طلَّق عمرة ابتداءً طلقت زينب طلقة واحدة، وطلقت عمرة طلقتين إحداهما بالتنجيز والثانية بتطليقه زينب؛ لأنه طلقها بالتعليق، والتعليق مع الصفة إذا تراخياً عن الحلف بالتطليق تطليق وقد تراخيا؛ فإنه حلفَ بطلاق عمرة ابتداء ، ولو طلق -والمسألة بحالها- زينب ابتداءً طلقت زينب بالتنجيز، وطلقت عمرة بطلاق زينب، ولم ينعكس طلاق إلى زينب بوقوع الطلاق على عمرة؛ لأن الحلف بطلاق عمرَة متقدم، ولم  يوجد [بعد]  تعليق طلاق زينب إلا الصفة المجرّدَة، وَذلك ليسَ بتطليق ، وإذا فرضت المسألة فيما إذا قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم قال لعبده: إن طلَّقتُ زينب فأنتَ حُرٌّ، فإذا دخلتَ الدار وَطَلقت لم يعتق العبد، وبمثله لو قال للعبد أوّلاً: إن طلَّقتُها فأنتَ حُرٌّ، ثم ابتدأ بعد ذلك وعلق طلاقها بالدخول فدخلت طلقت، وَعتق العَبدُ؛ لتراخي تمام التعليق عن اليمين بالعتق \rالسابع: إذا قال عَبدٌ  لزوجته: إذا مات سَيّدي فأنتِ طالق طلقتين، وقال له السيد إذا متُّ: فأنتَ حُرٌّ، قال ابن  الحداد: يقع طلقتان عند موت السيد، وتثبت الرجعة؛ لأن الطلاق وقع بَعد الحُرية ، وَهذا التعليل ضعيف؛ لأن العتق يقعُ مع الطلاق؛ لأنهما علقاً بالموت على وجه واحد ، ومن الأصحاب من قال: لا تثبت الرجعة، وَتحرمُ المرأةُ؛ لأن الطلاق لم يتقَدّم (عليه)  الحُرية، وَهذا فاسدٌ؛ لأنه إذا لم يتأخر عنه كفى ، نعم لو قال العبد: أنتِ طالق في آخر جُزء من حياة السيد\r-والمسألة بحالها- انقطعت الرجعة؛ لأنه صادف الطلاق حالة الرق ","part":1,"page":125},{"id":1486,"text":"الثامنُ: إذا نكح جارية أبيه، وعلق طلاقها بموت الأب، فماتَ الأبُ ولا دين عليه لم يقع الطلاق؛ لأنه  ينتقل الملكُ إليه، فيكون مُوجب الملك والانفساخ والطلاق واحد فيزدحم فلا يقع الطلاق مقارناً لأوَّل الانفساخ ، ومن الأصحاب من قضى بالوقوع، وزعمَ أن الانفساخ يترتبُ على الملك، والطلاق يترتب على الموت فيصادف حالة الملكِ، وهذا ضعيف؛ لأن الانفساخ لا يتراخي عن الملك، وَليسَ هذا كعتق القريب؛ فإن سبب التراخي فيه لضرورة  تَصوُّرِ العتق، فإن معناهُ إزالة ملك على أن أبا إسحاق المروزي حَكم بأن العتق [والملك]  يحصل معاً ، فأمَّا إذا كان عليه دَينٌ، فالمذهَبُ الظاهر أن الأمرَ كما ذكرناه؛ لأن الدين لا يمنع الملكَ ، وقال الاصطخري: يقعُ الطلاق؛ لأن الدين المستغرِق يمنعُ الملك عنده \rالمسألة  بحالها علق السَيد العتقَ فيها بمَوته، وَكان يخرُج من الثلث ينفذُ الطلاق؛ إذ لا ملكَ \rولو قال: أنتِ حُرّة  بعدَ مَوتي بشهر ففي الملك  في الشهر خلاف إن قلنا: الملكُ للميت نفذ الطلاق ولا انفساخ، وإن قلنا: الملكُ للوارث ففي نفوذ الطلاق وجهان؛ لأنه ملكٌ تقديريٌ لا قرارَ له ","part":1,"page":126},{"id":1487,"text":"ولو علق الطلاق بمَوت نفسه لم تطلق ، ولو قال: أنتِ طالق مع مَوتي فكذلك ، وكذلك إذا قال: أنتِ طالق مع انقضاء العدة ، ولو قال: أنتِ طالق [مع]  آخر جُزءٍ من أجزاء العدة وقع الطلاق، أعني في حق الرجعية ، ومن الأصحاب من ذكرَ هَاهنَا وَجهاً مأخوذاً مما إذا قال: أنتِ طالق (مع)  آخر جزْءٍ من الطُهر [فإنه بدعي، وإن صادف الطهر]  نظراً إلى (الحاجة)  التي  تترتبُ عليه، وهذا ضعيف، فأمَّا  مأخذ البدعة فقد نبهنا عليه في أوَّل الكتاب ، ومن الأصحاب من ذكر وجهاً في وقوع الطلاق فيما إذا علق وقال: معَ الموت، أو مع انقضاء العدة وهو بعيد، ولكنهم أخذوه من قول الإملاء في وقوع الطلقة الثانية بالولد الثاني إذا قال: كلما ولدت فأنتِ طالق، وقول (الإملاء) : ضعيفٌ لا وجهَ له \rالتاسعُ: إذا قال: أنتِ طالق يوم يقدم فلان فقدِمَ وقت الظُهُر، فتطلق ، ومتى تطلق فعلى قولين مخرجين: أحدهما: أنها تطلق عقيب القدوم، والثاني: في أوَّل اليَوم ، فلو مات  ضحوة النهار ثم قدم وقت الظهر ابتنى على القولين (حُكم)  الميراث ، وَأصل القولين المخرجين قولان في أنه لو قال: لله علي أن أصُوم يوم يقدم فلان، فهل يلزمُه الصوم فيه قولان، ومأخذه  اختلاف ، منهم من قال: هو أن الصَومَ في بعض اليَوم هل يصح ومنهم من قال: هو أن وُجوب الصوم هل يستند إلى الأوَّل فمن رَدَّ إلى هذا الأصل تردد في مسألتنا هذه من هذا المأخذ \rالعاشر: إذا قال لامرأته المدخول بها: أنتِ طالق واحدة بل ثلاثاً إن دَخلتِ الدار، (لا)  يتنجّز الثلاث في الحال، وهل تتنجّز واحدة ذكر الشيخ أبو علي وجهين:\rأحدُهما: أنه لا تتنجّز كما إذا قال: إن دخلت الدار فأنتِ طالق واحدة بل ثلاثاً، فالمقَدَّم هاهُنَا في حُكم المؤَخَّر؛ لأن الكلام وَاحد ","part":1,"page":127},{"id":1488,"text":"وَالثاني: وهوَ الذي ذكره ابن  الحداد أنه يتنجز وَاحدةٌ؛ لأن بَل استدرَاك يتضمّن قطع كلام عن كلام فما ذكرهُ بَعد بَل هوَ المُعَلَّق ، وَعلى هذا إذا كانت غير مدخول بها بانت بالأولى، والتعليق وَاقع بعدَ البينونة، فلا تبنى (على)  عَود الحنثِ، وذكر الشيخ وجهاً عن بعض الأصحاب أنه تبنَى  عليه، وَهوَ غلطٌ صريح، وَإن فرعَنا على الوجه الأول لم يقع شيء ، وإذا دَخَلْتِ الدار وهي غير مدخول بها وقعت واحدة ، وهل نكمل الثلاث فيه وجهان بناء على ما إذا قال: إن دخلت  فأنتِ طالق وطالق ، وقد ذكرناه \rالحادي عشر: إذا قال: إن دَخلت الدارَ طالقاً  فأنتِ طالق، فدخلت قبل (أن يُطلقها)  لم تطلق؛ لأنه يقتضي الاتصاف بالطلاق لا عن جهة [الطلاق]  فلتكُن مُطلقة قبله \rالثاني عشر: إذا نكح أمَة، ثم قال: إن اشتريتُك فأنتِ طالق ثلاثاً، وقال سيدُها: إن  بعتُك فأنتِ حُرَّة، قال ابن الحداد: فإذا اشتراها عتقت في زمان خيار  المجلس، ووَقع الطلاق ، قال الأصحابُ: هذا تفريع على [أن]  الملكَ في زمان الخيار للبائع، فإن قلنا: أنه للمشتري فينفسخ العقد بمجَرّد الملك الجائز على المذهب الظاهر، ولا يقع الطلاق، فإن قيل: فكيف يحصل العتق\rقلنا: العتق على هذا القول في حُكم نقض الملكِ الجائز، [فإنا]  على هذا القول نقُول: لا عقد إلا وفيه ملك ","part":1,"page":128},{"id":1489,"text":"الثالث عشر: إذا قال: إذا  كان [أول ولد تلدينه ذكراً فأنت طالق واحدة وإن كان]  أوَّل وَلدٍ  تلدينه أنثى فأنت طالق اثنتين فوَلدت ذكراً وأنثى واستبهم المتقدمُ وقعت وَاحدة أخذاً بالأقل ، ولو خرجا معاً إن تُصُوّر ذلك قال الأصحاب: لا يقع الطلاق أصَلاً إذ شَرَطَ في كل واحد أن يكون أوّلاً ، قال الشيخ أبو محمد يحتمل  عندي أن يقعَ الثلاث؛ إذ معنى الأول أن لا يكون مسبوقاً، وكل واحد ليسَ مسبوقاً، وَليس معنى الأول أن يكون بعده غيره بدليل أنه  لو وَلدتَ ذكراً أوَّلاً وَلم تلد بعدَ ذلك في عمرها وقعَ الطلاق، قال: وعرضتُ ذلكَ على القفال فقال: المسألة محتملة، وَالمذهبُ ما قدمناه ؛ إذ لا خلاف في أنه لو قال لعبديه : مَن جاء منكما أوّلاً فهو حُرٌّ، فجاءا معاً لم يعتق واحد منهما، هكذا ذكر الأصحاب؛ لأنه منُوط بالسبق ولا سبق \rالرابع عشر: إذا قال: أنتِ طالق أكثر الطلاق وقع الثلاث؛ [لأنه]  لا ينبئ عن العدَد، وأكثر الطلاق وأعظمهُ لا يُحمل مُطلقة [إلا]  على [واحدة لأنه لا يشير إلى العدد، وكذلك إذا قال: أنت طالق ملء الأرض وملء العالم لم يحمل مطلقة إلا على]  واحد  ولو قال: ملء البيُوت الثلاثة (أو ملءِ)  السموات وقع الثلاث \rالخامس عشر: قال ابن  سُريج: إذا قال: أنتِ طالق، هَكذا وأشار بأصابعه، فإن أشار إلى واحدة نفذ  واحدة، (وكذا إن)  أشارَ إلى ثلاث وقع ثلاث ، إذا كان يفهم بالقرينة  أنه يشيرُ إلى الأصابع ليربط الطلاق بعدَدٍ  ، وَلو قال: أنتِ طالق وَأشار بأصابع  وَلم يقل هَكذا لم يقع  إلا واحدة، وهذا الفن يُبنَى على القرينة، والغرض أن الإشارة إلى الأصابع قد تكون قرينة في تعريف العددِ ","part":1,"page":129},{"id":1490,"text":"السادس عشر: إذا قال: أنتِ طالق إن دخلت الدار إن كلمتِ زيداً، وجمع ولم (يُخلل وَاوُ)  العَطف، قال الأصحاب: هذا تعليقُ التعليق معناه: إن كلمتِ زيداً فأنتِ طالق إن دخلتِ الدار، فيكون تعليق  الطلاق بالدخول معلقاً بوُجود الكلام كقوله لعبده: إن دَخلت الدار فأنت مُدَبَّرٌ، والتدبير تعليقٌ فهو معلق بالدخُول (قالوا: لابد من أن)  يتقدم الكلام على الدخول فلو دخلَتْ أوّلاً ثم كَلَّمَتْ  لم تطلق ، (قال الإمامُ: وَهذا فيه نظرٌ) ؛ لأنه جمعٌ بين وَصفين، وَإن لم يُدخل واو العَطف، فيحتمل أن يقال: الطلاق معلق باجتماع الأوصاف كقوله: أنتِ طالق إن دخلت (الدار إن أكلتِ رَغيفاً)  إن كلمت زيداً، وَما ذكره الأصحاب محتمل ، فأمَّا إذا قال: أنتِ طالق إن كلمت زيداً إلى أن يقدم فلان فالتأقيت رَاجع إلى الصفة، والمقصودُ المنعُ من الكلام قبل القُدُوم لا بعدَه \rالسابع عشر: إذا قال: أنتِ طالق إن دخلت الدار وَكرَّر هذا الكلام ثلاثاً،  فإن أرَادَ به [التأكيد قُبل، وإن أراد به]  تعليق ثلاث طلقات بدخلة وَاحدة قُبِلَت ، وإن قال: أردتُ عقد ثلاثة أيمان بثلاث  دَخلات حتى تَطْلُق بكل دَخلة مَرَّة، فلا يحمل عليه مُطلق الكلام بالإجمَاع فإن اليمين حقها أن تنحل بأوَّل دَخلة لتحقق الصفة، وكذلك القول في الثانية والأولى، وَلكن يُدَيَّن فيما يقوله باطناً ولا وَجه لقبُوله ظاهراً ","part":1,"page":130},{"id":1491,"text":"الثامن عشر: إذا قالَ وَله أربعُ نسوَة: أربعتكُنّ طوالق إلا فلانه أو إلا واحدَة على الإجمال لغى الاستثناء؛ لأنه أوقعَ ثم رفع واستأصل الطلاق عن الرابعَة، فصار كما إذا قال: أنتِ طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً ، ولو أخّر قوله: طالق، فقال: أربعتكن إلا فلانة طالق، صح الاستثناء، هَكذا أورَدَه القاضي ، وَالمسألة محتملةٌ جداً، فيحتملُ أن يطرد الاستثناء في الكُلِّ؛ إذ لا فرق بين الطلقات وَالمُطلقات، وَمن قال: أنتِ طالق ثلاثاً، فقد تعرَّض لثلاث ، ولو  سَكتَ لوقعَ، ثم رَفع بالاستثناء، وَلعل القاضي يقُول: هذا الجنس من الاستثناء لا يُستعمل في العادة بخلاف الاستثناء في العدَد ، ولعل مساق كلام القاضي لفُلانٍ عليّ أربعة أعبد إلا واحد يصح ، ولو أشار وقال: لفلان هذه الأعبد الأربعة إلا هذا وأشارَ لم يصح؛ لأن الاستثناء لا يستعمل في المعَيّن إنما يستعمل في أعذارٍ  مرسلة \rالتاسع عشر: إذا قال أجنبيٌّ للزوج: أطلقتَ  زوجتك فقال: نعم، قال صاحبُ التلخيص: في المسألة قولان:\rأحدُهما: أنه يقعُ وإن لم ينو، وَيَكُون قوله: نعم مع ما سبقَ صَريحاً \rوَالقول الثاني: أنه لا يقع ما لم ينو ، قال أصحابنا أصل القولين ما إذا قال [الولي]  للزوج: زوَّجتُك هذه، فقال: قبلتُ، ولم يقل قبلتُ نكاحها، فهل ينعقدُ النكاح بذلك بناءً على ما تقدم من الإيجاب، فعلى قولين، قال الشيخ أبو علي:\rهذه الطريقة غير مرضية، فقوله: نعم في الجواب ليس صريحاً في الإنشاء ولا كناية،\rفإن السؤال استخبار لا التماس إنشاء، وينبغي أن يكون صَريحاً في الإقرار بالطلاق،\rثم إن كان صادقاً فذاك وإلا فلا يقع باطناً، وينفذ الحكم به ظاهراً، وَلا ينبغي\rأن يكون في [ثبوت]  الإقرار قَوْلٌ ، إذ  من قال لرجل بين يَدي القاضي:","part":1,"page":131},{"id":1492,"text":"لي عليكَ ألفٌ، فقال: نعم، قضى القاضي بكونه مُقراً  وتحمل الشهود الشهادة على إقراره صَريحاً ، نعم، لو قال: كنتُ نكحتُهَا قبل هذا، فكان \r(قولي)  نعم إخباراً عن طلاق في نكاح، فحكمُه حُكم ما لو قال: أنتِ طالق في الشهر الماضي، ثم فسّر بطلاق في نكاح آخر، وقد ذكرنا حُكمه ، ويترتب على هذا الجنس أنه لو قال له أَلَكَ زوجة فقال: لا، قال أصحابنا: هذا كذبٌ صريحٌ لا يتعلق به حُكم ، وقال المحققون هذا كنايةٌ في الإقرار ، قال القاضي: عندي أن هذا صَريح في الإقرار ينفي الزوجية ، وَلو قيل له: أطلقتَ زوجتك فقال: قد كان بعض ذلك، فلا يُجعَل هذا إقراراً بالطلاق، فلعله  علق أو حدد  مخاصمة، فطلقها على مال فلم تَقْبل، فكان ذلكَ في حُكم بعض الأمر ، وَلو قال الدلاَّلُ  لمالكِ المتاع عندَ محاولة إنشاء العقد: بعتَ عبدَك من هذا الرجل، فقال: نعم، لم يَكن جَواباً وإنشاءً  (بل لو قال: بعتُ لم يكن هذا أيضاً إنشاء) ، إذ  لم يُعِد الثَّمَن وخطاب  المشتري، وَلم يأت بكلام ينتظم الابتداء به؛ لأن ما جاء به جَواب الدلال  فلا يقع خطاباً للمشتري حتى ينتظم بعده قوله: اشتريتُ، وَكمَا لا يكُون إنشاء لا يُمكن أن يُجعَل إقراراً؛ لأن قرينَة حال الدلال تدُل على أنه يَطلبُ الإنشاء ، وقال الأصحاب لو قالت المرأة لزوجها: طلاق (دِه مَرَا) ، فقال: (دَادَم)  لا يقع به شيء؛ لأن هذا القول لا يصلح للإيقاع ، قال القاضي: يقع الطلاق عندي؛ لأن المُبتدأ يصيرُ مُعَاداً في الجواب ، وَما ذكره مذهبُ أبي يُوسف ، وهو متَّجه فإن السؤال مع الجواب (مترتبان ترتيب)  الإيجاب معَ الخطاب \rالعِشْرونَ: إذا قال: أنتِ طالق عددَ التراب ، طلقت واحدة ؛ لأن التراب جنس واحد، ولو قال: عدد أنواع التراب طلقت ثلاثاً ","part":1,"page":132},{"id":1493,"text":"الحادي وَالعشرون: إذا قال: أنتِ طالق طلقة وَطلقتين ، وقعت ثلاثاً  ، ولو قال: عنيت به زيادَة طلقة على تلك الطلقة، فالذي صارَ إليه الجمهور: أنه يقعُ [الطلاق]  الثلاث؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه  ، ومنهم من قال: يقبل الاحتمال ، ولو قال بالفارسية (تُواز زَني مَن بَِيك طلاق)  (وبدو طلاق\rهيشه آي)  كان القفال يفتي بالثلاث قياساً على العربية، قال القاضي: الناسُ يقصدُونَ من هذا إيقاع الطلقتين، وَمن يُرد  الثلاث  فيقُول  بَيك طلاق وَدَوُ طلاق ، (وبسه)  طلاق، وأفتى  القاضي بطلقتين \rالثاني وَالعشرون: إذا قال: طلقي نفسكِ إن شئت ثلاثاً، نُقدِّم على هذا أصلين:\rأحدُهما: أنه إذا قال: طلقي نفسَكِ إن شئت، فلابُد (من أن)  تقول: شئتُ وَطلقتُ، فلو قالت: شئتُ لم يُكتف به؛ لأن التفويض منُوط بمشيئتها دون الطلاق\rفي نفسه ","part":1,"page":133},{"id":1494,"text":"الثاني : أنه لو قال: طلَّقي نفسَكِ ثلاثاً، فطلَّقت واحدة، طلقت واحدة؛ لأنه مَلَّكها الثلاث؛ إذ  فوّضَ إليها الثلاث ، وهذا قد ذكرناه ، فلو خَلل المشيئَة بين ذكر الطلاق والثلاث فقال: طلقي نفسك إن شئت ثلاثاً، فلو طلقت نفسها واحدة ، قال صاحبُ التلخيص: لا يقعُ شيء ، وكذلك لو قال: طلقي نفسك إن شئت وَاحدة، فطلقت ثلاثاً، فلا يقع واحدة منها، وعلل بأنه لا  يملِّكَهَا الثلاث، ولا الواحدة في المسألتين تمليكاً مجرداً بل علق التمليك بمشيئة موصوفة بصفة، ولم توجَد المشيئة بتلكَ الصفة ، ولو أخّر ذكر المشيئة كان حُكمها حُكم ما لو قال: طلقي نفسك ثلاثاً أو واحدة ولم يذكر المشيئة يعني في  حُكم العدد وَإلاّ فلابُدّ من المشيئة في هذه الصُورَة، وَالتطليق بعدَه، ولا يَكفي في [هذه]  المسألتين لا مُجَرّد المشيئة وَلا مُجرّدَ التطليق، وَفرق بين تخلّل المشيئة وتأخرها، فإنها إذا تخللت ارتبط العدَد بها بخلاف ما إذا (تأخَّرت) ، وَهذا مما وافقه الأصحاب ، ولكن إذا قال: طلقي نفسَك إذا  شئت واحدة، فطلقت ثلاثاً فيحتمل أن يقال: تقع الواحدة؛ لأن من شاء الثلاث فقد شاء الواحدة، وَيحتملُ ما قاله الأصحاب \rالثالث وَالعشرون: ذكرنا أنه إذا قال: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال: إذا طلعت الشمسُ فأنتِ طالق، لم يحنث؛ إذ ليسَ هذا يَميناً، فإنه ليسَ فيه منع واستحثاث ، ولو  قال الزوج: طلعت الشمس وكذبتهُ  المرأة فقال : إن لم تطلع فأنتِ طالق حَنَث بهذا، (فكان هذا)  حلفاً؛ لأن التصديق من مقاصد اليمين كالمنع والاستحثاث ","part":1,"page":134},{"id":1495,"text":"الرابع وَالعشرون: يتعلق بالمعاياة   وَلطائف الحيل، فإذا قال [الزوج] : إن لم تعرفي عدد الجوز الذي في البيت فأنتِ طالق، وكان البيت مُمْتَلئاً ، وربما لا يتصورَ من المرأة الوصُول إليه  فالطريق أن تأخُذُ من العَدَدِ المسْتَيْقَن، ولا تزال تزيد فيه حتى يجري لسانها [ذكراً]  على مَا هُو العدَدُ قطعاً فلا يقعُ الطلاق ، وَهذا غلط إذا جرى لفظ التعريف، فإن المقصُودَ هوَ المعرفة، وَإنما المسألة تفرض فيما إذا قال: إن لم تذكري عددَ الجوز فإنما يجري ذِكْر وليس بتعريف ، وفي القلب من هذا أيضاً شيء فإن المقصُودَ من الذِكْر أن تذكر عدَدَ الجوز على تنصيص عليها ، فأمَّا هذا فبعيد فينقدح فيه خلاف ، ولو  فسَّر الرجُل قوله [به]  في أنه هل يقبل في إزالة الظاهر، فأمَّا تنزيل المُطلق عليه فبعيدٌ عن المفهوم ، ولو قال: إن لم تعُدّي  الجوز تردد أصحابنا فيه ، فمنهم  من قال الحيلَةُ ما ذكرناه في لفظِ الذِّكْر، وهوَ أن تأخذ من المستيقن وتترقى وَاحدةً واحدةً إلى أن تُجاوِزَ العدَد المُمكن [فيهِ]  ، وَمنهم من قال: هاهنا يلزمه  أن يأخُذ  من الواحدَة ويترقى ؛ لأن العدد  هو الذي يَسْتَوفي جميع الأعداد بخلاف الذِّكْر، فإنه يُراد منهُ ذِكْر المقدَار ، وَهذا أيضاً فيه إشكال فإنهُم اكتفوا بالعدد  باللسان، وَمن جلسَ في زاوية بيت فيها جوزٌ وأخذ يهذي بالأعدَاد لا يقال عَدّ الجوز، وَإنما يُسمّى عادّاً إذا عَدّ باليدِ وَكان  يرمقها بالعين ويضبطها بالعدد ، [فقال: عَدّ الجوز]   ولو قال: إن لم تميّزي  ما أكلتُ من  النوى عن  الذي أكلتِ تَمْرَها، وكانت  اختلطت فأنتِ طالق، قال الأصحابُ: الحيلة إن تبددها  فقد حصل التمييز ، وَهذا أيضاً مشكل وَهو موضوع على نقيض المفهُوم، فإن  كان للشرع تحكمٌ في صَرائح الطلاق، فلا تحكم بالصفات [في التعليق]  فليتبع فيه","part":1,"page":135},{"id":1496,"text":"المفهوم، وَالمفهومُ قطعاً التمييزُ، والتنصيصُ في هذه الصُورَة  ولو قال: وفي فَيها  تمرة إن بلعتيها فأنتِ طالق، وإن قذفتيها أو أمسكتيها (فأنتِ طالق) ، فالطريقُ إن تأكل النصف وتترك النصف فلا تحنث به  وهذا بيّنٌ  ولو قال: وهي في ماء أنتِ طالقٌ إن مكثت أو خرجت، قال الأصحاب: إذا كانت  في ماء جار فمكثت لم تطلق؛ لأنهَا ليست مَاكثةً في ذلكَ الماء ، وهذا من الطراز الأوّل فإن المفهوم نقيضه، نعم لو فسّر بهذا فينقدح ترددٌ في قبُوله  وَكأَنَّ الأصحاب يرون التعليق بمجَرّدِ اللغة، واللفظ أولى من التعلق بالمفهومِ منهُ ، ولو قال: وهي على سُلِّم: أنتِ طالق، إن صعدت أو نزلت أو مَكثت، فالطريقُ أن تطفر طفرة أو تحمل  (أو توضع)  بجنبه سُلم فتنتقل إليه أو يُضْجع السُلم كذلك حتى تنتهي إلى الأرض وهي عليه ","part":1,"page":136},{"id":1497,"text":"وَلو قال: إن أكلتِ هذه الرمانة [فأنت طالق] ، فأكلت إلا حبة قالوا: لا تطلق، وهذا قريبٌ؛ لأنه سديد في اللسان، وَالعُرفُ فيه كالمتعارض فإن من قال: لم آكل رُمانةً على هذا التأويل لم يَكن مبعداً ، ولو قال: إن أكلتِ (هذا)  الرغيف فتركت الفتاتة، قال القاضي: لا تطلق كحبّاتِ الرمان، وَهذا ظاهر إذا لم تكن الفتاتة قطعة يتبين لها نسبةٌ إلى الرغيف  وَلا يقال: لها قطعةُ خبز بل يقال: فتات خُبزٍ ، هذا هُو النظر في جنس مسائل المعاياة، وَالضبط في هذا الجنس أن من سُئلَ عن شيء منهَا وَلم يَعرف اللغة فيها فليتوقف وَليراجع أهلها، وإن عرف اللغة وعلِم كونه منطبقاً على العُرفِ هجَم على الجواب، وإن تردَّدَ في العُرف فليُرَاجع أهله فإن كان العرفُ متردّداً كان صغوة  الأكثر إلى استبقاء النكاح وإن صادفَ اللغة على خلاف العرف في وضعها فالذي نراه تحكيم العُرف كما تقدّمَ في المسائل، ومال الأصحاب إلى  تحكيم محض اللسان وَالفقهُ يقتضي اتباعَ العرف فلا يسوغ  الميل عنه لتَحلُوا المسائل في استماع  العوام \rالخامس وَالعشرون: في المكافأة فإذا شافهت المرأة الزوجَ بما يكرَهه من سب \rأو غيره، فقال: إن كنتُ كذلك فأنت طالق، فإن قصدَ المُكافأة تنجّز الطلاق\rوتقديرهُ أنتِ طالق إذن إن كنتِ كذلك، وإن قصد التعليق فيتعلق به، ثم تطلبُ\rتلكَ الصفة بطريقها  وإن أطلق فهو محمُول على التعليق نظراً إلى الصيغة إلا أن يعم قصد المُكافأة فعند ذلك يعارض العرفُ اللغة، وقد نبهنا على وَجه التقديم فيه ، ومن أصحابنا من جعل ذلك مُكافأةً في كل حال ، وذلك تبرم (بالنظر)  في طلب الصفات، ثم إن كثيراً مما  يجري في الإفحاش والمشاتمات  أوصافٌ لا وُجود لها فنحكم  بانتفاء الطلاق  ولا سبيل إلى ذكر أجناسها، وَهي متعلقةٌ بالإفحاش، وذكر الإمامُ وَاحداً منهَا رفعت (إليه في الفتاوى) ، وَهي  أن","part":1,"page":137},{"id":1498,"text":"امرأةً  قالت لزوجها: يا جهُوذ رُوي، فقال: إن كنتُ كذلك فأنتِ طالق، فطلبَ طالبُون تحقيق هذه الصفة فمنهم من حمله على صفَار الوجه، ومنهم من حمله على\rذلّةٍ وَمخيلة خسَاسة ، فقال الإمامُ  المُسلِمُ لا يكون على النعت المذكور فيه فلا يقع الطلاق إلا إذا قصدَ المكافأة \rالسادس وَالعشرون: إذا قال: أنتِ طالق يوم يقدم فلان، فقدم ليلاً لم تطلق ، ومن الأصحاب من حَكم بالوقوع وَحمل اليومَ على الزمان وَهو بعيد \rالسابع وَالعشرون: حكى العراقيُون عن ابن  سُريج أنه قال: لو قال إن\rلم أطلقك اليوم فأنت طالق [اليَوم]  فلم يُطلقها حتى انقضى اليَوم لم يقع\r[الطلاق] ؛ لأنه فات اليوم مع فوات الطلاق، وَهذه  هفوة؛ لأنه لو أضاف إلى العمُر ثم مات لقضينا بوقوع الطلاق قبل الموت ولا فرق بين المسألتين \rالثامن وَالعشرون: إذا قال: إذا  خالفت أمري فأنتِ طالق، ثم قال: لا تكلمي زيداً فكلمتَ  لم تطلق؛ لأن هذا مخالفة نهي، لا مخالفة أمر، ولو قال: إن خالفت\rنهي فأنتِ طالق، ثم قال: قومي فقعدَت قالوا : يقعُ الطلاق؛ لأن الأمرَ بالشيء\rنهيٌ عن أضداده، وَهذا فاسد، ولأن  النهي عن الشيء لا يكون أمراً بأحَد أضداده كما ذكرناهُ في  الأصُول ، وَلو اعتقدنا أيضاً ما اعتقدوه فلا تبنَى  الأيمان\rعلى معتقدات أهل الأصُول فينبغي أن لا يقع الطلاق نعم في المسألة الأولى نظر\rمنشؤهُ العرف فليتأمله الناظر \rالتاسع وَالعشرون: إذا قال : أنتِ طالق بمكّة وأرادَ التعليق على الدخُول قُبِل ، وإن أراد التنجيز فكمثل فأنا لا نطلبُ في الإيقاع احتمالاً ظاهراً، وإن أطلق فقد حكى الشيخ أبو محمد وَجهين:\rأحدهما: التعليق وَهوَ السابق إلى الفهم \rوَالثاني: التنجيز إذ ليسَ فيه أداةٌ تقتضي التعليق ","part":1,"page":138},{"id":1499,"text":"الثلاثُون: إذا قال: إن دخلت الدار فأنتِ طالق، ثم قال: عَجَّلْتُ تيك [الصفة]  المعلقة، تنجزت وَاحدة، وَإذا دخلت هل يقع ثانية، حكى الشيخ أبو محمد وجهين يرجع (حاصلهما إلى أن)  تنجيز المعلق تعجيلاً له  وصَرفاً عن  التعليق بالإيقاع هل يجوزُ وإن كان ذلكَ غير مُجَوّز بطريق الرُجُوع \rالحادي وَالثلاثُون: إذا قال: أنتِ طالق إلى حين أو زمان، فإذا مضت لحظةٌ وإن قَلَّتْ وقع الطلاق، فإن الاسمَ ينطلقُ [عليه]   ولو قال: أنتِ طالق إذا مضى حُقبٌ ودَهرٌ، قال الأصحاب: يقعُ الطلاق إذا مضت لحظةٌ كما في الحين والزمان ، وهذا مشكلٌ (إذ)  يحسُنَ أن يُقَال: ما مضى ليس بِحُقْب وَلا دهر ، وَقد سُئِل أبو حنيفة عن هذه المسألة فقال: لا أدري فرُوجع مراراً  فأصَرّ، قال الإمام: العَصرُ عبارَة عن زمان يحوى أُمَما ولذلكَ يقال: انقضي عصر الصحابة، والدهرُ قريبٌ من العصر ، وَعلى الجُملة تَوقفُ أبي حنيفة بحقٍ في المسألة، وَإيقاع الطلاق بمضيِّ لحظة بعيد مع [أن]  الميل إلى استبقاء النكاح في مثل هذا \rالثاني وَالثلاثون: إذا قال: أنتِ طالق اليَوم إذا جاء الغد، قال صاحبُ التقريب: لا يقعُ في اليوم؛ لأنه معلق بمجيء الغد، ولا يقعُ في الغد؛ لأنه إذا جاء فقد مضى اليوم، ويحتمل أن يقال: يقع الطلاق إذا جاء الغد مستنداً إلى اليوم، كما لو قال: إذا قدم زيد فأنتِ طالق قبل قدومه (بيوم)  ","part":1,"page":139},{"id":1500,"text":"الثالث وَالثلاثون: قال الشافعي [رحمه الله] : إذا قال: أنتِ طالق إذا قدم زيد، فقُدم به ميتاً لم يقع الطلاق ، وهذا يُنَبّه على النظر في أن الصفة التي علق الطلاق بها هل يشترط الاختيار فيها ونحنُ نقدِّمُ عليه إشارة إلى حُكم اليمين بالله فإذا قال: وَالله لا أدخل الدار، فحُمل وَأدخل قهراً لم يحنث، وإن أمرَ بالحمل، أو رَكب دَابة حنث ، وَإن أُكرِه أو نسي اليمين فقولان فيهما ، وللأصحاب في ترتيب صورة على صورة تردد على العَكس، ومن نسيَ صَومهُ فأكل لم نفطره  ، وَلو أكره فقولان ، رَجعنا إلى الطلاق فإن علقهُ الزوج بفعل يَصدر منه في نفسه، فترتيبه ترتيبُ اليمين؛ لأنه يقصد منه الامتناع ، وَقال القفال: لا، فإن هذا منُوط بوجود الصفة بخلاف اليمين، فإن المدَّعيّ (تم)  حرمة اليمين ولا يحصل [الهتك مع الإكراه والنسيان ، وهذا  لم يُوافَق عليه؛ لأن اليمين لا تحرِّم ]  عندنا، فالمقصُود منها الامتناع كالطلاق ، فأمَّا إذا علَّق بفعلها في غيبتها فلا أثر لنسيانها وإن كانت مُكرهةً، فالظاهرُ الوقوع؛ لأن هذا في حكم التعليق  لا على قصد المنع ، ومن أصحابنا من طرد الخلاف؛ لأن الإكراه في حكم المُعْدِم للاختيار فكأنها حملت قهراً، وهذا ما اختاره القاضي، وهو محتمل ، فأما إذا علق بفعلها في حضرتها فإن قصد التعليق بمجرد","part":1,"page":140},{"id":1501,"text":"وجود الصفة لم يؤثر النسيان والإكراه ، وإن أطلق وظهر قصد المنع كان كما لو علق بفعل نفسه ، فأما إذا علق بفعل أجنبي (فإن كان)  لا يشعر فهو كالمرأة إذا لم تشعر ، وإن كان يشعر ولكن [كان]  لا يبالي بمنعه فلا أثر لنسيانه، وفي كونه مكرهاً اختلاف ، وإن كان ممن ينزجر بزجره فنسي فقد اختلف فيه طرق الأصحاب؛ لأن النكاح لا يرتبط به ، فخرج من هذا أن القولين في الإكراه جاريان على الظاهر في جميع الصور، وأما النسيان فينظر فيه إلى قصد المنع فإن امتنع القصد لغيبه  أو لقلة  مبالاة من المحلوف  عليه أو يقصد الحالف التعليق بصورة  الصفة فلا أثر للنسيان وإلا فيجري فيه خلاف ، فإذا تمهَّدت هذه الأصول خُرِّج قدوم زيد مكرها وناسياً  عليه، ولو كان ميتاً أو محمولاً قهراً فلا طلاق فإن هذا لا يسمى قدوماً \rالرابع والثلاثون: إذا قال: إن رأيت فلاناً فأنت طالق طلقت برؤيتها إياه حياً وميتاً ، ولو رأته في  ماء يحكيه [الماء]  بلطفه وقع الطلاق؛ وكأن الماء اللطيف المتخلل  كالهواء اللطيف ، وحكي [عن]  القاضي أن الطلاق لا يقع [به]  وهو بعيد ، ولو رأته في المرآة، أو رأته بالنظر في الماء، فهذا  فيه احتمال، ولعل العرف قاض بأنه ليس رائيا؛ إذ يحسن أن يقول: ما رأيته لكن  رأيت مثاله في المرأة ، ولو قال لامرأته العمياء: إن رأيت فلاناً فالمذهب أن الطلاق لا يقع بحضورها معه ومجالستها إياه ، (ومنهم من)  حمل على ذلك في حقها؛ إذ يقول الأعمى: رأيت فلاناً  اليوم ويعني به ذلك ، وهو كرؤية الهلال قد يحمل على العلم \rالخامس والثلاثون: إذا قال: إذا  مسست فلاناً فأنت طالق طلقت بمَسِّه حياً وميتاً، ولا تطلق بمس معه حائل، ولا بمس الشعر والظفر ، وإن كان في انتقاض الطهر به خلاف  ","part":1,"page":141},{"id":1502,"text":"السادس والثلاثون: إذا علق بالضرب  حنث بضربه حياً ولم  يحنث بضربه ميتاً ، ولابد من إيلام فلو ، وضع عليه حجراً ثقيلاً وتألم لم يحنث، ولو ضرب ولم (يتألم)  لم يحنث ، ومنهم من [قال]  يحنث بالضرب وإن لم يتألم، ورب رجل يضرب منه مجتمع اللحم بجميع  الكف، ويلتذ  به التذاذ المغموز بالغمز، وهو ضرب ، ولو ضرب بطرف أنملة  لا يحصل بمثله إيلام فلا ينبغي أن يتردد فيه، فليعتبر ما سمي  ضرباً، وإن لم يكن مؤلماً، ومن اعتبر الألم لم يعتبر\rألماً مبرحاً \rالسابع  والثلاثون: إذا قال: إن قذفت فلاناً يحنث بالقذف حياً وميتاً ، ولو قال: إن قذفت فلاناً في المسجد فليكن القاذف في المسجد، ولو قال: إن قتلت في المسجد فليكن المقتول في المسجد، هذا حكم المطلق ، وهو بين فلو  فُسِّر بنقيضه في المسألتين ففيه احتمال في أنه هل يقبل ظاهراً لأن في كلمة ظرف تدور بين\rالقاذف والمقذوف واللغة، لا تخصص اللفظ بأحدهما وإنما (هذا)  يعتبر أمر  يرجع إلى العرف \rالثامن والثلاثون: إذا قال: إن أخذتَ مَالَكَ عليَّ فامرأتي طالق، طَلُقَت إذا أَخَذَ المستحق بإعطائه، أو من  غير إعطاء منه إذا كان معيناً، وكذلك إذا أخذ السلطان من ماله بأخذه  فالمتبع الآخذ ، ولو كان عليه دين فقال: من عليه الدين إن أخذتَ مَالَكَ عليَّ، فأخذ قهراً وهو غير ممتنع لم يقع الطلاق، إذ حقَّه ما يسلمه ، وما يأخذه قهراً غصب ، ولو قبض السلطان عنه قهراً حيث يقتضي الحال ذلك لم يقع؛ لأن اليمين لا تبنى على الأحكام إنما تبنى على الاسم أو العرف ، ولو قال: إن أخذت مني هذا فزوجتي طالق فأخذه قهراً، فالظاهر أن الطلاق يقع ، وقال القاضي لا؛ لأن الأخذ منه ما يصدر عن تسليمه، وهذا سلب وليس بأخذ ","part":1,"page":142},{"id":1503,"text":"التاسع والثلاثون: إذا قال: إن كلمتِ زيداً فكلمته بحيث يسمع (وسمع وقع)  الطلاق، وإن كان لا يسمع لعارض لغط وذهول في المكلَّم، قال الأصحاب: يقع الطلاق ، ولو كان المكلم أصمَّ فَكَلَّمه بحيث لا يسمع ذَكَر الأصحاب وجهين:\rأحدهما: أنه يقع ، لأن اليمين لم تعقد على الإسماع \rوالثاني: أنه لا يقع؛ لأن هذا بالنسبة إليه لا يكون كلاماً فهو في حكم الهمس الذي لا يسمعه السميع ، وهذا فيه احتمال لعل  القائل الأول يمنع إذا كان (وجهه إلى المتكلم وعلم أنه يكلمه ولو كان)  بحيث (لو فرضت الإصاخَة)  لسمع فالوجه القطع بوقوع الطلاق ، ولو كلَّمته على مسافة بعيدة ولا  يحصل الإسماع بمثلها فلا يقع الطلاق، ولو  حملت الريح الصوت وصبَّته في أذنه حتى سَمِع، فالظاهر أنه لا يقع ، ولو هذت في النوم بتكليمه لم يقع ، ولو جُنَّت خُرِّج على ما لو أكرهت فإن (قَصْده)  أضعف من قصد المكرَه ، ولو كانت سكرانة فيبنى على أنه في التصرفات كالصاحي (أو المجنون)  \rالأربعون: إذا قال: إن رأيت الهلال فأنت طالق، طَلُقت وإن لم تر بنفسها  ، قال رسول الله : ([صوموا لرؤيته]  وأفطروا  لرؤيته)  وأراد به العلم، ويقول الإنسان رأينا الهلال في البلد الفلاني يوم  كذا يريد  العِلْم  ، نعم، لو فَسَّر بالعَيَان هل يقبل فيه وجهان، والظاهر أنه يقبل؛ لأنه ليس بعيداً عن الفهم (واللسان) ، قال القفال: هذا يجري في العربية لا في الفارسية، وهذا فيه نظر؛ إذ معنى الرؤية في الفارسية أيضاً قد تطلق لإرادة العِلْم، وظاهر الرؤية في العربية أيضاً للعَيَان ، ولكن يحمل  في الهلال على العلم؛ إذ لا أربَ في رؤيته، وهو جَارٍ في الفارسية، ولذلك إذا قال: إذا رأيتِ زيداً وهو غائب فأنت طالق: فقدم ولم تره لم تطلق ","part":1,"page":143},{"id":1504,"text":"الحادي والأربعون: إذا قال: أنت طالق للسنة، وهي حامل من الزنا، وكان في طهر جامعها [فيه]  لم يقع الطلاق كما إذا كانت حائلاً؛ لأن حَمْل الزنا كالمعدوم في هذا الحكم ، ولو كانت حاملاً من الزنا وكانت ترى الدم فقال في زمن الحيض: أنت طالق للسنة  لا يقع الطلاق ، ولو كان الحمل من الزوج ففيه (خلاف ذكرناه)  ، والفرق ما نبهنا عليه ، هذه تتمة الفروع\rواختتام الكتاب بفصل يحوي فروعاً لابن الحداد تتعلق بكتاب الخلع:\rأحدها : أنه لو قال: أنت طالق طلقتين إحداهما بألف (فالمعلقة بألف)   لا تقع  إلا بقبولها ، والثانية هل تقع قبل القبول وجهان:\rأحدهما: يقع ؛ لأنه طلاق لم يعلق بمال \rوالثاني: أنه لا يقع؛ لأنه لم يجعل  مستقلاً بل جعله تابعاً لطلاق معلق بالمال، فكأنه من توابعه فلا يقع دونه \rالتفريع: إن قلنا: تقع  فهي رجعية فإن قبلت الألف كان ذلك مخالعة رجعية، وفيه قولان، إن صححنا فذاك، وإن منعنا فالظاهر أنه يقع رجعياً، وإن لم يلتزم  المال كما إذا خاطب السفيهة  بالخلع فقبلت، وذكر الشيخ هاهنا وجهاً أن الطلاق لا يقع [أصلاً] ؛ لأنه منوط بالمال، ولم يلتزم  المال، وإن فرعنا على أن تيك الطلقة العريَّة عن المال لا تقع  قبل قبولها، فإذا قبلت وقعت الطلقتان بألف ، ولكنا نقدر الألف في مقابلة واحدة على الخصوص أم لا فيه تردد، ويحتمل  أن يقال: [هو]  في مقابلة الواحدة، فظاهر  اللفظ يصرح  به ، ويحتمل أن يقال: هو متناول للطلقة الأخرى أيضاً، وإن كان بطريق التبعية لمعنيين\rأحدهما: أنه لو كان مخصوصاً بواحدة لما اتجه المصير إلى التوقف على قبولها، كما إذا قال: أنت طالق ثنتين : إحداهما: بألف والثانية: بغير شيء، فلا  خلاف في أنه لا يتوقف على القبول","part":1,"page":144},{"id":1505,"text":"والثاني: أنه لو عري عن المال لاقترن بالطلاق البائن طلاق رجعي حقه (أن يثبت)  الرجعة، ويكون مصادفاً لحالة البينونة، وذلك بعيد تخيله، فإنه لو قال: إذا خالعتك فأنت طالق، فخالعها لم تقع الطلقة المعلقة؛ لأنها تصادف حالة البينونة فكذلك هذه الطلقة، وليس هذا كما إذا طلقها ثلاثاً فإنا لا نقول اصطحبت طلقات رجعية وغير رجعية بل  البينونة الكبرى خصلة  واحدة حصلت بالكل، وأما هاهنا إحدى الطلقتين متميزة عن الأخرى إيقاعاً، وحكماً، ووصفاً، هذا كله في حق المدخول بها، أما غير المدخول بها فإن قلنا: الطلقة التي لم تقابل بالألف لا تحتاج إلى قبول فينفذ ذلك قبل  ويلغوا القبول لوقوعها بعد البينونة، وإلا فتقع  الطلقتان جميعاً بالقبول \rالفرع  الثاني: إذا قال: أنتِ طالق ثلاثاً على ألف فقالت: قبلت واحدة على ثلث الألف لم يقع شيء؛ لأن هذا تجزئة في العوض المطلوب  والصيغة صيغة المعاوضة؛ ولأنه انحرف عن صوب الخطاب فلم يكن جواباً ، فلو قَبِلَت الألف الكاملة  على واحدة، والمسألة بحالها فهل يقع الطلاق الآن فيه وجهان:\rأحدهما: لايقع؛ للانحراف عن (الجواب)  فإنه لم ينطبق قبولها على (خطابه)  ","part":1,"page":145},{"id":1506,"text":"والثاني: أنه يقع، وهو الأصح؛ لأن التطليق إليه في عدَده، وليس إليها إلا قبول العوض، وقد قبلت كمال العوض، فتصرفها في العَدَد بعد التزام كمال العوض لاغٍ ، والقائل الأول يستشهد بالبيع، فإنه لو قال: بعتك عبدين بألف فقال: قبلت أحدهما وأشار إليه بالألف لم يصح، أجاب الشيخ أبو علي، وقال: لا يبعد تخريج هذا الخلاف في البيع أيضاً؛ لأنه التزم تمام العوض، ولا غرض  للبائع في محض زوال ملكه، وأسند هذا التخريج إلى مسألة، وهو أنه لو قال: بع هذا العبد بألف، فباع الرجل  ذلك بألف وثوب، ففي صحته قولان، ووجه الشبه أنه حصل العوض وزاد ، وهذا التخريج في البيع بعيد؛ لأنه منحرف عن صيغة الجواب، وتَملُّك العبد مقصود من جهة المشتري، فالإضراب عنه مخالفة نيَّته، وأما عَدَد الطلاق فلا أَرَب للمرأة فيه إذ ليست  تستفيد ببذل  المال ملك الطلاق، إنما غرضها الخلاص فلا مدخل لها في العدد \rالتفريع: إن فرعنا على الصحيح وهو وقوع الطلاق فكم  يقع فعلى وجهين:\rأحدهما: وهو اختيار ابن  الحداد أن الواقع واحدة؛ لأنه علق الثلاث بقبولها ولم يوجد القبول إلا في واحدة، ولكن (أوقعنا)  لكمال  العوض الملتزم \rالثاني : وهو اختيار القفال، ولعله الأظهر أنه يقع الثلاث؛ إذ لسنا نبغي منها إلا التزام المال، وقد التزمت فَتَصَرُّفها في العدد ساقط الأثر ","part":1,"page":146},{"id":1507,"text":"التفريع: حيث قضينا بوقوع الطلاق فالظاهر أن المسمى وهو الألف مستحق، قال الشيخ أبو علي: رأيتُ لابن سريج وجهاً أن الرجوع إلى مهر المثل، وهذا على قول وقوع طلقة واحدة، فأما إذا قالت المرأة: طلقني طلقة بألف درهم ، فقال: طلقتك بخمسمائة، فهذا على العكس من تلك الصورة، (ولكنها توافقها)  في المعنى فالمذهب  وقوع الطلقة؛ فإنه أسعف بالطلقة ونقص العوض، ولا أرب لها في كمال العوض عليها  ، ومن أصحابنا من قال: لا يقع؛ لأنه ليس مجيباً إذ غيَّر  العوض في التطليق، قال الشيخ أبو علي: والوجه الأول يحتمل عندي طرده في\rنظيره  من البيع إذا  قال: بعني عبدك بألف، فقال: بعت  بخمسمائة كما\rقدمنا نظيره  \rالتفريع: إذا قلنا: يقع وهو الأصح فكم يستحق وجهان:\rأحدهما: يستحق الألف إذ تقدير العوض إليها، ولا أَرَب له  في تبعيض  العوض \rوالثاني: أنه يستحق خمسمائة؛ لأنه رضي بها، ولم يرض بالملك إلا فيها  ، وهذا يوازي الخلاف في عدد الطلاق في الجانب الآخر إلا أن رد الزوج لبعض العوض (أولى بأن)  يكون مؤثراً في  ردها لبعض عَدَد الطلاق؛ إذ هو المملك ، ولن يدخل في ملكه إلا (ما يرضى به، فأما)  أعْدَاد الطلاق فليس يجري فيها ملكها، ووجه فساد العوض على ما ذكرناه في الصورة الأولى (منقدح في)  هذه المسألة، وإن لم يذكره  الشيخ أبو علي، ولا خلاف في أنه لو قال رُدَّ عبدي الآبق ولك دينار فقال أرُدُّ بنصف دينار فلا أثر لقوله؛ إذ لا مدخل لقبوله في هذا المقام، فمهما رَدَّ \rاستحق الدينار ","part":1,"page":147},{"id":1508,"text":"كتَابُ الرجعةِ\rوَفيه بابان\r\"البابُ\" الأول\rفي جَوامع أحكام الرجعة\r\"من شرائطها\"، وأركانها، وكيفيّتها، والسبب المثبت لها\rوَفيه فصول:\rالفَصْل الأولُ: في أركان الارتجاع\rوَالارتجاع تصرفٌ شرعي يستدعي شرطاً، وركناً، وَمحلاً، فلابُدّ من التعرض له فنبدي جملته في معرض الأركان\rالرُكنُ الأولُ: فيما يحصل (به الارتجاع):\rوَالأصلُ في الرجعة أوَّلاً كتابُ الله، وهو قوله تعالى:\rوسُنَّةُ (رسُول الله) وَهو قوله لعُمر: (مُره فليُرَاجعها)\rوإجماع الأمَّة حاصل على ثبوت أصل الرجعة\rوَالعبَارَةُ المستعملة فيه أربعة، اتفقُوا عليها، وَهوَ قوله: رَاجعت، وَارتجعتُ، وَرَجعت، ورددتُ، أخذاً (من قوله) تعالى:، نعم تردَدُوا في أنه هل يشترط أن يقول: رددتُ إليَّ وسبَبَهُ أن لفظ الرد لا يستعمل بهذا المعنى إلا بصلة فإذا تُرِكَت الصِلة لم يَعُدْ المعنى، وأشعر بالرد الذي هو نقيض القبُولِ  وَأمَّا الارتجاعُ وَالمراجعة فلا تحتاج إلى صلة، وأمَّا الرجُوع فيستعمل لازماً وَمتعدِّياً يقال: رَجعتُ إلى كذا، ورجعتُ المال من فلان، فيُلْحق الرجوع بالارتجاع، وقد تردد أصحابنا في مسألتين:\rإحداهما: في لفظ الإمسَاك، وأنهُ صَريحٌ في الرجعة، أم لا حيث جرى ذكره مَرَّةً وَاحدةً في الكتاب، وقد ذكرنا هذا المأخذ في كتاب الطلاق، ثم إذا قلنا ليس بصريح فهل هوُ كناية فوجهان:\rأحدهما: أنه ليسَ كناية؛ لأن الإمساك يُشعرُ بالاستدامة، والرجعيّة محَرَّمةٌ فلابُد من ابتداء استحلال، وهذا القائل يقُول: ليسَ المَعْنِي بقوله: فأمسكُوهن الرجعةُ، وإنما هو الاستدامة التي تقابل التسريح في مساق الكلام\rالثانية: لفظ النكاح، والتزويج، وفيه ثلاثة أوجه:","part":1,"page":1},{"id":1509,"text":"أحدُها: أنه صريح؛ لأنه يصلح للابتداء [وهو أقوى] ، فيصلح للأضعف  \rوالثاني: أنه كناية لا تفيدُ الرجعة إلا بالنية؛ لأنه غير مستعمل فيه ، ومنهم من قال: [أنه]  ليس بصريح ولا كناية، إذ ليسَ فيه ما يُبنى عن التدَارُك، وَإنما هو مشعر بابتداء تملك ، هذا هوَ القول في الألفاظ \rأمَّا الفعل فلا يحصل (به الرجعة ولا)  رَجعَة بالوطء ، خلافاً لأبي حنيفة فإنه جعله رَجعة من غير نية حتى (يحصل)  بنزولها عليه، وحصل باللمس والنظر إلى الفَرج بالشهوَة ، وقال مالك [رحمه الله] : إن قصدَ بالوطء رجعةً كان رجعة ، فإن قيل: أتقطعُونَ (بأن الكناية)  متطرقة إلى الرجعة على خلاف النكاح\rقلنا: سنذكر خلافاً في الإشهاد في الرجعَة ، فإن لم (يشترط فليتطرق إليها)  الكناية؛ لأن الزوج يستقل به كالطلاق ، وإن شرطنا الإشهادَ فلا مُطلع للشهود على النيات فيحتملُ أن يقال: لا يتطرق [إليها]  الكناية ، ويحتمل الخلاف في لفظ الإمساك، وَلفظ النكاح وَالتزويج، على أنه صريح أم لا ويحتمل أن يقال النكاح مخصُوص بمزيد تعبُّدٍ، وَأمَّا الإشهادُ على لفظِ الرجعة مُمكنٌ، ثم إن بقي وراءه تنازعٌ في النية لا يقطع بالشهادَة فَمِثْل ذلك لا يُسْتنكر، فإن الإشهاد على رضى المرأة في النكاح غير مشروط، فإن  كانت الشهادة ساقطة الفائدة مع جُحودها، ولكنا نعتبر الشهادة  على اللفظ، وأمَّا  النكاح فلا يتطرق إليه الكناية؛ لأن مضمُونه مُلْك غريب لا يُضَاهي الأملاك  فظهَرَ  وَجهُ التَعبّدُ فيه فاتَّبعنا التوقيف  \rفإن قيل: فهل تحكمُون بانحصارِ صَرائح الرجعة، كما حَكمتُم به في الطلاق","part":1,"page":2},{"id":1510,"text":"قلنا: حَكمَ العراقيون بالحَصر، وزعمُوا أن الخلاف في الإمسَاك جَرى على الوَجه الذي [جَرى]  في الطلاق في لفظ المفادَاة، والخلاف  في النكاح مأخذه أن (ما يستعمل)  في الأقوى هل يستعمل في الأضعف بطريق الأولى فهو  كالتردد في عقدِ الإجارة بلفظ البيع، وَإضافته إلى المنافع، وَزعمُوا أن هذا الجنس من التردد لا يُبطِل الحَصر، وَهذا يتأيد بحصر صَرائح الطلاق مع أن الرجعة: اجتلاب  حق في البضع، وَالطلاقُ إزالة له ، وتخيُّل التعبُّد في الجلب أولى ، وَميْل الشيخ أبي علي إلى أنه لا تنحصر  صَرائح الرجعة حتى لو قال الزوج: رَفعتُ الحُرمة بيننا، (أو ما)  يجري مجرَاه مما يُفيد الغرض كان صَريحاً ، والمسألة محتملة\rفرع: ذكرهُ الشيخ أبو [علي]  وهو أنه لو قال راجعتك للمحَبَّة، أو للإهانة، أو بالمحبّة، أو بالإهانة، ثم قال: أردتُ التعليل تثبت الرجعة ، ولو قال: أردت الرجوع في المحبة دون الرد إلى صلب النكاح لم تثبت  الرجعة ، وإن أطلق تثبت الرجعة؛ لأن اللفظ صَريح، وما جرَى بعدَهُ لم يرتبط  به قَصدٌ [معتبر]  فيبقى اللفظ على موضوعه وَإنما التأثير  ما يستعقبهُ اللفظ في تعبير مقتضَاه ، لو انضم [إليه]  قصد \rالركن الثاني: (مما)  يعتبر في ثبوت الرجعَة النظرُ في المحل\rوَالمعتبَر فيها أمران:\rأحدُهما: أن يكون في العدَّة\rوَالثاني: أن يتصَوَّر استحلالها بالارتجاع","part":1,"page":3},{"id":1511,"text":"أمَّا العدَّةُ فتنقسمُ إلى عدّة المختلعة ولا رجعة في حقها، وكذلك كل مُطلَّقة على مال، وإلى عدّة المطلقة ثلاثاً ولا مَطمَع في الارتجاع وقد انحسم بابُ النكاح ، وإلى العدّة الواجبة عن جهة الخلوة إن رأيناها مُوجبة للعدة مقرّرة للمَهر، فهي رجعية كالمعتَدّة عن طلاق من غير عوض ولا استيفاء عَدَد بعد جريان الوطء ، وقال أبو حنيفة: الخلوة توجبُ العدّة دون الرجعة ، وحكى الشيخ أبو علي وجهاً وَافقه ، وزعمَ أن الرجعةَ تستدعي علقة مُؤكدة (هي)  الوطء ، وهذا ضعيف؛ لأن العدة تستدعي سبباً في الشغل، ثم وجبت بالخلوَة، والرجعة  أولى \rوأمَّا المأتي  في دُبُرها إذا أوجبنا العدَّة عليها إذا طلّقت فهل يثبت ارتجاعها\rذكر الشيخ أبو علي وجهين، وعلل المنع بالتغليظ، وعليه أحال إيجاب العدَّة ، فهذه أصنافُ المعتدّات، ثم إذا أثبتنا الرجعَة انقطعت سلطنة الرجعة بانقضاء العدة، وقد أطلق العلماء قولهم: بأن انقضاء العدَّة يتعرّف منها، وأن القول قولها، وتفصيل القول في ذلكَ أن العدَّة ثلاثة أنواع:\rعدَّةُ (بالأشهر) ، وَلا مرجع فيها  إلى قولها، (فإنها معلومَةٌ في نفسها) ، ولو فرض فيها  نزاع كان ذلك نزاعاً راجعاً إلى وقت الطلاق، والقول فيه قول الزوج ","part":1,"page":4},{"id":1512,"text":"النوع الثاني: المعتدة  بالحمل، والانقضاء بالوضع، وَالمذهب أن القول قولها، إذا ادَّعت الوضعَ كما سنذكرُه في (الحمل) ؛ لأنها مُؤتمنة في رحمها، وقال أبو إسحاق: مهمَا ادَّعت انفصال ولد كامل الخِلْقة لم يقبل قولها؛ لأن مثل ذلك (تشهدُه القوابلُ فيسهل الإثبات ولا)  يقبل قولها، وهذا متروك عليه ، وَالمذهب ما ذكرناه هذا هو القول في الولد الكامل، وإنما تُصَدَّق إذا كان الولد لستة أشهر من وقت النكاح، فلو كان لأقل منهُ لم تُصَدَّق ، فأمَّا الولد الناقصُ إن ظهرَ فيه التخطيط تنقضي العدَّة بوضعه، ثم القول قولها؛ إذ لا سبيل إلى الإشهاد على هذا، وَيعترف به المروزي في هذه الصورة ، وحكى الإمامُ في كتاب العدة وَجها عن الشيخ أبي محمد: أن الجنين يلحق  في الدعوَى بالولد؛ لأن ما ينالها من العُسر في وضع  الجنين يقتضي التمكن من الإشهاد ، وَحكى وَجهين مشهورين فيما إذا ادعت المرأة وضع وَلد ميت في أنه هل يقبل قولها  نعم إنما يقبل قولها إذا ادعت الوضع لأكثر من مائة وعشرين يوماً من وقت إمكان الوطء من أول النكاح قُبِل، وإن كان أقل [منه]  فلا يقبل؛ لأنه أقل مُدَّة يتصوّر ظهُور التخطيط على [الصبي]  فيه ، قال ابن  مسعود: قال رسول الله : (بَدء خلق أحدِكُم في بطن أمّه أربعُون يوماً نطفة، وأربعون يوماً علقة ، وأربعُون يوماً مضغة ، ثم يبعث الله مَلَكاً فينفخ فيه الرُوح، ويكتب أجله (ورزقه)  ويكتب أشقى [هو]  أم سعيد)  فإذا  كان المرجع فيه الوجُود ، وهو مضطرب فقولُ رسُول الله   أولى بالتحكيم  ، فأمَّا إذا ادعت  سقوط لحم لم يظهر (فيه التخطيط)  ففي انقضاء العدّة بوضعه قولان ، فإن قلنا: [لا تنقضي]  فلا مَعْنى لدعواها، وإن قلنا: تنقضي فالقول قولها مَع يمينها كما في سائر الصُور، ولكن ينبغي أن يكون لأكثر من ثمانين يوماً من وقت إمكان الوطء [في النكاح] ،","part":1,"page":5},{"id":1513,"text":"والمستنَد فيه  الحديث \rالنَوع الثالث: العدَّةُ بالأَقراء، فالمعتدات  بالأَقراءِ في غرضنا ثلاثة: معتادة مستقيمة العادة، ومعتادَة مختلفة العادة، ومبتدئه\rفأمَّا  المعتادَةُ المضطربةُ العادة  أو المستقيمة العادة  على الأقل فلا يخلو: إما (أن تكون)  طلقت في الطُّهر أو الحيض، فإن طلقَت في الطهر لم يقبل قولها في أقل من اثنين وثلاثين يوماً وساعتين؛ لأنه أقل ما يتصَوّر بأن يُفرَض بقاء لحظة من الطهر، واقتصار الحيض على يوم وليلة كرتين، واقتصار الطهر على خمسة عشر مرتين، وَاللحظة الثانية معتبرة (في الشروع)  في الحيض للاستبانة وإلا فليسَ محسُوبًا من العدة ، وَعلى قول آخر يُكتفى من الساعتين بساعة واحدة إذا  رأينا الانتقال من الطهر إلى الحيض قرء، فيقدر مصادفة الطلاق آخر جُزء من الطهر ، ووَافقنا أبو يوسف ومحمد في اعتبار أقل الحيض والطهر إلا أن أقل الحيض عندهم ثلاثة أيام، فيتعَيّن  الحسابُ بحسبه ، وعند أبي حنيفة  يعتبر أكثر الحيض وأقل الطهر فيحتاج إلى ثلاث حيَض وَطُهرين، فيكون ستين يوماً ،\rأما  إذا طلقت في حيض أو نفاس فلا يقبل قولها في أقل من سبعة  وأربعين يوماً، وساعتين ، وقال أبو حنيفة: إن كان في النفاس فلا يقبل في أقل من مائةٍ؛ لأن عندَهُ إذا عاودَها الدمُ في مُدّة أربعين [يوماً]  فهو دَمُ نفاس فلا يتصَوّر الحيض فيها ، ولأصحابنا وَجهٌ يُوافق مذهبَهُ ، فعلى هذا يتعَيّن الحسابُ؛ إذ ما يقع من الطُهر في مُدّة الأربعين لا يُحسَبُ  إذا كان بعدَهُ  حيضٌ في الأربعين، وَمما لابُدّ من التنبه  له أنه  يتصَوّرُ أن تلد المرأةُ عندنا من غير نفاس، فيسقط اعتبار ساعة اعتبرناها لأقل النفاس، إذ قد يتصل الطهر بالولادة ","part":1,"page":6},{"id":1514,"text":"فرع: لو  ادعت انقضاء العدّة [في مدة]  تخالفُ  الإمكان فَرَدَدْنا  قولها، فإن استأنفت الدعوى بعد مضي [مُدّة]  الإمكان قُبِل بلا خلاف، ولا ينظرُ إلى ما سبق منها من كَذِب ، وإن استمرت فهل تبني على قولها السابق انقضاء العدَّة إذا انتهينا إلى حاله الإمكان، فيه وجهان، الظاهر أن يصدِّقها في هذا القدر، وأن استمرارها بالنسبَة إلى وقت الإمكان كاستئناف الدعَوى، وهذا كما أن المخروص عليه في الزكاة إذا ادعى على الخارص غلطاً متفاحشا لا يتفق مثله (تردد)  في القدر الفاحش ، وَهل تقبل تلك الدعوى في القدر المُمكن الظاهر أنه يقبل ، ومنهم من قال: لا تصدق؛ لأن انقضاء العدّة لا يتكَرّر، وَهذه لم تدّعَ  انقضاء العِدّة أصلاً ، هذا في المضطربة العادة (أو المستقيمة)  العادَة على الأقل، فأما المعتادَة لا على الأقل فقولها  مردود فيما دون الأقل الذي ذكرناه \rوفيما دون عادتها هل يقبل وجهان، الظاهر أنه يقبل ؛ لأن العادة قد تتغيّر، وهي المؤتمنَة في رحمها \rوالثاني: أنه لا يقبل، وهذا بعيدٌ لا اتجاه له \rفأمَّا المبتدأة، ففيه جَوابان مبنيان على أن القُرء ماذا فإن قلنا: هو عبارة عن الانتقال فتصدق في اثنين وثلاثين يوماً ولحظة ، وإن قلنا: إنه عبارَةٌ عن طهر مُحْتَوِشُه  دمان فلا يُعتَد بما تقَدّم  على الحيضة الأولى فيزيد بسببه يَوماً وليلة بحيضه وَاحدة، ويُقَدِّر انطباق الطلاق على آخر جُزءٍ من الطهر ، هذا تمامُ الكلام في أحد شَرْطي الحل ، وَهو العدة\rالشرط الثاني: أن تكون محلاً للحل والاستحلال بالنكاح، وذلكَ ينخرم بسببين: أحَدُهما: الردّة، والآخرُ: الإحرام، أما الحيض والصَوم وغير ذلك من العوارض لا يمنع الرجعَة فإنه لا يمنع الاستحلال ، وأما الإحرَامُ فالظاهر أنه لا يمنع؛ لأنه لا يقطع","part":1,"page":7},{"id":1515,"text":"دوَامَ النكاح، وَإنما المنع من النكاح (إنشاءه لحديثٍ)  ورَد فيه ، فلا نقيس الرجعة على النكاح  [وباب القياس منحسم، ومنهم من طرد ذلك في الرجعة ورآها\rفي معنى النكاح]  \rأمَّا  الرِدَّةُ فمانعةٌ من الارتجاع ، قطع الشافعي في نصّه بذلك حتى إذا عادت إلى الإسلام  قبل انقضاء العدَّة فلابد من استئناف الرجعة ، وقال المزني: يتوقف، فإن استمرت على الردة إلى انقضاء العدة تبيَّن انتفاء الرجعة، وإن عادت عَودَة يستمر النكاح معها فتبيّن صحة الرجعة ، وَهذا كلام يتجه فيه ضربٌ من المعنى، ولكنه اختاره لنفسه، ولم يره الأصحاب تخريجاً، (وَالمزني له)  في اختياره   عبارات، فإذا قال: هذا ليسَ (بشيء)  كان ذلكَ إعراضاً عن المذهب، وإذا قال: قياسُ قوله كان هذا  تصرُّفاً على الشافعي، فينبغي أن يجعل ذلك تخريجاً منه، وتخريجه أولى من تخريج غيره، وإذا قال: الأشبَهُ كذا فهذا ترددٌ بين اللفظين السابقين ، وَلم يَعُدّ أحَدٌ من الأصحاب مذهبَهُ في هذه المسألة تخريجاً ، وتخريج  النص هو: أن عودَها إلى الإسلام وإن كان ينفي انقطاع النكاح (ولكنه لا يبيِّن)  انعدَام الردّة، فإذا جرت الرجعةُ والردَّةُ مقترنة  فمعنى الارتجاع: الاستحلال، وهي ليست مستحلة كانت اللفظة فاسدة فسبيل تدارُكها استئنافها، ثم إذا ثبتَ هذا في ردّتها فيُجرى ذلك في ردته وردتهما  جميعاً؛ لأن الردة تمنع الحل من الجانبين  هذا تمامُ النظر في المحل\rالركن الثالثُ: (وهو)  من قبيل الشرائطِ، وإن  سَمَّيناه رُكنا؛ لانتظام التقسيم، وهو الإشهاد  على الرجعةِ\rوفيه قولان: القديمُ أنه شرط، وهو  مذهب مالك [رحمه الله]  تعلق بقوله [تعالى] :             ","part":1,"page":8},{"id":1516,"text":"والجديدُ أنه مستحبٌ، وليسَ بواجب كما في المُداينات؛ لأن المقصود استدامة أمر لا ابتداء عقد، ولذلك  لا يثبت فيه مهرٌ ولا يفتقر فيه إلى رضي ، قال القاضي: كأن الأصحاب مترددونَ  في [أن]  الغالب على الرجعَة الابتداء أم الدوام، وَلذلك ترددوا في الإشهاد، وَزُعم أن ارتجاعَ المُحْرِم يخرَّجُ عليه، وخرج عليه افتقار العبد في الارتجاع إلى رضى السيد ، وَهذا غلط محضٌ، وهوَ مسبوق بالإجماع فيه، فإن الرجعَة ليست عقداً، ورضَى السيد ليسَ شرطاً، وليسَ مأخذ الأصحاب في الإشهاد التردُد في كونهِ عقداً؛ إذ لو كان كذلك لخرج  قولٌ في الولي، والافتقار إلى رضاها ، وَإنما مَأخذ الإشهاد ظاهرُ الكتاب، نعم ما  يثبتُ من قضايا العقود أنه لا يقبل التعليق بالإغرار وَالأخطار، وإن كان مما يستقل (به الرجل) ؛ لأن معناهُ يرجعُ إلى (خيرتة وتعلق)  الخيرة ممتنع ، ولهذا  نقول: إذا  قال: إذا طلقتُك فقد رَاجعتُك فإذا  طلقها فلا تحصل  الرجعة ، وَلو قال: إن رَاجعتُك فقد طلقتك، وَقع الطلاقُ  ، وَمن أصحابنا من صارَ إلى أن تعليق الطلاق بالرجعَة لاغ؛ لأنه يُخْرِج الرجعَة عن كونها مُفيدة للإحلال، وَهذا لا ينبغي أن يُعَدَّ من المذهب؛ فإنه في نهاية الضعف وَالفساد \rالفصل الثاني: في أحْكامِ الرجعيَّةِ \rوحقيقة حَالها أنها زوجةٌ أم خارجة عن ربقة الملك، وهذا فصل غامض، وَالأحكامُ في ظاهر النظر (كالمتناقضة) ، فقد قطع الشافعي بتحريم الوطء وإيجاب المهر ، وَهذا يدُل على زوال الملكِ؛ إذ (يستوفى ملك نفسه، ولا)  يغرمُ البدل بعدَ أن غرمهُ مَرَّةً، وقَطَع بأن الطلاق يلحقها ، وأن الميراث يجري بينها وبين الزوج ، وهذا مجمع عليه، وهو دليل على قيام الزوجية ، وَقد صَرَّحَ الشافعي [رحمه الله]  بأن الرجعيَّة  زوجة في خمس آي من كتاب الله تعالى ، وردَّد  الأحكام","part":1,"page":9},{"id":1517,"text":"التي وردت الآياتُ فيها ، واختلفَ قوله في مخالعَة الرجعيَّة، وَالمذهب صحته،\rوذلك يدُل على قيام الملك ، فقال المحققُون (تحصلنا من)  مذهب الشافعي على ثلاثة أقوال:\rأحدُها: أن الملك موقوف  أخذاً من قول بعض الأصحاب إنه إذا وطئها ثم ارتجعها فلا مهر، وإن لم (يرجعها يجبُ المهر)  ، والقولان الآخران  مأخوذان من تردُّد الشافعي في ثلاث مسائل:\rإحداها: خلع الرجعة، وفيه قولان، أصحهما الجواز \rوالثاني: الحاجةُ إلى الإشهاد وفيه قولان، أصحهما عدمُ الاشتراط \rوَالثالث: احتساب مُدَّة الحمل، وَهي أربع سنين من وقت الطلاق، أو من وقت انقضاء العدة، وَفيه قولان ، وَهذا انبنى  عن بقاء الملك وزواله، وما جعله هؤلاء مأخذاً للنظر فيه نظرٌ، فإن الإشهاد مستندهُ ظاهر الكتاب على القول القديم لا زوال الملك، فهذا لا يُبنى (على)  (الزوال، وَأما)  الخلع فالقول الجديدُ صحته، وليس يبينُ  للقول الآخر وجه، وَأمَّا مدَّة الحمل فاعتبارها من وقت الطلاق لا يدُل على انقطاع الملك؛ لأن الملك وإن كان قائماً فليست مُستفرشةً (متعرضة للاحبَال) ، فلا يبعد النظر إلى ذلكَ فهذه الأصُول لا تدل على نفي الملك، ونصُ الشافعي على التوريث ولحوقَ الطلاق يدُل على بقاء الملك، وكذلك تصريحه بأنها زوجة في خمس آيٍ من كتاب الله تعالى ، هذا وجهُ (الغموض)   في المذهب، والذي نراهُ أن أقرب طريق في (الضبط لمذهبَ)  الشافعي [رحمه الله]  الميل إلى زوال الملك ، لقطعةِ بوُجوب المهر رَاجعها أو لم يُراجعها، وقد صَرَّح بهذا اللفظ ، وَمَن نفَى المهر عند الارتجاع خرجهُ من نص الشافعي على أنه لو وَطئ المرتدة ثم أسلمت لا  مهرَ لها؛","part":1,"page":10},{"id":1518,"text":"لقرار النكاح ، فخرَّجُوا قولاً من الردة  إلى الرجعية، ومن الرجعية إلى المُرتدَّة، وَقالوا: قولان بالنقل وَالتخريج ، وهذا ضعيف؛ لأن المرتدة إذا عادت تبيَّن استمرار النكاح وَدوَام الملك، وَأمَّا هاهنا الحل  الحاصل بالطلاق لا يندفع بالرجعَة، وَإنما الرجعَةُ في حُكم استئناف جل في ظاهر الأمر، فالوجه إيجابُ المهر لزوَال ملك البضع، وَعندَ هذا (تزدَحمُ الإشكالات)  في الأحكامِ فنُورِدُها في معرض الأسئلة\rونجيب [عنها] \rفإن قيل الملكُ زائلُ فلم لا يجبُ الحدّ عندَ العلم\rقلنا: شبَّبَ به بعضُ الأصحاب، وَنحنُ لا نراهُ؛ لأن سلطنة الردِّ مقرونة به (فأنهضَ ذلك شُبهةً)  في إسقاط الحد \rفإن قيل: فلم صحَّ اختلاعها ولحقها الطلاق\rقلنا: أمَّا لحُوق الطلاق ففائدَة  تنقيص العدد؛ إذ الطلقة الثانية بالاتفاق في حق الرجعيَّة لا تحدد تحريماً، ولا تحل ملكاً جديداً، وإنما أثره في تنقيض العددَ، نعم لمَّا كان الطلاق تصرفاً فيها فافتقر  إلى ولاية عليها، فلذلكَ  لم ينفد بعدَ انقضاء العدة، ولم (ينقص العدَدُ)  به ، نعم رأى أبو  حنيفة عدَّة المختلعة سبباً في الولاية على المحل ، وَنحن لم نر ذلكَ سبباً؛ لانقطاع السلطنة ، وَأمَّا المخالعة فمن حَكمَ ببطلانها استمرَّ له، وَمن جَوَّز ذلك مع زوالِ الملك؛ فسبَبه أن المرأة لا تبذل العوض لتملك الطلاق، وَإنما تبذل للخلاص عن السلطنة  في معرض الافتداء كما قال [الله]  تعالى ، وَالحاجةُ مَاسة إلى الافتداء مع ثبُوت الرجعة \r[فإن قيل: فلم ثبت التوارث وَلا ملك\rقلنا: الميراث لا يستدعى ملكاً محققاً فإنه يثبت بعدَ الموت وَالملك منتهي، ولكنه قد ترتبط بِعُلْقة فحصلت عُلْقَة السلطنة كافية في التوريث بها]  ، فإن قيل: فلم ترددتم في احتساب مُدَّة الحمل من وقت العدة والملك زائلٌ","part":1,"page":11},{"id":1519,"text":"قلنا: الأصحُ أنه يحتسب  من وقت الطلاق ، ومُستَندُ القَول الثاني إنها في هذه العدة  متعرَّضة لسلطنة  فكأنَ الوطء  بتقدير تقدُّم الرجعة (قائم)  وَالنسبُ يغلبُ فيه اللحوق، ولذلك يُكتفى بإمكانٍ بعيد في صلب النكاح ، فإن قيل: فهلا  جوّزتم نكاحها استئنافاً، والملكُ زائل\rقلنا: لأنه مستغن عن رضاها ورضي الولي؛ لاستقلاله بالسلطنة \rفإن قيل: فهلا قطعتم باعتبار الإشهاد؛ لأنه في حكم تملك\rقلنا: لأن الأمر منُوط باختياره، فاستغنى عن الولي وعن رضاها فكيف يفتقر إلى الشهادة تلقياً من النكاح، وَحاله ما ذكرناه فلم يَكن في معنى النكاح وَافتقارُ النكاح إلى الشهادة غير معقول المعنى \rوَأمَّا الظاهرُ الواردُ في المسألة محمُول على الاستحباب، فإنه على الصيغة الوارِدَة في المُدَانيات، ثم حُمل على الاستحباب بالقياس كذلكَ هذا \rفإن قيل: هلا أطلقتم لفظ البينُونة، وقد انقطع الملك كما يطلق ذلكَ في\rالطلاق البائن\rقلنا: لأن [لفظ]  البينونة ينبي  عن انقطاع العلائق، وَعلقهُ الارتجاع قائمة، وكذلك التوريث وَغيره، فمن فهم من البينونة ما ذكرناهُ، وَلم يفهم غيره فلا حرج عليه في إطلاقه \rفإن قيل: فلِم تندرج الرجعيّة تحت قوله زوجاتي طوالق ولا (زوجَة) \rقلنا: قطع الشيخ أبُو محمد باندرَاجها ، وَالرأي في تقرير المذهب أنها لا تندَرج لما ذكرناهُ من أشعار إيجاب المهر بانقطاع الزوجيَّة، وزوَال الملك على قطع، وَهذا كما أنا نقُول إذا قال: عبيدي أحرار لا يندرج المُكاتب، (وعندهم)  ينقدحُ أن يقال الحيلولة  في الكتابة لازمةٌ، وأمَّا الحيلُولة هاهُنَا غير لازمة، فإن الأمرَ إليه وَالسلطنة  الكائنة على رَد الملك وَإثبات الزوجية يجعلها كالزوجة ، وهذا غامض، والمسألة محتملة جداً\rفإن قيل: فما قولكم في وجوب الاستبراء لو استبرأ زوجته الرجعية","part":1,"page":12},{"id":1520,"text":"قلنا: قطع الأصحاب بوجُوب الاستبراء  وترددوا فيما لو استبرأ زوجته في صلب النكاح، (منهم)  من قال: يُشترط لاستئناف (الملك) ، ومنهم من قال: [لا] ؛ لأنه نقلهَا من حلٍّ إلى حلٍّ ، أما شراء الرجعية فيُوجبُ  الاستبراء؛ لأنها كانت مُحرّمة ، ثم اختلف أصحابنا، منهم من قال: يكتفي بأقل الأمرين مما بقي من العدّة والاستبراء ، ومنهم من قال: لابد من تكميل الاستبراء، وهذا هُوَ القياس لأنا لو اعتبرنا العدّة لأحللناها  له، فإن العدة لا تحرِّم على صاحب العدة إنما تحرِّمُ على غيره، وَهذا الخلاف ينتظمُ على الوجه البعيد في أن الاستبراء يجزئ  بالطهر، وَتصويرُه على المذهب الظاهر عسرٌ  غير مفيد، ويستبين ذلك بأدنى تأمُّلٍ \rفإن قيل: بنيتم هذا على أن الملكَ يزول بالطلاق، فلم قلتُم ذلكَ [ومَا]  الذي حملكُم عليه\rقلنا: حملنا عليه في مذهب الشافعي قطعه بأنه يلتزم المهر رَاجعها، أو\rلم يُراجعها ، وهذا مما (لا يَبِينُ)  له مأخذٌ سوى زوَال الملك، وما سوَاهُ من الأحكام يتطرقُ إليه أنواعٌ من الكلام دَقّ أو ظهر، أما هذا فلا ينقدح لهُ \rسوَى زوال الملك\rوَأمَّا إثباته على أبي حنيفة يستند  إلى احتساب العدة بالاتفاق، وَالعدَّةُ في صلب النكاح لا تحتسب كما إذا قال: إذا استبرأت رَحمك فأنتِ طالق، وَإباحَة أبي حنيفةَ الوطء لا يخلصه عن هذا فإنهُ حَرَّم المسافرة، والخلوة لا على عزم الرجعة (وَلم يُلْحقها)  بالباقية في صلب النكاح ، وَليسَ يُعقَل  مرتبةٌ بين زوال الملك وبقائه حتى يكون ذلكَ سبباً  لاحتساب العدة \rفإن قيل: إن دَلّ هذا على زوال الملك فإثباتُ الرجعةَ يدُل على قيام الملكِ إذ يَبعُد إثبات سلطنة بعد زوال الملك","part":1,"page":13},{"id":1521,"text":"قلنا: لا بل الافتقار إلى الرجعَة يدل على زوال الملك، وَليس يَبعُد الزوال وإثبات سلطنة التدارُك كما في البيع بشرط الخيار، وَعلى الجملة إثباتُ الرجعَة خارج عن قياس التصرفات لا سبيل إلى (إنكارها)  على المذاهب كلها  وإثباتها على الوجه الذي ذكرناهُ أقرب المسالك، هذا غايةُ الإمكان في سَردِ هذه الأحكام على تناقضها على مذهب الشافعي [رحمه الله] \rفرع: به استتمامُ الفصل وهوَ أن الرجعية إذا وطئها الزوج كان الوطء سبباً لإيجاب عدّةٍ، وَلكنَّ يندرج تحتها بقية العدة؛ لأن العدتين من شخص واحد تتداخلان، ثم تتمادى الرجعة إلى بقية العدَّة الأولى، وتنقطع فإنه لو وطئها بعد انقضاء قرء\r تستأنف  ثلاثة أقراء، وهي رجعية في قرءين منها دون الثالث، هذا إذا لم تُحْبِل  ، فإن أَحْبَل ففي اندراج تلكَ العدة تحت عدّة الحملِ خلاف فإن أدرَجنا امتدت الرجعةُ إلى وضع الحمل، وَإن لم نُدْرِج فإذا وضعت الحمل انقضت عدة الوطء، وتعُود إلى بقية عدة النكاح بقرءين مثلاً، وَله الرجعة في القرءين ، وهل له الرجعة في مدة الحمل قبل الوضع، فيه وجهان:\rأحدهما: الإثبات؛ لأنه يستحق عليها عدة الطلاق وَالسلطنة منتظرة ولا  معنى للمنع في الحال \rوالثاني: أن الرجعة لا تثبت فإنَّها ليست في عدَّة النكاح  (ولعلنا)  نعود إلى مزيد نظر في  كتاب العدّة \rالفصْل الثالث من الباب: في حُكم استيفاء عَددِ الطلاق\rوهذا من لواحق هذا الباب، ولا يتعلق النظر فيه بمقصُود  الكتاب، فنقول الحرُّ يملكُ ثلاث طلقات على زوجته الحُرّة، والرقيقة، والعبدُ يملك طلقتين على الحُرة والرقيقة، ولا نظر إلى جانبها عندنا ، خلافاً لأبي حنيفة ، وَإذا ثبت هذا فمهما استوفى العَدَد الشرعي حَرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره ويصيبها، ثم يُطلقها","part":1,"page":14},{"id":1522,"text":"وتنقضي العدة ومعتمدة [في]  قوله تعالى:         وَليس فيه تعرض للإصابة، وَإنما مأخذها السنة وذلِكَ ما رُوي أن رفاعة ابن رَافع  طلق\rزوجته  ثلاثاً فزوجت  بعبد الرحمن بن الزّبير   وجاءت إلى رسُول الله  وقالت  يا رسُول الله: إنما معه مثل هُدْبة  الثوب، فقال: عبدالرحمن: كذبت،\rوَالله إني أعرُكها عَرك الأديم (العُكاظي)  ، فقال عليه السلام: (تريدين\rأن ترجعي إلى رفاعةَ لا حتى تذُوقي عُسَيْلَته  ويذوق عسيلتك)  فَشَرط\rالإصابة ، وعلى الجملة هذه القاعدة بعيدةٌ عن القياس وَغاية المتخيل الزجرُ\rعن الهجُوم على الطلاق في سَورَة الغضب، فإن ذلكَ مما يستعقب ندماً في غالب الأحوال، وَإذا تمهدت القاعدة فمقصُودُ الفَصل بيان أحكام الوطء وشرائطه،\rوفيه أربعة أطراف:\rالأول: في الجهة: والوطء في مِلْك اليمين غير مفيد للتحليل  وما قال  وإنما المفيد هوَ  الوطءُ في النكاح، وأمَّا الوطء في النكاح الفاسد مع ظن التحليل  فالظاهرُ أنه لا يفيد التحليل كما لا يفيدُ الإحصان ، وهذا أحد القولين\rوَالقول الثاني: أنه يفيد؛ لأنه ملحقٌ في جميع الأحكام بالعقد الصحيح \rثم المفرعون على هذا اختلفوا في الوطء بالشُبهةِ إذا لم يتقدّمه نكاح، فمنهم من اعتبر جريان نكاح نظراً إلى ظاهر الكتاب، ومنهم من اكتفى بظن الحل؛ لأنه ملحق في الأحكام بالنكاح ، وَإذا  فرعنا على حصُول  (التحليل)  فشرطهُ أن يظنها زوجته فلو ظنها مملوكته فظن الملك لا يزيد على (نفس)  الملك ، ولو كانت المرأة عالمة بالتحريم، وكانت الشُبهة في جانبه أو على العَكس، (منه، فقد)  ذكرنا في ذلك خلافاً في تحريم المُصاهرة، وَالوجهُ القطع بأن التحليل لا يحصل به؛ لأنه زناً من أحد الجانبين ، ونحنُ على عُلاله من إلحاق هذا بالنكاح\rالطرفُ الثاني: في كيفية الوطء:","part":1,"page":15},{"id":1523,"text":"وَالتحليلُ يناط  بتغييب الحشفة  من آلةٍ منتشرةٍ ، والخصيّ فيه كالفحل ، وَالمجبُوب الذي بقي مقدار الحشفة، كغير المجبُوب ، ولو نزلت المرأة على الرجل  حصل [التحليل]  به ، ولا يحصل بالاتيان في غير المأتى وإن كنا نتردَدُ في العدة وغيرها ، فأما غير المنتشر إذا (استدخلته)  أو استعان  الرجل فيه بالإصبع،\rفإن كان ممن يتوقع منه  انتشار كالرجل البالغ، ولكن صادف الاستدخال حالة  (فتور أو حالة)  عُنَّةٍ فقد قطعُوا بحصُول التحليل، إذ يناطُ به جميع أحكام الوطء ، وإن كان لا يحصل من مثله انتشار كصبي هو ابن  أيام معدُودَة فالذي أطلقه الأصحاب أن التحليل لا يحصُل به، فإن ذلك لا يسَمَّى وطءاً، وفيه إشكال؛ لأنه  حصل إيلاج (الفرج)   ولا ينبغي أن  يتردد في الغسل، وَإذا سَلِم الغُسل بَعُدَ تبعيض الأحكام ، وغاية المُمكن فيه أن المعتبر  هُو الغيرة ولا غيرة\rمن  مثله ، وذكر الشيخ أبُو محمد قولاً غريباً أنه لا يتعلق التحليلُ بوطء الصبي أصلاً وَإن ناهز الحُلم وَأقدمَ على الجماع مع الانتشار ، وَهذا لا ينبغي أن يعدّ من المذهب ، ثم ذكر الأصحابُ حيلة في تخفيف الغيرة، وَهوَ أن يشتري الزوج عبداً صغيراً وَيقبل نكاحها لهُ إجباراً على القول الصحيح في أنه يجبر العبد البالغ، ثم إنها تستدخل الآلة مع حائل إن أرادت  ليكُون أبعد من الغيرة فجميعُ أحكام الجماع تتعلقُ به \rالطرفُ الثالث: في حالات تحريم  الوطء:\rفإذا  وَطِئ في الصوم، والاعتكاف، وحالة الحيض حصل التحليل به، وكذلكَ في حالة الإحرَام ، خلافاً لمالك [رحمه الله]   ولو وطئها بعد الردَّةِ، أو بعد طلاق الرجعة، فالمنصُوص أن التحليل لا يحصل ، وقد استبعدَ المزني تصوُّر المسألة وَقال: الردَّةُ والطلاق قبل الوقاع يُثْبِت  النكاح ، فكيف يتصور هذا، فيقال له:","part":1,"page":16},{"id":1524,"text":"استدخال الماء، والإتيان في غير المأتى، والخلوة على قول، كل ذلك يُوجبُ العدة، وَيثبت الرجعة، ولا يفيدُ التحليل فتتصَورُ المسألةُ والحالةُ هذه ، ثم قال المحققون: أما المرتدة فإن  أصرّت على الردة فلا خفاء بأن الوطء بعدَ الردَّة لا يُحلِّل ؛ لأن الزوج عالم  بالتحريم، فليسَ هذا كوطء الشُبهَة، وَإن جعلنا الوطء في النكاح الفاسد مُحِلاًّ  ثم عادت إلى الإسلام، فالمسألة محتملةٌ، وليسَ الوطء كالرجعة مع (الردة) ، فإنها امتنعت؛ لأنها في حُكم عقدٍ يفسُد وَيصح بخلاف الوطء، وَأما وَطء الرجعية فينبغي أن يُبنَى على المهر فحيث نُوجبُ المهر لا يثبتُ التحليل، وَحيثُ لا نُوجبُ على وجه في صُورة جريان الارتجاع فلا يبعُد تحصيل التحليل \rالطرفُ الرابع: في دعْوَاها التحليل:\rومهما عادت إلى الزوج وقالت حَلَلْتُ لكَ فله أن يقبل قولها، وينعقدُ  النكاح؛ لأنهَا في حُكم البائعة له، وَيقبل قولها في أنها خلية من الموانع، ولكن هذا يقبل إذا لم يقترن بالحال ما يُكذبه ، نعم الورَع [أن]  لا ينكحها إلا على ثبت  ، وقال الفوراني في كتابه إن شكَّ في قولها أو غلبَ على الظن صدقها حلت ، وَإن غلب على الظن كذبها لم تحل ، قال الإمامُ وَهذا غلط وَالذي قطع به صاحبُ التقريب وَالشيخ أبو علي وَالعراقيون: أن النكاح منعقدٌ وَلكن الورَع الاجتناب؛ لأن الصدق مُمكن، وإذا أمكن فالعقود تستند  صحتها إلى الإمكان \rولو ادعت أن الزوج أصابها، وَطلقها فأنكر الزوج الإصابةَ فلا مبالاة بإنكاره فهي العاقدة فالنظر إليها ، وعلى العكس لو قال المحلل أصبتُ وَأنكرت فالنظر إلى قولها ، فإن قيل:  فهلا أحوجتموها إلى إقامَة الشهادة، فإن ذلكَ مُمكن","part":1,"page":17},{"id":1525,"text":"قلنا: أوّلاً إقَامةُ الشهادة غير مُمكن على الوطء ففيه عُسرٌ ظاهر، ثم هي عاقدة والعاقدُ لا يُطالب بالحجة في إنشاء العقود، فليسَ هذا مما يُناط  بخصُومة، ولذلك نحكمُ بأنهَا لا تحلفُ، ونجوز بناء العقد على مجرّد قولها عند إمكان الصدق؛ [لأنها تَدعي حقاً]  (ولا يدَّعي)  عليها شيء حتى يجري  فيه تحليف، وَأما  هذا إنشاء عقد بناءً على انتفاء مانع اعتماداً على قول العاقد \rفرع: إذا طلق زوجته الرقيقة ثلاثاً  ثم اشتراها فالظاهر من المذهبَ أنها لا تحل  يملك اليمين؛ لأن استيفاء العدد أبطل عليه  الحل، وَألحقها بالأختِ من الرضاع وغيرها من المحرمات إلا أن (هذا تحريم ممدود)  إلى غاية وهو التحليل، وقد قال [الله]  تعالى:       ، ومنهم من قال هُوَ محمُول على النكاح، وَملكُ اليمين خارج منهُ وهو غريب في  المذهب، وَإن كان له اتجاهٌ في القياس \r\rالبابُ [الثاني] \rفي الاختلاف في الرجعة بين الزوجين\rوللتنازع أحوال:\rالحالة الأولى:\rأن يتفقا على جريان الرجعة و [انقضاء]  العدة جميعاً ثم يختلفان في (التقدم والتأخر) ، وفيه  ثلاث صُور:\rإحداها: أن يتطابقا على أن العدة انقضت يوم الجمعة غير أن الزوج زعم أنه ارتجع يَوم الخميس، وقالت المرأة: بل  ارتُجِعتُ يوم السبت، ففيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: وَهو الذي ذكره المراوزة من عند آخرهم، وهم تلامذة القفال أن القول قولها ؛ لأن انقضاء العدة متفق عليه ، والزوج يدعى الرجعة في حالة انقطاع سلطنته، فإن النزاع واقع بعد انقضاء مُدّة العدة، فصار كالوكيل إذا ادّعى بعد العزل أنه كان قد باع قبل العزل فلا يصدق بل يُطالب بالبينة ","part":1,"page":18},{"id":1526,"text":"والوجه الثاني: أن القول قوله، وهو الذي ذكره العراقيُون وَصاحبُ التقريب؛ لأن قولها لا يقبل إلا في إخبارها عن انقضاء أدوارها في الطهر والحيض، وقد قبلنا ذلكَ وانتهى قولها والزوج يدَّعى الرجعة، وهو مستقل بها لا يشترط في صحتها علم المرأة، ومُوجب قوله أن العدة ما انقضت؛ لأنها  عادَت بالرجعة إلى صلب النكاح، وَانقطعت  العدة، ويعتضدُ هذا بأمر وهو أن الزوج لو ادَّعى الوطء في مدة العُنّة بعد الاعتراف بالعُنّة فالقول قوله مع أن الأصل عدم الوطء ومعَ تقدُم الاعتراف بالعُنّة وإنما صدقَ تشوُّفاً  إلى استبقاء  النكاح فليكن كذلك في مسألتنا وليسَ هذا كالوكيل فإن القياس يقتضي أن لا يقبل قول الوكيل مع استمرار الوكالة فيما يتعلق بثالث، وَلذلك لا يقبل قول المودَع في دعواه الرد على أجنبي بإذن المالك، ولكن سبب قبوله ملك  الإنشاء فملك الإجبار  وإذا انقطعت سَلطنة الإنشاء فلا\rمعنى لإقراره \rالوجهُ  الثالث: ذكرهُ صاحب التقريب، وهو أن المصدق منهما من ابتدر إلى الدعوى فإذا قالت أوّلاً: انقضت عدتي فالشرع يحكُم بقبُولها ؛ لأنها مؤتمنة في رحمها، فقولُ الزوج بعدَ ذلك راجعتُ دَعوى بعدَ الحُكم بانقضاء العدة، وإن قال الزوج أوّلا: راجعتُ وهو مستقل به فهذا قاطع للعدة، وَإذا  قالت بعد ذلك: انقضت عدتي قَبل ذلكَ، وما راجعت قبل الانقضاء فلا يقبل قولها، وَهذا ما اختارَهُ العراقيون \rثم اختلفوا في التفريع على هذا في أنهما لو تساوقا في إنشاء الدعوى على وجهين:\rأحدُهما: أن القول قولها؛ لأن المرأة مؤتمنة، وليست مُنشئةً أمراً، وإنما  هي مخبرة عن سابق، لا مُطلعَ عليه إلا من جهتها، والزوج يدعى إنشاء أمر على اختيار فهو أبعَد من التصديق \rوالثاني: القول  قول الزوج؛ لأن المرأة لا تخبر إلا عن صورة الأطهار، والزوج يخبرُ عما مَلكه ، ويستقل به فهو أولى [بالقبُول]  ","part":1,"page":19},{"id":1527,"text":"الصُورَة الثانية: أن يقعَ الوفاق على أن الرجعة جرت يوم الجمعة، وَقالت المرأةُ: كانت العدَّة قد انقضت يومَ الخميس، وقال الزوج: بل انقضت يَوم السبت، فتجري  الوُجوهُ المتقدمة في هذه الصورة فعلى مذهب المراوزة  القول قول الزوج؛ لأنه جرى الوفاق على وقتها، والأصل استمرار العدة وعدم انقضائها ، وعلى مذهب العراقيين القول قول المرأة فإنها تقول: وافقتُ في جريان صورة لفظ الرجعة، والعدة منقضية قبله فلا رجعة، والرجُوع في العدة  إليها ، ومنهم من يراعي على الابتدار ، ثم يختلفون على هذا عندَ جريان التساوق كما مضى \rالصورَةُ الثالثة: أن لا يقعَ التعرض لوقت الرجعَة والعدة، ولكن كل واحد يدَّعي التقدم على الإطلاق، فقد ذكر الشيخ أبو محمد وجهين:\rأحدهما: أنه  المصدَق استبقاء للنكاح  \rوالثاني: أنها المصدقة ؛ لأنها مُؤتمنةٌ في رحمها، ولا مُطَّلع إلا من جهتها بخلاف الزوج؛ فإنه يقدرُ على الإشهاد على الرجعَة، وعند هذا يظهر وجهُ المبادرة ، ثم إذا تساوقا فيعود الكلام، فيحتمل أن يقال: التحريمُ أغلبُ عند التعارض، ويحتملُ أن يقال: [الأصل]  استمرار النكاح  هذا تمام هذه الحالة\rالحالة الثانية:\rأن يقع الوفاق على وقت انقضاء العدة، ويدّعي الزوج رجعة قبلها، وتنكر المرأة جريان أصل الرجعَة، قال صاحبُ التقريب هاهنا القول قول المرأة بلا خلاف ، قال الإمام: هذا  خطأ صريحٌ؛ إذ لا تفارق هذه الصورة الصورة السابقة إلا أنها أنكرت هاهنا أصل  الرجعة، وفي تلك الصورة اعترفت، وما اعترفت  به ليس رجعة بزعمها، وإنما هو لفظ رجعة فينبغي أن يعُود في هذه المسألة الاضطراب إذ تعارض (فيه)  الأصول وَهوَ أن الأصل عدم الرجعَة والأصل استمرارُ النكاح \rالحالة الثالثة:","part":1,"page":20},{"id":1528,"text":"[في]  التنازُع مع قيام العدَّة فإذا قال: راجعتُك أَمس، وَأنكرت فالقول قوله ، هذا ما يجبُ القطع به، لأنه أقرّ في حالة قيام السلطنة، كالوكيل إذا أقر بالبيع ، وذكرَ صاحبُ التقريب وَجهاً: أن القول قولها، فإن أراد الزوج ارتجاعها فلينشئ وهذا غلط صَريح؛ إذ يلزم [مثله]  في الوكيل، ولا صائر إليه، ثم لو كان الزوج كاذباً في دعوَاه فما جرى من الإخبار ليس برجعة، هذا ما يجبُ القطع به؛ لأن الإخبار يُنَاقض \rالإنشاء ، وحكى الشيخ أبو محمد عن القفال أنه يكون إنشاء، وطردَ ذلك فيمن أقر بالطلاق ، وَهذا لا وجه له إذ نص الشافعي وأصحابهُ على [أن]  من أقر بالطلاق كاذباً فالنكاح قائمٌ بينه وبين الله تعالى ، وَعلى هذا يبُنى مسائل التديين في قوله نويتُ طلاقاً عن وثاق إلى غير ذلك من الصور ، فإن قيل: نصّ الشافعي [عن أن]  من نكح أمةً ثم قال: نكحتُها وأنا لا أخاف  من العنت كان طلاقاً \rقلنا: هذه  زيادَةُ إشكال، وَالوجهُ حمله على خللٍ في النقل، أو حمله على أنه أراد به (أنه يفرّق)  بينهُما ظاهراً فيعمل  هذا في التفريق عمل إنشاء الطلاق \rفإن قيل: نصّ الشافعي (مخالف بعض)  ما ذكرتموه فإنه نص على أنه لو قال: ارتجعتُك، وقالت: انقضت عدتي قَبْل رجعتُكَ صدَّقتُها إلا أن تقر بعد ذلك فتكون  كمن جحدَ حقاً ثم أقر به ","part":1,"page":21},{"id":1529,"text":"قلنا: (اعترض)  المزني على هذه المسألة، وقال: يجب تصديق الزوج؛ لأنه مبتدئ بدعوَى  الارتجاع، وقولها انقضت عدتي متراخي  عن قوله ، ونحنُ نقول: الشافعيُّ  صَوَّر المسألة في إنشاء الزوج الرجعة، وإذا  فرضت ذلك سقط أثر الرجعة؛ لأن  حُكم الإنشاء بيّنٌ  بعدَ الفراغ من اللفظ، وقول المرأة إخبار، وَحُكم الإخبار يثبتُ قبل  اللفظ عند التصديق لا محالة، فيكون فراغ الزوج من اللفظِ مُلاقياً لحالة البينونة فلا ينفذ ويلغُو ، نعم لو قال: أردتُ به الإخبار وَأسنَدَ الرجعة إلى ما قَبْل ذلك بزمان فهو رُجُوع إلى التفصيل الذي ذكرناه  ، وَأمَّا معنى قول الشافعي صدقتها إلا أن تقرّ بعدَ ذلك فيكون كمن جحدَ حقاً ثم أقر به، فالمعني به أنَّا إذا صدقناهَا في نفي الرجعة في صورة تقتضي تصديقها (من الصور السابقة فحلفت)  ثم رجعت وكذبت نفسها مَكنّاهَا من الرجُوع، وحكمنا باستمرار النكاح، وهذا مشكل؛ فإنها  أقرت بما يقتضي التحريم، ثم رجَعَت ، ولو أقرت بنسبٍ أو رضاعٍ، ثم رجعت لم يقبل، والفرقُ أن الرجعة تجري  وهي لا تشعُر بها فإذا أنْكَرَت ثم أقرَّت كان معنى ذلك أني لم أعلم ثم علمتُ، وهذا لا تناقُض فيه، بخلاف الرضاع وَالنسب فإنه يستندُ إلى إثبات فإذا أخبرت  عنه كان مُثبتاً عن ثقة وعلم، فقولها  الأخير يناقضه \rفإن قيل: فلو قال: ما أتلف فلان مَالي ثم رَجعَ لا يقبل وإن كان ذلك نفياً\rقلنا: لأنه أقر بنفي استحقاقه ثم طلب حقاً، أما هاهنا جحدَ حق الغير ثم اعترف به مع مُوافقة المستحق \rفإن قيل: لو (قالت) : ما رضِيْتُ في عقد النكاح وصدَّقناها (فرجَعَت) ","part":1,"page":22},{"id":1530,"text":"قلنا: هذا محتمل، وليس يبعد تكذيبها؛ لأن اليمين على نفي الرضاع يقع باتاً جازماً، فإخبارها  عن نفي الرضا  لا يجري إلا عن  ثبت، وَيحتملُ تصديقها أيضاً، وحمل ذلكَ على نسيان أو غيره ، ومما  يتعلق بالتنازع في هذا الباب أن  الزوج إذا راجع  وَأشهدَ وَظنّت المرأة انتفاء الرجعَة فنكحت بعد مضى الأقراء فيَردّ النكاح ، فلو لم يكن للزوج بيّنة، وَأشكل أمرُ الرجعة، فهذه امرأةٌ تدور بين زوجين فيتوجّه دعوَاهُ عليها ، وَهل يتوجهُ على الزوج وَكيف التفصيل فيه  هذا قد ذكرناه في كتاب النكاح [في]  ازدحام عقدين من وليين مع استبهام الأمر فلا نعود إليه ","part":1,"page":23},{"id":1531,"text":"كتابُ الإيلاء\rوفيه بابان:\rأحدهما: فيما يصح من الإيلاء ومَا لا يصح\rوَالثاني: في بيان أحكام الإيلاء الصحيح\rالبابُ الأولُ\rفي (بيان) الإيلاء الصّحيحِ وَالفاسدِ\rوَنقولُ في تمهيد الباب: الأصلُ في الإيلاء قوله سبحانه وتعالى: الآية\rوَالإيلاء في اللغَّة: اسمٌ للحلف، وَمنه الأليَّةُ لليمين، وهو في لسان الشرع مخصوص بالحَلِفِ المعقود على الامتناع من وَطء الزوجات، فإذا حلف بالله لا يطأ زوجته وَأصَرّ على الامتناع حتى انقضت أربعة أشهر طولب بالفَيئة فإن امتنع طُلق عليه، (أو أُجبرَ) على الطلاق على ما سيأتي، فنقولُ الآن صحّةُ الإيلاء يعتمدُ أركانا:\rمنها: الأهليّة، ونعني (به الصفَات المرعيَّة) في الحالف\rومنها: صيغة اليمين، ولها [ثلاثة] أركان:\r[الأول]: (ما به) الحلف من أنواع الالتزام، إذ لابد [من] (أن يشتمل) اليمين على التزام\rوالثاني: ما عليه الحلِف، وهو الجماع (أو الاستمتاع)\rوَالثالث: المدة التي فيها الامتناعُ بحكم الحلف، إذ لابُدّ (من أن) تزيد المدة على أربعَة أشهر، فمجمُوع هذا إذا نظمناه (أربعةُ أركان)\rالركن الأول: في الصفات المرعيّة في المُوْلِي، فأمَّا الصفات العامةُ التي تشترط في جميع التصرفات فلسنا لها والذي يختَصَّ الإيلاء به وصفان:\rأحدُهما: أن يكون مستحقاً للوطء بحُكم النكاح، ثم يستوى بعدَهُ المسلمُ،\rوالكافر، والحر، والعبد، وجميع أصناف الأزواج بعد كونهم من أهل\r(التصرفات)، ووافقنا أبو حنيفة في إيلاء الذمّي، وإن خالف في ظهاره، ثم","part":1,"page":1},{"id":1532,"text":"إذا  آلى الذمي ورفع إلينا حَكمنا [عليه]  بحُكم الإسلام، وهو ضرب  المدة، وطلب الفيئة، والتزام الكفارة، إن رَأيناها ، ويبنى  على هذا الوصف أنه لو  قال لأجنبية، وَالله لا أطأك أبداً ثم نكحها لم يثبت حُكم الإيلاء، وَإن كان يتعرض للالتزام بالوطء، وهذا يخدش المعنى  المرعيّ في قاعدة الإيلاء، وهو إثباتُ المُطالبة درءاً للضرارِ، (فإنها إنما تراخي)  الأوقات على رَجاءٍ، وينقطع الرجاء باليمين، ثم هذا المعنى مُطّردٌ  في الصورة التي ذكرناهَا وَلكن اتفق الأصحاب على أنه لا يكُون مؤلياً؛ لأن الإيلاء تصرُّفٌ يختصُّ بالنكاح في  أحكامه فيشترط  قيامُ النكاح لثبوتِ الأحكام  ، وقد ذكر صاحبُ التقريب وَجهاً: أنه يصح هذا الإيلاء وهو غريبٌ لا اتجاه له في المذهبَ إلا على قول بعيد (مُوافق لمذهب)  أبي حنيفة في تعليق الطلاق قبل الملكِ حَكاهُ صاحب التقريب أيضاً ، وَأمَّا إيلاء الرجعيّة فصحيح، وَإنما يُفيد إذا ارتجعهَا؛ لأن العائدَ هو الاستحقاق السابق بالسبَب المقدّم، وكان السبب غير منقطع حالة الإيلاء ، ولو أبانها ثم أعاد [عليها]  النكاح بعدَ جريان لفظ الإيلاء، فهذا يحتملُ أن يُبنَى على الخلاف في عودِ الحنث ","part":1,"page":2},{"id":1533,"text":"الوصف الثاني: وهو تصوَّرُ الجماع منه، وهذا مما اختلفوا فيه مع الاتفاق على صحّة إيلاء المريض المدنَفِ ، وإيلاء الخصيّ المنزوع الأنثيين، وكذلك المجبُوب الذي بقي من ذكره مقدَار الحشفة ، وَأما المجبوب الذي لم يبق من ذكره شيء اختلف  طرق الأصحاب فيه؛ لاختلاف نص الشافعي ، فمنهم من قال  قولان مُطلقاً، ومنهم من قال: نقطع بأن إيلاءه لا يصح، وإنما القولان فيه إذا آلى ثم جُبَّ هل تنقطع اليمين ومنهم من قطع بأن الإيلاء من المجبُوب [لا يصح] ، وإذا طرأ الجَبُّ انقطع  اليمين، وهذا هو الذي لا يُعقل سواه؛ إذ تصحيح الإيلاء ومعناه الحلف على الامتناع مع استحالة الإقدام محال، وإبقاء اليمين مع استحالة الحنث محال ، ونحن نقول: لو قال: إن وَطئتُكِ فعبدي حرٌّ، (فمات العبد)  أنحل الإيلاء، لأنه أيسر من الالتزام بالحنث ، فهاهنا كيف يبقى الإيلاء! وعلى الجُملة إن كان في هذا الطرف احتمال فلا وجه لتصحيح الإيلاء ابتداءً، ومن صححه فوجههُ أن الإيلاء  يعتمدُ الإضرار باللسان، وقد حصل منهُ، ثم قالوا: عندَ المُطالبة بالفيئة تكفيه الفيئة باللِسَان\rوالاعتذار بالمانع، كما سنذكر ذلكَ في المريض وغيره ، وهذا في حُكم العبث؛ لأن ضربَ المدَّة لتوقع الفَيئة في حق من يُوثق بعجزه لا معنى له ، ثم قال الأصحابُ الإيلاء عن الرتقاء والقرناء يلتحقُ بإيلاء المجبُوب في كل تفصيل طارئاً كان أو مقارناً (ولا خفاء بوجه التساوي) \rالركن الثاني: فيما يقع  الحلف (به وَهيَ)  أقسام:","part":1,"page":3},{"id":1534,"text":"القسم الأول: وَهوَ أُمّ الباب: الحلف بالله  أو صفة من صفاته، كقوله: وَالله لا أجامعك، وَما يجري هذا المجرى، وَالمذهبُ الجديد أن الإيلاء لا يختصُ بهذا القسم بل يثبت الإيلاء بالتزام العبادَات في الذمة، وتعليق الطلاق، وَالعتاق كما سنذكرهُ ، وللشافعي [رحمه الله]  قولٌ في القديم أنه يختصّ به توجيه القولين، من لم يخصص به استندَ إلى أن المعنى في إثبات المطالبة بالفيئة  أن الزوج امتنع عن الوقاع بالتزام (ما يمنعُه)  عنه، وهذا المعنى جار في التعليقات والتزام العبادات، وتوجيهُ القول القديم أن الإيلاء تصرفٌ غريبٌ يعني به أحكامه التي تختصّ بالنكاح فحقّه  الاقتصار فيه، وَقد كان الإيلاء طلاقاً في الجاهلية فتصَرّفَ الشرعُ فيه وَغَيّرهُ بأن جعله موجباً للطلاق بعدَ مُدّة، فينبغي أن لا يُنَاط هذا الحُكم إلا بما عُرفَ في الجاهلية إيلاءً وهو الحِلفُ بالوقاع، وَالعَربُ وَإن كانوا يحلفُون بالأصنام -ونحنُ لا نراها- ولكنهم كانوا يعتقدونها  يميناً ، (ثم إذا ثبتَ)  الإيلاء بصيغة اليمين فالمذهبُ الجديد أنه يلتزم الكفارة بالحنث عندَ الوطء، وفي القديم قولان:\rأحدهما: ما ذكرناه \rوالثاني: [أنه]  لا يلزمه؛ لأن اليمينَ في النكاح صُرفَ عن وضعه لما\r(أَنْ نِيْط)  به ضربُ المدَّة وَطلبُ  الفَيئة فلا يبقى حُكمُ اليمين، ويتأيدُ هذا بقوله تعالى:    •      أشعر ذلكَ بأَنَّ مَن فاء تدارَكه  الصفحُ، ولا عُهدة عليه بعدَه ","part":1,"page":4},{"id":1535,"text":"ثم لو جَرَت الفيئة قبل المُدَّة قال القاضي: قولان مرتبان، وأولى بوجوب الكفارة؛ لأن مأخذ النفي [ظاهرُ]  قوله تعالى:  •      وهذا  إنّما جرى بعدَ المُدّة ولم يجر للفيئة قبل المُدَّة تعرُّضٌ في الكتاب ، وهذا الترتيب ضعيفٌ؛ لأن العفو منُوط بالفيئة؛ لما فيهَا  من دفع الضرار (والمبادَرَة)  إلى الفيئة أحرى بذلك، ثم  لا حُجَّة في الآية، فإنها مَا سيقت لنفي الكفارَة وإنما سيقت للتنبيه  على جَواز الفيئة كيلاً يظنُّ المعظم ربه  أن الحنث في اليمين مُحَرّم \rولو حَلَف على ثلاثة أشهر ثم وطئ يلزمهُ الكفارة، ومنهم من طردَ القولين وهو ضعيف، إذ حُكمُ الإيلاء لم يثبت في هذه الصُورَة ، قال  المحققون: القول القديم أن الإيلاء يختصُّ باليمين مأخوذ من هذا التردُّد فإن رَأينا أن الكفارة يلزم  فيتجه إلحاق جميع أنواع الإلزام  به، وَإذا قلنا: لا يلزم  الكفارة لم يتجه إيقاع  الالتزام إلا أن هذا البناء  يشير إلى قول في القديم في صحة الإيلاء بالإلزامات ، وقد نقلنا في القديم (قولاً واحداً)  أن الإيلاء لا يصح إلا بالحلف  بالله \r(وإذا)  كُرّر اليمين في الإيلاء على التواصُل (وقد قصَد)  به التكرار تأكيداً (أو التجديد)  قُبِل قصده ، وإن أطلق فعلى ماذا يحمل فيه قولان كما في\rالطلاق ، وإن تخلل فصلٌ وكَرّر ثم فسرَّهُ بالتأكيد ففيه وفي تكرر  التعليق في الطلاق ثلاثة أوجه:\rأحدها: القبول كما في الإقرار؛ إذ فيهما أيضاً مَعنى الإخبار \rوَالثاني: المنع كما في الطلاق، إذ فيهما معنى الإنشاء \rوالثالث: القبُول في اليمين والإيلاء دون التعليق ، ثم مهما حُمل على التجديد في الإيلاء، ففائدته  ذكر خلاف في تعدد (الكفارَة في الوطء)  ","part":1,"page":5},{"id":1536,"text":"القسم الثاني: في التزام العبادَات، والتفريعِ على الجديد ولا عوَد إلى القديم بعد هذا، وفيه [أربع]  مسائل:\rإحداها: أن يقول: إن جامعتك فلله عليَّ أن أصُوم شهراً، صحَّ الإيلاء؛ لأنه\rتعرّض للالتزام \rالثانية : أن يقول: إن جامعتُك فللّهِ علي أن أصومَ هذا الشهر، لم يصح الإيلاء؛ لأن المطالبة تتوجه بعد المُدّة، وقد انحلَّت اليمين، وارتفع المانع \rالثالثة: أن يقول: إن جامعتك فللّهِ علي أن (أصوم الشهر)  الذي أجامعُكِ فيه، فهو مول، ثم إذا جامعَ لزمه صوم بقيّة الشهر إذا رأينا الوفاء واجباً ، وهل (يلزمه)  صوم ذلكَ اليوم تبنى على أن (صُومَ بعض)  اليوم  مع تقدُم الإمساك هل يلتزم  بالنذر وَفيه خلاف \rثم مهمَا حنثَ  في هذا القسم ففيما يلزمهُ  ثلاثة أقوال:\rأحدها: كفارة اليمين \rوالثاني: الوفاء \rوالثالث: أنه يتخيَّرُ، وَليسَ يُلْفى  هذا القول منصُوصاً للشافعي [إلا]  في هذا الكتاب ، وهو جار في نذر الغضب واللَّجاج  على أي وجه صُوِّرَ \rالرابعة: أن التزام العتق في الذمّةِ (كالتزام الصَوم) ، وَالصلاة، وَسائر العبادات \rالقسم الثالث: في الحلف بالعتق، وفيه (ستّ)  مسائل: \rإحداها: أنه لو قال: إن جامعتُكِ فعبدي حُرٌّ، انعقدَ الإيلاء، فلو مات انحل، إذا كان الموت قبل مضي المدّة؛ لأنه خرجَ عن التعرض للالتزام \rالثانية: لو قال: إن جامعتُكِ فعبدي حُرٌّ  عن ظهاري، وكان قد ظاهرَ من قَبْل، كان مؤلياً؛ إذ يتعلق به العتقُ لا محالة، فقد تعرّض للالتزام ، ثم إذا وطيء فهل ينصرف العتق الواقع إلى كفارة الظهار، فيه  وَجهان أصحهما: أنه ينصرف إليه (لأنه صرفه إليه)  ","part":1,"page":6},{"id":1537,"text":"والثاني: أنه لا ينصرف؛ لأنه تأدّى به حق الحنث، ولا يتأدَّى بالعتق الواحد حقان، وَهذا فاسدٌ، وقد طردُوهُ  فيما إذا قال: إن دخلت الدار فأنت حُرٌّ عن الظهار، وَقالوا: يعتق ولا ينصرف إلى الظهار، ووَجهُ فساده أن المعلَق ليسَ مُلتزماً ولكنه مضيقُ للإيقاع إلى زمان أو حالة فكأنهُ منجز عند وُجود تلكَ الحالة \rفإن قيل: فإذا اخترتم  الانصراف إلى الظهار فكيفَ يكون مؤلياً وَلم يلتزم أمراً جديداً\rقلنا: التزم  التعجيل في العتق، والتعيين في العبد، وإذا تعرّض له وعلم أن العتق يقع لا محالة كان ذلك مانعاً، ونحن نكتفي بنصب مانع \rالثالثةُ: لو قال: إن جامعتُك فعبدي حُرٌّ عن ظهاري، ولم يكن ظاهر من قبل، فما ذكرهُ إقرارٌ  بالظهار، فنواخذه  به حتى نجعله مولياً في الحال، فنقدرُه  مُظاهراً، ثم إن كان صادقاً بينه وبين الله تعالى لم يكن مولياً ولا مُظاهراً، وَلكن حُكم الظهار ما ذكرناه، (وفائدته أنه)  إذا وطيء عَتق العبد، ولو امتنع طُولب بالفيئة أو الطلاق \rالرابعة: أن يقُول: إن جامعتك فعبدي هذا حُرٌّ عن الظهار إن تظاهرت، فليسَ هذا إقراراً  بالظهار، وَلكنه تعليق للعتق  على صفتين:\rإحداهما: الوطء","part":1,"page":7},{"id":1538,"text":"والأخرى : الظهار، وحُكمه أنه لو (وطئ)   في الحال لم يعتق فلا يكون مولياً، وإن تظاهَر  صارَ مولياً من وقت الظهار، إذ عندَهُ يتعرّض للالتزام ، ومن أصحابنا من قال في جعله مولياً قبل  الظهار قولان؛ لأنه يقربه من اللزوم إذ يتحقق به أحد وصفي العتق ، وسنذكر مأخذ هذا في الإيلاء عن نسوة ، ثم [لم]  يختلف أصحابنا في هذه الصُورَة أنه إذا تظاهرَ  ووطئ حصَل العتق لوجُود الصفتين، ولم ينصرف إلى الظهار؛ لأنه قَدّم تعليق الصرف إليه على وجود سببه، وَالتعليق عند الشافعي مأخوذ من التنجيز، وليسَ له تعجيل  عتق الظهار قبل الظهار، فليس له تعليقه كالطلاق قبل النكاح ، وعلى هذا لو قال: إن دخلت الدار فأنت عليَّ كظهر أمي  فقد وُجد سبب الظهار قبل وجُود الدخُول فلو أعتق عن جهة الظهار هل ينفذ العتق فيه خلاف سنذكره في موضعه \rالخامسَةُ: أن يقول: إن جامعتُك فلله علي أن أعتق هذا العبد عن ظهاري، وكان قد ظاهرَ هل يكون مؤلياً هذا يبتني على أنهُ هل يلتزم  تعيين العبد بالعتق فيه  وجهان:\rأحدهما: أنه لا يلزم، كما إذا كان عليه صوم [يوم]  فعَيّنَ له يومَ الجُمعة، أو كان عليه أداء زكاة، أو نذر فعيّن درَاهم لها لا تَتَعَيّن ، وهذا بخلاف التعيين في الابتداء فإنه لو قال: لله علي أن  أعتق هذا العبد، أو أتصدّق بهذه الدراهم بطريق العبد والدراهم بطريق التبعية لأصل اللزوم، ولأن له غرضاً في التعيين، وهوَ أن ينحصر الاستحقاق فيه، فأمَّا إذا استمر الاستحقاق على الإرسال  فالتعيين ليسَ له قربة مقصُودة حتى يلزم  على حياله، وينضم إليه أنه بالتعيين يَبطل استرسال الحق اللازم، ويحصرُه في العين المُعَيّنة، وَذلكَ لا سبيل إليه بعدَ استقرار حال  اللزوم على الإرسال ","part":1,"page":8},{"id":1539,"text":"وَالوجّهُ الثاني: أن العبد يتعيَّن للعتق المستحق بالتعيين الطارئ، بخلاف الدراهم واليَوم في الصوم؛ إذ العبد ذُو حظ في العتق، ولذلكَ يدعى ويحلف، فإذا التزم له شيئاً لابد من إثباته ، وهذا مشكل من حيثُ إن النذور لا تبنَى على الأغراض وَإنما تبنى على القربات، وَتعيين غانم عن سالم ليسَ  قربة في العتق أصلاً، وإذا ثبت هذا الأصل ابتنى صحة الإيلاء عليه، فإن ألزمناه بالتعيين كان مؤلياً  ، والعجبُ أن المزني نقل عن  الشافعي أنه ليسَ بمُؤلي، ونَقلَ أن العبد يلتزم تعيينه بعدَ استحقاق العتق ، وهذا غلط ؛ إذ للشافعي [رحمه الله]  نصُوصٌ في الكتب على أنه مُولي \rالتفريع: إذا جعلنا  مؤلياً ففيما يلزم  عند الحنث الأقوال الثلاثة ، فإن  أوجبنا الكفارة وَأعتق  العبد عن الظهار كانت الكفارة باقية، وإن أوجبنا الوفاء فوفَّى سقطت الكفارة ، وهل ينصرف إلى جهة الظهار على الوجهين السابقين، وَالصحيحُ أنه ينصرف ، وإذا قلنا: لا ينصرفُ فنُوجبُ الإعتاق، ونجعله كالملتزم عتقاً مُطلقاً، وهذا بعيدٌ، إذ يلزمُ على مسَاقة صحةَ الإيلاء، لو قالَ: للّهِ عليّ أن أصُوم يومَ الجمعة عن القضاء الذي عليَّ لم  يجعل ملتزماً ليوم على الإطلاق، وَهذا لا قائل به ","part":1,"page":9},{"id":1540,"text":"السادسَةُ: لو قال: إن جامعتُك فعبدي حر قبله بشهر صار مؤلياً وَلكن تحسب مُدّة الإيلاء بعد مضي مُدَّة  شهر فإنه لا يلتزم  بالوطء في الشهر الأول شيئاً، إذ يُؤدّى تحصيل العتق لو حصَل إلى التقديم على اللفظ، وهو محال، وإذا مضى أربعةُ أشهر من وقت اللفظ لم تتوجّه المُطالبة؛ لأنه لم ينقض من وقت التعرض للزوم  إلا ثلاثة أشهر، فيُطالبُ في الشهر السادس من وقت اللفظ ، ولو  باعَ في منتصف الخامس فيُطالب  في السَادس إذ لو جرى وطء أثبتنا  بُطلان البيع، وتقدم العتق، ولو تُرِكَت المُطالبة حتى مضى شهر كامل من وقت البيع انقطعت المطالبةُ؛ إذ سَقَط\rالتعرض للالتزام \rالقسم الرابع: في الحلف بالطلاق، وفيه مسائل:\rإحداها: أنه إذا  قال: إن وَطئتُك فأنتِ طالق ثلاثاً ثبت  الإيلاء للمعنى الذي ذكرناه ، ثم يطلق، أو تطلق عليه، أو يفئ بعدَ المدة، أو (قبلها) ، وإذا أفاء ووطيء وقعت  ثلاث طلقات، ثم لو استدَام أو نزع وَأولج فحكم المهر والحد وما يتعلق به من الأحكام فيه تفصيلٌ ذكرنا جنسهُ في كتاب النكاح، فلا عود إليه ، وَالذي يزيده أن الإقدام على الوطء إلى تغييب الحشفَة مُجوّز، ولذلك نطالبُه  بالفيئة، وتجويزه على تقدير الأمر بالنزع عند حصُول الحشفة، والنزع ترك للوطء  فلا يتناول  التحريم؛ لأنه خروج من المعصية ، وقال ابن  خيران يحرَم الوطء ، إذ وَصلُ النزع بتغييب الحشفة غير مُمكن من غير تَخلُّل فصل أو تقدير زيادة، فالأصحابُ  بنوا ذلك على تقدير الإمكان وبذل المجهُود، ثم لا يتعلق التكليف بما يخرج عن المقدور \rفرع: لو قال لغير المدخُول بها إن وَطئتُكِ (فأنت طالق) ، فهو مُؤلي، فلو وطئها وقع الطلاق رَجعياً، وهذا فيه غموض من حيث إن الطلاق وَقع مع المسيس لا متراخياً  عنهُ، وَلكن الطلاق مُبينٌ وَالمسيس مقيد وقد ازدحما (فغلبت)  جهة البقاء على جهة الانقطاع ","part":1,"page":10},{"id":1541,"text":"الثانية: أن يقول: إن وطئتُك فضرّتُك طالق فهو إيلاء، فلو طلق الضَرّة ثانياً  انقطع الإيلاء، فإذا قلنا: يَعُود فلا يستأنف  المدة بل يبنَى ؛ لأن الامتناع مُطَّرِدٌ من غير عذر، وإنما تخلّل سقوط الالتزام، بخلاف ما لو تخلّلت مُدّةُ الرجعة، فيراجعها  إذا امتنع وقوع الطلاق، فلو أعاد نكاحها ابتنى عَودُ الطُلْبة على عَود الطلاق المعلق في نكاح سابق، وفيه قولا عود الحنث \rالثالثة: إذا قال: إن وَطئتُ إحداكما فالأخرى طالق، قال ابن  الحداد: إذا مضت المدَّة وَجاءتا إلى القاضي طالبتين ولم يفء الزوج، فالقاضي يُطلق إحداهما على الإبهام، ثم ينزل الطلاق على التي أرادَها الزوج بقلبه، وصوَّر  المسألة فيما إذا كان قد عَيّن الزوج بقلبه إحداهما ، قال القفال: هذا غلط؛ لأن الدعوَى لا تصح منها ، إذ كل واحدة ليست تدري أنها مستَحِقَّة للمُطالبة، أم لا فكان كرجُلين ادّعيا أن لأحدهما  على فلان ألف واعترفا بالإشكال، وَهذا اعتراض وَاقع وَسبيل توجيه مذهَب ابن  الحَدّاد أنَّ الضرار دَائمٌ (وإهمال)  الواقعة إضرار، ولا سبيل إلى  الخلاص إلا إبهام الطلاق \rالتفريع: إذا طلَّق القاضي مُبْهِماً فالتعيينُ إلى الزوج، فإن كان قد عَيّن بقلبه\rنزل على المعينة، وعليه التعيين، (وَإن كان لم يُعيّن)  فعليه التعيين ، فلو قال قَبْل التعيين: رَاجعتُ التي صادفها الطلاق، ففي صحّة الرجعة مع الإبهام وَجهان، ذكرهما الشيخ أبُو علي، أصحهما الامتناع للإبهام، فإنه لا يقبل الرجعة التعليق، فلا تقبل\rالإبهام كيف\rوهو نوع من الاستحلال فلابُدّ من التأنُّق  فيه  \rالقسم الخامسُ: في الكناية، والتعليق في الإيلاء، وَفنُون متفرقة، وفيه مسائل:\rالأوْلَى: أنه  لو آلى عن زوجته ثم قال لضرّتها: أشركتُهَا  في الإيلاء،","part":1,"page":11},{"id":1542,"text":"لم يصر مُولياً؛ لأن عمَّاد اليمين ذكر اسم الله [تعالى] ، فإذا سقط لم تنعقد اليمين بمُجرَّد الكناية ، ولو قال بعدَ أن ظاهرَ عن واحدة أشركتها، ففيه  خلاف مُبتني  على أن المغلب حُكم اليمين أم الطلاق ولا خلاف في جواز الإشراك في نفس الطلاق، وإن ذلكَ يكون كناية مُؤثرة فيه عند النيّة ، نعم لو علق الطلاق بدخول الدار ثم (قال: أشركتُك)  وَأراد به تعليق طلاق الثانية بدخولها في نفسها لا بدُخُول الأولى، ففي هذا خلاف قدمناهُ في الطلاق ، فأمَّا إذا قال: أنت علي حرامٌ فهذه كناية إن نوى به الطلاق أو الظهار نفذ ما نوى، وإن أرَاد به عقد اليمين، فالظاهرُ  أنه لا ينعقدُ؛ لأنه لم يذكر  اسمَ الله  فصار (كلفظِ الاشتراك)  \rوالثاني: أنه ينعقدُ؛ لأن اللفظ مذكور في الكتاب في التزام الكفارة فالتحق\rباليمين \rالثانية: في تعليق الإيلاء، وهو صحيح، وصورته أن يقُول: واللهِ لا أجامعُك\rإن دَخلت الدار يصير مولياً عندَ الدخول إذ اليمين تنعقدُ على هذا الوجه ويتهدّف للالتزام بسببه ، وإن  قال: والله لا جامعتُك  إن  شئتِ، فهذا تعليق\rعلى مشيئتها فهوَ كالتعليق على الدخول ، ولكن هذه المشيئة هل تختصّ بالمجلس\rفيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه لا يختصُّ كما في الدخول \r[وَالثاني:  يختص]؛ لأنه في حُكم طالب جَواب في الربط بالمشيئة وَهذا هو الظاهر المشهور في  المذهَب ","part":1,"page":12},{"id":1543,"text":"وَالثالث: وَهو مزيفٌ أنه لا يشترط اتصاله كما يتصل القبُول بالإيجاب، بل لابدَّ من وقوعه في ذلك المجلس، وإن طال المجلس، وهذا لا مأخذ له وإنما أخذ من إطلاق (لفظ الشافعي)   في التعليق بالمشيئة، والشافعي إنما يُطلق ذلكَ لإرادَة الاتصال في القبُول ، وقال مالكٌ [رحمه الله] : لا ينعقد  الإيلاء بالتعليق بمشيئتها؛ لأن المحذور هو الضرار ، فإذا شاءت فقد صدر عن اختيارها، وَهذا غيرُ بعيد عن فقه الإيلاء ، ولكن قال الشافعيُّ: لو رَضيت المرأةُ  بَعد مُضيّ المُدَّة بالمقام ثم عادت جاز لها  ذلكَ، وَلم تستأنف مُدّة بالاتفاق ، فلا أثر لرضاهَا نعم لا ننكر  أن المرعى جانبها، وَلكن القواعد إذا تمهّدت اتبع الأسباب دون أعيان المعاني، كالسفر في اقتضاء الرُخصة للمشقة، وكالإجارة المجَوّزة للحاجَة إلى غير ذلك من القواعِد \rفرع: لو قال: وَالله لا أجامعك متى شئت، فإن أرادَ تعليق اليمين بمشيئتها انعقد الإيلاء مُعلقاً، وَخاصَّة  هذه الصورة أن التلفظ بالمشيئة في المجلس لا يشترط؛ لأن متى صَريح في التأخير بخلاف قوله: إن شئت، وقد ذكرنا وَجهَ الفرق في كتاب الطلاق ، وَلو قال: أردتُ أني لا أجامعُكِ متى شئت، وَإنما أجامعك إذا شئتُ أنا فهذا ليسَ إيلاء \rوَإنما هو  حلفٌ على وفق الشرع ، وَإن أطلق اللفظ ففيه وجهان:\rأَحدهما: أن هذا  كنَاية فإذا لم تكن نية لم يكن منعقداً ، ومنهم من حمل المطلق على الإيلاء وإن كنا نصدِّقهُ في حمله على مجمل آخر لو أبداهُ ، وَلهذا نظائرٌ ذكرناها في الطلاق \rالثالثة: في اليمين التي لا تقتضي الوطء فيه إلزاماً  كقوله: إن وَطئتك فأنت زانية، فليسَ مولياً؛ لأنه لا يلتزم  بالوطء (شيئاً)  وَالحَدُّ لا يلزم بالقذف المعلق ","part":1,"page":13},{"id":1544,"text":"الرابعة: ينعقدُ الإيلاء عندنا في غير حال  الغضب ، وقال مالك [رحمه الله] : لا ينعقد ، وهذا من ظنونه التي يبنى (الأحكام عليها)  كمصيره إلى تخصيص الخلع بحَالة الشقاق \rالقسم السَّادسُ: في اليمين التي يقربُ الوَطء فيهَا من الحنث، ولا يقتضي نفس الحنث ذكرناهُ في هذا  لتَعلقُة ببيان وُجوه الالتزامات وَفيه  مسائل:\rإحداها: الإيلاء عن نسوة، وله صيغُ: الأولى: أن يقُول والله لا أجامعكُنَّ فلا يلزمه الكفارة بوَطء واحدة بل  تتعلق الكفارَةُ بوَطء الكل، ولكنَّه إذا وطيء وَاحدة يتعلق به القُربُ من الحنث، وهذا قد يكون مانعاً، وهل  يصير به مُولياً في الحال عن الجميع على  قولين (المنصوص جديداً)  أنه ليسَ مولياً إذ ليسَ يتعلقُ بالوطء لزوم، وَالقربُ من الحنث لا معنى له إلا (توقُّع لزومه)  \rوَالثاني: وَهوَ القديمُ أنه إيلاء؛ لأنه يُحذِّر القربُ من اللزوم كما يُحذر  اللزوم وَهو  ضعيف ","part":1,"page":14},{"id":1545,"text":"التفريع: إن (أثبتنا)  حُكم الإيلاء يثبت المُطالبَةُ للكُلّ، ثم إذا وطئ واحدة سقط إيلاؤها دُونَ إيلاء البواقي ، ولم يلزمهُ في الحال شَيءٌ (وَكان هذا)  فيئةً لا يتعلق بها لزومٌ ، ولو طلق واحدة سقط حُكم إيلائها دُونَ البوَاقي؛ لأن الحنث متوقع بوطء الثانية، إما بالزنا، وإمّا (في نكاح ثاني  وإن)  ماتت واحدة منهن سقط إيلاء الجميع لحصُول اليأس من وَطء الجميع، فإن وطء الميتة ليس بوطء، ولا يحصل الحنثُ به ، وذكر الشيخ أبو علي وجهاً أن الحنث يتعلق به، وهذا بعيد   وإن فرعنا على أنه ليسَ مؤلياً فإذا وطئ ثلاثة صار مؤلياً في حق الرابعة، إذ اللزوم يتوقفُ  على وَطئها الآن  ولو أتاهُنّ في غير المأتى ففي حصُول الحنث بهذا نظر، وَالظاهرُ الحصُول؛ لأنه جماعٌ في اللسان ووطء وَإن كان لا يُعتَاد فعله عملاً والمغلبُ في الأيمان اللفظ، وقد ذكرنا أنا في اليمين قد نلتفتُ على العُرف على ما قررناهُ في الطلاق ، وسنعُود إليه في الأيمان  فعلى هذا إذا أتى ثلاثةً في غير المأتي لا يصير مؤلياً في حق الرابعة، وإن حصلنا الحنث به صار مؤلياً \rالصيغة الثانية: أن يقول: والله لا أجامع كل واحدة منكن، (هذا في حكم)  أفراد كل واحدة بالإيلاء، إذ يحصُل الحنث بوطء واحدة، ولا يتوقف على الجميع \rالصيغة الثالثة: أن يقُول والله لا أجامع وَاحدةً منكن فله ثلاثة أحوال:\r(أحدها: أن [يريد أن لا]  يجامع وَاحدةً منهن وقصد التعميم منهن  معناه\rأن كل واحدة منهن على البدل من صواحباتها يندرج تحت اليمين، ويحصل","part":1,"page":15},{"id":1546,"text":"(الحنث)  بوطئها، ولكن إذا حصل بوَطئها انحلت اليمين، ولم يمتنع بحُكم اليمين وطء البواقي، فهذا يشتمل على تخصيص (واحدة) ، وعلى تعميم من حيث إنه تناول كل واحدة منهن على البدل (فهذا)  مقبُول، ولكنه  يكون مؤلياً في الحال عن كل واحدة، إذ ما من واحدة يطأها إلا ويلزمهُ الكفارَة ، نعم إذا وطيء واحدة سقط إيلاء البواقي ، بخلاف الصيغة الثانية، وهو قوله كل واحدة، وحكى القاضي أنه نزَّل قوله كل واحدة منزلة هذه الصيغة، (وَلعل)  هذا زلل من الناقل فإنه\r(خطأ)  في مُوجب اللفظ  صريحٌ \rالحالةُ الثانية: أن يقولَ أردتُ وَاحدةً منهن على الخصُوص، وَلكني  بَعدُ لم أعيّنها، انعقَد الإيلاء  على هذا الوجه ثم ينظر فإن كان عيّنها بالقلب فبيَّن اختص الإيلاء بها، و (إن امتنع)  طُولب  بالتعيين كما في الطلاق ، وَذكر الشيخُ\rأبو علي وَجهاً أنه لا يُطالب بخلاف الطلاق؛ إذ حَبْسُ المطلَّقة في ربقة النكاح ضرار عظيم، وَهاهنا لا ضرار، ورجاء كل واحدة قائم فلا يتضرّر بترك التعيين ، وهذا إذا اعتَرَفت  بالإشكال فإن  ادّعت أنه عناها وجبَ عليه الجوابُ لا محالة للدعوَى، وإن لم يكن قد عَيّن بقلبه فهل يُطالب بالتعيين فعلى الخلاف في التبيين، ثم إذا عيّن فالمدة تَحسب من وقت اللفظ، أو من وقت التبيين يُبنَى  على [أن]  الطلاق في مثل هذه الصُورة من أي وقت يقع ، وقد ذكرناهُ في الطلاق \rالحالة الثالثة: أن [يطلق]  هذه اللفظة (فقد)  دارت بين الإبهام وبين التعميم كما ذكرناه في  المعنيين إذا صَرح بهما فعلى أيهما يحمل مُطلقه، وجهين  مستندهما تعارُض الاحتمالين ","part":1,"page":16},{"id":1547,"text":"المسألة الثانية: إذا قال: والله لا أجامعُك في السنة إلا مَرّة وَاحدة، فهل يكون مولياً يخرج على القولين؛ لأن الوطء يقرِّبه من الحنث ، فإن لم يجعله مولياً فلو وَطيء نُظر إلى بقية السنة؛ فإن كان أقل من أربعَة أشهر لم يصِر مولياً، وإن كان أكثر صار مولياً، وحسبت المدة ، وإن قلنا: إنه مؤلي فإذا وطيء فقد فاء في هذه الكرّة، ولكنه إن كان قد بقي من السنة أربعةُ أشهر فهو بَعْدُ مولي فتحسبُ مدّة أخرى ثم نُطالبهُ ؛ لأنه لو جَامع لتحقق إلزامتنا  الكفارة الآن، ولو قال: [والله]  لا أجامعك في السنة إلا عشر مرات، أو ألف مَرّة اطّرد القولان في انعقاد الإيلاء في الحال، وَلم يختلف بقلة المسيس وَكثرته \rالمسألة الثالثة: أن يقُول: إن جامعتُك مَرّة فوالله لا أجامعُك بعدَهُ ، فهذا تعليق يمين بالوطء، فهل  يصير مولياً في (الحال)  طريقان، منهم من قطع بأنه لا يصير مؤلياً؛ لأنه ليسَ حالفاً ويبعُد أن يكون مؤلياً من ليسَ حالفاً؛ لأنه علق انعقاد\rاليمين بوجُود الصفة ، ومنهم من طردَ القولين لما فيه من القرب من (الإلزام،\rوإن)  لم يكن حالفاً على الوطء فهو حالف بالحلف  فإنّ  انعقادَه مجتنَبٌ كما أن الحنث فيه مجتنب \rالمَسألة الرَّابعة: أنه لو قال: إن وَطئتُك فأنتِ طالق إن دخلت الدار فهذا تعليق لتعليق الطلاق بالوطء، وهو محذُور كنفس الطلاق فليخرُج على القولين ، ونقل بعض الأثبات  عن القاضي القطعَ في هذه الصورة بأنه مولي، وهذا غيرُ سديد؛ إذ لا  فرق بين المسألتين أعني بين هذه والمسألة (الثالثة)  ، وَلو قال: إن وطئتُك فواللهِ لا أدخل الدار، فهذا أيضاً يخرج على الطريقين كما في المسألة الثالثة ، وكذلك إن  قال: إن وطئتُك فعبدي حُرٌّ عن ظهاري إن تظاهَرتُ  ","part":1,"page":17},{"id":1548,"text":"فرع: إذا قال: إن وطئتك فوالله لا أطؤك فإذا غيبَ الحشفة ثم أخرج وَأعاد هل يحنث (بهذا يُبنى)  على وجوب المهر لو كان المعلق به ثلاث طلقات، فإن نفينا المهر -وهو بعيدٌ- نفيناً الحنث، وإن أوجبنا المهر ففي الحنث نظرٌ؛ إذ اليمين تحمل على العُرف، والعرفُ يقتضي باستثناء وطئة واحدة، وجميع الإيلاجات في حكم وطئة واحدة، وكذلك لو قال: لا آكُلُ في اليوم إلا أكلة وَاحدة، لا يحمل على لقمة، بل يحمل على جلسةٍ مُعْتَادَة للأكل \rالركن الثالثُ: في تقييد الامتناع عن الوطء بزمان أو حَالةٍ، واليمين تنقسمُ إلى مُطْلقة وَمقيّدة، فالمُطلقة قوله: والله لا أجامعُك، والمقيّد ينقسم إلى مقيّد بزمان وإلى مقيد بمكان، أمَّا المقيّد بزمان إن قيد بما دون أربعة أشهر لم يكن مولياً وكذلك بالأربعة  وإن قيّد بما يزيد ولو بلحظة كان مولياً، حتى لو قال: لا أجامعُك أربعة أشهُر ولحظةٍ ثبتَ الإيلاء وَلا تتبيّن فائدتهُ إلا في التأثيم بالإيلاء ، ويترتبُ على\rالمقيد  بالزمان مسائل:","part":1,"page":18},{"id":1549,"text":"إحداها: أنه لو قال: لا أجامعُك أربعة أشهر، (وإذا انقضت)  فوالله لا أجامعُك أربعة أشهر، وكذلكَ حتى تمادت المدة لم يكن مؤلياً على المذهب المشهور الذي لم يصحح  خلافه، وهذا وإن  كان يقدحُ في المعنى  الكليّ فسببه اتباع التقدير فليسَ إلينا اتباع المصالح مُرسلة  إلا في محل ورودها ، ولو اقتصَر على يمين واحدة لم يكن مولياً فإذا (آلى)  بين يمينين (فطلب الفيئة)  بعد أربعة أشهر بحكم اليمين السابقة  محَال وقد انحلّت، وبحكم اليمين الثانية محالٌ ولم ينقَض من  انعقادهَا إلاّ لحظةٌ، وشبهُ العلماء هذا بما لو عقَد على ألف وسق في بيع العَرايا في صفقات مختلفة فإن ذلكَ يجوز ، وإن خالف تقدير الشرع للسرّ الذي ذكرناهُ وَهوَ أن الأحكام تتبع الأسباب وَالتقديرات دون المعاني التي يتضمّنُها التقدير ، وحكى الشيخ أبو علي وجهاً غريباً وزيَّفَهُ أن الإيلاء حاصل محافظةً على القاعدة ، وهذا بعيدٌ لما  ذكرناهُ، ثم هذا الوجه البعيد مُطّردٌ  إذا توالت الأيمان على الاتصال، فلو حلف مَرّةً على أربعَة أشهر ثم حلف بعد ذلك بزمانٍ وقَبْل انقضاء الأشهر فلا مُطالبة قطعاً، ولا إيلاء، وهذا أيضاً خرم المعنى، فبان أن الصحيح ما ذكرناهُ \rالثانية: أنه لو كَرّرَ على مقدارٍ يزيد فقال: والله لا أطأك خمسة أشهر،\rوإذا  انقضت فوالله لا أطأك سنة، فإذا انقضت أربعة أشهر توجهت المُطالبة  [عليه] ، فإن فاء انحلت اليمينُ الأولى  ولا مُطالبة في الشهر الخامس؛ لأنه","part":1,"page":19},{"id":1550,"text":"[وفاء]  بمُوجب  اليمين المتناولة، ثم إذا انقضى الشهرُ الخامس استفتحنا مُدة جديدة لليمين المعقودَة على السَّنة فلو لم يطأ ولكنهُ طلقها ثم راجعها لم تعُدّ (الطلبة في)  بقية الشهر الخامس؛ لأن الباقي أقل من أربعة أشهر، وقد جَرى الوفاء به [مَرّة] ، وهو الطلاق ، ولو كانت اليمين مُطلقة فطلَّقها ثم راجعها تعُود الطلبة، ولكن لا تعُودُ على الفور بل (يعتبر بمضي)  أربعَة أشهر من وقت الرجعة؛ لأنا طالبناه مَرّةً\rوطلق ، ونستفتح  وراء ذلك مُدّة أخرى حتى يعود الضرار \rفرع: لو رَاجعَها في السنة  المفروضة، وقد بقي من الشهر بقية، فإذا وطئها انحلت اليمين وحنث ولزمهُ  الكفارة، وإن كنَّا لا نرى وجوب الكفارة في الوطء الذي تحصل به الفَيئةُ على (قول قديم) ؛ لأن هذا الوطء اندرَج تحت اليمين\rولم تحصُل  به الفيئة، فصارَ كما إذا أبانهَا ثم وطئها بعدَ البينونة فإن الكفارة تجب؛\rإذ لا فيئة به \rالثالثة: لو قال: والله لا أجامعُك خمسة أشهر، والله لا أجامعك سنة فاليمين متكررة فيما دون خمسة أشهر، فلو  جرى وَطءٌ فيه فقد انحلّ  يمينان بفعل واحد، ففي تعَدُّد الكفارة به وَبكل  فعل مُتَّحدٍ تنحّل  به يمينان وَجهان، وَالظاهرُ التعدد، وَهذا  على قولنا: إن الكفارَة تجب ، ويتجدَّد أمرٌ آخر وهو أنه لو طلق بعد مضيّ أربعة أشهُر ثم رَاجع تستفتح  المدة من وقت الرجعَة، بخلاف المسألة الثانية؛ لأن يمين السّنة هاهُنَا قائمة، فلا معنى للتوقف ، وفي المسألة الثانية يمين السّنة لا تدخل إلا بانقضاء الشهر الخامس؛ لأنه عقدَ اليمين على التَوالي \rالرابعة: لو قال: إذا [مضت]  خمسةُ أشهر فوالله لا أطأك لا يصير مولياً\rحتى ينقضي خمسة أشهُر إذ اليمين تنعقدُ بمضيّها، ثم تحتَسَبُ  المدة بعدَ انقضاء\rالأشهرُ الخمسَة ","part":1,"page":20},{"id":1551,"text":"القسم الثاني: (اليمين)  المقيّدة بحالةٍ طارئة، وذلكَ ينقسم فإن علق بمحال كقوله: لا أطأك ما لم تصعدى السماء، (أو علق بمستبعدٍ)  وقوعه في أربعَة أشهر كقوله: لا أطأك حتى يخرج الدجال، أو ينزل عيسى [ابن مريم] ، أو يقدم زيد، وهو على مسافة شاسعَةٍ لا تُطوى في أربعَة أشهر فهوَ مؤلي؛ لأن كل ذلك يقطع الرجاء؛ فإذا انقضت أربعةُ أشهر، ولم يتفق شيء من ذلك توجهت الطلبة ، وإن علق بما أمكن وقوعهُ على قرب قَبْل مُضِي أربعة أشهر، وعلم أَنَّه لا يتراخى عنه فليس\rمولياً ، وإن كان يحتمل التقدم والتأخر على قرب كقدوم زيد، وكدخُول دَار، فلا يكون مولياً في الحال فإذا انقضى  أربعةُ أشهُر (وَلم يتفق ما علق)  به فهل يتوجَّهُ  الطلبة حتى يتبيّن أنه كان مولياً فعلى قولين:\rأحدُهما: التبيُّن  لدوام الضرار، وَليسَ يبعد انعقادُ الإيلاء موقوفاً فإنه لو قال: لا أطؤك ما عشت انعقد الإيلاء، ثم إن ماتت قبل  أربعَة أشهر تبين أنه لم يكن انعقد \rوالثاني: أنه لا ينعقد؛ لأن هذا لا يقطعُ الرجاء، فهي في كل حالة على رجاء الوقوع فيما علق به ، بخلاف ما لو علق بموتها أو موته \rواختلفوا في التعليق بموت غير الزوجين، فمنهم من قال: هو من المستبعدات في الاعتقادات فينعقد الإيلاء بخلاف القدوم، فنزل  منزلة موت الزوجين ، وقال المزني: هوُ كالقدُوم؛ لأن موت شخص معيّن غير مستبعد كقدومه، وَأمَّا موت الزوجين فيقطع التعليق به رجاء الوطء، فينجَّز الضرار ويحصُل اليأس  \rالرُّكنُ الرَّابعُ: في الألفاظ المعرِّبَة عن الجماع، وهو أحدُ الأركان؛ إذ يحق  اليمين أن تشتمل عليه، والعبارات المستعملة، فيه ثلاثة أقسام:","part":1,"page":21},{"id":1552,"text":"أحدُها: أن يصير  صريحاً بحيث لا تغيره  النية ولا تؤثر النية في التديين [أيضاً]  باطناً، كقوله: لا أنيك  ولا أولج ذكري في فرجك، وَلا أغيب حشفتي في فرجك، وَما يجري هذا المجرى، (فلو)  قال: أردت به الاستمتاع (لم يقبل)  ، وكذلك إذا قال للبكر: لا أفتضُّك ولو فسّر بالضمِّ والاعتناق فالظاهر  أنه في الباطن لا يدَيّن أيضاً، ومنهم من قال يدين وهو بعيد \rالقسم الثاني: ما يكون صريحاً في الظاهر، ويتطرق التديين إليه، وهو منقسم فمنه  ما يقطع بكونه صريحاً فالجماع  صار صريحاً لكثرة الاستعمال، وهذا متفق عليه ، وضمّ صاحبُ التقريب إلى الجماع الوطء، وقال: هو صريح قولاً واحداً ، وضمّ الشيخ أبو علي إليهما الإصابة، وقال: هي أيضاً صريح قولا واحداً في الظاهر ، والقطعُ في لفظ الإصابة بعيد، أمَّا في الوطء فغير بعيد \rفأمَّا ما اختلف القول فيه فالمباشرة، والملامسَةُ ، والمماسَّة ، والمباضعةُ ، فهذه الأفعال ، وما (يصدر)  من الأفعال فيها قولان:\rأحدهما: أنه صريح  كالجماع \rوَالثاني: أنها كنايات؛ لأن الناس يتصَوّنون من لفظة  الجماع فيعدلُون إليها، ثم يفهمُون بالقرائن ، وَالقائل الأوَّل: يرى هذا التصَوُّن شائعاً مُلْحِقاً له بالجماع، والجماع أيضاً في اللغة ليسَ صريحاً في الوطء \rالقسم الثالث: الكنايات (قولاً واحداً)  كقوله: لأبعُدَنّ عنك، لا يجمع رَأسي ورَأسك وسَادة، وكذلك قوله: لأسؤنَّك، وَهذا (من أبعدَ)  الكنايات ، وَفي لفظ القربان وَالغشيان خلاف، منهم من ألحقها بالكنايات، ومنهم من ألحقها بالملامسة والمباشرة؛ لأن لفظ القربان جَرى في الكنايات؛ لإرادَةِ الغشيان في قوله :","part":1,"page":22},{"id":1553,"text":"        ، وَلفظ الإتيان أيضاً مذكور فيقرب من لفظ القربان، ثم قال الشافعي [رحمه الله] : لو قال: والله لا أجامعُك في دُبرك، فهو محسن ، والأمرُ (كذلك، وَليسَ)  هذا إيلاء ، وكذلك لو قال: لا أجامعُك\rفي الحيض والنفاس (أو الصوم)  و غيره ، هذا تمام الغرض من هذا الباب (وقد حققنا به)  جميع ما يستقل لفظ الإيلاء به، وينبنى   عليه صحته من  الحلف وَالمحلوف فيه [والمحلوف عليه] ، وَأدَّيناهَا في معرض الأركان، (وقد تبيّن ما ينعقد)  من الإيلاء، وما لا ينعقد، وها نحن نذكر حكم الإيلاء المنعقد (بتوفيق الله)  [وحسن تيسيره] \r\rالبابُ الثاني\rفي (حُكم الإيلاء الصحيح) \rومجمُوع ما يترتب عليه أحكامٌ:\r(أوَّلها: المُدَّة) \rوالثاني: مطالبته  بالفيئة\rالثالث : رَفعها  للمطالبة بالطلاق أو الفيئة\rالرابع: ما يقع به الفيئة\rفنعقدُ  في كل واحد فصلاً\rالفصل الأول: في ضرب المُدّة\rوفيه مسائل:\rإحداهَا: إذا انعقد الإيلاء على الوجه الذي وصفناهُ جرت  المُدّة، ولا حاجةَ\rإلى ضرب القاضي، وَلكنها تتعَيّن بنفسهَا بخلاف مُدّة العُنّة، فإن ذلكَ يتوقفُ على الرفع إلى القاضي، وإنشاؤه للضرب؛ لأن ذلك يتعلق بالاسم  وَالنظر في الأحوَال بخلاف مُدَّة الإيلاء \rالثانيةُ: أن المُدّة هي أربعة أشهر بنصّ الكتاب، والسّر فيه أن النسوَة فيما قيل  لا يصبرن  عن الأزواج أكثر من أربعَة أشهر ومعنى هذه المدّة مهلة للفيئة ، وَالمقصُود توجيه المطالبة بعد مضيها، ولذلك لا ينعقد الإيلاء على أربعة أشهر بل لابد من زيادة يتصور فيها مُطالبة ، وأبو حنيفة [رحمه الله]  لما جعَل الإيلاء طلاقاً صححهُ على أربعَة أشهر، وَقال هو طلاق مُؤجل ","part":1,"page":23},{"id":1554,"text":"الثالثة: لا يختلف عندنا بالرق والحُرية بل هي أربعة أشهر كمُدّة  العُنَّة لا تختلف، وَأنه  أمرٌ يتعلق بالطبع ولأن  هذا يمين على مُدَّة فلا يناسبهُ الرق وَالحُرية ، وَقال أبو حنيفة تختلف (بالرق والحرية والحُرّة تربص)  أربعة أشهر (وللأمة تربص)  شهرين ، وقال مالك: يختلفُ برقه وحُرّيته \rالرابعة: فيما يطرأ في المدة من القواطع للنكاح، فإن طرأ طلاق رجعي انقطعت المدة، فإذا راجعها وجب استئناف المدة؛ لأن الملكَ في حُكم الزائل ولابد من التوالي في المُضارّة بالامتناع في أربعَة أشهر ، وكذلك الرِّدة تنزل منزلة الطلاق الرجعي في هذا المعنى، أعني في حق المدخول بها، ولو طرأ كل واحدة من الردة والطلاق بعد المدة، انقطعت المطالبة، ثم إذا استقر النكاح بالإسلام والارتجاع فتستأنف  المُدَّة، وَهذا له وَجهٌ في الطلاق؛ لأنه في حكم إسعاف للمُطالب \rأمّا  الردة فإنها بمجَرّدهَا في لحظة توجب استئناف المدة [فتبطل المُدّة]  المنقضية من غير طلاق ولا وقاع \rالخامسَة: في المحرَّمات التي لا تقطع النكاح كالصَوم، والإحرام، والظهار؛ فإن كان فيه لم يقطع احتساب المدة، وإن كان مقارناً لم يمنع انعقاد المدَّة لتحقق المضارة منه ، ويلتحق بالأعذارِ الشرعيَّة الأعذار الطبيعية من المرض، والحبس والجنون، وذلك (أنها تفرض)  طارئة دون مقارنة، (فما)  يقع من جانبه لا يمنع انعقاد المدة، ولا يقطع\rدوامها ، وقد نقل المزني: أن الحبس فيه يمنعُ الاحتساب بالمُدّة، ثم أخذ يعترض ويقول: لا فرق بينه وبين المرض وهذا غلط منه، إذ نصُوص الشافعي [رحمه الله]  جارية في كُتُبِه بأن الحبس لا يمنع المُدّة كالمرض \rفأمّا إذا كانت الموانع منها  فذلك يمنع  احتساب المدة دوَاماً وابتداء وذلكَ كإحرَامها أو صغرها أو نشوزها أو كونها محبُوسة أو مجنونة أو مريضةً لا تحتمل الجماع ","part":1,"page":24},{"id":1555,"text":"فرع: لو طرأ وانقطعت المدة ، فإذا زال تستأنف  المدة، أو تبنى فيه وجهان:\rأحَدُهما: الاستئناف لتخلل مانع، فصار كالطلاق والردة \rوَالثاني: أنه  يبنى لأن هذا ليس من القواطع للنكاح حتى تستأنف (بعده)  حكم، وَإنما هو عذر فإذا زال انتظمت المدة من مجمُوع الحالتين ، ولو طرأت هذه الموانع بعدَ المُدّة انقطعت المطالبة في الحال كما سنذكر تفصيله ، ولكن المذهب أنها إذا زالت عادت إلى الطلبة ، ولم تستأنف؛ لأن المضارّة في الامتناع في أربعَة أشهر قد تحققت  وإنما هذا عذر منع الطلب، وقد ارتفع ، وذهب بعض الضعفة إلى الاستئناف، وذلك مما لا وجه له ، هذا تفصيل الموانع فيها\rأمَّا صومها فلا يمنع الاحتساب بالمدة؛ لأنها إن كانت متطوعة وللزوج  الإقدامُ وإن كانت صائمةً (عن فرض رمضان)  فالزوج  أيضاً ممتنعٌ  والليالي مُعَدّةٌ  ، وَإن كانت صائمة عن قضاء فللأصحاب تردُّدٌ في جواز تعجيله إذا كان الزوج  يأباه فإن منعنا التعجيل فإليه  أن يُحَلَّلها، وهو  في حُكم التطوع، وإن جَوّزنا التعجيل فهذا فيه احتمال من حيثُ إنها ممتنعةٌ على الزوج في شطر الزمان، وَلكن الظاهرُ أنه لا أثر له \rالسادسة: إذا تنازعا في المدة رجع حاصله إلى النزاع في وقت الإيلاء فالقول  فيه قوله \rالفصل الثاني: في المطالبة\rوفيه مسائل:\rإحداها: إذا انقضت المدة كما وصفناها ولم يتخلل قاطع فلها المُطالبة بالفيئة، ورَفْع الأمر  إلى القاضي، والمطالَبَةُ حقُّها، فإن أضْرَبَت فلها ذلك، وإن طالَبَت ثم عَفَت فكمثل إلا أنها لو عادت جاز لها ذلك، كما إذا رضيت بالمقام تحت زوج معسر بالنفقة ثم عادت إلى الطلب ، بخلاف العيُوب إذا رضيت بها وأقربُها إلى مسألتنا العُنَّةُ فإنها إذا رضيت بالمقام تحتهُ ثم عادت لم تمكَّن؛ لأن العُنَّة في حُكم عجز، وهي عيبٌ، وإذا وقع الرضا به فهي خصلة كائنة ناجزةٌ في الحال","part":1,"page":25},{"id":1556,"text":"وَأمَّا الإيلاء فلا يرجعُ إلى عجز، وعَيْب، وصفةٍ ناجزة، وإنما معناه الامتناع من الوطء مع التمكُن فيُضَاهي امتناع النفقة، فمهما رجعت فحقَّها متجددٌ في كل حين، فلا يسقط برضاها إلا حق الوقت \rالثانية: لا مُطالبة لغير الزوجة فلو كانت صغيرة أو مجنونةً [لا ينوب عنها\rوليها، ولو كانت رقيقة]  لا ينُوب عنهَا سيَّدها فالحقُّ حقها، ولو أَسْقَطت فليسَ للسيّد الاعتراض \rالثالثة: لا مُطالبة لها إذا كان فيها مانعٌ من الوطء طبعاً كالمرض العظيم، (أو الرتق أو القَرَن) ، ولا تملكُ المطالبة أيضاً [بفيئة اللسان]  إلا على قول ذكرناهُ في صحة الإيلاء عن الرتقاء ؛ فإذ ذاك لا يتصَوّر لصحته معنى إلا المُطالبة بالفيئة باللسان، وإن كان المانع شرعياً فلا مُطالبه كما إذا كانت حائضاً، والعَجَبُ أن الحيض أسقطَ المُطالبة ولم يقطع المدة؛ إذ الغالب تكرر الحيض عليها في أربعةَ أشهر، وليس في الكتاب تُعرّض له، فقيل أنه لا يقطع ولكن لا معنى لمطالبتها بوقاع محرَّم عليه  \rالرابعة: إذا كان فيه مانع إن كان طبعاً كالمرض وغيره فلها المطالبة بالفيئة باللسان، وهو أن يعترف بالإساءة ويعتذر ويَعِدُ بالوطء عند زوال المانع، ولا يُعد في ذلك؛ فإنَّ  عمادَ الإيلاء الإضرار باللسَان، وهذا يدفعُ الضرار  ، وإن كان المانع شرعياً كالظهار، والصوم، والإحرام، وغير ذلك ففيه طريقان:\rأمَّا المراوزة فإنهم قطعُوا بأن المطالبة ثابتة ، ثم إذا استفتانا الزوج عن حل الوطء قلنا: لا يحل وَلكن إن وَطِئتَ معَ التحريم اندفعت الطلبة ، وإن أبيتَ فطلّق، أو يُطلِّق عليك، وضاهى ذلك مسألة الدجاجَة وَالدُرَّة ، وزعمُوا أنه لا يكتفي بالفيئة باللسان بل يقال: أنتَ الذي وَرّطتَ نفسَك في هذه الوَرَطة ، وذهبَ مالكٌ [رحمه الله]  إلى أن الوطء (وَإن جرَى في حالة الإحرام)  لا يسقط المطالبة به ","part":1,"page":26},{"id":1557,"text":"أمَّا العراقيون فإنهم فَصَّلُوا تفصيلاً حسناً [وَقالوا] : يقدّم عليه حُكم جواز التمكين ، ولا خلاف أنها لو كانت محرماً ، أو حائضاً، أو صائمةً عن فرض، وطلبَ  الزوج التمكين فلهَا الامتناع  ولو  كان الزوج محرماً أو صائماً فهل يجبُ عليها التمكين إذا طلب فوجهان:\rأحدهما: المنع؛ لأن التحريم تعلق  بالوطء فإذا كان الوطء عليه محرماً ولا  يجب عليها التمكين من مُحرّم \rوالثاني: أنه يجبُ التمكين؛ لأن  هذا تحريمٌ يختص  بجانبه فليس لها منع الحق، وإن كان المستوفى عاصياً بخلاف ما إذا كان المنع (أو الخطاب متعلقا)  بها فلا يقال لها مُكّني مع تحريم التمكين ، ولم يختلفوا في أنه لو طلَّقها طلقة رجعية فلها الامتناع؛ لتعلق الطلاق ، واختلفوا  في الظهار ، منهم من ألحقهُ بالطلاق لارتباطه به  ، ومنهم من ألحقهُ بإحرامه؛ لأنه تحريم طارئ من غير اختلال في النكاح ، هذا أصل المسألة فنعود، ونقُول حيثُ أوجبنا عليها التمكين فالزوج مُطالَبٌ بالفيئة أو الطلاق (وإن رَغِب)  في الفَيئة فعليها التمكين، فإن  أَبَتْ سقط طلبُها ، وإن جَوّزنا لها الامتناع، ومهمَا جَوّزنا الامتناع أوجبناه، فإذا امتنعت فهل لها طلب الطلاق، والإرهاق  إليه فيه وجهان:\rأحدهما: أن لها ذلك والزوج هو الذي وَرّط نفسَهُ  \rوالثاني: لا بل يُكتفى بوعد كما في المانع الطبعي  هذا تمامُ الفصل\rالفصل الثالثُ: فيما يجب على الزوج عند مُطالبتها\rوالواجبُ عليه في حالة القدرة إما الوطء، وإمَّا  الطلاق، إذ قَطْع الضرار حاصل بكل واحد منهما، وإن كان عاجزاً  وتوجهت المُطالبة كما فصلناهُ ، فإمَّا  الطلاق، وإمَّا الفيئة باللسان ، ثم فيه مسائل:\rإحداها: أنه لو تمرَّد وَأبى ، ولم يَقْدُم على إحدى الخصلتين، ففيما يفعله\rالقاضي قولان:","part":1,"page":27},{"id":1558,"text":"أحدهما: وَهوَ الجديد المنصوص عليه، أنه يُطلِّق عليه؛ لأن استيفاء  اللفظ متعَذر، ولا سبيل إلى إدَامة الضرار فليُطلِّق \rوالثاني: وهوَ ضعيفٌ أنه يحبسهُ  ويضيق الأمر عليه بالتعزير حتى يُطلق، قال المزني: لم يصر  أحد من العلماء إلى هذا، فإنه إكرَاهٌ على طلاق، واختار القولَ [الأوَّلَ]  وهو المختار \rالثانية: لو رفع الزوج إلى القاضي بعدَ المُدّة فاستمهل ثلاثة أيام، فإن كانت فيئة  باللسان فلا يمهل؛ إذ اللسَانُ منطلق ، وإن كان بالجماع (فوجهان) :\rأحدهما: أنه لا يمهل؛ إذ الأشهر الأربع  (كانت مهلة فلا مزيد)  عليها \r(والثاني: أنه يمهل فربما لا تساعده نشطة في الحال، فليمهل حتى يتهيّأ له)  فلا  خلاف في أنه لو كان صائماً فنمهله  إلى الإفطار، وكذلك يمهله إلى التكفير بالإعتاق [والإطعام]  ولا يمهله  إلى التكفير بالصيام، وكُلّ ذلك بَيّنٌ \rالتفريع: لو بادَرَ القاضي على قول الإمهال بعدَ جريان الاستمهال فطلَّق قبل مضي المُدَّة، لم تطلق سواءٌ فاء في تلك المُدَّة أو لم يفِء، وليسَ هذا كمسألة  المُرتدَّ، فإنه لو بادرَ مبادر وَقتله  قبل مضيّ الأيام كان مُهدَّراً فإن رَدّ الطلاق مُمكن، وفيه وَجه بعيد أنه ينفذ، وهو ضعيف ، والإمهالُ بالأيام الثلاثة تجري في سبع مسائل المرتَدّ، وتارك الصلاة، والفسخ بالإعسار بالنفقة، والفسخ بسبب العُنّةِ، وخيار العتق، والأخذُ بالشفعة ، أمَّا الرَد بالعيب فهو  على الفور قولاً واحداً \rالثالثة: لو أبى الزوج الطلاق وَالوطء جميعاً، وقلنا: (القاضي يُطلق) ، فلو لم تطلبُ المرأة الطلاق وعَيّنت للطلبة  [الفيئة]  فليسَ للقاضي الطلاق ولا للمرأة التعيين فإن هذه طلبة ثبتت على التردُّد، وربما لا يُساعدُه الطبع على الغشيان فلترض  المرأة بالطلاق وإلا فلتصبر ","part":1,"page":28},{"id":1559,"text":"الرابعة: إذا غابَ  الزوجُ عن المرأة غيبةً بينه وبيَّنَها مسَافة أربعَة أشهر، فلا تتأتى من المرأة (مُطالبة، ولو)  كان معَهُ وكيلها بالخصومَة فيُطالبة  بالطلاق، أو الفيئة باللسَان، والانصراف  إليهَا في الحال، فلو لم ينصرف وانقضى  مُدَّةُ الإمكان فالحاكم في تلكَ البلدة يطلقُ عليه بمسألة الوكيل، أو يحمله على الطلاق، فلو قال الزوج بعدَ أن مضى  مُدّة الإمكان، وتوجهت الطلبة من الوكيل: أبتدئ الآن المسير فلا يُبَالي به، ويُطلق عليه أو يحمل على الطلاق \rالخامسَة: إذا طُولب بعدَ المدة فادّعَى العُنّة، استفتحنا مُدّةَ التعنين  وَسلكنا به مسلك العنين، ولم يطلِّق ، وذكر  العراقيون وَجهاً أنه يُطلِّق، وَهذا غريبٌ\rلا وجهَ له \rالفصل الرابع: فيما يقع به الفيئة\rوفيه مسائل:\rإحداها: أن تغييب الحشفة على أي وجه فُرض كاف في انقطاع الطلبة \rالثانية: أنها لو نزلت على زوجها لم تحصل الفيئة؛ إذ  ليسَ هذا وطئاً، ولا يحصل الحنثُ بمثله ، وفيه وجه غريبٌ أنه كوطء المجنون  على ما سنذكره  وهو بعيد \rالثالثة: لو أكره  على الوطء، وقلنا: يتصور الإكراه على الوطء حتى يبنى عليه سقوط الحَدّ  عن الزاني، فهذا يبنى على أن الكفارَة هل تلزم به إن قلنا: تلزمُ فقد انحلَّت اليمين فلا طلبة بعدَهُ، وإن قلنا: لا تلزم فيبنى على أن اليمين هل تنحلّ به [وإن لم تلزم الكفارة]  وفيه خلاف، فإن قلنا: تنحلّ بوُجود  صورَة الوطء، واقتصار اليمين في تناولها على الوطأة الأولى، فلم يبق الإيلاء، وإن قلنا: أن اليمين لا تنحل  فهل يبقى لها الطلبة فعلى وجهين:\rأحدُهما: البقاء؛ لبقاء الإيلاء والمانع \rوالثاني: أنه لا تبقى؛ لانتفاء الضرار بجريان صورَة الوطء ","part":1,"page":29},{"id":1560,"text":"الرابعة: إذا آل فجن فوطيء فالتفصيل فيه، كالتفصيل في المُكره، والمنصُوصُ عليه في المجنون أنه تنحلّ يمينهُ، ولا كفارَة عليه ، وخَرّج فيه قول من الناسي في وُجُوب الكفارة فالتحق بتفصيل المكره ، ولا خلاف في أن جنونه إذا طرأ قبل المدة لم يمنع احتساب المدة، ولكن لا نُطالبه  قبل الإفاقة \rالخامسَةُ: إذا تنازعا في الإصابة في المدّة  فقياسُ الخصومة تصديقها؛ إذ الأصل نفي الوطء، ولكن القول قوله في هذه المسألة، وفي مسألة العُنّة ، وقد ذكرنا في باب العُنّة في النكاح (واستثنينا صُورة)  مخالفة قياس الخصُومات ، ثم قال ابن  الحداد: وفي  هذه الصورة إذا طلقها وَأرادَ ارتجاعها (وأنه)  وطئها\r(بزعمه)  فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم العدة، وعدم الوطء، وهذه الواقعةُ لو وقعت ابتداءً بعدَ الطلاق لكُنّا  نصدقها، فما جرى في الإيلاء وَالعُنّة جرى بحُكم ضرورة \rفإن قيل: تيك الضرورَة استبقاء  النكاح، أو عُسر إثبات الوطء بالشهود، وهو قائم\rقلنا: هاهنا الطلاق واقع، والأصل أن الطَّلاق (رافع) ، فهو يَدّعي (مستدركاً، والأصل)   عدمُه، والوطء هاهُنَا في نفسه غير مقصود، وَإنما المقصود نتيجتُه، ولذلك نقول: لو تنازعا لأجل تقرير المهر، وأنكر الزوج الوطء فالقول قوله، وقد فصلنا هذه القاعدة في باب العُنّة ، ومن الأصحاب من ذكرَ وجهاً في مسألة ابن  الحداد أن تصديق الزوج مستدام في إثبات الرجعة، وهو ضعيف، نقله الشيخ أبو علي ، هذا\rتمامُ الغرض، والله أعلم","part":1,"page":30},{"id":1561,"text":"كتابُ الظِّهَارِ\r\rصورَةُ  الظهار أن يقول لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أُمِّي ، والأصل فيه (أوَّل سُورَة)  المُجادَلة، وسَببُ نزولها أن  خولة بنت ثعلبة زوجَة أوس بن الصَّامت أخي عبادة [بن الصَّامت]  شرعت في الصلاة فدخل زوجها، وهَمّ بقربانها  فخالفتهُ وَامتنعت عليه فغاظَهُ ذلك فقال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، وكانت هذه الكلمة طلاقاً في الجاهلية مؤكداً ، فاغتمت خولة، وجاءت شاكيةً إلى رَسُول الله  وقالت: كنتُ شابة ذات (جمال وَمال) ، فلما كبرت  سني، ونفدَ  مالي، جعلني أوسٌ على نفسه كظهر أُمّه، فقال عليه السلام: (حَرُمْتِ عليه، فقالت: انظر في أمري فإن لي معه صحبةً قديمة، وأني لا أصبر عنهُ، (فقال   حَرمت عليه، فقالت:  انظرُ في أمري فإن لي معَهُ صحبةٌ قديمة، وَإني لا أصبر عنه)، فقال  : حَرُمتِ عليه فكَرّرت وَهو  يقول: حَرُمتِ عليه، فلما أيست اشتكت إلى الله تعالى، (فنزل)  قوله [تعالى] : (         \r )    الآيات، فتقرَّر  الشرع (على اقتضاء)  كلمة الظهار تحريماً ناجزاً مع استمرار النكاح، وَعلى اقتضائها الكفارَة بالعَود على ما سنفصّله ، ثم كان هذا تصرُفاً بديعاً، ورَجعَ حاصلها إلى كلمة زُوْرٍ تقتضي تحريماً ، وتردَّد  العلماء في أنه يُسلك به مسلكَ الأيمان ، أو مسلك الطلاق على ما سيأتي تفصيله  هذا تمهيد الكتاب، وتفصيله يحصرُه بابان\r\rالباب الأوَّلُ\rفي أركان الظهار وَأحكام لفظه\rوفيه فصلان:\rالفصل الأوّلُ: في الأركان\rالركن الأول: [في]  المظاهِر وَالمظاهَر عنها:","part":1,"page":1},{"id":1562,"text":"(وَالضابطُ للقول)  فيه أن من يصح طلاقه يصح ظهاره، وَمن يلحقها الطلاق يصح الظهارُ عنها، فهذا على شرط الحدود يطَّرِد وينعَكس وتفصيله في جانب المُظاهر أنه يصح ظِهاره ذميّاً [كان]  أو مسلماً، حراً كان أو عبداً، خصّياً كان أو فحلاً، مجبوباً كان أو لم يكن ، وقال أبو حنيفة: لا يصح ظهار الذمي، فإن مقتضاهُ\r(تحريم مؤقتٌ)  [إلى غاية] ، وليسَ هو من أهل الكفارة ، وهو عندنا من أهل الكفارة ، وعلى  الجُملة فهو من أهل الإعتاق إذا  أسلم، في ملكه عبد كافر فاعتقهُ عن الكفارة جاز ، ولو قال لمسلم: اعتق عبدك عني، ففيه خلاف\rقدّمناه في البيع  \rوَأمَّا  الصيامُ فليسَ هو من (أهله فينقلبُ)  إلى الإطعام ، قال القاضي:\rلا ينقلبُ إلى الإطعام إذ الكفر لا يكون عذراً فليُسلم  وليَصُم ، وهذا بعيد\rمن حيثُ أن العبادات البدنية لا تتوجَّهُ على الكفار، والإرهاق إلى الإسلام أيضاً بعيدٌ\rلم يعُهد \rوَأما المُظاهَر عنها فهي التي يلحقها  الطلاق، (فليلحق الرجعية) ، فإذا ظاهر عنها، فإن تركها حتى انسرحت لم يكُن عائداً ، وإن راجعها فهل يكون عائداً سنتكلم عليه  وَأمَّا المُرتدة فالأمرُ فيها  على توقُّف، فإن عادَ  إلى الإسلام تبَيّن صحّة الظهار والإيلاء كما في الطلاق ، والإيلاء في صحَّته يُسَاوقُ  (الظِّهار، وَالطلاق)  في كل تفصيل إلا في المجبُوب وَالرتقاء فإن [في]  الصحيح أن ذاك يمنع الإيلاء فإنه  يتوقف على الجماع فلم ينعقد اليمين مع الامتناع \rوَأمَّا السكران فهذه التصرفات  تجري [فيه]  مجرى واحداً  \rوقد فصلناه \rالرُكن الثاني: في لفظ الظهار:","part":1,"page":2},{"id":1563,"text":"وهو أن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أُمّي هذا هُوَ الشائعُ، ولا مناقشة في الصَّلات فلو قال: أنتِ مني كظهر أمي (أنت معي)  كظهر أمي، (أنت عندي)  كظهر أمِّي أو مثل ظهر أمي فكل ذلكَ صريح ،وكذلك لو ترك الصلة فقال: أنتِ كظهر\r[أُمِّي]  وَإن احتملَ أن تفسّره  بالإضافة إلى غيره، وَلكن لا نظر إليه ظاهراً كما إذا قال: أنتِ طالق، ثم فسّرهُ بطلاق من جهة غيره \rثم عند هذا (يتصدى للنظر)  في أجزائها (وَأجزاء الأمّ)  ثلاثة أقسام: منها ما لا يذكر في معرَض الكرَامة كقوله: أنتِ كبطنِ أمِّي، وشعرها، ورجلها، ويدها، ففي صحّة الظهار (قولان: في القديم) ، أنه لا يصح اتباعاً لصيغة الجاهلية؛ إذ ورَدَ الشرع بالتصرف  فيه فلا يغيّره ، وهذا يضاهي القول القديم في أن الإيلاء [لا]  يُوجب [الكفارة]  اتباعا لعادة [العرب في]  الجاهلية ، والجديد: أنه يصح اتباعاً للمعنى؛ لأنه كلمة  زور تشعر بالتحريم ، وكذلك إذا أضاف [إلى]  بعض الزّوجة وَقال: يَدُك، أو فَخذُك، أو ظهرُك عليَّ كظهر أمي يخرُج على هذين القولين وَمأخذهما الاتباع أو النظر إلى المعنى ، ثم قال صاحب التلخيص : التصرفات التي تقبل التعليق يجوز إضافتها إلى البعض كالطلاق [والظهار]  والعتاق من هذه الجملة، وأمَّا النكاح وَالرجعةُ فلا، وَأمَّا الإيلاء فإن أضاف إلى الفرج أو إلى النصف وأراد به أسافلها فهو مصرّح  بالغرض، وإن أرَادَ [نصف]  الشائع فليس هذا صريحاً ، وأطلق الشيخ أبو علي القول أنه  ليسَ إيلاءً، وفيه احتمال، فإنه إذا قال: والله لا أجامع نصفك فقد نفي الجماع، وأضاف إلى نصفها [وترك الجماع في النصف، ومِن ضرورته]  ترك الجماع في الكل فهذا فيه احتمال ","part":1,"page":3},{"id":1564,"text":"القسم الثاني: ما يذكر في معرض الكرامة كقوله: أنتِ مثل أُمِّي، أو كَعَين أمي، أو كروح أمي، أو كأميّ ، فهذه كناية، فإن أرادَ به الكَرامة لم يكن ظهاراً ، وإن أراد به الظهار كان ظهاراً إلا فيما أضافه إلى البعض فيخرج على الجديد والقديم ، وإن أطلق فعلى وجهين لا يخفى مأخذهما ، والعجب أن الأصل في الطلاق الإضافة إلى الكل، والإضافة إلى البعض فيه دَخيلٌ، وهاهنا الأصل الإضافة إلى البعض، وهو الظهر؛ لأنه الشائع، والإضافة إلى الكُل أعني التشبيه بكُلِّ\rالأم ضعيف \rالقسم الثالث: ذكر الرأس، وقد تردَّدُوا فيه، منهم من ألحقه بالبطن، والظهر ، ومنهم من ألحقه بالعين، والروح؛ لأنه  يذكر في معرَض الكرَامة \rالركنُ الثالث: في المُشَبَّه  به:\rفلو شبَّهَهَا بزوجَة أخرى أو أجنبيّة ، أو قال : أنتِ كظهر فلانَة، لم يكن ظهاراً ، وكذلك [كل]  مُحرّمة تحريماً مؤقتاً؛ لأن الظهار إنما وَرد في التشبيه بمحَرّمة  على التأبيد \rفأمَّا المحرّمات على التأبيد من القرابات كالعمَّة (والخالة، والأخت) ، وغيرهن من المحرمات (بالنسب وَالرضاع)  وَالصّهر (فالطرق في)  هذه الجهات مضطربة، ثم حَاصلها  أقوال:\rأحدها: الاقتصار على الأم اتباعاً للمعهُود في الجاهلية، وَهوَ مأخذ القديم \rوَالثاني: أنه يجري الظهار في كل مُحرّمة على التأبيد بجهة تنضمّ إلى التحريم\rالمحرميّة، وهذا من الغُلُوّ في القول الجديد، فإنه تناهي في اتباع المعنى، وَالأوَّل غلُوّ\rفي القديم ","part":1,"page":4},{"id":1565,"text":"والثالث : الاقتصار على الأم، والمُحرّمات بالنسب وَالرضاع ملحقات بالأم، ولكن على شرط أن تكون المشَبّه بهَا لم يعهدها الزوج محللَّة على نفسه من لدن وُجوده، فلو كان التحريم طارئاً لم يكن الظهار منعقداً، وهذا القائل يستثنى جهةَ المصاهرة، ويقرّبُ الرضاع من النسب؛ لأنه يقتضي (حرمة) ، إذ يتعلق به (إنشاز العظم، وإنبات اللحم كما قال [رسُول الله]  )  ، هذا تفصيل النظر فيه مع الاتفاق على أنه لو قال: أنتِ كظهر أبي، لم يكن ظهاراً؛ لأنه ليسَ في محل الاستحلال ، ومَع الاتفاق على [أن]  التشبيه بالمُحرَّمة  باللعان، وإن كان على التأبيد ليس بظهار؛ لأنه لا يضم  إليه محرَمّية \rالفصل الثاني: في جملة من الأحكام\r تتعلق باللفظ، وفيه مسائل:\rإحداها: أن الظهارَ يقبل التعليق؛ لأنه يَدُور بين الإيلاء وبين الطلاق، وكل واحد منهما يقبل التعليق ، وتعليقه قَبْل النكاح لاغٍ كمَا في الإيلاء والطلاق إلا على قول نقله صاحبُ التقريب في الكُلِّ ، فعلى هذا إذا قال لإحدَى زوجتيه: مهمَا ظاهرتُ عن ضرَّتك فأنتِ عليَّ كظهر أمي كان كما قال فَنَتْبَعُ مُوجِب لفظه ، ولو قال: مهما ظاهرتُ عن فلانة وَهيَ أجنبيّة فأنتِ عليَّ كظهر أمِّي، فَله ثلاث  صُور:\r(إحداها: أن يقول) : مهمَا ظاهرتُ عن فلانة ولم يتعرّض لكونها أجنبيّة صح التعليق، ولم يتناوَل إلا ظهاراً في نكاح  ، وكذلك كل يمين تضاف إلى تصرف مُطلق يتناوَل الصحيح دون الفاسِد كالمنُوط بالبيع والنكاح، والغرض من هذا أنه لو جرى بلفظ  الظهار معَ الأجنبيّة لغى لفظه فيها، ولم يصِر مُظاهراً عن زوجته إلا أن يقول: أردت بالتعليق إجراء صُورة اللفظ فعند ذلكَ يُقْبَل وَإن بَعُد الاحتمال؛ لأن الاحتمالات البعيدة مقبُولة في تحقيق الحنث (وَإنما يُحتَاط)  في قبُولها إذا كان يبغي الناوى بها رَدّ الحنث ","part":1,"page":5},{"id":1566,"text":"الصورة الثانية: أن يقُول إن ظاهرتُ فلانةً أجنبيّة  أو فلانة، وهي أجنبية [وَشرط كونها أجنبية]  قال الأصحاب: هذا تعليق بمحال، فإنه لا يتصَوّر هذه الصفة ، قال المزني: إذا صَرح بذلك يتعلق باللفظ  ويجرى هذا الخلاف فيما إذا قال والله لا أبيع الخمر قال الأصحاب لا حنث في هذا  اليمين إذ لا بيع على الخمر، وَقال المزني: يحمل على المعتاد عُرفاً من بيع الخمر وَإن لم يكن صحيحاً شرعياً  \rالصورة الثالثة: أن يقُول: إن ظاهرتُ عن فلانة الأجنبية فلو نكحها وَظَاهَر عنها هل يحصُل الظهار المعلق فيه  وجهان، مأخذهما التردد في أن هذا تعريف أو شرط، فإن كان تعريفاً حصل الحنث، وإن كان شرطاً فلا \rالمسألة الثانية: إذا ظاهرَ عن واحدة وقال للأخرى: أشركتُكِ معها، وَنوى  الظهار، فهل يصير مُظاهراً عنها، وَجهان:\rأحدهما: أنه يصير مُظاهراً كما في الطلاق \rوالثاني: لا كما في الإيلاء ، وَحاصل النظر رَاجع إلى أن المغلب \rعلى الظهار (مشابه الإيلاء، أو مشابه الطلاق، ومشَابهتُه للطلاق  التحريم\rوَمشابهتُه للإيلاء  إيجابُ الكفارة معَ أنه لا يثبت النكاح وَلا يحرّمه ويترتب \rعلى هذا التردد مسائل \rالمسألة الثالثةُ: إذا قال: أنتِ طالق (كظهر)  أمي، فقوله: أنت طالق كلام مستقل، وهو صريح في الطلاق، (وَلا يرُدُّه ما ينضم إليه فالطلقة وَاقعة) ، ونُراجعه في قوله كظهر أمي، فإن فسّر بتأكيد الطلاق قُبِل ولم ينفذ الطلاق  وَإن أرادَ به ظهاراً فإن كان الطلاق بائناً فهو لاغٍ، وإن كان رجعياً فالظِهَارُ صحيح، ويتبيّن  فائدته\rعندَ الارتجاع \rالمسألة الرابعة: أن يقُول: أنت عليَّ حرَامٌ كظهر أمي، فله أحوال:","part":1,"page":6},{"id":1567,"text":"أحدُها: أن ينوِ  الطلاق دون الظهار، فالمذهب  أن الطلاق هوَ الواقع دون الظهار فيكون قوله: أنت عليّ حرَامٌ معَ النيّة كقولهِ: أنتِ طالق كظهر أمي إذا  لم ينوِ بآخر  قوله تجديد ظهار ، وفيه وجهٌ أن الظهار هو الحاصل؛ لأنه أتى بصريحةٍ وكناية  غيره، فالصريح  أولى من الكناية \rالثانية: أن يقول عنيتُ به الظهار دون غيره، فيصير مُظاهراً بمجَرّد قوله: أنتِ عليَّ حرَام، وقوله: كظهر أمّي تأكيداً  \rالثالثة: أن يقول: أردتُ الطلاق والظهار جميعاً مع قولي: أنتِ عليَّ حرَام من غير تقدَّم وتأخر، ففي هذه المسألة ثلاثة أوجه:\rأحدها: وَهو مذهب ابن  الحداد: يقال حصل أحدهما بتنجيز  الزوج، ويختار أحدهما، إذ ليس أحدهما أولى من الآخر \rوالثاني: أن الطلاق ينفذ دون غيره؛ لأنه أقوى في نفسه \rالثالث: أن النافذ هو الظهار؛ لأن في اللفظ تصريح  به \rالرابعة: أن يقول: أردتُ بقولي: أنتِ عليّ حرَام طلاقاً وبقول: كظهر أمي ظهاراً\rأمَّا الطلاق فواقع على الصحيح، وَعليه (التفريع إن)  كان الطلاق بائناً، فالظهار بعدَهُ لاغٍ، وإن كان رَجعياً فقد ظاهر عن رَجعية ، قال الشيخ أبو علي: من الأصحاب من قطع بأنه لا يحصل الظهارُ في هذه الصورَة؛ فإنه استغرق  قوله: أنت عليَّ حرام بنية الطلاق، فبقي قوله [عليّ]  كظهر أمي، وَهذا اللفظ لا يستعمل بنفسه، وَهذا مزيف (فإنه ظاهرٌ في الإشعار بالظهارِ)  (مما)  لا ينكر \rالخامسة: أن يقُول أردتُ بقولي: أنتِ حرام ظهاراً وبقولي:  كظهر أمي طلاقاً حصَل الظهارُ، ولم ينفُذ الطلاق؛ لأنه نوى بلفظ الظهار الطلاق، وهو صريحٌ في موضوعه  ، وَقد أشار الشيخ أبو محمد إلى وقوع الطلاق؛ لأن قوله كظهر أمي ليسَ مستقلاً حتى يجعل ظهاراً، فأمكن أن يجعل طلاقاً ","part":1,"page":7},{"id":1568,"text":"السادسَة: أن يقُول: أردتُ بقولي: تحريم عينها، ولم أنو غيره  ، فهذا يبنى على [أن]  مُطلق قوله: أنت عليَّ حَرام هل هو صريحٌ في التزام الكفارة وَاقتضائها فيه خلاف، وإذا قلنا: أنه صريح فيه فلزم  الكفارة بنفسه دون الوطء ، قال الشيخ أبو علي: غَلِط بعض الأصحاب فقال: لا تجبُ الكفارة إلا بالوطء ، رَجعنا إلى مسألتنا إذَا جعلناهُ صريحاً فمهمَا نواهُ حصل ما نوى، ولم يثبت الظهار، فيكون  ذلكَ كقولهِ أنتِ طالق كظهر أمي في أن الطلاق هو الواقعُ دون الظهار إذا لم يكن قد نوى الظهار، فإن  قلنا: إنه كنايةٌ في تحريم العين والتزام الكفارة، كان كما لو نوى الطلاق به، فإنه كناية فيه، فيحصل ما نواه على الظاهر، ويخرج فيه وجهٌ بعيدٌ ذكرناه في نية الطلاق  \rالسابعَةُ: أن يقول: نويتُ الطلاق والظهار جميعاً ولكن نويتُ أحدهما قبل الآخر، وكانتا مع اللفظ، قال ابن  الحداد: إن  نوى الظهار أوّلاً ثم الطلاق فقد ظاهر ولم يَعُد فصار كما إذا قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنت طالق، وَإن نوى الطلاق أوّلاً، فإن كان بائناً لغى الظهار بعدَه، وإن كان رجعياً حصلا جميعاً ، قال الشيخ أبو علي: هذا غلط فلا سبيل إلى تحصلهما  إذ اللفظ متَّحِد، وَالمسألة مفروضة فيما إذا اختصرَ  على قوله: أنت عليّ حرَام، هَكذا صَوَّره ابن  الحَدَّاد، فالوجهُ أن يكون كما إذا نواهُما معاً ، فيخرج على الوجهين :\rأحدُهما: تقديم الطلاق\rوالثاني: أن الزوج يختار أحدهما \rقال الإمامُ: وقد حكينا في كتاب الطلاق خلافاً عن العراقيين في وجوب انبساط النيّة في الكنايات على اللفظ من أوَّلِه إلى آخره، وَلو  انقطع أحدهما قبل الآخر زعمُوا أن الطلاق لا يقع فمقتضى هذا الوجهَ في هذه المسألة أن لا يحصل وَاحد  منهما فليتأمله الناظرُ \r\rالبابُ الثاني\rفي حُكم [الظهار]  الصحيح","part":1,"page":8},{"id":1569,"text":" ومهمَا صَحّ (الظهار الذي)  وَصفناه، فحُكمه  تحريمُ الجماع\rعلى الاقتران، فإن طلَّق على الاتصال فقد تخلَّص، وإن لم تُطلِّق حَرُم وطؤها إلى أن يُكفِّر  لا على فَصْلٍ بين أن يكُون التكفير بالإعتاق، أو (بالصيَام، أو بالإطعام)  ، وجَوَّز أبو حنيفة الوطء للمُكفِّر بالإطعامِ قبل التكفير واتَّبع ظاهر الآية في الإطلاق والتقييد ، وَالشافعي [رحمه الله]  يُنَزّل المُطلق على المقيد عند اتحاد الواقعة ،\rثم اختلف قول الشافعي في أن التحريم هل يقتصر على الوطء فقال في قول:\rوإذا  منع الجماع أحببت أن يمنع القُبَل، وهذا نصُّه في المختصر ، وهو\rدَليل على أنه ليس بمحرَّم ، وقال في مَوضع: رأيت أن يمنع القُبَل ، فقال أصحابنا (فيه قولان)  من حَرّمَ على الإطلاق تعلق بظاهر الكتاب، وهو قوله:    ","part":1,"page":9},{"id":1570,"text":"   ، والقائلُ الثاني: يحمل ذلك على الجماع كقوله:              فإنه كنايةٌ عن الجماع قطعاً ، وَأمَّا مسلكُ القياس فالإشباهُ في هذا كالمتعارضة، وَنحنُ نعددها ونقول: كلما يحرِّمُ الوطء من جهةٍ تأثيره في الملك كالطلاق حَرّمَ جميع الاستمتاعات، وكذلك مَا لا يحرِّم الملك وَلكن يُراد منهُ استبراء الرحم عن الغير كالوطء بالشبهَة في دوَام النكاح يُحرِّم جميعَ الاستمتاعات، وكذلك ما يبيح للغَير كالتزويج في حق الأمة يحرّم على السيد فنون الاستمتاع، لأن الزوج يستبيحها فلا اشتراك فهذه أقسامٌ ثلاثة تحرم الاستمتاع على الإطلاق ، أمَّا  ما لا يحرِّم فينقسمُ: فمنه الحيض فإنه يحرِّم للأذى فيختص بالأذى، فلا يحرِّم  الاستمتاع فيما فوق السُرّة وتحت الرُكبة  وفيما بينهما سوى الجماع تردّدٌ ثم من الأصحاب من حمل التحريم على خشية  الوقوع في الوقاع للتحريم على الحمَى، وَمنهم من حمله على انتشار الأذَى إليه غالباً ، وَأمَّا الصَوم فلا يحرِّم إلا الجماع، وَما يُخشى منه الإنزال ، وَمنهم من قال: التلذُّذ (بالمَسّ وَالقبلة)  مُحَرَّم، وَإنما المجَوّز نفسُ المس من غير تلذُّذ، وهذا غلط ، وَأما الإحرامُ فالقياسُ يقتضي إلحاقه بالصوم، وَلكن اتفقُوا على أنه يحرم المَسَّ وَذلك مما لا يمكن تعليله  فهو بعيدٌ ، وَأمَّا الاستبراء فإن كانَ في مسبيَّة فيُحرِّم  الوطء ، وفيما دون الوطء خلاف ، وإن كان الاستبراء عن جهة أخرى من تَمَلُّك وغيره فيحرِّم الاستمتاع على الإطلاق؛ لأنه لو ثبتَ الاستيلاد في هذه الجهات لحرم على الإطلاق بخلاف جهَة السّبي، فإن الاستيلاد فيه لا يحرِّم  (هذه)  ضوابط القول فيه، والظهار دائر بين هذه المراتب، فيخرّج  على قولين، وإذا  لم يحرم إلا الوطء ففي الاستمتاع بما  بين","part":1,"page":10},{"id":1571,"text":"السُرّة وَالرُكبة تردد يبتنى على العلتين في الحائض، وَإن  عللنا ثمّ بالتحريم على الحمى حَرُم ، وإن عللنا بالأذى لم\rيحرُم هاهُنَا، وهذا القائل يشبه تحريم الظهار بالحيض؛ لأنه يحرّمُ مع دوَام النكاح، وَالقائل الثاني يشبههُ بالطلاق وإن لم يؤثر في الملك \rهذا تمهيدُ القول (في الحُكم المرتب)  على الظهار\rالحكم الآخَرُ: وُجوب الكفارة، وهوَ منُوط بالعَود، قال الله تعالى:             فاختلفَ  العلماء في العَود على مذاهب خمسة، ذهب الثوري إلى أن الكفارة تجبُ بنفس الظهَار، ومعنى العَود: [العودُ]  إلى عادَة الجاهلية في استعمال اللفظ ، وَهذا فاسدٌ، فإنه قال: ثم يعُودون (مُرتباً عليه) ، فاقتضى أمراً آخر وراءه ، وَذهب داود إلى أن معناه تكريرُ لفظ الظهار معناه يعودون اللفظ   وهذا ركيك لا أصل لهُ ، وذهبَ الزهري ، ومالك في إحدَى الروايتين إلى أن العَود هُو الوطء؛ إذ  به يحصل مخالفة  الظهار، وهذا أولى  (لاستيضاح)  المعنى؛ إذ المفهوم من اللفظ  المناقضة، يُقال: قال فلان [كذا]  فعاد فيه ، وذهب أبو حنيفة في روَاية ، ومالك في روَاية إلى أن العَودَ هو العزم على الوطء ، وذهب الشافعي إلى أن العَودَ أن يمسكها زماناً يتمكن من تسريحها بالطلاق فذلك مناقضةٌ لقوله ؛ إذ يَبعُد حملهُ على الوطء وقد قَدّم الرب سبحانه [وتعالى]  ذكر الظهار والعَود جميعاً، ثم قال:        فدلَّ أن العودَ مقدم على الوطء نفسُه \rهذا تفصيل المذهب في أصل العود\rوفيه مسائل:","part":1,"page":11},{"id":1572,"text":"إحداها: أنه لو ظاهر عنها فمات على الفور قبل مضي إمكان الطلاق فلا عَود ، وكذلكَ  لو باَدَرَ إلى طلاقها ، ثم لو  كان الطلاق رَجعياً (وَرَاجعها فهو)  عائد، (وَلكن هل)  يحصل العَود بمُجرّد الرجعة أم يتوقف على مضي زمان إمكان الطلاق بعدها  على قولين  المنصُوص للشافعي أن نفسَ الرجعَة عود؛ لأنه اختيارٌ للاستباحة فهوَ يزيدُ على ترك الطلاق مع إمكانه ، وفيه وجه خرج من نص الشافعي على ما إذا ظاهر وارتدّ  على الاتصال، ثم عادَ إلى الإسلام فمجرّد الإسلام لا يكون عوداً ، وكذلك نصّ في أنه لو جدد عليها نكاحاً بعدَ الإبانة لم يكن مجرّد النكاح عوداً ، فمن الأصحاب من طردَ القولين في (الكل)  ، ومنهم من فرق بأن الإسلام تبدِيلُ دين ليس ينشأ للاستباحة بخلاف الرجعَة ، وَأمَّا النكاح فمِلكٌ  جديد، وقد تحصلنا على ترتيب الخلاف في النكاح على الرجعَة، وهذا بعدَ التفريع على عَودِ الحنث؛ لأنه إذا ظاهرَ وَأبانهَا على الاتصال فقد اندفع أثر الظهار في هذا النكاح، فيتوقف في إظهار أثره في نكاح آخرَ كما قلنا في الإيلاء ، وفي تعليق الطلاق على الصفات ؛ لأن اقتضاء الظهار للتحريم  الممدُود إلى الكفارة عند العَود من خواص النكاح كاقتضاء الإيلاء المُطالبة [بالفيئة]  ، فإن قيل: الكفارة تلزم في الإيلاء إذا جدّد نكاحاً قولا واحداً، والخلاف في طلب الفيئة فلتجب الكفارَة هاهُنا","part":1,"page":12},{"id":1573,"text":"قلنا: لأن اليمين تستقل بنفسها دُون النكاح، وَأمَّا كفارَة  الظهار قرينَةُ التحريم  وَهما من خاصِيّة النكاح، نعم اتفق أصحابنا على أنه لو ظاهر وعادَ حتى حُرمت عليه استقرت الكفارة فلو جدّد النكاح كان التحريم يَطردُ  إلى الكفارَة؛ لأن التحريم ثبتُ في [أوَّل]  النكاح الأول، واستقل بنفسه، وتوقف على الكفارة فلا يرتفع بالإبانة  وتجديد النكاح ، حتى قال المحققون لو كانت زوجته رقيقة فأبانها ثم اشتراها (لم تحل بملك)  اليمين قبل الكفارةَ؛ لأن (التحريم استقل)  بالثبوت فلا يرتفع إلا بالكفارة ، وفيه وجه بعيد غير معتَدٍّ به ، وَهذا الوجه يجري في التحريم بالطلقات الثلاث أنه هل يتناول ملك اليمين  وكذلك التحريم المؤبّد باللعان على قولنا لا يجري اللعان  في ملكِ اليمين، فلا  جريان لهذا الوجه في كل تحريم يقتضي محرَّمية كالصهّر، والرضاع، وَالنَّسب \rوالمسألة الثانية: إذا ظاهر عن زوجته الرقيقة ثم اشتراهَا على الفور فهل يَقُوم الشراء -وهو سببُ قطع النكاح- مقام الطلاق في منع العَود فيه وجهان:\rأحَدُهما: أنه يقوم وَهوَ الظاهر؛ لأنهُ قطع النكاح فلم يَعُد \rوَالثاني: أنه عائد؛ (لأنه من حل)  إلى حلٍّ، وَهذا يظهَرُ معَ القول بأن تحريم الظهار إذا تقرّر تناوَل  تحريم الوطء بملك اليمين وَهوَ ظاهرُ المذهب ","part":1,"page":13},{"id":1574,"text":"المسألة الثالثةُ: اللعان سببُ الفرقة فهل يقوم مقام الطلاق في دفع العَود ظاهِرُ النصّ أنه يمنَعُ العَود ، وهو مبهم  في تصويره، واختلفَ  الأصحاب فيه منهم من قال: إذا ظاهر ثم قذف ولم يقصر في رفع الأمر إلى القاضي وتهيئة الأسباب حتى يتيَسّر  اللعان ولو بعدَ أيام اندَفع العَودُ؛ لأنه في جميع ذلكَ مستقل بأسبَاب الفراق ، ومنهم من قال: ليكون  القذف والخصُومَة سابقةٌ  على الظهار، حتى لا تبقى  إلا كلماتُ اللعان، فإنه المؤثرُ في الفراق دون مقدماته ، ومنهم من قال ينبغي أن ينشأ  الظهار إذا لم يكن قد بقي من اللعان إلا الكلمة الأخيرة فهي التي تستعقبُ الفراق وتفيده وَما قبله لا يفيدُ [الفراق]  وَهي كلمات مستقلة بالإفادة، وَهذا اختيار [بن الحداد فألزم عليه ما لو قال بعد الظهار يا زينب أن طالق، وقوله: يا زينب كلام لا يفيد الفراق، ومع هذا يحتمل لأنه من مقدمات الفراق ولا ندري كيف يقول]  ابن  الحداد في هذه المسألة ، والظاهرُ أنه مسلم ؛ لأن قوله: يا زينب أنتِ طالق كلام وَاحد هي جملة متحدَةٌ، وليسَ بعضه مفيداً  فائدة أخرى بخلاف كلمات اللعان لم يتصل بهذا التشاغل بأسباب الشراء الميَسّر ، إذا قلنا: الشراء ليسَ بعود فابن الحداد يشرط أن يستعقبُ الظهار بقوله: اشتريتُ، والأصحاب يكتفون بالتشاغل بأسبابه على العادَة، ولم يختلفُوا في أنه لو علق الطلاق بعدَ الظهار بدخُول الدار ثم  يستغل بالدخول فهو عائدٌ؛ إذ لا أربَ في التعليق مع القُدرَة على التنجيز، نعم  لو كان قد علق من قبل على الدخُول ثم استغل عقيب الظهار بالدخول وكان الدخول (ميسراً كالتشاغل)  لأبأسباب الشراء  وهو معسر، ولو كان الشراء متعَذّراً فالتشاغل]  بتسهيله لا يمنع العَود، هكذا قاله الإمام متصرفا به\rلا ناقلاً ","part":1,"page":14},{"id":1575,"text":"المسألة الرابعة: إذا علق الظهار بفعلٍ من أفعال نفسه فأتَى به انعقَد الظهارُ مُرتباً على الفعل، وعليه الطلاق عقيبه فإن لم يطلق فهو عائد سواء نسي الطلاق  أو ذكره ، ولو علق  بفعل الغير فإن وُجد وعلم وَلم يُطلق  فعائد، وإن لم يعلم وُجود تلك الصفة فلا يصير عائداً قبل العلم، هَكذا ذكره الأصحابُ ، وفيه غُموض فإنه إذا نسي الظهار، وكان منُوطاً بفعله فهو معذور أيضاً، ثم صار عائداً، ويعدَ  الفرق أنه في نسيان الظهار (مقصر وليس)  معذوراً، وأمَّا فعل الغير إذا لم يكن بمرأي  منه فلا تقصير  منه (إذ لم يعلمه) \rالمسألة الخامسة: الظهار المؤقت كقوله: أنت عليّ كظهر أمي خمسة أشهُر، لا يصحُ على القول القديم؛ لعدُوله عن معتاد الجاهلية، فهو لاغ ، وعلى الجديد: قولان مبنيان على تغليب شوائب الطلاق [والإيلاء]  فمن شبّهه بالطلاق ألغاهُ؛ لأن الطلاق لا يتأقت، نعم يُكمّل  مؤقتة لغلبة الطلاق، والظهار لم يثبت فيه هذه الغلبةُ، ومن شبهه بالإيلاء  صححه؛ لأنه يتأقت بالموَاقيت ","part":1,"page":15},{"id":1576,"text":"التفريع: (إذا صححناه)  مؤبداً أو مؤقتاً، فعلى خلاف، منهم من صححه مؤبداً تغليباً لمشابه الطلاق، وزعم أن مشابهةَ الطلاق لا توجبُ الإلغاء بل يثبت (فيه من التسرية)  ما في الطلاق ، ومنهم من قال: يؤقت تغليباً (لمشابه الأيمان)  ، فإن قلنا: أنه مؤبد  فالعودُ فيه كالظهار المطلق ، وإن قلنا: أنه مؤقت فالعَود فيه بماذا نص الشافعي [على]  أن العود بالجماع ، قال المزني: هذا غلط، كتحصل  العود بما هُو عَود في الظهار المطلق ، فمن أصحابنا من قال قولان من  المطلق والمؤقت ، وللشافعي (قولٌ في أن)  الجماعَ هُو العَود في أصل الظهار ، وهذا غير سَديد؛ لأن الشافعي نصّ عليه في الجديد ، والوَجهُ  الفرق، وطريقهُ أن الإمسَاك (يناقض الظهار)  المطلق؛ فإنه يقتضي تحريماً مسترسلاً على  جميع الأزمان، أمَّا هذا  يقتضي تحريماً مؤقتاً فإنما  يُمسِكهَا حتى ينتفع بهَا وراء المُدّة\rفلا مناقضَة ","part":1,"page":16},{"id":1577,"text":"التفريع: إن قضينا بأن العَودَ هاهنا بالجماع، فبالجماع يحرمُ الجماع فيكون كما لو علق الطلقات الثلاث على الجماع، وقد ذكرنا ثمَّ أن الجماع مباحٌ، والنزعُ مع التغييب واجِب  ، وقال ابن  خيران: هوُ محرم (لاتصال النزع بالتغييب)  ، وَهذا الخلاف يجري هاهنا؛ لأنه لا يحرم الجماع قبل العَود [وإنما يحصل العود بالجماع]   ويتفرع على هذا أنه إذا انقضى أربَعةُ أشهر، ولم يَطأ فقد صَار بحالةٍ لو وَطئ لالتزم (الكفارَة به)  فهل نجعله مولياً حتى تُطالب بالطلاق (أو الفيئةَ)  فيه تردُّدٌ ، والظاهرُ أن  لا يُجعَل؛ لأنه لم يحلف ، وكذلك الخلاف فيما إذا قال: أنت علي حرَام، ونوى [به]  تحريم عينها ، والصحيح أن الكفارة تلزمُه  بمُجرّد اللفظ قبل الوطء، وَفيه وَجهٌ أنه يجبُ بالوطء، وهذا  الخلاف يجري في التفريع على ذلك الوجه البعيد ، قال أبو بكر الصيدلاني: مهمَا عاد بالجماع على هذا القول فلا نقول الجماع عودٌ في عينه بل يتبَيّن  به أنه كان عائداً بالإمسَاك في لحظةٍ عقيبَ الظهار ، وهذا يتأيَّد بالفقه في معنى العَود، ويوافق النص وعلى هذا لا يُطلق القول بإباحة الوطء؛ لأنه لو وَطئ لتبيَّن تقديمُ التحريم عليه فيكون كما لو قال: مهمَا وَطئتُ فأنتِ طالق قبله، ولا  يحل الوطء ","part":1,"page":17},{"id":1578,"text":"المسالة السادسة: إذا قال: أربع  نسوة أنتن عليَّ كظهر أمي، انعقَد الظهار ، فلو أمسَكهُنَّ بجُملتهن ففي المسألة قولان، أظهرهما وُجوب كفارات متعدّدة؛ لأن كل واحدة مفردَةٍ  بتحريم هي صفة شرعيّةٌ ثابتة في حقها ، والثاني أنه يجبُ كفارة وَاحدة كما في اليمين الواحدة ، ويبتنى هذا الخلاف على تغليب الشوائب ، ويقرب مأخذ المسالة مما إذا قذف جماعة بكلمة واحدة، فمنهم من قال يتّحد الحد لاتحادِ اللفظِ، وَمنهم من قال: يتعَدّد لتعدُّد المقذوف، وَهذا قريب منه؛ لأنه كلمة زور كالقذف، وقد اتخذَت في نفسها وتعَدّد متعلقها \rالتفريع: إن قلنا: يتعدد كفارات فلا يخفى الحُكم، وإن قلنا:  يتَّحد فلَو طلق ثلاثاً على الاتصال وَأمسَكَ واحدة وجبت الكفارَة ، وعندَ هذا ينقطع عن اليمين إذ [لو]  قال: والله لا (أجامِعُكن)  فلا كفارَة بجماع واحد ؛ لأن الكفارة تجب بالحنث ولا حنث، وَالكفارَةُ هاهنا بمناقضة  القول الأول بالعَود ، وقد تحققت المناقضة؛ إذ يُمكن أن يجعل جماع نسوَة في حُكم متعلق (واحد)  لليمين   أمَّا تحريم امرَأة لا يتعلق بتحريم امرأة أخرى، وهذا مشابه  الطلاق قد  ظَهَر من (أثناء)  اعتبار شائبة اليمين فاعتبرنا شائبة اليمين، واكتفينا بكفارة واحدة إذا أمسَكَ الكل، وقدّرنا المناقضة كالمتجددة  وكأنه لم يُنَاقض إلا في قول واحد، ثم إذا ناقضَ في امرأة فقد تحقق العَود وَالنقض في كلامه، فوجب الحُكم بلزوم الكفارة ، فأمّا  إذا ظاهرَ عن أربع نسوة بأربع كلمات على التوالي فتعدد  الكفارة ثم ظهار الثانية [عودٌ]  في الأولى، وظهار الثالثة عودٌ في الثانية، وَظهار الرابعة عودٌ في الثالثة، ثم إن طلق الرابعَة على الاتصال فلا عَود فيها وإلا فقد تعددت الكفارات  عليه ","part":1,"page":18},{"id":1579,"text":"المسألة السابعة: إذا كرّر لفظ الظهار على امرأة وَاحدة، وقال: (أنت عَليَّ كظهر أمي)  فإن كان على الاتصال  فإن قصد تأكيداً  فالظهار مُتّحدٌ ، لكن  هل يكون عائداً فيه وجهان:\rأحدهما: أنه عائد؛ لأن اشتغاله بالتأكيد مما يتضمن ترك الطلاق مع الإمكان \rوالثاني: وَهوَ الأفقه أنه ليسَ بعائد؛ لأن المُكرَّر [المؤكَّد]  في حُكمِ كلمةٍ متحدة، وجملة واحدة \rوإن قصدَ التجديد قُبل ذلكَ منهُ، وتعدّدَ الظهار ، ولكن الظهارُ إذا تعدّدَ في محل واحد هل تتعَدّد [فيه]  الكفارة فيه طريقان، منهم من قطع بالوجوب لاختلاف اللفظ ، ومنهم من خرجَهُ  على القولين كما في اتحاد اللفظ مَع اتحاد  المحل ، وَيُشَابِه هذا أيضاً تكرر  القذف في شخص وَاحد فإنه لا يوجب إلا حداً ، وسببه تداخل الحدود ، وَأمّا (تكرر التظاهرُ)  فإن قلنا: أنه يتكرر فلو طلق عقيب الثاني لم يكن عائداً في الثاني، وَهل يكون [عائداً]  في الأول  بالاشتغال بالظهار الثاني، فيه وَجهان مرتبان على صُورة التأكيد، وهاهنا أولى بأن يَكُون عائداً \rفأمَّا إذا تحلل زمان [فأعادَ]  فإن قلنا أنه لا تتعدّد الكفارَة عند توالي الظهَارَين فلا فائدَة للإعادَة، وإن قلنا: يتعدّد فلو قصدَ الاستئناف وَالتجديد تكرّر الظهار ، وَإن قصَد إعادة ما مضى فهل يُصَدّق اختلف فيه جوابُ القفال، وَمنشأه أنا [إن]  غلبنا شوائب الطلاق فلا يقبل، وإن غلبنا شوائبَ الأيمان  ففي الإيلاء خلاف ذكرناهُ ، فهذا [هل]  ينزل منزلته، وقد (ذكرناه)   \rفإن قال قائل: أبينُوا في آخر الباب عن حقيقة الظهار، وَأنه يُحرِّمُ الوطء بنفسه أم يُحرِّمُ الوطء بالعود مع (الظهار) ","part":1,"page":19},{"id":1580,"text":"قلنا: أما الكفارَة فلا تجبُ بمجَرّد الظهار؛ إذ لو وجبت لما سقطت بالطلاق، كمَا إذا عاد ثم طلق فلا  تسقط الكفارة عنهُ، وَأمّا التحريم فيثبت عندَ العَود، ويتمادَى إلى براءة الذمة عن الكفارة، ولا نقول وجبت الكفارَة بالاستباحةِ  فقط، ولو  كان كذلكَ لسقطتِ الكفارة إذا أبانها إذ كان  لا يريد وطأها، ولكن وَجبت الكفارة ناقضة  (لما صدر)  منه في قول كما أوجبَ الشرعُ الكفارة بالحلفِ في اليمين ثم علق التحريم ببراءة الذمة عن الكفارة ، يبقى نظرٌ في أن الوطء هل يحرُم بمجَرّد الظهار والذي نراهُ أنه لا يحرُم \rوإذا فُرِض هذا في اللمس الذي يتصَوّر في خطفه قبل النطق بالطلاق فقد  يفيد لا سيما إذا فرعنا على أن التشاغل بأسباب الشراء يمنعُ العود فاللمسُ في ذلكَ الوقت هل نَصِفهُ بالتحريم الظاهر أنه لا يُوصف بالتحريم ؛ لأمرين:\rأحدهما: أنه لو اقتضى التحريم لرسخ  التحريم حتى لا يرتفع في تلكَ  اليمين وفي نكاح مُجدّد إلا بكفارة ، كما إذا عادَ ثم طلق \rوالثاني: أنه لو حرم لأوجبَ  الطلاق ولحَرّمَ الإمسَاك ، وعلى الجملة المسألة محتملة، وقد اتفقوا على أن الكفارة لا تجبُ إلا بالعَود ، وهذا النظر  في التحريم، نعم الظهار (أحد سببي)  الكفارة، وَلهذا قال ابن  الحداد: لو قال: إن دخلت الدار فأنت [عليَّ]  كظهر أمي، ثم أعتق عن الظهار  قبل دُخول الدار، قال: يجُوز؛ لأنه أعتق بعدَ وُجود  السببين فأشبه تقديم الكفارات  على الحنث ، وخالفهُ مُعظم الأصحاب، وَقالوا: وزانه مَا لو قال: لو  دخلت الدار فوالله لا أكلمك، ثم أرَادَ التكفير قبل الدخول لم يجد إلى ذلكَ سبيلاً؛ لأن اليمين بعد لم تنعقد؛ وَإنما انعقادُها معلق، فكذلكَ الظهار ، ومنهم من نزل التعليق منزلة التنجيز، وقال: هو سبب التنجيز عند وُجود الصفة، فَكأنه وُجد السبب ","part":1,"page":20},{"id":1581,"text":"فرع: إذا ظاهرَ وُجُنَّ عقيبه لا يكُون عائداً؛ لأنه لم يتمكَّن من الطلاق ، فلو أفاق فنفسُ  الإفاقة ليسَ بعَود، ومنهم من غلط وطردَ فيه خلاف الرجعة، وهو خطأ محض ، ولو قال: إن لم أتزوج عليك فأنتِ عليَّ كظهر أمِّي، فلا ينعقدُ الظهار في الحال، ما لم يقع اليأسُ عن التزويج ، فلو ماتَ قال ابن  الحداد: تبينا وقوعَ الظهار قبل الموت ووقوع العود ، قال الأصحاب: أما الظهار فحاصل، ولا عودَ؛ لأنه فات  عقيب الظهار فلم يتمكّن من العَود  ولا خلاف (في أنه لو مات)  عقيب الظهار المنجّز لم يكن عائداً، وإنما كان يستقيم لو كان يستند انعقاد الظهار مثبتاً إلى وقت اللفظ، فإذا لم يقل به فهوَ كما لو أنشأ قُبَيل الموتِ ","part":1,"page":21},{"id":1582,"text":"كتَابُ (الكفارات)\rالكفارَات منقسمة، فمنها ما لا مدخل للعتق فيها، كالفديات في الحج، وليس تفصيلها من غرضنا [الآن] ومنهَا ما للعتق فيهَا مَدخل، وَهي أربَعٌ: كفارة القتل، وكفارة الجماع في نهار رمضان، وكفارَة الظهار، وكفارة اليمين\rأمَّا كفارَة القتل (فمُرتَّبة العتق) أوّلاً، ثم الصيام، وهل للإطعام فيه مَدخل [قولان] تفصيلها في محله\rوَأمَّا كفارَة الظهار، وَكفارة الجماع متساويان في الترتيب، فالعتق ثم الصيام ثم الإطعام، فأمَّا كفارَة اليمين فتشتمل على التخيير وَالترتيب، (فمنه التخيير) بين العتق، والكسوَة، والإطعام، ثم إذا عجز عن جُملة ذلك عدل إلى الصيام، وتفصيل هذه الكفارات في مَواضعها، وغرضنا تفصيل كفارَة الظهار، ثم يندرج فيه جُمل من الأحكام الكفارات لا محالة، وَفيه ثلاثة أبواب:\r\rالبابُ الأول\rفي العتق\r[وفيه فصُول]\rالفَصْلُ الأوَّلُ: في بيان الرقبة التي تُجزئ في الكفارَة\rوفيها شرائط:\rالشَرْطُ الأوَّلُ: الإسلامُ:","part":1,"page":1},{"id":1583,"text":"فلا تجزي في الكفارات إلا رقبة مسلمة  عندنا ، وخالف  أبو حنيفة وزعمَ أن الرقبة في كفارَة الظهار مُطلقة، وَهي [في]  كفارَة القتل مقَيَّدة، فيتبع التقييد  وَالإطلاق ، وَلنا  رأيٌ في حمل المُطلق على المقيد ، نعم لو نذرَ إعتاق رَقبة فهل تجزؤه رَقبة كافرةٌ [فيه]  قولان مبنيان على أن (النذور تحمل)  على أقل وَاجب في الشرع، أو على أقلّ ما يتقرّب بهِ إلى اللهِ، فإن حملناهُ على أقل وَاجب شرطنا الإسلام ، ويبتنى  على هذا الخلاف مسائل نذكرها في كتاب النذور ، وعندَ هذا يتصَدّى للناظر [النظر]  فيما يصح الحُكم بكونهِ إسلاماً، وهو ينقسم إلى ما يُحكم به تابعاً، وإلى ما يُحكم به إنشاء ، والحُكمُ به  تبعاً في صَبي وُلد على الإسلام وَأبواهُ  مسلمان ، (أو)  أسلم أحد أبويه بعد الولادة ، وكذلكَ إذا سباه مسلم وَليسَ معه أبوَاه  والثالث إذا وُجد لقيط في دار الإسلام  وحُكم بإسلامه، وقد فصلنا هذا في كتاب اللقيط ، ولو بلغ من حَكم بإسلامه تبعاً فَقَبِل أن يُعرب  بنفسه عن الإسلام هل  يُحكم بإسلامه قولان  ، وفائدتُه [في]  وُجوب القصاص على قاتله (وفي إلحاقه)  بالمُرتدّين لو كفر ، وهذا فيمن لم يُولد على الإسلام ، فأمَّا الإسلام المنشأ فإن كان عن اضطرار أو اختيار كان صحيحاً إلا أن يكون ذمياً ففي إسلامه مع الإكراه قولان ، وإنما يكتفى بالرمز؛ لأن تفاصيل هذه المسائل  مستقصَاه\rفي مَواضعها، ونحنُ الآن نستقصي ما يحصل الإسلام به إنشاءً، ولا شك في أن من\rأتى بكلمتي الشهادتين وتبرأ معَ ذلك عن  كل ملّةٍ سوى ملة الإسلام حَكمنا بإسلامه اعتماداً على ظاهر لفظهِ  وَلا نظر إلى الباطن، (فإن ذلك)  مما","part":1,"page":2},{"id":1584,"text":"لا يُطلَّع عليه، ولو أتى بكلمتي الشهادَة ولم يذكر التبرّي عن كل ملة سواها حُكم بإسلامه في ظاهر المذهب، وَمنهم من شرط ذلك وَهو مخالف لما عهدَ في العصر الأوّل، ولو اقتصَر على إحدَى الشهادتين فإن كان ذلكَ يخالف ملّته كاليهودي إذا قال: لا إله إلا الله، فإنه يقُول عزير ابن الله، أو النصراني الذي يعتقد أن الله ثالث ثلاثة، أو الثنوي إذا أتى بقول: لا إله إلا الله، أو المعُطل إذا أتى به، فمنهُم من حَكم بإسلامه؛ لأنه بخلاف ملّته، ثم يُطالب بالشهادة الثانية، فإن أباها حُكم بردته، ومنهم من قال: لا يُحكم بإسلامه ما لم يأت بكلمتَى الشهادة فعليه التعويل، (والذي ذهب إليه) المحققُون الاكتفاء بما يخالفُ ملّته\rولو أعربَ يهوديُّ أو نصراني بصلاة على وَفق شريعتنا أو بحكم من الأحكام يختص بنا فهل يُحكمَ بإسلامه\rمنهم من قال: يكتفي به لجريان الاعتراف\rومنهم من أثبت تعبداً في كلمتي الشهادة، قال القاضي [في] ضبط\rطريق المعنى لو أنكرَهُ المسلم كفر فإذا اعترف به الكافر، وكان مخالفاً لملته حُكم بإسلامه [لأن التصديق لا يتجزأ هذا هو الحكم فيما يحصل به الإسلام]، وأما\rمن يصحّ إسلامه فكل مكلف، وأما المجنُون فلا يصح إسلامه، ويصح\rإسلام المُكره، وفي إسلام الصبيّ خلاف، والأخرسُ يصح إسلامُه اكتفاء\rبإشارته، بدليل الخبر المنقُول في الباب، وَأبعدَ بعض الأصحاب (فقال: لابد من أن) يُقيم صلاة معَ الإشارة حتى يُحكم بإسلامه، والغرض من [جملة] ذلك أن من حُكم بإسلامه أجزأ عتقهُ عن الكفارَة، ومتى لم يُحكَم لم يجز عتقه عن الكفارَة\rالشرطُ الثاني: السلامةُ من العيُوب:","part":1,"page":3},{"id":1585,"text":"وَهي معتبرة بالاتفاق إلا على مذهب دَاود فإنه تعلق باسمِ الرقبة ، ثم أجمعوا  على أن كل عيب يقدح في المَالية لا يقدَحُ في الكفارة بخلاف غُرّة الجنين؛ لأن المقصُود منها تحصيل مَاليّة، وَالمقصُود من هذا إزالة رق، وإثبات استقلال بعبد  رقيق، حتى يستقل بنفسه  وَيتفرّغ للعبادة ، وقال أبو حنيفة: كل عيب تضمَّن  فوات جنس من المنفعة منعَ الإجزاء، (فالأصمّ، والأخرس) ، ومقلوع الأسنان عندهُ لا يجزئ، وَمن قطعت إحدى يديه يجزئ عنده ، وَقال الشافعي: المقصُود من هذا استقلال العَبد بنفسه على وَجه (يجدي)  عليه العتق، وَيتخلّص عن الرق (والزمن لا ينتفع بالعتق)  بل الرق (أجدى)  عليه ، والأبرَص وإن كان معيباً ينتفع (بالعتق)  فالوجهُ أن يضبط هذا بما يؤثر في العمل أثراً بيناً فهو الذي يمنع؛ لأن المقصُود إثبات الاستقلال (لعبد مستقل)  بالعمل لكمال بنيته  ولكن امتنعَ عليه الاستقلال لنفسه بسبب الرق ، وقال   الشافعيُّ: الأعوَر (يجزئ إذ ليسَ)  له أثرٌ في العمل ، والأعمَى لا يجزئ ، وكذلك الأحوَل ، والأعرَج، والعنّين، والخصي، والأخرق الضعيف  الرأي، والأقرع ، وُقطع الإبهَام، والمُسَبِّحَة  والوُسطى، مانع ، وقطع الخنصر ، لا يظهر أثره  [وكذلك قطع البنصر  وقطعهما من يد واحدة يظهر أثره  ومن يدين لا يظهر أثره]  ، وقطع أنملة لا يمنع إلا إذا كان (الإبهام  وقطع)  أصابع الرجل لا أثر له  هكذا قاله القاضي وغيره ، وَالمجنون لا يجزئ إذا كان مُطبقاً ، وَأما المريض فإن  كان لا يرجَى","part":1,"page":4},{"id":1586,"text":"زوَاله  لا يجزئ  ولو  اعتق عن الكفارة وَاستَبَلَّ  على ندور، فهل يبين أجزاءه  فهذا فيه تردُّد ، وإن كان يُرجى  زوَاله فَهوَ مجزئ ، ولو  ماتَ من المرض فهل يتبيّن  أنه لم يقع موقعه فيه تردّدٌ، والظاهر الأجزاء وما جَرى نجعله كمَوت طارئ ، وَأما الأخرس فقد اختلف نص الشافعي فيه ، وأجرَى  بعض الأصحاب قولين أصحهما أنه  لا أثر له في العمل ، ومنهم من قطع بالإجزاء وحمل نصّ الشافعي على ما إذا كان يفهم  الإشارة، فهذا يَعسرُ عليه الاكتساب وَالاختلاط بالناس ، ومن أصحابنا من طردَ القولين في الأصم (الأصلخ)  وَهو بعيد فإنه لا يقدَحُ في العمل \rأمَّا  الذي يجُنّ يَوماً ويفيق يوما فإعتاقه مجزئ، (وهذا ظاهرٌ إن قَلَّت)  أيامُ الجنون، وإن كثرت  أيام الجنون فلعل الظاهر منعهُ ،وإن تساويا ففيه احتمال \rوَأمَّا الهرمُ العاجز عن العمل لا يجزئ ، والصغير وهو ابن يَومِه يجزئ؛ لأن الصغر إلى الزوَال \rوَأمَّا الجنين  فقد قال المراوزة لا يجزئ ، وَفي كلام العراقيين تردّدٌ يبنى  على أن الحمل هل يُعرّف والأصح المنع من الإجزاء \rالشرط الثالثُ: في كمال الرق، والملك واليد:\rويتهذب هذا برسم مسائل:\rإحداها: أم الولد قال الشافعي [رحمه الله] : (ولا يجزئ أم الولد في قول من لا يبيعها)  ظاهر هذا يُوهم تردداً  في البيع ، وفهم المزني هذا الترديد  في القول، ثم اختار منع البيع ، فمن أصحابنا من قال: لم يتردّد الشافعي في البيع، وَلكنه أشار إلى حكاية مذهب ، ومنهم من طردَ القولين ","part":1,"page":5},{"id":1587,"text":"الثانية: عتق المكاتب كتابة صحيحة عن جهة الكفارة غير صحيح، وإنما العتق عن جهة الكتابة ، خلافاً لأبي حنيفة  ثم اختلف طرق الأصحاب في تعليله فمنهم من علله بنقصان الرق، وهذا القائل  يصحح ذلك في المكاتب كتابةً فاسدة ، ومنهم من عَلّل بوقوعه عن جهة الكتابة بدَليل استتباع الإكساب والأولاد ، فعلى هذا المُكاتب كتابة فاسدَة يخرج إجزاءه عن الكفارَة على أن السيد لو أعتقه (فهل)  يستتبعُ الأكسَاب والأولاد، وَفيه  خلاف \rالثالثة: إذا باعَ عبداً بشرط العتق، (وَصححّنا العتق)  وَصححنا البيع، وَألزمنا  الوفاء بالشرط فهل يجزئ ذلك العتق عن الكفارة فيه تفصيل طويل استقصاؤه  في كتاب البيع في باب النهي عن بيع وَشرط \r[الرابعة: إعتاق المرهون، والعبد الجاني عن جهة الكفارة يبنى على صحة نفوذ العتق، فإن نفذناه أوقعناه عن الكفارة لأنه يتضمن فك الرهن بخلاف المكاتب وأن عتقه يقع عن جهة الكتابة]  \r(الخامسة) : العَبد الغائب إذا كانت  أَخباره متواصلة صحَّ إعتاقه ، وإن انقطع، وكان الظاهر أنه أصَابَته آفةٌ فقد نصّ الشافعي هاهنا أنه لا يجزئ ، وقال في صدقة الفطر يُزَكي عنه ، فاختلفوا على طريقين، منهم من قال في (المسألة قولان)  لتعارُض الأصلين استمرار الحياة في العبد، واستمرار اللزوم ، ومن أصحابنا من فرّق ومال إلى الاحتياط في المسألتين ، وهذا قد استقصيناهُ في زكاة الفطر ، وفائدة العتق وإجزاءه هاهنا يبينُ  في تسليط المُظاهر على الوطء \r(السادسة) : العبدُ المغصُوب في يد متغلّب لا يتخلّص منه فالاعتاق  يجزئ إعتاقه لكمال الملك ، وقال أبو حامد: لا يجزئ؛ لأنه لا يستفيد  به استقلالاً كالأقطع ، وهذا رديّ غيرُ مُعتَدٍّ به ","part":1,"page":6},{"id":1588,"text":"(السابعة) : لو اشترى من يعتق عليه بنيّة الكفارَة لم يَجُز خلافاً لأبي حنيفة ؛ لأن العتق مُستحقٌ قهراً بجهة القرابة لا يندرج  تحت اختياره ، وقال الأودني : إذا اشتراه بشرط الخيار وَأعتقهُ عن الكفارة [جاز]  تعلقاً بقولهِ [عليه السلام] : (لن يجزِي وَلدٌ وَالده حتى يجدهُ مملُوكاً فيشتريه فيعتقه)  وَاستدل  على أن العتق\rمنُوط باختياره \r(الثامنة) : إذا أعتق نصفين من عبدين ففيه ثلاثة أوجه:\rأحدُها: أنه تبرأ ذمته؛ لأن الاشقاص إذا (ضمن كملت أشخاصاً)  بدليل\rالأشقاص من  الزكاة في مسائل الخلط   \rوَالثاني: أنه لا تبرأ ذمته؛ لأن المقصود حَل الرباط وإثبات الاستقلال ولم يحصّله \rوَالثالث: إن أعتق نصفاً  من رقيقين لم يجز  وإن كان النصف من كل واحد منهما (حُراً فكملت)  الحرية فيهما جاز لحصُول  الاستقلال \r(التاسعة) : إذا ملكَ عبدين وعليه كفارتان فقال أعتقتُ العبدين عن الكفارتين نصف كل عَبد [عن]  كل كفَارة، حكى العراقيُون عن نص الشافعي الإجزاء ، وهذا (يُؤيد جَواز)  التبعيض ، وَلكن في (صورة)  حصُول الخلاص  فمن أصحابنا من طرَدَ الخلاف هاهنا ، ومنهم من فرّق، وقال: لا معنى لتجزئته في هذه الصُورة، وقد وَقَع العبدَان عن الكفارتين، (فيلغي)  [في]  تجزئته \rولو أطلق وقال: أعتقتُ هذين العبدين عن كَفّارتي، فاختلفوا في التقدير منهم من قال: يتوزَّعُ كما في الصُورَةِ الأولى، اتباعاً للفظ ، ومنهم من قال: يقع عن كل كفارة عَبدٌ كامل، وهو الأولى، إذ العرف لا يقضي بالتوزيع وَاللفظ ليس نَصّاً فيه ","part":1,"page":7},{"id":1589,"text":"(العاشرة) : [إذا]  ملكَ نصف عبد، فإن كان معسراً ونوى صرف نصفه إلى الكفارة انصَرف  ذلكَ القدر إليه، ولم تبرأ ذمتُه ، فإذا  اشترى النصف الثاني وصرفه إلى الكفارة، أو  نوى صرفه إلى الكفارة [وعند إنشائه العتق بعد الشراء برئت ذمته ، فأما إذا كان موسراً ففي كيفية نفوذ العتق ثلاثة أقوال: فحيث يفرع على تنجيز العتق ينظر فإن وجه العتق على جميع العبد، ونوى صرفه إلى الكفارة]  انصرف إليه وَعتق عليه؛ لأن الملك ينتقل إليه قبله  ، وإن وَجّه العتق على\rنصفه  ونوى صرف ذلكَ العبَد  إلى الكفارة لم ينصرف الكل إلى كفارته  ، وهل ينصرف ذلكَ القدر يبنى  على التبعيض، وقد ذكرناه ، وإن  نوى\rصرف الكل إلى الكفارة انصرف الكل ، قال القفال: لا ينصرف إليه إلا\rنصيبه؛ لأنه يحسُن أن يقول: ما أعتقتُ إلا النصف، والنصف الثاني تَحكّمَ \rالشرع به ، وهذا ضعيف فالوَجهُ  صَرفه إلى كفارته إذا قصدَ صرف الكل إلى الكفارة؛ لأنه عتق  يحصُل في ملكه  غير مستحق ، ولاشَك في أنه لو قال لعبده: إن  دَخلتُ الدار فأنت حُرٌّ عن كفارتي حصل العتق عن تلكَ الجهة ،\rوإن كان الدخول غير  حاصل من السيِّد، ولكن السيِّد متسبّبٌ إليه (فيكفي)  ذلك مع انتفاء الاستحقاق ، فأمَّا  إذا فرعنا على قول التوقف  إلى أداء القيمة فلو نوى عند الاعتاق صرف نصيبه، وَعند أداء القيمة صرف النصف الثاني برئت ذمته وفاقاً  إذا انطبقتِ النية على العتق في الحالتين ، وإن  نوى عند الإعتاق (والتلفظ)  انصرف الكل إلى الكفارة ، فإذا أدَّى القيمة هل ينصرف الباقي إلى كفارتهِ بالنية  السابقة فعلى وَجهين:","part":1,"page":8},{"id":1590,"text":"أحدُهما: الجواز؛ لأن النية اقترنت بسبَب الاعتاق ثم حصَل العتقُ على ترتيب ، ومنهم من قال تأخيرُ النية إلى وقت العتق مُمكن فليؤخر ، وقال الشيخ أبو حامد: يجبُ أن يقترن  النية بوقت اللفظ ، ولا  يُؤخر إلى وَقت الأداء؛ لأن النيّةَ أليَقُ بحالة  التلفظ، وهذا مما انفرد به \rالشرط الرابع: أن يكون العتق مجاناً من غير عوض:\rوعلى هذا تخرُج  مسائل:\rأحدها: أنه لو أعتق عبداً على أن  يَرُدّ إليه ديناراً  لم ينصرف إلى كفارته ، وعليه خرج عتق المُكاتب؛ لأنه يتضمّن العتق عن جهة الكتابة معَ الإبراء عن العوض، والإبراءُ في حُكم الاستيفاء ، وعليه خرج عتق المشتري للعبد بشرط العتق؛ فإنه سُومح ببعض العوض في مقابلة الوفاء بالعتق على ما قررناهُ في البيع ، وعليه يخرج ما لو قال  غيره: أعتق عبدك عن كفارتك وعليَّ ألفٌ، عتق لا عن جهَةِ الكفارة ، وهل يستحق الألف فيه وجهان:\rأحدُهما: أنه يستحق، كما إذا قال: أعتق مستولدتك، أو أعتق عبدَك، [وإن]  لم يتعرض للكفارة \rوالثاني: أنه لا يستحق؛ لفساد الالتماس \rوهذا الخلاف في الاستحقاق جار وإن لم يتعرَّض للكفارة ، وعندَ هذا يتصدى للناظر النظر في التماس العتق، ونحن نفصلها  ونرسم فيها  مسائل:\rإحداها: أنه لو قال: اعتق مستولدتك ولك عليّ ألفٌ، فاسعَف نفذ العتق، واستحق العوض على طريق الافتداء فينزل  منزلة اختلاع الأجنبي \rفرع: لو قال: اعتق مستولدتك عني على ألفٍ فقد طمعَ في غير مَطمع؛\rإذ العتق يقع عَنهُ بتقدير نقل الملك وَذلكَ غير متصور في المستَولدة، وَلكن العتق\rنافذ، إذا قال: أعتقتُ عنكَ، ولغى قوله عنكَ ، وهل يستحق العوضُ الظاهرُ","part":1,"page":9},{"id":1591,"text":"أنه لا يستحق؛ لأنه لم يعتقهُ  عنه، ولم يلزم  المستدعي العوض مفتدياً ، ومنهم من نزّله منزلة المفتدي، وألغَى قوله عني  ولو قال للزوج: طلق زوجتك عني فهو كما لو قال: طلق زوجتك هَكذا قال  الإمام ، وكأنه  قال: طلقها\rلأجلي، (وسبب)  استدعائي فإن اعتقاد النقل في المستولدة ثابت، وَإن كان الشرع ُ لا يصححه بخلاف النكاح \rالثانية: إذا قال: اعتق عبدك عن نفسكَ، ولك  عَلَيَّ ألف، فأعتقَ نفذ العتق، وهل يستحق العوض وجهان:\rأحدهما: يستحقُّ  كما في المستولدة \rوَالثاني: أنه لا يستحق؛ لأن ذلك جُوّزَ ضرورَة في معرض الافتداء لعُسر النقل، وَالنقلُ هاهنا مُمكن ، وذكر صاحبُ التقريب وَجهاً في أنه يقع العتق عن المستحق على قول استحقاق العوض وإن نفاهُ عن نفسه، وَهذا في نهاية الخِسَّةِ \rالثالثةُ: إذا قال: اعتق عبدَك عني بعوضٍ أو غير عوض نفذ العتق عن المستدعي، ثم إن ذكر عوضاً استحق العوض ، وإن لم يذكر عوَضاً، فقد اختلفوا في أنه هل يستحق (العوض بمُطلق)  الإسعاف ذكر صاحبُ التقريب وجهين:\rأحدُهما: أنه لا يستحق، وينزل على الهَبة المحضة \rوَالثاني: أنه يستحق وخرج الخلاف على ما إذا قال أقضى  ديني ولم يشترط  الرجُوع وليسَ هذا (مأخوذاً)  من اقتضاء الهبة المُطلقة ثواباً، وإنما مأخذ  الإذن في قضاء حق الدين، وهذا يتجه فيه إذا قال: اعتقه عن كفارتي، فإنه أداء حق مستحق\rكالدَّين ","part":1,"page":10},{"id":1592,"text":"الرَابعة: إذا قال: اعتقه عني مجاناً بلا عوَض، لا خلاف في انتفاء العوض، وإذا أعتقه  نفذ عتقه  ، وقال أبو حنيفة: لا ينفذ؛ لأنه تملك  هبة فلا يحصل إلا بقبض، ولا يحصل العتق قبل القبض ، وقال أصحابنا: الإعتاق في حُكم التسليط التام فَسَدَّ  مسَدَّ (القبض)  ، وقالوا بناء عليه (أنَّ من وَهبَ)  هِبَةً ، ثم قال للمتهب: اعتقُه [نفسك نفذ العتق عنه، وكان ذلك تسليطاً قائماً مقام القبض \rالخامسة: لو قال: اعتق عبدك ولك علي ألف ولم يقل]  عن نفسك، وَلا عَنّى، ففيه وَجهان:\rأحدُهما: أنه ينزل منزلة ما لو قال: أعتقهُ عني؛ لأن  قرينة الاستدعاء مؤبدةً ، وقد ذكرنا  حُكمه في لزوم العوض، وَحصُول العتق \rوالثاني: يحمل  على ما لو قال: اعتقه عن نفسكَ، وَقد ذكرنا أن العتق يحصل عن المالك، وفي لزوم العوض خلاف \rالسادسَة: إذا قال: إذا جاء الغد فعبدي هذا حرٌّ عنك بألفٍ، فقال: قبلتُ،\rفهذا [مما]  يناظر تعليق الخلع، وقد ذَكرناه ، ولو قال المستدعي: اعتق عبدَك\rعني غداً وَلكَ ألفٌ ، فإذا صَبر حتى جاء الغد، ثم قال: أعتقتُ، قال صاحبُ التقريب: هاهنا يستحق (المسمَّى)  وإن (كنا نتردد)  في الصورَة الأولى؛ لأن هذا\rليسَ تعليقاً ، وهذا أيضاً فيه نظر ذكرنا  نظيرَهُ في التماسِ الطلاق\rالمقَيّد بزمانٍ ، وكذلك لو قال: اعتق عبدك عني على خمر، أو على مال مغصُوب، فهو كالخلع على الخمر والمال المغصوب ، فإن قيل: هذه الوجوه في الفساد احتملت  في الخلع [على الخمر] ؛ إذ ليسَ فيه اجتلابُ ملك، وَإنما هُو طلاقُ يستقلُ (به الزوج) ، وَأمَّا العتق فيبنى على حصُول الملك للمستَدعي  والملك [لا]  يحتمل جهات الفساد ","part":1,"page":11},{"id":1593,"text":"قلنا: نَعم وَلكن الملك يحصُل ضمناً وَما يحصل ضمنا لا يشترط فيه الشرائط، وَلذلك لم يشترط القبض في الالتماس المعَرّى عن العوض، وَهذا قد حصل ضمناً ، فإن قيل: هذا الملك الحاصل ضمناً متى يحصل إن حصل قبل اللفظ كان محالاً لتقدُمه على مُوجبه، وإن حصل بعدَ اللفظ فإن (ساوقه  العتق)  كان ذلك جمعاً بين ضدّين، وإن كان العتق متقدماً عليه كان محالاً ، وَإن كان متراخياً عنهُ فكذلكَ؛ إذ لا يتراخي العتق عن الفراغ عن لفظِ الإعتاق \rقلنا: هذا مشكل وَاعترف القاضي بإشكالهِ فاضطربَ  فيه رأي المشائخ على خمسة أوجه، ذكر العراقيُون وَجهين:\rأحدهما: أنا نتبين حصُول الملك قُبيل لفظ العتق بعدَ التماس المستدعى بطريق التبَيُّن [كما نقول في انفساخ العقد على المبيع قبيل التلف بطريق التبين] ، وهذا بعيدٌ في الألفاظ، وإن كان يُقَال مثله  في الأفعال فإن مُوجبَ اللفظ [قط]  لا يتقدّم\rعلى اللفظ \rوالوجهُ الثاني: (أنا لا)  نتبيّن حُصُول الملكِ بشروعه في اللفظ، فإن شروعَه إجابة له في الالتماس، وَلكنَّه غير تام، فإذا تبيّن وقوع الملكِ بالشروع ثم يترتب العتق على الفراغ من اللفظ \rوالثالث: ذكره أبو إسحاق المروزي: أن العتق والملك يحصلان معاً، وهذا غير مستنكر عنده كما قال في شراء القريب؛ لأنه يقول ازدحَم سببُ الملك، وَسبَبُ العتق على وقت واحد فانطبق العتق على [وَقت]  حصُول الملك، وعُدّ  هذا من هفواته وَشدّدَ الإمام عليه قوله فيه، وقد تكلفنا له وَجها فيما قبل \rالرابع: ذكره الشيخ أبو (حامد)  وَهوَ أنه يحصل الملكُ عقيب اللفظ، ويتراخى العتق عنه بلحظة (مختلسه)  لا تُحَس لضرورة تحصيل العتق ","part":1,"page":12},{"id":1594,"text":"وَالخامس: ذكره الشيخ أبو (محمد) : أن الملكَ يحصل مع آخر  اللفظ مقترناً بآخر جُزءٍ منهُ، ويتَّصِل العتقُ بآخِر اللفظِ مُرتّباً عليه ، والوجهان الأخيران قريبان، وَهما مبنيان على اختلاف الأصحاب في أنه إذا قال: طلقت أو أعتقت، فمتى يَحصل العتق والطلاق \rمنهم  من قال: يحصُل مع آخر جُزءٍ من اللفظ، إذ به التطليقُ\rومنهم من قال: يترتب عليه، ويُعاقبه مُعاقبة الضد الضد  فيكون عتقه على الاتصال بتصرُّم اللفظِ كما نقوله في ترتيب  العلم على النظر؛ فإنه يتصلُ بتصرمه ويترتبُ عليه ترتب الضدّ على الضدّ، وَالشيخ أبو حامد رَأى وقت حصُول ا لملكِ  مُرتباً على اللفظ غير حَاصل مع آخرِه، فاضطرُّ إلى تأخر  العتق كيلا يقعُ في مذهَب المروزي، وَالشيخ أبو محمد رَأى وقت حصُول الحُكم مقروناً بآخر اللفظ، فحصَّل الملكَ وأخّر  العتق لضرورَة التحصيل، فهذا (ما قيلَ)  [والله أعلم]  \rوَالمتعلقُ من جُملة ذلكَ بغرض الكفارة مسألتان:\rإحداهما: أنه لو قال: اعتق عبدَكَ (عن)  كفارتي، فأعتق وقع عن كفارته بعوض وغير عوض \rوالثانية : أنه لو قال: اعتق عن كفارتك وَلك عليّ ألف لم يقع عن الكفارَة أصلاً وَفي استحقاق العوض خلاف ووَجهُ صرفه عن الكفارة مع نفي العوض اختلال النية؛ لأنه طمعَ في عوض فلم يتخلص  العتقُ لوجه الله تعالى \rالشرط الخامس: في [أصل]  الكفارَة النيّة:\rوَالكفارَة مُركبة من شوائب العبادَات وَالغرامات، والنيّة وَاجبة لمشابهَة  العبادات، وَأما الصَوم فتتمحّض  فيه قضايا العبادات، ويبين (أثر المحض وَالتركيبُ في الكافر وَالمرتد) ، فإن الكافر [والمرتد]  أهل (للإعتاق)  عن الكفارة، نعم  قال بعض أصحابنا: ذلكَ في المرتدّ مبنيٌّ (على الردة)  هل تتضمّن زوَال الملك ","part":1,"page":13},{"id":1595,"text":"ومنهم  من قال: وإن قضينا بزوال الملكِ فيستثنى قدر الكفارة، كما يستثنى الديُون اللازمة  في حالةِ الإسلام إلا على مذهَب الاصطخري، وهوَ بعيدٌ فيه ، وَكذلكَ الكافرُ يعتق عن الكفارة وتجري ولايته منهما، وَلكن استقلت الكفارة بإحدى شائبتيها  في حقهما، وهي شائبة الغرامات أو  العقوبات، وأمَّا الزكاة فإنها عبادةٌ محضةٌ  شُرعت إرفاقاً بالمسَاكين ، وَالكافر لم يلتزم بالذمة الإرفاق بالمساكين ، فلم يطالب به، وَالمُرتد مؤاخذ بالزكاة الواجبة من قبل لبقاء  علائق الإسلام، وَأمَّا الصيام في الكفارَة فلا يصح، منهما يحال؛ لأنها  عبادَة محضة، هذا هوَ الكلام في أصل النية ، أمَّا تعيين  النية فليسَ بشرط عندنا، فلو كان عليه عتق عن كفارات ونذور فأعتق مُطلقاً عَمَّا عليه نفذ ، وقالَ أبو حنيفة لابدّ من التعيين ؛ لأن التعيين عندنا  إنما يشترط للتمييز ولا تمييز هاهنا ، وعندنا إنما يشترط التقرب إلى المعبُود بالصفَات المقصُوْدة من العبادة التي يختلف الثواب باختلافها، فإنا نقَدّر (لركعتي الصبح)  مرتبة في الأجر، وللظهر  مرتبة، فلابد من تحويل  القصد إلى حيازة فضيلتها لتحصيل الثواب، والعتق لا تختلف مرتبته باختلاف جهاتها ؛ ولذلك لا يشترط في الزكاة تعيين مَالٍ عن مال، ويَطردُ هذا في العتق الواجب  عن نذر معَ الكفارة  إذ طردَه القاضي فيه، وإن كان يحتملُ أن يقال الملتزم بالنذر قربة تستند  إلى قربة فإن الالتزام في نفسه قربة، وهذا يستندُ إلى جريمة، ولكن لم يظهر هذا التفاوت عندنا فلم يُكترث به، ويَطرد هذا في الصيام والإطعام ","part":1,"page":14},{"id":1596,"text":"فرع: لو عَيّن فأخطأ لم يجزئه  بل هو  مؤاخذ بالإضافة؛ فإنه إذا كان عليه كفارة قتل، فقصد  الظهار فقد [قصدَ]  صَرفُه عن تيك الجهة، فينصرف بقصده لا محالة؛ فإنه لم يندرج تحت النية المرسلة ما وَجَبَ  عليه ، وَهذا يضاهي الغلط في الاقتداء بالإمام في تعيين الإمام وتعيين الجنازة إلى نظائر ذكرناها في كتاب\rالطهارة  \r\rالبابُ الثاني\rفي التكفير بالصيام\rوفيه فصلان:\rالفَصْل الأولُ: في بيان الحالة التي يجوز فيها الانتقال إلى الصَوم\rوهي حَالة العجز، قال الله (سبحانه:    )       فبالغ أبو حنيفة في هذا، وَقال: ما دَام له مُكنة الإعتاق، وإن كان يتضيّق الأمر عليه  فلا يعدل إلى الصَوم ، ورَاعَى أصحابنا ضرباً من التوسُع (وبيانها مسائل) :\rإحداها: إذا  ملكَ عبداً وكان زَمِنًا  يحتاج إليهِ لتعهده  فلا يلزمه العتق ، (وَخالف أبُو حنيفة فيه)  \rالثانية:  لو كان منصبه يقتضي أن يكون معَهُ عبد يخدُمه، وقيامه بإشغال نفسه (ينقص من)  رتبته، قال أصحابنا: يلتحقُ هذا بحاجَة البدَن حتى لا يلزمهُ إعتاق  \rالثالثةُ: لو كان (عنده نفيساً) ، وكان يمكنه أن يبيعه  ويشتري للخدمَة عبداً دونه ويفضل [منه]  مقدار عبد يعتقهُ، نظر فإن كان قد حصَل الملك له على قُرب، ولم يألفهُ فعليه ذلكَ ، وإن كان قد ألفَهُ فقطعُ الألفَة شاق، فقالوا: لا نكلفه البيعَ ، وفيه وَجهٌ ظاهرٌ أنا نكلفُه ذلك \rالرابعةُ: لو كان له مسكن لا نكلِّفه بيعه إلا أن يكون فاضلاً عن مقدَار حاجته؛ لاتساع خِطآته  (فيُبَاعُ القدر الفاضلُ) ، ولو كان المسكن [ضيقاً ولكن]  نفيساً لو باعَهُ واستبدَل به مَسكناً (لفضل مقدارٌ)  عنه، ففيه وجهان\rقال القاضي أظهرهما: أنا لا نلزمه؛ لأن الانتقال من المسكن بعد (الألفِ\rيَقرُبُ)  من الجَلاء ","part":1,"page":15},{"id":1597,"text":"والثاني: أنا نكلفه ذلك، وَهذا الخلاف كالخلاف في بيع العبد النفيس فإن\rمأخذُه الإلف \rالخامسَةُ: لو كان معه مال لو صَرفه إلى العتق لانتهى  إلى حدّ [المساكين وَصار]  لا يفي دخله بخرجه حتى يجوز صرف (ما للمسَاكين)  إليه، فقياسُ قول الأصحاب أن ذلك لا نكلفه؛ فإن الانتهاء إلى حدِّ المسكنة من الاستقلال أشق من ترك المروءة بمخالفة العادة، وَمُعظم ما يعتقدُ  الناس مروءة من رعوناتِ   الأنفُس \rالسادسَةُ: لو كان له مال غائب، وَأرادَ  الانتقال إلى الصيام، لم يجز، إذ ليست الكفارَة على الفور بخلاف الصلاة إذا كان ينتظر (فيها)  وجود الماء، لأنها لا تقبل التراخي، وهذا ينقضه قضاء الصلوات، (فإنها وإن كانت)  على التراخي يجوز أداؤها  بالتيمُّم، وَلكنّ سببه أن في التأخير غرر الفوت  ولا تدارك للصلاة، وَأما الكفارة فإخرَاجها من [مالهِ]  بعد موته مُمكن ، فأمَّا إذا كانت الكفارة كفارَة الظهَار  وَكان التحريم مستمراً فهل له العدُول إلى الصيام للخلاص  من التحريم وجهان ، مأخذهما بيّنٌ هذا ما ذكره الأصحاب، وَهو توسُّعٌ يكاد يخالف قوله تعالى :      [   ] ، ولكن السبب فيه أنا نعلم أن الأولين كانوا لا يبيعُون المسكن وَما إليه الحاجة في الكفارات بل كانوا يعدلون إلى الصيام  معَهَا وينضمّ إليه  أن هذه الإبدَال ليسَ فيها كبير  تفاوُت، فإن صَوم شهر  رُبما يَكون أشق من عتق  رَقبة فقُرب  الأمرُ في ترتيبها، وبهذا نجيب عن صدقة الفطر فإنه يجبُ إذا فضل من القوت  ولا يعتبر فيه غيره؛ لأن (إسقاط أصلها)  عَظيم، وَأما هاهنا لسنا نسقط أصلها ، والرجوع إلى مثل هذا البَدل ليسَ بعيد  عن المقصُود \rفإن قيل: فالاعتبار بأيّ حالةٍ في اليسَار والإعسار بحالة الوجوب، أم بحالة الأداء\rقلنا: ثلاثة  أقوال:","part":1,"page":16},{"id":1598,"text":"أحدُها: أن الاعتبار بحالة الوجُوب تغليباً لشوائب العقوبات، فإنها تعتمد  حالة الوجُوب ، فعلى هذا لو كان معسراً ثم أيسر، وَأرادَ العدول إلى العتق، الظاهر الجواز؛ لأنه إذا جاز ما هو أدنى فالأعلى بالجواز أولى ، وذكر صاحبُ التقريب وَجهين؛ لأن هذا الترتيب [جرى]  تعبداً لا (لتفاوُت ظاهر)  بين الإبدَال وَالمبدلات ، وهذا بعيدٌ؛ إذ لا ينقدح خلاف في أن المعسر لو (تكلف رَقبة)  وإعتاقها جاز له ذلك، وقياسُ صاحب التقريب منعه ولا وجه له ، نعم ذكر أصحابنا هذا الترددُ في العبد إذا أعتق قبل التكفير بالصيام، وَأيسَر، فهل له الاعتاق وجهان ، وسبَبُه أنه كان في حالة لا يصح منه الاعتاق تفريعاً على الأصح في أنه لا يملك بالتمليك، إذا  كان لا يتأتى منه العتقُ في تلكَ الحالة \rالقول الثاني: إن الاعتبار بحالة الأداء تغليباً لمشابه العبادات ، وهو مذهَبُ أبي حنيفة، كما في الصلاة في صفة القيام، والقعودَ، والوضوء، والتيمم ، فعلى هذا لو شرعَ في صَوم الشهرين ثم أيسَر، قال الأصحاب: لا يقطع الصَوم بعدَ الشروع فيه ، وقال أبو حنيفة والمزني: لا مبالاة بشروعهِ فلينتقل كما قالوا في المتيمم إذا رأى الماء في خلال الصلاة ، ومذهبُ الشافعي أن البَدل إذا اتصل بالمقصُود استقر قرار ما شَرْطه عدمه ، ولكن هذا فيه غموض؛ لأنه شروعٌ في مُجرَّد البدَل فيكادُ يضاهي الشروع في التيمم، وقد حكى الشيخ أبو محمد عن بعض الأصحاب مُوافقَة المزني فيه غموض،\rوَهو متجهٌ وظاهر  القول: يعسر التعبير عن الواجب، فيعبّر عن وجُوب الكفارة ، ولا نجزم  القول بواجبٍ  أو نقول الواجبُ العتقُ مثلاً بشرط استمرار\rاليسار ","part":1,"page":17},{"id":1599,"text":"القول  الثالث: (أنا نأخذ)  بالأشَدّ والأغلظ من الحالين فإذا اختلف حالة الوُجُوب وَالأداء أوجبنا العتق، وهذا ميل إلى الاحتياطِ ، وعلى هذا لو كان معسراً حاله الوُجُوب والأداء جميعاً، ولكن تخلل حَاله اليَسار، لم يصر  أحد من الأصحاب إلى إيجابِ العتق، ولم ينظروا إلى المتخلل؛ لأن الوُجوب مضاف إلى حالة الجناية فلا يغيره [إلا]  الأداء في حالة تخالفها، فلا مبالاة بحَالة الأداء فيها  هذا حُكم (الموسر\rوالمعسر) \rأمَّا العَبدُ فهو معسرٌ وكفارته بالصَوم ، وكفارته بالإطعام تبتني  على أنه هل يملِك بالتمليك وكفارته بالإعتاق طريقان، منهم من قال: لا يصحُ وإن قلنا: يملك؛ لأن الولاء لا يتصوّر له ، وقال القفال: يبنى على القولين في إن المكاتب هل يتصَوّر منه الاعتاق بالإذن، فإذا  قلنا يتصَوّر كان ولاءه مَوقوفاً فكذلك هاهنا \rوَأمَّا صيامه فلا يجوز إلا بإذن السيد؛ لأنه على التراخي وحقّهُ على الفور، إلا (أن يكون)  قد حلف وحنث بإذنه ، ولو حلف بإذنه وحنث  لا بإذنه، لم يجز له الصوم ، ولو  حلف بغير إذنه وحنث بإذنه، فوجهان \rأمَّا  من نصفه حر ونصفه عبدٌ حُكمه في الكفارات، والعبادات حُكم الأحرار ، وفي الجُمعة، والشهادات والولايات حُكم العبيد ، وصدقة الفطر تتوزَع على الرق والحريّة إلى غير ذلكَ من أحكام تتوزّعُ لسنا لها ، وقال أبو حنيفة: حُكمه في الكفارة حُكم العبيد \rالفصل الثاني: في حُكم الصوم\rوَفيه مسائل:\rإحداها: أنه يفتقر إلى (التبييت اتفاقاً فاستغنى عن التعيين)  عندنا، أعني [عن]  تعيينه عن أنواع الكفارات لا عن العبادات \rالثانيةُ: أنه يجبُ عليه أن يصُومَ شهرين، فإن (صامَ الشهر)  صام بالأهلّة، وإن انكسرَ أحد الشهرين صام الشهر الثاني بالهلال، ويتمّ  المنكسر ثلاثين [يوماً]  من الثالث ","part":1,"page":18},{"id":1600,"text":"الثالثة: إذا مات هل يصوم عنه وَليه  قولان، الجديد، وهو الأصح أنه لا يصوم ، والقديمُ أنه يصوم، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصوم \rالرابعة: التتابع شرطٌ، وقد تعُبّد به في  كفارَة الظهار، والوقاع، والقتل، فلو أفسَد اليومَ الأخيرَ لزمَهُ قضاء الكُل ، وهل نتبيّن  انقلاب الصُوم نفلاً أم يُقضَى بفسادِه، [فيه]  قولان مذكوران في كل ما نوى به الفرض، فتعَذّر تحصيلهُ ، وكذلكَ لو نسي النية في اليَوم الأخير فسَد الكل ، ولو وُطئ المُظاهرُ ليلاً قبل تمامِ الشَهرين لم يستأنف وَلكنه مُعْتَد به؛ إذ لا فائدة للاستئناف إلا تأخير الكل عن الوطء، وتقديمُ البعض على الوطء إلى مُوافقة الكتاب أقرب \rالخامسَةُ: فيما يقطع التتابع ولا يقطعه، أما الحيضُ في حق المرأة (لا يقطع)  عليهَا (التتابع في كفارة)  القتل، [وكفارة]  الجماع  إن رأيناهَا واجبةً عليها، وكفارَة الظهار لا تتصَوّرُ في حقها \rأمّا المرض الذي يُبيحُ مثله الإفطار، ففيه قولان مشهُوران:\rأحَدُهما: أنه لا يقطع  إذِ التتابع عندنا  لا يزيد على أصل صوم رمضان، وذلك يسقط وُجوبه بالمرض \rوالثاني: أنه ينقطع؛ لأن التَدارُك مُمكن فليفطر، وليتدَارَك، ولو منعنَا  الإفطار في رمضان لكانَ [ذلكَ]  إرهَاقاً  عظيماً يفضي إلى الهلاك (أو إلى)  ضرار عَظيم ، فأمَّا إذا سافر ففيه قولان مرتبان على المرض، وأولى بأن يقطع التتابع؛ لارتباطه بالاختيار ، (وهذا)  بعيدٌ ، وعندَ هذا يتّجه للناظر تمهيد عذر الناسي إذا ترك النيّة، ولكن قطع الأصحاب بأنه يلتحق بالمقَصَّر العامدِ، ولذلكَ أوجبوا عليه الإمسَاك وإن لم يُوجبُوه على الحائض والمريض بعدَ زوال العذر ","part":1,"page":19},{"id":1601,"text":"السادسَةُ: إذا خاض في الصَوم فلو بدا له أن يترك مدة ثم يَعُودُ ويستأنف شهرين فهذا فيه احتمال يحتمل أن يجوز ذلك؛ إذ ليسَ فيه إفساد عبادَة، وكل يوم مستقل بنفسه ، ويحتمل أن يقال: لا يجوز؛ لأنه يحبط صفة الفرضية عما مضى ، ويُمكن أن يُجاب عنه بأنه  لا يحبُط (وكان الأمر)  موقوفاً والآن يتبين أنه\rلم يكن فرضاً \rالسابعة: نيّة التتابُع هل تجب على وجهين:\rأحدهما : لا يجبُ؛ لأنه هَيئة عبادَةٍ؛ وهيئاتُ العبادات لا يشترط نيتها \rوالثاني: أنه يشترط كما يشترط نية الجمع بين الصلاتين، وهذا بعيد ، ثم تردد  العراقيُون في التفريع عليه في أن إعادة نيّة التتابُع  كل ليلة هل يجب أم يُكتفى بالنية في الليلة الأولى وَهذا محتمل إن صح اشتراط  النية \r\rالبابُ الثالثُ\rفي التكفير بالإطعَام\rوالكلام في طرفين:\rأحدُهما: فيما يجوّزُ الانتقال إلى الإطعام، وذلك جائز (بالمرض وَالهرم) ، وَالمرض الذي يتوقع دوَامه شهرين، وإن كان يرجى  زوَاله بعدَه، بخلاف توقع الظفر بالمال الغائب، فإنه يمنعُ الانتقال إلى الصيام، ومُعتَمدُ الفَرق ظاهر؛ لأن  هذا منُوط بعدم الاستطاعة، وذلكَ منوط بعدم الوجدَان، ومن له مال فهو  موسرٌ واجدٌ\rفي العُرف\rفأما  المسافر فهل  له أن ينتقل إلى الإطعام ترددوا فيه، وَهوَ بعيدٌ من حيثُ أن جَواز الإفطار في حق المسافر رُخصة لا يتعلق بضرورة فلا ينبغي أن يُعَدّى  بها موردهَا \rوأمَّا الشبَقُ  المفرط، فالظاهرُ أنه لا يبيح الانتقال ، وذكر صاحبُ التقريب وجهين ، وذكره  القاضي، واستند فيه إلى حديث الأعرابي   وهو مشكل، ذكرنا  إشكاله في كتاب الصَوم، وَلم يختلفوا في أنه لا يكون عذراً في الإفطار \rالطرف الثاني: في المخرَج، والمخرج إليه\rأما  المخرَج فحُكمه مذكورٌ في زكاة الفطر، أعني جنسه ، فأما مقداره فستونُ مُدّاً ","part":1,"page":20},{"id":1602,"text":"وَأمَّا المخرج إليه فعددهُم ستُون ، وصفتهُم المسكنة بحيثُ يجوز صرف سهم المساكين في الزكاة (إليهم) ، كما ذكرناه ، ولو أطعَم ستين مُداً مسكيناً واحداً في أيام متعددة لم يجز  ذلك ، خلافاً لأبي حنيفة ، فلأنه  عندنا من رعاية العدد \rوَأمَّا  كيفية الإخراج فهو التمليك والتسليط التام\rفأمَّا التغديَةُ والتعشيةُ فلا يكفي ، خلافاً لأبي حنيفة ، ولو أحضرهم وقال: خذوا، واستبهم مقدارُ ما أخذه كل واحد لم تبرأ ذمته إلا عن مُدٍّ واحد؛ لأنه المستيقن إذ لابد أن  يكون واحد منهم أخذ مُدّاً واحداً إذا كانوا ستين، وكان الطعام ستين مُدّاً  [والله أعلم بالصواب] ","part":1,"page":21},{"id":1603,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rكتاب اللعان\rاللعان: عبارة عن الكلم المذكورة في كتاب الله تعالى، يأتي بها من قذف زوجته على الشرائط التي سنذكرها، وينبني عليه الفرقة ونفي الولد وأحكام سنذكرها وسمي لعاناً؛ لاشتماله على اللعن\rوالأصل [فيه] ماروي أن [هلال بن أمية] قذف زوجته بشريك بن سحماء، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لتأتين بأربعة شهداء، أو يجلد ظهرك))، فاغتمّ، وقال: أرجو أن ينزل الله قرآناً يبرئ ظهري، فنزلت الآية، وهي قوله تعالى: الآيات فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم باللعان، فتلاعنا، وحكم بالفرقة بينهما ونفي الولد [بهذا]))\rفهذا تمهيدُ صورتِهِ ومأخذِهِ من الكتاب ومأخذُهُ من جهة المعنى عظم الخطر في الأنساب، مع ما جبلت النسوة عليه من التشوف إلى الفجور، وجريان ذلك في خفية يعسر إثباته على الأزواج، ثم ذلك يتضمن إلحاق النسب، وتلطيخ الفراش وتكليف الزوج الإثبات عسر، وتكليفه احتمال النسب عظيم، وقبول مجرد قوله مخطر، فنزل اللعان طريقاً يتوصل [الزوج] به إلى غرضه، ولا يُقدِم عليه إلا عند ضرورة؛ لما فيه من الشهرة، فإنه أول متعير، فكان ذلك (رعاية للجوانب)\rثم الكلام في الكتاب ينقسم قسمين: أحدهما في القذف، والثاني في اللعان وأحكامه\r\rالقسم الأول: في القذف\rرأينا تقديمه؛ لأنه يتقدم على اللعان، فلا لعان إلا بعد القذف، وفيه بابان:\rالباب الأول: فيما يكون قذفا من الألفاظ في حق كافة الخلق، وفي موجب القذف وفيه فصلان:\rالفصل الأول: فيما يكون قذفاً\rوالألفاظ تنقسم إلى صريح، وكناية، وتعريض ليس بصريح ولا كناية","part":1,"page":1},{"id":1604,"text":"أما الصريح فقوله: زنيت، أو أنت  زانٍ، أو زنا فرجك، أو  ما يجري هذا المجرى ومنه الألفاظ الناصّة على المعنى، كالنيك ولفظ الإيلاج مع الوصف بالتحريم، فإن مُطلق هذه الألفاظ لا يبتغي غنها  بخلاف لفظ الزنا وأما الكناية فمداره على النية، فإن أراد المطلق قذفاً كان قذفاً، وإلا فلا؛ كقوله للنبطي: يا عربي، وللعربي: يا نبطي، إلى غير ذلك مما سنفصله \rوأما التعريض كقوله: يا ابن الحلال، وقوله: أما أنا فلست بزانٍ، فليس هذا بقذف  وقال مالك رحمه الله: إنه قذف  قال الشافعي رحمه الله: أباح [رسول الله صلى الله عليه وسلم]  التعريض بخطبة المعتدة، وحرم التصريح ، فدل أن التعريض خلاف التصريح وجاء رجل من فزارة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، وعرّض أنها أتت به مِن الزنا ، فقال صلى الله عليه وسلم: ((هل لك من إبل فقال: نعم، (فقال) : ما ألوانها فقال: حمر، فقال: هل فيها أسود قال: نعم قال: فلم ذلك فقال: لعل عرقاً نزع فقال صلى الله عليه وسلم: ((لعل عرقاً نزع))  وما جعله قاذفاً \rهذا تمهيد القول في الباب وتهذيبهُ برسم مسائل:-\rإحداها: أن الرجل إذا قال لامرأته: زنيتُ بكِ، فمساق كلام الأصحاب يدل على أن هذا منه [إقرار بالزنا وقذف لها، أما كونه إقراراً، فله وجه، وأما كونه قذفاً صريحاً فيه]  نظر؛ لأنه لو فسر ذلك بأنها كانت مستكرهة لم يكن قذفاً؛ إذ معنى القذف النسبة إلى الزنا، وقوله: زنيت بكِ ليس صريحاً في نفي هذه الحالة وكذلك إذا قالت المرأة: زنيتُ [بك] ، فقد صرحوا ههنا بأنها مقرة على نفسها وقاذف، والاحتمال الذي ذكرناه قائم، وقطع الإمام  بأن هذا كناية في (القذف)  \rالثانية: إذا قال لامرأته: أنت زانية، فقالت: زنيت بكَ، فتُرَاجَعُ؛ فإن أرادت أنها زنت به قبل النكاح كان هذا إقراراً يسقط حدّ القذف عن الزوج، ويوجب عليها حد الزنا؛","part":1,"page":2},{"id":1605,"text":"لأنها مقرة على نفسها، ويجب عليها حد القذف للزوج على القياس الذي نقلناه عن الأصحاب في المسألة الأولى \rثم لو رجعت سقط عنها حد الزنا، ولم ينفعها الرجوع في حد القذف؛ فإنه حق آدمي، فلا يؤثر الرجوع فيه بعد الإقرار وإن قالت: أردت بهذا (نفي الزنا) ، أي: لم يجامعني سواكَ، فإن كان ذلك زنا فأنت أعلم به، كما يقول الرجل لغيره: يا سارق، فيقول: سرقت معك، ويعني به النفي\rقال الأصحاب: يقبل قولها مع يمينها  وهذا سديد في إسقاط حد القذف عنها، أما في قبول قولها حتى تنهض مطالِبةً للزوج بحدّ القذف، وتزعم أنها ما قصدت بذلك إقراراً، فهذا فيه غموض ؛ لأنا في الحدود نتشوف إلى الإسقاط من كل جانب، ولكن المنقول ما ذكرناه، وكأنهم (يجعلون)  ذلك من هُزْء  الكلام في (المشاتمات)  وقد تردد أصحابنا فيما إذا قال: لي عليك ألف درهم، فقال: زِنْهُ، ثم قال: لم أقصد به إقراراً  \rالثالثة: لو قال: يا زانية، فقالت: أنت أزنى مني، فهذا منها ليس قذفاً صريحاً؛ لأنها لم تثبت لنفسها زناً حتى يترتب عليه قولها: أنت أزنى مني  وكذلك لو قال: الرجل لغيره: أنت أزنى من فلان، فليس ذلك صريحاً في القذف إذا لم يكن أثبت زنا المشبه به ولو قال: فلان زانٍ، وأنت أزنى منه، فهذا قذف شخصين بكلمتين، فيوجب حدّين \rولو قال: أنت أزنى من فلان، وقد ثبت زنا المشبه به بالبينة، وكان القائل جاهلاً به، لم يكن قاذفاً، وإن كان عالماً، قال القاضي : هو قذف \rولو قال لرجل: أنت أزنى الناس، فليس بقذف؛ لأنه لم يثبت الزنا في حق الناس ولو قال: في الناس زناة، وأنت أزنى منهم، كان قذفاً ","part":1,"page":3},{"id":1606,"text":"والفرق بين الصورتين عويص؛ لأنه يعلم قطعاً أن في الناس زناة، وقد ذكرنا أنه لو قال: أنت أزنى من فلان، وقد علمه زانياً بالبينة، فهو قاذف ولعل السبب أنا (نتبع)  لفظه، وليس في لفظه إثبات الزنا، ولا الزنا معلوم من جنس الناس؛ إنما الزنا معلوم من آحادهم هذا هو الممكن، وبعض الإشكال قائم\rولو قالت المرأة مجيبةً: أنت أزنى مني [وقالت] : أردت أني زانية، وأنه أزنى مني، فهو اعتراف وقذف، ولو قالت: أردت أني لست زانية، وأنه زانٍ، فهو قذف، وليس باعتراف، فيكون (كقولها)  في [مقابله] : أنت الزاني، أو أنت زانٍ ، فيجب الحد على كل واحد منهما \rوقال أبو حنيفة: يتقاصّان، فلا حدّ على واحد منهما \rفإن قيل: إذا قال: أنت أزنى من فلان، ينبغي أن نجعله قاذفاً لهما في جميع الأحوال؛ لأن المبالغة تشعر بإثبات الأصل مع الإشارة إلى مزيد قلنا: هذا مقتضى الكلام القويم، ومعظم الناس في محاوراتهم يخرجون عن منهاج الاستقامة عن الكلام، ولو اعتاد واحد الوقوف على منهاج الاستقامة، لكان مرموقاً في الدهر، (فالنظر)  إلى اللفظ، لا إلى مواجب  وضع الكلام \rالرابعة: إذا قال للرجل: يا زانية، أو للمرأة : يا زانٍ، كان قذفاً عندنا ، خلافاً لأبي حنيفة في الصورة الأولى  وسببه أن الإشارة مع ذكر الزنا مغلّب، ولا مبالاة بعده باللحن في التذكير والتأنيث \rولا خلاف أنه لو قال: للمرأة: زنيتَ، وللرجل: زنيتِ، فهو قذف  ومن أصحابنا من علل بأن الهاء  قد تزاد للمبالغة في حق الرجال، كما يقال: علاّمة، ونسّابة، وراوية للشعر، وغيره  وهذا فاسد؛ إذ لسان العرب منقسم إلى ما يجري القياس فيه، وإلى ما لا يجري، وهذا مما لا يجري القياس فيه، فليس فيهم من سمى كثير القتل قاتلة، والزنا كذلك، فالتعليل بما ذكرناه \rوقد ذكر صاحب التقريب  حكايةً عن القديم قولين في قوله لها: يا زانٍ، وقولها: يا زانية، وهو غريب لا وجه له ","part":1,"page":4},{"id":1607,"text":"الخامسة: لو قال: زَنَأْتِ فِي [الجبل] ، وقال: أَرَدْتُ به الرُّقِيَّ في الجبل، لم يكن قاذفاً ؛ قال الشاعر:\r  وَارْقَ إلى الخَيْرَاتِ زَنْأً في الجَبَلْ \rولو قال: زَنَيْتِ في الجبل (وأتى)  بالياء ثم فَسَّرَ بالرُّقِيِّ، ففيه وجهان:\rأحدهما: أنه يقبل؛ لأن القرينة قد انضمت إليه، وحرف الهمزة غالب على الألسن\rوالثاني: وهو المذهب، أنه لا يقبل؛ لأن اللفظ صريح في الزنا، وذكر الجبل ذكر محل له وقد نص الشافعي على أنه لو قال: يا زانية في الجبل كان قذفاً، ولا فرق \rوالثالث: أنه يفرق بين البصير بالعربية وبين غيره؛ لأن البصير يدرك هذا الفرق دون غيره \rالسادسة: إذا قال: يا زانية، فقالت: بل أنت أزنى مني، فهو  قذف منها، وليس اعترافاً؛ لأن \"بل\" ردٌّ لما سبق واستدراك بطريق الاستئناف \rثم إذا وجب الحد (عليهما)  لم يتقاصّا عندنا؛ إذ وَقْعُ الجلدات منهما  لا يتماثل، والعقوبات لا تجري المعاوضة فيها، والمقاصّة تليق بما يجري فيه التعاوض وقال أبو حنيفة: أنا أستحيي أن أحدّ كل واحد منهما بصاحبه؛ فإن ذلك قبيح  قال الشافعي: وأقبح منه تعطيل حدٍّ من حدود الله تعالى بعد جريان الجريمة  وهذا على مذهب أبي حنيفة أبعد؛ فإن حد القذف عنده حق الله تعالى \rالسابعة: لو قال: زنى فرجك، فهو قذف، ولو قال: زنى عينك، أو يدك، أو رجلك، ففيه وجهان، ظاهر ما نقله المزني  أنه قذف؛ لأنه صرح بالزنا، وأضاف إليه، والتجزئة فيه محال، فكان ذكر البعض كذكر الكل  \rوكذلك لم نجعل إضافة التطليق إلى اليد كناية؛ بل جعلناه صريحاً؛ نظراً إلى اللفظ والثاني: أنه كناية؛ إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والفرج يصدّق ذلك، ويكذبه)) ","part":1,"page":5},{"id":1608,"text":"قال العراقيون: لو أضاف إلى اليدين والعينين بصيغة التثنية، ففيه وجهان مرتبان، وأولى بإسقاط الحد؛ لأنه أقرب إلى مطابقة لفظ الحديث وقد قال بعض الأصحاب: غلط المزني فيما نقل؛ إنما هو مذهب مالك رحمه الله  والمذهب أن هذا لا يكون قذفاً ؛ للفظ الحديث\rالثامنة: إذا أشار إلى ولده وقال: هذا ليس بولدي ، أو ليس بابني، فإن فسر بأنه من الزنا فقذفٌ، وإن فسر بأنه ليس يشبهه خلقاً، فنصّ الشافعي - رحمه الله – ههنا: أنه يقبل ، ونص في الأجنبي إذا قال له: لست ولد فلان، ثم فسر بذلك، لم يقبل؛ بل (يكون)  ذلك قذفاً \rفاختلفوا على طريقين: منهم من قال: قولان بالنقل والتخريج، أحدهما ـ وإليه ميل المزني  ـ: أنه مقبول؛ للاحتمال الظاهر، وعُرُوّ اللفظ عن لفظ الزنا  والثاني: أنه صريح؛ لأن مأخذ  الصريح الشيوع، والشيوع قاضٍ بأن المراد بما (ذكره)  الزنا ومنهم من أقر النصين، وفرق بأن قول الرجل لولده ذلك محتمل على سبيل التأديب، وقوله في الأجنبي لا يقبل \rالتفريع: إذا حكمنا بأنه ليس صريحاً في حق ولده، وهو الصحيح ، فإن فسر بغير الزنا فله وجوه:\rأحدها: أن يعترف بأصل الولادة على فراشه، وأنه منه، ولكن قال: أردت أنه لا يشبهني خَلْقاً وخُلُقاً، فللمرأة أن تحلفه على ذلك، فإن حلف اندفع الحد، وإلا رد اليمين عليها فإن نكلت كان نكولها كيمينه، وإن حلفت تعرض الزوج، فهل له أن يلتعن لنفي الحد والحالة هذه حكمه ما لو ادعت عليه القذف، فأنكر، فأقامت عليه البينة وسيأتي حكمه \rوتختص هذه الصورة بأمر، وهو أن الكناية ههنا معترف بها، وهو موجب تعزير، واللعان لا يدرأ إلا موجب القذف المقتضي للعان، فليس له؛ [إذ]  اللعان (يدرأ)  عقوبة وجبت بالنسبة إلى الزنا، تعزيراً كان أو حدًّا\rالوجه الثاني: أن يقول: أردت كون هذا الولد من وطء شبهة، فالقول قوله مع يمينه في نفي القذف عن نفسه ، وكيفية إدارة الخصومة ما مضى","part":1,"page":6},{"id":1609,"text":"الوجه الثالث: أن يقول: هو من زوج آخر قبلي، فإن كان لها زوج، كان حكمه كالنسبة إلى وطء الشبهة \rوإن لم يُعهَد لها زوج، كان حكمه كما إذا أنكر أصل الولادة  ولو أنكر أصل الولادة، وهو:\rالوجه الرابع: التفسير بأن قال: كان منبوذاً، فلقطتيه، أو استعرته، فالقول ههنا قوله في نفي القذف، وفي نفي الولادة أيضاً؛ لأن الولد إن كان يلحق الفراش، فالفراش لا يقتضي الولادة، فالولادة لا بد من إثباتها بالبينة، فإن جاءت بأربع نسوة ثقات، يشهدن على ولادتها، (فعند)  ذلك لا ينتفي إلا باللعان وإن (أرادت)  العرض على القائف فوجهان، أحدهما أنه يثبت به؛ لأن قوله حجة، والثاني: لا؛ لأن قوله حجة في الإلحاق عند الاستبهام للضرورة، وأما أصل الولادة فإثباتها سهل \rوعن هذا قضينا بأن الطلاق إذا علق (بولادتها) ، فادعت الولادة، لم يقبل إلا ببينة على ظاهر المذهب وعلى هذا الخلاف يبنى أن المرأة هل تقبل لها دعوة من حيث أنها على الجملة قادرة على إثبات الولادة، ثم إذا لم تثبت، ولم يوجد قائف، فحلف الزوج، انتفت الولادة، وانبنى عليه (انتفاء)  النسب وهل يلحق المولود (الأم)  وجهان، بناءً على أن المرأة هل لها دعوة وفيه جوابان أشرنا إليهما \rوإن نكل الزوج ترد اليمين عليها، فإن حلفت ثبت النسب هذا هو النص  ونص في العِدّة على أن المعتدة إذا أتت بولد لأكثر من أربع سنين من وقت الولادة، وادعت مراجعةً، أو وطء شبهة، فالقول قول الزوج، فإن نكل لا ترد اليمين عليها  فاختلفوا على طريقين: منهم من قال: قولان بالنقل والتخريج، أحدهما: أنه لا ترد؛ إذ النسب حقها والثاني: أنه ترد؛ لأن لها على الجملة ولاية على الولد، ولذلك يباح لها أخذ نفقة الولد سرًّا، ولها أيضاً حظ في درء العار  عن نفسها ومن أصحابنا من أقر النصين، وفرّق بأن دوام النكاح، واستمرار الفراش، يقوي جانبها، بخلاف ما إذا كان النكاح منقطعاً ","part":1,"page":7},{"id":1610,"text":"التفريع: إن قلنا : لا ترد اليمين عليها، (فيتوقف)  إلى بلوغ الولد، وترد اليمين عليه وإن قلنا ترد، فإن حلفت ثبتت الولادة، وانبنى النسب عليها، وإن نكلت فهل ترد على الصبي إذا بلغ قولان: أحدهما: أنه لا ترد؛ لأن يمين الرد لا ترد  وهذا له نظائر ستأتي في كتاب الدعاوى \rالتاسعة: إذا قال للولد المنفي باللعان: لست من الملاعن؛ إن أراد به النفي شرعاً، لم يكن قذفاً، وإن أراد به تصديق الملاعن في نسبتها إلى  الزنا فقذف \rالعاشرة: إذا قال لقرشي: لست من قريش؛ إن أراد به أنك لست من صلب قريش، فقذف، وإن أراد به أن واحدة من أمهاته في الجاهلية أو الإسلام زنت، فليس بقذف؛ لأنها غير متعينة، فكان كما إذا قال: في البلد زان، ولم يعينه \rفإن قال قائل: رددتم جميع الباب على الكنايات، فما وجه إيجاب الحد بها وما وجه تميز مذهب الشافعي عن مذهب مالك قلنا: يتميز عنه في أمرين: أحدهما: أن التعريضات كابن الحلال، ليس بقذف عندنا بحال والثاني: أن الكنايات بمجردها لا تكون قذفاً؛ إلا أن ينوي الزنا \rوقد قال بعض العلماء: لا قذف بالكناية، فإنه منوط بالإيذاء، والإيذاء بالنية لا مطلع  عليه وقسم الشافعي القذف إلى صريح وكناية، ولكنه لم ينط الحد بالكناية إلا عند تفسيره أنه قصد الزنا الصريح، وفي تفسيره ما يحصل الإيذاء بكلمه \rفإن قيل: لو كان قد نوى الزنا، فهل يجب عليه إيذاؤه قلنا: له حالتان: إحداهما: أن يرهق إلى اليمين، (فلا رخصة إلى يمين الغموس بحال فليذكر ما أضمره)  وإن حل ولم يتعرض له، ففي كلام الأصحاب ما يدل (على)  أنه يجب عليه إظهار قصده؛ ليستوفى منه الحد؛ كما أن من قتل في خفية، يجب عليه الاعتراف؛ ليستوفى منه وهذا فيه غموض؛ لأن القذف ليس تفويتاً، والكناية به لم يتم به الإيذاء، ولأجله لم يجب الحد، وإنما يتم الإيذاء بالتفسير، فإيجاب إتمام الإيذاء لالتزام الحد بعيد","part":1,"page":8},{"id":1611,"text":"فإن قيل: وهل يجب الحد بينه وبين الله تعالى قلنا: هذا محتمل؛ فإن من أضمر بصريح الطلاق غيرَ الطلاق، لم يقع طلاقه فيما بينه وبين الله وقياس هذا [محتمل] ، وهو ما يدل عليه كلام الأصحاب، أن [الحد]  واجب باطناً، ولكن من حيث أن متعلقه الإيذاء، والإيذاء بعدُ لم يتم، يحتمل أن يقال لا يجب، ولأجله انقدح أن يقال لا يجب الإظهار، ولكن كأنا نقول إذا فسر، وجب الحد باللفظ السابق، فتبين لنا أنه حصل  الإيذاء به، وهو عالم بكونه قاصداً إلى (إيذائه) ، فينقدح أن يقال وجب الحد عليه \r\rالفصل الثاني: في موجب القذف\rأما موجب كناية القذف التعزير، وموجب الصريح الحد إذا صادف محصنة، وصدر ممن هو من أهل الالتزام للعقوبات فإن لم تكن محصنة فالتعزير وهذا يستوي فيه المنكوحة والأجنبية؛ إلا أن ما يجب بقذف المنكوحة من تعزير أو حدّ، يتصور دفعه باللعان على تفصيل سنذكره، وذلك لا يتصور في حق الأجانب \rفإن قيل: وما الإحصان قلنا: هذا مقصود الفصل، وهو عبارة عن خصال التكليف والإسلام، والحرية، والعفة من الزنا  وخاصية هذا الإحصان: العفة من الزنا؛ ليكون القذف جناية على العرض، وهتكاً له؛ فإن من يزني لا يتعير بالقذف، وكأن باقي الصفات كالتتمة له من نص الشافعي: على أنه لو قذف، ثم زنى، سقط الحد عن القاذف، ولو ارتد لم يسقط  وفرقوا بأن الزنا لا يقع هجوماً؛ بل يتقدم عليه تَرَدُّدَاتٌ  [والردة تقع هجوماً، وهذا مشكل من حيث أن الردة أيضاً لا تقع هجوماً؛ بل يتقدم عليها ترددات] ، فإن كان ذلك التردد ردة أيضاً فليكن، وإظهاره مما لا يقع هجوماً ولعل السبب فيه أن مناط هذا الإحصان العفة من الزنا وصيانة العرض ومن ثبت زناه في الحال فكيف (يكلف)  صيانة عرضه وهو (منخرم) \rوأما الإسلام: فهو في [حكم]  شرائط ترعى حالة الجناية، وهذا في حكم الركن المعتبر\r\rفي محل الجناية ","part":1,"page":9},{"id":1612,"text":"وقال المزني: لا يسقط بطريان الزنا كالردة وقال صاحب التلخيص : هو قول قديم للشافعي \rثم يهذب الغرض برسم مسائل:-\rإحداها: أنه لو زنى مرة في عمره، ثم استوى، وعاد إلى العدالة، وسداد السيرة، فقذفه قاذف، قطع القاضي بأنه لا حد عليه، وإن تطاول الزمن وادعى فيه الوفاق وهذا فيه ظاهر إذا قذف بالزنا السابق  فأما الزنا الناجز إذا نسب إليه وهو عدل مقبول القول، فإسقاط الحد بزنا سابق بعيد \rالثانية: المراودات ومقدمات الزنا لا تسقط الإحصان هذا مما اتفقوا عليه ، وهو مؤيد للإشكال الذي ذكرناه على القاضي وقال الشيخ أبو محمد : يحتمل أن يقال: يسقط؛ لأن أصحابنا (عللوا)    طريان الزنا بعد القذف (بأنه)  لا يقع هجوماً وأرادوا به أنه يدل على مقدمات، وما أرادوا به أنه يدل على زنا سابق؛ لأن ذلك يتسلسل إلى غير نهاية وهذا احتمالٌ ذُكِرَ، والمذهب ما ذكرناه  \rالثالثة: كل وطءٍ حرام يوجب الحد فهو مسقط  للإحصان ، فلو وطئ أخته من الرضاع أو النسب في ملك اليمين، وقلنا: يجب الحد، فهو زنا، وإن قلنا: لا يجب فوجهان: أحدهما أنه لا يسقط؛ لأن ذلك ليس بزنا والثاني: أنه يسقط؛ لأن ذلك يدل على أنه ليس يتحاشى عن الزنا؛ إذ النفوس أبعد عن اقتحام المحارم من الزنا بالأجنبيات \rالرابعة: وطء الأب جارية الابن، ووطء أحد الشريكين الجارية المشتركة -[على قولنا]  لا حدّ عليهما - فيه وجهان مرتبان، وأولى بأن لا يسقط؛ لأن الوطء ههنا طريق إلى الاستحلال، بنقل الملك بالاستيلاد \rالخامسة: لو نكح الشافعي بغير وليّ ووطئ، ففيه وجهان مرتبان على التي قبلها، وأولى بأن لا يسقط؛ [لأن الحدّ ههنا مختلف فيه] ","part":1,"page":10},{"id":1613,"text":"السادسة: لو وطئ على ظن أنها زوجته، أو في نكاح فاسد، ففيه وجهان مرتبان على التي قبلها، وأولى بأن لا يسقط] ؛ لانتفاء التحريم ولا مأخذ ههنا للإسقاط إلا النسبة إلى ترك التحفظ، وقد يناط به [ما يناط بالتعمد]  كحرمان الميراث يناط بقتل الخاطئ \rالسابعة: لو جرت صورة الفاحشة في أيام الصبى: فيه وجهان مرتبان على وطء الشبهة، وأولى بأن لا يسقط؛ لسقوط التكليف \rالثامنة: الوطء في زمان الحيض والإحرام والصوم لا يسقط العفة في المذهب المبتوت وحكى القاضي وجهاً بعيداً (مزيفاً)  أنه يسقط \rوهذه المسائل إذا جمعت، ورفع الترتيب عنها، يحصل من مجموعها ستة أوجه لا يخفى جمعها على متأمل\rواختتام الباب بالتنبيه على [حقيقة]  حدّ القذف، وهو من حقوق الآدميين عندنا؛ حتى يورث، ويسقط  بالعفو؛ خلافاً لأبي حنيفة  وينبني عليه أنه لو قذف مورثه، فمات قبل استيفاء الحد، سقط الحد؛ لأنه ورث الحدّ \rثم هذا  الإرث يثبت للعصبات ومن يلي التزويج وهل يثبت للزوجات والمدلين بالقرابة دون العصوبة [فيه]  ثلاثة أوجه: منهم من خصص بالعصبات، وسلك بهذا مسلك الولايات المتضمنة للذب عن النسب، ومنهم من قال: (يتعدى)  إلى كل مُدْلٍ بالنسب، ولا يتعدى إلى جهة الزوجية، ومنهم من سلك به مسلك الميراث، وأجرى استحقاقه بالزوجية ثم إذا خصصنا بجهة العصوبة، ففي الابن تردد، منهم من لم يثبت له ذلك؛ لأنه لا يلي التزويج، ومنهم من أثبت له ذلك، وقدمه على سائر العصبات؛ لتأكد عصوبته \rوإذا ثبت لهم حق الحد، فلو عفا واحد ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يسقط الكل كالقصاص والثاني: أنه لا يسقط؛ إذ يبعد إسقاط الحق إلى غير بدل (الثالث) : أنه يسقط بقدر نصيبه \rولو قُذِفَ ميت ثبت طلب الحد للورثة على التفصيل المقدم، ووافق فيه أبو حنيفة  والزوجة في هذه الصورة أولى بأن لا تستحق؛ لأنه (جرى)  بعد انقطاع النسب  ","part":1,"page":11},{"id":1614,"text":"(ومما)  يتفرع على هذا أن المجنونة إذا قذفت بزنا قبل الجنون وجب الحد، ولا يطالب به الولي؛ لأن المقصود منه التشفي، وذلك (يفوت) ، وكذلك إذا وجب التعزير نعم إن ماتت يرثه الولي، وإرث التعزير كإرث الحد \rولو قذف مملوكاً، فحق طلب التعزير له لا لسيده؛ لأنه من خواصّ حقوقه؛ إذ يتعلق بصيانة عرضه، ولذلك لو قذفه سيده استحق عليه التعزير على المذهب الظاهر ومنهم من قال: يقال له لا تعد، فإن عاد كان كما لو زاد على الحد في الاستخدام والأصح الأول \rولو مات المملوك بعد أن استحق التعزير على أجنبي، فهل يرثه سيده وجهان: أحدهما: أنه لا يرث؛ إذ لا مقتضي للوراثة والثاني: أنه يرث؛ لأنه أولى الناس به  والله أعلم\rومما يذكر  في هذا الباب أنه لو قامت على الرجل بينة بالقذف، فادعى أنه كان مجنوناً حالة القذف، ففي المسألة طرق، وحاصلها ثلاثة أقوال: أحدها: أن القول قول القاذف؛ إذ الأصل عدم العقوبة وبراءة الذمة والثاني: القول قول المقذوف؛ إذ الأصل عدم الجنون والثالث: إن عهد له جنون من قبل، فالقول قول القاذف، وإن لم يعهد فالقول قول المقذوف \r[ثم إذا جعلنا القول قول المقذوف] ، فلو أقام [القاذف]  بينة على أنه قذف في حالة الجنون، وأقام المقذوف بينة على أنه قذف في حالة الإفاقة، فإن كانت البينتان مطلقتين أو مؤرختين بتاريخين، أو إحداهما مطلقة، والأخرى مؤرخة، فلا تعارض بين البينتين؛ بل يحمل على قذفين\rفأما إذا أُرِّخَتا بتاريخ متحد، ظهر التناقض، ففي البينتين المتعارضتين قولان: أحدهما: أنهما تتساقطان والثاني: أنهما تستعملان\rثم في كيفية الاستعمال ثلاثة أقوال: أحدها: القسمة والثاني: الوقف والثالث: القرعة ولا يجري ههنا  قول القسمة والوقف وحكي عن القاضي أنه قال: يجري قول القرعة وهذا بعيد في العقوبة، فالوجه الحكم بالتساقط والله أعلم ","part":1,"page":12},{"id":1615,"text":"فرع: إذا قال القاذف، وقد عجز عن البينة، للمقذوف: احلف على أنك ما زنيت ، فهل عليه الحلف فيه قولان: أحدهما: لا يحلف ؛ لأن الحد قد تعرض للوجوب، واليمين على نفي الكبائر لا عهد بها في الشرع  والثاني: أنه يحلف؛ لأنه لو ثبت الزنا لاندفع عنه حد القذف فعلى هذا لو حلف أقيم الحد، وإن نكل رد عليه، فإن حلف اندفع عنه حد القذف، ولم يجب على المقذوف حد الزنا \r\rالباب الثاني: في حكم قذف الزوج زوجته \rقذف الزوج زوجته حكمه في إيجاب الحد والتعزير ورعاية الصريح والكناية حكمه في حق الأجانب، ولكنه يختص بأمرين:\rأحدهما: أن الحال قد تنتهي في الزوجة إلى حالة يجوز القذف، أو يجب مع العجز عن إقامة الشهادة إذا عزم على اللعان، وذلك غير متصور في حق الأجانب\rوالثاني: أن العقوبة الواجبة تُدفَع بلعانه، وذلك غير مفروض إلا في النكاح أو ما  يستند إليه ثم إذا لاعن الزوج تعرّضت الزوجة لحد الزنا؛ لأن اللعان حجة مصدقة، ولكنها تدفع العذاب عن نفسها بمعارضته باللعان، فإن إرهاقها إلى إقامة حد الزنا بمجرد قوله عظيم، فأثبت لها طريقاً في الخلاص \rهذا مجامع ما يختص به قذف الزوج، ونحن نبين تفصيلها في معرض المسائل، وننبه على مآخذها، وهي:-\rالمسألة الأولى: أنه إذا لم يكن ولد يراد نفيه، فلا يتصور وجوب القذف واللعان؛ بل الأولى لذي الدين الإضراب عنه؛ لما فيه من الشهرة وإن أراد خلاصاً عند استيقانه زِناها، فليطلقها، ولكن قد يجوز له ذلك ومقصود المسألة بيان وقت الجواز، فلو رآها تزني، فله القذف بشرط اللعان، وإذا فعل ذلك لم يأثم وهذا يُشْكِل حيث لا ولد، ولكن اتفقوا عليه من حيث أن اللعان والقذف في حكم انتقام منها؛ لمّا أن لطخت فراشه ","part":1,"page":13},{"id":1616,"text":"ويلتحق (باليقين)  في إباحة القذف، ما لو سمعه من موثوق به (بحكي)  العيان في الزنا ويلتحق به ما إذا استفاض في الناس أن فلانا يزني بفلانة، وانضم إليه رؤيته إياها في خلوة ومحل ريبة، فإذا اجتمعا أفاد جواز القذف ولو انفرد أحدهما، مثل أن استفاض في الناس، ولم ير الزوج مخيلة، فلا يجوز القذف؛ لأن التعرض للبرءاء في هذا الأمر مما (يكثر)  \rولو رأى مخيلة مرة أو مرتين، ولم ينضم إليه الاستفاضة، لم يجز؛ فإن ذلك ربما يكون مبدأ الأمر ولو رآها مرة واحدة تحت شعار على نعت مكروه، ولم ير (ما يحل)  تحمل الشهادة عليه، فهذا أيضا يسلِّط على القذف؛ فإنه أظهر من الاستفاضة ورؤية المخيلة وإن رآها تتكرر معه في استخلاء، فالذي يقتضيه القياس أن هذا يلتحق بما إذا انضمت الاستفاضة إلى مشاهدة المخيلة مرة واحدة وإن لم يجر شيء من ذلك، فالقذف حرام بينه وبين الله تعالى ولكن إذا فعل، فله أن يلاعن لدرء العقاب عن نفسه في ظاهر الحكم هذا حكمه إذا لم يكن ولد \rالثانية: إذا كان على الفراش ولد يبغي نفيه، فلو غلب على ظنه أن الولد منه، واحتمل خلافه، فيحرم القذف واللعان وإن استيقن أن الولد ليس منه فيجوز القذف واللعان، وإن لم ير أمارة سوى هذه؛ لأن هذا يورث القطع بحقيقة الحال \rثم قال الأصحاب: في هذه الصورة يجب القذف واللعان؛ إذ صون النسب واجب، والاستلحاق كاذباً محرم  قال الإمام: وفي الإيجاب  نظر؛ فإن المحرم التصريح بالاستلحاق كاذباً، فأما إذا ألحق الفراشُ به نسباً وهو ساكت، فإيجاب اللعان ـ وذو المروءة مما يعظم عليه اقتحام ما في اللعان من الشهرةِ والفضيحة الكبرى على رؤوس الأشهاد ـ عظيم  هذا ما ذكره، والمنقول ما ذكرناه","part":1,"page":14},{"id":1617,"text":"هذا إذا استيقن ، فإن لم [يستيقن] ، مثل أن وطئها الزوج، وأتت بالولد من وقت الوطء لأكثر من ستة أشهر، ولأقل من أربع سنين، ولكن الزوج يراها تزني، فليس له نفي النسب؛ لأن الإمكان متعارض، والفراش سبب ملحق به، فلا يجوز التهجم\r[ثم]  قال الأصحاب: لا يجوز القذف واللعان والحالة هذه وهذا فيه إشكال؛ لأنه لو لم يكن ولد، لكان يجوز له القذف بسبب رؤية الزنا، فليجز له القذف واللعان، ثم ليتحر في اللعان عن التعرض لنفي النسب قال الإمام: وأطلق الأصحاب القول بالمنع من اللعان؛ [لكن]  يمكن أن يحمل على حصرهم النظر على أمر  الولد، وزعموا أن الولد والحالة هذه، لا يسلط على القذف قال: وغالب ظني أنهم أرادوا المنع مطلقاً  ولا يستقيم فيه تعليل؛ إلا أن اللعان حجة ضرورة، تشرع لدرء النسب إذا كان، أو لصيانة الفراش عن التلطخ بالولد من الزانية وهذا قد  وقع؛ إذ الولد قد لحق من زانية، ولا ولد يبغي نفيه، فإن كان يبغي (فراقاً)  فليطلق؛ لأن ما شرع اللعان فيه مفقود  هذا هو الممكن، وهو مشكل، وعلى الجملة لم يطلق الأصحاب القول بجواز اللعان وفي المسألة ولد لاحق، ونسبٌ ثابتٌ؛ إنما يجوز اللعان عند نفي النسب، أو عند انتفاء الولد، أما مع وجود الولد ولحوقه، فلا \rوأما إذا وطئها، واستبرأها بحيضة، ثم أتت بولد لزمان يحتمل أن يكون العلوق به بعد النكاح، فهذا القدر هل يبيح له القذف واللعان فيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه يبيح؛ لأنها أمارة دالة شرعاً وعرفاً، والدليل عليه أن وطء السيد ملحق، ثم استبراؤه إياها يدفع النسب عنه\rوالثاني: ذكره العراقيون أنه إن لاح بعد الاستبراء أمارة الزنا، جاز القذف؛ بل وجب؛ لنفي النسب، وإن لم ير أمارة لم يجز\rوالثالث: أنه يجوز له، جرت أمارة أو لم تجر ، ولكنه لا يجب أصلاً؛ لأن هذا  محل التردد ","part":1,"page":15},{"id":1618,"text":"فأما إذا أتت بالولد على شبه بغيره ظاهر، فليس له القذف إن لم تنضم أمارة، وإن انضم إليه مخيلة، وظهر (الشبه) ، فوجهان ؛ لأن الشبه يؤكد المخايل كالاستفاضة، فأما الشبه المجرد فلا تعويل عليه نعم، ذكر العراقيون وجهين مرسلين في أن الولد لو كان يبعد من لونه بُعْداً بعيداً، مثل أن كان في غاية السواد، والأب في غاية البياض، هل يجوز القذف وهذا إذا لم تنضم إليه مخيلة الفجور كان بعيداً ثم لم يختلفوا في أن ما عدا اللون المفرط من الخلق حسناً وقبحاً لا يعتبر؛ إذ الحسناء قد تلد قبيحاً [من حسن] ، فلا تعويل على ذلك \rفإن قيل: إمكان العلوق من الزوج بماذا يثبت في النكاح قلنا: بإمكان الوطء، ومضي ستة أشهر من وقت النكاح إلى الولادة  وأبو حنيفة اكتفى بالمدة، وألحق ولد المشرقية بالمغربي  وهذا إنما يظهر في ظاهر الحكم، ونحن في بيان ما يبيح وما يحرم بين المرء وبين الله، ومستنده اليقين أو غلبة الظن كما ذكرناه هذا حكم الجواز والتحريم\rوفي هذه الصور إذا قذف فله أن يلاعن ظاهراً، وإن اعترف بالوطء؛ لأنه ربما عزل، وعلم أن الولد ليس منه  وقال مالك رحمه الله: ليس له اللعان والقذف مع الاعتراف بوطء ممكن إحالة العلوق عليه من حيث المدة، ولا نظر إلى دعوى العزل عنده، وإمكانه باطناً \rالثالثة: إذا اجتمع غرض نفي النسب ودفع (العقاب)  جاز للزوج اللعان قطعاً، ولم تجرد غرض النسب، فإن لم يكن عقاب إما بعفوها أو بسبب آخر، جاز اللعان أيضاً؛ لأن النسب هو الأصل وإن تجرد غرض الدفع للعقوبة، ولم يكن ولد، فله اللعان؛ ليدرأ عن نفسه الحد وكذلك إن كان الواجب تعزير التكذيب بأن يقذف زوجته الأمة، أو الذمية وفيه وجه بعيد أن اللعان لهذا غير جائز؛ فإن التعزير لا وقع له في العقوبات ولا تسبب ، واللعان حجة ضرورة ","part":1,"page":16},{"id":1619,"text":"وإن كان الواجب تعزير تأديب، مثل أن نسبها إلى زنا قامت البينة عليها به، أو اعترفت [به]  مرة، (فلا يقصد)  به التكذيب، وإنما هو تأديب للإيذاء، ففي اللعان لأجل ذلك اضطراب؛ [نص]  نقل المزني أنه قال: إن طلبت ذلك عُزِّر، و لم يلتعن، فظاهره نفي اللعان  ونقل الربيع : إن لم يلتعن عزر  فاختلف الأصحاب على ثلاثة طرق: منهم من قال: قولان: أحدهما: الجواز؛ لأن هذه عقوبة كتعزير التكذيب فليجز له دفعها باللعان والثاني: أنه لا يلتعن وهو الصحيح؛ إذ وضع اللعان على أن يكون مصدقاً للزوج، ثم يترتب على التصديق إسقاط العقوبة وسائر الأحكام، وهذا اللعان لا يبغي منه التصديق ، فإنه مصدق، وقد قامت البينة، ولكنه [يبغي]  أذاها بتجديد القذف عليها ومنهم من قطع باللعان وغلّط المزني، أو أوّل كلامه وقال: في معناه تقديم وتأخير، ومعناه: إن طلبت، ولم يلتعن عُزِّر، فقدم وأخر ومنهم من قطع بما نقله المزني، وغلّط الربيع وهو الأولى؛ لما ذكرناه \rفإن قيل: فهذا التعزير هل يتعلق استيفاؤه بطلبها أم للسلطان الاستقلال قلنا: تردد [فيه]  الأصحاب، والوجه القطع بأنه متوقف على طلبها؛ لأنها المتأذية، فهو حقها، وليس للسلطان أن يبادر؛ لأن فيه إبطال حقها وإجحاف  بها نعم، يتجه التردد فيما إذا قال لها: زنيت، وأنت  ابنة يوم أو ابنة شهر، فإنها لا تتعير بذلك؛ إذ نسبها إلى محال، ولكنه سوء أدب يليق بالسياسة فيه التأديب؛ كيلا يعود إلى أمثاله \rهذا كله إذا كانت المرأة تطلب العقوبة  فإن كانت لا تطلب، فلها أحوال:\rإحداها: أن تعفو عن التعزير، ففي جواز اللعان وجهان: أحدهما: المنع؛ إذ لا أرب في اللعان الآن إلا الفراق فليطلقها، فاللعان حجة ضرورة والثاني: له ذلك؛ ليدحض عن نفسه عار الكذب، وينتقم منها بتلطيخ فراشه ","part":1,"page":17},{"id":1620,"text":"الثانية: أن تكون مجنونة أو صغيرة لا يتأتى منها طلب العقوبة فوجهان مرتبان، وأولى بالجواز؛ لأن العقوبة ههنا متوقعة إذا زال المانع، بخلاف صورة العفو \rالثالثة: أن تسكت فلا تطلب، فوجهان مرتبان، وأولى بالجواز؛ إذ لا مانع، وهي متمكنة من طلب العقوبة مهما شاءت \rالرابعة: القذف إنما يقتضي اللعان إذا كان في صلب النكاح، فلا لعان في قذف الأجنبية فأما الرجعية، فهي كالمنكوحة، ولا يتوقف في لعانها إلى الارتجاع، بخلاف الظهار والإيلاء؛ فإن فائدة  اللعان نفي النسب والعقوبة، (وتأبيد)  الحرمة، وكل ذلك ممكن تحقيقه في الحال، بخلاف فوائد الظهار والإيلاء \rوأما المرتد إذا قذف زوجته بعد الدخول وقبل انقضاء العدة، فإن لا عن في الردة، ثم عاد إلى الإسلام تبين صحة اللعان، فإن أصر على الردة تبين فساد اللعان، وعند ذلك هل يقضى بوجوب الحد وجهان سنذكر مأخذهما \rوأما إذا نكح نكاحاً فاسداً أو وطئ بالشبهة، وأراد اللعان، وكان ثَمَّ ولد، جاز ذلك عندنا؛ لأجل [النسب] ؛خلافاً لأبي حنيفة ، وإن لم يكن ولد فلا مجال للعان  فلو ظن صحة النكاح، فلاعن في مجلس القاضي، ثم [تبين الفساد، فالعقوبة ساقطة تبعاً لنفي النسب إن كان ثَمّ ولد، فإن لم يكن، فهذا اللعان]  تبين فساده ففي سقوط العقوبة وجهان: أحدهما: أنه لا يسقط لفساده والثاني: أنه يسقط؛ لأنه جرى في مجلس القاضي ما صورته صورة التصديق، والحد يسقط بالشبهة وعلى هذا يخرّج الخلاف في المرتدة \rوقد اختلفوا في اللعان في النكاح الفاسد إذا كان ثم ولد، وكذلك في الوطء بالشبهة في مسألتين:\rإحداهما: أن التحريم المؤبد هل يتعلق به منهم من علقه؛ لجريان صورة اللعان ومنهم من لم يعلق؛ لأن هذا اللعان لم يُفِدْ فرقة حتى يتأكد بالتحريم ","part":1,"page":18},{"id":1621,"text":"والثانية: أنها هل تلاعن منهم من قال تلاعن، كما في صلب النكاح، ومنهم من قال: لا؛ إذ لا فائدة في لعانها والمقصود ههنا نفي النسب فقط، وليس يرتبط بهذا (فرقة)  حتى يتعلق بها \rفإن قلنا: إنها لا تلاعن، فلا نوجب الحد عليها؛ إذ يبعد إرهاقها إلى الحد بمجرد قوله على وجه لا تجد عنه خلاصاً وإن قلنا تلاعن، فإن امتنعت حُدَّتْ \rالخامسة: لو قذفها في النكاح ثم وقعت بينونة، فله أن يلاعن لدرء العقوبة، أو لدرء النسب إن كان؛ [لأن]  القذف قد جرى في حالة كان يجوز له اللعان درءاً للحد، وربما كان يجوز [له]  القذف، فما طرأ من البينونة لا يغير الحد للوجوب؛ بل يبقى حكمه على ما كان \rولو قذفها في النكاح بزنا قبل النكاح، فإن لم يكن ولد يبغي نفيه، لم يلاعن؛ لأن اللعان أثبت في حق معذور لطخ فراشه وإن كان له ولد فوجهان: أحدهما: الجواز؛ لأن مجرد النسب يستقل بالتسليط على اللعان دون نكاح كما في الوطء بالشبهة\rوالثاني: وهو اختيار أبي إسحاق المروزي : أنه لا يلاعن وهو المقصر؛ إذ ذكر\rالتاريخ، وأبان أنها لم تلطخ الفراش \rفأما إذا قذفها بعد البينونة، فإن كان [يبغي]  ولداً ينفيه فله ذلك، وإن (لم يكن ولد)  لم يكن له اللعان؛ لأنه ليس يترتب عليه قطع فراش ملطخ، ولا نفي نسب، فهي كالأجنبية إذا قذفت وحكى الشيخ أبو علي  وجهاً أنه إن أضاف الزنا إلى النكاح فيلاعن، وإن أطلق أو أضاف إلى ما بعد النكاح فلا، وهذا غريب \rفأما إذا قذفها في النكاح، ولاعن ثم قذفها، فلا لعان؛ لأنه قذف بعد البينونة، ولكن هل يلزمه الحد إن قذفها بتلك الزنية التي لاعن فيها فلا [يحد] ؛ لأنه مُصدَّق فيها نعم، آذاها بالتجديد عليها، فيستحق التأديب لا التكذيب ","part":1,"page":19},{"id":1622,"text":"ولو قذفها بزنية أخرى، فطريقان: أحدهما القطع بوجوب الحد، كما إذا قذف أجنبية ومنهم من قال: قولان، أحدهما: يجب، كما في الأجنبية والثاني: أنه لا يجب؛ لأنه سقطت حصانتها في حقه؛ (لمّا)  أن أقام اللعان حجة على زناها  والقائل الأول [يقول] : لعانه معارض بلعانها، فيتساقطان فيما (يرجع)  إلى معنى الحصانة وإنما يبقى أثر اللعان خاصة في [نفي]  النسب والفراق  لحاجات لا تكاد تخفى \rفأما إذا لم تكن قد لا عنت وحُدَّتْ، فلم يجر منها ما ينفي الحصانة، فهذا فيه وجهان مشهوران: أحدهما: سقوط الحد لسقوط الحصانة والثاني: وجوبه؛ لأن أثر اللعان مقصور على (أحكام الحصانة)  \rفأما إذا قذفها بزنا يتقدم على اللعان، فهذا يصادف حالة الحصانة، فالظاهر أنه يحد، وفيه وجه؛ لأنه طرأ ما ثبت زناها، (فينعطف)  حكمه على الحصانة السابقة، وهذا فيه إذا لم يرد بذلك الزنا الذي جرى اللعان عنه، فإن ما يتناوله اللعان مرة لا يتعلق به الحد قطعاً \rفأما إذا قذف، ثم قذف مرة أخرى قبل اللعان، فإن كان بتلك الزنية، فلا يتغير الحكم وإن كان بزنية أخرى، فهذا حكمه حكم ما لو تعدد القذف والمقذوف واحد، وسنذكره إن شاء الله تعالى  هذا كله في قذف الزوج إياها بعد اللعان\rفأما إذا قذفها أجنبي بتلك الزنية أو بغيرها، لاعنت أو لم تلاعن، فهو جارٍ على الترتيب المذكور في الزوج، والأجنبي أولى  بالتزام الحد ؛ لأن فوائد اللعان وآثاره جديرة بأن تقصر على الزوجين، ووجه النفي للحد عنه أنه قامت حجة على الجملة على زناها، أو سقوط حصانتها، والحد يسقط بالشبهة ","part":1,"page":20},{"id":1623,"text":"فأما إذا [قذفها قبل النكاح، ثم نكحها و]  قذفها ثانياً بزنية أخرى، فهذا تعدد القذف مع اتحاد المقذوف، وفي تعدد الحد  قولان؛ إن قلنا: يتعدد، فلو لاعن سقط عنه أحدهما، وبقي الثاني، وإن لم يلاعن يستوفى الحدّان، وإن قلنا: الحد يتحد فيستوفى واحد ، لاعن أو لم يلاعن؛ [لأنه]  وإن لاعن، فاللعان لا يدرأ حدّ قذف جرى  قبل النكاح، والحد قد استقر وجوبه قبل النكاح، والثاني يندرج تحت الأول، واللعان ليس بمؤثر  إلا في الثاني، ولا يسقط حكم الأول أصلاً \rالسادسة: إذا قَذَفَ بأجنبي، ولاعن عنها، وذكر الأجنبيَّ في اللعان، سقط حد \rالأجنبي عنه، كما يسقط حدها عند الشافعي ؛ خلافاً لأبي حنيفة رحمهما الله ؛ لأن الزنا متّحد، وقد قامت حجّة مصدّقة فيه، فانتهض شبهةً هذا إذا ذكره في اللعان ، وإن لم يذكر فقولان: أحدهما: السقوط؛ لشبهة قيام المصدق في عين الواقعة، ويعتضد بقصة العجلاني ؛ فإنه ذكر شريك بن سحماء في القذف، ولم يتعرض له في اللعان والثاني: أن الحد يجب؛ لأنه أساء؛ [إذ]  تعرض له مع الاستغناء عنه، ثم لم تقم حجة في حقه \rوقد نشأ من قصة العجلاني نظر، وهو أنه لم يحد بسبب شريك بن السحماء، (ويحتمل)  أنه لم يطلب، ولم ينبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر صاحب التقريب لهذا وجهين في أن من قذف بين يدي القاضي، هل عليه إخباره؛ كيلا يضيع [حقه]  أحدهما: أنه لا يخبر؛ بدليل قصة العجلاني والثاني: أنه يخبر؛ لما روي في قصة العسيف أنه عليه السلام قال: ((وَاغْدُ يا أُنَيْسُ  على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها))  قال الشافعي رحمه الله: ولم يكن الغرض فيه استنطاقها بالزنا، فإن ذلك مما لا نراه، وإنما هو إخبار بما جرى من قذفها؛ إذ قال: إن ابني قد زنى بها ","part":1,"page":21},{"id":1624,"text":"السابعة: إذا قذف نسوة بكلمات متعددة، يتعدد اللعان والحد جميعاً فإن قذفهن بكلمة واحدة، ففي تعدد الحد قولان: أحدهما: أنه يتعدد؛ نظراً إلى تعدد المقذوفات والثاني: أنه يتحد؛ نظراً إلى اتحاد صيغة القذف وكذلك الخلاف فيما إذا جمع بين أختين  في القذف ، فلو جمع بين أجنبية ومنكوحة بكلمة واحدة فهو [قريب]  مرتب، وأولى بالتعدد؛ لانقسام  حكم القذف  فيهما \rولو تعددت الكلمة بأن قال: يا زانية بنت الزانية، فقد قذفها، وقذف أمها بكلمتين، فيجب حدّان وهل تُقدَّم في الاستيفاء من قُدِّم في القذف فيه وجهان: أحدهما: أنه لا تقدم؛ بل يقرع بينهما، كمن أتلف أموالاً على مُلاَّك، لا ينظر فيه إلى التقدم والتأخر  والثاني: أنه يقدم ثم هؤلاء اختلفوا: فمنهم من قال: تقدم البنت؛ لأنها المقدمة في الذكر وهذا القائل يعتضد بتقديم ولي القتيل الأول في استيفاء القصاص ومنهم من قال: تقدم الأم وإن تأخرت؛ لأن حق الأم بعيد عن السقوط، وحق البنت يسقط باللعان؛ إذ المسألة فيه إذا قال لزوجته: يا زانية بنت الزانية ثم إذا قدمنا واحداً، فليمهل المقذوف القاذف حتى يبرأ جلده؛ فإن في الموالاة إضراراً، وقد يفضي إلى القتل \rرجعنا إلى اللعان عن نسوة فيقضى بتعدده؛ حيث يتعدد الحد، وحيث قلنا يتحد، فوجهان: أحدهما: أنه يتحد؛ نظراً إلى اتحاد الصيغة ، [ولأن مقصود  اللعان إثبات حق عليهن، والبينة الواحدة قد تثبت حقوقاً متعددة لواحد على]  أشخاص والثاني: أنه يتعدد؛ لأن كل واحدة مستقلة بطلب حقها، فليدفع بحجة تخصها  وكأن أحد القائلين ينظر إلى جانبها، ويقدر كل واحدة خصماً مستقلاًّ، والقائل الآخر ينظر إلى جانبه وابتغائه إثبات حق عليهن ","part":1,"page":22},{"id":1625,"text":"التفريع: حيث حكمنا بتعدد اللعان، فلو رضين بلعان واحد، لم يجز الاكتفاء به؛ لأن أحكام البينات  في أمثال هذا لا تختلف، ولذلك لو رضي جماعة من المدعين بيمين واحدة، لم يتبع  رضاهم وإن قلنا إنه يتحد، (فذلك)  إذا اجتمعن على طلب العقوبة، أو قلنا: إنه لا يشترط طلبهن فلو شرطنا في اللعان طلب المرأة، فإذا طلبت واحدة التعن عنها، والخصومة مع الباقيات قائمة، فلا بد من استئناف اللعان لمن [بعد]  ذلك \rالثامنة : الأمة الموطوءة أو أم الولد إذا أتت بولد، فهل يجوز [له]  نفيه باللعان المذهب أنه لا ينفى باللعان؛ لأن النكاح الفاسد أُلْحِقَ بالنكاح الصحيح في حكم اللعان؛ اعتماداً على نهاية الشبه والقرب، فأما ملك اليمين فبعيد عن النكاح، والنص  وارد في النكاح، فليقتصر عليه  ومن أصحابنا  من أثبت قولاً آخر آخذاً من قول أحمد بن حنبل رحمه الله: \"ألا تعجبون من أبي عبد الله! يقول : يلاعن الرجل عن أم ولده! \"  وقال: إنه أراد به الشافعي ومنهم من قال: أراد به مالكاً رحمه الله؛ فإنه يكنى بأبي  عبد الله \rالتفريع: إن قلنا: لا يلاعن، فتفصيل لحوق النسب في ملك اليمين سنذكره في كتاب الاستبراء  والذي نذكره الآن، أنه إن اشترى زوجته الأمة، فأتت  بولد بعد الشراء، إن كان يحتمل أن يكون من النكاح، [ولا يحتمل من ملك اليمين فله النفي باللعان كما إذا طلقها وأبانها، وإن لم يحتمل أن يكون من النكاح] ، فلا ينفيه باللعان، وإن احتمل منهما جميعاً فلا ينفيه باللعان أيضاً، وذلك إذا أقر بوطئها في ملك اليمين، وأتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الإقرار، ولأقل من أربع سنين من وقت الشراء ","part":1,"page":23},{"id":1626,"text":"وإنما قلنا: [إنه]  لا يلاعن؛ لأن فراش النكاح انقطع بفراش ملك اليمين إذا جرى وطء فلا حكم بعده للسابق، (وهذا)  كما لو  طلقت المرأة، ونكحتْ بعد العدة زوجاً آخر، وأتت بولد لزمان يحتمل أن يكون العلوق من النكاح الأول، ويحتمل أن [يكون]  من النكاح الثاني، فلا يلحق بالأول؛ لأن الذي طرأ (ينسخ)  الفراش الأول؛ حتى فرّع ابن الحداد  على هذا، وقال: لو كانت المسألة بحالها في الاحتمال ـ ولكن ادعى الزوج الاستبراء بعد الإقرار بالوطء ـ انتفى الولد بلا لعان ؛ لأن فراش ملك اليمين سقط أثره بالاستبراء، وفراش النكاح انقطع بما طرأ من فراش ملك اليمين ، وطابقه عليه جمهور الأصحاب ومنهم من قال فيما حكاه الشيخ أبو علي: إنه يلحقه بحكم النكاح الأول، وإن فراش ملك اليمين لا يقطع فراش النكاح من جميع الوجوه، وهو كما لو وُطِئَتْ معتدةٌ بالشبهة، فلا نقول إذا أمكن إلحاق الولد بالثاني، (لا نلحقه)  بالأول؛ بل يتعرض الولد لهما، ويعرض على القافة، [وهذا غريب]  والمذهب ما اختاره ابن الحداد \rالتاسعة: يشترط  في صحة اللعان تقدم القذف أو نفي الولد، [ولا يشترط أن يقول: رأيتها تزني؛ خلافاً لمالك رحمه الله تعالى] ،\rولا يشترط دعوى الاستبراء؛ خلافاً لمالك رحمه الله \rوفائدته أنه لو رآها تزني، ثم وطئها في ذلك الطهر، ثم أتت بولد، وأراد اللعان، قال أصحابنا: جاز له ذلك ","part":1,"page":24},{"id":1627,"text":"وهذا فيه إشكال؛ لأن الاحتمال متعارض، فيحتمل أن يكون الولد منه، وقد قدمنا في صدر الكتاب أنه مهما تعارضت الاحتمالات فلا لعان، ولكن يحتمل أن يقال: هذا الحكم مجرىً في الظاهر، وقد نص الشافعي على أن دعوى الاستبراء لا تشترط، وردّ على مالك؛ حيث تمسك بقصة العجلاني، وأنه ذكر أنه لم يقربها في الطهر الذي زنت فيه، وقال: كل ما ذكره العجلاني في تصديق نفسه، (فليس)  شرطاً بالاتفاق وقال: لا أثر للاستبراء؛ فإن الحامل قد ترى الدم، فلا يورِّث  الاستبراء يقيناً  هذا كلام الشافعي، فيمكن أن يحمل على أنه في الظاهر لا يجب دعوى الاستبراء؛ لأنه لو اشترط الدعوى، لاشترط إثباته بالبينة، ولكن بينه وبين الله تعالى إذا تعارض الإمكان فليس له النفي، وحيث جوز أصحابنا اللعان وإن وطئ في ذلك الطهر، لعلهم عولوا على أمرٍ يختص الزوج بمعرفته من عزل أو قرينة أخرى سواها، ويحتمل أن يُتلَقَّى من قول الشافعي: لا أثر للاستبراء في إثارة اليقين، أنه يجوز النفي وإن احتمل؛ لأنا لا نشترط (اليقين) ، مع أن السبب يبنى على الاحتمال، فيجوز اللعان مع احتمال أن يكون منه ولا سبب له؛ إلا أن احتمال النسب من تلطيخ الفراش  عظيم، ونسب الآباء ليس مقطوعاً به، فإذاً احتمل كونه من الزنا، ولكن الأظهر في المذهب هو الأول \rالعاشرة: يشترط في صحة اللعان أن يقدم  نفي الولد ونسبته إلى وطء لا يوصف بالتحليل فلو نسبه إلى الزنا، لاعَنَ قطعاً، وإن نسبه إلى زناً هي مستكرهة فيه، والواطئ زانٍ فوجهان، أظهرهما جريان اللعان؛ لمقصود دفع النسب والثاني: أنه لا يثبت؛ لأنه قيد  اللعان في كتاب الله تعالى (بالرمي)  الذي يحتاج فيه إلى الشهادة، وذلك يختص بالزنا ","part":1,"page":25},{"id":1628,"text":"ولو نسبه إلى وطء شبهة، وكانت الشبهة تشمل الجانبين، فوجهان مرتبان، وأولى بأن لا يجري وقد قطع العراقيون بأنه لا يجري؛ لأن النسب يثبت بالوطء بالشبهة، (فقد دار)  النسب بينهما، فيعرض على القافة وإنما  اللعان حيث ينفى النسب، ولا يلتحق بغير الثاني وهذا ضعيف؛ لأن العرض على القافة إنما يتصور إذا اعترف الواطئ بالشبهة، وادعى الولد وأما إذا كان منكراً، فلا سبيل إلى النفي إلا باللعان  فأما إذا قال: ليس الولد مني مطلقاً، ولم يضف إلى جهة، ذكر صاحب التقريب تردّداً، وهو مردود  بين مسألة الاستكراه ومسألة الشبهة؛ لأنه لم يضف إلى زنا [ولا]  إلى جهة يتوقع ثبوت النسب فيها \rالحادية عشرة: لا يشترط للعان أن يكون الملاعن من أهل الشهادة، (فالذمي)  والمحدود في القذف والعبد إذا قذفوا لاعنوا وحكم اللعان حكم الأيمان؛ (إذ المرء)  يصدق به نفسه، فلا يليق به رعاية مناصب الشهود في هذا المعنى نعم، لا نطالب الذمي باللعان؛ إلا إذا رضي بحكمنا، فإن أبى وطلبت المرأة، فهل يجبر الذمي على اللعان فعلى قولين في أن أهل الذمة هل يجبرون على أحكام الإسلام فيما يتعلق بحقوق [الآدميين]  وذلك سيأتي في أدب القضاء ","part":1,"page":26},{"id":1629,"text":"فأما المسلم إذا قذف زوجته الذمية، فيلاعن عندنا؛ خلافاً لأبي حنيفة  وأما المرأة فإن رضيت بحكمنا لاعنت، وإن أبت، فهل تجبر فعلى طريقين : منهم من قال: يبنى على القولين في أهل الذمة هل يجبرون على أحكام الإسلام وكان هذا كما إذا طلبت امرأة الذمي العقوبة به إذا قذفها زوجها ومنهم من قطع بأنها لا تجبر، وهو الصحيح؛ إذ لا يرتبط للزوج  غرض بلعانها، وإنما الباقي عليها حق الله تعالى، ونحن لا نجبر أهل الذمة على ما يتعلق بحقوق الله تعالى وإنما الخلاف في حقوق الآدميين؛ إذ لو لم يكن كذلك لقطعنا بإجبارها؛ فإن الخصومة إذا دارت بين مسلم وكافر، فيحمل الكافر على حكم الإسلام، وإنما الخلاف في أحكام أهل الكفر فيما بينهم وبنى المحققون هذا على أن الخصومة إذا جرت بين مسلمين، فلاعن الزوج، فاللعان معروض عليها، طلب الزوج أو لم يطلب؛ إذ يقال لها توجَّه عليكِ حدُّ الله تعالى، فادرئيه تَسْلَمِي، فإن أبيتِ أقمنا عليكِ حدّ الله تعالى \rالثانية عشر: إذا ادعت المرأة عليه القذف، فأنكر، فأقامت البينة على القذف، فأراد الزوج أن يلاعن عن ذلك القذف، ويدرأ الحد عنه: فينظر إلى إنكاره، فإن اقتصر على السكوت عند دعواها، جاز له اللعان؛ إذ السكوت ليس صريحاً في نفي القذف  وإن أنكر وقال: ما قذفتها، ثم قال: أردت به أن ذلك ليس قذفاً، وإنما كان حقاًّ، وها أنا أبيِّنُهُ باللعان، فله أن يلاعن  وإن لم يذكر هذا التأويل فوجهان: أحدهما المنع؛ لأنه أنكر القذف، فليُنْشِئْ قذفاً إن أراد اللعان، ويستفيد به درء حدّ القذف  الذي ثبت بالبينة أيضاً والثاني: أنه يجوز له القذف، ويحمل إنكاره على (مراده)  الخصومات  وهذا كمن ادعي عليه المِلْكُ في عين في يده، فادعى أنه اشتراها من زيد، وكان ملكاً له، فإذا قامت البينة عليه، رجع على زيد البائع، ولا يقال: يؤاخذ بإقراره [له]  بالملك، فحمل ذلك على مجاري الخصومات ","part":1,"page":27},{"id":1630,"text":"فأما إذا قال: ما قذفتها وما زنت، فبرأها عن الزنا، فلا يلاعن ههنا قطعاً إذا لم ينشئ بعده قذفاً، وإن أنشأ قذفاً فانظر، فإن أمكن وقوعه بعد جريان الدعوى أو القذف المدعى، ومضى زمان يتصور فيه ذلك، فلا تناقض، فله أن يلاعن وإن لم يتخلل زمان يمكن ذلك، فقد أطلق القاضي جواز اللعان، والوجه المنع منه؛ لأنه برّأها من الزنا، فكان ذلك إقراراً منه يؤاخذ به، ولا يقبل منه نقيضه في حقها، ثم [حيث]  مكناه من اللعان، فلا يسقط الحد الثابت بالقذف الذي  قامت عليه البينة؛ إلا على مذهب سقوط الحصانة بزنا يدل عليه اللعان، وقد تعرضنا له فيما قبل \rالثالثة عشر: إذا امتنع الزوج عن اللعان، فاشتغلنا بإقامة الحد، فرغب في اللعان، مكّناه من اللعان، وامتنعنا عنه؛ بخلاف اليمين إذا نكل عنه، فإنه لا يعود إليها؛ لأن اللعان يعرض من غير طلب، فليس في معنى اليمين في هذه الخاصية، وإنما هو في معنى البينة وأما يمين القسامة ويمين الرد، فإنه يضاهي البينة، وفي الامتناع منه والعود إليه كلام سنذكره (في محله) \rوكذلك المرأة إذا عرضت للحد، ثم عادت إلى اللعان، جاز لها ذلك \rولو فرغنا عن إقامة الحد، فقال الزوج: ألاعن، قال الأصحاب فيما نقله القفال : ليس له ذلك قال القفال: إن لم يكن ثم ولد، فهو كذلك،  وإن كان ولد جاز لنفي النسب \rالرابعة عشر: إذا نسب زوجته إلى محال؛ مثل أن قال: زنا بكِ ممسوح، أو قال لها وهي رتقاء: زنيتِ، فلا حدّ، ويجب التعزير للإيذاء ، ولا يجري اللعان لدرء هذا التعزير؛ قطع به القاضي وذكر العراقيون وجهين وقالوا في وجه: يلاعن كما [يلاعن]  في تعزير التأديب  وهذا بعيد؛ لأنه إن لم يذكر هذا المحال في لعانه، لم ينتظم اللعان؛ إذ صيغة اللعان التصديق وإن ذكره في لعانه كان محالاً؛ فإنه (يحلف)  على ما يعلم أنه غير واقع ","part":1,"page":28},{"id":1631,"text":"فأما إذا قال لزوجته: زنيت وأنت صغيرة، فهذا لا يوجب الحد، وإنما يوجب التعزير ولو قال: زنيت وأنت مجنونة أو أمة [أو مشركة] ، فإن عهدت هذه الأحوال [نزلت منزلة الصغيرة، وإن لم تعهد، ولم يقم الزوج البينة على تلك الأحوال]  سقطت الإضافة، وبقي القذف الصريح، فعليه الحد واللعان إن شاء  وذكر صاحب التقريب وجهاً أن هذا ليس قذفاً؛ لأنه أضاف إلى حالة، فإن كذب فيها سقط أصل القذف \rفأما إذا قال لها: زنى بكِ فلان وأنت مستكرهة، فلا يجب لها الحد، وهل يجب التعزير اختلف أصحابنا فيه؛ منهم من قال: لا يجب؛ لأنها غير ملومة شرعاً بذلك، ولا تتعير به والثاني: يجب، وهو الأصح؛ لأن ذلك يتضمن إيذاءً لا ينكر، فصار كالإضافة إلى الصبى والجنون   هذا تمام الكلام في القسم الأول من الكتاب، وقد بينا فيه أحكام القذف على العموم، وأحكام القذف في حق الزوجة على الخصوص، ورتبنا عليه بيان من يلاعن ومن لا يلاعن ، والآن نذكر في القسم الثاني كيفية اللعان وأحكامه\r\rالقسم الثاني من الكتاب في [بيان]  كيفية اللعان وأحكامه وفيه أبواب:\rالباب الأول: في كيفية اللعان\rوفيه فصلان: أحدهما : فيما يتعلق بألفاظ اللعان\rوفيه مسائل:\rإحداها: كيفية الصيغة، وهو أن يقول الزوج أربع مرات: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، وهذا الولد ولد زنا ، ما هو مني، إن كان ثم ولد ويقول في الخامسة: ولعنة الله عليّ إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به، وتقابله المرأة فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به، وتقول في الخامسة: وغضب الله علي إن كان من الصادقين فيما رماني به \rالثانية: لفظ الشهادة متعين ، فلو أبدله بالحلف والإقسام لم يجز قال الشيخ أبو حامد : يجوز؛ لأن اللعان [يمين]  ","part":1,"page":29},{"id":1632,"text":"الثالثة: اللعن والغضب من الجانبين متعينان في ظاهر المذهب، فلا يجوز إبدالهما، فلو أبدل الزوج اللعن بالغضب، وأبدلت الزوجة، فالظاهر المنع، وفيه وجه أنه يجوز ومنهم من قال: الغضب أشد، فإبدال اللعن به جائز، وإبدال الغضب باللعن غير جائز \rالرابعة: رعاية الترتيب واجب، فلو قدم الغضب واللعن لم يجز في ظاهر المذهب وفيه وجه حكي  عن الشيخ أبي حامد \rالخامسة: لا يقوم معظم كلمات اللعان مقام الكل قطعاً، وقال أبو حنيفة: يقوم مقامه  وهذه المسائل تدور على الميل إلى اتباع التعبد، والتلقي لصور اللعان بالقبول على ما ورد [به] ، فإنه [غير]  معقول في نفسه ومن يحيد عن الظاهر فكأنه (يتشوف)  إلى ضرب من المعنى \rالسادسة: الولاء في كلمات اللعان شرط في ظاهر المذهب؛ حتى لو عاق عائق، وتخلل فصلٌ قبل التمام،  فلا بد من الاستئناف وفيه وجه: إن تخلل الفصل لا يمنع؛ لأن المقصود حصول الكلمات، والنظر في الترتيب والولاء وتعين اللفظ متقارب؛ فمنهم من يقتصر على الاتباع، ومنهم من يتشوف إلى المعنى ","part":1,"page":30},{"id":1633,"text":"السابعة: لو مات أحد الزوجين قبل تمام اللعان، فإن مات الزوج قبل استتمامه  الكلمات، استقر النكاح ولحق النسب، ولم تقم الورثة مقامه في اللعان؛ لأنه لم يثبت في الكتاب إلا للزوج، فلا يلاعن غير الزوج وإن ماتت المرأة في خلال لعانه، استكمل الزوج اللعان إن كان ثم ولد، أو كان يتوقع إقامة حد القذف من الوارث (ويبنى)  إرث الحد في هذه الصورة على أن الزوج هل يرث حدّ القذف فإن قلنا: لا يرث، ثبت الحق لهم وإن قلنا: يرث، فقد ورث قسطاً، فهل يتضمن هذا سقوط الكل ينبني على أن أحد المستحقين  لو عفى، هل يسقط الكل وحاصله أن له أن يستفتح اللعان لغرض دفع العقوبة إن رأينا بقاءها للورثة، ثم يبني ولا يستأنف؛ لأن الحد المدفوع متحد فلا يختلف بتبدل مستحقه ومن الأصحاب من شَبَب بأنه يتبدل كتبدل المستحق، وهو غلط لا وجه له \rالثامنة: على الزوج أن يعيد في كل كلمة نفي الولد إذا كان ثم ولد وهذا متفق عليه؛ لأنه المقصود والأظهر فلو أخل به مرة يجب عليه الإعادة  وأما المرأة فلا يجب عليها الإعادة إذا أخلّتْ به؛ إذ ليس يتعلق بلعانها ثبوت النسب، وإنما فائدته درء الحد عنها \rالتاسعة: الأخرس يقذف ويلاعن عند الشافعي -رحمه الله- بالإشارة ؛ خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله  ومذهبنا أن إشارة الأخرس كعبارة الناطق في كل تصرف؛ إلا في الشهادة، ففيه تردد للأصحاب وهذا مشكل في اللعان؛ إذ مقصود اللعان يرتبط بألفاظ متعينة، لا يجوز إبدالها، والحكم منوط (بصيغ)  خاصة بها، فالإشارة كيف تدل على خواصها وعن هذا شرط بعض الأصحاب أن يكتب تيك الصيغ مع الإشارة إذا اقتدر على الكتابة، أو  يشترط من ناطق أن ينطق بتيك الصيغ، ويشير إليه  بها، ويقول: تشهد هكذا؛ حتى يشير برأسه، وهذا قريب متجه فأما الاكتفاء بمجرد الإشارة فمشكل ","part":1,"page":31},{"id":1634,"text":"فرعان: أحدهما: لو انطلق لسانه، فقال: ما أردت بإشارتي قذفاً ولا لعاناً، لم يقبل قوله وهو جارٍ على قياس القاعدة \rالثاني: أنه لو قذف أولاً فاعتقل لسانه، فقد قال الشافعي رحمه الله: نمهله إلى رجاء أن ينطلق لسانه على قرب ونقل أيضاً عن الشافعي أنه قال: يراجع أهل البصيرة، فإن قالوا: ينطلق لسانه على قرب أمهلناه  ومن أصحابنا من قال: لا نمهله أكثر من ثلاثة أيام؛ فإن في إطالة الانتظار إبطالاً لحق المقذوف  \rالعاشرة: الأعجمي العاجز عن العربية يأتي بمعنى اللعان بلغته التي يعرفها، وإنما يأتي بمعناها الخاص، كما في التكبير وكلمة التزويج والإنكاح، ثم القاضي ينصب عنه ترجماناً [لا محالة]   ولا بد من العدد؛ لأنه في حكم شهادة ونقل لقول وهل يشترط أربع أم يكتفى باثنين فيه طريقان: منهم من قال: قولان؛ بناءً على شهود الإقرار بالزنا، ومنهم من قطع بالاكتفاء  باثنين؛ لأنه في حكم نقل قول، فلا يثبت له حكم الشهادة \r\rالفصل الثاني: في التغليظات والسنن\rوالتغليظ بالكلام والزمان والمكان  أما الكلام فصيغته ما ذكرناه  وأما الزمان فيؤخر إلى ما بعد العصر؛ فإنه أشرف الأوقات وإن لم يكن طلب حثيث يؤخر إلى [بعد]  وقت العصر من يوم الجمعة وأما المكان فليقع  اللعان في أشرف المواضع، فإن كان في الحرم، فليكن بين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فبين المنبر ومدفن المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهي الروضة  وإن كان في بيت المقدس، فعند الصخرة وفي سائر البلاد في المقصورة من المسجد الجامع ","part":1,"page":32},{"id":1635,"text":"فأما الكفار فيلاعنون في أفضل المواضع عندهم، كالكنائس [والبيع]  والصوامع  وأما بيوت الأصنام فلا نأتيها إن تصور ذلك في طرف بلاد الإسلام وأما بيوت النيران في حق المجوس ترددوا فيه: منهم من قال: (لا أصل)  في الشرائع لعبادة النيران، فهي كالأصنام  وأما الزنديق فهل تغلظ عليه بهذه الجهات التي ذكرناها في المسلمين فيه تردد والظاهر  أنها تغلظ؛ ليناله شؤمها   وأما الحائض، قال الشافعي: تلاعن على باب المسجد ، وقال في المشرك: يلاعن في المسجد ، فاعترض المزني وقال: المشركة قد تكون حائضاً  وقد اختلف الأصحاب في المشرك الجنب أنه هل يمكن من الدخول إلى المسجد  منهم من جوز زاعماً أنهم لا يؤاخذون بتفصيل شرعنا فيما يرجع إلى حق الله تعالى \rومما لا بد منه في التغليظ إحضار جمع، فيحضر القاضي جمعاً لا ينبغي أن ينقصوا عن عدد (الشهود)  في الزنا تأسِّياً بقوله تعالى:    •      \rوالتغليظ بالمكان مستحب أو مستحق فيه قولان والتغليظ بالزمان فيه طريقان؛ قال القفال: قولان كما في المكان وقال أبو حامد: مستحب قطعاً وهكذا في إحضار الجمع طريقان كما في الزمان؛ فمنهم من قطع بكونه مستحبًّا، والقولان في التغليظ بالمكان جاريان في كل يمين يتعلق بما له خطر من الدماء والفروج والمال الكثير البالغ نصاب الزكاة وسيأتي ذلك في أدب القضاء  \rومما لا بد من رعايته أن يجري اللعان في مجلس القضاء ، فلو تلاعنا في البيت لم يجز قطعاً ولو حكّما حكماً، ففي جواز أصل التحكيم خلاف وإن جوز ففي العقوبات خلاف، وهذا يبتني عليه \rثم يسن للقاضي أمور ثلاثة:-","part":1,"page":33},{"id":1636,"text":"أحدها: أن يصعد المنبر؛ إذ روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ((لاعن بين العجلاني وزوجته على المنبر))، ومنهم من قال: كان العجلاني على المنبر ومنهم من قال: (([كان]  عند المنبر))  (والروايات)  مطلقة كما ذكرناه وعلى الجملة، صعود الملاعن المنبر أولى؛ ليكون ذلك تأكيداً للإشهار \rوالثاني: أن يهدد كل واحد من الزوجين في مقدمة اللعان، فربما يتصادقان ويمتنعان  ويروى للمرأة ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عنه، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين))  وكذلك روي في حديث المعراج أنه عليه السلام رأى نسوة معلقات بثديهن، فسأل جبريل عليه السلام عن حالهن، فقال: ((إنهن اللاتي ألحقن بأزواجهن من ليس منهم يأكل جرايتهم، وينظر إلى عوراتهم)) \rوالثالث: [أن]  يلاعن الرجل، فإذا انتهى إلى كلمة اللعن ، أتاه آتٍ من ورائه، وقبض على فيه، وقال له صاحب المجلس: اتق الله؛ فإنها موجبة ثم تقوم المرأة، وتلتعن، فإذا انتهت إلى الغضب، أتتها امرأة من ورائها، وقبضت على فيها، وقال صاحب المجلس: اتقي الله تعالى؛ فإنها موجبة \r\rالباب الثاني: في حكم الولد\rوفيه فصول: [الفصل]  الأول: من يلحقه النسب\rوفيه مسائل:","part":1,"page":34},{"id":1637,"text":"إحداها: أن ولي الطفل إذا عقد النكاح له، فأتت زوجته بولد، وقد استكمل الصبي عشر سنين وستة أشهر، فالولد يلحقه قطعاً؛ إذ البلوغ بعد العشر ممكن وإن أتت به  والصبي لم يستكمل تسع سنين، فالقاضي يقول: ينتفي عنه؛ إذ البلوغ غير ممكن قبل مضي السنة التاسعة وفيه وجه أن ذلك في خلال السنة التاسعة ممكن ولو أتت بالولد  لزمان يكون العلوق به لا محالة في أثناء السنة العاشرة، ففيه وجهان؛ منهم من قال: يتصور البلوغ في أثناء هذه السنة، ومنهم من قال: لا يتصور إلا بعدها  ومهما ألحقنا الولد، فقال الصبي: ألاعن، وأنا بالغ، يمكّن منه ولو (قال)  أنا صبي، ولكن ألاعن، لم يمكن منه فلو قال بعد ذلك: ألاعن؛ فإني كذبت في دعوى الصبى، فيمكن منه؛ لأنه إن كان صادقاً فلا بد من تمكينه، وإن كان كاذباً في تكذيبه نفسه، فما سبق جرى في الصبى، فلا يؤاخذ به وهو في الحال غير قادر على ادعاء البلوغ ومن أصحابنا من قال: لا يمكن من اللعان ما لم يستأنف دعوى البلوغ \rالثانية: المجبوب إذا أتت امرأته بولد يلحقه إذا كانت الأنثيين باقيتين؛ لأن الماء كامن في الفطرة، وأوعية المني في الأنثيين وهما باقيتان، والذكر آلة مُزَرِّقةٌ ، وفوات الآلة المُزَرِّقة لا يقطع الإمكان؛ إذ قد يصل الماء إلى الرحم باستدخال المني  بالملامسة من غير إيلاج وأما الخصي المنزوع الأنثيين الذي ليس بمجبوب، فقد قطع المحققون بأن الولد يلحقه، ولا نظر إلى قول الأطباء فيه  وذكر الفوراني  أنه يراجع الأطباء فأما الممسوح  العديم الخصية والآلة، ففيه أوجه؛ قال العراقيون: [لا]  يلحقه الولد من غير مراجعة، وقال الإصطخري : يلحقه من غير مراجعة فهذا الذي ذكره القاضي وصححه، وذكره الصيدلاني  واعتلوا بأن الماء معدنه في الصلب، ومنفذه ثقبة إلى الظاهر، وتلك الثقبة باقية وهذا عري عن التحصيل؛ فإن الوجود يعرف خلاف ذلك ","part":1,"page":35},{"id":1638,"text":"الفصل الثاني: في أحوال الولد\rوله ثلاثة أحوال:\rأحدها: أن يكون حملاً: فإن كان بعد البينونة وهي حاله، لا يجوز النفي إلا مع وجود الولد، فهل له النفي واللعان قبل الانفصال قولان مبنيان على أن الحمل هل يعلم وهذا البناء ضعيف؛ لأن الأحكام منقسمة؛ فمنها ما يقطع بثبوته للحمل، ومنها ما يقطع بنفيه، ومنها ما يتردد [فيه] ، فكيف يطلق قولين في أن الحمل هل يعرف على أن الحمل لا يعرف قطعاً فإن مخايل الحمل قد تبدو على المرأة التي احتبس في رحمها ريح، وانسد فم الرحم، وكل ذلك إذا تورم الرحم، ثم ينفتق  الورم، وينفش الريح، وتبين أن لا حمل، فنرد النظر إلى الأحكام؛ فإن الحمل يظن ولا يعلم،  ولكن قد ينبني حكم على ظن، وقد يستدعي حكم يقيناً؛ فقد أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدية الخلفات ، ونحن نسلم الخلفة، ونكتفي بالأمارة، ثم إن بانت واحدة حائلاً أبدلت \rفأما المعتدة البائنة الحامل (تستحق)  النفقة، ولكن هل يجب الإنفاق في الحال [فيه]  طريقان؛ منهم من قال: ينفق، ثم إن بان الحيال استرد ومنهم من خرّج على قولين؛ لأن الأصل براءة الذمة \rولا خلاف في أنه إذا  ظهر مخايل الحمل لم يقم القصاص والحد احتياطاً\rفعلى هذا [النظر]  خرّج اللعان عن الحمل على قولين: أحدهما: أنه لا يلاعن؛ لأن اللعان خطر ، فلا يقدم عليه على تردد والثاني: أنه يقدم؛ فإنه  ربما يموت الزوج قبل الانفصال، ويبقى الولد ملحقاً بشجرته هذا فيما بعد البينونة  فأما في صلب النكاح، فمن أصحابنا من قطع بأنه يلاعن، وهو الصحيح؛ لأن العجلاني لاعن عن الحمل، ومنهم من طرد القولين؛ لأن معرفة الحمل لا تختلف بوجود النكاح وعدمه وهذا بيّنٌ، ولكن يعارضه أن اللعان في صلب النكاح من غير ولد جائز لقطع النكاح، فيكون الحمل تبعاً في النفي، والحملُ يثبت له حكم التبعية في البيع وجملةٍ من التصرفات، وإن كان لا يفرد بها ","part":1,"page":36},{"id":1639,"text":"الحالة الثانية: أن (يكونا)  توأمين، فلو نفى أحدهما دون الثاني لم ينتف، ولو نفاهما ثم استلحق أحدهما، لَحِقَ الثاني ولو ولدت واحداً فنفاه، ثم ولدت الآخر لأقل من ستة أشهر، فيقال له: جدِّدْ لعاناً؛ فإن اللعان الأول لم يتناول هذا الولد فإن لم يجدد لعاناً عاد الأول ملتحقاً وحاصل القول فيه أن التبعيض محال في التوأمين؛ لأنه لا يفرض وجودهما من وطئين، ثم اللحوق غالبٌ \rولو نفى الحمل، فأتت بتوأمين انتفيا  عنه؛ لأن نفي الحمل تناولهما  فلو أتت بواحد في النكاح، فنفاه باللعان، فأتت بالآخر لأكثر من ستة أشهر، يلحقه الولد الثاني، ولا يلحقه الأول؛ لأنه من بطن آخر وإنما يلحقه؛ لأنه  يتصور وقوع العلوق بعد انفصال الأول، وقبل جريان اللعان ولو نفى الحمل فأتت بولد، ثم أتت بولد لأكثر من ستة أشهر، انتفى من غير لعان؛ لأنه لا يحتمل العلوق به في صلب النكاح \rفرع: التوأمان بعد النفي باللعان أخوان من الأم؛ إذ قرابة الأم لا تنقطع وهل تثبت بينهما أخوة الأب  وجهان، والظاهر أنه لا تثبت؛ إذ الأبوة للأب، والأخوة (فرعها)  ومما لا بد من التعرض له أنه إذا أراد نفي أولاد (عدّة)  بلعان واحد، جاز له ذلك، ولم يجب عليه أن يعدد لعاناً بحسب عددهم \rالحالة الثالثة: أن يموت الولد، ويجوز نفيه بعد الموت، وكذلك استلحاقه؛ لأن الموت لا يقطع النسب  وقال أبو حنيفة: لا معنى لنفيه؛ إلا إذا كان منه ولد حي ","part":1,"page":37},{"id":1640,"text":"ثم عندنا لو نفى الولد حيًّا، واستلحقه حيًّا، لحقه ولو نفاه حيا، ثم لما مات عاد واستلحقه؛ ليحوز ميراثه، فله ذلك  وقال أبو حنيفة: ليس له ذلك؛ للتهمة  ولو نفاه بعد الموت، فقسم ميراثه، فعاد واستلحقه، يلحقه في ظاهر المذهب، وتتبع القسمة للمواريث بالنقص وهذا يكاد أن يكون خرماً  لقواعد الأقارير  وفيه وجه آخر؛ (لأنه نفي)  بعد الموت؛ فقد أسقط الإرث، فلا يجد سبيلاً إلى إثباته؛ بخلاف ما إذا نفى في حالة الحياة، حيث لا إرث والقائل الأول يعوّل على النسب، ويقول: هو معترف بالنسب، ثم إذا ثبت النسب، والميراث تابع، فلا نظر  إلى التابع \r\rالفصل (الثالث) : فيما يسقط به حق النفي\rوقد اختلف القول في أنه على الفور أو على التراخي فقال في قول إنه على الفور، وهو الصحيح؛ لأنه لدفع الضرر ، فضاهى الرد بالعيب ثم ذكرنا كيفية البدار وحكم الإشهاد عليه في كتاب البيع  والثاني: أنه على التراخي، ولا يسقط إلا بالاستلحاق وهذا [ما]  ذكره الشيخ أبو علي، وهو متروك لا عوَدَ عليه ولا تفريع والثالث: أنه يمهل ريثما يتروى؛ فإن أمر النسب خطير في النفي والاستلحاق، ولعله تتقدر مدة المهل بثلاثة أيام كما في الردة ونظائرها \rثم بيان القول فيما يسقط به حق النفي برسم مسائل:\rإحداها: أنه لو أخر مع ظهور مخايل الحمل حتى انفصل، لم يبطل الحق، وإن كنا نجوز اللعان؛ لأنه ربما [لا]  يستيقن الحمل، ويتخيله ريحاً ينفش ولو قال: أعلمه، ولكني أؤخره لعلها تجهض، ففيه وجهان: منهم من قال: بطل الحق إذا علم مع القدرة على اللعان، ومنهم من قال: لا أثر لقوله: أعلم؛ إذ الحمل لا يعلم والأظهر هو الأول ","part":1,"page":38},{"id":1641,"text":"الثانية: لو أخبره  مخبر بأن زوجته قد ولدت فأخر، وقال: لم أصدقه، لم يبطل حقه ولو أخبره عدلان، فقال: لم أصدقهما، بطل حقه، ولم يقبل  قوله إذا كان يعرفهما بالعدالة ولو أخبره عدل واحد، ففيه تردد لقبول روايته ورد شهادته \rالثالثة: لو قال بعد مدة: لم يبلغني الخبر، فإن كان غائباً صُدِّق، وإن كان حاضراً لم يصدق \rالرابعة: لو هنّاه مُهَنٍّ بحدوث ولد له، وقال: متعك الله به، فقال: آمين، كان هذا إقراراً بالنسب، مسقطاً لحق النفي، ولو عارضه بدعوة مستقلة، كقوله: جزاك الله خيراً، أسمعك الله ما تسر به، لم يكن ذلك إقراراً \rالخامسة: إذا قال: بلغني الخبر، ولكن كنت لا أدري أن الحق [ثابت]  لي في النفي، فإن كان آنِساً بالفقه لم يصدق، وإن أمكن صدقه، قال أصحابنا: فيه قولان؛ بناءً على الأمة إذا أعتقت، وزعمت أنها لم تعرف ثبوت الخيار لها، ففيه قولان [والله أعلم]  \r\rالباب الثالث: في مجامع أحكام اللعان\rيتعلق بلعان الزوج خمسة أحكام: وقوع الفرقة، وتأبد الحرمة، وسقوط الحد عنه، وانتفاء النسب عنه، ووجوب الحد عليها \rأما الفرقة، قال عثمان البتي : لا تتعلق باللعان أصلاً ، وقال مالك رحمه الله: تتعلق بلعانها  ، وقال أبو حنيفة رحمه الله: تتعلق بلعانهما وقضاء القاضي  وعندنا تتعلق بمجرد لعانه، على ما قررناه في مآخذ الخلاف \rوأما الحد، فعند أبي حنيفة لا يجب على الزوج بقذف الزوجة حتى يفيد اللعان سقوطه، وإنما الواجب بالقذف عقوبة عليه هو اللعان، وتتمته إيقاع الفراق والتحريم، (فاللعان عنده بالنسبة)  إلى الزوج عقوبة، وبالنسبة إلى إثبات الغرض به شهادة ، واللعان ليس عقوبة عندنا، وهو يشابه الأيمان في إثبات الغرض، على ما قررناه في مآخذ الخلاف","part":1,"page":39},{"id":1642,"text":"وأما نفي النسب، فلم يخالف فيه إلا الأصم ؛ إذ قال: لا ينتفي باللعان  وأما تأبيد الحرمة، خالف فيه أبو حنيفة؛ إذ قال: مهما كذّب نفسه، أو حد في قذف، وخرج عن أهلية اللعان، أو طرأ عليه خرس، حل له النكاح  وقد اختلف أصحابنا في اللعان الجاري بعد البينونة، أو النكاح الفاسد، في أنه هل يتعلق به تأبد  الحرمة على ما قررناه من قبل  واختلفوا في أن هذه الحرمة، هل تشمل ملك اليمين ومثل هذا الخلاف جارٍ في تحريمِ الظهار، وتحريمِ (الطلقات)  الثلاث، وتحريمُ اللعان أولى بالشمول؛ لتأكّده بالتأبيد \rأما لعان المرأة، فلا يتعلق به عندنا إلا سقوط الحد عنها؛ فإنها تتعرض (للجلد)  بلعانه إن كانت بكراً، أو للرجم إن كانت ثيباً، وتندفع العقوبة عنها باللعان  ولو امتنعت عن اللعان، ثم عادت مُكِّنتْ من ذلك، ولم يكن ذلك (كالنكول)  عن الأيمان، وهذا ما يضاهي فيه اللعان الشهادة وقد ذكرنا وجهه ثم تعرض الشافعي رحمه الله في هذا الكتاب لأمور تتعلق بأحكام الحدود، لا تختص بحد القذف، ولأمور تتعلق بالشهادة لا تختص بهذا الكتاب، فرأينا تأخيره إلى الحدود والشهادات \rوهذا تمام الغرض في  كتاب اللعان ","part":1,"page":40},{"id":1643,"text":"كتاب العدة\rونقول في تمهيد الكتاب: العدة في أصلها مستندة إلى نصوص في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأمة وهي في معناها في وضع اللسان مأخوذة من العدد، شاع في [لسان] الشرع بعدد مخصوص، كالصلاة، والصوم، والحج اختص بعرف الشرع ببعض مسمياتها الوضعية هذا مستندها ومعناها\rوأما أقسامها في غرضنا ثلاثة: عدة الطلاق، وعدة الوفاة، والاستبراء بحكم الملك وسنفرد كل قسم بأحكامه\rالقسم الأول: في عدة الطلاق\rونقول في تمهيد هذا القسم إن هذه العدة غير منوطة بمجرد النكاح؛ بل هو منوط بسبب شاغل للرحم، وهو الوطء، فكل مقصودها طلب براءة الرحم، فلا (يتعلق) إلا بانقطاع نكاح مشتمل على المسيس ومن أسرارها أنها لا تتبع حقيقة الشغل ولا توهّمه؛ بل تجري مع استيقان البراءة؛ إذا كان الوطء جارياً من صبي أو كان عريًّا عن الإنزال، ارتبط الطلاق باستيقان براءة الرحم والسر فيه أن شغل الرحم أمر خفي لا مطلع عليه، ويعسر اتباعه، فأتبع الشرع الحكم سبب الشغل، وقطعه عن نفس الشغل، وسبب الشغل هو الوطء فنيط به ثم لم يعتبر فيه الإنزال؛ بل اكتفى بالإيلاج، واكتفى من الإيلاج بتغييب الحشفة؛ لأن اتباع الإنزال مع اضطراب الأحوال فيه قبيح، فنيط بسبب الإنزال، وهو الوطء وكذلك يصنع الشرع في ربط الأحكام بالمعاني الخفية، وأعلاها حكم الإسلام، وهو منوط بمعرفة القلب، ولكن لما عسر الاطلاع عليه نيط بكلمتي الشهادة، وأعرض عن الضمير حتى يحكم به (مع) توافر القرائن على مخالفة الضمير موجب اللفظ فإذا أسلم الرجل تحت ظلال السيوف حكم بإسلامه، وارتبط به أحكامه\r[فإذا تمهد القول في هذا القسم، فنقول: مقصود هذا القسم تحصره ثلاثة أبواب:]\r\rالباب الأول: في عدة الحرائر عن الطلاق\rوعدتها ثلاثة أنواع: أحدها: العدة بالأقراء، والثاني: العدة بالأشهر، والثالث: العدة بالحمل\rالنوع الأول: في العدة بالأقراء","part":1,"page":1},{"id":1644,"text":"ونقول في تمهيد هذا النوع: الحرة تعتد بثلاثة أقراء وفاقاً ؛ ولكن يطول النظر؛ لاختلاف [أحوال]  النساء وأصنافهن وهن فيما يقصد ذكر أحكامهن أربعة أصناف: المعتادة: وهي التي لها عادة مستمرة والمستحاضة: وهي التي تباعد حيضها في أوان الحيض بعذر والصغيرة والآيسة \rالصنف الأول: المعتادات: وعدتهن ثلاثة أقراء على العادة\rفإن قال قائل: وما معنى القرء قلنا: القرء دائر بين الحيض والطهر، وقد اختلف العلماء فيه، فذهب أبو حنيفة -رحمه الله- إلى أنه الحيض ، (وذهب)  الشافعي -رحمه الله- إلى أنه الطهر  وتمسك كل فريق بما يدل على مذهبه من اللغةِ، والشواهدُ فيه متعارضةٌ وذهب فريق إلى أن القُرء بضم القاف للحيض، وهو الذي يجمع على أقراء كالحُرْم والأحرام، والقَرْء بفتح القاف للطهر، وهو الذي يجمع على قروء كالحرب والحروب، والضرب والضروب\rوالذي صح عند المحققين أن القرء مشترك، يتناول الطهر والحيض على البدل، كالجون ؛ فإنه مشترك للضوء والظلمة  وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دعي الصلاة أيام أقرائك)) \rوقال الأعشى  في نظمه:-\rلما ضاع فيها من قروء نسائكا","part":1,"page":2},{"id":1645,"text":"واشتقاقه في الأصل من القرء، وهو بمعنى الجمع، (ومنه يقال) : قرأت الطعام في الشدق، والماء في الحوض، وما قرأَت الناقة سلاً قطّ، أي ما جمعته  ومما صح النقل فيه القرء بمعنى الطلوع والغروب جميعاً ؛ يقال: قرأ النجم إذا طلع، وقرأ إذا غاب فالصحيح إذاً أن اللفظ مشترك، ولذلك لم يتعلق الشافعي في المسألة بشواهد اللغة، وتعلق بالكتاب، وهو قوله تعالى:       فقال: لا يتناول الأمر إلا الطلاق السني، فليكن السني هو الواقع في الطهر مستعقباً للاعتداد بالعدة، ولا يكون ذلك إلا بأن يكون الطهر هو القرء المقصود بالاعتداد ، وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة ابن عمر  إذ قال: ((مره فليراجعها، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء))  فمستند المذهب الآية، وكذلك يتأيد بضرب من المعنى، وهو أن العدة وجبت تربصاً عن النكاح، فهو (جدير)  بأن يكون في حالة الاستمتاع في النكاح، وليس ذلك  إلا حالة الطهر، فأما حالة الحيض، (فلقد)  كانت المرأة فيها في صلب النكاح متربصة عن الزوج معتزلة عنه \rثم [إذا]  تبين أن الطهر هو القرء، مع أن معنى الاعتداد ووجوب التربص يشتمل على [كلتي]  حالتي الطهر والحيض، فمعناه أنه المقصود بالاعتداد وتظهر فائدته في أنه لو طلقها، وقد بقي من الطهر لحظة، كان ذلك (قرءاً)  كاملاً في العدة \rوعن هذا نشأ للشافعي قول آخر في معنى القرء، وهو أن القرء هو الانتقال من الطهر إلى الحيض ","part":1,"page":3},{"id":1646,"text":"وموجب  هذا القول: وقوع الاعتداد ببقية الطهر فهذا يدل على أن المقصود هو الانتقال ويشهد له أيضاً أن القرء في وضع اللسان للحيض والطهر، وهو من الأسماء المشتركة ومن ادعى الانتقال، فقد جمع بين المنتقل منه والمنتقل إليه؛ إلا أن الانتقال من الحيض إلى الطهر قرء، كالانتقال من الطهر إلى الحيض، ولكن الشرع خصص أحد الطرفين كما ذكرنا هذا بيان القولين \rثم للقولين أربع فوائد:\rإحداها: أنه لو قال: أنت طالق في آخر جزء من طهرك، فقد صادف الطلاق زمان الطهر، ولكنه استعقب الحيض، وحصل الانتقال عقيبه، فيكون  ذلك قرءاً على قول الانتقال محسوباً، وعلى القول الثاني وهو الجديد، وأن  الاحتساب من وقت الطهر بعد الحيض الذي شرعت فيه \rالثانية: لو طلق امرأته الصغيرة، ثم حاضت قبل مضي الأشهر، انتقلت إلى الأقراء ، وما مضى لا يحسب قرأً على القول الجديد؛ لأن المعتبر نقاء بين دمين؛ ليكون الدم محتسباً، وعلى قول الانتقال يحسب ما مضى قرءاًً  وهذا البناء ضعيف؛ لأن من يعتبر الانتقال يعتبره من طهر إلى حيض، والطهر هو النقاء (المحبوس)  بدمين \rالثالثة: لو قال للصغيرة: أنت طالق في كل قرء طلقة، ثم إنها حاضت، فإن جعلنا بقية الطهر محسوباً، وقعت طلقة، وإلا فلا \rالرابعة: لو ادعت انقضاء عدتها في اثنين وثلاثين يوماً وساعة، هل يقبل قولها يخرج على القولين وأقل مدة يتصور فيها انقضاء العدة، ويقبل فيها قول المرأة، استقصيناه في كتاب الرجعة \rومما لا بد من التنبه له، أن الأقراء الثلاثة إذا انقضت، أعني الأطهار، فلا بد من الطعن في الحيض من الطهر الأخير، حتى يتبين به انقضاء الطهر وهل يكتفى بلحظة\rالمذهب الظاهر أنه يكتفى به، ونقل البويطي  نصًّا عن الشافعي أنه لا يكتفى به خيفةَ أن يكون دم فسادٍ، فلا بد من أن ينقضي يوم وليلة ","part":1,"page":4},{"id":1647,"text":"فاختلف الأصحاب، منهم من حمل قوله على الاحتياط، وقطع (بما)  ذكرناه بناءً على الظاهر، ومنهم من خرّج المسألة على قولين ومن أصحابنا من ذكر قولاً ثالثاً، وهو أنها لو رأت الدم على العادة، اكتفي بلحظة، وإن رأت قبل ذلك لم يكتف إلا بيوم وليلة، ثم تلك اللحظة أو اليوم والليلة على المذهبين، ليس من العدة، وإنما هو للاستظهار ، ينزل منزلة إمساك الصائم في جزء من النهار للاستظهار ومن أصحابنا من ذكر وجهاً أنه  من العدة؛ إذ لا معنى للعدة إلا (احتباس)  لازم عن الازدواج وهذا ضعيف لا وجه له \r\rالصنف الثاني: المستحاضات:\rوللمستحاضة ثلاثة أحوال:-\rإحداها: أن تكون مميزة، فهي مردودة إلى التمييز، والأمر فيه سهل \rوالثانية: أن تكون مبتدأة، فكم تُحَيَّضُ في كل شهر فعلى قولين، أحدهما: الأقل، وهو يوم وليلة والثاني: ست أو سبع ولا يظهر للقولين فائدة في العدة، فإنه لا (يحسب)  لها في كل شهر أكثر من قرء واحد على المذهبين ","part":1,"page":5},{"id":1648,"text":"الثالثة: أن تكون معتادة، فإن حفظت العادة سهل الأمر، وإن نسيت مقدار العادة، وحفظت الوقت، كانت كالمبتدأة، وإن نسيت الوقت والعادة أيضاً حيّضناها في المقدار التي تحيض المبتدأة فيها، وفي بقية المدة قولان: أحدهما: أنه طهر والثاني: أنا نأمرها بالاحتياط في الوطء وسائر العبادات كما ذكرناه في الحيض قال أصحابنا: [هي]  على قول الاحتياط مردودة إلى الأهلة، فإن الغالب أن كل شهر يشتمل على طهر وحيض ، ثم نقل المزني عن الشافعي أنه قال: إذا استهل الهلال الرابع، فقد انقضت العدة  ونقل الربيع: إذا استهل [الهلال]  الثالث انقضت العدة ، فاختلف الأصحاب على طريقين: منهم من قال: المسألة على حالين: فما نقله الربيع فيه إذا طلقها في وسط الشهر، وقد بقي أكثر من خمسة عشر يوماً؛ إذ يعلم قطعاً أن بقية هذا الشهر يشتمل على جزء من الطهر، فيكفيها التربص بعد هذا البقية بشهرين، فتنقضي العدة بانقضاء الهلال الثالث وما نقله المزني فيه إذا لم يبق من الشهر إلا أقل من خمسة عشر يوماً، فيحتمل أن يكون كله حيضاً، فلا يحتسب، ويعتبر بعدة ثلاثة أشهر كوامل، وتنقضي العدة باستهلال الهلال الرابع ومن أصحابنا  من قطع باحتساب بقية الشهر قرءاً، وإن لم يبق إلا يوم وليلة؛ لأن الغالب أن الطهر يقع في آخر الشهر  وهذا هذيان في التقدير، ثم هذا القائل يجمع بين النصين، ويقول حيث قال الشافعي إذا استهلّ الهلال [الرابع عند الشهر الذي وقع الطلاق فيه، وجعله كالمستهل بغير الطلاق، وحيث قال: إذا استهل الهلال]  الثالث، لم يحسب في الذكر والنطق إلا الهلال المتراخي تحققاً عن وقت الطلاق وهذا كما نقل عنه أنه قدر مسافة القصر في موضع بستة وأربعين ميلاً، وفي موضع ثمانية وأربعين ميلاً؛ إذ عد في هذا الحساب الميل الأول الذي منه الابتداء، والذي إليه الانتهاء، ولم يعده في الموضع الثاني","part":1,"page":6},{"id":1649,"text":"وحاصل هذا التردد خلاف في أن بقية هذا الشهر هل يحسب إذا كان أقل من خمسة عشر يوماً مع الاتفاق على أنه يحسب إذا كان أكثر منه وإذا ظهر هذا لم يخف الحكم فيما إذا طلق مقترناً بالهلال، فإنه ينطبق على الغرض \rفإن قال قائل: إذا كنتم تفرعون على قول الاحتياط مع ما فيه من (التغليظ) ، فهلا راعيتم في الاحتياط في العدة أن يزيد طهر المستحاضة على الشهر والشهرين، ويكون ما يجري عليه دم فساد، فلينزل منزلة (من)  تباعدت حيضتها [حتى تصير إلى سن اليأس، فإنه الاحتياط كما في العبادات، قلنا: ذكر صاحب التقريب وجهاً عن بعض الأصحاب أنا نأمرها بالاحتياط في العبادة، فتتربص إلى سن اليأس، أو إلى أربع سنين أو إلى سبعة أشهر كما سيأتي في التي تباعد حيضها]  وقد نقل هذا المذهب عن سعيد بن المسيب ، وهو منقدح في القياس؛ إذ لا فارق بين العدة والعبادات في الاحتياط وغاية المتخيل في الفرق شيئان:\rأحدهما: أن الحيض على هذا الوجه لو استمر بعد سن اليأس، لاستمر حكم الاحتياط في العبادات، والحكم باستمرار احتباس النكاح بعيد وهذا فاسد؛ إذ يتوقع انقطاع هذا بعد سن اليأس، وإن لم يتوقع، فأي بعدٍ في استمرار المنع (فليستمر) \rوالثاني: أنها تستحق السكنى في هذه العدة، وذلك يتضمن إضراراً وهذا أيضاً فاسد؛ إذ يمكن أن يقال: الاحتياط في التغليظ فيما عليها، أما السكنى فلا تستحقه إلا في أقل مدة الحيض، وبعد ذلك لا تستحق السكنى \rفإن قال قائل: وهلا تخيل متخيل هذا في الأهلة الثلاثة حتى لا تستحق السكنى إلا في أقل مدة الحيض قلنا: لأن الأهلة الثلاثة في حق المستحاضة عند من يراها في المذهب الظاهر أصل، وليس من قبيل الاحتياط حتى يخص  حكمه ببعض القضايا، ولكنه مرجوع إليه في العدة كالأشهر في حق الصغيرة والآيسة ","part":1,"page":7},{"id":1650,"text":"الصنف الثالث: الصغيرة: وعدتها بالأشهر [ما دامت دون التسع، وإن رأت الدم؛ لأن ذلك ليس حيضاً، وإن بلغت بالسن، ولم تحض فكذلك عدتها بالأشهر]  وإن بلغت مدة إمكان الحيض، والمستند فيه قول الله تعالى:         وهي ممن لم يحضن، فاندرجت تحت العموم  ولو طلقت فرأت الدم بعد مضي الأشهر، لم يلزمها الاستئناف، وإن كان قبل مضي الأشهر استأنفت العدة بالأقراء، وما مضى من الطهر هل يحتسب قرءاً ذكرنا فيه خلافاً ومثل ذلك لو فرض في الآيسة يحتسب ما مضى قرءاً؛ لأن الطهر في حقه نقاء بين دمين \rالصنف الرابع: التي تباعدت حيضتها، وانقطع بعد أن حاضت مرة؛ نُظِرَ، إن كان ذلك لعلة ظاهرة يتوقع زوالها، من مرض أو رضاع أو ما يجري مجراه، فعدتها بالأقراء، ويجب عليها تربص الحيض إلى أن يعود الحيض، فإن لم يعد حتى انتهت إلى سن اليأس، اعتدت إذ ذاك بالأشهر  فأما إذا لم يكن انقطاع الحيض لعلة، فعنه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تتربص تسعة أشهر، ثم تعتد بعد ذلك بالأشهر؛ لأن الغالب أن الحمل إن كان في البطن، يظهر في تسعة أشهر وثلاثة أشهر بعده، وهذا القول قديم وقد قلد الشافعي -رحمه الله- فيه قول عمر رضي الله عنه، إذ قضى في امرأة انقطع حيضها، وكان يرى في القديم تقليد الصحابة في المذهب  القول الثاني: أنها تتربص أربع سنين، [ثم تعتد بعد ذلك بالأشهر؛ لأن الحمل قد يمكث في البطن أربع سنين]  ولا تزيد عليها، فهو غاية الاحتياط وهذا أيضاً قول في القديم  \rالقول الثالث: وهو الجديد، أنها تنتظر سن اليأس  ويتوجه هذا القول بثلاثة أمور:","part":1,"page":8},{"id":1651,"text":"أحدها: أنه لو انقطع لعلة لتربصت إلى الحيض أو سن اليأس، فكذلك إذا انقطع لا لعلة وعلى الجملة، لا ينقطع حيض الشابة إلا بعلة، وهي زوال عن (سمت)  الاعتدال في المزاج لا محالة والصغيرة التي لم تحض، لما اعتدت بالأشهر من غير تربص، لم يفرق في حقها بين أن تمتنع حيضتها لعلة أو لغير علة\rوالثاني: أن الغالب على العدة التعبد، ومعنى البراءة لا يمكن (رعايته مع وجوب العدة)  عند استيقان البراءة، والعدة بالأشهر اختصت في نص القرآن باللائي لم يحضن واللائي يئسن من المحيض، وليست هذه من القسمين \rالثالث: ما روي أن ابن مسعود  -رضي الله عنه- قال لأبي الأحوص ، وقد طلق زوجته على هذه  الحالة: ((اتق الله، الميراث بينكما، لا تنقضي عدتها حتى تحيض أوتيأس)) \rوطلق حبان بن منقذ    زوجته، وكانت ترضع ولده، فانقطع حيضها تسعة عشر شهراً، فمرض حبان، فخاف أن يموت فترثه، فسأل عثمان -رضي الله عنه- فقال عثمان لعلي وزيد  رضي الله عنهما: ماذا تريان، فقالا: نرى أنها لو ماتت ورثها، ولو مات ورثته، فإنها ليست من القواعد اللائي يئسن من المحيض، ولا من اللائي لم يحضن، فرجع حبان، وانتزع الولد منها، فحاضت، فلما مضى لها  حيضتان، مات حبان فورثته  وهذا وإن ورد في الانقطاع بعلة، ولكن التعلق بقولهم، وهو عام يصلح للاستئناس به في هذا المقام ","part":1,"page":9},{"id":1652,"text":"التفريع: إذا فرعنا على قولنا إنها تتربص تسعة  أشهر، ثم تعتد بالأشهر: فلو فعلت ذلك، ونكحت، ثم رأت الدم، فلا أثر للدم، واستمر النكاح على الصحة ولو رأت الدم قبل مضي الأشهر التسعة، بطل التربص، وانتقلت إلى الأقراء فإن لم يعاودها الدم وجب عليها استيناف التربص؛ لأن ما سبق كان للانتظار، وقد بطل الانتظار بما طرأ، والآن لا بد من طلب مبتدأ، وانتظار جديد، ولا نظر إلى أن المطلوب كان عليه ظن البراءة ، وذلك (يتأكد)  بالحيض فأما اتباع معنى البراءة غير ممكن إلا بطريق التحويم على تشبيه وتقريب، والتعبد غالب، فلا بد من الاستئناف فأما إذا رأت الدم بعد [الشروع في]  الأشهر الثلاثة، ثم لم يعاودها الدم، يجب عليها استئناف مدة التربص، وهي الأشهر التسعة، ولكن ما سبق من هذه  العدة، هل يحسب حتى تبني عليه بعد [مضي]  تسعة أشهر أم تستأنف العدة فيه وجهان: أحدهما: أنها تستأنف كما تستأنف مدة التربص والثاني: أنها تبني؛ لأن الانتظار هو الذي ينقطع بطريان الحيض، أما ما وقع الاعتداد به من صلب العدة، لا سبيل إلى إبطاله \rالتفريع: إن أمرناها بالاستئناف فلا كلام، وإن اكتفينا بالبناء ففي كيفيته وجهان: أحدهما: أنه يأتي بما بقي من ثلاثة أشهر على منهاج الحساب  والثاني: حكاه الشيخ أبو علي، أن ما مضى قبل الحيض يُعتدّ به قرءاً واحدً؛ لأنه طهر بين حيضتين، فيبقى عليها قرءان، فتعتد بدلاً عنه بشهرين وهذا ضعيف؛ لأنه جمع بين الأصل والبدل في عدة واحدة، وذلك ممتنع في جميع قواعد الأبدال والمبدلات، كالكفارات وغيرها وعلى هذا الوجه، لا فرق بين أن يكون قد مضى يوم من الأشهر الثلاثة، أو بقي يوم، ولا خفاء بوجهه ","part":1,"page":10},{"id":1653,"text":"وأما إذا رأت الدم بعد مضي مدة التربص ومدة العدة، ولكن قبل النكاح، فالمنصوص عليه أنها مردودة إلى الأقراء؛ إلا أنا إنما اكتفينا به على اعتقاد أن الدم لا يعود، والآن فقد عاد الدم وذكر الأصحاب قولاً آخر، أنه يقع الاكتفاء؛ لأن العدة قد تمت، وانقضى حكمها، فصار كما إذا اتصل بالنكاح وكل ما ذكرناه من التفريع في الأشهر التسع، يجري على القول الثاني إذا أمرناها بالتربص أربع  سنين من غير فرق \rالتفريع: على القول الجديد، وأول مذكور فيه سن اليأس، والمشهور فيه قولان: أحدهما: ردها إلى أقصى سن اليأس لامرأة في دهرها؛ لأن المطلوب هو اليقين، وهذا غاية اليقين ثم البحث عن جميع نساء العالمين عسير، فيقال: ما لا يوجد في بلد، يحكم بأنه لا يوجد أيضاً في سائر البلاد والثاني: أنه ينظر فيه إلى نساء عشيرتها، لا على فرق بين قرابة الأم وقرابة الأب؛ بخلاف مهر المثل، فإنه ينظر فيه إلى العصبات والفرق بيّن بينهما \rوذكر بعض أصحابنا وجهين ضعيفين: أحدهما: النظر إلى نساء العصبات كما في مهر المثل والثاني: النظر إلى نساء البلدة؛ لأن الهواء واختلافه له تأثير في ذلك والصحيح القولان اللذان ذكرناهما فإن قيل: التأخير إلى سن اليأس إجحاف عظيم بها، قلنا: نعم، ولكن القواعد لا تنتقض بالأعذار النادرة، وهذا عذر نادر، فلا ينظر إليه ","part":1,"page":11},{"id":1654,"text":"ومما  يتفرع على هذا، أنها لو رأت الدم بعد سن اليأس، فلا يخلو إما أن رأت قبل مضي الأشهر الثلاث أو بعدها، فإن كان قبلها، انتقلت إلى الأقراء؛ لأن ذلك حيض بالاتفاق، فإن لم يستمر الدم، وجب الرجوع إلى الأشهر وقد (بطل)  ظن اليأس بما طرأ، فكيف يفعل [به]  فيه وجهان: أصحهما: أنها تعتد بالأشهر الثلاثة فقط؛ إذ لا مرد ينتظر إليه، فلا يرتقب اليأس  بعد اليأس؛ بخلاف ما ذكرناه في مثل هذه الصورة في التفريع على القول الأول، فإن استئناف مدة التربص ثَمّ ممكن والوجه الآخر: أنها تتربص تسعة أشهر، ثم تعود  إلى العدة بالأشهر، وهذا لا مأخذ له \rثم قال القاضي: يقطع على هذا القول بوجوب استئناف الأشهر الثلاثة، ولا يحكم بالبناء؛ بخلاف ما ذكرناه في التفريع على القول الأول؛ لأنا على القول الأول لا نطلب اليقين [ولا]  القرب منه، وعلى (هذا القول)  نتشوف إلى اليقين، وعليه تنبني صحة العدة فإذا طرأ الحيض بطل ما انبنى صحة العدة عليه، فلا بد من الاستئناف ","part":1,"page":12},{"id":1655,"text":"فأما إذا رأت بعد مضي الأشهر، فهل يحكم ببطلان العدة حتى تستأنفها حاصل المذهب فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تنتقل إلى الأقراء، وقد بطل ما سبق إن كان ذلك قبل النكاح، وإن كان بعد النكاح فلا، كما ذكرناه في التفريع على القول الأول  الثاني: أن العدة بالأشهر قد بطلت، نكحت أم لم تنكح؛ لأنا على هذا القول، نطلب فيه اليقين، [وقد تبين خلاف ما ظننا، فتبين بطلان النكاح، بخلاف القول الأول؛ فإنا لا نطلب فيه اليقين،]  فإذا تأيد بالنكاح لم (يتبع بالنقض)  الثالث: أنه لا يجب الاستئناف في الحالتين؛ لأن العدة قد تمت وانقضت، فلا تتبع وإن اختلف الظن  وهذا الاختلاف يقرب من الخلاف في أن نائب المعضوب  إذا حج عنه، وحكمنا بصحته بناء على أن العضب لا يزول، فزال، هل يحكم بصحة الحج فيه قولان وكذا من رأى سواداً فظنه عدواً، فصلى صلاة الخوف، ثم تبين أنه لم يكن عدواً، ففي صحة صلاته قولان، يتبع في أحدهما الحقيقة، والثاني ظاهر الحال  هذا تمام القول في العدة بالأقراء\rالنوع الثاني: الاعتداد بالأشهر:\rوذلك إنما يتصور في حق اللائي لم يحضن والآيسات؛ فيجب عليهن الاعتداد بثلاثة أشهر بالأهلة  فإن علق الطلاق بآخر الشهر، وقع الاكتفاء بعده [بثلاثة أشهر بالأهلة]  وإن وقع  في أثناء الشهر انكسر ذلك الشهر، فيكمل من الشهر الثالث، وتعتد بشهرين بالأهلة ومن أصحابنا من قال: إذا انكسر الأول انكسر الأول والثاني، فلا بد من تكميل كل شهر ثلاثين يوماً وهو مذهب أبي حنيفة  واختيار أبو محمد  ابن بنت الشافعي، والمذهب ما ذكرناه  ثم المعتدة بالأشهر إذا رأت الدم بعد الأشهر أو قبله، فقد ذكرنا حكمه من قبل\r\rالنوع الثالث: العدة بالحمل\rوفيه مسائل:","part":1,"page":13},{"id":1656,"text":"إحداها: أن الحمل الذي تنقضي به العدة ما [يكون]  من الزوج فلا تنقضي عدة الرجل بولد من غيره عندنا؛ خلافاً لأبي حنيفة  وتفرض في عدة زوجة الصبي الذي [لا]  يولد لمثله، إذا مات أو فسخ نكاحه بسبب، فإذا ولدت عن الزنا، أو أتت امرأة البالغ بولد لأقل من ستة أشهر من وقت النكاح، لا تنقضي به العدة  [وأما الحمل المنفي باللعان على قول تجويز نفي الحمل باللعان تنقضي به العدة]  هذا ما أطبق عليه الأصحاب ؛ لأن القول في الولد قولها، وهي تقول إن الولد من الزوج، واللعان لا (ينقطع)  به وأما الخصي والمجبوب إذا أتت امرأتاهما بولد، إن كان يلحقهما، تنقضي به العدة، وإلا فلا  وقد ذكرنا القول في اللحوق في كتاب اللعان \rوالثانية: إذا ألقت المرأة جنيناً، إن بدا عليه التخطيط انقضت العدة [به] ، وتعلق به أحكام الولد خفيًّا كان أو جلِيًّا وقد يكون بحيث تدركه القوابل، وإن كنا لا ندركه حسًّا، فالاعتماد على قولهن وإن كانت علقة فلا حكم لإلقائها، وإن قالت القوابل إنها أصل الولد؛ لأن ذلك مما لا يعرف يقيناً، وإن عرف يقيناً فلا يثبت لمثله حرمة \rوإن كان لحماً، ولم يبد فيه تخطيط خفيّ ولا جليّ، فقد نص الشافعي على انقضاء العدة به، وقد نص على أن الاستيلاد لا يثبت بمثله، وأنه لو ضرب بطن حامل، فألقت حملاً فلا غرة  فاختلف الأصحاب على طريقين: منهم من أجرى المسائل على قولين بالنقل والتخريج ، ومنهم من فرق بأن العدة منوطة في نص القرآن بوضع الحمل، وهذا حمل، والمقصود منه براءة الرحم؛ بخلاف العلقة، فإن  اسم الحمل لا يتناولها وأما الغرة فبدل مولود، والاستيلاد منوط بأمية الولد، ولم يثبت لهذا اسم الولد وهذا الكلام في لحم يعلم أنه أصل الولد \rثم للمذهب تفصيل في أنها إذا ادعت وضع الحمل، هل يقبل قولها كما في العدة  وقد ذكرناه في كتاب الرجعة ","part":1,"page":14},{"id":1657,"text":"المسألة الثالثة: أن الحامل  إذا رأت الدم على أدوار الحيض، هل يعطى له حكم الحيض وفيه قولان مذكوران في كتاب الحيض ، ولا يبين أثره في العدة؛ لأن العدة لا تنقضي إلا بوضع الحمل  نعم، لو نكح حاملاً من الزنا، وطلقها وهي ترى الأدوار، فهل تنقضي عدتها بذلك فيه   وجهان لا يخفى مأخذهما \rالمسألة الرابعة: إذا ارتابت المعتدة بالأقراء بعد انقضاء الأقراء، في كونها حاملاً، فإن ظهر الأمر على وجه يقال في مثلها إنها حامل، فليس لها أن تنكح، وإن (كان الحمل في أصل الحبلة لا يستيقن)  وإن لم ينته إلى هذا المبلغ، ولكنها استشعرت ثقلاً، وتوهمت حملاً، فهذه هي المرتابة فلو نكحت قبل زوال الريبة، فالمنصوص في المختصر: أن النكاح موقوف ، ونص في موضع آخر أن النكاح باطل  فاختلف الأصحاب؛ منهم من قال: قولان، واختلفوا في أصلهما، منهم من قال: أصله وقف العقود، (كما)  ذكرناه فيما إذا باع [مال]  أبيه على ظن أنه حي، ثم يتبين أنه ميت، فكذلك ههنا؛ إن تبين الحمل بطل، وإن تبين الحبال  خرّج على القولين ومنهم من قال: هذا البناء باطل؛ فإنه جرى ما هو مسلّط على النكاح ظاهراً، وهو انقضاء العدة، فمأخذه: أن من شك بعد الفراغ من الصلاة في ركعات الصلاة، هل يلزمه تداركها فيه قولان، ووجه الشبه ظاهر وإذا بنينا على هذا الأصل فرقنا بين الارتياب قبل مضي العدة وبعدها، وإن بنينا على الأصل الأول لم نفرق بينهما؛ إذ الوقف مستنده التردد في كل حال ومن أصحابنا من قال: إذا بان الحبال، كان النكاح منعقداً على قطع؛ بخلاف مسألة الوقف؛ لأن النكاح استند إلى ظاهر، وإنما (الريبة)  خطرة لا تعويل عليها ","part":1,"page":15},{"id":1658,"text":"المسألة الخامسة: لا يتعلق انقضاء العدة إلا بوضع تمام الحمل، فلو كان [البطن]  يشتمل على توأمين لم تنقض بأحدهما، ولا تنقضي بانفصال بعض الولد، والولد الذي انفصل بعضه، حكمه حكم الجنين في نفي التوريث، وتسرية العتق إليه من الأم، وبقاء الرجعة في العدة، ووجوب الغرة عند الجناية، والتبعية في الهبة والبيع، وغير ذلك من الأحكام وقال بعض أصحابنا: إذا صرخ واستهل، فقد استيقناه، فثبت له أحكام المنفصل في إيجاب القصاص على قاتله بالجناية عليه، وفي تكميل الدية وسائر الأحكام وهذا منقاس، وقد عزي إلى القفال، ولكنه بعيد (من)  المذهب، ثم لا جريان له في أمر العدة، فإنه في حكم الجنين فيه ؛ إذ المقصود الوضع، ولا يحصل إلا (بالانفصال)  \rالمسألة السادسة: إذا قال لها: إن ولدتِ فأنتِ طالق، فولدت، طلقت وشرعت في العدة فإذا أتت بولد لدون ستة أشهر من وقت الولادة انقضت العدة [به]  وإن كان بعد ستة أشهر، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه تنقضي؛ لاحتمال أن يكون من الزوج بوطئ شبهة، فصار (كالولد)  المنفي باللعان والثاني: أنه لا تنقضي؛ لأن الولد المنفي باللعان، يجوز أن يكون العلوق به في صلب النكاح، وهذا قد جرى العلوق به بعد النكاح [قطعا] ، وتقدير الوطء بالشبهة لا أصل له والثالث: [أنها]  إن ادعت وطئاً محترماً عليه، انقضت العدة، وإن كان القول قوله في نفي الولد، ولكن نفيه لا يقطع إمكان صدقها، وإن لم تذكر ذلك (لم تنقض)  العدة به \rالمسألة السابعة: إذا أتت المعتدة بعد انقضاء العدة بولد لزمان يحتمل أن يكون العلوق به من النكاح: لحق النسب، وتبين أن العدة لم تكن منقضية، وأنها أخبرت عن ظن؛ خلافاً لأبي حنيفة ","part":1,"page":16},{"id":1659,"text":"ومدة الاحتمال أربع سنين، فهو أقصى مدة الحمل عندنا ، وعند أبي حنيفة سنتان ، وأقل مدة الحمل ستة أشهر ثم إنا  نعتبر أربع سنين من وقت الطلاق إذا كان الطلاق بائناً ، وإن كان رجعيًّا فقولان، أحدهما: الاعتبار من وقت انقضاء العدة؛ لأن الرجعية منكوحة، وعقد النكاح مطرد والثاني: أنه يعتبر من وقت الطلاق؛ لأنها في العدة محرمة  على الزوج، معتزلة عنه \rالتفريع: إن اعتبرنا المدة من وقت انقضاء العدة، فلو أتت بولد بعد الطلاق لأكثر من عشر سنين فصاعداً، لحق الزوج؛ لأن أقصى مدة العدة تنتهي بتباعد الحيض إلى آمادٍ طويلة، ونحن نكتفي في إلحاق النسب بالاحتمال ومن أصحابنا من استعظم هذا، فقال: تحسب العدة ثلاثة أشهر، وتعتبر بعدُ أربع سنين، فلا تزيد  عليه ؛ (إذ الغالب)  انقضاء العدة في ثلاثة أشهر وهذا ضعيف؛ لأن الغالب لا يقطع الاحتمال  وقد غلَّط المزني الشافعي قإذ نقل عنه أنه قال: فلو أتت بولد لأربع سنين، انتفي عنه باللعان وقال المزني: هو منفي من غير لعان  والأمر كما قال المزني، والغلط في نقله  عن الشافعي   لا من الشافعي \rفرع: لو أتت بولد في صورة لا يلحقه، فادعت جريان سبب من رجعة، أو نكاح جديد، أو وطء شبهة، فالقول قوله في نفي ذلك النسب، ولا حاجة به إلى اللعان ولو نكل فهل ترد اليمين عليها فيه اضطراب نبهنا عليه في كتاب اللعان ، والظاهر: أنه ترد اليمين عليها ","part":1,"page":17},{"id":1660,"text":"المسألة الثامنة: إذا أتت بولد بعد انقضاء العدة والشروع في نكاحٍ ثانٍ مع رجل، فإن لم يحتمل أن يكون من الثاني، واحتمل أن يكون من الأول، تبين به بطلان النكاح، والتحق بالأول، وإن لم يحتمل أن يكون منهما انتفى عنهما، وإن احتمل أن يكون منهما، ولا يخفى تقدير المدة بحسب هذه الاحتمالات، فالولد يلحق بالثاني؛ لأن إلحاقه بالأول يوجب إبطال نكاح جرى الحكم بصحته، والنكاح الثاني ناسخ للنكاح الأول، فهو مترجح  فأما إذا كان النكاح الثاني نكاحاً فاسداً، بأن جرى في أثناء العدة على ظن انقضائها، فإذا احتمل أن يكون الولد منهما، عرضنا الولد على القائف، فإن ذلك لا يؤدي إلى إبطال نكاح صحيح، وينزل منزلة ما لو وطئت المنكوحة بالشبهة، فأتت بولد، وتردد بينهما، عرض على القائف \rثم [الفراش الذي يبنى عليه الاحتمال في النكاح الفاسد بماذا يثبت الظاهر أنه يثبت بالوطء، و]  قال القفال الشاشي : يثبت بالعقد  ومثل هذا الخلاف جارٍ في انقطاع هذا الفراش أنه بآخر وطأة أو بالتفريق  وهذا الخلاف يلتف على أن العدة هل تنقضي مع محاضرة  الزوج الزوجة على ما سيأتي وعلى هذا يخرج الخلاف في أن لحوق الولد بالزوج في النكاح الفاسد هل يتوقف على إقراره بالوطء كما في ملك اليمين، أو يكتفى بمجرد العقد كما في النكاح الصحيح \rثم إذا أخرجناه إلى إقرار بالوطء، فهل ينتفي عنه بدعوى الاستبراء الظاهر الذي [تشير]  إليه نصوص الشافعي أنه لا ينتفي؛ إذ نص الشافعي على جريان اللعان في النكاح الفاسد مع أنه حجة ضرورة  ومن أصحابنا من أبعد، وحكم بالانتفاء بدعوى الاستبراء، كما في ملك اليمين \rالمسألة التاسعة: في الاختلاف:","part":1,"page":18},{"id":1661,"text":"إذا قال الزوج: طلقتك بعد الولادة، وأنت معتدة، ولي الرجعة، وقالت: طلقت قبل الولادة، وقد انقضت العدة، ولا رجعة، وجرى الاختلاف على إبهامٍ من غير تعيين وقت، فالقول قوله؛ إذ الأصل بقاء سلطان النكاح وكذلك لو اتفقا على أن الولادة جرت يوم الجمعة، وقال الزوج: طلقت يوم السبت، وأنت معتدة، وقالت: بل طلقت يوم الخميس، فالقول قوله في وقت الطلاق، والأصل بقاء الرجعة  ولو اتفقا على أن الطلاق جرى يوم الجمعة، واختلفا في وقت الولادة بحسب غرضيهما، فالقول قولها؛ فإنها مؤتمنة في الولادة، وهي أعرف بها، والأصل عدم الولادة قبل الطلاق ولو اتفقا على إشكال الأمر، فالأصل بقاء الرجعة واستمرار سلطانها وهذا الإشكال لا يقطع الرجعة نعم، الورع أن لا يرتجعها \rولو قالت المرأة: أنا أعلم تراخي الولادة، وقال الزوج: لا أدري، قلنا له: [ادعت]  أمراً جازماً فأجبها، وإلا عرضنا اليمين عليه، وجعلناه ناكلاً فإن قال: كيف أحلف على ما لا أعلم، وكيف تحكمون علي بالنكول، ولست متمكناً من اليمين قلنا: لا نحكم بالنكول، إنما نحكم بيمين الرد، ودعوى (الجهل)  لا تحسم هذا الباب؛ فإن هذا يتمكن منه كل مدعى عليه \rفأما إذا قالت: أنا لا أدري بالسابق من الأمرين، ولكن (أطالب)  الزوج بالبيان، ولا أمكنه من الرجعة قبله، لم يكن لها ذلك؛ لأن الزوج على حق الارتجاع إلى أن تأتي [هي]  بدعوى صحيحة، وما أتت به لا صحة له  \r\rالباب الثاني: في عدة الإماء","part":1,"page":19},{"id":1662,"text":"قال الشافعي رحمه الله: وقد فرق الله تعالى [بين]  العبيد والأحرار، والقول الجامع فيه أن الأحكام على الانقسام، (فمنها)  ما يستوي فيه الرقيق والحر، نحو وظائف الصلاة، والعبادات، كالصيام، والإسلام، وكثير من العقوبات كالقصاص، وقطع السرقة، ومنه العدة بوضع الحمل، ومن الأحكام ما لا مدخل للعبيد فيه أصلاً، كالولايات، والشهادات، والمواريث، وافتراض الجمعة، وحجة الإسلام ومنها ما يشترك الحر والعبد في أصله، ولكن يختلفان في كيفيته، فهذا ينقسم إلى ما ينقسم في نفسه بالتنصيف  على التساوي، فالعبد فيه على النصف، كالحد بالجلد، والقسم في النكاح ومنها ما لا يتنصف، كالطلقات الثلاث والأقراء، فيكمل فيه المبعض ، فتعتد الأمة بقرئين، ويطلق العبد طلقتين  وقال داود : تعتد الأمة بثلاثة أقراء  وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تعتد الأمة بحيضتين))  وإنما ذكر الحيض لدلالته على الطهر\rفأما إذا كانت الأمة من ذوات الشهور، ففيه قولان مشهوران: أحدهما: أنها تعتد بشهر ونصف؛ لأن ذلك يقبل التجزئة، والثاني: أنها تعتد بشهرين بدلاً عن القرئين؛ فإن ذلك قد تأصل، فلا ينظر إلى سببه وقد نص الشافعي في أم الولد إذا أعتقت على قولين، أحدهما: أنها تستبرأ بشهر واحد بدلاً من عن قرء واحد  والثاني: أنها تستبرأ بثلاثة أشهر؛ لأنها أقل مدة تدل على براءة الرحم ، وما يتعلق بالجبلة لا تختلف بالرق والحرية، فخرج من هذا في الأمة المنكوحة قول ثالث أنها تعتد بثلاثة أشهر، فتحصلنا على ثلاثة أقوال ","part":1,"page":20},{"id":1663,"text":"فرع: إذا أعتقت الأمة في أثناء العدة، فإن كانت بائنة، نص في القديم على أنها تقتصر على عدة الإماء، ونص في الجديد على قولين [وإن كانت رجعية نص في الجديد أنها تكمل عدة الحرائر، ونص في القديم على قولين] ، فاجتمع من مجموع النصوص ثلاثة أقوال توجيه الإكمال، وهو اختيار المزني ، أن المغير طرأ قبل انقضاء العدة، فصار كالحيض إذا طرأ في الأشهر ولأن في العدة مشابة العبادات، فالنظر فيه  إلى حال الكمال وقول الاختصار يتوجه بالتشبيه بالحد، اعتباراً فيه بحالة الوجوب؛ لأنه ذو عدد محصور يختلف بالرق والحرية وتوجيه الفرق أن الرجعية في حالة الزوجية، ولذلك تنتقل إلى عدة الوفاة، فلتنتقل إلى عدة الحرائر، بخلاف البائنة \rفرع: إذا وطئ حرة على ظن أنها أمة، اعتدت بثلاثة أقراء، ولو وطئ أمة على ظن أنها حليلته الحرة، ففيه وجهان، أحدهما: أنها تعتد بقرئين نظراً إليها والثاني: بثلاثة أقراء نظراً إلى ظنه، وللظن أثر كما في العدة  [هذا تمام الغرض من هذا الباب]  والله أعلم\r\rالباب الثالث: في تداخل العدتين عند تعدد أسبابهما","part":1,"page":21},{"id":1664,"text":"والسبب الذي يفرض تعدده هو الوطء أو الطلاق أما إذا كان السبب هو الوطء، مثل أن طلقت امرأة، فشرعت في العدة، فوطئت بالشبهة قبل انقضاء العدة، فإن كان الواطئ هو الزوج، فالعدة واجبة [له] ، فالعدتان تتداخلان من شخص واحد إذا (كانتا متفقتين) ؛ مثل أن تكون حائلاً  من ذوات الأقراء، أو من ذوات الأشهر ومعنى التداخل أنه لو مضى قرء من العدة، فوطئها الزوج، احتسبت  بالقرأين الباقيين عن العدتين، ودامت الرجعة وجميع أحكام الزوجية إلى انقضاء القرئين، ثم تأتي بقرء ثالث بعد انقضائهما، فما يقع (مشتركاً)  تتأدى به العدتان، والمعني بتداخلهما هذا وعلى الجملة، لا بد من التربص بعد الوطء بثلاثة أشهر أو ثلاثة أقراء، ولكن ما بقي من العدة الأولى يقع مشتركاً، وتتمحض البقية هذا هو التقدير الصحيح  ومن أصحابنا من قال: عدة الطلاق تنقضي متمحضاً من غير تقدير تداخل، ولكن تلك البقية تجب بعد انقضائها عن جهة وطء الشبهة، (وهي)  موجبها لا غير وهذا فاسد؛ فإن هذا القائل ذهب إلى أنه لو لم يكن بقي إلا نصف قرء، فهو الموجب لا غير، وهذا هدم  الأصول؛ إذ لا عهد بوجوب نصف قرء بحال  وأشار القاضي إلى تقدير آخر، وهو أن (عدة)  الطلاق تنقطع بالوطء بالشبهة، فهذه عدة مستفتحة متمحضة للوطء بالشبهة لا تداخل فيها \rوهذا ضعيف من وجهين: أحدهما: أن عدة النكاح أقوى (من)  عدة الوطء العري عن النكاح، وقطع الأقوى بالأضعف محال والثاني: أن مساق هذا المذهب الحكم بانقطاع الرجعة ولو قيل به لكان خرقاً للإجماع ، فيقال: الرجعة تدل على بقاء عدة الطلاق، فدل أن التقدير الصحيح فيه التداخل كما ذكرناه  هذا كله إذا اتفقت العدتان","part":1,"page":22},{"id":1665,"text":"فأما إذا اختلف جنسهما بأن كانت حائلا في عدة الطلاق، فوطئ بالشبهة فأحبلها ، أو كانت حاملاً  في عدة الطلاق، فوطئها، فإحدى العدتين بالحمل، والأخرى بالأقراء، ففي تداخلهما وجهان مشهوران: أحدهما: التداخل كالمتفقين والثاني: أن التداخل يليق بالمتفقات كالحدود المتفقة  فإنها تتداخل دون المختلفة \rالتفريع: إن قلنا بالتداخل: فسواء طرأ الحمل أو طرأ الوطء على الحمل، فتتمادى العدة إلى وضع الحمل، وحكمه حكم عدة الطلاق في الرجعة وسائر الأحكام، فلا تنفصل إحدى العدتين عن الأخرى وإن فرعنا على أنهما لا تتداخلان، نُظِرَ، فإن طرأ الوطء على الحمل، تراخت عدة الوطء إلى وضع الحمل، ودامت الرجعة إلى وضع الحمل؛ لأنها  عدة الطلاق، فإذا وضعت استقبلت بثلاثة  أقراء العدة الوطء لا رجعة فيها أصلا \rوعلى هذا لو كانت ترى الدم في مدة الحمل على أدوار الحيض، ولم يثبت له حكم الحيض، فلا أثر له وإن قلنا إنه حيض؛ قال الشيخ أبو حامد: تنقضي عدة الشبهة بصورة الأقراء؛ لأنا لا ننفي التداخل مع اتحاد الشخص إلا لرعاية تعبد محض، وذلك يحصل بصورة الأقراء وصحح القاضي هذا، ولم يحك غيره، فتنقضي عدتان مختلفتان في وقت واحد لوجود صورة الأمرين وقطع الشيخ أبو محمد بأن صورة الأطهار لا تكفي؛ لأن المعتبر طهر يمكن أن يكون دليلا على البراءة، وإن كنا لا نتبع البراءة، فلا سبيل إلى الإخلال بإمكان الدلالة ولذلك لو وطئها وهي حامل، ولم تر الدم، لم يكتف ببقية المدة في وضع الحمل وإن كنا نعلم حصول البراءة به ","part":1,"page":23},{"id":1666,"text":"فأما إذا كانت حائلاً في عدة الطلاق، وأحبلها بوطء الشبهة، وقلنا لا تتداخلان، انقطعت عدة الطلاق؛ إذ الحمل أقوى لا محالة، فإذا وضعت الحمل، شرعت في بقية عدة الطلاق، وثبت للزوج عليها الرجعة في تلك البقية  وهل تثبت الرجعة قبل الشروع في تلك البقية وجهان مشهوران، أحدهما: [أنه]  لا تثبت؛ إذ الرجعة لا تثبت إلا في عدة الطلاق، وهي الآن معتدة لا من الطلاق والثاني: أنها تثبت؛ لأنها ملتزمة تلك البقية، وإليها مصيرها، فالالتزام كافٍ في إثبات الرجعة  وعلى ثبوت الرجعة (ونفيها)  ينبني حكم الميراث والظهار والإيلاء، وجملة أحكام الرجعية في هذه الحالة ثم مهما راجعها أو جدد النكاح عليها إذا كانت بائنة، وجواز التجديد في النكاح [لا]  يختص بعدة الطلاق، فتنقطع العدة؛ لأنها صارت مردودة إليه، فكيف تكون معتدة عنه وهذا لا خفاء به هذا كله في تداخل العدتين من شخص واحد \rفأما إذا صدر الوطء من أجنبي: فلا تداخل عندنا ؛ خلافاً لأبي حنيفة  ووجه الفرق ذكرناه في مآخذ الخلاف ثم لا تخلو العدتان إما أن اتفقتا أو اختلفتا، فإن كانتا متفقتين نظر، فإن سبق عدة الزوج بأن طلقها، ثم وطئها الواطئ، استمرت في عدة الزوج، فإذا استتمت استقبلت عدة الوطء بعدها، فللزوج مراجعتها قبل مضي عدة الطلاق وإذا راجعها انقضت عدته، وشرعت في عدة الوطء \rولو كانت بائنة، فليس له أن يجدد النكاح عليها إذا انقضت عدة الطلاق، وشرعت في عدة الشبهة؛ لأن النكاح صادف عدة الغير  وهل له أن يجدد النكاح قبل الشروع في عدة الشبهة وجهان: أحدهما: أن ذلك جائز؛ لأنه لا يصادف في الحال عدة الشبهة، فإنها في عدته، فصارت كالرجعية والثاني: لا يجوز؛ لأنه لو صح لاستعقب النكاح عدة الوطء بالشبهة، ولحرم  الاستمتاع من كل وجه، وذلك لا يحتمل في النكاح، وإن احتمل في الرجعة وذلك كرجعة المحرم ونكاحه ","part":1,"page":24},{"id":1667,"text":"فأما إذا كان عدة الأجنبي سابقة: بأن وطئها بالشبهة، وشرعت في العدة، فطلقها الزوج، فهل تستمر في عدة الوطء بالشبهة وجهان: أحدهما: أنها تستمر؛ لقوة السبق والثاني: أنها تنقطع، وتنتقل إلى عدة الطلاق؛ لقوة النكاح  فإن حكمنا بالانتقال استتمت عدة الطلاق، ورجعت إلى بقية عدة الشبهة، واستكملتها؛ بناءً على ما تقدم ولا شك في جواز الرجعة قبل التشاغل بعدة الشبهة وفي جواز النكاح الخلاف السابق \rوإن قلنا إنها تستمر في عدة الشبهة، فإذا انقضت، شرعت في عدة الزوج، وله الرجعة عند ذلك وفي جواز الرجعة قبل ذلك خلاف قدمناه؛ مستنده التزام العدة في الذمة وأما النكاح ابتداءً، فيمتنع ما دامت في بقية  عدة   الشبهة، وإن كانت الرجعة لا تمتنع  هذا كله إذا كانت العدتان من شخصين، وهما متفقتان\rفأما إذا اختلفتا بأن كانت إحداهما  بالأقراء والأخرى  بالحمل، فعند هذا يبطل النظر إلى السبق؛ فإن العدة بالحمل لا (دفع)  لها، وهي مقدمة، سواء كانت من الزوج أو [من]  الأجنبي، سابقاً كان أو لاحقاً \rثم النظر في كيفية انقطاع العدة، والانتقال  منها، وانقطاع الرجعة بها كما ذكرناه في العدتين المختلفتين من شخص واحد، إذا قلنا إنهما لا تتداخلان نعم، هذا يفارقه في ثلاثة أمور:","part":1,"page":25},{"id":1668,"text":"أحدها: أنه إذا راجعها في هذه الصورة، حيث تثبت له الرجعة، وكانت حاملاً من الآخر ، حرم الوطء وإن كانت حاملاً منه، وقد بقي عليها عدة الوطء بالشبهة، إما تمامها أو بعضها على ما يقتضيه التصوير، ففي حل الوطء وجهان: أحدهما: الجواز ؛ إذ لا عدة عليها في الحال ما لم تضع حمل الزوج والثاني: المنع؛ لأنها على علقة من التزام العدة، ويقبح في الشرع التسليط على الوطء مع لزوم العدة عن وطء آخر و [مثل]  هذا الخلاف يجري في الحامل من الزوج في صلب النكاح إذا وطئت بالشبهة في أن الزوج هل يطؤها في زمان الحمل؛ لمكان أنها لا تشتغل بالعدة إلا بعد وضع الحمل \rالأمر الثاني: أنها لو رأت صور الأقراء في مدة الحمل، ورأينا الاكتفاء به في حق شخص واحد حتى تنقضي العدتان، في وقّت واحد [بجهتين]  على ما اختاره الشيخ أبو حامد قال القاضي: قياسه الاكتفاء به في حق شخصين بجهتين أيضاً وهذا ضعيف في الأصل نبهنا عليه، وهو في حق شخصين أضعف؛ لأن هذا تصريح بالتداخل في حق شخصين، هو بعيد عن أصل مذهب الشافعي رحمه الله \rالأمر الثالث: أن الطلاق لو كان بائناً، وأراد أحدهما نكاحها، إما الزوج أو الأجنبي، فليس لأحدهما عقد النكاح عليها في حالة هي ملابسة لعدة صاحبه، ويصح عقد النكاح في حالة هي ملابسة لعدة الناكح  بشرط أن لا تكون ملتزمة لعدة غيره من بعده  وإن كانت معترضة للعدة من بعد فصحة النكاح يبنى على الخلاف في أنه لو جرت الرجعة في مثل هذه الحالة، وكانت العدة متراخية بسبب الحمل من المرتجع، فهل يحل الوطء إن حرمنا الوطء، فالنكاح هل يمتنع فيه وجهان قدمنا مأخذهما وإن قلنا يحل الوطء للمرتجع، فالظاهر صحة النكاح؛ لأنه يستعقب حلاًّ وفيه وجه؛ لأن مصيرها إلى التحريم لوجوب  العدة، وهو ضعيف ؛ هذا كله في عدة المسلمين","part":1,"page":26},{"id":1669,"text":"فأما العدة من حربيين: فقد نص الشافعي في التعريض بالخطبة على أن الحربي إذا طلق زوجته، فوطئها حربي في نكاح، وطلقها، فلا يجمع عليها بين عدتين  فاختلف أصحابنا؛ فمنهم من قال: قولان: أحدهما: أنه لا تتداخل؛ إذ عدة الحربي في اقتضاء الفساد كعدة المسلم، ولذلك لو نكح معتدة، فأسلم عليها، والعدة باقية، اندفع النكاح والثاني: أنهما تتداخلان؛ إذ حرمة الحربي لا تتأكد، فيراعى أصل العدة ثم هم بجملتهم في حكم شخص واحد، فتتحد العدة وهذا ضعيف ومن أصحابنا من قال: لا يجمع بين عدتين، لا بعلة التداخل ، ولكن (بعلة)  انقطاع عدة الأول؛ فإن حقوق الحربيين متعرضة للانقطاع بالاستيلاء، فإذا استولى حربي على حربية، وألمّ بها، انقطع عدة الأول؛ إذ ينقطع نكاحهم بالاستيلاء، فلا يبعد انقطاع عدتهم، فحمل نص الشافعي على هذا التنزيل \rفإن قال قائل: بينتم مسائل تعدد العدة في شخصين على استيقان الحمل، وكونه من أحدهما بماذا يستيقن ولو أشكل فما حكمه قلنا: إنما يستيقن بالنظر إلى أقل مدة الحمل وأكثره، فإذا أتت به [لأكثر من أربع سنين من وقت الطلاق، ولأقل من ستة أشهر من وقت الوطء بالشبهة، فهو من الواطئ، وإن كان لأقل من أربع سنين من وقت الطلاق، ولأقل من ستة أشهر من وقت الوطء، فهو من الزوج ]  وإن أتت به لأكثر من أربع سنين من وقت الطلاق، ولأقل من ستة أشهر من وقت الوطء، فهو منتف عنهما ","part":1,"page":27},{"id":1670,"text":"ولكن هل تنقضي به عدة أحدهما على الإبهام هذا يبنى على أنه لو أتت المطلقة بولد من وقت الطلاق لأكثر من أربع سنين، وحكمنا  بالانتفاء عن الزوج من  غير لعان، هل (تنقضي)  به عدة الزوج والمسألة مفروضة حيث لا واطئ سوى الزوج ولا تردد، فظاهر النظر [يقتضي]  أن لا تنقضي به العدة، إنما تنقضي بالحمل إذا كانت منه العدة ولكن اتفق الأصحاب على أنه تنقضي العدة بوضع الحمل المنفي باللعان؛ تعويلاً على الاحتمال وههنا لا يمكن إنكار الاحتمال بتقدير وطء بالشبهة،  فتنقضي العدة هذا ما اختاره الشيخ أبو حامد، وقال: إنما لا تنقضي عدة زوجة  الصبي بوضع الحمل؛ لأنه لا يحتمل أن يكون منه، وكذلك  لا يتصور استلحاقه، وفي مسألتنا يتصور استلحاقه أيضاً \rومن أصحابنا من قال: لا تنقضي العدة (بهذا الحمل) ، فإنه منتف دون اللعان، وإنما تنقضي [العدة]  بولد لاحقٍ، أو ولد متعرض للحوق لولا اللعان، والأول أفقه \rرجعنا إلى مسألتنا:\rفإذا لم يحتمل أن يكون الولد منهما، ففي انقضاء عدة أحدهما على الإبهام، هذا التردد بعينه فأما إذا احتمل أن يكون الولد منهما جميعاً، فيعرض على القائف، فإن ألحق بأحدهما ثبت نسبه، وانقضت عدته بوضع الحمل دون عدة صاحبه، ولا نظر إلى الاحتمال (الثاني)  بعد حكم القائف، فحكم القائف يفيد فائدة اليقين في العدة وسائر الأحكام فإن عدمنا القائف، أو أشكل عليه، أو ألحق بهما، فلا بد من الحكم بانقضاء إحدى العدتين على الإبهام في هذه الصورة عند وضع الحمل؛ لأن الحمل لا يعدوهما بحكم الشرع، فهو من أحدهما، وقد أشكل (علينا)  فإذا وضعت الحمل، تربصت بثلاثة أقراء، وتحللت عن العدتين  ويتشعب عن هذا الإشكال النظر في أمور ثلاثة:-","part":1,"page":28},{"id":1671,"text":"أحدها: (الرجعة: فإن راجع)  في مدة الحمل، وقلنا إن الرجعة في عدة الوطء بالشبهة صحيحة إذا كانت عدة الزوج مستحقة في ذمتها، فالرجعة صحيحة؛ لأنها على الاحتمالين محكوم بصحتها، وإن لم تصحح الرجعة في حال العدة من وطء الشبهة، فلا طريق له إلا أن يرتجع مرة قبل وضع الحمل، ومرة بعد وضعه فلو اقتصر على أحدهما، لم يستفد به شيئاً؛ لتعارض الاحتمال فيه نعم، لو اقتصر على رجعة في حال الحمل، وألحق القائف الولد به، ذكر العراقيون في صحة الرجعة وجهين؛ لما فيه من الوقف، والأصح  الصحة والتردد إنما يحسن في النكاح \rالثاني: تجديد النكاح عليها إذا كانت بائنة، ولا تستفيد من نكاح واحد في أحد الحالين حِلاً؛ لاحتمال أنه صادف عدة الغير  ولو عقد نكاحين، أحدهما قبل الوضع، والثاني بعده، فقد صادف أحد النكاحين عدة الزوج، ففي الحكم بصحته وجهان، أحدهما: الصحة كالرجعة، والثاني: الفرق بأن الرجعة تقبل الوقف وأموراً لا يحتملها النكاح ولذلك تصح  على الصحيح رجعة المحرم، ولا يصح نكاحه \rالثالث: أمر النفقة إذا كانت بائنة حاملاً، فإنها تستحق النفقة على الزوج إن كان منه، وإن كان من الواطئ بالشبهة، فعلى قولين مبنيين على أن النفقة على الزوج للحمل أو للحامل وإذا كان الأمر مشكلاً لا يطالب واحد منهما بالنفقة؛ لاحتمال أن الولد من غيره فإذا وضع، وألحق القائف بالزوج، فيطالب بالنفقة مدة الحمل، وإن ألحقه بالواطئ بالشبهة، لم يطالب؛ لأنا على قول لا نوجب النفقة أصلا في مدة الحمل وإن كان منه وعلى القول الثاني نوجب للحمل، فهو نفقة قرابة، وذلك يسقط بمضي الزمان ","part":1,"page":29},{"id":1672,"text":"فإن قيل: وهلاّ أخرجتم مطالبة الزوج بعد الوضع، وإلحاق القائف به على القولين، وقلتم: إذا قلنا إن النفقة للحمل، فقد سقطت بمضي الزمان قلنا: هذا من مشكلات المذهب، وسببه أنا قطعنا بوجوب النفقة على الزوج مع أنها بائنة، ولم نخرج على أن النفقة للحمل أو  للحامل  وسننبه عليه في كتاب النفقات إن شاء الله عز وجل\rفروع:\rالأول: هو أن المنقول عن الأصحاب أن عدة المرأة لا تنقضي إذا كان الزوج يعاشرها معاشرة الأزواج فقال المحققون: هذا خارج عن القياس؛ لأن العدة تنبني على مضي المدة، وقد يجب (فيها)  الحداد وملازمة المسكن والانعزال ثم كل ذلك لو تركته المرأة، وكانت تبرز، وتخالط الزناة والأجانب، لم يمتنع انقضاء العدة، فكيف يمتنع بمعاشرتها الزوج قال القاضي: هذا ليس يلفى منصوصاً   للشافعي، لا في المختصرات، ولا في المبسوطات ولم يفرق الأصحاب بين الرجعية والبائنة  وأنا أقول: لا يمتنع انقضاء عدة البائنة بمخالطة الزوج؛ لأنه أجنبي منها، فهو كالأجانب وإن كانت رجعية، يمتنع انقضاء العدة؛ لأنها منكوحة في خمس آي من كتاب الله تعالى، وانقضاء عدتها في صلب النكاح بعيد، فلا بعد أن يعتبر فيها الانعزال عن الزوج حتى تعتد بالعدة مع استمرار الزوجية وهذا فقيه، ولكن الاحتمال قائم \rفإن قيل: وما معنى المعاشرة قلنا: ما عنى الأصحاب به الوطء؛ إذ لو  أرادوه لصرحوا به؛ بل يكفي فيه الخلوة، ولا يكفي دخول دار [هي]  فيها، ولا يشترط [فيها]  تواصل الخلوة؛ فإن ذلك مما لا يعتاد؛ بل لو كان يخلو بها الليالي، ويفارق في الأيام، اتبع  به العدة؛ لأن هذا هو المعتاد ولو طالت مدة المفارقة، ثم اتفقت خلوة، لم تحسب مدة الخلوة، وحسبت من العدة هذه المفارقة ولكن تتفق خلوات بعد تخلل أزمنة طويلة، فلا سبيل إلى تلفيق (مدة)  المفارقة  وهذا تفريع مضطرب جره خروج الأصل عن القياس","part":1,"page":30},{"id":1673,"text":"الثاني: أن العدة في [نكاح الشبهة]  تحسب من وقت التفريق، أو من آخر وطئة فيه قولان ذكرناهما فإن قلنا من وقت الوطء الآخِر، لزم على مساقه الحكم بأنها كما فرغ الزوج من الوطء، شرعت في العدة، فلو لم يطأها حتى مضت المدة، فقد تمت العدة ولو وطئها انقطعت تلك العدة، واستفتحت عدة أخرى ولكن هذا لا قائل به، فما دام يعاشرها الزوج، فلا يحكم بالشروع في العدة وهذا يؤكد ما ذكرناه مذهباً في الفرع الأول  ولكن يقال: [إن]  لم يجر في علم الله تعالى أنه رجع  إلى وطئها، فالعدة محسوبة، وإن جرى في علم الله ، فلا نحكم بالعدة، وجزم الحكم به في الحال ممتنع وإن قلنا عدتها من وقت التفريق، فلو كان يعاشرها بعد التفريق مع العلم بالتحريم، فهذا لا يمنع انقضاء العدة؛ لأنه في مقام الزناة وهذا يدل على أن الزوج لو كان [يخالط]  البائنة على علم، لم يمتنع انقضاء العدة، وإن كان على ظن، امتنع كما امتنع ههنا انقضاء العدة قبل التفريق على هذا القول؛ لأجل المخالطة وأما الرجعية فمخالطتها على الشبهة أبداً؛ لأنها مستحلة على بعض المذاهب، وعلقة العقد (قائمة)  عندنا أيضاً \rفإن قيل: وما معنى التفريق المعتبر على هذا القول  التفريق بالجسد أم انجلاء الشبهة [قلنا: هذا محتمل، والظاهر أنه انجلاء الشبهة]  لأنها إذا انجلت، فمخالطتها مخالطة الزناة، وقد بينا أن الذي اختاره القاضي تصرفاً على المذهب، أن مخالطة الزوج البائنة، لا يمنع انقضاء العدة عند العلم بالتحريم؛ لأنه كالأجانب، فهذا يجري مجرى [مخالطة]  الزناة ","part":1,"page":31},{"id":1674,"text":"الثالث: المعتدة عن نكاح إذا نكحت بالشبهة على ظن انقضاء العدة، وافترشها الواطئ بالشبهة، انقطعت عدة النكاح بما طرأ وفي وقت انقطاعها قولان ذكرناهما؛ أحدهما: من وقت العقد، والثاني: من وقت الوطء  ثم متى تعود إلى بقية عدة النكاح إذا انجلت الشبهة فيه قولان كما في عدة الوطء بالشبهة إذا لم يكن النكاح وارداً على عدة الزوج، والمآخذ متقاربة  وهذا إذا لم تحبل من المفترش، فإن (حبلت) ، فالحمل مقدم على عدة الزوج كما نبهنا عليه من قبل \rالتفريع: إن قلنا تنقطع  عدة الزوج بمجرد العقد، فلو لم تُزَفَّ في نكاح الشبهة، قال الإمام: تبين انقضاء عدة الزوج، وأنها لم تنقطع؛ لأن جريان لفظ النكاح على الفساد لا يناسب قطع العدة، وإنما كان يقطعها تابعاً للوطء، والتابع قد يسبق وقد يلحق فأما إذا زُفَّتْ إليه ولم يطأها؛ بل كان يخالطها حتى انقطعت، فهذا تردد وإن أفضى إلى الوطء، فيحكم بالانقطاع من وقت الزفاف على هذا القول وفي انقطاعه من وقت النكاح احتمال، والظاهر الانقطاع \rالرابع: من نكح معتدة بالشبهة، لم تحرم المنكوحة عليه على التأبيد في المذهب الجديد وللشافعي قول أنها تحرم على التأبيد ، مستنداً إلى قضاء عمر رضي الله عنه  وكان يرى في القديم تقليد الصحابة ، فمذاهبه في القديم مرجوعاً عنها، لا ينبغي أن تعدّ من المذهب \rثم قال الأصحاب: هذا القول لا جريان له في حق الزاني؛ لأن  ضابطه من حيث المعنى استعجال الحل قبل أوانه، أو خلط النسب، والنسب لا يختلط بماء الزاني؛ إذ لا حكم لمائه (أصلا)   وأطالوا التفريع على هذا القول، وهو متروك، فلا نطول الكتاب بمثله هذا كله في تعدد العدة بسبب تعدد الوطء من الزوج أو غيره ","part":1,"page":32},{"id":1675,"text":"فأما إذا تعدد الطلاق، مثل أن طلقها طلاقاً رجعيًّا، فشرعت في العدة، فراجعها، ثم طلقت قبل المسيس، فتبني على بقية تلك العدة أو تستأنف، على قولين مشهورين: أحدهما: البناء إذا طلقها طلقة بائنة، ثم جدّد عليها نكاحاً في العدة، ثم طلقها قبل المسيس، فإنها تبني على بقية العدة، ولا تستحق إلا نصف المهر عندنا؛ خلافاً لأبي حنيفة  والثاني: أنها تستأنف؛ لأنها مردودة إلى  نكاح جرى فيه وطء؛ بخلاف تجديد النكاح، فإنه لا يتضمن الرد إلى النكاح الأول \rفأما إذا طلقها في عدة الرجعة قبل الارتجاع، فقد قال الشافعي رحمه الله: من قال تستأنف في تلك الصورة، يلزمه أن يقول تستأنف ههنا  فاختلف فيه الأصحاب؛ منهم من قال: هو تفريع، فتخرج هذه المسألة أيضاً على قولين ومنهم من قال: ذكره الشافعي في معرض الإلزام والاحتجاج، فتحصلنا على طريقين: أحدهما: الفرق، والثاني: قولان مرتبان، وأولى أن لا تستأنف؛ لأن (العدة)  لم تنقطع، (والطلاق)  يؤكد العدة، ولا يقطعها ووجه الاستئناف أن الطلاق الثاني متضمن حلاً جديداً، وكل حل ينبغي أن يستعقب عدة \rوينشعب من هذا التردد فروع\rأحدها: أنه لو طلق الحامل طلقة رجعية وراجعها، وطلقها قبل وضع الحمل، فوضعت الحمل، كفى هذا على القولين؛ لأن هذه بقية تصلح لأن تكون عدة مستقلة ولو وضعت الحمل في النكاح، ثم طلقها، تعتد بثلاثة أقراء على قول الاستئناف وعلى قول البناء وجهان: أحدهما: أنه لا تربص عليها بعد الطلاق؛ إذ لا وجه للاستئناف ولا للبناء والثاني: أنها تتربص بثلاثة أقراء؛ إذ لا سبيل إلى إسقاط أصله؛ [إذ لا وجه للاستئناف ولا للبناء] ، وقد تعذر البناء، فهذا يكتفي بالقول الأول في الاستئناف ","part":1,"page":33},{"id":1676,"text":"الثاني: لو طلقها، ثم راجعها في الطهر الثالث، وانقضت بقية الطهر فطلقها في الحيض، قال القفال: قد انقضت العدة على قول البناء؛ إذ تم الطهر في النكاح قال الشيخ أبو محمد: هذا غير سديد؛ لأن المعتبر طهر يتصل بالحيض في زمان التربص، والنصف الأول من الطهر ليس قرءاً؛ إنما القرء هو النصف الأخير \rالثالث: إذا خالع الرجعية، فإن قلنا إن الخلع طلاق، فهو كالطلاق، وإن قلنا إنه فسخ، قال العراقيون: تبني ههنا، قولاً واحداً، ولا تستأنف\rوهذا لم يقبله المراوزة؛ إذ الاستئناف ههنا أولى، فإن الفسخ تضمن حلاًّ محققاً، والطلاق يتضمن حلا على تأويل وعلى الجملة، فالمذهب المرضي أن الطلاق في العدة لا يوجب الاستئناف [أصلاً] ، وما ذكره العراقيون (أجروه فيما)  إذا راجعها، ثم جرى فسخ بسبب في أنه يبني وتستأنف \rالرابع: إذا خالعها بعد المسيس، ثم جدد عليها نكاحاً، وطلقها بعد المسيس، لم يكن إلا عدة واحدة، وتندرج بقية العدة السابقة تحتها  ولو مات عنها ففي الاندراج تحت عدة الوفاة خلاف منشأه اختلاف نوع (العدة)   وهذا تمام الغرض من القسم الأول من الكتاب، وهو أحكام عدة الطلاق\r\rالقسم الثاني من الكتاب: في بيان عدة الوفاة\rوفيه أبواب: الباب الأول: فيه فصلان:\rالفصل الأول: في بيان مقدارها، وكيفيتها، وأنواعها\rونقول فيه: المتوفى عنها زوجها، إن كانت حاملاً، فعدتها بوضع الحمل على شرط أن يكون الحمل من الزوج ، فلو وضعت الحمل والزوج على السرير لحلت  هذا لفظ عمر رضي الله عنه  والأصل فيه حديث أبي السنابل ابن بعكك ، وهو معروف ، ولولاه لكان القياس رعاية أقصى الأجلين؛ فإن عدة الوفاة لا يتوقف وجوبها على سبب شاغل حتى يتقدم النظر إلى البراءة، ولكن المتبع الحديث  ثم لو ألقت سقطاً، فحكمه ما ذكرناه في عدة الطلاق ","part":1,"page":34},{"id":1677,"text":"فأما إذا كانت حائلاً  فعدتها بالأشهر أربعة أشهر وعشراً بالأهلة، مع تكميل الشهر الأول إن انكسر، ولا نظر إلى الأقراء والأمة تعتد بشهرين وخمسة أيام بلياليهن  وقال داود: الأمة كالحرة ، وقال عبد الله  بن عمرو  بن العاص رضي الله عنهما: إن كانت من ذوات الأقراء، تعتد بأقصى الأجلين ، وقال مالك رحمه الله: لا بد من أن تحيض في هذه الأشهر مرة إن كانت عادتها أن تحيض مرة في كل ثلاثة أشهر، وإن كانت تحيض في كل شهر مرة، فلا بد من [وقوع]  ذلك على المعتاد  قال الشافعي رحمه الله: لم يذكر  الرب تعالى الحيّض  في عدة الوفاة مع انقسام النساء إلى الحُيَّض وغيرهن \rفرعان: أحدهما: أنها لو وضعت الحمل والزوج بعدُ لم يغسَّل، فلها أن تغسل الزوج، ولا اعتماد على العدة عندنا [ولو نكحت] ؛ قال القفال حكايةً عن الأصحاب: لها أن تغسله؛ لأنه لم يبن جوازه بعد انقضاء العدة على حال قال الإمام: كان يحتمل أن يمتد الحل إلى النكاح كما يمتد إلحاق النسب، ولكن ما قاله الأصحاب أظهر \rالثاني: إذا طلق إحدى امرأتيه  على الإبهام، ومات قبل البيان، إن كان لم يدخل بهما، اعتدت كل واحدة بأربعة أشهر وعشرا للاحتياط؛ إذ ما من واحدة إلا والاحتمال متطرق إليها وإن دخل بهما وكانتا حاملين، فعدتهما بوضع الحمل، وإن كانتا حائلين من ذوات الأشهر، فتعتد كل واحدة مدة عدة الوفاة؛ إذ تنقضي فيه الأشهر الثلاثة التي هي عدة الطلاق على بعض الاحتمالات وإن كانتا من ذوات الأقراء، فعليهما التربص بأقصى الأجلين وإن كان قد دخل بإحداهما، فعلى التي لم يدخل بها تربص أربعة أشهر وعشر، وعلى التي دخل بها التربص بأقصى الأجلين \r\rالفصل الثاني: في التي فقدت زوجها","part":1,"page":35},{"id":1678,"text":"فإن غاب الزوج، وبلغ خبر موته، وثبت ببينة يوثق بها، فتنقضي عدتها من وقت الموت، وإن كانت لا تشعر به؛ إذ العدة لا تفتقر إلى النية  وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((تحسب من وقت بلوغ الخبر))  فأما إذا انقطع خبره، واندرس أثره، وغلب على الظن  موته، ففيه قولان: القديم أنها تتربص أربع سنين، تنتظر خبره، ثم تتربص عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً، وتحل للأزواج ومستنده قضاء عمر رضي الله عنه ، وكان الشافعي في القديم يقلد الصحابة  ويستند هذا إلى معنى الضرار ؛ فإن الإعسار بالنفقة يوجب الفسخ، فهذا أولى والقول الجديد أن النكاح دائم ما لم تثبت الوفاة ببينة، وعليها الانتظار ما بقيت وعُمِّرت وغلظ الشافعي في الجديد على من اعتقد الفسخ، وقال: لو قضى به قاضٍ نقضت قضاءه ؛ إذ بان له في الجديد أن تقليد الصحابة باطل؛ بدليل أصول ذكرناها في الأصول  ويعتضد هذا القول بالقياس؛ إذ لا تقسم تركته، ولا تعتق أم ولده؛ إذ لا تعويل على الضرار، فإنه [يحصل]  إذا هاجر إلى إقليم آخر، واستوطن به، ويعتضد بما روى المغيرة بن شعبة  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((امرأة المفقود امرأته، ما لم يأتها يقين طلاقه أو وفاته))  وعن علي رضي الله عنه أنه قال: ((امرأة المفقود لا تتزوج))  وقال أبو حنيفة: يلزمها أن تمكث حتى يستكمل الزوج مائة وعشرين سنة  وهذا يخالف القياس والسنة \rالتفريع: إن فرعنا على القديم، تفرع عنه مسائل:\rإحداها: أن الذي انقطع خبره، وأمكن حمل ذلك على بعد المسافة ، والإيغال في الأسفار، هل يطرد فيه هذا القول للأصحاب تردد فيه، والظاهر إجراء هذا القول ","part":1,"page":36},{"id":1679,"text":"الثانية: إن  ضرب المدة، وهي أربع سنين، هل يتوقف على ضرب القاضي فيه وجهان: أنه لا يتوقف كمدة (العدة) ، [ومدة الإيلاء] ، ومدة ضرب العقل ، ومدة التربص في التي تباعدت حيضتها والثاني: أنه يتوقف عليه كمدة العنة ووجه التردد بين هذه المسائل المتعارضة [بينٌ] ، ويقرب هذا من التردد في أن الإعسار بالنفقة هل يسلطها على مباشرة الفسخ، أم يرفع الأمر إلى القاضي \rالثالثة: أن الفسخ بعد مضي هذه المدة يحصل بمجرد [إنقضاء]  المدة، أم يتوقف على الإنشاء والظاهر أنه يتوقف، فإنها ربما ترضى بالمصابرة والقائل بالأول يقول: هذه [عدة]  وفاة، فلا تستند إلى الفسخ؛ بل تستند إلى تبين الارتفاع \rالرابعة: لها طلب النفقة من مال الزوج في مدة الانتظار إلى انقضاء أربع سنين، فإذا شرعت في عدة الوفاة، فلا نفقة لها، وإن كانت حاملاً؛ لأنها إنما تعتد عدة الوفاة، ولا نفقة للمعتدة عن الوفاة؛ إلا إذا عاد الزوج الأول، ورأينا أن النكاح لا ينفسخ باطناً، فيحتمل أن يقال: لا نفقة لها؛ لأنها كانت ناشزة بقصد الاعتداد، ويحتمل أن لا تجعل ناشزة بمجرد القصد ما لم يتصل به نكاح ","part":1,"page":37},{"id":1680,"text":"الخامسة: إذا ظهر المفقود وعاد، وقد (نكحت) ، فقد اضطربت  الطرق فيه [على]  وجوه، إحداها : ما حكاه القاضي أن الأول بالخيار، إن رضي بما جرى، غرم الثاني له مهر المثل؛ إذ فوت عليه زوجته كالمرضعة وإن فسخ، غرم هو للثاني مهر المثل؛ لأنا [كنا]  حكمنا بصحة نكاحه، والآن هو فسخه وإنما نُثبت له الخيار؛ لأن إلزامه نكاحها، وقد نكحها زوج آخر إضرار به، ومنعه منها وقد كانت في نكاحه أيضاً إضرار وهذا بعيد عن القياس من وجوه، ولا مستند له إلا قضاء عمر رضي الله عنه؛ فإنه نقل عنه البناء [كذلك]  ، [الثانية: ما حكاه الصيدلاني والشيخ أبو محمد]  وهو يوافق هذا إلا في تغريم الزوج الأول، فإنهم قالوا: إذا فسخ لم يغرم للثاني؛ لأنه لم يفوت شيئاً عليه نعم، لو أجاز غرمه لأنه فوت على الأول \rالثالثة: ما حكاه الفوراني، وهو أن نكاح الأول ينفسخ ظاهراً وباطناً، ولكن إذا حضر، فهل ينفسخ نكاح الثاني قال في وجه: ينفسخ بحضوره، وقال في وجه: له الخيار، حتى إن شاء فسخ، وجدد النكاح وهذان الوجهان أبعد من الوجوه السابقة قال الإمام: وعندي أنه غلط في النقل ","part":1,"page":38},{"id":1681,"text":"الرابعة: طريقة العراقيين، وهي أقرب الطرق، فحكوا ثلاثة أوجه، وصرحوا في الكل ببطلان القول بالخيار والقول بالتغريم، فقالوا: أحد الوجوه أن نكاح الأول كان قد انفسخ ظاهراً [وباطناً] ، ونكاح الثاني منعقد، وهو كالفسخ بالإعسار بالنفقة والثاني: أن انفساخ النكاح الأول لم يكن باطناً [والآن تبينا]  أن النكاح [مستمر]  وما جرى من الثاني وطء شبهة والثالث: أنها إن نكحت  أقرت تحت الزوج، وتبين انفساخ نكاح الأول باطناً، وإن لم تنكح تبين استمرار النكاح، فكان الانفساخ على تردد إلى أن يتصل النكاح هذا أقوم الطرق وقد حكى العراقيون ما حكيناه عن عمر رضي الله عنه، وقالوا: أخذ الشافعي [بأصل]  مذهبه، وخالفه في التفصيل لغاية بعده عن قياس الشرع والثقة بقول العراقيين في النقل أولى \rالتفريع على الجديد ثلاث مسائل:\rإحداها: أنها تستحق النفقة في مدة الغيبة إلى أن تنكح، فتكون ناشزة بمجرد النكاح، وإن لم يجر وفاق، وليس هذا لمجرد قصد الاعتداد فإنا نبهنا فيه على تردد في التفريع على القديم؛ لأن هذا النكاح في حكم إعراض بالفعل، وقد حكم بصحته جملة من العلماء فلو فرق بينهما، وعادت إلى مسكن الزوج ، ففي وجوب النفقة وجهان سنذكرهما في كتاب النفقات \rالثانية: أنها لو أتت بولد، فيقع  الاحتمال، وعند تعارض الاحتمال يعرض على القائف، وتفصيله سيأتي ","part":1,"page":39},{"id":1682,"text":"الثالثة: لو أتت بولد، فألحق بالثاني: إذا لم يحتمل أن يكون من الأول، فليس للأول إذا عاد منعها من إرضاع اللبإ؛ لأنه لا يعيش الولد إلا به، ولا [له]  منعها من الإرضاع إن كان لا يوجد غيرها، فإن وجد غيرها فله المنع، فإن اشتغلت كانت ناشزة، فلا تستحق النفقة وإن لم يجد غيرها فاشتغلت بالإرضاع، لا تستحق النفقة أيضاً؛ فإنها مشغولة بشغل نفسها ولو أذن لها ففيه وجهان: أحدهما: أن وجود (الإذن)  كعدمه؛ فإن الرضاع مستحق، فلا نفقة لها والثاني: أنها تستحق  هذا تمام الباب\r\rالباب الثاني: في الإحداد\rوفيه فصلان:\rالأول: في وجوب الإحداد\rوالأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث؛ إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً))  وللحديث ثلاث فوائد: إحداها: إيجاب الإحداد عليها في عدة الوفاة، والثاني: الرخصة في الحداد ثلاثة أيام في حق غيرها؛ لأن استقبال القضاء بالرضى أولى من إظهار زي التحزن والتفجع ولكنه رخصة في أيام التعزية والثالث: تحريم الحداد وراء الثلاث والمعني به التحريم عند قصد الحداد، وإلا فالتصون من الثياب الفاخرة وأنواع الطيب غير محرم \rثم أجمع الأصحاب على أنه لا يجب الحداد على الرجعية؛ لأنها زوجه ، ويجب على المتوفى عنها زوجها، وفي المبتوتة بالطلاق قولان: أحدهما: أنه يجب؛ لأنها مبتوتة كالمتوفى عنها زوجها والثاني: لا يجب؛ لأنها مجفوّة بالطلاق، والمتوفى عنها مفجعة بالوفاة، فيليق بها الحداد  وأما الذي انفسخ نكاحها  بسبب، منهم من ألحقها بالمبتوتة بالطلاق، ومنهم من قطع بأنها لا تحد كالمعتدة عن الشبهة وأم الولد إذا مات عنها سيدها  ثم يجب الحداد على الصغيرة والمجنونة والذمية والأمة ؛ خلافاً لأبي حنيفة \r\rالفصل الثاني: في كيفية الإحداد","part":1,"page":40},{"id":1683,"text":"والإحداد  مأخوذ من الحد، وهو المنع، والمُحِدَّة هي الممتنعة عن التزين  قال الشافعي رحمه الله: والحداد في بدنها  والمعني به أنها لا تمتنع عن تزيين البيت والخدم، وإنما الحداد فيها ثم لا يحرم عليها التنظف، وقلم الأظفار، وإنما هي ممنوعة عن الثياب والتطيب  أما الثياب، فالنظر في جنسها ولونها أما جنسها، فلها أن تلبس كل ثوب سوى الإبريسم ؛  لأنه إنما حل لها التزين، فالتحقت في أوان الحداد بالرجال، فلا يحل لها إلا ما يحل للرجال وقال العراقيون: الإبريسم في حقها كالقطن في حق الرجال، والأول أظهر؛ فإنهن خصصن بذلك للتزين للرجال، وغرض الحداد المنع من التزين للرجال  وأما استعمال  الحلي  فيحرم ، وهو قياس العراقيين أيضاً؛ لأنها لا تستعمل إلا للتزيين ، والتحلي باللآلئ فيه نظر؛ فإنه لم يثبت تحريم في عينها على الرجال، والظاهر التحريم، فإنه تزيُّنٌ  قال الإمام: ولا أرى التختم بخاتم يحل مثله للرجال محرماً عليها؛ إنما المحرم ما خصت به للتزين  وما عدا الإبريسم من الثياب كالخز ، والدبيقى ، والكتان وغيره من الثياب النفيسة، يحل لها لبسه هذا تمام النظر في [جنس]  الثياب \rأما لونها، فكل لون يقصد منه التزين، كالأحمر البرّاق، والأخضر الصافي، والأصفر الفاقع، فمحرم، وما لا يقصد منه التزين، كالأسود والأكهب الكدر ، فلا منع [منه]  ولا فرق بين أن يصبغ الثوب بعد النسج، أو يصبغ الغزل ثم ينسج وخصص أبو إسحاق المروزي التحريم بصبغ الثوب المنسوج، وذلك لا وجه له  وأما الثوب الخشن الغليظ إذا صبغ على خلاف العادة صبغ الزينة تردد فيه صاحب التقريب، وحكى قولين، وهو محتمل؛ لأنها تتراءى للرجال عن بعد، فيحصل به التزين، ويحتمل خلافه؛ لأن مثل هذا الثوب لا يصبغ للتزين ","part":1,"page":41},{"id":1684,"text":"وأما الطيب، فجملته محرم عليها كما يحرم على المحرم، ويحرم عليها أن تدهن الرأس، كما يحرم على المحرم وإن لم يكن في الدهن طيب؛ حتى قال أصحابنا: يحرم عليها أن تدهن لحيتها إن كان لها لحية، ولا يحرم عليها أن تدهن بدنها  ولا خلاف في أنه لا يحرم عليها التنظف، وقلم الأظفار، والاستحداد وأما تصفيف الشعر وتجعيده، ففيه تردد، ولا نقل فيه \rوأما الاكتحال، فقد قال الشافعي رحمه الله: لا بأس بالإثمد [الأسود]   فأجمع أصحابنا على أنه أراد ذلك في [حق]  العربيات؛ فإنهن إلى السواد أميل، فلا يزينهن الإثمد الأسود، والإثمد في حق البيضاء زينة، فيحرم عليها؛ إلا إذا مست حاجة إليه للرمد وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم سلمة  -رضي الله عنها- وهي محدة، فرآها مكتحلة، فقال: (ما هذا)  فذكرت بأنها  من رمد، فقال: ((اكتحلي ليلاً، وامسحي نهاراً))  فهو الواجب إلا إذا مست الحاجة أيضاً نهاراً  هذا تمام النظر في تفصيل الحداد، فلو ترك  انقضت العدة ، وعصت ربها، وكيف لا تنقضي، ولو فارقت مسكن النكاح تنقضي عدتها [أيضا]  \r\rالباب الثالث: في السكنى\rوفيه فصول:\rالأول: في من تستحق السكنى ومن لا تستحقه","part":1,"page":42},{"id":1685,"text":"ولا خلاف في أن الرجعية تستحق السكنى ، وكذا المطلقة البائن  والأصل قوله تعالى:          الآية وقال أحمد وإسحاق : البائن لا تستحق السكنى  وأما المتوفى عنها زوجها لا تستحق النفقة كالبائنة، وهل تستحق السكنى فعلى قولين  وسبب  التردد النظر في إلحاقها بالبائنة، فإن إيجاب السكنى بعد ارتفاع النكاح على خلاف القياس، ولذلك لا تجب النفقة ويستند هذا التردد أيضاً إلى ما روي أن فريعة بنت مالك  قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن زوجي قتل، ولم يتركني في مسكن [يملكه] ، فقال عليه السلام: ((ارجعي إلى بيت أهلك، واعتدي، فلما بلغت إلى بعض البيوت ناداها، وقال: اعتدي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله))  فيحتمل أن يكون الأخير نسخاً للأول، وتداركاً له، ويحتمل أن يكون للاستحباب والندب  وأما المعتدة عن وطء شبهة، وعن نكاح فاسد، والمستولدة إذا عتقت لموت مولاها أو بالإعتاق، لا سكنى لهن؛ لأنه مأخوذ من الكتاب، وقد ورد في فراق حصل عن نكاح \rوأما المفارقة بالفسخ، ففيه طريقان؛ من أصحابنا من قال: قولان، منشأ النظر ما ذكرناه في المتوفى عنها [زوجها]  ومنهم من قال: إن كان الفسخ منها بسبب في الزوج، أو بعتقها، أو من الزوج بعيبها، أو بارتضاعها،  وما يستند إليها، فلا سكنى لها وإن كان بسبب من جهته، كردته وإسلامه وغير ذلك، فعلى قولين \rوأما الصغيرة التي لا تحتمل الجماع، ففيها وجهان مبنيان على أنها هل تستحق النفقة والحالة هذه فإن استحقت النفقة  في النكاح استحقت السكنى في العدة ","part":1,"page":43},{"id":1686,"text":"وأما الأمة إذا طلقها زوجها، فحكمها ينبني على أصل، وهو أنها في صلب النكاح تسكن في محل يعينه الزوج، أم للسيد أن يبوئها مع الزوج بيتاً فإن قلنا إن الزوج يستحق تعيين المسكن، فعليها أن تلازم مسكن النكاح ، وإن قلنا ليس له ذلك، وطلقها، وهي في مسكن عيّنه السيد، [فالظاهر]  أنه لا يلزمها ملازمة ذلك المسكن؛ لأنا نلتفت في العدة على النكاح، فإذا كان لا تستحق في صلب النكاح إسكانها، فلا تستحق في العدة ومنهم من قال: يجب ذلك تعبداً في المسكن الذي وقع التراضي عليه في النكاح، وإن لم يكن عن استحقاق \rثم إذا أوجبنا عليها ملازمة المسكن، هل تستحق مؤونة المسكن  على الزوج إن كانت تستحق النفقة في صلب النكاح، استحقت السكنى، وذلك إذا كان السيد يسلمها إلى الزوج ليلاً ونهاراً، وإن كان يستخدمها نهاراً، ويسلمها ليلاً، ففي استحقاق النفقة خلاف، ووجوب السكنى مبنيان عليه؛ [فإنها]  مؤونة كالنفقة، وإن بقي وجوبها مع سقوط النفقة \rوأما الناشزة إذا طلقت في دوام النشوز، قال القاضي: لا سكنى لها؛ إذ لم تكن لها نفقة  قال الإمام: إن طلقت في مسكن النكاح، تجب عليها ملازمة المسكن تعبداً؛ لحق الدين، وليست هي كالأمة، فإن الزوج لا يستحق عليها [الإسكان]  في صلب النكاح وأما سبب الاستحقاق في حق الناشز قائم نعم، لو لم تكن في مسكن، فيتجه أن يقال: لا تلزمه مؤونة السكنى لنشوزها، فلو تركت النشوز، ففي تصوره في حالة البينونة نظر؛ [إذ لا معنى لتركه في حالة البينونة] ، فهو في محل الاحتمال  هذا تمام النظر في أصناف النساء، وأنواع الفراق\r\rالفصل الثاني: في أحوال المعتدة تبيح مفارقة المسكن\rفنقول: يجب عليها ملازمة المسكن حقاًّ لله تعالى، ولا يسقط برضى الزوج، وليس لها الخروج ليلاً أو نهاراً إذا لم يكن عذر ، فإن فرض عذر، فالأعذار على ثلاثة مراتب:","part":1,"page":44},{"id":1687,"text":"المرتبة الأولى: أن يكون لها في الخروج غرض لطلب زيادة، فهو ممتنع ومن هذا القبيل التجارة، والزيارة، والعمارة للاستنماء، وكذلك الخروج للحج؛ فإن الوقت لا يضيق فيه، فهذه زيادات لو فاتت فلا ضرار فيها، فلا تترك التربص الواجب بها \rالمرتبة الثانية: ما ينتهي إلى حد الضرورة شرعاً ، كوجوب الهجرة عن دار الحرب، أو لم تتمكن من إقامة الحد إذا زنت ، أو الخروج من المسكن إذا كانت تؤذي أحماءها ، أو أجنبيا، كما إذا كانت تخاف على روحها أو مالها إذا لم يكن المسكن حصيناً، أو كانت تتأذى بجيرانها تأذياً تعسر مصابرته، فكل ذلك يسلط على الانتقال؛ إذ يسقط بمثل هذه الضرورات واجبات الشرع، وهي أرسخ وآكد من التربص \rالمرتبة الثالثة: الحاجات التي لا تنتهي إلى الضرورات، وذلك ينقسم إلى حاجات عامة، كالبروز لأجل الطعام والشراب، وذلك يسلط على الخروج، ولكن يتصور ذلك في حق امرأة لا تستحق النفقة على الزوج، وليس لها كافل ونائب ينوب عنها في الخروج بحكم العادة، فإذ ذاك تخرج لحاجتها  وأما الحاجة النادرة، كما إذا بلغها الخبر أن مالا صالحاً أشرف على الضياع إن  لم تخرج، فهذا نادر في حق النساء؛ إذ الغالب أن القوام على أموال النساء الرجال، ولكن مع ذلك يجوز الخروج؛ لأن فوات المال عظيم لا سبيل إلى احتماله \rفإن قيل: لا تغير القواعد بالنوادر، ولذلك لا تقطع اليد اليسرى من الذي لا يمين له، وإن قطع أيمان العالمين قلنا: لأن التصرف في الدماء على خلاف موارد الشرع عظيم، وأمر الترخص هيّن، فإنه أدب في أداء العدة؛ لأن الجراحات قد تفضي إلى الزهوق، فيقتص منه وأما ههنا لا تدارك للمال لو ترك ضائعاً، ومن هذا الجنس مفارقتها للمنزل إذا كانوا ينتجعون ويسافرون اعتياداً، وتسافر معهم إذا سافروا ثم مهما خرجت لحاجة، فلتخرج نهاراً، وإن كان الليل أبلغ في الستر، ولكنه معدن الآفات ","part":1,"page":45},{"id":1688,"text":"الفصل الثالث: فيما يجب على الزوج من الإسكان وبذل  المؤونة\rوفيه مسائل:\rإحداها: أن تكون الدار مملوكة للزوج، فليس له أن يزعجها؛ لقوله تعالى :         وعليها ملازمة المسكن  \rفرعان: أحدهما: أنه لو أراد مداخلتها، نظر، فإن كانت في حجرة مستندة بالمرافق ، ولم يكن ممره عليها، جاز، ولو اتحدت الدار لم تجز له المداخلة، وإن كانت فيحاء مهما اتحدت المرافق؛ لأن التناوب على المرافق عسير، وقد قال الله تعالى:          \rوالمرافق هي المطبخ والمستجم   وما يضاهيه  فأما الدهليز وإن كان متحداً، فليكن؛ لأن حقها ملازمة (قعر)  البيت، فإن رضيت هي بالمداخلة، واحتملت المضرة، بقي حق الله تعالى في المنع من الخلوة، فإن كان معها في الدار محرم، فلا خلوة وإن كانت في حجرة بابها في الدار، فإن لم يكن عليها باب، فمساكنة [الزوج]  الدار خلوة، وإن كانت [منفردة بباب يغلق، ومرافقها داخل الحجرة، فلا خلوة]  وإن كانت  مرافقها في الدار، فهي خلوة، وإن كان مع الرجل  زوجة أخرى، أو جارية، أو محرم منه ، قالوا: لا خلوة ولو كان معها أجنبية أو معتدة أخرى، فهذا هل يمنع الخلوة ترددوا فيه ، ومأخذه أن النسوة المنفردات إذا أمنّ، هل عليهن الخروج للحج، فإن كل واحدة تتحصن بصاحبتها، وظاهر كلام الأصحاب أنه لو استخلى رجلان  بامرأة فهو محرم، وليس ذلك كاستخلاء الرجل بامرأتين  وأقوم المسالك أن يقال: إن كان معها من يُحْتَشَم أو يُخَاف جانبه في حكاية ما يجري أو غيره، وكان ذلك مانعاً من اقتحام فجور، فهو مانع للخلوة، وإلا فلا فيخرج من هذا أن وجود الصغير الذي لا يميز، والمجنون، لا مبالاة به فليتبع هذا المعنى ","part":1,"page":46},{"id":1689,"text":"الفرع الثاني: أنه لو أراد الزوج بيع الدار، وكانت عدتها بالأقراء أو الحمل، [فهو]  ممتنع؛ لأنها تستحق منافع الدار في هذه المدة، وهي مدة مجهولة، وليس كمدة تفريغها عن الأقمشة؛ فإن ذلك لا يحتفل به  فإن كانت تعتد بالأشهر، فإن كنا لا نتوقع طريان الحيض في أثناء الأشهر، خرّج صحة البيع على الخلاف في بيع الدار المكراة  ومن العراقيين من قال: لا تباع؛ إذ نتوقع موتها، وسقوط استحقاقها؛ بخلاف المستأجر، وهذا بعيد  وإن كنا نتوقع حيضها في أثناء الأشهر، ففيه طريقان: منهم من طرد الخلاف نظراً إلى مقتضى الحال ، وإعراضاً عن تقدير الاحتمالات ومنهم من قطع بالمنع؛ لأن ذلك متوقع من الحيلة، والبيع يبعد عن الأعذار  ثم إذا صححنا، فلو طرأ الحيض، كان كما لو اختلطت الثمار بالمبيع وقد ذكرناه في البيع، ولم يكن هذا كإباق العبد؛ فإن ذلك لا يتوقع وقوعه بالحيلة، فأما هذا فبالثمار أشبه \rالمسألة الثانية: إذا كانت في دار مستعارة: فإن رضي المعير بمقامها، فعليها المقام، وإن رجع  فعلى الزوج أن يستأجر لها داراً تليق بحالها، ويبذل الأجرة وكذلك إذا كانت في دار مستأجرة، فانتهت المدة، أو لم تكن في دار، فعليه مؤونة الاستئجار، أو شراء دار أو تسليم دار مستعارة  فإن مست الحاجة إلى الأجرة، وأفلس الزوج وازدحم [الغرماء] ، فلها أن تضارب  بأجرة ثلاثة أشهر إن كانت من ذوات الأشهر، وإن كانت من ذوات الأقراء أو عادتها مختلفة، ضاربت بالأقل وإن كانت مستقيمة العادة، ضاربت بمقدار مدة العادة على الظاهر وفيه وجه أنها تضارب بالأقل، وهذا بعيد ؛ لأن ما يخصها لا نسلطها عليه؛ بل (نرتقب ما يكون) ، فلا يؤدي إلى إبطال حق الغرماء وما يخص الغرماء يسلطون  عليه، فيبطل به حقها ولولا أنه لا مردود وراء العادة، وإلا لما اقتصرنا على مدة العادة ","part":1,"page":47},{"id":1690,"text":"وكذلك الحامل تضارب بأجرة  تسعة أشهر، فهو الغالب ومنهم من قال بستة أشهر، وهو ضعيف  في الحمل؛ إذ العدة تنقضي بإلقاء الجنين الذي لا يعيش، وذلك يفرض قبل ستة أشهر \r[فإن قيل: إن كنتم لا تشترطون اليقين، فهلا أثبتم المضاربة إلى أربع سنين؛ فإنه الأكثر؛ قلنا: لأنه نادر شاذ، لا يفرض على ممر الدهور] ، فإن قيل: هلا قدمتم حقها؛ لأن ذلك من حق الله في لزوم المسكن، أو لأن الدار لو كانت مملوكة، وهي ساكنة، فازدحم الغرماء، لا تباع الدار في (حقهم) ، تقديماً لها عليهم قلنا: أما تقديم حق الله تعالى، ففيه نظر، وليس هذا من ذلك؛ لأن حق الله في لزوم المسكن، وذلك يتصور منها من غير طلب الأجرة، والأجرة حقها وأما الدار فلا تباع عند ازدحام الغرماء؛ لأن حقها متعلق بعين الدار، فنزلت منزلة المرتهن، فإذا لم تكن دار، لم يثبت لها الاستحقاق  ومثل  هذا إذا كان الزوج  حاضراً، أو طلقها \rفإن كان  غائباً، سلم القاضي الأجرة من ماله، فإن لم يكن مال حاضر، حكم [القاضي]  بثبوته، ثم رجعت على الزوج وإن لم ترفع  إلى القاضي، واستأجرت من مالها، فهل لها الرجوع الصحيح أنه لا رجوع  وفيه وجه سيأتي نظيره  في النفقات \rالمسألة الثالثة: إذا أسكنها في النكاح مسكناً ضيقاً لا يليق بها، فرضيت، فإذا طلقها، قال العراقيون: لها طلب مسكن [آخر] ، وفيه احتمال أشار إليه المراوزة وكذلك على العكس، لو أسكنها داراً فيحاء  لا تليق بها، فأراد نقلها؛ الظاهر الجواز \rثم قال القاضي: على الزوج أن يطلب لها أقرب مسكن إلى مسكن النكاح وقربوا هذا من نقل الصدقة وهو بعيد؛ إذ لا مأخذ لهذا الإيجاب، ولا لتقدير الاستحباب  أيضاً نعم، لا يخرجها من هذه البلدة؛ لأن  ذلك في حكم جلاء وهجرة ","part":1,"page":48},{"id":1691,"text":"المسألة الرابعة: ذكرنا في لزوم السكنى في عدة الوفاة قولين، فإن ألزمنا، أخرج من التركة، فإن لم تكن تركة، فتبرع الوارث به، وأراد إسكانها في محل، فله ذلك وإن قلنا إنها لا تستحق، فلو رضي الوارث بملازمة مسكن النكاح، فالظاهر أنه يجب عليها [ذلك]  مطلقاً \rومنهم من قال: ينظر، فإن كانت العدة عن شغل، كما إذا طلقها، ثم مات أو توفي عنها وهي حامل، أو في محل يتوقع حملها، فللوارث أن يلزمها ذلك لصون الماء وإن مات عنها قبل المسيس، فليس له ذلك إذا لم يلزمها ذلك، فعليها أن تسكن في بيتها سكون المعتدات حيث شاءت وإنما النظر في تعيين الوارث، وليس للسلطان هذا النوع من التعيين؛ فإن الوارث ذو حظ في صون الماء \r\rالفصل الرابع: في بيان مسكن النكاح\rوفيه مسائل:\rإحداها: أنه لو أذن لها في الانتقال، ثم طلقها، إن صادفها  الطلاق قبل الانتقال، فيلزم المسكن الأول، وإن انتقلت، ثم طلقها، فيلزم  المسكن الثاني؛ [والعبرة بالانتقال بالبدن ، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: العبرة بنقل الأمتعة \rفأما إذا صادفها الطلاق في الطريق فثلاثة أوجه:-\rأحدها: أنه يتعين المنزل الأول؛ لأنه مستصحب؛ إلا أن يتحقق القرار في المنزل الثاني ولم يتحقق] \rوالثاني: أنه يتحقق تعيين المنزل الثاني، فإنها انقلعت عن الأول، ومصيرها إلى الثاني","part":1,"page":49},{"id":1692,"text":"والثالث: أنها بالخيار لتعارض الأمر  ومحل التوقف في هذه المسألة أنها إن كانت تحمل الأمتعة بنفسها أو بصاحبها، وبعدما دخلت المنزل الثاني دخول قرار، فصادفها الطلاق، قال الإمام: إن كانت في المنزل الثاني تعين؛ لأنه اجتمع قصد الانتقال وصورة المقام، فلا نظر إلى عزمها على الخروج للنقل، وإن كانت في المنزل الأول، يحتمل أن يقال: يتعين المنزل الأول؛ فإنها لم تدخل المنزل الثاني على قصد القرار، فلا عبرة به ويحتمل أن يقال: إنها إن دخلت المنزل الثاني، حصل الانتقال، وإنما العود لغرض النقل، ولا خلاف أنها لو عادت لغرض النقل بعد أن كانت على عزم المقام، فالحكم للمنزل الثاني  ولم يختلفوا في أنه لو أذن لها في الخروج إلى دار، ثم طلقها، يجب عليها الرجوع وإن أذن لها في المقام عشرة أيام مثلا \rالمسألة الثانية: إذا أذن لها في سفر يتعلق بغرض صحيح، كالتجارة والزيارة، أو ما يجري مجراه مما لا يقصد فيه النقلة، فله أحوال\rأحدها: أن يطلقها، وقد فارقت عمران البلد، لم يجب عليها الانصراف وإن خرجت من الدار، ولم تفارق البلدة، ففيه خلاف مستنده قول الشافعي: ليس عليها الانصراف إذا فارقت المنزل  منهم من قال: أراد بالمنزل البلدة، ومنهم من قال: أراد به الدار ووجهه أنه إذا تهيأت لأسباب السفر، فمنعها إضرار بها ولمثل ذلك لم يجب الانصراف إذا فارقت البلد ولانتفاء هذا المعنى وجب عليها الرجوع إذا انتقلت إلى دار؛ إذ لا ضرار عليها ثم مهما قلنا لا يجب الانصراف، فلها الانصراف؛ لأن المرعي جانبها ","part":1,"page":50},{"id":1693,"text":"ثم إذا مضت لوجهها، فلها التوقف إلى انقضاء حاجتها من تجارة أو حج أو زيارة فإن تمت حاجتها، وقد بقي من العدة مقدار يعلم أنها تدرك بقية منها في منزله الأول، وجب عليها الرجوع وإن علم قطعاً أن العدة تنقضي قبل بلوغ المنزل الأول، فقد ذكر الأصحاب فيه خلافاً، ولا وجه له؛ إذ لا غرض في الانصراف وملازمة بقعة (أليق من)  المسافرة \rوإن كانت قد بقيت المدة إن استعجلت، فلم [توافق]   الرفقة، فلا نكلفها التقدم على الرفقة؛ بل عليها ملازمة المعتاد في السفر، وإن انقضت حاجتها قبل ثلاثة أيام، جاز لها استكمال الثلاث فإن  هذا مدة تأهب المسافر شرعاً \rفإن قيل: لو كان لها في الخروج إلى دار أخرى غرض يضاهي التجارة، لم يلزمها الرجوع قلنا: لأن مثل هذه الأغراض خفية لا وقع لها، أما غرض السفر وأهبته فظاهر، والمنع [منه]  إجحاف، فهذا هو الفرق \rالمسألة الثالثة: أن يأذن لها في سفر نزهة، أو سفر آخر لا يثبت فيه غرض صحيح، فإذا بلغت المنزل، وقد أذن لها في الإقامة عشرة أيام مثلاً، فطلقها في أثناء المدة، هل لها استكمال المدة فيه قولان: أحدهما: أن لها ذلك؛ لأنها مأذونة وهذا التوجيه فاسد؛ فإنها لو أذنت في المقام في دار عشرة أيام، وجب عليها الرجوع إذا طلقت قبل المدة فالتوجيه أنها تهيأت للمقام  وتأهبت، فلا تعطل عليها أهبتها وكذلك اختلاف القول فيما إذا بلغها الخبر في أثناء الطريق أنه هل يجب عليها الانصراف ","part":1,"page":51},{"id":1694,"text":"أحدهما : أنه لا يجب، كسفر الزيارة والتجارة والثاني: يجب؛ لأن الغرض في (النزهة)  لا يظهر ظهوره في التجارة، والاختلاف في قطع [المدة]  يجري في سفر الزيارة إذا كانت المدة زائدة على قضاء الحاجة، فإن السفر إذ ذاك يلتحق بسفر النزهة وكذلك الاختلاف فيما إذا أذن لها في الاعتكاف في المسجد عشرة أيام، فطلقها قبل مضي المدة، هل يلزمها الرجوع إلى المسكن ويمكن أن يبنى على هذا أنها لو رجعت هل تبني بقية الاعتكاف المنذور على ما مضى وفيه خلاف فإن قلنا لا تبني، ففي تكليفها الرجوع إحباط  لعبادتها يضاهي إحباط أهبة السفر \rفإن قيل: لم لا يجوز للمعتدة  أن تفارق المسكن ابتداءً لغرض التجارة\rقلنا: لأن ذلك طلب [زيادة] ، والمنع ههنا إضرار وإضاعة لأهبة  السفر \rالمسألة الرابعة: إذا سافرت في صحبة  الزوج، فطلقها، وجب عليها الانصراف عن الطريق؛ لأنها برزت بأمر  الزوج وصحبته، وقد انقطع، فلا ضرار في (الانصراف)  \rالمسألة الخامسة: أنه لو أذن لها في سفر النقلة، فالقول في البلدين وفي الطريق كالقول  في دارين في بلدة واحدة إذا كانت تبغي (الانفصال) ، وقد فصلناه \rالمسألة السادسة: إذا أذن لها في الإحرام، فإن أحرمت قبل الطلاق، ثم طلقها (وهي)  في الطريق، جاز لها المضي كما مضى وإن كانت بعدُ في البلدة، فلها الخروج إن ضاق الوقت، وخافت الفوات وإن اتسع الوقت أو كانت أحرمت بعمرة، ففيه وجهان؛ الذي اختاره القاضي: تجويز  الخروج؛ لأن مصابرة الإحرام عسير، ومفارقة المسكن تجوز بأقل من ذلك فأما إذا أذن لها في الإحرام، فطلقها قبل أن أحرمت، لم يكن لها الخروج؛ لمكان أن حكم الإذن قد ارتفع  بالطلاق، فهذا إنشاء سفر بعد الطلاق، فلا مساغ له ","part":1,"page":52},{"id":1695,"text":"المسألة السابعة: البدوية إذا طلقت، فعليها ملازمة أهلها ما داموا مقيمين، فإن ارتحلوا، فلها الارتحال معهم؛ إذ لا سبيل إلى الانقطاع ولو أرادت الإقامة بقرية، وكانت آمنة، لها ذلك؛ بخلاف المأذونة في السفر إذا بلغها الطلاق في الطريق، فإنها متوطنة وهذه حالة طارئة، والبدوية إذا جوز لها السفر، فالمقام أحسن \rفرع: إذا رحل فريق من القوم، نظر، فإن رحل الأجانب، فعليها ملازمة الأهل وإن رحل الأهل دون الأجانب، وكانت آمنة في الإقامة، فالظاهر أنها تتخير بين الإقامة والظعن؛ إذ مفارقة الأهل قد تعسر، والتوطن في البوادي عظيم، وليس هذا كالمقيمة في البلد إذا رحل أهلها، فليس لها الارتحال قطعاً ومن أصحابنا من قال: ليس لها الارتحال في البادية أيضاً، وهو محتمل ولا خلاف في أنه لو رحل الأجانب دون أهلها، لم يجز لها الظعن، ولو رحل أهلها على قصد العود على قرب، لم يجز لها الظعن \rوالملاح إذا طلق زوجته في السفينة، فإن كانت تعتاد التردد مع السفن ، فهي كالبدوية، وإن كانت ركبت السفينة لحاجة، فهي كالمسافرة ولا يخفى تخريجه على الأصول السابقة  \rفرع: لو تنازعا بعد أن صادفها الطلاق في مسكن غير مسكن النكاح، إما في البلدة أو في بلدة أخرى، فقال الزوج: ارجعي إلى المسكن، وقالت المرأة: أذنت لي في الانتقال، ثم طلقتني، وأنكر الزوج ذلك، نقل عن الشافعي أن القول قول الزوج ونقل أنه إذا جرى النزاع مع الورثة، فالقول  قولها \rوجعل الأصحاب المسألة على قولين ومن أصحابنا من حمل على حالين ، فقال: إن تنازعا في وجود لفظ منه، فالقول قوله، وإن تنازعا في معنى اللفظ كما إذا اتفقا على أنه قال لها: اخرجي، وقال: أردت النزهة، وقالت: أردت الانتقال، فالقول قولها؛ لأن الظاهر يصدقها، وهو كونها في بلد  ولعل طرد القولين في هذه الصورة غير بعيد","part":1,"page":53},{"id":1696,"text":"وقال ابن سريج : ـ وهو مذهب أبي حنيفة  ـ إن [كان]  الاختلاف مع الورثة، فالقول قولها، وإن كان مع الزوج، فالقول قوله \rهذا تمام النظر في هذا القسم والله أعلم\r\rالقسم الثالث من الكتاب: في الاستبراء في ملك اليمين\rوفيه فصول:\rالفصل الأول: في كيفية الاستبراء وحكمه وشرطه\rأما كيفية الاستبراء، فالأصل فيه أولاً: السنة والإجماع ؛ إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سبي أوطاس : ((ألا لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض))  والاستبراء (قريب)  من العدة، ولكن شَهَرَ ما يجب من الاستبراء عن النكاح بلفظ العدة؛ لاشتمالها على عدد، وشهر هذا بلقب الاستبراء ثم (المستبرأة لها)  ثلاثة أحوال:\rإحداها: أن تكون من ذوات الأقراء، فتستبرأ بقرء واحد ، واختلف القول في أن القرء طهر أو حيض؛ الجديد ـ وهو الصحيح ـ أنه حيض؛ لقول منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض)) ولأن العدد غير مرعي فيه، فلا بد من الاستظهار بما يدل على البراءة وهو الحيض والثاني: أنه الطهر  قياساً على أقراء العدة، ولأن التعبد بالحيض غالب في الاستبراء، ولذلك يجب مع القطع بالبراءة [عن]  الشراء من امرأة أو صبي، والصحيح هو الأول ","part":1,"page":54},{"id":1697,"text":"التفريع: إن قضينا بأنه الحيض، فلا يكتفى ببقية حيض؛ بل لا بد من حيض كامل، وإن فرعنا على أنه الطهر، فلو صادف الملك آخر الحيض، فتربصت بطهر كامل، فكما حاضت، انقضى الاستبراء، وفي التوقف إلى يوم وليلة نظر ذكرناه في العدة  ومن أصحابنا من قال: لا بد من  أن ينضم إلى الطهر حيض كامل؛ لتحصل الدلالة على البراءة، وفي العدة لا يشترط ذلك؛ لأن الحيض قد تكرر في مدة العدة  وهذا ضعيف يلتفت على القول الأول وعلى هذا القول أيضاً ترددوا في أن بعض الطهر هل يكفي والظاهر أنه يكفي كما في العدة ومنهم من فرق بأن ذلك يشتمل على عدد، وقد يعبر بلفظ الجمع عن شيئين وبعض الثالث ثم على هذا يتوقف حتى تنقضي بقية الطهر وحيض كامل وطهر كامل، فإذا شرعت في الحيض انقطع الاستبراء، فلا (يعود الوجه للتعبد)  في اشتراط  انضمام الحيض بعد الطهر؛ لأن الحيض قد انقضى قبل الطهر دالاًّ على البراءة \rالحالة الثانية: أن تكون من ذوات الأشهر، ففيه قولان: أحدهما: أنها تعتد بشهر واحد، فإنه البدل عن القرء والثاني: بثلاثة أشهر؛ لأنه أقل  مدة ضربت لاستبانة براءة الرحم  وأبو حنيفة ـ رحمه الله ـ يوجب [على المستولدة إذا عتقت، أو مات عنها سيدها ثلاثة أقراء، فيوجب أيضاً ثلاثة أشهر، أو ينظر إلى كمالها حالة]  الاعتداد ، ونحن ننظر إلى نقصان الملك الزائل \rالحالة الثالثة: أن تكون حاملاً، فعدتها بوضع الحمل، وإن كان الحمل من الزنا ؛ لإطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم القول بأنه لا توطأ حتى تضع ومنهم من قال: هو كالعدة، فلا تنقضي بالحمل من الزنا قال القاضي: وهذا يلتفت على [أن]  القرء في الاستبراء طهرٌ أم حيض، فإن قلنا حيض، فكأنا نعتبر ما يدل على البراءة، ووضع حمل الزنا يدل عليه، وإن قلنا طهر، فقد ظهر فيه التعبد، فليلتحق بالعدة ","part":1,"page":55},{"id":1698,"text":"أما حكمه: فتحريم  الوطء، وتحريم وجوه الاستمتاع؛ إلا في المسبية ففيه خلاف ومن فرق مستنده اقتصار المنادي على ذكر الوطء، وتعليله أن سبب التحريم على المشتري جواز  أن تكون حاملاً بولد من غيره، فإذ ذاك لا ينعقد عقده، ولا تحل له والمسبية وإن كانت مستولدة (بطرد)  الرق، فمعنى الاستبراء فيه صيانة مائه عن الامتزاج بماء غيره  وإن سوينا بينهما، [فمهما]  طهرت دام تحريم الوطء؛ لأجل الحيض إلى أن تغتسل، وحل الاستمتاع دون الوطء؛ إذ الحيض لا يمنع منه وفي بعض التعاليق وجه أن تحريم الاستمتاع  يدوم، وهو بعيد، والغالب أنه غلط \rوإن فرقنا بين المسبية والمستبرأة، فإن قلنا استبراؤها بالحيض، فلا يظهر للاستبراء أثر، فإنها محرمة للحيض إن لم يكن استبراء وتظهر فائدته فيما إذا جرى السبي في بقية من الطهر، أو كانت حاملاً \rأما شرط صحته: أن يقع بعد قبض الجارية ولزوم الملك، وتعرُّض الجارية للاستحلال لولا الاستبراء فلو جرت الحيضة قبل قبض الجارية، ففيه خلاف، وسببه ضعف الملك لتوقع الانفساخ والظاهر الاعتداد للزوم الملك، ولا اعتداد بالحيضة الجارية في الموهوبة قبل القبض؛ إذ لا ملك  وإن فرعنا على أن الملك يستند عند القبض تَبَيُّنًا  \rوكذلك في الجارية الموصى بها بعد الموت وقبل القبول، وتعتد بما جرى بعد القبول وقبل القبض؛ إذ لا أثر للقبض فيه \rوإن جرى في البيع في مدة الخيار، وقلنا: الملك للبائع، فلا تعتد به، وإن قلنا للمشتري، فيخرّج على الخلاف فيما قبل القبض  وإن كان الخيار للمشتري خاصة، وقلنا: الملك له، وقع الاعتداد به لا محالة \rولو كانت الجارية مجوسية أو مرتدة، فجرى الاستبراء، ثم أسلمت، ففيه وجهان  ووجه المنع أن معنى الاستبراء ضرب أجل للاستحلال في محل الحل، وليست هي مستحلة مع التمجس، فلا يعقل الأجل في حقها ","part":1,"page":56},{"id":1699,"text":"وليس من شرط صحته امتناعه عن الوطء؛ بخلاف (العدة) ، فلو وطئ أثم، ولكن ينقضي الاستبراء على وجهه ولا ينقطع، فلو أحبلها وكانت في حال الحيض حلت في الحال؛ إذ ما مضى حيض كامل، وإن انقطع بالحمل، وإن كانت طاهراً انقضى بوضع  الحمل \r\rالفصل الثاني: في موجب الاستبراء\rوهو ينقسم قسمين: أحدهما: جلب الملك، والثاني: زواله\rأما جلب الملك، فمتى  تجدد له ملك على جارية (هي)  محل استحلاله، توقف حلها على الاستبراء بعد الملك بقرء، سواء كان الملك عن هبة، أو بيع، أو وصية، أو [فسخ]  إقالة، أو إرث وسواء كانت الجارية صغيرة أو كبيرة، حائلاً أو حاملاً وسواء حصل ممن يتصور منه شغل أولا يتصور، كامرأة أو صبي  وقال داود: لا يجب (استبراء)  [البكر]   وقال مالك رحمه الله: الصغيرة التي لا توطأ لا تستبرأ  وقال بعض أهل العلم: إن كانت ممن لا تحبل [لم يجب ، وقال أبو حنيفة] : لا يجب إذا عادت إليه بخيار رؤيةٍ، أو ردٍّ بعيب، أو رجوع في هبةٍ، أو إقالةٍ قبل القبض، ويجب بالإقالة بعد القبض  وألحق أصحابنا (المكاتبة)  إذا عجزت وعادت، (بالجارية)  إذا بيعت وعادت وإن كانت الكتابة لا تزيل الملك، ولكنها تثبت استقلالاً لها، حتى تستحق مهرها ولذلك  قالوا إذا حرم على السيد أخت جاريته، فوطئها وكاتبها، حلت الأخت، كما لو باعها \rوأجمعوا على أن التحريم بالصوم (والرهن)  لا يوجب الاستبراء، وسببه بينٌ \rواختلفوا في (ثمان)  مسائل:\rإحداها: إذا ارتدت ثم أسلمت \rوالثانية: إذا أحرمت ثم تحللت والظاهر أنه لا يجب الاستبراء، والخلاف في الإحرام أبعد ومستند وجوب الاستبراء تأكد التحريم بهذه الجهات، ومسيس الحاجة إلى استحلال جديد ","part":1,"page":57},{"id":1700,"text":"والثالثة: إذا زوج أمته، فطلقها زوجها قبل المسيس، هل يجب على السيد استبراؤها فيه خلاف مرتب على الردة وههنا أولى بالإيجاب؛ لأن الزوج استحق منفعة البضع، ثم زال استحقاقه، وعاد، فكان قريباً من استحقاق المكاتبة \rالرابعة: لو أسلم في جارية، فسلمت إليه، فلم يجدها على النعت الموصوف، وكان بحيث لو رضي لاستمر ملكه، فإذا ردّ، فهل يجب على المسلم إليه استبراؤها ينبني على زوال الملك ويجري هذا الخلاف في كل مسلَّم عن جهة فرض، إذا لم يكن على الوصف المطلوب في [أن]  ملك المؤدي، هل يزول أم لا \rالخامسة: إذا اشترى جارية معتدة، أو مزوجة، فطلقت قبل المسيس، أو تخلت عن عدته، فهل يجب الاستبراء نص الشافعي في الأم على مسألتين على جوابين ظاهرهما التناقض، ونص في الإملاء على جوابين على مضادة أجوبته في الأم؛ قال [في الأم] : إذا اشترى جارية معتدة أو مزوجة، فإذا تخلت  عن حق الزوج، لم يجب على المشتري استبراء مقصود  [وقال في الأم أيضاً: إذا زوج أمته، ثم طلقها زوجها قبل المسيس، أوتخلت عن عدته، هل يجب على السيد استبراء مقصود ]  والفرق عسير بين المسألتين، ولعل الفرق على الضد أقرب  ونص في الإملاء على هاتين المسألتين، وفرق بينهما   على الضد فقال أصحابنا: في المسألتين قولان، جمعاً بين الإملاء والأم وإن لم يوال الشافعي بين الجوابين في الأم أو في الإملاء، فتقديم النقل والتخريج أولى، والتوجيه من قال: لا يجب قال: لأن جلب الملك إنما يوجب الاستبراء إذا وجد محلاً، وهي إذا كانت معتدة أو مزوجة، فلا تكون محلا للاستبراء وإذا تخلف الحكم عن الموجب سقط أثره ولم يفد\rوالثاني: أنه يجب ؛ لأن السبب قائم، وإن تراخى حكمه لم يستبعد، كما إذا وطئ معتدة بالشبهة، فإن عدة الواطئ تتراخى إلى انقضاء عدة النكاح وهذا القول أقيس وأظهر ","part":1,"page":58},{"id":1701,"text":"وأما إذا زوج جاريته وعادت، فالخلاف يوجد  من وجه آخر ذكرناه، فلا نعود إليه \rالسادسة: أن الرجل إذا اشترى منكوحته الرقيقة، هل يلزمه استبراؤها فيه خلاف؛ منهم من قال: لا؛ لأنه نقله من حل إلى حل ومنهم من قال: نعم؛ لتجدد (الملك) ، ولاختلاف جهة الحل \rالسابعة: إذا باع الجارية بشرط الخيار، فردت عليه بحكم الخيار قبل لزوم زوال الملك، فإن قلنا لم يزل ملكه، فلا يجب الاستبراء، وإن قلنا زال ملكه، وقلنا يحل  له الوطء والإقدام [عليه] ، وجب الاستبراء لزوال الملك وحصول التحريم وإن قلنا له الإقدام على الوطء، ويكون ذلك فسخاً، فوجوب الاستبراء فيه ينبني على ما لو اشترى زوجته، إن عللنا ثَمَّ بأنه نقله من جهة إلى جهة، فههنا لا يجب؛ لأن الجهة متحدة وإن عللنا بتجدد الملك، فههنا الملك متجدد \rفإن قيل: هل من حيلة في إسقاط الاستبراء قلنا: اقترح الرشيد هذا على علماء عصره بسبب جارية رغب فيها، فلم يرخصوا، فقال أبو يوسف : ليزوجها سيدها، ثم ليشتريها الرشيد  مزوجة، وليطلقها الزوج، وتحل من غير استبراء  وهذا على أصلنا لا يصح؛ إلا على [القول]  المذكور في الأم في شراء الجارية المزوجة كما ذكرناه وهو مشروط أن يكون البائع قد استبرأها قبل التزويج ، فإن أبا حنيفة يجوّز التزويج من غير استبراء ،ونحن لا نجوّز وهذه مشهورة بين أصحاب أبي حنيفة بـ[المسألة ] الهارونية\rواختتام الكلام في هذا القسم بالتنبيه على أمرين: أحدهما: أن من اشترى مُحَرَّمة، أو المرأة إذا اشترت، فلا استبراء؛ إذ لا يفهم معنى الاستبراء والحالة هذه، فإنه عبارة عن أجل مضروب لحل الوطء، فمن لا يتصور في حقه الاستحلال، لا يعقل الأجل في حقه ","part":1,"page":59},{"id":1702,"text":"والثاني: هو أن الاستبراء الجاري في ملك البائع لا أثر له في الإباحة للمشتري  بل وجوده كعدمه، فإن معنى التعبد غالب، فينظر فيه إلى السبب، والسبب هو تجدد  الملك، فالمسبب لا يتقدم عليه، ولذلك يجب إذا اشتراها من امرأة أو صبي \rالقسم الثاني: في زوال الملك:\rوهو من أسباب الوجوب للاستبراء، ويتصل بهذا القسم حكم الاستبراء لأجل التزويج فنقول: من ملك جارية، ووطئها، أو مستولدة، فإذا عتقت واحدة منهما بالإعتاق، أو عتقت المستولدة بالموت، فعليها التربص بقرء واحد كما مضى تفصيله  وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: أما الأمة فلا تتربص إذا عتقت وإن وطئت وزاد عليه، فجوز تزويجها عقيب الوطء من غير استبراء  وهذا سعي عظيم في خلط المياه، وأوجب في المستولدة ثلاثة أقراء  وقد حصل مما ذكرناه أنا لا نجوز التزويج عند توقع خلط الأنساب فمن أراد أن يزوج جاريته بعد أن وطئها، أو مستولدة، فليستبرئها أولا، ثم ليزوجها ؛ خلافاً لأبي حنيفة \rفإن قيل: لم يستبرئ الناكح قبل النكاح، والمشتري يستبرئ بعد الشراء قلنا: لأن الشراء لا يعقد للوطء، فلا يمكن الحجر على البائع في بيع جاريته، ولا على المشتري في الشراء، فإنه يقصد للتجارة، ثم إن سنح له بعد الشراء، [قصد التسري]  فليستبرئها قبل الوطء إما تعبداً وإما للبراءة وأما النكاح ، فإنما ينشأ للوطء مقصوداً، فينبغي أن يتقدم على النكاح، والوطء في الملك كالنكاح نفسه \rوتتمة القول في هذه القاعدة برسم مسائل:","part":1,"page":60},{"id":1703,"text":"إحداها: أنه لو استبرأ  أمته أو مستولدته استبراءً يسلط على التزويج، ثم أعتق قبل التزويج، هل يجب استفتاح استبراء بعلة زوال الملك فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا يجب ؛ إذ كان يحل  التزويج ولم يكن  شاغل، ولا جلب ملك حتى يجب الاستبراء تعبداً والثاني: أنه يجب؛ لأن ملكها على نفسها سبب الاستبراء  كملك المشتري، فإذا تبدل الملك، وجب الاستبراء تعبداً والثالث:  أنه يجب ذلك في المستولدة، فإنها على الجملة مضاهية للمستفرشات؛ بخلاف الأمة  وكأن الخلاف يرجع إلى أن زوال الملك هل هو سبب مستقل بإيجاب الاستبراء أو يقال: وجوب الاستبراء لاستحلال الزوج عند توهم شغل على الجملة ويخرج على هذا الخلاف ما لو استبرأها البائع، ثم باعها، فأراد المشتري تزويجها قبل الاستبراء؛ لأن التزويج كان حلالا قبل ذلك، ولم يتجدد إلا تبدل الملك ، وكذلك لو أعتقها المشتري، والمسألة بحالها، فأراد تزويجها \rالمسألة الثانية: لو أعتق المستولدة، وأراد أن يتزوج بها في مدة الاستبراء، فيه وجهان: أحدهما: الجواز كما يجوز له أن ينكح المعتدة عنه بالشبهة  والثاني: المنع؛ لطريان الإعتاق الموجب للاستبراء، والنكاح استفتاح استباحة، فيقتضي استبراء تعبداً كما يقتضي شراء الجارية من المرأة الاستبراء، ولكن لا يتراخى الاستبراء عن النكاح؛ إذ شرط النكاح أن يستعقب الحل، وهذا يلتفت على منعنا من تزويجها إذا عتقت بعد الاستبراء، فإنه كان يحل تزويجها، (فامتنع بالإعتاق)  تعبدا ","part":1,"page":61},{"id":1704,"text":"المسألة الثالثة: إذا زوج المستولدة، ثم أعتقها وهي مزوجة أو معتدة عن الزوج، فالظاهر من المذهب ـ وهو المنصوص ـ أنه لا استبراء؛ فإن الاستبراء لطلب حل أو استباحة تزويج، فإذا كانت مشغولة بحق الزوج من نكاح أو عدة، لم يتحقق موجب الاستبراء في (حقها)   وذكر الشيخ أبو علي قولاً مخرجاً أنه يجب، فيكون ذلك كوطء الشبهة إذا طرأ على النكاح أو على العدة ، ولا يخفى كيفية التشاغل بأداء الحقين ، ولو وطئت المستولدة بالشبهة، وأعتقها، منهم من قال: لا تجب العدة كما في عدة الزوج، ومنهم من فرق، وقال: هذا لا يقوى على دفع استبراء العتق \rالمسألة الرابعة: المستولدة المزوجة إذا طلقها زوجها، واعتدت عنه، وأعتقها السيد قبل الوطء، هل يحل تزويجها من غير استبراء فيه قولان: أحدهما: الجواز؛ إذ كان يجوز التزويج قبل العتق من غير استبراء، ولم يتجدد إلا العتق والثاني: المنع؛ لأن الاستبراء يجب بتبدل الملك، وقد تبدل الملك  بالعتق  وقد قدمنا نظير هذا  ولو أعتقها السيد على\rالاتصال بآخر العدة، ففيه طريقان؛ منهم من طرد القولين، ومنهم من قطع بجواز التزويج؛ لأنها ما عادت إلى حكم فراش السيد أصلاً ","part":1,"page":62},{"id":1705,"text":"المسألة الخامسة: المستولدة المزوجة إذا مات زوجها [وسيدها] ، نظر، إن مات السيد أولا، فلا استبراء عليها على الصحيح، وعليها إذا مات زوجها بعد ذلك أن تعتد بأربعة أشهر وعشرا؛ لأنها حرة وإن مات الزوج أولاً، فعليها عدة الوفاة شهران وخمسة أيام وبعد ذلك يحل لها النكاح إذا عتقت بموت السيد من غير استبراء على الصحيح من المذهب إذا لم يطأها السيد  وإن وطئها، وفرعنا  على التعبد، فعليها الاستبراء عقيب موت السيد بقرء واحد فأما إذا أشكل الأمر، ولم يعرف المتقدم، فعليها الأخذ بالاحتياط، فإذا اعتدت من آخر الموتين أربعة أشهر وعشراً كفى ذلك؛ لأن الزوج إن قدر موته أولاً، فيكفيها شهران وخمسة أيام، والسيد إن مات أولاً فيكفيها شهران وخمسة أيام، والسيد إن مات أولاً، فيكفيها  هذا القدر \rولكن هذا تفريع على أن طريان العتق بعد انقطاع النكاح وقبل وطء السيد لا يوجب الاستبراء، وإن أوجبنا الاستبراء، فلا بد من  أن ترى حيضة في هذه المدة، وإذا رأت، حلت للأزواج، وإن لم تر فلتصبر إلى أن تحيض  فأما إذا ماتا معاً، فلا يجب الاستبراء؛ لأنها ما عادت إلى علقة فراش السيد حتى يقال انقطع فراشه، ولكن تعتد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً أو نصفه  لا شك في أنه لو تقدم عتقها بلحظة على موت الزوج، كملت العدة، ولو تراخى بلحظة، ففيه قولان ذكرناهما في كتاب الرجعة فإن قلنا: تكمل عدة الحرائر إذا طرأ، فههنا أولى، وإن قلنا: لا، فههنا قولان، والأصح أنها لا تكمل؛ فإنها ما كانت قط كاملة في الفراش، والنظر عندنا إلى كمال الفراش الزائل، لا إلى كمال (المعتدة)  حالة العدة ","part":1,"page":63},{"id":1706,"text":"فرع:  إذا استبرأ جارية، فالاعتماد في الاستبراء على قولها إني حضت، ولا سبيل إلى تحليفها إذا ادعت الحيض أو أنكرت؛ فإن الاطلاع لها على حقيقة الحال، ولا سبيل إلى تحليفها؛ إذ لا تتعلق بها مخاصمة، فإنها لو نكلت لم يُبْنَ على نكولها حكم؛ فإن  السيد لا يقدر على الحلف، وهو لا يطلع على حقيقة الحال   \rولو قال: أخبرتني بأنها حاضت، فأنكرت، وجاءت إلى القاضي متحرجة عن غشيانه قبل الاستبراء، فالأوجه تصديق السيد ؛ إذ لو لم يكن كذلك، لحال الشرع بين السيد وبينها كما حال بين الزوج والمعتدة [فدل أن الاستبراءات من التقوى يفوض إلى السيد، ولا تعلق له بالخصومات، وفيه احتمال]  وحقيقة القول يرجع إلى أن الأمة هل لها [حق المخاصمة \rوقد ذكر القاضي مثالاً وذكر له أصلاً، وهو أن الجارية االموروثة إذا ادعت أن المورث وطئها، وأنها حرمت على الوارث، فللوارث ألا يصدقها، وهل له]  (تحليفها)  فيه خلاف، وهو ينبني على أن الأبرص إذا اشترى جارية، فهل لها الامتناع من التمكين فيه خلاف، وإثبات الامتناع يشعر بأنها ذات حق على الجملة في النكاح، فلا يبعد أن يكون لها حق في الخصام \r\rالفصل الثالث: فيما [يجب]  أن تصير الأمة به فراشاً للسيد\rوفيه مسائل:\rإحداها: أنها لا تصير فراشاً بمجرد الملك، على معنى أنها لو أتت بولد لا يلحقه وإن أمكن، والنسب يعتمد الإمكان كما في النكاح؛ لأن النكاح معقود له، والشراء لا يقصد منه الاستيلاد، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الولد للفراش))  ولا فراش نعم، لو استلحق الولد يلحقه، ولو أقر بالوطء، فأتت بولد لزمان يحتمل أن يكون من الوطء المقر به، يلحقه عندنا ؛ خلافاً لأبي حنيفة ","part":1,"page":64},{"id":1707,"text":"الثانية: لو أقر بالوطء، وادعى الاستبراء بعده، فالمذهب الظاهر أنه ينتفي [عنه]  الولد من غير لعان إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الإقرار بالوطء؛ لأن التعويل على الإقرار بالوطء؛ لأنه ظاهر في الإلحاق، والاستبراء ظاهر يعارضه، وإذا تعارضا بقي الإمكان المحض، ولا تعويل عليه في ملك اليمين، ومن أصحابنا من قال: لا ينتفي إلا باللعان \rالتفريع: إذا قضينا بأنه ينتفي دون اللعان، فلو أنكرت الأمة جريان الاستبراء بعده، فقد أطلق الأصحاب أن الرجوع إلى قوله وفيه إشكال، فإن المرأة مؤتمنة في الحيض، ولكن السبب فيه: أن اللحوق مأخوذ من قوله المشعر باللحوق، وشرط دلالة قوله أن ينفك عن دعوى الاستبراء، فإذا انضم إليه دعوى الاستبراء سقطت دلالته  ثم أطلق الأصحاب القول بأنها لو ادعت أُمِّيّة الولد، فلها تحليفه؛ لأن ذلك من حقها، وإن لم يكن لها في النسب مدخل ثم في كيفية تحليفه وجهان: أحدهما: يحلف أنها حاضت بعد الوطء، وما وطئها بعد الحيض والثاني وهو اختيار الإصطخري: أنه يضم إلى ذلك أن الولد ليس مني حتى ينتفي  ولو ادعت الأمة الوطء، وأنكر الزوج أصل الوطء، فلها تحليفه؛ لأن حقها من أمية الولد مرعي  لا محالة \rالثالثة: لو ادعى العزل بعد الاعتراف بالوطء يلحقه الولد هذا ما يقطع به المحققون؛ لأن الماء سباق، وصونه لا يندرج تحت الاختيار \rالرابعة: لو اعترف بالوطء في غير المأتى، فالظاهر أن الولد لا يلحقه وفيه وجه لا اتجاه له \rالخامسة: لو أتت بولد من [وقت]  الإقرار لأكثر من أربع سنين، فهل يلحقه الولد ينبني على أن الولد هل ينتفي بدعوى الاستبراء إن قلنا إنه ينتفي، فهذا أظهر، وإن قلنا لا ينتفي بدعوى الاستبراء، لم ينتف ههنا أيضاً إلا باللعان، وههنا أولى بالانتفاء ","part":1,"page":65},{"id":1708,"text":"السادسة: لو استلحق ولداً من أمته ، فأتت بولد آخر، إن كان بينهما أقل من ستة أشهر لحقه، وإن كان أكثر من ذلك، فهل يلحقه اختلف أصحابنا فيه؛ منهم من قال يلحقه؛ لأنها صارت فراشاً؛ إذ حل  له استفراشها مع أنه ناقص الملك، ومع أن الوطء يستدعي ملكاً كاملاً والثاني: أنه لا يلحق؛ لأن أحكام المستفرشات لا تثبت لها عند الشافعي  وبنى أصحابنا هذا على القولين في أن المستولدة إذا طلقها زوجها، هل تعود فراشاً بمجرد انقضاء عدتها حتى لو أعتقها لزمها الاستبراء فإن  قلنا لا تعود فراشاً، ولا يلزمها الاستبراء، فيتوقف لحوق الولد الثاني على إقرار جديد بالوطء وإن قلنا تعود فراشاً، فهلا يدل على أن الاستيلاد يثبت حكم الاستفراش \rالسابعة: إذا اشترى الزوج زوجته، فأتت بولد لزمان يحتمل أن يكون من النكاح، ويحتمل أن يكون من ملك اليمين، فالولد يلحقه للإمكان، كما إذا أتت البائنة بعد الفراق بولد؛ إذ الأمة لا تنحط عن البائنة ، ثم لا تصير الجارية أم ولد؛ لأنه لم يعترف بوطء في ملك اليمين، وإنما لحقه الولد بحكم النكاح السابق  وحكى القفال وجهاً أن الولد يلحقه، وتصير أم ولد [له] ؛ لأنه لحقه ولدها في ملك اليمين مع احتمال كونه في ملك اليمين  وهذا ضعيف لا أصل له نعم، لو أقر بالوطء، واحتمل أن يكون من النكاح   واحتمل [أن يكون]  من ملك اليمين، ففي أمية الولد ههنا تردد من حيث أن اللحوق ليس يتوقف على إقراره بالوطء، وأمية الولد يتبع الولد ","part":1,"page":66},{"id":1709,"text":"ويحتمل أن يقال: ملك اليمين مع الإقرار بالوطء يثبت فراشاً ناسخاً للفراش الأول، فصار كما إذا نكحت بعد العدة، وأتت بولد لزمان يحتمل أن يكون منهما، فإنه يلحق بالثاني، لكن ينقدح أن يقال: ملك اليمين لا يقوى [على]  فسخ ملك النكاح ورفع فراشه ، ولو نكح الرجل أمة، ثم طلقها قبل المسيس، وأقر السيد بوطئها، فأتت بولد لزمان يتعارض فيه الاحتمال، يتجه فيه التردد الذي ذكرناه وسببه ضعف ملك اليمين عن أن يكون ناسخاً لفراش النكاح \rهذا تمام الغرض من كتاب العدة، والله أعلم","part":1,"page":67},{"id":1710,"text":"كتاب الرضاع\rوالأصل فيه من كتاب الله قوله تعالى: •، ومن السنة قوله عليه السلام: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) وظن بعض الفقهاء أن الكتاب مستقل بالدلالة على تحريم الرضاع في تفاصيله بينهما، فزعموا أن ذكر الأمهات يشير إلى تحريم الأصول، وذكر الأخوات يشير إلى الفروع وهذا فاسد؛ فإنه لا يتضمن الإشعار به بطريق الفحوى، وطريق القياس غير مأخوذ من موجب الألفاظ ثم لا مجال للقياس في هذا الباب والاعتماد في التفصيل على قوله صلى الله عليه وسلم: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) ومقصود الكتاب يتهذب برسم أبواب:-\r\rالباب الأول: في أركان الرضاع وشرائطه:\r\rوأركانه ثلاثة: اللبن، والمُرْضِع وهو من [منه] انفصال اللبن، [والمُرْتَضِع؛ إذ به إيصال اللبن وله شرطان: الوقت، والعدد","part":1,"page":1},{"id":1711,"text":"أما النظر في الأركان فنبدأ ببيان من منه انفصال اللبن، فهو المطلع الأول، ويشترط فيه]  أن يكون امرأة حية، يحتمل منها الولادة واحترزنا بقولنا: \"امرأة\" عن البهيمة والرجل أما لبن البهيمة فلا تتعلق به حرمة؛ خلافاً لعطاء  رحمه الله، فإنه قال: إذا ارتضع صغيران بلبن بهيمة حصلت الأخوة بينهما  وهو باطل؛ إذ الأخوة فرع الأمومة  وأما الرجل فلو درّ من ثديه لبن، فوجوده كعدمه، ولا تتعلق به حرمة وفيه وجه غريب أنه يحرم قياساً على لبن المرأة  والصبية التي لا يحتمل  لها لبن كابنة الثمان، لبنها كلبن الرجل  ولبن البكر والتي لا ولد لها قطعاً، فيه وجهان ظاهران: أحدهما: أنه لا يحرم؛ لأن اللبن تبع الولد، وهو منتفٍ منه والثاني: أنه يحرم نظراً إلى الجنس  ومستنده الوجه الغريب في الرجل ولا خلاف في أنها لو أجهضت جنيناً، ودرّ  لها لبن، فهو محرم، ولا تعويل على لبن بنت الثمان على ما ذكرناه؛ إذ لا تحتمل البلوغ وفي وقت احتمال البلوغ لا يجعل درور اللبن سبباً للحكم بالبلوغ، ولكن يثبت حكم اللبن استناداً إلى احتمال البلوغ، كما يلحق الولد بابن تسع سنين؛ لاحتمال البلوغ، ثم لا يتضمن الحكم [ذلك]  ببلوغه في سائر الأحكام \rواحترزنا بقولنا: \"حية\" عن المرأة إذا ماتت، وفي ضرعها لبن ، فارتضع الصبي بعد الموت، لم تتعلق به الحرمة عندنا؛ لانفصاله عن جثة منفكة عن الحل والحرمة، مساوية لجثة البهيمة  ولو حلب اللبن في حال حياتها، وارتضع بعد الموت، كان محرماً على المذهب المشهور  وحكى القاضي وجهاً غريباً أنه لا يحرم، وإن (انفصل)  في حالة الحرمة؛ لأن إثبات الأمومة بعد الموت عسير ","part":1,"page":2},{"id":1712,"text":"الركن الثاني: اللبن: والنظر في صفته، والمعتبر عند الشافعي رحمه الله وصول عينه إلى الجوف، سواء كان طريًّا أو حامضاً، على أي وصف كان،  حتى لو اتخذ  منه الجبن أو الأقط، أو ميز الزبد عن المخيض منه إن تصور، فإذا وصل عينه إلى الجوف، حصل الحرمة  فلم يتبع الشافعي -رحمه الله- اسم اللبن، [وإنما]  اتبع اسم الإرضاع وكأنه يتخيل وصول جزء من المرضِع إلى المرتضع، وقد وصل قطعاً  فأما إذا اختلط بمائع، إن كان غالباً، ووصل جزء (إلى)  الجوف، فيحرم، إن  كان مغلوباً فترتيب المذهب فيه أنه إن امتزج بما دون القلتين، وتناول الصبي كله، [ظ] ففيه قولان: أحدهما: أنه يحرم؛ لوصول العين والثاني: لا يحرم؛ لأنه في حكم المستهلك المعدوم  ويقرب من هذا المأخذ  من النظر في أن مقدار الماء إذا لم يكن وافياً بالوضوء، فكمل بماء الورد، هل يجوز استعمال جميعه ","part":1,"page":3},{"id":1713,"text":"التفريع: إن قلنا لا يحرم، فلا كلام، وإن قلنا يحرم، فلو شرب بعضه، فوجهان: أحدهما: أنه لا يحرم لاحتمال أن اللبن في الباقي فلو كان الباقي أقل من مقدار اللبن، فلا يحتمل هذا، فليتنبّه له والثاني: أنه يحرم؛ لأن اللبن منبثّ، ولذلك ينتشر حكم النجاسة في الحال والوجه القطع بأنه إن تيقن انبثاث اللبن، فيحصل التحريم، وإن ترددنا فيه، فالأصل عدم الوصول  ولكن من الأصحاب من سلك به مسلك النجاسة، فإنها إذا وقعت في ضحضاح من الماء منبسط، ثبت في الحال حكم النجاسة للطرف  الأقصى، وإن لم ينتشر وهذا أخذ للشيء  من غير مأخذه؛ فإن ذلك يبنى على العيافة [والاستقذار، وهذا يبنى على وصول العين ، فأما إذا كان أكثر من قلتين] ، فترتيب المذهب على نقيضه، وهو أنه إن تناول بعضه، لم يحصل التحريم، وإن تناول كله فقولان مرتبان، وأولى بأن لا يؤثر  ويتجه التسوية بين القلتين وما دونهما؛ لأن الشرع راعى ذلك في أحكام النجاسة؛ لعسر صون الماء عنها إذا كثرت وأما اللبن فالاعتماد فيه على (وصول)  العين، ولذلك لم يفرق في الاختلاط بسائر المائعات بين القلتين وما دونهما، وحقيقة الاختلاط لا تتغير \rفإن قيل: خصصتم المغلوب بالتردد فما المغلوب قلنا: الظاهر أنه الذي لا يظهر من صفاته [شيء] ، أعني الطعم واللون والريح وحكى الشيخ أبو علي وجهاً أنه الذي لا يظهر أثره في التغذي؛ إذ المعتبر في كل باب ما يليق به؛ إلا أن التصوير (قد)  لا يطابق هذا الفرق، فإنه إذا كان له لون أو وصف ظاهر، فلا بد أن يؤثر في التغذي، وإن لم يظهر له أثر ففيه نظر \rفرع: لو وقعت قطرة في فم الصبي، وامتزج بريقه، ثم وصل إلى الجوف، فمنهم من نظر إلى الغالب والمغلوب طرداً للقياس ، ومنهم من حسم الباب ههنا؛ لعسر التتبع، ونزل الريق منزلة رطوبات المعدة، حتى لا ينظر إليه ","part":1,"page":4},{"id":1714,"text":"الركن الثالث: النظر في المحل، وشرطه أن يكون المرتضع حيًّا، فلو وصل إلى جوف الصبي [بعد موته]  لم يفد ، وشرطه أن ينتهي [إلى محل التغذية] ، ولو وصل إلى جوفه، ولم يكن محل التغذية نظر، فما لا يحصل به الإفطار لا يتعلق به الحرمة، وما يحصل به الإفطار كالحقنة ، فيه قولان، أحدهما: الحصول للوصول إلى الجوف كما في الإفطار والثاني: أنه لا يحصل؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز  العظم))  فيعتبر فيه ما يقع مظنة للتغذي \rوأما السعوط  ففيه طريقان: منهم من طرد القولين، ومنهم من قطع بكونه محرماً ؛ لأن الدماغ له اتصال بفم المعدة، وبينهما عرقان لا ينتهي شيء إلى الدماغ إلا انحدر منه شيء إلى المعدة ولو زرق في إحليل الصبي حتى انتهى إلى المثانة فهو كالحقنة، ولو بقي في الإحليل ابتنى على أن الإفطار هل يحصل به  ولو وصل إلى باطن الأذن، ففي الإفطار خلاف  ولو أصاب جرح جائفة ، فوصل اللبن إليه، فالإفطار يحصل به ، ففي الرضاع قولان  هذا تمام النظر في الأركان\rأما الشرائط:\rالشرط الأول: الوقت، وفيه خمسة مذاهب؛ قال الشافعي رحمه الله: حولان من وقت الولادة  وقال أبو حنيفة رحمه الله: ثلاثون شهراً  وقال مالك رحمه الله: حولان وشهراً، أو شهران وخمسين يوماً على العادة في الفطام  وقال ابن أبي ليلى : ثلاث سنين  وقال داود: أبداً ، وبه قالت عائشة رضي الله عنها ، وتمسكت بأن سهلة بنت سهيل  قالت: كنا نرى سالماً  ولداً ، وكان يدخل علينا، فراجعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أرضعيه خمس رضعات، ففعلت، وكانت تراه ابناً من الرضاع)) ","part":1,"page":5},{"id":1715,"text":"وأبى سائر الصحابة - رضي الله عنهم- ما قالته عائشة رضي الله عنها، وقالوا: ما نرى ذلك إلا رخصة في حق سالم على الخصوص  ويتأيد  هذا النظر بقاعدة أصولية، وهو أن وضع الخطاب مع واحد من الشارع لا يتناول غيره، وإنما (عممنا)  حكم الشرع؛ لأن الصحابة كانوا يفهمون حكمه في الواحد حكماً في الكافة \rولم يفهموا [هذا]  في هذه الصورة ثم اعتضد هذا الجانب بقوله تعالى:        •      وليس بعد التمام زيادة وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا رضاع إلا في حولين))  هذا مأخذ الشافعي \rفرع: لو شككنا  في وقوعه في الحولين فيقرب ذلك من تقابل الأصلين ؛ إذ الأصل عدم الرضاع، والأصل بقاء المدة، ولعل الأظهر أن لا يحرم؛ إذ الأصل الحل وأن لا حرمة، فنزل منزلة الماسح إذا شك في انقضاء مدة المسح، فنقول: الأصل إيجاب غسل الرجلين \rالشرط الثاني: العدد قال الشافعي رحمه الله: واسم الرضاع  شامل للمصة والمصتين أبان به أن العدد مأخوذ من الشرع لا من اسم الرضاع، فلا تحصل الحرمة إلا بخمس رضعات عند الشافعي \rوقال أبو حنيفة: تحصل بالرضعة الواحدة  وقال أبو عبيد  وأبو ثور  وابن أبي ليلى: تحصل بثلاث رضعات ، تمسكاً بقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، ولا الإملاجة ولا الإملاجتان))  والشافعي -رحمه الله- حمل هذا على تخصيص السائل السؤال به، واستدل بما قالت عائشة رضي الله عنها: ((أنزلت عشر رضعات تحرمن، فنسخن بخمس رضعات، فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مما يتلى من القرآن))  ولعلها أرادت أنها تتلى حكماً، فإنها ليست في القرآن ، والحديث مدون في كل (الصحاح) \rوالقول في العدد يتم بالنظر في ثلاثة أمور:-","part":1,"page":6},{"id":1716,"text":"أحدها: أن العدد والاتحاد مأخوذ من الاعتياد ، وأقرب معتبر فيه اليمين المعقودة على الأكلة الواحدة في اليوم، والضابط فيه أنه إذا تواصل الأكل وإن طال الزمان، فهو دفعة واحدة، ولا ينقطع التواصل بأن يلفظ الصبي الثدي ويلهو لحظة، ثم يعود، ولا بأن ينتقل من ثدي إلى ثدي، وإنما ينقطع ذلك بالإضراب ساعة، والعرف هو المحكم  ووجهه ظاهر فإن أشكل العرف في صورة، فالأصل عدم التحريم، وإن أشكل عن اجتهاد نظر بآثار الخلاف، وأخذ كل مجتهد برأيه\rالثاني: النظر في انفصال  الارتضاع من الاحتلاب، والضابط فيه أنه إذا تعدد الحلب، وتعدد  التعاطي مع تميز المحلوب في كل (مرة)  عن (الأخرى) ، فيحصل العدد بأن يحلب خمس دفعات، وتجمع في خمس ظروف، ويتعاطى خمس مرات ولو اتحد الحلب والتعاطي، فالرضعة متحدة ، وإن تعدد التعاطي، واتحد الحلب، فتعاطى الصبي المحلوب بدفعة في خمس دفعات، ففيه قولان، الأصح حصول العدد نظراً إلى تقطع الوصول، وهو المقصود والثاني: أنه يتحد نظراً إلى اتحاد اللبن،  فإنه في حكم شيء واحد لمّا أن حلب دفعة فأما إذا احتلب بخمس دفعات، ولكن جمع في ظرف واحد حتى امتزج، وتناوله [الصبي]  بدفعة واحدة، فرضعة واحدة، وإن تناوله بدفعات، فطريقان؛ منهم من قطع بحصول العدد؛ لتعدد الطرفين، ومنهم من طرد القولين؛ إذ اللبن في حكم المتحد لما أن اختلط ","part":1,"page":7},{"id":1717,"text":"الثالث: أن يتعدد (المرضع) ، ويتحد الفحل، كالرجل له خمس مستولدات، أو أربع نسوة ومستولدة أرضعن بلبانه صغيرة، كل واحدة (مرةً)  واحدة، فلا تحصل الأمومة لهن؛ لفقد العدد، وهل تحصل الأبوة للفحل وجهان مشهوران: أحدهما: أنها لا تحصل؛ لأن الأمومة هي الأصل ولم تحصل والثاني: أنها تحصل؛ لأنه بالنسبة إليه متعدد، وهن كالظروف المتعددة للبنه  ولو كن  خمس بنات، والمسألة بحالها، فوجهان مرتبان، وأولى بأن لا تحصل؛ لأن اللبن ليس منه حتى يقال كأنه المرضع بواسطة المرضعات، ولكنهن بناته، فهن كبنت واحدة من وجه  ولو كن أخوات الرجل بدل البنات، ففيه هذا الخلاف من غير ترتيب على (البنات) ، فإنهن بنات (أبيه) ، وإذا ثبتت الحرمة مع الأب (انحدرت)   إليه لا محالة  ولو كن مختلفات، ولكن لو استتمت كل واحدة خمسة لحرمت كالزوجة والأم والبنت والأخت والجدة، فالظاهر أن التحريم لا يحصل؛ لأن هذا لا يقتضي قرابة واحدة يعبر عنها (بعبارة)  واحدة، بخلاف الصورة السابقة ومنهم من قال: تحرم؛ إذ لسنا نبغي الاسم، فهذا يقتضي نوعاً من القرابة، لا اسم لها، فلو استتمت كل واحدة لحرمت وهذا بعيد ","part":1,"page":8},{"id":1718,"text":"فرع: إذا قضينا بحصول التحريم في صورة الزوجات مثلاً، فهو إذا تخلل فصل بين الرضعات، فإن جرى على اتصال لو كان من واحدة لاتحدت الرضعة، ففيه وجهان: أحدهما: التعدد؛ لتعدد المرضع، وله أثر في اعتقاد العدد عرفاً والثاني: الاتحاد، وهو بعيد  وعلى هذا، لو أرضعت واحدة منهن رضعات أربع بعد ما جرى، فهل تحرم وجهان: أحدهما: لا تحرم؛ لأنها لو حرمت لكانت الأولى  رضعة محسوبة،  ولو تمت تلك الرضعة، لحصل التحريم باجتماع نسوة  خمس، ولكان لكل واحدة رضعة، وهو رجوع إلى الوجه الأول فإذا لم تكن رضعة واحدة، لم يمكن التوزيع؛ إذ الواحد لا نصف له، فوجب إحباطه والثاني: أنه يحسب [في حقها إذا انفردت برضعات رضعة، وإن كان لا يحسب]  على ذلك الوجه رضعة كاملة؛ فإن المرتضع ارتضع منه خمس رضعات  إذا أضيف إليها، وإذا أضيف إليهن فلم ترتضع من أول الأمر إلا مرة واحدة \rفرع: لو حلب لبن هذه النسوة، وأوجر دفعة واحدة، فهذا يترتب على صورة تواصل الإرضاع، وأولى بالاتحاد، ولكن الظاهر أنه حصل من كل واحدة رضعة في الصورتين \rولو أوجر بدفعات بعد أن جمع في إناء واحد، فهذا يلتفت على ما ذكرناه من قبل في المحلوب من امرأة واحدة  هذا تمام القول في الأركان والشرائط، والله أعلم\r\rالباب الثاني: في بيان من يحرم من الرضاع المستجمع شرائطه","part":1,"page":9},{"id":1719,"text":"ويحرم من الرضاع أصول وفروع الأصول ثلاثة: المرضعة وهي الأم، وزوجها وهو الأب، والمرتضع وهو الولد ثم إذا ثبت التحريم بين هؤلاء، انتشرت الحرمة إلى الفروع والأطراف  فإذا حرم على المرتضع المرضعة، حرم عليه أمهاتها نسباً ورضاعاً؛ فإنهن جدات، وحرم عليه أخواتها نسباً ورضاعاً؛ فإنهن خالات، ولم يحرم بنات إخوتها؛ فإنهن بنات الأخوال والخالات، وحرمت بناتها عليه نسباً ورضاعاً ؛ فإنهن أخوات المرتضع، وحرم  أولاد بنات المرضعة وبنيها ؛ فإنهن بنات الأخ وبنات الأخت، قربن أو بعدن، كن من النسب أو الرضاع ؛ [ولما حرمت المرضعة على المرتضع، حرمت على أولاده من النسب والرضاع]  (فإنهم)  حوافدها  ، ولم تحرم على (أب المرتضع)  ولا على أخيه فإذا تزوج أبوه بها، فقد تزوج بأم الابن فلا منع، ولو تزوج أخوه بها فقد تزوج بأم الأخ، ولا منع ؛ بخلاف أم الأخ من النسب؛ فإنها أمه  أو موطوءة أبيه، فتحريمها  من أثر الصهر   وهذا القياس بعينه جارٍ في التحريم بين الفحل والمرتضع \rوالقول الوجيز ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ قال: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))، وطرد الأصحاب هذا القياس، واستثنوا مسألتين: إحداهما: أم الأخ من الرضاع لا تحرم، وتحرم من النسب، لا من جهة النسب ، ولكن لأجل الصهر الذي ذكرناه والثانية: أم أم الابن من الرضاع لا تحرم، وتحرم من النسب، لا من جهة النسب، ولكن لأنها أم الزوجة ","part":1,"page":10},{"id":1720,"text":"فإن قيل: إذا كان لامرأتين أولاد، فأرضعت إحداهما صغيرة للثانية، هل تحرم هذه الصغيرة على سائر أولاد المرضعة الذين لم ترضعها بلبانهم قلنا: تحرم؛ لأنه ولدها، وسائر أولادها ولدها ، فتثبت الأخوة بينها وبين جميعهم نعم، لم يحرم سائر أخوات الصغيرة المرتضعة على أحد من أولاد المرضعة وإن كن أخوات أختهم؛ لأن الأخوة لم تثبت بينهم؛ فإنهن لسن (ولدا منهم) ، والأخت هي ولد الأم، وهذا بين لا خفاء به  والذي يجب التنبه له أن الانتساب إذا يثبت إلى شخص واحد، سواء كان من جهة النسب، أو من جهة الرضاع، أو مشتركاً بينهما ، فالتحريم  يثبت لا محالة؛ لأن الرضاع كالنسب على ما ذكرناه\r\rفصل معقود في أحكام تخص الفحل\rقال الشافعي رحمه الله: نشر الحرمة إلى الفحل خارج عن القياس؛ فإن اللبن ليس ينفصل منه، وإنما ينفصل منها، والمتبع الحديث  وذلك ما روي أن أفلح  أخا  أبي القعيس استأذن على عائشة -رضي الله عنها- فاحتجبت، فقال: أنا عمك، فقالت: كيف [ذلك] ، فقال: أرضعتكِ زوجة أخي بلبان أخي، فراجعت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((إنه عمكِ، فليلج عليكِ))  فتمهد هذا الأصل، وثبت أن الفحل أب المرتضع، وأخوه عمه، وأبوه جده، وابنه أخوه، وهلم جرًّا إلى تمام قياس الأنساب  ونقل النقلة عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير ، وعائشة رضي الله عنهم، أنهم لم يروا انتشار الحرمة في جانب الفحل  ولا يصح عن عائشة رضي الله عنها هذا؛ وقد صح الحديث\r\rوقد ذهب إلى نفي حرمة الفحل الأصم وابن علية   وهو مذهب متروك؛ لأنه كالمسبوق بالإجماع المخالف له \rوتتمة القول في هذا بالنظر في ثلاثة أمور:-","part":1,"page":11},{"id":1721,"text":"أحدها: أنه لا تثبت حرمة الفحل ما لم يكن الإرضاع بلبانه، ومعنى نسبة اللبن إليه، أن يكون عن جهة حمل من جهته،   قال المزني: اللبن منهما كما أن الولد منهما ، وعلى الجملة تتبع نسبة اللبن نسبة الولد فإن كان الولد منه كان (اللبن)  منسوباً إليه \rوخرج من هذا ولد الزنا؛ لأنه منها، وليس من الزاني شرعاً، فالرضاع بلبانه لا يؤثر في حق الزاني، وهذا فيه إذا لم يُستيقَن كون الولد منه، وإن استيقنا، ففي النسب خلاف، وكذا في الرضاع  وكلام المزني يدل على أن للشافعي قولاً في تحريم نكاح بنت الزنا على الزاني وإن لم يستيقن كونها منه  وهذا فاسد؛ فإن الشافعي ذكر كلاماً في الرد على مالك رحمه الله تعالى؛ إذ  لم يثبت الكراهة في نكاحه، وظن المزني أنه أراد به نفي التحريم \rوأما ولد الوطء بالشبهة ثابت النسب، والرضاع يتبعه  وذكر صاحب التلخيص في انتشار الحرمة إلى الفحل في الوطء بالشبهة ـ أعني حرمة الرضاع ـ[قولين] ؛ قال الشيخ أبو علي: قد استبعد بعض الأصحاب هذا، حتى رأيته لصاحب التقريب، ورأيته في الجامع الكبير للمزني، وهو قريب من القول الذي حكاه الأستاذ أبو إسحاق  في حرمة المصاهرة في وطء الشبهة وكأن هذا القائل يقول: إيجاب النسب والعدة للضرورة، ولا ضرورة في إثبات حرمة الرضاع والصهر ","part":1,"page":12},{"id":1722,"text":"المقام الثاني: للنظر  أن المنكوحة إذا وُطئت بالشبهة، فأتت بولد، فإن تعين أحدهما لإلحاق النسب، فالرضاع يلحقه، وإن تردد ومسّت الحاجة إلى القائف في النسب، فحكم الرضاع ماذا فيه قولان: أحدهما: أنه يثبت معهما جميعاً؛ لأنه يتصور أبوان من الرضاع على الجملة، ولا يتصور أبوان من النسب وهذا ضعيف، ومعناه على ضعفه: إثبات الأبوة في الظاهر لا في الباطن؛ لأنا نعلم)  قطعاً أن الولد من أحدهما واللبن تابعه، ولكن لما عسر الوصول إليه، أطلق الفقيه القول بالثبوت والقول الثاني: أنه يتبع المولود، حتى إن ألحق القائف الولد بأحدهما، فالرضيع يلحق به، وإن تردد، فإذا بلغ المولود انتسب إلى أحدهما، فالرضيع أيضاً يتبعه، وينتسب بإثبات  الولد النسيب   فعلى هذا القول، لو مات قبل الانتساب، أو قلنا ليس للولد انتساب، ففي الرضيع ثلاثة أقوال ذكرها صاحب التقريب، أحدها: أنه ينتسب بنفسه كما ينتسب الولد؛ لأنه تابع، والآن مات المتبوع، فقام مقامه والثاني: أنه لا ينتسب؛ لأن الولد يعتمد على ميل في النفس مستنده الانخلاق منه، وذلك لا يتصور في الرضاع، فيحرم عليهما جميعاً والثالث: أن لا ينتسب، والأمر على التوقف  وذكر صاحب التقريب على قول التوقف قولين: أحدهما: أنه يتخير أحدهما فيواصله، على معنى أنه يتزوج بابنته مثلاً، ولا يجمع بينهما؛ فإنه في الجمع مقتحم تحريماً لا محالة، ثم إذا اختار واحداً تعين، فلو رجع وطلق، وأراد التزويج بالثانية  لم يجز [له]  ذلك والثاني: [أنه يختار احديهما] ، ثم له أن يرجع ويختار الأخرى ، فلا يزال يدور بينهما على تناوب، ولا يجمع وهذا في غاية الضعف ","part":1,"page":13},{"id":1723,"text":"ثم أطلق الأصحاب القول بالاختيار، ولم يخرجوه إلى اجتهاد، وهو الرأي ؛ إذ لا علامة، ولا اعتماد  على ميل النفس، فلا يبقى إلا التحكم وذكر الفوراني أنه يتخير بالاجتهاد وهذا لا أصل له؛ إذ لا مستند للاجتهاد، والأصح التوقف  ونتيجته عموم التحريم؛  إذ التحكم محال، والاجتهاد منحسم، والتحريم غالب، وهو كأخت من الرضاع اشتبهت بمحللات محصورات، ولا خلاف في أنه لا يتخير ولا يجتهد؛ بل يمتنع عن الكل، فكذلك هذا  وأما الولد النسيب إذا انتسب عند عدم القائف، يعتمد على الاجتهاد  وميل النفس؛ فإن ذلك له أصل في الخلقة) ، [ويتصل بهذا أن الولد إذا نفاه الرجل باللعان انتفى عنه اللبن، وسقطت حرمة الرضاع معه؛ لأنه تابع كما ذكرناه]  ","part":1,"page":14},{"id":1724,"text":"المقام الثالث: النظر في تمادي درور اللبن، فإذا طلق زوجته، واللبن دارّ بعد انقضاء العدة، فهو منسوب إليه، وإن طالت المدة وكذلك لو انقطع وعاد؛ لأن ذلك الأصل لا سبيل إلى قطعه وذكر بعض الأصحاب وجهاً أنه يتقدر بأربع سنين؛ لأنه أكثر مدة الحمل وهو غلط؛ لأن درور اللبن ليس له مدة محصورة  هذا فيه إذا لم تضع حملاً من واطئ آخر في نكاح أو شبهة، فإن وضعت انقطعت نسبة اللبن عن الأول  فهذان طرفان يقطع بهما، أما المتوسط من الطرفين، وهو مدة الحمل في النكاح الثاني، فإن قال أهل النظر : لم يدخل وقت درور اللبن على الحمل الثاني، فهو منسوب إلى الأول،  سواء عاد عن تقطع أو جرى عن استمرار في الدرور  وإن قالوا: دخل وقت الدرور على الحمل) ، نظر، فإن كان قد انقطع، وعاد الآن، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه منسوب إلى الأول لا ينقطع، ولا (نبالي)  بتجويز أهل البصر، ولا بالانقطاع والعود، وذلك الحكم مستدام إلى أن يطرأ  قاطع، وما جرى  إلا تجويز محض، فلا ينقطع به والثاني: أنه ينتسب إلى الثاني، فإنه طرأ سبب ظاهر في حكم ناسخ والثالث: أنه ينتسب إليهما؛ إذ الجمع ممكن، وليس أحدهما أولى من الآخر \rفإن لم يكن قد انقطع من قبل، والمسألة بحالها، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه للأول والثاني: أنه لهما والثالث: أنه إن ازداد  فلهما، وإن لم يزد فللأول، ولا يعود القول الآخر في أنه يقطع عن الأول ويلحق بالثاني؛ لأن الحالة الأولى مستمرة كما كانت \r\rالباب الثالث: في بيان حكم الرضاع المتضمن قطع النكاح، ووجوه الانقطاع\rوهذا الباب يشمل مغمضات مسائل الباب، ونحن نرى أن نفصلها بالصور، ولكن نقدم عليها أصلين:\rأحدهما: في بيان الغرم على المرضع وعلى الزوج عند الانفساخ\rوالثاني: في بيان التفاف حرمة المصاهرة (بحرمة)  الرضاع","part":1,"page":15},{"id":1725,"text":"الأصل الأول: [في]  الغرم فنقول: إذا كان تحت الرجل صغيرة وأرضعتها أمه، أو أم أبيه، أو امرأة أبيه، انقطع النكاح  ووجه التحريم قدمناه فإذا انفسخ النكاح، فالنظر في أمرين: أحدهما: فيما يجب على المرضعة، والثاني: فيما يجب على الزوج للصغيرة أما ما يجب على المرضعة إذا جرى الإرضاع قبل المسيس، فقد نص الشافعي -رحمه الله-: على أنها: تلتزم نصف مهر المثل للزوج ، ونص في شهود الطلاق إذا رجعوا: أنهم يغرمون كمال مهر المثل  فاختلفوا على طرق ثلاثة؛ منهم من خرج قولين في المسألتين، أحدهما: أنه لا يغرم إلا النصف؛ لأن الملك لم يتأكد إلا في النصف، ولذلك لا يستقر على الزوج إلا النصف والثاني: وهو الأظهر، أنه يغرم تمام مهر المثل كاملاً له ، وإنما التشطير في العوض بحكم الطلاق في حق الزوج على الخصوص  ومنهم من أقر النص، وفرق بأن الشهود لم يرفعوا الطلاق باطناً، وأحالوا بينه وبين ملكه التام في البضع، فكان ذلك حيلولة مضمنة فأما الرضاع يتضمن الانفساخ باطناً، فينزل منزلة الطلاق ومنهم من أقر النصين في الشهود، وخرج منه في المرضعة أنها تغرم تمام المهر، وهو متجه في المعنى\rوذكر [بعض]  أصحابنا قولين آخرين، فتحصلنا على أربعة أقوال ذكرنا اثنين منها الثالث: أنه يغرم نصف المسمى، وهو مذهب أبي حنيفة ؛ لأن البضع لا يقوّم كالأموال، فيغرم بما قوم به، ولم يغرم إلا نصف المسمى، والثاني:  أنه يغرم كمال المسمى؛ (لأن التشطر)  حق خاص للزوج في الطلاق، فلا (يتعداه)  وهذا في نهاية الفساد وهذه الأقوال تجري في الشهو، وفيه قول خامس وهو: أن الزوج إذا كان قد بذل كمال المسمى غرم كمال المسمى؛ فإنه لا يتمكن من الاسترداد، وهو منكر للطلاق؛ بخلاف الرضاع ","part":1,"page":16},{"id":1726,"text":"فأما إذا جرى الانفساخ بعد المسيس بأن كانت تحت الرجل صغيرة وكبيرة، فأرضعت أم الكبيرة الصغيرة، فسد نكاح الصغيرة على الرأي الظاهر (بعلة)   تحريم الجمع بين الأختين، والكبيرة (الممسوسة)  ، فماذا تغرم المشهور وما قطع به الأصحاب، أنها تغرم تمام مهر المثل؛ لأنها فوتت ملكاً متأكداً  قال صاحب التقريب: حكى المزني عن الشافعي في غير المختصر أنها لا تلتزم شيئاً؛ لأن الزوج استوفى منفعة البضع، ولذلك إذا ارتدت وفوتت على الزوج بضعها لم تغرم، وهذا يوافق مذهب أبي حنيفة ، فتحصلنا على قولين، ويجب إجراؤهما في الشهود بعد المسيس إذا رجعوا \rفأما الغرامة على الزوج، فإن جرى ذلك قبل المسيس، فنصف المهر، وإن جرى بعد المسيس فكماله  وهذا التفصيل الذي ذكرناه مبتنى على صورة، وهو أن تقصد الكبيرة إرضاع الصغيرة، فنحيل الحكم على الإرضاع، لا على الارتضاع؛ لأن الارتضاع فيها في حكم الطباع، فلا وقع له ولم ينزل هذا منزلة إفلات الطائر عند فتح القفص، حتى يخرج على الأقوال، والفرق ما مضى  والظاهر ثَمّ إيجاب الضمان بمثل هذا المعنى \rولو كانت المرضعة نائمة، فقربت الصغيرة إلى ثديها، والتقمت، فالفسخ محال عليها حتى يسقط كمال المسمى، وحتى لا تطالب الكبيرة بغرم؛ لعدم القصد منها هذا هو المذهب  وذكر الشيخ أبو علي وجهين آخرين، أحدهما: نقله عن الداركي  أنه يحال على المرضعة   كما في الصورة الأولى؛ لأنها صاحبة اللبن، وقد قصرت إذ نامت على وجه يتيسر ذلك وهذا في نهاية البعد والثاني: أنها لا تغرم؛ لأنها لم تقصر، وتستحق الصغيرة نصف المسمى؛ لأنه لا عبرة بفعلها وهذا إسقاط لأثر الإرضاع والارتضاع وهو أقرب من الأول ","part":1,"page":17},{"id":1727,"text":"فأما إذا قطرت قطرة من اللبن، فطيرتها  الريح إلى فم الصبية، فالمذهب المشهور أن الكبيرة لا تغرم، والصغيرة تستحق نصف الصداق؛ إذ لا فعل لواحدة منهما ووجه الداركي يعود  ومذهب مالك -رحمه الله- أنها لا تستحق نصف المسمى؛ لأن الفراق لم يكن باختيار الزوج ، ونحن نكتفي في إيجاب نصف  المسمى أن لا يكون الفراق مستنداً إليها وما ذكره مالك محتمل، ولكن المذهب ما ذكرناه\rالأصل الثاني: في ترتيب المصاهرة على الرضاع وبيانه أن المرأة إذا أرضعت صبية، فنكح الصبية رجل، حرم عليه المرضعة؛ لأنها أم زوجته، فالأمومة سابقة على الزوجية \rولو نكح رضيعة وأبانها، فأرضعتها كبيرة، حرمت الكبيرة على المطلّق؛ لأنها صارت أم صغيرة، وكانت زوجته فلا نظر إلى التاريخ والتقدم والتأخر هذا ما اتفقوا عليه ","part":1,"page":18},{"id":1728,"text":"ولو نكح الرجل كبيرة، وأبانها، فنكحت الكبيرة غلاماً رضيعأً، وأرضعته بلبان الزوج الأول، حرمت على الزوج الأول؛ لأن الغلام صار ابنه وقد كانت هي زوجة الغلام الذي الآن صار ابناً له  وقد بينا أنه لا نظر إلى التاريخ وكذلك لو نكح زيدٌ كبيرةً، وعمرٌو صغيرة، ثم أبان كل واحد زوجته، فاستبدلا، ونكح كل واحد زوجة صاحبه، وأرضعت الكبيرة الصغيرة، أما الكبيرة، فإنها تحرم عليهما جميعاً؛ لأنها صارت أم امرأة هي زوجة كل واحد منهما، ولا نظر إلى التاريخ، وهي زوجةٌ الآن لأحدهما، وكانت زوجة  الثاني من قبل [وأما الصغيرة، فنقول: إن لم يدخل زيد بالكبيرة] ، فنكاح الصغيرة باقٍ؛ لأنها صارت ربيبة امرأة لم يدخل بها وإن كان الأول دخل بالكبيرة انفسخ نكاح الصغيرة  وقال ابن الحداد: لو أرضعت مستولدة ولد سيدها، ثم زوجها من غلامه الصغير، فأرضعته بلبانه، فلا شك في انفساخ النكاح، ولكن نقل ابن الحداد عن الشافعي أن المستولدة لا تحرم على السيد، ثم أعرض،  وقال: لا بد من أن  تحرم المستولدة على السيد؛ فإنها كانت زوجة من صار الآن ابناً له، والأمر كما قال  وكلام الشافعي محمول على تفريعه على فساد النكاح؛ فإنا قد نمنع تزويج المستولدات \rوذكر  الشيخ أبو علي وجهاً غريباً: أن السيد لا يزوج أمته من عبده؛ لانتفاء المهر فيخرّج على هذا أيضاً والآخر، أن التزويج من العبد الصغير لا يصح على قولٍٍ للشافعي   ثم أم الزوجة المنكوحة نكاحاً فاسداً، وزوجة الابن أيضاً على هذا الوجه غير محرمة؛ لأن النكاح فاسد، ولم يجر وطء  هذا محمل قول الشافعي رحمه الله، وإلا فالأمر كما ذكره ابن الحداد وهذا تمهيد هذين الأصلين، ونحن نستقصي بقية مقصود الباب برسم صور:-","part":1,"page":19},{"id":1729,"text":"الصورة الأولى: إذا كان تحته صغيرة وكبيرة، فأرضعت الكبيرة الصغيرة، نظر، إن أرضعتها بلبان الزوج حرمتا عليه على التأبيد؛ لأن الكبيرة صارت  من أمهات الزوجة، والرضيعة صارت من أولاد الزوج  وإن أرضعتها لا بلبان الزوج، إن كان بعد الدخول، حرمتا عليه أيضا على التأبيد أما الكبيرة فلما ذكرناه وأما الصغيرة صارت ربيبة من امرأة مدخول بها وإن كان قبل الدخول حرمت الكبيرة مؤبداً ؛ لما ذكرناه، وانفسخ نكاح الصغيرة؛ لأنها اجتمعت مع الأم في النكاح، ولا تحرم مؤبدة؛ لأنها ربيبة امرأة لم يدخل بها  أما الغرم، فقد قدمنا أصله، فإذا ظهر الفعل منها سقط مهرها قبل الدخول، وغرم الزوج مهر الصغيرة على التفصيل المقدم  \rالثانية: لو كان تحته كبيرة وثلاث صغائر، فأرضعتهن دفعة واحدة بأن أوجرت في حلقهن دفعة واحدة، حرمت هي على التأبيد؛ لأنها من أمهات نسائه، وانفسخ نكاح الصغائر لمعنيين: أحدهما: ثبوت الأخوة بينهن، واجتماعهن في النكاح، فيندفع النكاح عنهن والثاني: اجتماعهن مع الأم في النكاح ولم يحرمن مؤبداً؛ لأن تحريمهن بسبب الاجتماع ، ولكن يشترط  أن يكون الإرضاع لا بلبان الزوج، وأن يكون قبل الدخول بالكبيرة، حتى لا يصرن بناته أو ربائب امرأة دخل بها  وإن أرضعت الأوليين، ثم الثالثة، انفسخ نكاحها مع الأوليين، ولم ينفسخ نكاح الثالثة؛ إذ لم يبق في نكاحه امرأة حتى يمتنع تقدير الاجتماع، وهي  ربيبة امرأة لم يدخل بها \rولو أرضعت  واحدةً فواحدةً على الترتيب، انفسخ نكاح الكبيرة مع الأولى، ولم ينفسخ نكاح الثانية  وهل ينفسخ نكاح الثالثة، وقد أرضعتها، فصارت أختاً مع الثانية وهي  في نكاحه فيه قولان: أحدهما: أنه ينفسخ نكاحهما؛ لوجود الأخوة، وتعدد الجمع، وانحسام مسلك التعيين وهو مذهب أبي حنيفة  والثاني: أنه ينفسخ نكاح الثالثة دون الثانية؛ لأن سبب الجمع وجد فيها ","part":1,"page":20},{"id":1730,"text":"وعلى هذا إذا كان تحته صغيرتان، فأرضعتهما أجنبية على التوالي، انفسخ نكاح الثانية، وفي الأولى قولان  وكذا لو أرضعت أم إحدى الصغيرتين الأخرى، ينفسخ نكاح المرضَعة، وفي نكاح بنت المرضِعة قولان والأصح في الكل التدافع  وهو اختيار المزني  ولا وجه للقول الآخر إلا (بتنزيل)  الثانية منزلة الأخت (المدخلة)  على نكاح الأخت، وهو تخييل لا حاصل وراءه \rوكذلك لو كان تحته أربع صغائر، فجاءت ثلاث خالات للزوج من جهة الأب والأم، فأرضعت كل واحدة صغيرة، لم ينفسخ نكاحهن؛ لأنهن صرن بنات خالات الزوج ، فلا منع من نكاحهن  فلو جاءت بعد ذلك أم أم الزوج، أو امرأة أب أم الزوج، ولم تكن جدة الزوج، فأرضعت الرابعة، حرمت عليه مؤبدة؛ لأنها صارت خالة الزوج، وصارت خالة للصبايا الثلاث أيضاً؛ لأنها صارت أختاً للخالة التي أرضعتهن، وأخت الخالة خالة، فينفسخ نكاحها  وفي انفساخ نكاح الثلاث - وهن بنات أختها- وقد اجتمعن معاً في النكاح، القولان؛ لأن سب الجمع تحقق فيها آخراً \rالمسألة بحالها لو كانت الخالات الثلاث مفرقات ، إحداهن للأب، والثانية للأب والأم، والثالثة للأم، وجاءت أم أم الزوج، وأرضعت الرابعة، انفسخ نكاحها فأما الصغائر الثلاث، فالتي أرضعتها الخالة للأب لا ينفسخ نكاحها؛ لأن الخؤولة (للرابعة)  حصلت من جهة أم أم الزوج، والخالة للأب لا تتصل بها ","part":1,"page":21},{"id":1731,"text":"المسألة بحالها لو جاءت امرأة أب أم الزوج، فأرضعت الرابعة بلبان أب أم الزوج، ينفسخ نكاحها؛ لأنها صارت خالة الزوج للأب  وهل ينفسخ نكاح الثلاث أما التي أرضعتها الخالة [للأب أو للأب والأم، ففي انفساخ نكاحها قولان]   ولا ينفسخ نكاح التي أرضعتها الخالة للأم؛ لأنها أجنبية منها؛ لأن الخؤولة ثبتت لها من جهة أب أم الزوج، وهي خالة من جهة أم أم الزوج ويخرّج على هذه القاعدة فرض ثلاث عمات مجتمعات أو مفترقات،  أو فرض إرضاع الرابعة من أم أب الزوج، أو امرأة أب أب الزوج \rالصورة الثالثة: إذا كان تحت الرجل كبيرة، وثلاث صغائر، وللكبيرة ثلاث بنات، فأرضعت كل بنت، صغيرةً خمس رضعات، إن كان بعد الدخول، فقد حرمت الكبيرة على التأبيد؛ لأنها صارت جدة الصغائر، وحرمن الصغائر على التأبيد؛ لأنهن صرن ربائب امرأة مدخول بها وإن كان قبل  الدخول انفسخ نكاحهن بعلة الاجتماع مع الأم، ولم يحرمن على التأبيد وانفساخ نكاحهن إذا جرى الإرضاع دفعة واحدة من غير توالٍ ","part":1,"page":22},{"id":1732,"text":"[فإن جرى على التوالي]  والترتيبٍ، فينفسخ نكاح الكبيرة، وتحرم على التأبيد؛ لما ذكرناه، وينفسخ نكاح الصغيرة الأولى؛ لأنها اجتمعت مع الأم في النكاح، فإن أمومتها وبنوة هذه ثبتت بالرضاع (دفعة)  واحدة، ولا ينفسخ نكاح الثانية والثالثة؛ لأنهما لم تجتمعا [مع الأم]  في النكاح  فإن حلبن اللبن في ظرف واحد، وأوجر (الصبايا)  دفعة واحدة، حرمت الأم مؤبدة، واندفع نكاح الصغائر من وجهين: أحدهما: أنهن صرن أخوات؛ لأن الألبان إذا امتزجت، فقد وصل لبن  كل واحدة إلى كل صغيرة، واجتمعن أيضاً مع الأم في النكاح وأما الغرامة، فالمرضعات يشتركن في غرامة مهور الصبايا في هذه الصورة، ويشتركن أيضاً في غرامة مهر الكبيرة؛ لاشتراكهن في السبب  وإذا استبدت  كل واحدة بإرضاع صغيرة، استبدت بالتزام مهرها للزوج، واشتركن في التزام مهر الكبيرة؛ إذ ليس البعض منهن أولى من بعض، وقد استبدت كل واحدة منهن بسبب كامل في إبطال نكاح الأم ","part":1,"page":23},{"id":1733,"text":"الصورة الرابعة: نكح كبيرتين وصغيرتين، فأرضعت كل كبيرة بلبانه الصغيرتين على الترتيب [كل صغيرة خمس رضعات] ، فقد حرمت الكبيرتان والصغيرتان على الأبد ، غير أن الكبيرة الأولى لما أرضعت الصغيرة الأولى، فسد نكاحها ونكاح تلك الصغيرة؛ فإنها صارت بنت الزوج، وصارت الكبيرة من أمهات النساء ، ولما أرضعت الصغيرة الثانية فسد نكاحها أيضاً؛ إذ صارت بنت الزوج، فيسقط مهر الكبيرة إن كان قبل الدخول؛ لأن الانفساخ حصل  بفعلها، وتغرم مهر الصغيرتين للزوج على التفصيل المقدم في مقدار المهر  وأما الكبيرة الثانية إذا أرضعت، لم يفسد إلا نكاح نفسها؛ إذ صارت أم التي كانت زوجة له، فلا تستحق من المهر شيئاً، ولا تغرم للزوج شيئاً  وإن لم يكن إرضاع الكبيرتين بلبان الزوج، فإن كان بعد الدخول، حرمن لا محالة؛ لأنهن صرن ربائب نسوة مدخول بهن وإن كان قبل الدخول، فالكبيرتان تحرمان  على التأبيد؛ لأنهن أمهات النساء، والصغيرتان لا تحرمان على التأبيد، والخلل فيهن من الجمع \rفإذا أرضعت الكبيرة الأولى الصغيرة الأولى على الكمال، ثم أرضعت الثانية، فيرتفع نكاح الأولى؛ للاجتماع مع الأم المرضعة، والثانية لا يرتفع نكاحها؛ لأنها لم تجامع أمًّا في نكاح ولا أختاً، فإن نكاحها قد تقدم ارتفاعه ، فإذا جاءت الكبيرة الثانية ، فإن أرضعت الأولى على ترتيب الدورة  الأولى، حرمت الكبيرة في نفسها؛ إذ صارت من أمهات النساء، ولا نظر إلى التاريخ، فإذا أرضعت الثانية، لم ينفسخ نكاح الثانية؛ إذ لم يتحقق محرمية ولا جمع؛ إذ لم يبق سواها في النكاح  ولو ابتدأت الكبيرة الثانية بالصغيرة الثانية على العكس من الكبيرة الأولى، بطل نكاح الصغيرة الثانية للاجتماع مع الأم ، ثم حكم الغرم على ما قدمناه ، والله أعلم\rفرعان لابن الحداد في الغرم: -","part":1,"page":24},{"id":1734,"text":"أحدهما: أنه لو كان تحته ثلاث نسوة مرضعات وصغيرة، فأرضعت كبيرة رضعتين، وكبيرة أخرى رضعتين، والكبيرة الثالثة أرضعت الرضعة الخامسة، فلا تثبت الأمومة، وهل تثبت الأبوة فيه خلاف قدمناه فإن أثبتنا، انفسخ نكاح الصغيرة، والتزمت التي أرضعت الخامسة الغرم على (الخصوص) ؛ إذ الفسخ مقرون به  هذا ما ذكره الأصحاب\rقال الإمام: وفيه احتمال؛ لأنها صارت خامسة بتقدم الرضعات، فالمحرم الخمس دون الخامسة ويعتضد هذا الاحتمال بمسألة، وهو أن من شحن السفينة شحنة معتدلة، فجاء آخر فوضع فيها عدلاً حتى غرقت السفينة، فهل يختص هذا الواضع بالغرم، أم يشاركه [غيره]  فيه تفصيل، ولكن المنقول عن الأصحاب ما ذكره ابن الحداد  ثم قال الشيخ أبو علي: المسألة بحالها، لو أرضعت الكبيرة الأولى رضعة واحدة، والثانية رضعة واحدة، ثم اجتمعن مع الثالثة، وحلبن ألبانهن [وأرضعن]  دفعة  واحدة، فقد تم العدد، فإن هذا ثلاث رضعات؛ نظراً إلى تعدد المرضع على هذا المذهب الظاهر، فهن يشتركن في الغرم؛ للاشتراك في آخر الأمر ، ولكن ذكر الشيخ أبو علي وجهين في كيفية توزيع الغرم: أحدهما: التسوية بينهن، وقطع النظر عما سبق، فاختص به الأولى والثانية؛ لأن ذلك لم يحرم، وهو القياس  المنقول عن الأصحاب والثاني: أن الواجب على الثالثة خمس الغرم، ويجب على كل كبيرة خمسا الغرم؛ لأنا لا نعتبر ما سبق منهن إذا لم يعاونهن على التحريم (الأخيرة) ، فإذا جرى الاشتراك منهن، ظهر أثر ما يقدر في حقهن؛ إذ لهن في الصورة الأولى أن يقلن إنما توقفنا  على ما دون العدد مخافة من الغرم، فلا نلتزمه بفعل غيرنا ولا ينقدح هذا في غير هذه الصورة ","part":1,"page":25},{"id":1735,"text":"الفرع الثاني: لو كان تحته كبيرتان وصغيرة، فأرضعت كل واحدة الصغيرة أربع رضعات بلبان غير الزوج، لم تحرم؛ إذ لا أمومة ولا أبوة، فلو احتلبتا لبنيهما، وأرضعتا الخامسة معاً، وكان ذلك قبل الدخول، اندفع نكاح الكبيرتين؛ لأنهن صرن من أمهات النساء، ولم ينفسخ نكاح الصغيرة؛ لأنها ربيبة امرأة لم يدخل بها \rوالغرض النظر في مهر الكبيرتين، فقد سعت كل واحدة في إفساد  نكاح نفسها ونكاح صاحبتها، فيسقط نصف المهر؛ لوقوع الفراق قبل المسيس، ويسقط الربع من النصف الباقي؛ لأنها مشاركة في السعي، فتستحق على الزوج ربع المهر، وتغرم كل واحدة للزوج ربع مهر صاحبتها تفريعاً على الأصح من الأقوال التي نقلناها في تفصيل الغرم  والمسألة تضاهي اصطدام الفارسين؛ إلا أن هذا إنما يستقيم إذا حلبتا اللبن في ظرف، وحملتا الظرف معا، وأوجرتا معاً حتى بحال الحمل، ويفرض الاشتراك في الحمل على هذا الوجه \rفأما إذا انفردت إحداهما بالحمل والإيجار، فهي منفردة بالسبب، ولا نظر إلى الاشتراك في اللبن   ولو وضعت كل واحدة ثديها في فم الصبية، فكل واحدة مستبدة بالسعي في إفساد نكاح نفسها  ولا اشتراك فإن كان اللبن يمزج  في فم الصبية، وكذلك لو ألقمتها كل واحدة ثديها، وهي تمتص الثديين، فلا اشتراك في جميع هذه الصور؛ بل كل واحدة مستبدة؛ لأن انفساخ نكاحها بأمومتها، وأمومتها بفعلها ولبنها، وهي مستبدة بها، إنما يفرض الاشتراك في الصورة التي ذكرناها فقط  والله أعلم\r\rالباب الرابع: في النزاع في جريان الرضاع","part":1,"page":26},{"id":1736,"text":"ونحن نتكلم في حكم الدعوى، ثم في التحليف، ثم في الشهادة أما التداعي، فإن تقارّا على جريان الرضاع، حكم بانفساخ النكاح، ونتيجته سقوط المهر قبل المسيس، وإن كان بعده سقط المسمى، وثبت مهر المثل  وإن ادعى أحدهما، وأنكر الآخر، حكم بموجب قوله فيما عليه، وطولب بالبقية فيما له فإن ادعى الزوج انفسخ النكاح، ولم يسقط مهرها وإن ادعت المرأة سقط مهرها حتى لا تطالب إن لم تكن قبضت الصداق، وإن قبضت، فليس للزوج المطالبة بالرد، فإنه منكر للرضاع، وهي مستحقة للمهر بزعمه \rأما التحليف، فالمنكر للرضاع يحلف على نفي العلم بجريان الرضاع وهذا في جانب الزوج بَيَّنٌ، فإنه يحلف على نفي [فعل الغير، وذلك لايكون إلا على العلم ، وأما هي إن كانت منكرة وهي تدعي أنها ليست مرتضعة ولامرضعة، فتحلف على نفي]  العلم أيضاً؛ لأن الرضاع يجري في حالة لا تميز لها، والتحق بفعل الغير في المعنى ، ثم إذا نكلت رُدَّ اليمين عليه، فيحلف على البت على جريان الرضاع؛ [ونقل الصيدلاني عن القفال: أنه أيضا ًيحلف على العلم على جريان الرضاع]  لتكون يمينه مطابقاً لصيغة يمينها على الضد، وفي كلامه ما يدل على أنه الأولى، وهو جارٍ عنده في كل يمين تجري هذا المجرى  وحكى الفوراني أن ذلك مشروط، وهو فاسد؛ إذ لا فرق بين أن يجزم القول بجريان الرضاع، وبين أن يقول: أعلم أنه جرى \rأما الشهادة على إثبات الرضاع، فالكلام في أطراف:","part":1,"page":27},{"id":1737,"text":"الأول: في عدد الشهود وصفتهم أما العدد، فلا بد من أربع نسوة عند الشافعي  وقال مالك: يكفي إثنتان  وقال بعض أهل العلم: تكفي واحدة  وأما صفتهم، فتقبل شهادة النسوة (المنفردات)  وهن أربع  وقال أبو حنيفة: لا بد  من رجل وامرأتين، أو رجلين  ولو شهدت أم المرأة وابنتها، إن كانت هي المدعية للرضاع لأجل الخلاص عن المهر، لم يقبل قولها وإن كان هو المدعي قبل قولهما، فإنهما تشهدان عليها  ولو أنشآ الشهادة من غير دعوى على طريق الحسبة، فشهادة الحسبة تقبل في الرضاع كما تقبل في الطلاق، فالوجه قبولها؛ إذ (ليست)  الشهادة بأن تكون لها أولى من أن تكون عليها  وأما المرضعة، فإذا شهدت على الإرضاع، إن أرادت إثبات أجرة لنفسها، لم يقبل وإن أرادت إثبات فساد النكاح يقبل، وإن كانت تشهد على فعل نفسها؛ إذ ليس من غرضها إثبات الفعل؛ فإن التحريم منوط بوصول اللبن إلى الجوف، ولا أثر للفعل في التحريم  وقال الفوراني: إن شهدت على أنها ارتضعت مني، قبل، وإن قالت: أرضعتها، لم يقبل؛ لفساد الصيغة قال الإمام: وهذا غير سديد؛ إذ المقصود من الكل واحد \rالطرف الثاني: في التحمل، وينبغي أن يكون على علم وبصيرة، وذلك يحصل بأن يشاهد الصبية، وقد التقمت الثدي، وتمتص، [وتتجرع] ، ويسمع جرجرة التجرع، وكذا الحنجرة ترقى وتنخفض، فيحصل [له]  العلم القطعي بذلك  وإن كنا نكتفي بغلبة الظن (ونجوز للشاهد)  جزم الشهادة اعتماداً  عليها، (فيما)  لا وصول إلى العلم فيه كالملك، فإن الشاهد يشهد مستنداً إلى اليد والتصرف ","part":1,"page":28},{"id":1738,"text":"الطرف الثالث: في أداء الشهادة، فليجزم الشاهد القول بجريان الرضاع المحرم، فإن شهد على أن بينهما رضاع محرم، كفى، وإن شهد على جريان (الإرضاع) ، فليذكر شرائط الرضاع من العدد والوقت  وهل يجب ذكر وصول اللبن إلى الجوف، ترددوا فيه ، ولا شك في أن القاضي إن استفصل، فله ذلك، ولكن لو مات الشاهد قبل الاستفصال، فهل للقاضي التوقف فيه وجهان ، ومن اكتفى به علل بأنه لا يرى الوصول إلى الجوف، وتحل له الشهادة؛ بخلاف الزنا، فإنه لا يشهد عليه إلا من رأى ذلك منه في ذلك منها كالمرود في المكحلة  ولا خلاف في أنه لو حكى القرائن التي شاهدها عند الرضاع، لم يكف ذلك، وإن كانت  القرائن مستند علمه؛ لأن قرائن الأحوال تطلع المعاين على أمور لا يطلع عليها بالحكاية والله أعلم ","part":1,"page":29},{"id":1739,"text":"كتاب النفقات\rوليعلم أن موجبات النفقة ثلاثة: الزوجية، فإنها توجب النفقة على الزوج [والملك فإنه يوجب النفقة على المالك، والقرابة، توجب النفقة] من الجانبين ومقصود الكتاب يتهذب برسم أربعة أبواب:\rالباب الأول: في نفقة الزوجة\rوالأصل فيه من كتاب الله تعالى قوله عز وجل: حمل ذلك على كثرة العيال، والعجز عن الإنفاق في بعض التفاسير ومن السنة ما روي أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ((معي دينار، قال: أنفقه على نفسك [قال: معي آخر، قال: أنفقه على أهلك] فقال: معي آخر، قال: أنفقه على ولدك فقال: معي آخر: فقال: افعل به ما شئت))\rوجاءت هند بنت عتبة لما أن فتح مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة من قريش ليبايعنه فقال: ((أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً، فقالت: لو أردنا أن نشرك بالله لما أتيناك، فقال: أبايعكن على أن لا تسرقن، فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني ما يكفيني وولدي، ما أخذت منه سرًّا، فهل علي فيه شيء، فقال عليه السلام: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) فعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إنك لهند، فقالت: نعم، والإسلام يجب ما قبله ثم قال عليه السلام: ((أبايعكن على أن لا تزنين، فقالت: أف، أو تزني الحرة! فقال: أبايعكن على أن لا تقتلن أولادكن، فقالت: ربيناهم صغاراً، وقتلتموهم كباراً))","part":1,"page":1},{"id":1740,"text":"وأجمع المسلمون على وجوب الإنفاق على الأزواج  وجملة ما يجب عليهم خمسة أشياء: الطعام، والأدم، والسكنى، والكسوة، [وآلة التنظف كالمشط والدهن، والخادمة إن كانت ممن تُخْدَم  ثم الخادمة تستحق الطعام والسكنى والكسوة] ، وتستحق الخف لحاجتها إلى الخروج، والزوجة لا تستحق ذلك؛ فإنها ممنوعة من الخروج، وتستحق المِكْعَب  للتردد به في الدار ، والخادمة لا تستحق آلة التنظف، والزوجة لا تستحق المعالجة من الدواء والحجامة والفصد، وما يجري مجراها  ومقصود الباب يتهذب برسم فصول بعد هذا التفصيل:\rالفصل الأول: في مقدار النفقة\rوالكلام في الأشياء المذكورة، وفيه مسائل:\rالأولى: الطعام، فيجب عند الشافعي -رحمه الله- على المعسر مدٌّ ، وعلى الموسر مدّان، وعلى المتوسط مد ونصف  وقال أبو حنيفة رحمه الله: الواجب قدر الكفاية  ثم النظر إلى شرفها وصفتها وقال مالك رحمه الله: الواجب قدر الكفاية، والنظر إلى رغبتها في الطعام وزهادتها، فيجب [مايشبعها]  \rوفي المذهب إشكالان: أحدهما  مستند التقديرات مع وقيعة  الشافعي فيمن يتحكم بالتقدير والثاني: بيان مراتب الإعسار واليسار أما التقدير فمستنده الأول بطلان مذهب الكفاية؛ فإن مبناها  اتباع الحاجة في قلتها وكثرتها وأصل الحاجة لم يعتبر؛ فإنها تستحق في يوم مرضها وشبعها؛ بخلاف القريب ، وإذا بطلت الكفاية فالرجوع إلى تقدير الشرع، وقد أوجب الشرع المد في طعام الكفارة ، ولا شك أنه راعى فيه الوسط الذي يكتفي به الزهيد، ويتبلغ به (الحرور)  غالباً، فهذا أقل طعام أوجبه ثم ثبت في كتاب الله الفرق بين الموسر والمعسر؛ إذ قال تعالى:                  الآية","part":1,"page":2},{"id":1741,"text":"ثم الزيادات لا ضبط  لها، فالمعتبر أكثر طعام وجب في الشرع، وهو مدان في فدية الأذى ، والمتوسط يدور بين الرتبتين، فالزيادة، وهي المد تشطر في حقه، فاستقر على المد والنصف وهذه تقريبات قريبة بعد بطلان مسلك الكفاية، وهو مع ذلك مشكل  وقد نقل الشيخ أبو محمد قولاً قديماً غريباً أن الاعتبار بالكفاية ونقل صاحب التقريب أن الزيادة على المد لا ضبط له،  فالاعتماد على فرض القاضي، وهذا أقرب \rالإشكال الثاني: مراتب اليسار والإعسار، فنقول: من يستحق  سهم المساكين معسر، وهو الذي لا يملك شيئاً أصلاً ومن خرج عن حد المسكنة بقدرته على الاكتساب، لم يخرج عن حد المعسر  ، وإن خرج عن حد المسكنة بملك مقدار من المال لا بالقدرة، فهو في حد المتوسط  \rوإن كان يتسع عليه الأمر لو اكتسب؛ لقدرته على الاكتساب، ويزيد على قدر الحاجة، فقد يخطر للفقيه إلحاقه بالموسر ، ولكن لا وجه له، ولا يلحق أيضاً بالمتوسطين؛ فإنه لا مال له، فهو   ملحق بالمعسر ؛ إذ تكليفه اكتساب زيادة على الحاجة بعيد، فدل [على]  أنه ينتهي إلى حدّ التوسط بملك مقدار من المال، وينبغي أن يكون ذلك المقدار بحيث لو التزم الزيادة على مد ونصف، لأوشك  أن يعود إلى حدّ المعسرين وإن لم يلتزم لم يعد إليه ، ولا بدّ فيه من الالتفات إلى رخاء الأسعار وغلائها، فإن الأمر يختلف به اختلافاً بيناً \rفرع: المكاتب والعبد ومن نصفه حر ونصفه رقيق، عليهم نفقة المعسرين كيفما فرض الأمر لنقصان حالهم \rوقال المزني: من نصفه حر، ونصفه رقيق، يخرج نصف  نفقة الموسرين، ونصف نفقة المعسرين  هذا هو الضبط  في مقدار الطعام","part":1,"page":3},{"id":1742,"text":"أما الجنس، فإن عم في النفقة قوت واحد على الكل، فهو (المعتبر) ، وإن اختلف اختلافاً لا غالب فيه، فالمعتبر حال الزوج، وما يليق به في الجنس كما اعتبر في القدر فإن اختلف، ولكن غلب جنس، وحال الزوج بخلاف الغالب، فيتعارض الاحتمال، وهو محل التردد وهذا فيه إذا كان ما يتناوله الزوج لائقاً به، وعندنا لا اعتبار بحال المرأة \rالمسألة الثانية: الأدم، فقال الشافعي رحمه الله: مكيلة زيت أو سمن  ولم يختلف علماؤنا في أنه (لا تقدير فيه) ؛ إذ الطعام وجدنا للتقدير مستنداً ، ولا مستند ههنا، فيجب ما يكفي للمد أو للمدين على اختلاف الحال والرجوع في الجنس إلى الغالب في البلد أو عادة الزوج، على ما تفصل في الطعام \rوأما اللحم، قال الشافعي رحمه الله: يشتري في كل أسبوع رطلاً من اللحم إن [كان]  الطعام مدًّا، وإن كان مدّين فرطلان  فاختلف الأصحاب؛ قال العراقيون: بنى الشافعي هذا على عادة الفقهاء، فإن اقتضى العرف زيادة، لم يقتصر على هذا القدر، ويختلف ذلك بالأصقاع  وحكى الشيخ أبو محمد عن القفال أنه لا مزيد؛ لأن الشافعي في هذا يقتصر على سد الحاجة، ولا ينتهي إلى الترفه، ولذلك لم يوجب على الملك إلا مدين، وإن كان يسيراً في العرف والأول أصح؛ إذ لتقدير الطعام مستند، ولا  مستند لتقدير اللحم، فوجب الرد إلى العرف وتقدير القاضي \rفرعان: أحدهما: أنها لو كانت تزجي الوقت بالخبز القفار، لا يسقط حقها عن الأدم كما لا يسقط عن الطعام وإن لم تأكل \rالثاني: أنها لو تبرمت بجنس واحد من الأدم، فيه وجهان: أحدهما أنه يلزمه إبداله؛ إذ لا عسر عليه في تبديل الجنس، والثاني: أنه لا يلزمه؛ بل عليها أن (تتصرف)  فيه بالإبدال وهذا التردد في الجنس الذي استقر عليه الأدم إذا تبرمت به ","part":1,"page":4},{"id":1743,"text":"المسألة الثالثة: الخادمة إذا كانت المرأة ممن تُخْدَم لرتبتها، فيجب الإنفاق على خادمتها  وإن كانت تخدم، وهو في حقها مجاوزة حد لا يليق بمنصبها، فلا يجب نفقة خادمتها، وإن كانت تخدم لمرض ، فكذلك؛ إذ الدواء والمعالجة لا تجب على الزوج  وإن كان بها زمانة أو ضعف دائم، وهي تخدم لذلك، فهذا  محل النظر؛ لأن هذه حاجة دائمة، فرعايتها ليست أبعد من رعاية المروءة والحشمة \rثم الواجب على المعسر مد للخادمة [كما للزوجة] ؛ إذ لا أقل منه، وعلى الموسر مد وثلث ، قدره الشافعي به ، واختلفوا في مستنده؛ قال القفال الشاشي: مستنده الميراث، فإنهما شخصان يتفاوتان في الرتبة، ولهما حالة زيادة ونقصان كالأب والأم في الميراث، ثم حالة النقصان يتساويان، ولكل واحد منهما السدس، وذلك عند وجود الولد؛ إذ لا أقل من السدس، وإن لم يكن ولد، فللأب الثلثان، وللأم الثلث، فقد زاد للأب ثلاثة أمثال ما يزاد [للأم، فكذلك]  يزاد للمخدومة عند اليسار ثلاثة أمثال ما يزاد للخادمة، فتكون الزيادة لها الثلث؛ إذ الزيادة للمخدومة  المد  ومنهم من قال: مستنده المخدومة، فإنه يزاد لها عند اليسار مثل ثلث ما كان لها قبل اليسار، فكذلك يزاد للخادمة مثل ثلث ما كان لها [قبل اليسار]  \rوهذه (تقريبات)  لا تفيد (غلبة)  الظن، فلعل الأولى أن يقال: الموسر زادت عليه أنعم الله تعالى فليزد في الإنفاق، ولا ضبط في الزيادة والنظر في  الثلث قريب؛ إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله أعطاكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم))  وهذا أيضاً ضعيف ، ولكن لا مزيد على ما ذكرناه، وهي مسالك تليق بأصحاب   أبي حنيفة، ولا تليق بمذهب الشافعي ولكن لما بطلت الكفاية عنده، اكتفى بمثل هذه (التقريبات)  ","part":1,"page":5},{"id":1744,"text":"فروع ستة: أحدها: أنها إذا لم تملك خادمة، وأخدمها  الزوج جاريته أو حرة، سقطت عنه مؤونة الخدمة، ولا يلزمه أن يستأجر حرة أو  أمة بأكثر من نفقة الخادمة، ولا أن يشتري جارية ؛ إذ لو فعلنا  ذلك لوقعنا في مذهب مالك -رحمه الله- في إيجاب الكفاية، وربما لا يتمكن من الاستئجار بالقدر الواجب للخادمة، وإنما ينتظم الأمر إذا كان لها خادمة، فيقيد التقدير بهذا المقدار \rالثاني: لو قالت المرأة: أخدم نفسي، فسلّم إليّ نفقة الخادم، فهذا فيه نظر، والظاهر أنه لا يجب؛ لأنها أسقطت مرتبتها، وإنما الواجب المحافظة على رتبتها  \rالثالث: لو قال الزوج: أنا أتولى الخدمة، فله ذلك فيما لا يستحيي منه ككنس البيت، وطبخ الطعام، وما يجري مجراه وما يستحيي منه كحمل مائها  إلى المستحم، وما يتعلق بالأمور الخاصة، فللمرأة الامتناع؛ إذ المقصود دفع الضرر فيما يتعلق بالمروءة، واحتمالُ هذا عظيمٌ، فعلى هذا لا بد من خادمة للأمور الخاصة  ولكن الزوج إذا تحمل البعض، فهل تستحق الخادمة النفقة التامة يتجه فيه وجهان يلتفتان على الخلاف في أن السيد إذا استخدم الأمة نهاراً، وسلمها ليلاً، هل تستحق تمام النفقة فيه خلاف ، ثم يوزع [على]  الليل والنهار بالسوية وههنا [أيضاً]) يحتمل التشطير، ويحتمل النظر إلى مقادير الأفعال فأما الليل والنهار فهما متقابلان متساويان، لا يبين فيهما التفاوت \rالرابع: لو كان لها خادمة، فأراد إبدالها، إن [رابه]  منها أمر، جاز [ذلك] ، ولا يرتفع الأمر فيه إلى القاضي ولا إلى مخاصمة، والرجوع فيه إليه، وإلا فلا يجوز الإبدال؛ لأن قطع الألف شديد ، ولو كان معها خدام، فله إخراجهن من الدار؛ إذ ليس عليه السكنى لهن ولا نفقة ، وله أن يمنع أباها وأمها وأقاربها من الدخول عليه؛ إذ الدار ملكه ، وله أن يمنعها من البروز (إليهم)  للزيارة أيضاً، فإنها محبوسة بحقه  ","part":1,"page":6},{"id":1745,"text":"الخامس: لو نكح رقيقة، وهي تُخْدَم لجمالها، نقل العراقيون وجهين: أحدهما: لا (يلتزم)  نفقة خادمتها؛ فإن الرق ينافي هذا المنصب والثاني: أنه يلزم؛ لأن ذلك غير مستنكر في العادة \rالسادس: أن الخادمة هل تستحق الأدم وجهان؛ منهم من قال: تستحق؛ لأنه تبع للقوت والثاني: لا، بل تكتفي بما تفضله  المخدومة ، والرجوع  فيه إلى العادة ثم إذا أوجبنا، فمقداره مقيس بمقدار قوت الخادمة، لا بمقدار أدم المخدومة (وجنسها)  مختلف فيه؛ منهم من قال: يتحد الجنس، ومنهم من قال: يجوز أن يكون أدمها في الجنس دون أدم المخدومة، والرجوع فيه إلى العادة \rوهذا النظر أيضاً يجري في مقدار اللحم لها، وفي الجنس أيضاً \rالمسألة الرابعة: الكسوة ، وهي واجبة، ولا تتقدر؛ إذ الشرع لم يقدر كسوة الكفارة، والسر فيه أن النساء على تفاوت في القدود، وضبط متوسط يكتفي به الكل بعيد؛ بخلاف الطعام، فلا بد من الكفاية فيه، وذلك يختلف بالبقاع [والأحوال]  والأشخاص، ولا ضبط له \rفأما الجنس، فقد قال الشافعي رحمه الله: على الموسر ليّن البصرة، وعلى المعسر خشن البصرة وغليظه -وأراد به الكرباس  - وعلى المتوسط ما بين ذلك \rقال العراقيون: بناه الشافعي على عادة بلدته، فلو اعتادت المرأة لبس الحرير والكتان والخز، ولم يعتد  ذلك مجاوزة حد، يجب مثل ذلك [منها]  على الزوج؛ إذ لا تقدير \rوعلى هذا إذا عظم يسار الرجل تغير أصناف الثياب وقال الشيخ أبو محمد: لا مزيد على ما ذكره الشافعي، فهو لبسة الدين، وما وراءه ترفه ورعونة ولا نظر إليها في الشرع \rأما الخادمة فلا شك في أن جنس كسوتها يخالف جنس كسوة المخدومة، وإن كان جنس القوت لا يخالفه ، وفي جنس الأدم تردد ذكرناه ثم قالوا: كفاية الصيف قميص وخمار وسراويل، وكفاية الشتاء ذلك مع جبة تدفع البرد على ما يليق بالزمان والمكان ","part":1,"page":7},{"id":1746,"text":"قال الشافعي: ولها ملحفة  وشعار  ومضربة  وثيرة ، وللخادمة بالليل كساء  وأصل هذا واجب، وتفصيله وقدره وجنسه يختلف بالعادة اختلاف  الكسوة ثم قال العراقيون: وتحت المضربة لبد  أو حصي  ر وهل لها زليَّة  تفرشها في النهار فعلى وجهين  واقتصروا في الفراش على هذا القدر، ولم يردوا إلى العادة وهذا يدل في الكسوة على أن قدر الكفاية يكتفى به، وما يكون من التجميل والتزين، فلا ينظر الشرع إليه \rويتصل بهذا إعداد ماعون الدار كظروف الماء والقدر للطبيخ ، ويقع الاكتفاء بالخزف ، والحجر، وطلب النحاسية  قد يليق بالشريفة، وقد يعدّ ذلك ترفهاً، فهو كالزيادة على ليّن الكرباس وغليظه كما ذكرناه \rالمسألة الخامسة: آلة التنظيف  واجبة على الزوج، كالمشط والدهن، فإن طلبت مزيداً، كالكحل والطيب، فلا يجب، فإن ذلك يتعلق بحظه، وما تدفع به أذى الروائح الكريهة عن نفسها، كالمرتك  للصنان ، فإن كان لا يتأتى قطعه بالماء والتراب، فيجب؛ فإنها تتأذى بذلك في نفسها \rفإن قال الزوج: الدهن يراد [لإزالة]  (الوسخ)  والتزين، فأما إزالة الوسخ فأتكلفه بغيره، وأما التجمل فلا أريده، فظاهر كلام الأصحاب أن الدهن واجب، وفيه احتمال؛ لما ذكرناه \rولا شك في أن للزوج أن يمنعها مما يتأذى به إذا تعاطته، كالأطعمة الكريهة وكذلك لو كانت تتعاطى ما يؤثر تأثير السموم في قتلها، كما أنه يمنعها عن قتلها نفسها والأطعمة التي تمرض غالباً فيه وجهان؛ منهم من قال: لا يمنعها؛ لأن الأمر في هذا يطول ويدق فيه النظر، وهو غيب \rوأما الخادمة، فقد قال الفوراني: ليس لها المشط والدهن وآلة التنظف   وذكر الصيدلاني أن شعرها إن تلبد، وكانت تتأذى بالوسخ والهوام، فيجب السعي في إزالة ذلك، وقد يحتاج فيه [إلى]  المشط  وهذا حسن متجه\rوأما الدواء في المعالجات، فلا يجب لها ولا لخادمتها ","part":1,"page":8},{"id":1747,"text":"المسألة السادسة: في المسكن:\rوالسكنى واجب، ويجب أن يسكنها مسكناً يليق بها في السعة والضيق ولم يعتبروا في القوت ما يليق بها؛ بل اعتبروا ما يليق به والضابط [أن]  ما المقصود منه الإمتاع، فالنظر  إلى جانبها، وما  المقصود منه التمليك، فالنظر إلى جانبه تلقياً من قوله تعالى:       الآية \r\rالفصل الثاني : في كيفية الإنفاق\rأما الطعام  فيجب تمليكه، ولها المطالبة بأن يملكها الحب، ويملكها مؤونة الإصلاح من الخبز والطبخ والطحن، وما تحتاج إليه  ولها أن تمتنع من قبول الخبز  ولو حملها [على]  أن تأكل معه من غير تمليك أو مع تمليك، فلها الامتناع، فإنها لا تتسلط على التصرف على حسب الإرادة، والنفقة مستحقة استحقاق الأعواض في هذا المعنى \rفروع:\rأحدها: أنها لو أخذت الحب، واستعملته بذراً أو باعته، فهل لها مؤونة الإصلاح يحتمل أن يقال: ليس لها ذلك؛ لأن الإصلاح ليس ركناً مستقلاًّ بالاستحقاق، وإنما هو تابع للحاجة، والقياس أن ذلك لها \rالثاني: لو كانت تأكل مع الزوج من غير اعتياض [وتمليك] ، فهل تسقط به نفقتها [فيه]  وجهان: القياس أن لا تسقط؛ لأنه لم يجر إسقاط ولا اعتياض والثاني: أنه تسقط، وهو اللائق  بباب النفقات ؛ إذ ظهر ذلك في الأولين ظهورا لو طلبت المرأة نفقة الزمان [السابق] ، لكان يعدّ منكراً، فكان لها طلب الحب إذا لم تكتف بماله ","part":1,"page":9},{"id":1748,"text":"الثالث: لو اعتاضت عن النفقة دراهم، ففيه وجهان: أحدهما: المنع؛ لأنه مستحق في اعتياض، فأشبه المسلم فيه [فلا يعتاض عنه]  قبل القبض والثاني: أنه يعتاض كقيم المتلفات؛ إذ ليس هذا على قياس الأعواض ، ولو رضيت بالخبز، واعتاضت عن الحب، فوجهان مرتبان، وأولى بالمنع ؛ لأنه لا يتعلق بباب الربا ووجه التجويز أنها كالقابضة لحقها، ولكنها تركت مؤونة الإصلاح والتعليل بهذا يوجب أن يكون المأخوذ خبزاً من جنس الحب [المستحق]  \rالرابع: لها المطالبة بالنفقة صبيحة اليوم، ولا تتوقف على الانقضاء ، ثم قطعوا بأنها لو ماتت في أثناء النهار لا تنتزع من تركتها، ولو نشزت، فيسترد منها \rالخامس: (لو)  قدّم إليها نفقة أيام، فهل تملكها وجهان، أحدهما: أنها تملك كالديون المؤجلة والثاني: أنها لا تملك؛ لأن سبب الاستحقاق غير مستيقن، فربما تموت، وتسقط \rثَمَّ إذا ماتت فإن قلنالم تملك، استرد من تركتها، وإن قلنا ملكت، فوجهان: أحدهما: يسترد؛  إذ تبين أن لا استحقاق والثاني: لا؛ لأنه حكم بالملك، فصار كما إذا ماتت في أثناء النهار  ولا خلاف في أنها لو نشزت لاستردت هكذا ذكره العراقيون، وفي  الفرق بين الموت والنشوز عسر \rأما الكسوة، فقد اختلفوا في أنه هل يجب تمليكها منهم من أوجب كالنفقة، منهم من اكتفى بالإمتاع؛ إذ لا تقدير فيه، وأمره على الكفاية \rفروع:\rأحدها: لو سلم إليها كسوة الصيف، فتلفت في يدها من غير تقصير، إن قلنا إنه إمتاع، يجب التجديد، وإن قلنا إنه تمليك، فوجهان ذكرهما العراقيون والظاهر لا يجب التجديد ومنهم من قال: يجب؛ لأن مبناه (في)  الجملة على الكفاية وهذا ضعيف ","part":1,"page":10},{"id":1749,"text":"الثاني: لو أتلفت بنفسها، فإن قلنا تمليك، فلا تجديد، وإن قلنا إمتاع، فالظاهر أن التجديد واجب؛ لأنها تضمن القيمة، فكأنها لم تتلف وفيه احتمال من إعفاف الأب وتجديده عند تطليقة ولكن هذا يتجه في مطالبتها قبل الضمان للقيمة، فأما في الأصل فلا يتجه؛ فإنها ضمنت ما فوتت؛ بخلاف الأب \rالثالث: لو ماتت في أثناء الصيف فيه وجهان، وهو مبني على الإمتاع والتمليك، فإن قلنا إمتاع، فيسترد من تركتها، وإن قلنا تمليك، فالصيف بالنسبة إلى ثوب الصيف كاليوم بالنسبة إلى النفقة، فلا يسترد، ولا شك في أنه يسترد بالنشوز على كل مذهب \rفأما الخادمة، فلا يجب على الزوج الشراء والتمليك أصلا، ونفقة الخادمة كنفقة المخدومة في التمليك، وفي تصوير تمليكها عسر؛ فإنها لا تملك ، وإن كانت حرة كانت مستأجرة بأجرة مقدرة، وإنما يتصور هذا في حرة رضيت بأن تخدم بنفقة الخادمة ، فيجب الإنفاق عليها، ولا يكون هذا عقداً لازماً، ولكنها ترضى به، وتطالب صبيحة كل يوم كما تطالب  المرأة، ثم لا يلزمها الإتمام؛ بل إن بدا لها ردت النفقة  وهذا شاذ لا نظير له ولكن لا بد من القول به؛ إذ ذلك يتصور تمليك نفقة الخدمة، ثم هذه تستحق التمليك في النفقة كالزوجة  \rوأما السكنى وماعون الدار، فكل ذلك متاع محض، لا تمليك فيه، وكذلك القول في فراش البيت  والله أعلم\r\rالفصل الثالث: في الأحوال التي لا تجب النفقة فيها","part":1,"page":11},{"id":1750,"text":"وتمهيد هذا الفصل بالتنبيه على مثار القولين المستخرجين من كلام الشافعي رحمه الله في أن النفقة تجب بالعقد أم بالتمكين ومثاره أنه لا تجب قبل العقد، فالزوجية (هي)  السبب، ولا تجب مع النشوز، فظهر  له تعلق بالتمكين، فاحتمل أن يقال إنها وجبت بالتمكين؛ إذ الصداق هو الواجب بالعقد، ولذلك (يسقط)  بالنشوز، ويحتمل أن يقال: (أنها تجب)  بالعقد، فإنه السبب، ولكن (شرطه)  أن لا يكون منها نشوز، فإن نشزت منعت النفقة دُعاءً إلى التمكين، والدليل عليه أنها تجب للمريضة والرتقاء، ولا تمكين؛ لأنهما معذورتان، ولا سبيل إلى إسقاط النفقة على الدوام وعلى الجملة، ليست النفقة [له]  على قياس الأعواض، ولا ينكر أنها وجبت على الزوج في مقابلة ما استحقه عليها من  التمكين، فلا يبعد أن يقال به، وصارت محبوسة في (حبالته) ، فلا يبعد أن يقال [هي]  في مقابلة الحبس \rوفائدة الاختلاف تظهر فيما إذا تنازعا في التمكين، والغرض تقدير النفقة وسقوطها، فإن قلنا: إنها تجب بالعقد بشرط عدم النشوز، فالقول قولها، وعليه إثبات النشوز، [وإن قلنا: تجب بالتمكين، فعليها اثبات التمكين، وكذلك لم تطالب الرجل بالزفاف وكانت ساكنة غير ناشزة فإن قلنا: تستحق بالتمكين، فلا نفقة لها في مدة السكون] ، وإن قلنا تستحق بالعقد بشرط عدم النشوز، فلها النفقة؛ إذ لم يوجد منها نشوز  وإذا تأسس أصل الكلام، فنقول بعده:\rالموانع من الاستمتاع:\rالأول: النشوز، وهو مسقط للنفقة وفاقاً ومعنى النشوز: الامتناع من التمكين مع إمكان الاستمتاع والتهيؤ [له]  \rفروع: أحدها: لو خرجت بغير إذن الزوج فهي ناشزة ، ولو خرجت بإذنه في (حاجته) ، فليست ناشزة، وتستحق النفقة  ولو خرجت في شغل نفسها بإذنه، ففي استحقاقها النفقة خلاف ينبني على القولين؛ إن قلنا إنه منوط بالتمكين، فلا تمكين وإن قلنا إنه منوط بالعقد مع انتفاء النشوز، فلا نشوز ","part":1,"page":12},{"id":1751,"text":"الثاني: لو طلب الزوج الزفاف، فامتنعت مع التمكين، فهي ناشزة ، وإن كانت معذورة  بمرض أو غيره، فليست ناشزة  (والمرض) ، وإن كان مانعاً من الاستمتاع، لا يسقط النفقة، وكذلك الرتق والقرن، فإن ذلك أمر دائم لا سبيل إلى إسقاط النفقة به \rولو تعللت بعذر المرض، وكان الاستمتاع يضر بها، فقال الزوج: سلموها إليّ، ولا أطؤها، فلا يؤتمن في ذلك، وإن أنكر الزوج كون الاستمتاع مضراً، وما تدعيه من عذر، فشهد أربع نسوة، ثبت، وإن شهدت امرأة واحدة، فيه خلاف مأخذه أنه هل يسلك به مسلك الأخبار حتى يقبل ممن يوثق به وإن كان السبب ظاهراً موافقاً لما تدعيه، فلها أن تحلّف الزوج على نفي العلم بذلك \rالثالث: أنها لو نشزت في بعض النهار، هل تستحق بعض النفقة فيه خلاف يقرب من الخلاف في الأمة إذا كان السيد يسلمها ليلاً، ولا يسلمها نهاراً، ففيه ثلاثة أوجه، ويجب كمال النفقة في أحد الوجوه وهذا الوجه لا جريان له ههنا، ولكنا  نقول على أحد الوجهين: لا تستحق شيئاً؛ لأن اليوم لا يتبعض، فلا سبيل إلى التجزئة والثاني: أنها تستحق البعض فعلى هذا لو كانت تُلازم النشوز في أحد الجديدين، شطرنا النفقة كما في حق السيد من غير نظر إلى طول الليل وقصره وإن كان في بعض اليوم، فلا سبيل إلى رعاية مقادير الأزمنة \rالرابع: إذا نشزت، فغاب الزوج، فعادت إلى الطاعة، فإن كانت فارقت مسكن النكاح فعادت، ففي عود نفقتها وجهان: أحدهما: أنه تعود لزوال المسقط والثاني: أنه لا تعود ما لم ترفع الأمر إلى القاضي، ولم يحكم بطاعتها \r(ثم)  لا بد (و)  أن يعلم الزوج حتى يعود [فإن انقضت مدة إمكان العود ولم يعد فعند ذلك تعود]  نفقتها ","part":1,"page":13},{"id":1752,"text":"وأما إذا كان النشوز بسبب خفي كالردة في غيبة الزوج، فلا (تستحق)  النفقة في زمان الردة فإذا عادت قبل انقضاء العدة، قال العراقيون: تعود نفقتها وقال المراوزة: لا بد من الرفع  كما في النشوز الظاهر ، فتحصلنا في النشوز الخفي على طريقين، وفي النشوز الجلي الظاهر على وجهين \rوأما المجنونة إذا نشزت، فلا نفقة لها وإن [لم]  نقض بصورة النشوز \rالمانع الثاني: الصغر: وفيه صور:-\rإحداها: أن تزوج صغيرة من بالغ، ففي نفقتها قولان: أحدهما: أنها تجب كما تجب للمريضة المدنفة التي لا يتأتى بها استمتاع بحال [من الأحوال، وكما]  تجب للمستحاضة والرتقاء وهذا ينطبق على قولنا: النفقة [تجب]  بالعقد على شرط انتفاء النشوز والثاني: أنها لا تستحق؛ لأن الصغر نوبة [من العمر]  معلومة، والمرأة فيه لا تتهيأ للاستمتاع، والمرض تارات يضطرب، فلا سبيل إلى اتباعها، والرتق عذر دائم لا انقطاع له، فإدامة الحبس عليها طول العمر مع نفي النفقة محال \rفأما إذا زوجت بالغة من صغير لا يتأتى منه الاستمتاع، فقولان مرتبان، وأولى بالإيجاب؛ إذ المنع في جانبه، ووجه الإسقاط النظر إلى نوب العمر، فإنه ليس يتهيأ للاستمتاع، ولو لم ننظر إلى هذا، لأوجبنا للصغيرة، فإنها معذورة، وإن كان المنع منها، وحكى الفوراني أنها إن كانت جاهلة بصغره، استحقت النفقة، وإن كانت عالمة فقولان \rفأما إذا تزوجت  صغيرة من صغير فقولان مرتبان على الصورة السابقة، ولا يخفى وجه الترتيب، ثم لا نعني بالصغير المراهق الذي تتأتى منه صورة الجماع؛ بل نعني به من لا يتأتى له ذلك أصلاً، ثم إذا أوجبنا النفقة للصغيرة، استقرت في زمان (السكون) ، ولم تخرج على القولين المذكورين قبل هذا؛ إذ لا معنى لوعد الزفاف والحالة هذه، نعم، إذا انتهت إلى التهيؤ للاستمتاع، وجرى سكون من الجانبين، خرّج استقرار النفقة على القولين ","part":1,"page":14},{"id":1753,"text":"المانع الثالث: التلبس بالعبادات: وهي الإحرام والصيام والصلاة أما الإحرام، فإن أحرمت بإذنه، فليس له أن يحللها، فإذا خرجت فهذا سفر منها في شغلها بإذنه، وقد ذكرنا فيه الخلاف  وهل تستحق النفقة قبل الخروج فطريقان؛ منهم من طرد الخلاف، وهو (الأقيس) ؛ فإن أنواع الاستمتاع ممتنع مع الإقامة ومنهم من قطع بوجوب النفقة؛ لأنها بعدُ تحت يده، وقد فعلت ما فعلت بإذنه ، ثم إذا أحرمت بإذنه وخرجت، فلا فرق بين أن يكون  ينهاها الزوج عن الخروج أو يرضى به، حتى يطرد الخلاف في النفقة؛ لأن الإذن في الإحرام إذن في الخروج، ولا خلاص لها سوى الخروج هذا ما ذكره الأصحاب وحكى الصيدلاني عن القفال: أنه إذا نهاها عن الخروج، فخرجت، سقطت النفقة وما ذكره الأصحاب أولى \rفأما إذا أحرمت  بغير إذنه، فللشافعي -رحمه الله- تردد في أن الزوج هل يحللها وأنه هل يفرق بين النفل والفرض  فإن  قلنا يحللها، فما دامت مقيمة، لا تسقط نفقتها؛ لأنها تحت يده، وهو مع ذلك قادر على تحليلها، وذكر الفوراني وجهاً أنها لا تستحق؛ لأنها ناشزة بالإحرام، والناشزة، وإن قدر الزوج على ردها إلى التمكين بقهر، لم تستحق النفقة؛ لأنه ربما يعسر عليه ذلك، فكذلك ربما يرتاع  عن تحليلها \rفأما إذا قلنا: لا يحللها، وخرجت، لا تستحق النفقة \rوإن أقامت، فهل تستحق في مدة الإقامة الوجه القطع بأنها لا تستحق، وذكر الصيدلاني وجهين، ووجه الاستحقاق أنها مقيمة، وليست ملازمة للنشوز ، وأما الامتناع، فخارج عن مقدرتها  بعد الفراغ من الإحرام، فضاهى هذا التردد فيما لو ردّى نفسه من شاهق، فانخلعت قدماه في أن القضاء هل يجب عليه ","part":1,"page":15},{"id":1754,"text":"أما الصيام في رمضان، لا تسقط به النفقة؛ فإنه من الوظائف، [كالطهارات والصلوات ، فإن قيل: إذا قامت حج الإسلام فهي من الوظائف، فينبغي ألاتسقط نفقتها ، قلنا: في تجويز ذلك لها تفصيل طويل مذكور في الحج، وحيث يجوز، يحتمل إلحاقه بالصوم؛ لأنه من الوظائف] ، والفرق أظهر؛ لأن الصوم لا يمنع جميع أنواع الاستمتاع، والليالي متخللة، وهي وقت الاستمتاع، والحج مانع على الجملة، وليست على الفور أيضاً، وإنما جاز لها البدار [أيضاً]  صيانة من الغرر لغرض يرجع إليها، لا لإيجاب الشرع  فأما صوم التطوع، فيقدر الزوج على قطعه، وكذلك صوم نذر نذرته بعد النكاح، ثم إذا قدر على تحليلها، ففي سقوط نفقتها وجهان مرتبان على الإحرام إذا قدر على تحليله وههنا أولى بالاستحقاق؛ لأن نفس الاستمتاع ههنا يجوز من غير تعاطي تحليل، ثم يحصل التحليل، وفي الإحرام لا بد من التحليل أولاً \rفرعان: أحدهما: أن الأصحاب اختلفوا في منعها من أداء الصلاة في أول الوقت ، ويجري هذا في رواتب السنن ، ويجري في بدارها إلى قضاء الصوم إذا كان على التراخي  والظاهر أنه لا منع؛ لأن المنع من الرواتب عظيم \rالثاني: أن صوم عاشوراء وعرفة يلتحق من بين الصيام بالرواتب؛ لأن الأخبار فيها متوافرة، ولو كانت تعتاد أيام الأثانين (والخمايس) ، فللزوج منعها؛ فإنه تعطيل ظاهر، ومهما امتنعت، وجوزنا للزوج المنع، فهي ناشزة \rالمانع الرابع: العدة: وفيه مسائل:\rإحداها: المعتدة عن الشبهة في صلب النكاح، هل تستحق النفقة على الزوج ذكر الأصحاب خلافاً مطلقاً؛ لأنها لم تقصد نشوزاً، فهي معذورة وعلى الجملة، حصل الامتناع بفعلها، والوجه أن يفصّل، فإن وطئت في نوم أو غشية أو إكراه، فنفقتها دارّة، وإن مكّنت على ظن، فيتجه فيه التردد؛ لأنه لا سبيل إلى إنكار فعلها والثاني: لا أثر له في أمثال ذلك ","part":1,"page":16},{"id":1755,"text":"فرع: لو علقت من الواطئ بالشبهة بولد، فيبنى حكم النفقة على أن الواطئ هل يلزمه النفقة وذلك ينبني على أنها للحمل أم للحامل على ما سيأتي فإن قلنا النفقة للحامل، فلا نفقة عليه، وتجب على الزوج، وإن قلنا النفقة للحمل، فتجب على الواطئ بالشبهة، فلا سبيل إلى الجمع بين النفقتين، فيقدم الواطئ للحمل، ولا تجب على الزوج؛ لأنها استبدلت عوضاً؛ بخلاف ما إذا كانت حائلاً \rالمسألة الثانية: المعتدة عن الطلاق الرجعي تستحق النفقة؛ لأنها زوجة محبوسة، حاملاً كانت أو حائلاً، فلو وطئت بالشبهة، فنفقتها في بقية عدة الزوج دائمة إن لم تعلق بمولود، وإن علقت بمولود، فعدة الواطئ [مقدمة]   وهل للزوج الرجعة قبل عودتها إلى عدته فيه خلاف ؛ قال الأصحاب: إن قلنا: يرتجع ، فتجب النفقة وإن قلنا: لا يرتجع فوجهان ومنهم من قال: إن قلنا لا يرتجع فلا نفقة، وإن قلنا يرتجع فوجهان وهذا أرسخ في الفقه  ثم إذا أوجبنا [النفقة]  أوجبنا السكنى والأدم والكسوة، ولم نسقط إلا آلة التزين، فإن الزوج ممتنع عنها \rفرع: لو قال الزوج لزوجته وقد وضعت الحمل منه: طلقتك بعد الوضع، فلي الرجعة، وقالت: بل طلقتني قبل الوضع، فانقطعت الرجعة بالوضع، فالقول قوله؛ لأنها تدعي عليه تطليقاً قبل الوضع، وهو المطلّق نعم، لا نفقة لها؛ [لأنها]  بزعمها بائنة  ، ولو قال: طلقتك قبل الوضع، وأنت الآن بائنة لا نفقة لكِ، وقالت: بل طلقتني بعد الوضع، ولي النفقة، فالقول قولها؛ لأن الأصل بقاء النفقة، وهو يدعي سقوطها بالوضع، [نعم]  لا رجعة له؛ لأنها بزعمه بائنة  هكذا قاله ابن الحداد ","part":1,"page":17},{"id":1756,"text":"المسألة الثالثة: المعتدة البائنة عن الطلاق  لها السكنى على الأحوال والنفقة إن كانت حاملاً ، والرجوع فيه إلى نص القرآن ، ولا مستند سواه ثم أطلق الأصحاب القولين في [أن]  النفقة للحمل [أو]  للحامل بسبب الحمل: أحدهما: أنها للحمل؛ لأنها بائنة، والبائنة لا تستحق النفقة إذا كانت حائلاً، ولم يتجدد إلا الحمل والثاني: أنها للحامل؛ لأنها لا تتقاعد عن الحاضنة، ولو انفصل الولد لوجبت النفقة للحاضنة، وهو قبل الانفصال أولى والقائل الأول يقول: لو (وجبت)  للحمل (لسقطت)  بمرور الزمان، ولما (تقدّرت)  بمقدار، ولاختلف برغبتها وزهادتها في الطعام  وفي هذا نظر سنعود إليه\rفرعان: أحدهما: أن الحر إذا طلق زوجته المملوكة الحامل بولد رقيق، فهل تجب النفقة قال الأصحاب: قولان، فإن قلنا: النفقة للحمل، فلا تجب؛ لأنه لو انفصل لكانت النفقة على السيد، لا عليه وإن قلنا: للحامل، فتجب كالنفقة في صلب النكاح؛ لأن علقة النكاح إذا اقتضت النفقة، نزلت منزلة صلب النكاح  وهذا البناء ضعيف؛ لأن من أوجب النفقة للحامل يوجبها بسبب الحمل على تقدير كونها حاضنة، ومؤونة الحضانة على  الزوج  ولا مأخذ للقولين إلا التردد في موجب نص القرآن، وهو أنه بعمومه يتناول الحرائر والإماء؛ إذ قال تعالى:         والقياس أن لا نفقة [لها] ، فإنها (بائنة)   فتردد الشافعي في الحامل المملوكة، وهي الأمة، هل تدرج تحت العموم، ويترك القياس فيه، أم يقال ليست هي مرادة؛ إذ مساق الكلام يشعر بإرادة الحرائر، حيث ضرب أجلاً بعود المرأة بعد مضيها  إلى الاستقلال، والأمة لا تستقل بنفسها بعد ما مضى الأجل فهذا ما ينقدح مأخذاً للتردد دون البناء على الحمل والحامل ","part":1,"page":18},{"id":1757,"text":"الفرع الثاني: أن الرقيق إذا طلق زوجته الحرة، وهي حامل بولد طلاقاً بائناً، قالوا: في نفقتها قولان: بناءً على أنَّ النفقة للحمل أم للحامل  وهذا أيضاً ضعيف؛ لأنه وإن كان للحامل، فهو بسبب الحمل، ونفقة القرابة لا تجب على الرقيق، فمأخذ التردد ما ذكرناه من النظر في عموم الآية، واستثناء الأرقاء عنه إجراءً على القياس؛ لإشعار مساق الكلام، (بأن)  المراد منه الأحرار المستقلون \rالمسألة الرابعة: المعتدة عن فراق من جهة الفسخ، نُظِرَ، فإن كان الفسخ من جهته كالانفساخ بردته، فحكمها حكم المطلقة؛ لأن هذا الفسخ يشطر الصداق [كالطلاق]  ، وإن كان الفسخ منها أو منه بسبب منها، فهذا الفسخ يسقط تمام الصداق، وهل يسقط النفقة قال الأصحاب: قولان، بناءً على أن النفقة للحمل أم للحامل؛ فإن قلنا: للحمل، لا يسقط، وإن قلنا: للحامل سقط  وهذا أيضاً ضعيف؛ لأن الولد منه، وهو من أهل الالتزام، فلتجب عليه مؤونة الحاضنة، وهي في محل الحضانة، كما وجبت في المطلقة؛ إذ لا فرق في ذلك بين الطلاق والفسخ، وليس هذا من علائق النكاح حتى يقضى بالسقوط  بالفسخ فيها فالوجه رد هذا التردد إلى العموم، فإنه ورد في الطلاق وهذا الجنس من الفسخ ليس في معناه، ولذلك ظهر أثره في (الطلاق) ، فلا يلحق به؛ فإنه لا يعقل المعنى في إيجاب النفقة للحامل مع البينونة [أصلاً]  \rالمسألة الخامسة: المعتدة عن فراق اللعان، إن كانت حائلاً، لا نفقة لها  وإن كانت حاملاً، ولم ينتف الحمل، فالنسب لاحقٌ، والنكاح ينفسخ إذا ترك نفي الحمل، وقلنا: له النفي، ففي وجوب النفقة طريقان منشأهما: أن هذا الفراق من قبيل فراق الطلاق أو فراق فسخ بسبب من جهتها؛ منهم من قال: هي منكرة بسبب اللعان، فهو كالطلاق، ومنهم من قال: على الجملة، يستند إلى فعل منها بزعم الزوج والأول أصح ","part":1,"page":19},{"id":1758,"text":"وهذا التردد بعينه جارٍ في تشطر المهر، فإن أحلنا الفراق عليها، سقط كمال المهر، وإلا فلا \rوأما إذا نفى الحمل، فالنسب ليس منه، فقد قطع الأصحاب بسقوط النفقة ههنا، سواء قلنا للحمل أو للحامل  وهذا مشكل على طريقة الأصحاب؛ فإن الولد المملوك النسيب، لا نفقة له إذا انفصل، كالذي لا نسب له وكان ينبغي أن تجب النفقة إذا قلنا: النفقة للحامل، على قياس ما قالوه وما ذكروه في اللعان قياس، والمشكل التردد في المملوك \rفرع: لو أنفقت على الولد المنفي [باللعان] ، ثم أكذب نفسه، رجعت عليه؛ لأنها بذلت على ظن الوجوب، ثم بان خلافه ولأن لها ولاية الاستدانة   على الزوج؛ لقصة هند رضي الله عنها وذكر الشيخ أبو علي وجهاً أنها لا ترجع، وتشبّث فيه بالمنع من الاستدانة، وحمل قصة هند -رضي الله عنها- على القضاء من الرسول عليه السلام بذلك، وللقاضي أن  يحكم به ","part":1,"page":20},{"id":1759,"text":"المسألة السادسة: المعتدة عن وطء الشبهة إذا كانت خلية عن النكاح؛ قال الأصحاب: إن قلنا: النفقة للحمل، فتجب، وإن قلنا: للحامل فلا  وهذا ضعيف؛ لأنه [إن وجب للحاجة بسبب الحمل فلتجب ههنا؛ إذ مؤونة الحمل عليه إذا انفصل و]  إن وجب للحامل لا بسبب الحمل، (فلتجب للبائنة الحائل)  فدل أن إخراج الحمل عن كونه سبباً غير ممكن على القولين جميعاً فمنشأ هذا التردد أن الحمل المجتنّ ، هل نوجب مؤونته فعلى قول: نوجب كالمنفصل، وهو ظاهر، وعلى قول نقول: هو الآن جزء منها، وإنما يستقل عند الانفصال، ولذلك لا يجب عليه إخراج الفطرة عن الحمل، ولا نوجب الزكاة في ماله إن كان له مال على الرأي الأظهر  ولا يجوز إعتاقه عن الكفارة هذا ما ذكره الأصحاب من بناء المسائل على القولين  وما ذكره الإمام من تزييف وجه البناء في بعض المسائل وليس يبعد عندي ما ذكره الأصحاب؛ فإن الإمام إنما بنى [على]  تزييف البناء على النفقة إذا وجبت للحامل وجبت بسبب الحضانة، فقال: [لا]  ينبغي أن يقطع بوجوبها في المفسوخ نكاحها، (و)  بعدم وجوبها في الزوج الرقيق والزوجة الرقيقة ","part":1,"page":21},{"id":1760,"text":"والأصحاب لم يتخيلوا [هذا القول]  على هذا الوجه؛ إذ لو تخيلوه لترددوا في المطلقة البائنة الحامل، ولبنوا  أمرها على القولين كما في المفسوخ نكاحها، ولكنهم اعتقدوا في الأصل تردداً في أن الحمل المجتنّ هل تلزم  مؤونته، أم يقال: لا نظر إليه في حال الاجتنان فمن اعتقد أنه تلتزم مؤونة، تشوّف إلى إجراء الآية على القياس، وزعم أن النفقة تجب بسبب الحمل وهذا القائل يوجبها في المفسوخ نكاحها، وعلى الواطئ بالشبهة، ولا (يوجبها)  في الزوج الرقيق والزوجة الرقيقة والقائل الثاني لما اعتقد أن الجنين لا تلزم مؤونته، قال: النفقة للحامل لا بطريق الحضانة، ولكن بعلقة النكاح، وأنها وجبت في الرجعية لما أن كانت على علقة، فقدّر بقاء  النكاح علقة موجبة للنفقة لها لا بطريق  حكم الحضانة، ولكن بحكم النكاح عند وجود الحمل فعلى هذا لم (تجب للمفسوخ نكاحها) ؛ لأن علائق النكاح به تسقط كما يسقط المهر وأوجب في الزوج الرقيق والزوجة الرقيقة، ولم يوجب على الواطئ بالشبهة والبناء بعد هذا الاعتقاد سديد، وعلى  هذا قطعوا بأن الحامل بالحمل المنفي باللعان لا تستحق؛ لأن العلقة الاشتغال بحمل الزوج من وطء النكاح، والزوج منكر ذلك، (والنسب)  منتفٍ عنه \rالتفريع: إذا قضينا بوجوب النفقة إما في صورة القطع أو في صورة القولين، فهل يجب التعجيل قبل الوضع قال الأصحاب: فيه قولان  بناءً على الحمل هل يعرف وهذا البناء مضطرب؛ إذ للحمل أحكام في الخَلِفات في الدية وغيرها، ولا سبيل إلى إنكار أن الحمل لا يقطع به، وقد يغلب على الظن غلبةً تقرب من اليقين، ولكن الأحكام على الانقسام، فمنها ما يثبت بهذا الظن، ومنها ما لا يثبت ، وقد ذكرنا سرّ هذا الفصل في كتاب اللعان ","part":1,"page":22},{"id":1761,"text":"توجيه القولين: من قال لا تجب النفقة، قال لأن البينونة مسقطة، والحمل غير مستيقن، فلا تثبت إلا بيقين ومن قال تجب، تمسك بقوله سبحانه:             فالنص يدل على اعتبار الحمل في هذا المعنى كما دل في الدية على اعتباره؛ إذ قال: ((أربعون خلفة في بطونها أولادها)) ، وعلى هذا، لو أخر حتى وضعت الحمل، فهل تسقط إن قلنا: [للحمل] ، سقط؛ لأنه نفقة قريب، وإن قلنا: للحامل، لا يسقط \rفأما إذا قلنا: لا يجب التعجيل، فلا سبيل إلى إسقاطه بمرور الزمان، فإن الإيجاب مع ذلك لا يفيد \rومما يتفرع على القولين ثلاث مسائل:\rإحداها: أنها لو كانت لا تكتفي بالمقدر في مدة الحمل، فهل يزاد فيه طريقان؛ منهم من قال: إن قلنا: النفقة للحمل، فالواجب هو الكفاية كيفما زادت ونقصت وإن قلنا: للحامل، فوجهان؛ أحدهما: أنه لا مزيد، كما إذا كانت حاملاً في صلب النكاح والثاني: أنه يزاد؛ لأن الحمل ههنا ظهر النظر إليه؛ إذ النكاح مرتفع، فلا إضرار بالولد ومنهم من عكس، وقال: إن قلنا: للحامل، فلا مزيد، وإن قلنا: للحمل، ففيه وجهان وهذا  لأنا على كل قول نلتفت على معنى القول الآخر، وعن هذا (تغمض)  مأخذ القولين ","part":1,"page":23},{"id":1762,"text":"الثانية: أنه لو أنفق عليها، ثم بان أنها لم تكن حاملاً، فهل يسترد إن قلنا: يجب الإنفاق في الحال، أو طالبه القاضي به، يرجع؛ لأنه بذل على ظن الوجوب، فأخلف ظنه، فصار كما إذا ظن أن عليه ديناراً، فلم يكن، أو أدى زكاة مالٍ  غائب على أنه باقٍ، فإذا هو هالك ، فإنه يرجع في هذه الصورة؛ إذ لم يجر منه تمليك، وإنما جرى أداء حقٍّ، ولا حقّ، فدام ملكه  وإن قلنا: لا يجب الإنفاق، فعجل، فإن شرط الرجوع رجع، وإن أطلق فوجهان؛ أحدهما: أنه يرجع؛ لأنه بناه على ظن أنه يستحب، فصار كما إذا بنى على ظن أنه قد وجب والثاني: أنه لا يرجع؛ لأنه متبرع في الحال، فتنجز الملك، ثم يحمل على جهة التبرع إن لم تسلم جهة الاستحقاق وهذا يلتفت على نظيره في تعجيل الزكاة وهذا أولى بالرجوع ؛ لأن الوجوب ههنا [يستند]  بالتبين إلى حالة الإنفاق؛ بخلاف الزكاة، ومهما كان الوجوب أظهر، كان الرجوع أولى \rفإن قيل: إذا [أنفق]  على المنكوحة، ثم بان أن النكاح فاسد، هل يرجع قلنا: إن كانت حاملا فلا؛ لأنها تستحق النفقة على قولنا النفقة للحمل ، وإن كانت حائلاً، أو قلنا: لا نفقة لها، فقد قطع الأصحاب بأنها لا تسترد ، وإن صرح الزوج بأني إنما بذلته على [ظن صحة]  النكاح، والسبب فيه أن السلطنة في حكم الظاهر ثابتة له عليها بناءً على اعتقاد الصحة، والعادة جارية بالإنفاق بناءً على اعتقاد الوجوب في مقابلة السلطنة الناجزة في مقابلة احتباسها، فلا يرجع أصلاً  ","part":1,"page":24},{"id":1763,"text":"الثالثة: إذا طلقها وهي حامل، ثم مات الزوج قبل انقضاء العدة، لم تنتقل إلى عدة الوفاة إذا كان الطلاق بائناً، قال ابن الحداد، ولا تخرج النفقة من التركة [فأما]  إن قلنا: إنه للحمل، فنفقة القريب بعد الموت لا تجب، وإن قلنا: للحامل، فنفقة الحاضنة [أيضاً]  لا تجب  قال الشيخ أبو علي: ليس كذلك؛ لأن نفقة الحمل وجبت عند الطلاق دفعة واحدة، والتحق بالديون، واعتضد بنص الشافعي -رحمه الله- على أن هذه تستحق السكنى مع أنه ردد القول في وجوب السكنى للمرأة إذا توفي عنها زوجها، فدل أنه اعتقد وجوب النفقة  قال الإمام: والصحيح ما ذكره ابن الحداد؛ لأن نفقة الحمل يجب يوماً فيوماً كالنفقة في صلب النكاح  هذا ما ذكره، وما ذكره الشيخ أبو علي ليس بعيداً عن الاحتمال؛ فإنا بينا على قولنا: إن النفقة تجب للحامل ليس بطريق الحضانة، وإنما ذلك بجعل الشرع بقاء الحمل نازلاً منزلة علقة الرجعة، وهذه العلقة باقية بعد النكاح؛ لأن العدة لم تنقطع، وسببها متقدم في النكاح ","part":1,"page":25},{"id":1764,"text":"فرع: إذا انقضت على الرجعية (صور الأقراء) ، وبدا بها حمل، كنا نتوقع وضعه قبل أربع سنين وإلحاقه بالزوج، فلا نقضي بانقضاء العدة، فلو تراخى عن أربع سنين، وتبين العلوق به بعد الأقراء، تبين انقضاء العدة بالأقراء، وليس لها إلا نفقة مدة الأقراء  فإن قالت: انقضت أقرائي في أربعة أشهر، فتستحق نفقة هذه المدة؛ لأنها مؤتمنة في رحمها، وللزوج أن يحلفها  وإن قالت: لا أدري في كم انقضت أقرائي، قال الأصحاب: إن كانت لها عادة مستقيمة، استحقت مقدار مدة العدة، وإن قالت: عاداتي مضطربة، ولكن أذكر أقل عاداتي ، فتستحق النفقة (لمدة أقل)  العادات وإن قالت: لا أذكر الأقل أيضاً، فتستحق النفقة لأقل مدة نتصور فيها انقضاء الأقراء؛ لأنه المستيقن، وهي لا تدعي مزيداً  قال الإمام: ويحتمل في الصورة السابقة إذا قالت: لا أدري، أن لا تستحق إلا الأقل، فإنه المستيقن، واضطراب العادات غير مستنكر  وقد اعترض المزني في هذا الفصل على (الشافعي)  اعتراضاً لا يطابق لفظ الشافعي، فلا فائدة في التطويل بنقل النص ونقل الاعتراض \r\rالفصل الرابع: في الإعسار  بالنفقة\rوقد اختلف [قول الشافعي]  في أنه هل يثبت حق الفسخ على وجهين: أحدهما: أنه لا يثبت؛ لأن النفقة من التوابع، ومقصود النكاح الاستمتاع دون النفقة، والنكاح لازم بعيد عن الفسخ وهذا معتقد أبي حنيفة  والثاني: أنه يثبت حق الفسخ؛ لأنها لا تستحق الاستمتاع، ثم تفسخ بعذر الجب ، فبأن تفسخ بالنفقة وهي تملك المطالبة بها أولى   وهذا تمهيد الفصل، ثم الكلام في أطراف:","part":1,"page":26},{"id":1765,"text":"الطرف الأول: في بيان التعذر، فإن كان الرجل فقيراً، ولكن كان ينفق يوماً يوماً، فلا فسخ، ولا   تعذّر ، وإن كان فقيراً، ولا يقدر على الكسب [فهذا هو التعذر، وإن كان يقدر على الكسب وهو لا يكسب، فهذا يبتني على أنه هل يجب على الرجل الكسب]  لينفق على زوجته ـ وسيأتي ذلك ـ فإن أوجبنا، فهو كالغني الممتنع [عن الإنفاق]  وفيه طريقان؛ منهم من طرد القولين، ومنهم من قطع بأنه لا فسخ؛ فإنه مقتدر، وإنما هذا ظلم، وليس من قبيل العيوب وهذا فيه إذا لم تقدر المرأة [على]  أخذ طائفة من ماله، ولا قدر السلطان على إخراجه من ماله ، فإن قدرت على شيء من ذلك، فنقطع بأنه لا يثبت الفسخ \rالطرف الثاني: فيما يثبت العجز عند الفسخ ، وفيه مسائل:\rإحداها: أن الأصل فيه العجز عن جملة (القوت) ، ولو كان موسراً فأعسر، ولم يقدر إلا على نفقة المعسرين، فلا نقول عجز عن البعض؛ بل رجعت النفقة إلى هذا القدر، فلا فسخ \rالثانية: لو قدر كل يوم على نصف مدّ، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يثبت الفسخ، فإن أقل القوت مد، والثاني: أنه لا يثبت، فإنه كفاف على حال، فلم يتحقق العجز عن الكل ؛ إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طعام الواحد يكفي الاثنين))  وعن هذا خصصنا  هذا التردد بالنصف، ولم نجره في الثلث \rالثالثة: الإعسار بالأدم: الظاهر أنه لا يثبت حق الفسخ؛ لأنه في حكم  التابع، وقال الشيخ أبو محمد: لست أقول إلا هذا وإن قاله غيري، وهذا تشبيب منه بخلاف ووجهه أنه جزء من النفقة، فإنه لا يسقط عن المعسر بخلاف المد الواحد  ","part":1,"page":27},{"id":1766,"text":"الرابعة: الإعسار بالكسوة والمسكن: فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يثبت حق الفسخ؛ إذ النفس تبقى دونهما بخلاف القوت ومنهم من قال يثبت؛ لأنه مستحق وقد تعذر وبنى أصحابنا هذا على أنه إمتاع أو تمليك، وهو غير سديد؛ فإن المسكن إمتاع قطعاً، وفيه هذا الخلاف، فهذا مأخوذ من أن الفسخ مستند إلى الضرار العظيم، أو إلى فوات مستحق كيفما كان، والتردد في هذه المسائل يدور عليه \rالخامسة: الإعسار بنفقة الخادمة، وفيه خلاف مأخذه ما نبهنا عليه \rالسادسة: لو أعسر بنفقة ما مضى، وقدر على نفقة اليوم، فلا خيار [إذ لاضرار] ، وما مضى دين في ذمته لا يتوقف تقرره على فرض القاضي ؛ خلافاً لأبي حنيفة  ثم القرار في ذمته على أصلنا فيما تستحق التمليك فيه أما الإمتاع، فلا يتصور تدارك الفائت منه \rالسابعة: الإعسار بالمهر إن كان، فطريقان: منهم من طرد قولي النفقة [فيه] ، ومنهم من قطع بأن لا يثبت، وهو الأصح؛ لأن المهر ليس كفاية وإمتاعاً حتى يتعلق بفوته [ضرار] ، ولا هو على قياس الأعواض؛ إذ لا يفسد النكاح بفساده، ولا يرتد برده، فإثبات الفسخ به لا وجه له\rفإن كان الإعسار قبل المسيس فلا فسخ  وذكر الفوراني طريقة في طرد القولين ؛ قال الإمام: وهو غلط؛ إذ لم يختلف الأصحاب في أن لها المنع من التمكين لتسليم المهر، فإذا سلمت نفسها مرة واحدة، فليس لها المنع بعد ذلك، وهذا أهون من (التسليط)  على الفسخ \rلو أكرهت على الوطء، فهل لها المنع بعد ذلك لتسليم الصداق فيه خلاف ","part":1,"page":28},{"id":1767,"text":"الطرف الثالث: في ماهية الرفع: والصحيح أن الرفع الثابت بالإعسار طريقه الفسخ كما في الجب ، ومنهم من قال: طريقه طريق الطلاق كما في الإيلاء، وهو بعيد؛ إذ النفقة مستحقة بتوجه المطالبة [بها]  وقد فاتت؛ بخلاف الوطء، فإنه لا يتوجه المطالبة به، ولكن هذا يعارضه الفسخ بالجب والعنة، فإنه استند إلى الوطء، فكان فسخاً مع أنه لا مطالبة بالوطء، ولكنه من قبيل العيوب، فاثبت الفسخ والإيلاء في حكم منع المستحق، وكذلك العجز عن النفقة  وللقائل الأول أن يقول: لا بل هذا عجز عن المستحق، فضاهى  العنة \rالتفريع: إن قلنا: طريقه طريق الطلاق، فلا سبيل لها إلى الرفع  إلا الرفع إلى القاضي حتى يحبسه ليطلق [فإن طلق] ، وإلا طلق القاضي عليه طلقة رجعية كما في الإيلاء، ثم تستحق النفقة وهي في العدة، ولكن لا بد من العدة، فلا خلاص منها، فإن راجعها طلق القاضي ثانياً وثالثاً إلى أن يستتمّ \rوإن قلنا : هو فسخ، فالذي ذهب إليه المحققون أن إثبات الإعسار في مجلس القاضي لا بد منه، فإن ذلك أمر يخفى مدركه كالعنة، ثم إذا ثبت، فلها أن تتعاطى [الفسخ]  بنفسها، ولا حاجة إلى إنشاء القاضي \rفرع: لو فسخت قبل الرفع  إلى القاضي مع تحقق التعذر ، لا ينفذ الفسخ ظاهراً ، وهل ينفذ باطناً حتى إذا ثبت الإعسار (متقدماً)   في زمان الفسخ، اكتفينا بالفسخ السابق فيه تردد لا يخفى وجهه، ولعل هذا فيه إذا قدرت المرأة على الرفع إلى القاضي، فإن لم يكن في الصقع حاكم ولا محكم، فالوجه إثبات الاستقلال لها بالفسخ \rالطرف الرابع: في وقت الفسخ: فإذا توجهت المطالبة  بالنفقة، فاستمهل الزوج، هل يمهل فيه قولان: أحدهما: أنه لا يمهل لتحقق العجز مع توجه الطلب والثاني: أنه يمهل ثلاثة أيام كما في المرتد وهذا تقدير أثبته الشرع في مثل هذه المواضع ","part":1,"page":29},{"id":1768,"text":"التفريع: إن قلنا إنه لا يمهل، فلو أصبحت المرأة، وطلبت النفقة، فلها الطلب كما  طلع الفجر، (فإن قال)  الزوج: أمهليني حتى (ينبسط)  اليوم وأكتسب، فليس لها المبادرة [إلى]  الفسخ، وإن جرى [ذلك]  في مجلس القاضي؛ إذ لا خلاف في أن من عليه الحق إذا اعترف به وقال: أزنه في السوق، وأحمله إليك، لا يحبس  نعم، له أن يوكل به من يطالبه، وليس للمرأة ذلك في حق الرجل ؛ لأن شطر الناس يصبحون لا نفقة لهم، فيكسبون، فالاعتماد في هذا على العادة وهذا يبين ضعف هذا القول لا محالة وعلى هذا إلى متى التأخير يحتمل أن يقال: إلى شطر النهار، فإن تأخير الأكل إليه ضرار، ويحتمل أن يقال: إلى غروب الشمس، فإنها منهلة الصائم، ويحتمل أن يقال: حتى ينقضي اليوم والليلة؛ إذ النفقة لهما، والليل تابع، واستقرار الحق يمضي, والعجز عن الحق متحقق بعد استقراره، وهذا هو الأوجه على هذا القول، وهو تصريح بالإمهال؛ إلا أنه رد له إلى يوم وليلة، ولكن لا بد من هذا الإمهال \rفإن قيل: فما معنى قول الأصحاب: النفقة تجب بطلوع الفجر قلنا: معناه أنه يجب وجوباً موسعاً كما في الصلاة، أو معناه أنه إن قدر وجب عليه التسليم، وإن ترك عصى به ربه، ولكن لا يحبس فيه، ولا يخاصم \rوتتفرع على هذا القول مسألتان:\rإحداهما: أنه لو اعتاد الإتيان بالطعام ليلاً، فلها حق الفسخ؛ لأن ذلك تكليف صوم الدهر، وهو ضرار، وليس ما يحتمل نادراً محتملاً إذا تكرر، فإن اتفق التأخير في يوم واحد، لم يثبت الفسخ، وإن تكرر ثبت \rالثانية: أنه لو قال صبيحة اليوم: أنا عاجز، ولست أتوقع لنفسي انبساطاً في بياض النهار، فهل يثبت لها الفسخ ناجزاً على هذا القول وإن كنا لم نثبت  لو لم يصرح به هذا فيه تردد واحتمال لا سبيل إلى إنكاره \rأما التفريع على قول الإمهال, [ففيه]  مسائل:","part":1,"page":30},{"id":1769,"text":"إحداها: أنه لو قدر على النفقة صبيحة اليوم الرابع، فليس لها الفسخ، وإن كان (عاجزاً عن تدارك)  الأيام الثلاثة؛ لأن ذلك ثبت ديناً في ذمته، وما مضى لا يثبت الفسخ به، ولم نعتبر تلك المدة ليأتي بنفقتها؛ بل أمهلناه لنتبين حقيقة الإعسار \rولو قالت: أخذت هذه النفقة عن الأيام الماضية، وأنا افسخ الآن للعجز، فليس لها [ذلك] ؛ لأن الاعتماد على قصد المؤدّي أن يوقع عن نفقة  الوقت \rالثانية: أنه لو قدر في اليوم الثالث، وعجز عن الرابع، هل يستأنف المهل الظاهر أنه لا يستأنف؛ بل يكمل به المهل الأول ومنهم من قال: يستأنف؛ لأن العجز قد انقطع بالعذر، وهذا أمر مستأنف، وهو ضعيف؛ لأن الزوج يتخذ ذلك عادة، فينفق يومًا ويترك يومين ولعل هذا القائل لا يحمل ذلك إلا [عن]  ما يقع عن وفاق، وما صار معتاداً لا يحمله \rالثالثة: المطالبة صبيحة اليوم الرابع، فإن قال: حتى أنبسط في بياض النهار، لم يمهل؛ بخلاف ما ذكرناه على قول ترك الإمهال؛ إذ [قيل] : فائدة المهل تنجّز الحق عند انقضائه \rفلو قال الزوج: أعود في اليوم الخامس إلى الاعتياد، حتى لا تستحق علي الفسخ في صبيحة النهار، فكيف الوجه وإلى متى يؤخر (تضيق المطالبة وتنجيز)  الفسخ الوجه فيه أن يقال: إن ظهرت قدرته بما يعتد ثروة ويساراً يوثق به، رجع في الخامس والسادس إلى العادة، وأبعد  من الإعسار بالكلية، وصار كأن لم يكن، وإن كان قدرته بفتوح مال يغني في يوم أوفي أسبوع على التقريب، فالطلبة دائمة صبيحة كل يوم، والفسخ يتبعه إذ استئناف المدة في كل يوم عسير، ولكن اليوم الخامس والسادس كاليوم الأول على قول ترك الإمهال، واليوم الرابع لها أن تفسخ صبيحة اليوم إذا لم يسلم والضبط في مثل هذا عسير، والمحكم فيه اعتقاد أهل العرف، وجميع ما ذكرناه مستند إلى العرف ","part":1,"page":31},{"id":1770,"text":"الرابعة: لو مضت (مدة المهل) ، فرضيت  بالمصابرة مدة، ثم رجعت إلى طلب الفسخ، لها ذلك وقال الصيدلاني: يستأنف المدة لها؛ بخلاف امرأة المولي إذا رضيت، ثم رجعت \rوالفرق أن مدة الإيلاء مضروبة بحكم النص، طلبت أو لم تطلب، ورضاها لا يمنع مضيها، وقد مضت وزيادة فأما المهل ههنا لا ينقضي قبل طلبها، فإن تعلق بطلبها سقط أثره  برضاها، فإذا استأنفت الطلب، استؤنف المهل، والفرق دقيق، والتسوية أيضاً (محتمل غير بعيد) ؛ لكن الفرق غوص \rفإن قيل: لم جاز لها الرجوع بعد الرضا، ولو رضيت بالعنة، فليس لها الرجوع قلنا: العنة في حكم خصلة واحدة تعدّ عيباً، فإذا رضيت بها، فالرجوع يناقض الرضا، فأما الإعسار بالنفقة سببه ضرر دائم لا عيب فيه، وهو متجدد، فرضاها يتناول الحال أو المتعرض، وهي  إذا رجعت فسخت بإعسار جديد، وضرار متجدد، وكانت كامرأة المولي \rفإن قيل: لو قالت: رضيت بهذا أبداً قلنا [هذا] : لا أثر له؛ لأنه وعد  بالرضا، وبذل لسان لا يتصور الوفاء به، [و]  إنما الرضا يتصور ثبوته إذا تضمن إسقاط حق ثابت ولا حقّ في الحال، حتى يسقط (برضاها)  وإنما هذا ضرار متجدد يتجدد الحق به  وكذلك القول في الإيلاء؛ بخلاف العنة، فإنها في حكم عيب كائن يتصور الرضا به، ولهذا قلنا: إذا نكحت مع العلم بالإعسار، ثبت لها الفسخ؛ لأن الحق متجدد ، ولو نكحت مع العلم (بالجب) ، لم يثبت الفسخ \rفإن قيل: لو قالت أبرأت عن نفقة عشر سنين، أليس يصح إبراؤها على أحد الوجهين قلنا: نعم؛ لأنه إسقاط مصرّح به فيما ثبت بسبب وجوبه، فجاز أن يعمل، أما تركها طلب الفسخ ليس إسقاطاً؛ بدليل أنه لو أيسر، فلها طلب النفقة، (فأما)  هذا ترك في الحال، أو بذل لسان  باحتمال ضرار في المستقبل، فلا يجب الوفاء به \rالطرف الخامس: فيمن يثبت له طلب الفسخ، وفيه مسائل:","part":1,"page":32},{"id":1771,"text":"إحداها: أن الحرة المكلفة مستقلة بطلب الفسخ، وليس لوليها خوض في الفسخ بالإعسار بالنفقة، ولا بالإعسار بالمهر، والصغيرة والمجنونة أيضاً كذلك، وإن كان ذلك في سني القحط ، وأدى ذلك إلى ضياعها أو إلى عسر عظيم؛ لأن رفع النكاح يتعلق بحقها الخاص، والشرع لم يجوز الطلاق على الطفل وإن ظهرت المصالح، والفسخ  من هذا القبيل؛ إذ لا أرب (للولي)  فيه يتعلق بخاص حقه \rالثانية: الأمة وحق الفسخ لها، (فإن)  كان الإعسار بالمهر، فهو للسيد، ولا مدخل لها فيه؛ [إذ لا ضرار عليها] ، ولا ملك لها فيه \rوالفسخ بسبب النفقة يثبت لها، فلها أن تفسخ؛ لأن لها حقًّا في تناول النفقة، وللسيد أيضاً حق، فإنه الذي يملك النفقة، ولكن لو أرادت الأمة الفسخ، فليس للسيد منعها \r(فإن)  ضمن النفقة، (فهو)  كأجنبي تضمن النفقة \rقال الإمام: وفي هذا احتمال ظاهر، فإن حق الملك للسيد، (فإن)  امتنعت هي عن الفسخ، فليس للسيد الفسخ؛ إذ هي المتأصلة في الاستحقاق، فإن صابرت، فليس للسيد الحجر، ولا يجب على السيد الإنفاق؛ بل يقول لها: افسخي، أو صابري الجوع  وذكر الشيخ أبو علي في الأمة الصغيرة والمجنونة وجهين، في أن السيد هل يفسخ ووجه قوله: [أن له]  (الفسخ) ، أنه (بين)  أن يضيعها فيتلف ملكه، أو ينفق عليها، وكل ذلك ضرار  ثم ذكر في الأمة إذا امتنعت عن الفسخ أن السيد هل يفسخ فعلى وجهين مرتبين، وأولى بأن لا يثبت الفسخ؛ لاستهلاكها بنفسها ","part":1,"page":33},{"id":1772,"text":"فإن قيل: ما معنى قولكم إن النفقة متعلق حق السيد والأمة جميعاً قلنا: هو أن الأمة لا تملك، والنفقة عندنا تستحق فيها  التمليك، فإذاً  تدخل في ملك السيد، حتى يجوز للسيد إبدالها مهما أراد، ولها حق (الاستيثاق) ، وهو متعلق بعين نفقة الزوج؛ حتى تطالب الزوج كما كانت تطالب السيد وإذا أخذت، فلها أن تتعلق بها، ولا تسلمها إلى السيد ما لم يسلم بدلها، وكان لها في النفقة حق وثيقة؛ إذ العرف والحال (عين)  هذا لنفقتها، فهو كقولنا: إن العبد المأذون له في التجارة تتعلق النفقة باكتسابه تعلُّقَ توثُّقٍ، لا تعلُّقَ ملكٍ بحكم العرف والحال، وعلى هذا نقول: لا يقدر السيد على الإبراء عن نفقة الأمة، ولا على البيع قبل تسليم البدل، فإنها متعلق (حقها)   وهذا يضاهي تعلق الرهن أو تعلق أرش (الجناية)  \rفإن قيل: فإذا كان السيد (غائباً) ، كيف يحصل التمليك، (والملك)  واقع له قلنا: هي مأذونة من جهة السيد  بحكم الحال والعرف والشرع في القبض عن جهة السيد \rفإن قيل: لم لا يجوز للسيد التصرف في النفقة قبل الإبدال، ويجوز له أن يستخدم العبد المأذون في النكاح قبل بذل النفقة، وإن تعلق حقوق النكاح بمنافعه، وجاز له المسافرة به قلنا: ذكر العراقيون وجهاً أنه لا يستخدم، ولا يسافر [به]  ما لم يضمن ما يجب للزوجة  ثم على هذا لا يجب إلا تعجيل واجب يوم واحد، والمذهب أنه يستخدم، ثم يلتزم، وفي مقدار الملتزم قولان: أحدهما: أنه أقل الأمرين من النفقة أو المهر وأجرة المثل والثاني: أنه يجب تمام المهر والنفقة الواجبة بالاستخدام في وقت واحد  ويتصل بهذا أن الأجنبي لو تبرع عليها بالنفقة عند الإعسار، لم يمتنع حقها ، ولو تبرع السيد على الأمة بالإنفاق، وقال: لا تفسخي، فظاهر كلام الأصحاب  أنها تفسخ وفيه احتمال ظاهر ذكرناه ","part":1,"page":34},{"id":1773,"text":"هذا كله تفريع على قولنا إن الإعسار بالنفقة يثبت الفسخ فإن قلنا: [إنه]  لا يثبت الفسخ، وهو القياس، (فهل)  لها الخروج من مسكن النكاح لطلب النفقة إن كانت لا تقدر على النفقة [إلا بالخروج]  فلها ذلك \rوإن كانت تقدر على الإنفاق من مالها، أو [على]  الاكتساب بحرفة تعانيها في المسكن، فهل ينحل حبس المسكن فيه تردد الأصحاب، والأفقه: أنه لا ينحل \rنعم، إن لم تكن قد مكنت من الوطء، فلها الامتناع ، وإذا قلنا: يثبت حق الفسخ، ولكن لا بد من الإمهال ينحل حق الاحتباس عنها في مدة المهل، وفيه وجه آخر \rالباب الثاني: في نفقة الأقارب\rوالأصل فيه من كتاب الله تعالى قوله سبحانه:             ومن السنة قصة هندٍ، والإجماع منعقد عليه \rثم الكلام في الباب ينقسم قسمين:\r\rالقسم الأول: في بيان المستحِقّ وصفاته وصفات المستحَقّ [عليه] \rوفيه فصول:\rالفصل الأول: في المستحق\rوهو كل مُدْلٍ بقرابة البعضية فرعاً كان أو أصلاً، قريباً كان أو بعيداً، موافقاً في الدين أو مخالفاً، وارثاً كان أو لم يكن، كأب الأم، وبنت البنت، وغيرهما  وقال أبو حنيفة: تجب النفقة لكل ذي رحم محرم حتى الإخوة والأخوات، ولكن على شرط الموافقة في الدين \rالفصل الثاني: في صفة المستحِقّ\rوالمشروط فيه أن يكون معسراً، ولا يشترط وراء هذا وصف  وهل يشترط أن لا يكون كسوباً [ينظر]:  إن كان طفلاً غير بالغ، لا يشترط ذلك، ولا خلاف في أن له أن  (يعلمه)  حرفة إذا رأى ذلك، ولكن إن كانت الحرفة لا تليق به، فتجب عليه النفقة، فكذلك إذا أمكن الكسب من وجه لا يكون حرفة في نفسها، حتى يجوز ذلك للأب بحكم المصلحة،\r\rوكذلك لو هرب الصبي يوماً عن الاكتساب حتى جاع، فعليه الإنفاق هذا هو المعني به ","part":1,"page":35},{"id":1774,"text":"وإن كان ابناً بالغاً فقولان : وإن كان المنفق عليه أباً فطريقان، فمنهم من طرد القولين، ومنهم من (قطع)  بأنه لا يشترط، فإن تكليف الكسب مع (إتساع مال)  الابن لا يناسب (توقير)  الوالد \rتوجيه القولين: من قال: لا يشترط العجز عن الكسب، تعلق بالصبي المراهق، وتعلق بأن تكليف الاكتساب مع اتساع أموال المنفق بعيد ومن قال: يشترط، تعلق بأنه ليس عاجزاً، واستشهد بأن هذا يخرج (عن)  وصف المسكنة، فيخرجه عن استحقاق النفقة \rالتفريع: إن شرطنا ذلك، فهل يشترط أن يكون العجز بزمانة  [فيه]  وجهان؛ منهم من شرط هذا؛ إذ الصحيح لا ينفك عن القدرة على نوع من الاكتساب ومنهم من [قال]  لا يشترط ذلك، ويقول: يكتفى بأن يعجز عن الاكتساب بطريق يليق بمنصبه \r\rفإن كان يقدر على (الكسب بحمل)  القاذورات مما لا يليق به، فلا نكلفه ذلك ، ولكن إذا كان محترفاً، فترك حرفته، أو اقتدر على ما يليق به، لم يستحق النفقة وهذا أقرب وعلى هذا، لو قدر على اكتساب بعض  النفقة، لا يستحق إلا المقدار المعجوز عن تحصيله \rالفصل الثالث: في صفة المستحق عليه\rوالمعتبر فيه أن يكون موسراً، ويساره أن يفضل من قوت يومه شيء، فيباع فيه عقاره وعبده ، وإن كان يرده بيع العبد إلى أن يتكلف أعمالاً لا تليق بمنصبه، وهذا يؤيد مذهب من لا يبالي بارتكاب الدنيات في الحرف في حق المنفق عليه، وكل ما يباع في الدين (يباع)  في النفقة عندنا \rوقال أبو حنيفة: لا يباع عقاره فيه أصلاً \rولو كان كسوباً، فهل يجب عليه أن يكتسب لينفق على  قريبه فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يجب كما لا يجب الكسب لقضاء الدين المستقر في الذمة، فالنفقة لا تزيد عليه والثاني: أنه يجب؛ لأن الحاجات متواصلة، والاكتساب على قدرها، وأما الدين فقد لا يفي الكسب به زيادة على حاجة الوقت ","part":1,"page":36},{"id":1775,"text":"وفي وجوب الاكتساب للإنفاق على الزوجة وجهان مرتبان، وأولى بأن لا يجب؛ لأنها على مضاهاة الديون \rوفي جواز السؤال للكسوب [وجهان] ؛ منهم من منع تعلقاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل السؤال إلا لثلاثة))  الحديث والقائل الأول يحمل الحرام على المكروه، ويخرج من هذا الخلاف أن المنفق عليه إن كان كسوباً، لم يستحق النفقة إذا كان تستحق عليه، وأنه إذا ملك ما يباع في الإنفاق على غيره، فلا ينفق عليه، فيتصور مسألة الكسوب في المستحق الزمن والمنفق الكسوب \r\rالفصل الرابع: في كيفية الإنفاق\rوفيه مسائل:\rإحداها: أن نفقة القريب إمتاع لا يشترط (فيها)  التمليك وفائدته أنه يتبع فيه الحاجة في أصلها، وقلتها، وكثرتها وتختلف بالرغبة  والزهادة، ثم لا يعتبر فيه إلا الوسط، ولا يكتفى بسد الرمق، ولا ينتهي إلى حسم الشهوة وإسقاط النهمة بالكلية، و [لكن]  ما يقل البدن، (ويدرأ)  الضرار في الحال والمآل  والأدم أيضاً واجب بحسبه؛ فإن الخبز القفار يحل القوى، وفيه ضرار عظيم  وتجب الكسوة أيضاً بقدر الكفاية كما في الزوجات \rوفائدة كونه إمتاعاً [أنه]  يسقط بمرور الأيام  وذكر الشيخ أبو علي في نفقة الصغير وجهين في أنه هل يسقط بمرور الزمان وهو بعيد، ووجهه: أنه كالتابع لنفقة المنكوحة، فإن اهتمامها بنفقة الولد كاهتمامها بنفقة نفسها وهذا ضعيف  نعم، انقدح هذا التردد في نفقة الحامل إذا أخر إلى الوضع من حيث إنا  وإن قلنا: [إنها]  للحمل، فالمستحق هي الحامل، وهي في مقام الزوجات كما ذكرناه في نفقة الزوجات \rالثانية: إذا كان الأب كسوباً، وقلنا لا تجب نفقة، فهل يجب إعفافه إذا كان لا يفي كسبه بالإعفاف وجهان، والظاهر أنه يجب ","part":1,"page":37},{"id":1776,"text":"الثالثة: على الابن الإنفاق على زوجة أبيه ، فلو كان له زوجتان، لم يلزمه الإنفاق عليهما؛ [فإنه فوق الكفاية, بل يسلم نفقة واحدة , ثم هو يفض  عليهما]  وذكر العراقيون وجهاً أنه يسقط عنه؛ إذ لا سبيل إلى التحكم بالتعيين، ولا إلى التوزيع؛ إذ لا أقل من أقل المقادير في (النفقات)  \rوالرابعة: إذا امتنع الأب من الإنفاق، وله مال، فهل للأم الإنفاق على الولد من مال الأب فيه وجهان؛ الظاهر الجواز؛ لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهند: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) والثاني: المنع، وهو القياس؛ إذ لا ولاية لها في ماله، فكيف تلي عليه في مال أبيه والحديث محمول على تفويض القاضي إليها، وذلك مجوز، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أقضى القضاة \rولو استقرضت عليه إذا لم تجد مالاً للأب، فوجهان مرتبان، وأولى بالمنع؛ لأن هذه ولاية على خلاف القياس، مأخوذة من الحديث، فلتقتصر  \rولو أنفقت من مال نفسها على قصد الرجوع، فوجهان مرتبان، وأولى بأن لا ترجع؛ لأنها تكون إذ ذاك (مقرضه ومستقرضه)  \rولو كان للطفل مال، فلا نفقة على أقاربه، فلو أرادت الأم الإنفاق عليه من ماله من غير رجوع إلى القاضي، فوجهان مرتبان على الإنفاق من مال أبيه، وأولى بالجواز \rالخامسة: للقريب أن يطالب بنفقته، فإن امتنع، [المنفق]  رفع الأمر إلى القاضي حتى يستقرض عليه، وليس له أن يستبد باستقراض، فإن عدم قاضياً ففي الاستقراض عليه وجهان  مأخوذان من مسألة الجمال إذا هرب، وهو مستقصى في موضعه \rولو قدر على جنس حقه من مال المنفق أخذه صبيحة كل يوم، فإنه يجب في أول اليوم كنفقة الزوجات، ولو ظفر [منه]  بغير جنس حقه فقولان، وقد استشهد الشافعي في قول الجواز بحديث (هند)  ","part":1,"page":38},{"id":1777,"text":"السادسة: الأب الموسر إذا كان غائباً، وقد حضر جدٌّ موسرٌ، فليس الولد ملحقاً بأطفال المحاويج حتى ينفق عليه من (بيت)  المال، فعلى القاضي أن يأمر الجد بالإنفاق عليه، ولكن بشرط الرجوع؛ إلا إذا تبرع [الجد]  وإن استقل بالإنفاق مع تيسر الرجوع إلى القاضي، فالظاهر أنه لا يرجع، وإن (فُقِد)  القاضي [و]  أنفق على قصد الرجوع، فهل يرجع على الغائب فعلى وجهين \r\rالفصل الخامس: في الإرضاع\rيجب على الأم إرضاع اللِّبأ ؛ لأنه سبب بقاء الولد فيما قيل  ثم الأجرة على الأب إن كان له أجرة، فإن النفقة تجب على الأب \rفأما إرضاع اللبن، إن وجد غيرها، فلا يلزمها، وإن لم يوجد غيرها لزمها، وهي  من قبيل إنقاذ الهلكى، وهي من فن فروض الكفايات، وكذلك إن لم يجد سوى أجنبية، تعين عليها \rوقال مالك رحمه الله: تجبر الأم على الإرضاع، وإن وجد غيرها إن لم تكن شريفة  وقال أبو ثور: تجبر إن كانت في حُبَالة نكاحه \rوأما إذا رغبت في الإرضاع بأجرة، (ورغب)  غيرها بأجرة، أو استويا في المحاباة ، يجب إسعافها \rولو رغبت بأجرة ، ووجد الزوج متطوعة أو محابية، فقولان: أحدهما: أنه لا يجب؛ لأن المقصود الإرضاع، وقد حصل بغيرها، فلا نكلفه بذل مال والثاني: أنه يجب؛ لأن تحنن الأم ومزيد اهتمامها فيه نظرٌ ظاهر للطفل، فيجب على الولي تحصيله له  هذا إذا لم تكن في (حبالته) \rفإن كانت، وطلب الزوج الاستمتاع في وقت الإرضاع، و (هي تطلب)  الإرضاع، فالمذهب أن حقه في الاستمتاع مقدم \rوذكر صاحب التقريب وجهاً بعيداً، وله خروج على قولنا إنه يجب تحصيل هذه الزيادة للطفل نظرا [له]  ، ولكن هذا مطرد فيما إذا كان الولد من الزوج، فإن لم يكن فحقه [مقدم]   والله أعلم\r\rالقسم الثاني من الباب: في ترتيب الأقارب عند الاجتماع\rوفيه فصول:\rالفصل الأول: في اجتماع أولاد الموسرين\rوللأصحاب (طريقتان) :-","part":1,"page":39},{"id":1778,"text":"إحداهما: أن المعتبر في التقديم القرب، حتى إذا اجتمعا، وكان البعيد وارثاً، والقريب  غير وارث، فالنفقة  على القريب، مثل بنت بنت، وبنت ابن ابن \rفلو تساويا في القرب، وأحدهما وارث دون الثاني، مثل بنت بنت، وبنت ابن، هل يقدم الوارث وجهان \rوإن اعتبرنا الإرث، وكانا متساويين في أصل [الإرث متفاوتين في]  القدر، فهل تفض النفقة على المقدار وجهان؛ ومثاله: الابن والبنت، فعلى وجه يستويان، وعلى وجه يتفاوتان فأحد القائلين لا يجعل للميراث أثراً؛ إذ تجب النفقة على من ليس وارثاً، والقائل الثاني يستعمله في الترجيح؛ لأنه يدل على تأكد القرابة \rالطريقة الأخرى: أن الإرث هو المقدم، فلو كان أحدهما بعيداً وارثاً، والآخر قريباً غير وارث، فالوارث مقدم، كابن الابن مع بنت البنت وهؤلاء قطعوا بأنهما لو تساويا في الإرث، فالأقرب مقدم، فإن تساويا فيهما، توزع عليهما \rوالطريقة الأولى أولى؛ لأن القرابة هي الأصل، ولا تعويل على الإرث في أصل النفقات؛ ولذلك تجب مع اختلاف الدين  وذكر الشيخ أبو علي وجهاً آخر يرجع إلى التقديم بالذكورة عند التساوي في الانتساب ، حتى إذا اجتمع الابن والبنت، يقدم الابن لذكورته، فإنه مكتسب ، والنظر إلى الاكتساب (قريب)  وسيأتي له نظير  من جهة الأصول؛ إلا أن هذا ابعد \r\rالفصل الثاني: في اجتماع الأصول\rوأول مبدوء به أن الأب والأم إذا اجتمعا، والولد طفل، فلا خلاف في أن النفقة على الوالد، وهذا يدل على (أنها)  من توابع النكاح \rوإن بلغ فعلى وجهين: أحدهما: يقدم  الأب استدامةً لما كان والثاني: (أنها)  عليهما؛ لأنهما أبوان، والولد الآن مستقل، وكل واحد لو انفرد لالتزم   ثم على هذا يتفاوتان في القدر بالتغليب للإرث أو يتساويان وجهان  ","part":1,"page":40},{"id":1779,"text":"وأما الأجداد والجدات إذا اجتمعوا، فالبعيد محجوب بالقريب الذي به إدلاؤه، فالأب مقدم على أب الأب، والأم مقدمة على أم الأم  وإذا لم تتحد الجهة، ففيه خمسة طرق، طريقتان  ذكرناهما في (المولودين)  يجريان بعينهما في الأصول \rالطريقة الثالثة: [أنه]  يقدم بالولاية في المال، فإنه يبنى عن وجوب التربية، فإن استويا فيها نفياً وإثباتاً، فمن أدلى بولي، فهو أولى، وإن استويا في الإدلاء، (لا يتعين)  حينئذ القرب وهو اختيار المسعودي  وهذا أقرب من رعاية الوراثة، والقرب أولى بالرعاية من الكل \rالطريقة الرابعة: تعتبر الذكورة، فإن كان أحدهما ذكراً، فهو أولى، وإن كانا ذكرين أو أنثيين، فالمدلي بالذكر أولى وعلى هذا، الأب اليهودي، وإن لم يكن وليًّا [فهو]  أولى؛ لأنه يدلي بجهة تفيد الولاية، فالنظر إلى جهة القرابة المفيدة ، ومستند رعاية الولاية: قطعُ الشافعي بأن الأب أولى في حالة الصغر من الأم مع التردد في البالغ ، فإن استويا فيه، فالأقرب \rالطريقة الخامسة: ذكرها الشيخ أبو حامد، أن الاعتبار بالإرث مع الاكتساب، والاكتساب عبارة عن الذكورة، فإن وجدا في شخص، فهو أولى، فإن لم يوجدا [أو وجدا]  معاً فيهما، أو وجد الإرث في أحدهما، والاكتساب في الآخر، (فعند ذلك يقدم)  بالقرب \rوتميز هذه الطريقة  بأن قابل الإرث بالذكورة، وجعل أحدهما حيزاً للآخر هذا تمهيد الطريقة،  (وتهذيبها)  بتصوير الصور:\rصورة أب أب، وأم: من اعتبر [القرب، قدَّم الأم، ومن اعتبر]  الإرث، فض عليهما على مقدار الإرث، أو على التسوية، ومن اعتبر الولاية أو الذكورة، قدم أب الأب، وقيل إن الشافعي  نص على أن الجد أولى من الأم، ولم يصححه الأئمة فإن صح، فلا مأخذ له إلا الولاية، فإن النظر إلى الذكورة بعيد ","part":1,"page":41},{"id":1780,"text":"صورة أب أب، وأب أم: من راعى القرب سوّى، ومن راعى الإرث أو الولاية، قدم أب الأب، ومن راعى الذكورة والاكتساب، قدم [أب]  الأب ترجيحاً بالإرث \rصورة أم الأب، وأب أم الأم: من اعتبر القرب أو  الإرث، قدم أم الأب؛ لأنها أقرب \r[صورة أب أم أب، وأب أم الأم] ، وليس أحدهما وارثاً، ومن اعتبر الذكورة، قدم أب أم الأب  ولا نكثر التصوير، فإن هذا هين على من أتقن الأصول\r\rالفصل الثالث: في اجتماع الأصول والفروع\rوفيه مسائل:\rإحداها: أن يكون له أب وابن، فهو على ثلاثة أوجه: أحدها: أن الأب أولى استصحاباً للحال، ولأنه ولي فالتربية أليق به والثاني: أن الابن أولى؛ لأن حق الوالد على الولد أوجب  والثالث: أنهما يلتزمان  ثم هل يتفاوتان تفاوت الإرث فعلى وجهين \rالثانية: لو كان له ابن وجدّ، طريقان؛ منهم من قال: الجد كالأب ، ومنهم من قال: لا؛ بل الابن أولى للقرب \rالثالثة: ابن وأم: طريقان، منهم من قال: هي كالأب  مع الابن، ومنهم من قطع بأن الابن أولى وعلى الجملة تجرى جميع الطرق، ونريد ههنا النظر إلى الأصل؛ لأن التربية  تليق به، والنظر إلى الفرع؛ لأنه أولى بالخدمة \r\rالفصل الرابع: في ازدحام الآخذين للنفقة\rوقد أطلق الأصحاب القول بأن الزوجة مقدمة على الجميع؛ لأنها أثبت، ولذلك [لا]  تسقط بمرور الزمان (ولا بالاستغناء عنها) ، وهذا فيه احتمال؛ لأن هذا يقربها من الديون، ونفقة القريب في مال المفلس تقدم على الديون، نعم، نفقة المستقبل لا تقدم؛ لأن ذلك لا حاجة إليه في الحال، [ولا حكم على الغيب ، أما نفقة اليوم، فيقدم، ونفقة الزوجة تضاهي الديون؛ فإنها لا تسقط بمرور الأيام، ولا يبنى استحقاقها على الحاجة]  ويتأكد هذا الاحتمال بقوله عليه السلام للأعرابي إذ قال: معي دينار، قال: ((أنفقه على [ولدك] ، ثم قال: على أهلك)) فهذا احتمال ذكره الإمام، ولا نقل في المذهب يطابقه ","part":1,"page":42},{"id":1781,"text":"فأما الذين يدلون بالبعضية إذا ازدحموا، ولم يفضل إلا قوتُ  واحدٍ، فتجري فيه الطرق التي جرت في الملتزمين، فمن يقدم بالالتزام لقرب أو ولاية، يقدم في الأخذ \r(ويمتاز هذا عن ذاك)  في شيئين: أحدهما: أن الذكورة جهة في التقديم، وههنا الأنوثة هي المرعية؛ لأنها تشعر بالضعف، والآخر أنا ننظر في الالتزام إلى مقادير الإرث، وقال الأكثرون في الأخذ لا ننظر إليه،ويحتمل احتمالاً ظاهراً التسوية بين الالتزام والأخذ في هذا المعنى  ثم إن استووا وزع عليهم، وإن كثروا وكان الفاضل (لا يسدّ من كل واحد مداًّ) ، أقرع بينهم ","part":1,"page":43},{"id":1782,"text":"الباب الثالث: في أحكام الحضانة\rالحضانة: عبارة عن القيام بحفظ الولد وما يقيه ويصلحه وهي دائرة بين أصلين: أحدهما: النفقات، فتجب مؤونة الحضانة عند الامتناع على من تجب عليه النفقة، وعند الازدحام يسلك به مسلك الولاية، ولكن للإناث فيه مدخل؛ بل هن أولى بهذه الولاية؛ لأن الاعتماد فيها على الشفقة والتربية، وذلك لا يتهيأ للرجل تهيؤه للنساء ومقصود القول من الباب يتهذب برسم فصول:\rالفصل الأول: في الصفات المعتبرة في الحاضنة\rفنقول: إذا اجتمع الأب والأم مثلاً، فالأم أولى بالحضانة إذا طلقت على شرط الاتصاف بخمس صفات: العقل، والحرية، والأمانة، والإسلام، والفراغ\rأما الاستقلال بالعقل، فهو ملاك الأمور، فلا ثقة (بالمختلة) المعتوهة\rوأما الحرية، اعتبرت لأن الرقيقة لا تتفرغ للحضانة، ولأن هذه ولاية، والولايات لا تستفاد مع الرق ولو رضي المالك، فلا أثر لرضاه، وهوكما لو رضي بإنكاح أولاده\rإنما قلنا: إن الحضانة ولاية؛ لأنه قيام بأمر الطفل، وتربيته واحتكام عليه في حفظه، فلا يليق ذلك إلا بمن له منصب الولاية نعم، تفارق [الولاية] في ثلاثة أمور:\rأحدها: أن الإناث يتولون الحضانة؛ بل هن أولى (بها)؛ لأن المتبع في كل [ظ] ولاية الوصف (الأليق بها)، وهذا النوع من الولاية أليق بالنساء، وحضانتهن أرفق بالصبيان؛ فإن الرجل لا يستغني فيه عن الاستعانة بالنساء أيضاً\rوالثاني: هو أن الأقرب من الأولياء إذا غاب انتقلت الولاية إلى السلطان، وولاية [النكاح] تنتقل إلى الأقرب؛ لأن الإنكاح يقرب الأمر فيه، ويبتني على رضا المرأة، وهي مستقلة، والحضانة تستدعي شفقة دائمة في التربية، والقيام بالحفظ وذكر الخلافيون وجهاً في التسوية، وهو غير معدود من المذهب","part":1,"page":1},{"id":1783,"text":"الثالث: أن الأقرب لو امتنع عن الإنكاح، كان عاضلاً، والولاية للسلطان، وإن امتنع عن الحضانه، فولاية الحضانة للبعيد  نعم، اختلفوا في أن الأم إذا امتنعت، ومعها أب الطفل وأمٌ للممتنعة هي جدة الطفل، فالولاية إلى من تنتقل منهم من قال: تنتقل إلى الجدة، فإن الأم لو فسقت أو غابت، أو لم تكن، كانت الجدة أولى من الأب كما سنذكره، وكذلك  إذا عضلت ومنهم من قال: الأب أولى؛ لأنه ولي، والعضل يوجب نقل الولاية إلى السلطان، فالأب في مقام السلطان، وهو شفيق في (حق ولده) ، والصحيح هو الأول \rفرع: من نصفه حر، ونصفه عبد، ليس له ولاية الحضانة كسائر الولايات  نعم، عليه نفقة زوجته، والكلام في (أنه)  نفقة الموسرين أو المعسرين، وقد ذكرناه  وهل تجب عليه نفقة القريب الظاهر أنه يجب؛ إذ ليس ذلك من قبيل الولايات؛ بل هو من قبيل الغرامات، فمن أنفق على نفسه، أنفق ما فضل [منه]  على قريبه  ثم يتجه تردد في أنه هل تجب النفقة التامة، أو نصف نفقة، فيحتمل إيجاب نفقة تامة؛ لأنه موسر، كما أن [من]  ملك اثنين ينفق على كل واحد نفقة كاملة، ويحتمل أن يوزع كما وزعنا على وجه في نفقة الزوج بحكم الإعسار واليسار  وتفاصيل أحكام من نصفه حر، ونصفه رقيق، ستأتي في كتاب العتق \rوأما الأمانة، فلا بد منها، فالفاسقة لا ثقة بها، وإذا كان الفاسق لا يلي التزويج، فبأن لا يلي الحضانة أولى؛ فإن هذا يختلف بالفسق اختلافاً بيناً، ولذلك لم يتردد فيه ","part":1,"page":2},{"id":1784,"text":"وأما الإسلام، فلا بد منه (فيها)  إذا كان الولد مسلماً؛ لأن تسليمه إلى كافرة يعرض دينه للفتنة  وقال أبو سعيد الإصطخري: لا يعتبر إسلامهما، واحتج بما روي أن أباً مسلماً، وأماً كافرة، تنازعا حضانة مولود في [عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم] ، فلم يكن الولد مميزاً، فأمر بإحضاره، وقال للأبوين: ((ادعواه، وقال عليه السلام في نفسه لما أن دعواه: اللهم اهده، فانسل الصبي إلى أبيه))  فلو  كان الإسلام شرطاً لبتّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله في الإلحاق بالأب  وهذا غير معتد به؛ فإنه طرده بعد التمييز، فقد تعرض دينه للفتنة، والتعلم في الصغر كالنقش في الحجر، وإن فرّق اختبط مذهبه \rوأما الفراغ، فنعني [به]  أنها لا تنكح زوجاً غيره، فإن نكحت، سقط حقها من الحضانة، وكان الأب أولى به؛ لأن النكاح عليها نوع رق، ولو رضي زوجها بالحضانة، كان كما لو رضي مولى (الرقيقة) ، فلا يعود حق الحضانة \rولو  طلقها قبل المسيس، عاد حق  الحضانة ، وكان كما لو جنت فأفاقت، أو فسقت ثم تابت \rفروع: أنها لو كانت معتدة، فهل لها الحضانة في مدة العدة نُظِر، إن  كانت رجعية، فالمنصوص عليه أن حقها يعود؛ [لأنها منعزلة عن الزوج] ، فهي في (مقصودنا)  كالمخلاة، وذهب المزني إلى أنه لا حق لها؛ لأن سلطنة الزوج مستمرة عليها، وهي في ربقة رق النكاح ، وخرج ابن سريج قولاً يوافق هذا، وهو قياس ظاهر  ثم هذا [فيه]  إذا لم تكن في مسكن الزوج\rفإن كانت في مسكن الزوج، فله المنع من إدخال الولد قولاً واحداً \rفأما إذا كان المعتدة بائنة، عاد حقها، ولكن لو كانت في مسكن الزوج، فللزوج المنع من الإدخال، فإن رضي به عاد حقها من الولاية، ولم يكن كرضا الزوج في صلب النكاح، ولا كرضا السيد؛ لأن المقتضي للولاية قائم، وإنما المنع متعلق بالمسكن، فهو كالمعير إذا رضي بالسكون في داره ","part":1,"page":3},{"id":1785,"text":"[ثم]  قال الشيخ أبو علي: الرجعية إذا احتضنت على خلاف الزوج، وقلنا: ليس لها ذلك، فهي ناشز لا نفقة لها؛ لأن الرجعية تستحق نفقة الزوجات، فصار كالزوجة  قال  الإمام: وهذا هفوة؛ لأنها لو احتضنت في غيبة الزوج، أو (اشتغلت)  بحرفة، لم تسقط نفقتها، فهذه المدة تضاهي مدة غيبة الزوج \rالفرع الثاني: أنها لو نكحت من له حق الحضانة، كعم الولد، قال الأصحاب: لا  يسقط حقها من الحضانة إذا كان الزوج راضياً، فإنها اتصلت بمن له حق الحضانة وذكر الشيخ أبو علي وجهاً أن حقها ساقط؛ لأن الأب أولى من العم، وهي متزوجة لا حق لها، فليقدم الأب \r\rالفصل الثاني: في من (تجبّ)  حضانتُه\rوالأصل [فيه]  عدم الاستقلال، ومستنده قصور العقل، وذلك بالصبى والجنون   أما الجنون، فتستحق به الحضانة بكل حال  وأما الصبى، فإن لم يكن مميزاً، استحق الحضانة  وإن كان مميزاً، فكمثل؛ إلا أنه يخير  بين الأب والأم، ويتبع اختياره، غلاماً كان أو جارية ؛ لما روى أبو هريرة  ((أنه عليه السلام خير غلاماً بين الأب والأم))  وقال أبو حنيفة: الأب بالغلام أولى، والأم بالجارية [أولى]   فإذا أطلقنا تقديم الأم، أردنا به غير المميز \rوأما البالغ، ينقسم إلى (رشيد )  وغيره؛ إن  لم يكن رشيداً، فحكمه حكم المميز ، وإن كان رشيداً نُظِرَ، فإن كان غلاماً لم يستحق الحضانة؛ لأنه استقل \rوإن كانت جارية نظر، فإن كانت بكراً، فظاهر المذهب أنها وإن كانت ظاهرة الرشد، فليس لها الاستقلال؛ بل للأب أن يسكنها حيث شاء، فإنها معرضة للآفات، كما له أن يزوجها (ممن)  شاء قهراً ، وحبس النكاح يزيد على حبس المسكن، ثم هذا يختص بالأب والجد ومن له ولاية الإجبار ، ولا يثبت لغيرهم أصلاً، وحكى صاحب التقريب وجهاً أنها تستقل بالسكون حيث شاءت، وأما الإنكاح مأخوذ من الجبر ","part":1,"page":4},{"id":1786,"text":"وأما الثيب  إن كانت تتهم بفجور، فلجميع العصبات إسكانها في مسكن يلاحظونها؛ كيلا يلحقهم العيارة، ويختص هذا بمن يعترض على النكاح لأجل الكفاءة ، ولو ادعى الرجل ريبة، وأنكرت، يحتمل أن يقال: ليثبت بالبينة، فإن الاحتكام على عاقلة بمجرد الدعوى بعيد ويحتمل أن يقال: تكليف ذلك إشاعة فضيحة يقتضي العرف بخلافه، وإنما  يطلع على مثل ذلك من يخبر بواطن الأمور، فلا يكلف ذلك أصلاً \rفروع في التخيير:\rأحدها: أن التخيير عند التمييز، وقد يستأخر عن السبع، وقد يتقدم عليه، فلا ضبط فيه، فإن استمرت العبارة ، استمر حق الحضانة للأم، وكذلك إن  اتصل به جنون، وكذلك إن خيرناه، فسكت، فهي أولى إلا أن يطرأ قاطع الاختيار \rالثاني: أنه لو اختار أحدهما، ورجع، اتبع فيه، بخلاف الخنثى إذا رجع؛ لأن الأحوال المرعية تختلف وتعتقب، والذكورة [والأنوثة]  لا تتغير \rالثالث: أنه لو كثر  تردده حتى دل ذلك على خبل ، ردّ على الأم وقيل: غير مميز وهذا لا بد فيه من التأني، فإنه قد يمل أحد الأبوين، فإذا  عاد إلى الثاني، فيمله أيضاً، فقد يكون ذلك عن كيس وفطنة، فإن كان عن خبل، فالأمر فيه كما ذكرناه \rالرابع: أن التخيير هل يجري بين الأم والعم والأخ، وكل ذكر [يقع]  على حاشية النسب وجهان: أحدهما: وهو الأظهر، أنه يخير، وإن كانت الأم أولى في أصل الحضانة قبل التمييز، كما يخير مع الأب  ويعتضد هذا بما روي عن عمارة الجرمي  أنه قال: ((خيرني علي -رضي الله عنه- بين عمي وأمي، وكنت ابن سبع أو ثمان))  والثاني: أنه لا يخير؛ لأن الأصل تقديم الأم، والتخيير (ثبت بالخبر) ، وهو في حق الأبوين قريب، أما (من)  يبعد فلا  وهذا الخلاف يجري في التخيير بين الأب والأخت والخالة إذا رأينا الأب مقدماً عليها في أصل الحضانة كما سيأتي","part":1,"page":5},{"id":1787,"text":"الخامس: إذا اختار الأب لم يمنعها من الزيارة، وإذا اختار الأم لم يسقط عن الأب مؤونة الحضانة، والقيام بأمره في التعليم والتأديب، وحمله  إلى المكتب وكذلك كل ما [لا]  يستقل الصبي [به]   وكذلك المجنون الذي لا تستقل الأم بضبطه، يجب على الأب رعايته، فإنها إنما تقدم فيما يتأتى منهما  ومهما سافر الأب سفر نقلة، له استصحاب الولد؛ إذ النسب ينقطع به، وفيه ضرار عظيم، ويسقط حق الأم إلا إذا رافقته في الأسفار ، وليس له استصحابه في سفر النزهة وسفر التجارة التي تنقطع على قرب وإن كان يطول مدة التجارة فكذلك أيضاً  وذكر الشيخ أبو علي وجهاً  أن له الاستصحاب إذا طالت المدة  ولو سافر سفر نقلة إلى أقل من مرحلتين، فمنهم من جوز [له]  انتزاع الولد؛ لأنه ينقطع نظره عن الولد، ومنهم من (راعى)  الطول؛ لأن النسب لا ينقطع مع تواصل الرفاق، و [مع]  تواصل الأخبار   \r\rالفصل الثالث: في اجتماع النسوة المتجردات في الحضانة","part":1,"page":6},{"id":1788,"text":"والازدحام إن كان في التدافع، فإنما يجب على من تجب عليه النفقة، ويقدم فيه، وقد ذكرناه  وإن ازدحموا، (وطلبت كل واحدة)  الحضانة، فهذا الفصل معقود فيه وللشافعي -رحمه الله- في النسوة المتجردات  طريقان؛ جديد، وقديم الجديد، وهو الصحيح، أن الأم أولى، ثم أمهاتها المدليات بالإناث لا بالذكور، ثم أم الأب وجداته المدليات بالإناث وإن علون، ثم أم الجد وجداته على الترتيب المقدم في الأب، [ثم أم أب الجد وجداته على الترتيب المقدم]  ثم الأخوات، وهن المقدمات  على الخالات لمزيد القرب، ثم الخالات، وهن مقدمات على بنات الإخوة؛ لأن الخالة أم، وشفقتها أكثر، ثم العمات، وهن يتأخرن عن الخالات؛ لأن إدلاءهن بالأب وأما القديم؛ يوافق الجديد في هذا الترتيب كله إلا في شيء، وهو أنه في القديم يقدم الأخوات والخالات على أمهات الأب؛ لإدلائهن بالأم  وهذا ضعيف من وجهين؛ أحدهما: أن لقب القرابة لا ينظر إليه؛ إنما ينظر إلى الشفقة، وشفقة الجدات من قبل الأب تزيد على شفقة الخالات والأخوات والآخر: أنه [حتى]  في القديم نص على تقديم الأخت للأب والأم على الأخت للأب أو لأم، وقدم الأخت للأب على الأخت للأم، وهي تدلي بالأب، وهي بنت الأب، فأم الأب لا تتقاعد عن بنت الأب، فكيف تؤخر  عن سائر الأخوات وعن هذا الإشكال خرج الأصحاب في التفريع على القديم وجهاً، وهو أن الأخت من الأم متقدمة على الأخت من الأب \rهذا ترتيب القولين، وتوجيههما ينشعب عن رعاية الشفقة، فإنها المقدمة على كل قول، ولكن تردد النظر في الشفقة في أمهات الأب مع الأخوات والخالات ثم استيعاب الغرض من هذا بالتنبيه على أمور:","part":1,"page":7},{"id":1789,"text":"إحداها: أنا قدمنا الأخت من الأب على الأخت من الأم في الجديد وفي القديم على وجه، وسببه الاستواء في القرب، مع أنه ليس يلوح للإدلاء  بجهة الأم أثر في الشفقة، فشفقة الأخت من الأب كشفقة الأخت من الأم، فقدمنا للتقدم  في الميراث؛ فإن ذلك يدل على مزيد قوة، والترجيح يقع بأمثاله  ولكن هذا لا يطرد في الخالات المفرقات؛ إذ لا إرث  ثَمَّ، وكذلك العمات فاختلفوا على وجهين؛ فمنهم من قدم الخالة للأب  كما في الأخت؛ لأنه ليس يتعلق بالميراث، (وإنما)  يستدل بدلالة الميراث على قوة الإدلاء بهذه الجهة، وهو جارٍ في الخالات ومنهم من قال: تقدم الخالة من الأم؛ إذ لا تقدم بالإرث، والإدلاء بالإناث في هذا الباب أقوى؛ لأن الحضانة لائقة بالإناث، ولذلك تقدم الأم على الأب  \rالأمر الثاني: أن المزني نقل عن الشافعي أنه لم يثبت لأم أب الأم حقًّا في الحضانة أصلاً وإن انفردت، وكذلك لكل جدة ساقطة من جهة الأب ، وهن  الجدات المسميات: \"الفاسدات\"، ويجمعن  أن على طريق إدلائهن ذكر مدلٍ بأنثى فهذا  في نهاية الإشكال، وإن كان منصوصاً، واستمر عليه أئمة المذهب؛ لأن أحكام البعضية كرد الشهادة، والعتق ، ولزوم النفقة، منوطة بهذه الجهات، ولا نظر إلى سقوط الإرث؛ فإن الخالة لا إرث لها، وهي تستحق الحضانة، فذكر بعض الأصحاب وجهاً أنهن مؤخرات عن كل أنثى حاضنة، ولكنهن عند الانفراد، لهن الحضانة وذكر الشيخ أبو علي وجهاً أنهن مؤخرات عن الجدات الوارثات، مقدمات على الأخوات والخالات وهذا متجه، فتحصلنا على ثلاثة أوجه ","part":1,"page":8},{"id":1790,"text":"الأمر الثالث: بنات الخالات والعمات، وقد أطلق الفوراني القول بأنهن حاضنات، (وتكلم)  في التقديم، وقال: الخالات مقدمات على [بنات الإخوة والإخوات، وبنات الإخوة والأخوات مقدمات على]  العمات، كما يتقدم ابن الأخ في الإرث وإن سفل، على العم، وبنات الخالات مقدمات على بنات العمات، كما تقدمت الخالات على العمات  وهذا فيه نظر؛ فإن المنصوص أن الجدات الفاسدات لا حضانة لهن، فكيف يستقيم (اثباتهن)  مع إسقاط الجدات الفاسدات، ولهن البعضية والمحرمية، وليس لبنات الخالات والعمات محرمية  والذي تحصل من كلام الأصحاب في القريب الأنثى  التي لا محرمية لها، ثلاثة أوجه في أن حق الحضانة هل يثبت لها أصلاً أحدها: أنه يثبت للقرابة والثاني: أنه لا يثبت؛ لأن الحضانة تستدعي  النظر إلى (توطن)  الأمور والاختلاط البالغ في الحفظ، فيناسبه المحرمية \rفإن قيل: فما وجه إسقاط الجدات الفاسدات وهو النص قلنا: إنها تدلي بمن [ليس]  بوارث وسنذكر طريقة في أن الذكر [الذي]  ليس بوارث، ليس له حضانة، فالمدلى به كذلك هذا مأخذه لا يستقيم فيه  غيره \r\rالفصل الرابع: في اجتماع الذكور على التمحض\rوهم أربعة أقسام:\rمحرم وارث، فله حق الحضانة، ويترتبون (ترتب)  العصبات في الولايات، فإنهم بأجمعهم أولاياء، فيترتبون ترتبهم في الولاية؛ إلا الأخ من الأم، فإنه محرم وارث، وليس بولي، وهو متأخر عن الأصول، وعن الأخ من الأب، والأخ من الأب والأم  وهل يؤخر عن العم فيه وجهان، منهم من أخر المتأخر في الولاية، وهذه ولاية ومنهم من قدم؛ لأن هذه الولاية تعتمد شفقة التربية، وتلك الولاية تعتمد الدفع عن النسب، وهذا هو الأظهر \rالقسم الثاني: [الوارث]  الذي ليس بمحرم، كبني الأعمام، لهم حق الحضانة في الصبي والصبية  التي لا تشتهى دون التي تشتهى ","part":1,"page":9},{"id":1791,"text":"القسم الثالث: المحرم الذي ليس بوارث كالخال، وأب  الأم، والعم من الأم، وبني الأخوات، فهم مؤخرون عن ورثة الذكور، فإن  فقدناهم، فهل يثبت لهم حق الحضانة فيه وجهان: أحدهما: يثبت للمحرمية  كما يثبت للخالة وإن لم تكن وارثة والثاني : لا يثبت؛ لأن الأنوثة انضمت إلى القرابة في الخالة، ولها تأثير ثم لا خلاف في أن المستحب للسلطان أن يسلم الولد إليهم، وإنما الخلاف في الاستحقاق \rالقسم الرابع: القريب الذي ليس بمحرم ولا وارث، كابن الخال والخالة، فالظاهر المقطوع به أنهم  لا حق لهم أصلاً، وإن ظهر الخلاف في بنات الخالات والعمات وفيه وجه بعيد لا يعتد به \r\rالفصل الخامس: في اجتماع الذكور والإناث","part":1,"page":10},{"id":1792,"text":"ولا شك أن الأم وأمهاتها مقدمات إذا كن من جهة الأم، ثم بعدهن في الأب والجدات من قبل الأب قولان؛ ظاهر النص أن الأب أولى؛ قال الشافعي: لا يقدم على الأب إلا الأم وأمهاتها  ووجهه أنهن مدليات به، فكيف يتقدمن عليه وحكى بعض أصحابنا قولاً مخرّجاً أن الأب مؤخر عنهن، ولا نظر إلى الإدلاء، وإنما النظر إلى الأنوثة وشفقة الأمومة وأما الأب مع الأخوات والخالات [إن]  قدمناهن على الجدات، وقدمنا الجدات على الأب، فنقدمهن على الأب بالضرورة  وإن قدمنا الجدات على الأب، فهل نقدم الأخوات على الأب إذا لم نقدمهن على الجدات فعلى ثلاثة أوجه: أحدها: التقديم للأنوثة والثاني: (التأخير) ؛ لكون الأب أصلاً والثالث: أنه يقدم على الأخت للأب؛ فإنها فرعه، ولا يقدم على [الأخت للأم]  والأخت للأب والأم  وهذا الوجه لا يفيد في الخالات، فإن الخالة من جهة الأب ليست فرعه، فيجري الوجهان في الخالات مع الأب بناءً على أن الأب  لا يقدم على الأخت، وإن قدم  على الأخت، فبأن يقدم على الخالة أولى  وهذا في ترتيب [الجديد فإن فرعنا على القديم، وقدمنا الخالات والأخوات على الجدات، جرى الخلاف الذي ذكرناه مع انعكاس الترتيب]   فأما الجد العالي من جهة الأب، والأم للأب القريبة، فهي أولى؛ لأنها لا تدلي بالجد العالي حتى تسقط به، وكل جدة ليست فاسدة، فهي مقدمة على كل عصبة يقع على حواشي النسب وأما الذكور والإناث على حواشي النسب، إن استووا في القرب والإرث والدرجة، فالأنثى أولى، كالأخت والأخ، ولو كانت الأنثى بعيدة والذكر قريباً، فوجهان؛ لتعارض القرب والأنوثة، وذلك كالأخ والخالة \r\rالباب الرابع: في نفقة المماليك\rوفيه فصلان:\rالفصل الأول: في نفقة الأرقاء\rوفيه مسائل:\rإحداها : أن نفقته كفاية ، تختلف باختلاف الأحوال والأقدار، وهو إمتاع واجب لا مخرج منه إلا بإزالة الملك، أو استقلال العبد بنفسه بالكتابة ","part":1,"page":11},{"id":1793,"text":"الثانية: تجب عليه كسوته ، وهل يختلف جنسها باختلاف أقدار  الأرقاء فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يفضل الرفيع على الخسيس والثاني: أنه يسوى [والثالث: أنه يسوى]  بين العبيد، ويفرق بين الجواري المتسريات وغيرهن  ثم المتبع فيه الكفاية مع دفع  الضرار، فلا يلبسه الخشن الذي يتأذى به، ولا يلزمه  اللين الذي يتنعم به، ولكن ما يليق بمثله في مثله ولو البسه ما يستر به العورة، وكان لا يتأذى بحر وبرد، فهذا ممنوع في بلادنا؛ فإنه يُطرق  المطاعن إلى المالك، ويعد ذلك سرفاً في الإذلال والإهانة ولا يجب عليه أن يلبسه من جنس لباس نفسه، ويطعمه من جنس طعام نفسه  ومعنى قوله عليه السلام: ((إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن ملك مملوكاً، فليلبسه مما يلبس، وليطعمه مما يطعم))  ورد في العرب  وأطعمتهم خشنة، وثيابهم خشنة ، فلا نزول منها \rالثالثة: أن الغلام إذا تكلف طبخ الطعام، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كفى أحدكم طعامه خادمه حره ودخانه، فليجلسه معه، فإن أبى، فليروغ  اللقمة، وليناولها إياه))  فتردد قول الشافعي -رحمه الله- فيه على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يجب على هذا الترتيب كما نطق به الحديث؛ لأن الأمر في ظاهره للوجوب  والثاني: أن الواجب أحدهما لا بعينه، إما الإجلاس وإما الترويغ  وهذا الترتيب لا يتعين والثالث: أن شيئاً منه لا يجب، وإنما ذلك منه إرشاد إلى مكارم الأخلاق؛ لأن مبنى الباب على الكفاية  ثم ينبغي أن تكون اللقمة بحيث تسد مسدًّا، وإلا كانت مثيرة للشهوة  من غير فائدة","part":1,"page":12},{"id":1794,"text":"الرابعة: إذا أتت الجارية بولد، أو أم الولد، فعليه نفقته، ولها الإرضاع، ولا يفرق بينه وبينها، ولا تكلف إرضاع ولد آخر؛ فإن ذلك يكدها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا توله والدة بولدها ))  وهذا يؤدي إلى الوله نعم، لو أراد الاستمتاع بها في بعض أوقات الرضاع، [فأراد أن يضم الولد إلى مرضع]  فهل [له]  ذلك ينزل في هذا منزلة الزوج في مثل هذه الصورة وقد ذكرناه ولا معنى لقول القائل إن الاستمتاع غير مقصود من الأمة، فإن ملك الاستمتاع متكامل \rالخامسة: ليس لها فطام ولدها إلا برضا السيد، ولا الزيادة على الحولين إلا برضاه، والمتبع حكم السيد في الفطام والإرضاع بشرط أن لا يضر بالولد، فتتضرر الأمة  به، وليس كذلك في الحرة، فحقها متأكد في إرضاع ولدها، فيتوقف الفطام على توافقهما فلو أراد أحدهما الفطام دون الثاني، نظر، فإن أضر بالولد، فليس له ذلك وإن لم يضر بالولد، وأرادت  المرأة الفطام؛ قال الأصحاب: للأب المنع وإن أرادت الأم (الإرضاع) ، وأراد الأب الفطام، وجب عليه التزام الأجرة، ولم يستبد بالفطام وهذا فيه احتمال إذا كان الفطام لا ينهك الولد، ولا يضر به، ولكن المنقول ما ذكرناه والمتعلق قوله سبحانه:             •     \rالسادسة: المخارجة لا سبيل إليها، ولا حكم لها، وهو توظيف (خراج)  على العبد، فعلى العبد بذل المجهود، وعلى السيد أن لا يكلفه ما لا يطيقه فإن جرى التواضع على مقدر، فلا يتغير به حكم، ولا يثبت به  لزوم \rالسابعة: لو امتنع السيد عن الإنفاق أمر ببيعه، فإن لم يرغب فيه، أو عجز عن الإنفاق، فهو من محاويج المسلمين \r\rالفصل الثاني: في نفقة الدواب","part":1,"page":13},{"id":1795,"text":"وذوات الأرواح محترمة لا يجوز ذبحها إلا لمأكلة، ولا تعذيبها، ولا الخروج عن المعتاد في ضربها وتحميلها الأثقال، ولا تنزف ألبانها إذا تضمن ذلك إضراراً بنتاجها  ويجوز غصب العلف والخيط لجرحها إذا أشرفت على الهلاك على المذهب الظاهر، وفي [المسألتين]  خلاف والمسافر يقدم حاجة الدابة  إلى الماء على الوضوء، ويتيمم  وإن كانت سائمة، فأجدبت الأرض، فعلى المالك علفها وعلى الجملة، لها حرمة تزيد على حرمة العقار والمنقولات والجمادات، فإنه لا تجب مرمة الدار، وعمارة العقار  نعم، الممنوع فيها الإسراف وحرمة البهيمة تنحط عن حرمة الآدمي؛ ولذلك (يستبيحها)  المضطر في المخمصة هذا وجه التنبيه عليه ومهما امتنع المالك من العلف، فللقاضي أن يبيع عليه، أو يجبره على البيع  والله أعلم بالصواب ","part":1,"page":14},{"id":1796,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rلا إله إلا الله عده للكفاية رب يسر وأعن برحمتك\rكتاب الجراح\rالقتل المحرم موجب (للقصاص)، والأصل في التحريم والقصاص، الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله تعالى: • قيل: إنها نزلت في مقيس بن ضبابة، وكان قد ارتد، واستاق إبلاً، وتوثب على الراعي وقتله، والتحق بدار الحرب، فقال عليه السلام يوم فتح مكة: ((اقتلوا مِقْيَس بن صبابة وإن كان متعلقاً بأستار الكعبة، فوجدوه كذلك، فقتلوه))، وقال تعالى: قيل: معناه النهي عن المثلة وقال تعالى: وقال: • وهو من إيجازات القرآن، ويقرب من إيجازه قوله عليه السلام: ((القتل أنفى للقتل))، وقال عليه السلام: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزناً بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس)) وقال عليه السلام: ((لزوال الدنيا أهون عند الله تعالى من سفك دم امرئ مسلم)) وقال: ((من سعى في دم مسلم ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه: \"آيس من رحمة الله\"))\rهذا تمهيد الكتاب، والنظر في مضمونه متعلق بفنين: أحدهما: فيما يوجب القصاص، والآخر: في حكم الواجب من القصاص في (الاستيفاء)\rالفن الأول: في الموجب: والنظر فيه يتعلق [بالنفس والطرف، أما النفس فالنظر فيها يتعلق] بثلاثة أركان بالقتل في نفسه وصفته، وبالقاتل والقتيل، فلا تتم صورة القتل إلا بهذه الأركان الثلاثة","part":1,"page":1},{"id":1797,"text":"الركن الأول: القتل نفسه: والقتل الموجب للقصاص: كل فعل عمد محض  عدوان مزهق  للروح، فهو الموجب للقصاص  ولا بد  من بيان \"العمد المحض\"، وبيان قولنا: \"مزهق للروح\"؛ فإن الزهوق يضاف [مرة]  إلى السبب، وأخرى إلى المباشرة، ويتم (بيان)  هذه (القيود)  والأوصاف بتمييز العمد المحض عن شبه العمد، وتمييز المباشرة عن السبب، وبيان  حكم السبب (و)  المباشرة إذا اجتمعا\r\rالنظر الأول: في تمييز العمد عن شبه العمد\rأما الخطأ  المحض فهو بين، وسيأتي بيانه في الديات وأما العمد المحض، فليعلم أن العمد عبارة عن القصد، والقصد يتعلق بالفعل، وبالشخص الذي يصادفه الفعل، وبالزهوق الذي يتولد من الفعل \rأما التعلق بالفعل، فلا شك في اعتباره، فما يتولد من اضطراب اليد بالرعدة، أو بزلق  الرجل، أو السقوط من سطح بغير اختيار، فهو خطأ محض ، وتعلق القصد بالشخص أيضاً معتبر قطعاً، والرامي إلى صيد قاصد إلى فعله، فإذا أصاب شخصاً، فهو خطأ محض في حق القاتل ، فبوجود القصد  المتعلق بالشخص يتميز عن الخطأ المحض، يبقى تعلق القصد بالزهوق وكلام الأصحاب مشير  إلى تميزه عن شبه العمدية \rوالقتل ينقسم إلى ما يقع بالجارح وإلى ما يقع بالمثقلات ، فالواقع بالمثقل  منه العمد المحض عندنا حتى يجب القصاص به؛ خلافاً لأبي حنيفة ، كالتخنيق والتغريق وأمثاله، وليس يعتبر فيه العلم بتعلق القصد بالزهوق، فإن ذلك لا يطلع عليه، ولكن كل فعل يفضي إلى القتل غالباً ففاعله يقصد [به]  القتل غالباً، فيحمل على وجود القصد \rوأما الجارح فما يذفف  كالقد بنصفين، وحز العنق ، وإبانة الحشوة والأمعاء، فلا يخفى تعلق القصد فيه بالزهوق ","part":1,"page":2},{"id":1798,"text":"وأما الجراحات وإبانة الأطراف وما يفضي إلى الزهوق بالسراية، فالحد فيه: كل جرح سارٍ ذي غور ، والضبط الذي ذكر: من أنه يقصد به القتل غالباً غير مطرد في هذا المقام، فإن قطع الأنملة  مما لا يقصد به القتل غالباً، كالضرب بالعصا الواحد، وجُمْع الكف، وذلك شبه عمد، وهذا عمد محض، فقد اختلف الضبط في الجارح وغير الجارح  فاعتذر  الفقهاء عنه: بأن الجرح له غور وغائلة ، فيحتاط فيه، ويكتفى فيه بوجوده، بخلاف ما ينبسط على الظاهر، وهذا فيه نظر؛ لأن قضية العمدية قضية محسوسة، وتعلق القصد بالزهوق إن كان معتبراً، فلا يختلف الأمر فيه بالجارح وغيره، كيف وللمثقل المرضض  للعظام أيضاً غور في الباطن، فلا بد من ضبط يجمع الفنين، وقد تبين أن تعلق القصد بالزهوق غير معتبر كما في صورة الأنملة، فوجب تمييز العمد عن شبه العمد: بكل ما علم حصول الموت به، فإن الجرح له غور، ويظهر تفاوت سرايته على وجه  يوثق بإحالة  الزهوق عليه  وأما الضربات بالسياط والخشب، وما ينبسط على الظاهر، وكل ما يوثق بإحالة الموت عليه كالتخنيق والتغريق والمثقلات العظيمة والضربات المتوالية الذي تعقب في المحل تورماً، وتقطعاً في الباطن، فهو أيضاً مما علم حصول الموت به ","part":1,"page":3},{"id":1799,"text":"وأما العصا الخفيفة والضرب بجميع الكف في غير المقتل، فهذا لا يبعد حصول الموت به، ولا يعلم  حصول الموت به، فهو مشتبه، والضمان يجب مع الشبهة، ويحال على السبب الظاهر، فمن ضرب بطن جارية، فأجهضت جنيناً ميتاً، تلزمه الغرة ، ولا يتيقن حصول موت الجنين بضربها، فلعله كان ميتاً قبله، [ولكن]  يحال على السبب الظاهر، ويقدر شبه عمد، فهذا الضبط يشمل الفنين، ويتأيد بالمعنى والنص أما المعنى فهو أن قصد الزهوق أمر مستبطن، فلا يعتبر إلا ارتباط القصد بالفعل الذي يترتب الزهوق عليه  وأما النص فقد قال الشافعي رحمه الله: إذا جرحه جرحاً صغيراً أو كبيراً، فمات به، وجب القصاص  فقوله: فمات به، مشعر بأنه ليس يعتبر إلا حصول الموت به  وفي هذا يختلف أمر المثقلات بالأحوال والأشخاص والمضارب والآلات، فكل ما  (إذا) استعقب الموت، علم قطعاً حصول الموت به، فهو الذي يقصد به القتل غالباً، وما يتصور الشك في حصول الموت به، فهو شبه العمد  وكذلك الجراحات أيضاً تنقسم، فقطع الأنملة إذا (ظهرت)  سرايته، علم حصول الموت به ","part":1,"page":4},{"id":1800,"text":"ولو غرز إبرة، فقد قال الأصحاب: إن تورم موضع الغرز وجب القصاص وإن لم يتورم، ولكن كان يجد ألماً شديداً، فوجهان  ومنهم من أطلق وجهين في الإبرة إذا غرزت في اللحم من غير (تفصيل)  بين الأحوال  وفي هذا الإطلاق إيهام، فالوجه تخريجه على القاعدة، فنقول: الغرزة في موضع كثيف لا تُعْقِبُ ألماً هدر، وحصول الموت بعدها محمول على موافقة القدر، فليس فيه ضمان ولا قصاص ولو تورم المحل بعد الغرز في (اللحم) ، ووجد ألماً شديداً إلى الموت، أو كان في مقتل، فالقصاص واجب ، وهذا القسم يقابل الأول، وهو أنه علم حصول الموت به، وإن لم يوجد التورم، ووجد ألم شديد فوجهان من حيث أن (العصبة)  الباطنة قد تلاقيها الإبرة، فيشتد ألمها (والآلام)  الكبيرة قاتلة، فقد يستدل به على حصول الموت به قطعاً، وقد (يتمارى)  فيه، فيقع في محل الشك، فيعدل  إلى الضمان، ويحال السبب الظاهر \rفإن قيل: الحد الذي ذكرتموه يشكل بما نص الشافعي عليه، وهو أنه لو أبان بعض اليد، فتأكلت الجراحة، وأفضت إلى سقوط اليد، فلا قصاص ، ومهما ظهر التأكل علم حصول السراية به، ولكن لما كانت الأجسام لا تقصد غالباً بالسراية، لم يجعل ذلك عمداً محضاً، وقد نص على أنه لو ضرب رأس إنسان، فذهب ضوء عينه وجب القصاص  وإنما أوجب من حيث أن اللطائف تقصد بالسراية كالروح، فالمعتبر عنده القصد غالباً دون العلم بترتب السراية عليه ","part":1,"page":5},{"id":1801,"text":"قلنا: هذا مشكل، وهو مستنَد الأصحاب في الضبط الأول، ولكن يشكل عليهم بقطع الأنملة، فإنه لا يقصد به القتل غالباً، ولا جواب عنه، وقد تصرف العراقيون والأصحاب في المسألتين، فمنهم من قرر النصين، ومنهم من جعل في المسألتين قولين: بالنقل والتخريج، ففي أحد القولين: يجب القصاص فيهما وهذا القول يوافق الحد الذي ذكرناه، وهو متجه من حيث المعنى؛ إذ الطرف معصوم بالقصاص كالنفس، ولذلك جعل الشافعي رحمه الله الشركة في الطرف كالشركة في النفس ، فإذا أكمل فعله في الطرف بفعل شريكه، فبأن يكمل بسراية  فعله أولى  هذا وجه التحقيق والتنبيه على الإشكال، وقد رأيت القطع بإيجاب القصاص على من ضرب شخصاً ظنه صحيحاً، فإذا هو مريض [وكان ذلك القدر من الضرب]  يقتل المريض دون الصحيح, وهذا يدل على أنه ليس يعتبر إلا تعلق القصد بالفعل والشخص مع العلم بحصول الموت به إذا حصل، فأما قصد الإزهاق فغير معتبر \rفإن قيل: (فما)  قولكم فيما إذا أوجره دواء مضرًّا يتوهم القتل به، فمات قلنا: إن كان سمًّا مذففاً،  فهو قتل عمد موجب للقصاص، وإن كان يغلب منه الموت، وكان يتصور الخلاص على بعد، فهو أيضاً موجب للقصاص، وإن كان لا يغلب منه الهلاك، ولكن يحتمل  فكلام الأصحاب مشير إلى أنه كغرز الإبرة من حيث أنه يصادف الباطن، ولكن يصادف ظاهر الباطن، ولم يجعل ذلك كقطع الأنملة، وإن كان لا يغلب الهلاك من قطع الأنملة  أيضاً؛ لأنه منبسط على ظاهر الباطن، ولكن قد يلاقي أغشية رقيقة، فيقطعها، فاعتبروا أن يستعقب ألماً وتغيراً حتى يظهر حصول الموت به، فيجب القصاص، فإن لم يظهر فيقتصر على الضمان بمجرد الظن والحسبان \r\rالنظر الثاني: في تمييز السبب من  المباشرة","part":1,"page":6},{"id":1802,"text":"ولا شك أن التذفيف وحز الرقبة والتوسيط مباشرة، وقطع الفقهاء بأن الجرح الذي يسري أيضاً بعد مدة يسمى  مباشرة، والرمي به والقتل به يسمى مباشرة، وحفر البئر في محل العدوان يسمى سبباً \rوالذي تنخل  لنا في ضبطه، وقد  قررناه في الأصول في كتاب شفاء الغليل : أن المباشرة عبارة عن إيجاد علة الموت، ونعني بالعلة: ما تولد الموت أو مولده ، وليسامحنا المتكلم بإطلاق لفظ التوليد، فإنما نريد به ما فهم اعتياداً، لا ما يريده المعتزلة ، والفقه مبني على الاعتياد، فالعلة المولدة ما يقال: إن الموت حاصل به ومضاف إليه ثم قد  يولد الموت من غير تخلل واسطة، كحز الرقبة، وقد يولد بواسطة السراية كالجرح، فإنه يولد السراية، والسراية  تولد الموت، فيكون الموت مضافاً إلى المولد الأول وقد تكثر الوسائط كالرمي، فإن فعله يولد ارتماء السهم، وذلك يولد الإصابة والجرح، ثم السراية، ثم الموت، والموت مضاف إلى العلة الأولى والمولد الأول، والكل مباشرة؛ لأنه اكتساب لعلة الموت \rوأما  السبب فما تحصل الموت عنده لا به؛ بل بعلة مستقلة، تلك العلة لا تعمل إلا عنده كالحفر لا تصير التردية (علة)  للهلاك إلا عنده، ولكن لا تحصل بالحفر، وإنما تحصل بالتردية، والقاتل والممسك إذا اجتمعا، فالقاتل مباشر، والممسك متسبب؛ إذ لولا إمساكه لما تمكن من قتله، ولكن موته محال على القتل الموجود عند الإمساك لا على الإمساك ","part":1,"page":7},{"id":1803,"text":"فإذا ثبت أصل الفرق قلنا بعده: القصاص عندنا لا يختص بالمباشرة؛ بل يتعلق بالسبب أيضاً، ولا يتعلق بكل سبب؛ بل الضبط فيه: كل سبب مضمن يفضي إلى القتل غالباً في شخص معين مثل الإكراه والشهادة والإلقاء في المسبعة؛ إذ هذه الأسباب في معنى المباشرة، على معنى أن العلة المتوسطة بينهما وبين حصول الموت أمكن أن نجعله نتيجة السبب، فقد تولد منه، وحصل به كما نقول: فعل المكره تولد من داعيته، وداعيته تولدت من إكراهه، وقتل القاضي تولد من داعيته، وداعيته تولدت من  الشهادة وقتل السبع لمن ألقي في مسبعة تولد من تمكينه من الوصول إليه، فيحال عليه لا على اختيار السبع، فإن اختياره ساقط لا عبرة به، وهو كالنار؛ إذا ألقي الإنسان فيها  فإنا نحيل [لفحه و]  إحراقه على الإلقاء، ونقول: إنه تولد  منه، ولا نحيل على طبع  النار، والضبط ما تقدم، وهو كل سبب مضمن يفضي إلى القتل غالباً في شخص معين \rفإن قال قائل: لو جرى سبب، ولكن قدر المقصود على الدفع، فلم يدفع، فعلى من يحال الهلاك قلنا: هذا يفرض على مراتب:\rالمرتبة الأولى: أن تكون الجناية فعلاً معتاداً لا يعد بمجرده مهلكاً، ويهون دفع ضرره، كما إذا حبسه في بيت من غير طعام ولا ماء، وسهل عليه إحضار الطعام، فلم يفعل حتى مات، فهو قاتل نفسه، ولا ضمان على الحابس ولا قصاص وكذلك لو فتح عرقه بغير إذنه، فتركه حتى نزف الدم، ولم يعصب، فإن التعصيب سهل، ويوثق بأنه سبب للخلاص قطعاً وكذلك لو ألقاه في ماء قليل، فاستلقى حتى علاه الماء وهلك \rالمرتبة الثانية: التي تقابل هذه المرتبة، أن تكون الجناية سبب هلاك، والدفع فيه عسِر، ولا يوثق به، كما إذا ترك مداواة الجرح، فالقصاص واجب، ولا يحال الهلاك على ترك المداواة؛ لأنه لا يوثق به، وفيه نوع عسر، والجراحة في نفسها سبب هلاك ","part":1,"page":8},{"id":1804,"text":"المرتبة الثالثة: المتوسطة، أن يجري سبب هلاك، ولكن كان الدفع سهلاً، فتركه، كما إذا ألقاه في ماء مغرّق  وهو يحسن السباحة، فتركها، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يحال بالهلاك عليه بتركه السباحة، فإنها سهلة يسيرة، وهي مفضية إلى الخلاص  قطعاً والثاني: أنه لا يحال عليه؛ لأن سبب الهلاك قد جرى منه، وإنما السباحة حيلة في الخلاص، وقد يدهش عن السباحة وإن كان حاذقاً فيها فإن قلنا يحال بالهلاك على الملقي، ففائدته وجوب الضمان ، أما القصاص فوجهان؛ منهم من أوجب، ومنهم من أسقط؛ لما تعارض من الشبهة \rفأما إذا كان لا يحسن السباحة، فألقاه في موضع مغرق، وجب القصاص، ولم يجز أن يحال الهلاك على عدم معرفته وقدرته  فإن الإلقاء علة الهلاك، والسباحة حيلة الدفع، وعلة الهلاك تختلف باختلاف الأشخاص، فالضرب اليسير في حق الصغير، قد يجعل عمداً محضاً، والجرح اليسير في حمَّارة  القيظ  قد يقتل، والمريض المدنف  قد يهلك بما لا يهلك به الصحيح، فقوة العلة تعتبر على قدر الحال والوقت والشخص \rفأما إذا ألقاه في نار، وقدر على أن يتعدى بالتخطي، فلبث، فالذي ذهب إليه الأكثرون وجوب القصاص؛ بخلاف الماء في صورة إمكان السباحة؛ لأن النار بأول ملاقاتها تحرق وتجرح، فيصير مجنيًّا عليه بما هو علة الهلاك وقد قال القاضي [حسين] : هي كالماء من غير فرق والأمر على ما قال؛ إلا أن تكون النار في أول لفحة تعجزه عن التخطي، فتتغير صورة المسألة، وما قدرناه من القدرة على  الخلاص ","part":1,"page":9},{"id":1805,"text":"فإن قيل: لو حبسه وهو جائع، فمنعه الطعام حتى مات جوعاً ، فعلى من يحال الهلاك قلنا: أما إذا لم يكن جائعاً، فحصل الجوع في ابتدائه في الحبس، ومنعه الطعام، ولم يكن له طريق إلى التحصيل، فلا خلاف في وجوب القصاص، وإن كان الجوع لم يحصل بفعله، وإنما حصل بطبعه، ولم يحصل بفعله إلا الحبس، وما مات من الحبس، ولكن المنع من الطعام سبب يفضي إلى القتل غالباً في الشخص المقصود المعين، فنوجب القصاص  وأما  إذا كان به بعض الجوع، فمنعه الطعام حتى مات، فقد حصل الموت بالجوعين، فإن أحلنا عليهما سقط القصاص، وتبعضت الدية، وإن أحلنا على البعض الآخر ، وهو ليس مستقلاً، فوجهه أن الجوع الأول ساقط الأثر في الهلاك، وإنما صار مهلكاً بالجوع الأخير، (فالأخير)  جعل الأول مهلكاً، فالوصف (الآخير)  من العلة يحال الحكم عليه، ويقال إنه في حكم علة العلة، وكل واحد من المسلكين محتمل ","part":1,"page":10},{"id":1806,"text":"وللأصحاب فيه طريقان؛ منهم من قال إن علم ما به من الجوع، وجب القصاص، فإنه قصد إلى جعل الجوع السابق مهلكاً بالجوع الأخير، فكان ما صدر منه في حكم علة العلة، فيحال بالحكم عليه ، ولو كان جاهلاً بجوعه ففي القود قولان: أحدهما: [أنه]  يجب؛ لأن ما أحدثه  علة العلة وإن لم يعرفه؛ إذ الجوع الأول به صار موته ، فضاهى إذا ضرب مريضاً عهده صحيحاً على ظن أنه صحيح، وكان ذلك القدر من الضرب لا يقتل الصحيح، ويقتل المريض، يلزمه القصاص؛ لأنه أحدث في المحل ما هو علة (كاملة الإهلاك)  بالمحل على ما عهد عليه، وما سبق لم يصلح لأن يعتبر للشركة؛ بخلاف ما لو سبقت جراحة من المجروح أو من غيره، فإن ذلك يعتبر في الشركة كما سيأتي  والثاني: أن القصاص لا يجب؛ لأن القدر الذي صدر منه بمجرده لا يقتل، ولا يقصد به القتل غالباً، والجوع في حكم خطة واحدة، تزداد فتقتل  لا كالجرح، فإنه (ليس)  جزءًا من المرض ولا من القروح، ولكنه (منفصل)  عنه وفي مسألتنا الزائدة هو الجوع الأول \rفإن قلنا: القصاص واجب، فلا خفاء بوجوب كل الدية، وإن أسقطنا القصاص، ففي الدية وجهان: مبنيان  على علة إسقاط القصاص، فإن أحلناه على الجهل والشبهة مع إحالة الهلاك على البعض الأخير من الجوع؛ لأنه علة (العلة) ، فتجب كل الدية، وإن عللنا بإحالة الهلاك على الكل، وقدرنا ذلك شركة للتجانس أو الاتحاد، فالواجب نصف الدية  هذه طريقة","part":1,"page":11},{"id":1807,"text":"الطريقة الأخرى طرد القولين في صورة العلم والجهل، ولا (تتجه)  هذه الطريقة على قول إسقاط القصاص إلا إيجاب نصف الدية؛ إذ مأخذه أن العلة واحدة، وقد أضيف إليه بعضها، لا كضرب المريض والمقرّح، (فإن)  الجوع خطة واحدة، ازداد سببه  ، وهذا يلتفت على ما إذا شحن السفينة بأثقال تحتملها، فوضع واضع زيادة  مغرّقة، ففيه وجهان: أحدهما: يجب عليه ضمان الكل إحالة للهلاك على الأخير؛ لأنه جعل الأول مهلكاً مغرقاً، فكان في معنى علة العلة والثاني:  التوزيع \rثم في كيفية التوزيع وجهان: أحدهما: (التقسيط)  بالوزن؛ لأنها (متجانسة) ، وآثارها مضبوطة والثاني: إيجاب النصف مصيراً إلى أن ما سبق في حكم بعض، وما لحق في حكم بعض \rوكذلك الجلاد إذا زاد سوطاً واحداً فمات، فعلى وجه يجب تمام الضمان نظراً إلى الجزء الأخير، وعلى وجه نصفه، وعلى وجه جزء من أحد وثمانين جزءاً \rأما الجراحات فالنظر فيها إلى عدد الرؤوس؛ لأنه لا ضبط لأغوارها وبنى القاضي الوجهين في مسألة السفينة، على الوجهين فيما إذا رمى إلى صيد فلم يزمنه، ورمى آخر فأزمنه، وقيل لولا الجرح الأول لما أزمنه، فعلى وجه: الصيد للأخير، وعلى وجه: هو بينهما \rالنظر الثالث: اجتماع السبب والمباشرة\rوقد ذكرنا أن المباشرة عبارة عن إيجاد علة الموت، فإذا جرى سبب، وطرأ  عليه قبل إفضائه إلى الهلاك  ما هو علة الهلاك مستقلة، فهذا ينقسم قسمين:","part":1,"page":12},{"id":1808,"text":"القسم الأول: أن تكون العلة صادرة من حيوان ذي اختيار، وهو الآدمي، فحكم هذه المباشرة أن تقطع السبب، وتقطع إضافة الهلاك عنه إذا لم تكن المباشرة متولدة من السبب بحال وبيانه: الممسك مع القاتل، والملقي من السطح مع واقف قدّه بنصفين في الهواء، أو حافر البئر مع المردي، إلى أمثال ذلك  فهذه المباشرات تحبط السابق من السبب لا على فصل بين أن يكون السبب السابق سبب هلاك لا محالة وإن لم تكن المباشرة العارضة كالإلقاء من سطح عالٍ أو شاهق، وبين أن لا يكون سبب هلاك كالإلقاء من مكان قريب، [وكالإمساك]  وحفر البئر \rولا فرق أيضاً بين أن يعلم المتسبب انتظار المباشر له ليقتله ويقدّه بنصفين، أو يلقيه في البئر، وبين أن لا يعلم، فإن ما سبق منه صار شرطاً محضاً، والمباشرة علة مستقلة، تسقط عبرة الشرط مع العلة  وقال مالك رحمه الله: الممسك شريك مع القاتل  وعندنا ليس عليه إلا المأثم أو ضمان المال إن كان الممسك عبداً؛ لثبوت اليد عليه، ثم يرجع على القاتل، وكذلك في المحرم إذا أمسك صيداً حتى قتله محرم آخر  أما إذا كانت المباشرة بحيث يمكن أن يقال: إنها تولدت من السبب، كقتل القاضي بالشهادة، وقتل المكره بالإكراه، وقتل الضيف نفسه بتناول الطعام المسموم إذا قدم إليه وهو لا يعرف، فهذه الصور الثلاث تستدعي تفصيلاً \rأما الصورة الأولى: الشهادة، فعليها يحال الهلاك؛ لأن قضاء القاضي، وقتل الولي تولد من (داعية)  (نشَّأتْها)  شهادته، فيجب القصاص على الشهود، ولا ينقطع بالمباشرة الطارئة لضعف المباشرة بكونها متولدة من السبب وقوة السبب بكونه مولداً للمباشرة؛ إلا إذا اعترف الولي بكونه عالماً ظالماً، فالمذهب إذ ذاك أن لا قصاص على الشهود ولا ضمان؛ إذ بقيت (شهادتهم)  شرطاً محضاً ليس فيه معنى العلة من التوليد والإيجاب، ويستقصى تفصيل ذلك  في كتاب الشهادات  ","part":1,"page":13},{"id":1809,"text":"الصورة الثانية: الإكراه على القتل، والمباشرة من المكرَه لا يقطع حكم الإكراه عند الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله؛ بل يجب القصاص على المكرِه الحامل؛ لأنه قوي في سببه، فشابه العلة، فإنه ولد الداعية في المكرَه، وداعيته حركت سيفه ويده حتى حصل القتل  وذهب زفر  وأبو يوسف إلى إسقاط القصاص عنه، وتخصيص المكرَه المحمول بالقصاص؛ لأنه آثم بفعله، وهو مزجور عن القتل، أقدم عليه عن اختياره إيثاراً لمهجته على مهجة غيره، وكانت مباشرته قوية مستقلة قاطعة لحكم السبب  وعن هذا حكم أبو حنيفة بأن المكرِه الحامل مباشر محض، وليس بمتسبب؛ لأنه أحدث علة الهلاك بواسطة توليد الداعية، وأشكل عليه تأثيم المكرَه المحمول، فتشبث  بأنه لا يأثم إثم القتل  وهو فاسد وتردد أيضاً قول الشافعي في وجوب القصاص على المحمول مع القطع بوجوبه على الحامل على ما استقصينا توجيهه في الخلاف، فإن أوجبنا القصاص [  ظ] عليه [أيضاً] ، (فلا)  مأخذ له إلا تنزيلهما منزلة الشريكين (فإن)  السبب قوي، والمباشرة قوية، وقد اعتدلا، و (لا)  يمكن تغليب أحدهما، فنقول: الموت حصل بهما جميعاً  فإن قلنا: لا قصاص على المكرَه أمكن إن يعلل ذلك بأن المكرِه مباشر، والمكرَه كالآلة، حتى لا تجب عليه دية ولا كفارة، واحتمل أن يقال سقط القصاص بالشبهة مع كونه فاعلاً مباشراً  وتبيين هذه المعاني بالتفريع","part":1,"page":14},{"id":1810,"text":"ويتفرع على تقرير الشركة أو الآلة الدية، وانتفاء الكفارة عن أحد الشريكين أما الدية فإن أوجبنا القصاص عليهما، فالدية عليهما ، وإن أسقطنا عن المحمول ففي الدية قولان: أحدهما: السقوط؛ لأنه كالآلة، والثاني: وجوب النصف؛ لأن سقوط القصاص كالشبهة  فإن قلنا يجب نصف الدية، فتضرب في ماله أو على عاقلته، هذا فيه احتمال، فإنه عامدٌ حسًّا، ولكن سقوط القصاص يشعر بضعف عمده حكماً، وعلى قول وجوب القصاص لا خفاء باختصاص الدية به ولزوم الكفارة  وعلى قول سقوط القصاص في الكفارة وجهان مرتبان على الدية، وأولى بأن تجب؛ لأنا نوجبها على من يرمي سهماً إلى صف الكفار، فصادف  أسيراً مسلماً، وقد تسقط الدية، ثم وإن قلنا: لا تلزمه الكفارة ففي حرمان الميراث وجهان \rأما اختلاف الصفة، فالمكره إن كان كفواً وجب القصاص عليه، ولم يسقط عنه بعدم (الكفاءة)  في المحمول المكرَه؛ لأن غايته أن يكون شريكاً، ولو شارك الذمي مسلماً، أو العبد حراً، أو الأجنبي أباً، وجب القصاص عليهم، وإن سقط عن شركائهم \rولو كان المكرَه المحمول صبيًّا، والمكرِه  شريك الصبي، فيبتنى على أن عمد الصبي عمد أم خطأ حكماً، فإن جعلناه خطأ، فالمكره الحامل شريك مخطئ، فلا قصاص عليه، وإلا فيجب عليه القصاص \rفأما إذا وجدت هذه الصفات في المحمول (وفقدت)  في الحامل المكره، فالقصاص  ساقط عن الحامل، وفي وجوبه على المحمول القولان، فإن أسقطنا عن المكرَه أصلاً، فلا شيء عليه، وإن أوجبنا، وجعلناه شريكاً، وجب عليه، وإن لم يجب على المكرِه الحامل؛ لأنه شريكه، فأشبه صورة الشركة ","part":1,"page":15},{"id":1811,"text":"فأما إذا فرعنا على أن القصاص لا يجب على المحمول، والفعل منه منقول إلى المكره الحامل، فلو كان المحمول صبيًّا تردد فيه الأصحاب، وحقيقته: ترجع إلى أن الفعل بوصفه ينقل إليه حتى لا نوجب عليه، أو ننقل الفعل المجرد عن الصفة؛ (أو)  لا نقدر الفعل بل نجعل الحامل مباشراً، والمحمول آلة  وعلى هذا يخرج ما إذا أكره إنساناً على أن يرمي إلى طللٍ ظنه المحمول جرثومة، فإذا هو إنسان، والحامل يعرفه، فهذا يخرج على أن تخصيص الحامل  بالقصاص بطريق جعله مباشراً، وجعل المكرَه آلة، أم بطريق نقل الفعل إليه  وعن هذا التردد اختلف الأصحاب في أن المحمول على إتلاف المال هل يطالب بالضمان من جعله آلة لم يطالبه، ومن قدر انتقال الفعل حكماً، زعم أنه يطالب بالضمان، ثم يرجع  ولو أكرهه على صعود شجرة، فزلق رجله، واندق عنقه، ومات، وجب القصاص على المكرِه، ولم يعتبر خطأ المكرَه، حتى يجعل المكرِه شريك الخاطئ؛ لأن خطأه نشأ  من إكراهه \rفإن قيل: وما  حد الإكراه وصورته قلنا: استقصينا هذا في كتاب الطلاق  والذي نزيده  الآن، صورٌ:\rإحداها: لو أكره إنساناً على أن يكره ثالثاً على قتل رابع، فالإكراه متحقق، ويجب القصاص [على الأول]  وأمر الثاني والثالث يخرج على الخلاف \rالثانية : أنه لو قال: اقتل زيداً أو عمراً وإلا قتلتك، أو طلق زينب أو حفصة فلو قتل أحدهما، أو طلق إحداهما، فهو مختار، ولا حكم للإكراه؛ لأنه باختياره المحض قدم أحدهما على الآخر مع أن خلاصه حاصل بكل واحد منهما وهذا مع ما ذكرناه فيه غموض لا ينكر \rالثالثة: أن يقول: اقتل نفسك وإلا قتلتك، فليس هذا بإكراه، ولا شيء على المكره لو قتل نفسه؛ فإن الإكراه يتحقق بأن يستفيد المكرهَ بالإجابة خلاصاً، فليصبر  حتى يقتل، فأي فائدة له في قتل نفسه ","part":1,"page":16},{"id":1812,"text":"الرابعة: إذا قال: اقتلني وإلا قتلتك، فهذا يتضمن الإذن في القتل، وفي سقوط الدية [بالإذن]  خلاف ينبني  على أن الدية تثبت للورثة ابتداءً، فلا يؤثر إذن القتيل، أو يثبت له، ثم ينتقل إليهم وأما القصاص فإنه ساقط بشبهة الإذن، وخرج وجه  من الدية أن القصاص أيضاً لا يسقط؛ لأنه يثبت  للورثة ابتداءً كالدية، ولا معنى لدعوى الشبهة، والقصاص يثبت لغيره، فإن لم نجعل الإذن مؤثراً، فينبغي أن نجعل الإكراه مؤثراً في إسقاط الضمان والقصاص على قول إسقاطه عن المكره \rفإن قيل: وما الذي يندفع الإثم فيه بالإكراه قلنا: يباح إتلاف مال الغير بالإكراه قطعاً؛ بل يجب الإتلاف للأحياء كما إذا وجد طعام  الغير في مخمصة ، ولا يباح بالإكراه لا القتل ولا الزنا بالإجماع ، وفي تصور الإكراه على الزنا خلاف من حيث أن الانتشار لا يصدر إلا عن إرادة وخبرة وهو فاسد؛ فإن الإكراه على الإيلاج ممكن، والانتشار قد لا يدخل تحت  الاختيار وأما  كلمة الردة، فيباح النطق بها، وهل يجب التلفظ بها للخلاص من الفقهاء من ذهب إليه ، واختار الأصوليون أنه يجوز له الثبات على الدين والاستسلام، وإذا كانت الأرواح تهدف للسيوف ذبًّا عن الدين، فكيف يجب على أسير فيما بينهم أن يأتي بكلمة الردة  فأما شرب الخمر، فيباح  بالإكراه، وفي وجوبه تردد، والظاهر وجوبه، (إذ)  يجب على من غص بلقمة أن يسيغها بالخمر لا كالتداوي، فإنه غير موثوق به، والإساغة والخلاص عن الإكراه موثوق به، فلا تنتهي مرتبة الخمر إلى القتل والزنا، ولا إلى النطق بكلمة الردة \rوأما  الإفطار في الصوم إذا أكره عليه، وقلنا يحصل الفطر به، ينبغي أن يكون كشرب الخمر في رتبته  هذا ما يبين لي، ولم أعثر فيه على نص في هذا المقام","part":1,"page":17},{"id":1813,"text":"فإن قيل: ما قولكم في أمر السلطان والسيد المالك قلنا: أمر السلطان هل ينزل بمجرده منزلة الإكراه فيه وجهان مشهوران يشتمل عليه كل كتاب ، وفيه إجمال وإشكال\rوفي كلام الأصحاب إشارة إلى مسلكين في بيان ذلك: أحدهما: أن الغالب من السلطان أنه يسطو على من يخالفه، ويهلكه فرجع  وجه التردد على هذا التأويل إلى أن المعلوم من غالب عادته، هل ينزل منزلة الوعيد الناجز المقرون بالأمر، وعلى هذا لا يختص ذلك بالسلطان؛ بل يجري في كل متغلب مبطل مستولي قاهر علم ذلك من عادته والمسلك الثاني: يشير إلى تخصيص السلطان من حيث أن أمره محمول على الحق، وهذا فيه خبط من حيث أنه لا خلاف  أن المأمور لو ظن كون القتل حقًّا، فلا ضمان عليه ولا عهدة، وإن كانت المباشرة موجودة منه، ولم يوجد من السلطان إلا الأمر المجرد؛ لأنا لو واخذنا الجلاد بتبعات الأفعال، لطال الأمر عليه، فقدر الفعل كالمنقول إلى الآمر، وإن الفاعل والجلاد آلة، وكذلك القول فيما إذا جوّز كونه حقًّا، ولم يقطع، وأما مسألتنا فيه إذا علم المأمور قطعاً أن السلطان مبطل، فما معنى حمل أمر السلطان على الحق، ولو خصص ذلك بصورة تجويز كونه حقًّا، فيجب القطع في هذه الصورة بسقوط أثر الأمر، ومع تجويز الحق لا ينقدح إلا إسقاط التبعات، وأن الجلاد لا يقطع بكونه محقًّا في كل فعل، ولكن يحمل ما يأمره على الحق ما أمكن، ويحتمل أن يؤول كلام الأصحاب بأن امتثال أمر السلطان واجب، وقتل المعصوم محرم، والصحيح أن السلطان لا ينخلع بمجرد الأمر بالباطل حتى يخرج عن كونه مطاعاً، فهو من حيث الامتثال مطيع، ومن حيث سفك الدم عاص، فتعارض الموجب والمسقط على فعله كما تعارض على المكره، فيمكن أن يخرج عليه ","part":1,"page":18},{"id":1814,"text":"فأما السيد إذا أمر عبده، وكان العبد عاقلاً مختاراً فقتل، فلا قصاص  على السيد، وإنما يجب على العبد، وإذا آل الأمر إلى الضمان تعلق برقبته ، ولا ينزل أمر السيد منزلة أمر السلطان بحال، وهذا يخدش الشبهة التي نشأناها  من وجوب طاعة السلطان، فإن طاعة السيد واجبة، ولكن لا تجب في القتل؛ إذ لا (طاعة)  لمخلوق في معصية الله ، فكذلك في حق الإمام؛ إلا أن تسليط الآحاد على الإمام حتى يتصرفوا عليه، فإن هذا قد يجوز، والطاعة غير واجبة، وربما يجر فساداً، ويخرم أبهة الملك، وذلك في حق السيد ليس كذلك  ثم لو أكره العبد العاقل، ففي تعلق الضمان برقبته من الخلاف ما في وجوب الضمان على المكرَه الحر  فأما إذا كان العبد بحيث يسترسل عند  الأمر استرسال  السبع الضاري، فالقود واجب على السيد لا على العبد، وهو كإغراء السبع في مضيق على ما سنفصله في القسم الثاني  فإذا آل الأمر إلى (المال) ، فالسيد مطالب به، وفي تعلقه برقبة العبد وجهان: أحدهما: أنه لا يتعلق؛ لأنه كالبهيمة؛ إذ لا اختيار له والثاني: أنه يتعلق؛ لأنه آدمي على الجملة  وهذا الخلاف جارٍ فيما لو فعل دون إذن سيده وكذلك  في الصبي الذي له مال، وكذا  المجنون إذا كان طبعه الضراوة كالسباع في أن الضمان هل يجب في مالهما منهم من ألحقهما بالبهائم، ومنهم من نظر إلى صورة الإنسانية، وكذلك  الخلاف فيما لو أمر أجنبيٌّ مثل هذا العبد، ولكن يجب على الأجنبي السعي في تخليص رقبته عن الأرش ؛ لأنه صدر منه تسبب صالح لإيجاب  القصاص، فكيف لا يحال عليه قرار الضمان  فهذا تمام ما تعلق بأذيال فصل الإكراه","part":1,"page":19},{"id":1815,"text":"الصورة الثالثة من طريان مباشرة الآدمي على السبب: أن يتناول الضيف طعاماً مسموماً قدمه المضيف إليه، وغره  به، فالتناول مباشرة صدرت من الضيف، وإدخال السم من المضيف، ولولاه لما كان التناول مهلكاً، فهذا  من وجه أمكن أن يجعل متولداً من سببه كصورة الإكراه والشهادة، ومن وجه لم يمكن؛ لأنه مقدم عليه باختياره، ليس محمولاً شرعاً كالقاضي، ولا حسًّا كالمكرَه، فاختلف قول الشافعي فيه في وجوب القصاص مع القطع بوجوب الدية \rوحكى الشيخ أبو محمد طريقة في طرد القولين أيضاً في الدية \rوهو وإن كان مخرّجاً، فله اتجاه من حيث أن المباشرة إن أحيل الحكم عليها، فلا تنفي للسبب عبرة، وإنما يبقى السبب معتبراً في الضمان في مسألة الغرور؛ لأن كل واحد متسبب، وفي مسألة حفر البئر مع المتردي؛ لأن المتردي غير قاصد إلى الوقوع في البئر، وهذا قاصد إلى إيصال الطعام إلى جوفه  هذا فيه إذا أضافه\rفإن دخل داره، وأدخل السم في طعامه معتمداً على أنه سيأكله من غير تقديم، فطريقان؛ منهم من قطع بسقوط القصاص، ومنهم من ألحق بصورة التقديم \rولو حفر بئراً في دهليزه، وغطى (رأسها) ، ودعا إليه ضيفاً، فهذا في معنى صورة التقديم، وإن كان الحفر في ملك الحافر؛ لحصول التغرير، وتجريد القصد  إلى شخص معين ","part":1,"page":20},{"id":1816,"text":"القسم الثاني من طريان العلة على السبب: أن تكون العلة صادرة من حيوان لا اختيار له كغير الآدمي وصورته: أن ُيلقي إنساناً في تيار بحر، فيلتقمه  الحوت كما صادفه الماء، وجب القصاص على المنصوص، فإنه باشر سبباً مهلكاً، والمسألة مفروضة فيمن لا يعرف السباحة، أو في لجة لا تنفعه السباحة فيها، فإذا باشر السبب المهلك، فلا نظر إلى وقوع الهلاك من تيك الجهة أو من جهة أخرى، (كان)  لا يتوقعها (إذ)  لم يصدر عن اختيار يحال إليه، كما إذا ألقى إنساناً في بئر عميق يهلكه الإلقاء، فصادف في قعر  البئر نصولاً وسكاكين منصوبة، فصار مجروحاً به، وهلك، وجب القصاص، ولا نظر إلى الجهة ، لا كما إذا كان في أسفل البئر إنسان، فقده بنصفين، فإن ذلك مستند  إلى اختيار  وخرج الربيع قولاً: أن لا قصاص في مسألة التقام الحوت تنزيلاً له منزلة الحيوان المختار، ولكن ناقض، فقال: تجب الدية؛ لأنه لا يمكن إيجابها على الحوت، وفي القد بنصفين لا يفرق بين أن يكون القادّ  حربيًّا لا يطالب أو ملتزماً للأحكام  وهذا إذا كان ما باشره يهلك، وإن لم يفرض هذا العارض، فإن كان لا يهلك كالإلقاء في ساحل (مخوض) ، أو في بيت قريب، فإذا في الساحل حوت التقم، وفي البيت سبع افترس، نظر، فإن كان عالماً به، وجب القصاص، وأحيل فعل الحيوان الضاري بطبعه على الملقي كما لو ألقاه على (النار)  أو ألقاه في بئر قريب العمق لا يهلك مثله، ولكن علم أن فيه سكاكين منصوبة، يجب عليه القصاص، فأما إذا لم يعلم فلا قصاص، ويجب الضمان لوجود السب  ولم يكن هذا كما لو قطع أنملة، ولم يدر أنها تقتل ، فإنه يجب عليه القصاص وههنا إذا لم يدر أن الإلقاء يولد الجراحة، فلا قصاص؛ لأن سراية الجراحة غير منفصلة عن الجراحة، فالقصد إليها كالقصد إلى السراية","part":1,"page":21},{"id":1817,"text":"وأما الإلقاء فليس طريقاً إلى أن يصير مجروحاً بسكين لا يدري أنه منصوب في عمق البئر، ولا أن يلتقمه حوت، أو يفترسه سبع [  ظ] لا يتوقع، ولا يعرف \rقال القاضي: إنما يخالف الربيع فيما إذا مسه الماء، ثم التقمه الحوت، ولو رفع الحوت رأسه، وتلقاه قبل أن مسّه الماء، فلا قصاص على الملقي؛ لأن المهلك لم يتصل به، فكان كالإلقاء في الساحل ، وهذا ضعيف، فإن أول لقاء الماء ليس بمهلك، وإنما الهلاك بعده (بالإنخناق)  واستلال الماء في منافذ النفس، وقد اختار القاضي إيجاب الضمان مع إسقاط القصاص كما اختاره الربيع \rوعلى الجملة تخريج الربيع ضعيف، فإنه شبه فعل الحوت بفعل مختار؛ إذ لا خلاف أنه لو مسك  أنساناً حتى افترسه سبع، وعرّضه لتوثبه وجب القصاص، ولو ألقى رجلاً في بيت، وفيه سباع فافترسته، وجب القصاص إذا كان الملقي عالماً، فكيف شبه  أفعال السباع بأفعال المختارين \rأما إذا كان في أسفل الجبل الذي منه الإلقاء  مجنون، فإن كان ضارياً بطبعه فقتله، فهو كالسبع والحوت، وإن لم يكن ضارياً بطبعه، ففعله معتبر في إيجاب الضمان عليه، وقطعه عن المتسبب الملقي كما سبق ، وتمام النظر في هذا القسم بذكر صور أربع:\rإحداها: أنه لو أنهشه حية أو عقرباً، قال الشافعي رحمه الله: إن كان من حيات مصر وعقارب نصيبين، وجب القود، وهو الذي يقتل غالباً  وليس هذا من صور التسبيب ، فإن الحية صارت كالسيف والآلة \rوإن كان لا يغلب فيها  الهلاك فهو كغرز الإبرة، وقد سبق تفصيله  والصيدلاني نقل قولين، واستدل بإيجاب القود في قول، على أن غرز الإبرة سبب لوجوب القود \rالثانية: لو ألقى عليه حية أو عقرباً، ولم يُنهِشه، قال الصيدلاني: لا قود؛ لأن الغالب أنه يفر ولا يلسع والأمر كما ذكر، إن وافقته الصورة ,وإن لم توافقه، فالإلقاء كالإنهاش ","part":1,"page":22},{"id":1818,"text":"الثالثة: لو جمع بينه وبين سبع في بيت فافترسه، يجب القصاص ولو جمع بينه وبين حية، فلا قصاص؛ لأنها تفر، والسبع يقصد، وهذا أيضاً ينبغي أن يوافقه الحال حتى يصح، فربّ حية تقصد ورب سبع يُدفَع ولا يقصد \rالرابعة: لو أغرى به سبعاً أو كلباً، قال الأصحاب: إن كان في مضيق وجب القود، وإن كان في صحراء فلا \rأما إيجاب القود في المضيق، فيبتنى على تعذر الخلاص، فإن السبع في المضيق يستشعر قصداً، فتظهر ضراوته، وأما نفيه في الصحراء يحتمل التعليل بعد المعنيين، [أحدهما] : أن الفرار ممكن، وهذا فيه إذا لم يكن السبع فهداً وثاباً يدرك الهارب في لحظة، ثم يرد عليه ترك السباحة الممكنة وفيه وجهان كما سبق، ويحتمل  أن يدهشه السبع، وتتخاذل قواه فيضعف عن الهرب كما ذكرناه في السبع، وأما التعليل بأن السبع في (المتسع)  لا تشتد ضراوته، فيختلف ذلك بالسباع أيضاً فليتبع التصوير \rثم إذا درأنا القصاص في الصحراء المتسع ففي الدية نظر، ويظهر إسقاطها  إذا سقط القصاص من حيث أن السبع لا ضراوة له في الصحراء، فيبقى مجرد الاعتداء، وذلك لا تأثير له وهذا  كما أن مجرد الإشلاء في الكلب الذي ليس بمعلّم، لا تأثير له \rوفي كلام الأصحاب إشارة إلى وجوب (الضمان) ، ولعل ذلك من حيث ظهر الإغراء سبباً يمكن الإحالة عليه على الجملة، وإن لم يكن غالباً، وعلى الجملة التردد منقدح في هذه الصورة في الضمان \rفإن قال قائل: ما ذكرتموه بيان طريان المباشرة على السبب فما قولكم في طريان المباشرة على المباشرة","part":1,"page":23},{"id":1819,"text":"قلنا: يقدم الأقوى كما في السببين وكما في المباشرة والسبب؛ بيانه: أنه لو جرح الأول وذفف الثاني، فالقاتل هو الثاني؛ إذ انقطع أثر الأول، فإنه كان يقتل بالسراية، والتذفيف قطع أثر السراية، وليس ذلك عندنا، كما إذا قطع أحدهما من الساعد والآخر من المرفق، فحصل الموت، فإن القتل مضاف إليهما؛ لأن الهلاك يتولد من الآلام، وأنها تبقى، وإن انعدم محل الجرح \rوقال أبو حنيفة: الثاني  معدم للأول، وهو كالمذفف بالإضافة إلى الجارح \rوكذلك لو قطع الأول حلقومه ومريه، ولم يبق إلا حركة المذبوحين ، فهذا مذفف، فإن فرض جرح في حالة بقاء حركة المذبوح، فهي ساقطة، ونعني بحركة المذبوح حياة محققة، ولكنها ليست مستقرة، ولا ينتظم معها إدراك، ونظم كلام \rفأما إذا أبان الأول أحشاءه، وصار يعلم قطعاً أن مصيره إلى الموت، ولكن فيه حياة مستقرة، ومثله [قد]  يبقى يوماً ويومين [  ظ] فإذا قدّه (آخر)  بنصفين أو حز رقبته، فالقاتل هو الثاني عندنا، فإن فيه حياة مستقرة ؛ خلافاً لمالك رحمه الله، فإنه قال: هذا الشخص ميت، فهو في حكم المذبوح \rواستدل الشافعي رحمه الله عليه بقصة عمر رضي الله عنه، وأنه شاور في الخلافة بعد جريان هذه الحالة، فدل ذلك على استقرار حياته \rفأما إذا قطع كل واحد عضواً وجرح جرحاً، فإهلاك الكل بطريق السراية، فهي متساوية، فتجمع، وتضاف إلى الكل كما سنذكر في الشركة، ولأنه صح بالكثرة والعدد في الجراحة أصلاً \rوأما المريض الذي لم يبق له إلا النفس، فقد  يقال إنه في حركة المذبوح إذا قتل وجب القصاص؛ لأن ذلك غير موثوق به، وربما تثوب إليه قوته بعد تعصيب الذقن وحصول اليأس، وليس ذلك كمن قطع حلقومه ومريه، فإنه يعدّ قتيلاً قطعاً مأيوساً  عنه ","part":1,"page":24},{"id":1820,"text":"فإن قيل: لو قدّ الرجل بنصفين فويق (البطان)  والحقو ، وبقيت أحشاؤه متصلة في النصف الأعلى، فهذا قد يطرق، ويتكلم وحركته كحركة المذبوح، فلو حزت رقبته، ماذا قولكم فيه قلنا: حد الأصحاب حركة المذبوح بما يمتنع (معه)  الإبصار ونظم الكلام، وهو كما قالوا، وما أورد إسراف في التصوير بتقدير المحال، فمن قدّ بنصفين لا يتكلم ولا يدرك، ولا  وجه لتقدير المحالات لتضطرب به القواعد المبسوطة \rهذا تمام القول في بيان القتل الموجب للقصاص، وقد تنخل منه أن كل فعلٍ عمدٍ محضٍ عدوانٍ مزهقٍ للروح يثبت القصاص ، وقد بينا معنى كونه مزهقاً وإضافة الزهوق إليه، وبينا معنى كونه عمدا محضاً\rفإن قيل: من استحق حز رقبة إنسان، فقده بنصفين، فقد وجد هذا الحد، ولا قصاص قلنا: لم يوجد العدوان في نفس القتل، وإنما وجد في طريق الإزهاق، فنفس الإزهاق ليس بعدوان، وهو مستحق \rفإن قيل: من قتل إنساناً على ظن أنه مرتد، فإذا هو مسلم، لا يجب القصاص وقد وجد هذا الحد؛ لأنه متعد في الإقدام على قتل المرتد بالظن، ولأنه موكول إلى السلطان لا إلى الآحاد قلنا: لا جرم، يجب القصاص عليه إن لم يكن عهده قط مرتدًّا ولا كافراً، وكذلك إن قال: ظننته عبداً أو ذمّيًّا، وجب القصاص، وفي بعض الطرق ذكر قولين مرتبين عن ظن بقاء الردة، ثم منهم من قال: هذا أولى بالسقوط؛ لأن اطراد الرق والذمة أغلب من الردة، ومنهم من قال: أولى بالوجوب؛ لأن الرق ليس مهدراً \rفأما إذا كان قد عهده من قبل حربيًّا أو مرتدّاً، فظن بقاؤه على ما كان،  ففي وجوب القصاص قولان: أحدهما: الوجوب، فقد قطع الأصحاب بوجوب القصاص على من يضرب المريض ضرباً لا يقتل مثله الصحيح على ظن أنه صحيح، والقول الثاني: أن القصاص ساقط للشبهة الممكنة والظن المقارن الذي نقص من العدوان ","part":1,"page":25},{"id":1821,"text":"فأما إذا رأى مشركاً في دار الحرب على زي المشركين، ولم يعهده مسلماً، فقتله فإذا هو مسلم، فلا قود، وتجب الكفارة ، وفي الدية قولان سنذكرهما في كتاب الديات \rفلو قال: ظننته قاتل أبي، فقولان في القصاص \rفلو  قال: تبينت أن أبي كان حيًّا، فالقصاص واجب قطعاً، ولا نظر إلى مثل هذا الظن ثم قال الأصحاب: معنى القولين: أن دعواه الظن مع تعديه وتقصيره، هل تقبل حتى لو اتفقوا عليه أثر، ومنهم من قال: لابل القولان في وجوب القصاص مع الاتفاق عليه \rالركن الثاني للقتل: القتيل: وليس يشترط فيه لإيجاب القصاص على الجملة بقتله إلا كونه معصوماً، والعصمة تستفاد بالإسلام، والجزية بدل  على الإسلام والأمان بالعهد قائم مقام الجزية، وعلقة الإسلام في المرتد تقوم مقام الإسلام حتى يقتل به المرتد والذمي فيه تردد، وسنشير إليه، فالدم مهدر على الإطلاق، والمرتد على رأي \rوالزاني المحصن ليس بمهدر على الإطلاق؛ إذ يجب القصاص على الذمي إذا قتله؛ لأن الواجب عليه حد، وليس للذمي أهلية استيفاء الحد، فأما المسلم إذا قتله، ففي وجوب القصاص عليه وجهان: أحدهما: لا يجب، وهو القياس، وبه قطع المراوزة، فكأن الرجم ثابت لله تعالى، والقاتل من المسلمين، والإمام نائب المسلمين في استيفائه والثاني: يجب كما لو قتل من عليه القصاص غير مستحقه؛ لأن الحق لله تعالى، والاستيفاء [  ظ] للإمام، فإنه خليفة الله تعالى، وليس للخلق فيه شركة ، فهذا ما يعتبر في القتيل مطلقاً\rالركن الثالث: في القاتل: وليس يعتبر فيه إلا كونه ملتزماً للأحكام، فلا قصاص على الصبي والمجنون؛ لسقوط التكليف والإلزام فيما يرجع إلى العقوبات، ولا على الحربي؛ فإنه ليس ملتزماً لأحكامنا، فأما الذمي فملتزم ، وفي السكران خلاف مخرج على أنه يسلك به مسلك الصاحي أو المجنون  وقد ذكرناه في كتاب الطلاق ","part":1,"page":26},{"id":1822,"text":"هذا بيان وصف القاتل والقتيل مطلقاً من غير إضافة للقاتل إلى القتيل، ووراء هذا تعتبر صفات منشأها (النسبة)  بين القاتل والقتيل يعبر عنها بالكفاءة \rوالنظر فيما [تعتبر]  فيه المساواة وما لا  تعتبر، يتعلق بفضيلة الدين، وفضيلة تأبّد  العصمة، وفضيلة الأبوة، وفضيلة الحرية، وفضيلة الذكورة، وفضيلة العدد، فهذه ست خصال \rالخصلة الأولى من خصال الكفاءة: التساوي في الدين الحق، فلا يقتل عندنا مسلم بكافر ابتداءً  خلافاً لأبي حنيفة ، ومعتمدنا الحديث المعروف، وهو قوله: ((لا يقتل مؤمن بكافر))  وسائر الملل وراء الإسلام متكافئة، فالتنصر  والتهود والتمجس كالدين الواحد في هذه القضية؛ إذ النسخ يشمل الكل، فإنما الفضل للحق على الباطل، وعصمة جميعهم بالجزية  لا بالدين  هذا إذا اقترن التفاوت بالقتل","part":1,"page":27},{"id":1823,"text":"فلو قتل ذمي ذميًّا، ثم أسلم القاتل قبل استيفاء القود، لم يمتنع الاستيفاء؛ لأن الكفاءة في الدين شرط لينعقد القتل سبباً، فبعد انعقاده لا يعتبر دوامة، كالمماثلة في المالية شرط لينعقد بيع الولي مال الطفل سبباً مفيداً، فزاوله بعد الانعقاد وقبل الاستيفاء لا يؤثر ، نعم لو أسلم بعد الجرح وقبل موت المجروح، فالنظر إلى حال الموت أو إلى حال الجرح وجهان: منهم من نظر حالة الموت، فإنه وقت وجوب القصاص، فيمتنع إيجاب قصاص مبتدأ على مسلم بمن مات كافراً، ومنهم من نظر إلى الجرح، فإنه الداخل  تحت الاختيار، والباقي متولد منه، ومنسوب  إليه  وقد اختلف الأصحاب في تعليل اشتراط الكفاءة في الدين وبتوليه، فمنهم من قال: الكفر شبهة الذمي، وهذا باطل؛ إذ قتل به الذمي، وقطع يد المسلم بسرقة ماله، ومنهم من علل بأن القصاص شيء مبني على المعادلة، وعصمة الذمي ضعيفة معرضة للنقض، وعصمة المسلم قوية وهذا وإن كان أقرب من الأول، فهو عسير الجريان كما ذكرناه في مآخذ الخلاف، والمعتمد الحديث، (والمفهوم)  يجعل الكفاءة شرطاً في المسلم \rفروع: أحدها: لو قتل عبداً مسلماً لكافر، ففي وجوب القصاص وجهان: أحدهما: الوجوب، وهو  الأظهر؛ لأن المفهوم رعاية الكفاءة، وقد وجد، فقتل الكافر المسلم ليس بعيداً؛ بدليل صورة الاستيفاء والثاني: المنع؛ لأن هذا القصاص ابتداءً لا يثبت  للكافر؛ [بل]  لسيد العبد، ولا  يثبت للعبد، ولذلك يسقط بإسقاطه في طرفه ونفسه، ونحن نفهم أن الشرع يأبى أن يجعل للكافر على المسلم سبيلاً ابتداءً  ولا خلاف أنه لو قتل عبد مسلم عبداً كافراً لمسلم، فلا قصاص؛ فإن الكفاءة مفهومٌ  اعتبارُها قطعاً، وإنما التردد في تسليط (الاستيفاء)  ","part":1,"page":28},{"id":1824,"text":"الثاني: إذا ثبت القصاص لكافر على مسلم في صورة الاستيفاء، فمات، فالمذهب أن وارثه يقوم مقامه ومن الأصحاب من قال: يسقط القصاص؛ إذ التوريث ابتداءً استحقاق لكافر على مسلم، وهذا ضعيف لا وجه له \rالثالث: لو قتل المسلم مرتدًّا، فلا قصاص؛ لفقد كفاءة الدين  فلو قتله مرتد، فالظاهر وجوب القصاص (للتساوي)  من كل وجه، وفيه وجه أنه لا يجب، وكأنَّ هذا القائل يقدر المرتد مهدراً كالحربي، ولا ينظر إلى قاتله  وهذا وإن كان غريباً فله اتجاه فأما إذا قتله ذمي فثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجب القصاص والدية إن كان خطأً؛ لأنه ساواه في الدين، وفضل المرتد بعلقة الإسلام، فإنها مستصحبة في حقه والثاني: أنه لا يجب القصاص؛ لأنه مهدَر، والذمي معصوم، وهذا يشير إلى وجه الإهدار كما سبق والثالث: نقله  العراقيون عن تخريج الإصطخري: أنه يجب القصاص، وإن آل الأمر إلى دية  فلا دية  وكذا في الخطأ [  ظ]؛ لأنه مهدر غير مضمون، ولكن القصاص على الذمي يجب عقوبة، فإنه ليس من أهل استيفاء الحد، ونحن قد نوجب القصاص حيث لا دية؛ إذ قطع الأطراف لا يندرج تحت حز الرقبة قصاصاً، ويندرج تحته في الدية \rالرابع: المرتد إذا قتل ذميًّا، فإن قلنا: لا يقتل الذمي به؛ لكونه مهدراً، فهو مقتول بالذمي ، وإن قلنا: يقتل الذمي به، ففي قتله وجهان: أحدهما: أنه يقتل للتساوي، والثاني: لا يقتل؛ لأن فيه علقة الإسلام (ولهذا)  لم يكن قتله حدًّا مطلقاً؛ بل كان دعاء إلى الإسلام وإرهاقاً، فإذاً علقة الإسلام على هذا التحقت  بنفس الإسلام في إعدام الكفاءة  ","part":1,"page":29},{"id":1825,"text":"الخصلة الثانية: التساوي في العصمة: والمذهب أن ذلك لا يعتبر، فيقتل الذمي بالمعاهد، وإن تفاوتت العصمتان في التأقت والتأبد؛ لأن الكفاءة في الدين مأخوذة  من الحديث، وليس يدل الحديث على اعتبار غيره كيف ودية المعاهد النصراني مثل دية الذمي النصراني، وذلك يدل على التسوية المحققة  قال الإمام: ويحتمل وجه أنه لا يقتل به الذمي كما لا تقطع يد المسلم والذمي بسرقة ماله على قول، وهذا إبداء احتمال، والنقل ما سبق \rالخصلة الثالثة: التفاوت في الرق والحرية، وذلك قادح عند الشافعي رحمه الله، فلا يقتل الحر بالعبد، والمكاتب والمستولدة، ومن نصفه حر ونصفه رقيق ، والأصحاب سلكوا مسلك الشبهة كما ذكرناه في الكافر، وقالوا: إن الرق أيضاً من آثار الكفر، ومنهم من علل بتفاوت العصمتين، وهو أيضاً ضعيف كما سبق، وإنما مستند المذهب وقوع الإجماع على امتناع جريان القصاص في الطرف، فهو الذي ذكره الشافعي رحمه الله  ثم طريان الحرية على القاتل كطريان الإسلام على القاتل، فلا أثر له، وطريان الرق على القاتل أيضاً لا أثر له كما لو قتل ذمي حرٌّ عبداً، والتحق بدار الكفر، فاسترق  فلا أثر لما يطرأ \rفرعان: أحدهما: أن الناقص مقتول بالكامل في الرق والدين جميعاً، والمستولدة مقتولة بالقن ، وكذا المكاتب، ولا يحدث عليه حرية ناجزة بالكتابة والاستيلاد؛ بل حكمهما في القصاص حكم القن بكل حال، وطريان العتق بموت السيد وأداء النجوم كطريانه بابتداء العتق ","part":1,"page":30},{"id":1826,"text":"فأما من نصفه حر ونصفه عبد إذا قتل من هو في مثل حاله، قال العراقيون: يجب القصاص للتساوي وقطع القفال والمراوزة بالإسقاط؛ إذ لا نقول قتل النصف الرقيق بنصفه الرقيق على الخصوص، ولذلك إذا آل الأمر إلى الدية لا (تختص)  القيمة بنصفه الرقيق والدية بنصفه الحر؛ بل نشيع، فتؤدي الإشاعة إلى أن يقتل جزء حر بجزء رقيق، وهذا المذهب جارٍ مهما كان في القاتل جزء حرية، ولو العشر فما دونه إذا كان في القتيل جزء رق، ولو العشر فما دونه \rوأما العراقيون  فيعتبرون التعادل، ويجرون القصاص مهما لم يزد رق القتيل على رق القاتل في مقداره \rالثاني: العبد المسلم والحر الذمي لا قصاص بينهما من الجانبين؛ لأن كل واحد [منهما]  فضل صاحبه بفضيلة، والنقيصة لا تجبر بالفضيلة في القصاص وفاقاً  هذا حكم القصاص، ومهما آل الأمر إلى المال، فالواجب قيمة العبد بالغة ما بلغت ؛ خلافاً لأبي حنيفة، فإنه حط عن دية الحر عشرة دراهم، والمسألة مستقصاه  في الخلاف \rالخصلة الرابعة: فضيلة الأبوة، وهي (مانعة) ، لا يقتل والد بولده وفاقاً ","part":1,"page":31},{"id":1827,"text":"وقال مالك رحمه الله: إن أضجعه وذبحه، قتل به حدًّا لا قصاصاً  وقد اختلف الأصحاب في التعليل، فمنهم من تشوف إلى التخريج على قاعدة الكفاءة، وزعم أن الابن لا يكافئ أباه، وهو فاسد؛ لأنه لا يكافئ عمه، والعم يكافئ الأب، والمساوي للمساوي مساوٍ ومنهم من علل بشبهة الملك  في دم  الابن، مأخوذاً من قوله عليه السلام: ((أنت ومالك لأبيك)) ، وهذا لو صح لما وجب الحد عليه إذا زنى بابنته، كيف ولا اطراد له فيما لو قتل أجنبيًّا يرثه ابنه، فإن الكفاءة حاصلة، والشبهة منتفية، والقصاص ساقط ويمكن أن يعلل بأن قتل الأب [الابن]  ليس بإعدام له من كل وجه، فإنه سبب وجوده، فإذا [  ظ] أعدمه، فكأنه لم يوجده؛ إذ الاسترجاع يضاهي الامتناع من وجه، وهو أيضاً ضعيف؛ لأنه لا جريان له في قتل من يرثه ابنه، لا سيما إذا فرض فيمن ورثه أجنبي، ثم مات وانتقل كله إلى ابنه أو بعضه، فإن القصاص ساقط وفاقاً، فالوجه اعتماد الحديث؛ وذلك ما روي أن رجلاً من بني مدلج  حذف ساق ابن له، فأطنّه ، فنزف الدم ومات، فجاء سراقة  بن مالك بن جعشم سيد بني مدلج إلى عمر رضي الله عنه، وأخبره، فقال: اعدد لي مائة وعشرين من الإبل لأغدو عليه، فغدا عليه، وأفرز من جملة ذلك مائة من الإبل، وقال لأخ المقتول: خذها إليك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يقاد والد بولده))  وسمعته يقول: ((ليس للقاتل من الميراث شيء)) ، فالآن لا بد أن يفهم من الحديث معنى، وهو أن الابن لا يكون سبباً لعدم من هو سبب لوجوده ","part":1,"page":32},{"id":1828,"text":"وهذا يطرد فيما لو قتل ابنه، وورثه أجنبي؛ لأن الوارث لو قتله [لقتله]  بسبب ابنه، فيكون ابنه سبب عدمه ، ويطرد فيما لو قتل أجنبيًّا، فصار ابنه وارثاً، ولو ثبت الاستحقاق لابنه، فلا ينتهض قاتلاً معدماً من هو سبب في وجوده، فهذا ما يجمع الصورتين  وقد ذكرنا تردداً في مثل هذه الصورة في العبد المسلم للكافر، فليس القطع ههنا [أولى من]  التردد ثَمّ؛ إذ  لا يتجه لاعتبار الدين مأخذ  إلا الكفاءة بين (الذاتين) ، ومأخذ الأبوة يخالفه ويخرج على المعنى المفهوم أن الأم في معنى الأب قطعاً والظاهر أن الأجداد والجدات في معناهما \rوحكى صاحب التلخيص قولاً: أن القصاص يجب على الأجداد والجدات ، ولعله أخذه من قول الشافعي: في أن حق الرجوع في الهبة لا يتعدى إليهم  وهو بعيد ثَمَّ، وههنا أبعد؛ لظهور [ م] معنى كونه سبباً لوجوده على ما سبق، وأما الرجوع فلا يفهم فيه معنى بحال \rفإن قيل: إذا كان المحصل منه أن الابن لا يكون سبب العدم في إيجاب من هو سبب وجوده، فهذه علة تلاقي طرف الاستيفاء، ويشهد له قوله عليه السلام: ((لا يقاد)) فتقولون: وجب القصاص ثم سقط قلنا: قال به بعض الأصحاب، وأنكره الإمام، وشنع على قائله، ثم قال: لا بد من الفورية فيما إذا ورثه أجنبي  ثم مات، وصار الابن وارثاً، حتى يقال: ورث ثم سقط؛ إذ سقوطه بسبب وراثته، فلا بد من الوراثة، (والقصاص)  ثابت قبل وراثته، وشبه ذلك بشراء القريب، فإنه يوجب الملك، ثم يعتق بعده ","part":1,"page":33},{"id":1829,"text":"ولو قتل من وارثه الإبن في الحال، (قال) :ينبغي أن يقال: استحق، ثم سقط؛ لأن الابن ههنا تابع في الاستحقاق؛ بخلاف ما لو كان هو القتيل والذي يظهر لي، وقد قررته في المآخذ في مسألة شريك الأب وفي كتاب شفاء الغليل في الأصول، أن التعبير عنه بأنه وجب ثم سقط فيه زحف من حيث اللفظ؛ بل ينبغي أن يقال هو في حكم الواجب الساقط لا في حكم المنتفي النفي الأصلي؛ لأنه جرى علة الوجوب، واقترن به في المحل ما دفع فانتفى الحكم بطريق الاندفاع، فهو في معنى الانقطاع، لا في معنى الانتفاء الأصلي \rفروع: أحدها: أخوان لأب وأم، قَتَل أحدُهما أولاً أباه، وقتل الآخر أمه، فإن كانت الأم زوجة الأب، فقد سقط القصاص عن قاتل الأب؛ لأن قصاص الأب كان ثابتاً للأم والأخ، والقاتل محروم، فإذا قتل الأم انتقل نصيبها من دم الأب إلى قاتل الأب وقاتل الأم محروم عن ميراث الأم، ومن استحق قصاص نفسه سقط قصاصه، فإنا إذا أحلنا تسليط الابن على قتل أبيه، وهو بعضه، فبأن يستحيل تسليط الإنسان على قتل نفسه أولى \rولكن لا ينبغي أن يعلل بهذا؛ فإن الأب يقتل ابنه وإن كان بعضاً منه، وإنما  التعليل بأنه لا يعقل أن يستحق الإنسان على نفسه شيئاً، فيكون هو المستوفي والمستوفى منه، وفي هذه الصورة يعود الاحتمال في أنه يستحق ثم يسقط أم لا يستحق، والوجه القطع بأن الاستحقاق لا يثبت في زمان محسوس، ولكنه في حكم الواجب الساقط؛ إذ لو انتفى من الأصل لقيل هذا لا وارث له، وقد مات، وهو يملك قصاصاً فينتقل إلى بيت المال \rفأما إذا لم تكن الأم زوجة الأب، فيستحق كل واحد من الأخوين القصاص على صاحبه، ويحرم عن ميراث قتيله \rولو  بادر أحدهما، وقتل فقد  استوفى حقه، وهل يصير وارث قصاص نفسه حتى يسقط يبنى هذا على أن الحرمان، هل يناط بقتل القصاص","part":1,"page":34},{"id":1830,"text":"وفيه قولان، فإن قلنا: لا يناط به الحرمان ورث كل من سبق حق نفسه، وعاد دمه محقوناً وإن قلنا: يحرم عن الميراث، فالقصاص ينتقل إلى غيره من الورثة أو إلى بيت المال  فإن قيل: إذا كان يتعلق بالسبق هذه الفائدة العظيمة، وهو  إسقاط القصاص، فولاية السبق لمن قلنا: لمن سبق في الاستحقاق إن  جرى القتلان تعاقباً \rوإن جريا معاً، فلا طريق إلا القرعة فأما تسليط كل واحد منهما على صاحبه يؤدي إلى ضرار لا يخفى ويحتمل أن يقال: لا تأثير للسبق، فإنهما حقان مختلفان ثبتا لشخصين فالتقدم فيه لا يؤثر في التقديم، فنعدل  إلى القرعة، وقد أشار القاضي إلى أثر السبق، ولم [يتعرض]  القرعة أصلاً عند تساوق القتلين، والظاهر ما تقدم نقله، وإذا جرى القتلان معاً، فلا فرق بين أن تكون الأم زوجة أو لا تكون؛ إذ لا سبيل إلى توريث أحد القتيلين من الآخر، وقد ماتا معاً \rالثاني: لو تداعى رجلان لقيطاً، ثم قتله أحدهما قبل العرض على القائف، فلا قصاص عليه في الحال؛ لاحتمال أنه أب، وقد جرى سبب النسب، وهو الدعوة والفراش، فإن حكم القائف بأن الأب غيره، قتلناه \rولو اجتمعا فلا قصاص على كل واحد في الحال، فإذا عيّن القائف أحدهما سقط القصاص عمن عينه، ووجب على الآخر، فإنه شريك أب \rومهما سقط القصاص بالشك في الأبوة، دلّ على أن الأبوة تتعرض لسبب القصاص، ولا يختص أثرها  بالاستيفاء، فإن الشك في المسقط لا يوجب دفع القصاص، والشك في [سبب]  الاستحقاق، هو الذي يوجب التوقف، وهذا يكاد يخدش ما قدمناه من أن القصاص وجب ثم سقط، أو هو في معنى الواجب الساقط ","part":1,"page":35},{"id":1831,"text":"الخصلة الخامسة: الذكورة: لا يشترط التساوي فيها، فيقتل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل وفاقاً  وذهب علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى أنه يجب على ولي المرأة إن أراد قتل الرجل أن يبذل نصف دية الرجل، ولولي الرجل القتيل أن يطالب المرأة [القاتلة]  مع القصاص بنصف الدية ، وهذا لم يؤثره الفقهاء من حيث أن معنى الزجر غالب، وإذا قتل فقد فُعِلَ به مثل فعله، فالجمع بين المال والقصاص اتباع (لمحض)  قياس الأموال، وليس كذلك اليد الناقصة الأصابع والكاملة، فإنا قد نستوفي الناقصة، ونطلب قسطاً من الدية؛ لأن محل وجوب الدية غير محل وجوب القصاص \r\rفروع في قطع أطراف الخنثى:\rأحدها: إذا قطع الرجل ذكر خنثى مشكل وأنثييه وشفريه، فلا قصاص في الحال؛ لاحتمال أن المقطوع امرأة، ولكن يتوقف إلى البيان  ثم لا يخفى حكم البيان إذا بان ذلك بعلامة، فإن كان رجلاً فله القصاص في الذكر والأنثيين، والحكومة  في الشفرين ، وإن بان امرأة، فلا قصاص له، وله دية الشفرين وحكومة الذكر والأنثيين ، وإن  كان القاطع امرأة انعكس التقدير \rفأما إذا لم يتوقف الخنثى إلى البيان، وطلب الحق، فلا يخلو إما أن عفا عن القصاص أو لم يعف، فإن قال: عفوت عن قصاص إن كان، فيسلم له في الحال الأقل المستيقن، وهو أقل تقديري الذكورة والأنوثة، ولا شك أن الأقل بتقدير الأنوثة، فتجب دية الشفرين وحكومة ذكر وأنثيين؛ لأن  حكومة ذكر وأنثيين زائدتان على امرأة لا تزيد على دية امرأة  وحكى الفوراني وجهاً: أنه تجب حكومة كل عضو، ولا تقدر دية؛ لاحتمال أن المقدر (ديته زائد)  \rوهذا فاسد، فإن المطلوب معرفة مقدار أقل التقديرين وما ذكره يتجه إذا تعدد القاطع، فعلى كل واحد في الحال حكومة ما قطعه، ويضبط أقصى الحكومة بأخسّ التقديرين، وهو تقدير الأنوثة، حتى لا تزيد حكومة على دية امرأة؛ إذ يحتمل أن تكون امرأة، فلا يجب إلا خمسون من الإبل ","part":1,"page":36},{"id":1832,"text":"فأما إذا لم يعف عن القصاص، وقال: لا بدّ أن يُسلَََم لي شيء من المال مع القصاص، إن كان فليسلم لي القدر المستيقن، فحاصل ما قيل، ثلاثة أوجه:\rأحدها، وهو ضعيف: أنه لا يسلم إليه شيء؛ إذ لا تعرف جهته، أهو من دية أو [  ظ] حكومة، أو من سبب قطع الذكر أو الشفرين، وهذا ما أشار إليه ظاهر كلام المزني ، وهو يلتفت على ما لو ادعى ألفاً على إنسان من جهة قرض، فأقر به عن جهة أخرى، فهل له المطالبة، وقد توافقا على أصل الاستحقاق، واختلفت الجهة\rوالوجه الثاني: أنا نضبط حكومة الذكر والأنثيين على تقدير الأنوثة، وحكومة الشفرين على تقدير الذكورة، وننظر إلى أقلهما، فنوجب الأقل؛ لأنه المستيقن، والزائد مشكوك؛ لأنه إن بان رجلاً، فله القصاص في الذكر والأنثيين، وله حكومة شفرين من رجل، وهو ما أخذه أو أقل منه وإن كان امرأة فلا قصاص لها ، ولها دية شفرين وحكومة ذكر وأنثيين من امرأة، وما أخذه أقل منه، وهذا ضعيف من حيث أن هذا القدر مستيقن، ولكنا قد  نستيقن ما يزيد عليه، فإنه في هذا الوجه لا يتصور أن يأخذ إلا ما دون خمسين من الإبل؛ لأن أحد التقديرين فيه حكومة الذكر والأنثيين بتقدير الأنوثة، وهذا لا يزيد على دية المرأة والتقدير الثاني يؤخذ به إن كان أقل منه، فإن  كان أكثر تركناه ورجعنا إلى الأقل وسنذكر في الوجه الثالث أنه يستيقن أكثر من خمسين من بعض الأحوال","part":1,"page":37},{"id":1833,"text":"الوجه الثالث: أنا نضبط حكومة الشفرين بتقدير الذكورة، فيبلغ تسعين مثلاً، وإن زاد على دية المرأة؛ لأنا قدرنا الذكورة، ثم نعود ونقدر دية الشفرين، ونضم إليه حكومة الذكر والأنثيين بتقدير الأنوثة، فتزيد دية الشفرين وحكومة الذكر والأنثيين على الخمسين لا محالة، فنقابله بحكومة الشفرين على تقدير الذكورة، فما كان أقل طالبناه به، وهذا قد يؤدي إلى الزيادة على الخمسين و (هو مستيقن) ؛ فإنه إن ظهر رجلاً، فله حكومة شفرين منسوباً إلى دية رجل، وقد قدرناه تسعين، ويستحق ذلك مع القصاص، وإن ظهر امرأة فله دية شفرين مع حكومة الذكر والأنثيين، ومهما بان أن المطلوب اليقين، وتنبه لهذا متنبه، فما يخالفه يعدّ غلطاً، ويحمل على هفوة؛ إذ يعلم أن قائلها لو تنبه له لزيفه، فليس هذا من مواقف الاجتهاد بعد الاتفاق على طلب اليقين \rوتمام هذا الوجه بسرٍّ، وهو أنا في العضو الذي نتوقع فيه القصاص، لا نوجب في الحال مالاً، فإذا كان القاطع رجلاً، فلا نقدر حكومة الذكر والأنثيين؛ بل نجعل  حكومة الشفرين بالإضافة إلى حال الذكورة أقصى المرد، ثم نطلب ما دونه بتقدير دية الشفرين وحكومة الذكر والأنثيين على تقدير  الأنوثة، وهو أيضاً حالة انتفاء القصاص، فينحصر المقداران اللذان بينهما المقابلة على تقديرين لا قصاص في واحد منهما في محل التقدير، فإن العضو الذي فيه القصاص لا ينبغي أن يقدّر فيه مال مع إمكان القصاص على تقدير جريان القصاص، فإنه جمع بين القصاص والمال أو هو إيجاب مال في الحال للحيلولة، ولا وجه له؛ إذ القصاص لا يضمن بالحيلولة، (فيما)  يتوقع له منتهى كالحامل؛ بخلاف المجنون إذا ثبت له قصاص، فإنا نثبت للولي طلب المال في الحال، وهذا كله إذا كان الجاني رجلاً ","part":1,"page":38},{"id":1834,"text":"فإن كانت امرأة، فعلى هذا الوجه الصحيح لا نقدر في الشفرين مع تقدير الأنوثة شيئاً، فإنه تقدير اجزاء القصاص؛ بل نقدر حكومة الذكر والأنثيين على تقدير الأنوثة، ولا يقدر  فيه تقدير آخر، فإنه تقدم حكومة الشفرين على تقدير الذكورة مع دية الذكر والأنثيين لا شك في أنه يزيد، فالتقدير الأول يتعين للعلة من غير احتياج إلى مقابلة له \rالثاني: قطع رجل ذكر الخنثى وأنثييه، وامرأة شفريه، فقال: لا أعفو ولا أقف، قلنا: ليس له شيء من المال؛ إذ ما من واحد يخاطبه إلا والقصاص عليه في محل جنايته ممكن \rفلو كان على العكس، بأن قطعت المرأة آلة الرجال، والرجل آلة النساء، وقال: لا أعفو، قلنا: لا حاجة إلى عفوك؛ إذ لا نتوقع القصاص، ولك على كل واحد حكومة في الحال منسوبة إلى حال من يليق به تلك الآلة المقطوعة بشرط أن لا يزيد على تقدير الدية فيها \rالثالث: إذا قطع خنثى من الخنثى أنثييه، فهذا ينبني على أن القصاص هل يجري في الأعضاء الزائدة إذا تماثلت وفيه خلاف، والظاهر الإجزاء، [  ظ] فعلى هذا يتصور أن يتيسر توافقهما، فيجب القصاص في الجميع، فلا  يسلم إليه شيء من المال إذا قال: لا أعفو ولا أقف، فإن عفا فأقلّ التقديرين لا يخفى وإن قلنا: لا يجري القصاص في الزائد، فلا بد من (تسليم)  مال مع القصاص على كل حال، فالواجب أقل الحكومتين من حكومة آلة الرجال، أو حكومة آلة النساء \rالرابع: إذا قال الجاني وهو رجل: قد أقررتَ أيها المجني عليه  بأنك امرأة، فقال المجني عليه: لا؛ بل أقررتَ بأني رجل، نص في مواضع أنا نحكم بقول القاطع؛ إذ الأصل أن لا قصاص  وحكى ابن سريج عن الشافعي رحمه الله في كتاب التعريض بالخطبة، أن القول قول الخنثى ","part":1,"page":39},{"id":1835,"text":"وتهذيب هذا أنا إذا فقدنا العلامات، فقد نحكم  بقول الخنثى، فلو صدر منه قول، ثم جرت جناية كلها بموجب قوله السابق له وعليه، ولو صدرت الجناية أوّلا، فأبدى قولا يستحق به القصاص، هل يحكم به هذا محل الخلاف، والصحيح أنه لا يقبل قوله؛ لأنه متهم؛ بخلاف ما إذا سبق، فإن قوله أثبت  صفته، ثم ابتداء الحكم على الصفة الثابتة  بقوله، وإن كان لا يثبت الحكم بقوله كما يثبت النسب بالفراش الثابت بقول القابلة وحدها، وإن كان نفس النسب لا يثبت بقولها، إلى أمثال [له]  كثيرة \rالخصلة السادسة: التفاوت في العدد: وهو غير مانع عند أكثر العلماء  عن استيفاء القصاص، فيقتل الألف بالواحد إذا تمالؤا على قتله؛ لقول عمر رضي الله عنه: ((لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به))  (وللمحافظة)  على حكمة الزجر؛ إذ لو روعيت المعادلة في العدد، لاتخذ الظلمة الاستعانة ذريعة عامة في درء القود، ولو كان لرعاية المساواة والمكافأة وجه، لكان أحرى الصفات بالرعاية التساوي في الذكورة، والتساوي في العدد \rوذهب مالك رحمه الله إلى أن الجماعة لا تقتل بالواحد؛ بل يقرع بينهم، فمن خرجت\rقرعته قتل \rوقيل: إنه قول للشافعي  رحمه الله في القديم ، وهو مذهب بعيد؛ لأنه يرجع إلى تحكيم القرعة في سفك دم مسلم، وإن لم (نر)  للقرعة تأثيراً إلا في التقديم والتأخير في الدماء \rوإذا ثبت إيجاب القصاص على الشركاء، فينقدح في تنزيله ثلاث تقديرات:\rأحدها: أن كل واحد قاتل على الكمال؛ لأنه أحدث علةً مستقلة بالإزهاق، فيضاف إليه على الكمال وهذا فاسد؛ لأن تعدد القتل مع اتحاد القتيل لا يعقل ولو كان كما ذكروه لوجب القصاص على شريك الخاطئ ","part":1,"page":40},{"id":1836,"text":"والثاني: أن نقول: القتل حاصل منهم، فيكون جميعهم كالشخص الواحد في حق القصاص ونوجب القصاص عليهم، وهو أيضاً غير سديد؛ فإن شريك الحر في قتل العبد إذا كان عبداً يلتزم القود عندنا ولو جرح في الرق، ثم عتق الجارح، والمجروح رقيق بعدُ، فجرح جراحةً أخرى، لا قصاص عليه ولو قدروا كالشخص الواحد لكان صدور الجراحتين منهما (كصدورهما)  من شخص واحد إلى إيجاب إسقاط القصاص عن الشريك، ولكان يؤاخذ بجراحته التي صدرت منه في حالة الرق والكفاءة، ولكان شريكاً\r\rلنفسه بالجراحة، [كالحر يؤاخذ]  بالجراحة الأخرى الواقعة في حال الحرية \rالتقدير الثالث: ـ وهو الصحيح ـ أنا نضيف فعل كل شريك إلى صاحبه، ونقول: كأنك قتلت القتيل بفعلك وفعل شريكك، وفعل الشريك منسوب إليك برابطة الاستعانة، ثم ننظر إلى فعل الشريك، فننقله بوصف ذاته لا بوصفٍ (يكتسبه)  من الإضافة  ويتبين سداد هذا التقدير في مذهب الشافعي بالتفريع:\rفلا قصاص على شريك الخاطئ وفاقاً في المذهب؛ لأن الخطأ صفة الفعل، وإذا أضيف إلى الشريك بصفته، لم يكن عليه القصاص، فيكون كما لو جرح جراحتين إحداهما خطأ والأخرى عمد \rومذهب المزني : إيجاب القصاص ، وهو مستمد  من تقدير كل واحد قاتلاً على الكمال، أو من مؤاخذة كل جانٍ بجنايته، وتنزيل جنايته الناقصة لأجل  الضرورة منزلة الكامل، أو من أن الخطأ يرجع إلى جهل  المخطئ لا إلى صفة الفعل، وليته كان قولاً للشافعي رحمه الله؛ لكنه  مذهب المزني لا (تخريّجه)  ","part":1,"page":41},{"id":1837,"text":"فأما شريك الأب فيجب عليه القصاص قطعاً، ولا نعلّل ذلك بالوجوب، ثم السقوط، فإن سبب [  ظ] الوجوب قد جرى، والخلل في الاستيفاء، فإن الشافعي رحمه الله قطع بوجوب القصاص على الذمي إذا شارك مسلماً في قتل ذمي، وعلى العبد إذا شارك حرًّا في قتل عبد ، والخلل في الرق والكفر ليس راجعاً إلى الاستيفاء، فإن طارئه لا يمنع الاستيفاء بخلاف طارئ استحقاق الابن، وقد قطع الشافعي بإيجاب القصاص على كل من شارك عامداً ضامناً للدية، وإذا شارك مخطئاً فلا قصاص ، فهاتان مرتبتان على طرفي النفي والإثبات في محل القطع  يتوسطهما مراتب:\rإحداها: في شريك العامد الذي ليس بضامن كشريك الحربي وشريك الإمام إذا قطع يد السارق وشريك مستحق القصاص، وكذلك إذا جرح جارح حربيًّا، فجرحه آخر بعد الإسلام، أو جرحه ذمي بعد الذمة أو الإسلام، وكذلك إذا جرح مرتدًّا، فجرحه آخر في الإسلام، فكل ذلك شركة مع عامد  غير ضامن، ففيه قولان:\rمنشأ التردد أن هذه الأسباب (جعلت)  الفعل مهدراً، حتى وصف الفعل بكونه حقًّا مباحاً، فكأنه أحدث وصفاً في الفعل، فاحتمل أن يلحق بالخطأ، ومن حيث أن الفعل في [نفسه]  صورته عمد محض يحوج إلى الزجر، وإنما سقوط الحكم بمعنىً في المحل كالمرتد \r\rوالحربي، أو لحق الفاعل كمستحق القصاص والإمام احتمل أن يلحق بالأ [بوة]   فهذه ثلاثة مراتب، ووراء (هذه ثلاث)  مراتب، اختلفت الطرق في تخريجها مثل المراتب السابقة\rإحداها: شريك الصبي: وأمره مبني على أن للصبي عمداً أم لا فإن قلنا: له عمد ، فهو عامد ضامن، وفيه  قولان وإن قلنا: لا عمد له ففعله خطأ، فشريكه كشريك الخاطئ \rالثانية: شريك السبع، وفيه طريقان؛ منهم من قال: هو عامد غير ضامن، فأشبه الحربي، فيخرج  شريكه على القولين، ومنهم من قال: جهله بالقتل لا يتقاعد عن جهل الخاطئ، ولا عبرة بتمييزه وإدراكه، فلا قصاص على شريكه كالخاطئ ","part":1,"page":42},{"id":1838,"text":"الثالثة: شريك السيد في قتل عبده، وهو ضامن للكفارة لا للدية، فمنهم من اكتفى بضمان الكفارة، فنزله منزلة ضمان الدية، وقال: شريكه كشريك الأب، ومنهم من قال: فعله مهدر، فهو كشريك الحربي والمستحق، ولا أثر لضمان الكفارة \rوشريك القتيل نفسه بأن يجرح نفسه، ثم يجرحه غيره، يخرج على أن من قتل نفسه، فهل  عليه الكفارة فإن قلنا: ليس عليه فهو عامد غير ضامن وإن  قلنا: عليه كفارة فهو كالسيد في عبده  هذا كله إذا تعدد الجارح\rفلو اتحد الجارح، فمهما اقترن بأحد الجراحتين ما يدرأ القصاص، سقط القصاص عن الثاني أيضاً، سواء رجع الخلل إلى وصف الفعل أو إلى الإضافة،  فإن المضاف إليه صار متحداً في هذه الصورة وبيانه أنه لو جرح الواحد جراحتين، إحداهما خطأ والأخرى عمداً، أو إحداهما مهدرة؛ لمصادفتها حربياً أو مرتداً والأخرى وقعت في حالة العصمة، أو كانت الأولى  مستحقة له قصاصاً أو سرقة، والثانية غير مستحقة، أو صادفت الأولى  رقًّا أو كفراً في (القتيل)  يدرأ عنه القصاص، ووقع الثاني في حالة الكفاءة، فلا قصاص في الصور كلها؛ لأن الموت محال على الجرحين، والمضاف إليه متحد، فيستوي فيه الخلل الراجع إلى صفة الفعل، والراجع إلى الإضافة إلى القاتل أو القتيل؛ بخلاف ما إذا تعدد الجارح، فإنا نقدر انتقال الفعل ونضيفه إليه (فالاستثناء)  من الإضافة يتبدل بتبديل الإضافة ","part":1,"page":43},{"id":1839,"text":"فروع: أحدها: لو داوى المجروح نفسه بالسم، فإن كان مجهزاً في الحال مذفّفاً، فلا قصاص على الجارح، وهو قاتل نفسه ، وإن كان يؤثر على الجملة، ولا يذففه ، فصاحب الجراحة صار شريك النفس، وقد سبق ذكره  ومنهم من قطع ههنا بسقوط القصاص؛ لأن أقل درجات المتداوي أن يكون مخطئاً، فإن فعله بعيد عن العدوان، فيلتحق بالخطأ، وهذا القائل أيضاً يقطع  [بسقوط]  القصاص عن شريك من قطع حدّا أو قصاصاً، أو جرح جرحاً حقًّا، ويقول: لا قصاص على شريك المحق، كما لا يجب على شريك الخاطئ وأولى، فخرجت طريقة في إسقاط القصاص في هذه الصورة قطعاً \rفأما إذا خاط محل الجرح، ووقع الخيط في لحم حيّ، فهو  [  ظ] شركة، ولكن إذا قصد الإصلاح، عاد طريقة إلحاقه بالخطأ، ولا خلاف  في أنه لو كان به مرض، فلا يجعل ذلك شركة؛ لأنه ليس يستند إلى فعل، [فهو كضعيف البنية خلقة، والقروح على البدن في معنى المرض] ، وتمادى  الجوع، وهو معتاد، ولا يعدّ جناية، قد نبهنا على خلاف في أنه هل يوجب الشركة، فلتتأمل هذه  المراتب \rالثاني : إذا تمالأ جمع على واحد، فضربه كل واحد سوطاً واحداً مثلاً، أو ما إذا (اتصل)  الموت به عدَّ شبه العمد، ففيه أوجه:\rأحدها: أنه يجب القصاص على كل حال؛ إذ لو فتح هذا الباب لا نتهض ذريعةً، فلا يخرم به ما عولنا عليه من المعنى في أصل قاعدة الشركة، وفي مسألة القتل بالمثقل\rوالثاني: [أنه]  لا يجب القصاص أصلاً؛ لأن كل واحد لم يوجد منه إلا ما هو (شبه)  العمد، فهو خاطئ وشريك خاطئ، فكيف يجب القصاص عليه وما ذكر من الذريعة لا يلزم؛ فإن التمالؤ على هذا الوجه يندر، واجتماع مائة تحت رابطة التواطئ بعيد\rوالثالث: أنه إن صدر عن تواطئ وجب القصاص؛ لأن كل واحد صار قاصداً إلى الزهوق بفعله واستعانته ","part":1,"page":44},{"id":1840,"text":"قال الإمام: الوجه القطع بنفي القصاص إذا لم يكن تواطؤ؛ إذ لم يصدر من كل واحد إلا ما هو خطأ أو شبه عمد فأما إذا جرى التواطؤ، فيحتمل وجهين \rوما اختاره ههنا يخدش ما ارتضاه في تمييز شبه العمد عن العمد بأنه  ما يعلم  حصول الموت به، فإنه علم ههنا حصول الموت بالكل، ولهذا قد يحكم بأن السوط الواحد لا يوجب الضمان ولا القصاص؛ إذ يعلم قطعاً أن الموت لا يحصل به ثم لا بد من إيجاب الضمان في هذه الصورة؛ لأن حصول الموت بالكل صار معلوماً، فلا بد من إيجاب الضمان \rالثالث: إذا جرح أحدهما جراحات والآخر جراحة، فالدية عليهما بالسوية، وكذلك لو جرح واحد وأنهشه الآخر حيّة، أو أغرى عليه سبعاً وجرحه، فالدية عليهما نصفان ، فأما إذا جرح فنهشته حية، وجرحه سبع، فمنهم من قال: عليه ثلث الدية؛ لأنه شريك حيوانين ومنهم من لم ينظر إلى عدد الحيوان، ونظر إلى الجرح وقال: عليه نصف الدية، وهذا يلتفت على أن عمد السبع هل هو عمد، وأن شريكه شريك الخاطئ أو شريك عامد غير ضامن \rولم يختلفوا أن السبع لو وقع من غير قصد على إنسان فانجرح، أن شريكه شريك خاطئ  وهذا يبين بُعد  اعتبار عمد السبع، والنظر إلى اختلاف أحواله، وإن ذهب إلى اعتباره طائفة من المحققين  هذا تمام البيان في قاعدة الشركة\rوقد انشعب عنه فرقان  بيننا وبين أبي حنيفة على التدابر، أحدهما: أنا عدّينا (هذا)  إلى الأطراف، ورأينا الأطراف في الشركة والتزاحم على الإبانة في معنى النفس كما سيأتي في الأطراف  وأبو حنيفة منع هذا القياس ","part":1,"page":45},{"id":1841,"text":"والثاني: أنا منعنا القياس في مقابلة الواحد بالجماعة، فقلنا: إنه يقتل بأحدهم، وللباقين الديات ، وأبو حنيفة يقول: المقابلة نسبة، فإذا ثبتت من جانب ثبتت  من جانب آخر، ولما قوبلت المرأة بالرجل كان الرجل في مقابلة المرأة وعلى العكس أيضاً كذلك، وقد قوبل (الجمع)  بالواحد فقد قوبل الواحد بالجمع ، وليس هذا قياس؛ بل هو عين المقابلة، فإن المقابلة نسبة \rفإن قلنا: لا نسلم المقابلة، وإنما المسلم القتل للحكمة الكلية، قال: لا أعني بالمقابلة؛ إلا أن جميعهم قتلوا به قصاصاً، واستوفيت  نفوسهم بإزاء نفسه، وهذه مقابلة شرعية معلومة ، فقال الحليمي : لم يستوف الجميع قصاصاً؛ بل إذا اجتمع عشرة في قتل واحد، فيستحق  على كل واحد عشر (دمه)  قصاصاً، والباقي مؤونة الاستيفاء  واستبعد الإمام هذا الكلام، وقال: كيف يحتمل مؤونة الاستيفاء في القصاص، ولا يحمل فيه أصبع زائدة \rوللحليمي أن يقول: وكيف يقابل جمعٌ بواحد، وكيف يقتل من لم يتكامل قتله، فإن احتمل ذلك للضرورة الكلية، فاستعمال الضرورة الكلية عليه في جعل الباقي مؤونة الاستيفاء ممكن، فهو واقع في دفع الخصم، وتقريب المذهب في [مسألة]  قتل الواحد بالجماعة والله أعلم هذا تمام القول في هذا الخصال الستة\rوقد قطعنا في ثلاثة بأن التفاوت فيها لا يمنع القصاص، وهو  الذكورة، والعدد، وتأقيت  العصمة وقطعنا في الدين والحرية، وفضيلة الأبوة بكونه مانعاً، وترددنا في تخريج الأبوة على قاعدة الكفاءة \rواختتام القول في هذا الركن بعقد فصل في تغير الحال بين  الجرح والموت على الجارح والمجروح\rوالطوارئ ثلاثة أقسام [  ظ] أحدها: أن تطرأ حالة مضمنة عاصمة  على الإهدار، والآخر: أن يطرأ مهدر على العصمة، والآخر: أن يطرأ ما يوجب تغيير مقدار الضمان، لا أصله من كمال إلى نقصان، أو من نقصان إلى الكمال ","part":1,"page":46},{"id":1842,"text":"القسم الأول: أن يطرأ العاصم مثل أن يجرح مرتدًّا، فأسلم قبل الموت، أو يجرح حربيًّا، فيؤمن، أو يعقد له أمان، أو يكون الجارح حربيًّا، ثم يسلم قبل موت  المجروح، أو جرح السيد عبده، ثم أعتقه، أو قطع مستحق القصاص، ثم عفى عن القصاص في النفس فسرى، قطع المراوزة في جميع الصور بسقوط القصاص والضمان والكفارة، نظراً إلى حال الجرح، فإنه وقت انتصاب السبب موجباً وصدر منه \rأما العراقيون (فذكروا)  في صورة المرتد والحربي في وجوب الضمان وجهين مع القطع بسقوط القصاص ، (ومعتضد)  وجههم، وإن كان بعيداً سنذكره في القسم الثالث من أن النظر إلى حال الموت في تقرير  الضمان، فكذلك في أصله، وأنه ينظر إلى حالة الإصابة في الرمي لا إلى حال ابتداء الرمي على وجه كما سنذكره، ولكن المذهب المشهور ما سبق \rوعلى هذا تضرب الدية على العاقلة؛ لأنه مخطئ بالإضافة  إلى ما طرأ من العاصم المضمن  وأما الشيخ أبو علي حكى الوفاق في صورة الحربي والمرتد \rوفي طريان الرق حكى نص الشافعي أيضاً: أن الضمان ساقط عن السيد الجارح المعتق، وحكى نصًّا آخر يخالفه ، وهو أنه قال في عيون المسائل : لو كان بين شريكين جارية مشتركة حامل بولد رقيق، فضرب أحدهما بطنها ، ثم أعتق نصيبه، فسرى فأجهضت جنيناً ميتاً، فعلى [الشريك]  الجاني غرة كاملة \rوقياس ما ذكرناه أن يهدر نصفه؛ [لأن]  الجناية فيه صادفت ملكه، وطرأ العتق بعدها ، فاختلف الأصحاب في التضمين على طريقين:","part":1,"page":47},{"id":1843,"text":"منهم من قال: قولان: أحدهما: ما ذكرناه، وقياسه المرتد والحربي، والثاني: وجوب الضمان؛ لأن الحربي كالمرتد ثبت الإهدار في حقهما مطلقاً، والعبد معصوم في نفسه، ومضمون على سيده بالكفارة وإنما المتغير  بما طرأ كيفية الضمان، فينظر إلى الآخر ومن الأصحاب من أقر النصين، واعتذر عن مسألة الغرة بأن أصابة الجناية الولد في الرق غير معلوم، وإنما الموت المشاهد عند الانفصال كأنه أول الجناية؛ إذ ما سبق ليس بمعلوم، وأول الجناية كالرمي والانفصال كالإصابة   وسنذكر على رأي أن النظر إلى حالة الإصابة وعلى الجملة، هذه المسألة مبنية على القاعدة\rالقسم الثاني: أن يطرأ المهدر\rكما إذا جرح مسلماً، فارتد ومات، فليس على الجاني إلا  أرش الجناية التي تمت في حال  الإسلام، وما بعد ذلك من سراية فمهدره \rفرعان: أحدهما: لو ارتد بعد الجرح، وعاد إلى الإسلام، ثم مات، فالنظر في القصاص والدية؛ أما القصاص، فالمنصوص: أنه ساقط لتخلل حالة مهدرة، وقد يجري فيها سراية مهدرة  ونص في الذمي إذا جرح ذميا، والتحق المجروح بدار الحرب، ثم عقد له الأمان فمات، أنه يجب القصاص \rفاختلف الأصحاب، منهم من قال: في المسألتين قولان: بالنقل والتخريج ووجه الإيجاب تجريد النظر إلى حالة الجرح والموت، وقطع النظر عما بينهما؛ فإنها لا تندرج تحت الضبط، ولا يعمد تطلع في مقاربة  السرايات ومنهم من قال: النصان منزلان على حالين، فحيث أسقط القصاص، أراد به ما إذا طال زمان المهدر، وعلم أن السراية الحاصلة  فيه وقع ظاهراً، فأما إذا قرب الزمان، فلا أثر للسراية فيه، (فالنص)  الآخر منزل عليه  والرأي عند المحصلين أنه إن طال الزمان سقط القصاص قطعاً، وإن قرب فقولان ؛ ووجه الإسقاط أن ما بين الجرح والموت كحالة واحدة بالإضافة إلى الإزهاق، فإذا تخلل [مسقط]  أثار ذلك شبهة في القصاص ","part":1,"page":48},{"id":1844,"text":"فأما إذا آل الأمر إلى الدية، فظاهر النص  أنه تجب الدية الكاملة \rوخرج ابن سريج (وجهاً)  أنه يجب ثلثا الدية، ويهدر الثلث؛ لوقوع السراية في إحدى الأحوال الثلاث على وجه الإهدار \rومن الأصحاب من أوجب النصف، وجمع حالتي العصمة في مقابلة حالة الإهدار  وكأن ابن سريج يمنع الجمع لتخلل  قاطع في الوسط، وإذا أوجبنا القصاص في صورة قرب الزمان، لم يتجه إلا إيجاب كمال الدية \rثم إن كانت الجراحة خطأً مضروباً على العاقلة، ونعني  به كلما وجب عليه من ثلث أو نصف أو كل \rوحكى الصيدلاني عن القفال: أن القولين في القصاص يبتنيان على القولين في شريك العامد الذي ليس بضامن؛ لأن سراية حالة الارتداد عمد بالنسبة إلى الجراحة، ولا ضمان فيها   وهذه هفوة؛ فإن الجارح إذا اتحد بأن جرح واحدة  في حالة الردة، وأخرى  في الإسلام، فقد قطعنا بوجوب القصاص، فلا وجه لهذا البناء \rالفرع الثاني: إذا جرح مسلماً فارتد ومات، وحكمنا بسقوط ضمان السراية، فالجرح السابق في الإسلام قد ذكرنا أنه يجب أرشه","part":1,"page":49},{"id":1845,"text":"وقد قال الشافعي: لوليه المسلم طلب قصاصه  وهذا يبتني أوّلاً على أن من مات، ولا وارث له، فهل يثبت قصاصه لجهة الإسلام للإمام [وفيه قولان] : إن ملنا إلى معنى الزجر أثبتنا، وإن ملنا إلى معنى التشفي للغليل لم نثبت، فإن أسقطنا فلا قصاص ههنا؛ إذ المرتد لا يرثه قريبه المسلم، ولا الكافر، وإن قلنا: يجب، وعليه فرّع الشافعي رحمه الله، فالمذهب وإن كان مخالفاً لظاهر النص أن الطلب للإمام ، وعليه تنزل  لفظة الولي المسلم بطريق التأويل  ومن أصحابنا من قال: تقييده بالمسلم، ولا يتصور الإمام إلا مسلماً يدل على أنه أراد القريب، فيثبت له، وإن كان لا يثبت له الأرش والمال؛ لأن المقصود هو التشفي، وقد سبقت الجناية في الإسلام، وهو أولى بالتشفي على الجملة من الإمام  وهذا يكاد (يشير)  إلى مذهب أبي حنيفة في توريث المسلم من المرتدّ \rفأما الأرش فلا شك في وجوبه ولا معنى لإهداره، وذكر العراقيون في إسقاط الأرش وجهاً لا وجه له؛ إذ لا معنى لإهداره، وكأنهم يقولون: الأرش للجراحة الواقعة وهذا قتل، وامتنع ضمان القتل، فسقط أصل الأرش \rفإذا فرعنا على الصحيح، وهو إيجاب الأرش، فلو كان قطع يديه ورجليه، فالصحيح أنه لا يلزمه إلا دية واحدة؛ إذ موته كافراً لا يزيد على موته مسلماً \rوفيه وجهٌ اختاره الإصطخري أنه تجب الديتان؛ لأنا لو أدرجنا لأهدرنا كما قال العراقيون، فإذا سقط الإهدار، فليقدّر (بالاندمال) ، وليقطع النظر عن الموت \rالقسم الثالث: في طريان ما يغير مقدار البدل، والنظر فيه إلى حال الموت\rوذلك بطريان الإسلام على الذمي إذا جرح، فمهما مات، وجب دية مسلم، ولو تمجّس النصراني المجروح، ومات مجوسيًّا، وقلنا يقرر  على تمجسه، فالواجب دية المجوسي، ولو عتق العبد المجني عليه، ومات بالسراية، فالواجب دية حر، ولا نبالي لو كانت (أروش)  الجراحات في الرق زائدة على دية الحر ","part":1,"page":50},{"id":1846,"text":"قال الشافعي رحمه الله: ولو فقأ عيني عبد، وثمنه  مائتان من الإبل، فأعتق ومات، فعليه مائة من الإبل \rوخالف المزني، فقال : يجب مائتان من الإبل (أي)  ما يساوي مائتين، فإن الواجب قيمة العبد في العبد ، وذلك (لأنه)  لو نظر إلى الآخر، والواجب دية حرٍّ لحُرم السيد، ولا سبيل إلى حرمانه، وقد صادفت الجناية ملكه، فعسر النظر إلى الآخر، ولا يبعد موافقته ممن يسلك مسلك الإصطخري فيما تقدم \rوأما أبو حنيفة، فإنه اقتصر على أرش الجناية ولو كان درهماً، ولم يوجب دية الحر  ثم المنصوص عليه للشافعي في أمثال هذه الجراحات أن المصروف إلى السيد من الدية الواجبة أقل الأمرين مما التزمه الجاني، أو أرش مجرّد الجناية دون السراية؛ لأن الدية [إن كانت]  أقل، فلا مطمع للسيد في قربه، ولا يجب على الجاني إلا الدية، وإن كان أرش الجناية الأقل، فما زاد بسبب الحرية، فيستحيل أن يصرف إليه، وفي المسألة قول آخر أن السيد يستحق أقل الأمرين من تمام الدية أو تمام القيمة، وعبارة هذا القول أن الواجب أقل الأمرين مما  التزمه الجاني بالجناية على الملك، أو مثل نسبته من القيمة \rويختص هذا القول بتقدير السراية أيضاً على تقدير بقاء الرق والموت عليه مما  يصرف إلى السيد، وفي القول الأول لا نقدر السراية، ونقتصر على تقدير أرش الجناية، [و]  نثبت للسيد الأقل مما قدّر أو مما التزمه الجاني آخراً بالجناية على الملك أوّلاً على كل قول \rفإذا كان  قد قطع إحدى يديه، وعتق ومات، فعلى قولٍ، للسيد أقل الأمرين من كل الدية التي التزمها الجاني، أو نصف القيمة، وهو أرش القطع وعلى القول الثاني أقل الأمرين من كل الدية أو كل القيمة، وهو مثل نسبة الدية، فإنا نقدر الموت على الرق في حق السيد ، ويخرّج على ترجمة القولين صور:","part":1,"page":51},{"id":1847,"text":"الصورة الأولى: لو قطع إحدى يديه فعتق، فجاء آخر فقطع  اليد الأخرى، وجاء ثالث وقطع إحدى رجليه، ومات من الجراحات، فالواجب على جميعهم دية حر، على كل واحد ثلث،  ولا حق للسيد إلا فيما يوجد من الجاني في حالة الرق، وله أقل الأمرين من ثلث الدية أو ثلث القيمة، وهو مثل نسبته، وعلى القول الثاني أقل الأمرين من ثلث الدية أو أرش الجناية على الملك، وهو نصف القيمة \rونص الشافعي في هذه المسألة على القول الأول، وهو تقدم الموت في الرق ، ومن هذه الصورة استنبط هذا القول في سائر الصور \rالصورة الثانية: قطع إحدى يديه فعتق، فقطع آخر يده الأخرى، وقطع ثالث إحدى رجليه، وعاد الجاني الأول فقطع الرجل الثانية، فالواجب على جميعهم دية على كل واحد ثلث، ولا يزيد نصيب من تعددت جراحته في الرق والحرية؛ إذ لا أثر لعدد الجراحات وأغوارها غير (مضبوطة) ، ولكن حق السيد في نصف ما يؤخذ من الجاني على الملك، وقد وجب عليه ثلث الدية بجراحتين حصة جراحة الرق سدس، ولا بدّ من التوزيع هاهنا، وإن كنا لا نرى في الأصل النظر إلى اتحاد الجراحة وتعددها، ولكن إذا اتحد الشخص، وتعددت الجراحات، فلا بد من التوزيع، وللسيد على أحد القولين: أقلّ الأمرين من سدس الدية أو سدس القيمة، وهو مثل نسبته، وعلى الثاني: الأقل من سدس الدية أو أرش الجناية على الملك، وهو نصف القيمة من غير نظر إلى تقدير سراية جراحة الرق \rالصورة الثالثة: أوضح رأسه في الرق فعتق، فجرحه غيره فمات من الجرحين، فالدية عليهما نصفين، وللسيد أقل الأمرين من نصف الدية أو نصف القيمة، وهو مثل نسبته على قول، وله أقل الأمرين من نصف الدية أو نصف عشر القيمة، فإنه نسبة أرش الموضحة  من قيمة العبد ","part":1,"page":52},{"id":1848,"text":"المسألة بحالها: عاد الجاني على الرق بالإيضاح، فجرح جراحة أخرى، فالدية عليهما بالسوية من غير نظر إلى زيادة العدد، ثم الجاني على الرق له جراحتان وحصة أحد جرحيه نصف ما عليه، وهو ربع الدية، فللسيد أقل الأمرين من ربع الدية أو ربع القيمة، وهو مثل نسبته على قول، وأقل الأمرين من ربع الدية أو  أرش موضحة العبد وهو نصف عشر قيمته \rفإن قيل: إذا أوجبتم دية الحر فهو  مائة من الإبل، والسيد يستحق بالجناية على ملكه دراهم، فإذا لم يجب إلا مائة من الإبل وأرش الجناية زائد في منصوص الشافعي، وكل الواجب مصروف إلى السيد، ولا مطالبة إلا من جهته، فبم  نطالبه بالدراهم أو بالإبل قلنا: اضطرب  كلام الأئمة فيه، وحاصل ما ذكر احتمالان هما وجهان:\rأحدهما: أن الإبل متعينة ، فإنه الواجب، وإذا رددنا الزيادة إلى مقدار الدية، نظر إلى المآل، فكيف لا يعتبر الجنس نظراً إلى المآل كما غيرنا القدر، فليأخذ السيد ما وجب عليه، وليس له أن يكلفه بيعه؛ إذ لا واجب إلا هذا، وإنما السيد مصرف على التحقيق، وإنما الواجب دية حر\rوالثاني: أن الخيرة إلى الجاني، (فإن)  سلم الإبل وجب على السيد القبول (لما)  سبق؛ إذ يقول لا واجب علي إلا هذا نظراً إلى المآل، وإن  سلم الدراهم، لم يكن للسيد مطالبته بالإبل؛ إذ لا حق له في الإبل، وعلى الوجه الأول كأنا نقول: له المطالبة بالإبل؛ إذ (يقول) : حقي ما هو الواجب عليه، وليس الإبل الواجب عليك رهناً عندي بحقي؛ بل هو عين حقي؛ إذ من عينه يتأدى حقي، ولذلك نقول: لو أبرأ  السيد عن حقه (فلا)  يبقى للورثة شيء؛ إذ لا نقول ازدحم حقان؛ بل هو واحد، ومستحقه السيد، وكل ذلك لتعارض الإشكالات، ولا بد من ارتكاب بعيد، وما ذكرناه أقرب \rهذا كله فيما يطرأ من الطوارئ بين الجرح والموت\rفأما ما يطرأ بين الرمي والإصابة:","part":1,"page":53},{"id":1849,"text":"فما جردنا النظر فيه إلى حالة الموت، وقطعنا النظر فيه عن الجرح، فبأن نقطع عن الرمي وهو مقدمة الجرح أولى، وما ينظر فيه إلى الجرح كالإهدار المقترن بالجرح، فإنه دافع للقود والضمان على المذهب، فلو اقترن بالرمي، فرمى إلى حربي أو مرتد، فأسلم قبل الإصابة، ففيه إذا كان حربيًّا وجهان: أحدهما: إيجاب الضمان نظراً إلى حالة الإصابة، فإنه أول ملاقاة السبب له، والرمي ذريعة ومقدمة، ولا  عبرة به، فبطل الاتصال والثاني: الإسقاط نظراً إلى حالة الرمي، فإنه الداخل تحت الاختيار وما بعده متولد منه، فهو علة كل ما يحدث بعده \rوإن كان مرتدًّا، فوجهان مرتبان [على الحربي] ، وأولى [بوجوب الضمان؛ لأن الرمي كان عدواناً من حيث الميل، ومن حيث إنه منوط بالولاة ، وإن كان عبداً له فأعتقه قبل الإصابة فوجهان مرتبان، وأولى بالضمان؛ لأنه معصوم مضمون \rوإن كان يستحق القصاص في نفسه فعفى قبل الإصابة فوجهان مرتبان على المرتد وأولى]  بالضمان؛ لأن حق القصاص لا يوجب إهداراً مطلقاً \rوحقيقة الخلاف راجع إلى أن العبرة بأول جزء من السبب، أو بأول جزء من وقت [  ظ] الاتصال بالمرمي إليه، ولا خلاف أن ما ليس بعلة، فلا عبرة به  قبل الاتصال  بالمجني عليه، كما لو  حفر بئراً فتردى فيه من كان مرتدًّا أو حربيًّا أو مملوكاً له حالة الحفر (فالنظر)  إلى حالة التردي، ولا عبرة بالحفر، فلا اتصال له، فالرمي (يضاهي)  الجرح من حيث أنه علة ما بعده، ويضاهي الحفر من حيث لم يتصل (بعد)  بالمجني عليه، فهو منشأ التردد \rفرع: لو تخللت ردة المرمي إليه  بين الرمي والإصابة:","part":1,"page":54},{"id":1850,"text":"قطعوا بسقوط القصاص؛ لاتصال الإهدار ببعض أجزاء لسبب، ولو تخللت ردة الرامي بين الرمي والإصابة قطعوا بأنه تضرب  الدية على الرامي وإن كان خطأ، ولا تضرب على عاقلته المسلمين؛ لأن الأصل سقوط التحمل كما أن الأصل سقوط القصاص، وقد تخللت حالة تمنع التحمل  وذكر الشيخ أبو علي في التحمل قولين، ينظر في القول الآخر إلى الطرفين، فلا يبالي بالواسطة ، وإذا انقدح ذلك، فينقدح أيضاً في القصاص، وكيف لا، وقد ذكرنا قولا في تخلل الردة بين الجرح والموت، مع أن السراية لما وقعت  في حالة الإهدار، فهو في صورة الرمي  أولى بالذكر \rهذا تمام الكلام في  الجنايات على  النفس وما يوجب القصاص فيها\rالنوع الثاني في القصاص: الواجب بالجناية على ما دون النفس\rوفيه فصلان:\rالفصل الأول: في أركان وجوب القصاص فيما دون النفس من الأطراف\rوأركانه: القاطع، والمقطوع، والقطع \rأما القطع والجراحة فحدّ الموجب فيه  ما ذكرناه في النفس؛ وهو كل عمد محض عدوان، ولا يفارق الطرف النفس إلا في السراية، فإن جرح الأطراف إذا سرى إلى الأطراف، فالنص أن القصاص لا يتعلق بسرايتها إلا في اللطائف، وفيه تخريج سبق ذكره في حدّ العمد المحض \rوأما  القاطع، فلا يعتبر في إيجاب القصاص عليه إلا الالتزام كما في النفس، وحكم الكفاءة في الطرف والنفس على وتيرة من غير فرق، وليس (يراد)  في الطرف التساوي في البدل، فيجري القصاص بين الرجل والمرأة، والحر والعبد، والعبد [والعبد]  مع التفاوت في البدل ، وأبو حنيفة شرط التساوي في النفس، ومنع جريان القصاص في الطرف عند تفاوت البدلين \rفأما التفاوت في  النسبة (فهو)  القادح عندنا، فيد المرأة لا تقطع باليد الشلاء من الرجل وإن كانت حكومتها مثل دية [يد]  المرأة؛ لأن الشلاء ليس نصفاً من الرجل والصحيحة نصف من المرأة، ومهما قابلنا الجملة بالجملة، فلا نقابل بالنصف إلا النصف ","part":1,"page":55},{"id":1851,"text":"وأما التفاوت في العدد، فلا يمنع قصاص الطرف كما لا يمنع قصاص النفس، فلو قطع جماعة يمين رجل على الاشتراك بحيث لم ينفصل فعل بعضهم عن البعض قطع  أيمانهم به، ولو قطع واحد أيمان جماعة، قطع بواحد منهم، وللباقين الديات كما في النفس، ولوتميز أحد الفعلين، (بأن)  قطع أحدهما من جانب والآخر من جانب، أو أمرّا المنشار على المفصل دفعاً وجرًّا، أو كان يسكن كل واحد عند حركة الآخر، فلا قصاص؛ لحصول  الانفصال في الفعل؛ بخلاف النفس، فإن الزهوق يبتني على الجراحات المتفرقة، ابتناءً يشوع والإبانة تقع متميزة \rوقال صاحب التقريب: يجب القصاص على قاطع نصف اليد في القدر الذي قطع  وخرّج هذا القول من نص الشافعي في المتلاحمة، وهي جراحة واقعة على الرأس سالكة إلى الإيضاح غير منتهية إليه  فهذا  أيضاً سالك إلى الإبانة غير منتهى إليه، وهو فاسد؛ إذ لحم  الرأس تتساوى أجزاؤه، وتركيب العروق والشرايين في اليد يتفاوت، ولا يمكن اعتبار المماثلة فيه  \rوأما ركن المقطوع وهو محل الجناية، فيعتبر فيه من العصمة ما سبق في النفس، وينضم فيما دون النفس مزيد، وهو أن يكون مضبوطاً معلوم القدر بحيث يمكن الاقتصار على مثله في القصاص، وليس هذا فرقاً بين الطرف والنفس، ولكنه راجع إلى التصوير، فإن الروح إذا استوفيت لم يبق شيء تجب المحافظة عليه، والطرف إذا استوفي فلا تعلق للقصاص إلا به، ولا استحقاق في النفس وفي الهجوم على مزيد خطر إزهاق الروح، إذ يؤدي إلى تفاوت في النسبة وذلك ممتنع وبيان ما يمكن رعاية المماثلة فيه، بتقسم الجنايات، وكل جناية لا جرح فيها فلا قصاص فيها  كالضرب واللطم، فإنه لا ينضبط وصاحبه يعزّر ","part":1,"page":56},{"id":1852,"text":"وأما الجرح فينقسم إلى جرح محض وإلى إبانة (طرف)  أو إزالة منفعة طرف مع بقاء الطرف أما الجراحات المحضة، فتنقسم إلى ما يقع على الرأس وإلى ما يقع على سائر البدن، فالواقعة  على الرأس  على عشر مراتب ، ولكل واحدة اسم\rأولها: الحارصة: وهي التي تحرص الجلد، أي تشقه، يقال: حرص القصار الثوب إذا شقه  والدامية: وهي التي يسيل منها الدم  ثم الباضعة: وهي التي تبضع اللحم، أي تقطعه، ومنه مبضع الفصاد، والبضع: القطع، ومنه بضعة عشر  والمتلاحمة: وهي التي تغوص في اللحم غوصاً بالغاً، ولا تنتهي إلى العظم  والسمحاق : وهي التي تبلغ جلدة بين منتهى العظم واللحم، ولا تقطعها والموضحة: وهي التي توضح العظم والهاشمة : وهي التي تهشم العظم والمنقلة : وهي التي (تنقل)  قطع العظم عن أماكنها والمأمومة : وتسمى الآمّة، وهي التي تبلغ أم الرأس، ولا تخرق الخريطة والدامغة : وهي التي تخرق الخريطة، وتصل إلى الدماغ، وهذه ليست من الجراحات، ولكنها مذففة قاتلة في الحال \rوالقصاص من جملة ذلك يتعلق بالموضحة قطعاً، ولا يتعلق بما تحتها قطعاً، فإن ما بعدها يكسر العظم أو يجيف، ولا يمكن ضبطهما \rوأما ما قبلها ففي المتلاحمة والباضعة قولان: أحدهما: النفي؛ إذ لا مرد للضبط إلا العظم، فقبل الانتهاء إليه لا ينضبط والثاني: أنه يتعلق بهما القصاص، فإن ضبط نسبة اللحم ممكن، وإذا كان مقدار لحم رأس المجني عليه في سُمْك شعيرتين، وقد قطع شعيرة قطعنا قدر شعيرة من رأس الجاني إن ساواه في سمك اللحم، وإن كان مقدار شعيرة، قطعنا نصف شعيرة رعاية للنسبة للقدر، ولو راعينا القدر انتهينا إلى الموضحة، وإنما يدرك قدر السمك بأن يكون على رأسهما موضحة جديدة لم تندمل \rوأما الحارصة والدامية، فلا قصاص فيهما؛ إذ لا يفوت بهما شيء، ولا ضبط لهما، فهما في معنى الضرب المؤلم، هذا  حكم الرأسِ ","part":1,"page":57},{"id":1853,"text":"والوجهُ في معنى الرأس في سائر هذه الجراحات في كل محل ينتهي إلى عظم كالجبهة، والخد، واللحيين ،وقصبة الأنف، فحكم القصاص ومقدار الأروش  كما اشتمل عليه صحيفة رسول الله صلى الله عليه وسلم مطرد في الوجه؛ لأنه مجمع  المحاسن، فهو  في معنى الرأس \rأما ما ينفذ إلى باطن الفم والأنف من اللحم، اختلفوا في أنه هل يجب فيها مقدر الجوائف منهم من لم يوجب، وقال: الجائفة يكثر أرشها بما يقدر لخطرها وعظم غورها، وباطن الفم والأنف ظاهر لا غور له ومنهم من قال: هي جائفة، ولا تنفك عن خطر في إفساد منافذ الأنفاس، وكشف الغلاصم ، وأغوار الجوائف متقاربة ، وقد اتفقوا على أن الجوائف لا قصاص فيها، وخرجوا القصاص في هذه الجائفة على الخلاف المذكور  والظاهر إيجاب القصاص؛ إذ الجائفة لا قصاص فيها ؛ إذ لا يمكن ضبط مقدارها، وهذا محسوس والقصاص لا يستدعي تقدر بدل المقطوع؛ إذ لا قصاص في الجائفة، وهي مقدرة الأرش، ويجب في الأصبع الزائدة مثلها ، وواجبها الحكومة، وطرد الشيخ أبو محمد الخلاف في ثقب الأجفان إذا نفذ إلى جرم العين \rفأما ما يقع على سائر البدن، قطع المراوزة بنفي القصاص بينها ، وبإيجاب الحكومة في جميعها، ونفي التقدير فيها، وخصصوا ما سبق من التقدير والقصاص بالوجه والرأس وقال العراقيون: كل جراحة تنتهي إلى العظم على سائر البدن يجب القصاص فيها، وغلِط من قال لا يجب هكذا قالوه، واحتجوا بإمكان الضبط بمردّ العظم ، وبما روي أنه رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان قطع أحدهما فخذ الآخر، وانتهى إلى عظمه، فاقتص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمجروح من الجارح \rوسلموا أن واجبها الحكومة دون التقدر، واقتصروا في المقدرات على المنصوص وعوّلوا في القصاص على إمكان المماثلة، وقربوا  ذلك من نص الشافعي رحمه الله على جريان القصاص في الأصبع الزائدة ","part":1,"page":58},{"id":1854,"text":"فإن قيل: ما قولكم فيما لو قطع بعض اليد أو بعض المارن والأذن\rقلنا: خرج صاحب التقريب قولاً من المتلاحمة في إجراء القصاص فيه، وتخريجه  في الأذن والمارن ظاهر، وإجراء القصاص فيه أولى من المتلاحمة؛ لأن (الغوص)  في اللحم بالمساحة بالشعيرة أمر عسير، وإنما هذا مضبوط، فهذه الرتبة أولى، وتليها المتلاحمة\rوأما بعض اليد (واقع)  في الرتبة الآخرة والأولى منع القصاص؛ لأن مفاصله مجمع (الأعصاب)  والعروق، وتركيبها في الظهور والانكمان ، والقرب والبعد مختلف، (ولذلك)  قد يصادف الفصّاد  الأكحل والقيفال  من العبل ، وقد لا يصادف من النحيف إلا الباسليق   وأما أجزاء لحم الرأس والمارن  والأذن فمتماثلة، فظهر  إجراء القصاص فيها \rوأما الأطراف  فالنظر في قطعها وإبطال مقاصدها أما القطع والإبانة فكل جزء أمكن ضبطه، فيتعلق القصاص بقطعه، فيجري من العظام في المفاصل، كمقاطع الأنامل، والكوع، والمرفق، والكعب، والركبة وكذلك في المنكب والفخذين إن أمكن استئصالها من ركنها  دون الإجافة، وإلا لم يجز؛ لأن وقوعها من الجاني من غير إجافة نادر، والغالب أنه يجيف، فيمتنع \rفإن أجاف الجاني في استيفاء المنكب والفخذ، وقال أهل الخبرة: أن يقطع بحيث لا تزيد الإجافة على ما حصل من الجناية، فالذي ذكره الأصحاب في الطرف، استيفاء القصاص؛ لأن الجائفة مقصودة هذا ما عللوا به، وهو ضعيف؛ لأنه إن كان له غور فلا يختلف بأن تكون مقصودة أو لا تكون مقصودة وإن عوّل على عدم الغور من حيث أن الحديدة لا تغوص في الباطن، وهو أولى ما يعلل به، لزم على مساقه إجراء القصاص في جائفة تحصل برفع الطبقات البادية من غير غوص حديدة في الباطن، ولا قائل بفرق الجوائف ، وعن هذا قطع الشيخ أبو محمد بمنع قصاص المنكب والفخذ إذا كان يجيف، وإنما ذكر الصيدلاني ذلك، وعلل بالتبعية ","part":1,"page":59},{"id":1855,"text":"وكما جرى القصاص في المفاصل فيجري في الجروم  التي تبقي دلالة القاطع، كما إذا قطع فلقة من المارن، والأذن، والأنثيين، والذكر، والأجفان، والشفتين، والشفرين \rوفي العجزين وجهان: من حيث أن التفاوت في الصغر والكبر قد يمنع من رعاية المساواة في المقدار \rثم إذا قطع طرفاً من الأذن (أو)  الذكر مثلاً، لم ترع المساحة، وإنما ترعى النسبة، فإن كان المقطوع نصفأً، قطعنا من الجاني النصف، وإن زاد عليه فكمثل ولو قطع فلقة  من الفخذ فلا قصاص؛ لأنه لا ضبط؛ بخلاف اللحوم المنقطعة الجوانب التي يطيف الهواء بها \rفأما العظام فلا قصاص في كسرها؛ لأنها لا تنضبط في الكسر، ولو  كسر ساعده، فله أن يقطع من الكوع، ويأخذ حكومة الساعد، وكذلك لو كسر عضده قطع من المرفق، وأخذ حكومة العضد وكذا لو هشم رأسه، أوضح وأخذ [أرش]  الباقي \rولو كان على يد الجاني أصبع زائدة، وقد قطع كوعه، فله التقاط أصابعه، وأخذ حكومة الكف \rوأبو حنيفة يسقط القصاص في هذه الصور؛ لأنه تعذر الواجب، وهذا عدول عن الواجب إلى غيره \rويعضد مذهبه أنه لو قطع المرفق، فقال: أقطع الكوع، وآخذ أرش الساعد، لم يكن له ذلك وكذلك لو قال: أقتصر عليه، (فينزل)  منزلة  ما لو استحق النفس، فقال: أقتصر على الطرف  ولكن الشافعي احتمل ذلك عند العسر حذاراً من إلغاء  أصل القصاص\rولو قطع من العضد، وأمكنه قطع المرفق، فقال: أنزل إلى الكوع، وأقتصر عليه، جاز ذلك؛ فإن العدول لا بد منه، وهذه مسامحة محضة فإن قال: أطلب مع ذلك أرش الساعد، لم يلزمه  هذا حكم الأجسام","part":1,"page":60},{"id":1856,"text":"فأما المعاني، فلا يتصور  تناولها بالمباشرة، وإنما تزول  بالجرح وسرايته  وقد نص الشافعي رحمه الله على أنه إذا أوضح رأسه، فأذهب ضوء عينه يلزمه القصاص، فيوضح رأسه، فإن ذهب به ضوء عينه فذاك، وإن لم يذهب ضوء عينه، وأمكن إزالة ضوء العين مع بقاء الحدقة فعلنا ذلك  وهذا إيجاب قصاص بالسراية، وقد نص على أنه لو قطع أصبعه، فتأكلت يده إلى الكوع، فلا قصاص إلا في الأصبع \rومعظم الأصحاب على تقرير النصين، والفرق بأن البصر لطيفة تقصد غالباً بالسراية كالروح؛ بخلاف الأجرام، وألحقوا به السمع وتردد الشيخ أبو علي في البطش، وترددوا أيضاً في العقل مع لطفه؛ لكن لبعده عن التناول بالسراية ومن الأصحاب من طرد في اللطائف والأجرام قولين كما سبق نقلاً وتخريجاً \rالتفريع: إن قلنا لا يجري االقصاص في الأجرام بالسراية، فهل يتأدى القصاص منها بالسراية فيه قولان وصورته: أن يقطع مستحق اليد أصبعاً، فتأكلت  جميع اليد، فلا يكون مستوفياً تمام حقه بالسراية؛ بخلاف الروح، فإنها لما تأدى القصاص منها بالسراية، ضمن القصاص بالسراية، والمعنيّ به: أن مستحق القصاص في النفس إذا كان الجاني قطع الطرف قطعاً سارياً، فإذا قطع وسرى، وقع قصاصاً مقابلاً، وههنا لا يجب القصاص به، فلا يتأدى به والثاني: وهو الصحيح، أنه يتأدى به القصاص؛ إذ يستحيل  إهداره، وقد تأدى بقطع الأصبع، وحصل سقوط اليد مضافاً إليه \rولا ينبغي أن يؤخذ هذا من القصاص؛ فإن الأصل أن سراية القصاص لا تهدر، وإنما نهدرها لضرورة من حيث أنها تولدت من غير مضمون، والأصل أن للسراية حكم الأصل؛ بل نزيد  على هذا، فنقطع بأن  مستحق القصاص لو أخطأ (فرمى)  إلى من عليه القصاص فمات، وقع قصاصاً، وإن كان لا يتعلق به القصاص ابتداءً ","part":1,"page":61},{"id":1857,"text":"وكذلك لو ضربه بسوط لا يجب القصاص بمثله؛ إذ يبعد أن يقال: فات الروح فواتاً مضافاً إليه فيهدر، أو يقابل بالضمان، ولا يقابل (بحقه)  المستحق في نفس الروح حتى يسقط ضمانه عن التركة  وفي كلام الأصحاب إشارة إلى منع إهداره \rالتفريع : على القول الأول، ويعتضد هذا القول الصحيح بما نصّ الشافعي : من أنه لو أوضح رأسه، فتمعط  شعره، وزال ضوء عينه، فأوضحنا رأسه، فلم ينبت شعره، وزال ضوء عينه، فقد استوفى كمال حقه، وإن لم تسر الموضحة أصلاً، فله دية العينين وحكومة الشعر \rوفي هذا دليل على أن اللطائف لا يجب [أصلاً]  القصاص فيها بالسراية؛ إذ قال: يرجع إلى دية العينين، (ودليل)  على أنه يتأدى بالسراية، فإنه جعله عند حصول السراية مستوفياً كمال حقه ومن الأصحاب من غلط المزني في هذا النقل وحمل هذا على خبط في الكلام \rفإن قيل: إن كان ينقدح تأدي القصاص بالسراية تجعلون  القصاص فيه، والشعر لا قصاص فيه يتأدى بالسراية قلنا: الذي تحصّل من نصوص الشافعي: أن ما لا قصاص فيه أصلاً لا يتأدى بفعل لا قصاص فيه  يجارى عليها ولا يقاربه ، وما يضمن بالقصاص بالسراية، فيتأدى قصاصه بالسراية كالروح واللطائف على قول، وما لا يضمن بالقصاص أصلاً هل يتأدى بسراية فعل مستحق بجهة القصاص، ويتعلق القصاص بحقه كالموضحة التي فرضها الشافعي في حصول سقوط  الشعر به  في هذا قولان، وفي ذكر هذه المراتب تنبيه على التوجيه به\r\rالفصل الثاني: في المماثلة المرعية، والتفاوت المانع من إجراء القصاص\r\rوالتفاوت يفرض في القدر والمحل، وضعف المعنى وقوته، ووجود المعنى وعدمه","part":1,"page":62},{"id":1858,"text":"أما التفاوت في القدر فمحذور في اتساع الموضحة وتضايقها، وغير محذور في صغير الأطراف وكبيرها؛ إلا في الأصبع الزائدة إذا قابلناها بمثلها، ففيه وجهان: منهم من (راعى)  التساوي في الصغر والكبر ؛ إذ ليس له اسم مخصوص، فيعول على صورة التماثل، فأما اليد والخنصر، فهذه المسميات متكاملة، وإن تفاوتت أقدارها \rوأما الموضحة ، فيرعى فيها المساحة بالنسبة على قدر الشعيرة كما سبق فإن بقي تفاوت في كثافة اللحم، فهو كالصغر والكبر وحكي عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: يعتبر التساوي في العمق ، وهو غلط ويعتبر الاسم أيضاً وهو اسم الموضحة، ونعني به ما ينتهي إلى العظم، لا ما (يتضح)  للناظر، فلو غرز إبرة، فانتهى إلى العظم، فهي موضحة يتعلق بها كمال الأرش، فإنه ظهر للجارح، وإن لم يظهر للناظر، ولا يزيد أرش الموضحة بزيادته، والتماثل في المحل أيضاً معتبر، فإذا أوضح ناصيته أوضحنا ناصية الجاني، ولم نعدل إلى القذال  والهامة وسائر جوانب الرأس \rفأما إذا استوعب رأسه بالإيضاح، وكان رأس الشاجّ أصغر، استوعبنا رأسه، وضممنا إليه قسطاً من الأرش معه، فإن كان رأسه ثلثا (رأسه)  استوعبنا، وضممنا إليه ثلث الأرش \rفروع: أحدها: لو كان رأس الشاجّ أكبر، لم يستوعب؛ بل يقتصر على مثل ذلك القدر من رأسه، ولم ينزل اتساع الموضحة منزلة كبر  الأعضاء؛ بل ينزل منزلة كثرة الأصابع؛ فإن لكل جزء اسم موضحة يجب فيه كمال الأرش لو انفرد، ولكن النظر في أنه من أي جانب يوضح فيه ثلاثة أوجه والظاهر أنه يتخير المستحق والوجه الثاني: أنه يتخير الجاني في التوفية من أي جانب أراد والثالث: أنه يبدأ من حيث ابتدأ الجاني، ويذهب في صوبه إلى استكمال قدر جنايته ","part":1,"page":63},{"id":1859,"text":"الثاني: لو استوعب ناصيته، ورأس الشاجّ أصغر، استوعبنا ناصيته، وكملناه بما حوى إليه؛ بخلاف ما لو كان رأسه أصغر وقد استوعب الجميع فإنا لا نكمل بالجبهة، وما حوالي الرأس؛ لأن الاسم  والحكم قد تبدل ، وفيه وجه اختاره القاضي، أنا نقتصر، ونضم قسطاً من الأرش؛ لأن كل جزء يتعين محلاًّ، فلا يتعدى كالرأس \rالثالث: [لو]  استحق قدر أنملة من الموضحة، فزاد غرم الزيادة، وفي قدرها وجهان: أحدهما: أنه قسط من الأرش؛ فإن الكل موضحة زائدة،  وقد وجب بعضها ، فيحط بحصته والثاني أنه يجب للباقي أرش كامل؛ لأنه وإن اتحد الجارح والجرح، فقد تعدد الحكم، فصار كتعدد الجاني، وعليه استقرّ رأي القفال ؛ إذ لا خلاف أنه لو وقع ابتداء الجرح خطأ، فلما علم الجاني به استمر وزاد، فيجب القصاص، والزائد يفرد  بحكمه، وإن اتحد الجرح والجارح تغاير الحكم \rالرابع: لو استحق موضحة ، فأراد أن يقتصر على بعضها ، ويأخذ للباقي قسطاً من الأرش، ففيه وجهان: أحدهما: الجواز كما لو استحق أصبعين والثاني: المنع؛ لأن المستحق ههنا واحد (اسماً)  وحكماً، فلا سبيل إلى التجزئة أصلاً \rالخامس: لو تحامل جماعة على حديدة وأوضحوا رأسه على حد الشركة، فيحتمل أن يوضح من رأس كل واحد ذلك القدر كما في الشركة في الأطراف، ويحتمل أن يوزع عليهم، ويؤاخذ كل واحد بحصته؛ بخلاف الروح، فإنه لا يتجزأ، وبخلاف الطرف، فإن قطع بعضه ليس بإبانة، وقطع البعض ههنا موضحة اسماً وحكماً، ولا ننظر إلى ملاقاة جنايتهم جميع المواضع؛ [إذ ذلك يجري في الشركة في إتلاف المال ثم إذا آل الأمر إلى الغرم، يوزع؛ لإمكان التوزيع] ، ثم يتصدى نظر في تعيين المحل، فيحتمل تخيير المستحق أو المستحق [عليه]  كما سبق وكذلك هذا الاحتمال جارٍ في تعدد الأرش عليهم لتعددهم، أو في اتحاده وتقسيطه ؛ لاتحاد  الجراحة وإمكان التوزيع ","part":1,"page":64},{"id":1860,"text":"التفاوت الثاني: هو تفاوت المعاني، وفيه مسائل:\rإحداها: الشلل، فاليد الشلاء  لا تستوفى بها الصحيحة، وإن رضي بها صاحبها، كما لايستوفى الحر بالعبد وإن رضي والشلاء تستوفى بالصحيحة إن  قنع بها المستحق، وليس  له طلب الأرش معها ، كما ليس للمشتري أرش العيب الحادث قبل القبض إذا أخذ المبيع \rوالشلاء تقابل بالشلاء إلا إذا اختلفا في الشلل كما تستوفى الأصبع الزائدة بمثلها إلا إذا اختلفا في المحل، كاليدين المتفاوتين في البطش كيد الشيخ والشاب والصبي، وكذلك القول في ذكر الصبي ولسانه بذكر الشاب [ولسانه] ، فإن القصاص جار في كل ذلك نظراً إلى أصل المعنى \rفإن قيل: وما الشلل قلنا: نريد به سقوط العمل بالكلية، ولا يشترط على الظاهر سقوط الحس  \rوشبب الشيخ أبو محمد باعتباره ، وليس بصحيح؛ فإن الشلل قد يزول، وليست الشلاء ميتة ، ولو ماتت لتعفنت وأنتنت ، فالمراد بانتفاء الحركة عنها: ألا يحركها بتحريك  الساعد \rفإن قيل: فلا يعقل مع ما ذكرتموه تفاوت الشلل، وقد أثبتم له حكماً قلنا: المراد به التفاوت في النضارة والذبول، والاستحسان وحسن المنظر؛ فإن ذلك إن  لم يعتبر في الأطراف، يعتبر في هذه اليد؛ لأنها  تؤثر في تفاوت الحكومة، وتتفاوت به النسبة إلى الجملة، ويناط  القصاص في الأطراف بالنسبة  إلى الجملة  ولهذا المعنى نقول: إذا تساوى محل الأصبعين الزائدتين، واختلفا في الصورة اختلافاً يؤثر في [الحكومة فيؤثر في]  معنى القصاص قطعاً، ويرد اختلاف الأصحاب إلى اختلاف الصغر والكبر مع التساوي في الحكومة؛ فإنها من حيث كانت  زائدة اعتبر تماثلها من كل وجه؛ إذ الغالب أن الأصبع الزائدة لا حكومة لها، ونقصانها خير من بقائها، فيتجرد النظر إلى تفاوت الحجم ","part":1,"page":65},{"id":1861,"text":"فإن قيل: إذا كان نقصان البطش بآفة سماوية لا يمنع، فما قولكم [فيه]  إذا نقص بجناية، وقد أخذ أرشها قلنا: شبّب الشيخ أبو محمد بمنع القصاص، وإن كان  بآفة سماوية وهو بعيد؛ إذ نص الشافعي رحمه الله في الأنف المجذوم يدل على خلافه، ويلزم عليه الشيخ والصبي والشاب  والوجه القطع بالقصاص؛ إلا إذا كان يجناية، فيقطع بانتفاء القصاص وهذا كما أن ضعف المريض المشرف على الهلاك لم يعتبر في حق الضارب والجارح، ولو حصل مثل ذلك الضرب بجرح أو ضرب، اعتبر وأثبتت الشركة، فكذلك  ههنا ويظهر هذا في سقوط القصاص، ونقصان قدر من الدية لا محالة \rالمسألة الثانية: كما يقطع ذكر الشاب بالصبي والشيخ، فكذلك يقطع بذكر  الخصي والعِنِّين، وتكمل  فيهما الدية عند الشافعي رحمه الله \rوقال أبو حنيفة رحمه الله: لا تكمل الدية في ذكر الخصي ، وإذا قطع الذكر أولاً تكمل [فيه]  الدية عنده، ثم تجب الحكومة في أجراء الحديدة إلى تمام الأنثيين وإن بدأ بالأنثيين ففيهما الدية عنده، ثم تجب الحكومة في الذكر \rولا يقطع الذكر الأشل به عندنا  وشلل الذكر أن يخمد  بحيث لا ينبسط في الحر، ولا ينقبض  في البرد  ولسنا نعني به الانتشار؛ فإن ذلك يسقط بخلل في مادة الروح ، أو ضعف القلب أو الدماغ \rونحن لا نطلب مقاصد الأطراف التي هي طريق المنافع من (منافع)  (المعاني) ، ولذلك تقطع  أذن السميع بأذن الأصم، والأنف الصحيح بأنف  الأخشم ، ونمنع القصاص في جميع ذلك بالشلل، وشللها (بخروج)  الأعصاب الملفقة عن قبول التغايير \rفإن قيل: منفعة خروج البول [قائم] ، فهلا كان كنقصان منفعة البطش من اليد قلنا: لأن خروج البول يستدعي الثقبة دون الآلة، وهو يبقى بعد القطع، فليس ذلك منفعة مقصودة ولو افتقر البول إلى آلةٍ لخلق للنساء؛ للمشاركة  في الافتقار، فالغرض الأظهر منه تهيّؤه  للوقاع ","part":1,"page":66},{"id":1862,"text":"المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله: تقطع أنف الصحيح بأنف الأجذم ، والجذام علة تظهر [في]  سائر البدن، و (يغلب)  ظهوره في الوجه والأذن، فيحمرّ العضو أولاً، ثم يسودّ، ثم يتساقط شيئاً فشيئاً  ، فالقصاص جارٍ قبل التساقط، وإشرافه على التساقط لا يمنع القصاص، كإشراف المريض على الموت، فإنه حدث بآفة سماوية؛ إلا أن ينتهي إلى حد يعلم موته ومفارقة الحياة له، ولم يتفتت  بعدُ، وأخذ في التعفن [والنتن]  فلا قصاص، فإنه فوق الشلل وليس أنف المجذوم كالحدقة  العمياء، ولا كلسان  الأبكم؛ إذ لا تكمل الدية فيهما، وتكمل في هذا الأنف \rوكذا في أذن الأصم وذكر العنين؛ ولهذا تتعدد الدية بإبطال العضو مع المعنى الذي العضو طريق له   ولا يجب في قطع لسان الناطق، وحدقة الناظر إلا دية واحدة، فليعلم ذلك  وليس الجذام كالشلل، فإنه لا تبطل منفعة الأنف قبل القطع فلو سقط بعضه استوفي به أنف مثله وظنّ ظانّون أنه لا يستوفى؛ لاستحكام العلة، وهو فاسد؛ إلا أن تفارقة الحياة، ولا يخرّج أيضاً على إجراء  القصاص في بعض الطرف ؛ لأن المماثلة في الاستئصال ههنا، وهو ممكن \rالمسألة الرابعة: الأذن المثقوبة تقطع بها غير المثقوبة إذا لم تورث الثقبة شيناً، والأذن المخرومة، وقد قطعت منها فلقة، لا تستوفى بها الأذن الكاملة، وهل يقطع القدر الموازي له يخرّج على إجراء القصاص في بعض الطرف، ولا يكتفى أيضاً بالمخرومة في مقابلة الكاملة؛ بل يضم إليه أرش، وإن لم يكن قطع منه فلقة، وقال العراقيون: مجرد الخرم يمنع إجراء القصاص وهو بعيد من حيث أن المؤثر في الأطراف التفاوت في القدر والسلامة ولكن قطع العراقيون بما ذكرناه، وخصصوه بالأذن، ولاحظوا فيه معنى الجمال، ورأوه غالباً في الأذن؛ لخفاء منفعتها ويشهد له [أنا]  أمرنا باستشراف المنظر في الضحايا، ولم تكن الشرقاء  والخرقاء مجزئاً  فيه ","part":1,"page":67},{"id":1863,"text":"وقد قالوا: لو كانت أصابع المجني مخضرة أو متقرعة ، لم يمنع استيفاء اليد السليمة الأظفار؛ لظهور منفعة البطش، وسقوط أثر الجمال، وقالوا: لو كانت الأظفار مقلوعة لا تستوفى  ذات أظفار بها، وهذا أيضاً فيه بعد؛ لأن الجمال أظهر في الأظفار من المنافع، ويلزم عليه أن ينقص قدر من دية الأصبع بفقد الظفر، ولا قائل به \rالمسألة الخامسة: لو قطع أذن إنسان، وردها  إلى المقطع في حرارة الدم، فالتصقت ، فهذا إن تصور، لا يمنع استيفاء القصاص الواجب بالقطع، ولا أثر للالتحام، وهو يستحق القطع لنجاسته  والتفصيل فيه ما ذكرناه في جبر الكسر  بالعظم النجس في كتاب الصلاة \r(فإن)  قلنا: ما أبين من الأذن فهو طاهر، فالوجه القطع بأنه لا يستحق إزالته، ولا مبالاة بما يفرض من استتار دم بعد ظهوره؛ لأنه بعد الاستبطان لا يتعلق، فإزالته تكليف، ويحتمل أن يقال: هو بين الملصق والملصق به، والملصق جماد، فلا يثبت له  حكم الكمون، فيجب إزالته، فلو اقتلعه إنسان لا قصاص عليه  وإن قلنا: لا يستحق قلعه، فقلعه إنسان، وسرى إلى الروح، وجب القصاص في النفس، وكان يحتمل إسقاط القصاص لشبهة الخلاف في استحقاق الإزالة، ولا قائل به \rفأما إذا قطع الأذن إلا جلدة خفيفة أبقاها، فالمذهب أنا نقطع منه مثله، ونبقى مثل تيك الجلدة، وليس هذا كقطع البعض حتى يخرّج على  الخلاف؛ فإن الضبط ههنا ممكن، ولا وزن لما بقي  ولكن لو ردّ إلى المقطع (فالتحم) ، فلا يستحق القطع لبقاء الاتصال، ويحكم بطهارته  فلو التحم من المجني عليه، فهل يسقط القصاص فيه خلاف [سنذكره]  \rالمسألة السادسة: لا تقلع سن البالغ بسن الصبي غير المثغور والثغر  هو السقوط، والمثغور من أصابه السقوط وعاد سنه ؛ لأن القصاص جارٍ في إفساد المنبت، ولا يفسد المنبت من الصبي، فلا نقلعه من البالغ، فيتفاوتان في المعنى ","part":1,"page":68},{"id":1864,"text":"فلو كنا نتوقع العود، فلم يعد، وفسد منبته، ففي القصاص قولان: أحدهما: أنه يجب، وهو ظاهر والثاني: لا يجب؛ لأن أسنان الصبي في [الأصل]  في حكم فضلة زائدة، ليست أصلية في نفسها، ومجرد فساد المنبت لا يوجب القصاص ما لم ينضم إليه قلع أصليه \rفأما البالغ إذا عادت  سنه على ندور، فهل يسقط القصاص عن القالع بعودها  فقولان: أحدهما: لا يسقط كما لو اختمت  الموضحة، فلا خلاف أن القصاص والأرش لا يسقط به ، وهذا أولى؛ لأن هذه نعمة حديثة، والإيضاح  في اللحم الأصلي يقع على الرأس والثاني: أنه يسقط؛ لأن متعلق القصاص إفساد المنبت، ولم يفسد، وفي الموضحة المتعلق اسم الإيضاح، وقد وقع \rولو قطع فلقة من طول لسانه، فهذا يقال إنه يتصور عوده، ففيه طريقان: منهم من ألحق بالموضحة، ومنهم من ألحق بالسن، والالتحامُ في الأذن يجري هذا المجرى \rالتفريع: حيث نحكم بسقوط القصاص، ففائدته التأني ابتداءً في الاقتصاص إلى اليأس من العود واسترداد الدية إن كان قد أخذ، ولا يبقى إلا استحقاق (الأرش بقدر)  الألم والشين كما في الجراحات التي لا قصاص فيها، ولكن إنما يجب التأني فيما يعتاد عوده كسن الصبي، فأما ما يندر، فلا يجب التأني فيه؛ هذا هو الأظهر \rومنهم من قال بالتأني على هذا القول، فلو استوفينا على ظن أنه  لا يعود فعاد، وقلنا: يسقط القصاص بالعود، (تبين)  أن ما استوفيناه كان خطأً، فتجب الدية بسببه \rومن فوائده أن لو قطع ثانياً وجب القصاص به وإن قلنا: القصاص الأول، لا يسقط، فلا يتعلق به القصاص ثانياً، وهو في حكم زيادة \rولو بادر المجني فقلع، ثم عاد سنه، وحكمنا بسقوط القصاص، فلا تقلع سنه العائدة  قصاصاً؛ لتمكن الشبهة من قلعه؛ إذ كان له شبهة الاستحقاق بناءً على الظاهر، ولكن يطالب بالدية ","part":1,"page":69},{"id":1865,"text":"ولو عاد سن الجاني دون المجني عليه، فإن قلنا: لا يسقط القصاص بعوده، فلا أثر له، وإن قلنا يسقط، ففي قلعه ثانياً وثالثاً إلى إفساد المنبت وجهان: أحدهما: أنا نفعل ذلك للإفساد والثاني: أنا نجتزئ بالدية، ففي تكرير القلع إضرار، ويحط له أرش سنه المقلوع الذي لم يقع قصاصاً \rالتفاوت الثالث: التفاوت في القدر : وهو مانع من القصاص، وفيه مسائل:\rإحداها: أن التفاوت إذا كان نقصان أصبع عن حد الاعتدال، فإن كان في يد الجاني قطع باليد الكاملة، وضم إليه الأرش، ولا يجب على المجني عليه أن يقنع به؛ بخلاف اليد الشلاء، فإنه يقنع بها إن أراد؛ لأن ذلك (يرجع)  إلى صفة، وهذا إلى قدر \rوأبو حنيفة يجعل الأصابع أيضاً صفات في هذا المعنى \rفأما إذا كان في يد المجني عليه امتنع عليه قطع يد الجاني، ولكن  له أن يلقط أصابعه الأربع، ويطالب بحكومة الباقي، كما إذا قطع من العضد، فيقطع من المرفق ويأخذ حكومة العضد \rوأبو حنيفة يسقط القصاص أصلاً، ويمنع العدول إلى محل آخر، ولا خلاف أنه مع القدرة لو أراد الاكتفاء بقطع الكوع لم يُجَبْ إليه \rولو قطع من العضد، فاقتصر على الكوع فوجهان ذكرناهما، ولو أراد لقط الأصابع فهو ممنوع؛ لأن فيه تعديد  محل  الجراحة، وله أثر ظاهر \rالتفريع: لو بادر فقطع، فحيث منعنا، وقع ذلك على كمال حقه، وليس  له قطع المرفق لتعدد الجراحة، ولا له طلب حكومة الساعد؛ لأنه تركه مع القدرة، فأقام القطع من الكوع مقام القطع من المرفق باختياره، فكأنه استوفاه إذ (يعدّ من الحدّ)  ونزّل ذلك فيما ذكره القفال مثالاً منزلة الثيب، فإنها لا تستحق في القسم الأول إلا ثلاث ليالٍ لا يجب قضاؤها، فلو طلبت سبعاً أجيبت إليه، وقضى الكل للبواقي لعدولها عن محل الاستحقاق ","part":1,"page":70},{"id":1866,"text":"فأما إذا جوزنا له القطع من الكوع إجابةً له إلى التماسه، فله حكومة العضد، فإنه تركه مع العسر، وأما حكومة الساعد فوجهان  أحدهما السقوط؛ لأنه قنع بما أخذ لما أعرض عن المقدور والثاني: أنه يجب؛ لأنه لم يستوف، فصار كما لو عفى عن أصل القصاص، وأن يرجع إلى المال، وهذا عفو عن البعض \rفرع: لو كان على يد الجاني أصبعان شلاّوان من جملة الخمس، فلو قطع اليد، فيلزمه القناعة به، ولا أرش كالشلل في الجميع وإن قال: ألقط الأصابع الثلاث، فله ذلك، وتبقى له دية أصبعين \rفأما  حكومة الكف فالقدر الذي يقابل ما استوفى منه القصاص هل يسقط فعلى وجهين: أحدهما: أنه يسقط اندراجاً تحت القصاص كما تندرج حكومة الكف تحت دية الأصابع اتفاقاً والثاني: أنه لا يندرج؛ لأنه لا مجانسة، بخلاف الدية والحكومة \rفأما ما يقابل الأصبعين اللذين أخذ عنهما  الدية فيندرج وفيه وجه أنه لا يندرج، وإنما الاندراج عند الكمال بالاستتباع، والبعض ليس له قوة الاستتباع؛ وهو بعيد \rفأما إذا كان على يد المجني [عليه]  الأصبعان [الشلاوان] ، فليس له قطع يد الجاني، وله أن يلقط الأصابع الثلاث، وفي اندراج حكومة الكف فيما يقابله الخلاف، و (يأخذ)  حكومة الأصبعين، والمذهب: أنه لا تندرج حكومة الكف المقابل لهما  تحت حكومتهما؛ إذ الحكومة تابعة ، فليس لها  رتبة الاستقلال، وفيه وجه أنه يندرج \rفتنخّل منه أن  الدية تستتبع، وفي القصاص خلاف، وفي بعض الدية وجه بعيد أنه لا يستتبع، وفي الحكومة وجه بعيد أنه يستتبع\rولو فرض الشلل في أصبعين من يد الجاني والمجني عليه جميعاً، فلو استويا فلا خفاء بإجراء القصاص، ولو  لم تتقابل فلا تقابل خنصر ببنصر، ولا إبهام بسبابة، كما لا تقابل اليمنى باليسار ، ولا يخفى حكم التفريع في المقدور والمعجوز عنه \rالمسألة الثانية: إذا كان على يد الجاني أصبع زائدة  فلذلك ثلاث صور:","part":1,"page":71},{"id":1867,"text":"إحداها: أن تكون مائلة عن سنن الأصابع، فللمستحق لقط الأصابع الأصلية، وفي حكومة الكف الخلاف السابق وإن كان خارجاً من طرف أصبع، فلا يلقط ذلك الأصبع حذاراً من تفويته \rالثانية: أن تكون على سمت الأصابع  مساوية لها في الصورة، وقال أهل الصنعة: الطبيعة قسمت مادة أصابعه الخمس بستة أجزاء متساوية، فليس فيها زائدة وأصلية؛ بل الكل أصليات، فلا سبيل إلى قطع الكوع؛ لاختلاف صورة الست والخمس في المنظر واتفق الأصحاب على أن له لقط خمسة أصابع من جملتها على ولاء من أحد الطرفين، والتفاوت في الانقسام، لا يورث منعاً كتفاوت اليمين واليسار ، فإن المحل ههنا متحد \rثم لا يقنع  بالخمس؛ بل يرجع إلى سدس دية الأصابع، ويحط عن السدس بالاجتهاد شيئاً، فإن استوفاه خمسة أسداس في صورة خمس كوامل، فيحط للصورة شيئاً \rوفي أحوال القصاص احتمال من حيث أن تعيين أحد الطرفين [في القطع]  فيه عسر، وقد أثار ذلك اختلافاً، ولكن قطع الأصحاب بما نقلناه \rوعلى هذا، لو قطع صاحب الست أصبعاً من معتدل، قطعنا واحداً من أصابعه، وضممنا إليه ما بين السدس والخمس مع حط شيء بالاجتهاد  للصورة \rولو قطع المعتدل واحداً من هذه الستة لم تقطع أصبعه؛ بل التزم سدس دية الأصابع وزيادة  للصورة، فلو ابتدر المجني عليه وقطع أصبع المعتدل، فهذا كما لو ابتدر الأشل فقطع الصحيح، والصحيح أن ذلك لا يقع قصاصاً ","part":1,"page":72},{"id":1868,"text":"الصورة الثالثة: أن يقول أهل الصنعة: لم تقسم الطبيعة الأصل إلى ستة أصليات قطعاً، ولكن يحتمل ذلك، ويحتمل أن تكون زيادة مبهمة، فليس له لقط الأصابع ههنا؛ لأنا  نمنع استيفاء الزائدة بالأصلية؛ لتفاوت الجنس والمحل، كما نمنع استيفاء الأصلية بالزائدة فلو بادر والتقط خمساً، قلنا: استوفيت كمال حقك، ولا مزيد لك، ولعل الباقية هي الزائدة فإن قال: لِمَ لَمْ تستيقنوا  توفية حقي، فلعل في المقطوع زائدة قلنا: أبطلت حقك بالمخالفة والمبادرة، وليس لك إلا هذا، والنظر في حكومة الكف بعده \rفأما إذا كانت هذه الزيادات في يد المجني عليه، فيقطع بها اليد المعتدلة، ويضم إليه أرشاً، ولا خفاء به \rالمسألة الثالثة: إذا كان في يد الجاني أصبع تشتمل على أربع أنامل، فله صورتان:\rإحداهما: أن لا يزيد الطول، وقد قسمت الطبيعة الأصبع أربع مفاصل، فنقول: إن قطع صاحبها من تيك  الأصبع من المعتدل أنملة، قطعنا أنملته، وألزمناه من الأرش ما بين الربع والثلث وإن (قطع)  أنملتين قطعنا أنملتيه وألزمناه ما بين النصف والثلثين، وإن قطع الأصبع قطعنا أصبعه، فإن  أربعة [أرباع]  تساوي ثلاثة أثلاث وليس هذا كانقسام الأصابع ستًّا، فإن ذلك يورث تفاوتاً في الصورة، وهذا في الصورة لم يزد طوله ولا نظر إلى عدد المفاصل \rولو كان هذا في يد المجني، فالمعتدل إذا قطع واحدة لم تقطع أنملته؛ بل يلزمه ربع الدية فإن قطع ثنين قطعت واحدة من المعتدل، ولزم ما بين الثلث والنصف، فإن قطع ثلاثاً قطع منه ثنتين، وألزم ما بين الثلثين وثلاثة أرباع، وإن قطع الكل قطع منه الكل واكتفى ولا مزيد \rالصورة الثانية: أن يزيد الطول، فإن (تعيبت)  العليا بالذبول والاستحشاف  للزيادة، فحكمها حكم  أنملة زائدة، ولا تستوفى بها معتدلة، وتستوفى بالمعتدلة مع أرش الزيادة ","part":1,"page":73},{"id":1869,"text":"وأما إذا طال بقدره، ولم يتبين ذبول ولا زيادة، فهذا كانقسام الأصابع ستة أقسام، ففي أنملة ربع أصبع وزيادة صورة، وكذلك [في]  حكم القصاص، ولا يستوفى جميعها بأصبع معتدلة، وتستوفى ثلاثة أنامل منها بأصبع، ويضم إليه ربع أرش الأصبع مع نقصان شيء للصورة على ما سبق من غير فصل \rالمسألة الرابعة: إذا كانت الأنامل ثلاثاً، ولكن قصرت  الأصبع قصوراً ظاهراً أو طالت طولاً بيّناً، فلا أثر له، وهو [في]  معنى الكبر والصغر في الأطراف ،\rفأما إذا كان لأصبع أنملتان فقط، وهو على طول الأصابع: انقدح أن يقال هو أصبع كامل قسمته القوة المدبرة بإذن الله قسمين، فكانت كل أصبع مربعة الأنامل مساوية في القدّ  والقدر؛ لسائر الأصابع، وقد سبق حكمه، وموجبه أنه يجب في أنملة نصف الدية \rوأبو حنيفة لما اعتقد للإبهام أنملتين أوجب في كل أنملة نصف الدية \rويحتمل في هذه الصورة أن يقال: هو نقصان أنملة، وذلك لا نقل فيه، ويحتمل في الأصبع المربعة أن لا تستوفى بالمثلثة، وأشار الفوراني فيه إلى خلاف ذلك، وناقض إذ قطع بأن في كل أنملة ربع الدية من غير نقصان \rالمسألة الخامسة: إذا كان على رأس أصبع أنملتان: إن كانت إحداهما منحرفة زائدة، فلا يخفى حكمها، وإن كانتا عاملتين متساويتين، فهي كالأصابع الست الأصلية لا كالأنامل الأربع؛ لأن الصورة تعددت ههنا، فيثبت للصورة أرشاً، ويتصدى أمر في تخيير من قطعت أنملته، فإنه يستحق إحداهما [لا]  بعينها ، والخيرة إليه؛ إذ ليس إحداهما أولى من الأخرى، وعلى هذا يقاس قدمان على ساق، وكفان على ساعد \rوالزيادة على هذا في الإطناب في النوادر برودة، ففيما ذكرناه ما ينبه على غيره إن اتفق","part":1,"page":74},{"id":1870,"text":"المسألة السادسة: إذا قطع الأنملة العليا من إنسان والوسطى من آخر لا عليا له، وجب القصاص عليه، ولكن ليس لصاحب الوسطى الطلب قبل استيفاء العليا للثاني، فإذا استوفى الأول قطعنا الوسطى، فلو عفى الأول تعذر قصاص الثاني، فإنه ليس يمكن إفراد  حقه بالاستيفاء، ولا يمكن  استيفاء الزيادة \rولو قطع الوسطى أولاً ممن لا عليا له، ولم يقطع العليا، تردد القفال في الحكم بالوجوب مع المنع من الاستيفاء، وتظهر فائدته فيما لو سقطت العليا بآفة سماوية، [فقال] : يحتمل أن يقال: سقط في الحال فلا عود، ويحتمل أن يقال وجب ، وإنما هذا مانع، فإذا ارتفع استوفى، ولعله الأولى \rأما  إذا كانت اليد المقطوعة شلاء، ويد القاطع صحيحة، ثم شلت، تردد فيه الشيخ أبو محمد، ثم رجع وقطع بأنه لا وجوب؛ لأن هذا تفاوت في الصفة والكمال، فدفع الوجوب، ونزل منزلة الذمي يقتل رقيقاً، ثم يلتحق  بدار الحرب، ويسترق، فلا قصاص \rبخلاف الأنملة، فإنها مساوية ، والعليا حائلة ، فنزل منزلة  حمل المرأة، فإنه يمنع من الاستيفاء للحال، وهذا التردد فيه إذ لم يستحق عليه العليا من قبل، فلو كان قد استحق، فهي في حكم المقطوعة، فنطلق القول بالوجوب، ولكن لا يجب الاستيفاء، فلو طلب الأرش للحال للحيلولة، فهذا يبتني  على أن القصاص، هل يؤخذ عنه المال عند الحيلولة \rوللنظر فيه مراتب\rالأولى: ولي المجنون: نص الشافعي رحمه الله أن لا يستوفى قصاصه، ويأخذ الدية إن أرادها  في الحال؛ لأن الجنون لا منتهى له، ولا سبيل إلى التعطيل في الحال، ولا سبيل إلى القتل \rالمرتبة الثانية: الصبي: وله أمد (ينتظر) ، فالمذهب أنه لا يطالب  الولي؛ لأن له مرد منتظر ومن الأصحاب من ذكر وجهاً أنه يطالب، ومنهم من ذكر في الجنون تخريجاً أنه لا يطالب ","part":1,"page":75},{"id":1871,"text":"المرتبة الثالثة: الحامل لا تقتل في الحال، قال الصيدلاني: فيه احتمال من حيث أن له أمداً، فهو كالصبي، وأولى بأن لا يطالب في الحال؛ لقرب أمده \rرجعنا إلى مسألتنا، فإن كانت العليا مستحقة، فالظاهر أنه يطلب القصاص، ولكن ليس له أمد، والترقب فيه غير بعيد، فهو كالحامل والصبي، وإن عفى أو ما يستحق أصلاً، وقلنا: يستحق بسقوطه بآفة سماوية، فترقبه كترقب زوال الجنون، فإنه لا مردّ له، وقد طرد الأصحاب في الأنملة (ما)  في [الأصبع من]  الخلاف، فقالوا: هل له طلب المال فعلى وجهين \rوإن أخذ المال (فسلمت)  الوسطى باستيفاء العليا، هل يعود حقه من القصاص على وجهين كالوجهين في العيب [الحادث]  المانع من الرد بالعيب القديم إذا زال، أنه هل يعود الحق \rوإقدامه على مجرد أخذ المال في القصاص هل يجعل عفواً فعلى وجهين ومنشأ الكل ما ذكرناه من أن الحيلولة في القصاص هل تقتضي ضماناً فإن قلنا: لا تقتضيه، فأخذه عفوٌ مسقط، وإن قلنا: تقتضيه فلا \rهذا تمام الكلام في الجناية الموجبة للقصاص فيما دون النفس، وفيما يوجب في النفس إذا جرى كل واحد منفرداً، فلو جمع بينهما، فقطع ثم قتل، فيقطع ثم يقتل، ولا يندرج قصاص الأطراف تحت قصاص النفس؛ بل يستوفى بطريق المماثلة وأما الدية، فهل تندرج لا خلاف في الاندراج إذا مات بسراية القطع، وإن حزّ رقبته بعد القطع، المنصوصُ الاندراج  وفيه تخريج ابن سريج، وعليه تفريعات، فنرى تأخيرها  إلى كتاب الديات أولى والله أعلم وقد تم النظر في الموجب\rفروع تتعلق بالمنازعة والخصومة:\rالأول: إذا جنى على ملفوف في ثوب، وقال: كان ميتاً، وقال الوارث: بل كان حيًّا، فقتلته، فقولان: أحدهما: القول قول الجاني؛ إذ الأصل براءة ذمته، وعدم تفويت الحياة والثاني: القول قول الوارث؛ لأن الأصل استمرار  الحياة ومنهم من فرق بين أن يكون اللفاف على صورة الكفن، أو لا يكون، وهو ضعيف ","part":1,"page":76},{"id":1872,"text":"الثاني: إذا قطع الجاني الكوع، وقال: لم تكن له أصبع أصلاً، فظاهر المذهب أن المصدق هو الجاني؛ إذ الأصل براءة ذمته، وأنه لم يفوت الأصبع، ومنهم من ذكر قولاً: أن المصدق هو المجني عليه؛ لأن الأصل سلامة الأعضاء، وهو ظاهر الحال وعليه يبنى خيار الرؤية (في فقد)  الأعضاء من أصلها في البيع وهذا ضعيف، ولا يناسب مأخذ شغل الذمة مأخذ البيع \rفأما إذا سلّم وجودَ العضو وسلامتَه، ولكن قال: قطعنا بعد طريان الشلل، ففيه قولان كما في مسألة الملفوف  هذا في الأعضاء الظاهرة\rفأما في الباطنة، منهم من طرد القولين، ومنهم من قطع بتصديق المجني عليه؛ لأن إقامة البينة على سلامتها عسير، وعليه يدل نص الشافعي رحمه الله إذ قال: ولو قال الجاني: جنيت عليه وهو موجوء، فالقول قول المجني عليه؛ لأن هذا يغيب عن أبصار الناس \rوالموجوء: هو المرضوض، والوجاء في الأنثيين: رضهما  ، وله قال صلى الله عليه وسلم: ((فإن الصوم له وجاء))  وحد الأعضاء الباطنة ما يجب ستره شرعاً على رأي، وما تقتضي المروءة ستره على رأي، وهو الأصح \rوحاصل المذكور أربعة أقوال، قولان في النفي والإثبات مطلقاً، وقول في الفرق بين الأعضاء الظاهرة والباطنة\rالثالث: إذا قطع يدي رجل ورجليه فمات بعد مدة، وقال  الجاني: مات بجرحي، والواجب دية واحدة بالتداخل، وقال الوارث: مات حتف أنفه بعد الاندمال، والواجب ديتان، فإن عُرِف بقرب الزمان (أو)  طولِهِ كذبُ أحدِهِما، فهو مكذَّب، وإن أمكن صدقهما، فإن كان الظاهر الاندمال، صدِّق الوارث؛ إذ جرى ما يوجب التعدد ظاهراً، والجاني يدعي التداخل بالسراية على خلاف الظاهر، وإن ظهر بعد الاندمال بقرب الزمان، فالجاني مصدق؛ لأن  الموت قد تحقق قريباً، فالأمر في تعدد الأروش كان موقوفاً على الاندمال، ولم يظهر ","part":1,"page":77},{"id":1873,"text":"فأما إذا لم يدّع الوارث الاندمال، ولكن ادعى موته بسبب مهلك مذفف  سوى  الجرح، حيث لا يستيقن الاندمال ، قال صاحب التقريب: يحتمل أن يقال: الوارث مصدّق  لأن ما ادّعاه ممكن، والأصل التعدد، فيضاهي تصديق المودع إذا ادعى سبباً ممكناً ويحتمل أن يطالب بالبينة؛ لأن التعدد موقوف على الآخر تحقيقاً [ولم يتحقق]  ، قال الصيدلاني: ما ذكره صاحب التقريب فيه إذا عين سبباً حيث لا يحتمل الاندمال لقرب الزمان، فأما إذا لم يعين سبباً للهلاك، ولكن قال: لم يمت بالجراح، فيحتمل أن يكون مضمن الدعوى الاندمال، فلا يصدّق إذا لم يكن الاندمال محتملاً، وإعراضه عن ذكر السبب دليل عليه، وفحوى كلامه يدل على أنه إذا لم يعين السبب حيث يحتمل الاندمال يصدّق ، وفيه نظر؛ إذ مهما قلنا يفتقر في إثبات السبب إلى البينة على رأي صاحب التقريب، ألزمناه ذكر السبب؛ فإن قول (الشهود)  عليه: لم يمت بهذا السبب، غير كافٍ ما لم يعينوا سبباً آخر \rفأما إذا انعكس الخلاف، فقال الجاني: لم يمت بالسراية، فليس علي قصاص في النفس، وقال الوارث: مات بالسراية، فإن كان الجاني يدعي الاندمال، فيصدّق حيث يحتمل الاندمال وإن لم يظهر؛ لأن القصاص يسقط بالشبهة؛ بخلاف الدية ولأن تعدد الدية ظهر بتعدد القتل، ووجوب القصاص يظهر عند الموت بالسراية \rهذا إذا لم يتعارض الاحتمال، فلو كان جانب الوارث هو الظاهر، فيظهر ههنا مطالبة الجاني بالبينة والاعتضاد بأن  الأصل سريان الجراحة \rولو ادعى الجاني سبباً، ففيه الاحتمال الذي ذكره صاحب التقريب وتصرُّف الصيدلاني، وحيث لم يصدق مدعي السراية، فلو أقام بينة على أن المجني عليه لم يزل [ضمناً ]  زمناً حتى مات، فيلحق هذا بما لو ظهر الأمر بطول الزمان، فإن هذا القدر لا يفيد إلا ظهوراً ","part":1,"page":78},{"id":1874,"text":"الرابع: إذا شج رأس إنسان موضحتين، ثم رأينا الحاجز مرتفعاً، فقال الجاني تأكلت سراية جراحتي، وليس علي إلا أرش واحد، وقال المجني عليه: بل أنا رفعته، وعليك أرشان، فهذا يلتحق بما لو ادعى الوارث في محاولة تعدد الدية سبباً معيناً، ففيه تردد صاحب التقريب \rولو قال كل واحد: أنا رفعته، فقد ذكر كل واحد سبباً معيناً، فيجب تصديق المجني عليه للتعارض في ذكر السبب مع الاتفاق على التعدد في الأصل \rولو توافقا على أن الجاني هو الذي رفع الحاجز، ولكن ادعى المجني رفعه بعد الاندمال، (لتجب)  ثلاثة أروش، وقال الجاني: بل هو قبل الاندمال، فيردّ إلى ما سبق من طول الزمان وقصره، وظهور الاندمال وبُعْدِهِ، فإن جعلنا القول قول المجني عليه في صوره، وأثبتنا الأرشين، ففي إثبات الأرش الثالث وجهان: أحدهما: أن المصدق فيه الجاني؛ لأنه ينكر كونه (ملزماً)  في الأصل، وهو الذي ذكره الصيدلاني والثاني: أنه يثبت؛ لأن الاندمال ثبت بيمين المشجوج، والرفع باعتراف الشاج، فمن ضرورة ثبوت الشجتين ثبوت الثالثة \rولو قال: ما (رفعت) ، ولكن ارتفع بالسراية، فلا تثبت الثالثة؛ لأنه ما اعترف بالجناية  أصلاً \rالخامس: لو قال:  كنت مجنوناً عند الجناية، فلا قصاص عليّ، فهذا قد ذكرنا نظيره في دفع حد القذف، وذكرنا التفصيل في أن (يعهد جنونه)  قبل ذلك، (أولا يعهد) ، فلا (نُعِِِِد)   والله أعلم ثم النظر في الموجب\r\rالفن الثاني: الكلام في حكم القصاص الواجب:\rوإذا وجب القصاص بجريان موجبه، فله عاقبتان: الاستيفاء والعفو، فنعقد في كل واحد باباً\rالباب الأول: في الاستيفاء\rوالنظر فيمن له ولاية الاستيفاء، وفي المماثلة في الاستيفاء، وفي وقته، فنعقد [في]  كل واحد فصلاً:\rالفصل الأول: فيمن له ولاية الاستيفاء\rوالنظر في اطراف:","part":1,"page":79},{"id":1875,"text":"الطرف الأول: إذا كان القتيل واحداً فالقصاص موروث عندنا، كالدية، منصوص  على فرائض الله تعالى يثبت للزوج والزوجة، والمجنون والصغير \rثم للورثة ثلاثة أحوال:\rإحداها: أن يكونوا صغاراً أو غائبين، أو لم يخلف القتيل إلا ولداً واحداً غير مكلف، فلا يستوفى الولي قصاصه عندنا؛ لأن تشفي الغيظ لا يندرج تحت ولاية الولاة، وهو كالطلاق  وهل يطلب المال ذكرنا أن الظاهر في المجنون طلب المال في الحال، وفي الصبي وجه أيضاً فلا نعيده  \rثم من عليه القصاص لا يخلّى؛ بل يحبس ولا يبالى بتبرمه، فإنه مستحق الإهلاك، والحياةُ مع الحبس أطيب من الموت، وكذلك إذا كان في الورثة غائب أو صغير، حبس إلى وقت التمكن \rفرع: لو بادر الصبي والمجنون وقتل، فهل يقع قصاصاً فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يقع؛ إذ لا عبرة بفعله، فعلى هذا تتعلق الدية بماله إن جعلنا له عمداً، أو  على  عاقلته، وقد ينتهي إلى التقاصّ إذا وجب في ماله، وإنما تجب الدية بفعل المجنون عليه أو [على]  عاقلته إذا لم يمكن المجني عليه، فلو أخرج يده، فهو المضيع، ولا عهدة على المجنون والوجه الثاني: أنه يقع قصاصاً؛ لأن حقه محصور في العين، وقد استوفاه، وإهداره ممتنع وتأدية حقه [به]  أولى من إيجاب الضمان \rالحالة الثانية: أن يكون فيهم صغار ومجانين، فينتظرون كما ينتظر الغيّب  خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله \rالحالة الثالثة: أن يكونوا بالغين مكلفين، [فإن غاب واحد، نُظِرَ] ، فإن اجتمعوا، وبنوا على واحد تعاطاه، وإن تشاحّوا أقرع بينهم، فيتعاطى من تخرج له القرعة، فلو منعه الآخر عن أصل استيفاء القصاص، امتنع عليه \rولو أرادوا الإقدام، ولكن لم يرضوا باستيفائه فوجهان: أحدهما: أنه لا مبالاة برضاهم؛ لتكون للقرعة فائدة والثاني: أنه يمتنع كما لو منعوه عن أصل الاستيفاء، والانفراد بالاستيفاء عندنا [غير]  جائز ","part":1,"page":80},{"id":1876,"text":"ولو كان فيهم من يعجز عن الاستيفاء بنفسه، ففي إدخاله في القرعة ليستبد  بالاستنابة وجهان \rفرع: لو بادر واحد  قبل التراضي والقرعة فاستوفى، ففيه قولان: نص الشافعي رحمه الله عليهما: أحدهما: [أنه]  يجب  القصاص؛ إذ ليس له الاستيفاء، فلم يقع شيء منه عن حقه، والثاني: أنه لا يجب؛ لعلتين:\rإحداهما: أنه شريك في الاستحقاق، (فكان)  ممنوعاً لعسر التجزئ، فالآن إذا استوفى وقع نصيبه قصاصاً، وانتهض شركته فيه شبهة دارئة للقصاص؛ لأن فعله بالإضافة إلى جانبه مهدر، فصار كما إذا جرح في الكفر، ثم أسلم، وجرح جراحة أخرى \rوالثانية: أن علماء المدينة صاروا إلى أن لكل واحد استيفاء القصاص، (فإن)  الواحد وإن عفا، لا يسقط حق الباقين  وخلاف العلماء في نفس العقوبة لا يورث شبهة، فإن ذلك يؤدي إلى أن لا يتصور الخلاف، ويختص وجوب العقوبات على القطع، ولكن الخلاف في إباحة السبب إذا لم يصادف نصًّا أو قياساً  جليًّا ، ينتهض شبهة، كخلاف ابن عباس  في نكاح المتعة ؛ إلا أن ذلك مقطوع له؛ لأن الحد يجب لله تعالى، وهذا للآدمي وهو مبني على الشح، فهو عن السقوط أبعد، فأوجب ذلك تردداً \rالتفريع: إن قلنا يجب القصاص، فلو بادر ولي القتيل القاتل، فقتل المبادر، بقيت دية القتيل المظلوم متعلقة بتركة القتيل القاتل، نصفها لورثة المبادر، ونصفها للأخ الذي لم يأذن في الاستيفاء \rوإن عفى ولي القتيل القاتل على مال، فذلك المال تركة القتيل القاتل، فيؤدي منه حق الأخ الذي لم يستوف، و  حق المبادر يجعل قصاصاً بمثله مما وجب عليه، على قول التقاصّ، [وقد شببنا بتفاوت، من اختلاف قدر الديتين، بأن يكون أحدهما امرأة والآخر رجلاً]  ","part":1,"page":81},{"id":1877,"text":"وإن قلنا القصاص غير واجب، فقد جعلنا المبادر مستوفياً نصيبه، والأخ الثاني على من يرجع بنصيبه من الدية، فيه قولان: أحدهما: على المبادر والثاني: على تركة القتيل القاتل، ومن الأصحاب من بنى القولين على العكس  \rفإن أسقطنا فعله بشبهة الشركة، فهو كالأجنبي في نصيب شريكه، فلا يرجع عليه الأخ الثاني، بل يرجع على تركة القتيل القاتل، ثم ولي القتيل القاتل يطلب نصف الدية من [تركة]  المبادر وإن عللنا بشبهة الخلاف، فكأنا نجعله مستوفياً للكل؛ إلا أنه أفسد على الأخ الثاني إذ لم يراجعه، فيغرم له نصف دية القتيل المظلوم \rويمكن توجيه القولين دون البناء، [أما قولنا: لا نُغرم المبادر شيئاً للأخ فهو ظاهر؛ قياساً على الأجانب] \rأما قولنا: نغرمه؛ فلأن القصاص لا يتجزأ، وقد استوفى بعضه لنفسه، والباقي بالتبعية يجعل حاصلاً له، (ومغروماً)  عليه، وكأنه قبض حق غيره، واحتبس عنده  هذا إذا بادر أحد الوليين قبل العفو\rفإن بادر بعد عفو الآخر، وعلم  بالعفو فقولان مرتبان إن قلنا ثَمّ لا يجب، فههنا يترتب على المعنيين، [و]  إن عللنا بشبهة الشركة، فقد انقطعت بالعفو، وإن عللنا بخلاف العلماء، فهو باق، فإنهم لا يسقطون حقه بالعفو، وعلى الجملة إسقاط القصاص ههنا أهون من إيجاب القصاص على المبادر في  الصورة الأولى \rفأما إذا لم يكن عالماً بالعفو فقولان مرتبان، ومنشأ الترتيب الخلاف الذي ذكرناه في أن من قتل إنساناً على ظنٍّ أنه بقي على الردة التي كانت، (وكان)  قد أسلم، ووجهه: أنه ممنوع في الصورتين، وقد ظن (بقاء)  الإهدار السابق \rالطرف الثاني: في اجتماع أولياء القتلى:\rفإذا قتل واحدٌ جماعةً، قُتِل بأولهم، وللباقين الديات، فإن قتلهم جميعاً قتل من خرجت له القرعة، وللآخرين الديات، فلو  قالوا: رضينا بأن يقتل لنا ونكتفي [به] ، لم نجبهم  إلى ذلك \rوقال أبو حنيفة: يتعين قتله لجميعهم ","part":1,"page":82},{"id":1878,"text":"وقد اختلف الأصحاب في الاكتفاء بالواحد عن الجماعة في ثلاث مسائل:\rإحداها: العبد إذا قتل جماعة: المذهب أنه كالحر، وفيه وجه أنه يقتل بجميعهم؛ لأنا نثق بتفويت حق الباقين؛ إذ لا مال له \rالثانية: القاتل في قطع الطريق جماعة: فيه قولان مبنيان على أنه يسلك به مسلك القصاص في إثبات حق الآدمي ورعاية الكفاءة في الحرية والإسلام، أو مسلك الحدود فإن نزلناه على الحدود اكتفي به عن جميعهم، وإلا فهو كالقصاص \rالثالثة: إذا تمالأ أولياء القتلى عليه، فقتلوه، فثلاثة أوجه، الصحيح أنه ينبسط  عليهم، ويرجع كل واحد إلى قسط من الدية والثاني: أنه يقرع بينهم، ويصرف إلى من خرجت له القرعة، وهو مزيف الثالث: ذكره الحليمي، أنه يقع عن جميعهم ويكتفى، كما لو وقعت هذه الصور ابتداءً اعتداءً، وهو بعيد \rفإن قيل: فإذا خصصتم  (بواحد) ، فلو بادر غيره؛ قلنا: يعصي، ولكن الصحيح أنه يقع عن حقه ، ولا يغرم لأحد شيئاً، وفيه وجه أنه يغرم للأول الدية؛ لأنه فوت حقه بأن حصل لنفسه لا بالتفويت المحض؛ بخلاف الأجنبي إذا قتل من عليه القصاص، وهذا فاسد \rفإن قيل: لو  كان ولي القتيل الأول غائباً أو مجنوناً أو صغيراً، كيف يفعل قلنا: فيه قولان: قال في رواية الربيع: يؤخر، ولا يستوفي الثاني إلا بعد عفو الأول  وقال في رواية حرملة : يستوفي الثاني؛ فإن الحق متكامل لكل واحد، والمحل قد ضاق عن الوفاء، فطلبنا ترجيحاً، فقدمنا بالتقدم أو القرعة عند التقابل، وحضور هذا وطلبه يرجح جانبه \rالطرف الثالث: في مستحق القطع والنفس:\rفههنا لا أثر للتقدم؛ بل يقدم مستحق القطع بكل حال، وإن تراخى؛ إذ فيه الجمع بين الجانبين، فيقطع ثم يقتل، وإذا أمكن الجمع فلا أثر للتقديم ","part":1,"page":83},{"id":1879,"text":"ولو قطع طرفين لشخصين قطع طرفاه، فأما إذا (تعدد)  المجني عليه بأن قطع أصبع اليمنى من واحد، وقطع اليمنى من آخر، فلا بد من القرعة أو التقديم؛ لأنا لو قدمنا الأصبع لنقصنا حق صاحب اليد، وقطع الأطراف لا ينقص حق صاحب النفس \rولو قطع الأنملة الوسطى  أوّلا من إنسان لا عليا له، ثم قطع العليا، فقد ذكرنا تفصيل القول في وجوب القصاص وطلب الأرش وعود القصاص بعد ذلك \rالطرف الرابع: فيمن إليه مباشرة الاستيفاء:\rليس للولي الاستقلال بالاستيفاء قبل الرفع إلى السلطان، فإن استوفى وقع الموقع، سواء كان في الطرف أو في النفس، ولكن يعزره السلطان، فإن أمور الدماء خطيرة \rوإذا رفع إلى السلطان، فله أن يفوض إليه استيفاء النفس بالقتل إذا طلب وأراده، وليس له أن يفوض إليه استيفاء حد القذف؛ فإن تفاوت الضربات عظيم غير مضبوط، وهو متهم في المبالغة والتشفي ، وهل له أن يفوض إليه استيفاء القطع فعلى وجهين: أحدهما: الجواز؛ لأن القطع محصور محدود، فأشبه القتل والثاني: المنع، فإنه متهم، ويفرض فيه ترديدات للحديدة يعظم غورها \r[ثم]  قال الشافعي رحمه الله: ينبغي أن يقع القصاص بأحدّ سيف بأسرع  ضربة ، قال عليه السلام: ((إن الله يحب الإحسان في كل شيء حتى في القتل، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا  ذكيتم فأحسنوا الذبح، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)) ","part":1,"page":84},{"id":1880,"text":"ثم إذا فوض إلى الولي فضربه ضربة، فأصاب غير الموضع المقصود، قال الصيدلاني: إن بان تعمده عزره السلطان، ولم يعزله، ولكنه لو عاد فهو له بالمرصاد، وإن بان خطأه، ولم يعرف مهارته حتى ظهر به حذقه، يعزل، ويؤمر بالاستنابة ؛ إذ لا يؤمن خطأه ثانياً ومن الأصحاب من عكس، وقال: (العامد)  يعزل والخاطئ يعذر ولا يعزل، والأول أولى وأغوص ؛ إذ يبعد أن يقال: لو جرحه قبل الرفع إلى القاضي عمداً يبطل حقه من التعاطي؛ بل الأولى تعزيره والتفويض إليه مع الإنذار  والتنبيه \rثم إذا قصد عنقه فأصاب رجله، لم تقبل دعواه الخطأ؛ بل يعزر، وإنما تقبل إذا أصاب المنكب وما حواليه \rفروع: أحدها: لو أراد القتل بسيف مسموم يتسارع إليه التفتت قبل الدفن لم يجز، وإن كان يتسارع إليه البلى بعد الدفن، فهذا فيه وجهان: فمنهم من لم يمنعه من ذلك، ولم يقم لهذا التوقع وزناً \rوالثاني: لو قطع الجاني طرف نفسه بغير إذن المستحق، لم يقع عنه، وإن كان بإذنه فوجهان ووجه المنع أنه متصرف (في نفسه) ، فيحمل على إهلاكه لا على النيابة؛ إذ ليس هو أهلاً لأن ينوب  [عن]  غيره في نفسه \rالثالث: إذا استناب المستحق أو السلطان، فأجرة الجلاد، نص الشافعي رحمه الله أنها على المقتص منه ، ونص في الحد أنه على بيت المال ، فمنهم من قال: قولان، ومنهم من أجرى النصين، وفرق بأن التسليم واجب في القصاص، والستر هو الواجب في الحدود ","part":1,"page":85},{"id":1881,"text":"وحقيقة القولين ترجع إلى التفصي  عن عهدة الجناية بالتمكين أو التسليم، وهو محتمل   وشبه صاحب التقريب هذا ببيع الثمار على رؤوس الأشجار، وأن تسليمها بالتخلية أو القطع، وأن مؤونة الجداد على البائع أو على المشتري ، والصحيح في القصاص أن المؤونة على الجاني؛ لأن يده جزء منه، فلا يتحقق تسليمه إلا بالفصل؛ بخلاف الثمار، وهي ليست جزءاً من الأشجار، ولذلك ترددنا بعد تسليم الأشجار في أن الجوائح من ضمان من وههنا بعد التخلية لو فاتت  اليد، فضمان الجناية قارٌّ في ذمته، نعم، الخلاف في الحدود مشهور من حيث أن ذلك [لم]  يستحق فيه التسليم في مقابلة متلف، وإنما الحق لله تعالى، ويحرم على العبد المنع \rوعلى الجملة، فالأولى أن يقيم الإمام للجلاد رزقاً من بيت المال إذا اتسع وما ذكرناه فيه إذا ضاق ومست الحاجة إليه، وقال الشافعي: يحضر الإمام محل الاقتصاص عدلين خبيرين بمجاري الأحوال؛ ليبحثا عن الحديدة أنها مسمومة أم لا، ويتأملا حقيقة الحال  وهذا من الشافعي رحمه الله يدل على أنه جوز تفويض قطع الطرف إلى الولي، فإن التهمة تتطرق إليه، لا إلى غيره \r\rالفصل الثاني: في وقت استيفاء القصاص\rومهما طلب مستحق القصاص الاستيفاء تتعين إجابته، ولا يؤخر إلا لعذر الحمل، ومحل الخيال صور:\rإحداها: أنه لو التجأ إلى الحرم، فلا تأخير؛ بل يقتل في الحرم، (فلا يعيذ)  الحرم عندنا (عاصياً)  [بوجه]  ولو التجأ إلى المسجد الحرام، أخرج في الحال، وقتل ومن الأصحاب من قال: تبسط الأنطاع في المسجد ويقتل وهذا سرف  وقال أبو حنيفة: لا يقتل في الحرم، ولا يزعج، ولا يعامل إلى أن يفارق فيقتل \rالثانية: من قطع طرفه، فله طلب القصاص في الحال؛ لأن (قصاص)  الطرف عندنا لا يسقط بالسراية إلى الموت  وقال أبو حنيفة: ينتظر الاندمال، فعساه يسري، فيسقط ","part":1,"page":86},{"id":1882,"text":"الثالثة: إذا قطع في الشتاء، فطلب المستحق في حمّارة القيظ، وظهر خوف الهلاك، سئل القفال عن هذا، فتوقف، ثم قال: يجاب كما تقطع يد المريض، ولا ينتظر به الصحة، فأحوال (الطرف)  كأحوال النفس \rالرابعة: لو قطع يديه، وتركه حتى اندمل، ثم قطع رجليه، وكذلك جملة من أطرافه، فطلب المستحق أن يقطع الجميع، [ولاءً]  أجيب إليه، وإن كان يظهر الهلاك في (الجمع) ، ولكن إذا تجمع الحق فلا بدّ  من توفيته وحكي وجه بعيد أنه في هذه الصورة يلزمه التفريق خيفة الهلاك، وهو بعيد لا أصل له \rنعم، لو طلب في الحال شيئاً من الدية، ولم يكن القصاص واجباً، أو عفى، فقد نص الشافعي على: أنه لا بدّ من التأخير إلى تبين السراية، فإن الديات تتداخل بالسراية؛ بخلاف القصاص ، ونص في السيد: إذا جنى على مكاتبه أنه يعجل أرشه، ولا يؤخر \rفاختلف الأصحاب: فمنهم من ذكر قولين على الإطلاق وإذا قلنا: لا يؤخر، فقولان: أحدهما: أنه يسلم جميع الأروش ،  وإن زادت  على الدية، ثم إن سرى استردّ والثاني: أنه يسلم قدر دية واحدة، فإنه المستيقن، فنتحصل على ثلاثة أقوال ووجه تسليم الكل: النظر إلى الحال، ثم الانعطاف إن كان خلافه ووجه الاقتصار على دية واحدة أنه المستيقن ووجه المنع أصلا، أنه يحتمل أن يشاركه جمع، فيرجع نصيبه إلى جزء من مائة جزء، ولا ينضبط قوله والقائل الأول يرى هذا التقدير بعيداً ومن الأصحاب من قطع في الدية بالتأخير، وفي المكاتب بالتعجيل تشوفاً إلى تحصيل العتق ","part":1,"page":87},{"id":1883,"text":"ولذلك أجبرنا السيد على القبول إذا عجل المكاتب النجم قبل الأجل، وترددنا في سائر الديون إذا عجلت ثم هؤلاء اختلفوا في أن هذا هل يختص  بالنجم الأخير أعني: تعجيل أرش الجناية؛ إذ به الإعتاق، فمنهم من خصّص لما ذكرناه، ومنهم من عمم؛ لأن الكل طريق إلى العتق، ثم لا خلاف أنه لو سرى، ونقص الأرش، استرددنا، ونقصنا ما قدرنا  من استحقاق وعتق؛ ولأجله خرج المحصلون الأقوال في (الحر)  والمكاتب على وجهٍ واحدٍ \rفأما الحمل فهو عذر للتأخير، فلا يستوفى القصاص من  الحامل، لا في الطرف ولا في النفس [على]  خيفة الجنين \rوإذا وضعت فقد قيل: اللبأ لا يعيش الولد دونه، فينتظر ارتضاع الولد اللبأ، فإذا ارتضع قتلناها  إن وجدنا مرضعة غيرها، ولو  لم نجد، فنؤخر إلى الفطام، ولو وجدت المرضعة ولم ترغب قتلناها، وقدرنا هذا مولوداً ضائعاً، فتجبر على الإرضاع بالأجرة من وجدناه \rوأما في الحدود يؤخر عن  الرضاع، وإن وجدنا [مرضعات]  لم تؤخر إلى أن يكفل المولود غيرها ؛ إذ يفتقر إلى كافل، وقصة الغامدية  تشهد له، والفرق أن الحد على المساهلة، ولأجله سقط بالرجوع عن الإقرار، وكذلك يفرق فتحبس الحامل في القصاص إلى الوضع، ولا تحبس الحامل لحد الزنا، والصحيح أن من عليه الحد إذا هرب لا يتبع والغامدية لم يحبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن الأصحاب من ذكر وجهاً في الهرب والحبس، وهو ضعيف، ثم اتجاهه إذا ثبت بالبينة، فإن ثبت (بالإقرار) ، فلا يتجه ذلك مع سقوطه برجوعه مهما أراد \rولا شك أن للوالي حبس القاتل، وإن كان ولي المقتول غائباً إذا رأى ذلك، ولا يحبس في الديون؛ لأن هذا عدوان وجناية على حق الله تعالى مع الجناية على الآدمي، والضرر منه بين، وهو في الحال يستحق تأديباً، والحبس تأديب ","part":1,"page":88},{"id":1884,"text":"فرعان: أحدهما: لو ادعت امرأة الحمل، فهل ننكف عن قتلها بقولها فيه وجهان: أحدهما: الانكفاف؛ لأنها أعرف بالحمل، والهجوم على خطر الجنين عظيم والثاني: أنا لا ننكف، وهو اختيار الإصطخري؛ بل نطالبها بالبينة على مخايل الحمل، فإن ادعت استشعارا، فلا مبالاة، وكأن الإصطخري لا يبالي بالنطفة التي تستشعرها، وإنما  يحتفل بجنين يظهر أثره \rالتفريع: إن قلنا (ينكف) ، فالتأخير إلى مضي أربع سنين بعيد، فالوجه التأخير إلى ظهور علامة لو كان حمل، ويلزم عليه أيضاً أنها لو قتلت فوطئت، يؤخر لاحتمال الحمل، فإنه سبب له، ولذلك يلحق الولد بالسيد؛ إذا أقر بالوطئ \rالفرع الثاني: لو بادر ولي الدم، وقتل الحامل، وأجهضت الجنين ميتاً، فإن فعل ذلك دون إذن السلطان عزّر، ووقع القصاص موقعه، وتجب غرة الجنين على عاقلته؛ لأن هلاك الجنين غير مقصود بقتلها، فيقع من قبيل شبه العمد \rوإن فعل بإذن الوالي ، فلا يخلو إما إن كانا عالمين أو جاهلين أو أحدهما عالم دون الآخر، فإن كانا عالمين، فظاهر النص الذي نقله المزني: أن الضمان يتعلق بالإمام، وكل من (يتعاطي)  شيئاً بإذن الإمام فهو في حكم الآلة له، والعهدة عليه ، وقال معظم الأصحاب: الضمان معلق  بالولي، فإنه مباشر عالم وإذن الإمام مع علمه، [و]  استيفائه لنفسه بمباشرته ساقط لا أثر له \rفإن قلنا: معلق  بالإمام، فليس في بيت المال، (لأنه)  عالم متعدي، ولكن على عاقلته، والكفارة في خاص ماله، وفيه وجه ذكره صاحب التقريب أن الضمان يتشطر  على الولي والوالي \rفلو كانا جاهلين، ففيه الأوجه الثلاثة  وهذه الصورة قيل: إنها أولى باتباع الإمام من الولي ؛ لأن البحث وظيفة السلطان، فالتقصير منسوب إليه\rفأما إذا كان الإمام عالماً، والولي جاهلاً فقد اجتمع علمه ومباشرة الولي، فإن عللنا بالوالي في صورة علم الولي، فههنا أولى، وإلا فوجهان لتعارض الأمرين ","part":1,"page":89},{"id":1885,"text":"وإن كان الوالي جاهلاً والولي عالماً، فالصحيح أنه لا يتعلق بالإمام شيء؛ لأن العلم والمباشرة اجتمعت في جانب الولي وذكر صاحب التقريب وجهاً أنه يتعلق بالوالي، وعلم الولي لا يدرأ عنه التقصير، وهذا غريب \rالتفريع: حيث نوجب على الإمام في حالة جهله فهو على عاقلته أو في بيت المال فيه قولان جاريان في خطأ الإمام أبداً \rفإن قلنا: في بيت المال ففي الكفارة وجهان: أحدهما: أنه يتعلق به؛ لأنه عبادة، ولا يجري التحمل فيها، بخلاف الدية والثاني: (أنه)  في بيت المال دفعاً للضرر عنه كما في الضمانات، فإن الخطأ مما يكثر عليه \r[و]  هذا إذا استوفاه الولي، فلو استوفاه الجلاد، فإن كان جاهلاً فليس عليه غرة ولا كفارة، وقطع الأصحاب بأن للجلاد  حكم الآلة إذا جهل، وهو مستعمل من جهة الإمام لا حظّ له، ولا مدخل، فكأن الإمام استوفاه بنفسه ، وإن كان عالماً نظر، فإن كان يظن ظنًّا يسمى مثله في العادة علماً، ففيه خلاف مرتب على الولي، وأولى بأن لا تتعلق به عهده؛ لأنه ليس يستوفيه لنفسه، وإن كان يعلم يقيناً خطأ الإمام أو  عدوانه، فالمذهب أنه مباشر مستهدف لجميع العُهَد،  ولا أثر لإذن الإمام إلا على قول من قال من الأصحاب: مجرد إذن السلطان  إكراهٌ \rثم ذلك فيه إذا لم يجد الجلاد معدِلاً، وكان يخاف سطوة الإمام، فأما إذا   أمكنه الإعراض من غير غائلة، فلا يتجه إلا إيجاب العهدة عليه \r\rالفصل الثالث: في رعاية المماثلة\rوالمماثلة مرعية عندنا في استيفاء القود؛ لأن المقصود الأخص الذي ينال الولي تشفي الغليل  وقال أبو حنيفة: لا استقادة إلا بالسيف \rوقد اتفق الأصحاب على جواز العدول إلى السيف في كل قتل، فإنه أوحى وأسرع، وشبب بعض الأصحاب بخلاف في العدول من الخنق إليه؛ لأن الخنق ربما [يؤثره]  القتيل ويعتقده أيسر ","part":1,"page":90},{"id":1886,"text":"ثم القتل لا يخلو إما أن يوقع  بجرح أو قطع  أو غيره، فإن وقع بطريق مذفّف لا بجرح ساري، قتلناه بذلك الطريق، كالتخنيق، والتغريق، والتجويع، والإلقاء من شاهق جبل، ورضخ الرأس بالمثقلات، إلى غير ذلك من الأنواع؛ إلا أن يكون فاحشة، كاللواط وإيجار الخمر، فنعدل إلى السيف وقال الإصطخري: نهلكه بدس خشبة فيه، وإيجار الخل بدل الخمر \rثم إنا في الإلقاء من علوّ، والإلقاء في النار وغيره نتشوّف إلى المعادلة في كل شيء ما أمكن، فإن سلكنا به ذلك المسلك، فلم يمت، نُظِر، فإن كان القتل بالسيف أوحى وأيسر، فللولي العدول إلى السيف، ولو قال الجاني: اتركوني، فحياة مع العذاب أهون علي، لم يبال بقوله؛ لأن حقه في الروح على الفور، فله أن لا يؤخر \rوإن تراضيا على ذلك، ووقع التصوير في الإلقاء في النار، ذكر فيه وجهان: أحدهما: المنع؛ لأن هذه مثلة (تمنع) ، ولله تعالى في منعها حق، فلا أثر للتراضي، ومنهم من قال: النفس إذا كانت مستهلكة، فلا أثر للمهلة، والموالاة بين نوعي العذاب قد يستعظمه المعذب \rهذا إذا كان السيف أوحى وأسهل فإن كان السيف أوحى والإلقاء أسهل، وقد فرضه الفقهاء وإن بعد تصويره، وذكروا وجهين: أحدهما: أنه يتعين الإلقاء؛ لأنه أسهل والثاني: السيف؛ لأنه أسرع والحق على الفور، فإن الإلقاء أسرع، فلا يبقى للعدول إلى السيف وجه، وفي كلام الأصحاب إطلاق، ووجهه أن السيف يوثق به، والنار غير موثوق (بسرعة)  أثرها، فتنشَّأ التردد من التصوير ","part":1,"page":91},{"id":1887,"text":"وإن فعلنا به مثل ما فعل، فلم يمت، فقال: اقتلوني بالسيف لأستريح، وأراد المستحق أن يوالي عليه من ذلك الجنس حتى يموت، فالظاهر أنه لا يمكن وحكى الشيخ أبو محمد قولاً أن له التمادي على ذلك الجنس  ووجهه: أن الجناية وقعت منه موقعاً، هدمت  بنيته حتى قتلته ، فإذا فعلنا به ذلك فلم (يمت) ، علمنا أنه لم يقع فعلنا ذلك الموقع، فنتشوف  إلى المماثلة بطلب الموقع، ولا ننظر إلى زيادة الطريق كما نضرب الرقبة الغليظة من الجاني بضربات، وإن حصل  ضرب رقبة القتيل النحيل  بضربة؛ لأنه مفضٍ إلى الهلاك، فالإهلاك بهذا الطريق مستحق ، ويعتضد هذا بما نقله المزني عن الشافعي، وهو أنه قال: إذا شدخ رأسه بحجر يُوالَى بذلك عليه حتى يموت  وقال بعض أصحابنا: إن لم يمت من عدد الضرب، قتل بالسيف هذا لفظ (الأصحاب)  واعترض المزني، وقال: هذا خلاف أصله في التعطيش والتجويع، فإنه نص أنه يعدل ثَمّ إلى السيف ولا يُوالَى  من ذلك الجنس، فإن القتل بالسيف أهون  ومن أصحابنا من تكلف لهذا النص تأويلاً بعيداً \rالتفريع: إن فرعنا على الظاهر، وهو وجوب العدول إلى السيف، فقد سبق وجهه وإن قلنا [له]  الموالاة من جنسه، فذلك في النار والتجويع بين، وفي الضربات المتوالية أبعد عند بعض الأصحاب؛ لأنها فعلات متقطعة مختارة، ولكن يعتضد بالفقه الذي ذكرناه، وهو طلب المماثلة في موقع الضرب منه \rفأما إذا قطع أطرافه، فلا قائل بالموالاة بالعدول إلى قطع سائر الأطراف؛ لأنها ليست من جنس واحد، فقد عسر طلب الموقف ","part":1,"page":92},{"id":1888,"text":"فأما إذا كانت الجراحة جائفة لا يتعلق القصاص بها، ففي جواز القتل بالجائفة قولان: منهم من جوّز؛ لأن غورها محذور في حق من يبقى، والمماثلة ههنا أولى فعلى هذا ترددوا في أن هذا من قبيل الضربات، أو من قبيل قطع الأطراف وعلى الجملة، الجائفة في محل آخر تضاهي قطع طرف آخر، ومنهم من قال: (كلما)  يلاقي الجوف، فهو كالضرب  هذا في القتل بالمذففات\rفأما إذا جرى القتل بقطع سارٍ، فإذا قطع طرف إنسان، فمات، فنقطع طرفه، ثم يتخير المستحق إن شاء قتله على الفور عقيب القطع، فلو قال: اتركني لأحيا به مدة وأموت بالسراية، لا يجاب إليه؛ لأن حقه في الروح على الفور، والقصاص كان  واجباً في الطرف مقصوداً، ولو تركه المستحق، فقال الجاني: اقتلني، أو اعف عني، فليس يجب عليه شيء من ذلك؛ بل له التأخير إلى حيث شاء، فإنه حقه، فلا  يلزمه البدار \rفروع: أحدها: لو قطع يده من الكوع، فجاء آخر، وقطع من المرفق فمات، فعندنا القصاص عليهما، وللولي مراعاة المماثلة، فيقطع به الأول من الكوع \rأما الثاني إن صادف له ساعداً بلا كف، قطعه، وإن كان عليه كف، فهو إنما قطع ساعداً بلا كف، ففيه وجهان: أحدهما: المنع؛ لأنه زيادة على الاستحقاق والثاني: وهو الأقيس، الجواز؛ لأن النفس مستحقة، والأطراف مهدرة وجراحته تصادف المرفق كالجراحة الأولى، وقرّب أصحابنا الوجهين من الخلاف في الاستقادة بالجائفة من حيث أنه [لو]  وقف، لامتنع القصاص [فيه] ، وههنا لو وقف، لامتنع قطع المرفق مع زيادة الكف، والتمثيل فاسد، فإن منشأ الخلاف في الجائفة أنه لا ينضبط، فربما  لا يتمكن من المماثلة، وهذا مضبوط ","part":1,"page":93},{"id":1889,"text":"الثاني:  إذا قطع يده فمات بسرايته، فقطعنا يد الجاني فمات، نظر، إن مات بعد موت المجني عليه، صارت النفس قصاصاً بالنفس وإن مات قبل موت المجني عليه، فوجهان: أحدهما: أن سراية القصاص هدر كما لو [لم]  يمت المجني عليه؛ لأن جعله قصاصاً قبل موته محال، والثاني: أنه يقع قصاصاً؛ لأن السبب قد سبق، والموت غير داخل تحت الاختيار \rفأما إذا لم يمت المجني عليه، ومات الجاني، فالسراية  هدر عندنا ؛ خلافاً لأبي حنيفة ، وإنما لم نجعلها هدراً في الصورة  السابقة؛ لأن حكم الجرح ينسحب على السراية، وأمكن أن تجعل سرايته تبعاً على وصف الجرح، وههنا الجرح وقع قصاصاً، ولم يمكن إيقاع السراية قصاصاً، فلا سبيل إلى إفراده بالضمان \rوأما الأطراف، فهل يتأدى قصاصها بالسراية، فقد قدمنا ذلك في الفن الأول في قسم قصاص الطرف \rالفرع الثالث: إذا قال مستحق القصاص في اليمين لمن عليه القصاص: أخرج يمينك لأقطعها، فأخرج يساره، فقطع، فالمسألة كثيرة الانشعاب، ومنشأ انشعابها [انقسام]  قصود المخرج، وقصود القاطع، فنتخذ قصود المخرج أصلاً، ونعبر عنها بالحالات، ونخرج [على]  كل قسم جميع أقسام قصود القاطع، ونعبر عنها بالتأويلات؛ ليكون أبعد عن الاشتباه \rالحالة الأولى للمخرج: أن يقول: قصدت بإخراج اليسار إباحتها للقاطع ، ففائدة هذا أن اليسار صارت  هدراً بإباحته كيف ما فرض تأويل القاطع، وقصده وهذا متفق عليه بين الأصحاب، وعليه دل نص الشافعي  مع أنه لم يجر صريح الإباحة لفظاً، ولكن القرينة كافية، وقد انضمت إليه النية، واعترف بها صاحبها، فصار كما إذا صرّح \rونزيد عليه فنقول: إذا قال غير المستحق عدواناً لإنسان: اخرج يدك لأقطعها، فأخرج، فهو إباحة إذا لم يكن إهداراً ","part":1,"page":94},{"id":1890,"text":"فأما إذا قصد القطع عدواناً، (فلا)  يستقل بالدفع، ولم يباشر الإخراج، ولم يوجد إلا مجرد السكوت، ففيه وجهان يبتنيان على أن سقوط مهر الزانية بأي علة\rفإن قلنا: بالسكوت وجعله رضاً من حيث العرف حتى لا يسقط [حق]  مهر الجارية لسكوتها، فهذا أيضاً يجعل رضاً، فإن  قلنا: [إن]  العلة ثَمّ سقوط حرمة المنفعة حتى لا يثبت المهر ليسد الجارية المطاوعة، فكأنا لم نجعل ذلك رضاً وحاصل التردد أن التمكين إذا لم يظهر حمله على حيرة وعجز، هل ينزل منزلة الصريح فيما لا يحل السكوت عليه، وأن التمكين في الأموال ليس رضاً قطعاً \rفأما إذا قال: اخرج لي أو أَبِحْ لي، فأخرج، فهو قرينة قطعاً كما سبق\rيبقى النظر في أن حق القاطع هل يسقط عن قصاص اليمين نراجعه ، فإن قال: استبحت ذلك بإباحته، فحقه قائم في القصاصِ، واليسارُ هدر  هذا أحد تأويلاته\rوالتأويل الثاني: أن يقول\" ظننت أن اليسار تجزئ عن اليمين، فقطعت، ففي سقوط قصاصه عن اليمين وجهان:\rأحدهما: وهو اختيار الشيخ أبي حامد، وما قطع به القاضي، أنه يسقط ؛ لأنه عزم على إسقاط حقه، وحقق ذلك بفعله وإذا جعلنا الإخراج قرينة الإباحة للنية، فالقطع بأن تجعل قرينة للعفو بالبدل أولى والوجه الثاني: أنه لا يسقط؛ لأنه لم يعف، ولم تصدر معاوضة صحيحة، وليس كالإباحة، فإنها ليست معاملة تستدعي شرائط وأركاناً \rوقال الأصحاب: هذا يقرب مما إذا جاء من عليه القصاص بالدية متضرعاً إلى المستحق،  فأخذه، ولم يصرح بالعفو، أنّ أخذه هل يجعل عفواً حتى يمنع بعده من الطلب فيه وجهان  وسقوط القصاص في قطع اليسار  أبعد؛ لأن أخذ المال عن  القصاص له وجه، وأخذ اليسار عن  اليمين لا وجه له \rالتفريع: إن قلنا: يسقط القصاص عن اليمين، فلا تقع اليسار عنه، وهو هدر، وله الرجوع إلى الدية؛ لأنه عفا بعوض فاسد ","part":1,"page":95},{"id":1891,"text":"التأويل الثالث: أن يقول: جعلت اليسار باليمين إنشاءً من عندي، ففيه خلاف يترتب  على صورة الظن، وههنا أولى بالسقوط؛ لأنه قصد إلى إنشاء مقابلة ومعاملة، وإن كانت فاسدة وفي الصورة الأولى لم يوجد إلا ظن مخالفة الشرع  وحكي عن القاضي القطع بأنه لا يسقط في هذه الصورة إلغاء لقصده على خلاف الشرع، وأنه يسقط في الصورة الأولى؛ لأنه عازم على الإسقاط بناءً على الظن، وهذا بعيد لا وجه له \rالحالة الثانية: للمخرج أن يقول دهشت، فلم أدر ماذا أخرجت، فيراجع القاطع في تأويله، [وله أربع تأويلات] :\rالتأويل الأول: [فإن]  قال: علمت حقيقة الحال، وقطعت يساره قصداً، قلنا: فعليك القصاص في يسارك، وقد بقي حقك في يمينه كما سبق، فلو أخذها على استيفاء قصاصها، لم يبق لأحدهما يدٌ أصلاً \rالتأويل الثاني: أن يقول: ظننت أن اليسار تقع عن اليمين، أو جعلتها بدلاً عنها  إنشاء من عندي، فالقول في سقوط القصاص عن اليمين ما سبق وأما اليسار فالظاهر المنقول أنه لا قصاص عليه لظنه، وفيه احتمال من حيث أن من قتل إنساناً كان قد أمسك أباه حتى قتله  غيره، وقال: ظننت أن القصاص يجب عليه، فالظاهر إيجاب القصاص؛ لأنه من الظنون البعيدة التي لا يكترث بها وقوله: ظننت اليسار تجزئ عن اليمين أيضاً ظن بعيد، ولكن المذهب ما قلناه \rالتأويل الثالث: أن يقول: ظننت أن المخرج هو اليمين فقطعته، فقصاصه لا يسقط عن اليمين، وفي وجوب القصاص عليه في اليسار قولان كما لو قتل إنساناً، وقال : ظننت أنه قاتل أبي، وقد غلطت، وإنما هو غيره، فهذا أولى بسقوط القصاص؛ لوجود تقصير من صاحب اليسار بالإخراج، فهذا الخلاف يؤيد الاحتمال الذي ذكرناه في التأويل الثاني \rالتأويل الرابع : أن يقول القاطع: دهشت، فهذا لا يقبل منه؛ لأن الدهشة تسلب الحركات الاختيارية، ولا يليق ذلك بالقاطع، فلا بد وأن يكون على اعتقاد كونه يميناً، أو على قصد آخر ","part":1,"page":96},{"id":1892,"text":"الحالة الثالثة للمخرج: أن يقول: قصدت بإخراج اليسار أن تقع عن اليمين، فيراجع القاطع \rوالتأويل الأول: [له]  أن يقول: ظننت أنه أباح، قال الأصحاب: لا قصاص وهذا فيه احتمال ظاهر؛ لأنه من الظنون البعيدة التي تبعد في العرف كل البعد، فإما أن تلغى أو تخرّج على الخلاف، وفي القطع باعتباره إشكال، ولكن تأيد ذلك بانضمامه إلى فعل من [جهة]  المخرج، وتقصير يوافق ظنه \rالتأويل الثاني: أن يقول: أنا ظننت أن اليسار تجزئ عن اليمين، فالخلاف في سقوط القصاص عن اليمين جارٍ، وههنا أولى بالسقوط تنزيلاً  للقصدين والفعلين منزلة معاملة فاسدة، وأما اليسار فلا قصاص فيها ، سواء (أثبتنا)  قصاصه في اليمين أو أبطلنا وحكي عن ابن الوكيل  من أئمتنا إيجاب القصاص في اليسار في هذه الصورة وهذا بعيد مع اعتراف المخرج بالتسليط على القطع وإن فسدت الجهة ثم إذا درأنا القصاص عن اليسار، فلا بدّ من إثبات المال \rالتأويل الثالث: أن يقول: ظننت أن المخرج يمين، قال العراقيون: لا قصاص ههنا قولاً واحداً؛ لأنه انضمّ إليه تسليط المخرج على القطع من غير دهشة وظن؛ بل (يقصد)  التسليط بعوض \rوفي وجوب الضمان وجهان: أحدهما: لا يجب؛ لأنه سلط وقصد محالاً، فألغي قصده، واعتبر تسليطه والثاني: أنه يجب؛ لأنه لم يخرجها باذلا، فنزل منزلة المبذول في معاوضة فاسدة  وهذا كله إذا جرى من مستحق القصاص\rفلو جرى ذلك من الجلاد مع السارق، فإن تعمد الإباحة أو  الاستباحة، فقطع السرقة باقٍ، وإن جرى دهشة أو ظن، فالمذهب، وهو الذي يشير إليه النص ههنا، أنه يجزئ عن حدّ السرقة، ولا (يكرر)  عليه النكال، وقد حصل الزجر  نص الشافعي عليه وقال: لا تشبه الحدود حقوق العباد، وهي مبنية على المساهلة، فتسقط بشبهة الرجوع عن الإقرار ","part":1,"page":97},{"id":1893,"text":"ومن الأصحاب من خرّج قولاً أن قطع اليمين باقٍ، ولا مدخل للبدل في الحدود، ولم يجر استيفاؤه، وأصل المبادلة قصداً غير (متطرقة)  إليه  وهذا وإن كان نوعاً من القياس، فهو بعيد في المذهب  ناء  عما يليق بوضع الحدود\rتنبيهات ثلاثة:\rلو تنازعا في الإباحة، فقال القاطع: [أبحت] ، وأنكر المخرج، فالقول قول المخرج \rالثاني: لو كان [المخرج]  مجنونا ، فهو كالمدهوش، فيراجع جانب القاطع \rالثالث: إذا قضينا ببقاء  القصاص في اليمين، أو بوجوب القصاص في اليسار ، فلو طلب المستحق البدار ليوالي به بين ألم الجناية وألم الاقتصاص، فظاهر النص ههنا منعه ، والمذهب أنه لو قطع يديه ورجليه، فأراد المجني عليه الموالاة في الاقتصاص، وكان يُحذر الإهلاك في الموالاة دون التفريق، جاز له ذلك \r\rفمن أصحابنا من خرّج وجهاً في مسألتنا أنه يتسلط أيضاً على البدار، ومنهم من خرّج في تلك المسألة وجهاً أنه لا يوالي، ومن فرّق علل بأنه إذا قطع يديه ورجليه ولاءً، فقد جمع بين الألمين في جنايته، فيجمع بينهما في القصاص، وفي مسألتنا لم يجمع في الجناية عليه، فلا يجمع في القصاص  هذا تمام حكم الاستيفاء\r\rالباب الثاني: في العفو\r\rوالنظر يتعلق بطرفين:\rالطرف الأول: في حكم العفو الصحيح\rوقاعدة الباب أن العمد المحض موجب للمال إما بطريق التبعية أو بطريق الاستقلال، حتى يستقل مستحق القصاص بطلب المال دون رضى الجاني على كل قول هذا مذهب الشافعي \rخلافاً لأبي حنيفة  ومستنده قوله عليه السلام: ((أما أنتم يا خزاعة، فقد  قتلتم هذا القتيل من [هذيل] ، وأنا والله عاقله، فمن قتل بعده قتيلا، فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل)) ","part":1,"page":98},{"id":1894,"text":"نعم، اختلف قول الشافعي في أن موجب العمد المحض القود أو الدية أحدهما لا بعينه، حتى [تكون]  الدية على مقابلة القصاص، أم واجبه القود المحض، والمال يثبت تبعاً للعفو عن القصاص بدلاً من القصاص (مقابلاً)  له في الوجوب فيه (قولان)   ذكر توجيههما في مآخذ الخلاف\rالتفريع: على قولنا إن الواجب أحدهما لا بعينه، فله العفو\rوللعفو  صيغ:\rإحداها: أن يصرح ويقول: عفوت عن القصاص، فيسقط القصاص، ويثبت المال، وكذلك إذا قال: عفوت عن القصاص والدية جميعاً، فيسقطان جميعاً \rولو قال: عفوت عن الدية، فله حق القصاص \rوهل له الرجوع إلى الدية بحال فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه تسقط الدية، ويتعين القصاص، ولا مرجع بعده إلى الدية بحال كما لو عفى عن القصاص لا يرجع إليه بحال والثاني: أن عفوه ملغى ؛ لأن العفو عن الدية مع بقاء القصاص لا وقع له، ونحن وإن قابلنا الدية بالقصاص، فلا ننكر كون القصاص أصلاً، فعلى هذا نطرد  الخيرة السابقة كما كانت والثالث: وهو اختيار الشيخ أبي محمد، أن هذا يُلحِق القصاصَ بالتفريع على قولنا إن (موجب)  العمد القود المحض، ثم موجب ذلك أن يعفو عن القصاص على مالٍ إن شاء كما سنذكره \rوفي عفوه المطلق خلاف \rوإن  فرعنا على الوجه الأول، وهو أنه لا يملك العود إلى المال بحال، وأن الباقي قصاص محض، فهل له المصلحة بالتراضي على المال فيه وجهان: أحدهما: المنع؛ لأن الباقي عقوبة محضة، فأشبه حد القذق، والثاني: الجواز، وهو  الأصح؛ لأنه إذا جوز الاعتياض في الخلع لغرض الفداء، فالفداء ههنا مع أن الروح متقوم شرعاً أولى ","part":1,"page":99},{"id":1895,"text":"بخلاف حد القذف، فإنه  لا يلاقي متقوماً، وتمحّض عقوبة القصاص عن المال يتصور في محل آخر، وهو أنه لو قطع يد رجل [فمات]  فللجاني أن يقطع، ويقتله، فإذا قطع يده، يبقى له حز الرقبة، فلو عفى على مال، لم يكن له إلا نصف الدية؛ لأنه استوفى يداً مقابل نصف الدية، ولا سبيل إلى إهداره، ولا إلى إيجاب الضمان عليه، فالأقرب أن يجعل [به]  مستوفياً لبعض حقه إذا آل الأمر إلى الدية، وإن آل إلى القصاص، فله القتل بكل حال \rفلو أنه قطع يديه فمات، فإذا قطع الولي يدي الجاني يبقى له حز الرقبة، وهو عقوبة محضة؛ لأنه استوفى ما يقابل به دية كاملة وليس له طلب المال، فإن إثباته ينافي الحكم باندراج دية الأطراف \rفلو أراد المصالحة على مال، فيخرج على الوجهين \rولو جرت المصالحة مع أجنبي فوجهان مرتبان، وأولى بالمنع، ووجه التجويز يستمدّ من اختلاع الأجنبي زوجة الغير  وذكر صاحب التقريب وجهاً أن مستحق حد الرقبة يملك الرجوع إلى دية كاملة قهراً، وهذا القائل يبعد استحقاق قصاص دون المال، وهذا بعيد في المذهب \rالصيغة الثانية:  أن يقول: عفوت على أن لا مال لي، فوجهان: أحدهما: يسقط المال والقود كما إذا قال: عفوت عنهما والثاني: أنه يثبت المال؛ لأنه لم يعف عن المال؛ بل شرط انتفاء المال مع جريان العفو، والعفو سبب المال أو سبب تعيينه، فالحكم لا ينتفي بشرط النفي مع جريان سببه، وإليه مال  الصيدلاني ","part":1,"page":100},{"id":1896,"text":"الصيغة الثالثة: أن يقول للجاني: عفوت عنك، ولم يتعرض لدية ولا قصاص، فهذا من وجه يعمّ، ومن وجه هو مجمل (يتردد)  بين القصاص والدية، فإن قلنا: الواجب القود المحض، فهذا يسقط القصاص لا محالة، ويكون كالعفو المطلق، وإن فرعنا على أن الواجب أحدهما، ذكر صاحب التقريب وجهين: أحدهما: أنه يسقط القصاص، ولا يرجع إلى نيته وضميره والثاني: أنه يراجع، وبه قطع الشيخ أبو علي، (وينزل)  على ما ينزله عليه من التعميم أو التخصيص إما بالدية وإما بالقصاص، ويكون كما لو صرّح بالمنوي، وقد سبق حكمه \rفإن قال: لم يكن لي نية، فوجهان: أحدهما: صرف المطلق إلى القود، فهو المتعرض للسقوط والثاني: أنه يقال له: انشئ الآن نية ونزلْه على ما شئت، فإن قال: أردت الدية، وقلنا: للعفو عن الدية حكم، فقد ظهر  فائدته، وإن قلنا: لا حكم له ففي نيته إلغاء لفظه السابق، فليتنبه له، وليكن الأمر إليه فيه \rالصيغة الرابعة: أن يختار أحدهما، فإن قال: اخترت الدية، سقط القصاص، ولم يكن له الرجوع إليه، وإن قال: اخترت القصاص، ففي ضمنه عفو عن الدية، فإن قلنا لا حكم للعفو عن الدية وإن  صرح به، فهذا أيضاً لا حكم له  \rوإن قلنا: له حكم، فهذا اللفظ هل يفيده فعلى وجهين، ومن قال: لا يفيده، وجّه بأن معنى القول الإصرار على التشفي، وكأنه الأصل، فلا يمتنع بعده النزول إلى  الأدنى \rالتفريع: على قولنا الواجب القود المحض: أنه لو عفا على مال، ثبت المال، ويكون بدلاً ثابتاً عند عدمه، وإن لم يثبت عند وجود القصاص معارضاً له، ولذلك قطعنا بأن القصاص لو تعذر بموت أو سبب، ثبت الرجوع إلى المال على القولين جميعاً \rفأما إذا عفا مطلقاً، ففيه قولان: أحدهما: أن المطلق كالمقيد بالمال، والمال تابع القصاص عند امتناعه بعفوه أو تعذره بموت من عليه والثاني: أنه لا مال، وإنما له خيرة النزول عن القصاص إلى مال، فإذا سقط مطلقاً، فلا سبب لإثبات المال ","part":1,"page":101},{"id":1897,"text":"فرع: على القولين، المحجور عليه إذا عفا:\rفإن كان مسلوب العبارة: كالصبي والمجنون، فعفوهما لاغٍ \rوإن كان مفلساً، فله الاقتصاص إذا أراد، وإن عفا فالقصاص يسقط، أما المال فثابت في كل صورة؛ إلا إذا قلنا: الواجب هو القود المحض والمطلق، لا يقتضي المال فما لا يقتضي المال من المطلق لا يقتضيه من المحجور، وإن عفا على المال، فلا خفاء بتعلق حق الغرماء به، وكذلك مهما قضينا بثبوت المال \rفأما إذا قال: عفوت على أن لا مال، فإن قلنا: مطلقه لا يقتضيه، فمقيده أولى؛ بل لا أثر لقيده، وإن قلنا: مطلقه يقتضيه ففي المقيد وجهان، ومنشأ التردد أن ما جرى إعدام سبب المال، أم هو نفي للمال مع جريان السبب، وهو أصل العفو، فيحتمل أن يقال: السبب أصل العفو، وقد جرى، ويحتمل أن يقال: السبب مطلق العفو ، وقد انعدم الإطلاق بالتقييد، وهذا دقيق، وحاصله أن المحجور ممنوع عن إسقاط ما جرى سببه، وليس ممنوعاً عن منع الموجب كما لا يمنع عن رد الوصية والهبة والمحجور في المرض حكمه حكم المفلس \rوأما المحجور بالتبذير، ففيه وجهان: [منهم من قال: هو كالمفلس في كل ترتيب] ، ومنهم من قال: بثبوت المال عند عفوه على كل حال وعلى كل قول؛ لأنه  لو أوصى له، فردّ فللولي أن يقبل عن جهته، وهو منظور له، فهو كالصبي لا يفارقه إلا في نفوذ عبارة الطلاق \rفرع آخر: لو صالح من القصاص على ما ئتين من الإبل، فإن قلنا الواجب أحدهما، فهو باطل، وإن قلنا الواجب هو القصاص، فوجهان؛ لأن الدية على هذا القول أيضاً لها  نسبة إلى (الحال)  \r\rالطرف الثاني: في بيان العفو الصحيح والفاسد:\rوله أحوال:\rإحداها: الإذن الجاري قبل الجناية:","part":1,"page":102},{"id":1898,"text":"إن جرى في القطع، أسقط الأرش والقود، وإن جرى في القتل أو سرى القطع، فالقود ساقط قطعاً؛ بشبهة الإباحة، وفي الدية قولان مبنيان  على أنها تثبت للوارث ابتداء أو تلقياً، ففي أحد القولين تثبت ابتداء؛ لأنها  تثبت بالموت، والموت مزيل   للأملاك، فلا يفيد ملكاً والثاني: وهو الصحيح، أنها  تثبت تلقياً، وكأنه جرى السبب والملك في حقه، ثم انتقل \rفإن قلنا: يثبت للورثة ابتداءً، فإذن القتيل ساقط في إسقاط الدية، وإن قلنا: يثبت إرثاً، فتنفذ إباحته في إسقاط الكل، وإن لم يكن له مال سواه؛ لأنه ليس إسقاطاً لواجب؛ بل هو دفع للوجوب بإخراج الفعل عن كونه موجباً \rثم إذا قلنا: تلزمه الدية، فالكفارة أولى، وإن قلنا: لا تلزمه، ففي الكفارة وجهان: أصحهما: اللزوم؛ للجناية على حق الله تعالى والثاني: وهو تخريج ابن سريج: أنه لا يجب؛ لأن حق الله تعالى تبع لحق الآدمي في النفس والمال، وقد صار القتيل في حكم المهدر بإباحته وإهداره كالمرتد مثلاً، وليس ذلك كسهم الغرب، فإنه يوجب الكفارة في الأسير  قطعاً دون الدية؛ إذ  سقوط الدية لتمهيد  العذر لا لتقدير الإهدار \rالحالة الثانية: أن تجري المسامحة بالعفو بعد القطع وقبل السراية والاندمال، فإذا قال: عفوت عن القطع أرشاً وقوداً صح عفوه، فإن اندمل فلا كلام، وإن سرى إلى ما وراء محل القطع مع بقاء النفس، فالمذهب أن السراية مضمونة؛ لأنه لم يعف عنها، وقد تولدت  عن جرح مضمون، والعفو جرى بعده، ولم يتغير وصفه، وفيه [وجه]  أن السراية صارت مهدرة كالمتولد من المأذون فيه إلحاقاً للعفو اللاحق بالإذن السابق، وهو بعيد؛ لأن للعفو حكم الاستيفاء، فلا يغير وصف الفعل السابق \rولو قال قبل السراية: عفوت عما وجب، وعما سيجب بسراية الجراحة، ففي السراية يخرج على الإبراء عما لم يجب، ولكن جرى سبب وجوبه، وفيه قولان مشهوران ","part":1,"page":103},{"id":1899,"text":"الحالة الثالثة: أن يجري العفو بين القطع والموت، وقد سرت الجراحة إلى النفس، فإن اقتصر في العفو على القطع السابق، وقال: عفوت عن الجناية الكائنة أرشاً وقوداً، فنقول: أما القود ساقط عن القطع بصريح العفو وعن النفس بتولده من العفو  بطريق الشبهة، وإن كان الضمان لا يسقط به على المذهب الظاهر، وحكى أبو الطيب بن سلمة  من تخريج ابن سريج أن القصاص يجب في النفس، ويسقط في الطرف؛ لأنه لم يعف عن النفس، وقد تولد الهلاك من فعل هو عدوان مضمون، والعفو له حكم الاستيفاء وهذا بعيد، فإن الاستيفاء لا يمنع الاستيفاء، والعفو عن الجناية يتعرض لذات الجناية على الجملة، وتخريجها عن الإيجاب من وجه، فهو شبهة ظاهرة \rأما الأرش في الطرف والنفس جميعاً، يخرج على الوصية للقاتل، فإن منعناها لم يسقط المال، وإن جوزناها سقط ما يقابل القطع السابق، وهو نصف الدية، ويبقى النصف الآخر؛ إلا على الوجه البعيد (من)  أن المتولد من العفو عنه مهدر \rفأما إذا صرح بالعفو عما سيجب أيضاً، فالقصاص ساقط قطعاً في النفس، والدية يخرّج أمرها  بعد تجويز الوصية للقاتل على الإبراء عما لم يتحقق وجوبه وجرى سببه \rفيتحصل في صورة السراية إلى النفس على ثلاثة أقوال:  أحدها: أنه تجب دية كاملة، وهو تفريع على منع الوصية للقاتل والثاني: لا يجب شيء، وهو تفريع على تصحيح الوصية وتصحيح الإبراء قبل الوجوب والثالث: أنه يجب [للنظر]  في مقابلة السراية تفريعاً على تجويز الوصية ومنع الإبراء قبل الوجوب، وحيث ينفذ بشرط وفاء الثلث به؛ لأن حكمه بعد الجرح حكم المريض وعفوه بعد جريان السبب، إسقاط لا إباحة، فإنه منع للسبب من (الوجود)  \rتنبيهان:","part":1,"page":104},{"id":1900,"text":"أحدهما: أنه لو كان بدل قطع إحدى اليدين قطع كلتا اليدين، فيسقط كمال الدية، وإن فرعنا على منع الإبراء عما سيجب؛ لأن الإبراء صح عما سبق وجوبه، وهو سبب كامل للدية الكاملة، وليس يزيد بالسراية شيء وشبب المزني باعتراض على هذا من حيث أن مقدار الواجب يتبين (بالآخر)، وهو ضعيف، فإن السبب جارٍ، ثم قد يتغير القدر بالآخر \rالتنبيه الثاني: أنه لو أوصى للجاني بالأرش بدل العفو، فلا يعود القول الثالث في التشطير في صورة إحدى اليدين؛ لأنه لم ينجز الإبراء؛ إذ الجميع [محتمل]  للوصية، فإنها تقبل التعليق بالإغرار \rالحالة الرابعة: إذا عفا بعد القطع عن الطرف على مالٍ، وأخذ المال، فقد بينا أنه لو سرى القطع إلى النفس (فلا)  قصاص في النفس على الظاهر \rفلو لم يسر، ولكن حز القاطع رقبته بعد العفو، فهل لولي القتيل حز رقبته ذكر  العراقيون وجهين: أحدهما: وهو الصحيح، إيجاب القصاص؛ لأنه لم يحصل متولداً من الجناية التي صادفها العفو حتى يثير شبهة؛ بل هو مستقل بنفسه والثاني: أنه لا قصاص؛ لأن الإهلاك بالقتل بعد القطع موالاة في الجراحة، وللكل حكم قتل واحد ولذلك قضينا باندراج أرش الأطراف حتى لو كان أخذ دية كاملة ليديه، فلا نزيد بقتله شيئاً كما لا نزيده بسراية  تلك الجراحة، هذا هو النص ، ولم يخالف فيه إلا ابن سريج \rبخلاف ما إذا صدر (الجراح)  من شخص آخر، فإنه يتعدد الدية بتعدد الجاني، فيتعدد الحكم، فإذا اتحد الشخص فللكل حكم الاتحاد، وقد تمكن العفو من الجناية السابقة \rوليس كذلك ما إذا جرح جرحاً لا قصاص فيه كالجائفة، فأخذ الأرش فإنه لو حز الرقبة بعده وجب القصاص قطعاً؛ لأن أخذه الأرش لم يكن عفواً عن القصاص؛ بل كان لامتناع القصاص أصلاً فيه، وهذا الذي سلمه العراقيون أيضاً لا ينفك عن أدنى احتمال على مساق كلامهم، لاسيما إذا كان الموت بسراية الجائفة التي أخذ الأرش عنها ","part":1,"page":105},{"id":1901,"text":"الحالة الخامسة: أن يعفو بعد استقرار الوجوب: كعفو الوارث بعد موت القتيل، فهو صحيح، ولو كان قد استحق القصاص في طرفه ونفسه بأن كان الجاني قطع الطرف، وحز الرقبة، فلو عفا عن حزّ الرقبة، فله قطع الطرف، ولا يبالى بسرايته؛ بل غاية العفو أن ينزل  كأن حزّ الرقبة لم يكن، وسراية القصاص مهدرة، ولا يندرج قصاص الأطراف تحت النفس \rفأما إذا عفا عن الطرف، فهل يسقط قصاصه عن النفس فيه وجهان : أحدهما: أنه [لا]  يسقط كما إذا عفا عن النفس لا يسقط الطرف والثاني: أنه يسقط؛ لأنه بعفوه ضمن صيانة الأطراف، وفي القتل إهلاك الأطراف بعد ضمان السراية \rفأما إذا كان مستحق الطرف غير مستحق النفس فلا خلاف في أن عفو الواحد لا يسقط حق الآخر كيف ما كان \rفأما إذا كان المجني عليه مات بسراية القطع، فله القطع والقتل بعده إن شاء، فإن عفا عن النفس فله القطع، وإن عفا عن القطع ففي جواز  حزّ الرقبة خلاف مرتب على الصورة السابقة، وهذا أولى بالسقوط؛ لأنه عفا عن الطريق، ووجه الوجه الآخر: أنه يستحق حزّ الرقبة بعد القطع عقيبه، ولا يلزمه التأخير إلى أن يصير القطع قتلاً بالسراية، فإن حقه في النفس على الفور، فعلى هذا يساوي من جرى على مورثه القطع والقتل جميعاً \rويتصور استحقاق النفس في صورة السراية لشخص [و]  استحقاق الطرف لشخص آخر، وهو دليل على التعدد، وهو [ما]  إذا قطع العبد يد عبد، فأعتق المجني عليه، ومات بالجراحة، فلورثة العتيق القصاص في النفس، وللسيد القصاص في الطرف، فإنه قطع في ملكه، ثم عفو أحدهما لا يسقط حق الثاني بحال، فهذا  دليل التعدد ونظير هذا التقسيط ذكرناه في كيفية تقسط الدية على الوارث، والسيد في أول الكتاب ","part":1,"page":106},{"id":1902,"text":"الحالة السادسة: أن يعفو بعد استقرار الوجوب ومباشرة سبب الاستيفاء: كما إذا قطع يد المجني عليه [قصاصاً] ، ثم عفى عن النفس، نظر، فإن اندملت الجراحة صح العفو عن النفس، ولا شيء عليه في الطرف سواء جاز له القطع بأن كان قد قتل الجاني بالقطع، أو لم يجز، ولكنه تعدى؛ لأنه قطع في حالة الإهدار، فالعفو العاصم بعده لا يعطف عليه ضماناً، كقطع يد المرتد ، خلافاً لأبي حنيفة \rوإن سرت الجراحة تبين بطلان عفوه، فإنه إنما عفا بعد الاستيفاء، وكذلك إذا رمى إلى من عليه القصاص، ثم عفا قبل الإصابة، فإن لم يصب حكمنا بصحة العفو، وإن أصاب تبين أن العفو لاغ، والوجه الذي ذكرناه في أول الكتاب أن النظر في الرمي إلى حالة الإصابة أو إلى حالة الرمي، لم يذكر في هذا المقام حتى إذا نظرنا إلى حالة الإصابة صححنا عفوه، وطالبناه بضمان قتله لوقوعه بعد العفو \rالحالة السابعة: أن يعفو بعد أمر الوكيل باستيفاء القصاص، وقد ذكرنا في كتاب الوكالة خلافاً في جواز الاستنابة في الغيبة ، وليس ذلك من غرضنا، فإنا نفرض في الاستنابة بالحضرة، فإذا تنحى به المستناب في حضرة المستنيب إلى عرصة الموقف فسل السيف بمشهده، فعفا المستنيب، فإن وقع بعد قتله، فهو لغو، وإن شككنا في تقدمه وتأخره، فالقصاص واقع موقعه، والعفو لاغٍٍ ، وهو الأصل وهذا  قد اتفق عليه الأصحاب \rوإن علم تقدمه على القتل، وعلم المستناب وقتل، فعليه القصاص، وإن لم يسمع عفوه ولم يعلمه، فلا قصاص على القاتل إجماعاً؛ لأنه أسند قتله إلى تسليط ظاهر، وتمهد عذره في الإقدام، لا كمن يظن غيره كافراً، فإذا هو مسلم ؛لأنه  غير معذور فيه ","part":1,"page":107},{"id":1903,"text":"وهل تجب عليه الدية [فيه]  قولان [مرتبان] ؛ منهم من بناهما على أن الوكيل هل ينعزل في الغيبة وهو فاسد؛ لأن عفوه لا بدّ من تنفيذه، والوكيل ينعزل بالتصرف الذي يتضمن العزل قطعاً، كالعتق والبيع ، ومنهم من بناه على أن من رمى إلى صف  الكفار، فأصاب مسلماً أسيراً، فتلزمه الكفارة، ولا قصاص، وفي الدية قولان لتمهد عذره وهذا معذور، ولكن يمكن أن يقال: يقدر على أن يستجد الإذن عند حز الرقبة، والرامي إلى صف غير منسوب إلى تقصير بحال \rالتفريع: إن أوجبنا الدية فلا بدّ من الكفارة، وإن أسقطنا الدية ففي الكفارة وجهان؛ قال الأصحاب: إن تلقيناه من مسألة الأسير، أسقطنا الكفارة بالعذر، وإن بنينا على العزل في الغيبة، فلا كفارة \rوهذا تشبيب بأن العفو لم يصح، وأن القتل وقع قصاصاً، وهو بعيد جدًّا، ولا مأخذ له إلا أن يخصص بأن يفرض السيف مسلوتا، واليد هاوية بالسيف إلى الرقبة، ويفرض العفو في أثناء ذلك بعد خروج الأمر عن الاختيار حتى يقرب من صورة العفو بعد الرمي وقبل الإصابة، وفي التقريب أيضاً نوع عسر، ولكنه [في]  غاية الإمكان، وظاهر النص أن الكفارة لا تجب مع أنها تجب في الأسير، فهذا يدل على إحباطه للعفو بعد الاستنابة والتسليم \rومذهب المزني واختيار معظم الأصحاب وجوب الكفارة؛ إذ القياس تصحيح العفو \rالتفريع: إن قلنا تجب الدية، فعلى العاقلة أو في مال المستناب فيه قولان ووجه التردد أنه عمد محض، ولكنه ليس بعدوان، والقولان يجريان في كل قتل غير مستحق استند إلى ظن ينفي العدوان \rوهل ترجع العاقلة إن غرمناه على المستنيب فيه طريقان: (منهم)  من خرّج على مسألة تقديم الطعام المغصوب ؛ لاشتمال فعله على نوع تغرير ومنهم من قطع بنفي الضمان؛ لأنه محسن بعفوه، فما عليه إن لم يعلمه \rفإن قلنا: ترجع، ففي الرجوع بالكفارة وجهان ","part":1,"page":108},{"id":1904,"text":"فإن قيل: فهل للمستنيب دية قتيله في تركه قتيل النائب قلنا: قال الأصحاب: إن أثبتنا على النائب دية أثبتنا للمستنيب دية قتيله  في تركه قاتله \rوإن قلنا: لا دية، فيبعد أن يهدر دمه، ثم يثبت في تركته دية وهذا جورٌ، والوجه القطع بثبوت الدية؛ إلا إذا لم يصحح عفوه، وجعلنا القتل الواقع قصاصاً، وهو بعيد \rفإن لم نجعله قصاصاً، و (نفينا)  الدية (عن)  النائب لتمهيد عذره، فلا بد من إيجاب الدية للمستنيب وقد صار دمه هدراً بالغدر الذي اتفق، فلا يترك القياس بالاستبعادات أصلاً \rواختتام الباب بفروع في العفو عن الدية، تعلق المزني بها في إبطال العفو عن الجارح؛ لأنه وصية للقاتل\rالأول: هو أنه قال الشافعي: لو قتل عبدٌ  قتلاً يوجب الدية، متعلقه برقبته، فعفى المجني عليه، فالعفو صحيح؛ لأن أثره يرجع إلى السيد، وهو ليس قاتلاً ، فتمسك المزني بمفهومه ، وقال الأصحاب: هذا تفريع على القول الآخر، وتفصيل المسألة: البناء  على أن الأرش هل يتعلق بذمة العبد حتى يطالب به يوماً إذا عتق فإن قلنا: لا يتعلق بذمته، فما ذكره الشافعي صحيح، وإن قلنا: يتعلق بذمته، فيخرج على الوصية للقاتل حتى لا يصح عفوه إن منعنا \rفإن قيل: فهلا صح في حق انفكاك الرقبة عن وثيقته في حق السيد قلنا: لأنا قد لا نجوز تجريد  القصد إلى فكّ رقبته إلا بإسقاط أصل الدّين، وليس ذلك كالرهن مع الدين، فإن التلازم  معقول في الأرش، وإن جوزنا ذلك فهو منه إذا قصد، فأما إذا لم يقصد إلا إبراء أصل الدين، ولم يحصل، فلا يحصل ما [يتضمنه]  بحال \rالثاني: قال المزني: قال الشافعي: ولو كان الجاني مخطئاً، صح عفو المجني عليه عن الدية؛ لأن فائدته للعاقلة، وليسوا قاتلين  قال الأصحاب: إن عفى عن العاقلة، أو عفى عن الدية صح \rوإن قال: للجاني عفوت عنك، وقلنا: الوجوب لا يلاقيه، فهو لغو ","part":1,"page":109},{"id":1905,"text":"وإن قلنا: الوجوب يلاقيه، والضرب  على العاقلة تحمّل، ففيه وجهان: أحدهما: أنه لغو؛ لأن ذلك تقدير مختطَف ولا قرار له حتى يلاقيه العفو والثاني: أنه يصح، ويقدر الجاني كأصل معتبر حتى يتضمن الإبراء عنه إبراء العاقلة، ودرجتهم  درجة الكفيل \rوهذا يلتفت على تفصيل؛ فإنا قد نوجب الدية على الخاطئ إذا لم تكن له عاقلة، فتنفذ الدية قطعاً، وقد نتردد في تعلقه بماله ابتداءً، وإن كنا نقطع بأنا لا نرجع إليه لعسر  استيفائه من العاقلة وامتناعهم، ونستقصي ذلك في الديات \rالثالث: قال الشافعي: لو أقر بالجناية خطئاً، وأنكر  العاقلة فعفى، فهو باطل؛ لأنه عفو عن القاتل، فلو كان الجاني ذميًّا، وعاقلته مسلمون، فالدية في الصورتين في مال الجاني \rقال الشافعي: وعفوه باطل؛ لأنه عفو عن القاتل  وهذا لا جواب عنه إلا أنه تفريع على أحد القولين\rالرابع: وهو من مسائل (السواد) ، في المختصر: لو اشترى المجني عليه العبد الجاني بالأرش المتعلق  برقبته، والأرش دراهم، فالبيع صحيح، ثم إذا اطلع على عيب ردّ، ولم يستفد بالرد إلا التعلق بالرقبة، ولا يتجدد له حق في ذمة سيد العبد، وهو البائع \rوهذا ردّ بعيد عن الفائدة، فإنه متعلق بالرقبة، وقادر على بيعه، ولا يستفيد برده إلا القدرة على بيعه نعم، قد يستفيد التعلق بذمة العبد إذا عتق على رأي، وإن منعنا ذلك فلا فائدة له ولكن قطع الأصحاب بجواز الرد تبرؤاً عن عهدة المبيع \rولو كان الأرش إبلاً، ففي الشراء بها  خلاف من حيث أنها  مجهولة الوصف ووجه تصحيحه أنه يطلب للإسقاط لا للاستيفاء \rويجري ذلك فيما لو كانت الجانية امرأة، فنكحها المجني عليه بالأرش  في أن الصداق هل يصح أم لا \rوأكثر هذا متعلق  بكتاب الديات، وسندخل في كتاب الديات ما يتعلق بالقصاص، ولكنا ذكرنا في هذا الكتاب جميع خصائص القصاص، فلا يشذ منه إلا قليل\rوالله أعلم بالصواب","part":1,"page":110},{"id":1906,"text":"كتاب الديات\rوالنظر في أربعة أقسام: الواجب بصفته، والموجب من سبب أو مباشرة، ومن تجب عليه من الجاني أو العاقلة، ودية الجنين\rالقسم الأول من الكتاب: في بيان الواجب\rوفيه بابان:\rالباب الأول: في دية النفس\r\rقال الله تعالى: • • فكل من هو من أهل الالتزام للأحكام من مكلف وغير مكلف، إذا لم يكن حربيًّا، مهما قتل حرًّا مسلما معصوماً، كان قتله سبباً لإيجاب مائة من الإبل على عاقلته مسلّمةً إلى أهل القتيل\rوالأصل مائة من الإبل مخمّسة [أي] عشرون [منها] بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة فالتفاوت في أربعة أخماس بالسن، وفي واحد بالذكورة والأنوثة هذا هو الأصل ثم تعتريه منقِّصات ومغلِّظات\rفالمنقصات أربعة: الأنوثة، والكفر، والرق، والاجتنان بباطن (الأم)، والمغلِّظات أربعة: الوقوع في الحرم، والأشهر الحرم، ومصادفته (الرحم المحرم)، والعمدية\rأما الحرم، فهو عبارة عن حرم مكة، وأرجاؤها معلوم بإعلام جبريل عليه السلام\rثم يكفي للتغليظ أن يرمي من الحل إلى واقف في الحرم، أو من الحرم إلى واقف في الحل كما سبق في الصيد، وفي حرم المدينة خلاف مشهور يبتني على ضمان صيده\rوأما الإحرام من القاتل، لا يوجب تغليظ الدية وإن كان يساوي الحرم في تحريم الصيد وحكى القاضي عن أبي الفياض، وهو من شيوخ المذهب [أن الإحرام يلتحق به]\rوأما الأشهر الحرم، فأربعة: ثلاثة منهن سرد: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وواحد فرد: وهو رجب","part":1,"page":1},{"id":1907,"text":"وأما الرحم المحرم، فمعلوم، وكلام الشافعي مطلق في الرحمية واتفق الأصحاب على تخصيصه بالمحرم، مع أن صلة الرحم ورد  مطلقاً؛ قال الله تعالى: ((أنا الرحمن، وهذه الرحم شققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتتته))  وشبب الشيخ أبو محمد بالاكتفاء بالرحمية المجردة \rوأما العمدية فقد بينا في كتاب القصاص أن القتل ثلاثة أقسام: خطأ محض، وعمد [محض] ، وشبه عمد، والدية تتغلظ في العمد وشبه العمد وقد بينا المراتب \rويتصدى ههنا ثلاثة صور:\rإحداها: أن من قتل شخصاً في دار الكفر على زيّ الكفار، فإذا هو مسلم، وقد ظنه مصرًّا على الكفر، فلا قصاص، وتجب الكفارة، وفي الدية قولان \rفإذا أوجبنا الدية، ففي ضربها على العاقلة قولان: أحدهما: أنه يلحق بالعمد المحض؛ لأنه جرّد القصد إلى قتله، ورجع  الغلط إلى ظنه فيه كفراً والثاني: أنه يلحق بشبه العمد؛ لأنه وإن تعلق قصده بعينه، لم يقصد سفك دم معصوم، وفيه وجه أنه خطأ محض، (فيجب)  على العاقلة \rالثانية: إذا رمى إلى مرتدّ، فأسلم قبل الإصابة، فقد ذكرنا خلافاً في وجوب الدية، وقد (ذكرنا أنه)  نوع من الخطأ، فإنه لم يقصد سفك دم معصوم \rوكذلك إذا كان حربيًّا، فأسلم قبل الإصابة، فالذي (أشارت)  إليه الطرق، أن ديته مضروبة  على العاقلة، فلا يلحق بالعمد المحض بحال ، ولكن   ينقدح  تردد في (أنه)  يغلّظ على العاقلة، فيلحق بشبه العمد، أو يخفف، فيلحق بالخطأ المحض \rالثالثة: إذا رمى إلى جرثومةٍ ظنها صيداً، فإذا هو إنسان، قال الشيخ أبو محمد: هذا خطأ محض إذا لم ينتسب الرامي إلى تقصير إن كان في متصيّد يندر فيه مثول إنسان ، ولكن يحتمل من التردد في الرمي إلى كافر في دار الحرب؛ لأنه اعتقد الحربي مباحاً كالصيد، وكان ظنه خطأً، وههنا اعتقد ذلك؛ إلا أنه عرف في تلك الصورة كونه إنساناً، وههنا لم يعرف، وقد قصد القتل في الموضعين ","part":1,"page":2},{"id":1908,"text":"فيتحصّل مما سبق خلاف في حدّ الخطأ المحض، فقد نقول: هو فعل يصدر من غير قصد متعلق بنفس القتل، كمروق السهم من الصيد، أو من غير تعلق بنفس الفعل، كما إذا سقط من سطح فوقع على إنسان، وقد نقول: وإن تعلق القصد بالشخص إذا لم يعلم أنه إنسان، وظنه صيداً، فهو كمروق السهم من الصيد، وإذا علم كونه إنساناً، احتمل إلحاقه بالعمد وبشبه  العمد من حيث لم يعلم إسلامه، فلم أرَ في كلام الأصحاب إلحاق ذلك بالخطأ المحض حتى يخفف واجبه على العاقلة \rفإن قيل: ذكرتم أسباب التغليظ، فاذكروا معنى التغليظ قلنا: الدية تتخفف في الخطأ المحض من ثلاثة أوجه: أحدها: الضرب على العاقلة والثاني: التأجيل بثلاث سنين والثالث: أنها تجب مخمسة كما سبق وصفها \rوفي العمد المحض تتغلظ من الأوجه الثلاث ، فتجب في خاصّ مال الجاني معجّلاً مثلّثاً ومعنى التثليث: أن تجب ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها \rوهذه النسبة مرعيّة في كل أرش يجب بالعمد المحض، حتى لو التزم بالموضحة خمساً من الإبل، ألزمناه حقّةً ونصفاً، وهي ثلاثة أعشار الواجب وجذعةً ونصفاً وخلفتين وكذلك ترعى هذه النسبة في دية المرأة والكافر كما سيأتي\rوأما شبه العمد فيتخفف من وجهين: فيضرب على العاقلة، ويؤخر  ثلاث سنين ويغلّظ من وجه ، وهو التثليث؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا إن قتيل العمد الخطأ، قتيل السوط والعصا، فيه مائة من الإبل، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها)) هذا معنى التغليظ\r\rولا يزيد بزيادة الأسباب، فلو وقع القتل بشبه  عمدٍ في الحرم والأشهر الحرم، وصادف ذا رحمٍ محرمٍ، فلا يجب إلا ما يجب بشبه العمد فقط، فلا يتكرر التغليظ بتكرر الأسباب \rوالآن إذا بان المغلظ والمخفف فالنظر في صفة الإبل المأخوذة وصنفها وبدلها ","part":1,"page":3},{"id":1909,"text":"أما الصفة فيعتبر فيها السن كما سبق، والذكورة في خُمْسٍ من المخمَّسة، والسلامة عن العيوب، كما يعتبر في رقبة الكفارة وكل عيب يُثبت الردّ بالعيب فهو مانع\rويعتبر الحمل في الخلفات، وذلك يعرف بقول أهل البصيرة، ولها مخايل ظاهرة، والغالب أنها  لا تحمل إلا الثنية  فما فوقها، فإن كان فوق الثنية فهو زيادة خير، فإن حملت على الندور جذعة، فالصحيح القبول؛ لأن الشارع لم يعتبر إلا الحمل\rوقال الشافعي: الخلفة: الحامل ، وقل ما تحمل إلا ثنية فصاعداً، فأي ناقة من الإبل حملت، فهي خلفة تجزئ  في الدية ما لم تكن معيبة والوجه الثاني: أنها  لا تقبل؛ لأنه نادر، وربما يطرأ الإجهاض للأجنة  على هذا السن، ولا يظهر بقاء الجنين \r\rفرع: إذا تنازع الجاني والولي في أنها خلفة أم لا، فإن كان حالة الأخذ، فيعرض على عدلين من أهل البصيرة، فإذا أخبر عن ظن، وجب على الولي قبوله ثم له الاستدراك إن بان خلافه؛ إذ منتهى الاستقصاء في الحال ما جرى، وإن كان بعد الأخذ، ولم يحكم ذَوُوا البصائر بالحمل، والتمس الجاني أن يصبر إلى أن يتبين، لم يُجَبْ إليه، والطلب قائم، والولي أخذها على ظن، ولا يلزمه  الاستمرار عليه إلا بحجة \rفلو ادعى الجاني أنهن أجهضن، وكنّ حوامل حالة الأخذ، فإذا كان صدق كل واحد منهما ممكناً، فالمصدّق هو الولي إن أخذ بقول الجاني، وإن أخذ بقول عدلين  فوجهان: أحدهما: أن الجاني مصدّق؛ لاستناده إلى قول عدلين، فمعه الظاهر والثاني: أن الولي هو المصدّق؛ لأنه المستحق، ولا يسقط حقه بالتخمين وإن كان يؤخر طلبه بالتخمين، وقول ذوي البصائر في هذا تخمين ","part":1,"page":4},{"id":1910,"text":"وأما  الصنف، فالذي يقتضيه القياس، أن يخرج ما  شاء مما ينطلق عليه الاسم من أَرْحَبِيّةٍ  أو مُخَيْدِيَّةٍ ، أو بُخْتِيَّةٍ  أو غيرها؛ اتباعاً لمطلق الاسم بعد السلامة من العيب، كما في رقبة الكفارة، ولكن إجماع الأصحاب على خلافه، ولعل سببه أن الإبل عوض، واختلاف هذه الأجناس  يوجب  تفاوتاً عظيماً، (فتخيير)  المرء بين الشيء و (صنفه)  في عوض رام  الشرع تقديره  (بعيدٌ)  \rثم الذي اتفق الأصحاب عليه، أنه إذا  لم يكن للمخاطب من العاقلة أو الجاني إبل في ملكه، نظر إلى إبل أهل القطر، أو إلى الأغلب من أقرب قطر إلى ناحيته، فيخرج من ذلك الجنس وقد يطلق الشافعي رحمه الله لفظ القبيلة، ويريد به أهل الناحية \rولو كان في ملك المخاطب جنس يخالف ذلك، فالذي أشار إليه العراقيون، وقطع به الفوراني، أنه يطالب بالدية، ولا يعدل إلى أهل البلد، حتى قالوا: إذا اختلفت  أصناف إبله، يؤخذ من كلٍّ بحصّته، ولا يطرد ذلك في اختلاف أصناف البلد؛ لأن ذلك لا حصر له \rولو اتجه ما ذكروه، فيتجه أيضاً النظر إلى أغلب إبله في ملكه، حتى لا يبعض، والنظر  إلى أهل [البلد]  تنزيلاً لمطلق الكلام على المعتاد، وله وجه، فأما النظر إلى ملكه فبعيد\rوقد ذكر قول في زكاة الفطر أنه ينظر فيه إلى قوت كل شخص، وهو متجه من حيث إن ذلك يختلف بالقدرة وعدمها ، وباتساع حال المكلف وضيقه، فإنها شكر على قدر النعمة، وأما هذا (فمشكل) ، ولفظ الشافعي يشير  إليه، فإنه قال: لا  أكلّف أحداً من العاقلة غير إبله، ولا يقبل دونها، وإن لم يكن ببلده إبل، كلّف [إبل]  أقرب البلدان إليه، فإن كانت إبل العاقلة مختلفة، أدى كل رجل منهم من إبله ","part":1,"page":5},{"id":1911,"text":"والذي مال إليه المحققون من المراوزة، الرد إلى الموجود في البلدة ، وتأويل كلام الشافعي، وأنه أراد بإبله إبلَ بلده وقوله: وإذا كانت إبل العاقلة مختلفة: أراد إبل القبائل؛ لأن سكان البوادي منهم لا يستقرون حتى  ينظرون إلى الغالب ببلدهم ومسكنهم؛ بل يسيرون، فيخرج كل واحد مما يغلب في قبيلته، وهو الصنف الذي يسير معهم، والقبيلة في حقهم كالبلدة في حق السكان، وهم طبقة السائرين والمترددين في البوادي \rفرع: إذا لم يمكن الحكم على واحد بالغالب، وتقابل الأمر، (قطع)  الأئمة أن  الخيرة إلى المعطي في هذه الصورة، وإن كانت إبل البلدة، أو إبل الغارم ـ إن اعتبرناها ـ مراضاً معيبةً، جعلناها كالمعدومة، وطلبنا سليمة من ذلك الجنس، وليس كالزكاة حيث نأخذ المعيب، فإنه يجب بقدر المال، فنعتبر صفته وجنسه \rأما البدل، فالعدول إليه عند العجز عن الإبل، وهو قيمة الإبل مغلظةً كانت أو مخففةً هذا هو الجديد \rومعنى العجز عنه: أن يبعد عن (القطر)  بعداً تزيد فيه قيمته مع مؤونة النقل على ما يشتري به في المحل المطلوب، وهو محل العزة، زيادة تعدّ غبينةًً  في نقل الإبل؛ لأنا نعتد  قيمة الإبل بالإضافة إلى يوم العزة \rونص في القديم على أنه يُرجع إلى ألف  دينار (أو)  اثني عشر ألف درهم من النقرة  الخالصة والذهب الخالص \rوله في المصير إلى ذلك تعلق بآثار ، قال المزني: رجوعه عن القديم رغبة إلى الجديد  ثم اختلف الأصحاب في محل القول القديم، فمنهم من قال: ذلك عند فقد الإبل، ومنهم: من طرد ذلك مع الوجود، والخيرة إلى المعطي، فيتخير  بين ثلاثة  خلال وهذا في غاية البعد فإن لم يكن من القديم بدّ، فليخصص بحال فقد الإبل ","part":1,"page":6},{"id":1912,"text":"التفريع: إن جرينا على القديم في تقدير البدل، فأثر التغليظ يسقط؛ إذ تعذر التغليظ بصفة ، ولا يغلظ  بالقدر في الإبل، فكذا في بدله، وهذا ما يدل على فساد القول القديم، فإن المغلظة إذا قومت، ظهر  أثر التغليظ في القيمة، ومن أصحابنا من قال: يزاد على المقدور  بسبب التغليظ ثُلُثُهُ، فتصير الإثنا عشر ألفاً ستة عشر ألفاً أخذاً من ابن عباس، فإنه نُقِل ذلك عنه ، وهو غير معتدٍّ به في المذهب \rهذا تمام الكلام في المغلظات وصفة الإبل\rأما المنقصات  فأولها: الأنوثة، ودية الأنثى على النصف من دية الرجل، والتغليظ جارٍ فيها على نسبة (الأعشار)  كما سبق \rوثانيها: الكفر، ودية اليهودي والنصراني بالنسبة، وشبب الشيخ أبو محمد بأن دية  المجوسي لا تغليظ فيها؛ لأن الإبل فيها لا تجب، والمتبع الأثر، وإنما التغليظ ووجوب الإبل فيما وجب بلفظ النسبة، كالنصف للمرأة، والثلث للكتابي، قال الإمام: وهذا غلط؛ بل دية المجوسي خُمْس ثُلث دية المسلم، وإنما لم نذكر النسبة للتطويل، فنطلب الإبل عند الوجود، ونغلظ إذا جرى سببه بنسبة الأعشار كما يفعل ذلك في أروش الجنايات وإن قلّت \rهذا حكم الكفار الذين بلغتهم الدعوة، وتمسكوا بكتاب (أو)  بشبهة كتاب\rأما عبدة الأوثان، فلا يتصور لهم عصمة بذمة مؤبّد، ولو دخلوا ديارنا بأمان، مكّناهم، وأثبتنا لهم عصمة المعاهدين، قال الأئمة: يثبت لهم أقل الديات، وهو دية المجوسي؛ إذ لا سبيل إلى الإهدار لأجل العهد، ولا توقيف في الحط عن هذا القدر \rوأما  المرتد، فلا يفرض له عصمة بحال، ولو تحزب طائفة من المرتدين للقتال، واقتضت الإيالة  تمكين رسولهم على هيئة المعاهدين، فلا يتعرض لهم، ولو اتفق قتله، فلا ضمان أصلاً، هذا متفق عليه \rأما الزنديق في مثل هذه الصورة إذا لم يكن سبق له  إسلام، تردد الشيخ أبو محمد في إلحاقه بالوثني أو بالمرتد ، وهذا كله فيمن بلغته الدعوة","part":1,"page":7},{"id":1913,"text":"وقد قال الشافعي: لم يبق من لم تبلغه الدعوة ، ولكنا لو صوّرنا ذلك بناءً على اتساع  الدنيا، فهم ثلاثة أقسام:\rأحدها: أن يكون متمسكاً بدين حق  ومستمرًّا عليه، فهو سعيد في حكم الشرع، فلو قُتِلَ واحدٌ منهم [قبل الدعوة] ، قال القفال: يجب القصاص؛ لأنه في معنى المسلم، وقال غيره: لا يجب؛ لأنه ليس مسلماً على التحقيق ، فإن أوجبنا القصاص فكمال الدية، وإن درأنا القصاص، ففي الدية وجهان: أحدهما: إيجاب كمال دية المسلم؛ لكونه محقًّا، والثاني: إيجاب دية أهل ذلك الدين الذي هو متعلق به \rالقسم الثاني: أن لا يكون قد بلغته دعوة ملة أصلاً، فهو سعيد معذور ، نقل عن القفال إيجاب القصاص على المسلم بقتله، وهو أبعد في هذا المقام، وذهب  الأكثرون إلى أنه لا يجب فأما الدية، ففي حكم الأصحاب نصّين عن الشافعي: أحدهما: الدية الكاملة، والثاني: دية المجوسي، وهو أقل الديات ، فمن الأصحاب من أجرى القولين، وتوجيههما بيّنٌ، ومنهم من نزل على اختلاف حالين، فقال: حيث أوجب أقل الدية، فهو إذا لم يكن متعلقاً بدين أصلاً وحيث كمّل، أراد به ما إذا كان متمسكاً بدِينٍ حقٍّ لم يغيّر والنص مطلق \rالقسم الثالث: أن يكون متمسكاً بدين محرّف، كدِين موسى صلى الله عليه وسلم بعد التحريف، فلا قصاص على قاتله قطعاً، وفي الضمان تردد يحتمل  الإسقاط؛ لانفكاكه عن الدين والعصمة، وتعلقه بالباطل، وتنزيل انكفافنا عن قتله على منهج انكفافنا عن النساء والذراري، فإن هذا إمهال [إلى]  العرض للدين الحق، ويحتمل إيجاب أقل الديات، وإليه يشير ظاهر النص ، فإن امتناع قتالهم في حكم العهد (لهم) ، وأما أمر النساء، فمبني على مصلحة الإرقاق، قال الإمام: والظاهر إيجاب دية يهودي إن صح أصل الضمان ","part":1,"page":8},{"id":1914,"text":"أما الصابئون، قيل: إنهم من النصارى، والسامرة من اليهود، فإن كانوا معطلة دينهم، فلا حرمة لهم، وإن كانوا من أهل الفرق، فيثبت لهم حكم دينهم \rوأما المسلم في دار الحرب إذا لم يهاجر بعدُ، فهو معصوم، وعلى قاتله القصاص والدية عندنا إذا قتله بعد إسلامه، ولا أثر للدار في العصمة، نعم، لو كان يظن أنه مشرك بعد، فتجب الكفارة ولا قصاص \rوفي الدية قولان؛ ومنشأ التردد تمهيد العذر، لا تطرّق  خلل إلى العصمة، فإن هذا التردد جارٍ فيمن رمى سهم غرب إلى صف الكفار، فأصاب مسلماً بينهم، وهو أسير من جملة المسلمين، ومنشأه تمهيد العذر، وإذا كان التخفيف والتغليظ يدخل في قدر الدية، لم يبعد التصرف  في أصلها أيضاً بالمعاذير \rهذا هو القول في الكفر الذي يوجب التنقيص وما يتعلق بالأديان والله أعلم\rثالثها: الرق، والواجب فيه  قيمته بالغةً ما بلغت، قلّت أو كثرت،  فلا  بأس وإن زادت على دية الحر ، خلافاً لأبي حنيفة \rوفي ضرب بدله على العاقلة في الخطأ وشبه العمد قولان ، ولا مدخل  للتغليظ فيه، والواجب نقد لا إبل\rرابعها: الاجتنان، وسيأتي في آخر الكتاب دية الجنين، ولا مدخل للتغليظ فيها إذا وجبت الغرة، وإن رجعنا إلى الإبل فلا بدّ من التغليظ  والله أعلم\r\rالباب الثاني: في الواجب فيما دون النفس \rوالجنايات الواقعة على ما دون النفس ثلاثة أنواع: جرحٌ يشقّ، وقطعٌ  يُبين عضواً، وضربٌ يبطل منفعة  \rالنوع الأول: في الجرح الذي يشق:\rويقع ذلك على ثلاثة مواضع: الرأس، والوجه، وسائر البدن \rالموضع الأول: الرأس:\rوالجراحات الواقعة على الرأس عشرة ذكرنا أساميها  في كتاب القصاص ، ولا يتقدر أرش جراحة منها قبل الانتهاء إلى الموضحة، وفي الموضحة خمس من الإبل \rوفي الهاشمة عشر، يعني إذا كان معها الإيضاح، وزادت الخمس بالهشم \rوفي المنقلة مع الإيضاح والهشم خمسة (عشر)  ","part":1,"page":9},{"id":1915,"text":"وفي المأمومة - وهي التي انتهت إلى الجوف- ثلث الدية \rوفي الدامغة كمال الدية؛ لأنها مذففة قاتلة  وفي الهاشمة من غير إيضاح تردد، الظاهر أنه خمس من الإبل، ومنهم من قال: حكومة ، وإنما العشر في مقابلة الموضحة مع الهاشمة  ثم هل يجوز أن تبلغ تلك الحكومة أرش موضحة \rولو أوضح واحد، وهشم آخر، ونقّل ثالث، وأمّ رابع، فعلى الأول خمس، وعلى الثاني التفاوت بين الموضحة والهشم، وهو الخمس تقديراً على  الصحيح، أو الحكومة على رأي، وعلى الثالث التفاوت بين الهشم والتنقيل، وهو خمس من الإبل، وعلى الرابع التفاوت بين الهشم والتنقيل والأمِّ، وهو ثمانية عشر بعيراً وثلث \rوالاعتماد في هذه المقدرات على الحديث \rوقد اعتمد الشافعي رحمه الله  كتاب عمرو بن حزم ، وقد كتب عليه السلام كتاباً، وفيه: ((وفي أصابع اليدين والرجلين، في كل أصبع مما هنالك (عشر)  من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الجائفة الثلث، وفي المأمومة الثلث، وفي الأنف إذا أوعب جدعاً مائة من الإبل، وفي الرجل خمسون، وفي اليد خمسون من الإبل)) ، فهذه منصوصات، ثم تصرف العلماء بالتقريب والتشبيه، وإلحاق بعض الأعضاء بالبعض تشبيهاً\rوقولنا: في الموضحة خمس من الإبل، وهي  نصف عشر الدية، [و]  تعتبر هذه النسبة في الأنثى، والكافر، والرقيق، وتعتبر النسبة في التغليظ، فتغلظ بالأعشار كما سبق \rوإذا تمهد تأسيس الكلام\rفالنظر في الموضحة في محلها، وحدّها، وتعددها، ورفع الحواجز من خللها\rأما الحد: فكلّ ما يوضح العظم للناظر \rفلو غرز إبرة فقرع العظم، ولكن انضمت  اللحوم، فهذا في محل التردد، وظاهر كلام الأصحاب أنها موضحة؛ إذ وضح اللحم للجارح، أعني الآلة، وفيه احتمال مأخوذ من مسألة سنذكرها في رفع الحواجز ","part":1,"page":10},{"id":1916,"text":"أما محل الموضحة، فكلّ عظم هو على كرة الرأس، فتدخل فيه الناصية ، والقذال، والقَمَحْدُوَة ، وسائر الجوانب، و (الخُشُشاء) ، وهي العظمة التي  تنطبق  عليها صدفة الأذن، ومن الوجه: الجبهة، والجبينان، والوجنة، وقصبة الأنف، واللحيان في جهة المقابلة، وهي كل عظم من القمة (إلى مركب)  الرأس؛ لأن الرأس مجمع المحاسن، فعظم أمره بالتقدير لموضحاته \rوأما عظم الرقبة وما يتصل به الحلقوم والمريء، فهو نازل عن الكرة، وما يوازي القفا من الرأس في منحدر القمحدوة من حد الرأس إلى المركب، وينحدر إلى عظمة معمورة قريبة من مركب الكرة  إلى الرقبة، فالأصح أنه من الرأس \rأما الاتحاد والتعدد، ففي كل موضحة خمس من الإبل، ولو أوضح جميع الرأس يلزمه أرش واحد، كما لو أوضح مقداراً يسيراً، ولو أوضح على مواضع تلزمه أروش بعددها \rإلا إذا انتهى إلى مبلغ يزيد على كل الدية، ففي وجوب الردّ إلى كل الدية خلاف سنذكر مثله في عدد الأسنان \rوللموضحة التي تعم الناصية والهامة  حكم الاتحاد، والتي تعمّ الناصية والجبهة وجهان من حيث تعدد اسم المحل، وكذلك لا تكمل جراحة الرأس بجزء من الجبهة، وإن كنا نسوي بين جميع أجزاء الرأس، بالإضافة إلى تكميل القصاص \rوالعظمة المعمورة القريبة من الرقبة والكرة إذا استرسلت الموضحة عليها، فيها  تردد أنها كالجبهة أم كأجزاء الرأس على ما سبق \rفلو استرسلت الموضحة من الجبين إلى الوجنة، ففيه تردد، والظاهر الاتحاد في أجزاء الوجه كما في أجزاء الرأس \rوإنما يثبت حكم (التعدد)  في الموضحتين  ببقاء الحاجز بينهما، فليعلم معنى الحاجز، فهو اللحم والجلد  ","part":1,"page":11},{"id":1917,"text":"فإن بقي أحدها دون الآخر فأوجه: أحدها: أن الواحد منها ليس بحاجز، فإذا انكشف اللحم عن الجلد، فهذه موضحة، وبعض أطرافها (متلاحمة) ، والموضحة إذا أحاطت بها المتلاحمة، ففيها  أرش موضحة فقط؛ لأن الباقي لو كان موضحة أيضاً لما زاد الأرش، والمتلاحمة دونها ، وهذا هو القياس والثاني: أنه يتعدد إتباعاً للاسم، وتعدد محل الإيضاح، ووقوع حاجزٍ ما والثالث: أن اللحم حائل، والجلد ليس بحائل؛ لأن اللحم ساتر، [والجلد]  غير  منطبق على العظم، فلا يعدّ ساتراً الرابع: أن الجلد حاجز، واللحم ليس بحاجز، فإنه حائل في النظر وهذا أضعف الوجوه \rالتفريع: لو كان بينهما حاجز تامّ، فأدخل إبرة تحت الحاجز من إحدى الجراحتين إلى الآخر، وسلّها، فهل يرتفع  الحاجز على مذهب من لا يكتفي إلا باللحم فعلى وجهين: أحدهما: أنه حاجز؛ لبقاء الجلد واللحم، والانطباق والالتحام على قرب والثاني: أنه ليس بحاجز، وقد اتحد وضوح اللحم، والالتحامُ الطارئ في الموضحة لا أثر له \rأما رفع الحاجز بين الموضحتين، فإن صدر من جانٍ آخر، وجب عليه أرش كامل، وعلى الأول أرشان، وإن صدر من ذلك الجاني، اتحد الكل، وعادت الأروش إلى واحد، كما إذا قطع الأطراف، ثم حزّ الرقبة قبل الاندمال، فإن الدية تعود إلى واحد، وتخريج ابن سريج في تداخل الديات يرجع في هذا المقام أيضاً \rولو كان رفع الحاجز خطأً، ففي تعدد الأرش من حيث اختلاف الحكم خلاف أخذاً  من تعدد الجاني، هذا بعد التفريع  على النص \rولو ارتفع الحاجز  بسراية جنايته، اتحدت الأروش على النصّ والتخريج \rولو أوضح رأسه في موضع، ثم عاد إلى ذلك الموضع، فلم يزل يوسع مرة بعد أخرى، حتى استوعب [جميع الرأس] ، فعلى النص أرش واحد، وعلى التخريج فيه احتمال  من حيث أن الفعل في صورة المتحد، وإنما التقطع في الزمان لا كالقطع والقتل، فإنه متعدد في صورته ","part":1,"page":12},{"id":1918,"text":"ولو صدرت هذه الصورة من جناة  متعددين، فلا بدّ من تعديد الأرش، ويليق بتخريج ابن سريج أن يحكم بالاتحاد نظراً إلى صورة الفعل، وإن تعدد الجناة، كما نظر إلى صورة تعدد الفعل عند اتحاد الجاني \rولو ضرب الجاني الحديدة ضربة واحدة، فصادفت  محلاًّ من الرأس، وإنما ثبتت على جزء منخفض من الرأس، وأوضحت محلاًّ آخر، وبقي المنخفض حاجزاً، فالمذهب التعدد، وذهب بعض الأصحاب إلى الاتحاد نظراً إلى اتحاد صورة الفعل، وهذا يستمدّ مما تقدم \rفروع ثلاثة: أحدها: قال الشيخ أبو محمد: تقدير أرش المتلاحمة يبنى على القصاص فيها ، فإن قلنا: لا قصاص فيها ، فواجبها  حكومة، وإن قلنا: يجب، فيقدّر  واجبها بالنسبة إلى الموضحة بتقدير سمك  الجراحة \rوهذا فيه نظر؛ لأن النصف الأسفل الملاقي للعظم أشرف، فلا يمكن تجريد النظر إلى مجرد المساحة، وإذا التفتنا  إلى ذلك، لم يبق بينه وبين إيجاب الحكومة فرق، فإنا نقرب في الحكومة من أرش الموضحة، ولا نزيد ، ولكن [فائدة]  قول التقدير أن يكون مراعاة نسبة السمك مع ما نعتبره محتوماً لا يجوز الاختلاف فيه، وعلى قول الحكومة يجوز تجريد النظر إلى غيره، وقد يقال فيه: الأفضل ما (زاد)  أو ما بقي \rالثاني: إذا أوضح عمداً، فجاء المستحق، وأوضح رأسه وزاد عمداً، وجب  القصاص عليه في الزيادة، وإن أخطأ في الزيادة وجب أرش \rوفي مقداره وجهان: أحدهما: أنه أرش كامل؛ لأن هذا القدر لو انفرد لأوجب  أرشاً كاملاً، وهو متميز في الحكم عما قبله، وعلى هذا استقرّ رأي القفال والثاني: أنه يوزع الأرش على جميع الموضحة، ويحط حصة قدر القصاص، ويطلب الباقي؛ لاتحاد الجراحة والجارح ","part":1,"page":13},{"id":1919,"text":"وإن كان توسيع الإيضاح خطأً من المعتدي العامد، فعلى وجهٍ الاتحاد لا يضم حكومة الخطأ إلى الأرش؛ بل الأرش الواحد يكفي الكل أرش واحد، وههنا وقع الأول قصاصاً، ولم يمكن  تعطيل الآخر، فاضطررنا إلى تقدير الحكومة \rالثالث: لو وجب القصاص في موضحة، فأراد مستحق القصاص أن يقتص من بعضها، ويرجع إلى قسط من الأرش في البعض، فوجهان: أحدهما: الجواز، كما لو استحق أصبعين والثاني: المنع؛ لأن هذه جراحة واحدة لا تتجزأ، بخلاف الأصبعين \r وعلى هذا نتبين أنه لو عفى عن نصف الجراحة، هل يسقط قصاصه في الباقي ولو وقع ابتداء الجراحة  خطأ، فاعتمد الجاني لمّا تنبه وزاد، فلا خلاف في وجوب القصاص في القدر الذي زاد، وهذا يرد التجزؤ، وجواز العفو عن البعض \rالموضع الثاني للجراحات: الوجه:\rويتصور عليه المتلاحمة، والموضحة، والهاشمة، والمنقلة \rوأما الآمة، وهي الواصلة إلى الجوف، فإن قلنا:  للمنافذ إلى باطن الفم والأنف له حكم الجائفة، تصور على الوجه جميع جراحات الرأس، ولا يبقى إلا الدامغة، وذلك مذفف، وليس بجرح، وإن قلنا: ليس له حكم الجائفة، فإن نفذ من الخد، ففيه أرش متلاحمة وزيادة، وإن نفذ من عظم الوجنة، ففيه أرش منقلة وزيادة، وإنما الزيادة لصورة النفوذ فهذا في حكم الوجه \rالموضع الثالث للجراحات: سائر البدن:\rوكل جرح واقع على سائر البدن سوى الوجه والرأس لا يجب فيها إلا الحكومة سوى الجائفة، ففيها ثلث الدية، وهي كل جراحة تنتهي إلى باطن فيها قوة محيلة، كالبطن وداخل الصدر، وإن لم يخرق  الأمعاء، والمعدة، والدماغ، وإن لم يخرق الخريطة ، والذي ينتهي من العجان  إلى داخل الشرج، وكذلك  المثانة ","part":1,"page":14},{"id":1920,"text":"وأما ما ينتهي إلى داخل الإحليل وداخل الفم والأنف، وكذلك ما ينفذ في الأجفان إلى بيضة العين، ففيه  وجهان: أحدهما: أن الواجب حكومة؛ إذ ثلث الدية لخطر  غور الجراحة، وليس لهذه البواطن غور والثاني: الأرش؛ لحصول اسم الإجافة \rوالذي ينتهي إلى داخل عظم الفخذ ليس بجائفة وفاقاً \rثم تعدد الجوائف ورفع حواجزها كتعدد الموضحة  على ما سبق من غير فرق \rفروع: أحدها: لو طعن رجلاً في بطنه، فنفذ السنان من ظهره فوجهان: أحدهما: أنهما جائفتان، وهو الصحيح؛ لوجود صورته، وتعدد الإجافة، والثاني: الاتحاد؛ لاتحاد الفعل، وهو بعيد \rقال الصيدلاني: على هذا ينبغي أن يجب ثلث دية وزيادة لصورة تعدد  الجرح \rولو ضربه في بطنه، فلم ينفذ إلى الظهر، فضربه في ظهره حتى التقى النفوذ، فيبعد كل البعد أن يعتقد هذا توسيع جرح حتى لا يتعدد الأرش، ولا شك في أنه لو ضرب بطنه بمشقص ، فأجاف في موضعين بينهما حائل، فجائفتان \rالثاني: لو (التحمت)  الجائفة: لم يسقط الأرش كالموضحة، بخلاف عود السن، ومن الأصحاب من قال: يسقط، ويبقى أرش الشين ، وهذا فاسد، فإن كل جائفة إذا لم تَسْرِ التحمت، فلا فرق بينها وبين الموضحة، وعند هذا القائل لا يتصور أرش الجائفة؛ إلا إذا قتله غيره بعد الإجافة حتى يقتصر الأرش على الثلث \rالثالث: لو أجاف، فخيط، فجاء جانٍ فقطع الخيط، فليس عليه إلا تعزير، ولو التحم فأجاف  في ذلك الموضع، فيجب أرش آخر كامل، ولو التحم الظاهر، ولم يتم الالتئام، ففتق ما التأم، فليس إلا حكومة \rولو أدى فتقه  إلى اتساع الجائفة الأولى وانفتاق لحم تام وجلد متصل، فيجب أرش كامل؛ لأنه حصل بسبب فعله، والضمان يناط بالأسباب \rولو كان قطع الخيط أيضاً سبباً لهلاك المجروح، فيجب الضمان؛ لأنه في كونه سبباً لا يتقاعد عن حفر البئر","part":1,"page":15},{"id":1921,"text":"هذا ما يتقدر أرشه ، وما عداها فموجبها الحكومات، وذلك في كل جرح  سوى ما ذكرناه ومنه:\rقطع اليد الشلاء، والأعضاء التي ظهر شللها من الرجل والذكر والأنثى، ومنها الحدقة العمياء، والسن الشاغية  الزائدة، والأصبع الزائدة، ومنها تسويد اللون وإزالة صفائه من الوجه، ومنها إفساد  منابت الشعور كلها ما على الرأس والوجه وسائر البدن ، خلافاً لأبي حنيفة حيث كمّل الدية في خمس من الشعور \rومعنى الحكومة: أن يقدّر المجني عليه عبداً، وتضبط قيمته، ثم تقدر قيمته بعد اندمال الجناية مع الشين  الباقي، فإذا قيل: قيمته دون الجناية عشر، ومع الجناية تسعة قلنا: الناقص هو العُشْر، فيجب عُشْر دية المجني عليه، وإن لم يبق شينٌ ينقص قيمته، وربما زادت القيمة كما في لحية المرأة، والسن الشاغية، والأصبع الزائدة، نظر، فإن لم يؤلم إيلاماً به مبالاة، ولم يَزُلْ شيء من الخلقة كالضرب، فلا يتعلق به شيء أصلاً \rوإن كانت تؤلم في الابتداء إيلاماً  ولكن لم تبق شيناً، كالجراحة إذا التأمت، أو [كان]  يزيل شيء من الخلقة كالشعور والإصبع الزائدة وأمثالها، ففيها وجهان: أحدهما: أنه لا شيء، وهو القياس؛ لأنه لم يعقب شيناً ولا نقصاً، فلا سبيل إلى تقدير الحكومة ، ومأخذ الحكومة النقص والثاني: أنه لا بدّ من إيجاب حكومة، فإن أمر الدم خطير، ولا سبيل إلى إهدار الجرح \rوما يزيل شيئاً من صورة الخلقة في حق الحرّ، فإن كان في حق العبد، فلا يوجب شيناً؛ لأنه مال، وهذا مع بعده، ينبغي أن يجري في العبد على قولنا إن جراح العبد من قيمته كجراح الحر من ديته  ","part":1,"page":16},{"id":1922,"text":"التفريع: إذا قلنا: لا بد من إيجاب شيء، ففي قدره وجهان: أحدهما: أن الواجب ما يراه الإمام باجتهاده وهذا هَوَسٌ ، فإنه إن أوجب بالتشهي كان محالاً، وإن  لاحظ مسلكاً، فإياه نطلب، فلا بدّ من بيانه، والثاني: أنه إن كان جرحاً، وكنا ننتظر لتقدير بدله آخر الأمر من شين أو سراية، فإذا لم تعقب شيناً، ننعطف ونقدر الجراحة دامية، والألم باقياً ، والدم سائلاً، ونقول: لا بدّ  أن ينقص هذا رغبة المشتري، فنوجب باعتبار الابتداء، ولا يبعد قطع النظر عن الآخر لهذه الضرورة \rونحن نقول: لو التحمت الموضحة والجائفة، لم يسقط الأرش الواجب اعتباراً بحال الجناية، ولكن هذا يطرد إذا كان الألم مخوفاً على الجملة من سراية إلى بعض العضو  أو الروح، أو أدّى إلى مرض حتى ينقص \rفإن كان بحيث لا تخشى غائلته بحال، ولا يؤثر أصلاً في تنقيص، ولا يخشى بقاء شين، [فهو كاللطمة، فينبغي أن تعطل قطعاً، فالمعتبر الخوف أوّلاً، ثم لا نظر إلى السلامة]  آخراً [هذا]  في الجراحات \rفأما الأعضاء الزائدة والشعور ولحية المرأة، وهي أغمض الصور، فإن إفساد منبتها يزيد في جمالها وقيمتها، فقال الأصحاب: يقدر ذلك لحية عبد ينقص زوالها في أوان اللحية شيئاً، ونوجب ذلك القدر، وليس ذلك بأبعد من تقدير الرق في الحر \rثم إذا اعتبرنا ذلك، فينبغي أن نحطّ قدراً من لحية العبد؛ إذ اعتبار مَنْ تُشينه  اللحية بمن تزينه ظلم وسرف ثم لا ضبط في الحد، وبفساد التفريع يتبين فساد  الأصل ","part":1,"page":17},{"id":1923,"text":"ثم مهما ضبطنا حكومة جنايته على طرف، حاذرنا زيادتها على أرش ذلك الطرف أو مماثلته؛ إذ يستحيل أن يماثل الجزء الكل، فلا بد من حط قدر إن ماثل، وكما أن الضبط  في قدر المحطوط عسير ، فلا نكتفي بكامل ما ينطلق عليه الاسم، ويحتمل أن يقال يضبط نقصان الأصبع بالجناية، ونقصانه بفوات الكل، فينضبط  التفاوت بين النقصانين  ويحط بقدره، ويحتمل ذلك وإن تطرق إليه إشكال لضيق المجال \rفروع: أحدها: أنه يجب في الكف الذي لا أصبع له حكومة، وكذا في عظم الساعد والمرفق، ويجب أيضاً في قدم لا أصبع عليه حكومة، وهذا غامض من حيث أن منفعة القدم المشي، ولا يفوت بفوات أصابع الرجل إلا سرعة المشي، وتفوت منفعة البطش بفوات أصابع اليد، ولم يختلفوا في التسوية بينهما في تكميل الدية ورد ما بقي إلى حكومة، والغرض أن حكومة الكف لا تزاد على دية اليد، وهل تزاد على دية أصبع واحد فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يزاد، فحكومة الكفين ينبغي أن تنقص عن أرش أصبعين، ومنهم من قال: يعتبر باليد، فإن غناء الكفين يزيد على غناء أصبعين في مقصود البطش والدفع وغيره \rوأما اليد الشلاء، فيجوز أن تزاد حكومتها على حكومة أصبع، ويمتنع أن تزاد على دية يدٍ، فليعلم \rالثاني: [قد]  بينا أن العضو الذي تعطلت منفعته بالشلل، كاليد، (أو)  بسبب آخر كالحدقة  العمياء، ففيها حكومة،","part":1,"page":18},{"id":1924,"text":"وقد تتعطل منفعة اليد بالفلج  من غير شلل في نفس العضو، فإن الشلل: عبارة عن استحشاف في ذات اليد يمنع الانطباع والتأثير، والفلج: خلل ينشأ تارة من إعلال في الأعصاب، وتارة من سبب حادث في الدماغ، [فهذه]  رتبة، وأبعد منها إذا كسر صلبه، فامتنع عليه المشي، فقد تعطلت الرجل لا لخلل  في نفس الرجل، فنقطع في هذه الصورة بأن الرجل لها حكم الرجل الصحيحة، فنكمل فيها الدية، ونقطع بها الصحيحة، ولا يجب على من أبطل القوة المحركة بكسر الصلب إلا  دية واحدة في مقابلة إبطال القوة المحرّكة، وهذه القوة أولى بالمقابلة بالدية من الشم والذوق، ولا يجب معها دية الرجلين؛ لأن الرجل صحيحة في نفسها \rفأما الخلل بالفلج فدائر بين الرتبتين، فإن حكم أهل الصنعة بأن الخلل من الدماغ، فقد ظهر إلحاقه بكسر الصلب، وفوات المشي من الرجلين، وإن قالوا: الخلل في الأعصاب والزوال بعيد، والعمل في الحال ساقط، فلا ينعقد إلحاقه باليد الشلاء \rالثالث: إذا جرح فبقي حوالي الجراحة شين، إن كانت الجراحة مقدرة الأرش كالموضحة، استتبع حكومة الشين الذي حواليه؛ لأنه لو كان بدل الشين إيضاح أو متلاحمة، لاتبع، فهذا أولى ، [هذا]  بشرط أن لا يجاوز حدّ الرأس\rفإن جاوز الشين حدّ الرأس، ففيه وجهان: أحدهما: الاتباع والثاني: أنه لا يتبع؛ لأن الإتباع استدلال بالأعلى على الأدنى؛ فإن الشين أقل من الإيضاح، وإذا جاوز حدّ الرأس  في جهة، زاد الواجب لا محالة، فكذلك ذلك الشين يزيد ولا يتبع \rفأما المتلاحمة إذا أعقبت  شيناً حواليها ، فإن  قدرنا أرش المتلاحمة، فوجهان في استتباعه: أحدهما: أنه يستتبع كالموضحة، والثاني: أنه كالجرح الذي لا تتقدر حكومته؛ لأن تقديره بنسبة متكلفة ليست أصلية ","part":1,"page":19},{"id":1925,"text":"فأما الجراحات التي لا تتقدر أروشها، ومنها المتلاحمة على رأي، فظاهر النص أنه ينظر إلى أكثر الحكومتين من حكومة الجرح  أو الشين الذي حواليه، ويجعل الأقل تبعاً له ، وهذا مشكل من حيث إن اسم الشين يشمل محل الجرح وما حواليه بعد الاندمال، وليس الشين إلا عبارة عن أثر منكر  من بقاء حفرة لا لحم عليها أو لحمة زائدة، أو تغير لون أو استحشاف ، فينبغي أن نجعل المحل واحداً، ونوجب حكومة المحل، وهو الذي اختاره القاضي ، ولا اتجاه لغيره، ومن الأصحاب من تكلف توجيهاً للنص، وحكم بموجبه، وهو الذي ذهب إليه  الصيدلاني والشيخ أبو محمد، فإن الجرح هو الأصل، والشين كالمتولد منه ، وكالتابع له ، فيضاهي هذا التردد ما ذكرنا من الوجهين في أن حكومة الأصبع الشلاء هل تستتبع حكومة الكف الذي يقابله وإنما المقدرات هي التي تستتبع الحكومات وفاقاً \rولكن لو كان حكومة الجرح أقل، لم يمكن أن يجعل أصلاً، وهذا أيضاً يوجب أن ينظر إلى حكومة الأصبع الشلاء والكف، حتى يتبع الأقل الأكثر ، وإلا فالفرق، وعلى هذا لو استوت حكومة الجرح والشين، فينقدح  أن يقال: تجب إحداهما، والأولى الإضافة إلى الجرح، ويحتمل أن يقال: يجب كلاهما؛ إذ ليس أحدهما أولى من الآخر، والأظهر أن يجمع الكل كالشين الواحد، ويجب تمام حكومته، وهو القياس، وإن كان مخالفاً  لظاهر النص \rالنوع الثاني من الجنايات: القطع المبين للأعضاء:\rوالنظر في خمسة عشر عضواً:\rالعضو الأول: الأذنان:","part":1,"page":20},{"id":1926,"text":"والبداية بالأعالي، وفيهما إذا استؤصلا كمال الدية، وفي إحداهما نصف الدية إلحاقاً لهما بالمثاني من الأعضاء بطريق التشبيه، وإن لم (تنطوِ)  صحيفة  رسول الله صلى الله عليه وسلم على تكميل الدية فيهما، ولقد جازف من روى عنه عليه السلام قوله: ((في الأذنين الدية)) ؛ لأنه لم يصح عند علماء الحديث ، وذهب بعض أصحابنا إلى تخريج قول في أن الدية لا تكمل فيهما؛ لأنه لا توقيف، ولا منفعة تظهر لهما، ولا نظر إلى الجمال عند الشافعي رحمه الله في التكميل، فتلحق بالشعور ، والظاهر الأول \rووجهه ظهور  منفعتهما، (أنهما)  يجمعان الصراخ، ويحرسان الصماخ  عن الهوام، وهي غضروف يتأثر بالصوت تأثر الجلد المشدود على الطبل، فإذاً هما منفعتان \rويتولد منهما فرعان:\rأحدهما: الأذن المستحشفة التي لا تحس؛ لتكون منبهة  على دفع الهوام، وفيها  وجهان: أحدهما: أن واجبهما الحكومة، وسقوط الحس كالشلل في سائر الأطراف والثاني: أنه تكمل [الدية] ؛ لأن المعنى الظاهر جمع الصوت، وهذا باقٍ، (فلا)  مدخل لبقاء الحس فيه، فعلى هذا لو أبطل الحس، كنا  نتبع بقاء الجرم ، فلا يلزمه إلا حكومة، وعلى الوجه الأول يلزمه كمال الدية \rالثاني: أذن الأصم: تكمل فيهما الدية؛ لأن السمع ليس كالآنية حتى يؤثر زوال السمع \rوفيه إشكال من حيث أن منفعة جمع الصوت سقطت ، وعليه التعويل، ولأجله اتجه تخريج قول في إسقاط الدية أصلاً إن لم يثبت توقيف، ولكن يمكن أن يجاب بأن الصدفة  متهيأة لجمع الصوت بنفسها ، والخلل في غيرها، وهو كما لو بطل مشيه بكسر صلبه ، لا تخرج الرجل عن كونها مضمونة بكمال الدية \rالعضو الثاني: العينان:\rوفيهما إذا فقئتا  كمال الدية، وفي إحداهما النصف، وفي عين الأعور نصف الدية  وقال مالك رحمه الله: كمالها ","part":1,"page":21},{"id":1927,"text":"ويجب كمال الدية في عين الأخفش  والأعمش ، وضعف البصر كضعف قوة اليد، وليس في حدقتي  الأعمى إلا حكومة [العضو]  \rالعضو الثالث: الأجفان:\rوفيها إذا استؤصلت كمال الدية، وفي كل جفن ربع الدية، وقد يقطع البعض ويتقلص  الباقي، فلا تكمل الدية؛ بل تجب بقدر المقطوع، ويتشوف إلى التقدير بالنسبة ما أمكن، ولا يعدل إلى مسلك الحكومة إلا لضرورة  وأما الأهداب إذا (أفسد)  منبتها، ففيها حكومة ، ولو استأصل الأجفان، ففي اندراج حكومة الأهداب  تحتها وجهان: أحدهما: الاندراج كما يندرج شعر جميع الرأس  في الموضحة المستوعبة والثاني: أنه لا يندرج؛ إذ للأهداب منفعة على الجملة، فإنها تشبك عند ثوران الغبار، ولا تمنع نفوذ البصر، والظاهر التبعية كما في الأظفار مع الأصابع \rالعضو الرابع: الأنف:\rوفي الأنف إذا أوعب  من مارنه جدعاً  كمال الدية، والمارن: ما لان من الأنف، فإذا استؤصل وانتهى القطع إلى القصبة ، وجب كمال الدية \rوالأنف ينقسم ثلاثة أجزاء كما تنقسم الأجفان أربعاً، وهي: المنخران والحاجز، ففي كل واحد منها إذا أفرد بالقطع ثلث الدية، ولا نظر إلى تفاوت المنفعة كما في الأصابع، ومن أصحابنا  من أوجب في أحد المنخرين نصف الدية؛ لأن منفعة المارن  بعد الجمال، منع الهوامّ من مصادفة الخيشوم المتصل بالعظم  المشاش ، ولا بدّ للأجدع من اتخاذ أنف لذلك، (ولا)  مدخل للحاجز فيه؛ بل هو تبع يتقاعد وقعه عن وقع الكف مع الأصابع، ثم فيه حكومة، فهذا أولى \rوذكر الفوراني وجهاً أن الواجب في أحد المنخرين الحكومة، وهو هوس بين؛ إلا أن يريد به النسبة [إلى الكل بإيجاب قدر، وإبطال قدر التنصيف والتثليث وهو أقيس لوجوه، وهو كما لو قطع شيئاً من المارن، فإنا نوجب قدراً من الدية بطريق النسبة]  ","part":1,"page":22},{"id":1928,"text":"ثم القصبة الباقية بعد المارن فيها حكومة ، وإن استأصل الأنف مع القصبة اكتفينا بالدية ، أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأنف الدية مطلقاً، وهو عبارة عن الكل \rوفي أنف الأخشم: كمال الدية كما في أذن الأصم \rالعضو الخامس: الشفتان:\rوفيهما كمال الدية، وفي إحداهما نصفها، ولا فضل للعليا على السفلى \rوقال مالك رحمه الله: في العليا الثلثان، وفي السفلى الثلث  والنظر في حدّ الشفتين، وهما في عرض الوجه لا يجاوز الشدقين بالاتفاق \rوفي الطول اختلفت عبارات الأصحاب على أربعة أوجه: منهم من قال: هو ما يستر الأسنان واللثة ، وعمود الأسنان فقط، ومنهم من قال: منتهاه إلى محل الارتتاق  تحت المنخر من العليا، وفوق العنفقة  من السفلى، ثم يقدر امتداد خط منه مورب على صورة الحاجبين محيط بالشدقين، وهذا يزيد على الأول قليلاً، وقال الشيخ أبو محمد: كل الدية بقدر ما  (ينبو)  من الشفتين عند الانطباق، وهذا أحد الشفرين كما سيأتي، وقيل أيضاً إذا قطع من العليا ما لو بقي معه السفلى لم ينطبق عليه، فهو كماله، وهذا القول في السفلى، فهذه أربع مراتب، أقلها ما ذكره الشيخ أبو محمد \rفرع: لو قطع البعض، وتقلص الباقي، وانكشف تمام اللثات على قول اعتبار الانكشاف، ففي الدية وجهان: أحدهما: أنه يوزع على ما قطع وما بقي، ولا ينظر إلى انكشاف الكل، والثاني: أنه يكمل؛ لأن الباقي وإن بقي، فقد سقطت منفعته، وفائدته الستر، فهو كما لو قطع أصبعاً، فاتصل آخر، يغرم أرش أصبعين \rالعضو السادس: اللسان:\rففيه كمال الدية إذا كان ناطقاً  \rوفي لسان الأخرس الحكومة إن كان الخرس لخلل  في اللسان، وإن كان لكونه أصم في أصل الولادة، فوجهان ","part":1,"page":23},{"id":1929,"text":"وقد ذكرنا أن من بطل  مشيه بكسر فقاره، ففي رجليه كمال الدية، ولا بدّ من تخريجه على الوجهين، فلا فرق، ويبتني عليهما أن من جنى على سمع صبي [ولسانه]  حتى امتنع نطقه، لزمه  ديتان على هذا الوجه، وكذلك في كسر الفقار ، وإن قلنا: لا تسقط الدية بذلك، فلا تجب إلا دية واحد على الجاني على السمع والفقار \rوأما لسان الصبي ففيه كمال الدية إذا ظهر أمارة القدرة بالبكاء والمص والتحريك كما يجب القصاص وكمال الدية في قطع رجليه إذا ظهر مخايل السلامة \rفإن لم يستقل ، ولم يظهر  مخايل النطق، وظهر مخايل الخرس فحكومة، وإن لم يظهر لا هذا ولا ذاك فحكومة، اتفق الأصحاب عليه، ولم يوجبوا بناءً على الغالب، وقال الشيخ أبو محمد: وفي القلب من هذا شيء، ولكنه متفق عليه \rأما إذا قطع نصف لسان الناطق، فعليه نصف الدية؛ إلا إذا ذهب ثلثا كلامه، فعليه الثلثان، وفيه بقية نظر نذكره في قسم إبطال المنافع \rالعضو السابع: الأسنان:\rوفي كل سنّ مما  هنالك خمس من الإبل إذا كانت مثغورة، وجميع الأسنان مع تفاوتها في القدر والمنفعة فيه متساوية، والاعتماد على التوقيف \rوالنظر في الأسنان في أمور:\rأحدها: أنه لو قطع ما ظهر من السن، وبقي السنخ ، وجب كمال الدية، ولو استأصل به، اكتفى بكمال الدية، كالأصابع مع الكف ","part":1,"page":24},{"id":1930,"text":"ولو قطع بعض السن، وجب بقدره، والتوزيع على ما ظهر أم عليه مع السنخ فيه وجهان: أحدهما: أنه على الظاهر؛ إذ تكمل فيه الدية، فليجب في نصفه نصف الدية، وكما لا يشترط للكمال انضمام غيره، لا يشترط للبعض، ويعتضد ذلك بالأصابع، وهو الوجه الأصح الأقيس، والثاني: أنه يوزع؛ لأنه لا يجب في الكل إلا دية، وكما قطع بعضاً، فقد أبقى بعضاً، فليحتسب له ما بقي كما حسب عليه ما قطع؛ بخلاف ما إذا قلع ما ظهر، فإن ما بقي لم يبق له وقع ومنفعة، فكان محبَطاً، وهو منتفع به مع البعض، بخلاف الأصابع، فإنها  منفصلة عن الكف حسًّا، ولكن أدرج الكف بالتبعية عند الاستئصال؛ لأن أظهر منافعها كونها مركب الأصابع \rوالوجهان  يجريان في الحشفة مع باقي الذكر، وفي الحلمتين مع الثديين؛ لأن الدية تكمل في الحشفة والحلمة، لا تزيد باستئصال الذكر والثديين  وفي كل ذلك وجه لبعض الأصحاب  أنه تزاد الحكومة \rوأما مارن الأنف مع القصبة، فهو أبعد [من هذا] ؛ ولذلك أفردناها بحكومة مع المارن على وجه \rفإن لم نفرد ، فالتوزيع  يخرج على هذين الوجهين \rوالتوزيع على الكل في مسألة السن أظهر؛ إذ يظهر في سنخه معنى الارتباط والتبعية والاتصال، فليس في مجرده غناء حتى يستقل، وفي بقية الذكر والثديين فائدة على الجملة، وأبعد المسائل إدخال القصبة في توزيع دية المارن \rالتفريع: إذا قطعنا بأن السنخ لا يفرد بحكومة إذا قلع الكل دفعة، فلو قطع نصف السن، فجاء آخر وقلع [الباقي] ، حكى القاضي عن نص الشافعي: أنه يجب للسنخ حكومة؛ لأن إدراجها تحت كل الأرش المقدر بالتبعية، فلا يندرج تحت البعض  هذا ما نقل [ووُجّه] \rويتجه وراءه احتمالان أخذاً من فحوى كلام الأصحاب: أحدهما: أنه يدرج  تحت البعض كما يدرج تحت الكل، والثاني: أنه يندرج النصف تحت ما سبق، والنصف تحت الباقي والمنقول ما قدمناه ","part":1,"page":25},{"id":1931,"text":"ولا خلاف في أنه لو قطع ما ظهر أولاً بكماله، ثم قلع السنخ، يفرد السنخ بحكومة متصلاً كان أو منفصلاً \rوما نقلناه من النص وذكرناه من الاحتمال، يجري في قطع بعض الحشفة مع استئصال الباقي \rالنظر الثاني: في عود السن المثغور، ولا خلاف في أن السن الذي لم يثغر إذا قلع، لا يجب في الحال فيه دية ولا قصاص؛ لأن عوده غالب، فنتوقف ، فإن عاد اقتصرنا على حكومة، إن  بقي شين وأثر ، وإلا  ففيه وجهان  كما سبق في الحكومات، وإن لم يعد أوجبنا أرشاً كاملاً، وقطع الأصحاب أيضاً بالقصاص؛ لأنه حصل  إفساد المنبت مع إزالة الصورة \rوأما المثغورة، فيجب بقلعها في الحال كمال الأرش والقصاص؛ لأن الغالب أنه لا يعود، فإن عاد فتقدم على هذا أن اللطائف كلها كالحواسّ الخمس، ويلتحق به العقل والبطش، (إذا)  زال ثم عاد، استردّ  الأرش، وتبين أنه لم يزل تحقيقاً؛ بل كان ذلك اختفاء أو وقوع مانع، ثم ارتفع المانع، فهذا معلوم عند أهل البصيرة \rوالموضحة إذا التحمت، فلا أثر لالتحامها قطعاً، وهو لحم جديد لا يغير ما سبق، وهو معتاد غالباً، ولو كان معتبراً لانتظرنا عاقبة الأمر كما ننتظر في السن المثغور، وسبب ذلك أنه أمر جديد قطعاً، وما سبق لم يعد بعده، والجائفة كالموضحة ، وذكر صاحب التقريب في التحام الجائفة وجهاً، ولا انقداح له فيما إذا التحمت بعد زوال اللحم بنبات لحم جديد، فإنها كالموضحة قطعاً، وهي منتظرة غالباً، ثم لم يتوقف إلى الالتحام ، ولو حصل مجرد  الفتق، فارتتق اللحم الكائن من غير مزيد، انقدح ما ذكره، ويجري هذا أيضاً في الموضحة إذا حصلت  بغرز إبرة من غير اختطاف لحم وارتتق، فإنه التحام فيما سبق من غير مزيد ","part":1,"page":26},{"id":1932,"text":"أما السن المثغور إذا عادت، فقد تعارض فيه أمران: أحدهما: أنه خلق جديد قطعاً لا كاللطائف، والثاني: أنه ألف مثله في غير المثغور، ففيه قولان منصوصان ، واختيار المزني أنه نعمة جديدة لا مبالاة بها، واستشهد بما لو قطع بعض لسانه، فنبت اللحم أنه لا يسترد الأرش ، فاختلف الأصحاب فيه،  فمنهم من قال: لا بد من طرد القولين، ومنهم من قطع بما ذكره، وفرق بأنه لحم جديد كالموضحة، ولم يعهد من جنسه أصل في اللسان حتى تلحق به، وقد عهد في سن غير المثغور أن الشرع يعتبر عوده، فالعائد من المثغور كالعائد من غيره \rواستدل المزني أيضاً بأن العود لو كان معتبراً، لانتظرنا العود كما في غير المثغور \rفاختلف الأصحاب، منهم من قال: ينتظر ولا يتأدى الأرش والقصاص، ويخرج ذلك على القولين والرجوع في مدة  الانتظار إلى أهل البصيرة، وقد يزيد على الانتظار في غير المثغور ومنهم من سلم وقال: العود نادر، وإنما ينتظر ما يتفق غالباً، والسبب الموجب للقصاص والأرش، والعود المعتبر لا يفرض إلا نادراً، فلا وجه للانتظار \rفروع: أحدها: إذا قلع سن صبي، فانتظرنا ما يكون من العود، فمات قبل مضي المدة، ذكر صاحب التقريب وجهين: أحدهما: إيجاب الأرش؛ لأن السبب قد جرى وكنا نتوقع العود معتبراً، فلم يكن، فيبقى الوجوب، والثاني: أنه لا يجب؛ لأن السبب إفساد المنبت، ولا يبين إلا بمضي المدة \rالثاني: لو قلع سنّ صبي، فجنى آخر على منبت ذلك السن، وقال أهل البصيرة: جنايته أفسدت المنبت، ولولا جنايته، لعادت السن، فهذا محتمل مشكل يحتمل إحالة إفساد المنبت على القلع، وتقدير الجناية كالموت، ويحتمل إحالته على الجناية، والظاهر أن القاطع لا يلزمه إلا حكومة، فلا وجه لإحالة إفساد المنبت عليه، [ولا وجه أيضاً لتكميل الأرش على الثاني، ولم يقلع شيئاً بمجرد إفساد المنبت] ، ويحتمل أيضا تكميل الأرش عليه ","part":1,"page":27},{"id":1933,"text":"ولو انقلعت  سن الصبي بنفسها،  وأفسد المنبت بجنايته، فتكميل الأرش ههنا أوجه؛ إذ لم ينعدم  من غير جنايته، ولا ينقدح بحال إيجاب الأرش على (القالع)  والمفسد؛ إذ لا مناسبة بين جنايتيهما، والمسألة محتملة، ولا نقل فيها  \rالثالث: إذا بلغ الصبي وهو ابن عشر ولم يثغر، فقلع سن صبي لم يثغر، فلا قصاص في الحال؛ لأنه ربما تعود سن المجني عليه دون سن الجاني، فإن عاد سن المجني عليه، فهذا عود معتبر بالاتفاق، فلا يمكن قلع سن الجاني، وربما لا يعود وإن لم يعد سن المجني عليه، قلعنا سنّ الجاني، فإن لم تعد فهو المقصود، وإن عاد فهذا العود معتبر بالاتفاق، فهل يعود إلى قلعه ثانياً وثالثاً فيه خلاف ذكرنا نظيره في كتاب القصاص ، وإن لم يقع فلا خلاف في إكمال  الأرش في سنّ المجني عليه\rالرابع: إذا قلع سنّه، فرد إليه سنًّا من ذهب، فتشبث به اللحم، وثبت وتهيأ للمضغ، فلو قلع قالع هذا السن، فلا يجب الأرش، وفي وجوب الحكومة قولان: أحدهما: أنه لا يجب؛ لأنه ليس جزءاً من الحيوان والثاني: أنه يجب؛ لحصول فائدته والظاهر أن هذا تقدير لا يتصور وقوعه \rالخامس: سنّ الشيخ الهرم إذا تقلقل وأشرف على السقوط، فإن كان الظاهر أنه يثبت ولا يسقط، فلا أثر للتزلزل كضعف الأعضاء \rوإن غلب على الظن أن السنّ إلى السقوط لما به، ففيه قولان: أحدهما: أن الواجب فيها  الحكومة دون كمال الأرش كسنّ الصبي، فإنه  إلى السقوط أيضاً، والثاني: أنه يجب الأرش؛ لأن  سنّ الصبي يسقط إلى خَلَفٍ، وهذا إلى غير خلف، فيضاهي ضعف الأعضاء ومرضها قبل  الانتهاء إلى الشلل، وفي الأعضاء يقطع بكمال الأرش، وفي سنّ الصبي يقطع بالحكومة ، وهذا من حيث أنه إلى السقوط لا إلى خلف كالأعضاء، وهو في نفسه من جنس السنّ على الجملة، تردد فيه القول ","part":1,"page":28},{"id":1934,"text":"النظر الثالث: في استيعاب الأسنان وهي من الخلقة المعتدلة اثنان وثلاثون، [أربع]  ثنايا من فوق وأسفل، وأربعة رباعيات من فوق وأسفل، وأربعة ضواحك، وأربع نواجذ، وأربعة أنياب، واثنا عشر (طواحن) ، وهي تسمى الأضراس، وأروشها متساوية، وإن اختلفت أقدارها ومنافعها \rولو استأصل الشخص الواحد جميعها، فهل يكتفى بدية واحدة فيه قولان: أصحهما إيجاب الأروش من غير إدراج؛ إذ قال: ((في كل سنّ خمس [من الإبل]))  مع أن الغالب أنها تزيد والثاني: أنها لا تزيد؛ لأنها متقابلات متعاونات على جنس من العمل، فهي شديدة الشبه بالأصابع هذا إذا اتحد الجاني والجناية، ونعني باتحاد الجناية أن  يضرب ضرباً، فيسقط  جميع الأسنان \rفلو تعدد الجاني، فقلع كل واحد سنًّا، أو واحدٌ عشرين، والآخر الباقي، وجب كمال الأروش \rولو تعددت الجناية من شخص بأن قلع، وترك حتى اندمل، ثم قلع هكذا إلى الاستيعاب، تعددت الأروش، ولو قلع واحدة واحدة من غير تخلل اندمال على التوالي، فطريقان: منهم من قال: هذا اتحاد، فهو كالضرب المسقط للكل، ومنهم من قال: هذا تعدد \r[فرع]  الثنايا أطول من الأسنان غالباً، فإن فرض شخص ساوى ثنية سائر أسنانه، أو كان أقصر، فمنهم من قال: هذا النقصان كقصر الأصبع بأنملة، وهو نقصان جزء، فيحطّ  بقدره من الأرش، وإليه ذهب الأكثرون، وفي كلام بعض الأئمة رمزٌ إلى إيجاب كمال الأرش؛ لأن زيادة الثنايا (ليست مطّردة)  اطّراد انتظام الأصابع، وقال الفوراني: فيه حكومة، فإن لم يرد به التوزيع الذي أراده الأصحاب فهو غلط \rالعضو الثامن: اللحيان :","part":1,"page":29},{"id":1935,"text":"وفيهما كمال الدية، وهما من مباني البدن  قال الشافعي رحمه الله: الأسنان العليا في الرأس والسفلى في اللحيين  وقصد به أنه لو قلع لحييه، وعليهما الأسنان، فهل يلزمه مع كمال الدية أروش الأسنان والقياس الظاهر أنه يجب؛ لاستقلال كل واحد لوجود  التقدير فيه والثاني: أنه يتبع؛ لأنه المركب للأسنان والأصل له، ولا يفرد الفرع (عن)  الأصل بالواجب كما في الكف مع الأصابع \rالعضو التاسع: اليدان:\rوفيهما كمال الدية، وفي كل أصبع عشر من الإبل، وفي كل أنملة ثلث الأرش  إلا في الإبهام والمحسوب الأنملتان الظاهرتان عندنا، ففي إحداهما نصف الأرش ، خلافاً لأبي حنيفة  وكان عمر -رضي الله عنه- يفرق بين أروش الأصابع ويفضل، فنقل له ما روي عنه عليه السلام أنه قال: ((الأصابع سواء، والأسنان سواء، والثنية كالضرس، هذه كهذه))  فرجع عن مذهبه  والنظر في أمرين:\rأحدهما: في الكف والساعد، ولا يزيد باستئصال الكف شيء، فالقاطع من الكوع يلتزم  ما يلتزم ملتقط الأصابع؛ إلا إذا أفرد الكف بالقطع بعد لقط الأصابع، فقد نقول: يفرد بحكومة \rفإذا قطع من المرفق وجبت حكومة الساعد، ولم (يندرج) ، بخلاف الكف؛ لأن الدية في اليد، والاسم يستقل بالكف والأصابع دون الساعد \rوكذلك في العضد الحكومة، وإن كسر العظم فالقصاص من المفصل الأقرب، والحكومة للباقي وإن انجبر الكسر وأبقى شيناً، فحكومة الشين \rفإن قال الجاني: أنا أعيد كسره، و (اجبره)  بحيث لا يبقى شين،  لم يمكّن، فلو فعل، واستد  من غير شين، لم يسقط ما سبق، وتجدد مزيد بما حدث على ما فصل في الحكومات \rوالنظر الثاني: في اليد الزائدة، فإذا  كان على معصم كفان باطشتان، فلا نتصور أن تكونا أصليتين؛ بل لا بدّ أن  تكون إحداهما زائدة، بخلاف ما ذكرناه في الأصبع الزائدة فإن ظهرت الزائدة ففيها حكومة، وفي الأصلية القصاص والدية ","part":1,"page":30},{"id":1936,"text":"فإن أشكل فأحرى العلامات البطش، فما زاد بطشه فهي الأصلية، وإن كانت منحرفة عن (سنن)  الساعد، فلا تقابل علامة البطش بغيره بحال \rفإن استويا في البطش، فالمستدة  هي الأصلية دون المنحرفة، فإن استويا فالكاملة الخلق أصلية، والناقصة زائدة \rفإن اعتدل خلقهما، فالذي عليه أصبع زائدة، قال  العراقيون: لا وقع لذلك ولا أثر له وقال القاضي: تيك اليد زائدة، فإنها تدل على تشويش في الخلقة، وهذا لا يثبت له \rأما نقصان الأصبع جعل دليلاً على الزائدة، فلو كانت إحداهما مستدّة  على سنن الخلقة، ولكنها ناقصة بأصبع، والأخرى مائلة  كاملة الأصابع، فهذا فيه احتمال، فإن لم تتميز بعلامة، فهو مشكل، فعلى من يقطعهما جميعاً الدية وحكومة أو القصاص وحكومة \rولو قطع قاطع إحداهما فلا قصاص عليه؛ لاحتمال أنها زائدة، وعليه نصف دية اليد وزيادة حكومة، هكذا قال الأصحاب \rوإيجاب نصف الدية قطعاً مع احتمال كونها زائدة، واستحالة أن تكون كل واحدة أصلية فيه إشكال، ولكن كذلك أورده الإمام \rفرعان: أحدهما: لو كان يبطش بإحداهما، وأوجبنا  دية اليد على قاطعها، فاشتدت اليد الأخرى بهذا القطع، وبطشت بطش الأصليات، ففي استرداد الأرش المبذول، ورده إلى قدر الحكومة وجهان: أحدهما: أنه يستردّ، فإن هذه الباقية لها حكم الأصلية، ولا يتصور أصليتان على معصم واحد والثاني: أنه لا يستردّ، وقد سبق به القضاء، وهذه نعمة جديدة، وهذا يلتفت على عود السن \rثم على هذا الوجه، لا خلاف ههنا أن اليد الباقية الباطشة يتعلق بها القصاص وكمال دية اليد، فإنها أصلية \rوكذا الوجهان فيما إذا كانت المقطوعة الأولى على نصف البطش، فغرمنا نصف أرش اليد وزيادة حكومة، فازداد  بطش الباقي بقطعها إلى حدّ تقدّر أصلية لو كان عليها أوّلا، فهل يستردّ، ويقتصر على حكومة [فيه]  الخلاف كما سبق ","part":1,"page":31},{"id":1937,"text":"الثاني: [أنا]  بينا أن المعتدل لو قطع يديه الباطشتين، وجب القصاص وحكومة، ولو قطع إحداهما، فعليه نصف الأرش  وحكومة، ولو أخذ الأرش فجاء الجاني وقطع الثانية، فهل له أن يرد الأرش، ويطلب الآن القصاص ذكر صاحب التقريب وجهين: أحدهما: أنه ليس له ذلك؛ إذ أخذ الأرش تضمّن الإسقاط، والثاني: أن له ذلك، وكان عذره  في أخذ الأرش تعذر القصاص، وهذا مما سبق له نظير في القصاص في الأنملة الوسطى والعليا \rالعضو العاشر: الترقوة والضلع:\rقال الشافعي رحمه الله: في الترقوة يكسرها الجاني جمل، وفي الضلع جمل، قلدت فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه  وقال في موضع آخر: فيها حكومة  وجعل المزني في المسألتين قولين، ووجه قول الحكومة \rفمن الأصحاب من وافقه، واعترف بأن الأقيس الحكومة  وتوجيه القول الآخر اتبعاعهم في هذا التقدير كما تتبع الصحابة رضي الله عنهم في تقدير جزاء الصيد  وقد ذهب زيد بن ثابت رضي الله عنه إلى إيجاب مائة دينار في العين القائمة ، وما ذهب أحد إلى تقليده؛ لأن الدنانير تشعر بالتقويم المفضي إليه تلك  الحكومة، والجمل أشبه بالتوقيف ومن الأصحاب من قطع بالحكومة، ونزّل الجمل أيضاً على تقدير حكومة وافقت جملاً \rفإن قدّرنا بالجمل، فهو عشر العشر، فتجب  بنسبته من العبد والكافر والمرأة \rالعضو الحادي عشر: الحلمتان من المرأة:\rمضمونة بكمال ديتها، وهو ما يلتقمه الصبي، ويدرّ منه اللبن، وهي  من المباني، وفي إحداهما نصف الدية \rوجراح المرأة من ديتها كجراح الرجل من ديته على المذهب الجديد، ففي أصبعها خمس من الإبل، وهي عشر ديتها، وفي موضحتها نصف العشر، وهو بعيران ونصف، هكذا على الترتيب ","part":1,"page":32},{"id":1938,"text":"وقال في القديم إنها تعاقل الرجل إلى ثلث ديته، أي تساويه ، ففي أصبع واحدة عشرٌ، وفي أصبعين عشرون، وفي ثلاث ثلاثون، وفي أربع [لو]  أوجبنا أربعين لجاوز  ثلث دية الرجل، فنرجع إلى نسبة ديتها، فنوجب عشرين \rوإيجاب ثلاثين في ثلاث أصابع، وعشرين في أربع في غاية البعد، وهو قديم مرجوع عنه، اتبع فيه أثراً وجده \rفنرجع إلى الغرض، فنقول: في حلمتي الرجل قولان، منصوص ومخرج، والمنصوص أن فيهما  حكومة؛ إذ لا منفعة لهما  من الرجل، والمخرج أن فيهما كمال الدية؛ لأن صورتهما  موجودة من الرجل كما وجدت من المرأة، فلا فرق \rثم لو  استأصل جميع ثدي المرأة، لم يزد على الدية، وإذا قطع بعض الحلمة، ففي الموزع عليه خلاف ذكرناه  ومن الأصحاب من ذكر وجهاً أنا نضم حكومة الثديين إلى الحلمة عند الاستئصال  وطرد ذلك في الحشفة مع الباقي، وفي السن مع السنخ وشبه ذلك بالمارن مع القصبة، وقد ذكرنا فيه وجهاً \rوهذا الوجه في سنخ السن بعيد، وإن ارتضاه الفوراني؛ لأنه أوجب عليه السلام خمساً من الإبل في كل سنّ، والغالب أن القلع يقع من  السنخ فأما قطع ما ظهر، فلا يتفق، ولا  اتجاه لذلك مع الحديث، وقد ثبت الإبهام في السن بالحديث، وفي الكف مع الأصابع بالإجماع \rوباقي  الصور مداره على التشبيه، والقصبة من الأنف أحرى الصور بالأخيرة المباينة في الخلقة والمنفعة له \rالعضو الثاني عشر: الذكر والأنثيان:\rوفيهما ديتان، وتكمل الدية في ذكر الخصي والعنين، ولا تكمل في الذكر الأشل ، وقد ذكرنا معنى الشلل فيه   وقال أبو حنيفة: لا تكمل الدية في ذكر الخصي؛ بل فيه حكومة ولأجله قال: لو قطع الذكر والأنثيين، فإن قطع الذكر أوّلاً، ثم الأنثيين، وجب ديتان، وإن قطع الأنثيين أولاً ثم الذكر، وجبت دية وحكومة ","part":1,"page":33},{"id":1939,"text":"ثم الدية تكمل بقطع الحشفة، والصحيح أنه لا تزيد بزيادة الاستئصال، وإذا قطع فلقة من الحشفة، فقد ذكرنا وجه التوزيع \rالعضو الثالث عشر: الإليتان :\rوفيهما كمال الدية، ولا يخفى منفعتهما في الركوب والقعود، ولا يشترط أن يقرع  العظم بالاستئصال؛ بل إذا قطع ما أشرف، وكان ناتئاً، بالإضافة إلى الظهر وأصل الفخذ كفى، ولما تطرق إليه اضطراب، ولم يكن له مفصل معلوم لم يجر القصاص فيه \rالعضو الرابع عشر: الأسكتان  من المرأة:\rوهما الشفران، و فيهما كمال الدية، وفي إحداهما النصف \rوالشفران: هما حرفا الفرج، يلتقيان على المنفذ، وينطبقان على نتوء،  فالقدر الناتئ هو حد الشفرين، ولا ينبغي أن يتحمل انطباقهما من غير نتوء؛ إذ لو كان كذلك، لكان لا يعقل قطع الشفرين إلا على قدر استئصال قطعة صالحة من اللحم بقرع  العظم، ولم يشترط الأصحاب ذلك، ولم يكتفوا أيضاً بقطع جلدة مشرفة  من منقطع البشرة، فذلك القدر لا وزن له، فالقدر  هو الذي يتعلق به كمال الدية، وذلك ما يوازي المنفذ، ويلتقي منطبقاً عليه \rالعضو الخامس عشر: الرجلان:\rوفيهما ما في اليدين، ورجل الأعرج كرجل الصحيح؛ إذ  الخلل في الحقو لا في الرجل \rورجل من امتنع مشيه بكسر الفقار  كرجل الصحيح  وفيه شيء قدمناه\rوتكمل الدية في التقاط أصابع الرجل مع أن أعظم المنافع، وهو أصل المشي، باقٍ   ولو فرض قدمان على ساق واحد، ففيه من الكلام ما سبق في اليدين \rزاد الشيخ أبو علي: تكميل الدية في سلخ  الإنسان برفع جلده عن جميع بدنه، وقال: هذا تقريب حسن، ولم نر  هذا لغيره فهو محتمل \rالنوع الثالث من الجنايات: ما يفوّت المنافع واللطائف :\rوالنظر في عشرة منافع:\rالمنفعة الأولى: العقل:\rإذا ضرب رأسه أو موضعاً آخر، فزال عقله، وجبت الدية الكاملة، فإن العقل أكمل المنافع ","part":1,"page":34},{"id":1940,"text":"فإن اتهمناه بالتجانن امتحناه بالمراقبة في خلوة، فإذا لم تنتظم أحواله، دلّ على صدقه، ولا سبيل إلى تحليفه كما لا سبيل إلى تحليف الصبي إذا ادعى البلوغ، ولكن يمكن أن يفرق بأن الصبي إن كان كاذباً، فلا فائدة في تحليفه، فإنه لا يعصي باليمين، والمقصود إهلاكه بالتعصية، وهذا إن كان كاذباً، فيستفيد بتحليفه إهلاكه بالتعصية؛ إلا أنه إذا تجانن، فلا يدعي التحليف، ولا يحلف على النظم \rنعم، لو كان يجنّ مدة، ويفيق مدة، فتحليفه في مدة  العقل ممكن، ثم عند ذلك يجب بعض الدية، وأحرى معتبر فيه نسبة مدة الجنون إلى مدة الإفاقة، وإيجاب مثل نسبة الجنون إلى  الإفاقة \rفرع: لو قطع يديه، فذهب عقله، فقد اضطرب [فيه]  نص الشافعي، وظاهره يشير إلى أن الواجب دية واحدة \rولا خلاف في أنه لو قطع اللسان أو اليد، أو فقأ العين، فلا يجب إلا دية واحدة  وإن فاتت المعاني مع العضو، ولكنها مودعة في نفس العضو  ولا خلاف أنه لو قطع الأذن فأبطل السمع، أو الأنف فأبطل الشم، تلزمه ديتان؛ لأن السمع ليس حالا في صدفة الأذن وأما العقل فلا يضاف إلى اليد على الخصوص،  ولكن يضاف إلى جميع البدن واليد من الجملة فمن هذا تردد الأصحاب، والصحيح أنه لا اندراج، فإنه ليس محلاًّ له \rوظاهر كلام الشافعي مشير إلى أنه تندرج دية اليد تحت دية العقل كما يندرج تحت دية الروح، وهو بعيد؛ لأن الأطراف تتعطل بفوات الروح، فكان تابعاً لذلك، ولا تعطل بفوات العقل، وليس إدراج العقل في اليد بأولى من إدراج اليد في عقله، وبه يتبين ضعف هذا القول \rالتفريع: إن حكمنا بالإدراج، فلو قطع إحدى يديه، فذهب العقل، فدية كاملة، وإن قطع يديه فذهب العقل فدية واحدة، وإن قطع يديه ورجليه، فذهب العقل فديتان للعضوين  وهذا يبين أن العقل ليس كالروح في الإدراج","part":1,"page":35},{"id":1941,"text":"ولو جنى جناية لا يتقدر أرشها فذهب  العقل، قال القاضي: يقطع بإدراج أرش الجناية تحت العقل قال الإمام: وليس الأمر كذلك؛ إذ لا يظهر للتقدير وعدمه أثر في هذا المعنى، فهو كالمقدر  \rالمنفعة الثانية: السمع:\rوفيه كمال الدية، ولو قطع أذنه فذهب [كمال]  السمع فديتان؛ لأن محل السمع داخل الأذن لا  صدفته لا كالعقل، فإنه مضاف إلى الجملة التي اليد جزء منها \rثم إن ادعى المجني عليه زوال السمع، امتحنّاه بصيحة منكرة نغافصه  بها، فإن لم يتأثر حلفناه مع ذلك، فمن الناس من يقدر على التماسك في مثله \rوإن ادعى نقصان السمع وجبت الدية بقدر النقصان ثم الطريق أن يصاح من بعدٍ به، ولمن هو في مثل سنه وصحته، ويقدر قدر  سماع الصحيح بمنتهى  سمعه الذي كان، ثم تعلم  المسافة إلى أن يسمع، فإذا سمع (نسب)  ذلك القدر من المسافة إلى الباقي، ويعرف به مقدار النقصان \r\rثم يحتمل أن يتصامم، وينكر السماع إلى أن يعرف، فلا يعرف صدقه إلا بيمينه، فيحلف ، ويعتدّ بيمينه، فإنه منتهى الإمكان ؛ إذ لا سبيل إلى الشهادة، ولا سبيل إلى تحليف الجاني، [و]  يسهل عليه مبادرة الحلف بناءً على أن الأصل بقاء السمع، ولا مستند له سواه، وفيه إبطال أثر الجناية، ونحن نحتمل عند إشراف الحقوق على التعطل أموراً في الحجج، فتسمع بينة الإعسار، والبينة على أن [لا]  وارث سوى من حضر، مع أنا نرد الشهادة على النفي، ولكن للضرورة \rفرع: إذا قال: لست أسمع من إحدى أذنيّ، فإنما امتحانه بأن يصمم الأذن الأخرى ، ويصاح به صيحة منكرة في الأخرى، ثم إذا لم يتأثر وحلفناه، ففي قدر الواجب وجهان: أحدهما: أنه شطر الدية؛ لأن السمع من المثاني، فصار كذهاب الضوء من [إحدى]  العينين والثاني: أن السمع من الآحاد، فهو في موضع واحد في التعدد في المنفذ؛ بخلاف البصر، فإنه في جرم الحدقة ","part":1,"page":36},{"id":1942,"text":"وقد تخيّل مالك رحمه الله الاتحاد أيضاً في البصر، حتى كمّل الدية  في عين الأعور، وقال: يتحامل البصر على العين الباقية إذا فقئت  إحداهما \rولكن اتفق أصحابنا على خلافه فعلى هذا قالوا: هذا نقصان، فيعرف قدر النقصان بالطريق الذي سبق \rوهذا غير سديد،  فإنه وإن سلم الاتحاد، فالتشطير أولى بجعل  ذلك دلالة على زوال النصف، (وهو)  أقرب من التكلف الذي ذكرناه\rولو ادعى نقصاناً في إحدى الأذنين، فامتحانه أسهل من امتحان من ادعى النقصان، فتصمم هذه الأذن، ويضبط مدى  سماع الصوت في الأذن السليمة، ينسب إليه هذا، ثم نحلفه وهذا أولى من نسبته إلى شخص آخر \rالثاني: إذا قال أهل الصنعة: لطيفة السمع باقية، ولكن وقع في المنفذ ارتتاق لا ينفتق بحال، فهذا تعطيل منفعة مع البقاء، ففي إيجاب دية السمع نظر، وهو قريب مما  إذا أبطل سمع الصبي حتى خرس في أن دية الكلام هل تلزمه، وقد تعطل بانحسام طريق السماع لا لخلل في اللسان  وسنذكره\rفقد تحصل من لطيفة السمع بدائع: إحداها: أنها ليست في صدفة الأذن والآخر: تصور تعطلها مع بقائها بالارتتاق والآخر: أنها من المثاني أو الآحاد والاخر: أنا نكمل الدية في (أذني)  الأصم مع أن أظهر منافعها رد الصراخ إلى الصماخ، وهو فائت \rولكن ما ذكرنا  في جميع ذلك لائق بفقه الباب، فليقنع في المضائق بما يمكن\rالمنفعة الثالثة: البصر: \rوفي إزالته كمال الدية، وفي إزالته من إحدى العينين النصف، فهو من المثاني ويجب كمال الدية بإزالة البصر الناقص من الأخفش والأعمش والأحول، وهو [ثم]  كتكميل الدية في اليد الصغيرة والشخص المريض، كذلك لو كان عليه بياض لا يمنع أصل البصر ","part":1,"page":37},{"id":1943,"text":"ثم يمتحن إذا ادعى العمى بتقريب حديدة من حدقته مغافصة، فلا بدّ وأن يطرف إن كان بصيراً، ثم نحلفه بعد ذلك وإن ادعى النقصان، فنمتحنه بالإضافة إلى شخص  آخر، وإن ادعى النقصان في أحد العينين يمتحن بتعصيب العين الأخرى، وينسب إلى الآخر كما سبق بيانه في السمع من غير فرق \rالمنفعة الرابعة: الشم:\rوفي إزالته كمال الدية، وفي بعض الطرق وجه غريب: أنه لا يضمن بكمال الدية، فإن التضرر به لكثرة الإنتان أكثر من التلذذ مع قلة الطيب  وهذا هوس\rويمتحن بتقريب رائحة ذكية فائحة، (إما طيّبة أو منتنة)،  فيباشر  به المجني عليه، إن بقي شمه انزواءً وانقباضاً، واتنشاراً وانبساطاً وإن ادعى نقصان الشم، فالمعتبر المذكور في السمع والبصر لا يظهر في الشم، فالطريق أن يحلف على ما يدعيه من قدر النقصان وطريقه أن يأخذ بالمتيقن، ويحلف على ذلك القدر \rولم يتعرض الأصحاب لكونه من المثاني والآحاد، وعندي أنه شبيه بالسمع، وإلحاقه به أولى من إلحاقه بالبصر \rالمنفعة الخامسة: النطق في اللسان:\rفإذا أخرسه بجناية  مع بقاء جرم اللسان، لزمته  الدية، ولا ينظر إلى ما بقي من اللسان من الحركة التي تعين على المضغ، وتردّ اللُّقَم إلى الأضراس، فمقصود اللسان [هو]  الكلام لا غير \rوإن أذهب  بعض الكلام، فأقرب معتبر في معرفة القدر الحروف، وهي ثمانية وعشرون [حرفاً] ، وهي متساوية في الاعتبار \rوذهب الإصطخري إلى أنه لا تدخل في حساب التوزيع الحروف الحلقيّة والشفوية ، وقال: لو أبطل الكل، فيجب لأجل حروف اللسان دية كاملة، وللباقي حكومة، ولم يتعرض للقاف والكاف، وليست حلقية، ولكنهما تعتمد  أصل اللسان، فلعله يلحقه به، و (الفاء)  يعتمد الأسنان والشفة، فيبعد (عن)  اللسان ","part":1,"page":38},{"id":1944,"text":"وعلى الجملة، هذا الوجه ضعيف، والحلقيات والشفويات إنما تصير كلاماً باللسان، فهو الذي يقطع الصوت، وينظم (التصنع) ، فإحالة الجميع عليه متعين \rوتهذيب النظر في لطيفة النطق برسم فروع\rالأول: إن كان لا يحسن بعض الحروف، ولكن كان يعرب عن جميع مقاصده بما يحسنه، فالذي ذهب إليه المعظم أنّ في إبطال نطقه تمام الدية، وأن النقصان به ينزل منزلة النقصان السماوي في قوة البصر والبطش ومنهم من قال: هذه منفعة محصورة معدودة، والنقصان [فيها]  مقدّر، فيحطّ  بقدره، بخلاف سائر المنافع \rالتفريع: إن قلنا بالحط، فلو كان يقدر على عشرين حرفاً، وهو بحذقه وغزارة فضله يعرب عن كل ما يريد، فوجهان، والظاهر الحطّ؛ لأن ذلك أثر الفطنة، ومعرفة اللغة لا أثر النطق \rالثاني: لو قطع بعض لسانه، نُظِرَ، فإن أبطل كل كلامه لزمه كمال الدية فقط ولو أذهب بعض كلامه، فإن وافقت  [النسبة]  بأن قطع النصف، وأبطل النصف، فهو واضح وإن اختلفت النسبة بأن قطع النصف، فأذهب ربع الكلام، يلزمه النصف، وإن قطع الربع، فأذهب نصف الكلام، يلزمه النصف، والنظر إلى الأكثر \rوهذا واضح في نقصان النصف من الكلام؛ لأنه مستقل، وإنما الغموض في إيجاب النصف عند زوال ربع الكلام، والكلام هو المقصود، ولكن التوزيع على المحل أولى ما أمكن، من التوزيع على الحروف، فهو كما لو قطع ثلاثة أصابع، وبقي أكثر بطشه، فتجب  ثلاثة أخماس دية اليد \rثم اختلفت عبارة الأصحاب، فقال الجمهور: النظر إلى الأكثر، وأطلقوا هذا اللفظ وقال أبو إسحاق المروزي: إن قطع نصف اللسان، فذهب ربع الكلام، فقد قطع من جرم العضو نصفه، فيسقط  من المنفعة شيء وإن قطع الربع، فذهب نصف الكلام، فقد قطع الربع، وأشلّ جزءاً من اللسان إلى النصف، وعليه نصف الدية \rويتبين  أثر هذا  الاختلاف في باقي الفروع","part":1,"page":39},{"id":1945,"text":"الثالث: لو قطع ربع لسانه، وذهب نصف كلامه، وأوجبنا نصف الدية، فجاء آخر واستأصل باقي  اللسان، فعلى عبارة الجمهور، يجب على الثاني ثلاثة أرباع الدية نظراً إلى الأكثر، ولا يبعد عندهم أن تزيد الأجزاء على المجموع عند (تعدد)  الجناة وقد سبق له نظائر وعلى مذهب أبي إسحاق يجب نصف دية عليه وحكومة للجزء  الأشلّ الزائد على النصف \rالرابع: لو قطع نصف اللسان، وأذهب ربع الكلام، فأوجبنا نصف الدية كما سبق، فجاء الثاني واستأصل، فعلى مذهب الجمهور تجب ثلاثة أرباع الدية نظراً إلى الأكثر، وعلى مذهب أبي إسحاق يجب نصف الدية نظراً إلى الجرم في هذه الصورة وإعراضاً عن اعتبار المنفعة، فنظره إلى الجرم أغلب، وكلام الجماهير في هذه الصورة أظهر \rالخامس: لو جنى جانٍ على اللسان من غير قطع، فأذهب ربع الكلام، وأوجبنا [ربع]  الدية، فجاء آخر، واستأصل أصل اللسان، فعليه كمال الدية على مذهب الجمهور نظراً إلى الأكثر، وعلى مذهب أبي إسحاق ينبغي أن تجب ثلاثة أرباع الكلام، وثلاثة أرباع الجرم  معدود معه، يبقى ربع الجرم، (فيلزمه)) بسببه حكومة \rوهذا تفريع على الأظهر في أن القاصر عن بعض الحروف بأصل  الخلقة تكمل فيه الدية، فإن اعتبر فيه النقصان السماوي، (فما)  يقع بالجناية أولى \rفإن قيل: وإن لم يعتبر النقصان السماوي، فما يقع بالجناية لا بدّ من اعتباره، فإنكم (فرقتم)  في الفروح  بين أن تحصل بآفة سماوية وبين أن تحصل بجناية في الاعتبار بالشركة قلنا: قد يجمع بين الحاصل بآفة سماوية وبين الحاصل بالجناية، وقد يفرق  بينهما، والمسائل فيه مضطربة، ونحن نضبطه بجامعٍ  الآن، فنقول: المفوَّت ينقسم إلى المنافع والأجرام، فأما الأجرام، فما يتقدر بدلها (ففواتها)  يؤثر في النقصان في حق الجاني، سواء كان بآفة سماوية أو بجناية، كالأنملة إذا سقطت أو قطعت، يسقط بقدره أرش من قاطع اليد ","part":1,"page":40},{"id":1946,"text":"وفي معنى الأنملة ما إذا شقّ رأس إنسان متلاحمة، فبادر واستبرأ الإيضاح، فيحطّ عنه من أرش الموضحة مقدار أرش المتلاحمة إما مقدّراً على رأي أو حكومة على رأيٍ فأما ما لا يتقدّر بدله كفلقة من الأنملة، فإن لم يؤثر في نقصان قوة البطش، واقتصر أثره على شين، وجبت الحكومة؛ لأجله، (ولا)  أثر لهذا في نقصان دية اليد، سواء كان بآفة أو بجناية؛ لأن العضو بكماله مع كمال المنفعة باقٍ، وليس التزيين من خاصّيّة هذا العضو، وإنما أوجبت الحكومة كيلا تخلو الجناية عن موجب وإن نقص شيئاً من قوة البطش، فهذا إن كان بآفة سماوية، لم يؤثر في تنقيص البدل؛ لأن تتبع درجات الضعف مع اختلاف الأحوال عسير \rوإن كان بجناية، فهذا في محل الاحتمال، ومسالك كلام الأصحاب [فيه]  يشير إلى وجهين: فيحتمل أن ينظر إلى كمال العضو مع بقاء أصل المنفعة التي لا تتقدّر أعني المنفعة، ويحتمل أن ينظر إلى النقصان بالجناية \rفأما إذا كان جميع العضو باقياً، والنقصان يلاقي المنفعة، فإن كانت المنفعة لا يتطرق إليها  ضبط وتقدير، كالبطش، ففيه ثلاث احتمالات يشير إليها فحوى كلام الأصحاب: أحدها: أنه لايبالى به والثاني: أنه يحطّ بقدره والثالث: أنه يحطّ عن مُذْهِب الباقي من المنفعة، ولا يحطّ عن قالع العضو الكامل \rوهذا إذا كان الأول بجناية، فإن كان بآفة، فلا أثر له، لا في حق القاطع، ولا في حق مُذْهِب المنفعة \rفأما إذا كان الذاهب من المنفعة محدوداً كالحروف، فإن كان بآفة، فقد سبق فيه خلاف، وإن كان بجناية من غير قطع، فعلى مذهب الجمهور، تكمل  الدية نظراً إلى الأكمل والأكثر، وعلى مذهب أبي إسحاق، يُحْسَب النقصان حتى إذ كان ذهب نصف كلامه، فيجب على قاطع الكل، وفيه بقية الكلام، نصف دية؛ لنصف الكلام، ونصف الجرم معدود معه والنصف الباقي على تقدير الخرس فيه حكومة، ومذهبه في هذا المقام متجه ","part":1,"page":41},{"id":1947,"text":"ولو لم يقطع الثاني  بقية اللسان، ولكن أذهب بقية  المنفعة، فلا يجب إلا بقية الدية؛ لتجانس الجناية، ويوزع الفوات على جنس واحد مع الضبط في المفوّت \rالسادس: لو جنى جناية أذهب حرفاً، يلزمه  جزء من ثمانية وعشرين جزءاً من الدية، فلو أعجزه عن السين ، وكان لا يحسن الثاء، ثم انطلق لسانه بالسين على هيئة الثاء  فيه، قال الأصحاب: ما تجدد هو في حكم منحة متجددة ، وما سبق من الأرش لا يستردّ منه شيء \rويتجدد إشكال، وهو أنه إذا انطلق لسانه بالثاء كما جنى، وكان لا يقدر عليه، وعلى بعض الحروف، فالتوزيع على ما كان مقدوراً قبل الجناية دون الثاء المستفادة، (أو)  هو مضموم إليه هذا في محل النظر والاحتمال \rالسابع: لو قطع فِلْقةً من لسانه، فلم يذهب شيء من كلامه، فالصحيح أنه لا يجب إلا حكومة، ومن راعى الجرم، وزّع الدية على الجرم، وأوجب قدراً كما في المارن، وهو ضعيف يوجب مقاده تكميل الدية في لسان الأخرس \rالثامن: لو جنى على سمع صبي، فامتنع عليه النطق، ففي إيجاب دية النطق وجهان: أحدهما: الوجوب للتعطل والثاني: أنه لا يجب؛ لأنه خلل [لا]  في اللسان \rوقد ذكر الأصحاب أنه لو كسر فقاره ، فامتنع مشيه، لا تلزمه دية الرجلين قطعاً؛ لأنه التزم دية بكسر الفقار ؛ لأجل فوات المشي، فلا يلزمه بسبب الرجل، وهو مراد أيضاً للمشي نعم، لو قطع غيره هذه الرجل، وجبت عليه الدية، ويقرب من زوال النطق ما معناه  [في السمع من ارتتاق في المنفذ مع بقاء لطيفة السمع]  فمن ناظرٍ إلى بقاء سلامة المحل في ذاته، ومن ناظر إلى تعطل المنفعة وانقطاع فائدته   \rالمنفعة السادسة: الصوت:","part":1,"page":42},{"id":1948,"text":"لو أذهب صوته تجب عليه دية لفوات منفعة الصوت ، فإن ذهب معه حركة اللسان، فقد فوّت منفعتين، ففيه وجهان: أحدهما: اتحاد الدية؛ لأن الزائل هو الكلام، ولكن له سببان : أحدهما: الخلل في اللسان، والآخر الصوت والثاني: أنه تجب ديتان؛ لفوات منفعتين \rولو أذهب الصوت، وحركة اللسان باقية، فتجب دية الصوت، وهل تجب دية لفوات النطق إن لم نوجب في تلك الصورة، فههنا أولى، وإن أوجبنا ثَمَّ، فهذا يبنى على أن التعطيل هل ينزل منزلة الفوات ومقصود هذا أن الصوت جنس من المنفعة يقابل بالدية \rالمنفعة السابعة: الذوق:\rفإذا بطل بالجناية، وجب كمال الدية، فإنه من الحواسّ الخمس، ولم ينقل في واحد من الحواسّ - وإن تفاوتت مراتبها - خلاف، سوى ما ذكر في الشم من خلاف غير معتدّ به، ثم يمتحن بإطعام الأشياء المرة المقرة، فإذا لم يظهر عبوساً وتكرّهاً، حُلِّفَ عليه \rالمنفعة الثامنة: منفعة المضغ:\rوفي إبطاله كمال الدية، ويتصوّر ذلك بجناية على اللحيين بحيث يتصلّب مغرسه، فلا يتحرّك بالانخفاض والارتفاع، وعلى دورانها على الأسنان السفلى يتأتى المضغ، ومن امتنع عليه المضغ، فحياته بالحسو والإيجار وإلقام الطعام الممضوغ متصور \rفرع: لو جنى على سنّه، فاسودّ، قال الشافعي رحمه الله في موضع: يلتزم الأرش كاملاً ، وقال في موضع: تلزمه الحكومة  وقال المزني: في المسألة قولان  ","part":1,"page":43},{"id":1949,"text":"ووجه قول الحكومة: أن  منفعة السن من  المضغ باقية، والسواد لا يسقط، وقال الأئمة: ليست المسألة على قولين، فإن لم يحدث في السنّ إلا السواد، فلا يفوت إلا الجمال، ولا يجب بإزالة لون الوجه وتسويده إلا حكومة، فكيف يجب في السن أرشه  وإن عسر المضغ بذلك السن؛ لتألمه وتعرّضه للتفتت، وربما يعسر بسببه  الانتفاع بسائر الأسنان إلى أن يقلع، فيلزمه الأرش؛ لأنه أسقط المنفعة، ولم يُبْق إلا الجرم، فهو كاليد الشلاء وإن كان يتأتى به المضغ، ولكن على ضعف، فهو كما لو ضرب اليد، فضعفت قوّتها، فتجب حكومة؛ إذ ليس ينضبط ما فات وما بقي، حتى يعرف بالنسبة ثم قال الأصحاب: لو قلع  هذا السن جانٍ آخر، فعليه أرش كامل \rوكذلك لو قطع اليد التي ضعفت قوتها بالجناية، يجب كمال الأرش، ويجب القصاص  وفيه إشكال نبّهنا عليه في فضل منفعة اللسان، وتلقينا من كلام الأصحاب خلافاً، وبيّنّا مراتب القول فيه\rالمنفعة التاسعة: منفعة الإمناء والإحبال:\rفإذا ضرب صلبة، فأبطل  منيّه، وقال أهل البصيرة: يمتنع المنيّ مع هذه الجناية، تلزمهدية كاملة \rولو جنى على ثدي امرأة، فأبطل منفعة الإرضاع، وامتنع  به اللبن، قال القاضي: ليس فيه إلا حكومة؛ لأن منفعة الإرضاع تطرأ وتزول، وهو غذاء يتردد في الباطن \rوأما قوة الفحولة بالنطفة، فهي صفة ملازمة (للفحول) ، وفواته عظيم فهذا ما قيل فيه \rالمنفعة العاشرة: منفعة المشي والبطش:","part":1,"page":44},{"id":1950,"text":"فإذا ضرب يده فأشلها ، فعليه كمال الدية، وكذلك إذا ضرب الرجل، وكذا إذا أشلّ الذكر على ما ذكرنا حدّ الشلل فيه والمشي أيضاً يبطل بكسر الفقار ، [فإذا كسر الفقار] ، فامتنع المشي، فعليه الدية لفوات المشي والرجل صحيحة في نفسها، فلا تلزمه  دية بسببها نعم، لو قطع غيره هذا الرجل، فيحتمل أن يقال: هذه  الرجل صحيحة، والخلل في غيرها  ويحتمل أن يقال: الفائدة معدومة، وهو مبني على الخلاف الذي ذكرناه فيمن قطع لسان الأخرس بسبب الصمم الأصلي \rفرع: لو ضرب صلبه، (فبطل)  مشيه، وأشل  ذكره، ففي الاندراج خلاف من حيث أن الصلب على الجملة محل (المني) ، والسبب المحرّك للذكر، فكان كقطع اليد إذا أزال العقل في أنه هل يندرج لإضافته إليه من وجه وقد ذكرنا أن المنفعة الحالّة في محلّ منفصل لا تندرج كالسمع مع الأذن والشم مع الأنف والحال في محل القطع يندرج، كالنطق من اللسان والبطش من اليد، والذي لا يتغير  عليه، ويثبت له إضافة على الجملة إلى عضو حتى يزول بسببه، ففيه خلاف  هذا تمام القول في المنافع، وتسويد اللون لا يفوّت إلا الجمال ، ولا نظر إلى الجمال عند الشافعي رحمه الله في التكميل\rوقد ذكر الفوراني من المنافع الشهوة، وقال: إذا ضرب صلبه، فأبطل شهوته، وجبت الدية \rولست أعرف إمكان زوال الشهوة إلا بتقدير شلل في الذكر أو انقطاع في المني، وقد ذكرناه، فأما لو قدّر حركة الذكر باقية، والمني سائلاً بحيث يحصل الإحبال، والشهوة منقطعة، بمعنى انقطاع اللذة، فليس يبعد إيجاب كمال الدية، فليس انقطاع الإحساس بهذا الطريق بأقل  من انقطاع الذوق والشم، وطردُ ذلك في إبطال شهوة الطعام أظهر لو تصوّر ","part":1,"page":45},{"id":1951,"text":"ومما ذكره فوات منفعة الأكل والشرب بأن يضرب عنقه، فيرتتق المنفذ بحيث لا (يمكن)  الأكل والشرب، وهذا إذا فاته فهو عظيم، ولكن لا تبقى معه  الحياة، فلعله يقدر بعد ذلك حياة مستقرة يوماً أو يومين، ثم يقدّر حز الرقبة من الغير ، فعلى هذا لو تصوّر، فينبغي أن تكمل فيه الدية كما ذكره \rفإذاً تنخَّل من مجموع ذلك أن المنافع المقصودة مضمونة بكمال الدية، ولم يستثن عن هذا إلا منفعة الإرضاع؛ إذ لم ير فيها منفعة\rوما يتمحّض فيه الجمال كالشعور واللون فلا تكمل فيه المنفعة فلايضمن إلا (بحكومة) \rوالإذن تترد بين معنى الجمال والمنفعة وضعف (جمال)  المنفعة بإيجاب الضمان على من يقطعها من الأصم وأظهر ما قيل في منافعه: جمع الصوت، فتردد فيه الأصحاب، ولا توقيف فيه، فمنهم من (أثبت)  على الجملة له منفعة، فيكمل الدية، وهو ظاهر النص ومنهم من خرّج قولاً في إلحاقها بالشعور\rثم مهما ثبت حكم في طرف الحرّ المسلم الذكر كما ذكرناه، فهو جارٍ على نسبته من دية الكافر والمرأة \rأما الرقيق، فنص الشافعي أن جراحته من قيمته كجراحة الحر من ديته ، قال الشافعي: وبقول سعيد بن المسيب أقول في ذلك \rوخرّج ابن سريج قولاً: أن الواجب قدر النقصان، كما أن الواجب في الجملة قدر القيمة، وإن زادت على أعلى الديات وإنما خرّجه من قول الشافعي: في أن بدله لا يضرب على العاقلة كبدل البهائم، وأن القسامة لا تجري فيه، فإذاً لا خلاف أنه كالحرّ في القصاص والكفارة، وكالبهيمة في أصل القيمة، حتى تزاد  على أعلى الديات \rوفي تحمل العقل والقسامة قولان، وفي جراح الأطراف نصّ وتخريج، وعلى التخريج لو قطع ذكره وأنثييه، فزادت قيمته، قال الأصحاب: هو كجراحة على حرّ لم تنقصه القيمة في أنا نقدر حكومة على رأي، وهو ضعيف ؛ بل يجب القطع ههنا أنه لا يجب شيء كما في البهيمة  هذا تمام الكلام في واجب الأطراف","part":1,"page":46},{"id":1952,"text":"وقال الأصحاب: لا يجب في شخص  واحد أكثر من ثمانية عشر دية\rولعل الزيادة عليه ممكن تلقّياً مما فصّلناه من قبل في المنافع والأعضاء، ثم ذلك يتعدّد إذا بقي حيًّا، فإن سرت الجراحات إلى النفس، عادت إلى دية واحدة قطعا  ً\rفإن وقع النزاع في أنه مات بالسراية أو بسبب آخر، فقد ذكرنا وجه فصل الخصومة، (إذا قطع)  جانٍ آخر، فلا تتداخل، وإن عاد الجاني الأول، وحزّ الرقبة، إن كان بعد الاندمال، فلا تداخل، وإن كان قبل الاندمال، نصّ الشافعي على التداخل في الدية، وأن لا تداخل في القصاص؛ لأن من والى السيف على شخص واحد، ولم يزل يقطعه حتى  حزّ رقبته عُدّ الكلّ قتلاً واحداً، وخرّج ابن سريج قولاً آخر: أنه لا تتداخل الديات كما لو تعدد الجاني، وهو الأقيس \rولو اختلف حكم الجناية في العمد والخطأ، فقطع خطأً، وحزّ الرقبة عمداً، أو على العكس، فقولان منصوصان مرتبان على  المنصوص والمخرج عند اتحاد وصف الجناية؛ لأن تغاير الوصف يضاهي من وجه تعدّد الجاني فإن قلنا: بالتداخل، فإذا قطع يداً  خطأً، وقتل عمداً، قال الشافعي: تجب دية واحدة، نصفها على الجاني مغلظة، ونصفها على العاقلة مخففة \rوهذا فيه غموض من حيث أن معنى التداخل إسقاط بدل الأطراف، وتجريد النظر إلى القتل، فالتنويع مع ذلك محال؛ بل ينبغي أن يجرد النظر إلى القتل\rوإلى هذا ذهب بعض الأصحاب، فمنهم من وافق النص ، وقال: معنى قول الإدراج أن ينزل الحز  كسراية الجراحة السابقة، أو كجرح آخر معه، حصل الموت بمجموعهما؛ لأنه في صورة موالاة الجراحة  على شخص واحد، فينزل منزلة ما لو جرح جراحتين ","part":1,"page":47},{"id":1953,"text":"ثم إذا فرّعنا على التنويع، فلا طريق إلا التنصيف، سواء كان السابق قطع يد [أو قطع أنملتين]  أو قطع يدين ورجلين، فإنا نقدّر شركة بالطريق الذي ذكرناه، (ولا)  ينظر إلى (عدد)  الجراحة، وإنما ينظر إلى تعدد الحال، وانقسامه قسمين، كما ينظر إلى تعدد رؤوس الجناة عند التزاحم، لا إلى عدد الجراحات \rومما أخللنا به من الجنايات التي تكمل الدية فيها الإفضاء، فيلحق بمحله قال الشافعي: لو أفضى ثيّباً كان عليه ديتها  ،\rفقيل: معنى الإفضاء: أن يتّحد مسلك الغائط والبول بآلة الجماع والصحيح أن المراد اتحاد مسلك (الجماع والغائط) \rفأما الأول فلا يتصور، ويتصوّر أن يتحد مسلك الغائط والجماع أيضاً، ففي ذلك كمال الدية يستوي فيه الزوج، والزاني بالمطاوعة، والزاني بالمستكرهة ، ولا يندرج تحت المهر، ولا يندرج المهر تحته؛ لتباعدهما في المأخذ \rوأبو حنيفة لم يوجب على الزوج، وزعم أنه تولد من مستحَقّ، والمتولد من مستحَقّ، (لا)  ضمان فيه \rومذهبنا فيه أوسع وكأنا نقول: ليس الإفضاء من ضرورة الوطء المستحَقّ، فهو كتولده من التعزير؛ إذ نقول: المستحق ما لا يقتل ، فالمستحق وطء لا يفضي \rويلزم على هذا إشكال في أنه لو فرض كبرٌ في آلة الرجل، وضيق في آلة المرأة على وجه لا يمكن الوطء إلا بالإفضاء، فينبغي أن نقول: الوطء غير مستحَقّ، ثم يتولد منه أن ذلك يقوم مقام الرتق، فإنه مانع من الجماع ثم يتصدى  إشكال في أنه يحال على كبر آلته أو على ضيق المنفذ، ويلزم أن يقال لكل واحد منهما إذا أراد أن يفسخ، وهذا مما لم يتعرض له أحد، وإنما ذلك احتمال وإشكال أبديته ","part":1,"page":48},{"id":1954,"text":"فرع: لو افترع بكراً على استكراهٍ، قال الشيخ: يغرم مهر المثل، وأرش البكارة  قال القاضي: هذا مشكل؛ لأنا إذا أوجبنا مهر مثل البكر، فقد أوجبنا أرش البكارة بالزيادة في مهر مثلها على مهر مثل الثيب ، قال الشيخ أبو محمد: هذا ما أراده الشافعي، فإنه لم يقل يجب مهر مثل البكر مع أرش البكارة؛ بل أطلق اسم مهر المثل مراده رعاية زيادة البكارة \rوهذا ظاهر لو كان يختلف المهر، ويزيد شيء بالبكارة، وربما يكون  بسببه قد استقر مهرها على قدر لا يزيد بالبكارة ولا ينقص، ففي الاقتصار على مهر المثل إحباط لجرح  الافتراع، وهو قريب من جرح لا ينقص قيمة، وقد قدّمنا تفصيل هذا الجنس \rولو أفضى بكراً [بخشبة]  غرم أرش الإفضاء وأرش البكارة، ولم يتداخل؛ لاختلاف  الجراحتين \rولو أزال الزوج بكارة زوجته بأصبع، فالذي ذهب إليه الأكثرون أنه لا يلزمه شيء، فإنها مستحقة له، ولكن أساء  في الطريق ومنهم من قال: يلزمه الأرش؛  لأنه لا يستحقه مقصوداً، وإنما استحق بطريق، ولم يسلك فيه الطريق \rهذا تمام البيان في القسم الأول، وهو بيان الواجب من الدية في النفس وما دونها والله أعلم\rالقسم الثاني من الكتاب: في بيان الموجب من الأسباب والمباشرات\rوالنظر في هذا القسم يتعلق بتمييز السبب عما ليس بسبب، وبترجيح  السبب على السبب ، وترجيح المباشرة على السبب، أو السبب على المباشرة، وبيان الحكم عند الشركة في السبب\rالطرف الأول: في تمييز السبب عما ليس بسبب:\rلتعلم أن مما يكون الهلاك به، ويحصل معه، ينقسم إلى ما هو علة فيه، وإلى ما هو سبب فيه، ونعني به الشرط، وإلى ما وقع اقترانه وفاقاً لا تعلق للهلاك به، فلا يسمى علة ولا سبباً\rوالعلة: ما يتولد الهلاك منه إما بواسطة أو وسائط كما سبق في الجراح","part":1,"page":49},{"id":1955,"text":"والسبب ما يحصل الهلاك عنده على وجه لولاه لما حصل، ولكن حصوله بأمر آخر هو المولد (ومثاله)  التردية مع الحفر، فالحفر سبب محضٌ، والتردي علة، ولولا البئر لما حصل الهلاك بالتردية، فهو سبب، ولكن العلة المولدة للهويّ في البئر هو التردية \rوأما ما يقترن، ولا يكون سبباً ولا علة به، فلا حكم له، وهو كما لو كلم الإنسان غيره، فمات عند كلامه، فهذا اقتران وفاقي؛ إذ يعلم أن الكلام لا يؤدي إلى الهلاك، فيحمل على موافقة القدر، وهذا للحسّ  يظهر \rوقد تقع صور تتردد بين الوفاقي وبين السبب، ونحن نذكر صورتين :\rإحداهما: الصياح: فإذا صاح على إنسان صيحة منكرة، فارتعد عقيبه، وكان على طرف سقف ، فسقط ومات، فنقول الموت تولد من السقوط، والسقوط من الارتعاد، والارتعاد قد يقع ضروريًّا  طارئاً من غير سبب، ويكون الصياح مقترناً به وفاقاً، وقد يتولد من الصياح فإن علم أنه من الصياح، فيحال عليه، وإن علم أنه ليس منه لم يضف إليه، وإن  شككنا في كونه منه مع تجويزنا كون الصياح مولداً على الجملة، فيقع في رتبة  شبه العمد \rوتختلف هذه المعاني بالأشخاص والأحوال، فقال الأصحاب: لو صاح على صبي مواجهاً من حيث يراه من غير مغافصة بانتهاز غفلة ، فسقط فمات، فلا ضمان؛ [لأن]  الأيّد  الكبير لا يحصّل الصياح فيه رعدة مسقطة، فيحمل على أمر جبلّيّ وموافقة قدر، وهو كالصقع الخفيف إذا استعقب  الموت من شخص قوي، فلا ضمان، ويحمل الموت على موافقة القدر، ويقطع بأنه  غير حاصل؛ بل مات حتف أنفه، فكذلك الرعدة حصلت فجأةً من غير سبب \rوإن (تغفله)  فوجهان في الضمان مع القطع بنفي القصاص، ومنشأ  الوجهين تردد في التصوير، وهو أن الصياح في الكبير هل يولد الرعدة المسقطة الرافعة للاستمساك  ومن الأصحاب من طرد الوجهين في المواجهة في حق الكبير ","part":1,"page":50},{"id":1956,"text":"ولو تغفل صبيًّا، أو واجهه بصياح منكر، وجب الضمان؛ لأنا نقطع في هذا المقام بإمكان كونه مولّداً للرعدة المسقطة، فإن شككنا في كون هذه الرعدة جبلّيّة أو متولدة من الصياح، لم يقتض ذلك إلا إلحاقه بشبه العمد وإحالته على السبب الظاهر \rوقد قال الأصحاب: في وجوب القصاص قولان مرتبان على ما لو حفر بئراً في داره، ودعا إليه غيره وهذا أولى بإيجاب الضمان؛ لأن التردي والتخطي لا يتولد من الحفر، والرعدة تتولد من الصياح \rوما ذكرناه لم نرد به الصبي البالغ ؛ بل أردنا به الجبان الضعيف، والأيّد الصحيح، والمراهق القوي قد يلحق فيه بالكبير، والبالغ الموسوس قد يلتحق بالصغير فإذا نبّهنا على المأخذ، فليتبع، ولا يستبعدنّ الاختلاف بالأشخاص والأحوال \rالصورة الثانية: التهديد والتخويف قد  يفضي إلى إسقاط الجنين، ووقع ذلك لعمر رضي الله عنه، فشاور الصحابة رضي الله عنهم، فقال عبد الرحمن بن عوف : ((إنما أنت مؤدّب فلا شيء عليك))، وقال علي رضي الله عنه: ((إن لم يجتهد، فقد غشّك، وإن اجتهد فقد أخطأ، أرى عليك الغرّة))  والغرض أن التخويف من المهيب سبب في الإجهاض، وقد يكون سبباً في هلاك المتوعَّد، فيجب الضمان به ","part":1,"page":51},{"id":1957,"text":"فإن قيل: لو  صاح على الصبي وهو موضوع على الأرض، فمات من غير سقوط من موضع، أو على بالغ فزال عقله،  قلنا: من الأصحاب من أجرى [في]  موت الصبي بالصياح ما في سقوطه، وهو بعيد؛ لأن تولد الرعدة المفضية إلى السقوط غالب، وتولد الموت [منه]  بعيد، وكذا تولد زوال العقل، ولكنه أقرب من الموت، فَلْيَرَ المجتهدُ رأيَهُ، وإلا ليقطع  بالضمان مهما كان مثل ذلك السبب في [مثل]  ذلك الشخص، يمكن أن يكون مهلكاً، ورجع التردد إلى أن ما أمكن هل وقع كما كان يخشى، أو الواقع وفاقي اقترن فهذا هو شبه العمد، وما لا يمكن أن يكون مثله في مثل ذلك الشخص مهلكاً، فلا أثر له، وما تردّد  فيه يتولّد بسببه تردّد ويحتمل أن يقال: الأصل براءة الذمة، ويحتمل أن يقال: الأصل اتباع السبب الظاهر \rالطرف الثاني: في اجتماع الشرط والعلة كالتردية  والحفر:\rوالقول الضابط فيه: أنهما إن استويا في كونهما عدواناً، فالترجيح للعلة، وعليها  الحوالة، كمن حفر بئراً في محلّ عدوان، وردّى آخر شخصاً فيه، وكما لو ألقي من سطح ، وقدّه آخر بنصفين إلى أمثلة ذكرناها في القصاص وإن استويا في أن كل واحد ليس بعدوان،  كالحفر في الملك مع تردي الغير لا عن قصد، فالهلاك مهدَرٌ، ولا ضمان على أحد ","part":1,"page":52},{"id":1958,"text":"وإن كان المباشرة عدواناً دون السبب (فلا خفاء)  بتقدم المباشرة أعني العلة، وإن كان السبب عدواناً دون  المباشرة، فالحوالة على السبب كما لو حفر في محل عدوان، فتردى فيه إنسان، فالمتردي صاحب العلة، فإن السقوط يتولّد من التخطي، وهو المتخطي، والحافر  صاحب شرط وسبب محض، ولكن الهلاك حاصل بمجموع الأمرين، ولا ذاهب إلى التشريك والتقسيط؛ إذ لا مناسبة بين الجهتين، ولا توارد لهما من وجه واحد، فهما  متباعدان، فبقي الترجيح، والعادات قاضية بإضافة الهلاك إلى الحافر، فهو الذي يلام، وينسب إلى السعي في الهلاك دون المباشر على الاعتياد؛ إلا أن يكون الماشي عالماً بالبئر، (فيحال باللائمة)  عليه، ويضاف الفوات إليه \rويبين  هذا التأمل بتفصيل، وقد ينعطف منه مزيد تقييد  على التأسيس الذي ذكرناه، فنتعرض أولاً (لصور)  تقديم العلة على الشرط، وله صور:\rالصورة الأولى: أن يتبع إنساناً بسيفه، فولّى هارباً، فهلك بعلة أخرى: مثل أن ألقى نفسه في نارٍ أو ماء أو بئر، أو افترسه سبع أو تردّى في بئر عن جهل، أو انخسف به سقف فأما صورة إلقائه نفسه في بئر، أو من شاهق، أو في ماء أو نارٍ، فالهلاك فيها محال عليه، ولا ضمان على المتبع؛ لأنه باشر العلة، وهي محرمة  عليه وغاية الباب أن يقدر المتبع مكرهاً، ولو قال: اقتل نفسك، وإلا قتلتك، فقتل نفسه، فلا قصاص على المكره؛ إذ لا يتحقق الإكراه بهذا؛ فإن المحذور في  الإكراه الهلاك، فكيف يهلك نفسه ناجزاً للخلاص عن هلاك متوعَّدٍ به ","part":1,"page":53},{"id":1959,"text":"أما في صورة التردي في بئر عن جهل، قطع الأصحاب بأن الضمان على المتبع؛ لأن اتباعه لا يتقاصر  عن الحفر، والحفر في محل العدوان، يقدّم  على التردي، والإلجاء إلى الهرب أولى، وهذا يتجه إذا كان [ذلك]  ليلاً، أو كانت تيك البئر مغطاة أو كان الهارب أعمى، فإن كانت البئر مفتوحة، والرجل بصير، وهو في ضياء النهار، قال الأصحاب: يحال بالهلاك على  علته، فإنه مقصّر بترك التأمل \rوقد أطلق الأصحاب في مسألة الحفر والتردّي القول بوجوب الضمان على الحافر المتعدّي من غير فرقٍ بين الليل والنهار، وإن كان ترك التأمل في صورة الاضطراب بسبب مخافة السيف يُطْرِق إليه تقصيراً، فهو في صورة المشي على الاعتدال أولى، فلينزل كلام الأصحاب في صورة المشي على هذا أيضاً [والفرق]  غير منقدح، فإن الإلجاء أقوى من حفر البئر، والفرق بالعكس ربما ينقدح ","part":1,"page":54},{"id":1960,"text":"أما إذا انخسف به السطح، [قال الأصحاب: يحال على متخطي السطح] ، لا على المتبع الملجئ، بخلاف تخطي البئر  وهذا أيضاً أطلقوه ، وينبغي أن يقطع بأن السقف لو  كان انخسافه لضعف، فهو كالبئر المغطّى، وفي البئر لم يسقط علم المتبع بالبئر حتى يقال إن السطح ينخسف به، وإن وقع ذلك بسبب انصدام السقف بإلقائه نفسه عليه، فهذا في محلّ التردد، فإن الانخساف حصل بإلقائه نفسه، ولكن من حيث أنه لم يكن عالماً به، وكان مُلْجَأً إلى الإلقاء، احتمل أن يحال على الطالب، وإن حصل انخساف السقف بسببٍ حادثٍ لا بالضعف والتثاقل بالإلقاء، فما ذكر  الأصحاب متّجه، فإنه هلاك بعلة أخرى طارئة ، فيضاهي  ما لو افترسه  سبعٌ في  طريق الهرب، وكان في متسع، فقد قطع بأن الهلاك يحال على السبع، لا على الطالب؛ فإن السبع مختار، ولم يجرِ منه إغراء، ولا كان مجرّد الاتباع سبباً مهلكاً؛ بخلاف ما لو ألقاه في تيّار بحرٍ، فالتقمه حوت، وبخلاف ما لو أنهشه حيّةً، أو ألقاه في مسبعةٍ (فافترسه)  السبع، والسبب الطارئ أقوى، فيحال عليه ، فإن لم يمكن تضمين السبع، فهو كما لو قدّه حربي  بنصفين بعد أن ألقاه من  شاهق، فإنه يحال على القاتل إن لم يلتزم  ضماناً \rالصورة الثانية لاجتماع السبب والمباشرة: أن يضع صبيًّا في مضيعة أو مسبعة، فافترسه سبع، فإن كان الصبي قادراً على الانتقال، فلا ضمان على الواضع؛ لأن ما صدر منه ليس مهلكاً في نفسه، وإنما هلك بافتراس السبع، وذلك بوقوعه، [فهو]  كما لو فصده بغير إذنه، فترك الدم حتى نزفه الدم  مع القدرة والتيسر، فالهلاك يحال عليه، لا على الفصّاد ","part":1,"page":55},{"id":1961,"text":"أما إذا كان الصبي عاجزاً عن الانتقال، ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يجب الضمان، وإحالة الهلاك على السبع، وهو حيوان مختار، أولى وما سبق منه إلا وضعٌ مجرّدٌ، وليس ذلك بمهلك والثاني: أنه يجب؛ لأن الإلقاء في المسبعة يعدّ سعياً في الإهلاك، وهو أبلغ من احتفار البئر، فوقع هذا دون ما إذا ألقاه في بيت فيه سبع، أو (قدّمه)  لسبع، وفوق ما إذا أتبعه لا في مسبعة، فاتفق اعتراض سبع، فلأجله نشأ التردد \rالصورة الثالثة: إذا سلّم صبيًّا إلى سبّاح؛ ليعلّمه السباحة فغرق، قال العراقيون: يحال بالهلاك  على أستاذه، وينزّل منزلة ما لو أدّبه فأهلكه ولو كان بالغاً، قالوا: لا يلزمه الضمان وهذا الذي ذكروه في البالغ بيّنٌ، أما الصبيّ، فإن ألقاه في الماء، فقد ذكرنا صورة الإلقاء في الماء في الجراح وإن أمره من غير إكراه، فدخل فهلك ، فيحتمل أن لا يجب الضمان؛ إذ لم يصدر منه إلا أمر، واليد لا تثبت على الصبي الحر حتى يضمن باليد، والظاهر الضمان، فإنه ملتزم إمساك الصبي وإلقاءه في الماء، وإنما يقطع به عنه اعتماداً على (تعلّمه)  أو على اتباعه مهما أشرف على الغرق فإذا أغرق، فإما أن يكون لرفع اليد عنه قبل تعلمه، وإنما خاض الصبي الماء اعتماداً على يده وإما أن يكون معتمداً على اتباعه، فهو مقصّر، فيضاهي المؤدب ، إلا أن هذا في البالغ أيضاً إذا سلّم النفس إليه على هذا التقدير محتمل، والصبي المراهق كالبالغ في هذا المعنى ولكن إذا أمكن الإحالة على تقصيره في خوضه مخاضاً لا يطيق السباحة فيه  هذه صور تقديم العلة على الشرط","part":1,"page":56},{"id":1962,"text":"أما (صورة)  تقديم الشرط على العلة ، [فهو الحفر]  في محل العدوان مع التخطي عن جهل، فالتخطي علة السقوط، والسقوط علة الموت، وحصل ذلك باختياره، ولكنا تبينا  وجه تقديم الحفر، ويلحق به السقوط (بالتزلق)  على قشر البطيخ إذا تعدى إنسان بإلقائه على طريق، وكذلك إذا رشّ الماء؛ فإن التزلق بالتوطئ، وذلك باختياره، ولكن لا يحال الهلاك عليه إذا كان جاهلاً، ويحال على صاحب السبب إذا كان متعدّياً، فوقع الترجيح ههنا بالتعدّي ، والتعدّي وإن لم يكن معتبراً لإيجاب ضمان التفويت، ولكنه صالح للترجيح عند تعارض النظر فيما يحال بالهلاك  عليه ، فليتنبّه لهذه الدقيقة\rوأما تقديم الطعام المسموم إلى الآكل ففيه قولان في تقديم السبب على المباشرة؛ لأن المباشرة فيه تعاطي المهلك على  اختيار عالماً به، أعني بإيصال الطعام المسموم إلى جوفه، وإنما جهل ما فيه من سمه   وأما المتردّي فقد جهل أصل التردّي، وكان يقصد المشي والتخطّي وإذا (قدمنا)  السبب الذي هو عدوان على مباشرة ليس بعدوان من الوجه الذي ذكرناه، فلا  خفاء بتقديمه على سبب ليس بعدوان \rفيخرّج عليه أن من وقف تحت ميزاب  وجدار مائلٍ أو جناح مشرعٍ  وهو جاهلٌ ، وصاحب الجناح والميزاب والجدار متعدي، فالضمان على المتعدي، والهلاك محالٌ عليه، لا على  الواقف عن جهل ، فإن (وقوفه)  سبب، وهو جاهل به، فهو أولى من التخطّي للبئر، وقشر البطّيخ، والماء المرشوش، مع أنه ولّد السقوط المهلك \rفإن قيل: إذا كان الترجيح في هاتين  الجهتين يرجع إلى العدوان، فمتى تكون البئر في محل العدوان قلنا: نحن نذكر محلّ العدوان من البئر، وإيقاد النار، وإشراع الجناح والميزاب،  وإلقاء قشر البطيخ، وقمّامة البيوت، ورشّ الماء حتى يعرف به [حكم]  ما عداه ","part":1,"page":57},{"id":1963,"text":"أما البئر، فلا حجر على الرجل في حفره في ملكه، ولا في مواتٍ، وهو في ملك الغير عدوان محضٌ، وفي الشوارع في محل التفصيل \rوعن هذا [المعنى]  قال الأصحاب: إذا احتفر  بئراً في داره للبالوعة أو غيرها، فانهارت  أطراف البئر، فانهار بسببه أساس جدار الجار، وسقط الجدار، فلا ضمان وليس هذا من قبيل تقديم مباشرة على سبب؛ بل الهلاك حاصل بالسبب المحض، وهو حفر البئر، ولكن الضمان ساقط؛ لأن منع الناس عن التصرف في ملكهم للارتفاق وغيره حجر عظيم والغالب أن المالك يعصم نفسه، وإذ بقي ملكه محفوظاً، لم يتعطّل ملك شريكه، فإن اتفق تعطّل فلا ضمان فهذا إسقاط ضمان مع إضافة الفوات إلى سببه، ولكن سببه الحاجة، فعن هذا قلنا: لو خالف الاعتياد، وجعل جميع حجرته الضيّقة الأكناف بئراً، حتى حصل به انهدام جدار الجار، يلزمه الضمان؛ لأنه مقصّر، والحاجة لا تمسّ إلى التخفيف عنه \rوكذلك إذا أوقد النار في ملكه على العادة، فهبّت الريح بشرر، أو وضع حجراً أو كوزاً على طرف جدارٍ هو غير مقصّرٍ فيه، فألقاه الريح على قارورة الغير وكسرها ، فلا ضمان في هذه الصور للحاجة وانتفاء التقصير \rولو أوقد النار على السطح في يوم ريح، فغلب تحريك الريح إياها، ويحترز عن مثل ذلك غالباً، يجب الضمان عليه ولو كانت الرياح مطمئنة، فهاجت في وقت لا يرتقب، فلا ضمان \rولو حفر بئراً في أرض خوّارة ، ولم يُحْكِم أطرافها بالطوب والخشب، يجب الضمان؛ لأنه يعدّ مسرفاً مقصّرا ","part":1,"page":58},{"id":1964,"text":"والضبط: أن كل ما يجوز للولي أن يتعاطاه في مال الطفل، فلا معاب  على المالك [به] ، ولا ضمان عليه فيما يتولّد منه، وما ليس  لولي الطفل [من]  ذلك، إن امتنع لقلة الارتفاق به وكثرة المؤونة، فلا ضمان على المالك به أيضاً، كما إذا حفر بئراً في بيت معمور (مزين) ، وإن كان يمتنع؛ لأنه يحذر منه تولّد هلاك، فهذا ما يتعلق الضمان به  ثم إذا حكمنا بانتفاء التقصير في ملكه، فلو تخطّى فيه إنسان دخل بغير إذنه، فلا ضمان وإن دخل بدعائه، ولم يكن على طريقه، فكمثل، وإن كان على طريقه، فإن ضيّق الطريق، وتخطّى، وكان في ظلمة، فهو كتقديم الطعام المسموم ومن الأصحاب من جعل هذا أولى بإيجاب الضمان \rولو كان الازورار ممكناً  عن البئر، ولم يكن في مضيق، فلم يتفق الازورار عن غفلة، فطريقان: منهم من قطع بنفي الضمان، وأحال الهلاك على تقصيره في ترك الحفظ، ومنهم من جعل على قولين كما بينا في الشارع الواسع والأظهر إيجاب الضمان؛ لأن الانحراف إن كان ممكناً، فالتخطّي أيضاً ممكن \rولو قدّم أطعمة بعضها مسمومة، فاحتمل أن ينحرف المتناول عنها، فيطرد قولي الضمان مرتباً على ما إذا كان الكل مسموماً، وهو أولى بسقوط الضمان هذا حكم الملك، والموات، والغصب في النفي والإثبات \rأما الشوارع فإن كان الطريق ضيّقاً، والوقوع فيه غالب، والانحراف عسير، فهو [في]  محلّ العدوان مطلقاً وإن كان في متسع، نُظِر، فإن فعل ذلك لا لغرضٍ، فهو في محل العدوان، وإن كان لغرضه، فقد يجوز له ذلك كما يجوز له ذلك في حفرة يقصر فيها الأمتعة، ودكّة يجلس عليها إذا لم يتضرروا بها، ولكنه بشرط سلامة العاقبة، فهو متعرض لضمانه، أذن له الوالي  أو لم يأذن؛ لأنه كالمشي بشرط الاحتراز والسلامة وحكى الفوراني وجهاً أنه إذا جاز واتصل به إذن الوالي ، فلا ضمان، وهو غير سديد ","part":1,"page":59},{"id":1965,"text":"فأما إذا كان لمصالح الناس على العموم، كحفر بئر لينزح الماء، أو لانصباب فضل (الميازيب)  إليه، ففيه طريقان: منهم من قال: إن استبدّ به، وجب الضمان؛ لأن هذه المصالح موكولة إلى الأئمة، وإن حفر برأي  الوالي وإذنه، فقولان؛ إذ يحتمل أن يكون مع الإذن مقروناً بشرط سلامة العاقبة؛ لأن الشوارع للطروق لا لغيره ومنهم من قال: إذا كان بالإذن فلا ضمان؛ إذ يبعد منع الأئمة عن رعاية المصالح من حيث الرأي وإن كان بغير إذنه، فقولان؛ لأن ما فيه مصلحة الخلق، فهو في معنى حسبة يستقلّ به الآحاد ويحتمل أن يناط جواز ذلك بالإمام، وهذه الطريقة أمثل وحاصل الاختلاف ثلاثة أقوال: يجب، لا يجب، يفرق بين إذن الإمام والاستقلال هذا حكم البئر \rفأما إشراع القوابيل  والأجنحة، فقد ذكرنا في كتاب الصلح  ما يجوز منه وما يمتنع ، فالممنوع سبب  الضمان، والجائز وهو الذي لا يضر بالمجتازين من الفرسان والرجّالة، وذلك لا يفتقر إلى رأي الإمام؛ بخلاف البئر في الشارع، فإن الأرض على استحقاق (الطروق) ، ولا (استحقاق)  لأحد من الهواء سوى المنع مما يجرّ ضراراً  على الطارقين ثم اتفق الأصحاب على أن ذلك بشرط سلامة العاقبة، فلو سقط وأتلف شيئاً، وجب الضمان؛ لأنه أخرجه لغرض نفسه، لا في ملكه، فصار كحفر  البئر لغرض نفسه في الشارع، ولم يكن كحفر البئر في ملكه، فإنه ليس مقيّداً بشرط السلامة؛ لأن الحجر في الأملاك عظيم \rوأما الاتساع في الارتفاق بغير الملك فارتكاب [الغرر] ، والتزام الحفظ فيه غير بعيد \rوالميزاب دائر بين التصرف في الملك وبين إشراع الجناح، فإن بعضه مشرّع، وبعضه في ملكه، ولا غناء بالملك عن الارتفاق به؛ بخلاف إشراع الجناح  وفي  وجوب الضمان بسقوط الميزاب وجهان: أحدهما: أنه لا يجب؛ لأنه من مرافق الملك والثاني: أنه يجب كالجناح ","part":1,"page":60},{"id":1966,"text":"فإن قلنا: يجب، فلو سقط القدر البارز، وجب الضمان، فإن سقط الكل فالداخل في الملك له حكم الموضوع على الملك، فلا ضمان بسقوطه، والمخرج فيه الضمان، ففي التقسيط  وجهان: أحدهما: (التنصيف)؛ لتقابل  حكمين والثاني: التقسيط  بالوزن، وهو بعيد ؛ فإنه لو ضرب رجلان رجلاً بعمودين متفاوتين في الثقل والرزانة، فالدية عليهما نصفان ويحتمل أن يمنع ذلك القائل هذه الصورة أيضاً، ويسلّم التسوية في الجراحات التي لا تنضبط أغوارها، وقد (يسلّم)  في الضرب، فإن قوة الضرب تزيد في الاعتماد والثقل والانصدام، فيشبه الجراحة، بخلاف الميزاب، فإن الهلاك بثقله، وهي متساوية الأجزاء فيه \rويلتحق بالأجنحة بناء الجدار مائلاً إلى الشارع، فالقدر الشاغل  للهواء له حكم القابول  وإن بناه مستوياً، فمال إلى ملكه [فسقط وتطيرت لبنه إلى غيره، وأهلك، فلا ضمان، وإن مال إلى الشارع] ، وسقط من غير إمكان استدراك، فلا ضمان؛ لأنه تصرّف في الملك، وإن مال أولاً، فأمكنه التدارك، ولم يفعل، فوجهان: ظاهر المنصوص أنه لا يجب نظراً إلى أصل البناء والثاني: أنه يجب، كما لو بنى في الأصل مائلاً \rفأما قشور البطيخ، وقمامات البيوت، فهي من مرافق الأملاك (كالميازيب) ، فالمنع من إلقائها على الشوارع [عسير] ، فمن أصحابنا من قال: لا ضمان على الملقي؛ لما ذكرناه؛ فإن  منع الملاك من طرح القمامات يضيق  الأملاك عليهم ومنهم من قال: يتعلق بها الضمان؛ لأن مقصود الطرق الاستطراق، وما عداه إن جرّ  ضراراً، فهو ممنوع، وإن كان ضرره خفيًّا، فقد  يجوز بشرط سلامة العاقبة ومنهم من قال: إن جمعت في الزوايا والأطراف من الطرق، فهو معتاد لا ضمان فيه، وإن ألقيت على متن الطريق وسرارة  الشارع، وجب الضمان والوجه القطع بإيجاب الضمان في متن الطريق، وردّ الخلاف إلى الأطراف ","part":1,"page":61},{"id":1967,"text":"التفريع: إن قلنا إنه سبب ضمان، قال صاحب التلخيص: ينظر، فإن كان الوجه المطعوم على الأرض، ولم يتحرّك القشر، فتعثّر المارّ به بعد وضع رجليه عليه، فلا ضمان؛ إذ العثرة لم تحصل بالقشرة وإن زلق وتحرّك، وجب الضمان وإن كان المطعوم بادياً، فعلى العكس، فإن تحرّك، فلا ضمان، وهو محمول على عثرته، وإن لم يتحرّك بزلق  الرجل، وجب الضمان ومن الأصحاب من أنكر هذا التفصيل، وقال: القشر على الجملة سبب ظاهر، فيحال عليه كيف ما كان وما ذكره  من التفصيل فيما يلاقي المطعوم منه  الأرض، له وجه أما ما ذكره فيما إذا بدا   المطعوم، فإنه إن تحرّك فلا ضمان، بعيد؛ لأنه يتحرك أوّلاً، ويتحلّب  منه رطوبة مزلقة \rفأما رشّ الماء، فإن كان لتسكين الغبار، فهو لمصلحة العامّة، فيضاهي حفر البئر لمصلحتهم، (وهذا قل)  ما ينتهي  إلى التزلق ، وإن لم يكن لمصلحة العامّة، فهو سبب ضمان على الجملة إذا لم يره الماشي فإن رأى موضع التزلق، فوضع عليه الرجل، فلا ضمان \rوكذلك لو رأى قشر البطيخ، فتخطّاه قصداً، أو رأى البئر، فوضع الرجل على شفيرها ، وكل ذلك واضح بيّن، فتنخل من مجموع ذلك أن الممنوع [سبب]  الضمان، والمباح في الملك ليس بسبب، والمباح في الشارع فيما  يتعلق بمرافق الملك كالميزاب وقشور البطيخ، فيه خلاف، وما يرجع إلى (اتساع)  الرفق  كالقابول ، هو سبب الضمان؛  لأنه جُوِّز بشرط أن يحفظه إما بإحكام أصله، أو بحفظه ","part":1,"page":62},{"id":1968,"text":"وكذلك حفر البئر في الشارع لغرض نفسه، أو نصب الدكة، جُوِّز بشرط أن يحفظ  في الابتداء والدوام، وليس كذلك  التعزير، فإنه مهما أهلك، تبيّن  أنَّ ما أقدم عليه زائدٌ على القدر المأذون، ولم يكن مباحاً، وهاهنا لا يبين عدم الإباحة في إخراج الجناح ومناط الضمان إلزامنا  إياه الحفظ في الابتداء والدوام، ومساق هذا يقتضي أن يقال: لو سقط الجناح بصاعقة نادرة، لا يرتقب مثلها، فلا ضمان، وهو الوجه فيه \rالطرف الثالث: في ترجيح أحد السببين على الآخر:\rفإذا حفر رجل بئراً، ونصب آخر حجراً على طرفه، أو وضع قشر  بطيخ على طرفه، فتعثر بالحجر، وسقط في البئر، فالضمان على صاحب الحجر، ولا توزيع بالاتفاق؛ لأن فعل كل واحد منهما منقطع عن ذاك  القبيل، ولكن التردي حصل نتيجة للتعثر ، والتعثر حصل بالحجر، فصار ذلك كالعلة بالإضافة إلى البئر، ونزل منزلة التردية ، وكذلك لو كان السيل قد جرف حجراً، وألقاه على طرف البئر، فكذلك نقول، ونهدر الضمان بالإحالة عليه كما لو وضعه حربي؛ لأنه نزل منزلة العلة، وكذلك  لو نصب سكّيناً، ونصب آخر أمامه حجراً، فتعثر بالحجر، ووقع على السكّين، فالضمان على ناصب الحجر، وكذلك لو حفر بئراً، ونصب آخر في قعر البئر سكّيناً، وكان لا يموت فيه المتردّي لولا السكين، فالضمان على الحافر؛ لأنه صار كالعلة؛ إذ الوصول إلى السكين نتيجته، ولم يثبت (أحدٌ)  الشركة بين السببين ","part":1,"page":63},{"id":1969,"text":"ولو حفر بئراً وعمقه قريب، لا يهلك فيه المتردي، وجاء  آخر وعمّقها، وهلك المتردّي فيها (فوجهان) : أحدهما: الإحالة على الأول؛ لأنه السابق سببه، [والثاني: نتيجته] ، والثاني: الشركة  وهذا تخيّلوه لتجانس العمقين، ولكنه ناقض للمأخذ الذي ذكرته في الترجيح، والشركة حيث لا ترجيح بمعنى التوليد، فإنه سرّ العلة، وكذلك  لو قبض الرجل سكّيناً، ونصبه، فألقى غيره إنساناً عليه، فالضمان على الملقي؛ إلا أن يحرك ناصب السكين يده في صوب الملقى، فيحال عليه، (كالقادّ)  بنصفين مع الملقي، وإن قدر على أن يلقي السكين، فتركه منصوباً، فهذا لم يتعرّض له الأصحاب، وهو محتمل؛ لأنه أمر سهل؛ إلا أنه يضاهي تكلف الدفع من وجه \rفروع تستمدّ من القواعد الممهّدة:\rأحدها : أنه لو نصب حجراً في الطريق [فعثر به إنسان وجب الضمان كما في حفر البئر، فلو قعد في الطريق]  فتعثر به غيره، نص الشافعي -رحمه الله- على أن الهلاك محال على القاعد، حتى لو ماتا جميعاً، فالقاعد هدر، ودية العاثر على عاقلة القاعد ، ولو تعثر ماش بواقف وماتا، فالهلاك مضاف إلى الماشي، نصّ الشافعي عليه ، فاختلف الأصحاب، فمنهم من قال: قولان بالنقل والتخريج: أحدهما: أن الحوالة على الماشي؛ لأن الحركة من (جهته) ، وهذا يجري أيضاً في القاعد والثاني: الحوالة على الواقف؛ لأن الطريق للمرور لا للوقوف والقعود، (فنُزّل)  منزلة نصب الحجر، ومن الأصحاب من فرّق، وأقرّ النصّ، وهو الأصح من حيث أن الوقوف من حاجات المارّ، وهو أناة في المشي، أو يقف الإنسان لكلام وسلام، أو لنفض ثوب أو غيره وأما القعود، فيصدّ عن المرور، ولكن قد يحتاج المار إليه للاستراحة، فكان مساويا  ً للوقوف من وجه  ","part":1,"page":64},{"id":1970,"text":"الفرع الثاني: إذا تردّى في بئر في محلّ عدوان، فتردّى وراءه آخر، وسقط عليه، فقد اجتمع لموت الأول سببان: صدمة قعر البئر، وثقل الثاني وأما الثاني، إنما  مات بسبب التردّي، فضمانه على الحافر قطعاً، وضمان الأول أيضاً يستقرّ على الحافر، ولكن لولي الأول أن يقول للثاني: صدم الأول بتخطى  البئر، فليكن مطالباً بالشطر، ثم ليرجع  على الحافر؛ لأنه  كالمغرور في حقه، فضمان المكان مستقرّ على الحافر، ولكن لتعلق الطلبة بعاقلة الثاني في النصف [فيه]  احتمال، وللأصحاب فيه تردد، وهو يضاهي تعلّق العهدة بالمكره مع رجوعه على المكرِهِ، والظاهر أن الابتداء والقرار على الحافر، ويبعد مطالبة العاقلة مطالبة لا تستقرّ، ويثبت لهم الرجوع \rالفرع الثالث: لو تزلق رجله على طرف  البئر، فتعلق بآخر وجذبه، وتعلق ذلك الآخر بثالث وجذبه، وتساقطوا، فإن تفرقت (مساقطهم)  في البئر، فهلاك الأول مضاف إلى البئر وحافرها، وهلاك الثاني إلى الأول وجذبه، وهلاك الثالث إلى الثاني وجذبه،  فتجري مطالبة عاقلة الحافر، فإنه مخطئ وأما الأول والثاني من المتردّين، فعامدان في الجذب، فالدية في تركتهما مغلّظة، ولو بقيا لتكلمنا في القصاص عليهما وأما الثالث فلا فعل من جهته ","part":1,"page":65},{"id":1971,"text":"فأما إذا وقع بعضهم على البعض، فلا يتعرّض لما يضرب على العاقلة، أو لما يختصّ به الجاذب، فذلك ليس من غرضنا، ولكن نبيّن إضافة الهلاك، والذي اختاره الجماهير، مذهب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو أن الأول مات بثلاثة أسباب: بصدمة البئر، وثقل الثاني، وثقل الثالث وهو متسبب من جملتها إلى سبب واحد، وهو ثقل الثاني بجذبه إياه، فيهدر ثلث الدية، وثلثها  على الحافر، وثلثها على الثاني لجذبه الثالث وأما الثاني، فهلك بجذب  الأول وثقل الثالث، أما ثقل الثالث، فمضاف إليه، فإنه جاذبه وأما جذب الأول، فهو معتبر، فنصف ديته على الأول ، (ونصفها)  مهدر وأما الثالث، فكل ديته على الثاني؛ فإن هلاكه بسبب واحد، وهو جذبه  ولو  زاد رابع، والمسألة بحالها، فيجتمع لهلاك الأول أربعة أسباب: صدمة البئر وثقل الثاني، وثقل الثالث، [وثقل الرابع]  أما المنسوب إليه من جملتها ثقل الثاني، فإنه جاذبه، فتعطل الربع، وتبقى ثلاثة أرباع في الحفر والجذب كما سبق وأما الثاني فقد هلك بثلاثة أسباب: جذب الأول، وثقل الثالث والرابع، وثقل الثالث منسوب إليه، فيهدر ثلث ديته، والباقي يتبع الجذب كما  سبق وأما الثالث هلك بسببين: بجذب الثاني، وثقل الرابع أما ثقل الرابع فمنسوب إليه بجذبه، فيهدر نصف ديته، والباقي على الثاني وأما الرابع فهلاكه بسبب واحد، وهو جذب الثالث، فهو مضاف إليه، وهو قياس التفريع ما زاد ","part":1,"page":66},{"id":1972,"text":"وذكر بعض الأصحاب وراء ما ذكره علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، واختاره الجمهور، وجهين مزيفين: أحدهما: أنا إذا فرضنا في ثلاثة، فالأول والثاني مهدران؛ لأن هلاكهما بالبئر [وجذبهما بالنسبة إلى البئر كالمباشرة بالنسبة على السبب فيرجح عليه وأمَّا الثالث فقد هلك بجذب الأوَّل والثاني، فالنصف من ديته يضاف إلى الأوَّل، والنصف الآخر يضاف إلى الثاني، وما ذكره في الأوَّل من إهداره بتقديم جذبه على البئر] ؛ فإنه في محلّ العلة، والمباشرة (ولا يخلو)  عن خيال على  الجملة، ولكن مساقه يقتضي أن لا يهدر الثاني؛ لأن هلاكه بجذبه وجذب الأول، فإن قدم الجذب على البئر، فلم يقدّم الجذب على الجذب والوجه الثاني: أنه لا تهدر  جهة البئر، ولكن يقال في الأول سببان: أحدهما: البئر، والآخر ثقل الثاني والثالث، وثقلهما مضاف إليه؛ لأن الأول جذب الثالث بجذب جاذبه، فكان ذلك سبباً في حقه، فيهدر النصف، ويجب النصف على الحافر، وأما الثاني فنصف ديته على الأول بجذبه، ونصفه مهدر؛ لأنه جذب ثقل الثالث إلى نفسه وأما الثالث فتمام ديته على الثاني ","part":1,"page":67},{"id":1973,"text":"وهذا يناقض حكمه في الأول؛ لأنه أضاف انجذاب الثالث إلى الأول في حق تنصيف دية الأوَّل، ثمّ لم يضف إليه حتى خُصّص بالإضافة الثاني في حق تكميل دية الثالث والمذهب مذهب علي بن أبي طالب رضي الله عنه  وما تطرق  إليه خيال من هذا الوجه الثاني، أضافه جذب الثالث إلى الأول، وتنزيلهما كشخصين مجذوبين من جهته، ولكن ذلك ينقدح إذا بقيت يد الأول متعلقة بالثاني بعد تعلق الثاني بالثالث فإن (انفصلت)  يد الأول، وقد هوى الثاني هويًّا أبطل اختياره، فأنشأ بعد ذلك تعلقاً، فلا يضاف إليه بحال وإن كانت يد الأوَّل متعلقة بعد تعلق يد الثاني، فيحتمل الإضافة إليه، ويحتمل الإضافة إلى الثاني؛ لأنه قادر على حل اليد عن الثالث، حتى لا يصير مجذوباً بجذب الأول معه وعلى الجملة، الصحيح هو الأول، وما ذكرناه ظنون \rالطرف الرابع: في الأسباب المجتمعة:\rالتي تثبت بالشركة فيها (ولا تستقل)  بالترجيح، وذلك ينقسم إلى ما يقع بالاصطدام، وإلى ما يقع بغيره\rالقسم الأول: في الاصطدام: وفيه صور: \rالصورة الأولى: إذا اصطدم حرّان راكبان، فهلكا وهلكت دابتيهما، فقد هلك كل واحد بقوته وقوة صاحبه، فهو شريك، فيهدر النصف من ديته ودابته، ويضمن له النصف مضروباً على العاقلة في صورة الخطأ، إذا كانا مدبرين لا يرى كل واحد صاحبه برجوعه القهقرى ، وكذلك في الليل، وكذا  في حق (الأعميين) ، وتختص  في تركة الراكبين في صورة العمد المحض عند العلم والقصد والتحامل في صورة تُهلك غالباً وإذا كان مغلوباً، ولكن كان يبعد تولّد الهلاك منه، فله حكم الهلاك بشبه العمد ، ويجب على كل واحد كفارة كاملة؛ لسعيه في روح صاحبه  كالشريك ","part":1,"page":68},{"id":1974,"text":"وإن أوجبنا الكفارة على من يقتل نفسه، لزمه كفارة أخرى ثم لا نظر في التشطير الذي ذكرناه إلى تفاوت القوتين، فلو ركب أحدهما فيلاً، والآخر كبشاً، حكمنا بالتشطير  هذا ما ذكره الشافعي إبعاداً في التصوير ، وإن كان الكبش لا يركب، وينزل تفاوت القوة منزلة تفاوت عدد الجراحات؛ فإن ذلك يعسر  ضبطه؛ اللهم إلا أن يعلم أن أحدهما لا صدمة له، فيكون كغرز إبرة في غير مقتل مع جراحات كثيرة \rوقال أبو حنيفة: إن استلقيا في السقوط، وجبت دية كل واحد منهما بكمالها على عاقلة الآخر؛ فإن ذلك يدل على سقوط بقوة الآخر، وإن سقطا منكبّين، فهما مهدران، وإن انكب أحدهما واستلقى الآخر، فالمنكبّ مهدر ، فإنه ساقط بقوته، وسقوط الآخر أيضاً بقوته، فيغرم دية الآخر بكماله  وذهب صاحب التلخيص إلى مذهب أبي حنيفة ، ومن الأصحاب من وافقه، وذهب الأكثرون إلى تغليطه؛ فإنه بخلاف جميع نصوص الشافعي في الباب، ولا معنى فيه أيضاً، فإن المتحامل قد تتفق له عثرة وحركة، فينعكس، ويستلقي، والضعيف قد ينكبّ، وتتبع ذلك غير ممكن، ونحن نعلم أن حصول السقوط بالتصاير  والتصادم من الجانبين، فيجب التوزيع بالسوية \rثم فرّع الأصحاب على مذهب صاحب التلخيص ما إذا تجاذب رجلان حبلاً، (فانقطع)  وانكبّا، أنه تجب دية كل واحد على عاقلة صاحبه، ولو استلقيا، فيهدران وهذا فاسد، والتفصيل المختار فيه أنه إن كان أحدهما مالكاً للحبل، والآخر يظلمه بالجذب، أما الظالم فيهدر؛ فإنه مدفوع، وأما المظلوم فنصف ديته على عاقلة الظالم، ونصفها مهدرة؛ لإضافته إليه، (وفعله)  معتبر في حقه، فإن لم يصلح لإيجاب الضمان به عليه لظلم شريكه، فيصلح لإسقاط الضمان عن شريكه، فإنه لم يصدر الجميع منه فلو كان الحبل مشتركاً أو كانا غاصبين ، فهو كالاصطدام من غير فرق ","part":1,"page":69},{"id":1975,"text":"ثم لا يخفى في صورة اصطدام الراكبين أن بدل الدابة لا تحمله العاقلة، وتختص به تركة الصادم، وإن كان  قد يفضي إلى التقاصّ عند الاستواء، وهو بيّنٌ \rفرع: إذا غلبت الدابة (راكبيها) ، فحصل الاصطدام قهراً، ففي المسألة قولان: أحدهما: لا حكم لفعلهما، وقد هلكا ودابّتاهما  بفعل الدوابّ، فهو هدرٌ، كما لو كان بآفة سماويّة والثاني: أنه يعتبر؛ لأنهما متسببان بالركوب، فيضاف إليهما ما تولّد  منه نعم، تجعل هذه الصورة خطأً محضاً، فتخفّف على العاقلة \rالصورة الثانية: أن يصطدم عبدان فماتا، فهما (مهدران) ؛ فإنا لو قدّرنا تعلّق شطر قيمة كل واحد برقبة صاحبه لأهدر أيضاً بموته، كيف ولم يتراخ موت أحدهما عن الآخر حتى يستتبّ هذا التقدير في جانب، فتساقطا نعم، يمكن تقدير التعلق بقيمة الرقبة، ولكن القيمة أيضاً فاتت؛ فإنه لا تظهر [له]  فائدة \rأما إذا تصادم حرٌّ وعبدٌ، فيهدر من كل واحد نصفه، فعلى الحر أو عاقلته نصف قيمة العبد إن قلنا إن قيمة العبد تحمل، ثم يتعلق نصف دية الحرّ بما وجب لأجل قيمة الرقبة، فإن قدرناه على الحرّ نفسه، فيحصل التقاصّ في قدر التساوي، فإن كان الفضل للقيمة، فالزيادة تخرج من التركة إلى سيّد العبد، وإن قلنا إنه يضرب على العاقلة نصف قيمة العبد، فنصف دية الحرّ متعلق بها ، فرجع الحاصل إلى أنَّ ورثة الحر يأخذون من تركة الحر بمقدار نصف الدية، ولكن السيد يطلب العاقلة أوّلاً بنصف قيمة العبد، ثم له الخيرة إن شاء قضى نصف ديةٍ لورثة الحرّ من موضع آخر، وإن شاء سلّمها إليهم \rفلو امتنع السيد من مطالبة العاقلة، فللورثة (مطالبته) ؛ لأن حقهم متعلّقٌ بالقيمة توثّقاً إن لم يكن متعيّناً فيه، فالذي يجب القطع به أن المرتهن يطالب (متلِف)  المرهون بالقيمة إن شاء، وكذا المجني عليه يطالب بتلف العبد الجاني ","part":1,"page":70},{"id":1976,"text":"الصورة الثالثة: لو اصطدمت حرّتان حاملتان، فماتتا مع الأجنّة، أما حكمهما فماضٍ، وأما الجنينان، فلا يهدر شيء منهما؛ بل تضرب غُرَّة كاملة نصفها على عاقلة الأم، فإن صدمته بسبب منها، ونصفها على عاقلة الثانية  \rولو عالجت الأم نفسها، وأجهضت، واستقلّت، وجب عليها الغُرَّة لورثة الجنين، والأم محجوبة، فإنها قاتلة ،\rثم تجتمع على كل عاقلة غُرَّة كاملة نصفه  لجنين الأجنبي، وقد هلك بسعيه، ونصفه لجنين الأم، فكل  واحدة ساعية في إهلاك نصفي جنين، فيجب نصفا غرّتين، فتكون غرة كاملة، ولكن بجهتين  \rوأما الكفارة، فعلى  كل واحدة أربع كفارات إن أوجبنا كفارة النفس، وإلا فثلاث كفارات، كفارة حاملٍ، وكفارتان لجنينين \rالصورة الرابعة: إذا اصطدمت أمّا ولد، فإن كانتا (حاملتين) ، نُظِرَ، فإن تساوت القيمتان حصل التقاصّ؛ فإن الصحيح أن سيد المستولدة يضمن جناية المستولدة بأقلّ الأمرين من أرش الجناية أو القيمة فإذا كان قيمة كل واحدة مائة، فقد أهدر نصف كل واحد، وضمن كل واحد من السيّدين النصف لصاحبه، وهو خمسون، فاستويا، وتقاصّا \rفلو كانت قيمة إحداهما مائة، وقيمة الأخرى مائتين، فعلى صاحب الخسيسة نصف قيمة النفيسة، وهي مائة، وعلى صاحب النفيسة نصف قيمة الخسيسة، وهي خمسون، فتصير قصاصاً بخمسين، ويبقى على صاحب الخسيسة خمسون لصاحب النفيسة \rفإن قيل: لم أوجبتم على صاحب الخسيسة مائة كاملة، وهو إنما يغرم أقلّ الأمرين من قيمة الجانية أو الأرش، وقيمة الجانية مائة، وقد هلك النصف بالإهدار ، فلا يبقى إلا خمسون قلنا: إنما نعتبر قيمتهما  قبيل التلف، والتلف فيهما وقع معاً، والجناية مضافة إلى جميع شطري المستولدة ما أهدره، ولم يهدر، فما ذكرناه متعيّنٌ لا شكّ ","part":1,"page":71},{"id":1977,"text":"فأما إذا كانتا (حاملتين)  بولدين حرّين، فإن لم يكن للجنينين وارث سوى السيّدين، تعلقت بكل واحدة نصف قيمة صاحبتها، ونصف غرة الجنينين، وتعلق ذلك بالسيّدين، فإن (كانت)  المستولدتان متفقتي القيمة، فلا بدّ أيضاً من اتفاق الغرتين، فقد أهدرنا، ويحصل التقاصّ  أما إذا كان قيمة إحداهما مائة، وقيمة الأخرى مائتين، والغرّتان تتفقان  لا محالة، وتفرض قيمة كل غرة أربعين، فصاحب النفيسة يستحقّ مائة، وهي نصف القيمة، وعشرين، وهي نصف الغرة، ولكن قيمة الجانية الخسيسة مائة، فهو أقلّ من الأرش، فلا يستحق على صاحب الخسيسة إلا مائة، أما صاحب الخسيسة يستحق خمسين للمستولدة، وعشرين للغرة، فحقه سبعون، وهو أقل من القيمة في هذا الجانب، وقد استحق عليه مائة، فنقضي بالتقاصّ، ويبقى عليه ثلاثون لصاحب النفيسة \rفأما إذا كان للجنين وارث سوى المولى، (ولا)  يتصور إلا أم الأم، فتستحق سدس الغرة، فما وجب لأجل الغرة يصرف سدسه إليها  لا محالة، ولا يدخل في التقاصّ جانبها  \rالصورة الخامسة: إذا اصطدم صبيان ركبا بأنفسهما، فحكمهما حكم البالغين في صورة الخطأ، وفي صورة العمد وشبه العمد يبنى على القولين في عمد الصبيّ، فإن نفينا عمد الصبي، فلا يثبت له شبه عمد، ويسلك [به]  مسلك الخطأ \rوإن أركبهما غيرهما، نُظِرَ، فإن كان صدر من أجنبي تولى إركابهما جميعاً، فكل ما يتولّد من دابتيهما مضاف إلى الأجنبي، فلا يهدر شيء من الدابتين والصبي أما قيمة الدابتين، ففي مال المُرْكِب، وأما دية الصبيين، فعلى عاقلته وإن أركبهما أجنبيان، فلا إهدار أيضاً، ولكن يضاف إلى كل مركب ما يضاف إلى صبيه الذي أركبه، وهو نصف الفوات الحاصل في نفس الصبي ودابته، وفي نفس الصبي الآخر ودابته ","part":1,"page":72},{"id":1978,"text":"فأما الولي إن كان مركِّباً، فهو كالأجنبي في صورة يمتنع الإركاب، كما إذا كانت الدابّة شرسةً، ولا حاجة إلى الركوب وإن مست الحاجة إلى نقل الصبي، وراعى فيه المصلحة والاحتياط، فلا شيء عليه، فهو كما لو ركب الصبي، وكان ذلك كالفساد الذي يتولّد من فصده بإشارة الأطباء فأما إذا لم يكن للصبي حاجة، ولكن كان الظاهر الأمن، والغرض من الركوب زينة أو رياضة، فذلك جائز عند ظهور الأمن، ولكن في إحالة الضمان عليه وجهان: أحدهما: أنه لا يتعلق به؛ لأنه غير معتد  فيه والثاني: أنه متعلق به؛ لأن هذا الجنس لا يخلو من غرر، فلا يجوز إلا بشرط سلامة العاقبة \rوإذا قلنا: إن للصبي عمداً، وجرى الاصطدام في صورة التعمد، فالصادر من الأجنبي أو الولي تسبُّبٌ ، والصادر منهما المباشرة، ولكن أطلق الأصحاب الحوالة على المركِب من غير تفصيل، ولعل سببه  انتفاء العصيان عنه، فإنه غير (معتد) ، فنزل منزلة المُرْدِي مع الحافر، وفيه  احتمال على [كل]  حال \rالصورة السادسة: إذا اصطدمت سفينتان يتولى ملاحان إجراءهما ، فلا يخلو إما أن يكون بفعلهما مع  العمد، أو بفعلهما عن خطأ  أو غلبة الرياح، فإن كان بفعل عمد يفضي مثله إلى التكسّر  غالباً، فهو سبب لإيجاب الضمان في المال على نعت الشركة كما في الاصطدام، وسبب لإيجاب القصاص في النفوس  الكائنة في السفينة، حتى لو كان في كل سفينة عشرة أنفس، كانا شريكين في قتل جميعهم، فهو كاشتراك شخصين في قتل عشرين نفساً، ولا يخفى مذهب الشافعي في القرعة والقصاص والرجوع إلى الدية، وأن كل شريك يلتزم كفارة كاملة بسبب كل شخص ","part":1,"page":73},{"id":1979,"text":"وإن كانا مخطئين، فحكم الضمان في الأموال لا يختلف  أما النفوس فلا يجب القود فيها، والدية تضرب على عاقلتهما مخففة، وإن كان من عمد لا يفضي إلى التكسّر غالباً، فهو شبه عمد، فحكمه حكم الخطأ إلا في التغليظ على العاقلة  هذا حكم ما في السفينتين من إنسان ومال\rفأما حكم السفينتين، فإن (كانا)  ملك المجريين، فهدر من كل واحد نصفها، ويتعلق النصف الآخر بذمة المجري الثاني، فإن اعتدلت القيمتان تقاصّا، وإن اختلف لم تخف كيفية الرجوع وإن كانت  السفن ملكاً لسكّان السفينة، فحكم السفينة حكم ما في السفينة  من الأموال، وقد سبق\rفأما إذا كان بغلبة الرياح، ففيه قولان مرتبان على ما إذا جرى اصطدام الراكبين لغلبة الدوابّ، وقطع الإضافة عن مجرى السفينة أولى؛ لأن انسلال الدابّة عن  الاختيار نادرٌ، وقد يستند إلى تقصير واستيلاء الرياح على السفن غير بعيد  وقد نصّ الشافعي على القولين في المسألة  وذكر العراقيون في تصوير سقوط الاختيار وجهين: أحدهما: أن تستولي الرياح حالة الاصطدام، وإن كان الإجراء في الأصل والابتداء كان باختيارهما، وهو الظاهر والثاني: أن تكون كل سفينة مقيدة مرساةً على الساحل، فتنقلع في الابتداء، وتجري بغير اختيار فأما إذا سبق في الابتداء اختيار، ثم خرج الأمر عن الضبط، فهو ملحق بالخطأ  هذا ما ذكروه، ويظهر أن يعتبر أن لا يكون التَّجَارِي بالاختيار من السفينتين، فإن ذلك يقرب من الاصطدام","part":1,"page":74},{"id":1980,"text":"التفريع: إن أوجبنا الضمان، فهو ملحق بالخطأ، وإن لم نضف  إلى فعلهما بوجه، فلو كانا مالكين للسفينة أو متبرعين بالإجراء، فالحكم ما سبق، فلو كانا أجيرين، فيتجدّد أمرٌ، وهو أن الفوات تحت يدهما وإن لم يكن بفعلهما  ويبتني  على القولين في أن يد الأجير المشترك يد أمانة أو ضمان  فإن قلنا إنه أمانة، فلا ضمان وإن قلنا إنه يد ضمان، فيجب على كل واحد منهما ضمان جميع ما في سفينته من المال، ثم يرجع بالنصف على الآخر، وشرط الإضافة إلى يده أن لا يكون في السفينة مالك المال، ويكون في يده لا في يد الآخر ، (وأن لا)  يكون عبداً لمالك، وهو منصوب للحفظ، فإذ ذاك يكون المال في يد العبد، والعبد في يد نفسه، وإن كان العبد مع الأقمشة [وهي]  مسلّمة إليه، فالعبد أيضاً  في يد الأجير \rهذا كله إذا كان حقيقة الحال متفقاً عليه فلو تنازعوا، فقال المَلاّح: حصل بغلبة الريح، وقال المُلاّك: بل بفعلكما، فالقول قول الملاح؛ لأن الأصل براءة الذمة، وغلبة الرياح في السفن غير بعيد \rفإن قيل: لو خرق الملاح السفينة، فغرق أهلها بما فيها، ماذا تقولون قلنا: إن تعمّد خرقاً يغرّق مثله، فالقصاص والضمان، وإن قصد الإصلاح، فأخطأ واتسع، فشبه عمد وإن أخطأ الفأس، وكان لا يقصد الخرق فانخرق، فهو شبه عمد \rوإن  ألقى متاعاً في السفينة، فَثَقُلت وغَرِقت، فقد حصل الغرق بثقله و (بما)  قبله، فيضاف إلى الآخر أم يقسط على الكلّ، فيه خلاف قدمناه في كتاب القصاص \rمسألة معترضة في إلقاء المتاع في البحر:\rذكرها الشافعي في اصطدام السفن، ولها صور:","part":1,"page":75},{"id":1981,"text":"إحداها: إذا أشرفت السفينة بثقلها  على الغرق، فلا ينجي إلا التخفيف بإلقاء المتاع في البحر، فمن استبدّ  بإلقاء متاعه، فلا يرجع بضمانه على أحد، سواء كان هو في تيك السفينة (ونجا) ، أو كان مستغنياً عنه، وإنما فعل لنجاة غيره حسبةً  وليس ذلك كما لو أوجر المضطرّ طعاماً من  ملكه بغير إذنه حتى ينجى به، ففي الرجوع وجهان ووجه الفرق أن هذا إتلاف وتفويت محض وإن حصل نجاة الغير عنده وأما الطعام، فهو تحصيل في حق المتناول إذ تعدى به، فليس فائتاً في حقه؛ بل حاصل له، ومحتبس عنده لغرضه، فلم يبعد الضمان؛ إلا أن الإشكال غير منقطع؛ لأنه إذا (أوجر)  بغير إذنه، فالإيجار كالإهلاك، ولذلك لو جرى في حالة الاختيار فلا يرجع، والمكرَه على الأكل عندنا لا يضمن كالمكرَه على الإتلاف، وهو توجيه الوجه الآخر في صورة المخمصة \rالثانية: أن يلقي المتاع باستدعاء مستدعٍ بأن قال: ألق متاعك، وأنا ضامن، فإن كان المالك لا يحتاج إلى الإلقاء  وكذلك لا يحتاج إليه غيره، فالضمان ساقط، والإلقاء عدوان وإسراف  وإن كان يحتاج إليه غير المالك للنجاة، فالإلقاء جائز، والضمان لازم، سواء احتاج إليه المستدعي فالتمس لحظّ نفسه، أو احتاج إليه غيره فالتمس حسبةً ، فإن مقصود الإنقاذ انتفاعه عن  مقصود تخليص المنكوحة ، والأجنبي بذل المال في اختلاع أجنبية وعلى الجملة، هذا ضمان خارج عن القياس، ولكن أثبت للحاجة؛ فإن المالك لا يسمح به مجّاناً، والتساهل في الإنقاذ لا سبيل إليه \rفأما إذا كان المالك محتاجاً إلى الإلقاء لينجو بنفسه، فيجب عليه الإلقاء، فلو قال له غيره: ألق وأنا ضامن، وكان لا يحتاج إليه غيره، فألقى، فلا ضمان؛ لأنه أدّى ما وجب عليه لنفسه، فهو كما لو قال للمضطرّ: كل طعامك وأنا ضامن ","part":1,"page":76},{"id":1982,"text":"فأما إذا احتاج المالك وغير المالك، فالنظر إلى جانبه مسقط، وإلى جانب غيره موجب، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجب كمال الضمان، وهو منصوص الشافعي ، فإنه ضمان يثبت، والحاجة بالملتمس حاقّة إما لنفسه أو للحسبة، فمشاركته المالك  في الحاجة لا تعدم هذه الحاجة والثاني: وهو الذي اختاره القاضي، أنه يقسط؛ فلو كان معه شخص آخر، فيسقط  ضمان نصفه، وإن كان معه تسعة أشخاص، فيسقط ضمان العُشْر توزيعاً عليهم في الإيجاب والإسقاط وما ذهب أحد إلى إسقاط كل الضمان تجريداً للنظر إلى جانب المالك وحاجته \rوهذا كله إذا صرّح بالضمان؛ فلو قال: ألق متاعك في البحر وأطلق، فحيث نوجب الضمان عند التقييد، فههنا وجهان كالوجهين فيما إذا قال: اقض ديني، ولم يشرط الرجوع  ثم مهما ألقى متاعه، لا يخرج من ملكه، حتى لو لفظه البحر، فهو له، والضمان مردود كما في المغصوب الآبق \rفرع يتعلق باللفظ: إذا قال في صورة جواز التزام الضمان: ألق متاعك وأنا وركبان السفينة ضامنون، قال الشافعي رحمه الله: ضمنه دونهم  وقال المزني: وجب أن يغرم بحصته؛ لأنه أضاف الضمان إلى نفسه وغيره، فيسقط في حق غيره، ويبقى بحصته  ووجه كشف هذه المسألة أن المستدعي إن أتى بما يصرّح بالتقسيط، فلا بدّ منه، وإن أتى بما يصرح بإضافة الجميع إليه، ثم ضمّ إلى ذلك الإضافة إلى الركبان، لزمه الجميع؛ إذ يتوارد على المضمون الواحد ضامنون، كل واحد ضامن على الكمال وإن لم يكن اللفظ صريحاً، فينظر في موجبه، ويغلّب الأظهر فلو قال: أنا وركبان السفينة ضامنون، قدّم ذكر نفسه وغيره على لفظ الضمان، فهذا ظاهرٌ في التقسيط، محتملٌ للتعميم إن اعترف به وفسر به وإذا زعم أنه أراد التقسيط، فهو مقبول، والقول قوله مع يمينه ","part":1,"page":77},{"id":1983,"text":"أما إذا قال: أنا ضامن وركبان السفينة ضامنون، ففي هاتين اللفظتين وجهان: أحدهما: أنه يحمل على التقسيط لو فسّر به، ويقبل منه فيه وهو اختيار المزني والثاني: أنه يلزمه الكل؛ لأنه أضاف إلى نفسه ما يستقل  به، ثم أتبعه بما هو مردود عليه، فلا يتغير صدر الكلام به ومن أصحابنا من قطع بمذهب المزني، وأوّل كلام الشافعي، ومنهم من جرى على النص، وجعل مذهب المزني مخرجاً  فأما إذا قال: أردت بقولي ركبان السفينة ضامنون: إخباراً عن حالهم، فإن اعترفوا فذاك، و إلا فالقول قولهم ولو قال: أردت إنشاء الضمان عن (جهتهم) ، فقد أطلق الأصحاب أنهم إن رضوا ثبت وهذا بعيد عن القياس؛ إلا على قول وقف العقود  ولكن لما كانت القاعدة مبنية على الرخصة، أثبت الأصحاب التساهل في المتصل للحاجة وقطع القاضي بأن قولهم رضينا، لا يلزمهم شيئاً؛ وهو المختار \rفلو قال: طلقت نساءك، وأعتقت عبيدك، فقال: رضيت، لا خلاف في أنه لا ينفذ مع إنشائهما  على الغلبة والنفوذ  فهذا أولى\rالقسم الثاني من صورة الشركة: [الاشتراك]  في غير الاصطدام:\rوقد ذكرنا جملاً منها في كتاب القصاص ، ونذكر الآن جملاً منها:\rالصورة الأولى: إذا اشترك جماعة في جذب المنجنيق ، فارتمى الحجر، و  رجع عليهم، وكانوا عشرة، فهلك جميعهم، فيهدر من واحد عُشره، ويتعلق تسعة أعشاره بعاقلة الباقين قضاءً  عليهم، وكان كل تسعة شركاً لكلّ واحدٍ في قتله ولو رجع  الحجر على واحد منهم، أهدر عشره، وتعلق تسعة أعشار ديته بعواقل الباقين ، بعاقلة كل واحد عُشْرُهُ ","part":1,"page":78},{"id":1984,"text":"فأما إذا أصاب الحجر غير الرامين، فإن قصدوا شخصاً معيّناً، وكانوا يقدرون على الإصابة، فهو عمد محض يجب القصاص على جميعهم، وإلا فهو شبه عمد أو خطأ محض على ما يقتضيه التصوير فلو كانوا جميعاً، وكان يمكن إصابة الجميع، ولا يمكن إصابة واحد على التعيين، فيخرج الفعل عن كونه عمداً؛ إذ لا يتعلق بشخص معين \rوبمثل هذا التردد أبطلنا إكراه المكره إذا قال: اقتل أحد هذين الشخصين وإلا قتلتك؛ لأن المكرِه لم يقصد واحداً، والمكرَه قتله، فأما إذا قال: اقتلهما، وإلا قتلتك، فقتلهما، ينبغي أن يقطع بوجوب القصاص على المكرِه، والبداية بأحدهما لا يبطل كونه مكرهاً، ولا يظهر اختياره، فإنه يتبدي في الضرب على ما يتفق \rوكذلك في [صورة]  رمي المجانيق إذا قصد جمعاً، وحاول قتل جميعهم، وعلم أنه يقدر على قتل جميعهم بكرّات، بحيث يأتي عليهم، فقصد ما علم أنه قادر عليه وحقق، فيظهر ههنا إيجاب القصاص، وإن لم يرتبط قصده في كل كرّة بشخص معين وما ذكره الأصحاب ينزل على ما إذا كان لا يقصد جميعهم، وإنما يقصد واحداً لا بعينه هكذا ذكره الإمام \rالصورة (الثانية) : إذا قصد الظالم مال شخص أو نفسه، فدفعه بضربة جارحة، فولى الظالم هارباً، فأتبعه المقصود، وضربه ضربة أخرى وهو هارب عدواناً، (فانعكس)  عليه الهارب قاصداً، فضربه المقصود ضربة  ثالثة على حدّ الدفع، ومات، فقد هلك بثلاث جراحات: مهدرتان: سابقة ولاحقة، ومضمونة، وهي المتوسطة قال الشافعي: يوجَب عليه ثلثُ الدية، ويهدَر الثلثان  هذا إذا توسطت المضمونة بين مهدرتين، فلو والى بين جراحتين على حد الدفع، ثم أتبعهما بالثالثة على حدّ الضمان، فالواجب نصف الدية توزيعاً على الحالتين من غير نظر إلى عدد الرؤوس ","part":1,"page":79},{"id":1985,"text":"وعلى هذا المنهاج يتصور إذا كان السبب في الإهدار ردّة المضروب وسبب الضمان [إسلامه] ، فإن تخللت الردة تعددت الأحوال الثلاثة، فتوزع  على الأحوال الثلاث، وإلا فيشطّر  وقد ذكرنا هذا في كتاب القصاص، أو  ذكرنا نظيره \rالثالثة: لو قطع رجلٌ يد مرتدّ، ثم أسلم المرتدّ، فعاد القاطع مع ثلاثة من الجناة، وجرحوه في الإسلام فمات، قال ابن الحدّاد: توزّع الدية أوّلاً على عدد الرؤوس، ويقال: الجناة أربعة، فعلى كل واحد الربع من الذين لم يجنوا  إلا في الإسلام أما الذي جنى في الحالتين يخصّه الربع بجنايتيه، فتهدر إحداهما، ويبقى الثمن  وقال بعض الأصحاب: لا؛ بل نوزع على الجنايات، ونقول: هي خمسة، الواحدة منها مهدرة، فيهدر خمس الدية، وتجب أربعة أخماس الدية، على كل واحد منهم [خمس]  وهذا القائل يصرف الإهدار إلى جميعهم، ويدخل نقصانه عليهم؛ لأن أثر الجراحة المهدرة كانت باقية في السراية عند جنايتهم \rالرابعة: لو عكسنا الصورة، فجنى ثلاثة في الردة فأسلم، فعادوا مع رابعٍ وجرحوا، فعلى مذهب ابن الحداد، الجناة أربعة، يخص كل واحد منهم الربع، فيكمل الربع على من انفرد بالجناية في الإسلام، ويرجع ربع الآخرين  إلى الثمن بالتوزيع على جراحتيهم، وعلى الوجه الآخر يقال: الجنايات سبع، ثلاث في الردة، وأربع في الإسلام، فتهدر ثلاثة أسباع الدية، ويجب على كل واحد من الأربعة السبع \rالخامسة: لو جنى أربعة في الردة، وعاد واحد منهم مع ثلاثة أُخر ، وجنوا في الإسلام، فعلى مذهب ابن الحدّاد، الجناة سبعة، فيجب على كل من وقعت جنايته في الإسلام فقط سُبعٌ كاملٌ، ويرجع سُبع الآخرين إلى النصف بالتوزيع وعلى الوجه الآخر يقال: الجنايات ثماني، أربع في الردة، فتهدر، فتبقى أربعة أثمان الدية على الأربعة الذين جنوا في الإسلام، فالمجموع  نصف الدية ","part":1,"page":80},{"id":1986,"text":"السادسة: جنى أربعة على مرتدّ، فلما أسلم، عاد واحد وجرح، ولم يشاركه غيره، فعلى مذهب ابن الحداد، الجناة أربعة يخصّ  كل واحد الربع، فيهدر ثلاثة أرباع، فيبقى ربع على الجاني في الحالتين، فيعود إلى الثمن، وعلى الوجه الآخر، الجنايات خمس، تهدر منها أربعة [أخماس، ويبقى خمس على الجاني في الإسلام]  \rالسابعة: لو جنى رجلان عليه في الردة، ثم هما بعينهما جنيا في الإسلام، على المذهبين، (فعلى)  كل واحد ربع الدية، ويهدر نصف الدية، ويلتقي المسلكان في التوزيع في هذه الصورة  \rالثامنة: لو جنى على حرٍّ خطأً، ثم جنى عليه عمداً، ومات من الجراحتين، فتجب الدية، نصفها مغلّظة في ماله مثلّثةً، ونصفها مخمّسة على عاقلته ولو عاد هو مع ثانٍ، وجنيا عمداً، فعلى مذهب ابن الحداد توزع  عليهما، ثم ما يخصّه هو النصف، فربعه في ماله مغلّظاً مثلّثاً، وربعه على العاقلة مخمّساً وعلى مذهب الآخرين على ما ذكره الإمام فيما يليق بقياسهم، ولم يذكره الشيخ  أبو علي، أنه يوزّع أصل الدية عليهما؛ إذ لا نظر إلى تعدد الجراحات في تغيير  مقدار الدية، ولكن يوزع التخفيف على الجنايات، فيقال: هي ثلاثة، والمخفف من جملة الدية الثلث، والمغلّظ الثلثان، وتتحمل العاقلة من كل واحد منهما ثلث ما وجب عليه، وهو سدس الدية ","part":1,"page":81},{"id":1987,"text":"فإن قيل: فمن لم يجن إلا عمداً، كيف يستحق تخفيفاً قلنا: كما استحق نقصاناً بالإهدار، واستفاد من فعل غيره هذا ما ذكره، وفيه بعد، وعندي أن الأقرب إلى قياسهم أن يوزع على الجنايات أثلاثاً، فيضاف الأول إلى العاقلة كما أضيف إلى الإهدار، فسقوطه عن الجاني بخطإه كسقوطه بردة القتيل، ولكن الساقط عنه ههنا متحول إلى العاقلة، وثَمَّ مُهدَرٌ، فيستفيد الجاني جناية واحدةً نقصاناً فأما أن يستفيد تخفيفاً حتى يجب على عاقلته بعمده، فهو في غاية البعد، وليس فيما ذكرناه بعد إلا التوزيع على عدد الجنايات مع اتحاد الجاني وهذا قياس القوم، وهو في هذه الصورة أولى؛ لأن الخطأ في حكم الصادر عن العاقلة، فكأنه صدر عن جانٍ آخر؛ بخلاف الصادر في الردة عنه بعينه \rالتاسعة: إذا قطع العبد يد حرٍّ، فعتق الجاني، فعاد بعد الحرية مع جانٍ آخر، وقطع يده الأخرى، فالدية الكاملة عليهما نصفان من غير نظر إلى عدد الجنايات ثم الذي جنى في حالتين يوزّع على جراحتيه، وربع الجملة كان متعلّقاً برقبته؛ إذ جنى  في الرق، والسيد لما أعتقه التزم الفداء، فيلزمه ذلك القدر  هذا قياس ابن الحداد، وقياس غيره لم يتعرض له في هذه الصورة","part":1,"page":82},{"id":1988,"text":"العاشرة: لو جنى عبد على حرٍّ، ثم جاء إنسان وقطع يد العبد، ثم إن العبد بعد ما قطعت يده، جنى على حرٍّ آخر، وماتوا عن آخرهم من الجنايات أما الذي جنى على العبد (يلتزم)  تمام قيمته، وتصرف قيمته إلى الحرّين  وقال ابن الحداد: يسلّم أرش يد العبد إلى ولي الحرّ الأول لا يشاركه فيه الثاني، (ويتساهمان)  في الباقي، فإنه جنى على الثاني ولا يد له، وجنى على الأول وله اليد، فما يخص اليد هو متعلَّق حق الأول، ثم الأصح أن المصروف إلى الأول قدر ما نقص بقطع اليد، لا نصف القيمة  ومن الأصحاب من خصّصه بنصف القيمة، قال الشيخ أبو علي: هذا غلط؛ إذ  يجب على مساقه أنه لو كان قد قطع اليدين، يصرف الكل إلى الأول، فلا يبقى للثاني شيء نعم، لو قتل العبد بعد قطع اليدين يمكن الوفاء بذلك القياس، فيسلم إلى الأول كمال ما وجب باليدين، وإلى الثاني ما وجب بالقتل فأما إذا لم يجب إلا قيمة واحدة، تتولد منه استحالة في التفريع \rفرع به اختتام هذا القسم:\rإذا تخاصم رجلان، فشهرا سيفيهما، وتقاتلا، وادعى  وليّ كل واحد أن قتيله  كان دافعاً لا قاصداً، فيتحالفان، فإن حلفا لم يستفيدا شيئاً، وإنما الفائدة من نكول واحد  فإن قيل: وما حكم مثل هذين الرجلين قلنا: من علم أنه ليس مقصوداً، فهو في الضرب معتدٍ ملتزم للضمان لو بقي، وإن علم أنه مقصود، فالمدفوع من حقه مهدَرٌ، وإن ظن أنه مقصود ظنًّا غالباً، فله أن يدفع عن نفسه، ولا يقف ذلك على العلم، ونحن قد نحصل الإكراه بالتوعّد، وقد يكون كل واحد ظانًّا، فيؤدي إلى إهدار كل واحد في حق صاحبه لظنه، ولكن يجب القطع بأن ولي الدم لو اعترف بخطإ واحد في ظنه، فتتعلق العهدة بتركته، فالظن يمهّد العذر، وقد نحكم بتحقيق الظن بالظاهر، فإذا اعترف بالخطإ، فلا ينبغي أن يحكم بالإهدار  هذا تمام الكلام في قسم الموجب","part":1,"page":83},{"id":1989,"text":"فإن قيل: لم تتعرضوا للسحر، قلنا: القتل به لا يثبت إلا بإقرار فإن قال: سحري يقتل غالباً، فهو سبب قصاص، وإن قال: قصدت غيره فوافق الاسم، فخطأ محض وإن قال: قصدت الإصلاح فهو شبه عمد ، وإن أخللنا شيئاً، ففيما ذكرناه كفاية وتنبيه والله أعلم\r\rالقسم الثالث من الكتاب: في بيان ضرب الدية على العاقلة : ،\rوهو بيان من يجب عليه، ولقد بينا أن موجب العمد على العامد، وموجب الخطأ وشبه العمد  على العاقلة، فذكرنا بيان العمد وشبه العمد والخطأ  وفي عمد الصبي قولان: أحدهما: أنه عمد تعويلاً على الحس والثاني: أنه خطأ محض، فإن الشرع ألحق عمده بالعدم، ولم يعتبر قصده فعليه، يخرّج ضرب دية قتله إذا وقع  عمداً \rوجناية الرجل على نفسه لا تضمنها  العاقلة (للجاني)  وإن كان خطأ ؛ خلافاً لأحمد  وإسحاق   ونقل صاحب التقريب قولاً للشافعي مثله، وهو غير معتدّ به، وكأنهم يقدّرون خطأ الإنسان كفعل عاقلته، أخطأ في نفسه أو في غيره، وهذا هوس لا وجه له ","part":1,"page":84},{"id":1990,"text":"ومعتمد ضرب الدية على العاقلة الحديث، وذلك ما روي ((أنه عليه السلام قضى بالدية على العاقلة))  وروي ((أن جاريتين  اختصمتا فضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط، فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية على العاقلة، وفي الجنين بغرة عبد أو أمة))  وهذه القاعدة بخلاف قياس الضمان؛ إذ الأصل (مؤاخذة)  الجاني وورود  هذا الاستثناء ولعل سببه هو أن الخطأ مما يكثر، والدية مما تجحف بالجاني، فوزّعت  على عاقلته تخفيفاً وإعانة وعن هذا فهم الأصحاب تردداً من مساق كلام الشافعي في أن الوجوب هل يلاقي الجاني فذكروا قولين مستنبطين من مساق  كلامه: أحدهما: أنه يجب على العاقلة ابتداءً؛ لظاهر الحديث والثاني: أنه يلاقيه جرياً على القياس، ثم يُتحمل عنه تشوفاً إلى قياس الإعانة بالتحمل [وهو مما]  يكثر في الشرع، ولذلك يؤدى الدين عمن تحمّل حمالةً لإصلاح ذات البين، ويجري مثل هذا الخلاف في كفارة الوقاع في حق المرأة في الصوم والحج وفي زكاة الفطر أيضاً  هذا تمهيد القاعدة والنظر في ثلاثة أركان: من تجب عليه، وما يجب، ومدة الأداء\rالركن الأول: فيمن تجب عليه:\rوالدية تضرب على ثلاث جهات: على العصوبة، والولاء، وبيت المال  أما المحالفة والموالاة، قال الشافعي: ليس ذلك من الأسباب؛ إلا أن يصح فيه خبر، ولم يصح الخبر  وقال أبو حنيفة: هي  سبب \rالجهة الأولى للتحمل: العصوبة:","part":1,"page":85},{"id":1991,"text":"فكل قريب عصبة واقع على طرف النسب، فهو أهل للضرب على الجملة، والعصبة على عمود النسب كأولاده وآبائه، لا يتحملون  وقد ورد فيهم الحديث  ولأنهم أبعاضه، وكما يعظم عليه الضرب ،فكذا على أبعاضه، والتعويل على الحديث ولو كان ابنها ابن عمها أيضاً أو معتقها  فوجهان: أحدهما: أنه يضرب بالولاء وبنوّة العم، والولادة كالعدم كما في ولاية التزويج والثاني: المنع، فكأنا نقول: البعضية مانعة،  ولا تقتصر على قولنا: إنها غير مفيدة \rثم ترتيب العصبات من الإخوة وبنيهم والأعمام وبنيهم مرعيّ فما لم يفضل قدر عن الأقربين لا يرقى إلى الأبعدين  وهل يقدم الأخ من الأب والأم على الأخ من الأب في درجة الأخوة وفي درجة العمومة وغيرها  فيه قولان كما ذكرناهما في ولاية النكاح  وما وراء هذا فالترتيب مرعي على نسق الترتيب في الميراث  وقال أبو حنيفة: يستوي الأقرب والأبعد، فيفضّ على جميعهم  ولنا تردد فيما إذا كان الأقرب غائباً، وسيأتي\rالجهة الثانية: الولاء :\rفإذا لم يصادف عصبة من النسب، أو فضل عنهم شيء، طلبنا المعتق، فإن لم يكن فعصباته  فإن لم يكن فمعتق المعتق، ثم عصباته، فإن لم يكن فمعتق أب المعتق، ثم عصباته، فإن لم يكن فمعتق جد المعتق ثم عصباته على هذا الترتيب كما في الميراث  وهل يدخل ابن المعتق وأبوه ومن هو على عمود النسب وجهان:\rأحدهما: أنهم يدخلون؛ لأنا إن قدرنا ابن الجاني بعضه، (وألحقناه)  بنفسه، فنفس المعتق يضرب عليه، فَلِمَ لا تضرب على أبعاضه والذي ذهب إليه الأكثرون أنهم لا يحملون ؛ لما روي أن مولى لصفية  بنت عبد المطلب -رضي الله عنها- جنى، فقضى عمر -رضي الله عنه- بأرش الجناية على علي -رضي الله عنه- ابن أخيها ،وقضى بالميراث لابنها الزبير  رضي الله عنه ","part":1,"page":86},{"id":1992,"text":"ولو اجتمع جماعة من المعتقين، فهم كشخص واحد لا يحملون إلا حصة الواحد ولو أعتقت امرأة، فلا تضرب  عليها؛ بل يحمل عنها من يحمل جنايتها من عصباتها، كما يُزوِّج عتيقتها مَن يُزوّجها \rولو مات واحد من شركاء الإعتاق، فلا تضرب على آحاد ورثته من عصبته   إلا القدر الذي كان يحمله لو كان حيًّا ولو مات المعتق وله عصبات، فكل واحد يحمل نصيب شخص كامل، حتى يحمل كل واحد نصف دينار إن كان موسراً، أو ربع دينار إن كان متوسطاً وإذا كان الشريك يحمل نصف سدس، أو كان يحصه ذلك القدر، فلا تضرب  على كل واحد من ورثته إذا وافقه في اليسار والإعسار إلا مثل ذلك القدر \rوالضابط للصورتين أن كل عصبة للمعتق تنزل منزلة المعتق، فيحمل القدر الذي كان يحمله لو كان حيًّا إذا وافقه في اليسار والتوسط، ومهما فقدنا الأقرب من عصبات النسب، ترقّينا إلى الأبعد وكذلك مهما فضل منهم شيء، فلو فضل من جميعهم، طلبنا المعتق وضربنا عليه نصف ما فضل، ولا نترقى إلى عصباته \rوظاهر كلام الأئمة مقيد في حق عصبات المعتق بموت المعتق وهو الوجه؛ لأنهم لا يدلون بقرابة، وإنما يتحملون بالولاء، ولا يثبت لهم اختصاص الولاء بالجاني ما دام المعتق حيًّا، فليتنبه لهذه الدقيقة  نعم، ينقدح تردد في أنا لو فقدنا المعتق، واستوعبنا عصابة  الأقربين، فهل يتعدى إلى الأباعد مع حياتهم، فيحتمل استيعابهم كعصبات النسب، فإن الولاء لحمة كلحمة النسب، فذلك بعد مفارقة المعتق ويحتمل أن يقال لهم: لا يناسبون الجاني بقرابة ولا ولاء، والأظهر هو الأول؛ فإن مسائل الولاء تدل على أن الولاء لا يورث؛ بل يورث به، فابن المعتق يرث عتيق أبيه؛ لا لأن له ولاء عليه، ولكن لأنه ابن من له الولاء ","part":1,"page":87},{"id":1993,"text":"فإن قيل: العتيق هل يتحمل العقل عن معتقه قلنا: فيه قولان: أحدهما: أنه لا يتحمل؛ لأنه لا يرث، وإنما حمل المعتق بالولاء والثاني: أنه يحمل؛ لأن اليد عليه أعظم، وهو بالنصرة أجدر من المعتق، وهذه نصرة، فلا ينبغي أن تخصص بالإرث \rالتفريع: إن قلنا: يحمل، فعصباته لا يحملون؛ إذ لا منة في حقهم ولا ولاء، ولو اجتمع الموْلَيان لشخص واحد، أعني الأعلى والأسفل، فلا أدري من يقدّم، ولعل الظاهر أن المعتق يقدم، وهو المولى الأعلى \rفرع: لابن الحداد في جرّ الولاء:\rوصورته: أن المتولد من عتيق وعتيقه يثبت الولاء عليه لمولى الأب؛ ترجيحاً لجهة الأبوة، ولو تولّد من عتيقه  ورقيق ثبت الولاء على الولد لموالي الأم لانسداد جهة الأب؛ إذ لا ولاء عليه بعدُ فلو عتق الأب انجرّ الولاء إلى موالي الأب، وسقط ولاء موالي الأم  وهذا صورة الجرّ\rفلو جنى هذا الولد قبل عتق الأب، وجرّ الولاء ثم أعتق، فالدية على موالي الأم، أو على موالي الأب للمسألة صور:\rإحداها: أن يقتل قبل الجر: قال ابن الحداد: الدية على موالي الأم؛ إذ لم يكن لموالي الأب ولاء عند القتل وهذا بين إذا تراخى الجرّ عن مضيّ مدة الضرب، فإن وقع قبل كمال السنة، فسنذكر أن النظر في الإعسار واليسار إلى آخر الحول، وقد اتفق عليه الأصحاب، ووجود اليسار وعدمه يؤثر في أصل الضرب وإسقاطه كوجود الولاء وعدمه، فَلِمَ لا يعتبر هذا في آخر الحول والقياس أن يعتبر أول الحول فيهما، ولكن اتفاق الأصحاب في اليسار يمنع من الخلاف  فطريق  الإجمال إلى كلام ابن الحداد أولى، والفرق عسير، والشيخ أبو علي لم يعرض لهذا الإشكال في الشرح ","part":1,"page":88},{"id":1994,"text":"الصورة الثانية: المسألة بحالها، ولكن كانت الجراحة غير مذففة، فاتفق الموت بالسراية بعد الجرّ، والجرح قبل الجر، فقدر الأرش على الأم على سياق ما قدمنا، والزائد على الجاني لا يضرب على موالي الأب؛ لأنه سراية جناية جرت قبل الولاء، ولا على موالي الأم؛ لأن السراية وجدت في نفسها بعد زوال الولاء، والدية تضرب على العاقلة على خلاف القياس، فإذا تطرق الخلل إلى أحد الطرفين سقط، كما أسقط القصاص بشبهة تكون  من أحد الطرفين  \rوأما قول الأصحاب إن الزائد يضرب على الجاني، فمشكل؛ بل القياس أن يضرب على بيت المال، بخلاف ما لو جرح الذمي ثم أسلم، فإن قدر الأرش مضروب على عاقلته الذمية ، والزائد لا يضرب لا على عاقلته  الذمية، ولا على المسلمة؛ لما ذكرناه \rولا تضرب على بيت المال، فإن بيت مال الإسلام لا يحمل ، كما أن الغريب  المسلم لا يحمل  أما ههنا، فلا مانع لبيوت المال إلا لعدم الولاء فإذا سقط، فلم لا تضرب على بيت المال وعلة غاية  الإمكان في التعليل: أن بيت المال يسقط عنه بوجود ما هو أولى منه، وهو الولاء، ثم سقط من الموالي بالتدافع، فنزل على الجاني وهذا وإن كان تلفيق  لفظ، ليس فيه كبير طائل، فهو منقدح في القدر الذي كان يحمله الموالي لو لم يكن مانع أما الزائد على ذلك القدر، ينبغي أن يقطع بضربه على بيت المال ","part":1,"page":89},{"id":1995,"text":"هذا كله إذا كان الجرح مقدر الأرش من قطع يد أو أصبع أو جائفة فلو كان يوجب حكومة، فكيف تضرب الحكومة على موالي الأم وإنما يعرف قدرها بالاندمال، ولا اندمال فالطريق أن يقدر وقوف الجراحة لوقت الانجرار، ويجعل الانجرار كالاندمال، فإنه مانع، فهو كما لو حزت رقبته، ومنع النظر إلى السراية ويثور من هذا دقيقة، وهو أن الجرح لو كان مقدراً، ولكن سرى قبل الجرّ بعض السراية [إلى جرح غير مقدّر، فتيك السراية غير مضروبة على موالي الأمّ؛ بل السراية]  (تبع)  الواجب في المال، ولو كانت الجناية غير مقدرة الأرش، ومددنا الاعتبار إلى حال الانجرار، ووقفنا، ففيه اعتبار سراية حصلت قبيل الانجرار  ضمًّا له إلى أرش الجناية السابقة، فلتفهم هذه الدقيقة \rالصورة الثالثة: المسألة بحالها: قطع اليدين ثم مات بعد جرّ الولاء، فتجب على موالي الأم دية بكمالها؛ لأن قطع اليدين يوجب كمال الدية فإن قيل: الواجب دية اليدين أو دية النفس قلنا: لا فائدة في هذه الإضافة، ولعل الأولى أن يقال: هو  دية النفس، وإنما كان يمتنع لو زاد الواجب والآن، فالجناية جارية على وجه لا تزيد  بحال، وكذلك نقول: لو قطع اليدين والرجلين، فتجب على موالي الأم دية واحدة، وهو دية النفس، ولكن إذا لم نزد، فلا منع من الضرب  \rالصورة الرابعة: لو قطع اليدين ثم عاد بعد الجر وحزَّ الرقبة، فعلى النص إذا لم نوجب إلا دية واحدة، أوجبناها على موالي الأم؛ لأنه لم يزد فنجعل الجر  كسراية القطع ولو قطع يداً قبل الجر، وأُخرى بعد الجر، فمات من الجرحين، وجب دية نصفها على موالي الأم، ونصفها على موالي الأب ولو قطع يداً قبل الجرّ ويداً ورجلاً بعد الجرّ، فالجواب كمثلٍ، ولا يزيد واجب موالي الأب بزيادة الجراحة ولو أوضح قبل الجرّ، وقطع يداً بعد الجرّ، ومات منهما، فلا يجب على موالي الأم إلا أرش الموضحة، فإن واجبهم لا يزيد بما يجري بعد جر الولاء بحال ","part":1,"page":90},{"id":1996,"text":"الجهة الثالثة: بيت مال المسلمين: لما كان مصبًّا للمواريث عند فقد الورثة، كان جهة للتحمّل عند فقد العصبات من النسب والولاء، وذلك للمسلمين لا لأهل الذمة  والحبشي إذا جنى [فيما]  بيننا، فلا تضرب جنايته على أهل بلده من الحبشة، ولكن إذا لم يعرف له معتق وعصبة، ضرب على بيت المال، فالمقدّم النسب، ثم الولاء، ثم بيت المال وإنما يعدل إلى الأدنى عند فقد الأولى وإذا فضل من الأولى، فإن لم نجد عاقلة ولا بيت مال، رجعنا إلى الجاني وضربنا عليه وهذا (مما)  يدل على تعلق الوجوب به ومع وجود العاقلة الذين (يستوعبون) ، لا يضرب على الجاني شيئاً  وقال أبو حنيفة: الجاني كواحد من العاقلة  هذا هو النظر في الجهات\rأما الصفات فنشترط فيمن يضرب عليه من العاقلة العقل، والبلوغ، والذكورة، واليسار، وموافقة الدين مع الجاني فلا يضرب على مجنون، ولا على صبي، ولا على امرأة، فإنها لا تكون عصبة وإذا كانت معتقة أيضاً لم يضرب عليها، فليس هؤلاء من أهل النصرة بالسيف وكأن هذا مخصوص بالقتال، ولهذا ذكر العراقيون في الزمِن الموسر وجهين: أحدهما: أنه يضرب [عليه] ؛ لأنه من جنس الرجال وهو عاقل بالغ والثاني: لا يضرب؛ لأنه ليس من أهل النصرة، ولهذا يرضخ له كما يرضخ للنسوان والصبيان \rفأما الموافقة في الدين فشرط، ومعناه أن المسلمين لا يتحملون عن أهل الذمة، ولا أهل الذمة عن  المسلمين ولو جرح في حالة الذمة ثم أسلم، فقد سبق حكمه في فروع الولاء وأهل الذمة يتحملون عن أهل الذمة عندنا مع الاتفاق في الدين ؛ خلافاً لأبي حنيفة \rوهل يتحمل النصارى عن اليهود فيه قولان: أحدهما: أنهم يتحملون كما يتوارثون، ونُورّث  بعضهم من بعض إذا رضوا بحكمنا  والثاني: أن هذا مبني على النصرة، ولا تناصر مع اختلاف الدين ","part":1,"page":91},{"id":1997,"text":"فأما أهل الحرب من أقاربهم فكالمعدومين والمعاهدون يتحملون إن زادت عهودهم على أجل الدية، وإلا أخذنا سنةً إن دامت عهودهم سنة، وفي الباقين نقدرهم معدومين فإذا عجزنا عن هؤلاء فلا نضرب على بيت المال؛ لأنه للإسلام، فلا يتحمل إلا عن مسلم ولذلك نقول: الذمي إذا لم يكن له وارث، فليس ماله موروثاً لبيت المال؛ بل هو مخمّس كالفيء، وهو كل مال ظفرنا به من أموال الكفار من غير إيجاف خيل و [لا]  ركاب ثم إذا لم نضرب على بيت المال فلا نعطل ؛ بل نضرب على الجاني، فلا  سبيل إلى تعطيل  ويضرب عليه مؤجلاً إلى ثلاث سنين كما على العاقلة ولا ينبغي أن يتخيّل أن الأجل تخفيف على العاقلة؛ بل هو موجَبُ الجناية، كما أن التغليظ لما كان موجب شبه العمد، غُلّظ على العاقلة  وهل يضرب على أبيه وابنه الظاهر أنه لا يضرب لأنه ليس جانياً، ولا على عاقلته ومنهم من قال: يضرب؛ فإنه بعضه، وقد ضرب على نفسه وهو ضعيف \r(ثم)  فرعوا على هذا الضعيف، فقال فريق: يضرب على [كل]  واحد نصف دينار أو الربع، كما على آحاد العواقل ومنهم من قال: هو على الجاني وعلى أبيه وابنه أثلاثاً، فإنهما أبعاضه وليس هذا من الضرب على العاقلة، وهذا بناء غلط على غلط \rوأما اليسار فمشترط ؛ فمن يضرب عليه فلا يضرب على فقير معتملاً كان أو لم يكن ؛ خلافاً لأبي حنيفة، فإنه أوجب على المعتمل، وكلفه الكسب  وهذا مذهبه أيضاً في ضرب الجزية  وقد قال الأصحاب: يضرب على الغني والمتوسط، فعلى الغني نصف دينار [ولا مزيد] ، وعلى المتوسط ربع دينار، (ولا يزيد)  ","part":1,"page":92},{"id":1998,"text":"فإن قيل: ومن الفقير والغني والمتوسط، وما الضبط فيه قلنا: أطلق الأصحاب هذا، فأقرب مدرَكٍ له الفحص عن مقدار المضروب، فيعتبر الغناء عنه، ويعتبر  الاحتياج إليه فالغني هو الذي يملك قدر عشرين ديناراً فضلاً عن مسكنه وثوبه وعبده، وما لا يجب في المعين من  الكفارات المرتبة  والفقير من ليس يفضل عن حاجته شيء، ولا يشترط أن لا يملك، ولا أن تحل له الصدقة، فإن المعتمل هو الذي يفي دخله بخرجه، لا يحل له سهم الفقراء والمساكين في الزكاة، ولا عقل عليه  والمتوسط من لم يبلغ درجة الغني، وكان دونه قبل درجة الفقير ، يفضل  عن حاجته شيء لم يبلغ عشرين ديناراً وليكن قدراً لا يرده أخذه إلى حد الفقر  \rفهذا أقرب مدرك على ما اختاره الإمام أخذاً من قدر المضروب، والنصف أخذاً  من أولى درجة المواساة [في الزكاة] ، وربع دينار لعله أخذاً من نصاب السرقة، وهو مال له قدر على الجملة، وليس يعرف نص في التقدير بالنصف والربع وإذا تعارضت الاحتمالات اكتفينا في المضايق بالخيالات \rفإن قيل: الناس منقسمون: فمنهم الأغنياء المرموقون، والفقراء المحتاجون، وأكثرهم المتوسطون؛ فهلا ضبطتم بذلك قلنا: لأن تقسيم عاقلة شخص واحد إلى هذا بعيد، فيبعد  أن يفرض طبقة من المرموقين من أهل اليسار والاستظهار في عاقلة\rفإن قيل: فهل ضبطتم العاقلة، ورتبتم درجاتهم على ما هم عليه بإضافة بعضهم إلى بعض قلنا: قد تقتضي الإضافة جعل المقتدر المعتمل متوسطاً بالإضافة إلى العاجز [وجعل المتوسط]  فقيراً بالإضافة إلى المرموقين، وهو بعيد ","part":1,"page":93},{"id":1999,"text":"فإن قيل: وما اكتفيتم بأن يفضل من قوته وقوت من يقوته نصف دينار، أو ربع دينار كما في الفطرة، ويكون ذلك بعد استثناء المسكن والثوب والعبد، حتى لا تجحف به المطالبة، فيفتقر إلى بيع ما تصدق إليه حاجته قلنا: لأنه إذا لم يفضل إلا هذا القدر، لم يعدّ غنيًّا، فإن أخذه يرده إلى حدّ الفقير، ولا بد أن يكون زائداً ولا مردّ (أقرب من نصاب)  الزكاة، فإنه وجب للمواساة وهو أهل المواساة وأما النفقة، فهي على البعض بحكم التربية، فهو أحق من المواساة مع أباعد القرابات عند الجنايات، فهذا أقرب الطرق فيما قدرناه ولا يقبل، ولا حجر على من يلوح له ترجيح غيره هذا بيان الفقر المانع من الوجوب \rثم من كان في آخر السنة فقيراً، اندفع عنه حصة تيك السنة، وقدّر كالمعدوم في حق ذلك القدر، ولا يعتبر اليسار السابق ولا اليسار بعده، وإن كان موسراً عند آخر السنة يستقر في ذمته، وإن أعسر بعده حتى يخرج من تركته \rالركن الثاني: في بيان قدر المضروب على العاقلة:\rومذهب الشافعي -رحمه الله- أن أروش الجنايات كلها مضروبة على العاقلة، قلّت أو كثرت  وقال أبو حنيفة رحمه الله: ما دون أروش الموضحة لا تحمله العاقلة ، وحكى العراقيون قولاً: أن التحمل يختص ببدل النفس كالكفارة والقسامة وفي القديم قول: أن بدل الأطراف يحمل إلا ما دون ثلث الدية والقولان مهجوران عندنا ","part":1,"page":94},{"id":2000,"text":"وما يضرب على العاقلة يفضّ على الأقربين، على كل غني نصف دينار، وعلى كل متوسط ربع دينار، وذلك قدر الواجب في جميع (السنين)  أو في آخر كل سنة فيه وجهان   فإن استوعبوا فذاك ، وإن فضل رقينا إلى الأباعد درجة بعد درجة إلى الاستيعاب فإن لم يبق من جهة النسب شيء وقد فضل، رقينا إلى جهة الولاء وطالبنا المعتق فإن فضل فهل نترقى إلى عصبات المعتق مع بقائه ووجوده فيه نظر، والمنقول أنا لا نطالبهم مع وجوده كما سبق ذكره  نعم، نستوعب عصابته عند عدمه على الترتيب، فإن فضل عن (جميعهم)  أخرجنا من بيت المال جميع ما بقي من حصّة السنة الأولى ثم إذا استوفينا بهذا  الطريق حصة السنة الأولى كذلك، فعلنا في حصّة السنة الثانية والثالثة \rوإن لم يكن في بيت المال مال، فهل نطالب الجاني فعلى وجهين بناهما الأصحاب على أن الوجوب هل يلاقيه أم لا ومنهم من بناه على أنه لو حدث بعد ذلك مال في بيت المال، فهل  يطالب به  وفيه وجهان: أحدهما: أنه لا يتعلق به كما يحدث من اليسار للعاقلة بعد مضي السنة، فإنه لا يعتبر والثاني : أنه يتعلق به؛ فإن النظر فيه إلى الجهة، ولذلك يؤدى من واحدة ما يفضل في آخر السنة من سائر الجهات  فإذا قلنا: إنه يتعلق به، فليس يؤدي إسقاطه عن الجاني إلى التعطيل وإذا قلنا: لا يتعلق به فهو مؤدٍّ إلى التعطيل فيبعد ذلك، ولكن قطع القاضي بأنه لا يضرب على الجاني وسائر الأصحاب ذكروا وجهين  وقال القاضي: إذا أعسر الزوج بصدقة الفطر، ففي وجوبها على الزوجة الموسرة وجهان ، وأخذ يفرق بين المسألتين بما لا يستقل فرقاً، ولا يفهم فقهاً ","part":1,"page":95},{"id":2001,"text":"التفريع: إن قلنا يضرب على القاتل، فما فضل في آخر السنة جميعه مضروب عليه كما يضرب على بيت المال، ولا تحذر في حقه الزيادة على نصف دينار كما لا تحذر في بيت المال؛ لأن المحذور التعطيل، وفي المصير إلى ذلك تعطيل، ولكنه عن المدة في الضرب عليه، فلا يستوفى شيء قبل سنة كما في بيت المال، فيساوي القاتل وبيت المال العاقلة في التخفيف بالتأجيل ثلاث  سنين، ولا يساوون في القدر؛ لأن الجناية وَجِهةَ المصلحة تستوي بالنسبة إلى سائر المقادير، والتأخير إمهال وفي التعجيل زيادة على الواجب، فلا وجه للتعجيل بحال \rوأما  إذا أقر الجاني على نفسه بالخطأ، وأنكرت العاقلة ولا بينة، قطع الأصحاب ههنا بأنه يضرب على الجاني، ولم يُبنَ هذا على الخلاف في ملاقاة الوجوب \rوفي الذمي إذا لم يكن عاقلة ذمية، فلا يضرب على عاقلته المسلمة، ولا على بيت المال، قطعوا أيضاً بالوجوب على الجاني ، وترددوا فيما إذا عجزنا عن العاقلة بفقدهم أو بفقد  يسارهم بفقد المال في بيت المال، وبنوا ذلك على قولي التحمل وملاقاة الوجوب، وهذه مسائل متقاربة مشكلة، والنقل على ما حكيناه ، وغاية الممكن في الفرق أن الذمي ليس في محل التحمل إلا من جهة أهل الذمة، وهم معدومون، وليس يرجى وراءه [له]  تحمل لا من المسلمين، ولا من بيت المال، فاليأس حاصل في حقه، وقولا ملاقاة الوجوب تجري في من هو في مظنة التحمل، ومعه لن  يتصور أن يتحمل عنه، ولكن امتنع تحمله باعتباره  كالمرأة يتحمل عنها الزوج الفطرة، فإن امتنع بإعساره، فقد نتردد في الوجوب عليها أما إذا لم يكن لها زوج، فنقطع بالوجوب عليها، فمن لا عاقلة له، فهو نظير المرأة الخلية، ومن له عاقلة من قريب أو بيت مال، ولكن تعذر بسبب الإعسار، وفقد المال أو ضيق العدد عن الوفاء بالكل، فهو في مظنة التحمل، ولكنه تعذر، فيلحق بالعدم أم لا فيه تردد ","part":1,"page":96},{"id":2002,"text":"وإذا أنكر العاقلة أصل الخطأ، فهذا (متردد)  بين المرتبتين، وقطع الأصحاب بأنه يضرب على الجاني؛ لأنه اعترف، ولا سبيل إلى التعطيل، ولا مطمع في اعترافهم بعد الإنكار \r[أما]  إذا لم يكن في بيت المال مال، فالرجاء صادق في حصوله، وإذا حصل، تعلق به، ولا يؤدي إلى التعطيل، وعن هذا المعنى أبعدنا بالمصير  إلى الإسقاط عنه على قولنا: لا يتعلق بما يحدث في بيت المال \rثم قال صاحب التقريب في صورة الإنكار: لو اعترفت العاقلة بعد أداء الجاني، تبين أنه وجب عليهم، فالجاني يرجع عليهم، أو يستردّ ما أداه، ثم المجني عليه يرجع  على العاقلة، يبنى على أنه أصل في الأداء أم لا، فإن قلنا: إنه أصل لاقاه الوجوب، فيرجع على العاقلة، ولا يسترد، وما أداه واقع موقعه وإن قلنا إنه لم يلاقه الوجوب، فيستردّ  وليس للمجني [عليه]  إلا مطالبة العاقلة، وهذا وجه التنبيه على كل إشكال \rفرع: إذا كان قدر الواجب قليلاً دون نصف [دينار] ، ولو فُضَّ على جميع العاقلة لعَسُرَ التقسيط، ففي المسألة قولان: أحدهما: أنه يفضّ عليهم، وهو القياس، كما لو اشترك عشرة في إتلاف نصف درهم مثلاً، فلا سبيل إلى الفضّ والثاني: أنه يأخذ السلطان قدر الواجب ممن شاء، وإليه التعيين \rوهل تثبت خيرة التعيين للمجني عليه هذا في محل التردد، فيحتمل أن يناط بالقاضي؛ ليكون أقطع للشغب، ويحتمل أن تثبت  له، كما لو قتل جماعة شخصاً، فللوارث أن يعيّن من شاء، ويبادر إلى قتله \rالركن الثالث من هذا القسم: في بيان الأجل في ضرب الدية:\rوقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب الدية على العاقلة في ثلاث سنين  فالدية الكاملة، وهي مائة من الإبل، مضروبة في ثلاث سنين، وقد يزيد على هذا قدر الواجب في قيمة العبد، وأطراف النفس، وتعدد القتل، وقد ينقص بالأنوثة، والكفر، والاجتنان، والاقتصار على ما دون النفس ","part":1,"page":97},{"id":2003,"text":"فالنظر في زيادة المدة ونقصانها، وفي التقدير (بالثلاث)  إلى المقدار، أو إلى كونه بدل النفس، اختلف فيه الأصحاب، فمنهم من قال: النظر إلى بدل النفس في هذا التقدير؛ إذ نُقِلَ الضرب في ثلاث سنين، ولم ينقل حديث في ضرب الدية على العاقلة سوى قصة الجاريتين، وفيه ضرب الغرة ، فدل أنها ضربت أيضاً في ثلاث سنين والثاني: النظر إلى القدر، وما نقل في الضرب بثلاث سنين نقل عن قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتعين لتلك الواقعة \rعلى هذا الخلاف يخرج [في]  بدل النفس مسائل ثلاث:\rإحداها: الناقص بالأنوثة، والكفر، والاجتنان، ونقصان قيمة العبد، إن قلنا: إنه محمول، فيه وجهان: أحدهما: أنه يضرب في ثلاث سنين؛ لأنها بدل النفس والثاني: أنه يضرب في سنة واحدة قدر الثلث من الدية الكاملة، وما زاد فبحسابه، فإن نقص الثلث فلا تجري السنة (لينصرف)  في سنة كاملة، فدية النصراني في سنة، ودية المرأة في سنتين، ودية المجوسي في سنة، وغرة الجنين في سنة \rالثانية: لو قتل واحد جماعة، واجتمعت على عاقلته ديات ثلاث مثلاً، قال الأصحاب: إن قلنا: النظر إلى العذر، فقد زاد، فنضرب هذا في تسع سنين، وإن قلنا: النظر إلى النفس  فوجهان؛ إذ لا يبعد أن يزيد المقوم  على النفس مع النظر إلى النفس ومنهم من عكس، وهو الأصح، وقال: إن قلنا: النظر إلى النفس، فالكل في ثلاث سنين، وإن قلنا: النظر إلى القدر فوجهان، ووجه الاقتصار أن كل دية متميزة عن غيرها، فهي آجال في ديون مختلفة، ولا نتعرض للمقصود بزيادة ونقصان ","part":1,"page":98},{"id":2004,"text":"الثالثة: لو قتل رجل امرأتين ، فإن قلنا: الاعتبار بالنفس، فالديتان في ثلاث سنين كالدية؛ إذ لا ضم بين المنفردات، وإن قلنا: النظر إلى القدر، فوجهان: أحدهما: أنه يضرب في سنتين تنزيلاً للنفس الواحدة منزلة النفوس، واحترازاً عن الضم والثاني: أنه يضرب في ثلاث سنين ضمًّا لإحدى الديتين إلى الأخرى مع التفريع على النظر إلى القدر ومنهم من عكس الترتيب، ووجهه لا يخفى \rالرابعة: إذا اشترك جماعة في قتل واحد، فكان واجب كل واحد الثلث فما دونه، فالمذهب أنه يضرب في ثلاث سنين، فيستحق القتيل واحداً، وتُنزل جميع العواقل في حقه كعاقلة الشخص الواحد والثاني: وقد ارتكبه أصحاب الخلاف، أنا ننظر إلى مقدار الواجب على كل واحد، فيضرب الثلث فما دونه في سنة، والثلثين فما دونهما  في سنتين \rفإن قيل: إذا ضربتم دية ثلاثة أنفس في تسع سنين، فمن الذي يقدَّم قلنا: لا تقديم ولا تأخير، ولكن إذا تمّت السنة الأولى، نأخذ ثلث دية واحدة، ووزع على الجميع، فكأنَّ كل دية مضروبة في تسع سنين على التحقيق ولو اختلف ابتداء التواريخ، فإذا تمّ حول من الأول، التزم العاقلة من تلك الدية على الخصوص ما يلتزمونه لو كان القتل جرى معاً، فإذا مضى مدة، وثم حول (الثان) ، التزموا مثل ما التزموه أولاً، فإذا تمّ حول الثالث، التزموا للآخر مثل ما التزموا للأول، فيجتمع عند انقضاء التواريخ المقدار الذي كان يجب دفعة واحدة لو جرى القتل معاً ","part":1,"page":99},{"id":2005,"text":"الخامسة: لو قتل عبداً كثير  القيمة، ففي أصل التحمل  قولان: أحدهما: أنه لا يحمل؛ لقوله عليه السلام: ((لا تحمل العاقلة عبداً، ولا عمداً، ولا اعترافاً))  والثاني: أنه يحمل؛ لأنه في معنى الحر في ضمان الدم؛ بدليل القصاص والكفارة، فقوله: ((لا تحمل عبداً)) معناه: أن العبد إذا جنى، فأرش جنايته لا يضرب على أقاربه؛ بل يتعلق برقبته  فعلى هذا إذا زاد على أعلى الديات وجب وهل نزيد في المدة إن قلنا: النظر إلى النفس، اقتصرنا على ثلاث سنين كما نرقى  في دية المجوسي إن  نقص إلى ثلث، وإن نظرنا إلى القدر زدنا في المدة بحساب القدر الزائد من غير تشقيص للسنة  هذا حكم النفوس\rفأما الأطراف، ففيها مسائل:\rإحداها: لو قطع إحدى يدي مسلم، فنضرب في سنتين؛ إذ  لم يوجد القدر ولا بدل النفس، ولو قطع اليدين، اتفقت الطرق على أنه يضرب في ثلاث سنين؛ لأن الواجب مثل بدل النفس الكامل وإن لم يكن نفساً، وحكى الشيخ أبو محمد وجهاً عن بعض الأصحاب: أنه يضرب في سنة واحدة إذا قلنا: النظر إلى النفس؛ لأن هذا ليس بدل النفس  وهذا هوس، فما مستند الاقتصار على سنة واحدة، فليترك الأجل، أو ليُرْعَ  حساب المضروب، فأما السنة فلا تقتضي  نقل ولا حساب\rالثانية: لو قطع يدي امرأة، فإن قلنا: بدلها [يضرب]  في ثلاث سنين، فهذا مثل بدلها في ثلاث سنين، وإن قلنا: بدلها في سنتين، فهذا أيضاً في سنتين \rأما إذا قطع إحدى يديها، فأرشها مضروب في سنة واحدة وجهاً واحداً؛ إذ ليس ذلك بدل نفسها ولا مثل نفسها ","part":1,"page":100},{"id":2006,"text":"الثالثة: لو قطع يدي رجل ورجليه، فمن اعتبر المقدار ضرب في ست سنين ، ومن راعى حرمة النفس ذكر وجهين: أحدهما: أنه يضرب في ست سنين؛ لأنه مثل نفسين، والثاني: أنه (يضرب)  في ثلاث سنين؛ إذ (لا يضم)  واجب إلى واجب آخر، ووجه الضم ههنا أوجه؛ لأنهما وجبا في شخص واحد؛ بخلاف ديتي نفس، وحكى الشيخ أبو محمد وجهاً: أن أروش الأطراف أبداً - زادت أو نقصت اتحدت أو تعددت - تضرب في سنة واحدة، فيتحصل في اليدين والرجلين ثلاثة أوجه: سنة واحدة، وثلاث سنين، وست سنين وهذا الوجه غير معتدٍّ به \rفإن قيل: العبرة في الأحكام بأول السنة أو بآخرها قلنا: يعتبر آخر السنة حتى لو كان في العاقلة فقير في آخر السنة، تبين أن الوجوب لم يتعلق به أولاً، ولو كان غنيًّا في آخر السنة، فالفقر قبله لا يدفع، وبعده لا يسقط، ولا يتحول إلى بيت المال بفقره بعد مضي السنة إذا استقر في ذمته وفي مسألة جرّ الولاء، ذكرنا أنا لا ننظر إلى آخر الحول فيما نقلناه عن ابن الحداد في تيك  القصة، ولا يخفى الفرق على متأمل، وللتسوية أيضاً وجه كما سبق التنبيه عليه ويعتبر أيضاً آخر الحول في تقويم الإبل ؛ قال الشافعي: ولا يقوّم على العاقلة نجمٌ من الدية إلا في آخر الحول \rوإنما تعتبر الحاجة إلى التقويم عند فقد الإبل، أو في تعرف مقدار نصيب كل واحد، فإن [المنجم]  المستحق على كل واحد في آخر السنة قدر نصف دينار أو قدر ربع دينار، يجمع ويشترى به الإبل ومن أصحابنا من قال: هذا القدر ما يستوفى عنهم في جميع المدة، فيخص آخر كل سنة سدس دينار أو نصف سدس \rومن آثار اعتبار آخر الحول أنه لو مات في أثناء السنة، لا نقول: استقر وجوب قدر، فيخرج من تركته؛ بل حصل كالمعدوم؛ بخلاف الجزية، ففي وجوب بعضها عند موت الذمي في أثناء السنة خلاف؛ لأن فيها مشابهة الأجرة، وهذا الوجوب لا تتحقق إضافته إليهم إلا بعد مضي السنة ","part":1,"page":101},{"id":2007,"text":"فإن قيل: فلو كان أقارب العصبات غُيّب، وقد تم الحول، فماذا تقولون قلنا: فيه قولان: أحدهما: أنه يؤخذ من الأقارب عند غيبتهم، وتكلفهم الاستيعاب إذا أمكن ذلك بكثرة عددهم، (وكانت)  غيبتهم (كفقرهم) ، فنوجب الرجوع إلى الأبعد وعلى هذا لا يقتصر في حد الغيبة على مسافة القصر؛ بل أقرب ما يضبط غيبة يعسر تحصيل المال منهم (بالمكاتبة)  في سنة، فإنها مدة طويلة محاولة حصول المال والثاني: أن القاضي يكتب إلى قاضي تلك البلاد ليحصّل منهم وهذا هو القياس، فلا سبيل إلى تغيير الترتيب بالغيبة؛ بخلاف الفقر، فإن فيه ضرورة \rفإن قيل: وما وقت أول الحول قلنا: قال الأصحاب: أما في القتل، فمن وقت الترافع إلى القاضي سواء شعر به العاقلة أو لم يشعروا، وكذلك في كل جناية \rوفي سراية الجناية إلى الأطراف يعتبر من وقت السراية، ولو قطع أصبعه فسقطت كفه بالسراية، فحول الأصبع من وقت القطع، وحول الكف من وقت السقوط، والوجه أن يقال في الكل إنه من وقت استقرار الوجوب  والله أعلم\rفإن قيل: لم  تتعرضوا لتحمل جناية العبد قلنا: أما الجناية على العبد ففي تحملها  قولان ذكرناهما \rوأما جناية العبد فلا تحملها عاقلته وأقاربه  بالاتفاق، فليس هو في محل الموالاة والنصرة، ولا يتحمله السيد أيضاً، ولكن تتعلق برقبته الذي هو ملكه،  ويرتبط به إن منع لزوم الفداء \rوقد تعرض الشافعي -رحمه الله- لتفصيل ذلك في هذا الكتاب ، وهو فصل معترض، (فنختم)  هذا الفصل به تأسياً بالشافعي","part":1,"page":102},{"id":2008,"text":"فنقول: تعلق الأرش برقبته، وهل تتعلق بذمته - أعني ذمة العبد - حتى نطالب بجملته أو ما بقي إذا عتق يوماً من الدهر فيه قولان مأخوذان من معاني كلام الشافعي : أحدهما: أنه يتعلق بذمته؛ لأن له ذمة، والإتلاف صادر منه، وهو مكلف، وإنما التعذر في الحال، فهو (كمفلس)  والثاني: أنه لا يتعلق بذمته؛ إذ ذمته كالمستهلكة، ولذلك جعل الرقبة متعلقاً، ولو وجد متعلقاً من الذمة، لتعلق به، والأصح التعلق  بالذمة \rوعلى هذا ترددوا في أن أجنبيًّا لو ضمن هذا الدين المتعلق بذمته، هل يصح ضمانه فعلى وجهين: منهم من منع للضعف، ومنهم من صحح كما عن المعسر، وهوالأصح \rوعلى كل حال، فللمجني عليه بيع العبد في حقه في الحال، وللسيد المنع بالفداء، وفيما يلزمه قولان: الجديد: أنه يلزمه أقل الأمرين من الأرش أو قيمة العبد؛ لأن القيمة إذا كانت أقل من الأرش، فهو لا ينتفع بالعبد إلا في هذا القدر والثاني: أنه يلزمه الأرش بالغاً  ما بلغ، فلعل المجني عليه يصادف زبوناً، فيشتريه بزيادة، ومن الأصحاب من بنى القولين على أنه هل تتعلق بالذمة وزعموا أنا إذا قلنا: تتعلق برقبته  كانت الرقبة كالوثيقة، فلا ينفك إلا بأداء تمام الدين، والبناء فاسد، فإن الأصح أنه يتعلق بذمته، والأصح أنه لا يلزمه من الفداء إلا أقل الأمرين \rالتفريع: إن قلنا: يلزمه الأرش بالغاً ما بلغ، فلو قتل العبد أو أعتقه، وقلنا: ينفذ عتقه، فوجهان: أحدهما: أنه يكتفى ههنا بالقيمة؛ لأن غايته أن يكون كالأجنبي، والأجنبي لو أتلف لم يلتزم إلا القيمة، وهو مفوت، بخلاف ما إذا كان مانعاً (مستبقياً) ؛ إذ يطمع في مصادفة زبون ومن الأصحاب من طرد ما قدمناه، وألزمه كمال الأرش \rوأما بيعه فقد ذكرنا حكمه في كتاب البيع \rثم إذا أتلفه أجنبي، فيتعلق المجني عليه بالقيمة، وتكون وثيقة عنده، ويبقى للمالك الخيرة في إبداله ","part":1,"page":103},{"id":2009,"text":"فرع: لو قال: اخترت فداءه، فهل يلزمه أم يبقى على خيرته [فيه]  وجهان؛ الأصح: أنه يبقى على خيرته، وكذلك لو قال: أنا أفديه، وآتي بوعد جازم \rولو وطئ الجارية الجانية، فهل يكون اختياراً للفداء فعلى وجهين: أحدهما: أنه اختيار، كالوطء في زمان الخيار، والأصح: أنه لا يكون اختياراً \rوأما أمر الخيار فيتبين بأدنى مخيلة، ولو قال: التزمت فداءه صريحاً، فإن قلنا: لا يتعلق الأرش بذمة العبد، فلا أثر لقوله: التزمت؛ بل هو كقوله: اخترت الفداء وإن قلنا: يتعلق بذمته، فيبتني على ضمان الأجنبي عن ذمة العبد، والسيد أولى بأن يلزمه ذلك بالتزامه، وهو الأصح هذا حكم القن\rفأما أم الولد إذا جنت، فلا سبيل إلى البيع، والسيد كالمفوت المانع بالاستيلاد السابق، فيلزمه الفداء \rثم منهم من قطع (بإلزام)  الأقل ههنا؛ إذ لا مطمع في مصادفة زبون، وقد سبق التفويت ومنهم من طرد القولين   ثم قال الشيخ أبو علي: تعتبر قيمة المستولدة يوم الإستيلاد؛ إذ به حصل المنع والإتلاف، وقال الشيخ أبو محمد: يوم الجناية، وهو الأصح، فيجعل بالاستيلاد مانعاً حال الجناية \rفرع: لو جنت المستولدة مراراً، فإن لم يتخلل الفداء، فجميع الجنايات كالجناية الواحدة، فيجمع فيها، ويلزم السيد أقل الأمرين من جملتها أو القيمة على أصح الطريقين \rفإن تخلل الفداء، فهذا لو جرى في القن اقتضى فداء جديداً؛ لأنه مانع بمنع جديد، وفي المستولدة قولان مشهوران: أحدهما: التكرر كالقن، فإنه مانع عند كل جناية منعاً جديداً مستنده الاستيلاد السابق والثاني: أنه لا يتكرر؛ بل يشارك المجني عليه ثانياً الأول ويجمع بينهم، فإن المنع بالاستيلاد، هو متحد، فلا يتكرر العذاب  عليه  وهذا (إذا)  ضمن كمال القيمة بالفداء الأول\rفإن بقيت  بقية من القيمة، فبدل ذلك القدر واجب، وما زاد فيتضاربان فيه ","part":1,"page":104},{"id":2010,"text":"واختار المزني من القولين أنه يتكرر الفداء وقال: نقض ملك الأول بعد الحكم بسبب جناية بعده ليس بشيء \rوما استبعده غير بعيد بعد أن بان أن التكرير ممتنع، فمن خلف  ألفاً، وكان قد حفر بئراً، وتردّت فيه دابة قيمتها ألف، انتزع من يد الورثة بعد الحكم لهم فيها بالملك، وسُلِّم إلى مالك الدابة، فلو تردت دابة أخرى ساهم صاحبها صاحب الأولى ، ولم يترجح جانبه بالتقدم   والله أعلم\r\rالقسم الرابع من الكتاب: في بيان دية الجنين:\rقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الجاريتين بالدية والغرة على العاقلة، فقالوا: كيف ندي من لا شرب ولا أكل، ولا صاح ولا استهلّ، ومثل ذلك يطلّ! فقال عليه السلام: ((أسجعاً كسجع الجاهلية وقضى بالغرة)) وانعقد الإجماع على ذلك  وقال المتشوفون إلى درك المعني: سبب نقصان ديته عن دية المنفصل، أن حياته غير مستقرة، ولكن مصيره إلى الكمال بالحياة، فلم يعطل ولم تكمل، حتى لو انفصل حيًّا، ثم مات بالجناية السابقة، وجبت الدية الكاملة، ولو لم يكن معه إلا حركة المذبوح، وإنما الغرة إذا انفصل ميتاً \rوالنظر في هذه القاعدة في ثلاثة أطراف:\rالطرف الأول: في موجب الغرة:\rومهما انفصل الجنين ميتاً بعد جناية يظهر وقوع الانفصال بها، وجبت الغرة وذلك في الجنين الحر المسلم إلى أن نذكر ما سواه، وقد ذكرنا في الرابطة الجنين والانفصال والموت، فلا بد من بيانه \rأما قولنا: جنين، أردنا به: ما يفارق المضغة، وقد بدا فيه التخطيط والتخليق [ويكفي ذلك في طرف من الأطراف] ، وإن لم يكن في جميعه، والتخليق في بدو الشعر والظفر ولو لم يظهر ذلك، ولكن تميز أشكال الأعضاء بخطوط ومراسم مشاهدة، كفى ذلك، وهو التخطيط وإذا قالت القوابل: التخطيط بادٍ، وعرفن ذلك بعلامات اختصصن بدركها، حكم بالغرة ","part":1,"page":105},{"id":2011,"text":"ولو كان لحماً بعدُ، ولم يظهر التخطيط، فقد اختلف فيه النصوص، وقد ذكرنا ذلك في كتاب  العدة ، فالكفارة  والعدة  وأميّة الولد متساوية في الثبوت \rأما الإرث فلا يثبت له ما لم ينفصل حيًّا، ويثبت منه، فإن الغرة تورث  منه، وتصرف إلى ورثته \rوأما العلقة  والمضغة ، وما لم ينتظم انتظام اللحم، فلا تتعلق به هذه الأحكام وفاقاً \rوهل يتعلق به انقضاء العدة فحسب إذا عرف [به]  أنه أصل الولد فوجهان؛ لأن العدة تلتفت على براءة الرحم، ولو قلن : لا ندري أنه أصل الولد أم لا، ذكر العراقيون في العدة أيضاً وجهين، والصحيح أنه لا يتعلق به انقضاء العدة \rفأما صفة الموت عند الانفصال فمرعي، فلو انفصل ميتاً  وجبت الغرة \rوإن  انفصل حيًّا ثم مات من أثر الجناية، وجبت الدية الكاملة، سواء كان فيه حياة مستقرة أو حركة مذبوح، وسواء كان قبل ستة أشهر على وجه يقطع بأن مثل هذه الحياة  لا تتم قط لجنين، أو كان بعد ستة أشهر، فإن الحياة إذا صارت مستيقنة، وجبت الدية الكاملة \rوعن هذا قطع الأصحاب بأن من بادر إلى جنين أجهضته غير مجني عليها ، وحز رقبته وفيه حياة ولو حركة المذبوحين، يلزمه القصاص أو كمال الدية كما كانت الحياة مستقرة وهذا كتسويتنا بين الصحيح والمريض المشرف على الهلاك \rوإن كان الإجهاض بالجناية، فانفصل حيًّا، وحز رقبته، فإن كان الباقي حياة مستقرة، فالقصاص والدية على الحازّ ، وليس على الأول شيء، وقد انقطعت أثر جنايته ، وهل تلزمه حكومة فوجهان: أحدهما: أنه  تلزم إذا رأينا أثر الجناية على الجنين كما لو جنى على إنسان، فحزت رقبته والثاني: لا يجب؛ لأن مصادفة الجناية للجنين لا تتيقن، فتحمل على السبب الأظهر إذا أمكن \rفأما إذا كان الباقي حركة المذبوح فالدية بكمالها على الجاني لا على حازّ الرقبة؛ لأنه بجنايته صار إلى حركة المذبوح فهو كالمنفصل في هذا المعنى ","part":1,"page":106},{"id":2012,"text":"وقال المزني: إذا انفصل الجنين حيًّا لدون ستة أشهر، لا يجب على الجاني إلا غرة، فإن هذه الحياة لا تتم قط، فهو على (التحقيق)  منع حياة مستقرة، وليس في منع الحياة إلا الغرة \rواعترض على المنقول (من)  الشافعي، وقد قال الشافعي: لو جرح (جنيناً)  لأقل من ستة أشهر، وكان في حال لم يتم لمثله حياة، ففيه الدية تامّة، ولو كان في حال يتم لأحد من الأجنة فيه حياة ففيه الدية  فتمسك المزني بمفهوم اللفظ الأخير، وهو ساقط، مع أن منظوم الأول على مخالفته، ولكن الكلام يقتضي سياقه التفرقة، والشافعي رحمه الله، سوى في الحكم بين القسمين  وأجمع الأصحاب على مخالفة المزني فيما ذكره \rأما صفة الانفصال فمعناها: أنه لا تجب الغرة قبل الانفصال، وإن ظهر مخايل الإفساد، ونزيد فنقول: لو ماتت الأم، ولم ينفصل الجنين، فلا يجب شيء أصلاً، ولو انفصل ميتاً وهي حية أو ميتة، وجبت الغرة  وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن كانت هي - أعني الأم - حيّةً، وجبت، وإن كانت ميتة فلا أثر للانفصال بعد موتها  وكأنه يحيل موت الجنين على موت الأم، وهو فاسد، فإن الجناية سابقة، وإحالة الموتين  عليه أولى\rفأما إذا ماتت الأم، وانفصل بعض الجنين، وبقي كذلك ميتاً، فمنهم من قال: لا ضمان؛ لأن الانفصال  لم يحصل، وهذا القدر لا يفيدنا إلا تيقن وجود الجنين، وقد تيقن ذلك في البطن، ولا يثبت (تخميناً)  والثاني: أنه يجب بحصول أصل الانفصال، ولا خلاف في أن العدة لا تنقضي بهذا القدر من الانفصال، فإنها تبتني على فراغ الرحم من  جميع ما فيها، ولم يحصل \rفلو انفصل بعضه، وصرخ واستهلّ ثم مات، نظر، فإن مات من غير جناية جديدة، فمن اعتبر انفصال الجميع لم يوجب شيئاً، ومن جعل هذا انفصالاً، [أوجب تمام الدية على الجاني؛ إذ تبقى الحياة ","part":1,"page":107},{"id":2013,"text":"وإن مات بجنايةٍٍ , فإن حزت رقبته، فمن لم يجعل هذا انفصالاًٍ]  لم يوجب على الحازّ  القصاص والدية الكاملة، ومن جعله انفصالاً أوجب القصاص به إذا كانت الحياة مستقرة؛ إذ لم تكن الحياة الضعيفة مسبوقة بجناية \rوعلى هذا يترتب ما إذا قدّ امرأة بنصفين، وشاهدنا  الجنين مقتولاً، فمن راعى  الانفصال لا يوجب في الجنين شيئاً، ومن راعى الاستيقان أوجب الغرة، ولا خلاف أن اليقين  من غير انفصال شيء لا عبرة به، والصحيح أنه إذا انفصل نصفه كفى، ووجبت  الغرة، وثبتت أحكام الاستهلال، والدليل عليه أن الأصحاب اتفقوا على أنه لو ألقت يداً واحدةً وماتت، ولم (تلق)  شيئاً آخر، وجبت الغرة؛ لأنا نعلم أن اليد لا تخلق فردةً، ومن فرّق بين الصورتين عوّل [على]  أن اليد قد انفصلت ، وإذا خرج بعض الجنين، فالخارج متصل بعدُ، وهذا فرق ضعيف \rثم فرّعوا فقالوا: لو ألقت يدين أو أربعة أيدٍ أو رأسين، فلا يجب أكثر من غرة؛ لأنه يحتمل كل ذلك لجنين واحد \rأُخْبِر الشافعي رحمه الله بامرأة لها رأسان، فنكحها بمائة دينار ونظر إليها، وطلّقها وسلّم صداقها \rولو ألقت بدنين فغرتان، فإن ذلك لا (يتعذر)  بحال \rولو ألقت يداً، ثم ألقت جنيناً ميتاً، فلا تجب إلا غرة وإن انفصل الجنين بيدين؛ لأنا نقدّر ذلك يداً زائدة قد انمحق أثرها من مغرسها \r\rولو انفصل حيًّا  بيدين فتجب حكومة اليد  ولو انفصل حيًّا بفرد يدٍ يجب نصف الدية التامّة \rولو ألقت يدين فانفصل حيًّا من غير يدين، تجب الدية التامّة، وقال  صاحب التقريب: ربما تخلّق اليد من غير حياة تنسلك فيه الحياة، فلا نوجب كمال الدية، فنراجع  القوابل، فإن قلن: لا يتصور ذلك أوجبنا، والجماهير  على مخالفته؛ نظراً إلى الظاهر وإعراضاً عما لا يتصور الوقوف عليه تحقيقاً  هذا تمام النظر في موجب الغرة","part":1,"page":108},{"id":2014,"text":"فإن قيل: لو وقع النزاع في موجب الغرة بين الجاني والمرأة، فالقول قول من قلنا: يفرض النزاع في خمسة أمور:\rأحدها: في أصل الجناية، فالقول قوله في أنه لم يجن \rالثاني: في الإجهاض إذا اعترف بالجناية، ولكن قال: هذا السقط ملتقط، فالقول قوله؛ إذ الأصل براءة الذمة وعدم الإجهاض \rالثالث: أن يسلم الجناية والإجهاض، ولكن قال: لم تُسقِط بسبب الجناية، فإن اتصل بالجناية فالقول قولها، وإن لم يتصل وكانت متألمة ذات فراش إلى الإجهاض، فالقول قولها، وإلا فالقول قوله ، وهو كالنزاع في سراية كل جراحة، وقد ذكرناها \rالرابع: أن يسلم [كل]  ذلك، ولكن ادعى أنه انفصل ميتاً، وليس عليه إلا غرة، وقالت المرأة: مات بعد الانفصال، وعليك كمال الدية ، فالأصل عدم الحياة، ولها إقامة البينة، ونكتفي بأربع نسوة إذا ادعت الموت على القرب ؛ لأن اطلاع الرجال عليه عسير ونقل الربيع قولاً آخر أنه لا بدّ من شهادة رجلين ، وإنما التردد إذا قرب [الزمان] ، فإن اعترف بدوام الحياة إلى وقت لا يعسر اطلاع الرجال عليه، فلا تقبل شهادة النسوة [عليه] ، ولو أقام كل واحد بينة على وفق دعواه، فبينة الحياة مقدّمة؛ لأنها مثبتة، وبينة الموت قد تعتمد الغشي  والسكون الظاهر \rالخامس: أن يسلم الانفصال حيًّا بالجناية، ولكن قال: لا شيء عليّ أصلاً  فلعله  مات لا بسبب الجناية، فإن لم يكن على الجنين أثر الجناية، فالقول قوله، واتصال الولادة بالجناية لا يوجب إحالته على الجاني، فإن الولادة من الأخطار التي يغلب معها الهلاك من غير تقدير  سبب، وليس  كمن جني عليه ومات على القرب، فإنه لا يصدّق فيه الجاني إذ ادعى أمراً آخر ما لم يظهر سبب، فإن ههنا ظهر سبب آخر وهو الولادة؛ إلا أن يكون على الجنين أثر الجناية، فهو مضاف إلى الجناية ما لم تقم بيّنة على سبب آخر ","part":1,"page":109},{"id":2015,"text":"فإن قيل: إذا  مات الجنين على الاتصال، فبماذا يعرف حقيقة حياته قلنا: إذا صرخ واستهلّ، وطرف وحرّك الأجفان، ثم مات، فهذه قواطع [تدل]  على الحياة، وإن لم يكن فيه إلا تمدّد يفرض ذلك في الأعصاب وفي الجمادات إذا نقلت من مكان إلى مكان، فلا أثر لذلك، وإن ترددنا في أن الاختلاج  والحركة التي شاهدناها من أي القبيلين هو فقولان: وحاصل القولين يرجع إلى أنه هل يعتبر به حتى تتحوّل اليمين إلى المرأة بجعل  ذلك علامةً، أم يقال: وجوده (كعدمه) ، فالقول قول الجاني في إنكار الحياة \rفرع: لو تحققت الجناية والحياة بعد الانفصال وحزّ الرقبة، وأمكن أن تدعى المرأة على الأول تصييره إلى حركة المذبوح بالجناية، وأمكن أن تدعي استقرار الحياة، وتدعي على الثاني، نظر، فإن ادعي على الأول فقدُ (أبرأ)  الثاني، فالقول قول الأول؛ لأن الحياة صارت معلومة، وظهر سبب آخر أمكن أن يكون سبباً للهلاك هذا قياس سائر الخصومات (لولا)  اللوث، وكذلك لو ادُعي على الثاني فقد (أبرأ)  الأول إلا عن حكومة كما سبق، فالقول قول الثاني ؛ لأنه سبق ما يمكن الإحالة عليه، واستقرار الحياة غير معلوم  وهذا شبيه على قياس الخصومة، وإلا فالمرأة مصدّقة محلفة أيمان القسامة في الصورتين لظهور اللوث عليهما، وسنبين أن يقين اللوث لا يشترط؛ بل يكفي ظهوره بين شخصين، ثم للمدعي أن يعين من شاء ، والله أعلم\rالطرف الثاني: في اختلاف صفات الجنين:\rوقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغرة في جنين حر مسلم، فيتبع التوقيف، سواء كانت الأم رقيقةً أو حرةً، مسلمةً أو كافرةً، ولا نقدّر للأم صفة الجنين إذا كان الجنين حرًّا مسلماً \rوإنما النظر في الجنين الكافر والجنين الرقيق أما الجنين الكافر، فلا يتصور إلا في بطن كافرة، وللأصحاب فيه طرق مختلفة، وحاصلها ثلاثة أوجه:","part":1,"page":110},{"id":2016,"text":"أحدها: أنه لا تجب الغرة  فيه أصلاً، وإليه ذهب المراوزة وصاحب التقريب والأكثرون؛ لما في المصير إليه من التسوية بين الكافر والمسلم، وارتكاب محال آخر أعظم منه كما سيأتي في الوجوه الأخر الثاني: حكاه من يوثق به عن القاضي حسين، أنه يجب فيه ثلث الغرة رعايةً للنسبة، ويجب في الجنين المجوسي ثلث خمس الغرة، وليس في ذلك إلا تبعيض، ولا مبالاة به وهذا لم ينقل عن غيره، وهو مخرج ظاهر على القياس في غير محله والثالث: أنه يجب عبد كامل؛ لأن التبعيض محذور، ولكن ينبغي أن تكون نسبة قيمته من دية النصرانية كنسبة خمس من الإبل إلى دية المسلمة، فالواجب عندهم غرة كاملة بالشخص ناقص بالقيمة  وهذا يصرح (بأن)  الغرة التي تجب في الجنين المسلم، ينبغي أن تكون قيمتها قيمة خمس من الإبل، ولولاه لأدى إلى التسوية المحذورة، ولما استقام ما ذكروه، ومعظم الأصحاب على أن كل غرة مأخوذة في المسلم، وإن نقص قيمتها عن خمس من الإبل، فلأجله احترزوا عن شناعة التفريع  فعلى مذهب هؤلاء يجب عُشْر دية النصرانية في الجنين، وفيه إشكال أيضاً، فإنه قد يزيد على قيمة غرة تجزئ في الحر المسلم، ولكن هذا القائل إذا اعتبره بالأم لم يلتفت على حالة الاستقلال، ولما يغنيه ذلك، فإنا عند فقد الغرة في المسلم، قد نرجع إلى قيمته، وتكون ناقصة عن عشر دية  اليهودية؛ إذ لم يشترط بلوغها خمساً من الإبل، فكل ذلك يدل على أنه لا بدّ أن يشترط بلوغها (قيمة)  خمس من الإبل \rفرعان:\rأحدهما: متولد بين نصراني ومجوسي، قال الأصحاب: الاعتبار بأكثر الديتين، فهو المعتبر في الجنس؛ لأنه أقرب إلى  المنصوص الذي هو الأصل، وقال أبو الطيب بن سلمة: يعتبر أخف  الديتين وحكى صاحب التقريب وجهاً أنه يعتبر جانب الأب؛ لأن الانتساب إليه ","part":1,"page":111},{"id":2017,"text":"وعند هذا نشير إلى مجامع حكم التبعية في الأولاد والإسلام، وأخذ الجزية، وتحريم اللحم في (الأكل) ، ووجوب الجزاء في الصيد، وسقوط الزكاة في النعم، وسقوط السهم في الجهاد، وامتناع التضحية، كل ذلك يستقل بأحد الجانبين، أيّ جانب كان تغليباً لهذه الأحكام، والنسب والكفارة ومقدار الجزية يؤخذ من جانب الأب، والملك والحرية يؤخذ من جانب الأم في النكاح ، (والولادة)  وسن اليأس في الحيض يعتبر بأغلظ الجانبين من نساء العشيرة من جهة الأب أو من جهة الأم، وحل المناكحة والذبيحة في المتولد بين  النصراني والمجوسي فيه قولان: ففي قولٍ الاعتبارُ بأغلظ الجانبين، وفي قول يعتبر جانب الأب وقدر بدل الجنين أيضاً في محل الخلاف، فيحتمل رعاية الأخف تغليباً لبراءة الذمة، ويحتمل رعاية الأغلظ تحقيقاً (للجنين) ،وتقريباً من القدر المنصوص ما أمكن، ويحتمل أن يقال: المعنيان متعارضان، فيعتبر الأب؛ إذ النسب  إليه \rالفرع الثاني: النظر فيما ذكرناه من (النظر)  إلى حالة الإلقاء لا إلى حالة الجنين، فلو جنى على ذمية فأسلمت، وأجهضت، فالواجب غرة كاملة لثبوت حكم الإسلام له، وقدر الضمان يتلقى من المآل، وكذلك في طريان العتق \rولو جنى على [بطن]  حربية  فأسلمت وأجهضت، منهم من قطع بسقوط أصل ضمان الجنين كما سقط ضمان الأم لو ماتت، (بطريان)  الجناية في حالة الإهدار، ومنهم من قال: وجهان كما إذا أسلم الحربي المرمي إليه قبل الإصابة؛ لأن الجناية صادفت الأم وما اتصل بالجنين، وإنما الاتصال تحقيقاً عند الإجهاض \rولو جنى على بطن مرتدة فأجهضت، فإن قلنا: ولد المرتدة كافر، (فهي)  كالحربية، وإن قلنا: إنه مسلم، فتجب غرة كاملة  هذا إذا أصرّت على الردة، فإن أسلمت، وقلنا: ولد المرتدة مرتدّ، فقد صار مسلماً بإسلامها، فهو كالحربية إذا أسلمت \rالنظر الثاني: في الجنين الرقيق:","part":1,"page":112},{"id":2018,"text":"وذلك لا يفرض إلا في بطن أمة، ولا تجب الغرة بالاتفاق، وإنما يجب عندنا عشر قيمة أمه أخذاً من نسبة خمس من الإبل إلى ديتها \rوعند أبي حنيفة يجب نصف عشر قيمته إن كان ذكراً، وعشر قيمتها إن (كانت)  أنثى أخذاً من نسبة خمس من الإبل إلى دية الجنين في نفسه \rوقد يفضي مذهبنا إلى تفضيل الميت على الحي، فإنه لو كان حيًّا ربما [لا]  يساوي إلا ديناراً وعشر قيمة الأم مثلاً [عشرة]  دنانير، فيلزم، ولا تكترث به؛ لأنا نعتبره بأمه، ولا ننظر إلى وقت استقلاله، وعن هذا تخيّل بعض الأصحاب أن الواجب بدل جزء من الأم، وليس الأمر كذلك؛ بل هو مثل بذل جزء الأم، وعشر قيمة الأم معياره؛ لِعُسْرِ  اعتباره بنفسه، ولذلك  تصرف الغرة إلى ورثة الجنين، ولا تخص الأم باستحقاقها  ونشأ من هذا الغموض اختلاف في مسألتين:\rإحداهما: لو كانت الأم زمنة مقطوعة الأطراف، والجنين سليم، فمنهم من قال: نقدّر للأم السلامة  كما قدّرنا لها بسبب  حرية الجنين وإسلامه صفة الحرية والإسلام، فإنه بدل الجنين، وإنما ذاك معياره، وتقدير هذا الوصف ممكن ومنهم من قال: لا تقدر السلامة، فإن سلامة الجنين لا يوثق بها، وربما تسلم صور  الأعضاء، وتنفك عن اللطائف والمقاصد وأما حريته وإسلامه فمعلوم موثوق به، ولأن هذه صفة خلقية لا سبيل إلى التقدير فيها ، فإنا لا نقدر ذكورة الأم إذا اختلفت القيمة بالذكورة \rالثانية: عكس ذلك، بأن يكون الجنين مقطوع الأطراف ناقصاً أو زمناً، والأم سليمة، ففيه الوجهان وهذه الصورة أغمض؛ لأن نقصان الولد يتصور أن يكون من الجناية ","part":1,"page":113},{"id":2019,"text":"التفريع: إن لم تعتبر خلقة الجنين فلا كلام، وإن اعتبرناه، فإن انفصلت يد وماتت الأم، ولم ينفصل الباقي، فقد ذكرنا أن الغرة تجب في مثل هذه الصورة، فكيف نوجب القيمة ولا نعرف سلامة أعضاء الجنين، فإنه مجتنّ فلو  قلنا: يقتصر على أقل مستيقن، فإلى أي حدّ يقدر نقصان الجنين، فلا ضبط له، فالوجه ترك النظر إلى الصورة ههنا وإيجاب كمال البدل \rفإن قيل: وفي أي وقت تعتبر قيمة الأم قال الشافعي رحمه الله:  وقت الجناية  واعترض المزني وقال: وقت الإلقاء، كما نعتبر في حريته وقت الإلقاء لا وقت الجناية  فمن الأصحاب من وافقه، والجماهير على مخالفته وموافقة النص \rويتأيد ذلك بأن الغاصب إذا جنى على جارية الغير، وتداعت السراية ، فنوجب القيمة من يوم الجناية، ونعتبر أقصى القيمة، فكذلك ههنا اتصلت  الجناية به، فنعتبر  أقصى القيمة من يوم الجناية إلى يوم الإلقاء، وهو الذي أراده الشافعي \rفرعان:\rأحدهما: إذا جنى السيدان على جارية حامل مشتركة بينهما، ثم أعتقاها، فأجهضت، فعليهما نصف غرة، ربعها على كل واحد؛ إذ كل واحد جنى على نصف الجنين جناية نصفها هدر لمصادفته ملكه، فبقى الربع، ثم من لم يلتزم ربعاً لا يستحق من نصيبه شيئاً؛ إذ يستحيل أن يلتزم لنفسه، ولا يستحق من نصيب الآخر، فإنه معتقه ووارثه؛ لأنه قاتل، ولكن يصرف إلى سائر الورثة ما يفضل من قدر حقه، فإن له مما  التزم شريكه أقل  الأمرين من ربع عشر قيمة الأم أو ربع الغرة؛ لأن الجناية جرت على ملكه، والسراية وقعت في الحرية، وقد ذكرنا أن هذا أصح القولين في ابتداء كتاب القصاص \rفإن فضل شيء صرف إلى أم الجنين الثلث، والباقي إلى العصبة، ولا شيء للمعتق القاتل، وهذا كله تفريع على أن جناية السيد على عبده إذا تعقبه  العتق يهدر ، وقد ذكرنا وجهاً من قبل أنه لا يهدر، فعلى هذا يجب على كل واحد نصف غرة، ثم التراجع بأقل الأمرين لا يخفى ","part":1,"page":114},{"id":2020,"text":"الفرع الثاني: خلف الرجل زوجة حاملاً وأخاً لأب وأم، وخلف عبداً، فجنى العبد على بطن الزوجة فأجهضت جنيناً ميتاً، فالغرة تتعلق برقبته، ولكن وارث الغرة الأم، فلها الثلث، وأخ الميت، فله الباقي؛ لأنه عم الجنين، والرقبة مملوكة لهما، فقدر حق كل واحد منهما يسقط عن قدر ملكه من الرقبة، وقد ملكت الأم من الغرة الثلث، ومن الرقبة الربع، [فالربع]  من الغرة يسقط  في مقابلة ربعها، يبقى لها نصف سدس الرقبة فأما الأخ ملك  ثلاثة أرباع الرقبة وثلثي الغرة، فملكه  أكثر من قدر استحقاقه، فيسقط جميع حقه، وعليه أن يفدي نصيبه عن نصف سدس الغرة للزوجة هكذا أورده الإمام ، وفيه نظر عندي؛ بل الكشف فيه أن نقول: فوات الثلث المستحق للأم يضاف إلى جميع الرقبة، فيخص ربعها ربع  الغرة، فيبقى لها  ربع الغرة متعلقاً بنصيب الأخ، ونعود إلى جانب الأم ونقول: ثلثا الغرة فوته العبد، فيوزع على الجميع، فيخص نصيبه ثلاثة أرباع الثلثين، فيبقى له سدس الغرة متعلقاً بنصيب المرأة ","part":1,"page":115},{"id":2021,"text":"فإن (قيل) : فإذا كان لها عليه الربع وله عليها السدس، فيصير قصاصاً بمثله، ويبقى للمرأة نصف سدس على الأخ، وهو الجواب كما سبق قلنا: نعم، هو كذلك، ولكن في هذا التقاصّ نظر؛ إذ ليس أحد الواجبين متعلقاً بذمة المستحقين، ولكن تعلق بالرقبة المملوكة للمستحقين، فلا بعد في تقدير التقاصّ، ولكن تبقى فائدة، وهو أن الأصح أنه لا يجب في (الغرة)  إلا أقل الأمرين من القيمة والأرش، وربما لا تفي حصة الأم بالأرش الذي يخص نصيبها، فبقي حصة الأخ، وهي ثلاثة أرباع بإرثها، فإذا سلمت نصيبها للبيع تعطّل ما زاد من نصيبه، ولم يتعطل شيء من نصيبها، فعلى هذا الوجه ينبغي أن تعلل المسألة، فإذا كان قيمة العبد الجاني عشرين، وقيمة الغرة ستين، فقد بقي للمرأة ربع الغرة كما فرضناه، (وهو)  خمسة عشر (متعلقا)  بثلاثة أرباع العبد، وهي تساوي خمسة عشر ، فتوفر  جميع حقها، واستحق الأخ على نصيبها سدس الغرة، وهو عشرة، وتعلق ذلك بربع العبد، وهو خمسة، فليس عليها أن تسلم الربع الذي من نصيبها، وتتخلص به وعلى هذا الوجه ينبغي أن تقاس جناية العبيد  المشتركة على الأملاك المشتركة للسادات \rالطرف الثالث: في صفة الغرة وقيمتها وسنها وبدلها:\rأما الصفة فالمرعي فيها السلامة من العيوب فقط، والخيرة في الذكورة والأنوثة إلى المؤدي، فقد قال عليه السلام: ((غرة عبد أو أمة))، والاسم المطلق منزل على التسليم من كل جنس، وضبط  العيب المانع ما يثبت الرد بالعيب؛ ولأن المقصود من هذا جبر مالية لا كعيب الضحايا، فإنه ما يشوش المنظر  أو يغير اللحم، ولا كعيب رقبة الكفارة، فإنه ما يمنع العمل، ولكل  باب مأخذ \rولو  قيل: إذا كان (الجنس)  شريفاً، والقيمة معتبرة، فلنحتمل العيب، ولنتمسك بعموم لفظ الغرة قلنا: لا بل الغرة هو الخيار، فهو عبارة عن السليم، وهذا السؤال جارٍ في الردّ بالعيب، ولا اكتراث به ","part":1,"page":116},{"id":2022,"text":"أما السن، فقد قال الأصحاب: ينبغي أن ينتفع به الآخذ في الحال، فلو كان دون سبع لا يقبل قال الشافعي: ولمن له الغرة أن لا يقبلها دون سبع أو ثمان ؛ لأنه كَلٌّ على  آخذه، ويفتقر إلى مؤونة ، ولا ينتفع به، فهو أحرى بالمنع من العيب، والصغر لا يمنع الإجزاء في الكفارة؛ لأن المقصود فيه التخليص من الرق للاستقلال، وهو حاصل وأما السن في طرف الكبر، قال بعض الأصحاب: لا تقبل جارية استكملت عشرين، ولا غلام استكمل خمس عشرة، فإنهما بعد (هذا السن)  في النقصان ومنهم من اعتبر العشرين فيهما جميعاً  وقال الشيخ أبو محمد: الكبر المانع هو الهرم المسقط للمنة  أو الضعف لها وتابعه على ذلك أكثر الأصحاب، وهو الصحيح، وما وراء ذلك لا وجه له، وكأنهم أخذوه من الغرة، وأنه الخيار من كل جنس  \rأما قيمتها، فقد قال جماهير الأصحاب: لا تقدير فيه؛ بل إذا راعى السن، وسلم من العيب فيؤخذ، ولو كان قيمته ديناراً، ولا يخصص جنس عن جنس، ولا ما يغلب في البلد؛ بل يتبع الاسم قال القاضي: ينبغي أن لا تنقص قيمته عن خمس من الإبل الذي هو بدله عند فقده، أو عن خمسين ديناراً؛ إذ في المصير إلى خلافه ما يوجب خبطاً في الجنين الكافر كما سبقت الإشارة  إليه ويشهد لذلك لفظ الغرة، وأن المبدل لا ينبغي أن ينقص عن البدل وعلى هذا أيضاً تعتبر السلامة من العيوب؛ إذ ليس كل المقاصد محصورة في المالية، وهذه مبادلة أيضاً على التحقيق، فإنه بدل عن فائت، وهذا لم يذكره إلا القاضي \rأما بدلها عند فقدها، ففيه قولان كما في أصل الدية : أحدهما: أنه مقدر، وهو خمس من الإبل [والثاني: أنه يقوم العبد، إلا أن الجديد ههنا أنه مقدر بخمس من الإبل] ؛ لأن التقويم يؤدي إلى التسوية في مواضع تحذر فيها التسوية كما سبق والجديد في الإبل أنها  تقوم، ولا يتقدر البدل، وهذا إنما يستقيم على قول الأصحاب أن قيمة العبد لا ضبط فيها  ","part":1,"page":117},{"id":2023,"text":"فإن قلنا: يتعين أن تكون قيمة العبد مثل قيمة  خمس من الإبل، فيرجع حاصل النظر إلى أنه يؤخذ منه الدنانير التي تؤخذ (بها)  خمس من الإبل، أو يطالب بخمس من الإبل، حتى لو فقدت  الإبل أيضاً فلا يظهر لهذا القول فائدة، وأما على مذهب الأصحاب، فعند الفقد  يرجع  إلى أقل قيمة عبد سليم من العيب يزيد على سبع سنين سنةً، ولا ينظر إلى الإبل، ولست أدري أن التقدير بخمس من الإبل من أين أخذ، ولا يمكن تلقي ذلك من تقويم، وإن انقدح هذا الاحتمال في (تقويم)  الدراهم والدنانير في الدية، وحمل المأثورات  في ذلك على اتفاق التقويم، فلا بد أن يكون لهذا أصل من التوقيف؛ إذ به عرفت  النسبة في جنين الأمة على المذهبين جميعاً، وإذا ورد فيه توقيف، فلا يبقى للقديم وجه في التقويم \rفإن قيل: هذا الواجب يؤخذ من الجاني أو من عاقلته قلنا: من عاقلته أبداً؛ لأن الجنين لا يُهلَك قصداً، وإنما يُهلَك بالجناية على الأم، وهو خطأ أو شبه عمد، فمن العاقلة يؤخذ، وللورثة أن يمتنعوا من أخذ النقد عند وجود العبد أو الإبل على رأي، وعلى العاقلة شراء ذلك كما في الإبل، وللإمام أن يأخذ منهم حصصهم دنانير، ويشتري الغرة، ويكون ذلك إعانةً لهم، وليس له تكليفهم الدنانير؛ بل لهم شراء العبد أو الإبل  [هاهنا]  وفي الدية، ثم إن كان عددهم لا يفي إلا بالنصف، فعليهم نصف قيمة الغرة لا قيمة نصف الغرة، وبين (اللفظتين)  بون عظيم، فالغرة قد تساوي ألفاً، ونصفها لا يساوي إلا أربعمائة، فلا يؤخذ منهم قيمة النصف؛ بل عليهم القيمة الكاملة \rفرع: إذا لم يبق على الأم جرح وشين، فليس على العاقلة إلا الغرة، وأما الألم فيندرج تحت الغرة، فلا يفرد بحكومة، وإن بقي شين وجراحة، فلا بد من الحكومة لها على الخصوص \rفأما الغرة فللورثة  والله أعلم","part":1,"page":118},{"id":2024,"text":"هذا تمام النظر في الدية والقصاص، وللقتل أربع موجبات:  الدية والقصاص، وقد ذكرناهما، وحرمان الميراث، وقد ذكرناه في الفرائض ، والكفارة، وهذا أوان ذكرها وهذا \r\rباب كفارة القتل\rقال الله تعالى:    •     فنقول: تجب الكفارة على كل ملتزم حي بكل قتل غير مباحٍ في كل آدمي معصوم، فارتبط الحد بالقتيل والقتل والقاتل \rأما القتل فلا يعتبر فيه إلا اسم القتل وانتفاء الإباحة، ويترتب على اسم القتل أن الكفارة لا تناط بالأطراف إذا قطعت، وأن الكفارة الكاملة تجب على كل شريك في القتل، وفيه وجه غريب (إنها توزع)  كالدية تشبيهاً بجزاء الصيد، وتناولنا بعمومه الخطأ، والعمد، والسبب ، والمباشرة كحفر البئر وغيره، وفي كل ذلك خلاف للعلماء \rفأما انتفاء الإباحة، احترزنا به عن قتل مستحق القصاص، وقتل الصائل وأهل البغي، ومن [ثبت]  عليه الرجم، فإنا قد لا نطلق القول بارتفاع عصمة هؤلاء حتى نوجب القصاص على الذمي بجميعهم، وعلى المسلم في بعضهم \rوأما القاتل ففيه قيدان: أحدهما: الالتزام للأحكام، احترزنا به عن الحربي، وأدرجنا فيه المجنون والصبي ، فإنهما أهل (للزوم)  الأحكام خلافاً لأبي حنيفة، فإنه لم يوجب عليهما، وقال: فيه معنى العقوبة ، وذلك منقوض عليه بالخطأ \rثم إذا أوجبنا على الصبي، فلو جامع الصبي في نهار رمضان لا تلزمه الكفارة؛ لأن ذلك منوط بالعدوان؛ حتى تسقط بالظن، فلا تجب على الصبي، ولا عدوان من جهته، وهذا يجب في سهم الغرب، ولا عدوان فيه، وفي كفارات محظورات الإحرام خلاف، ووجه الإسقاط فيه أنها من نتائج العبادات البدنية، وهو ليس من أهل لزوم العبادة البدنية، فلم (تصحح)  عبادته في حق اللوازم، وإنما صحح في حصول الثواب له، وأما كفارة القتل فضمان لحق الله، فهو كسائر الغرامات ","part":1,"page":119},{"id":2025,"text":"ثم إذا أوجبت، ففي الاعتداد بصومه وجهان كالوجهين في الاعتداد بحجته إذا ألزمناه القضاء بالجماع في الحج، ووجه التردد أنه ليس من أهل الفرائض وأدائها، وهذا يقع فرضاً، ولكنه من حيث أنه وقع في الصبى، فأمكن أداؤه في مثل حاله \rوأما قولنا: كل ملتزم حي، احترزنا به عمن حفر بئراً في محل عدوان، وتردى فيه إنسان بعد موته، فلا خلاف في أن الدية تتعلق بتركته، وفي الكفارة وجهان يبتنيان على أنها هل تسقط بموته إذا لم يوص بها فإن قلنا: تسقط، فتسقط هذه الكفارة، وإن قلنا: لا تسقط، فتتعلق بتركته، وهو الصحيح، وعلى هذا (يبتني)  قتل الإنسان [نفسه]  في أنه هل تجب الكفارة والصحيح الوجوب؛ لأنه فوّت حقًّا لله تعالى لا يسقط بإباحته، وإسقاطه عن قاتله، فهو كالأجنبي وقيل إنه لا تجب بعد الموت، ولا تنشأ كفارة بعد الموت \rفرع: لو اصطدمت امرأتان (حاملتان)  وماتتا، وهلكت الأجنة، فالمذهب أنه يتعلق بتركة كل واحدة أربع كفارات تفريعاً على وجوب كمال الكفارة على الشريك وعلى قاتل النفس، (فإن)  قلنا: لا تجب كفارة النفس فثلاثة، فإن ضممنا إليه أنه لا يكمل على الشريك، فنعود إلى كفارة ونصف، نصف لجنينها، ونصف لجنين صاحبتها، ونصف لصاحبتها \rأما القتيل، فكل آدمي معصوم، فأدرجنا تحت الآدمي الجنين، وأخرجنا منه الأطراف والبهائم وأما المعصوم، فأدرجنا تحته المسلم والذمي والمعاهد وعبد الذمي والمعاهد، فإنه معصوم بأمانه  تبعاً وأخرجنا منه الحربي والنساء والذراري لأهل الحرب، فإن ذلك ليس عصمة في حقهم، وإنما الامتناع عن قتلهم لمصلحة المال لا لحرمة ثبتت لهم \rوأدرجنا فيه المسلم وإن كان في دار الحرب سواء قتل في صورة سهم الغرب، أو مع القصد ","part":1,"page":120},{"id":2026,"text":"وإنما الذي يختلف بالجهل الدية والقصاص؛ وتفصيله: إذا رمى في دار الحرب إلى صف الكفار، ولم يعلم أن فيهم مسلماً أصلاً، فأصاب مسلماً فيهم من أسير أو غيره، لزمت الكفارة، ولا دية ولا قود ، وهذا يدل على أن في الدية معنى العقوبة، وهو المراد بقوله تعالى:           \rولو علم بمكان المسلمين، فمال السهم عند متصل الصفين، فأصاب مسلماً،  وجبت الدية والكفارة دون القود  وكذلك إذا علم أن فيهم مسلماً فقصد كافراً، فأصاب مسلماً، وجبت الدية والكفارة دون القود \rولو قصد شخصاً معيّناً ظنه كافراً، فإذا هو مسلم، فإن كان على زيّ الكفار وفي  صفهم، فلا قود، وتجب الكفارة ، وفي الدية قولان  وكان الشيخ أبو محمد يطرد القولين فيما إذا علم أن فيهم مسلماً، ولكن مال السهم إلى غير من قصده \rفأما إذا قتل شخصاً في دار الإسلام ظنه كافراً، فتلزمه الدية قطعاً؛ لأنها  دار الحقن، فينبغي أن يحتاط \rوأما القصاص فينظر، إن كان ممن لم يعرف من قبل له كفر، فيلزمه، وإن علم وظن استمراره فقولان، ويخرج على وصف المعصوم قتل السيد عبده، فإن الكفارة تلزمه لا محالة \rفإن قيل: فما صفة الكفارة قلنا: نص الرب تعالى على تحرير رقبة مؤمنة، وعند عدمها يعدل إلى صوم شهرين، ولا يدخل الطعام فيها، فإن الله تعالى لم يتعرض له، ولم يكتف بأصل الكفارة، حتى يحمل المطلق على المقيد كما حملنا كفارة الظهار على كفارة القتل في الإيمان، فإنه تعرض للصوم ههنا   وحكى صاحب التقريب وجهاً غريباً أن الإطعام يتطرق إليها ","part":1,"page":121},{"id":2027,"text":"ثم إذا فرعنا على المذهب، فلو مات ولم يصم، يخرج  عن كل يوم مدٌّ؛ لا بطريق كون الإطعام بدلاً، فإنا  نجري ذلك في صوم رمضان في كل يوم  والله أعلم هذا تمام القول في موجَبات القتل المتفق عليها من القصاص والدية والكفارة والآن نخوض في بيان الدعوى في الدم وإثباته بالحجة عند النزاع","part":1,"page":122},{"id":2028,"text":"كتاب دعوى الدم والقسامة والشهادة فيه\rوالنظر في قسمين: أحدهما في الشهادة، والآخر في القسامة\rالأول: في القسامة: والكلام فيها تحصره مقدمة وفصول\rالمقدمة: في بيان دعوى الدم وشرائطها:\rنقول أولاً: القسامة من القسم، وهو مصدر أقسم يُقسم، بدلاً عن الإقسام، على خلاف القياس، ولا يختص في اللسان ببعض الأيمان، ولكن اصطلح الفقهاء على تخصيصه باليمين في الدم إذا تعدد خمسين، وانهدم بالمدعي ومأخذ هذه القاعدة ما رواه سهل بن أبي حثمة أن عبد الله بن سهل ومحيّصة دخلا خيبر، وتفرقا في حوائجهما بعد العصر، فأخبر محيّصة أن عبد الله بن سهل قتل وطرح في فقير أو عين، فأتاه، فرآه يتشحط في دمائه، فأتى اليهود، وقال: إنكم قتلتموه، فأنكروا وقالوا: ما قتلناه، فرجع إلى قومه، وأخبرهم بالقصة، فقام حويّصة [ومحيصة]، وهما عمّا المقتول ومعهم عبد الرحمن بن سهل أخُ القتيل، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم: في رجال من قومهم، فابتدأ محيّصة ليتكلم؛ إذ كان صاحب القصة، فقال عليه السلام: ((كبّر، كبّر أي قدّم حويّصة، فهو أكبر سنًّا منك، فتكلم حويّصة، ثم محيّصة، ثم عبد الرحمن بن سهل، فقال صلى الله عليه وسلم: ((إما أن يدوا صاحبكم، أو يؤذنوا بحرب من الله ورسوله وكتبوا إلى اليهود، فكتبوا في الجواب: والله ما قتلناه، وما عرفنا قاتله، فقال صلى الله عليه وسلم: لحويّصة ومحيّصة وعبد الرحمن: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم فقالوا: كيف نحلف على أمر لم نشاهد فقال عليه السلام: تبرؤكم اليهود بخمسين يميناً، فقالوا: إنهم كفار، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائة من الإبل، فقال سهل: لقد ركضتني منها ناقة حمراء)) هذا هو المستند\r[ونعود للمقدّمة] ونقول: للدعوى في الدم شرائط حتى تسمع، شرطان منها في صيغة الدعوى:\rالشرط الأول: التعيين في المدعى عليه:","part":1,"page":1},{"id":2029,"text":"فلو ادعى على جمع أنهم قتلوا، وتصوّر اجتماعهم على القتل، قُبِل الدعوى، وإن كان لا يتصور اجتماعهم فلا  ولو أشار إلى جمع وقال: اعلم أن قاتل أبي واحد منكم، ولا أعرف عينه، فهل له أن يحلف واحداً فواحداً فعلى وجهين: أحدهما: المنع؛ لأن اليمين تترتب على الدعوى، ولم ترتبط الدعوى بشخص معين والثاني: الجواز؛ لأنه قد يعرف الانحصار فيهم، ولا نعرف عينه، ولا ضرر على من يحلف منهم صادقاً، وفي منعه من هذه الدعوى ضرر عليه  ثم ظاهر المذهب أن الخلاف يطرد في دعوى الاغتصاب والاختزال والإتلاف، (وكل)  ما لا يتعلق باختياره ولا يطرد في الأقراض والبيع؛ بل لا يسمع قوله إني نسيت ذلك  ومن الأصحاب من خصص الخلاف بالدم ؛ نظراً إلى إثباته واعتناءً به، ومنهم من عمّم حتى طرد في الإقراض، والمشهور هي الطريقة الأولى  \rالشرط الثاني: في صيغة الدعوى:","part":1,"page":2},{"id":2030,"text":"أن تكون مفصّلة، وهو أن يتعرض بعد تعيين القاتل لكون القتل عمداً أو خطأً، ولكونه منفرداً بالقتل أو مشاركاً فإن أجمل الدعوى وقال: قتل أبي، فكلام الشافعي -رحمه الله- يدل على أن القاضي يستفصل، فإذا قال: فلان [قتل أبي] ، فيقول: عمداً أو خطأً، فإذا قال: عمداً، فيقول: منفرداً أو مع شريك  وفي هذا غموض؛ فإن الاستفصال فيه تعليم واستنطاق بتسديد  الدعوى، واللائق بمبادئ العقوبات الدفع، فعن هذا اختلف الأصحاب، فمنهم من قال: ليس للقاضي الاستفصال، ولكنه يسكت، فإن لم يستتم لم يبال به، وإن استتمّ أصغى إليه وهذا فاسد، فإنه على مخالفة النص ومنهم من وافق النص، وقال: هذا ليس باستنطاق وتعليم، ولكنه استفصال، وإنما التلقين أن يقول: قل: كذا، وهو في التفصيل قد تفسد دعواه، وترك الاستفصال إبطال لحق المدعي، وقد لا يعرف وجه الدعوى، فلا سبيل ومنهم من قال: إن كان غبياً فيستفصله؛ إذ لو سكت وأعرض عنه، كان ذلك تنفيراً وإبطالاً للحق من حيث  أنه لا يدري، وإن كان عارفاً فلا يستفصله ومنهم من قال: لو قال: قاتل أبي في هؤلاء، فيقول: من قتل (ولا)  يستفصل فيما عدا هذا، والكل خبط، والمذهب هو النص \rفرعان: أحدهما: أنه لو ادعى العمد فاستفصل، فذكر ما لا يكون عمداً، فهل يبطل به أصل دعوى القتل فعلى وجهين: منهم من قال: (تسقط) ؛ لتناقض كلامه، ومنهم من قال: التناقض في الصفة لا في الأصل، فيقتصر السكوت على المتناقض ","part":1,"page":3},{"id":2031,"text":"الفرع الثاني: لو قال: قتل أبي هذا مع جماعة، فإن ذكر عددهم سمعت الدعوى ، وإن لم يذكر عددهم، وكان يريد المال، لم تسمع الدعوى؛ لأن القدر يتبين بالتوزيع ، وإن كان عمداً يطلب القصاص، وجرى  في صورة القسامة، وقلنا: يناط القود بالقسامة، فوجهان: أحدهما: القبول؛ لأن القود ثابت عليه بكل حال والثاني: المنع (لأنَّ)  الأمر قد يؤول إلى المال، ولعل الوجه القطع بالقبول إذا قلنا: موجب العمد القود المحض، وإن قلنا: أحدهما لا  بعينه، فينقدح التردد \rالشرط الثالث: وهو في المدعي:\rأن يكون مكلّفاً ملتزماً حال الدعوى كما في سائر الدعاوى، ولا يمنعه من الدعوى واليمين كونه غائباً حالة القتل، ولا كونه صبيًّا أو مجنوناً؛ بل لا يمنعه كونه جنيناً (أو)  نطفة في الرحم، فإنه يعرف ذلك بالتسامع  ثم في كلام بعض الأصحاب ما يشير  إلى أن اللوث  الذي سنذكره كافٍ [له]  في جواز الإقدام على الدعوى واليمين، وهو فاسد؛ لأن اللوث لم يستعمل إلا لتحويل الحجة من جانب إلى جانب، وأما الهجوم على اليمين، فينبغي أن يكون عن تثبّت، وهو الذي لو كان قاضياً أحل له القضاء، وهو إقرار أو قول عدلين، ولا يشترط  في حقه لفظ الشهادة وتعبّداتها، ويخرج على وصف الالتزام في المدعي أن دعوى المشرك مقبول، وكذا دعوى المرتدّ، ثم كل واحد يحلف، وتوقف الدية في حق المرتدّ، فإذا عاد إلى الإسلام سُلِّم إليه إن فرّعنا على قول الوقف ، والتفريع على القول الآخر سيأتي في بيان من يحلف في القسامة\rالشرط الرابع: في المدعى عليه:","part":1,"page":4},{"id":2032,"text":"وهو أن يكون من أهل اليمين، فلا يدعى على صبي ومجنون ، وهل يدعى على السفيه المحجور إن ادعى بما يقبل فيه إقراره بما يوجب القود، قُبِل، وإن ادعى معاملة لم يقبل ، وإن ادعى قتل خطأ أو إتلاف مال، ففي قبول إقراره قولان: فإن قبلناه سمع الدعوى عليه، وإن رددناه فنحن نتوقع من الدعوى إنكاره ونكوله وردّ اليمين  فلو اتفق ذلك فاليمين المردودة هل تُثبت عليه الغرم فيه وجهان مبنيان  على أنها  هل يسلك بها مسلك الإقرار والبينات فإن قلنا: إنها  كالإقرار، فلا يثبت الغرم، وإن قلنا: كالبينة، فيثبت، ثم حيث نتوقع الغرم، فنقبل الدعوى فعساه ينكل، وإن قلنا: لا غرم، فإن نكل فلا وجه لردّ اليمين على المدعي ، وهل تعرض اليمين على المحجور عليه فيحلف وجهان: منهم من قال: نعم، ويستفيد به قطع الخصومة عنه في الحال، ومنهم من قال: ليس له التحليف؛ إذ لا يستفيد به شيئاً، ونحن نعرض اليمين على الرشيد توقعاً لنكوله أو إقراره  فإن قلنا: يحلف، فله الدعوى وإن قلنا: لا يحلف، فما فائدة توجيه الدعوى ذكر الفوراني أنه لا تسمع الدعوى مهما لم يُسمع  إقراره، وجعلنا اليمين المردودة  إقراراً، والذي أورده الإمام يشير إلى سماع الدعوى، ولعل  المعنى فيه أن إقراره وإن كان مردوداً، ففي إنكاره فائدة لترتَّب عليه الشهادة كما في إنكار الوكيل، فإنه لا يسمع إقراره ولا يحلف، ولكن توجه الدعوى عليه \rالشرط الخامس: في الدعوى:\rأن تنفك عما يوجب التكذيب، والتكذيب الصريح لا تخفى صورته فلا حاجة إلى إطناب وإذا ادعى القتل عمداً، ثم فصّل بما ليس عمداً، فقد ذكرنا خلافاً في بطلان دعواه في أصل القتل ","part":1,"page":5},{"id":2033,"text":"ولو قال بعد أخذ المال بالقسامة: ظلمته بأخذ المال راجعناه، فإن قال: كذبت، استرددنا المال، وإن قال: ظلمته، فإني حنفي أعتقد أن لا بداية في اليمين بالمدعي، لم يسترد، (ولذلك)  الشفعوي إذا قال: ذلك، وقد حكم له بشفعة الجوار، وحاصله أن  اعتقاد المحكوم عليه والمحكوم له غير معتبر  ولو ادعى على شخص أنه منفرد بالقتل، ثم إذا ادعى على غيره أنه كان شريكاً، فالدعوى الثانية مناقضة للأولى ، ولكن لو أقر به المدعى عليه ثانياً، وقال المدعي: غلطت في الأول، فمن أصحابنا من قال: ليس له مؤاخذة الثاني بإقراره، فإنا نؤاخذه بقوله الأول، والصحيح أن له المؤاخذة؛ إذ الغلط ممكن، والحق لا يعدوهما، وقد تصادقا ويجري ذلك في كل متصادقين إذا سبق من المدعي ما يناقض قوله الأخير  هذا تمام المقدمة\rرجعنا إلى مقصود القسامة، والنظر فيها يتعلق بمظنة القسامة، وكيفيتها، وحكمها إذا جرت، ومن يحلف أيمان القسامة، وكل واحد منها ركن\rالركن الأول: في بيان مظنة القسامة:\rوالمعنيُّ بالقسامة: البداية بالمدعي (بتحليفه)  خمسين يميناً على خلاف قياس الخصومات في البداية والعدد جميعاً ومظنته قتل الحر في محل اللوث، فهذه ثلاثة قيود \rالأول: القتل:\rاحترزنا به عن الجراح والأطراف، فلا قسامة فيها، كما لا كفارة فيها والحديث إنما ورد في النفس، وليس الطرف في معناها \rوكذلك [القول:]  لو جرح مسلماً فارتدّ ومات، فلا قسامة للورثة؛ لأنهم لا يستحقون إلا الجراح، وأما الدية فمهدرة ومحل القسامة موجب الدية ، فلو  عاد إلى الإسلام قبل الموت، وفرعنا على أن الواجب بعض الدية، فالظاهر جريان القسامة؛ لأن الواجب بعض بدل الدم   [وحكي عن القاضي أنه لا يجري إلحاقاً بالأطراف؛ ولأن القسامة في روح معصومة، وهذا هدر بعضها، وهو ضعيف \rوأما القيد الثاني: وهو الحر:","part":1,"page":6},{"id":2034,"text":"فقد احترزنا به عن إتلاف الأموال وقتل البهائم، فلا قسامة فيه أصلاً ]  وأما العبد: ففيه  قولان، [أحدهما: الجريان؛ لأنه في معنى الحر في مقصود القسامة، وظهور اللوث، ومسيس الحاجة إلى الصون والثاني: أنه لا يجري] ؛ [لتردده بين الدم والمال، والظاهر انتفاء القسامة] ؛ لأن الواجب فيه قيمة كما في البهائم، وإنما وردت القسامة على خلاف القياس في الدية \rالقيد الثالث: اللوث:\rوأهم مقاصد الكتاب بيانه واللوث: عبارة عن علامة تغلّب على الظن صدق المدعي ليكون الظاهر معه، فيكتفى بيمينه تحقيقاً لعصمة النفوس \rواللوث نوعان: أحدهما: قرينة الحال ، والآخر: الإخبار \rأما الحال فهو أن يصادف شخص قتيلاً في محلة بينهم وبينه عداوة وتعصّب، أو يدخل عليهم ضيفاً، فَيُلْفَى  قتيلاً، أو تتفرد جماعة محصورون عن قتيل، فيغلب على الظن أن قاتله فيهم، أو يتقابل صفان فَيُلْفَى  قتيلٌ في صف، فيغلب أن قاتله من الصف الآخر ولو وجد قتيل في سكة منسدة الأسفل، وفيها عدوّ له أو أعداء، فهذا لوث وإذا صادفنا قتيلاً  في صحراء، ورجلاً على رأس القتيل متضمخاً بالدم ومعه سكين، فهو لوث وإذا وجدنا القتيل في الصحراء ، وليس بالقرب منه أحد فلا لوث \rفأما اللوث بالإخبار فشهادة عدل واحد تفيد اللوث، فإن كان المخبر ممن لا تسمع شهادته، فقد أشار  كلام الأصحاب إلى شرط عدد فيه (يبعد)  عن التواطؤ كجمع من النسوان أو العبيد، فهو لوث \rوفي جمع من الصبية والفسقة يبعد تواطؤهم، فثلاثة أوجه:-\rأحدها: القبول؛ لأن غلبة الظن حاصل به والثاني: أنه لا يقبل؛ إذ لو اكتفيَ بكل ظن غالبٍ، لقبلنا العدل المرموق إذا ادعى وَعَيْنَاهُ تذْرُفان بالدمع، فغلب على الظن صدقه، فنبدأ به في اليمين، فدل أنه لا بد من قول معتبر وقول الصبية والفسقة لا عبرة به ومنهم من قال: للفسقة  على الجملة قول معتبر، فأما قول الصبية فلا عبرة به ","part":1,"page":7},{"id":2035,"text":"والعدل الواحد المقبول الشهادة إذا جعلنا قوله لوثاً، لم نشترط صيغة الشهادة، فإنه إخبار، وهذا (يقتضي)  أن يكتفى بقول عدل تقبل روايته كالمرأة والعبد وإنما يشترط العدد في الصبية والفسقة؛ لأن قول العدل الواحد: شاهدت القتل، يزيد على الخيالات التي جعلناها لوثاً ومسلك الأصحاب يشير إلى اعتبار العدد في العبيد والنسوة  والذي اختاره الإمام وحكاه عن بعض الأصحاب أنه لا يشترط \rفإن قيل: هل  يشترط ظهور اللوث للقاضي قلنا: لا بدّ منه، فليس له البداية بالمدعي ما لم يظهر له اللوث، فإثبات اللوث عنده (هين)  ولو كان القاضي عاين بنفسه حالة فعلية، فله (الاعتماد) ، ولم يخرّج ذلك على قضائه بعلمه، فإنه إنما يقضي باليمين، وإنما اعتماده (عيانة)  في البداية ولا يشترط أن يظهر للقاضي اللوث في حق المعين للدعوى؛ بل (لو أظهر)  اللوث على جمع، ثم عين المدعي شخصاً، فله ذلك ويحلف، فإن العلامة المعينة يعسر إثباتها عند القاضي والقتل الذي جرى في خيبر كان اللوث فيه متعلقاً بجملة اليهود، ثم كان ترتيب الخصومة يقتضي التعيين لو انتهى الأمر إلى اليمين \rوتمام بيان اللوث بذكر صور:\rالصورة الأولى: لو شهد شاهدان أن فلاناً قتل أحد هذين [القتيلين] ، لم يكن ذلك لوثاً مفيداً ولو قالا: قتل هذا القتيل أحد هذين الرجلين، فهذا لوث، فإن اللوث قد يظهر على جمع، ثم الولي يعين واحداً منهم وفي  الأصحاب من يخالف في الصورة الأخيرة، والقاضي ذهب إلى الفرق كما قلناه، والمسألة محتملة ","part":1,"page":8},{"id":2036,"text":"الثانية: لو ثبت اللوث في أصل القتل، ولم يثبت لوث العمدية: بأن يتفرق جمع عن واحد هالك، لا عدوان لهم معه، فيحتمل أن يكون القتل عن ضغط في زحمة، فليس للمدعي أن يحلف على العمد، ولم يظهر لوث في العمد  وهل له أن يحلف على أصل (القتل)  ذكر العراقيون وجهين ووجه المنع أن القتل المطلق لا موجب له؛ بل الواجب على الجاني من الدية مشروط بكونه عمداً، والواجب على العاقلة مشروط بكونه خطأ، فالمطلق لا يكفي لمؤاخذة أحد الجانبين \rالثالثة: إذا ادعى على شخص في محل اللوث، فقال: كنت غائباً، فإن ثبتت غيبته ببينة سقط اللوث في حقه، ولو ادعى الغيبة فالقول قوله مع يمينه فإذا حلف سقط اللوث، وثبتت الدعوى على قياس الخصومات \rفلو أقام بينة على الغيبة فأقام المدعي بينة على حضوره، قال الأصحاب: تقدم بينة الغيبة؛ لاشتمالها على مزيد  وهذا ضعيف؛ لأن الحضور كونٌ في مكان من ضرورته نفي غيره، وكذا الغيبة، فلا فرق؛ إلا أن يقع التنازع بين شخصين في اتفاق أصل الغيبة وعدمها، فتقدم بينة وقوع الغيبة؛ لأن الثانية مستندة إلى النفي المحض نعم ، إذا قضينا بتساقط البينتين، فالقول قول المدعى عليه ويحتمل أن يقال: هذا الذي اقتضى تحليفه صلح للترجيح، ومثل هذا الخلاف جارٍ في بينة الداخل والخارج \rفإن قيل: وهل يشترط التصريح في الدعوى بحضور المدعى عليه قلنا: إذا ادعى القتل فقد ادعى حضوره، والمدعى عليه إن سكت ولم يتعرض للغيبة فهو لوث ظاهر في حضوره، فليصرح بالغيبة حتى يلتفت إليه \rأما إذا كان المدعى عليه وقت القتل محبوساً أو مريضاً مدنفاً، وظهر ذلك واحتمل خلافه، ففيه طريقان: منهم من قطع ببطلان اللوث إذا تنبهنا لذلك قبل التحليف، وإن جرى بعد التحليف فوجهان، والوجه  التسوية بين الحالتين؛ إذ لا فرق (فيه)  ","part":1,"page":9},{"id":2037,"text":"الصورة الرابعة: إذا عاش الجريح زماناً، وقال: قتلني فلان: لم يكن ذلك لوثاً؛ لأنه صاحب حق، فلا معتبر بقوله؛ بل قوله كقول المدعي الوارث ؛ خلافاً لمالك رحمه الله، فإنه جعل ذلك لوثاً \rالخامسة: لو اعترف بالجرح، وادعى الموت بسبب آخر: فإن قرب الزمان، فالقول قول المدعي، وإن طال الزمان فوجهان: أحدهما: أنه المصدَّق؛ لأن الجرح سبب ظاهر، والثاني: أن المصدَّق هو الجارح؛ إذ الأصل براءة ذمته، وقد نص الشافعي على ما يدل على أن ذلك لوث يسلّط ولي الدم على القسامة ، على ما ذكرناه في الشهادة على الجناية من القسم الثاني في مسألة السحر \rومن أصحابنا من قال: إن كان اللوث مقارناً للجرح، فالقول قول ولي الدم قطعاً وهذا هوس؛ فإن الجرح معترف به، فأي  أثر للوث فيه \rالسادسة: إذا صادفنا بين الأعداء ميتاً ليس عليه جراحة: ثبتت القسامة وقال أبو حنيفة: لا بدّ من أثر الجرح، ولم يبال بأثر التخنيق وعصر الخصيتين، ولكن اشترط جرحاً ، وهو فاسد نعم، لو قال قائل: كل قتل فله أثر؛ فإن التخنيق يسوّد الوجه، والعصر يورّم الخصى، فإذا انفك عن كل أثر، فالإنسان قد يموت حتف أنفه، فأين أثر اللوث وهذا مما (لم ينته)  التفريع [إليه] ، ولم يتعرضوا له، وفيه احتمال، وسياق  كلام الأصحاب في التجاوز عنه يدل على أن اللوث قائم، فإن القتل مع اندراس أثره ممكن، والعداوة ظاهرة، فأمكنت الإحالة عليه \rالسابعة: إذا ادعى على جمع بأن الواحد من جملتهم  قاتل، لا على التعيين، فقد ذكرنا في سماع الدعوى وجهين، فإن سمعنا وعرضنا اليمين عليهم، فحلف جميعهم، انقطعت الخصومة، وإن حلفوا إلا واحداً منهم فنكوله لوثٌ في حقه، فللمدعي أن يحلف عليه بعينه اعتماداً على هذا اللوث، وليس هذا يمين الرد، ولذلك نقطع بأنه يتعدد خمسين ","part":1,"page":10},{"id":2038,"text":"فأما إذا نكلوا من عند آخرهم، فما الذي نفعله وقد اعترف أولاً بأنه ليس يعرف عين القاتل ولو عيّن الآن واحداً لكان مناقضاً لكلامه الأول، فإن قال: ظهر عندي لوث في حق واحد، وعجز عن إظهاره للقاضي، فقد  ذكرنا أن إضافة اللوث أيضاً [على الجملة إلى جمع كان في حق القاضي ولا يشترط إظهار اللوث عنده للمعين وههنا]  يحتمل أن يمكن من الحلف، ويحتمل أن يقال ههنا: سبق [منه]  ما ينافي التعيين، فليس له أن يحلف ما لم يظهر خصوص اللوث في حق من يعينه هذا إذا ظهر له لوث، وعجز عن إظهاره للقاضي ، فإن لم يظهر أصلاً، فلا طريق له إلى الحلف، ويقتضي مساق هذا أن لا يعرض عليهم اليمين أولاً؛ لأنهم لا يعجزون عن إبطال دعواه بالنكول وهذا التفريع يبين ضعف المصير إلى صحة الدعوى \r\rالثامنة: إذا خلّف القتيل ابنين، فقال أحدهما: قتل أبانا زيد، وقال الآخر: ما قتله أو قتله عمرو، وكان زيد غائباً، أو ما جرى مجراه من التكذيب، ففي بطلان القسامة قولان: أحدهما: أنها تبطل؛ لأن معتمدها على اللوث، وهذا [معتمد]  يزيل غلبة الظن؛ إذ لو صدق لأوشك أن يوافقه الآخر، فتكذيبه يزيل اللوث والثاني: وهو الذي اختاره المزني: أن اللوث لا يرتفع، والقسامة لا تبطل؛ لأن للورثة في التجاحد والتوافق أغراض، واللوث في تمكين المدعي من اليمين كالشاهد الواحد، [ثم]  لو ادعى أحدهما ديناً، وأقام شاهداً، فتكذيب الأخ لا يمنع من الحلف معه \rالتفريع: إن أبطلنا القسامة عدلنا إلى قياس الخصومات، وإن أثبتنا فيأتي بأيمان القسامة، ويستحق شطر الدية، ولا يستحق القصاص؛ لأن أحد الشريكين لا يستبدّ بالقصاص بحال ","part":1,"page":11},{"id":2039,"text":"فإن قيل: لو قال أحدهما: قتل أبانا زيد ورجل آخر لا أعرفه، وقال الآخر: قتل أبانا عمرو ورجل [آخر]  لا أعرفه، قلنا: لا تكاذب؛ إذ يحتمل أن يكون من [جهله]  كل واحد هو الذي عيّنه صاحبه، فلا يتنافيان إلا أن ينفي كل واحد منهما، ويقول: لا أعرفه لكن أعرف أنه ليس هذا الذي يدعيه فلو نفى أحدهما ما يدعيه الآخر، واقتصر الآخر على دعوى الجهل، فالمدعي للعلم  ينفي ما يدعيه صاحبه، (وكذب المعترف بالجهل) ، (تسقط)  القسامة على قول في حق ذلك النفي \rفأما مدعي العلم بنفي الآخر، ليس مكذباً في نفسه فمن يدعي عليه، فالقسامة قائمة في حقه، فيحلف ولا يستحق إلا ربع الدية؛ لأنه اعترف بأنه شريك في القتل، فليس عليه إلا النصف، ولا يخصه من النصف إلا النصف، وهو الربع  وكذلك في الصورة الأولى يقسمان، وكل واحد لا يطالب من عيّنه إلا بالربع، فإنه  اعترف بكونه شريكاً، وأنه لا يستحق من حصته إلا النصف ","part":1,"page":12},{"id":2040,"text":"فإن قيل: لو قال أحدهما: قتل أبانا زيد وعمرو، وقال الآخر: لا؛ بل بكر وخالد؛ قلنا: هما متكاذبان، فإن لم نبطل القسامة، فكل واحد يأتي بأيمان القسامة، ويستحق على خصميه اللذين عيّنهما نصف الدية  فإن قيل: لو قال أحدهما: انفرد زيد بقتله، وقال الآخر: بل شاركه عمرو؛ قلنا: أما زيد فقد اتفقا على توجه الدعوى عليه بالنصف من الدية، وصار النصف الثاني في محل التكاذب، فإن أبطلنا القسامة بالتكاذب، فيحلفان خمسين يميناً على زيد، ويستحقان عليه نصف الدية، فإنه متفق عليه  ومن يدعي انفراده يدعي عليه مزيداً، فالقول  قول زيد في دفعه على قياس الخصومات فأما عمرو، فإن قلنا: تبطل القسامة بالتكاذب، فهو في محل التكاذب، فالقول قوله في ردّ دعوى من يدعي كونه شريكاً  فإن  قلنا: تبقى القسامة، فالمدعي لانفراد زيد لا يطلب من زيد إلا نصف الدية، فيحلف ويأخذ، والمدعي لشركة عمرو وزيد يطلب النصف من زيد وعمرو، فيحلف ويأخذ الربع من زيد، والربع من عمرو، وفى عدد الأيمان [نظر] ، وسنذكر بعد هذا مأخذه \rالركن الثاني: في كيفية القسامة:\rواليمين المعروضة على المدعي يرعى فيها أربعة أمور:\rأولها: التحذير: فيقول له الحاكم: اتق الله، ولا بأس أن يستقرئ قارئاً قوله سبحانه وتعالى:  •          وهذا استحباب، ويستحب ذلك أيضاً في أيمان اللعان، وفيما عداهما مما لا تغلظ فيه اليمين لا يستحب، وفيما تغلظ فيه اليمين ذكر العراقيون وجهين ","part":1,"page":13},{"id":2041,"text":"الثاني: التغليظ: فيقول له: قل بالله الذي لا  إله إلا هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وما يراه من الصيغ ، وما هذا من خصائص القسامة، وسيأتي في موضعه، والغرض أن التعدد ههنا لا يغني عن التغليظ، فلو قال له القاضي: قل: والله، فقال: والرحمن، لم يكن حالفاً، ولو قال: قل: والله الطالب الغالب، فاقتصر على قوله: والله، فهل يكون حالفاً هذا يبتني على أن التغليظ مستحب أو مستحق وفيه خلاف سيأتي \rالثالث : التطبيق لليمين على الدعوى الصريح: حتى قال الشافعي: يقول: إن فلاناً انفرد بقتل أبي لم يشركه غيره ، وقوله: لم يشركه غيره لا شك في أنه استحباب، فإن الأول يُنبي عنه ، والمدعى عليه يحلف على البتّ بنفي القتل عن نفسه، فيقول: ما قتلت ولا تسببت، فإنه قد لا يرى حفر البئر يسمى قتلاً ، ومعظم هذه القضايا ستأتي\rالرابع: العدد في أيمان المدعي: لا بدّ من مراعاته، وهذا هو خاصّية القسامة، فإن كان المدعي واحداً حلف خمسين يميناً، وإن  كان اثنين فقولان: أحدهما: أن كل واحد يحلف خمسين يميناً، ولا سبيل إلى التوزيع، والدليل عليه أنه لو نكل أحدهما، فالآخر لا يستحق نصيبه ما لم يحلف خمسين، ولو استحق عند حلفه خمساً وعشرين لكان قد استحق بيمين غيره، وهو محال والثاني: أنها توزع ؛ لأن المفهوم من الشرع أن الدم لا يثبت إلا بخمسين يميناً، فإذا حلفوا بجملتهم خمسين، فقد حصل العدد، وهم في حكم الشخص الواحد، ويشهد له قوله: ((تبرئكم يهود بخمسين يميناً)) وهم متعددون وأما قولهم: ((تحلفون وتستحقون دم صاحبكم)) لا حجة فيه، فإنه وإن خاطب جمعاً، كان المستحق منهم واحداً \rالتفريع: إن قلنا: يحلف كل واحد خمسين، فلا خفاء ولا تفريع، وإن قلنا بالتوزيع فلا بد من التنبيه  لأمور:","part":1,"page":14},{"id":2042,"text":"أحدها: أنه لو نكل واحد كمل اليمين في حق الآخر، فإثبات جزء دون خمسين يميناً غير متصور، وغيبة أحدهما أو صغره وجنونه كنكوله، فمن أراد حقه في الحال يلزمه أن يحلف خمسين يميناً، ويجعل امتناع شركائه كنكولهم، فلو كان له أخوان صغيران، (حلف)   خمسين، وأخذ ثلث الدية، فإذا بلغ واحد حلف البالغ نصف الأيمان، وأخذ ثلث نفسه، فإذا بلغ الثالث حلف ثلث الأيمان، وأخذ حصة نفسه، ويقدّر الصغير كالمعدوم، ولا تسقط حصة كل شخص من اليمين بفضلة يمين اتفقت لمن تقدم عليه \rالثاني: أن التوزيع على الميراث، فمن يستحق ثمن الميراث أو ثلثه أو سدسه [حلف ثمن الأيمان، أو ثلثها أو سدسها] ، فإن انكسر كمّلنا المنكسر، ولا سبيل إلى الإسقاط، ونقول بحسبه: لو زاد عدد الورثة على خمسين، حلف كل واحد يميناً واحدة تكميلاً للكسر، والتوزيع في مسائل المعادة في الميراث على ما يستقر عليه الحصص آخراً، فإنه المستحق لا على ما يقدّر أولاً \rالثالث: لو كان في الورثة خنثى، فيحلف كل واحد أكثر ما يتوهم أن يكون نصيبه، ثم يعطى أقل ما يتوهم أن يكون نصيبه أخذاً في الأيمان بالأكثر، وفي التسليم بالأقل  وبيانه: خلف ولداً خنثى وأخاً لأب، يحلف الخنثى خمسين يميناً؛ لاحتمال أنه مستغرق، ويأخذ نصف الدية لاحتمال أنه أنثى، والنصف الآخر متروك في يد الجاني، فإن أراد الأخ أن يحلف، فله أن يحلف خمساً وعشرين [يميناً]  على احتمال وراثته، ويستفاد بيمينه  انتزاع النصف من يد الجاني، والوقف بينه وبين الخنثى، ولا ينتزع قبل يمينه، ولا يسلم إليه إذا حلف؛ بل يوقف بعد الانتزاع، ثم إن بان أنه ذكر سلّم إلى الذكر بأيمانه السابقة، وقد استوفاها خمسين، وإن بان أنه أنثى سلّم إلى الأخ بيمينه التي قدمها، فإن لم يكن حلف من قبل، فيحلف بعد التبيّن خمساً وعشرين، ويأخذ نصفه ","part":1,"page":15},{"id":2043,"text":"ولو خلّف ولداً خنثى وبنتاً، حلف الخنثى ثلثي الأيمان؛ لاحتمال أنه ذكر، وأخذ ثلث الدية لاحتمال أنه أنثى، وحلفت البنت نصف الأيمان لاحتمال أن الخنثى أنثى، ولم يقع الاعتداد من أيمانها إلا بالنصف، وتأخذ ثلث الدية، والثلث الباقي متروك في يد المدعى عليه موقوفاً بينهما وبين بيت المال، وليس لبيت المال ثابت حتى يحلف عنه، ولذلك نقول: من قتل ولا وارث له فلا قسامة، ولا طريق إلا تحليف المدعى عليه\rفإن قيل: إذا جتمعا، وحلف كل واحد خمسة وعشرين يميناً، فقد استوفينا عدد الأيمان، فأي حاجة إلى تحليف الخنثى ثلثي الأيمان وتحليف الأنثى النصف حتى تزيد قلنا: لأنه يحتمل أن يكون الخنثى ذكراً والمال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين  للخنثى الثلثان وللأنثى الثلث، فلا يعتد من الأنثى إلا بالثلث، والزائد عليه لاغ؛ لأنه صدر من غير مستحق نعم، لو كانا أنثيين، فيحلفان خمسين، كل واحدة خمسة وعشرين، ويستحقان الثلثين، والزائد على الاستحقاق معتبر في استيعاب العدد، وغير معتبر في إثبات الاستحقاق للغير، فهو في حكم اللاغي في إثبات ما نقدره مستحقًّا للخنثى بتقدير الذكورة، فليأت بثلثي الأيمان ثم إذا أتى به (وبانت) ذكورته، سلّم باقي الثلثين إليه بيمينه السابق، وكان إذ ذاك لا يحكم بكونه (معتبراً) عن ثقة، ولعل هذه المسألة لا نظير لها؛ إذ حلف لغرض الاستيثاق، ثم رتب عليه الاستحقاق في آخر الأمر","part":1,"page":16},{"id":2044,"text":"فأما إذا خلف جدًّا وأختاً لأب وأم وخنثى هو أخ لأب  أو أخت لأب، فمقدار نصيب الأخت من الأب والأم غير مختلف، فلها النصف بكل حال، والخنثى يتردد بين الحرمان، بين أن يكون أنثى فيسقط بالجد، وبين أن يستحق عشر المال بأن يكون ذكراً، والجد يتردد بين أن يستحق النصف لو كان الخنثى أنثى، أو أربعة أعشار المال لو كان ذكراً  فإذا تبين الحصص فنقول: الخنثى لا يخلو إما أن يرغب في اليمين، أو ينكل ، فإن رغب حلف عُشٍر الأيمان، ولم يأخذ شيئاً، وحلفت الأخت نصف الأيمان، وهو أقصى أحوالها، وهو قدر استحقاقها بكل حال، فتأخذ  النصف، وأما الجد فيحلف نصف الأيمان، ويأخذ أربعة أعشار الدية، ويبقى العُشْر موقوفاً ينزع  من يد الجاني لحلف  الخنثى  فأما إذا نكل الخنثى فالمسلّم للجد والأخت تسعة أعشار المال، والعشر موقوف، وإنما نقص  عليها بنسبة الأتساع، للأخت خمسة أتساع، وللجد أربعة أتساع، فتحلف الأخت خمسة أتساع اليمين مع تكميل الكسر، وتأخذ النصف من الدية، ويحلف الجد النصف ويأخذ أربعة أتساع المال، وذلك بيّنٌ بناءً على ما مهّدناه \rوقد ذكر الشيخ أبو علي [ههنا]  وجهاً أن الخنثى لا يحلف ؛ لأنه إنما يحلف من يدعي، وإنما يدعي من يعلم أنه مستحق، وهو شاكٌّ وهذا قياس بيّنٌ، ولكن يقتضي أن لا تحلف العصبة مع الخنثى في الصورة السابقة، فهو على نقيض جميع التفريعات السابقة، فقد تحصلنا في تحليف من لا يوثق باستحقاقه على وجهين \rالرابع: هو أنه لو مات المستحق، وخلّف ابنين، وزّع عليهما فيحلف كل واحد خمسة وعشرين [يميناً] ، فلو مات أحدهما عن ابنين، وزع نصيبه عليهما، فيحلف كل واحد ثلاثة عشر، فلو مات أحد الابنين عن ابنين، وزع على ابنيه، فيحلف كل واحد سبعة، ولا يخفى وجه الحساب بعد تمهيد القاعدة هذا كله في يمين المدعي، (وهي تتعدد)  خمسين لا محالة ","part":1,"page":17},{"id":2045,"text":"فأما إذا لم يكن لوث، ووجهنا على المدعى عليه، ففي التعدد قولان منشأهما أن علة التعدد حرمة الدماء، أو هو البداية والإمالة عن قياس الخصومات أحدهما: أنه يتحد، فإن التعدد مخالف للقياس والثاني: أنه يتعدد؛ لأن علة التعدد حرمة الدم ، ويتأيد ذلك بقوله: ((تبرئكم اليهود بخمسين يميناً)) (ويجري)  القولان في اليمين المردودة بنكول المدعى عليه على المدعي، فإنه جارٍ على  القياس، والقولان جاريان في الأطراف مع القطع بأن القسامة غير جارية فيها وهي تترتب على الدم حيث لا لوث، وأولى بأن لا يتعدد  فإن قلنا: لا يتعدد، فلو بلغ الأرش مبلغ الدية فقولان وإن  قلنا: يتعدد، فلو نقص فقولان في التكميل والتوزيع وكذا لو بلغ ديتين فقولان في التكميل أو (التوزيع)   وهذا أيضاً يضاهي ما ذكرناه في الأجل في ضرب هذه الأطراف على العاقلة ويفارقه في أن دية المرأة وكذا أبدال النفوس، يقطع بكمال القسامة فيها وإن ترددنا في الأجلِ وقدرِهِ فيها  والله أعلم\rفروعٌ ثلاثة:","part":1,"page":18},{"id":2046,"text":"أحدها: أنه لو أقام مدعي الدم في صورة اللوث شاهداً واحداً، وكان لا يطلب القصاص، فالدية تثبت بشاهد ويمين، فهل يكتفى بيمين واحدة قال الأصحاب: إن قلنا: إن (لليمين أثراً)  في الدماء (فتتعدد) ، فسواء  اتُّخِذَ الشاهدُ لوثاً، أو  اعتُدَّ به شاهداً، فلا بدّ من خمسين يميناً، ولا فائدة في اختلاف اللقب أما إذا قلنا: إنه يكتفى بيمين واحدة في غير البداية، فإن اتخذ ذلك لوثاً لزمه خمسين يميناً، وإن اتخذ ذلك شاهداً كفاه يمين واحدة  قال الإمام: إن كان يريد الدية فينبغي أن يمنعه القاضي عن زيادة الأيمان، فإنها غير متوجهة، فاليمين  الواحدة كافية، فلا ينبغي أن تتغير الحجج بإرادته وقصده  وإنما تظهر هذه الفائدة على قولنا: إن القصاص يستحق بالقسامة  فإن أراد القصاص فله أن يتخذ ذلك لوثاً، ويحلف خمسين، وإن لم يرد القصاص فله الاقتصار على واحد، فأما التخيير بين يمين واحدة وخمسين يميناً، والمقصود حاصل (بواحدة) ، فلا وجه له \rالثاني: إذا ادعى القتل على رجلين، و (قلنا) : لا بدّ من خمسين يميناً، فهل يوزع عليهما أم يحلف كل واحد خمسين، فعلى قولين كما في جانب المدعي إذا تعدد المستحق \rالثالث: إذا اعترف المدعى عليه بالقتل، ولكنه أنكر كونه عمداً، فهل تتعدد اليمين عليه في نفي ضد العمدية قال الأصحاب: فيه قولان مرتبان على أصل القتل، وأولى بأن لا تتعدد؛ لأن استحقاق الدم صار مفروغاً عنه في الأصل، وهذا واقع في الوصف، والوصف دون الأصل  وهذا ترتيب فاسد، فإن هذا الوصف إذا كان يناط به [في]  القصاص، فكيف يكون دون الأصل \rالوظيفة الخامسة المرعية في أيمان القسامة: الموالاة في الأيمان:","part":1,"page":19},{"id":2047,"text":"حتى يجري في مجلس واحد، فهذا أيضاً يرعى مع التغليظ والتحذير والتعديد فلو انقطع الولاء، نُظِرَ، إن جُنّ في أثناء اليمين، قال الأصحاب: إذا أفاق بعد ذلك بنى ولا يستأنف، وهذا ينبغي أن يبنى على أصل، وهو أنه لو حلف في مجالس هل يجوز وفيه وجهان أوردَهما القاضي ووجه المنع: أنّ وَقْع التغليظ بالتعديد يسقط عن القلب بالفرق \rولا خلاف في أنه لو عزل القاضي يلزمه الاستئناف عند القاضي الآخر، فإنه لا يحكم إلا بما جرى في ولايته ولو مات في أثنائه، فالوارث لا يبني؛ بل يستأنف  وعن  الخضري  أنه يبني وهذا يلتفت على بناء حول الوارث على حول الموروث في قول بعيد  ولو نكل المورث عن القسامة، لم يكن للوارث الحلف بحال، فإنه بطل حق مورثه بالنكول، فكيف يثبت له \rالوظيفة السادسة المرعية في اليمين: أن تجري بحضور المدعى عليه:\rفلو كان غائباً، قال القاضي: لا يعتدّ بأيمانه ولو قال: لا بيّنة لي، فلا تسمع دعواه وهذا فيه نظر من حيث أن بينته مسموعة، وأيمان القسامة كالبينة، وتسمع على الغائب، ولكن كأنه يقول : هو خارج عن القياس، ثبت في حق مستحلف، فإذا غاب لم يعتدّ، وكأن اللوث ليس يتحقق إلا بسلامته عن قدح المدعى عليه وجوابه \rالركن الثالث: في حكم القسامة:","part":1,"page":20},{"id":2048,"text":"فإذا بدأنا بالمدعي، وعرضنا اليمين عليه، فإن نكل سقط حقه، ولم يقم وارثه مقامه، وتتوجه اليمين على المدعى عليه فإن حلف انقطعت الخصومة ، (وإن)  نكل فهل ترد اليمين على المدعي فقولان: أحدهما: أنه لا ترد؛ لأنه نكل عن اليمين    مرة واحدة، فلا تعود إليه والثاني: أنه يحلف، فإنه نكل عن الابتداء، لا عن اليمين المردودة  قال الشيخ أبو محمد: هذا يبتني على القولين في تعدد اليمين المردودة، فإن قلنا: لا تتعدد فيحلف، ويحمل امتناعه على الاحتراز عن كثرة الأيمان  وقال غيره: إن قلنا: تتحد فتردّ، وإن قلنا: بالتعدد فالقولان جاريان لعلتين: إحداهما: أن المقام يتعدد، فهذا ابتداء، وهذا ردّ والثاني: أنه يعتمد في اليمين اللوث، وربما ينتظر لوثان (بنكول)  المدعى عليه وقال قائلون: إن قلنا: تتعدد، فلا تردّ، وإن قلنا: تتحد، فقولان  وطرد الأصحاب القولين فيمن أقام شاهداً واحداً، ونكل عن اليمين معه، ثم أراد أن يحلف اليمين المردودة، وكذلك لو نكل عن اليمين المردودة، ثم وجد شاهداً، وأراد أن يحلف معه، وكذلك لو نكل عن اليمين المردودة حيث لا لوث [وظهر لوث] ، (فأراد)  الحلف، وكذلك في كل نكول عن يمين مع العود إليها  في مقام آخر ","part":1,"page":21},{"id":2049,"text":"ويستمد هذا من حقيقة أخرى، وهو أن المدعى عليه لو نكل عن اليمين، فلا يمكّن من العود؛ إذ تعلق بنكوله حق للمدعي ، وهو التسلط على اليمين، فليس له إبطاله بعد ما ظهر منه النكول صريحاً، ومن ردّ عليه اليمين لو ظهر نكوله، ثم رغب، يمكّن منها ؛ لأنها  حقه، وهو آخر الخصومة، وليس يتعلق بنكوله حق لغيره، فنكوله تأخير لاستيفاء حقه، والمدعي في يمين القسامة كالمردد  بينهما، فإن البداية به كأنه ردٌّ عليه من وجه، فإنه أثبت حقًّا له؛ لإثبات غرضه، وإنما عمل نكوله بحق المدعى عليه، فإذا أسقط المدعى عليه حقه من الحلف بالنكول، فله العود إلى حقه على رأي، ويحتمل نقيضه، فهو منشأ اضطراب القولين هذا حكم نكوله عن القسامة ","part":1,"page":22},{"id":2050,"text":"فأما إذا حلف، فيستحق به الدية، وهل يناط به القصاص  فعلى قولين: القديم: أن القصاص يناط به؛ لأن المقصود من شرع القسامة عصمة الدماء عن الاغتيال، ولقد علقنا بلعان الزوج إيجاب الحد عليها والقول الجديد: أنه لا يستحق؛ لأن سفك الدم بالأيمان والدعوى عظيم، وأما المرأة فإنها مسلطة على دفع الحد عن نفسها بمثل لعانه، فإن امتنعت تأكد الأمر بامتناعها ، ثم إذا آل الأمر إلى المال، فإن ادعى العمد المحض، فالدية على الجاني، وإن ادعى الخطأ أو شبه العمد، فعلى العاقلة  وإن ادعى أصل القتل، وأنكر الجاني كونه عمداً، وظهر اللوث، فله أن يحلف على إثبات صفة العمدية خمسين يميناً إذا قلنا: يناط به القود، وإلا فلا حاجة إليه  فإن اعترفت  العاقلة بالخطأ غرموا، وإن أنكروا وحلف المدعى عليه، ثبت الغرم عليهم  وإنما يحلف إذا لم يقسم المدعي على كونه خطأ، أو ادعى كونه عمداً، وإن نكل الجاني، ورددنا اليمين على المدعي فحلف، فهل تؤخذ من العاقلة طريقان: منهم من قال: قولان يبتنيان على أن اليمين المردودة إقرار أو بينة فإن قلنا: إقرار، فلا تؤاخذ العاقلة به، لأن مستندها نكول الجاني، فهو كإقراره، وإن قلنا: بينة، فيؤاخذون به والثاني: وهو الصحيح، القطع بأنه لا يجب عليهم؛ لأنا إذا لم نسمع إقراره، فتسليطه على توجيه الغرم عليهم بنكوله لا وجه له، وإنما تجعل اليمين المردودة بينة في حق المدعى عليه   ويظهر أثر ذلك في الدعوى على المحجور كما تقدم\rثم إذا حكمنا بالدية بالقسامة وسلّمناها، فأقام المدعى عليه بينة على غيبته وقت القتل، نقضنا القضاء واسترددنا الدية، وقدمنا البينة على الأيمان  هكذا نص عليه الشافعي ، وهو صحيح ومهما نكل المدعي عن اليمين فقد ذكرنا أن حقه ساقط، وليس لوارثه إذا مات أن يحلف، فهذا أيضاً من أحكام نكوله\r[الركن]  الرابع: في بيان من يحلف أيمان القسامة:","part":1,"page":23},{"id":2051,"text":"والأصل أنه لا يحلف إلا مستحق البدل، ويخرّج عليه مسائل:\rإحداها: أن عبد المكاتب إذا قتل، وفرعنا على (الأصح)  في جريان القسامة في العبد، وهو الذي قطع به بعض الأصحاب، فالمكاتب يقسم، ثم إن حلف وعجز بعد ذلك ورقّ، أثبت البدل لسيده، وإن نكل ثم عجز، فليس للسيد الحلف، وإن لم يتفق لا إقدام ولا نكول، فعجز، فالسيد يحلف، وعلى الأحوال تطابق حالات السيد معه حالات الوارث مع المورث؛ لأنه يتلقى الملك منه ، والوارث يحلف، وإن لم يكن مستحقا حال العقل ، ولكن تقدر القسامة حقًّا للمورث، وتنقل إلى الوارث، فيجري الإرث فيها  كعادتنا في الحقوق \rالثانية: إذا قلنا: العبد يملك بالتمليك، فملكه عبداً فقُتِلَ، فهذا يبنى  على أن ملك العبد هل ينقلب إلى ملك السيد بالإتلاف  فإن قلنا: ينقلب، فالسيد هو الذي يحلف، وإن قلنا: لا ينقلب ففي حلف العبد وجهان ذكرهما العراقيون: أحدهما: أنه يحلف كالمكاتب والثاني: أنه لا يحلف؛ لأن ملكه ضعيف بعرض الانقلاب بعتقه وبيعه؛ بخلاف ملك المكاتب، فإن قلنا: لا يحلف العبد لضعف ملكه، فلا يحلف السيد لسقوط ملكه، وإن قلنا: العبد يحلف، فلو استرجع السيد القيمة حلف كما في المكاتب ","part":1,"page":24},{"id":2052,"text":"الثالثة: صوَّر الشافعي -رحمه الله- قتل عبد لأم ولد، وما أراد به ملك أم الولد، فإنه فرّع على الجديد في أن أم الولد لا تملك، ولكن أراد به إذا كان برسمها، وهو (يعزى) إليها، وهو عبد السيد، قال: وهو الذي يحلف على الجديد، فلو أوصى لها بقيمته والثلث وافٍ، فإن حلف السيد سلمت القيمة لها بعد موته، وإن لم يحلف ولم ينكل حتى مات، قال الشافعي: للورثة أن يقسموا، ثم إذا حلفوا سلمت القيمة لأم الولد وهذا مشكل، وقد قطع به الشافعي، واتفق عليه الأصحاب، وهو تحليف من لا يستحق القيمة، وسوّى بين ما بعد القبول للوصية وما قبله، ولم يبن ذلك على القول الضعيف في أن الملك للوارث في الموصى به قبل القبول وغاية الإثبات في تعليله، وهو مقطوع به، أن الورثة لهم رتبة الخلافة مطلقاً، وغرضهم في تبقية الوصية كغرض المورث، ولو كان حيًّا لحلف، ولذلك يقضي الوارث دين الأجنبي متبرعاً، فيلزمه القبول على المذهب، ولو قضى أجنبي لم يلزمه القبول\rفإن قيل: فلو أوصى بعبد لغيره، فادعاه مستحق، فهل للوارث أن يحلف لتنفيذ الوصية قلنا: فيه تردد يحتمل أن يقال: يحلف للتنفيذ، ويحتمل أن يمنع؛ لأن الملك حاصل للموصى له، وارتبط به وهو قادر على اليمين بملكه الكائن بخلاف القسامة، فإن المستولدة لا تقدر على القسامة، فإن استحقاقها يستند إلى القتل،  فلا يمكن طريان استحقاق القيمة فيه، فالمستند إلى القتل الخلافة، فإذا حلفت الورثة أيمان القسامة، سلمت القيمة لأم الولد، وإن نكلوا تبرماً بيمين لا فائدة لهم فيها، فهل تحلف المستولدة فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأنها تأخذ ما ثبت ملكاً للموصي، أما إثبات ملك الموصي لتبتني عليه وصيته ليس إليها؛ إنما هو إلى المالك أو إلى خليفته والثاني: لها ذلك؛ لأنها مصبّ الاستحقاق والقولان جاريان في الغرماء إذا أرادوا أن يحلفوا أيمان القسامة عند نكول الوارث","part":1,"page":25},{"id":2053,"text":"وعلى الجملة، فليس يتحتم على الوارث [اليمين] ، فإنه سعي في تحصيل غرض للغير ، وإنما الواجب عليهم الكف عن المنع، فأما السعي في التحصيل فلا  ثم قال الشافعي: (وإذا)  لم يقسم الورثة لم يكن لهم ولا لها إلا أيمان المدعى عليه  وظاهر هذا دليل على أن لا قسامة لأم الولد، وأن الدعوى لا تعطل، فللورثة توجيه الدعوى، ولأم الولد أيضاً ومن أصحابنا من قال: إنما يثبت لأم الولد إذا قلنا: لها أن تحلف، فأما إذا منعناها، فليس لها الدعوى، فإنه ربما ينكل المدعى عليه، (وهي لا تقدر)  على الحلف، وهذا فاسد، فإن منعها من أيمان القسامة لاستنادها إلى استحقاق في القتل لا يوجب منعها من اليمين المردودة بعد ترسخ الملك وردّ الدعوى إلى (تعيين)  القيمة والدليل عليه أن دعوى ملك القيمة عليه تسمع مطلقةً، ودعوى الدم مع أيمان القسامة لا تسمع إلا مفصلة، ثم الوجه القطع إذا فرعنا على الصحيح أن ملكها لا يقف على إعراض الورثة  ومن بنى دعواها على يمينها فينبني  ذلك على تركهم الدعوى أيضاً، وإنما المشكل أن الشافعي لما أثبت الطلب للوارث، وهذا أيمان، رجع  إلى طلب ملك تأخره، ولا ملك لهم، وإثبات ذلك لهم مقطوع به، وطريق التوجيه أنهم يقدمون إقدام من لو أقسم لجاز، فإذا نكلوا بطلت  اليمين بالاستتهام لخصومة القسامة، فإن لم تكن المسألة في مظنة القسامة، فلا محمل لطلبهم إلا السعي في تنفيذ الوصية ، والاحتمال متطرق إليه","part":1,"page":26},{"id":2054,"text":"الرابعة: إذا قطع يد العبد، فعتق ومات، فعلى الجاني كل الدية، (فإن)  كانت  الدية نصف القيمة، فهي مصروفة إلى السيد، وهو مستبدّ بالقسامة في هذه الصورة على ظاهر المذهب إذا قلنا: يقسم على عبده الرقيق  فإن قلنا: لا يقسم ففي هذه الصورة وجهان: أحدهما: أنه لا يقسم؛ لأنه يستلحق بالرق، فهو في حقه قيمة ولو نظرنا إلى المآل لما صرفنا إليه شيئا والثاني: أنه يقسم، فإن الواجب على الجاني بدل حرٍّ صرف إليه للضرورة، وإن كان الواجب فاضلاً عن أرش اليد، فهو موزع عليهم ، ثم يتعدى النظر في أن كل واحد يحلف خمسين يميناً أو يوزع، وقد ذكرنا تفصيله\rالخامسة: لو لم يقسم الولي حتى ارتدّ، فأراد الحلف في الردة، فإن قلنا: الملك غير زائل بالردة، فله ذلك، وإن قلنا: زال ملكه فلا فإن قلنا : ملكه موقوف، وعليه أكثر تفاريع الشافعي، فالظاهر أنه يحلف، ثم إن عاد إلى الإسلام سلم إليه الدية، وإن لم يعد حتى مات، صرفت  الدية مع جميع أمواله إلى مصرف الفيء  وفي النص إشكالان:\rأحدهما: أنه لو مات مرتدًّا صرف إلى الفيء وتبينا على قول الوقف أن ملكه زائل بالردة، فإنه لم يملك الدية أصلاً حال اليمين، فكيف تسلم بيمين من لا يملك الدية لأهل الفيء، فاضطرب الأصحاب، فمنهم من قال: الشافعي فرع على قوله أن ملكه لا يزول، وأراد بالوقف حجر القاضي عليه في التصرف، فعلى هذا، القياسُ مطرد  ومنهم من تكلف التعليل بأن  المرتدّ وإن زال ملكه، فهو الوارث الأصلي للدية ، وقد اثبتنا للوارث مع الوصية بالقيمة للمستولدة أن يحلف أيضاً، فهذا أيضاً بمثابته، وهو ضعيف؛ لأن ذلك محمول على تنفيذ الوصية والسعي فيه  وهذا ليس يتجه له وجه","part":1,"page":27},{"id":2055,"text":"الإشكال الثاني: أنه كيف يقدم على اليمين وهو على التردد في أنه يملك أم لا إذ فرعنا على قول الوقف، وهذا أوهن، فإنا قد اثبتنا الحلف مع التردد في مسائل الخنثى كما سبق والأصل أن الملك إنما ينقطع بردة ماضية إلى الموت، ولم يتبين إفضاؤه إلى الموت، فيستصحب الملك\rالسادسة: السكران:\rإن قلنا: هو كالمجنون فلا يحلف، وإن قلنا إنه كالصاحي، قال الشافعي لا يحلفه [القاضي] حتى يفيق، فلو حلفه القاضي، قال الأصحاب: هل يعتدّ به فيه وجهان: أحدهما: أنه يعتد به، ولكنه عدل عن المسلك الأقصد والثاني: أنه لا يعتد؛ لأن الزجر لا يحصل في حقه، وهذا الخلاف غير مخصوص بالقسامة؛ بل يجري في كل يمين \rالقسم الثاني من الحجة التي تثبت الدم: الشهادة:\rوسيأتي تفصيلها في الشهادات، ولكنا نتعرض الآن لما يختص بالشهادة على الدم، ولها شرائط\rالشرط الأول: العدد والذكورة:\rفلا تثبت الجنايات الموجبة للقصاص إلا بشهادة رجلين، ولا تثبت برجل وامرأتين، وشهادة المال يكتفى فيها برجل وامرأتين، وكذا كل قتل لم يوجب القصاص؛ لكونه خطأ أو شبه عمد، أو صدر ممن لا يكافئ، أو من صبي أو مجنون، فيثبت برجل وامرأتين، وتثبت الدية وكل ما تعلق به وجوب القصاص، فإذا شهد رجل وامرأتان سقطت الشهادة، ولا يثبت بها القود ولا المال لو آل الأمر إليه، وهو كذلك وإن فرعنا على أن الدية أحد موجبي العمد، فإنا مع ذلك نعلم أن القصاص هو الأصل المقصود، والمال هو التابع، وإنما قراره بالعفو\rفأما القتل الذي تعلق به القصاص، ولكن سقط بالعفو وتعين المال، ففي إثباته بعد العفو لإثبات المال وجهان مشهوران: أحدهما: أنه يثبت نظراً إلى الحال والثاني: المنع؛ لأن المثبت هو القتل كما جرى، وقد يجري موجباً للقود، وموجب القود لا يثبت بشهادة النسوة وإن كان لا يطلب منه القود ولذلك لم تثبت به الدية إذا جرى العفو بعده","part":1,"page":28},{"id":2056,"text":"فأما الجراحة التي يتعلق القصاص ببعضها دون بعض، فقد نص الشافعي على أنه لو شهد شاهدان على هاشمة مسبوقة  بإيضاح، (فكما)  لا يثبت الإيضاح الموجب للقصاص، لا يثبت لهم في حق الأرش وإن لم نوجب القصاص  ونص على أنه لو شهد رجل وامرأتان على أنه رمى عمداً إلى زيد، فمرق السهم منه، فأصاب غيره خطأ، أن الخطأ يثبت ويختص الرد بالعمد  فاختلف الأصحاب، فمنهم من قال: قولان بالنقل والتخريج؛ إذ كل واحد من الفعلين موجب للقصاص، أفضى إلى ما لا يوجب، فينظر في قول إلى الخصوص بالقصد، وفي قول إلى السبب المفضي إليه كما ذكرناه فيما بعد العفو ومن الأصحاب من فرق بأن الجناية في الموضحة متحدة، وإنما المتعدد آثارها، وأما في تولد الخطأ من العمد اختلف الشخص ومحل الجناية، فلا ارتباط  ونحن الآن ننبه على أمور:\rأحدها: أنه لو لم يكن القصاص [في الشخص المشهود بالرمي متعلقاً بالمدعي، وإنما ذكره لحكاية القصاص] ، وشهد الشهود على وفقه، فينبغي أن نقطع بقبول الشهادة؛ إذ لا ارتباط في غرض المدعي ولا اتصال حسًّا ، وفيه احتمال على بعد، وإنما ظهور الخلاف إذا كان يقصد الأمرين جميعاً \rالثاني: هو أنه لو ادعى أنه أوضح، ثم عاد وهشم، فينبغي أن تقبل الشهادة في هذه الصورة؛ لأنه انفصل أحدهما عن الآخر، (ورجع)  حاصله إلى جمع الشاهد ما بين ما يقبل وبين ما يرد مع التعدد والتقاطع وهو  كما لو ادعى على شخص قصاصاً ومالاً، فشهد الرجل والمرأتان عليهما جميعاً، فلا ينبغي أن نتردد في القبول في المال، وفيه وجه ذكره من لا خبرة له ","part":1,"page":29},{"id":2057,"text":"التفريع: إذا قلنا: يثبت أرش الهاشمة، فقد ذكر صاحب التقريب خلافاً في ثبوت قصاص الموضحة تبعاً، وقرب ذلك من ثبوت النسب ضمناً بشهادة القابلة وحدها على طريق التبعية، وإن كان لا يثبت مقصوداً وهذا فاسد؛ إذ ليس من ضرورة الهشم تقدم الإيضاح، فقد ينفك عنه قال الشيخ أبو علي: أما إثبات القصاص تبعاً (فلا) وجه له، وأما إثبات أرش الموضحة تبعاً لأرش الهاشمة ينقدح فيه خلاف إن لم يكن بدّ من هذا التفريع وقد حكي عن القاضي أنه قال: لو شهد رجل وامرأتان على السرقة ثبت المال، وهل يثبت القطع لله تعالى وهو إلى السقوط أقرب، نعم، لو أقر العبد على نفسه بالسرقة ثبت القطع، وفي ثبوت المال ضمناً وتبعاً وجهان ثم مهما قضينا بالاكتفاء بشاهد وامرأتين، فنكتفي بشاهد ويمين إلا في عيوب النساء وما لا يطلع عليه الرجال غالباً، فإنا نكتفى فيه بالنسوة المتمحضات؛ لمسيس الحاجة، ولا نكتفي بشاهد ويمين\rالشرط الثاني: أن تكون الصيغة في الشهادة صريحة مجزومة، فما يتطرق إليه الاحتمال مردود وبيانه بصور:\rإحداها: أنه لا بدّ أن يقول: أشهد أنه قتله فلو قال: ضربه بالسيف، لم يقبل؛ لأن الضرب قد ينبو، ولو زاد وقال: وأنهر الدم، لا يقبل، فلو زاد وقال: ومات، لم يقبل أيضاً ما لم يقل: مات منه وللعراقيين وجه في الصورة الأخيرة وهذا يلتفت على أصل، وهو أنه إذا لم ير إلا الجرح والموت بعده، فهل يحل له أن يشهد على القتل فإن علم ذلك بالقرائن، فلا شك في جواز الشهادة، وإن لم يشاهد قرينة سوى ما حكيناه، فهذا يلتفت على جواز التعويل على مجرد اليد [بينة]، وهو أولى  بأن لا يكتفى بما ذكرناه؛ فإن معاينة القرائن الدالّة على القتل ممكنة، وأما الأملاك فلا مستند لها سوى اليد، ثم الظاهر أن مجرد اليد ما لم ينضم إليه تصرّف الملاك لا يفيد","part":1,"page":30},{"id":2058,"text":"الثانية: إذا قال: أوضحه فلان لم تثبت به الموضحة ما لم يصرح بإيضاح (العظم)  [ووضوحه ووقوع الجراحة على الرامي فليس الإيضاح صريحاً في إيضاح العظم]  ولو كان الشاهد فقيهاً يعلم أنه لا يطلق الموضحة إلا للغرض المطلوب، يحتمل أن يقال: يكتفي القاضي به إذا فهم من قرينة حاله، ويحتمل أن يقال: لا بدّ من اللفظ الصريح، فلفظ  الشهادة ليس منفكًّا عن تعبد \rفرع: لو شهد بموضحة على رأسه، وعجز عن تعيين المحل إذ كان على رأسه شجّات، فإن كان المطلوب المال ثبت، فإنه لا يختلف باختلاف المحل، وإن كان المطلوب القصاص لم يثبت؛ لأن مراعاة المحل لا بدّ منه، وإذ  لم يثبت ففي ثبوت المال وجهان: اختار القاضي أنه لا يثبت؛ لأن موجبه الأصلي هو القصاص، وقد امتنع، فكان كما لو شهد رجل وامرأتان على موضحة عمد والثاني: وهو اختيار الشيخ أبي محمد، أنه يثبت؛ لأنه لا تعذر في نفس الشهادة، وإنما التعذر في الاستيفاء، فالمال يثبت \rالثالثة: إذا شهد رجلان أنه قدّه بنصفين وهو ملفوف في ثوب، فإن اتفقا على الحياة ثبت القتل ، وإن قال الجاني: كان ميتاً ولست بقاتل ، فالقول قول من فيه قولان من تقابل الأصلين؛ إذ الأصل عدم شغل الذمة كما أن الأصل عدم الموت، فإن قلنا: المصدَّق هو الجاني، فلا فائدة في الشهادة له، وإن قلنا: المصدَّق هو ولي المجني [فيحلف] ، على الحياة ويثبت القتل بالشهادة \rفإن قيل: ومن رأى ذلك، فهل له أن يشهد على القتل بناء على أن الأصل هو الحياة قلنا: فيه تردد، وأشار القاضي إلى أنه يشهد كما إذا رأى اليد يشهد على الملك، ويحتمل أن يقال: لا يشهد؛ فإن البحث عن حقيقة الحياة ممكن بخلاف الملك ","part":1,"page":31},{"id":2059,"text":"الرابعة: إذا شهد على أنه قتل بالسحر لم يقبل؛ لأن ذلك مما لا يشاهد وجه تأثيره، فالقتل بالسحر يثبت بإقرار الساحر إما عمداً، إذا قال: سحري يقتل غالباً، فيوجب القود، وإما خطأً بأن قال: أخطأت في الاسم، وإما شبه عمد بأن قال: قصدت الإصلاح \rفإن قيل: وهل يتصور قتل الغير بالرقى والسحر قلنا: ورد به القرآن؛ قال الله تعالى:\r      ••    وقال عليه السلام: ((السحر حق))  وسحر رسول الله عليه وسلم في مشط تحت راعوفة في بئر ذروان ، ودل عليه سورة الفلق \rفإن قيل: فما قولكم في تعلمه قلنا: قيل: إنه يكره، ولعل الأصح إذا قصد بمعرفته دفع ضرار عن نفسه أو تمييز المعجزات عنه، فلا يكره وحكي  عن أبي جعفر الترمذي  أنه قال: لا يتعلق بالسحر شيء، وإنما هو تخييل لا أصل له  وهو على خلاف نص الشافعي، فإنه أوجب القصاص فيه \rفإن قيل: فقد روى أنه عليه السلام قال: ((العَيْنُ حقٌّ، تُدْخِلُ الجملَ القِدْرَ، والرَّجُلَ القبرَ))  فهلا كان ذلك سبب ضمان إن لم  يكن سبب قصاص قلنا: لا يظهر حصول الهلاك به، وقد ذكرنا أنه لو صاح على عاقل فمات، فلا نحيل الموت على الصياح؛ بل يحمل  على موافقة القدر ","part":1,"page":32},{"id":2060,"text":"ثم قال الشافعي: لو قال الساحر: أمرضه سحري، ولكن مات بسبب آخر، فلولي الدم القسامة، واعترافه بالمرض لوث وهذا يدل على أن الاعتراف إذا جرى بالجرح، وجرى النزاع في أن الموت حصل به أو بسبب آخر، أنه لوث، وقد قدمنا خلافاً في أن القول قول من وهذا النص يقتضي إثبات القسامة، وسبل الجمع أنا إن قلنا: الحال في ترتيب الخصومات يقتضي تصديق الجاني لو جرى ذلك في بهيمة، فإذا جرى في الدم اقتضى القسامة وإن قلنا: ثمّ المصدَّق هو مدّعي القتل، فههنا يصدّق، ويكتفى بيمين واحد إذا قلنا: تتحد عين أيمان القسامة، وإن قلنا: تتعدد فقد اجتمع سببان في حقه لليمين وقد خرّج أصحابنا قولاً أن هذا لا يثبت لوثاً، ولا يوجب القسامة؛ لأن اللوث بعد العلم بوقوع القتل، وهذا تنازع في أصل القتل، والمعنى ما حكيناه\rالشرط الثالث للشهادة: أن لا تتضمن جرًّا ولا دفعاً في حق الشاهد أما الجرّ فصورته: أن يشهد على الجراحة من يرث المجروح لو مات، فهو مردود؛ لأنه يريد أن يثبت ما هو سبب يورث ملكاً لو ترتب عليه الموت\rولو شهد للمريض باستحقاق عين أو دم، وترتب المرض على ذلك الموت، فوجهان: أحدهما: المنع كما في الجرح والثاني: الجواز؛ لأن كونه مرض الموت غير معلوم، وهو ليس يشهد على سبب الاستحقاق؛ بخلاف الجرح، فإنه سبب  الاستحقاق بواسطة الأداء إلى الموت","part":1,"page":33},{"id":2061,"text":"فرع: إذا شهدا وهما محجوبان حالة الشهادة ثم مات الحاجب، فطريقان: قال الفوراني: في المسألة قولان: أحدهما: أن النظر إلى حالة الشهادة والآخر: النظر إلى حالة الموت وعلى هذا لا فرق بين أن يموت الحاجب قبل القضاء بالشهادة أو بعده، ونزل ذلك منزلة الإقرار لمن مات حاجبه ومن الأصحاب من قال: وهو الأصح، إن النظر إلى حالة الشهادة، فإن طرأ ذلك بعد القضاء فلا ينتقض، وإن طرأ قبل القضاء امتنع به القضاء، كما لو طرأ الفسق؛ بخلاف ما لو طرأ الجنون والعتق، فإن ذلك لا يجرّ  تهمةً إلى ما سبق وطريان موت الحاجب لا يبعد أن يكون متوقعاً \rولو شهدا وهما وارثان، ثم حجبا، فطريقة الفوراني في طرد القولين واضح، والصحيح الطريقة الأخرى، وهو الإفساد؛ نظراً إلى تمكن التهمة في الحال ثم إذا رددنا، فلو عاد بعد الحجب لا يقبل؛ لأنه ردّ مرة، فلا يقبل معاداً كالفاسق إذا أعاد بعد التوبة وطرد القولين في هذه الصورة أبعد؛ لأن الشهادة إذا تمكنت التهمة منها  فالتوقف فيها إلى المستقبل بعيد \rوعلى هذا لو شهدا، فاستقل المجروح واندمل، فقد خرج الجرح عن كونه مورثاً، ففي هذه الصورة تردد هو أشهر من طرد القولين في الصورة السابقة، والمصير إليه يوجب التزام ذلك، والقياس النظر إلى الحال \rفأما الشهادة الدافعة فصورتها: أن تشهد عاقلة المدعى عليه على فسق بينة القتل، فهو مردود؛ لأنهم يدفعون عن أنفسهم به ","part":1,"page":34},{"id":2062,"text":"ولو شهد اثنان من فقراء  عاقلة المشهود عليه، فقد نص الشافعي أنه لا يقبل  ونص أنه لو شهد اثنان من أباعد عاقلته مع وجود الأقارب الذين يستوعبون يقبل  فقال الأصحاب: في المسألتين قولان بالنقل والتخريج: أحدهما: القبول، فإنه ليس يتوجه عليهم في الحال شيء والثاني: أنه يرد؛ لأنهم ربما يحدث لهم الغنى في آخر السنة أو يموت الأقارب، والنظر إلى المآل ومن الأصحاب من أقر النصوص، وقال: طريان الغنى ليس بعيداً، فالمال غادٍ ورائح، والأمل  في ظهوره صادق، فيورث تهمة وأما تقدير الموت فبعيد لا يورث تهمة \rالشرط الرابع: أن تسلم الشهادة من  التكاذب وبيانه بصور:\rإحداها : هو أنه لو شهد رجلان على رجلين بالقتل في شخص معيّن، فشهد المشهود عليهما على الشاهدين بأنهما القاتلان، فهذا يفرض قبل الدعوى وبعده، ونحن نقدم عليه أن شهادة الحسبة من غير دعوى في القصاص هل تقبل الذي ذهب إليه المحققون، [أن]  ذلك مردود [دون الدعوى] ، وإنما الحسبة في حقوق الله؛ إذ لا مدعي لها، ومنهم من قال: تقبل، ويحمل ذلك على تنبيه صاحب الحق وتعريفه وعصمته عن الضياع ومنهم من فرق بين أن يعرفه المستحق وبين أن يجهل، فقال: إن عرف فهي مردودة  قطعاً، والصحيح الرد بكل حال، ويقرب الخلاف من جواز استرداد المغصوب من الغاصب دون إذن المالك ليحفظ له ","part":1,"page":35},{"id":2063,"text":"التفريع: إن قلنا: تقبل شهادة الحسبة، فلو ابتدر أربعة معاً إلى مجلس قاضٍ، فشهد اثنان منهم على الباقيين بالقتل، فشهد الباقيان على الأولين بالقتل، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: الرد، وإن قلنا بشهادة الحسبة؛ لأنها متكاذبة متعارضة، ليس البعض أولى من البعض والثاني: أنا نراجع صاحب الحق، فإن صدّق الأولين ردّ الآخرين، وإن صدق الآخرين حكم به ورد الأولين، فإن شهادة الحسبة مقبولة على رجاء تصديق المستحق، وتكذيب المستحق يبطل لا محالة والثالث: أن الأولى صحيحة، وشهادة الآخرين غير مقبولة لعلتين: إحداهما: محاولتهما الدفع عن أنفسهما لقصاص توجّه عليهما والأخرى: أنهما صارا عدوّين للأولين بالشهادة السابقة والتعليل الأول أولى؛ فإن العداوة لا تثبت بهذا القدر على ما سيأتي في الشهادات\rوإن فرّعنا على ردّ شهادة الحسبة، فلو جاء المدعي وادعى، لا يكتفى بما سبق وهل يقبل لو أعادا شهادتهما فوجهان: أحدهما: الرد كشهادة الفاسق إذا ردت ثم أعاد بعد العدالة، فإن له أهلية الشهادة على الجملة وقد اتصل الرد بها والثاني: أنها تقبل، وهو الأظهر؛ إذ ليس في الامتناع عن القبول فيه غضاضة عليهما؛ إذ يقال: لهما أهلية الشهادة، ولكن لا بدّ من الصبر إلى طلب المستحق؛ ولأنه (طرق) تهمة إلى الإعادة؛ بخلاف الفسق\rفإن قلنا: تقبل المعادة فلا كلام، وإن قلنا: لا تقبل،  فلو تاب عن المبادرة إلى الشهادة، وجرى استبراء يليق به، وهو دون استبراء الفاسق لا محالة، فهل تقبل إذا أعاد فيه وجهان: أحدهما: أنه لا تقبل أبداً، وكأن الحكم اتصل بردها، فأشبه شهادة الفاسق والثاني: أنها تقبل، وإنما ردت [قبل] لظهور تشوّفه إلى ترويج شهادته المقامة في غير وقتها، والآن، فإذ تنبّه لذلك وتاب، تقبل وهذا بناء ضعيف على ضعيف","part":1,"page":36},{"id":2064,"text":"رجعنا إلى مسألتنا؛ فإذا ادعى على رجلين، وأقام عليهما شاهدين، فشهد المشهود عليهما على الشاهدين، راجعناه، فإن كذبهما واستمرّ على الدعوى الأولى  ثبت القصاص بشهادة الأولين على الآخرين، ولا يقدح فيه شهادة الآخرين، وإن صدق الآخرين، فقد بطلت دعواه الأولى بالثانية، والثانية بالأولى؛ لتناقضهما، وبطل به حقه، فلا معنى للنظر في الشهادة \rفأما إذا فرض الدعوى من وكيل لا يؤاخذ بالإقرار المتلقى من ضمن كلامه، فإن استقرّ على الدعوى الأولى، فالحكم ما سبق، وإن صدق الآخرين وعاد يدعي على الأولين، فلا ترد دعواه على الأولين ، وأما شهادة الآخرين وهو (حجته)  يبقى النظر فيه بيننا على أن شهادة المبادر قبل الدعوى هل تسمع وإن  جاء سمعنا، فإذا وقع في صورة الدفع كما ذكرنا في تساوق أربعة إلى مجلس الحكم، هل تسمع فإن قلنا: تسمع، ترتب القضاء عليه لا محالة وإن قلنا: شهادة الدفع مردودة فقد (بطلت)  شهادتهما؛ لأنهما دافعان، فإن  قلنا: لا تبطل بعلة الدفع، ولكن  تبطل بعلة البداية، فلو استعاد شهادتهما، قبله من ذلك على ما سبق من إعادة الشهادة المردودة في الحسبة \rالصورة الثانية: إذا شهد رجلان على رجلين بأنهما قتلا شخصاً معيّناً، فشهد المشهود عليهما على أجنبي آخر بأنه القاتل، لا على الشاهدين، فإن سبق الدعوى عاد النظر إلى شهادة الحسبة، وإن سبق الدعوى من المستحق، وأصرّ على الأول ترتب عليه الحكم فإن عاد فصدّق  الثاني، تناقض قوله، وبطل بالجملة حقه، وإن جرى من وكيل لا يؤاخذ بالتناقض، فإذا صدق (الآخرين)  فيتصدى النظر إلى أنهما دافعان ومبتديان، ولا يخفى التفريع والاستعادة في بعض الصور ","part":1,"page":37},{"id":2065,"text":"الصورة الثالثة: [إذا]  شهد رجلان على رجلين، فشهد أجنبيان على الشاهدين، فجميع التفاصيل (راجعة)  إلى أن الشاهد ههنا ليس دافعاً، فليس [ينشأ]  من هذه الجهة رد، وقد صور الشافعي شهادة المشهود عليهما، ثم قال: يراجع صاحب الحق في التصديق والتكذيب  فمنهم من قال: هذا يدل على قبوله شهادة الحسبة، ومنهم من قال: [لابد من]  مراجعته لتوقع إبطال دخوله بالتناقض \rالصورة الرابعة: لو شهد الشهود على القتل، فشهد أحد الورثة بالعفو، سقط القصاص، وإن كان الشاهد واحداً، لا بشهادته؛ بل بإقرار المستحق بالسقوط حتى يسقط ولو كان فاسقاً، وأحد الورثة إذا حكى عن غيره العفو سقط [القصاص] ؛ لأنه إقرار بالسقوط، فينفذ في حقه، ثم لا سبيل إلى التجزئة، فيسري لا محالة \rالصورة الخامسة: إذا شهد أحدهما على أنه قتله غدوةً، وقال الآخر: عشية، أو قال أحدهما: قتله بالسيف، وقال الآخر: بآلة أخرى، أو اختلفا في المكان، فالشهادتان متكاذبتان، ولم يتفقا على شيء واحد، فتردّ \rولو  شهد أحدهما على إقراره بالقتل المطلق، وآخر على الإقرار بالقتل العمد، قال الشافعي رحمه الله: ثبت أصل القتل؛ فإن الإقرار لم يتفق فيه، ويبقى القول  قول المدعى عليه في أنه ما قتله عمداً؛ إلا أن يكون في محل اللوث، فيحلف المدعي على إثبات صفة العمدية \rفأما إذا شهد أحد الشاهدين على وفق دعواه في أنه قتله عمداً، وقال الآخر: قتله خطأً، فوجهان، وهما جوابان للقفال: أحدهما: التكاذب كالاختلاف في الآلتين والمكانين والثاني: إثبات أصل القتل؛ لأن من شهد على الخطأ كأنه ساكت عن العمد أو نافٍ له من حيث أنه لم يعلم العمد [والثاني رآه فقد اتفقا على إثبات أصل القتل] ، فاختصّ أحدهما بإدراك صفة تخفى  على الآخر؛ بخلاف اختلاف الآلتين، فإن ذلك لا يتفق في فعلة واحدة ","part":1,"page":38},{"id":2066,"text":"ولو شهد شاهد على القتل، والآخر على الإقرار بالقتل، فلا يثبت أصل القتل؛ لأنهما لم يتفقا على شيء واحد، ولا تكاذب أيضاً بينهما، (فيجعل) ذلك لوثاً وقال المزني بعد ذكر اختلاف الشاهد في الآلة والمكان والزمان: إن ذلك لوث فاتفق المراوزة على تغليطه؛ لأنهما متكاذبان، فيتساقطان، ولا يبقى له ظهور ونقل العراقيون نص الشافعي، وطردوا قولين، ووجه كونه  لوثاً أنه لا يبعد أن تقع واقعة لا يتمارى الشاهدان في أصل وقوعها، ويتماريان في الوقت والمكان والكيفية والآلة\rولو شهد رجلان على أنه قتله زيد أو عمرو، فلا يثبت بهذا شيء، ولكن العراقيين قالوا: هو لوث شامل شخصين، وليس يشترط في حق القاضي إلا شمول اللوث كما سبق، ثم للمدعي أن يحلف على أحدهما، ولا ينبغي أن يستحل التعيين بينه وبين الله إلا على ترتيب زائد على ترتيب الشهادة، فإنها لاتدل على تعيين وفيما ذكروه احتمال؛ لأن هذا إشكال شامل لا لوث شامل ووزانه أن يعلم القاضي أن أحدهما عدو القتيل لا بعينه، وليس يثبت اللوث به، ولا بعد في أن يرتكب العراقيون إيهام العداوة أيضاً والله أعلم\r\rكتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات\rالجنايات الموجبة للحدود والعقوبات لله سبعٌ: البغي، والردة، والزنا، والقذف، والشرب، والسرقة، وقطع الطريق وكل ذلك يطلق القول بتسميته حدًّا؛ إلا القتل الواجب بالبغي والردة، فإنه لا يقصد به زجر عما سبق وعقوبة على ما تقدم، وإنما يقصد به الإرهاق إلى الطاعة والإسلام وقد رأينا أن نُسْلِك الكلّ في قَرَنٍ بعد التنبيه على هذه الدقيقة\rالجناية الأولى: البغي\r\rوالنظر في صفة أهل البغي، وأحكامهم، وقتالهم؛ فهذه ثلاثة أطراف\rالطرف الأول: في صفاتهم:","part":1,"page":39},{"id":2067,"text":"والمعتبر فيهم ثلاثة شرائط: الشوكة ، والتأويل، ونصب إمام فيما بينهم  وحكم أهل البغي إذا استجمعوا هذه الشرائط، واستولوا على قطر نفوذ قضيه قضاتهم بها إلى غير ذلك من الأحكام، وتجويز القتال معهم للإمام؛ إلا أن القتال يستقل بمجرد الشوكة والبغي، ولا يفتقر إلى الشرط الآخر، ونفوذ الأقضية يفتقر إلى سائر الشرائط \rالشرط الأول: الشوكة:\rوبيانه: أن يجتمع قوم ذوو نجدة، يتوقع منهم  الوقوف في مقابلة الإمام، ثم لا يعتبر موازاة جند الإمام في العدد؛ فإن الانهزام والظفر في التقاء الفئتين لا يجري على قياس العدد، وكم من فئة قليلة غالبة نعم، لا تستتبّ شوكتهم ما لم يكن فيما بينهم واحد مطاع  الرأي، وإن لم يكن منصوباً للإمامة، ولا موصوفاً بصفاتها، فالشوكة حاصلة دون صفات الإمامة ، ويتشعب عن هذه الشريطة النظر في صورتين:\rإحداهما: أن العراقيين شرطوا أن لا يكونوا في قطر هو على طرف من ولاية الإمام، فلو كان جند الإمام محيطاً بهم من الجوانب، قالوا: إنهم ليسوا باغين ولا مأخذ له إلا تلقي ضعف الشوكة منه فلو كثروا بحيث يقاومون، فإن كانوا مُحْتَوَشِين بالجنود، فيجب القطع بأنهم بغاة ","part":1,"page":40},{"id":2068,"text":"الثانية: لو بغت شرذمة لا ترجى مقاومتها للإمام: ولكن تحصّنوا بحصن [حصين]  عسر استنزالهم عنه ، ففيه وجهان: منهم من لم يقم لذلك وزناً؛ لقلة عددهم، ومنهم من قال: لا فرق بين تحصّنهم بكثرتهم وبين تحصنهم بقلاعهم  وهذا يستدعي تفصيلاً بأن القتال معهم جائز، وإنما النظر في تنفيذ أقضيتهم، وذلك يتبين على الحاجة وعظم تعطيل الشرع في قطر مع كثرة الخلق، فإذا قلوا فلا وزن لتعطيل أحكامهم، وإنما المحذور تعطل أحكام الرعايا فيما بينهم إذا كثروا، ثم يسترسل الأمر على جميعهم، فنقول: لو كان الخصم على فوهة الطريق متصلاً ببلدة كبيرة هم في حوزتهم، ثبت نفوذ القضاء، وإن وقع ببلد [مبتوتة]  من البلاد، وهم في شرذمة، فهذا في محل التردد، والظاهر أنه لا ينفذ القضاء \rالشرط الثاني: أن يكون بغيهم جاء من تأويل:\rوإن كان (جحداً)  محضاً مع العلم بالإبطال، فلا يثبت لهم أحكام البغاة ","part":1,"page":41},{"id":2069,"text":"بيانه: أن كل من منع حقًّا من الإمام، فله أن يقهره، فإن استظهر بشوكة، فله قتاله، ثم لا (يثبت) نفوذ قضائهم عند انتفاء التأويل كما إذا امتنع جمع عليهم الحدود والديون أو القصاص، ودفعوا الإمام عن أنفسهم، وكذلك إذا استظهروا شوكة في منع الزكاة، فلا تأويل لهؤلاء، ويحل قتالهم ويدل على جواز القتال قوله تعالى: فإذا كان يحل مقاتلة من بغى على طائفة غير الإمام، فمقاتلة الباغي على الإسلام أولى ويدل عليه أيضاً قتال علي مع معاوية ـ (رضي الله عنهما) ـ، وكذلك قتال أبي بكر -رضي الله عنه-[ظ] مانعي الزكاة، وقال عمر رضي الله عنه: ((أتقاتل، وقد قال عليه السلام: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) الحديث فقال أبو بكر رضي الله عنه: ((وقد قال: إلا بحقها، والزكاة من حقها، والله لا أفرق بين ما جمع الله، قال تعالى: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، والله لو منعوني عقالاً ـ وروي: عناقاً ـ مما أدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه)) وقد قالت عائشة رضي الله عنها: ((مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتدت العرب، واشرأبّ النفاق، ونزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها)) وأرادت ارتدادها عن أداء الزكاة، لا عن الدين، فإنهم ما كفروا، وقال بعض من وقع في الأسر منهم: والله ما كفرنا بعد إيمان، ولكن شححنا على أموالنا وكان بعضهم يقول: أدينا الزكاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن صلاته كانت سكناً، وليست صلاة غيره بالسكن لنا","part":1,"page":42},{"id":2070,"text":"وليس هذا من التأويلات، ولكنه من الهذيان، فلا  ارتباط للزكاة بالسكن، والغرض من كل ذلك أن التأويل غير مشروط في القتال؛ بل منع الحق والاستكبار في الدفع بالشوكة كافٍ فيه، وإنما التأويل مشروط لتمهيد عذرهم في تنفيذ أقضيتهم \rواختلف الأصحاب في أنه هل يشترط أن يكون التأويل مظنوناً فمنهم من شرط ذلك، وقال: بطلان تأويل معاوية مظنون وليس بمقطوع، ومنهم من لم يشرط ذلك، وقال: يكفي أصل التأويل، ولا يبعد أن يتلبس المقطوع به على قوم منهم، وكان معاوية مبطلاً على القطع، ولكنه لم يعرف ذلك \rأما المرتدون إذا اجتمعوا فيقاتَلون، فليس لهم حكم أهل البغي، وليس شبهتهم في أصل الدين تأويلاً معتدًّا به، لا مظنون البطلان، ولا مقطوع البطلان، حتى يتردد فيه في تنفيذ الأقضية؛ بل لا يتصور تنفيذ أقضية الكفار ، وفي سقوط الضمان عنهم إذا أتلفوا في القتال كلام سنذكره \rوأما الخوارج إذا تجمعوا، ففيهم على رأي الامتناع عن تكفيرهم وجهان: منهم من ألحقهم بأهل الردة، ولم يكترث بتأويل مع ظهور فساد اعتقادهم، ومنهم من أثبت لهم حكم أهل البغي \rالشرط الثالث: نصب الإمام فيما بينهم: وقد زيّف العراقيون هذا الشرط، فتحصلنا على خلاف، ومن يشترط ذلك يعلل بأن نفوذ القضاء لا يعقل  إلا من قاض، ولا ينتصب القضاة بالبيعة؛ إنما الإمام منتصب بالبيعة، والقضاء يصدر عن رأيه، فلا بدّ منه لتصور القضاء ومن لا يشترط ذلك (يقول) : ربما لا يصادفون فيما بينهم من هو على شرط الإمام، فيؤدي إلى تعطيل الأحكام، ونحن قد ننفذ أحكام القضاة إذا شغر الدهر عن مستجمع لشرائط الإمامة حذاراً من تعطيل الأحكام فعلى هذا الوجه تنزل أقضيتهم عند هذا القائل \rالطرف الثاني: في أحكام البغاة:","part":1,"page":43},{"id":2071,"text":"والنظر في الشهادة والقضاء والغرم أما شهادتهم فمقبولة، فإنهم أسندوا فعلهم إلى تأويلهم وأما قضاؤهم فنافذ، وما استوفاه قاضيهم وصرفه إلى مصرفه وقع الموقع، سواء كان من حق آدمي كالدَّيْن والقصاص، أو من حق الله كالحدود والزكوات والخراج والجزية نعم، لو صرفوا السهم المرصد لمرتزقة الإسلام إلى جندهم، ففيه اختلاف مشهور، منهم من قال: يقع؛ فإنهم جند الإسلام لو نبغ نابغة من السلطان ومنهم من منع وزعم أنه إعانة وإمداد على البغي هذا في قضاء نفّذوه\rوأما إذا كتبوا الكتاب إلى قاضينا، إن كان بعد إبرام الحكم لم ينقض، وإن سمع البينة والتمس أن يحكم به فقولان: أحدهما: أنه يسلك به مسلك قضاة أهل العدل، فهو القياس؛ لأن في الامتناع منه ما يؤدي إلى إبطال حقوق الرعايا ممن هو في بلادنا والثاني: المنع؛ لأن ذلك نسج على منوالهم، وإعانة لهم على فعلهم، فذهب بعض أصحابنا إلى طرد القولين فيما أبرموه، واستعانوا بقاضينا [في] الاستيفاء، والقياس هو الإمضاء في الكل هذا فيمن لهم الشوكة والتأويل\rفإن عدمت الشوكة فلا يثبت لهم حكم؛ لأن بغيهم يرجع إلى محاورات في خلوات، وإن ظهرت الشوكة دون التأويل، أطلق الفقهاء القول بامتناع قضائهم، وينبغي أن يخرّج ذلك على ما إذا شغر الزمان عن الإمام، وقد تنفذ الأقضية عندها ومهما ظهرت الشوكة وانقطع سلطانه، فلا وجه لتعطيل أحكام الرعايا، فيؤخذ ذلك من المأخذ الكلي الذي أشرنا إليه","part":1,"page":44},{"id":2072,"text":"(وأما) الغرم: فما أتلفوه من مال أهل العدل في غير القتال فمضمون، وكذلك أهل العدل إذا أتلفوا مالهم في غير القتال فمضمون، وما يجري في القتال فلا ضمان على أهل العدل وفي وجوبه على الباغي قولان: أحدهما: أنه يجب، وهو القياس الجزئي؛ لأنه مبطل، وحاصل ما يدلي به ظن، والظن لا يدرأ الضمان والثاني: وهو الأظهر، وهو مذهب أبي حنيفة، أنه لا يجب الضمان لأمر كلي إيالي، وهو: أنا أقمنا لهذه الفئة وزناً حتى نفذنا حكمهم تيسيراً للأمر عليهم، فينبغي أن نيسر أيضاً طريق الدعوة، والدعوة مرة بالرفق والأخرى بالعنف، ولو طولبوا بتبعات القتال لاستمروا على عصيانهم، وامتنعوا عن القتال، وبالقتال نردهم إلى الفئة والطاعة، وبمثل هذا أسقطنا العهدة عن أهل الحرب إذا قاتلوا ويشهد لهذا أن أصحاب معاوية ـ رضي الله عنه- كان يعرف منهم قاتلون لأقوام معينين، ولم يطالبوا وروى الشافعي لنصرة هذا القول عن ابن شهاب الزهري أنه قال: ((كانت في تلك (الفتنة) دماء يعرف [في] بعضها القاتل والمقتول، وأتلفت فيها أموال، ثم سكنت الحرب، وجرى الحكم على الممتنعين، فما علمته اقتُصَّ من أحد، ولا غرم أحد ما أتلفه))\rالتفريع: إن نفينا الضمان، فالقود ساقط وفي الكفارة وجهان، ومسلك الإسقاط إهدار وقطع التبعات بها عن أهل الحرب\rوإن أوجبنا الضمان ففي القصاص وجهان؛ لما فيه من شبهة التأويل فإن أوجبنا القصاص ضربنا الدية على الجاني، وإلا فهي على العاقلة أو على الجاني ينزل ذلك منزلة ما لو قتل إنساناً على ظن أنه كافر، وكان قد أسلم، وقد سبق في أول الديات هذا كله مع القطع بأن ما يجري في القتال لا بأسباب القتال أو يجري في غير القتال، فهو مضمون، وكذلك أعيان الأموال مستردة إذا بقيت هذا فيه إذا اجتمعت الشوكة والتأويل","part":1,"page":45},{"id":2073,"text":"فإن فرض التأويل دون الشوكة فالضمان واجب قطعاً، فإن السقوط من نتائج حاجة القتال  قال الشافعي: قتل ابن ملجم  عليًّا رضي الله عنه متأولاً فأقيد به  وكان من تأويله أن امرأة زعمت أن عليًّا رضي الله عنه قتل أقاربها، فوكّلته باستيفاء  القصاص  ومذهب أهل المدينة إثبات الاستيفاء لآحاد الورثة \rفأما الشوكة دون التأويل فطريقان: منهم من قطع بوجوب الضمان، ومنهم من أجرى القولين، وهو ظاهر؛ لأنه من نتائج القتال \rوأجرى الشافعي رحمه الله ترديد القول في المرتدين إذا أتلفوا مع سقوط تأويلهم ، فمنهم من قال: المرتد أولى بسقوط الضمان عنه (لمشابهته)  لأهل الحرب وهو فاسد؛ إذ لو استقام هذا لكان لإسقاط الضمان عن (المرتد)  إذا أتلف بعد الردة وجه \rوأما نصبهم الإمام فليس يشترط على الرأي الظاهر  ومما نذكر (من)  أحكامهم أن التوارث غير منقطع بينهم وبين أهل العدل، ومن صودف في المعترك منهم قتيلاً، فليس بشهيد، فيغسل ويصلى عليه  وقال أبو حنيفة: لا يغسل، ولا يصلى عليه إهانةً لهم ، والعادل إذا قتل في المعترك فقولان ذكرناهما في الجنائز \rالطرف الثالث: في كيفية القتال:\rوإنما يجوز ذلك على تدريج بعد تقديم النذير والاستمالة بالرفق والإنذار بالقتال إن أصروا، وهو قريب من دفع الصائل؛ يدل  عليه قوله تعالى:        يعني: طلبت مزيداً بعد وضوح الحق، فَقَاتِلوا  وليس المعنيّ بالتدريج أن لا يسير إليهم الإمام؛ بل يسير إليهم، فإنهم مستولون على قطر يدفعون عنه، فإن انكشفوا عن ذلك القطر، وهم مجتمعون يتبعهم؛ لأن الطاعة حق عليهم، ومنعهم كان نازل منزلة  منع الحق، فله دفعهم ","part":1,"page":46},{"id":2074,"text":"وإذا  اصطف في مقابلتهم (لا)  يمنع الإمام من مفاتحتهم بالسيف، فإنه لو وقف ربما تهجموا  عليه، وإنما المعنيّ بما ذكرناه أن يقدم إليهم النذير، ثم لا يقتل أسيرهم ، ولا يذفف على جريحهم، ولا يتبع مدبرهم \rوخالف أبو حنيفة فيه ، وهو باطل؛ فإنهم لم يرتكبوا موجب حدٍّ، وإنما المقصود إبطال منعتهم، ودفعهم عن قصدهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود: ((يا ابن أم عبد، أتدري ما حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة فقال: الله ورسوله أعلم، فقال: أن لا يتبع مدبرهم، ولا يذفف على (جريحهم) ))  [ودخل مروان  على الحسين  بن علي ـ رضي الله عنه ـ وقال: ما رأيت أكرم من أبيك، ما ولينا ظهورنا يوم الجمل إلا نادى مناديه: ألا لا يتبع مدبرهم، ولا يذفّف على جريحهم))]  \rوعلى الجملة، من أمكن أسره لا  يقتل، ومن أمكن إثخانه،  فلا يذفّف، وإذا التحم القتال، فينسلّ الأمر من الضبط لا محالة، ويفرض ذلك في التحام القتال بين الصائل والمصول عليه، فكيف بين الفئتين \rوقولنا: لا يتبع مدبرهم، فيه تفصيل: فنعني به إذا انفلّ  آحادهم انفلالاً لا تحذر بعد ذلك منعته ، فلو كان متردداً في القتال، فيتبع (للأسر)  \rولو ولّى جملة القوم ظهورهم أتبِعُوا وطلبوا إلى أن يتبدد جمعهم، وتسقط شوكتهم بحيث لا ينتظم، أو يفيئوا إلى أمر الله ولو ولّوا متحيزين إلى فئة قريبة منهم اتبعناهم، فإن القتال قائم بعد \rولو وجدت الفئة وقد سقطت شوكتهم في الحال فوجهان ذكرهما العراقيون، وكذا الوجهان إذا تفرقوا مفلولين، وكان يحذر لهم شوكة بعد مضي زمان ","part":1,"page":47},{"id":2075,"text":"فإن قيل: نقل عن علي رضي الله عنه أنه قتل أهل النهروان عن آخرهم قلنا: كانوا خوارج نابذوه، وتوثبوا على واليه، وقتلوه ، فبعث إليهم أن سلّموا قاتله، فقالوا: كلنا قتله، فبعث إليهم أن استسلموا يحكم عليكم فأبوا، فسار إليهم بنفسه، وقتل أكثرهم، ولم يفلت منهم أكثر من اثنين، وبلغ القتل أربعة آلاف، وصدق الله وعده في قتل ذي الثُّدَيَّة ؛ إذ أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ((سيخرج من ضئضئ هذا الرجل أقوام  ))  الحديث\rوقال: ((آيتهم أن فيهم رجلاً ذا ثدية عليها شعيرات تدردر ))   ففتش علي رضي الله عنه عن القتلى، فوجده، فكبر الله، وكبر المسلمون \rوقد قيل: لو قتل الوالي على قصد مخالفة الإمام، فقتله حدٌّ، والظاهر أنه قصاص  واستتمام النظر في كيفية القتل برسم مسائل:\rالمسألة الأولى: الأسير لا يقتل، ومتى يجب إطلاقه ننظر، فإن فاءوا إذا انكسرت شوكتهم بحيث لا تلتئم، أطلقناهم وإن كانت  الحرب قائمةً  و  المنعةُ دائمةً، فلا تخلية؛ فإنه يلتحق بهم \r(وإن)  ظفرنا بنسوانهم فلا نتعرض لهن بالأسر؛ بل نخلي سبيلهن وقال أبو إسحاق المروزي: نحبسهن، ففي ذلك كسر قلوبهم  \rفأما إذ سكن القتال في الحال، ولكنهم متحيزون إلى فئة في صورة ذكرنا الوجهين في اتباعهم، ففي إطلاق الأسرى أيضاً وجهان \rوأسلحتهم وعبيدهم وخيلهم لا يحلّ استعمالها في القتال؛ خلافاً لأبي حنيفة ، وإنما ترد إليهم إذا جاز إطلاق أسيرهم، فإنها مدد لهم كالأسرى \rوالصبي المراهق كالعبد، والذي لم يبلغ القتال كالنسوان \rالمسألة الثانية: لاينبغي أن ينصب عليهم المنجنيق ، ولا توقد  عليهم النيران، وترسل عليهم السيول الجارفة، وكذلك كل سبب يَصْطَلِم  ولا يبقي ولا يذر؛ إلا إذا صار بحيث يُصْطَلَم لو لم يفعل ذلك، ففعله  على حدّ الدفع، وذلك جائز للمصول عليه ","part":1,"page":48},{"id":2076,"text":"والاصطلام في حق الكفار بهذه الطرق جائز؛ إذ لا إبقاء عليهم، والأمر في حق المصول عليه مقيد بالحاجة، وهو ممنوع بالابتداء، (ولا)  يمتنع الابتداء بالسير (إلى)  أهل البغي، ولا بالسيف عند الاصطفاف، ولكن كل ذلك مع بقاء اختيار في الإبقاء عند انكسار الشوكة \rفأما هذه الأسباب فلا جواز (لمقاتلتهم)  بها، فإن  تحصنوا ببلدة مستورة، ولم يصل إليهم إلا بهذه الأسباب، فإن كان  فيها رعايا لا من المقاتلة، حرم نصب هذه الأسباب العامّة، وإن لم يكن فيها إلا المقاتلة، فهذا في محل النظر، ولعل الظاهر منعه، فإن تأخيرهم إلى أن يصادف جنداً يضيق [الأمر]  عليهم بالمحاصرة، وترك البلدة في يد طائفة من المسلمين مدة أهون من اصطلام طائفة \rفإن قيل: فكيف استحلّ علي -رضي الله عنه- أن قتل ليلة الهرير بنفسه ألفاً وخمسمائة  قلنا: قال الشافعي رحمه الله: كان معاوية -رضي الله عنه- جادًّا في القتال منتصفاً أو مستعلياً ، وعلم علي -رضي الله عنه- أنه لو داهن وحابى لاصطلم \rالمسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله: يكره لأهل العدل أن يتعمدوا قتل ذوي الأرحام ، والأمر على ما قال، فقد ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا حذيفة   عن قتل أبيه عتبة  ونهى أبابكر -رضي الله عنه- عن قتل أبيه)) ، وهما كفار وقال تعالى: ((أنا الرحمن، وهذه الرحم شققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتتُّه))، وهذه كراهية مؤكدة، ويجري ذلك في كل رحم وإن لم يكن مَحْرَماً ؛ بخلاف تغليظ الدية، فإن الظاهر أن ذلك يختص بالمَحْرَم ","part":1,"page":49},{"id":2077,"text":"المسألة الرابعة : لا يستعين الإمام بأهل الشرك عليهم           ، ويستعين بالمشركين على المشركين كما سيأتي في السير  قال الشافعي -رحمه الله-: ولا ينبغي أن يستعين بمن يرى قتلهم مدبرين  يعني من أصحاب أبي حنيفة، فإنه  إذا احتدم القتال استحلّ  على مذهبه قتل المدبر ، وهو محذور\rالمسألة الخامسة : إذا استعان البغاة علينا بأهل الحرب، وعقدوا لهم الأمان، فأمانهم باطل لا ينفذ علينا، وإنما  تنفذ أحكامهم إذا وافق الشرع، ولا أمان للكفار مع مباشرتهم القتال مع المسلمين، فيصنع بهم ما يصنع بأهل الحرب من قتل مدبرهم وأسيرهم واغتنام أموالهم \rوهل ينعقد الأمان في حق أهل البغي فوجهان، والصحيح أنه لا ينعقد؛ لأنه إنشاء على وجه الفساد وعلى هذا لا يجوز لهم اغتيالهم كما في كل أمان فاسد؛ بل يجب إلحاقهم بمأمنهم عليهم، ولا يجب ذلك علينا وقد قاتلونا  وحكي عن القاضي أنه قال: لا يتبع مدبرهم، ولا يقتل  أسيرهم؛ لأنهم التحقوا بأهل البغي، وانعقد لهم أمان فاسد يوجب إلحاقهم بمأمنهم في حق البغاة، وكذلك في حقنا  قال الإمام: وهذا زلل لا يعتدّ به \rنعم، لو قال أهل الحرب: ظننا أنهم المحقون، أو ظننا أنه يحل لنا مقاتلتكم، ففي هذا الموضع خلاف مشهور: منهم من قال: لا عبرة بظنونهم، فنقتلهم حيث نثقفهم، ومنهم من قال: نبلغهم المأمن، وهذا هو الظاهر \rالمسألة السادسة : لو استعانوا علينا بطائفة من أهل الذمة، ففي انتهاضهم لقتال الكفار مع العلم ما ينقض عهدهم والقول الوجيز فيما ينقض عهد أهل الذمة أنهم إن أبدوا صفحة الخلاف، وانسلّوا عن الانقياد، وقاتلوا المسلمين، فقد انتقض عهدهم، ولم تبق عُلقة ، حتى نقاتلهم، ونقتل مدبرهم، ونغنم مالهم ","part":1,"page":50},{"id":2078,"text":"ولو عجزوا في أثناء الأمد فبذلوا الجزية، فعلينا القبول، ولو لم يبذلوا الجزية، ولكن تركوا الإبداء، فالظاهر أنا نقتلهم كأهل الحرب، وفيه وجه [بعيد]  أنهم يلحقون بمأمنهم \rفإن ارتكبوا جرائم عظيمة كالزنا بالمسلمة، والقتل وغيره، ففي انتقاض عهدهم كلام، فإن نقضنا ففي وجوب إلحاقهم بمأمنهم قولان ولا خلاف في أن ذلك الحد مستوفى (منه)  على القولين جميعاً \rفإذا حكمنا بانتقاض عهدهم بسبب، فأبدوا فيه عذراً وجهلاً ممكناً، ففي بقاء عهدهم ووجوب تبليغهم مأمنهم قولان أيضاً \rفإذا تجدد العهد بهذه المقدمات، فأهل الذمة إن زعموا أنا مكرهين، فلا نتبع مدبرهم، ولا نقتل أسيرهم؛ إذ عهدهم باقٍ، فيسلك بهم مسلك أهل البغي \rفأما إذا كانوا مختارين، ولكن أبدوا عذراً، فقالوا: ظننا أنكم كفار أو ظننا أنهم الفئة المحقة، ففي انتقاض العهد قولان، فإن قلنا: ينتقض فلا كلام \rوإن قلنا: لا ينتقض بصورة القتال مع العذر، فلو كان الإمام شرط عليهم صريحاً أن لا يقاتلوه، فإذا قاتلوه عن جهل فوجهان في انتقاض عهدهم: فمنهم من اتبع صيغة الشرط، وقال: لا يبقى العهد مع المخالفة، ومنهم من جعل ذلك على التعمد \rولو قالوا: كنا نظن أنه يجب علينا نصرة الفئة الباغية إذا كانوا في قطر نحن ساكنوه، فهذا عذر، ولكنه أضعف، فالخلاف فيه مرتّب \rالتفريع: حيث قلنا: ينتقض عهدهم إذا قاتلوا من غير عذر، فهم كأهل الحرب يقتل مدبرهم، ولا ضمان عليهم فيما يتلفون؛ لأنهم  التحقوا بأهل الحرب، ونحن نغنم أموالهم \rوحيث قلنا: ينتقض عهدهم، ولكن لا بد من تبليغهم مأمنهم، فما أتلفوه مضمون عليهم قطعاً، ولا يلتحقون بأهل الحرب؛ إذ بقي في حقنا عهدة الأمان في إلحاقهم بمأمنهم، فكيف لا يبقى في حقهم عهدة الضمان ","part":1,"page":51},{"id":2079,"text":"وقد اختلف الأصحاب في أنه هل يقتل منهزمهم فمنهم من قال: لا يقتل كالباغي، ومنهم من قال: يقتل؛ لأن القتال كالجناية، وقد صدرت منهمن وقد بينا أن موجب الجنايات يستوفى منهم، ثم يلحق بالمأمن، وكأن هذا بقية موجب القتال \rوأما إذا فرعنا على أن عهدهم لا ينتقض  في بعض هذه الصور، فقد قطع الأصحاب بوجوب الضمان عليهم، وزعموا أن القولين في حق أهل البغي؛ لاستمالة قلوبهم، وترغيبهم في الطاعة، ولا جريان لهما  في أهل الذمة ثم حيث نوجب القصاص على الباغي فوجوبه على الذمي أولى، وحيث ندفع عنه ففي دفعه عن الذمي تردد من حيث الشبهة، وأما الضمان فلا يسقط بالشبهة \r\rالجناية الثانية: الردة \rوهي موجبة للقتل، والكلام في نفس الردة وحكمها\rالطرف الأول: في الردة:\rوهي عبارة عن قطع إسلام، فلا بد من القطع، ولا يكون قطعاً إلا بسبق الإسلام، فمن حكم له بإسلامه بنفسه، أو بأن ولد على إسلام أبويه أو أحدهما، فبلغ وأعرب عن نفسه بالكفر، فهو مرتدّ؛ إذ قطع إسلاماً ثابتاً، ولو ولد على الكفر فأسلم أحد أبويه  أو اللقيط إذا حكم بإسلامه تبعاً للدار، فإذا بلغ وأعرب عن نفسه بالكفر، فما يصدر منه ردة أو كفر أصلي فيه قولان ذكرناهما في اللقيط  هذا حكم سبق الإسلام ","part":1,"page":52},{"id":2080,"text":"وأما  القطع فهو كل ما يعدّ كفراً من قول أو فعل أما الفعل كعبادة الصنم، والسجود للشمس، وما يجري مجراه ، وقد ذهب بعض علماء الأصول إلى أن إلقاء المصحف في المواضع القذرة، وكل فعل هو صريح في الاستهزاء بالدين، فهو كفر  وقال الشافعي رحمه الله: ويقتل الساحر إن كان ما سحر به كفراً ، وقد قدمنا أن تعلم السحر غير محرم ، وما يذكره الشافعي أراد به الاستعمال، وقد يفضي به إلى عبادة الشمس أو إهانة الشرع، فالكفر  فيه، وليس السحر في عينه كفراً ما لم ينضم إليه شيء من هذا الجنس  وعن عمر رضي الله عنه أنه قتل الساحر والساحرة   وقتلت  حفصة-رضي الله عنها  - جارية لها سحرتها \rوأما ما يتعلق باللفظ فالكفر الصريح لا يخفى، ومنه الاستهزاء بالدين، والكلام فيه يتعلق بتكفير المتأولين، وليس ذلك من غرضنا الآن ثم لا نحكم بصحة الردة ما لم تصدر من مكلف، ولا مبالاة بردة الصبي والمجنون \rوأما السكران ففي تصرفاته قولان، ومنهم من قطع بصحة ردته بناءً على تنفيذ ما عليه دون ما له \rوعلى هذا لو أسلم في السكر لا يصح، فليُعِد الإسلام إذا أفاق، ولو قُتِلَ قبل الإفاقة فهو مهدر \rوإن قلنا: تصح ردته؛ لأنه كالصاحي، فيصح إسلامه، وهو [توبة]  على وفق الجناية، ولكنه إذا أفاق، وجددنا عليه التوبة، فلو بادره إنسان وقتله قبل التجديد، فالصحيح وجوب الضمان، ومن الأصحاب من ذكر خلافاً  في إهداره [مأخوذاً]  من قتل اللقيط إذا بلغ قبل أن يعرب عن نفسه بالإسلام، وكذا من حُكِم بإسلامه تبعاً لأحد أبويه ووجه الشبه أن هذا الإسلام أيضاً حكم به لا عن صدور  شيء عن قصد صحيح  وهذا فاسد، فإن الردة أيضاً لم تكن عن قصد؛ بل كان في السكر؛ إلا أن يخصص هذا الوجه بما إذا ارتد صاحياً، فأسلم بعد أن شرب وسكر، ولا معول عليه أيضاً مع الحكم بصحة الإسلام ","part":1,"page":53},{"id":2081,"text":"فروع: أحدها: إذا شهد اثنان على شخص بأنه ارتدّ، فقال المشهود عليه: كذبا، فلا ينفعه التكذيب  نعم، إذا جدد الإسلام سقط عنه القتل والردة، وقد تم الحكم بها في إبانة زوجته وغيرها  ولو قال: صدقوا، ولكني كنت مكرهاً، فإن ظهر مخايل الإكراه، فإن كان أسيراً بين الكفار، فالقول قوله، وإذا حلف انتفى حكم الردة، ولم يحكم بالبينونة، وإن لم يكن ذلك ظاهراً حكم بالردة \rوفي هذا مزيد نظر من حيث أن الشاهد لم يفصّل ما قاله، والناس مختلفون في التكفير، وسيأتي في الشهادات خلاف أن الشهادة على البيع المطلق هل تقبل [الظاهر]  بأنه تقبل، وفيه قول مخرّج، وطرد ذلك القول في الردة أولى مع ظهور الخلاف \rفأما إذا نقل الشاهد كلمة هي ردة، فقال المشهود عليه: صدق، ولكني كنت مكرهاً، فلا نحكم بالبينونة؛ لأنه لم يكذب الشهود، وأمكن التلفيق بين تصديقهم جميعاً هكذا قاله الشيخ أبو محمد ثم قال: الحزم أن يجدد الإسلام \rفلو قتله مبادراً قبل التجديد، ففي الضمان وجهان مأخوذان من تقابل الأصلين؛ إذ الأصل براءة الذمة وعدم الإكراه، وقد ثبت صيغة الردة، ويقابله أن الأصل بقاء الإسلام، والقاطع لفظ (بإجبار)، والأصل عدمه؛ إذ (الإجبار) لم يثبت وهذا إنما ينقدح إذا لم يحلف على الإكراه، وإن حلف، فقد ثبت أيضاً (الإجبار)  بقوله، فينبغي أن يقطع بالضمان \rالثاني: إذا خلّف المسلم ابنين، فقال أحدهما: مات أبي كافراً، وأنكر الآخر، فالمنكر تسلّم له حصته \rوأما المقرّ بكفره، ففي حصته قولان: أحدهما: أنه يصرف إلى الفيء مؤاخذة له بإقراره، فهو كما لو فصل كفراً مصرّحاً به، ولا خلاف في المؤاخذة عنده والثاني: أنه يصرف إليه؛ لأن الناس مختلفون في التكفير، فلم يصرّح بما يجعله كفراً، وامتناعه عن قبول الميراث لا يدفع الميراث، والكفر لا يثبت بمطلق القول ","part":1,"page":54},{"id":2082,"text":"وذكر صاحب التقريب هذين القولين على وجه آخر، (بخلاف)  ما ذكره الصيدلاني وغيره، وقال: أحد القولين أنه للفيء، والثاني أنه يوقف إلى أن يفصّل، فإن فصّل [بما نراه]  كفراً مصرّحاً به، صرف إلى الفيء، وإن فصّل بما لا يراه كفراً، صرف إليه، وإن لم يفصّل ترك موقوفاً أبداً وهذا أقيس من صرف المال إليه على خلاف قوله \rالثالث: قال صاحب التقريب: من أتى بكلمة الردة، وهو أسير مكره، حكمنا له باستمرار الإسلام، فإذا عاد إلى بلادنا أمرناه بالتجديد، فإن فعل فذاك، وإن أبى تبيّنّا أنه كان مرتدًّا، وامتناعه قرينة تدل على أن ما فعله  كان عن إرادة، لا عن سبب الإكراه  ومن فعل الشيء مريداً له، وإن جرى صورة الإكراه على وفق إرادته، فلا يبطل اختياره، وهكذا ذكره العراقيون \rقال الإمام: وفيه احتمال؛ لأن حكم الإسلام له مستمرّ، والمسلم لا يحكم بكفره بمجرد الامتناع عن تجديد الإسلام \rوقال العراقيون أيضاً: إذا ارتدّ الأسير، ثم رأيناه يصلي صلاة المسلمين مختاراً، حكمنا له بالإسلام؛ بخلاف الكافر الأصلي إذا صلى في دارنا صلاة الإسلام، وهذا فرق ذكروه لا وجه له \rالطرف الثاني: في حكم الردة:\rوحكم الردة يظهر في نفس المرتدّ، وولده، وماله، وعياله \rأما ما يظهر في نفسه فالإهدار في الحال، حتى لا يجب الضمان على المبادر إلى قتله وإن كان متعدّياً ، ومن حكمه وجوب قتله لو أصرّ ","part":1,"page":55},{"id":2083,"text":"ولو بادر وتاب، اندفع السيف عنه، سواء كان متديّناً في ردته بدين أو زنديقاً، فتوبة الزنديق عند الشافعي - رحمه الله - مقبولة، وإن كان يتدين بالاستسرار؛ لأن تنبهه للحق ممكن، وباب الهداية غير محسوم على الزنديق، كما أن باب الزندقة غير محسوم على المسلم إمكاناً، والبواطن لا تتبع  قتل أسامة  رضي الله عنه كافراً سلّ عليه السيف، وتلفظ بالإسلام، فاشتدّ نكير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما قال ذلك فرقاً مني، فقال عليه السلام: ((هل شققت عن قلبه))  فهذا ينبه على أن المتبع الظاهر وقال مالك وأبو يوسف: توبة الزنديق مردودة؛ فإن التقيّة نفس دينهم، والكافر قطّ لا يكون تاركاً دينه إلا بما هو ضد دينه، فكيف يصير تاركاً بما هو نفس دينه  وإليه ذهب الأستاذ أبو إسحاق، والصحيح من مذهبه أنه إن حمل على التوبة بالسيف، فلا أثر لها، وإن رؤي وقد خلا بنفسه، وهو يخضع لله تعالى، فليقطع بقبوله، (فإن)  التهدي بعد الضلال ممكن  ومذهب الشافعي ـ رحمه الله ـ القبول وإن كان مجبراً عليه  وذهب أبو إسحاق المروزي إلى أنه إنما تقبل توبة المرتدّين مرة واحدة، فلو عاد إلى الإسلام ثم ارتدّ مرة أخرى، لا تقبل توبته، ويقتل  وهذا من هفواته الفاحشة","part":1,"page":56},{"id":2084,"text":"فإذا تبين أن التوبة لو بادرها مقبولة، فهل تجوز المبادرة إلى قتله دون الاستتابة أم تجب الاستتابة فيه تردد، (والظاهر)  وجوب الاستتابة وعرض الإسلام ، فإن أبى فهل يقتل في الحال أم يمهل ثلاثة أيام فيه قولان: أحدهما: وهو اختيار المزني، أنه لا يمهل؛ لأن الجناية متحققة، وهو بالسيف محمول على الإسلام، والإمهال يناقض هذا المعنى  والثاني: أنه يمهل ثلاثاً، ويحبس، ولا يمنع الطعام والشراب ؛ لما روي أن عمر -رضي الله عنه- قال لرجل قدم عليه من الشام: هل من مغرّبة خبر فقال: لا؛ إلا أن نصرانيًّا أسلم، ثم ارتدّ، فقتله أبو موسى الأشعري ، فرفع عمر -رضي الله عنه- نحو السماء يده، وقال: ((اللهم إني براء إليك مما فعله أبو موسى، هلاَّ حبستموه في بيت ثلاثاً تلقون إليه كل يوم رغيفاً لعله يتوب!))  ووجهه من القياس أن عوده مرجوٌّ، وهو إلى الصلاح أقرب من المبادرة إلى سفك دمه، ثم لا منتهى بهذا الرجاء، وثلاثة أيام منتهى  الخيرة في الشرع في خيار الشرط وغيره، وقد مال  إلى التأقيت في  قول: الشافعي  في تارك الصلاة ، والفسخ بسبب العتق ، ونفي (الولد)  باللعان ، وإمهال المولي بين الفيئة، والطلاق  إلى غيرها من المسائل\rالتفريع: إن قلنا: لا يجب، أيستحبّ  أم يمنع فعلى وجهين \rوإذا توجه عليه القتل على كل طريق، فقال : اعترتني شبهة فحُلُّوها، فهل نناظره لإزالة الشبهة وجهان: أحدهما: أنا نفعل ذلك؛ فإن الدعوة بالحجة هو الأصل والثاني: أنا لا نناظره، فإن ذلك قد يطول، والخيالات لا حصر لها، وقد تتمادى (شبهة) ، فطريقه أن يسلم، ثم يستكشف الشبه بطريق السؤال كما يفعله الناظرون من طلبة العلوم ","part":1,"page":57},{"id":2085,"text":"ومن أحكام الردة أنها تمنع الإرقاق، وقبول الجزية، وصحة النكاح، وحلّ الذبيحة ولا يسقط قضاء العبادات، ولا تدرأ غرامة المتلفات، ولا عقوبة الجنايات، ولا يرث المرتدّ من أحد، ولا يرث منه أحد ؛ خلافاً لأبي حنيفة ، وكل ذلك مستقصى في مواضعها\rأما حكم الردة في ولد المرتدة، أنها إن تراخت عن ولادة الولد فلا أثر له، ولا تبعية في الكفار، وحكم الإسلام مستدام لولده \rوإن تولد من بين مرتدّ ومرتدّة في حالة الردة ولد، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مرتدّ تبعاً، وفائدته أنه بعد البلوغ لا يقبل منه إلا السيف أو الإسلام، ولا يرق في الحال، ولا تقبل [منه]  الجزية بحال والثاني: أنه كافر أصلي؛ لأنه لم يسبق له إسلام ولا تبعية في إسلام، وأما الكفر فلا تبعية فيه والثالث: أنه مسلم؛ لبقاء علائق  الإسلام، واستمرار الأحكام، ويكفي في التبعية علقة \rولا فرق عندنا بين أموال المسلمين [وأولاد]  أولادهم في أنهم لا يسترقون على هذا الرأي  وقال أبو حنيفة: لا تسبى أولادهم فيما بيننا \rوإن التحقوا بدار الحرب ما حكمهم قلنا: إذا بلغوا، فإما قبول الجزية، وإما إلحاقهم بمأمنهم  وقال أبو حنيفة: تلزمهم الجزية قهراً \rوأما أهل الردة فإن التحقوا بدار الحرب فلا يثبت لهم حكم أهل الحرب في الاسترقاق ، وخالف أبو حنيفة \rفأما حكم الردة في عيال المرتد فالبينونة، على تفصيل سبق في النكاح \rوأما في ماله فثلاثة أقوال: أحدها: أنه يزول ملكه في المال كملك النكاح والثاني: أنه لا يزول، فإن في إبقاء ملك النكاح على المسلمة إسقاط حرمة، ولو فرض ارتدادها أيضاً فعلقة  الإسلام قائمة، فهي كالمسلمة والثالث: التوقف، فإن مات أو قتل مرتدًّا تبين زوال ملكه إلى الفيء، وإن عاد تبين استمرار الملك ","part":1,"page":58},{"id":2086,"text":"التفريع: إن قلنا إنه زال ملكه، فلا خلاف أن التصرفات التي تستدعي الملك مردودة، ومع ذلك فلا خلاف في أن (ديوناً)  التزمها في حال الإسلام تقضى من ماله كالميت؛ بل هو أولى، فإن عود الملك إليه متوقع \rولا خلاف في أنه ينفق عليه من ماله ما دام حيًّا \rوهل ينفق على أقاربه المسلمين ما دام حيًّا وهل تقضى ديونه التي يلتزمها في الردة بإتلافه في المسألتين وجهان؛ لأن السبب جارٍ بعد الردة \rولو احتشّ في حالة الردة واحتطب ، حصل الملك لجهة الفيء كما يحصل للسيد باحتطاب العبد، وفي شرائه واتهابه ما في شراء العبد واتهابه بغير إذن السيد \rولا خلاف في أنه إذا  عاد إلى الإسلام عاد ملكه كما يعود ملكه في الخمر، وجلد  الميتة، والبيضة المذرة  بعود الحموضة، والدباغ، والتفرخ \rوكذلك لو كان رهن في الإسلام، ثم عاد بعد الردة، استمر الرهن، كما لو صار العصير المرهون خمراً، ثم عاد خلاًّ \r\rوإن فرّعنا على بقاء الملك، فللسلطان ضرب الحجر عليه في التصرف نظراً للفيء، ثم [هل]  يحصل الحجر بنفس الردة من غير ضرب أم هل يفتقر إلى إنشاء فيه خلاف كالخلاف في الرشيد إذا صار سفيهاً، أن الحجر يعود أو ينشأ  عليه قصداً \rثم إذا ثبت الحجر، فهو كحجر السفيه أو كحجر المفلس فيه خلاف، وقد ذكرنا حكم تصرفهما جميعاً في موضعه \rوإن قلنا: يحتاج إلى ضرب الحجر، فتصرفه قبل الحجر نافذ على الصحيح، ومنهم من قال: هو كتصرف المريض في مرض الموت؛ لأن سبب هلاكه جارٍ وهذا يلتفت على من قدّم للاقتصاص منه، فوهب وأعتق في الحال، وههنا أولى بأن ينفذ؛ لأن دفع القتل إليه بكلمة الإسلام \rثم حقوق أهل الفيء ينبغي أن تجعل كحقوق الغرماء، حتى لا يختص بالثلث، لا كحقوق الورثة  وهذا الوجه على الجملة ضعيف\rوإن فرّعنا على الوقف: فهو باطل، وما يقبل يحكم بصحته إن عاد، وببطلانه إن استمر  والله أعلم بالصواب","part":1,"page":59},{"id":2087,"text":"كتاب حدّ الزنا\rالجناية الثالثة: الزنا:\rوهو موجب للحد، والعقوبة الواجبة به حد على الحقيقة، لا كقتل المرتدّ والباغي على ما سبق\rوالحد في اللسان: هو المنع، ومنه حدود الأرض والحدّاد، وتسمية العبادات حدوداً\rومستند حدّ الزنا الكتاب والسنة والإجماع\rأما الكتاب فقد اشتمل على آيتين ليستا صريحتين فيما استقر الشرع عليه؛ قال الله تعالى: يشعر ظاهره باكتفاء النساء بالنساء، ولكن قيل: أراد به الثيب، فخصص النساء؛ لأن رغبة الثيب منهن أشد وقال تعالى: يشعر ظاهره باكتفاء الرجال بالرجال، ولكن قيل: أراد به الأبكار، فخصص الرجال؛ لأن رغبة أبكار الرجال أشد من أبكار النساء ثم اقتضت الآية الإيذاء مطلقاً؛ لكن روى عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- عنه عليه السلام أنه قال: ((خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم))\rوذهب أصحاب الظاهر إلى الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب، وذهب المعتبرون من علماء الشرع إلى أنه لا يجمع","part":1,"page":1},{"id":2088,"text":"ثم اختلفوا، فمنهم من قال: هو منسوخ، ودلّ على النسخ قصة ماعز  والغامدية؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجلد ، وقول عمر رضي الله عنه: ((لولا أن الناس يقولون: زاد عمر في كتاب الله لأثبتّ - يعني في  حاشية المصحف - ما كنا نقرأه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم:  ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم ))  وتدل  عليه قصة العسيف ؛ ((جاء رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله تعالى، فقال الآخر: أجل ، اقض بيننا بكتاب الله تعالى، وَأْذَنْ لي بالكلام، فأذن له، فقال: إن ابني كان عسيفاً على هذا، فزنا بزوجته، فأُخْبِرتُ أن على ابني الرجم، فافتديت  منه بمائة شاة ووليدة، ثم سألت رجلاً من أهل العلم، فقال: على ابنك جلد مائة وتغريب عام، فقال عليه السلام: ((لأقضينّ بينكما بكتاب الله، أما المائة شاة والوليدة فردٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها))  ومن أصحابنا من قال: ذلك غير منسوخ، ولكن أراد به من كان قد زنا وهو بكر، ثم زنا وهو محصن، فيجمع عليه بين الجلد والرجم، وهذا تأويل مستكره \rإذا تمهدت القاعدة، فالنظر في الكتاب محصور في طرفين: الموجِب والموجَب، وكيفة الاستيفاء\rالطرف الأول: في الموجِب والموجَب:\rوالضبط فيه أن إيلاج الفرج في الفرج المحرم قطعاً، المشتهى طبعاً، إذا انتفت الشبهة عنه، سببٌ لوجوب الرجم على المحصن، ولوجوب الجلد والتغريب على غير المحصن ، وفي الرابطة قيود لا بدّ من كشفها\rأما الإحصان، فهو عبارة عن ثلاث خصال: التكليف، والحرية، والإصابة في نكاح صحيح \rفإذا انتفى التكليف  سقط أصل الحدود، وذلك في حق المجنون والصبي ","part":1,"page":2},{"id":2089,"text":"وإذا انتفت الإصابة في نكاح صحيح، فقد سقط الرجم، ووجب جلد مائة وتغريب عام، والإصابة في ملك اليمين لا تقوم مقامه \rوفي النكاح الفاسد ووطء الشبهة قولان: أحدهما: أنه لا يقوم مقامه كما في التحليل \rوقد اختلفوا في مسألتين:\rإحداهما: أن سائر خصال الإحصان لا يشترط فيه الترتيب ، وفي الإصابة خلاف، منهم من قال: لا بدّ وأن تحصل الإصابة بعد التكليف والحرية ليكون من شخص كامل في عقد كامل، ولا اعتداد بالإصابة في الجنون والصبا والرق ومنهم من قال: لا ترتيب فيه كما في سائر الخصال \rالثانية: لم يختلفوا [في]  أن هذه الخصال (لا يعتبر)  وجودها في الواطئين جميعاً؛ إلا في البلوغ، فلو وطئ الحرةَ رقيقٌ، صارت هي محصنة، وكذلك لو وطئ الحر رقيقة في نكاح صحيح \rفأما إذا وطئ البالغةَ صغيرٌ ، أو البالغ وطئ صغيرةً، ذكر صاحب التقريب وجهين، وكأنه يقدّر نقصاناً في الوطء، وهذا لا انقداح له في المراهق  أما الصغير الذي لا يشتهى والصغيرة، فينقدح فيه تردد نبهنا عليه في باب التحليل (في)  النكاح \rولا خلاف أن الثيب إذا زنى ببكر رجم وجلدت، وكذا على العكس \r\rفأما الحرية إذا انعدمت اقتضى تشطير الحد، فيجلد الرقيق خمسين، وفي تغريبه قولان: أحدهما: أنه لا يغرب؛ لأن السيد يتضرر برفع يده عنه ، وبتكليفه السفر معه والثاني: أنه يغرب، فالحد لا يسقط أصله بالرق  \r[ثم]  إن قلنا: يغرب، فمسافة تغريبه  كمسافة الحر، وفي زمانه وجهان: أحدهما: التشطير كالجلد، فيغرب نصف سنة ، والثاني: أنه يكمل ؛ لأن  ما يتعلق بالطباع يستوي فيه الرقيق والحر، ولذلك استويا في مدة العنة \rثم اختلفوا في التغريب في مسائل:","part":1,"page":3},{"id":2090,"text":"إحداها: أن المرأة لا بدّ من تغريبها إن وافقها محرم أو زوج قطعاً، فإن لم يوافقها، ولم تكن الطريق آمنة، فلا يغربها في الحال، وإن كانت آمنة ففي تغريبها من غير محرم وجهان: أحدهما: أنها لا تغرب؛ لأن المقصود زجرها، وتغريب المومسة  يعرّضها لكشف جلباب الحياء والثاني: التغريب؛ لأن هذا سفر واجب، فأشبه سفر الهجرة \rالتفريع: إن قلنا: يغربها، ووافق  محرم بأجرة، فالأجرة عليها أو من بيت المال فيه خلاف يلتفت على أجرة الجلاد \rولو أوجبنا (مرافقة)  محرم، فهل يجبر السلطان المحرم بأجرة قال صاحب التقريب: وجهان: أحدهما: أنه لا يجبر؛ لأنه تغريب من ليس بمذنب والثاني: أنه يجبر، وهو استعانة من السلطان على إقامة حدّ، وتجب إجابته إذا استعان \rالمسألة الثانية: مسافة التغريب  ينبغي أن تكون فوق المرحلتين ، ثم لا ضبط وراءه، فإنه إن كان دونها لم يحصل الزجر والإيحاش  من تواصل الخبر على يسر  \rفإذا غرّبه إلى (بلدة) ، فلا يمنع من الانتقال منها إلى غيرها، وأورد الفوراني أنه (يحبس)  حتى لا ينقلب حيث شاء، وهو فاسد؛ لأنه ضمُّ حبسٍ إلى تغريب من غير نقل وثبت نعم، لو عين الإمام صوب الشرق، فالتمس التغريب  في صوب الغرب، ففيه خلاف، والظاهر إن المتبع رأي الزاني، فالثابت الإزعاج عن بلد الزنا لا غير \rنعم، الغريب إذا زنى أزعجناه، وإن كانت  هذه البلدة كسائر البلاد، ولكن الغرض التنكيل بالإزعاج عن محل الفاحشة، وقد يألف الغريب بقعة، فلو كان إلى وطنه مرحلتان فلا نغربه إلى وطنه؛ لأنه ضد التغريب، فإذا غربناه إلى بلدة، فلو انتقل إلى بلده، هل يمنع هذا فيه نظر، والظاهر أنه لا يمنع ","part":1,"page":4},{"id":2091,"text":"المسألة الثالثة: لو عاد المغرَّب إلى مكانه قبل مضي المدة خِفيةً، فيعود إلى تغريبه، وهل يحسب ما مضى من المدة فيه نظر، والظاهر أنه لا يحسب كما لو فرق الجلدات على أزمنة؛ لأن وقع التوالي في مدة الفراق لا ينكر كما في توالي الضربات  هذا بيان الإحصان وتأثير فقده في التنقيص\rأما الإسلام: فليس من شرائط الإحصان عندنا، فيقام  الرجم على الذمي؛ رجم رسول الله يهوديين كانا قد أحصنا بإقرارهما  وذلك إذا ترافعوا إلينا، ورضوا بحكمنا \rولو رضوا بحكمنا في شرب الخمر لم نحدهم؛ لأنهم لا يعتقدون تحريمه، وقد التزمنا متاركتهم فيما لا يوافق  دينهم، وقد نحد الحنفي على الرأي الأظهر إذا شرب النبيذ؛ لأنه في قبضة الإمام، والحاجة ماسّة إلى الزجر  هذا بيان الإحصان\rأما قولنا: إيلاج فرج في فرج، أردنا به اللواط، وفي إيجاب الحد به أربعة أقوال: أحدها: أنه يقتل بكل حال الفاعل والمفعول [به] بالسيف؛ لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل  والمفعول [به] ))  والثاني: أنه يقتل بالرجم بكل حال؛ لأن القتل قد ورد، والتغليظ في التنكيل والمثلة استفاض من الصحابة [والثالث:]  وهو تخريج ، أن الواجب به التعزير لوجوه من الشبه لا يخفى تقريرها والرابع: أنه كالزنا، فيوجب الرجم على المحصن والجلد والتغريب على غير المحصن \rوعلى هذا ينقدح رعاية الإصابة في نكاح صحيح في الفاعل، ولا مأخذ لاعتباره في المفعول، ففيه نظر وتردد، ويحتمل التسوية \rثم إذا أتى امرأة أجنبية في دبرها، منهم من قال: هو كاللواط، وقيل: إنه كالزنا قطعاً \rولو أتى غلامه المملوك، فالمذهب أنه كاللواط بغير المملوك، وقيل: إنه كوطء أخته المملوكة، حتى يخرّج على الخلاف، وهو بعيد؛ إذ الملك لا يبيح هذا الجنس بحال ","part":1,"page":5},{"id":2092,"text":"ولو أتى الرجل زوجته أو جاريته في دبرها، فالمذهب سقوط الحد؛ لأنهما  على الجملة محل استمتاعه، وفيه خلاف لا أصل له \rفأما قولنا: فرج مشتهى طبعاً، احترزنا به عن الإيلاج في الميت، لا حدّ فيه \rوفي الإيلاج في البهيمة قولان: المنصوص أن واجبه التعزير، فإنه غير مشتهى في حالة الاختيار والثاني: وهو مخرّج، أنه كاللواط، خرّج ذلك من قول الشافعي: ولا أقبل على إتيان البهيمة إلا أربعة من الشهود  فقرن بينه وبين اللواط في رعاية أقصى الأعداد \rالتفريع: إن قلنا إنه كاللواط، ففي قتل البهيمة وجهان، ومأخذه قوله: ((اقتلوا الفاعل والمفعول به))  فقيل: للراوي لهذا الحديث: ما ذنب البهيمة فقال: إنها تقتل حتى لا تذكر  وذكر العراقيون وجهاً أيضاً، [أنها]  إن كانت مأكولة اللحم ذبحت، وإلا فلا؛ إذ لا خلاف أن الصبي والمجنون لا يقتلان إذا جرى الفعل بهما، وحرمة الروح مرعية ولا تكليف، فهذا  لا بأس به \rالتفريع: إن قلنا: تقتل، فإن كانت محرمة اللحم، ففي وجوب قيمتها وجهان: أحدهما: أنها لا تجب؛ لأنها مستحقة القتل  شرعاً وهذا بعيد، فلا وجه لتعطيل حق المالك \rفإن قلنا: تجب، ففيمن تجب عليه وجهان: أحدهما: (على)  الفاعل؛ لأنه الساعي والثاني: أنه في بيت المال \rفأما إذا كانت مأكولة اللحم ففي حل أكلها وجهان إذا ذبحت، الأصح الحل، والثاني: لا؛ لأنه حيوان وجب قتله، فلم يحل أكله \rوإن قلنا: إنه موجب للحدّ، فلا بد من أربعة من العدول \rوإن لم نوجب إلا التعزير ففيه وجهان، والنص يدل على اشتراط العدد ، (ونص)  في الشهادات على أنه لا يجب به الحد؛ إذ قال: وإذا شهد الشهود بالزنا استفسرهم الحاكم؛ لأنهم قد يعدّون إتيان البهيمة زناً ","part":1,"page":6},{"id":2093,"text":"فأما قولنا: محرم، احترزنا به عن الحلال، فكل  وطء لا يحرم لعينه فلا حدّ فيه كالوطء  في حال الحيض، وفي الصوم، والإحرام، لا حدّ فيه؛ لأنه لم يحرم لعينه، وكذا في مدة عدة الرجعية \rوأما قولنا: قطعاً، احترزنا به عن الوطء في النكاح الفاسد، والوطء بالشبهة، فإن ذلك ليس بمحرم أصلاً؛ إذ ليس معلوم التحريم قطعاً من جهة الفاعل، وكذا الوطء في النكاح بلا وليٍّ، وفي نكاح  المتعة، على ما (سنفصّله)  في الشبهات؛ فإن  التحريم فيه مظنون مجتهد فيه \rفأما قولنا: لا شبهة فيه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ادرؤوا الحدود بالشبهات)) \rقال الأصحاب: الشبهات ثلاثة أصناف: شبهة في المحل، وشبهة في الفاعل، وشبهة في الطريق المبيح \rأما الشبهة في المحل، فهو الملك، فلا حدّ على من يطأ مملوكته سواء حرم وطؤها بأخوّتها من نسب أو رضاع، أو شركة في ملك، أو تزويج، أو عدة زوج، كما لا يجب إذا كانت حائضاً، وصائمةً، ومحْرِمةً؛ لأن المبيح قائمٌ وإن لم تحصل الإباحةُ  وللشافعي قول في القديم أنه يجب الحد في وطء الأخت من النسب أو الرضاع  \rفإن فرّعنا عليه، فإنما يتجه اطراده في كل ما يوجب تحريماً مؤبّداً لازماً لا يرتفع ، كالنسب والرضاع (إذ الملك ساقط الأثر فيه، لايوجبه)  ولا يطرد في الحيض والصوم والإحرام \rوهل يطرد في الجارية المزوجة والمعتدة من الزوج، وكل ذلك تحريمات ناجزة في غير الوطء، ولكنه عرضة للزوال، فيتردد في طرقه  فيها، أما الجارية المشتركة، فالنص في القديم متناول له، وهو فيه أبعد، (لأنه)  عرضة الزوال \rوقد ألحق بشبهة المحل ما إذا وطئ الأب جارية ابنه، فإن له شبهةَ استحقاق الإعفاف في ملك ابنه، فإن حكمنا بأنها تصير أم ولد له، فلا حدّ جديداً أو قديماً، وإن حكمنا بأنه لا يملكها إذا أحبلها، فقد أجرى بعض الأصحاب القول القديم في الحد، وهو في نهاية البعد ","part":1,"page":7},{"id":2094,"text":"أما الشبهة في الفاعل، فيجمعها عدم علمه بالتحريم، (كالوطء)  في النكاح الفاسد، وهو يظنه صحيحاً، وكذلك إذا زفّت إليه غير زوجته، أو صادف أجنبية على فراشه ظن أنها زوجته القديمة  وأبو حنيفة أوجب الحد في الصورة الأخيرة، وقال: ذلك لا يشتبه  فأما إذا قال: ظننت أن الجارية مشتركة، ولا حدّ عليّ، ففيه تردد ظاهر يحتمل أن يقال: علم التحريم قطعاً، وظن (للحد)  دافعاً، فلا ينفعه، فهو كمن قال: علمت أن الزنا محرم، ولكن لم  أعلم بوجوب الحدّ به \rأما الشبهة في الطريق، فيجمعها أن مذهب العلماء في الإباحة شبهة، فلا حدّ على الواطئ في نكاح المتعة ؛ لمذهب ابن عباس، ولا في نكاح بغير ولي؛ لمذهب أبي حنيفة ، وبغير شهود مع الإعلان؛ لمذهب مالك ، ومأخذه أن التحريم مظنون، وليس مقطوعاً به، وحكي قول عن الشافعي في القديم: إيجاب الحد في نكاح المتعة (ممن)  علم التحريم ، والصحيح في طرد هذا القول القديم أن يجرى في كل عقد ليس فساده من المظنونات؛ بل هو مقطوع، ومن جملته نكاح المتعة، فإنه ثبت النسخ فيه ، وقيل: إن ابن عباس رجع عنه \rولا يطرد في النكاح بغير ولي وشهود؛ لأن ذلك في مظنة الظن، وذهب الصيرفي  إلى إيجاب الحدّ في النكاح بلا ولي؛ لظهور الأخبار، حتى أوجبه على الحنفي المعتقد لحله، ونزل ذلك منزلة قولنا إن الحنفي إذا شرب النبيذ حددناه ","part":1,"page":8},{"id":2095,"text":"هذا ضبط مذهب الشافعي رحمه الله في الشبهات، وأغوصها إسقاط الحدّ عن الأب إذا وطئ جارية ابنه  وما جاوز هذا من الشبهات فلا عبرة به، فيجب الحدّ على من نكح أمه أو محارمه وزنى بها، وكذا إذا استأجرها للزنا، وكذلك إذا أباحت المرأة نفسها أو جاريتها ، أو زنى ناطق بخرساء، أو أخرس بناطقة، أو عاقلة مكنت مجنوناً، أو اعترف أحد الواطئين، وكذب الثاني، أو زنى بامرأة يستحق عليها القصاص، أو زنى في دار الحرب، لزمه الحد في الجميع ( وخالف أبو حنيفة في جميع  ذلك، وتخيّل شبهات هي وساوس لا أصل لها  نعم، اختلف الأصحاب في إقامة الحد في دار الحرب؛ لأن في الاستيفاء إثارة الفتنة ، واختلفوا في المكره على الزنا، والظاهر أنه لا يجب ومنهم من قال: يجب؛ لأن الإكراه على الزنا لا يتصوّر، فإنه لا ينتشر إلا عن اختيار، وكأن هذا قرينة الاختيار \rوالمرأة إذا أكرهت على التمكين فلا خلاف في سقوط الحد عنها  هذا بيان موجب الحد وينبغي أن يظهر ذلك بجميع هذه الحدود والقيود للقاضي حتى يقيم الحدّ، وظهوره بالشهادة والإقرار، فإن أقرّ مرة واحدة أقيم عليه  ؛ خلافاً لأبي حنيفة، فإنه شرط التكرار أربعاً، وبنى عليه أنه لو شهد عليه أربعة من الشهود، فصدّقهم لا حدّ؛ لأنه بطلت الشهادة بالإقرار، ثم لم يوجد العدد في الإقرار، ولو كذّبهم وجب الحدّ \rثم أجمع الأصحاب على أنه مهما رجع عن الإقرار لم نحدّه، فإن رجع في أثناء الحد انكففنا وهذا نهاية  التشوف إلى السقوط \rوالرجوع أن يقول: كذبتُ  وقال مالك رحمه الله: لا يقبل التكذيب، ويقبل تأويله قوله بما لا يوجب الحد \rوأما القصاص فلا يسقط بالرجوع عن الإقرار \rوفي قطع السرقة قولان: والأصح أنه يسقط؛ لأنه من حقوق الله تعالى كالزنا والثاني: أنه لا يسقط؛ لأنه متعلق بحق الآدمي ","part":1,"page":9},{"id":2096,"text":"وهل يقام مقام الرجوع التماسه ترك الحد، وتوبته، وهربه، وامتناعه من التمكين أما الالتماس، فإن يقول: دعوني، لا تحدوني، ففيه وجهان: منهم من ألحق ذلك بالرجوع، والأظهر أنه لا أثر له ما لم يصرح بالرجوع  ثم كل ذلك فيما ثبت بالإقرار\rفلو ثبت بالشهادة فلا ينفعه شيء من ذلك ، ولكن هل يسقط بالتوبة، وهذا يجري في الشهادة والإقرار فيه قولان: أصحهما: أنه لا يسقط؛ لأنه يؤدي إلى خرم القواعد، فلا يعجز فاسق عن إظهار التوبة، والله يتولى السرائر والثاني: أنه يسقط بالتوبة كما يسقط الحد عن قاطع الطريق بالتوبة قبل الظفر، كما نص عليه القرآن \rوفيما بعد الظفر قولان كما في مسألتنا ويتوجه هذا بأنه عليه السلام أنكر على من اتبع ماعزاً، وأنّبه  وقال: ((هلاّ تركتموه لعله يتوب))  ولكن تُؤُوّل هذا على الرجوع عن الإقرار، والتوبة في وضع اللسان هو الرجوع \rفأما الهرب ففيه خلاف: منهم من نزله على أنه هل يسقط به الحد كالرجوع ومنهم من قطع بأنه لا يسقط، ولكن تردد في أنه هل يتبع \rومنهم من خصص الخلاف بالثبوت على الإقرار  دون الشهادة، ومنهم من طرد في الإقرار والشهادة \rفأما الامتناع من التمكين، قال الأصحاب: هو (ملحق)  بالهرب، فيخرج على الخلاف؛ روي أنه عليه السلام أتي بشارب خمر، وهمّ  بحده، فامتنع ولاذ بدار العباس ، فلم يتعرض له  ومن زعم أنه يقام حَمَلَ  ذلك على إيقاع، (رجوعه)  عن الإقرار، فإن الحكاية حكاية حال\rفأما إذا ثبت الزنا بالشهادة فحكمه حكم الثابت بالإقرار في التوبة والهرب  كما سبق، ولا يتصور الرجوع والتكذيب، وإنما يفيد ذلك في الإقرار ، وأحكام شهادة الزنا تستقصى في كتاب الشهادات  ونتعرض الآن لمسائل:","part":1,"page":10},{"id":2097,"text":"إحداها: أنه لو شهد أربعة على زنا امرأة، وشهد اثنان على كونها مطاوعة، واثنان على كونها مكرهة، فلا حدّ عليها؛ إذ لم يجتمع على مطاوعتها أربعة ، وهل يجب حد القذف على شاهدي المطاوعة فقولان  مأخذهما أن شاهد الزنا إذا انفرد، ولم يكمل عدده، هل يحد  هذا [في حق]  المرأة \rأما في حق الرجل، فقد اجتمع على زناه أربعة مع الاختيار، فإن قلنا: يحد الشاهدان بقذف المرأة، فقد صارا فاسقين، فلا يثبت بقولهما على الرجل شيء \rوإن قلنا: لا حدّ عليهما، فالذي ذهب إليه الأكثرون وجوب الحد على الرجل، ومنهم من قال: اختلاف الشهادة في صفة الفعل الصادر منه يُطْرِق شبهةً وشكًّا إلى (أصل الفعل)  \rالتفريع: إن قلنا: لا يحد، فهل يحد الشهود لأجله بالقذف الصحيح أنهم لا يحدّون؛ لأن عددهم كامل، وإنما درأنا الحد عنه بالشبهة، وهذا هو التحقيق، وما عداه مزيّف \rالمسألة الثانية: لو شهد أربعة على زناها، فشهد أربع نسوة على أنها عذراء، سقط الحد عنها، ولا حدّ على الشهود؛ لأن عود العذرة ممكن، ولكن الظاهر أنها لا تعود، فكفى ذلك شبهة في درء الحد، والعذرة تدفع الحد عن الرجل، كما يدفع عن المرأة؛ لأنه تطرق الشك إلى أصل الفعل \rالمسألة الثالثة: لو شهد أربعة على الزنا، ولكن عيّن كل واحد زاوية من البيت فلا حدّ؛ لأنهم لم يجتمعوا على الفعل الواحد ، وقال أبو حنيفة: يجب، ونقدر انزحافهم في زنية واحدة على (الزاوية)   وهذا من غريب تكلفاته مع تشوفه إلى درء الحد بالشبهات\rالطرف الثاني: في الاستيفاء:\rوالكلام في كيفيته ومتعاطيه ؛ أما الكيفية، فالمرعي فيها أربعة أمور:\rأحدها: أن يحضر الوالي أو منصوبه والشهود، وهذا مستحب عندنا ، وقال أبو حنيفة: إن ثبت الحد بالإقرار فحضور الوالي مستحق، وهذا على خلاف قصة ماعز  وإن ثبت بالشهود قال: يجب حضور الشهود، وبدايتهم بالرمي، ولا يقام قبل ذلك ","part":1,"page":11},{"id":2098,"text":"الثاني: حجارة الرجم لا بدّ منها، ولو  عدل إلى السيف وقع الموقع، ولكن ترك المثلة والتنكيل، وهو  مقصود، وذلك (مما يمتنع) ، ثم لا ينبغي أن يذفف بصخرة عظيمة، فيكون كالسيف في تقليل العذاب، ولا أن (يوالى)  بالحصى الخفاف فيطول عذابه بالحجارة التي يرمى  بمثلها للقتل \r\rالثالث: حال الزاني في مرضه وضعفه غير منظور إليه إن كان الواجب هو الرجم؛ لأنه مستهلك ، وإن كان الواجب هو الجلد فيجب تأخيره إلى البرء ، فإن كان مرضاً لا يرجى زواله، أو كان مَخدجاً لا يحتمل سياط الحد فقد روي أن مخدوجاً وقع على امرأة فخبث  بها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يجلد مائة، فقالوا يا رسول الله، لو جلد مائة لتفتت، فقال عليه السلام: ((خذوا عثكالاً  عليه مائة شمراخ  فاجلدوه به)) \rثم اختلفت الطرق في كيفيته، فقال الفوراني : يضرب من غير إيلام، وهذا إبطال بالكلية (لمعنى)  الزجر، وليس يمكن أن يؤخذ من اليمين إذا حلف [على]  أن يضرب بمائة يكتفى فيه بالعثكال؛ لأن ذلك جارٍ في حق القوي أيضاً، والمتبع فيه قصة أيوب عليه السلام، وقوله تعالى:             وقال الصيدلاني: يأخذ غصناً عليه مائة فرع، ولا يشترط أن تصيبه جميع الفروع؛ بل يكتفى أن ينكبس بحيث يتثاقل (عليه)  جميعها، فلو كان عليه خمسون، ضربناه  مرتين  وكلامه مشير إلى اتباع إيلام\rفإن قيل: فلو كان مريضاً بحيث يحتمل السياط  الخفاف، فهل تعدلون إلى العثكال قلنا: ظاهر كلام الأئمة العدول (مهما)  لم يحتمل الحد المشروع، وينقدح ظاهراً أن يعدل إلى الخفاف؛ ليكون ذلك أقرب إلى الحد، وإذا لم يحتمل ذلك فمسّ جميع الشماريخ بدنه ليس بشرط، فإن الضرب بالعثكال ورد في الحديث، ولا يغلب فيه الانبساط في الجميع؛ بل يندر ","part":1,"page":12},{"id":2099,"text":"فإن قيل: فلو احتمل مائة جلدة مفرقة في مائة يوم، فهذا أقرب إلى الحد قلنا: لا وجه لتعذيبه بالانتظار؛ بل لا بدّ من استيفاء الواجب، وتخلية سبيله وهذا لا صائر إليه، ولا احتمال فيه \rفإن قيل: فإن كان المرض مرجوّ الزوال، فهل يحبس قلنا: إن ثبت الحد بالبينة حبس كما تحبس الحامل، وإن ثبت بالإقرار فالحبس بعيد، فإنه يسقط برجوعه، وقد يسقط بهربه، ويحتمل أن يقال: يحبس، فإن رجع يخلى سبيله، ويشهد لترك الحبس قصة الغامدية \rأما القصاص فلا بد فيه من الحبس بكل حال فإن قيل: فلو أقمنا [الحد]  بالعثكال لظننا أن المرض غير مرجوّ الزوال فزال قلنا: وقع موقعه ، وليس هذا كالحج عن المعضوب الزمن، فإن فيه خلافاً \rالأمر الرابع: الزمان، ينبغي أن لا يقيم الإمام الجلد  في شدة الحر والبرد؛ بل يؤخر إلى اعتدال الهواء  فإن كان الواجب هو الرجم، وثبت بالبينة، يقام بكل حال \rوإن ثبت بالإقرار فيؤخر إلى اعتدال الهواء؛ لأنه ربما يرجع إذا مسته الحجارة، ولا ينفعنا الانكفاف؛ بل تقتله سراية الضرب السابق في فرط الحر والبرد \rفلو بادر الإمام في الحر المفرط فجلد ومات، نص الشافعي أنه لا يضمن ، ونص أنه لو ختن الإمام ممتنعاً عن الختان فسرى، ضمن \rفاختلف الأصحاب على طريقين، ومنهم من قال: قولان في المسألتين بالنقل والتخريج، أحدهما: أنه لا يضمن، ونص لأنه استوفى الثابت على الفور من غير زيادة، والهالك قتيل الحد الذي هو حق والثاني: أنه يجب الضمان لتفريطه بالإيقاع في هذا الوقت \rومن أصحابنا من قرر النصين، وفرق بأن الختان يتعاطاه الشخص بنفسه أو الولي الخاص، وليس إلى الأئمة، فلذلك ضمن \rالتفريع: إن قلنا: لا يضمن، فيجب القطع بأن الاستيفاء جائز، وإنما التأخير يستحب وإن قلنا: يضمن حرمنا المبادرة ","part":1,"page":13},{"id":2100,"text":"ويجوز أن يقال: وإن أوجبنا الضمان لم يمنع الإمام من التعجيل، وإن كرهنا له، ولكن يتعرض فيه لتقرير الضمان، فإن قيل: هل تعتبرون أن لا يغلب على الظن الهلاك أو تغلب السلامة قلنا: العقوبة تنقسم إلى قطع، وقتل [وجلد] ، وتعزير، أما القتل فلا نظر فيه، وأما التعزير فهو الذي يغلب على الظن السلامة منه، وأما القطع فمقدّر، وكذلك الجلد ، وهو في محل الاحتمال، فيحتمل أن يقال: الجلد هو الذي لا يغلب الهلاك منه [حتى لو صدر من متعد فلا قصاص به ولو غلب الهلالك]  لما جوز الحد به، والمقصود من الحد تعذيب مع بقاء الجاني، ويحتمل أن يقال: لا يبالى بتولد الهلاك غالباً، فالجلد مائة يجب القصاص [به]  على العامد، وفي الحد إن سلم فذاك، وإلا فالحق قتله \rوقد نص الشافعي -رحمه الله- على جواز المبادرة في شدة الحر والبرد ، فدلّ  ذلك على أن غلبة السلامة غير معتبرة\r\rفأما المستوفي فهو الإمام في حق الأحرار، والسادة في حق الرقيق القن لا في حق المكاتب، ومن نصفه حر ونصفه رقيق  [والمدبر]  وأم الولد قن، [وللإمام]  الاستيفاء أيضاً، وإذا اجتمعا  فأيهما أولى يحتمل أن يقال: السلطان أولى، فإنه أولى بالصلاة مع مالك الدار، ويحتمل أن يقال: السيد؛ لأنه حق لاستصلاح ملكه \rوهل للسيد أن يعزر بنفسه الظاهر أن له ذلك، وقيل: ليس له إلا الجلد، فإنه قال عليه السلام: ((إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها))  وهذا غير سديد، فإنه صح أنه قال عليه السلام: ((أقيموا الحد على ما ملكت أيمانكم)) \rثم اختلف الأصحاب في مأخذ ولايته، فمنهم من قال: هو ولاية الملك، ومنهم من قال: هو  للاستصلاح ، ويخرج على المعنيين إقامة المرأة المالكة، والفاسق، والمكاتب في عبيدهم، فمن أخذ من الولاية لم يثبت لهؤلاء، ومن أخذ من الاستصلاح أثبته ","part":1,"page":14},{"id":2101,"text":"وإن قلنا: المرأة لا تقيمه، فالظاهر أن السلطان يقيم، وذكر العراقيون وجهاً أن وليها الذي يزوجها هو المقيم \rوكذلك اختلفوا في القطع والقتل، فمن أحال على الولاية سلطه عليه، ومن أحال على الاستصلاح منع؛ لأن فيه تفويتاً، ومنهم من قال: يتسلط على القطع دون القتل، ففي القطع استصلاح المقطوع بالزجر؛ بخلاف القتل  ثم هذا فيه إذا شاهد الفاحشة من عبده أو أقر\rفإذا شهد الشهود، فإن قلنا: طريقه الاستصلاح، فليس له الحكم (بالشهادة)  ، وإن قلنا: طريقه الولاية فوجهان، ووجه المنع أن النظر في الشهادة يستدعي منصباً لا يتولاه الآحاد \rفإن منعناه، فإذا قضى القاضي بالشهادة فله الاستيفاء \rوإن جوزنا له السماع، قال الأئمة: لا يشترط كونه مجتهداً  قال الصيدلاني: ينبغي أن يكون عالماً ، ولعله أراد به العلم بما يحتاج إليه في الحد والشهادة، لا منصب الاجتهاد، فإن ذلك لا وجه لاشتراطه هذا تمام القول في كيفية الاستيفاء\rثم من قتل حدًّا غسل، وصلي عليه، ودفن في مقابر المسلمين، فإنه مسلم، فكان كالمقتول قصاصاً ، والله أعلم\r\rكتاب حد القذف\rالجناية الرابعة من الجنايات الموجبة للحد: القذف:\rوالنظر فيه يتعلق بالموجِب والموجَب ومن يجب له\rالطرف الأول: في الموجب:\rولا بد من قذف مخصوص من شخص مخصوص لشخص مخصوص أما القذف فقد ذكرناه في اللعان، وقسمناه إلى الصريح والكناية ، والذي نجدده الآن أنه لا بد وأن يكون في معرض التعيير، فلو جرى في مجلس القضاء  في معرض الشهادة، فإن كمل عدد الشهود أربعةً فلا حدّ، ولو امتنع الحكم  بالشهادة، نظر، فإن كان لنقصان العدد بأن شهد واحد منفرداً أو ثلاثة، فقولان: أحدهما: الحدّ واجب؛ لأنه لم تصر شهادة، وكان يجوز الإقدام بشرط أن يتم الحكم به، فكان على غرر والثاني: أنه لا حدّ؛ إذ لكل واحد أن يقدم، وليس هو على ثقة  من موافقة صاحبه، والعقوبة لا تناط بالمباحات ","part":1,"page":15},{"id":2102,"text":"والأول يعتضد بقصة عمر -رضي الله عنه- مع أبي (بكرة)   رضي الله عنه، وهي معروفة  فأما إذا شهدوا ثم رجع واحد، فالراجع محدود، والمصرّ غير محدود عند المراوزة، وذكر العراقيون طريقة في طرد القولين، وهو بعيد  ثم ينبغي أن يخصص بما قبل القضاء، فلو رجعوا بعد القضاء فلا ينبغي أن يؤثر ذلك في مؤاخذة الغير به \rفأما إذا امتنع القبول بالرق والكفر، و (بان)  ذلك بعد إقامة الشهادة، [أو قبله فهم قذفه؛ إذ ليس لهم الإقدام على الشهادة]  \rولو  امتنع بالفسق نُظِر، فإن كان بفسق كان يجاهر به، ولم يعرف باجتهاد وظن، فقولان ذكرهما ابن سريج: أحدهما: أنهم كالعبيد والثاني: [أنه لا حد عليهم ففي العلماء من يقبل قول الفسقة \rفإن رد شهادتهم]  بأداء اجتهاده إلى فسقهم بأمر قد لا يؤدي اجتهاد غيره إلى التفسيق، (فلا حد)  عليهم، فدرء حد الزنا عن المشهود عليه باجتهاد غير بعيد، فأما الإيجاب عليه فلا وجه له \rوإن كان الفسق خفيًّا كانوا يكتمونه ، ففيه وجهان مرتبان على المعلن بالفسق، وأولى بأن لا يحدّ، وهو ظاهر المذهب، فإنه شهادة على الجملة؛ بدليل أنهم لو أعادوا تيك الشهادة بعد حسن الحالة لا تقبل، وشهادة العبد تقبل إذا أعادها بعد الحرية \rأما القاذف فيتعبر فيه التكليف والحرية ، فإن فقد التكليف سقط أصل الحد، وإن فقدت  الحرية تشطر الحد، وهذا يدل على شائبة  حقوق الله، ولا ينبغي أن يعتقد أن الحد مشوب، فإنا أسقطناه بعفوه، وفيه يختص حق الآدمي \rنعم، قد ثبت شائبة حق الله بالتشطر، والحكم  بأن المقذوف لو استوفاه لم يقع، وهذا لا خلاف فيه، فإنه  لو أباح القذف لا يسقط الحد ، وذهب الشيخ أبو حامد إلى أنه يسقط، وهو منقدح \rوينقدح وجه أيضاً في وقوعه موقعه من المقذوف إذا استوفاه؛ لا سيما إذا كان يتمكين القاذف ","part":1,"page":16},{"id":2103,"text":"والزاني المحصن إذا قتله واحد من المسلمين وقع موقعه حدًّا على رأي وإن كان متعديًا \rومستحق القطع والقتل قصاصاً عليه أن يرفع الأمر إلى القاضي، فلو استوفى وقع عنه \rولكن المنقول أن حد القذف لا يقع موقعه؛ لما فيه من الاضطراب والحاجة إلى الاجتهاد، فهو منوط بالأئمة \rأما المقذوف يعتبر فيه الإحصان، وهو التكليف، والحرية، والإسلام، والعفة من الزنا  [وقد بينا ما تسقط به العفة من الزنا]  في كتاب اللعان \rالطرف الثاني: في الواجب:\rوقدره ثمانون جلدة في حق الحر، وأربعون في حق العبد، هذا في القذف الواحد \rفإن تعدد بأن نسبه إلى زنيتين، فإن لم يتخللهما  استيفاء الحد، لم يلتزم  إلا حدًّا واحداً وتداخل \rوإن تخلل استيفاء الحدّ فقولان: أحدهما: أنه لا يحد كما لو أعاد نسبته إلى الزنية الأولى، فإنه ظهر تكذيبه في حقه، والحد لإظهار كذبه ودفع العار عنه والثاني: وهو الأصح، أنه يجب؛ لأنه لم يظهر كذبه في هذه الزنية بعينها \rولا خلاف في أنه لو عين الزنا بشخص أولاً، ثم أطلق النسبة إلى الزنا ثانياً، فلا يتعدد؛ بل ينزل على الأول ما أمكن، وكذا  في عكسه، هذا إذا قذف بزنيتين لا يختلف موجبهما \rفلو قذف أجنبية، ثم نكحها، فقذفها، فقد تغير الموجب بدخول حكم اللعان، ففي المسألة طريقان: منهم من قطع بالتعدد لاختلاف الحكم، ومنهم من طرد القولين، ثم ذلك فيه إذا لم يلاعن، فإن لاعن فأسقط الحد الثاني، وجب الحد الأول، وطولب به وقد تعرضنا له في اللعان \rفأما إذا قذف شخصين بكلمتين فحدّان ، وإن اتحدت الكلمة بأن قال: زنيتما، فقولان، والصحيح أنه لا تداخل \rوإن قال لأجنبية ولامرأته: زنيتما، فطريقان، وأولى بأن لا يتداخل؛ لاختلاف الحكم \rالطرف الثالث: فيمن يجب له:\rوذلك للمقذوف، فإن مات فلعصباته أو لورثته، وقد ذكرنا ذلك في اللعان، إلى جملة من أحكام القذف، فليطلب منه  والله أعلم","part":1,"page":17},{"id":2104,"text":"كتاب حدّ السرقة\rالجناية الخامسة الموجبة للحد: السرقة:\rوالكلام في الموجب، وفي طريق إثباته بالحجة، وفي الواجب\rالطرف الأول: في الموجب: وهو السرقة، والسرقة لها ثلاثة أركان: الفعل نفسه، ومصدره وهو السارق، وموقعه وهو المسروق\rالركن الأول: في المسروق:\rوشرطه أن يكون نصاباً مملوكاً لغير السارق ملكاً محترماً تامًّا محرّراً لا شبهة للسارق فيه، فهذه قيود لا بدّ من شرحها وتأملها\rالشرط الأول: النصاب: وهو معتبر عند كافة العلماء؛ خلافاً لداود، فإنه تعلق بعموم قوله: وبقوله عليه السلام: ((لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)) فتكلف متكلفون (حمل) البيضة على المغفر، ولا حاجة إليه، فالمقصود القليل، وقد يطلق مثل ذلك\rوقد روت عائشة -رضي الله عنها- أنه عليه السلام قال: ((لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً))، وقد اختلف العلماء في النصاب، فقال أبو حنيفة: دينار أو عشرة دراهم، ثم تقوم السلع بالدراهم، والدراهم لا تقوّم في نفسها، ولا يقوم بها وقال مالك رحمه الله: النصاب ربع دينار (أو) ثلاثة دراهم، والتقويم بالدراهم كما قال أبو حنيفة، وقال النخعي وأبو ثور: النصاب خمسة دراهم، وقيل: هو مذهب علي رضي الله عنه ومعتمدنا حديث عائشة رضي الله عنها، فإنما التقويم عندنا بالمسكوك من الدنانير، ولا يقوّم بالذهب الإبريز، وقد تنقص قيمته عن المضروب\rولو سرق ربع مثقال من الإبريز فوجهان: أحدهما: أنه لا قطع إذا كان لا يساوي ربع دينار والثاني: يجب؛ لأنه غير مقوّم في نفسه، فيعتبر وزنه وإن كان لا يقوّم به والصحيح الأول\rويبتني على هذا: أنه لو سرق خاتماً قيمته ربع دينار، ووزنه سدس مثقال، فإن اعتبرنا التقويم أوجبنا القطع، وقدرناه سلعة، وإن منعنا التقويم أسقطنا القطع","part":1,"page":1},{"id":2105,"text":"فإن قيل: فلو كان بلوغ قيمة  المسروق نصاباً مظنوناً عرف باجتهاد المقوِّم، هل يجب القطع قلنا: قال الأصحاب: يراجع المقوّم، ولكن ينبغي أن يقطع المقومون بأنه يساوى ربع دينار فلو شكّ فيه، وقال: أظن ظنًّا غالباً أنه يساوي، لا يجب القطع باجتهاده ولو قطع بأنه يساوي عدلان يتصور عليهما الزلل، ففيه تردد من حيث أن إمكان الزلل متطرق إلى شهود السرقة، ولكن ذلك يستند إلى العيان، وهذا مستند إلى الاجتهاد في الأصل \rفإن قيل: هل يشترط أن يعلم السارق كونه نصاباً حتى لو قال: ظننت أنه ليس بنصاب ينفعه قلنا: لا يشترط علمه، حتى لو سرق ديناراً، وظن أنها فلوس ، لا تبلغ نصاباً، وجب القطع وفاقاً \rولو سرق قميصاً، فإذا في جيبه دينار، والقميص ليس بنصاب، ولم  يعرف الدينار، قال الأصحاب: يجب القطع كما في الفلوس ، وقال أبو حنيفة: [لا يجب القطع]   وحكى القاضي وجهاً مثل مذهبه من حيث أنه لم يقصد سرقة الدينار بخلاف الفلوس \rفإن قيل: فلو نقصت قيمة المسروق في أثناء السرقة أو بعده؛ قلنا: إن نقص قبل الإخراج من الحرز بأكله أو جنايته أو تمزيقه للثوب فلا قطع، ولو نقص بعد السرقة، فلا يسقط القطع ؛ خلافاً لأبي حنيفة \rوقد قال أبو حنيفة: لو شق المنديل في الحرز طولاً، فلا قطع ، وبناه على أنه يملك بما فعله، وليس كذلك عندنا\rفإن قيل: لو  أخرج نصاباً، ولكن بكرّات، وكل كرّة ناقصة؛ قلنا: لا يجب القطع، والكرة الواحدة أن يتحد الفعل (أو)  يتواصل، فلو أخرج نصف نصاب وحمله إلى بيته، وعاد بعد أن اطلع المالك على الأول، أو  أعاد إحكاماً لحرز فمتعدد ","part":1,"page":2},{"id":2106,"text":"وإن عاد ولم يشعر به المالك فثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا يجب القطع؛ لتعذر الصورة والثاني: يجب  للتواصل والسارق قد يحتاج إلى التفريق في سرقته والثالث: أنه إن تخلل فصل من طول زمان أو ردّ المسروق إلى البيت، أعني بيت السارق، وإن قصر الزمان فمتعدد، وإن تواصل من غير تخلل شيء من ذلك فمتحد \rفروع ثلاثة:\rأحدها: لو فتح أسفل كندوج ، فخرج على التواصل بالانثيال  نصاب شيئاً فشيئاً، فإن قلنا: إذا تواصل الفعل يجب، فهذا أولى، وإن قلنا ثَمَّ لا يجب، فههنا وجهان، والفرق أن الفعل ههنا (متحد)  \rولا خلاف في أنه لو تعلق بطرف منديل، وكان يجرّه، فخرج من الحرز شيئاً شيئاً، وجب القطع؛ لأنه في حكم الشيء الواحد  ولذلك لو أخرج نصفه، وأبقى النصف الآخر في الحرز، وترك كذلك، فلا قطع وإن كان المخرَج لو فُصِلَ لبلغ نصاباً، ولكنه لا يعدّ إخراجاً \rالثاني: إذا أخرج  من البذر المبثوث في الأرض ما بلغ نصاباً وهو مُحْرَز، ففي القطع وجهان ومن قال: لا يجب، علل بأن  كل حفرة حرز الحبة، فلم يخرج من كل حرز إلا بعض النصاب، فلا يضم البعض إلى البعض \rالثالث: إذا اشترك رجلان في حمل ما دون نصف دينار فلا قطع؛ إذ لا يخص كل واحد منهما إلا ما هو أقل من نصاب، ولو حملا مقدار نصف دينار، يلزمهم القطع؛ إذ حصة كل واحد [منهما]  كاملة، ولا يكمل فعل أحدهما بفعل شريكه في السرقة، بخلاف ما ذكرناه في القصاص ، ومأخذه ما ذكرناه في مآخذ الخلاف\rالشرط الثاني : أن يكون مملوكاً لغير السارق، فلو سرق ملك نفسه، وهو مرهون مثلاً، أو مستأجرٌ منه، فلا حدّ عليه \rولو طرأ الملك قبل الإخراج (بموت)  المورث مثلا فيسقط القطع ولو طرئ بعد الإخراج فلا أثر له عندنا ؛ خلافاً لأبي حنيفة ","part":1,"page":3},{"id":2107,"text":"ثم ملكه يُعْلَم بالشهادة أو بإقرار المسروق منه فلو ادّعى أنه ملكه، ولا بيّنة ولا إقرار، فالمنصوص للشافعي -رحمه الله- أنه يسقط الحدّ بمجرّد دعواه ، وفيه قول مخرّج ووجه النصّ أنه صار خصماً، فيبعد أن يقطع فيما هو خصم فيه وتحقيقه أنه تقبل دعواه، وتعرض اليمين على المسروق منه، فإن نكل وحلف السارق فلا شك في سقوط الحدّ، ولو حلف فيبعد إيجاب الحد بحلفه على غيره \rالتفريع: إن فرعنا على النص، فكل دعوى لو ثبتت لسقط القطع، فمجردها  يدفع الحدّ، حتى لو ادعى [الملك في الحرز] ، أو ادعى العبد السارق أنه ملك سيده، أو ادعى أحد الشريكين في السرقة أنه ملك شريكه، فلا حدّ وهذا يكاد أن يصير ذريعة إلى إسقاط الحدود، ولأجله خُرِّج القول الآخر \rفرع: لو اشتركا في السرقة،  فقال أحدهما: هذا ملكنا، وكذبه الشريك الآخر، فلا حدّ على المدعي على النصّ، وفي وجوبه على المكذب وجهان: أحدهما: أنه يجب؛ لأنه لم يصدّق، ولم يدّع شبهة والثاني: ذكره القفال، أنه لا يجب؛ لأنه جرت دعوى لو صدّق لسقط، فكذلك  إذا كذب؛ كما إذا أقر المسروق منه بأنه ملك السارق، فإنه يسقط الحد عن السارق، وسواء صدّق أو كذّب \rوالوجهان جاريان فيما  إذا قال أحدهما: هي لشريكي فكذّبه، فيسقط عن المدعي، وهل يسقط عن الشريك فيه خلاف \rوكذلك لو قال: هو لسيدي، فكذبه السيد، فعلى الوجهين وإن صدّق سقط الحدّ وعلى الجملة، إقرار المالك الذي له ظاهر اليد ليس موقوفاً على تصديق غيره أما الدعوى في حق المدعي تسقط، وإن كُذّب، مهما ادعاه لنفسه وإن ادعى لغيره فكذّب من ادعاه له فوجهان \rوقد ذكر الإمام أنه لو ادعى لشريكه  فكذبه، يسقط  عن المدعي، وفي سقوطه عن المكذّب وجهان ولو ادعى لسيده فكذبه السيد، ففي سقوطه عن العبد وهو مدعي وجهان، ولا ينبغي أن نفرق بين المسألتين، فالعبد مدعٍ لغيره كالشريك، فليقطع بالسقوط عنه على النص ","part":1,"page":4},{"id":2108,"text":"الشرط الثالث: أن يكون المسروق محترماً، فلا قطع على سارق الخمر والخنزير؛ لأنه لا ماليّة ولا حرمة، ولا على سارق الطنبور ، والبربط ، والملاهي المكسرة شرعاً  وهذا بيّن إذا لم يكن الرضاض بعد الكسر يساوي  نصاباً، فإن كان يساوي نصاباً، وأخرجه على قصد الكسر وإظهاره فلا حدّ ، وإن أخرجه سارقاً إياه، ففي الحدّ وجهان: أحدهما: أنه يجب؛ إذ المستحق الكسر على مكانه أو الإخراج للكسر والثاني: لا يجب؛ لأن الحرز لا يتحقق فيه، والهجوم على الدور  لأجله جائز \rويطرد هذا في أواني الذهب والفضة إذا قلنا: يجب (تكسيرها) ، ولا فرق  بين الملاهي من الذهب وبينها، وما ذكرناه في الأواني يزداد بعداً \r\rالشرط الرابع: أن يكون الملك تامًّا قويًّا أما التام فقد احترزنا به عما للسارق فيه شرك أو حق، فإذا سرق أحد الشريكين من صاحبه مالاً مشتركاً بينهما ففيه طريقان: منهم من قطع بإسقاط القطع لشبهة الشركة؛ إذ ما من جزء إلا وله فيه حق، حتى لو سرق ألف دينار وهو لا يملك من جملتها إلا ديناراً، وهو عُشْرُ عُشْرِ العُشْرِ، فلا قطع عليه؛ لشيوع حقه ، ومن الأصحاب من لم يقم للشركة وزناً، وقال: لو سرق نصف دينار من مال مشترك بينهما [على السوية،]  وجب القطع، فإنه سرق ربع دينار من شريكه، فكل مسروق حصة الشريك منه تبلغ ربعاً فصاعداً، يتعلق به القطع، ومن أصحابنا من فصّل، وقال : إن كان مما لا يقبل القسمة، وكان من ذوات الأمثال، وجب القطع مهما كان حصة الشريك من المأخوذ مقدار الربع، وإن كان يقبل القسمة كالدينارين بين رجلين، فإن سرق ديناراً، لا يجب القطع، ويحمل على قسمة فاسدة، وكأنه أخذ قدر حقه على الفساد، وإن أخذ ديناراً وربعاً فيجب القطع لا محالة؛ لأنه زاد على جميع حصته، وميل معظم الأئمة إلى الإسقاط من غير تفصيل ","part":1,"page":5},{"id":2109,"text":"فأما  ما للسارق فيه حق، كمال بيت المال، فيه  وجهان: أحدهما: [أنه]  لا يجب؛ لأنه مرصد لمصلحته أو لحاجته إن كان من مال الصدقات، ولا ينظر إلى غناه في الحال، كما لا ينظر إلى غنى الابن في سرقة مال أبيه لما كان مرصداً لحاجته إذا احتاج والثاني: أنه إن سرق من مال الصدقات من يتصف بصفة تجوز الصرف إليه، أو من مال المصالح محتاج يجوز الصرف إليه، فلا قطع عليه وكأنه استقلّ بأخذ حقه دون المراجعة، وإن لم يحل فيجب القطع لا كرابطة الولادة، فإن مستند السقوط فيه البعضية \rوأما الذمي إذا سرق، فقد قطعوا بإيجاب القطع عليه؛ لأنه ليس مصرفاً له بحال، ولم يقدّر كونه أهلاً بتقدير الإسلام وطريانه كما قدروا طريان الغنى، فأشار بعض المحققين إلى خلاف فيه \rفأما ما أُفرِز للمرتزقة، أو أُعِدّ من الخمس لذي القربى واليتامى، وفرّعنا على أنها ملكهم، فإذا سرقه من ليس منهم، وجب القطع \rفأما قولنا: ينبغي أن يكون الملك قويًّا، احترزنا به عن الأملاك الضعيفة التي لا تنفذ فيها جميع التصرفات، كالمستولدة والموقوف، وفيهما وجهان: أصحهما: وجوب القطع؛ لحصول الملك والثاني: أنه لا يجب؛ لضعف الملك \rوفصّل بعض الأصحاب في الموقوف، وقالوا: إن قلنا: الملك في الموقوف  لله، فيجب القطع كما سنذكره في باب المسجد  وإن قلنا: للواقف أو للموقوف عليه، وجهان ، لا كما في المستولدة لضعف ملكهما ، وهذا ضعيف، فإنا وإن أضفنا إلى الملك ، فليس يتمحض حقًّا له، فهذا  التردد جار على  ذلك القول أيضاً، فيلحق بالمستولدة  قطعاً \rفأما المساجد ففي حُصُرِها وقناديلها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا يجب؛ لأن الناس في الانتفاع بها شَرَع ، والثاني: يجب، والثالث: أنه لا يجب في الفرش وما ينتفع به، وأما القناديل وما هي للزينة، فيجب القطع به ","part":1,"page":6},{"id":2110,"text":"وأما باب المسجد وسائر أجزائه من الجذوع وغيرها، قطعوا بوجوب القطع فيه، ولا يخفى أن الاحتمال متطرق إليه، ويتجه تخريج وجه فيه من سائر الأقمشة، ومن مال بيت المال \rفإن قيل: لو وطئ جارية من مال بيت المال، فهل يلزمه الحدّ قلنا: نعم، فإنه لو وطئ الابن جارية أبيه حُدّ، وإن كان لا يقطع بسرقته، وهذا الحق لا يزيد على حقه، وفي طريقة القاضي ذُكِر وجه أنه لا يجب الحد، ولا وجه له \rالشرط الخامس: أن يكون المال عريًّا  عن شبهة استحقاق السارق، ومنشأ الشبهة إما استحقاق الدَّين أو استحقاق النفقة فأما استحقاق الدين فمستحق الدين إذا سرق من مال من عليه، وكان مماطلاً، فإن أخذ جنس حقه فلا قطع؛ لأنه ملكه، وإن أخذ غير جنس حقه، فالمذهب أنه لا قطع أيضاً، وفيه وجه أنه يخرّج على القولين في أنه إذا ظفر بغير جنس حقه، فهل يتملكه فأما إذا لم يكن مماطلاً، فلا ينبغي أن يُتمارى في وجوب الحدّ \rأما استحقاق النفقة، فإن كان نفقة كفاية، أسقط القطع، فلا يقطع العبد بسرقة مال سيده، ولا الولد بسرقة مال والده، ولا الوالد بسرقة مال ولده، وكل من بينهما رابطة البعضية، سواء سرق في حالة الحاجة أو في حالة الاستغناء \rوأما النفقة المقدّرة كنفقة الزوجية، ففيه خلاف، وحاصل المحصّل من نصوص الشافعي -رحمه الله- في الزوج والزوجة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا قطع عليهما جميعاً لعلة النفقة، ولعلة الاتحاد بين الزوجين والثاني: أنه يجب أما النفقة فمقدّرة، وهي  كالأجرة وأما الاتحاد فلا يقتضيه العرف اطراداً، ولا الشرع إيجاباً والثالث: أن علة الاتحاد باطلة، وعلة النفقة صحيحة، فلا تقطع يد الزوجة، وتقطع يد الزوج \rالتفريع: إن قلنا: لا قطع عليهما، فلو سرق عبد أحدهما من مال الآخر فوجهان: أحدهما: وهو الذي حكاه الصيدلاني عن القفال قطعاً، أنه لا يجب، فإن عبده نازل منزلته، وكأن يده، يده والثاني: وهو اختيار الصيدلاني، أنه يجب ","part":1,"page":7},{"id":2111,"text":"وعلل: بأنا لو فتحنا هذا الباب للزم أن لا يقطع ولد أحدهما بسرقة مال الآخر، ويتداعى ذلك من الربيب والربيبة إلى الأخ والأخت، ولا خلاف أن القطع جارٍ بين الأخوين \rوالعجب أن القاضي فرّع على عبد الزوجين ولدهما، وقال: ينبغي أن لا يقطع ولدهما كما لا يقطع عبدهما وهذا قبيح، فإنه يتأدى إلى الأخ بطريق الأولى \rهذه وجوه  الشُبَه، وقد تنضم إليه ظنون مؤثرة، كظنه  أنه ملكه، أو ملك  ابنه، أو أن الحرز ملكه وأما كون الشيء مباح الأصل كالكلأ والحطب والصيود، أو رطباً في الحال كالفواكه الرطبة والمرق، أو مضموماً إلى ما لا قطع فيه، كما لو سرق ماله، وضمّ إليه مالاً لنفسه متميزاً عنه، أو كونه مسروقاً مرة أخرى من جهة، وقد قطع فيه، فليس في شيء من ذلك شبهة عندنا ؛ خلافاً لأبي حنيفة، فإنه جعل كل ذلك شبهة \rفأما الماء فسرقته تبنٍى على أنه مملوك أم لا فإذا  قلنا: إنه مملوك، وبلغ نصاباً، فلا بدّ من إيجاب القطع ، وكذلك كون الشيء متعرضاً لتسارع الفساد إليه، لا يثير شبهة حتى يجب القطع في الجمر ، والمرق، والشمع المشتعل، والكفن \rوأبو حنيفة يجعل ذلك شبهة، وقد بنى عليه مسألة النبّاش \rوكذلك لا يشترط أن يكون من يد المالك ، فيجب القطع على من سرق المال من يد المودع، والمرتهن، وعامل القراض، والوكيل، والمكاتب، والعبد المأذون وهذا مما لا يعرف فيه خلاف \r\rالشرط السادس: أن يكون المال محرزاً:\rفلا قطع على من يأخذ مالاً من مضيعة ؛ خلافاً لداود \rثم لم يرد في الحرز توقيت ولا ضبط، والمحكّم فيه العرف، وأصل الحرز لحاظ المراقبين، ثم إذا دام اللحاظ كفى من غير حصانة في الموضع كلحاظ المالك للمال الموضوع في الصحراء، وإذا لم يدم اللحاظ، فقد يكفي ذلك عند حصانة الموضع كما في الدور والحوانيت المغلقة  ","part":1,"page":8},{"id":2112,"text":"وأما حصانة الموضع بمجردها من غير لحاظ، فليس بحرز، كالقلعة والدار في الصحراء، ليست  بحرز؛ إذ التسلق عليها (بالحبل)  وطول الزمن مع الأمن من  الاطلاع ممكن وكذلك [الدار]  الواقعة على طرف البلدة إذا أغلق بابها، وغاب مالكها، فالأصل هو اللحاظ، والسرّ فيه أن المضيّع لا يحرز، ولا (خطر)  على السارق في أخذه، فكل مصون تحقيقاً لا يقدر السارق على أخذه، وإنما يأخذ مضيّعاً، ولكن بفعلة يعدّ صاحبها مقصّراً، ولا يخرج السارق بها عن كونه مقتحم خطراً \rثم إن لم يكن مكاناً  محصّناً إلا عند دوام اللحاظ، وإن كان محصّناً فيحصل (الخطر)  بأصل اللحاظ، فإن ما يحتاج إليه السارق من حيل النقب والتسلق على الجدران ينبّه الملاحظين غالباً وإذا تمهّد هذا علم  أن العرف في هذا يضطرب باضطراب الأموال والأشخاص والأحوال ، ونحن نهذّب المآخذ برسم صور:\rالصورة الأولى: الإصطبل المتصل بالدار حرز للدوابّ، وكذا المراح للمواشي، وليس الإصطبل حرزاً للثياب، فإن واضع الثوب فيه يعدّ مقصّراً بخلاف رابطة الدابة، ولأن الدوابّ يعسر نقلها، فنزل منزلة حصانة الموضع وفيما يتعاطاه ناقل الدابّة مع عسر إخفائها ما ينبه المالك، أو يطلع بعض الطارقين، فيفتقر السارق إلى احتياط ظاهر في انتهاز الفرص  كما في أخذ الأموال من الدور بالليالي وأما الثوب والدراهم فيسهل إخفاؤه \rوقال الأصحاب: على هذا عرصة الدار وأروقتها  حرز لثياب البذلة، وليست حرزاً للدراهم والدنانير واللآلئ، فإن واضع الدراهم فيها يعدّ مضيّعاً وهذا الفرق إن لم يؤدّ إلى تثاقل الفرش  والأواني وعسر إخفائها ، لم يعقل عندي وهذا يوجب الفرق بين صغار الأواني وكبارها سواء كان من النحاس أو من الذهب والفضة ","part":1,"page":9},{"id":2113,"text":"الثانية: ما أحرز بمجرد اللحاظ كالمتاع الموضوع على الأرض، سواء كان في صحراء أو مسجد أو شارع، لا بدّ فيه من اللحاظ القائم، فيسقط إحرازه بنوم صاحبه إذا كان منفرداً بلحاظه، ويسقط بإعراضه وبأن يوليه ظهره على وجه يعدّ تقصيراً  فإذا لم يكن شيء من ذلك فقد تتفق فترات لطيفة وحيل من السارق، وتطابق تيك الفترات مرة، وتبطل  أخرى، فيطلع المالك، فهي محل إيجاب القطع \rوهذا اللحاظ  يضعف بشيئين: أحدهما: أن يكون الملاحظ ضعيفاً بعيداً عن محل المغوثة ، فهو مال  ضائع، ولا خطر على السارق في أخذه إذا كان لا يبالي باطلاعه لو اطلع، وإنما خطره في أن يحذر اطلاعه لقوةٍ مّا، ولتمكنه من الاستغاثة (لقربه)  من الناس\rوالثاني: أن يكثر طروق الطارقين كالنعل في المسجد المزحوم، والمتاع في الشارع على فوهة الطريق، ففي هذه الصورة وجهان: أحدهما: وجوب القطع؛ لأنه ملاحظ، والمتاع مما يحيط به اللحاظ، وإن كان لا يحيط بسائر الطارقين والثاني: أنه ليس بحرز؛ لأن لحظ اللاحظ لا ينقسم على أشخاص كثيرين، فيشتغل حسّه  بمراقبة واحد أو قوم، ويسهل على آخرين الأخذ \rفأما إذا كان المسجد خالياً عن الزحمة، فاللحاظ أحرز للنعل وغيره، وليس منشأ الخلاف كون المحل مشتركاً؛ بل هو جارٍ في ملك الخان  الذي أذن للناس في الدخول فيه، كذا التاجر (في)  كل محل مزحوم ","part":1,"page":10},{"id":2114,"text":"الثالثة: ما يفيد  الحصانة مع أدنى لحاظ كالموضوع في الدور والحوانيت المقفلة وهي متواصلة فإن كان صاحب الدار في الدار وهي وثيقة، فهي  حرز وإن نام المالك؛ لأن النوم معتاد، وفي التسلق على الجدران والنقب ما ينبهه غالباً هذا إن كان الباب مغلقاً، (فإن)  كان مفتوحاً فنام، وكان ذلك بالليل فهو ضائع، وإن كان بالنهار فقد يعتمد المالك على لحاظ الجيران والطارقين على الباب، وإن  لم تكن الدار مجاورة ولا  مطروقة فضائع وإن كان بابها مطروقاً ففيه وجهان: أحدهما: أنه حرز اعتماداً على لحاظ الجيران وهذا لأن  الأمتعة الموضوعة على أطراف الحوانيت على عادة (القماشين) ، والصبّاغين، والقصّارين، والحمّاميّين محرزة  بأعين الجيران والطارقين وإن غاب المالك أو نام  عنها والثاني: أنه ليس بحرز؛ لأن المتاع على أطراف الحوانيت ملحوظة، وقعر الدار غير ملحوظ وإذا كان المالك فيها اعتمد الجيران عليه، وتساهلوا في المراقبة \rوذكر الشيخ أبو علي وجهين فيما إذا كان [باب الدار مفتوحاً، وهو يسلّط السارق، وقد ذكرنا أن ذلك  لو فرض في الصحراء]  يجب القطع، فكيف لا يجب في الدار ولكن (ما يذكره)  يريد به أن صاحب الدار قد يعرض عن متاعه، ولا يديم  اللحاظ اعتماداً على حصانة الدار، فتكون غفلته كنومه، حتى لو فرض من إدامة النظر ما لو فرض في الصحراء لوجب القطع، فوجوبه ههنا أولى \rفلو وقع النزاع فيه، فقال السارق: كان لا يديم اللحاظ، وكان غافلاً أو نائماً، والمال ضائع، فالوجه درء الحدّ عنه بمجرد دعواه كما يدرأ عنه بمجرد دعوى الملك بناءً على النص \rالرابعة: الخيام ليست حصوناً محرزة، فإنه يتصور سرقتها في نفسها، فما فيها محرز باللحاظ نعم، لو استوثق بالربط والحبال، فقد يغني ذلك عن الجدّ في إدامة اللحاظ، وكذلك تنضيد الأمتعة (وما لا يعتبر)  عسراً في الأخذ بتنبه  المالك وتطلعه  غالباً ","part":1,"page":11},{"id":2115,"text":"(وكذلك)  الدوابّ المسيبة في الصحاري محرزة بأعين الرعاة فإذا كان على نشز  وهي في الصحاري (فمحرزة)  \rولا حاجة إلى الإطناب بتكثير الصور، وقد ظهر المعنى\rفأما من يسوق قطاراً من الإبل، قال الأصحاب: هي محرزة بالقائد ولحاظه، وأقصى عدد القطار تسعة  وقال أبو حنيفة: إن كان سائقاً فالكل محرز، وإن كان قائداً فالمحرز هو الأول، وإن كان راكباً فمركوبه وما أمامه، وواحد من ورائه محرز  وهذا مذهب  ظاهر، وما ذكره الأصحاب مأوَّلٌ، وينزل على ما إذا كان يقود في الأسواق، فإنها ملحوظة بأعين اللاحظين، أو كان يقود في سكة، وهو يلتفت وراءه ومع ذلك فلو انحرف في طرف سكة خالية، فما يغيب عن البصر ليس محرزاً وهذا قد صرح به الأصحاب فأما  إذا كان لا يلتفت والمكان خالٍ، فيعتبر  مذهب أبي حنيفة، وليس ما ذكرناه (مخالفاً)  لمذهب الأصحاب؛ بل هو تفصيل له \rالخامسة: النبّاش إذا سرق الكفن من قبر في بيت مغلق محروس، أو في مقبرة لها حارس راتب، وجب القطع فيه، والحرز فيه باللحاظ كهو في سائر الأموال وكونه كفناً لا يمنع القطع \rولو كان متروكاً في مهمهٍ  مدفوناً في قبر، فالمذهب أنه لا يتعلق القطع به؛ لأنه مضيّع وحكي عن القاضي أنه محرز بهيبة النفوس عن الموتى، ولأن ذلك لا يعدّ ضائعاً في حق ولي الطفل وهو فاسد، فإن ولي الطفل محتاج إليه، وأما هيبة النفوس عن  الموتى لا ثبات لها، فهي من خور الطبع، ويختلف فيه الناس \rفأما إذا كانت المقابر (متصلة)  بالبلاد على العادة فوجهان: أحدهما: أنه لا يجب القطع؛ لأن المال الموضوع في المقابر اعتماداً على أعين الطارقين لا يكون محرزاً والثاني: أنه محرز؛ لحصانة القبر، ولهيبة  الميت، ولحاظ الطارقين، ولحاجة  النباش إلى فعل كثير يطلع الناس عليه، فمجموع ذلك يجعله حرزاً ","part":1,"page":12},{"id":2116,"text":"وعلى هذا الثوب المطوي الموضوع في القبر معه، فيه وجهان، أظهرهما: أنه لا يكون محرزاً، وإنما حرز الكفن مستمدّ من الحاجة كما في الدوابّ في الإصطبل  ومنهم من قال: هو حرز له، وهو القياس إن صح الأول، وإلا فلا فرق في عسر الأخذ والاطلاع، والفرق بالحاجة لا يغني، فإن الحاجة قد تمس إلى ما يعدّ تضييعاً \rثم قال الأصحاب: الزيادة على العدد المشروع من الكفن وإن كان ملفوفاً على الميت كالثوب المطوي لا كالكفن، وإن كانت الزيادة على المشروع بالقيمة كما لو كفن بدق مصر، والديباج الرومي ، وكان الشيخ أبو محمد يتردد فيه، وكل ذلك خبط منشأه الفرق في غير محله \rفإن قيل: حق الخصومة مع النباش لمن تثبت قلنا: هو مبني على أن الكفن ملك من وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ملك الوارث، وهو الأصح، ولكنه امتنع الرجوع بعد أن كفن فيه حذاراً من النبش والثاني: أنه للميت استبقاءً لملكه لحاجته  والثالث: (أنه)  لا مالك \rفإن قلنا: للوارث، فإليه الخصام، وإن قلنا: لا مالك له، فإلى الإمام، وإن قلنا: للميت ففيه وجهان: أحدهما: أنه إلى الوارث؛ لأنه بعد الفصل منه لا يتعين له؛ بل يجوز للوارث أن يبدله والثاني: أنه إلى الإمام وهذا فاسد؛ إذ ينبغي أن يمنع التبديل بعد النزع من الميت، وإذا جاز ذلك للوارث فينبغي أن يكون له هذا إذا كفن في (ملكه) \rفإن كفنه الوارث من ملك نفسه، أو الأجنبي من ملك نفسه محتسباً، أو الإمام من بيت المال، فمن أصحابنا من طرد الأوجه الثلاثة: أحدها: أنه للمكفن، والآخر: للميت، والآخر: لا مالك ومنهم من قال: وجه الميت لا ثبات له ههنا، فإن استبقاء الملك إن اتجه  لحاجته، فابتداء  التمليك بعيد، وما عداه من الوجهين جاريان ومنهم من قال: قولنا: لا مالك له أيضاً، لا اتجاه له، فإن إزالة الملك اختياراً إلى غير مالك لا يعقل، وإن عقل، فهذا تمويه، ثم حق الخصومة يتبع الملك كما سبق ","part":1,"page":13},{"id":2117,"text":"وإذا قلنا إنه باقٍ على ملك بيت المال، فسرقته كسرقة بيت المال، وقد ذكرناه وكل ذلك خبط، والصحيح أنه ملك المكفّن  \rفإن قيل: هل يشترط في الحرز أن لا يكون مملوكاً للسارق قلنا: لا يشترط ذلك مطلقاً؛ بل التفصيل فيه أنه إن كان ملكاً له، فلا يخلو إما أن يكون مستأجراً أو مغصوباً أو مستعاراً؛ فإن كان مستأجراً وجب القطع على المكري؛ لأنه متعدٍّ بالدخول والإحراز من منافع  الدار، وهي مملوكة للمستأجر وإن كان مغصوباً منه، فدخل وأخذ مال الغاصب، فلا حدّ؛ إذ حلّ له دخول الحرز عاجلاً وآجلاً، فلا حرز في حقه، وهو متصرف بالدخول في ملكه وإن كان مستعاراً فثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا يجب القطع على المعير؛ لأنه متصرف في ملكه، وإنما الصادر منه إباحة يرجع عنها  متى شاء والثاني: أنه يجب القطع كما في المكري، فإن دخوله ليس من الرجوع المملوك له والثالث: الفرق بين أن يقصد الرجوع أو لا يقصده \rواستشهد  القفال في اعتبار القصد بأن من دخل دار الحرب فوطئ حربية، إن قصد به قهرها لم يكن زانياً، وكان ولده نسيباً، وصارت أم ولده، وإن لم يقصد القهر فهو زانٍ، ولا نسب، ولا يحصل الاستيلاد هذا إذا كان الحرز بالبقعة \rولو كان باللحاظ وكان العبد مستعاراً، فتغفل السيد عبده الراعي الملاحظ وسرق، فمن أئمتنا من قطع بوجوب الحد؛ إذ لا يمكن أن يقال: اللحاظ ملكه؛ بخلاف الدار، فإن له حق الطروق في ملكه ومنهم من جعل ذلك كالمستعار وعلى هذه الطريقة ينبغي أن يفرق بين المغصوب والمستأجر، وكأن هذا القائل يقول: العبد لحاظه غير صالح للإحرازعن مولاه ","part":1,"page":14},{"id":2118,"text":"فإن قيل: فلو كان للسارق حق الدخول بأن كان المسروق منه غصب ماله، فدخل وأخذ مال نفسه ومال الغاصب، أو أخذ مال الغاصب دون مال نفسه قلنا: في وجوب القطع وجهان: أحدهما: الوجوب؛ لأنه أخذ ملك غيره من حرز لا ملك له فيه والثاني: أنه لا قطع؛ لأن له التهجم عليه لأخذ ملكه، فسقط الحرز في حقه \rفأما إذا دخل غير المغصوب، فإن أخذ مال الغاصب يجب  القطع، وإن أخذ المغصوب فوجهان يبتنيان على أن غير المالك هل له انتزاع المغصوب من يد الغاصب احتساباً \rولا خلاف [في]  أن المودِع إذا دخل دار المودَع، وأخذ مع وديعته مال المودَع، وجب القطع؛ إذ ليس له دخول الحرز بحال \rفإن قيل: الدار المغصوبة هل هي حرز عن غير الغاصب قلنا: قال القفال: ليس بحرز وقال ذلك تخريجاً، وفي كلام غيره إشارة إلى خلافه فإذاً وجهان، [ونقلهما]  يستمدان من تنزيل غير المغصوب منه منزلة المغصوب منه في استرداد المغصوب، فكذلك ههنا في جواز الدخول للانتزاع ينزل غير المغصوب منه منزلته، وكأن القفال يعلل أن الإحراز من منافع الدار، وهي غير مملوكة له، فلم تكن حرزاً لماله أصلاً \r\rهذا تمام النظر في أركان  المسروق وشرائطه\rالركن الثاني للموجب: السرقة :\rوهي عبارة عن إبطال الحرز، ونقل المال من الحرز، فيتعلق  النظر بثلاثة أطراف: كيفية إبطال الحرز، وكيفية النقل، والمكان المنقول إليه أما المنقول عنه فهو الحرز، وقد ذكرناه \rالطرف الأول: في إبطال الحرز:\rوذلك بالنقب أو فتح الباب في غالب الأمر فإذا نقب وأخرج في الحال قطع، وإن نقب وعاد بعد ليلة للإخراج، فإن كان المالك قد اطلع وأهمل، فلا قطع، فإنه مضيع، وإن لم يكن قد اطلع أو كان السارق ردّ إلى  المنفذ اللبنة بحيث لا يدرى، فهذا في محل الاحتمال، فإن التواصل الزماني منقطع، ولكن قاعدة الزجر تقتضي الإيجاب ","part":1,"page":15},{"id":2119,"text":"هذا إذا انفرد بالسرقة، فإن تعاون رجلان، فإن اشتركا في النقب وفي الإخراج، وكان ما يخص كل واحد منهما نصاباً، وجب القطع عليهما، ولا يشترط في الاشتراك في النقب امتزاج الفعلين بحيث لا يتميز كما نشترطه في امتزاج الفعل في قطع اليد لإيجاب القصاص؛ لأن النقب مقدمة الأمر الموجب ولو  كان يأخذ هذا لبنةً وذلك لبنةً، كفى وفي بعض التصانيف وجه أنه لا بدّ من الامتزاج كما في القطع \r وأما الإخراج فلا بدّ من الامتزاج أو الانفراد بما يستقل، فلو انفرد كل واحد بعد الاشتراك في النقب بأخذ ربعٍ، قُطِعَ، وإن اشتركا في حمل نصف دينار قطعا ولو انفرد أحدهما بثلث، والآخر بسدس فلا قطع على آخذ السدس، ولا يكمل ذلك بنصيب  شريكه، وإن كانا قد تواطئا على التساوي في التوزيع، فإن الفعل متميز، وهو  مناط إيجاب القطع \rأما إذا انفرد أحدهما بالنقب، والآخر بالإخراج، قطع المراوزة بسقوط الحد عنهما جميعاً؛ لأن أحدهما خارب جدار، والآخر آخذ ملكاً من مضيعة، وليس واحد منهما سارقاً، ولا قطع إلا على سارق وقال العراقيون: أما الناقب فلا قطع عليه، وأما المخرج فوجهان، ويتأيد وجه الإيجاب بالمحافظة على قاعدة الزجر والحذار من إثبات ذريعة عامة هينة \rوأما  إذا اشتركا في النقب، وانفرد أحدهما بالإخراج، فالذي لم يخرج لا قطع عليه، والذي أخرج يجب عليه؛ لأنه انفرد بالإخراج، وشارك في النقب، والشريك في النقب كالمنفرد، وحكي فيه وجه مزيف لا وجه له ","part":1,"page":16},{"id":2120,"text":"فرع: لو اشتركا في النقب، وانفرد أحدهما بالدخول، وحمل المتاع إلى باب النقب، وهو بعد في الحرز، فأدخل الآخر يده وأخرج، فالقطع عليه، فإنه  المخرج من الحرز، والآخر لم يخرج من الحرز ولو أخرج الداخل يده إلى خارج الحرز، فأخذه الواقف على النقب فالقطع على الداخل المخرج ولو وضعه على وسط النقب، فأخذه الآخر فقولان مشهوران: أحدهما: أنه لا قطع على واحد منهما؛ إذ كل واحد لم يتمم الإخراج والثاني: أنه يجب عليهما؛ لأنهما شريكان وقد تمّ الإخراج بفعلهما وتعاونهما وقطع الصيدلاني بنفي القطع عنهما \rالطرف الثاني: في نقل المال وإخراجه:\rوالنقل يفرض مباشرة وتسبباً، وتحوي جملته على أربع صور:\rإحداها: أن يباشر النقل حاملاً له، ويلتحق به ما إذا لم يدخل الحرز، ولكن ألقى محجناً، فتعلق به في الحرز ثوب أو آنية، وكذلك إذا دخل الحرز، ورماه إلى خارج، فهو سارق مباشر، سواء أخذه من خارج أو تركه وقال قائلون: إذا تركه ولم يأخذه حتى أخذه غيره، أو ضاع أو أخذه صاحبه، فلا قطع؛ لأن هذا عدوان وتفويت، وليس بسرقة وهذا مذهب أبي حنيفة ، وهو وجه ضعيف ثم لا اتجاه له إذا أخذه معينه بإذنه \rولو تعلق بمحجنه منديل فأخرج من الحرز نصفه، وترك نصفه في الحرز، فتنبّه المالك وهرب، فلا قطع وإن كان النصف الخارج يساوي نصاباً لو خرج، ولكنه لا يسمى إخراجاً ولو أكل السارق الطعام في الحرز، وهو يساوي نصاباً،  فلا قطع، فإنه (أخرج)  بعد الإتلاف وفوات القيمة \rولو  ابتلع درة (وخرج) ، فثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا يجب؛ لأنه تفويت، فصار كالطعام والثاني: أنه يجب؛ لأن الدرة لا تفسد؛ بخلاف الطعام والثالث: ينظر، فإن خرجت الدرة فظفر بها قطع، وإلا فما سبق تفويت ","part":1,"page":17},{"id":2121,"text":"الصورة الثانية: إذا فتح أسفل كندوج، فانصبّ منه إلى خارج الحرز ما هو نصاب، وجب القطع، وكان ذلك مضافاً إلى فعله، وهو قريب من المباشرة، فإنه موجب للخروج بالعادة وفيه وجه أنه لا يجب؛ لأنه لم يباشر إلا النقب و (الباقي) : لم يكن من جهته، فهو سبب محض، والسرقة تستدعي مباشرة \rولو ألقى المتاع على الماء [الجاري] ، فجرى  به إلى خارج، فلا خلاف في وجوب القطع وهذا يبين الوجوب في مسألة الكندوج؛ إذ لا فرق فإن انقدح ثَمَّ وجه، فلا بدّ من جريانه ههنا، وإن لم يذكر \rالصورة الثالثة: إذا كان في الحرز دابة، فوضع المتاع عليها، وخرجت الدابة بالمتاع، ففيه طرق: منهم من قطع بأن لا قطع؛ لأن الدابة ذات اختيار، ولا يبقى له إلا سبب محض ينقطع بالمباشرة، وليس كفتح باب القفص، فإنا إذا أوجبنا الضمان فذاك يستقل بمجرد النية وقال العراقيون: إن تراخى مسيّرها عن الحمل، فلا قطع، وإن اتصل فوجهان ومنهم من عكس، وقال: إذا اتصل وجب القطع، وإن تراخى فوجهان والطريقان يلتفتان على الضمان في فتح باب القفص وكأن منشأ الخلاف راجع إلى أن محض السبب ، هل يكفي لإيجاب القطع فإن قلنا إنه يكفي، فهو كفتح باب القفص \rولو دخل حرزاً فيه شاءٌ، فأخذ شاة لا تبلغ نصاباً، فتبعها الشاء، وهي بمجموعها نصاب وزيادة، قال الشيخ أبو علي: إن كانت الشاء بحيث تتبع هذه  المحمولة لكونها أمها أو هادية متبوعة في القطيع، وجب القطع، وإلا فلا  وهذا كلام مبهم، فينبغي أن ينزل هذا على حمل الدابة، فإنه يرجع إلى اختيار البهيمة واعتيادها","part":1,"page":18},{"id":2122,"text":"الصورة الرابعة: العبد الصغير إذا حمله وأخرجه من الحرز، قطع وحرزه دار السيد وحريم داره في السكة، فإذا فارق تيك البقعة يعدّ ضائعاً فيها وهذا بيّن إذا وجده نائماً أو مضبوطاً فحمله، أو حمله قهراً فأما إذا دعاه وخدعه، فإن كان مميزاً يعقل عقل مثله، فلا قطع؛ لأنه لم ينقل، وإنما العبد هو المنتقل، وفعل الآدمي المميز معتبر فإن كان لا يعقل فهو كدعاء البهيمة واستتباع الشاة، وقد سبق \rفأما إذا أكرهه بالسيف على الخروج فوجهان: أحدهما: أنه يجب، كما لو ساق الدابّة، فامتنعت، فضربها حتى خرجت، فيجب القطع قطعاً والثاني: لا يجب؛ لأن اختيار الآدمي بعد وجوده لا سبيل إلى تعطيله، ولذلك يبقى التكليف في القتل والزنا بعد الإكراه \rفإن قيل: إذا حمل عبداً قويًّا يمتنع على السارق بقوته لو تنبّه،  أو أفاق من سكره وإغمائه قلنا: أما إثبات اليد عليه لإيجاب الضمان عليه لو مات حتف أنفه  واجب، فإن اليد في المنقول تثبت بمجرد النقل دون الاستيلاء وأما جعله سارقاً، فيه نظر وتردد من حيث أنه محرز بقوة نفسه، فيمكن أن يقال: لم يبطل الحرز؛ بل حرزه قوته، وهي معه وهذا يوجب التفرقة بين الضعيف والقوي، ويوجب النظر إلى قدر القوتين، ولا يبعد هذا الاختلاف  \rوكذلك نقول: الرجل الضعيف الذي معه ماله في مهمه قفر لا مغيث له ، ليس ماله محرزاً به مع ضعفه في حق القوي، وينبغي أن يجعل محرزاً في حق الضعيف، فما يرجع إلى العرف لا يستبعد اضطراب الحكم باختلاف الأشخاص ","part":1,"page":19},{"id":2123,"text":"الصورة الخامسة: إذا حمل حرًّا، وأخرجه من داره وعليه ثيابه، فأما الحر فلا يدخل تحت اليد ، وأما الثوب الذي عليه، فهل يدخل تحت يد الحامل في الضمان ننظر ، فإن كان بالغاً قويًّا فلا يدخل تحت يد الآخذ؛ بل هو تحت يده، فلو تلف عليه بآفة سماوية، فلا ضمان، وإن كان صغيراً ففي ثبوت اليد وجهان: أحدهما: أنه لا يثبت؛ بل هو في يد الصغير الحرّ، فإنّ لِيَدِهِ  تأثيراً في الشرع، ولذلك يخصص بالشعار والدثار  اللقيط الذي وجد  ملفوفاً فيه، ولا نسلمه إلى الملتقط والثاني: أنه يدخل تحت يده، فإن يد الصغير لا تصلح للاستحفاظ والائتمان وأبعد بعض نقلة المذهب، فذكروا وجهاً في الحرّ الكبير أنه يدخل في ضمان الحامل، ولا وجه له \rالتفريع: حيث لم نثبت اليد فلا سرقة، وحيث أثبتنا اليد ومن عليه الثياب ضعيف، فقد نثبت السرقة وإن كان قويًّا، ففي ثبوت السرقة وجهان \rفرع: إذا ركب الإنسان بعيراً مملوكاً له، وعليه أمتعته، فجاء سارق وأخذ زمام الناقة وراكبها نائم، وقادها إلى حيث أراد، وصرفها عن سنن الطريق، فهل نجعله سارقاً فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه سارق؛ لأنه استقل به، وصرفه عن الموضع الذي هو فيه محرز  بلحاظ الناس والثاني: أنه ليس بسارق؛ لأن يد الراكب ثابتة قائمة، ولا تزول بما طرأ، فلا تثبت يد السارق والثالث: أنه ينظر، فإن كان الراكب قويًّا لم تثبت السرقة؛ لأنها محرزة بقوته، فالحرز إذاً معه، لم ينقل من الحرز وإن كان ضعيفاً تثبت السرقة والرابع: أنه إن كان الراكب حرًّا، لم تثبت السرقة، وإن كان عبداً فالعبد أيضاً مسروق مع البعير وأمتعته وهذا يستمدّ من الأصل الذي سبق من ثبوت اليد على ثياب الحرّ، والنظر إلى قوة العبد وضعفه \rالطرف الثالث : في المحل المنقول إليه:","part":1,"page":20},{"id":2124,"text":"لا خلاف أن السارق لو نقل المال من زاوية الحرز إلى زاوية وهرب، فلا قطع ولو نقل إلى ضيعة  خارج الحرز قطع وقد يتردد بين هذين الطرفين صور هي في محل النظر، كما إذا أخرج من البيت إلى صحن الدار، فإن لم يكن البيت مقفلاً قيل الدار هو الحرز الواحد، فلا قطع وإن كان مقفلا نظر، فإن كان باب الدار مفتوحاً وجب القطع؛ لأن الحرز هو البيت، وعرصة الدار مضيعة هذا إذا كان مفتوحاً في الأصل \rفلو تولى السارق فتحه، وكان مغلقاً، فهو المبطل لإحرازه وقد ذكرنا أن إبطاله الحرز لا يلحق الحرز بالمضيعة في حقه، حتى وجب القطع عليه بالإخراج بعد النقب، وإن لم يجب على غيره إذا أخرج بعد نقبه، ولكن ذلك [  ظ] للإيجاب وهذا لو قيل به فهو للإسقاط، حتى (تبقى)  العرصة حرزاً، ولا يكون ناقلاً عن الحرز بالكلية، فهذا في محل التردد \r\rفأما إذا كان باب الدار أيضاً مغلقاً ، فالمال محرز بالبيت والدار جميعاً، ففي نقله إلى العرصة ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يجب القطع؛ لأنه أخرجه  من حرز هو  مستقل بالإحراز والثاني: أنه لا يجب؛ لأن باب الدار يغلق لتوثيق الإحراز، فلم يخرجه عن كمال الحرز والثالث: أنه يفرق بين قماش تجعل عرصة الدار له حرزاً [وبين ما لا تجعل عرصة الدار له حرزاً] ، فيجب القطع في نقل (ما تكون)  العرصة [له]  حرزاً دون (غيره)   هذا في الدور","part":1,"page":21},{"id":2125,"text":"وأما في الخانات وحجرها، فإخراج المال من الحجر والبيوت المقفلة إلى عرصة الخان كالإخراج إلى عرصة الدار، ولو فرضت دور  أبوابها لافظة  في سكة منسدّة الأسفل، والسكة مملوكة لسكانها، وعليها باب، فالإخراج إلى السكة محتمل ظاهراً أن يجعل كالإخراج إلى عرصة الخان، ولكن المنقول عن الأصحاب أن هذا سرقة تامّة، ولعل السبب فيه أن عرصة الخان الجامع ينتفع فيها بوضع الأقمشة بها، فيكون محرزاً بملاحظة الأعين، وليس ذلك معتاداً في السكك، ولا فرق فيما ذكرناه في الخان بين أن يسرق واحد من سكان الخان أو من الخارجين بعد أن يسرق من حجرة محرزة عنه \r\rفأما إذا سرق من العرصة فأخرج منها، فهذا في حق الخارج موجباً للقطع إذا كان الباب مغلقاً عنه، أما في حق السكان، وباب الخان غير مغلق عنهم، ففيه تردد، يحتمل  أن  يقال: يجب القطع؛ لأنه محرز بالأعين وإغلاق الباب، وقد  أخرجه من الحرز، وإن لم تتحقق صورة دخول الحرز وخروجه، ولذلك أوجبنا القطع على من يفتح أسفل كندوج من علو سقف وإن لم يدخل الحرز، وكذلك الجاذب بالمحجن، ويحتمل أن لا يجب، وهو الأظهر؛ لأن إغلاق الباب لا يحرز عن الكائن في الخان ، وإنما الإحراز عن السكان بأعين اللاحظين، وهو صحيح، وكأنه مستودع وإن لم يشافه به، ومن أودع شيئاً في ملك المودع وحرزه، فتعدى بالإخراج، فلا ينبغي أن يجب القطع عليه، وكذلك الضيف، وكل خارج من جوف الحرز، لا يحرز المال عنه لحصانة الموضع وهو فيه، وإنما يحرز باللحاظ \rوإن كان عليه حارس مرتب سواه، فقد ذكرنا حرز اللحاظ، فإن كان الاعتماد على لحاظ جمع وهو منهم، فهذا الاحتمال جارٍ فيه، وكذلك القول في أمتعة الحوانيت وأبوابُها مفتوحةٌ، اعتماداً على لحاظ الجيران، لو  سرق واحد من الجيران شيئاً منها، فيجري فيه هذا التردد  والله أعلم\rالركن الثالث للسرقة: السارق:","part":1,"page":22},{"id":2126,"text":"ولا يشترط فيه إلاّ التكليف والالتزام، فلا قطع على مجنون وصبي، ولا على كافر حربي  ويجب على الذمي قطعاً؛ إذ يقام عليه سائر عقوبات الآدميين وحدود الله تعالى؛ إلا حدّ الشرب على القول المنصوص نعم، لو سرق من مال مسلم أقيم عليه الحكم قهراً، وإن سرق من مال ذمي كان موقوفاً على ترافعهم، على تفصيل يأتي فيه \rوكذلك نقول في حد الزنا ومن الأصحاب من قال: لا يقام عليه حد الزنا إذا زنى بمسلمة ما لم يرض بحكمنا؛ بخلاف حدّ السرقة، فإن للسرقة خصماً وطالباً، وحد الزنا لا طالب له وهذا هوسٌ، فإنه إذا منع الإمام من طلب هذا الحق جرّ هذا التسليط فضيحة عظيمة؛ فإنه لا يرضى بحكمنا وغايتنا نقض عهده، وتجب إعادته متى أعاد التزام الجزية \rثم المسلم مقطوع بسرقة مال الذمي  كما الذمي مقطوع بسرقة مال المسلم \rفأما المعاهد فقد اضطربت  النصوص فيه، وحاصلها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يقطع؛ لأنه حربي دخل لسفارة  أو غرض بأمان خالٍ، فلم يلتزم التعرض للأحكام كلها، (وهذا)  من حدود الله تعالى، فلا يقام عليه والثاني: أنه يقام؛ لأنا عصمناه، فمن ضرورة إثباتنا العصمة له التزامه الانقياد في مقابلته، فصار كالذمي والثالث: أنه إن شرط عليه القطع إذا سرق، قطع، وإلا فلا  وسرقة المسلم ماله يخرج على سرقته مال المسلم؛ إذ يبعد أن يقطع المسلم بماله، ولا يقطع بمال المسلم \r\rولو زنى بمسلمة فطريقان: منهم من قال: كالسرقة، ومنهم من قطع بأنه لا يقام عليه حد الزنا؛ لأنه محض حق الله تعالى، لا يتعلق بطلب العبد، ولا خلاف في أنه يطالب بضمان الأموال، وإنما التردد في حدود الله  هذا حكم الحربي\rوأما الرجل والمرأة والحر والعبد فسيّان في التزام القطع  ومذهب مالك -رحمه الله- أن العبد  الآبق إذا سرق لم يقطع  وقد ردّ الشافعي -رحمه الله- عليه؛ إذ لا تأثير للإباق فيه ","part":1,"page":23},{"id":2127,"text":"النظر الثاني من الكتاب: في إثبات السرقة ومعرفتها:\rوذلك منحصر في الإقرار والبينة \rوما لم يثبت عند القاضي الموجب بالحدود المذكورة، فلا يستوفى القطع \rفإن ثبت بالإقرار فلا يخلو بأن أقر قبل الدعوى أو بعدها، فإن كان بعد الدعوى من المسروق منه، فنقدم عليه أنه إن أنكر وحلف سقطت الخصومة في المال، فإن نكل حلف المدعي، وثبت الغرم \rوقال الأصحاب: يثبت القطع أيضاً؛ لأن اليمين المردودة  إن سلك بها مسلك الإقرار فالقطع يثبت بالإقرار، وإن سلك بها مسلك البينة، فهي كالبينة الكاملة، ولذلك يثبت القصاص بها ، وإن كان لا يثبت إلا ببينة كاملة \rوهذا لا ينفك عن احتمال، فإن من ادعى على غيره أنه استكره جاريته على الزنا، ورد اليمين عليه فحلف، استحق المهر، ويبعد إثبات الرجم لله تعالى بيمينه المردودة، فينقدح مثل ذلك في حد السرقة، وسنشير إلى أنهما يتجاريان مجرًى واحداً، هذا إذا أنكر \rفإن أقر استوفي منه بشرط الإصرار  \rفإن رجع فللأصحاب طريقان: أحدهما: وهو طريقة القاضي وطائفة المحققين، أن الغرم لا يسقط برجوعه \rوفي سقوط القطع قولان: أحدهما: أنه يسقط كحدّ الزنا، فإنه حق لله تعالى\rوالثاني: لا يسقط؛ لأنه مرتبط بحق الآدمي، (ولم)  يسقط حق الآدمي، وهو لا يقبل الانفصال عنه بعد ثبوته  وكذلك لو أقر العبد يقبل في القطع ، وهل يقبل في تعلق الأرش برقبته ففيه خلاف \rالطريقة الثانية: عكسه، وهو أن القطع ساقط كحد الزنا، والغرم [هل] سقط بالتبعية، فعلى قولين وعلى الجملة، إسقاط الغرم بالرجوع أبعد من إبقاء القطع مع الرجوع \rوالطريقة المثلى: القطع بأن  القطع ساقط، والغرم باقٍ، والتلازم ليس بشرط، وثبوت الملك على رأي في إقرار العبد ليس للتلازم، ولكنه غير متهم، فكان إقراره بينة لا ريبة فيها ","part":1,"page":24},{"id":2128,"text":"فإن قيل: فلو أقرّ الرجل باستكراه جارية حتى ثبت الحد والمهر، ثم رجع؛ قلنا: قال القاضي: يحتمل أن يقال: هذا  كالسرقة، ويحتمل أن يقال: يسقط الحدّ قولاً واحداً؛ لأن الحد قد ينفك عن المهر، والقطع لا ينفك عن مطالبه بعين  أوقيمة ومن ذهب إلى أن القطع سقط، وفي الغرم خلاف، فيلتزم لا محالة مثله في سقوط المهر  وكل ذلك خبط، والوجه الفرق بين الحدّ والمال في المسألتين \rهذا إذا رجع قبل القطع، فإن رجع بعده فلا تدارك، فإن رجع في أثناء القطع انكف  الجلاد عن الباقي؛ إلا إذا لم يبق إلا جلدة يجوز للمقطوع قطعها بنفسه، فله أن يأذن الجلاد في قطعها إن أراد  هذا كله إذا أقرّ بعد الدعوى\rفإن أقر ابتداءً من غير سبق دعوى، فهل يقطع أم ينتظر حضور المالك فعلى وجهين: أحدهما: أنه لا ينتظر كما لو أقر بالزنا بجارية لغيره، فإنه يستوفى في الحال والثاني: أنه ينتظر، فلعل المالك إذا حضر قال: كنت أبحت له الأخذ، ولو قال ذلك لسقط الحد وإن كذبه السارق \rوأما الإباحة في الزنا، فلا وقع لها ، ومساق هذا يقتضي أن يقال: لو قال: كنت ملّكتها إياه بهبة أو بيع، وأنكر الزاني، يقام الحد، وهو كالحرة إذا قالت: كنت منكوحته فأنكر، فإن الحد لا يسقط عندنا \rومثل ذلك لو فرض في السرقة بأن قال: كنت: ملكته قبل هذا، أو قال: سرق ملك نفسه، فيسقط القطع وإن أنكر وفي هذا يفترق الزنا والسرقة، ويتبين ارتباط القطع بطلب المسروق منه؛ إذ أثر قوله بكل حال \rالتفريع: إن قلنا: لا يقطع في الحال، قال الأصحاب: إن قربت الغيبة حبس، وإن بعدت وكانت العين المسروقة تالفة حبس، فإنها  دين في ذمته \rوإن كانت قائمة فوجهان ","part":1,"page":25},{"id":2129,"text":"وفي هذا نظر، فإن من أتي أقر  بمال لغيره في غيبته، فالسلطان لا يحبسه؛ بل الحبس موقوف على استدعاء مستحق الحق، فينبغي أن يخرّج حبس السارق ـ بقي المال أو هلك ـ على أن القطع هل يسقط برجوعه فإن قلنا: لا يسقط، فيحبس، وإن قلنا: يسقط، فيحتمل أن لا يحبس؛ لأن الأمر إليه  هذا كله في إقرار الحر\rأما العبد إذا أقر على نفسه بالسرقة قطعت يمينه، وإن أقر بسرقة لا توجب القطع، وإنما توجب الغرم، فكذبه السيد، فهو مردود؛ لأنه يرجع إلى إقرار على السيد، ولا وجه لقبوله ؛ ولهذا قال المزني وأبو يوسف: القطع لا يجب على العبد بإقراره  وكان ينقدح أن يجعل مذهب المزني قولاً مخرجاً، ولكن لم يذهب إليه أحد من الأصحاب","part":1,"page":26},{"id":2130,"text":"ثم السرقة الموجبة للقطع إذا قبلنا إقرار العبد  فيها في حق القطع، فهل يقبل في [حق]  المال فيه أقوال، وتصرفات الأصحاب  في محل الأقوال مضطربة، وحاصلها أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يقبل؛ لأنه تصرف في مال السيد إن كان المقر بسرقته عيناً؛ لأن ما في يد العبد فهو في يد السيد، وتصرف في الرقبة إن كان تالفاً؛ إذ الأرش يتعلق به والثاني: أنه يقبل؛ لأن القطع أيضاً تفويت لملك السيد، ولكن [لما]  انتفت التهمة عنه، قبل، وإذا لم يتهم في إقراره ينبغي أن يقبل مطلقاً؛ إذ لو كذب في السرقة لاستحال القطع من غير سرقة والثالث: أنه إن أقر بعين [هي]  في يده يقبل في الانتزاع من يده؛ لأن ظاهر اليد للعبد، فإن أقر بالإتلاف فلا يتعلق برقبته؛ لأن الرقبة في يد السيد، فصار كما لو أقر بأن ما في يد السيد من جميع الأموال: أنا سرقته، وسلّمته إليه واتفق الأصحاب على أن إقراره كذلك، هو مردود في المال والرابع: عكس ذلك، وهو أنه إن كانت  العين تالفة قبل، وتعلق برقبته، [فإن]  السيد  على الأصح يفدى بأقل الأمرين، وهو قيمة العبد أو الأرش، فقيمة العبد مردّ لمنتهى الإضرار بالسيد ولو فتح باب الإقرار بالأعيان فربما يكون جميع مال السيد في يد العبد، فيقر (به) ، ويوطن نفسه على قطع اليد، فيفتقر السيد \rوعلى هذا ينقدح قبول إقراره فيما في يد السيد على هذا التأويل (وانحصر)  إقراره في قيمة العبد إذا كانت تلك الأموال قد تلفت في يد السيد \rفإن قيل: إذ ذكرتم أن الرجوع عن الإقرار يسقط الحد، فالقاضي هل يحثه على الرجوع أو هل يشبب  بما يذكره الرجوع قلنا: اتفق الأصحاب على أنه لا يحثه على الرجوع، بأن يقول له: ارجع عن إقرارك، ولكن في التعريض والتشبيب تردد للأصحاب ","part":1,"page":27},{"id":2131,"text":"ومن جوّز ذلك استند إلى ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في المرفوع إليه بتهمة في السرقة: ((ما إخالك سرقت، أسرقت قل: لا)) فأما قوله: ((قل: لا)) فلم يصححه أئمة الحديث \rولو صح فهو حث على ترك الإقرار، فدل على جواز الحث على الرجوع عن الإقرار \rفأما قوله: ((ما إخالك سرقت)) فهو تشبيب ظاهر، وعلى الجملة، فهذا جارٍ قبل ثبوت السرقة وظهورها  وقد قال عليه السلام: ((من ارتكب شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإن من أبدى لنا صفحته نقم عليه حد الله تعالى)) \rوعن هذا قطع الأصحاب بأنه لا يجب على المرتكب أن يقر ويظهر، وهذا يؤيد مذاهب من يسقط هذه الحدود بالتوبة \rولكن آخر الحديث يدل على أن ما بعد الظهور بخلاف ما قبله؛ إذ لو فتح باب التوبة لم يعجز عنه كل من ثبت عليه الحد، فالوجه أن يقال: التوبة الحقيقية تسقط عقاب الآخرة، وأما الحدّ فباق، وإنما الستر ينفع قبل الرفع، وأما الرجوع من الإقرار فمقبول بالاتفاق بعد الرفع إلى القاضي، وهو دليل على قبول التوبة \rالحجة الثانية للسرقة: الشهادة:\rوذلك لا يخلو إما أن (تكون)  ناقصة أو كاملة، فإن كانت ناقصة كرجل وامرأتين أو شاهد ويمين، فلا يثبت بها القطع، وهل يثبت به المال الظاهر أنه يثبت، ومنهم من قال: لا يثبت كما إذا شهدوا على قتل عمد، لم يثبت القصاص ولا الدية، ولكن الفرق ظاهر، فإن الدية تبع للقصاص في العمد، والمال ليس تبعاً للقطع؛ بل يجب بسبب  سابق على القطع، وهو إثبات اليد \rفأما إذا كانت البينة كاملة، فيثبت القطع والمال بها بشرط أن تكون مفصلة، فالشهادة  على مطلق السرقة وكذا الإقرار بمطلق السرقة لا يثبت القطع، فكم من سرقة لا توجب القطع، فهي  منقسمة، فلا بد من التفصيل \rوأما نسبة الرجل إلى الزنا بمطلق قذف صريح، فغير  موجب للحد ","part":1,"page":28},{"id":2132,"text":"(أما)  الشهادة على الزنا، فلا بدّ فيها من التفصيل كما في السرقة؛ لأنهم قد يعتمدون على مخايل وظواهر  وأما الإقرار بالزنا المطلق ففي افتقاره إلى التفصيل خلاف \rوفي السرقة يشترط التفصيل في الإقرار قطعاً \rووجه الفرق أن المقرّ عالم بنفسه في صدور حقيقة الزنا منه، وكل زنا موجب للحد، والشاهد استفصل من حيث أن الزنا لا [يقع]  بمشاهدة الغير غالباً، وكل سرقة غير موجبة للقطع، فهذا وجه الإمكان، واحتمال التسوية (باق)  إذا قامت البينة مرتبة على الدعوى \r\rفلو قامت شهادة الحسبة على أن فلاناً سرق مال  فلان، والمسروق منه غائب، فقد نص الشافعي -رحمه الله- على أنه لا يقطع في الحال ، ونص على أنهم لو شهدوا على أنه زنى بجارية فلان الغائب، يحدّ  في الحال، فاختلف الأصحاب على طريقين  بالنقل والتخريج، ولا شك في جريان هذه  الطريقة أيضاً في صورة الإقرار وإن قدمنا الفرق بينهما \rومنه من أقر النصين، وقال: إباحة المالك دون غيره  أو برضاه يسقط حدّ السرقة وإن أنكره، وإباحة المالك لا  يسقط حد الزنا \rالتفريع: إذا قلنا: لا يقطع في الحال، فهل يحبس هذا يبتني على شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى، وهي مقبولة  بالاتفاق، وفي محض حقوق الآدميين لا تقبل على ظاهر المذهب والسرقة تتردد  بين الجانبين، فينقدح فيها  خلاف، فإن قلنا: لا تسمع شهادة الحسبة فلا حبس، وإن قلنا: تسمع، فيحبس \rالتفريع: إن قلنا: تسمع، فإذا حضر المالك كفاه أن يدعي فيستوفي المال، ويستوفي القطع لله تعالى، وكنا ننتظر دعواه للأمن من شبهة الإباحة والتمليك إن قلنا: لا تسمع، والبينة تعاد لإثبات المال، فظاهر المذهب أنها لا تعاد للقطع، فإنه حق الله تعالى وهذا تفريع على أن شهادة الحسبة مقبولة في حق الله، وهو صحيح ","part":1,"page":29},{"id":2133,"text":"فإن قيل: قد قدمتم أن دعوى السارق الملك بمجرده مسقط للقطع، فهل تقبل إذا قامت البينة على السرقة، وهي دعوى على مناقضة بينته، والدعاوى تسقط بالبينات\rقلنا: إن شهدت البينة على أنه سرق متاعاً من حرزه، فليس في هذا تعرض للمالك فموجب البينة رد المتاع إليه ليده، وقول السارق: كان ملكي دعوى لا تناقض  البينة، فيسقط به القطع \rفأما إذا شهدوا على أنه سرق متاعاً هو في ملكه من حرزه، فلو قال السارق: كان أباحه لي، أو باعه مني، فالقطع ساقط؛ لأن هذه الدعوى لا تناقض البينة، وهي مستندة إلى ظاهر [الحال] ، ولذلك لا يمنع من الدعوى في تحليف المشهود له \rفأما إذا قال: كان ملكي أصلاً غصبنيه، ولم يكن ملكاً له ، فهذا الآن يناقض البينة، (فإذا)  جرينا على النص، ففي سقوط القطع ههنا تردد، ولعله يبنى  على أن من ادعى ملكاً، وأقام البينة عليه، فقال المدعى عليه: (الشهود)  استندوا إلى الظاهر، والمشهود له يعرف سرًّا أن هذا ملكي، فخافوه، فهل يجاب إليه فيه خلاف، فإن قلنا: يجاب إليه، فيرجع ههنا تمكين السارق من تحليفه، والتوقف إلى خُلفه ، وإنما أسقطنا القطع بدعواه الملك؛ لأنا أبعدنا أن تكون يمين المدعى عليه سبباً لإثبات القطع عليه، فإنه مهما ادعى ذلك، لا بدّ من تحليف المسروق منه، ولو نكل وحلف السارق لسقط عنه، فإذا حلف وهو مدعى عليه، بعُدَ إيجاب القطع به فهذا تفصيل المذهب \r\rالنظر الثالث في الكتاب: في الواجب بالسرقة :","part":1,"page":30},{"id":2134,"text":"والنظر في الغرم، والقطع، والحسم ، والتعليق أما رد العين [أو الغرم]  فثابت مع القطع عند الشافعي -رحمه الله- ، وقال أبو حنيفة: لا يجتمعان  ثم الواجب القطع من الكوع ؛ خلافاً لأصحاب الظاهر، فإنهم قالوا: من المنكب  ثم الواجب أولاً قطع اليمين، وفي الكرّة الثانية قطع [الرجل]  اليسرى احترازاً من استيعاب جنس البطش أو الاستيعاب لأحد الجانبين، فإنه يمنع الاتكاء على خشبة في المشي، وفي الثالثة يعود إلى قطع اليد اليسرى، وفي الرابعة إلى رجله اليمنى ؛ خلافاً لأبي حنيفة، فإنه أوجب في الكرة الثالثة التعزير ، والمعتمد الحديث، وقد نقل ذلك، ونقل: ((فإن عاد خامساً فاقتلوه)) ، وقيل: هو قول للشافعي -رحمه الله- في القديم، ولكنه مرجوع عنه، فإن هذه الزيادة شاذّة لم يتعرض لها الشافعي  رحمه الله \rوأما الحسم، فهو غمس محل القطع في الزيت المغلي لتنسدّ أفواه العروق ، واختلف الأصحاب في أنه عقوبة واجبة مع القطع حقًّا لله، أم يتعاطى حقًّا للسارق وخوفاً من هلاكه منهم من قال: هي عقوبة؛ إذ لم تزل الأئمة يفعلون ذلك، شاء من عليه القطع أو أبى ولو كان من حقهم لفوّض إليهم، وليس للإمام أن يحمل  على حسم الدم معالجة، والضعف قد يضر به ذلك، وحسم الدم (بمعالجة)  أخرى ممكن والثاني: وهو الظاهر، أنه لحق السارق حذاراً من إهلاكه، وعصمة للجراحة من السراية على قدر الإمكان  فإن قلنا: إنه من حق السارق، فمؤونته عليه إن أراده ، وإن قلنا إنه من حق الله، فمؤونته كمؤونة القطع \rأما التعليق فمعناه: أن تعلّق يده في رقبته، وتترك ثلاثة أيام ، وقد ورد به خبر  ومن الأئمة من لم يصحح الخبر ، ومن صححه فلا يوجبه؛ بل يستحب ذلك إن رأى الإمام تنكيلاً؛ لقوله تعالى:         ","part":1,"page":31},{"id":2135,"text":"فروع: أحدها: من سرق وليس له اليد اليمنى بأن كانت سقطت بآفة سماوية، قطعنا رجله اليسرى، وقدرنا كأنه سرق ثانياً \rولو كانت اليد موجودة حالة السرقة،  ثم قطع قصاصاً، أو سقطت بآفة سماوية، فالمذهب أن القطع قد سقط؛ لأن الحق قد تعلق به، وتعين فيه، وفات محل القطع، وفي بعض التصانيف أنا نعدل إلى الرجل اليسرى، وهو غلط \rالثاني: لو بادر الجلاد، وقطع اليد اليسرى، فإن تعمد فعليه القصاص، والقطع باقٍ في اليمين ، وإن دهش وغلط ، نص في الأم على سقوط قطع السرقة  كما نقلناه في باب الاستيفاء من كتاب الجراح  ونقل الحارث بن سريج النقال ـ وقيل: البقال  [عن الشافعي]  ـ أن الدية  تجب بسبب اليسرى، والقطع باق في اليمين ، فحصل قولان وقد قدمنا التوجيه وقال أبو إسحاق المروزي: لو سقطت يده اليسرى قبل قطع اليمنى بآفة سماوية، لا يبعد أن ينزل منزلة غلط الجلاد بقطعه  وهذا حكاه العراقيون عنه وزيّفوه، وهو ركيك لا وجه له \r\rالثالث: لو كان على يد السارق أصبع زائدة، قطعناها ولم نبال ولو كانت ناقصة الأصابع اكتفينا بها ما وجدنا أصبعاً واحداً ، وإن لم نجد إلا كفًّا فوجهان: أحدهما: الاكتفاء، فإن  الغرض الأظهر التنكيل بقطع المعصم والثاني: أنه لا يكتفى؛ إذ اليد عبارة عن آلة البطش، فإن لم نعتبر كمالها، فلا بدّ من أهليتها   وهذا ضعيف وأما اليد الشلاء، فالظاهر المنقول الاكتفاء بها؛ إذ يكتفى بها في القصاص إن رضي بها المستحق؛ إلا أن يخاف نزف الدم، فنقدر عدمها، ونعدل إلى الرجل اليسرى \rالرابع: لو كان على المعصم كفان قطعنا الأصلية، وتركنا الزائدة إن  أمكن ، فإن كان في قطع الأصلية إبانة الزائدة قطعنا، ولم نكترث بالزيادة \rوإن  كانتا متساويتين ولم نتبين الأصلية، قال الأصحاب: نقطعهما جميعاً لنتيقن استيفاء الأصلية، ولا مبالاة بالزائدة وإن استوفيت  تابعاً  والله أعلم","part":1,"page":32},{"id":2136,"text":"كتاب قطاع الطريق\rالجناية السادسة الموجبة للحدّ: قطع الطريق:\rوالنظر في صفة قطاع الطريق، والعقوبة الواجبة ، وحكم تيك العقوبة\rالنظر الأول: في صفتهم:\rونقول: [أولاً]  الأصل في الكتاب قوله تعالى:          الآية وتكلم المفسرون في سبب نزولها؛ قال ابن عباس: نزلت في قطاع الطريق ناسخة  لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرنيين، وهو أن قوماً من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فبايعوه على الإسلام، فاجتووا  المدينة، فقال عليه السلام: ((لو خرجتم إلى إبلنا فشربتم من ألبانها وأبوالها، فخرجوا، فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الإبل، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم، فأتي بهم، فأمر فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت  أعينهم ـ وروى ـ: وسمرت  أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون، وكان الواحد منهم يعض الحجر عطشاً حتى ماتوا))  فنزلت آية المحاربة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [في]  تفسيرها: ((أن تقتلوا إذا قتلوا، أو يصلبوا إذا قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم إذا أخذوا المال، أو يلحق الطلب  بهم إذا ولوا، وهو نفيهم)) ، ونظر داود إلى ظاهر الآية، فخير بين هذه العقوبات ، وقال مالك رحمه الله: الشاب منهم يقطع، والشيخ ذو الحزم والرأي يقتل، ومن ليس له نجدة الشاب ولا رأي الشيوخ ينفى \rفإذا تمهدت المقدمة فنعود إلى صفاتهم ونقول: المعتبر فيهم صفتان: الشوكة والإقدام في مكان يبعد منه غوث السلطان \rأما الشوكة فمعتبرة لتمييزهم عن المختلسين ، فإذا لم تكن لهم قوة الاستيلاء كانوا مختلسين يعتمدون الهرب، فليس عليه  إلا التعزير ، وننتبه عند هذا لأمور :","part":1,"page":1},{"id":2137,"text":"أحدها: أن النسوة إن قطعن الطريق فحكمهن حكم الرجال ، وقال أبو حنيفة: لا حدّ عليهن؛ بل لو كان في جملة القطاع امرأة واحدة فلا حدّ على الجميع \rالثاني: أن رفع السلاح غير مشروط، وإن كان الغالب أن قطاع الطريق يشهرون السلاح، ولكن لو اشتركوا باللكم واللطم والضرب بجمع الكفّ ، حصل القهر به \rالثالث: أن العدد غير مشروط، فلو استقلّ واحد بمقاومة واحد وقهره، أو بقهر  جمع بفضل قوته ، فهو قاطع طريق ، وكان ينقدح في الرأي أن يقال: المسافر الواحد مضيع ماله، فينبغي أن يستظهر بالرفقة، وهم ينزلون منزلة محرز ماله ، وآخذ المال المضيع لا عقوبة عليه، ولكن اتفقت الطرق على أن الواحد الفرد إذا سافر (فقهره)  متغلب، (فللمتغلب)   حكم القطاع، ومال الإمام إلى تقرير هذا الإشكال، وقال: الرأي عندي اتباع الاعتياد، وأخذ طرف من المعتاد بحيث يعدّ منعة على الجملة، فإن يد السلطان لا تستقل [بدفع]  آحاد ذوي العُرامات  عن الطريق، وإنما تستقل بفض الجموع  وتفريقهم \rالرابع: لو هجم على الرفاق قوم يستقل الرفاق بدفعهم من غير ضرر فاستسلموا، فهم المضيعون، ولا يثبت حكم القطاع للآخذين، فإنهم لم يستولوا بشوكتهم، فإن علموا أنهم لا يقاومون فانهزموا، أو تركوا الأموال، فهم قطاع \rوإن نهضوا للدفع وكانوا في محل المقاومة، وشمّر أولئك  (في القصد) ، وأصاب كل فريق من صاحبه أخذاً وقتلاً، ثم انكف الفريقان من غير ظفر من أحد الجانبين، فما جرى من قتل الظالمين، وأخذهم المال إن اتفق شيء منه، فهل له حكم قطع  الطريق فيه تردد من حيث أنهم ما كانوا أصحاب ضعف بالإضافة إلى الرفقة، ولا أصحاب غلبة، والحرب سجال ، يَنَال الإنسان ويُنَال [منه] ، ويمكن أن يقال: لهؤلاء عدة قطع الطريق على الجملة، وإنما الرفقة بكثرتهم صادقوا ، وقد يلقون رفاقاً لا يصادقون، فالرأي أن يعاملوا معاملة قطاع الطريق، وهو الأصح ","part":1,"page":2},{"id":2138,"text":"فأما الصفة الثانية: وهو (الإقدام)  عند تعذر الغوث، فنعني به أن يكون ذلك في الطريق البعيدة من البلاد التي بها الاستغاثة، وهذا عادة القطاع، (يترصدون)  المكامن والفرص، ويبرزون ويفزعون عن (القهر)  والأخذ عالمين بأن الغوث لا يلحقهم إلا وقد أخذوا وبعدوا عن محل الأخذ، فأما ما يجري على أطراف العمران ويد السلطان بها قاهرة، فالاعتماد فيها على الاختلاس والهرب، لا على الشوكة، فلا حكم لهم إلا التعزير \rنعم، لو فترت  قوة السلطان في البلاد، وثار ذوو العرامات، فلهم حكم قطاع الطريق عند الشافعي رحمه الله، فليس في العمران ما ينافي هذه الغنيمة \rفأما إذا دخلوا في وقت قوة السلطان دار إنسان ليلاً بالمشاعل مكابرين ، وهجموا  على أهل الدار، فمنعوهم من الاستغاثة حتى قضوا أوطارهم متلثمين لا يعرفون، وتفرقوا وتواروا بحيث يدركون، فقد اختلف فيه الأصحاب، فقال قائلون: هم قطاع الطريق؛ لأنهم تهجموا بالقوة والشوكة، وحسموا طريق (الغوث) ، فصار ذلك كالحسم بالتباعد ومنهم من قال: هم سراق؛ لأن  الطلب يلحقهم على القرب، وإنما تعويلهم على الاختفاء والتواري ، وكان يحتمل أن يقال: إنهم يختلسون؛ لأن السارق من يختزل [ولا يكابر] ، ولكن لم يقل هذا الاحتمال \rالنظر الثاني: في بيان العقوبة الواجبة على قطاع الطريق:\rويمتزج به  النظر في جرائمهم الموجبة، فمن اقتصر منهم على أخذ ربع دينار، قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، وكلاهما عقوبة واحدة مغلظة لتفاحش الجريمة، ولا فرق بين أن يكون النصاب لواحد أو لجميع الرفقة كما في باب السرقة، لا يفرق بين المشترك والخالص مهما اتحد الحرز وقال ابن خيران : لا يشترط  النصاب؛ بل يضعف القطع بأخذ أي قدر كان، وهو مزيف بالاتفاق ","part":1,"page":3},{"id":2139,"text":"ومن اقتصر على القتل المجرد، ولم يأخذ مالاً قتل، ولم يزد  بالحراب تغليظ في القتل إلا تحتمه كما سنذكره  فإن اقتصر على (الإرعاب)  والانتصاب ردءاً للآخرين ، [فعليه تعزير  وقال أبو حنيفة: هو شريك مع الآخرين]  في جنايتهم  \rوإن جمع بين الأخذ للمال والقتل، فالمذهب المشهور، وهو المروي عن ابن عباس، أنا لا نقطعه أصلاً؛ إذ  لا نقتصر على قتله؛ بل يقتل ويصلب، ويكون الصلب زيادة تنكيل لأجل الأخذ لولاه لما فُعِل وذهب أبو الطيب  بن سلمة إلى زيادة: بقطع يده ورجله لأخذه، ويقتل لقتله، ويصلب لجمعه بينهما وذكر صاحب التقريب قولاً آخر، وهو أنه إن أخذ نصاباً مع القتل قطع، وقتل، ولم يصلب، وإن أخذ ما دون النصاب قتل، وصلب  والصلب لأخذ ما دون النصاب؛ إذ تعذر القطع  به، والوجهان بعيدان عن مذهب الشافعي\rوقال أبو حنيفة: الإمام بالخيار، إن أحبّ قتل وصلب، ولم يقطع، وإن أحبّ قطع وقتل ولم يصلب، فالقتل لا بدّ منه، فإليه  الخيرة بين القطع والصلب \rثم إذا جمعنا بين القتل والصلب، فالمذهب الصحيح أنه يقتل على الأرض، ثم يصلب قتيلاً ، وحكى الشافعي  من مذهب [الغير، وكأنه يشعر ارتضاء به،]  أنه يصلب حيًّا، ويقتل مصلوباً ، فقال الأصحاب: هذا أيضاً قول له، والصحيح هو الأول \rفإن قلنا: بالآخر ، ففي كيفية قتله بعد الصلب وجهان: أحدهما: أنه يترك حتى يموت جوعاً وعطشاً وهذا بعيد  والثاني: أنه يقصد مقتله بحديدة مذففة، وهو مذهب أبي حنيفة ","part":1,"page":4},{"id":2140,"text":"ثم إذا قتل مصلوباً أو صلب مقتولاً، فكم يترك على الصليب  فيه قولان: أحدهما: أنه لا يترك أكثر من ثلاثة أيام، فقد  حصل التنكيل به، فيصان عن التفتت والنتن والثاني: أنه يترك حتى يتهرى ، قال الصيدلاني: حتى ينتثر، ويتساقط ويسيل [ودكه] ؛ لأن الصليب اسم الودك ، والاصطلاب إخراج الودك، وسميت تلك الخشبة صليباً لسيلان الصليب عليها في المعنى ؛ لقوله:      \rالتفريع: إن قلنا: لا يزاد على ثلاثة، فلو كان يتعرض للنتن قبله، فهل يستنزل، فعلى وجهين ، وإن قلنا: [إنه]  يترك حتى يتهرى فقد قال الصيدلاني: يقتل على الأرض حياً ويصلى عليه بعد الغسل ثم يصلب، ولا سبيل إلى ترك الصلاة على كل حال ، خلافاً لأبي حنيفة \rفإن قلنا: يستنزل قبل النتن والتفرق، فيمكن تأخير الصلاة إلى الاستنزال، فيسلم على أوليائه؛ ليباشروا ذلك ويدفنوه في مقابر المسلمين \rفإن فرّع مفرّع على أنه يقتل بعد الصلب وقال: يترك حتى يتهرى تعذر غسله والصلاة عليه، ويبعد جمع عظامه لأجل الصلاة \rفإن قيل: ما معنى قوله تعالى:         فهل النفي عقوبة مقصودة قلنا: للأصحاب مسلكان: منهم من قال: معناه: يقام الحد عليهم إن صودفوا ، فإن هربوا يشردوا في البلاد باتباع  أعوان السلطان إياهم لطلبهم، ولإقامة الحد أو التعزير عليهم إذا كانوا اقتصروا على الإرعاب، فيحصل نفيهم بهذا الطريق هذا هو الصحيح الذي ذكره الجماهير ، ومن الأصحاب من قال: النفي عقوبة مقصودة على من لم يقتل، ولم يأخذ المال، ولكن هيّب وخوف، وأدلى بالقوة، فإذا ظفرنا بهم نفيناهم عن بلادهم، وإذا عيّن لهم الإمام صوباً، لم يكن لهم الحيد عنه ","part":1,"page":5},{"id":2141,"text":"ثم هؤلاء اختلفوا؛ منهم من قال: ينفيهم الإمام إلى بلدة ويعزرهم بها إما ضرباً وإما حبساً ومنهم من قال بالاقتصار على النفي ثم قالوا: لا ينبغي أن يزيد النفي والحبس على سنة؛ بل ينبغي أن يقصر عنه، فإن التغريب  سنة (موجب)  حدًّا، وهذا تعزير \rوهذا كلام مخبط، فإنه إن كان تعزيراً فللإمام في التعزير أن ينفي إذا رأى ذلك، وله أن يترك أصل التعزير، وله أن يبدل \rفإن لم نجوز التبديل فقد جعل هذا حدًّا، وهو محال وإن جوزوا التبديل والترك، فما زادوا على ما قاله الآخرون وإنما الصحيح أن معنى النفي اتباعهم إذا هربوا؛ بخلاف سائر الحدود، فإن الهاربين  منها لا يتبعون  كما سبق، وهؤلاء لو لم يتبعوا لثار  منهم فساد في الأرض \r\rالنظر الثالث  من الكتاب: في حكم هذه العقوبة:\rوالغرض ذكر حكمين: أحدهما: أن هذه العقوبة تؤثر فيها التوبة قبل الظفر؛ قال الله تعالى:            فقال الأئمة: يتعلق بهذه الجريمة قطع اليد والرجل، وتحتم القتل، والصلب، أما الصلب وتحتم القتل فيسقط بالتوبة، وأما قطع الرجل فكذلك ، وفي قطع اليد وجهان ومن قال: لا يسقط، قال: هذا القدر يجب فعله لكونه سرقة والصحيح أن الجميع ساقط، فليس هذا صورة السرقة، والعقوبة كالمتحدة ، يدل على ذلك أنه لو عاد ثانياً قطعنا رجله اليمنى ويده اليسرى، ولو فقدهما أولاً عدلنا إلى الموجود، ولو وجدنا رجله اليسرى دون يده اليمنى، قال العراقيون: يقتصر ولا تقطع يده اليسرى ولا رجله اليمنى؛ لأنهما كالعضو الواحد، وقد قدرنا على بعضه، فصار كاليد الناقصة الأصابع يكتفى بها من السارق ","part":1,"page":6},{"id":2142,"text":"فأما التوبة بعد الظفر، فقد أجرى الأصحاب فيها قولين في هذه (العقوبة) ، وفي عقوبة الزنا والشرب وكل حد لله تعالى، أحدهما: أنه لا يؤثر؛ لأن الله تعالى قيد التوبة بما قبل الظفر والثاني: أنه يسقط؛ لأنه قيد ههنا وأطلق في باب السرقة، فقال:\r          فإن قال قائل: لم يتعرض إلا للمغفرة؛ قلنا: وفي آية قطع الطريق [عند]  ذكر التوبة أيضاً لم يتعرض إلا للمغفرة، فلا فرق  ثم قال القاضي: مجرد التوبة قبل الظفر مقبولة، فإن الغالب أنه لا ينفك عن حقيقة، وأما بعد الظفر يظهر كونها من الهيبة، فلا بد من الاستبراء مع ذلك أخذاً من قوله تعالى:    ولم يتعرض لإصلاح الحال في التوبة قبل الظفر وهذا يستمدّ من المعنى وظاهر القرآن، ولكن التفريع عليه عسير، فإنه إن حبس إلى الاستبراء فبعيد، وإن خلي سبيله فتتبع هفواته وحالاته بعيد \rثم ينقدح تردد في أن صلاحه يعتبر مطلقاً، أو في مثل هذه الجناية وعلى الجملة  إذا سلك مسلك النفي، وظهر ذلك من قرائن حالاته، انقدح أن لا يقام عليه الحدّ \rالحكم الثاني: أن القتل قد ازدحم عليه حق الله، ولأجله تحتم، وحق القتيل [فإنه]  معصوم لا محالة، ولا يجب القتل على المحارب إذا جرح خطأً أو شبه عمد \rوإذا كان عمداً، وصادف كفؤاً استوفى ، وللشافعي ـ رحمه الله ـ قولان في أن هذا القتل حق الله أم يشترك فيه حق الله وحق الآدمي، والقولان مستخرجان من مسائل الشافعي ـ رحمه الله ـ \r\rويتفرع عليه أنه لو قتل من لا يكافئه من ذمي أو عبد أو ابنه، فإن قلنا: الواجب حدّ، استوفى، وإن قلنا: فيه حق القصاص لا يستوفى ","part":1,"page":7},{"id":2143,"text":"ولو قتل عبد نفسه، قال القاضي: يخرج على القولين، وقال الصيدلاني: وإن قلنا [إنه حد، لم]  يجب عليه في عبد نفسه؛ لأنه مملوك له، ولا يصلح أن يكون خصماً  ذابًّا عن الرفقة  ، ولعل القاضي يخصص ذلك بما لو كان مكاتباً أو مستأجراً للرفقة، أو مأذوناً في الذب عنهم، فقتله السيد وهو لا يشعر أنه عبده، فإنه إن لم يكن اقتصاص لم يكن له أن يكافح  السيد بدفعه، ولا يبعد أن يثبت له ذلك أيضاً، ولذلك يخرج على القولين \rوإذا  مات فإن قلنا: محض حق الله سقط حق ولي الدم، فلا  دية له في تركته، وإن قلنا: له الحق فله الدية  \rوكذلك إذا قتل جمعاً، فإن جعل حدًّا اكتفي به، وإن أثبت حق الآدمي قتل على التحتم بواحد، خرجت له القرعة، وللآخرين الدية \r\rوكذلك لو عفا الولي على مال، فإن قلنا: لا حق له، فلا معنى لعفوه، وإن قلنا: له حق، ثبتت له الدية، واستوفى القتل حدًّا، وهو بمثابة مرتد إن استوجب القصاص فعفي عنه على مال فقتل حداً وكأنه ارتكب موجبين للقتل، أحدهما: الجناية على حق الله، والثاني: الجناية على حق الآدمي \rولو تاب قبل الظفر وسقط، تحتم حق الله، ففي بقاء القصاص وجهان: أحدهما: أنه يبقى بكل حال، والساقط هو التحتم والثاني: أنه يسقط بناءً على أنه محض حق الله تعالى، فهو كموته والوجه القطع بوجود الحقين جميعاً، فإن الجمع بينهما واجب ما أمكن، فإن تمحض أحدهما بتوبة المحارب أو بعفو ولي الدم، سلم الآخر عن الزحمة، فيستوفى، فأما إسقاط القصاص فلا وجه له \rفروع: أحدها: [إذا]  جرح في الحراب ، فسرى بعد انقضاء الحرب، فالقتل محتوم، ولو تاب قبل الظفر، وسرى  بعده، فالتحتم ساقط نظراً إلى حال الموت \rولو جرح عضواً  في الحراب لاقصاص فيه كالجائفة، فلا يجرح بسبب جرحه  ","part":1,"page":8},{"id":2144,"text":"وإن قطع عضواً فيه القصاص استوفي، وهل يتحتم كما يتحتم القتل أم لا يتحتم كما لا يتحتم استيفاء الأموال وتغريمها حاصل المذهب [فيه]  ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يتحتم كالقتل، فإن الطرف في معنى النفس في اشتماله على حق الله؛ بخلاف المال والثاني: أنه لا يتحتم؛ لأن النفس تستوفى حدًّا، والطرف لا يستوفى حدًّا والثالث: الفرق بين قطع الأذن والعين، وبين قطع الأطراف الأربعة، فإنها تستوفى حدًّا في السرقة وقطع الطريق، فضاهى النفس، وسائر الأطراف لا تستوفى حدًّا \rالثاني: نوالي [بين]  قطع اليد والرجل في حق المحارب، ولا نمهله ليندمل القطع الأول، وليس كما لو استحقت يسراه في القصاص، ويمناه في السرقة، فإنا نقدم القصاص، ونمهله ريثما يندمل؛ لأن الموالاة قد تقتل، وهما عقوبتان، وقطع العضوين في حق المحارب عقوبة واحدة، فلو استحقت يمينه قصاصاً، فحارب، فتقطع يمينه للقصاص تقديماً لحق الآدمي، ونقدر (كأنها)  فاتت، ونكتفي بقطع الرجل اليسرى عن الحد \rوهل نمهله  بعد قطع اليد فعلى وجهين: أحدهما: أنه يمهل؛ لأنهما قطعان عن جهتين، فصار كقطع القصاص والسرقة في عضوين والثاني: أنه لا يمهل، وهو الأصح ؛ لأن الموالاة بين القطعين مستحق مع القطعين، فإن فات أحد القطعين، فيبقى استحقاق الموالاة \rفإن قيل: رددتم القول في أن الزكاة والديون إذا ازدحمت  على التركة أيهما يقدم وقطعتم بتقديم حق القصاص على حد السرقة وقطع الطريق، فما الفرق قلنا: الفرق أن حق الله تعالى من الحدود متعرض للسقوط بالشبهات الخفية، حتى يسقط بالرجوع عن الإقرار، وحق القصاص لا يسقط به، وأما حقوق الله تعالى في الأموال، لا تسقط بالشبهات؛ ولأن مصرف الزكوات الآدميون، فلم يكن متمحضاً لله تعالى، وانضم إليه تأكده؛ بخلاف العقوبات، ولذلك نسلط  مستحق قصاص الطرف على التعجيل في شدة الحر والبرد، وفي حق الله تعالى نؤخر إلى اعتدال الهواء ","part":1,"page":9},{"id":2145,"text":"الثالث:  إذا اجتمعت عقوبات الآدميين كحد القذف، وقطع الطرف، وقتل النفس  قصاصاً، نظر، فإن ازدحم الطالبون فالوفاء بالجميع ممكن، فيقدم الجلد، ثم القطع، ثم القتل ولكن لا يبادر  القطع عقيب الجلد إن كان مستحق القتل غائباً، فإنه ربما يذففه الموالاة، فيضيع حقه، وكذلك إن كان حاضراً، واحتمل أن يموت بالموالاة قبل اتفاق القتل \rفإن قال مستحق القتل: إن كان ترك الموالاة لحقي فبادروا، فأنا أجوز ذلك، وأبادر إن بقي استيفاء النفس فإن علم أن النفس لا تفيض على الفور، فيجب التعجيل؛ إذ لا معنى للإمهال وتأخير الحق والنفس مستوفاة بكل حال \rوإن أمكن الموت فعلى وجهين: أحدهما: أنه يمهل؛ لأنه ربما يموت أو يبدو له أن يعفو عن النفس، فتفيض النفس هدراً والثاني: أنا نعجل؛ إذ تأخير حق الإنسان ومدافعته بناء على أنه ربما يعفو، [لا وجه له]  \rفأما إذا لم يزدحموا على الطلب؛ بل أخر بعضهم، فإن كان المؤخر مستحق  النفس فلا ضير ، ونقدم الجلد، ويمهل ثم يقطع، وإن كان المؤخر (مستحق)  الطرف مثلاً، فلا سبيل إلى إجباره على العفو أو التعجيل، ولا إلى تسليط  مستحق النفس على تفويت الطرف بالقتل، ولا سبيل إلى تأخيره، ويؤدي ذلك إلى أن مستحق الطرف يدفع حق القتل  متى شاء إلى غير نهاية، ولكنه لا بدّ منه، وكان يحتمل أن يسلط صاحب النفس، ويقال لصاحب الطرف: إن شئت فبادر، ولكن لا صائر إليه نعم، لو بادر صاحب النفس وقع حقه موقعه، وفات حق صاحب الطرف إلى مال \rالرابع: إذا اجتمعت حدود الله تعالى، كحد الشرب ، وحد الجلد في الزنا، وقطع اليد في السرقة، والقتل في الحرابة، فلا بدّ من البداية بالأخف، وهذا الترتيب مستحق، ثم يمهل إلى الاندمال في استيفاء الثاني، وهو أيضاً مستحق؛ لأن هذه عقوبات متوالية، وربما تقتل قبل استيفائها كلها، فيفوت القتل، فإذا لم يبق إلا القتل فلا إمهال بعده، فيبادر القتل  ","part":1,"page":10},{"id":2146,"text":"المسألة بحالها: لو كان بدل جلد الزنا جلد القذف للآدمي، فحد الشرب أخف، ولكن حق الآدمي أولى بالتقديم، ففيه وجهان:\rأحدهما: أن البداية بحد الشرب لخفته، تشوفاً إلى الوفاء بجميع (الحقوق)  والثاني: أن (حدّ)  القذف يقدم؛ لأنه حق الآدمي \rوكذلك لو كان بدل حد القذف قطع اليد قصاصاً، فعلى وجه يبدأ به؛ لأنه حق الآدمي، وعلى وجه يبدأ بحد الشرب أو جلد الزنا إن كان؛ لأنه أخف \rالخامس: لو زنى وهو بكر، ثم زنا وهو ثيب، فقد اجتمع الجلد والرجم، فالظاهر الاكتفاء بالرجم؛ لأن حدود الدنيا تتداخل، ومنهم من قال: لا تندرج للاختلاف، ولا خلاف في أن الجلدات في زنيات تتداخل، واختلفت العبارة عنه، منهم من قال: تقابل الجلدات بجملتها، أو  تقابل جملتها بكل واحد، وأرشق العبارات أن يقال: جملتها كالإيلاجات في وطأة واحدة، فلا يزيد الواجب بالزائد؛ بل يتعلق بالكل وكذلك لا يجب بوطئات بالشبهة الواحدة؛ إلا مهر واحد، كما في الإيلاجات \rالسادس: قطع الطريق يثبت بالإقرار، ويثبت بشهادة أهل الرفقة، ولكن لا ينبغي أن يضيفوا جنايتهم إلى أنفسهم، فتفسد صيغة شهادتهم؛ بل لا يتعرضون لأنفسهم، وليس للقاضي أن يبحث، ويقول: هل أنتم من أهل الرفقة ولو قال الشهود: تعرضوا لنا ولرفقائنا، فشهادتهم مردودة  \rولو قذف رجل أم إنسان وأجنبية فله أن يشهد مع قذف الأجنبية، ولا يتعرض لأمه، فلو قال: قذف أمي وأجنبية ردّت شهادته في حق الأجنبية؛ لأنه أظهر سبب العداوة وكذلك القول في الأموال المشتركة  وسيأتي تفصيله في الشهادات","part":1,"page":11},{"id":2147,"text":"كتاب حدّ الشرب\rالجناية السابعة الموجبة للحدّ: شرب الخمر:\rوالنظر في الموجب والواجب:\rالطرف الأول: في الموجب:\rويجب الحد على كل ملتزم شرب ما أسكر جنسه مختاراً من غير عذر وضرورة أما قولنا: ملتزم، احترزنا [به] عن المجنون والصبي والحربي\rوقولنا: شرب ما أسكر (جنسه)، جمعنا به سائر الأنبذة، فإن الحد عندنا يتعلق بقليلها وكثيرها كالخمر\rوقال أبو حنيفة: الخمر محرم قليله وكثيره، وما عاداها فالمحرم منه ما أسكر دون القليل\rوأما قولنا: مختاراً، احترزنا به عن المكره، فالإكراه على الشرب يسقط الحدّ؛ بل يبيح السكر بخلاف ما ذكرناه في الزنا\rوأما قولنا: من غير ضرورة، أردنا به أن من غصّ بلقمة، أو اضطر لإزالة العطش اضطراراً يخشى الهلاك، يحل له الشرب؛ بل يجب عليه ذلك وهكذا كل ضرورة علم على القطع زوالها بالشرب\rوأما التداوي عن الأمراض بالخمر، أطلق الأصحاب منعه، وقالوا: إن التداوي بالترياق والأعيان النجسة جائز، واستدلوا على تحريم التداوي بالخمر بما روي أنه عليه السلام سئل عن التداوي بالخمر، فنهى عنه، وقال: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم))، وهذا التعليل لا يوجب التفرقة بين الأعيان النجسة والخمر، وكيف وجوزنا شرب الخمر عند [الثقة بإفادته] في إساغة اللقمة وقطع العطش ودفع شر المكره، وقد (تراضى) الفقهاء في بعض محاوراتهم بجواز ذلك، ولم يُرَ في كتاب مُدَوَّن","part":1,"page":1},{"id":2148,"text":"[و]  قال القاضي: يحد إن شربه لا على قصد التداوي ، فأوهم ذلك إباحة، فالوجه التعليل بأن الشفاء غير موثوق به، والخمر قط لا تتعين للشفاء؛ بل تقبل الإبدال في المعالجات وقال بقراط : التجربة خطر، والقضاء عسير ، معناه أن الحكم بالشفاء عسير، فإن مستنده  التجربة مع اختلاف القوى  والخلق، والقياس، والعثور على حد العلة، ثم على الصلاح، ثم الحكم بقبول الطبيعة للشفاء أمور موهومة فهذا  يقتضي المنع [من الخمر والأعيان؛ بخلاف الصورة المستثناة نعم، اتفق الأطباء على أنه إن فاتحته]  الحمى المحرقة، فظهرت مخايل المدقوقين ، فلحم  السرطان  يطبخ بماء الشعير، وهو متعين للعلاج، ثم قد يشفى وقد لا يشفى فهذا من حيث تعينه في محل (النظر)  \rوعلى الجملة الطرق مائلة إلى الفرق بين الخمر والمعجونات النجسة والممكن في الفرق أن المنع من تعاطي النجاسات من باب المروءات أثبت كرامة للآدمي، وإلا فمصير الأطعمة إلى النجاسات، فلا يبعد أن يرتفع هذا التحريم بمصلحة  المعالجة بناء على الظن أما شرب الخمر فمحذور؛ لما فيه من الفساد، والأمر فيه عظيم، (ولا يرتفع)  إلا بضرورة قاطعة ثم المعجون الذي فيه الخمر من قبيل الأعيان النجسة، لا من قبيل الخمر، فليعلم \rوأما قولنا: من غير عذر، احترزنا به عن حديث العهد بالإسلام إذا لم يبلغه التحريم، فلا حدّ عليه \rوكذا الغالط إذا ظن أنه ليس بشراب مسكر؛ بل ظنه شراباً آخر؛ قال الشافعي: فلو سكر مثل هذا الرجل، فليس عليه قضاء الصلوات، وهو كما قال، فإنه كالمغمى عليه  ومن شرب عالماً بكونه مسكراً ومحرماً، ولكن جهل كونه موجباً للحد لزمه الحد ","part":1,"page":2},{"id":2149,"text":"قال الشافعي: ولو شرب  الحنفي النبيذ حددته  وفيه إشكال؛ لأنه يستحله ، ونص على الذمي: وإن رضي بحكمنا فلا يحدّ  فمن  الأصحاب من سوّى بين المسألتين نفياً، ومنهم من سوّى إثباتاً (والصحيح)  الفرق؛ أما الذمي، فلم يلتزم الانقياد في مخالفة دينه ، وأما الحنفي فهو تحت قهر الإمام، ومن المصلحة منعهم عن ذلك فإذا رأى الإمام منعهم، وحدهم به، فله ذلك \rثم الموجب بقيود : ينبغي أن يثبت عند القاضي إما بإقراره أو بالشهادة، ولا تعويل على الرائحة والنكهة، فلعله أوجر أو أكره أو غلط  ولو قال مطلقاً: شربت مسكراً، وقال الشهود: هو مسكر، أو شرب شراباً في قدح شربه غيره فسكر، كفى ذلك \rوفي هذا إشكال؛ لأنه يتردد بين الإكراه والاختيار وقد ذكرنا وجهين أن من أقر بالزنا المطلق، هل يحدّ ما لم يفصل والوجه التسوية وإن كان مِن فرقٍ فسببه  أنه إذا قال: شربت، دلت القرينة على اختياره، فإن المقهور لا يقر بذلك، فنزل منزلة الصريح به \rالطرف الثاني: في الواجب:\rوالنظر في قدره وكيفيته:","part":1,"page":3},{"id":2150,"text":"أما قدره فقد أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسكران ، فقال: ((اضربوه، فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، وحثوا عليه التراب، ثم قال: بكّتوه - أي: عيّروه ووبخوه ـ ثم قال: أرسلوه))  فلما كان في زمن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أتي بسكران، فأحضر الذين شاهدوا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعدّلوه بأربعين جلدة، (فكان)  يجلد أربعين، وكذلك عمر -رضي الله عنه- في صدر خلافته، حتى تتايع  الناس في شرب الخمر، واستحقروا ذلك القدر، فشاور عمر -رضي الله عنه- الصحابة رضي الله عنهم، فقال علي رضي الله عنه:  ((من شرب سكر، ومن سكر هذى، ومن هذى افترى، فأرى عليه حد المفترين))  فكان عمر -رضي الله عنه- يجلد ثمانين وعثمان رضي الله عنه ثمانين، وعاد علي رضي الله عنه إلى أربعين، وقال: ((ليس أحد أقيم عليه حدّاً فيموت، فأجد في نفسي [منه]  شيئاً، الحق قتله؛ إلا شارب الخمر، فإنه شيء رأيناه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن مات منهم، فالدية على عاقلة الإمام، أو قال: في بيت المال))  والشك من الشافعي وروي ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر (حتى)  جلد الشارب أربعين))  وروي أنه قال: ((إن شرب فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه)) \rوالقتل منسوخ بالإجماع \rولنا  في السرقة في الكرة الخامسة قول قديم \rثم اختلف الأصحاب في شيئين: أن الجلد بأربعين سوطاً مشروع قطعاً، ولو ضربناه بالنعال وأطراف الثياب، فهل يجوز الظاهر أنه جائز، فإنه الأصل، والعدول إلى السياط اجتهاد للتقريب وحكى العراقيون وجهاً أنه لا يجوز؛ لأن ضبط مقداره غير ممكن، وقد طال العهد، وكفينا مؤونة الضبط، فنقتصر  على المعدّل وهذا ضعيف ","part":1,"page":4},{"id":2151,"text":"الثاني: وهو أن الإمام لو رأى أن يضرب ثمانين، فالظاهر أنه لا يجوز؛ لورود الأحاديث في أربعين، وعود علي -رضي الله عنه- إليه، وإنما ذاك في رأي عمر، ورأي الصحابة في السياسات لا يجب اتباعها (فمنهم)  من قال: هو جائز له إن رآه، ولو رأى مزيداً على الثمانين فلا خلاف في منعه \rأما الكيفية، فالنظر يتعلق بالسوط، ورفع اليد، والمضرب، والزمان أما السوط فليكن وسطاً، والخشبة الزائدة على القضيب  والناقصة عن العصا تقوم مقامه بشرط أن لا يكون رطباً قريب العهد بالرطوبة يقرض في البدن، و [لا]  يابساً يتشظى ،  ولا ينبسط على البدن \r((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيم الحد، فأتي بخشبة لم تكسر ثمرتها، أي كانت قريبة العهد، وعليها عقدها التي هي منابت الغصون، فقال: ((هلا دون هذا! فأتي بخشبة خلقة، فقال: فوق هذا، فأتي بخشبة لا جديدة ولا خلقة، فأقام بها الحدّ)) \rوأما الضرب، فلا يرفع يده فوق الرأس، فيعظم الألم، ولا يكتفي بالرفع اليسير فلا  يؤلم وعلى الجملة، الزجر مع الإبقاء مقصود، فليتوسط وأما المضرب (فليفرق)  على جميع بدنه، ولكن يتقي  المقاتل كالمقرط ، والأخدع ، وثغرة  النحر، والفرج ويتقي الوجه، فقد صح النهي عنه في البهائم، فكيف في الآدمي ، ولا يتقي الرأس عندنا؛ خلافاً لأبي حنيفة  قال أبو بكر رضي الله عنه للجلاد: ((اضرب الرأس، فإن الشيطان في الرأس))  ولا تشدّيد  المحدود، ولا يتلّ  للجبين؛ بل يضرب قائماً، ويداه مطلقتان يتقي بهما إن شاء \rولا يضرب في الحر الشديد والبرد المفرط، فإن فعل ففي الضمان كلام تردد، [والظاهر]  أنه لا يضمن \rوتضرب المرأة جالسة، وتشد عليها ثيابها حتى لا تنكشف ","part":1,"page":5},{"id":2152,"text":"وأما الزمان فلا بدّ من موالاة الضرب، ولو فرق مائة جلدة على مائة يوم، لم يتأدّ به الحدّ، ولم يكن كاليمين، فإن مستندها الاسم ، والزجر مفهوم، وذلك في الأيام، ولا يحصل  ذلك بالتفريق \r\rثم قال القاضي: لو ضرب في يوم خمسين، وفي يوم خمسين، أراد به في حد الزنا، وقع الموقع  وعند هذا يتردد النظر بين سوط وسوطين، وبين خمسين فما دونه إلى عشرة وعشرين وأقرب الطرق أنه إن اندفع الألم بالتفريق حتى انقطع أثره فلا يقع الموقع، وإن كان الألم ناجزاً في الحال، وأثره باقياً إلى الضرب (الآخر) ، فهو كافٍ (وإن)  كنا نعلم أن في التواصل مزيد إيلام، ولكن هذا القدر كافٍ  والله أعلم\rهذا تمام الكلام في الجنايات الموجبة للحدود والاختتام بـ \r\rباب في التعزيرات  فيما عدا هذه الجنايات\rفكل جناية لا توجب الحد، وعصى مرتكبها بها، وتعرض للعقاب في (الدار)  الآخرة، ولم نقنع بهذا القدر؛ بل نوجب التعزير [به]  \rوالنظر في الموجب، ومن يستوفي، وفي قدره، ووجوب أصله\rأما الموجب فكل جناية لم توجب الحد، سواء كان على حق الله أو حق الآدميين، وما يكون على حق الآدمي أيضاً لا ينفك (عن)  حق الله \rوأما المستوفي فهو الإمام، وليس لأحد استيفاؤه إلا الأب، والسيد، والزوج أما الأب فلا يعزر البالغ، والصغير لا يلزمه التعزير حقًّا لله، ولكنه قد يضرب  تأديباً  وإرهاقاً إلى التعلم، وردًّا عن الجرائم بالترهيب ، وللأب هذه الولاية، وللمعلم أيضاً بإذن الأب، والكل مقيّد بشرط سلامة العاقبة \rفإن أفضى إلى هلاك وجب الضمان، وتبين أنهم جاوزوا  الحد المشروع في الشرع، ويكون شبه عمد يضرب بدله على العاقلة؛ إلا إذا تفاحش الضرب بحيث يقتل غالباً، فيكون عمداً محضاً \rوأما السيد فله تعزير عبده كما له إقامة الحد على مملوكه والتعزير متفق عليه في حق الله وفي حق نفسه ","part":1,"page":6},{"id":2153,"text":"وأما الزوج فلا يضرب  إلا في النشوز ، وقال تعالى:        فإن رفعها إلى السلطان في المراودات  عسير، ثم عليه الاقتصاد، فإن أهلك ضمن، وإن كانت لا تنزجر  إلا بضرب مبرّح يخاف في مثله الهلاك، لم يكن له الضرب المبرح لخطره، ولا ما دونه لعروّه  عن الفائدة \rأما أصل الوجوب، فقد قال العلماء: ما يتعلق منه بحق الله فهو مفوض إلى الإمام، ويتخير فيه، فإن شاء تركه؛ إذ وردت أخبار في إعراض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أقوام أساءوا أدبهم، وليس هذا خيرة تشهٍ؛ بل المتبع المصلحة، وربما تقتضي أن ينسحب ذيل العفو، والتجاوز عن الكريم أنجع ، وربما اقتضت المصلحة الاقتصار على الإيلام بالكلام ، وكَلْم الكلام عند الكرام أشد من كلم  الحسام، وربما يفتقر اللئيم إلى العنف، فالعبد يضرب بالعصا، والحرّ تكفيه الإشارة  هذا في التعلق بحق الله\rأما (المتعلق)  بحق الآدمي كمقدمات القذف، وما يجري مجراه، ففيه خلاف، منهم من قال: لا خيرة للإمام، وله طالب مغتاظ لا يتجاوز عنه، فهي كالحدود ومنهم من قال: إذا رأى السعي في الإصلاح فله ذلك، وهو الأفقه وليس المعني به التجاوز بالكلية، فمن أساء أدبه، فيستحق تأديباً لا محالة، ولكن الكلام قد يكفيه ويكفه، فربّ  لحظ أنجع من لفظ ، ورب لفظ أوقع من لطم، وعلى الجملة لا يسكت عنه، ولكن له الاقتصار على الكلام هذا ما ينبغي أن ينزل عليه الوجهان \rفرع: لو عفا المؤذى بموجب التعزير أو الحد، فرأى الإمام تعزيره، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: المنع؛ لأن الحق له، وقد أسقطه والثاني: الجواز؛ لأن فعله غير منفكّ عن الجناية على حق الله، وربما يرى المصلحة في كفه عن الرجوع إلى هذا الجنس والثالث: إن كان [الواجب]  حدًّا سقط أصل الواجب بالعفو، وإن كان تعزيراً فله ذلك؛ إذ  أصل التعزير موكول إلى رأيه ","part":1,"page":7},{"id":2154,"text":"أما الواجب وقدره  فلا مرد لأقله، وأكثره محطوط عن الحدود، ومنهم من قال: يحط كل تعزير وإن عظم عن أقل الحدود، وهو  حد الشرب ومنهم من قال: تعزير مقدمات الشرب من السقي  وإدارة الكأس يحط عنه، وتعزير  مقدمات الزنا لا تحطّ عنه بل تحط عن حد الزنا، وتعزير مقدمات القذف وتعريضاته يحط عن حد القذف، فإنا نعلم أن إمساك العبد سيده حتى قتله غيره يزيد على تعاطي قطرة خمر، فكيف يقتصر على ما دون أربعين جلدة \rوقد روى صاحب التقريب عن أبي بردة بن نيار  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يجلد فوق العشرة إلا في حدّ))  قال صاحب التقريب: هو حديث صحيح  ومذهب الشافعي ما يصح من الحديث وإن لم يصرح به، والأمر كذلك إن لم يصح خبر على خلافه \rوأما [مالك رحمه الله] ، فإنه انسلّ عن الضبط في التعزيرات حتى جوّز  القتل في التعزير، ورأى ذلك من شرط الوفاء بالمصالح ، وليس الأمر كذلك، ففيما  رسم من الحدود مع معاودة التعزير والعقاب عند معاودة الشر بعد  ملاحظة الإمام الخلق بالعين الكالبة ، وبثه الكفاة من الولاة في الأقطار وزجره إياهم عن الإهمال أتمّ زجر  لمن أحسن إيراده  وقد (قرّرنا)  وجه إبطال مصالحه في الأصول في كتاب شفاء الغليل \rالتفريع: إن قلنا: يحط أعظم تعزير عن أقل حدّ، وهو أربعون فلو كان  عبداً فيحطّ عن عشرين، وإن كان حرًّا فوجهان: أحدهما: يحطّ عن عشرين؛ لأنه الأقل على الجملة، ونحن على هذا الرأي لا نرى النسبة ومنهم من قال: يحطّ عن أربعين في حقه؛ لأنه الأقل في حقه، وإن فرعنا على النسبة فنرعى نسبة الحرية  والرق في حق الأشخاص \rثم مقدمات السرقة تعتبر بأقصى [الجنايات، فإن أقل قطع أعظم من أكثر]  الجلدات  [هذا تمام الباب في الكتاب]  ","part":1,"page":8},{"id":2155,"text":"كتاب موجبات الضمانات\rلما  فرغ الشافعي - رحمه الله- من موجبات العقوبات تعرّض لأمور لا يتعلق بها إلا الضمان، وقد استقصينا جملة منه في الغصوب\rوالنظر الآن في ضمان الولاة، وضمان الصائل ، وضمان ما أتلفته البهائم، فنعقد في كل واحد باباً\r\rالباب الأول: في ضمان الولاة\rوالنظر في موجب الضمان وفي محله أما الموجب فما يستوفيه الإمام ينقسم إلى تعزير، وحد، واستصلاح \rأما التعزير فإذا أفضى إلى الهلاك وجب الضمان بكل حال، فإن المسوغ هو القدر الذي لا يهلك، وبالهلاك يتبين مجاوزة الحدّ على سبيل الغلط والخطأ، فلا بدّ من الضمان، ولذلك أوجبنا الضمان على كل معزّر \rوأما الحدود، فما عدا [حد]  الشرب مقدّر، فلو  اقتصر على المشروع، فمات فالحق  قتَلَه سواء كان قطعاً أو حدًّا \rفإن مال عن المشروع لا يخلو إما أن [كان]  في وقت أو قدر أو جنس، فإن كان في الوقت بأن أقام في شدة الحر، فقد نص الشافعي: أنه لا يضمن  وقد ذكرنا للأصحاب فيه تخريجاً، ورددنا حاصل الخلاف إلى أن التأخير أولى \rوهل ينحتم أو تجوز المبادرة فيه وجهان، فإن قلنا: لا تجوز، فلا بد من الضمان، وإن قلنا: يجوز فيحتمل وجهين (إذ)  يقال: إنما جوز بشرط سلامة العاقبة \rأما الجنس فشارب الخمر إذا ضرب بأطراف الثياب والنعال قريباً من أربعين فمات، فلا ضمان إلا على الوجه البعيد في المنع من ذلك \rفإن جلد أربعين فقولان: أحدهما: أن لا ضمان كسائر الحدود والثاني: وجب الضمان؛ لأنه عدول عن جنس الوارد بالتعديل، ولأجله قال علي - رضي الله عنه- ما قال: من  أنه شيء رأيناه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا بشرط أن لا يصح جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشارب أربعين ","part":1,"page":1},{"id":2156,"text":"ثم إذا ضمنّا، فالصحيح إيجاب كل الضمان؛ إذ لا وجه للتوزيع، والتفاوت راجع إلى الجنس وحكى العراقيون وجهاً (أنه)  يوزع بالتقريب على تفاوت الألم بين الضرب بالسياط وأطراف النعال، وهو ضعيف \rفأما الزيادة في القدر بأن  يضرب في حد القذف مثلاً إحدى وثمانين، فقولان: أحدهما: أنه يجب عليه جزء من أحد وثمانين جزءاً من الضمان توزيعاً على عدد السياط والثاني: وجوب نصف الضمان توزيعاً على الحق والباطل؛ لأن أثر السياط في الخروج عن الانضباط كسائر الجراحات \rفرع: لو ضرب الإمام في الشرب ثمانين، ضمن قطعاً؛ لأنه إذاً زاد بالرأي على المشروع ثم الصحيح ههنا التشطير، فإن الصحيح أنه لو اقتصر على الأربعين (لا يلزمه)  الضمان \rفلو أمر الجلاد بثمانين، فضرب إحدى وثمانين، فيجتمع من الأصول أوجه: أحدها: أنه يسقط من الضمان أربعون جزءاً  من أحد وثمانين جزءاً، ويجب أربعون على الإمام، وواحد على الجلاد والثاني: انبسط في مقابلة الحق نصف، والنصف الآخر على الإمام والجلاد نصفين من غير نظر إلى العدد والثالث: أنه يجعل الضمان أثلاثاً، فيسقط ثلثه، ويجب على الإمام ثلثه، وعلى الجلاد ثلثه  هذا حكم الحدّ والتعزير\r\rأما الإستصلاح فهو في قطعه السلعة  البارزة والختان \rأما السلعة البارزة فللعاقل أن يقطعها من نفسه إذا لم يكن في القطع خوف، سواء قطع لإزالة الشين أو لخوف في التبقية، وإن كان في القطع خوف فلا  يجوز لغرض إزالة الشين \rوهل يجوز عند الخوف من  التبقية فيه ثلاثة أوجه: أحدها: الجواز؛ لأن كل جانب مخوف فالأمرإليه والثاني: المنع؛ لأن كل جانب إذا كان مخوفاً فلا فائدة في القطع والثالث: أنه إن اعتدل الخوفان فيمنع، وكذلك إذا كان خوف القطع أكثر، وإن كان خوف التبقية أكثر، فيجوز القطع بناء على الظن الغالب وهذا هو التفصيل في قطع اليد [من]  الآكلة ","part":1,"page":2},{"id":2157,"text":"ولا خلاف في أن من به ألم لا يحتمله ولا يطيقه، فليس له أن يسعى في إهلاك نفسه \rفأما إذا كان الموت معلوماً مثل اضطرام  النار في إنسان  لا يطيق لفاحتها، وليس يمكنه النجاة منها بحال إلا بإلقاء نفسه في البحر، وهو أيضاً مهلك، ولكنه أخف عليه،\r\rفقد اختلف فيه أبو يوسف ومحمد  ، ومال الشيخ أبو محمد إلى أن له إغراق نفسه، وهو الصحيح \rرجعنا إلى تصرف الوالي  والولي، فليس  لهما يد في حق البالغ العاقل بطريق الإجبار، فإن فعلوا وجب القصاص عليهم؛ لأن الأمر  في مثل هذا موكول إلى رأي الخلق، فلا احتكام عليهم فيه \rفأما الموَلَّى عليه  بالصغر والجنون، فللأب والجدّ أن يتعاطوا منه ما يتعاطاه  بنفسه لو كان بالغاً ، حتى يتسلطون على إزالة الشين، وعند تعارض الظن ينزلون منزلته كما في الفصد والحجامة وغيره \rوأما السلطان فيتسلط على كل قطع لا خوف فيه، فكان  قطعه في معنى الفصد والحجامة، فإنه يملك الأمر فيهما إلى سائر جهات المعاطاة \rوإن كان في القطع والتبقية خطر، قال الشافعي: ليس للسلطان ذلك \rوهذا بخلاف الأب والجد؛ لأن ذلك يستدعي جدًّا في (التأمل)  وتدقيقاً في النظر مصدره الشفقة الطبيعية، [ولذلك]  سلطنا  الأب على تزويج البنت وفيه رق الأبد  إذا  عارضه المصلحة  ثقةً بشفقته، وتنزيلاً لنظره في ابنته بمنزلة نظره في نفسه، ولم نسلط السلطان على مثل ذلك، فليدرك الفرق بينهما في هذه الصورة على الخصوص \rالتفريع: إذا قطع السلطان [حيث]  لم نجوز له، فتجب الدية، وفي القود قولان؛ لأنه قطع قطعاً لا تقتضيه ولايته، وإن كانت ولاية الأبوة تقتضيه، ولكنه لما قصد الإصلاح متعدياً، ضاهى من هجم على قتل شخص حسبه مصرًّا على الردة ، والظاهر في المسألتين أن الدية في خاص ماله وإن أسقطنا القود إلحاقاً له بالعمد المحض، وإحالة لإسقاط القصاص على الشبهة ","part":1,"page":3},{"id":2158,"text":"وحيث قلنا: للأب والسلطان أن يقطع، فالذي أطلقه كافة الأصحاب سقوط الضمان، وقال القاضي: يجب الضمان والتجويز بشرط سلامة العاقبة كما في التعزير وهذا بعيد، فإن الإقدام إذا جُوِّز مع الخطر بَعُدَ إيجاب الضمان أما التعزير فلا يجوز منه ما فيه خطر \r(ويبعد)  إيجاب الضمان على الأب بسراية فصد المجنون وحجامته، (وطرد)  الأصحاب والقاضي قولهم في الختان، وقول القاضي فيه أوجه؛ لأنه ليس من قبيل المعالجات، ولا هو على الفور، والصحيح ما قاله الأصحاب أن الختان مستحق عند الشافعي في الرجال والنساء، والقدر  الذي يغشى الحشفة في حق الرجال بحيث لا تبقى جلدة متجافية متدلية، وفي النساء قدر ما ينطلق [عليه الاسم] ؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم لختّانة: ((أشمي ولا تنهكي))  أي اتركيه أشم، وهو المرتفع، ودليل وجوبه أنه قطع جزء حيّ، وفي كل جزء حي حرمة وفيه خوف، فلولا  استحقاقه لما جاز الإقدام عليه \rثم أول  وقت وجوبه البلوغ، ولا يجب على الصبي؛ لأنه  كالعبادات البدنية، وليس كالعدة، فإنها تنقضي  من غير فعلها \rنعم، إذا بلغ وامتنع فالسلطان يجبره ، فإنه على الفور، فلو أبى استوفي قهراً، ولا ضمان على السلطان؛ لأنه استوفى شعار أمر متبع؛ إلا أن يفعل ذلك في وقت شدة الحر، فالنص أنه يجب الضمان  وفيه قول  مخرج من إقامة الحد في شدة الحر تقدم  \rوللآباء  استيفاؤه من الصبي، ولا ضمان عليهم ؛ خلافاً للقاضي ، وكذلك (للسلطان) ، والضمان ههنا أوجه؛ لأنه ليس على الفور، ولا معالجة فيه، ولكن تعارضه المصلحة في استيفائه والصبي غضٌّ رخصُ البدن ليقل  المقطوع، ولا تعظم النكاية\rوقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بأن يحلق المولود، ويعق عنه، ويختن في السابع من ولادته  والله أعلم\rالنظر الثاني: في محل الضمان:","part":1,"page":4},{"id":2159,"text":"فكل  ما يتعاطاه الإمام بنفسه لا في معرض إقامة [حكم]  الشرع فهو كالآحاد، وما يتعاطاه في إقامة الحكم، ولكنه معتمد  فيه على خلاف الشرع، وظهر فيه تقصيره فكمثل \rأما ما أقدم عليه من خطأ بعد بذل الجهد في الاجتهاد كإفضاء تعزير اقتصد  فيه إلى الهلاك، فالضمان واجب، وفي محله قولان: أحدهما: أنه في ماله الخاص  إن وجب في مال، أو عاقلته إن وجب في نفس؛ لأنه نائب الشرع في الصواب لا الخطأ، ويشهد له قصة عمر رضي الله عنه وإجهاض المرأة الجنين فزعاً منه، وقول علي رضي الله عنه: أرى عليك الغرة، وقوله لعلي: عزمت عليك لتقتسمنها على قومك  وأراد به عاقلة نفسه، ولكن أضافهم إليه إكراماً؛ (ولأن)  نسبتهما ترجع إلى أصل واحد، وهو كعب بن لؤي بن غالب   القول الثاني: أنه يجب في بيت المال؛ لأن الوقائع كثيرة والعصمة لا تطرد، ومؤاخذته تؤدي إلى اجتياح جميع ماله، فليؤدَّ من السهم المرصد للمصالح \rالتفريع: إن قلنا: إنه في بيت المال ففي الكفارة وجهان: أحدهما: أنها عليه؛ لأن التحمل غير جار فيها ، ولذلك [لا]  تتحمل بالعاقلة  والثاني: أنه  في بيت المال وفاء بالمصلحة التي ذكرناها \rوالقولان جاريان فيما إذا ضرب في الشرب أربعين، وفرعنا على إيجاب الضمان، وكذلك إذا ضرب ثمانين، وقلنا: للإمام ذلك بشرط سلامة العاقبة \rولا جريان لهما فيما إذا أقام الحد على حامل مع العلم بالحمل، فإنه مقصر، فتجب الغرة على عاقلته؛ لأن العمد المحض في قتل الجنين غير متصور، ولكن أصل العمد حاصل، وكذلك إذا قضى بقول عبدين أو كافرين أو مراهقين، وقصر في ترك البحث، فالضمان لا يجب في بيت المال قطعاً  ","part":1,"page":5},{"id":2160,"text":"فأما  إذا بحث فأخطأ  فالضمان واجب، والقولان جاريان في محله، وتختص هذه الصورة بجواز الرجوع على الشهود، فإنهم تصدوا  لمنصب  ما كانوا أهلاً له، (وأغروا)  به القاضي، فرجع عليهم كما (في الغار)  وذهب بعض المحققين إلى أنه لا رجوع؛ لأن مستند الفوات خطأ الإمام، وهم يزعمون أنهم صدقوا فيه، واستمروا على قولهم من غير رجوع وليس كالغرور، فإنه غير مأمور بالبحث؛ [بل له البناء على الظاهر، وأما القاضي فمأمور بالبحث]  \rالتفريع: إن قلنا: يرجع، فالرجوع على الكافرَين سهل، وعلى العبد أيضاً كمثل، ولكن فيه وجهان: أحدهما: أنه يتعلق بذمته لا برقبته، فإنه لزمه بقوله، فصار كديون المعاملات والثاني: يتعلق  برقبته؛ لأنه جناية منه، ولم يجب برضا المستحق حتى لا يتعلق برقبته \rوفي الرجوع على المراهقين احتمالان، فيمكن أن يقال: لا رجوع؛ لأنه لا قول للصبيان ولا مؤاخذة ويمكن أن يقال: يسلك بهذا مسلك الجناية الحسية، ولأجله قيل: يتعلق برقبة العبد على رأي \rوأما الفاسقين ففي انتقاض القضاء بما يظهر من الفسق بعد الحكم خلاف \rفإن قلنا به، (فالقاضي)  يغرمه (من بيت)  المال \rثم إن قلنا: لا رجوع على العبد والكافر، فالفاسق به أولى، وإن قلنا: يرجع على أولئك، قال الأصحاب: لا يرجع على الفاسق؛ لأنه من أهل الشهادة على رأي أبي حنيفة، فله الأهلية ","part":1,"page":6},{"id":2161,"text":"وهذا فاسد، فإن العبد شاهد عند مالك رحمه الله  والوجه أن نقول : إن بان فسقهما باجتهاد القاضي، فلا رجوع، وإن بان بما هو فسق بالاتفاق، فيحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا رجوع، (لأنه)  مأمور بكتمان فسقه وإقامة الصدق؛ بخلاف العبد والكافر فإنهما مأموران بإظهار حالهما والثاني: يرجع عليهما كما في  العبد والكافر، ولا يعذر بفسقه والثالث: إن كان مستتراً  بالفسق فلا رجوع عليه، وإن كان معلناً رجع عليه وهذا يقرب من اختلاف الأصحاب في أن المعلن بالفسق إذا أعاد الشهادة المردودة بعد التوبة، هل تقبل هذا حكم الشهود \rفأما الجلاد فلا مرجع عليه، فإنه كسيف الإمام ويده، وهو مستعمل من جهته، وإن لم يكن مكرهاً، ولكنه مأذون، ففعله محال على الإذن، ولو عرض للعهد لما رغب أحد في هذا الأمر \rوكذلك إذا قال الرجل لحجام: اقطع مني هذه السلعة أو اليد المتأكلة، ففعل وسرى، فلا شيء على الحجام؛ لأنه مأذون، وقد وقع  فعله للإذن، ولكن ذلك فيه إذا كان القطع مباحاً \rفلو قال: اقطع يدي، فقطع وهو عاصٍ، ففي الضمان خلاف ذكرناه  فإن أسقطناه فمأخذه اعتماد إسقاطه؛ لأنه المستحق \rوبمثله لو علم الجلاد أن القتل ظلم، ولم يكن مضطرًّا، فقتل، وجب عليه القصاص؛ لأن إذن الإمام ساقط الأثر في هذا المقام \rولو قتل حرٌّ عبداً، فأمر الإمام بقتله، والجلاد شفعوي، ففي وجوب الضمان عليه وجهان ذكرهما العراقيون: أحدهما: أنه يجب القصاص؛ لأنه قتل حرًّا ظلماً معتقداً كونه باطلاً، (فالنظر)  إلى جانبه والثاني: أنه لا شيء عليه أصلاً نظراً إلى جانب الإمام، فإن للإمام أن (يرى)  ذلك، ويأمر به، وهو مأذون عن جهته \rوعلى العكس، إن كان الجلاد حنفيًّا، وأمر الإمام بالقتل خطأً، ولو بين له لامتنع، فإن نظرنا إلى جانب الجلاد لم نوجب الضمان، وإن نظرنا إلى جانب الإمام أوجبنا القصاص  ههنا ","part":1,"page":7},{"id":2162,"text":"ويلتفت هذا على الخلاف في الشفعوي إذا قُضِي له بشفعة الجوار  وتوريث الرحم، أنها  هل تحل له ويظهر ثَمّ القطع بأنه لا يحل باطناً ورد الخلاف إلى الظاهر في أنه هل يمنع من دعواه بمذهبه أم يقال: لا يتعرض لمذهبه فلعله يضمر هذا المذهب \rأما في مسألتنا فيقدم النظر إلى جانب الإمام، فإن الجلاد مأذون  لا يستوفي شيئاً لنفسه؛ بخلاف الإرث والشفعة وهذا كله إذا كان للجلاد عنه محيص، فإن كان معيناً، فقد ذكرنا خلافاً في أن مجرد أمر السلطان هل يكون إكراهاً فيخرج ضمانه على ذلك الخلاف \r\rالباب الثاني : في دفع الصائل \rدفع الصائل جائز  والنظر في المدفوع [والمدفوع عنه]  وكيفية الدفع\rأما المدفوع فلا تفصيل فيه في جواز الدفع، وسقوط الضمان، فتستوي فيه البهيمة والإنسان، والعاقل والمجنون، والبالغ والصبي، والمسلم والكافر \rوقال أبو حنيفة: يجب ضمان البهيمة، ولا يجب ضمان الحر البالغ، وفي ضمان الصبي والمجنون عنده تردد \rومعتمدنا أن البهيمة بصيالها صارت مستحقة القتل، فالتحقت بالبهيمة الضارية، وليس كالمضطر في المخمصة يتناول بهيمة الغير ويضمن؛ لأنه يصرفها إلى غرض نفسه، ولا ضرر من جهة البهيمة \rواختلف الأصحاب في مسألتين:\rإحداهما: جرة تدهورت من سطح إنسان، وأظلت  على رأس غيره، ولو لم يكسرها في الدفع  لترضض رأسه، فالكسر جائز، وفي الضمان وجهان: أحدهما: يجب؛ إذ لا اختيار للجماد حتى يحال على ضراوته والثاني: أن الضمان ساقط؛ لأن الضرر من جهتها، ودفعها  حسبة في الشرع \rالثانية: إذا اضطر إلى طعام في بيت، وعلى باب البيت بهيمة تمنع من الدخول، لا سبيل إلى الدخول إلا بإتلافها، وقد مست الضرورة إلى الطعام، فالإتلاف جائز، وفي الضمان وجهان: منهم  من ألحق ذلك بضرورة المخمصة، ومنهم من ألحق بالصيال  هذا حكم جواز الدفع، وهو عام كما سبق","part":1,"page":8},{"id":2163,"text":"أما جواز تركه بالاستسلام، فلا وجه له إن كان الصائل بهيمة أو مرتدًّا أو حربيًّا؛ لأن ذلك [ذلك]  في الشرع، وكذلك الذمي؛ إذ  عهده ينتقض بالصيال، ولا تبقى له ذمة  \rفأما المسلم  المكلف، ففيه قولان: أحدهما: منع الاستسلام؛ لأن مهجة المقصود محترمة، ومهجة الصائل الظالم لا حرمة لها، فلا يجوز إيثارها والثاني: الجواز؛ لما روي أن حذيفة بن اليمان  -رضي الله عنه- قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث وصف الفتن التي ستكون : لو أدركت  ذلك الزمان، قال: ((ادخل بيتك وأخمل  ذكرك، فقال: أرأيت لو دُخِل بيتي، فقال: إذا راعك  بريق السيف فاستر وجهك، وكن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل))  وفي بعض الروايات: ((فكن كخير ابني آدم))  عنى قابيل وهابيل  وصح عن عثمان -رضي الله عنه- استسلامه يوم الدار، وقال: لا أحب أن تراق فيّ محجمة دم  وكان معه في الدار أربعمائة من الغلمان الشاكين في السلاح، فقال: من ألقى السلاح فهو حر \rثم (من)  الأصحاب من اقتصر على تجويز الاستسلام، وقيل إنه مندوب إليه أيضاً ، والإيثار في ضرورة المخمصة من شيم الصالحين؛ إذ المهج كلها محترمة، ولا يجب إيثار البهيمة؛ بل يجب إهلاك البهيمة وأكلها في ضرورة المخمصة  \r\rوفي صيال الصبي والمجنون طريقان: منهم من طرد القولين، ومنهم من [قطع]  (بمنع)  الاستسلام؛ إذ المكلف يبوء بإثمه، وأثم المقصود كما أشار إليه القرآن في قصة قابيل، فكأن  المجنون كالبهيمة في هذا المعنى \rفأما المدفوع عنه فهو كل حق يحرم قصده ، وله ثلاث مراتب:\rالمرتبة الأولى: ما يتعلق بخاص  حق الدافع، فالحكم ما سبق في جواز الدفع وسقوط الضمان، وفي وجوب الدفع القولان ","part":1,"page":9},{"id":2164,"text":"الثانية: ما يتعلق بحق الغير من أجنبي أو قريب، فحكمه ما سبق في  جواز ترك الذب، أو وجوب بذل المجهود في الدفع تردد فيه العلماء ، مأخذه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واختار المحققون تنزيل ذلك منزلة ذبه عن  نفسه  من غير فرق، ويخرج منه قول لا محالة في وجوب الذب وتحريم الترك \rوأما الأصوليون، فإنهم قالوا: ذلك على الولاة محتوم لا يسعهم تركه، ولا يجب على الآحاد قطعاً، وميل أكثرهم إلى أنه لا يجوز لهم شهر السلاح فيه أيضاً؛ لأن ذلك  يجرّ خطراً [وخبلاً]  ومنهم من أباح، ولكنه لم يوجب، ومنهم من رمز  إلى موافقة الفقهاء \rالمرتبة الثالثة: الإقدام على محض حق الله تعالى كشرب الخمر وغيره مما لا حظّ لآدمي فيه، فهو محض الأمر بالمعروف، أطبق الأصوليون على أنه لا يجوز لآحاد الناس شهر السلاح فيه، وذهب طوائف من الفقهاء إلى أنه يجوز الدفع عنه وإن مست الحاجة إلى شهر السلاح، حتى قالوا: لو كان مالك الشاة يرض  رأس الشاة، فيجوز دفعه عنها ، وإن أبى فيدفع بما يأتي على روحه ، ولا مبالاة، وكذلك في كل معصية \rوأما الحقوق الخاصة فلا خلاف في جواز الدفع حتى عن الدرهم فما دونه، فكيف عن النفس، والبضع، والحُرَم، وتوطي الأملاك \rفأما كيفة الدفع فلا بد فيه من تدريج، فمن يندفع بلطمة وزجر لا يجوز جرحه، ومن يندفع بجرح لا يجوز حزّ رقبته، وكذلك إذا ترك القصد لم يجز اتباعه ","part":1,"page":10},{"id":2165,"text":"ولو وجده وهو يزني بامرأته فله دفعه، فإن أبى فله قتله، فإن هرب فاتبعه وقتله، فعليه القصاص إن كان الزاني غير محصن، فإن كان محصناً فلا قصاص عليه؛ لأنه مستحق القتل، وكذلك إذا قطع يده وعلم أنه كان قد سرق، ولكن هذا بينه وبين الله، ولا تسمع دعواه إلا أن يقيم البينة عليه ولما نزل قوله تعالى:          قال سعد : لو وجدت رجلاً مع امرأتي، أفأصبر حتى آتي بأربعة شهداء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالسيف شاهداً، ثم قبل استتمامه أمسك، وقال: نعم، حتى تأتي بأربعة شهداء فقال سعد: والله لو وجدته قددته بالسيف نصفين، قتلتموني أو تركتموني، فقال صلى الله عليه وسلم: أتعجبون من غيرة سعد والله، لَلَّهُ أغْيَرُ مِن سعدٍ، ولأجله حرم الفواحش))  \rوالنظر في تدريج الدفع في مسائل:\rالمسألة الأولى: أنا قد بينا أن منتهى الدفع هو القتل، وحكي عن الشافعي -رحمه الله- في القديم قول أنه في الدفع عن المال لا يجوز الترقي إلى ما فيه قتل  أو يفوّت عضواً، وهذا غريب لا أصل له \rالثانية: لو قدر المصول عليه على الهرب، فهل له الدفع  فوجهان: أحدهما: ليس له ذلك؛ لأنه مستغنى عنه والثاني: له ذلك، وكأن إقامته على المكان من حقه، فلا يلزمه تركه بسببه؛ بل له الدفع عن الإزعاج \rالثالثة: لو كان (الصائل)  يندفع بسوط، ولكن ليس مع الدافع إلا سيف لو قصده به لجرحه، فهذا فيه تردد، والظاهر جواز القصد بالسيف، فإن الحاجة ماسة، وليس مقصراً في ترك استصحاب السوط، والحاذق قد يقدر  على الدفع بأطراف السيف بحيث لا يجرح، وغير الحاذق لا يكلف ذلك، فينظر إلى الأحوال ","part":1,"page":11},{"id":2166,"text":"الرابعة: إذا عضّ على يد الإنسان، فليشدّ  يده إن كان يتخلص به، فإن فعل ذلك فندرت (أسنانه)  فلا شيء عليه، وقع ذلك في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأهدر أسنان العاضّ، وقال: ((أيدع يده في (فيك تعضها)  كأنها في فيّ فحل )) ، فإن لم يقدر على الشد  فليقصد العضو الجاني في الدفع، فإن لم يقدر إلا على العض على يده أو وضع السكين في بطنه فالظاهر أن له ذلك، وفيه وجه مشهور أنه يبقى عليه  تخصيص العضو الجاني وهو ضعيف وإن كان له اتجاه ففيه إذا لم تكن الجناية مما يقصد بها  القتل، (فإن)  كان يقصد قتله فالوجه القطع بتسليط المصول عليه على دفعه كيف شاء  وهذا الوجه على ضعفه ما أجراه أحد في [القابض على]  قبيعة  السيف بيده؛ إذ الجناية لا تتخصص باليد، بل التحامل من جملة البدن \rالخامسة: إذا نظر إلى حُرَم إنسان من صيير  الباب وكوة البيت، فله أن يقصد عينه بما يعميه من غير تقديم إنذار وزجر ؛ خلافاً لأبي حنيفة \rوهذا في الظاهر على خلاف التدريج المذكور في الدفع، ولكن المعتصم الحديث؛ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجرة، وفي يده مدرى  يحك به رأسه، (فتطلع)  عليه رجل من صير بابه، فقال: ((لو علمت أنك تنظرني لطعنت بها في عينيك ، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)) \rوروي أنه كان يخاتله   يبغي رمي عينيه ، قال الراوي: كأنه لا يبالي لو لم يصرف عينه أن يطعن بها في عينه وروي أنه عليه السلام قال: ((من اطلع على قوم بغير إذنهم، ففقؤا عينه، فلا قود ولا دية)) \rثم لم يقس به غير  النظر؛ لأنه لو زجر  الناظر لتنحى وعاد على قرب من غير عسر، ولقضى وطره، فيقع زجره بعد قضائه وطره من النظر إلى الحرم، والمقصود  من قصد عينه إفساد آلته في هذا الفساد عند ملابسته له ","part":1,"page":12},{"id":2167,"text":"ولكن فيه إشكال، فإنه لو امتنع بعد النظر، لا يجوز قصده، فإن كان لجنايته  السابقة أو لخيفة العود فينبغي أن يقصد، وإن كان للدفع في الحال فليقدم الإنذار كما في سائر المسائل \rقال القاضي: لا بدّ من تقديم الإنذار، والأحاديث محمولة على ما إذا داوم على النظر ولم ينته بالنهي، وهذا مبين في القياس، ولكن فيه مخالفة ظاهرة للأحاديث  \rقال صاحب التقريب: إن ثبت بالحديث [هذا، فنقيس عليه غيره، ونقول: بجواز المفاتحة بالدفع ابتداء من غير تقديم إنذار باللسان،]  ويخرج ذلك على قولنا: إن المرتدّ يقتل من غير استتابة في حالة ملابسة الردة، مع أنه لو تركها لامتنع قتله كما أن الناظر  لو ترك النظر لامتنع قصده \rوالذي ذكره صاحب التقريب يخالف قول كافة الأصحاب في وجوب تقديم الأيسر، ولكنه يريد به ترك الإنذار إذا كان الصائل لا يندفع، فإن كان يندفع به فهو المفاتحة بالدفع؛ إذ الدفع حاصل به، ولكن إذا كان لا يندفع، فمعنى الإنذار وعظ، فلا يجب تقديمه ؛ بل يفاتحه بالدفع، فإن لم يندفع فهو الذي عطل نفسه \rثم لا خلاف أنا حيث نوجب تقديم الإنذار والتدريج ، فلو تركه وجب القصاص والضمان عليه ؛ بخلاف المرتد، فإنه وإن أوجب الاستتابة، فلو بادر  فلا ضمان؛ لأنه مهدر لوجود الردة  هذا تمهيد هذه المسألة\r\rوقد تصرف الفقهاء، وقيدوا جواز قصد العين بشرائط:\rالأول: أن يكون النظر في كوة أو صير باب، فلو كان الباب مفتوحاً، فصاحب الدار هو المقصر، فلا يحل قصد عينه، ثم إذا نظر في كوة قصداً، فلا فرق بين أن يكون في ملكه أو شارع\rالثاني: أن ينظر قصداً، فلو وقع وفاقاً لا يجوز قصد عينه\rالثالث: أن لا يكون للناظر في الدار حرم، فإن كان فهو شبهة تمنع قصد عينه","part":1,"page":13},{"id":2168,"text":"الرابع: أن يكون لمالك الدار حرم في الدار، فإن لم يكن إلا المالك، أو كان فيها حرم مستترات، فثلاثة أوجه: أحدها: المنع من قصد العين؛ إذ لا محذور في النظر إلى الأطلال والرجال والثاني: أنه يقصد؛ لأن الرجل قد يكون مكشوف العورة، وقد يتقي التحصن عن الأعين، فلا  يفتح هذا الباب والثالث: أنه إن كان في الدار حرم على الجملة، وإن كنّ  مستترات ، جاز  القصد، وإلا فلا \rثم إذا حصلت الشرائط فلو رشقه بنشابة  وجب القصاص أو الضمان؛ لأن هذا قتل، وليس يقصد إلى العين، فليقصر  القصد على العين بما يقصد به العين من بندقة  أو حصاه خفيفة أو مدرى وما يجري مجراه نعم، إن أصرّ على النظر ولم يندفع، فله الدفع بما يأتي على روحه \rفرعان: أحدهما: أن من استرق السمع من كوة لم تقصد  أذنه بما يقصد به العين؛ لأن المحذور اتصال النظر بالعورات، فأما سماع الكلمات فأمره هين، وفي بعض التعاليق التي لا يوثق بها ذكر وجه أن الأذن كالعين، وهو غلط \rالثاني: لو دخل ظالم دار إنسان، فله أن يخرجه ويدفعه، ثم من الأصحاب من قال: له قصد عينه؛ لأنه مع التطلع هجم، ومنهم من قال: يخصص  رجله بالقصد، فإنه عضو الجناية وهذا فاسد، والصحيح أنه لا يخص  بعض أعضائه، فالجناية منسوبة إلى جميع البدن في الدخول \r\rالباب الثالث: فيما أتلفته البهائم\rوفيه فصلان:","part":1,"page":14},{"id":2169,"text":"أحدهما: أن لا يكون مع البهيمة مالكها، فإذا أتلفت البهيمة المزارع وانسرحت  فيها، فإن كان نهاراً فلا ضمان على مالك البهيمة، وإن كان ليلاً وجب الضمان؛ إذ العادة مطردة بأن تحفظ المزارع نهاراً، والمواشي تربط  ليلاً، والمتبع التقصير، فإن ظهر تفريط مالك الزرع في ترك الحفظ سقط الضمان، وإن ظهر تفريط  مالك الدابة وجب الضمان والمعتمد ما روي أن ناقة للبراء  بن عازب دخلت حائط قوم، فأفسدت زرعاً لهم، (فقضى عليه السلام بأن على أرباب الزروع حفظها بالنهار، وعلى أرباب الدواب حفظها بالليل فما أتلفت  البهائم بالليل فهو ضامن على أهلها)  معناه: مضمون كما يقال: سرٌّ كاتم، أي مكتوم [ثم]  قال المتصرفون: لو انعكست العادات في الحفظ، فالمتبع العادة،  والحديث منزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكى الشيخ أبو علي وجهاً أن ضبط الحديث متبع، فإن اتباع العادة عسير، فليقتصر على حكم الشارع، كيف ما تغيرت العادات، والظاهر المشهور فهم المعنى واتباعه \rفإن قيل: المواشي لا تترك  نهاراً من غير راعٍ، فكيف لا يكون مالكها مقصراً قلنا: الإبل والخيل والبقر وما يمتنع من السباع، قد تُسُيِّب من غير راعٍ، والمواشي أيضاً قد يتغافل عنها المالك في بعض الأحوال، ولا يعدّ تغافله تقصيراً في حق المزارع، فإنها محفوظة نعم لا يبعد أن يقال: إذا سيّبها في جوار المزارع وتغافل عنها، فهو تقصير، وإن سيّبها على بعد فانتشرت، فلا تقصير وهذا يليق بمنهج اتباع المعنى إذا اتسعت المزارع، وقرب مكان التسريح منها \rفرع: لو انسرحت المواشي ليلاً، فأفسدت البساتين وأبوابها مفتوحة، فلا ضمان لتقصير أصحاب البساتين في التضييع، ولا نظر إلى تقصير ملاّك الدواب في التسريح، فإنه ليس تقصيراً في حق البساتين لو كانت مغلقة على الاعتياد، وإنما هو تقصير في حق المزارع الضاحية التي ليست [محوطة]  ","part":1,"page":15},{"id":2170,"text":"الفصل الثاني: إذ كان صاحب البهيمة معها، فكل ما أتلفته البهيمة، وكان يمكن التصون بالحفظ عنه على وجه لا يؤدي إلى انسداد رفق الطروق، فهو مضمون، فيضمن راكب الدابة ما أتلفته بيديها إذا خبطت، وبرجليها إذا رمحت، وبفيها إذا عضت، فإن حفظها عن كل ذلك ممكن  \rالذي ينشأ من رشاش الوحل، وثوران الغبار في الفواكه، وثياب البزازين والطارقين، فلا ضمان فيه؛ إذ لا يمكن الاحتراز  منه، والمنع من الطروق أعظم من احتمال ذلك كله؛ إلا أن يخالف العادة بالركض في الدخول في مجتمع الناس ، أو يترك الإبل في الأسواق غير مقطرة على خلاف العادة حتى تخرج من الضبط أو ركوب الدابة النزقة التي لا تضبط باللجام، ويركب مثلها في الصحاري، فما ينشأ من ذلك كله مضمون لتقصير مالكه  هذا ضبط الفصل، وبيانه برسم فروع:","part":1,"page":16},{"id":2171,"text":"الأول: الهرة المملوكة إذا أتلفت طير إنسان، أو قلبت قدره، ففي وجوب الضمان على مالك الهرة أربعة أوجه: عمدتها: أنه لا ضمان؛ إذ العادة ما جرت بربط السنانير، وجرت بحفظ الطير والقدور  والثاني: أنه يجب الضمان، فإن سدّ المنافذ كيلا تخرج إلى الجيران  ممكن بحفظها في البيت والثالث: أن ما تتلفه نهاراً لا يضمنه المالك، وما يتلف ليلاً يضمن كالمواشي والرابع: عكس ذلك، فإن الأطعمة يحتاط في صونها ليلاً عن الهرة، فإنها تتردد في الليالي والأعين عنها راقدة  هذا كله إذا لم تكن ضارية بالإفساد وقتل الطيور، فإن ضريت فلا شك في جواز دفعها عند ظهور القصد، وإن أتى الدفع عليها وهل يجوز قتلها وهي مربوطة غير مسيّبة بضراوتها  قال القاضي: يجوز قتلها كما تقتل الفواسق الخمس  قبل وجود الشر، وكذلك نقول في الحدأة المحبوسة في القفص، وكأنه ملك في الفواسق، ولا ينفع الاقتناء في الذئب والأسد والنمر، ويجوز قتل الكل في الحل والحرم بكل حال، والهرة الضارية ملتحقة عند القاضي بها ، وقال القفال: لا تقتل الهرة؛ لأنها  ليست من جنس المؤذيات، والضراوة العارضة أمكن الاحتراز عنها نعم، قد تدفع عند القصد فترد عن  روحها، فلا بأس ، وذكر الفوراني أن الكلب العقور بمثابة الهرة الضارية ، والوجه أن يقال: إن لم تكن فيه منفعة قتل كالذئب، وإن كان فيه منفعة فهو كالهرة، وأولى بأن يقتل، فإن  ضراوتها قد تنتهي إلى البأس  \rالثاني: لو أحكم رباط البهيمة ليلاً، فأفلتت ، فهو كما لو غلبت الدابة راكبها، وقد ذكرنا ذلك في باب الاصطدام ","part":1,"page":17},{"id":2172,"text":"الثالث: إذا دخلت  الدابة مزرعة، فطردها مالكها إلى مزارع الغير، إن اقتصر على التنفير في ملكه، فلا ضمان، وإن أدخلها مزرعة الغير فهو المباشر للضمان، وكذلك إذا كانت مزرعته محفوفة بمزارع الناس لا يمكن إخراجها إلا بإدخالها في مزارع الغير، فلا يجوز له أن يجعل مال غيره وقاية ملكه، فليتركها، ثم ليرجع على مالك البهيمة إن أمكن الرجوع إليه بتقصيره \rفإن قيل: فما قولكم فيما لو كان مقصراً، ولكن مالك الزرع تمكن من التنفير، فلم يطرد قلنا: الوجه إسقاط الضمان بنسبته إلى التقصير بفتح الباب فترك الطرد أولى أن يجعل تقصيراً مهما أمكن ذلك  من غير تبعة \rالرابع: لو تخرق ثوب إنسان بحطب على دابة، فإن كان بصيراً مقابلاً، ووجد منحرفاً فلا ضمان، وإن كان مستدبراً، وأعلمه المالك، فلم ينحرف، فلا ضمان  وإن لم يعلمه وجب الضمان  وبقية هذه المسائل ذكرناها في باب الاصطدام وباب أسباب الضمان في كتاب الديات، فليطلب منه ","part":1,"page":18},{"id":2173,"text":"كتاب السير\rمقصود الكتاب بيان الجهاد، ووجوبه، وكيفيته، وإنما ترجم بالسير وهي جمع السيرة لأن مستندها سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته وقد كان الواجب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الابتداء الاقتصار على الدعوة، والصبر على الأذى، ثم نزلت آيات في الحث على الجهاد لما ظهرت شوكة الإسلام، وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثة عشر سنة فلما هاجر إلى المدينة لم يجر في السنة الأولى قتال وجرت في السنة الثانية غزوة بدر، وفي الثالثة غزوة أحد، وفي الرابعة غزوة ذات الرقاع، وفي الخامسة غزوة الخندق وفيها قتل علي رضي الله عنه عمرو بن عبد ود، وفي السادسة غزوة بني النضير والمريسيع وفيها قصد رسول الله صلي الله عليه وسلم مكة فصُدّ من الحديبية، ثم في السابعة جرى فتح خيبر وعاد إلى مكة وقضى العمرة، وفي الثامنة فتح مكة ومنها امتد إلي هوازن، وخرج في التاسعة إلي تبوك وفيها أمّر أبا بكر رضي الله عنه على الحجيج حتى حج بهم، وحج رسول الله صلي الله عليه وسلم في السنة العاشرة حجة الوداع وفيها نزلت آية الإكمال وعاش بعد قضاء الحج اثنين وثمانين يوماً، ولما بعُد الطريق في غزوة تبوك، واشتد الحر تخلف جماعة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم المنافقون، والمسلمون الذين لم يجدوا أهبة، وقادرون من المسلمين استثقالاً للخروج في الحر وهم ثلاثة كعب بن مالك، وهلال بن أمية، و (أبو) لبابة فنزلت في حقهم آيات في سورة إنا فتحنا\rهذا تمهيد الكتاب، والنظر فيه يحصره ثلاثة أركان، وجوب الجهاد وكيفيته، وتركه بالأمان\rالركن الأول: في وجوبه","part":1,"page":1},{"id":2174,"text":"والنظر في طرفين أحدهما في وجه وجوبه، والثاني في المعاذير المسقطة الطرف الأول في وجه وجوبه : وهو يجب فرضاً على الكفاية إذا لم يتوطأ الكفار بلاد المسلمين، وقيل كان على الصحابة فرض عين فكان  الناهضون يغزون، والمقيمون يحرسون المدينة وهي ثغر في ابتداء الإسلام، وقال قائلون: تعين على ذوي النجدة منهم لقلتهم وهذا لا يوجب اختصاصاً فقد يقلّون في زماننا فيتعين، وقيل كان يجب عليهم تعييناً إذا دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا أيضاً جار  في زماننا في من يدعوه الإمام؛ نعم على الإمام أن يرعى النصفة في المناوبة، ولا يتحامل على فريق، وقال  الفقهاء يجب أن لا يخلي  كل سنة عن غزوة في كل وجه وتكفيه في السنة غزوة واحدة لأنها مدة الأجزية وإطلاق الأرزاق  وقال الأصوليون: ولا  اختصاص للسنة، ولكن الجهاد دعوة قهرية فيجب إدامته على حسب الاستطاعة؛ نعم إذا نهض الغزاة نهضة فقد لا يتمكنون من العود إلا في سنة، أو ما يقارب منها، وهذا  يطابق العادة، فلو فرض على الندور كثرة الجنود، ومطاوعتهم، ومصادفة الإمام غرة من الكفار وفشلاً فلا ينبغي أن يتجاوز","part":1,"page":2},{"id":2175,"text":"فأما الجهة فلا يكفي [بث]  الجند إلى جهة واحدة، ولا مطمع في الوفاء بجميع الأقطار، فإن تمكن الإمام من استئصال الكفار حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم فهو متعين، وإن لم يتمكن فليبدأ بالأهم فالأهم، وليتشوف إلى بث النكاية، والرعب في جميع طوائف الكفار على حسب الإمكان؛ فإن قيل : وبم تتميز  بعض الواجبات حتى صار  بعضها فرضاً على الكفاية قلنا: التكاليف بين الخلق ضرورة بقائهم وصلاحهم في دينهم ودنياهم، فكل واجب قصد به امتحان الأشخاص تعين، ورب شيء قصد  الشرع حصوله في عينه إظهاراً لشعار  الدين، وإقامةً لمصلحة المسلمين، أو  دفعاً لضرار محذور ولا أرب للشرع فيمن يتولى ذلك فيقال تحصيله واجب  في الدين إذا  حصل  فقد تم الغرض كيف ما حصل إذا لم يقصد به امتحان الأشخاص، [وذلك ينقسم إلى ما يتعلق بالدين وإلى ما يتعلق بالمعاش، فالمتعلق بالدين ينقسم إلى ما يتوقف]  عليه دوام أصل الدين ضرورة كإقامة الدعوة الحجاجية بالعلم، وإقامة الدعوة القهرية بالسيف، وإلى ما يبقى به  فروع الدين كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إشاعة له في الخلق مما يؤدي إلى شهر السلاح بمعاطاة  ما يفضي إليه يتولاه الأئمة، وإلى ما يتعلق به إظهار شعار الإسلام كإحياء البيت في السنة بالحج وذلك متفق عليه، وإقامة الجماعات والأذان في المساجد سوى يوم الجمعة وهو مختلف فيه، ورد السلام فإنه متفق عليه بين الفقهاء وهو من الشعار  وإن لم يتعلق به مصلحة كلية ولعل المصلحة فيه إقامة المجاملة بين الخلق، وأما ما يتعلق بالمعاش فما تتوفر الدواعي عليها من المبايعات والمناكحات والحراثة والزراعة وسائر الحرف فهي من المقاصد التي لو تصور التطابق على  الإعراض عنها لأَّثمنا بها أهلها إذ بقاء الجنس مقصود وفي الإعراض عنه فواته ولكن في استحثاث الطباع مندوحة عن إيجاب الشرع، وأما ما يتعلق بحظوظ الغير  من دفع ","part":1,"page":3},{"id":2176,"text":"الضرر عنه كستر العورة وإطعام الجائعين وإغاثة المستغيثين وإعانة المضطرين فكل ذلك من فروض الكفايات، وما فوق سد الضرورة إلى تمام الكفاية فيه تردد للأصوليين  فمنهم من قال إذا بقي بعد تفريق الصدقات وإنفاق السهم المرصد للمصالح محتاج فيجب علي أهل الثروة القيام بسدها حتى لا يبقى محتاج، ومنهم من قال ذلك غير واجب فيما وراء الضرورة، ويتعلق بالغير ما هو في حكم المركب منها أمور كتحمل الشهادات فهي من فروض الكفايات ويتعلق بها مصلحة المعاش ديناً وإعانة القضاة على توفية الحقوق ديناً وكذلك تجهيز الموتى ومواراتهم والصلاة عليهم وغسلهم من فروض الكفايات تنزيلاً للموتى في احترامهم ودفع ضرار المهانة والذل عنهم منزلة الأحياء ويستمد ذلك من إظهار شعار  الدين فإلى  هذا يرجع مجامع فروض الكفايات وهي مستقصاة في مواضع متفرقة، والمذكور في هذا الموضع ثلاثة منها الجهاد، وطلب العلم، ورد السلام فإن قيل فلو تعطل فرض من فروض الكفاية فهل يعمُّ الحرج للكافة  قلنا أطلق مطلقون ذلك فهي  مجازفة، والوجه أن يقال يحرج به المطالبون بالبحث عنه فمن لااطلاع له عليه وهو معذور في ترك البحث لا يحرج فيأثم به الخبير ويتعدى إلى أهل التجارة ممن ترك البحث ويختلف ذلك بصغر البلدة وكبرها وإذا لم يبلغ التعطيل مبلغاً تتقاذف  به السمعة إلى البلاد فعليهم في التذكر فإن لم يفعلوا نالهم الحرج وهكذا على التدريج إلى أن يعم الخطر ، وإذا قام بالفرض جمع كان يسقط ببعضهم فحكم الفرضية يعم  جميعهم، وقد ذكرنا ذلك في (الجنائز) \rالطرف الثاني: في موانع الوجوب\rويجمعها العجز الحسي ، والشرعي:","part":1,"page":4},{"id":2177,"text":"أما الحسي: فالصبا ، والجنون، والأنوثة، والمرض، والفقر فلا وجوب على مجنون لعدم عقله، ولا على صبي ولأجله حط عنهم  سائر الواجبات  قال ابن عمر: «عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني فعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني في المقاتلة» \rوأما الأنوثة فمسقطة أيضاً للوجوب ؛ فإنها لضعف بنيتها لاتطيق هذا الأمر؛ والكلام في جهاد هو فرض كفاية \rأما الفقير فمن ليس له زا د ومركوب  ونفقة ذهاب وإياب كما في الحج فلا وجوب عليه  وإن لم يكن  له أهل ففي نفقة الإياب خلاف كما في الحج، ويفارق الحج بأمرين أحدهما أن السلاح من عدة الغزو لا من عدة الحج فلا بد وأن يملكه، والثاني أن أمن الطريق لا يعتبر؛ فإن مصيرهم إلى المخافة الكبرى وقال قائلون إن كان الخوف من طلائع الكفار فلا يمنع، وإن كان من المسلمين المتلصصين فيمنع فإنهم  قد لا يسمحون بمقاتلة المسلمين؛ وهذا فاسد، فإن دفع المتلصصين من أهم فروض الكفايات","part":1,"page":5},{"id":2178,"text":"فأما  المرض فيمنع الوجوب سواء منع في الحال من النهوض أو علم أنه يعجز في أثناء القتال لضعفه فإن تمكن فمن ابتدائه لأنه يقتل ولا  فائدة فيه فيلحق  به الأعمى، والأعرج، قال تعالى  ليس على الأعمى حرج الآية، وهو العرج  الذي يمنع من الفرار ويؤثر في التردد مع الإقرار، فأما الغمز اليسير فلا ، وقال العراقيون أن كان القتال على صورة الركوب فالأعرج كالصحيح ، وإنما تفاوت  في الترجل، والأولى  التعلق بالعرج  فإن حاجة الترجل  في مضايق القتال وعقر الدابة وهلاكها ليس بنادر، وقد ورد رفع الحرج عن المريض، والأعمى، والأعرج في سورة النور في المؤاكلة، والمعنى أن الأعمى يؤاكل البصير وقد لا تنضبط يده على ما يليه  فلا حرج عليه، وقد قال عليه السلام: «كل مما  يليك»  بعد أن أخذ يده وفتلها ، وقال في مؤاكلته في التمر: «كل من حيث شئت فإنها غير لون» ، وقال أيضاً مطلقاً: «لا تأكل من ذروة الطعام فإن البركة في أعلاها»  وروي (تنزل عليها) فلا حرج على الأعمى في شيء من ذلك، ولا على الأعرج وإن تأذى جيرانه بجلسته، ولا على المريض وهو قريب من الأعرج؛ ثم قال:  ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم  فأظهر المعاني أن يأكل في بيته وحده، وقد ورد قوله عليه السلام «شر الناس من أكل وحده»  ولكن تفسيره آخره وهو قوله «ومنع رفده»، ثم قال:  أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم  ويحتمل معنيين أحدهما أمر هؤلاء بتوظف أنفسهم  على المسامحة بذلك فإنه رابطة للتواد  والشفقة، والمراد كونوا كذلك، والآخر أن ذلك منزل على العادة فمن لاتسمح به نفسه لا يجوز الأكل من طعامه دون إذنه، ثم ذكر الصديق أيضاً ومعناه ما سبق من الوجهين، وروي أن سفيان بن عيينة  حضر جماعة من الأصدقاء داره وكان غائباً فجلسوا يأكلون من سفرته فعاد وبكى وقال ذكرتموني صحبة أقوام مضوا عاملتموني  معاملة","part":1,"page":6},{"id":2179,"text":"الصالحين ولست منهم \rفأما الموانع الشرعية: فالرق، والدين، وسخط الوالدين\rأما الرقيق فلا يجب عليه الخروج لحقِّ سيده ولو أذن فلا يجب عليه أيضاً؛ كما لو أذن له في الحج والجمعة فهذه العبادة  محطوطة عنه ولو أمره به لم يلزمه إذ ليس هذا من الاستخدام ولا حق له في روحه حتى يعرضه للهلاك، وكذلك لا نوجب  على العبد أن يدفع عن سيده إذا كان يتعرض للهلاك كما يدفع عن غيره، وحيث تمكَّن  من الدفع فالسيد فيه  كالأجانب، ولا أثر للملك، نعم له استصحابه في الغزو ليخدمه  على العادة \rأما الدَّين : فالحالّ منه يمنع إلا أن يرضى به صاحب الدين فيجوز  الخروج، والمؤجل لا يمنع من سفر الحج وسائر الأسفار وإن قرب الأجل وتقاعد عن مدة إيابه إلا أن يصحبه المستحق ويتقاضى عند  حلوله\rوأما في سفر الغزو فأربعة أوجه:\rأحدها: أنه يمنع مطلقاً؛ لأن مصير الغازي إلى الموت، وبه يحل الدين وهذا ضعيف\rوالثاني: أنه لا يمتنع كسائر الأسفار نظراً إلى الحال\rوالثالث: إن خلف وفاءاً لم يمنع، وإن لم يخلف فيمنع\rوالرابع: إن كان من المرتزقة فلا يمنع؛ فإنه ربما يكون وجهه في قضاء الدين الرزق  والغنيمة وروي أنه عليه السلام قال في غزوة: «من وضع سيفه في هؤلاء مقبلاً غير مدبر فله الجنة» ، فقال بعض الأنصار  ومعه تميرات يأكلها فألقاها وقال: ليس بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء واخترط  سيفه وكسر غمده وانغمس في العدو فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «إلا أن يكون عليك دين» ولم  يكن عليه دين فانغمس حتى قتل","part":1,"page":7},{"id":2180,"text":"فأما رضا الوالدين  فلا بد منه فإن هذا سفر مهلك والهجوم  فيه عظيم ولابد من دفع الضرار، قال الله تعالى:  وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً    فجعله تلو العبادة وروي أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أريد أن أجاهد معك فقال: «كيف تركت والديك» قال : تركتهما وهما يبكيان فقال: «ارجع اليهما وأضحكهما كما أبكيتهما»  فأما سفر الحج بعد الوجوب بالاستطاعة لا  يقف على إذن الوالدين لأنه واجب متعين والهلاك  فيه والطرق آمنة غير  غالب وأما سفر طلب العلم فإن كان متعينًا لما يحتاج إليه فلا يحتاج إلى الإذن بل هو أولى من الحج لأنه على الفور، وكذلك إذا كان يطلب رتبة المجتهدين في حالة لو لم ينهض  لنال الحرج الكافة فأما إذا كان يطلب رتبة الفتوى وفي البلد مفتون و  نهض معه ناهضون يسقط الحرج بهم ففيه وجهان، والظاهر أنه لا يحتاج إلى الإذن لأنه حر مستقل، وإنما وجب دفع ضرر الهجوم  في سفر مهلك، ومنهم من قال: لابد من الإذن فإن تحزنهما على فراقه عظيم أما الأسفار المباحة فما فيه خطر كركوب البحر، أو سلوك البوادي المخطرة والطرق التي ليست آمنة فلا بد فيها من الإذن؛ بل هو أولى من الغزو فإنه مباح، وإن كانت الطرق آمنة فلا يجب الاستئذان فيما دون مسافة القصر، وفيما فوقه لاسيما إلى حيث ينقطع الرفاق تردد، والظاهر الجواز دون الإذن هذا كله في الوالد المسلم أما  الكافر فلا يجب استئذانه في الغزو فإنه يمنع  من الجهاد مع الكفار قال الله تعالى:  وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما   وقد غزا أبو حذيفة  مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوه كافر من كفار  قريش، وغزا عبد الله بن عبد الله بن أبي سلول  ولا تخفى كراهة أبيه   وقد خذل ثلث الجند من الأجانب","part":1,"page":8},{"id":2181,"text":"فأما الأسفار المباحة  فلا يبعد أن ينزل الكافر فيها منزلة المسلم ، ولا يبعد أيضاً إلحاق الأجداد والجدات  بالوالدين \rفرع: إذا رجع الوالدان ، أو صاحب الدين عن الإذن بعد نهوضه، أو تجدد دين لم يكن، أو أسلم أبواه وتجدد منع  فإن كان بعُد في الطريق [فلينصرف فإن الرجوع عن الإذن]  جائز، فإن كان على الطريق مخاوف ولم يمكنه الانفراد فلينبعث مع المجاهدين حتى ينصرف معهم، فإن أمكنه التحيز إلى قرية إلى وقت عودهم ففي لزومه وجهان؛ الظاهر الوجوب لأنهم أمروا بترك التحرك  إلى الجهاد وبالإقبال عليهم فإن عجز عن واحد فليأت بالثاني، وأما  إذا كان قد اشتغل بالقتال فإن كان في انصرافه تخذيل وتوقع وهن فلا يجوز الانصراف، وإن لم يحذر ذلك فثلاثة أوجه؛ أحدها أنه يجب الانصراف، لأنه أمكن من غير ضرر كما في الطريق، والثاني أنه يجب الإصرار  إذ لو فتح هذا الباب فسيؤدي  إلى التخاذل، وللشروع  تأثير في الإلزام في فروض الكفايات أيضاً، والثالث: وهو اختيار القاضي  أنه يتخير لتقابل الأمرين  ولو مرض  في أثناء القتال فهذا التفصيل جارٍ إلا أن وجوب الرجوع لا يعود، فإما الخيرة أو وجوب الاستمرار فقد أطلق الأصحاب القول بأن الجهاد يصير فرض عين بالملابسة، ولا  يجوز تركه بغير  عذر ، وبالعذر على التفصيل المذكور، وبنوا على هذا أن من أنس من نفسه في طلب العلم رشداً فعليه الإتمام ، وهذا ضعيف ، لأن لكل مسألة حكم الانفراد عن صاحبتها وليس كالقتال فإنه خطة واحدة، ويتعلق بالانحراف عنه ضرر أو توهم ضرر، وقد أطلق الأصحاب أن صلاة الجنازة تتعين بالشروع حتى لا يجوز الخروج، وله وجه فإنهما في حكم خصلة واحدة لا  كالعلم، وحكي عن القفال  أنه قال: لا يتعين بالشروع فإن الشروع لا يعين المشروع فيه ، وهذا لائق بأصل الشافعي في الخروج من التطوع هذا كله في قتال هو فرض على الكفاية","part":1,"page":9},{"id":2182,"text":"أما القتال [المتعين]  وذلك إذا وطئ الكفار بلاد الإسلام فيتعين على أهل تلك الناحية بذل أقصى الجد في إزعاجهم، وهل لهم استصحاب العبيد والنسوان إذا كان فيهم ُمّنة  نظر  فإن لم يتهجموا عليهم وكان لهم مهلة الاستعداد وعلموا أنهم لا يقاومون دون العبيد انحل الحجر عن العبيد ووجب عليهم المساعدة، وكذلك على النساء إن كان فيهم منَّة على بُعد، وإن كانوا يقاومون دون العبيد ولكن يزدادون بهم استظهاراً وقوة قلب ففيه وجهان، أحدهما : أن العبيد يطلقون دون إذن السادة لأن الواقعة عظيمة وإقامة الهيبة إلى أقصى الإمكان زجراً من  مثله في المستقبل منهم، والثاني: أنهم يستأذنون  إذ ليس العبد  مكلفاً بهذا الأمر فلا  ضرورة تدعو إليه، وكذلك الخلاف جارٍ فيما إذا وقعت الكفاية بقوم من أهل الناحية فهل يتعين على الباقين المساعدة في النهوض الظاهر أنه يتعين تعظيماً [للأمر]  وتكميلاً للزجر، ومنهم من قال إن الفرض يسقط عن الآخرين بنهوضهم لحصول الكفاية ، فأما إذا تهجموا على المسلمين وليس لهم مهلة الاستعداد فلكل واحد من المرأة والعبد وكل مكلف أن يذب عن نفسه بأقصى الإمكان، نعم لو علم أنه لو كاوح   لقتل لا محالة ولو استسلم للأسر ربما يبغي فكاكه  فلا يلزمه المكاوحة ، والمرأة إذا علمت أنها لو أنها لو كاوحت قتلت، ولو استسلمت قصدت بالفاحشة فالظاهر أن عليها المكاوحة لأن الزنا لا يباح بخوف القتل ، ويحتمل أن يقال في الحال القتل معلوم وقصد  الزنا موهوم فلها الاستسلام ثم تدفع عنها  قصد الزنا على حسب الإمكان هذا حكم أهل تيك الناحية ومن هو دون مسافة القصر منها؛ فأما من هو وراء مسافة القصر فيتعين عليه إن لم يكن في أهل الناحية كفاية، وإن كان فيهم كفاية فخلاف مرتب على من زاد على قدر الكفاية من أهل الناحية وأولى بأن لا يلزمهم","part":1,"page":10},{"id":2183,"text":"و اختار المحققون  أنه لا يلزمهم لأن الأمر يطول فيه ويتداعى  إلى جلاء كافة الخلق عن الأوطان ومن قال بالوجوب علل بأن هذه واقعة عظيمة فعليهم النهوض إلى أن يبلغهم خبر الكفاية، ثم لا يجب على من لا يملك الزاد بحال ويجب على العبيد أن عينّا على من   وراء الكفاية على أحد الوجهين إذا كان يفيد حضورهم مزيد قوة كما سبق وأما المركوب فلا يعتبر في حق من دون مسافة القصر وفيمن وراءه وجهان، أحدهما : أنه يعتبر كما في الحج، والثاني: أنه لا يعتبر فإن أمر الحج أهون وهو على التراخي، وهذا عظيم، والمشي في الحج فلا  يبعد أن يسلك مسلك في هذا السفر، ومنهم من ذكر في الركوب وجهاً أنه لا يشترط الزاد فليتوكل على الله، وهذا بعيد، فإنه إهلاك من غير فائدة  فإن قيل: ولو استولى الكفار على موات دار الإسلام وجبالها أو على مسلم أو مسلمين فأسروهم فهل ينزل  منزلة توطيء البلاد قلنا أما الموات فيه  خلاف، والظاهر أنهم يدفعون كما يدفعون عن الأوطان ، وفيه احتمال فإن تضيق الأمر بالتسارع إلى الهلاك بسبب الموات  بعيد ، ولكن المذهب كما  نقلناه فلو  استولوا على المسلمين ففيه تردد من حيث أن التسارع بسبب أسير  واحد فيه بعد، ولا يمكن الجمع بين قوم وقوم، ولكن الوجه القطع بتنزيل المسلمين منزلة الديار نعم قد سبق التوكل في ديارهم فيحتاج إلى مزيد أهبة وعدد لما فيه من زيادة الخطر، وقد يدعو ذلك إلى نوع من التأخير إذا اقتضى وجه الرأي  ذلك ومثل هذا جارٍ في الملك العظيم إذا توطيء  بلاد الإسلام، وعلم أنه لا يصادم إلا بالجند الأكثر فلا بد من الاحتفال والتأهب، هذا حكم الجهاد","part":1,"page":11},{"id":2184,"text":"فأما  العلم وفيه  إقامة الحجة، وبه  امتثال التكاليف، ويتعين  على كل شخص ما يحتاج إليه من الصلاة، والوضوء والزكاة وإن  كان له مال ، والمعاملة إن كان يعتاد التجارة، ولا يلزمه تعلم تفاصيل ما يمكن وقوعه، فإن ذلك يطول، وما وراء ذلك ففرض على الكفاية، أما ما يتعلق بالفروع  فينبغي أن يكون في كل قطر مجتهد ويكفي ذلك للبلد ومن هو على مسافة القصر فإن لم يكن حرِج به الكافة، وأما في الأصول فلا يتعين على كل واحد إلا اعتقاد مصمم صحيح، فإن اعتراه شك فيتكلف إزالته، ولسنا نوجب على الآحاد تعلّم الأدلة، وصنعة  الكلام، ولم  يكلف الأولون ذلك  نعم لابد في القطر من مستقل  بإماطة الشبهة، والشكوك، وإبطال البدع، والزيغ بعد أن ثارت من  مكامنها وتمزّح الزمان بها، ولا  سبيل إلى إهمالها وأما السلام فالابتداء به سنة متعينة  على الآحاد، وسنة على الكفاية من الجميع  إذا انتهوا إلى واحد وصيغته أن يقول: السلام عليكم  وإن كان المخاطب واحداً تعميماً لملائكته  كما في الصلاة، والجواب فرض متعين على الخصوص بالخطاب، وفرض على الكفاية من الجميع؛ يسقط بجواب الواحد، ولا يسقط بجواب من لا  يدخل في الجميع، وصيغته أن يقول: وعليكم السلام، والمستحب أن يزيد ويقول : ورحمة الله وبركاته، قال الله تعالى:  وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها  [أي مثلها] ، فلو قال: عليكم لم يكن جواباً، ولو قال: وعليكم اختلفوا فيه، فمنهم من قال هو جواب العطف ؛ ثم لا ينبغي أن يسلم على المصلي، وعلى من يقضي حاجته، وعلى المشتغل بنفسه في الحمام، و  على المرأة الأجنبية","part":1,"page":12},{"id":2185,"text":"فإن فعل لم يستحق الجواب، وإن كان القوم في مساومة، ومعاملة فلا يمتنع السلام، فأكثر الناس في أشغالهم، وإنما  السلام مأمور  استحباباً، وقال الشيخ أبو محمد : لا ينبغي أن يسلم على الآكل، ولعل سببه أنه يعسر عليه الجواب والطعام في فيه والصبر إلى الازدراد تأخير، ولو وقع السلام بين  اللقمتين فهذا لا يبعد أن يقال أنه مستحق الجواب إذ لا عسر فيه، ولا هتك للمروءة  وأما تشميت العاطس فمستحب، وجوابه غير واجب بخلاف جواب السلام؛ بل هو مستحب كابتداء التشميت، ثم ابتداء التشميت أيضاً على الكفاية، وقد تعرضنا لطرف من  أحكام السلام في الجمعة عند بيان استماع الخطبة\rالركن الثاني: في كيفية الجهاد:\rوالنظر فيه معلق بتفصيل ما يجوز للإمام أن (يعامل)  به الكفار في أنفسهم بالقتل والاسترقاق، وفي أموالهم بالإتلاف والاغتنام، وله  ترك كل ذلك بالأمان على ما نفصله\rالنظر الأول: في معاملتهم بالقتال، والقتل، وفيه مسائل:","part":1,"page":13},{"id":2186,"text":"الأولى: في من يجوز للإمام الاستعانة به في القتال، ولا شك في جواز استعانته بالمسلمين، بل هم المقاتلون المجاهدون  عن أنفسهم، وله الاستعانة بالمراهقين إذا كان فيهم مُنّة، وكذا  بالعبيد إذا أذن السادة، وله الاستعانة بالمشركين إذا أمن غائلتهم، وعلم أنهم لو غدروا، وانحازوا إلى جانب الكفار قاومهم، وإن لم يأمن ذلك لم يستعن  استعان رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهود في بعض الغزوات ، واستعان بصفوان  قبل أن يسلم ، وروي أنه عرض كافر نفسه عليه في قتال ورده  ثلاثاً، ثم قال له في الثالثة: (أمسلم أنت أم مشرك)  فقال: مسلم فقبله؛ وإنما رده أولاً لأنه تفرس فيه من حرصه على القتال أنه يسلم إذا رده فصدقت فراسته وأما المسلم المخذل الذي يجتثي القلوب ويطنب  في الأراجيف فلا يستعان به، وإن حضر أخرج فإن شره عظيم، والنفوس  سريعة الانخداع بما هو موجب الطباع من الإقلاع من  المصاع ولو وقف وقاتل لم يستحق سهماً ولا رضخاً ، وهو أقل ما يعاقب به؛ لا كالفرس الضعيف فإن في استحقاق السهم به خلاف وأما الذمي إذا حضر من غير إذن الإمام ففيه طريقان، أحدهما: أنه يستحق الرضخ إلا أن يحضر بعد الزجر والنهي لأنه على الجملة [من]  أهل الدار، وبها أهله، وذريته، فتحصل به النصرة، والثاني : أنهم لا يستحقون شيئاً إذا حضروا بغير إذن كما إذا حضروا بعد النهي، وهذا الإلزام قال  قائلون: يستحق  وإن حضروا بعد النهي، وهو ضعيف لا وجه له ","part":1,"page":14},{"id":2187,"text":"المسألة الثانية: في من يستأجر على الجهاد، والمذهب أنه لا يصح استئجار المسلم ، لأنه مجاهد عن نفسه، ويقع عن فرضه، وعبادته  وهو كالصرورة  إذا استؤ جر [على الحج يقع عنه لاعن المستأجر، ولا يستحق الأجرة، نعم قد نقول إذا صرف الأجير الحج]  إلى  نفسه بعد الإسلام، ولم  يصرف إليه ففي سقوط أجرته خلاف، ولا يبعد أن يكون القصد مسقطاً للأجرة ، ويبعد أن يكون القصد بمجرده مع  وقوع العمل عن الأجير موجباً للأجر هذا في الآحاد إذا استأجروا  فأما السلطان إذا رأى أن يبذل من سهم المصالح أجرة لمسلم  فقد ذكر الصيدلاني  جوازه ، ومن الأصحاب من خالفه بما ذكرناه  من وقوع العبادة عنه قال القاضي: يجوز للإمام ذلك وليس باستئجار حقيقة فإنما هو شبه زا دٍ و أهبة من بيت المال لمن رآه الإمام، وهو القياس الذي لا يجوز غيره، فلو  أخرج الإمام طائفة من المسلمين قهراً إلى الجهاد لم يستحقوا أجرة المثل على الإمام ، هكذا أورده الصيدلاني مع قطعه بجواز الاستئجار، ويكاد يتناقض هذا الكلام  مالم يأول الاستئجار كما أوله القاضي، وزاد الصيدلاني فقال: لو عين الإمام شخصاً لدفن الميت وغسله فلا يستحق أجراً، وهذا هو الصحيح إذا لم يكن له تركة، ولا في بيت المال متسع فإن هذه المؤونة تتعين في التركة، وبيت المال ما أمكن، فإن عدم فيكون على الكفاية، وعنده للإمام أن يعين شخصاً على ما يقتضيه اجتهاده","part":1,"page":15},{"id":2188,"text":"وأما  استئجار عبيد المسلمين فإن قلنا إنه يتعين عليهم القتال إذا وطيء الكفار بلاد المسلمين  فهم كالأحرار إذ العبادة تقع عنهم، وإن لم نوجب عليهم ذلك فقد أخرجناهم عن أهلية القتال فيلتحقون بأهل الذمة، وفي استئجار أهل الذمة خلاف  مأخذه الجهالة في القتال، وأعماله، وإلا فالعبادة لا تقع عنهم ، فلهذا قال قائلون إنه جعالة ، ومنهم من قال هو إجارة، واحتمال الجهالة لائق بهذا المقام، ولأنا نحتمل في معاملات الكفار للمصلحة مالا نحتملها في معاملات آحاد المسلمين كما سنذكره في  دلالة العلج  على القلعة، ولأنه لو كان جعالة لجاز لهم الانصراف في أثناء القتال، ولأثار ذلك تخذيلاً، وضعفاً، وهذا التعليل فاسد إذ يمكن إيجاب المقام وإن لم يجر عقد يُلزم ، وكذلك نوجب إذا حضروا بالإذن ولم يجرعقد مهما  كان  في انصرافهم تخذيل","part":1,"page":16},{"id":2189,"text":"فرعان: أحدهما: لو أخرج أهل الذمة قهراً حتى قاتلوا فلهم أجر المثل إذا قاتلوا فإن خرجوا ولم يقفوا أصلاً في الصف فلهم أجر  الذهاب، فإن خلي سبيلهم قبل الوقوف لم يلزم إلا أجر  الذهاب، وبقية المدة إلى الرجوع إلى الوطن لا يلزمه ، ولم يكن كما إذا حبس حراً ففي أجرة منفعته التي تعْطل  خلاف، لأن هذا بعد التخلية غير ممنوع من الاضطراب على حسب مشيئته، ولو وقفوا في الصف ولم يقاتلوا فوجهان أحدهما: أنهم يستحقون كمال الأجر  لأن الوقوف له حكم القتال ولأجله يستحق به السهم والثاني : لا، لأنهم  ليسوا أهلاً ولم يباشروا، فإن لم يحصل  الوقوف عملاً فمنفعة تيك المدة مضمونة لهم إن كانوا تحت حبس المسلمين على قولنا إن منفعة المحبوس مضمونة، وإن تمكنوا من الانصراف ولم يُمنعوا فلا شيء لمدة الوقوف فإن قيل: فمن أين يؤدِ الإمام أجرهم في صورة القهر والعقد قلنا: قيل إنه يخرج من رأس الغنيمة  إذ  ظهر أثر قتالهم في حيازتها ، ومنهم من قال: يتعين ذلك في بيت المال من سهم المصالح\rالثاني: اختلف الأصحاب في جواز استئجار الذمي لآحاد المسلمين على القتال، وهو قريب من استئجار الآحاد على الأذان، ولا فقه  في كونه فرضاً على الجملة بخلاف الأذان، ولا في ارتباط الجهاد برأي الأئمة إذ لآحاد المسلمين الاستبداد به أيضاً كما في الأذان فلا فرق\rالمسألة الثالثة: فيمن يمتنع قتله، والنظر في الأب، والصبي، والمرأة، والراهب ، والعسيف ","part":1,"page":17},{"id":2190,"text":"أما الأب: فقتله منهي عنه، والكراهية مطردة في كل رحم، وإذا اقترنت به المحرمية كان آكد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم  أبا حذيفة ، وأبا بكر رضي الله عنهما عن قتل أبيهما  وقال ابن عبد الله  بن أُبي [سلول] : يا رسول الله بلغني أنك أمرت بقتل أبي لكثرة إيذائه، وقد علمت العرب شفقتي على أبي فأخاف لو قتله واحد لتداخلني حمية الجاهلية فأقتل قاتله وأدخل  النار، فلو أذنت لي فآتيك برأسه، فقال عليه السلام:  (لا تفعل نداريه مادام يعاشرنا)\rوأما الصبيان والنسوان: فيحرم  قتلهم من غير غرض قصداً إليهم ، وإذا لاح غرض فسنذكر جواز قتلهم، والغالب في منع قتلهم تقديم المصلحة في استرقاقهم، ولا يجوز أيضاً أن يرشق  بالنشابة  امرأة على بعد وإن لم يمكن استرقاقها، فلا بد من غرض ظاهر لإباحة قتلهم كما نفصله\rفرع: إذا شك في البلوغ وعدم من اللحية علامة كشف عن المؤتزر وعُوِّل على إنبات الشعر، ولا يعول على اخضرار الشارب، ويعول على شعر الإبط، وما خشن من شعر الوجه، والعانة، فإن  زعم أنه استعجل الإنبات بالمعالجة، فإن جعلنا شعر العانة عين البلوغ لم ينفعه، وإن جعلناه  علامة فالمستعجَل لا يدل عليه، والقول  قوله مع يمينه؛ لأن الأصل حقن الدم\rوأما المترهب، والعسيف، والحارث المشتغل شغله ،  والشيخ الضعيف الذي لا رأي له ففي قتلهم  قولان:\rأحدهما: الجواز، لعموم الكفر وحصول  أهلية القتال فنحكّم الجنسية إعراضاً  عن الأحوال","part":1,"page":18},{"id":2191,"text":"والثاني: المنع، لما روي أنه عليه السلام رأى امرأة مقتولة فتغير وأنكر، وقال: «الحقوا خالداً وقولوا له لا يقتل عسيفاً، ولا امرأة» ، ولأن هؤلاء لا يخشى منهم القتل  فأشبهوا النساء، ولا خلاف في قتل الشيخ ذي الرأي إذا حضر الوقعة، ودبر الجند قتل في غزوة أوطاس  دريد ابن الصمة ، وكان ابن مائة وخمسين سنة ، وإن كان ذا رأي ولم يحضر فالظاهر أنه يقتل، وفيه وجه ضعيف، ومن حضر وليس ذا رأي فيتجه فيه إجراء القولين، لأنه بالحضور ليس مقاتلاً، ويحتمل خلافه أيضاً \rالتفريع: إن قلنا يقتلون فهم في الاسترقاق، وسبي نسائهم، وذرا ريهم كسائر الكفار، وإن امتنعنا عن قتلهم ففي إرقاقهم ثلاثة أوجه:\rأحدها : أنهم كالنسوة فيرقون بنفس  الوقوع في الأسر\rوالثاني: أن للإمام أن يرقهم إن شاء، ولا يرقون بنفس الأسر\rوالثالث: أنه يمتنع إرقاقهم كما امتنع قتلهم وهذا فاسد فإنه يشير إلى نوع حرمة وذلك بعيد في حق المترهب، وهو ممعن  في تربية  الشرك، وفي حق العسيف وإن كان له وجه على بعد في حق الشيخ الهم \rالتفريع: إن قلنا يمتنع إرقاقهم ففي نسائهم، وذرا ريهم ثلاثة أوجه: \rأحدها: المنع، والثاني: الجواز، والثالث: المنع في ذرا ريهم لأنهم كأجرائهم، والجواز في نسائهم والكل تفريع على ضعيف، واغتنام أموالهم يجري مجرى سبي نسائهم، وذرا ريهم، وذكر الشيخ أبو محمد طريقة في طرد إلحاق السوقة  بالعسفاء، والرهابين، وهذا يتجه  في القياس، وبه يتبين الضعف في المنع من الاغتنام لأموالهم إذ لو قيل به في حق السوقة لكان كالخرق للإجماع ","part":1,"page":19},{"id":2192,"text":"المسألة الرابعة: يجوز نصب المجانيق ، وإرسال المياه، والرمي بالنيران على القلاع، وإن علمنا أنا نصيب  فيها نسوة وصبياناً ، نصب رسول الله صلى الله عليه وسلم المنجنيق على أهل الطائف، وشن الغارة على بني المصطلق  وفيهم النسوان والصبيان، وقد قيل له عليه السلام إنا نبيت  العدو وفيهم النسوان والصبيان فقال: (هم منهم)  فأما إذا دُفعنا إلى قصد أعيانهم بأن تترسوا بهم، فإن كانوا مقيمين على القصد والقتال رشقناهم بالنشا شيب، ولم نكترث بالترسة، وإن أصبناها، وإن كانوا دافعين غير قاصدين فقولان:\rأحدهما : الجواز كنصب المجانيق على القلعة كانوا دافعين أو قاصدين والثاني: المنع، لأن القصد ثَم لم يتعلق بأعيانهم، وههنا تعلق بهم وبنا غنية عنه ثم اختلف الأصحاب في تنزيل القولين؛ منهم من نزل على التحريم، ومنهم من نزل على الكراهة، فنتحصل على قول ثالث: أنه يكره ولا يحرم  فأما إذا تحصنوا بقلعة وتترسوا بهم فإن كانوا يقاتلون لم نكترث بالترسة، وإن كانوا يدفعون فطريقان  متضادتان  منهم من قال في جواز قصد الترسة قولان، وإن أمكن فتح القلعة بغير قصدهم منعاً لهم عن هذه الجملة، ولأنهم اتخذوهم أسلحة، فالترس من أعظم الأسلحة، ومقصودنا من وراء الترس، ومنهم من قال قولان وإن لم يمكن فتح القلعة إلا بقصدهم؛ بل على قول نتجاوز هذه القلعة فلنا غنية عنها ، والطريقتان  متباعدتان جداً هذا كله إذا لم يكن في القلعة مسلم، فإن كان فيها مسلم، وعلمنا أن السبب القائم  من المنجنيق، والنار، والماء يتناوله فهو محظور، وإن كان التوقي من إصابتهم ممكناً، ولكن الإصابة مع ذلك مخوفة متوقعة ففيه قولان: أحدهما: المنع، فإن زوال الدنيا أهون عند الله من سفك دم مسلم ، فالخوف منه كافٍ","part":1,"page":20},{"id":2193,"text":"والثاني: الجواز، لأن قلاع الكفار قل ما تنفك عن الأسارى فيتذرعون بهم إلى التحصن عن جند الإسلام ، فأما إذا تترس كافر بمسلم فلا يجوز قصد المسلم بحال، وغاية القاصد أن يخاف القتل لو استسلم  فليس له أن يؤثر مهجة نفسه على مهجة غيره، ولذلك لم نبح القتل للمكره، ولا للمضطر في المخمصة ، وهذه في تيك الصورة، وهذا جارٍ إذا تترّس أعداد محصورون من الكفار، ولم يكن هلاك الأعداء إذ المقاتلين من العداة خطر  فلو التقى الصفان، وتترسوا، ولو لم نقصد الترسة لاصطلمنا ، وعلت راية الكفر، وقهر الجند الذي هو عصام الإسلام فهاهنا ذكر العراقيون وجهين، أحدهما: المنع فإن ذلك غيب وقتل المسلم محظور في الحال","part":1,"page":21},{"id":2194,"text":"والثاني : الجواز لأن الجزئيات محتقرة بالإضافة إلى الكليات، وهذا يجر خرماً عظيماً في الإسلام، ويؤدي  إلى قتل أضعافهم من المسلمين على أيدي الكفار ثم إذا منعنا  قصد المسلم في صورة تترس الكافر الواحد ، وهو يخاف قتل نفسه فلو فعل وقتل فالصحيح أن حكمه حكم المكره في القود، ومنهم من قال لا بل هو كالمضطر في المخمصة فيقطع بوجوب القصاص، وهذا يثير تردداً في أمر وهو أنه لو كان المتترس أيضاً مسلماً وجرى القتل فهل  نوجب القصاص على المتترس ونقول أنت اضطررته إلى قتله وفيه احتمال عندي نشأته  من تردد الأصحاب في هذه المسألة، فإذا نزلناه منزلة ضرورة المخمصة لم يجب القصاص على المتترس ولعله الأظهر، وإن جعلناه مكرهاً فبالحري أن نجعل المتترس ملجياً ولا ينبغي أن تشك في أن الحربي لو أكره مسلماً على قتل مسلم فقتله أنه يخرج القود على قولي المكره، وقد أورد الإمام هذه الصورة نقضاً على من قطع بوجوب القصاص، ولم يطرد القولين، وليس هو لازماً على المأخذ الذي نبهنا عليه، وقد ذكر صاحب التقريب  [في]  قتل المسلمين  في دار الحرب خطئاً تفصيلاً حسناً فقال: إن علم أن في دار الحرب مسلماً ، وقصد شخصاً معيناً ظنه [كافراً]  فإذا هو مسلم فتجب الدية والكفارة قولاً واحداً، ولا قود، وإذا كان مثله في دار الإسلام ففي القود قولان، ولو انتفى المعنيان بأن لم يعلم بأن فيهم مسلماً ، ولم يقصد عين المسلم ولكن قصد كافراً فمال السهم إليه فلا دية قطعاً، وتجب الكفارة، وإن وجد أحد المعنيين دون الثاني بأن علم أن فيهم مسلماً وما قصد عينه، أو قصد عين شخص ظنه كافراً أو ما علم أن فيهم مسلماً فقولان ، والأصحاب  أطلقوا القول بإجراء القولين فيما إذا قتل مسلماً في دار الحرب على ظن أنه كافر، ويمكن تنزيل ذلك على صورة اجتماع المعنيين، ويمكن اعتقاد اختلاف وتباين بين الطريقين فنتحصل على مسلكين ","part":1,"page":22},{"id":2195,"text":"المسألة الخامسة: في الهزيمة، وهي محرمة بعد التقاء الصفين إلا بشرطين، أحدهما: زيادة عدد الكفار على الضعف، والآخر: أن ينهزم متحيزاً إلى فئة، أو متحرفاً لقتال، وقد اشتمل نص القرآن  عليهما جميعاً أما العدد فكان يجب في ابتداء الإسلام أن يصابر الواحد للعشرة ، ثم خفف، ووجب مصا برة الواحد للاثنين ثم اختلف الأصحاب، فمنهم من راعى صورة العدد، حتى جوّز لمائة من الأبطال أن يفرّوا من مائتين وواحد من الضعفاء، وزعموا أن اتباع المعاني عسر، والأصح في هذه الصورة المنع ، فإن فرار الأبطال من الضعفاء، وإن كثروا ذل على الإسلام، وكذلك لو كان عدد الكفار ناقصاً عن الضعف ولكنهم أبطال، وهؤلاء ضعفاء ففي جواز الفرار الوجهان، والظاهر ههنا أنه وإن غلب على الظن غلبة الكفار فلا فرار، ولا خلاف في أنا حيث نقطع بأن المسلمين لو وقفوا مقتولون ولا  أثر لوقوفهم فيجوز الانهزام، إذ لا نصرة للدين في وقوفهم، وإنما المصابرة حيث يرجى الفلاح، ولو على بُعد ، ويقرب من هذا ما إذا لم يكن مع المسلمين أسلحة والعدو  [وافٍ]  فإن لم تكن حجارة فيجوز الفرار قطعاً، لأنهم يقطّعون مزعاً  في الحال، وإن أمكن القتال بالحجارة فوجهان ، فمنهم من نظر إلى العدد بعد وجود أصل الآلة، ومنهم من قال الحجارة لا تقاوم السيوف، والرماح","part":1,"page":23},{"id":2196,"text":"الشرط الثاني: التحرف  للقتال وليس ذلك من الهزيمة، وإنما معناه التحول  من الميمنة إلى الميسرة، أو استجرار القِرن  إلى فضاء بأن يولي عنه حتى يتبعه، ثم يكرّ  عليه فهو من القتال، فإن الهزيمة في  التحيز إلى فئة، ومعناه، العزم على الاتصال بفئة أخرى للقتال، وهو في الحال منهزم، تارك, وكأن العزم يدل على المصابرة، ثم اختلفوا، فمنهم من قال لافرق بين الفئة القريبة من المعركة، وبين البعيدة بمسافة شاسعة، وإليه ذهب الصيدلاني، والشيخ أبو محمد، وصاحب التقريب ، تعلقاً بالعموم، وإقامةً لعزم العود مقام الصبر، والعزائم الباطنة  لا يمكن مخادعة الله تعالى بها حتى يقال فتح [هذا]  الباب  عظيم وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في دار الهجرة: (أنا فئة كل مسلم) ، ومنهم من قال لابد من فئة قريبة ثم لا يضبط القرب بمسافة السفر بل معناه نوع قرب يتصور الاستنجاد بهم في هذا القتال، ويتصور لحوق مددهم، وهذا القتال قائم بعدُ، فهو انهزام، ولكن على عزمه عود واستعداد ","part":1,"page":24},{"id":2197,"text":"التفريع: إن حملنا التحيز على الفئة البعيدة على عدم العود، فهل يجب [تحقيق]  هذا العزم إذا تمكن  هذا في محل الاحتمال، ظاهر كلام الصيدلاني أنه لا يجب بل لو بدا له فلا حجر عليه، إلا أن يدعوه الإسلام، فيجوز له المخالفة، وذلك جارٍ في كل حال، والمصير إلى الإيجاب أن يكون كإيجاب القضاء، وهو بعيد عن الجهاد، كيف وظاهر المذهب أن الجهاد لا يلزم بالنذر، وكذلك صلاة الميت، فكيف يلتزم قضاؤه بالترك ، وهو لا يزيد على صريح الالتزام، ومن ترك القتال عاصياً لا يلزمه أن يقضي؛ بل نقتصر على تعصيته، ووجه الاحتمال، أن العود إذا لم يجب كان هذا تجويز انهزام بمجرد عزيمة من غير تحقيق، وهذا بعيد، ولكن الأظهر ، وإن فرعنا على حمل التحيز على الفئة القريبة، ومن آثاره أنه  إذا لم يكن بالقرب فئة يتصور الاستنجاد بها في المصابرة، وهذا هو أغلب الأحوال، وقلّ ما يتفق جواز الانهزام، ثم ينبغي أن نخصص جواز التحيز بصورة لايجُرّ تحيزه خرماً إلى المسلمين، وتقوية لقلوب المشركين، [فإن كان يتوقع بسبب تحيزه عكرة  الكفار]  وليس يغلب في المصابرة أن يغلب المسلمون فلا يجوز التحيز، وإذا جوزنا الهزيمة عند زيادة عدد الكفار على الضعف، فإن لم يغلب على الظن كون الدائرة على المسلمين فالمصابرة أولى، وإن غلب كونهم مغلوبين فالأولى أن نغرر بالروح، وفي جواز المصابرة إن كان يتوقع لثبوتهم نكاية في العدو وجهان، وإن لم نتوقع له أثر فلا وجه إلا الفرار \rفرع: المتحيز إلى الفئة البعيدة لا يُشرَك في المغنم  إن  وقع الظفر بعد انهزامه، وإن تحيز إلى فئة قريبة فظفرنا بعد انهزامه، وقبل  اتصاله بتيك الفئة القريبة ففي مشاركته الغنيمة  وجهان ","part":1,"page":25},{"id":2198,"text":"المسألة السادسة: المبارزة جائزة على الجملة ، وعن الحسن البصري  تحريمها ؛ ثم الأولى  أن يبارز بإذن الإمام، وفي جواز الاستقلال وجهان؛ أحدهما : بلى، كما يجوز لشرذمة من المسلمين أن ينشؤوا أصل القتال بغير إذنه، وإن كان الأولى مراجعته، ولأن هذا القتال مأذون [فيه] ، والمراجعة في تفصيل القتال عسر، والثاني: أنه تجب المراجعة فلصاحب الأمر رأي في تعيين الأقران من النطاح ، وفائدة المنع إبطال أمانه لقرنه لا منعه من المطاردة \rالمسألة السابعة: فيما ينتهي به جواز قتل الكافر، وذلك بإسلامه بكل حال ، وبذله الجزية إن كان ممن له كتاب، أو شبهة كتاب ، ولا فرق  [بين]  أن يسلم أهل القلعة قبل تباشير الظفر، أو بعده في تحريم قتلهم، وعصمة أنفسهم، ومالهم  , وأولادهم الصغار، فأما الكبار فلا يعصمون بإسلام الأصول، فإنهم مستقلون بالإسلام، نعم البنت الكبيرة تعصم عن الرق بقبول الأب الجزية ، فإنها لا تستقل بالجزية فكانت تبعاً  ولذلك كانت الزوجة تبعاً في الجزية لا في الإسلام، لأنها لا تستقل بقبول الجزية، وتستقل بقبول الإسلام، وأما زوجة المسلم إذا كانت حربية ففي جواز استرقاقها خلاف  والحربية التي في بطنها جنين مسلم مسترق عندنا، ولا يتعدى الرق إلى ولدها  \rفرع: إذا أراد الغازي حمل رؤوس الكفار إلى ديار الإسلام فالذي يقتضيه قياس الشافعي رحمه الله أنه يكره، إذ لم يعهد ذلك من سير الأولين، وقال الشيخ أبو محمد: يكره لأنه لا فائدة فيه، فإن كان فيه نكاية في الكفار فلا يكره ، وقد نقل إلى المدينة رؤوس في زمن أبي بكر رضي الله عنه فقال: لا تنقلوا هذه الجيف إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم  فاحتمل أن يحمل ذلك على تنزيه الحرم، أو [على]  كراهية النقل في الأصل ","part":1,"page":26},{"id":2199,"text":"التصرف الثاني: في أنفس الكفار بالاسترقاق، وهو جائز، ويتنزل ذلك منزلة الاغتنام، ولكن يرتبط بالنفوس علقة النكاح، والولاء، والدين، بخلاف الأموال، ـ والغرض تفصيله ـ وليس من العلائق المانعة عندنا أن تكون الحربية حاملاً بولد مسلم ، فيضرب الرق عليها دون (ولدها) ، خلافاً لأبي حنيفة \rأما النكاح: فالمرأة المنكوحة للحربي مسبية، ونكاح الحربي منقطع  سواءً سبيت معه، أو سبيت منفردة  بل نزيد ونقول لو سبي الزوج مفرداً انقطع نكاحه أيضاً  خلافاً لأبي حنيفة ، وكذلك إذا كانت منكوحة لذمي، وهي حربية ، وإن كانت منكوحة مسلم ففي جواز سبيها وجهان، أحدهما: لا، لحرمة الإسلام  وإثبات الأمان لزوجته بإسلامه والثاني: الجواز، لأن النكاح مؤبد، ولا يثبت الأمان المؤبد قط، ولا سبيل إلى تقدير المنع بمدة، وحقه في منفعة البضع فلا يضاد ملك الرقبة ","part":1,"page":27},{"id":2200,"text":"التفريع: إذا جوزنا السبي، فالمذهب انقطاع النكاح، بخلاف ما لو غنم داراً هي في إجارة مسلم فلا يحكم بانقطاع الإجارة، [وذكر صاحب التقريب وجهاً غريباً أن النكاح لا ينقطع كما لا تنقطع الإجارة]  وهو بعيد، لأنه يؤدي إلى أن تبقى أمة كتابية تحت مسلم، وذلك يمتنع، كما يمتنع ابتداءً، ولا يلقانا في إدامة الإجارة مثل هذا العسر؛ نعم ينقدح هذا التقرير  ذلك الوجه إلى أن نتوقف إلى انقضاء المدة في فسخ النكاح، فإن أسلمت  استمر النكاح، ولكن قائل ذلك الوجه، أطلق المذهب، ولم يفصل هذا التفصيل  فأما إذا سبينا زوجين رقيقين مسلمين، أو كافرين لأهل الحرب، ففي انقطاع النكاح بينهما وجهان، أحدهما : أنه لا ينقطع، لأن هذا (اغتنام) ، فإن المالية باقية فيهما، مثل الاستيلاء منزل منزلة تملكهما بالشراء، ويخالف  الزوجين الحربيين إذا ضربنا الرق عليهما فإن ذلك قلب لجنسهما والثاني: أنه ينقطع فإن ملك الغانمين [يثبت]  برق مبتدأ لا يبنى على الملك السابق بطريق الخلافة فلا نظر إلى ما سبق والصحيح أنه لا ينقطع، والوجه الآخر وإن انقدح فلا ينقدح في الزوجين المسلمين الرقيقين، فإن ابتداء الرق عليهما غير ممكن، والملك فيهما نقلٌ وبناءٌ \rأما علقة الولاء: إن ثبت لمسلم  بأن أعتق كافراً والتحق بدار الحرب، فالمذهب أنه لا يسترق إذا كان الولاء لمسلم، لأنها علقة لازمة لاتقبل القطع بخلاف (‍) النكاح ، وذكر صاحب التقريب وجهاً غريباً أنه يسترق، وقال الشيخ أبو محمد: الزوجة الحربية للذمي مسبية، ومُعتق الذمي هل يسبى  فعلى  وجهين ، [ومعتق المسلم لا يسبى، وزوجته هل تسبى فعلى وجهين ] ","part":1,"page":28},{"id":2201,"text":"أما علقة الدَين: فإذا كان للمسلم على حربي دين فيُسترق ولا يسقط الدين عن ذمته بالإرقاق، اتفق الأصحاب عليه ، ولم يُشبب بخلافه إلا الخلافيون، وليس ذلك من المذهب، ودَين الذمي في هذه القضية يلتحق بدين المسلم فإن حقه معصوم، ثم فائدة بقاء الدين أن يتبع يوماً من الدهر إذا عتق، إن لم يكن للحربي مال، ولا يتعلق بكسبه، ولا رقبته، ولو كان للحربي مال، ولم يُغنم قبل استرقاقه فيؤدي الدين منه وينزل رقه منزلة الحجر بالفلس، أو منزلة الموت، ولهذا تردد الأصحاب في حلول الدين المؤجل عليه برقه تردداً مرتباً على طريان الحجر بالفلس وههنا أولى بالحلول لأن الرق أشبه بالموت ، فأما إذا غُنم المال مع الاستيلاء عليه فلا يتعلق الدين بماله، لأن الحربي لا يرق بمجرد الوقوع في الأسر، والمال يملك بمجرد الاستيلاء فيكون الاغتنام سابقاً على الرق فقد زال ملكه قبل سبب الحجر إذ تعلق حق الغانمين بعين ماله قبل الحجر، وحق صاحب الدين في الذمة، فحق الغانمين مقدم ، أما إذ غنم المال مع ضرب الرق عليه، أو فرضنا في امرأة [ترق]  بمجرد الاستيلاء، وقد استولى عليها، وعلى مالها معا، فقد أطلق الأصحاب أن حق الغانمين مقدم مهما لم يتراخَ الاغتنام عن الإرقاق، وهذا غير سديد في هذه الصورة، فإن الرق كالموت، وهو سبب تعلق الدين بالمال والاغتنام سبب حلول  الملك في المال كالوراثة، ثم يقدم الدين على الإرث فبالحري أن يقدم الدين ههنا أيضاً، وليس يضعف هذا بتقديمنا  حق أرش الجناية من العبد المرهون على حق المرتهن، فإنه يقدم على حق المالك، فالمرتهن لا يزيد عليه هذا إذا استرق من عليه الدين، فإن استرق من له الدين فلا تبرأ منه [ذمة]  المستحق عليه، بل هو من مال هذا الحربي","part":1,"page":29},{"id":2202,"text":"فيُسلك به مسلك ودائع الحربي فيما بينّا إذا جرى الرق عليه، وسيأتي تفصيله، فأما إذا استقرض حربي من حربي شيئاً، أو التزم له ثم أسلما، أو قبلا الجزية، والأمان معاً فالطلب قائم، والاستحقاق مستمر ، وعلى هذا بنينا بقاء استحقاق المهر للزوجة على الزوج الحربي إذا أسلما معاً  ولم يكن الصداق خمراً أو خنزيراً، هذا إذا تساويا في الذمة, أو الإسلام، أو الأمان،\rفلو سبق المقترض فدخل دارنا بأمان، أو ذمة، أو إسلام نص الشافعي فيما حكاه العراقيون على أن اللزوم قائم، والدين لا يسقط، ونص على أن الحربي إذا ماتت زوجته، فدخل دارنا فجاء ورثتها يطلبون مهرها فليس لهم ذلك، فقال العراقيون في المسلمين قولان بالنقل والتخريج، ووجه بقاء اللزوم التشبيه بما لو تساوقا في الذمة والإسلام، ووجه السقوط أن مطالبة الحربي المسلم، والذمي، وهو في بلاد الحرب فيه نوع من البعد، وإذا بعُد الطلب في هذا الوجه حكم بسقوط اللزوم، وقد قطع الأصحاب بأنهما مهما التقيا في الإسلام تبقى الطلبة ","part":1,"page":30},{"id":2203,"text":"وإن جرى الإسلامان على تعاقب وما طرأ من العُسر لم يكن مبرئاً للذمة، فبهذا ضعف ذلك القول، وهو قول سقوط الطلب، ولأجله حكوا عن ابن سريج القطع ببقاء الطلب، وحُمل نص الشافعي في النكاح على صورة إصداق الخمر والخنزير، ويدل على ضعف ذلك القول قطع الأصحاب بأن رق من عليه الدين لا يسقط الدين عن ذمته، وإن كان لحربي، فالرق في حقه أمان لافرق بين أن يدخل دارنا آمناً بالرق، أو آمناً بالعهد ثم هذا في الالتزام بالعقود، فأما إذا أتلف حربي على حربي شيئاً ثم طرأ أمان أو إسلام فلا ضمان، بل لو كان [أتلف] على مسلم ثم أسلم فلا ضمان، بل لو قهر حربياً، وأخذ ماله فأسلما جميعاً فالملك للقاهر نظراً إلى اليد، وما سبق في الكفر فلا حكم له، والإسلام يجب ما قبله، وإنما التراضي، والمعاقدة هي التي توجب استمرار التبعات كما سبق، وحُكي عن القاضي أن الضمان يبقى بعد الإسلام، والأمان، وارتكب الخلافيون ذلك في مسألة استيلاء الكفار على أموال المسلمين، ولا ينبغي أن يُعد ذلك من المذهب بحال\rفرع: في الاسترقاق، إذا استُرق ولد مع الوالدة لم يجز التفريق بينهما كانا مسلمين، أو كافرين، أو أحدهما كافر، والآخر مسلم، قال عليه السلام: «لا توله والدة بولدها» وقال: «من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة»، والجدة عند عدم الأم في معنى الأم في تحريم التفريق، ولو بيع مع الجدة حالة وجود الأم فهل يسقط التحريم بذلك فيه قولان","part":1,"page":31},{"id":2204,"text":"ولا خلاف في أنه يجوز أن يباع مع الأم دون الجدة عند وجودهما، والأب هل يلتحق بالأم في تحريم التفريق قولان أظهرهما أنه يلتحق ، والثاني لا يلتحق لاختصاص الأم بمزيد الرقة مع ورود الأخبار فيهما ، فإن ألحقنا فهو كالجدة مع الأم عند وجودها، وعند عدمها، وإن ألحقنا الأب فهل يتعدى إلى سائر المحارم فقولان  ثم مهما حرمنا  التفريق فهذا النهي هل يتضمن إبطال البيع قولان الجديد  أنه باطل، لأن النهي عن التفريق بالبيع مقصود، وقد روي أن جارية بيعت دون ولدها فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم البيع ، ثم الصحيح أن المنع من التفريق يمتد  إلى سنيّ  التمييز فقط ، وفيه قول أنه يمتد إلى البلوغ \rفأما الرهن  فلا يحرم  فيه التفريق ، ولكن إذا آل الأمر إلى البيع بيعا معاً ووزع الثمن، وأخذ المرتهن حقه بما  يخص المرهون  هذا في الملك الاختياري، فأما القهري كما إذا باع الجارية  فولدت بعد القبض وأفلس المشتري بالثمن، واحتاج البائع إلى استرجاع الجارية فمن الأصحاب من جوز ههنا للحاجة إليه، وقال لا يُبالى بالتفريق، ومنهم من قال تعذّر الرجوع إلى الولد لحدوثه في ملك المشتري وتعذر إفراد الأم لتحريم التفريق فتعين المضاربة، (وبطل)  حق التقديم لهذه الضرورة، لأن الرجوع على الجملة مختار، وكذلك الخلاف إذا رأى المشتري بالجارية عيباً بعد أن ولدت في ملكه، ولم تنقصها الولادة، وأراد ردها ففيه هذا الخلاف، والظاهر ههنا المنع إذ الرجوع إلى الأرش ممكن، وليس يفوت  في هذا المقام حق مالي فهو في معنى البيع","part":1,"page":32},{"id":2205,"text":"التصرف الثالث: في أموال الكفار بالإهلاك، وذلك لا يجوز فيما أمكن نقله، لأنه غنيمة ، ويجوز  في النخيل، والأشجار غيظاً لهم إن رأى الإمام النكاية  فيهم بذلك مصلحة لأنه لا حرمة للأشجار لنفسها ، وقد قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم نخيل بني النضير ، وخيبر ، وقريظة ، وقطع [كروم ]  أهل الطائف، وناداه بنو النضير  إن هذا فساد  وأنت منهي عن الفساد   فتركه ، وإن كان يرجى على قرب أن تصير للمسلمين فلا ينبغي أن تفسد ، وعلى الجملة المتبع وجه الرأي، والغرض أن لا حرمة لنفس الأشجار  وأما البهائم فلا يجوز قتلها وإن عسر علينا النقل؛ لحرمة أرواحها ، وينزل ذلك منزلة نسائهم، وصبيانهم لا يجوز قتلهم غيظاً لهم، نعم يقتل فرس الكافر إذا كان يقاتل عليه  لأن ذلك توصُّل إلى قتله، ومما تتلف كتبهم المشتملة على الكفر، والهجو ، وما يحرم  الانتفاع به فيبطل ذلك، وترد الجلود إلى المغانم، وإن كان يستفاد منها  تفصيل مذاهبهم الباطلة، ويستعان بها  في الرد عليهم ففي الاستصحاب لمثل هذا الغرض تردد واحتمال \rفرع: كلب الغنيمة  إن كان عقوراً قتل، وإن لم يكن منتفعاً به خلي، وإن  كان فيه منفعة، قال العراقيون: للإمام أن يخصص به من أراد إذا علم احتياجه  وفيه نظر من حيث أن كلاب التركة لا يختص بها بعض الورثة\rالتصرف الرابع: في أموال الكفار بالاغتنام، والنظر في بيان أصل الغنيمة، وحكمها\rأما الغنيمة: فكل ما أخذه المجاهد  من أعداء الله على سبيل القهر، والغلبة، وما يؤخذ في دار الحرب خمسة أقسام:\rأحدها: ما ذكرناه \rوالثاني: مايتخلى عنه الكفار بالإرهاب من غير إيجاف خيل، ولا ركاب فهو  فيءٌ ، ويلحق  به كل مال وصلنا إليه بقوة جند الإسلام، ولكن من غير قتال ","part":1,"page":33},{"id":2206,"text":"والثالث: ما يستنزله آحاد المسلمين على سبيل السرقة من أموالهم، وكذلك ما تأخذه الشرذمة اليسيرة من غير قتال فهي مملوكة للسارق  على الاختصاص كما يصطادون، ولاتخمَّس، وفيه وجه أنه يخمَّس وهو ضعيف \rوالرابع: الأموال المباحة في دار الحرب من الصيود، والحشيش، وغيره فحكم ما يؤخذ منه  حكم ما يؤخذ  في دار الإسلام \rالخامس: ما يظفر به على وجه لو ظُفر به في دار الإسلام لكان لُقطة هو كل مال ضائع ، وقد  تساهل ( ) الأصحاب في هذا فقالوا: لو ظفر بظبية مقرَّطة، أو مقرطقة، والمقرطة  التي في أذنها قرط ، والمقرطقة  ماجُزَّ صوفها على هيئة القرطق وهي علامة على أنها مملوكة، قالوا هذه غنيمة  وهذا مجازفة، بل الوجه أن يقال إن كان الوصول إليه بقوة جند الإسلام من غير قتال فهو فيء، وإن لم يكن بقوة جند الإسلام فهو كالمسروق، ويجري في كل ماله صورة اللُقطة  وكل ذلك بعد أن تُعرَّف  على الشرط فلا يتبين لها  مدعي مسلم، فإن ادعاها  مسلم فهي  كلُقطة دار الإسلام\rالنظر الثاني: في حكم المغانم، وله أحكام:\rالأول: جواز التبسط في أطعمة الغانمين  في دار الحرب قال عبد الله ابن أبي أوفى : «كنا نأخذ من طعام المغنم ما نشاء»، وروى  عبد الله بن مغفل   أنه ألقي  جراب  من خيبر  فالتزمته وفيه شحم ولحم، فأحدق  بي أصحابي، وكنت أجاذبهم، ويجاذبونني، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآنا فتبسم، ولم ينكر علينا  وقال عبد الله بن عمر: «أصبنا في بعض الغزوات طعاماً، وعسلاً فأكلنا  منه ولم  يخمَّس»  وفيه معنى كُلّي  وهو أن حاجة الغزاة تمّس إلى الأطعمة وليس في دار الحرب أسواق قائمة فثبت ذلك رخصة، وانشعب النظر من  هذا الأصل في جنس المأخوذ، وقدره، ومحل الأخذ، وجنس التصرف الجائز","part":1,"page":34},{"id":2207,"text":"أما جنس المأخوذ فكل طعام هو قوت أو تكملة للقوت كاللحم، ويلتحق  به علف الدواب من الشعير، والتبن ، وأما العقاقير، والسكر، والفانيذ  وجنسه فلا ، بل هي تلتحق بالثياب، وإن فرض إليها حاجة نادرة فهو كحاجة الثياب، ولا  نظر إليه، وأما الفواكه ففيها وجهان، أحدهما : الجواز لقول ابن أبي أوفى : «كنا نأخذ من طعام المغنم ما نشاء»  والاسم يتناولها والثاني: المنع، لندور الحاجة إليها ، ولا يبعد أن يُفرّق مُفرق بين ما يتسارع إليه الفساد، وبين غيره، وكذلك الشحم إذا أخذ لتوقيح  الدواب ففي جوازه وجهان  من حيث أنه في نفسه طعام، ولكن التوقيح ليس ينطعم، ولكن الحاجة إليه كبيرة وأما الحيوانات فما تيسر سوقها  لا تؤخذ بل تساق، والغنم تذبح ثم الذبيح طعام، وقد ألحق رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنم بالطعام في اللقطة لا بالحيوانات إذ قال:  «هي لك أو لأخيك أو للذئب»  بخلاف الإبل، وقال العراقيون: تذبح الغنم وإن تيسر السوق، ولكن هل يغرم من ذبَحها وأكل فيه وجهان  من حيث أنها لم تكن طعاماً وهي حية، وهذا ضعيف، مع تجويز الذبح، ولو  قيل إذا تيسر سوقها  امتنع ذبحها، وأكلها كان له وجه وأما جلود الأغنام فمردودة على المغنم إلا ما يؤكل على الرؤوس، والمسموط \rأما  القدر المأخوذ: فهو مقدار الحاجة، ولو كان معه أطعمة مستصحبة جاز (أخذه) ، فإن حاجته قائمة فيسدها بطعام المغنم إن شاء إذ لم ينقل تفصيل في الرخصة ، وله أن يأخذها ويُضيِّف عليها  الغانمين دون غيرهم ويكون آخذاً قدر حاجتهم، ومتولياً طبخه وتهيئته، ولو قدم إلى أجنبي كان كتقديم الطعام المغصوب إلى أجنبي ","part":1,"page":35},{"id":2208,"text":"فأما المحل: فهو دار الحرب، فلو بلغوا دار الإسلام امتنع الأخذ، لأن الأسواق قائمة، والحاجات مرتفعة، فلو علِقوا بأطراف دار الإسلام، ولا سوق، أو وجدوا أسواقاً في دار الحرب فوجهان، أحدهما: إن الضبط بالدار، والتفاصيل يعسر تتبعها، والثاني : إن الضبط بالحاجة لفقد الأسواق، ولا أثر للدار\rولو دخلنا بلدة يسكنها أهل الذمة لامسلم فيها فهي من دار الإسلام، لأنها  في قبضتنا، وإن كانوا مهادنين، ولا يستسلمون للأحكام، ولا يؤذون، ولا يمتنعون عن المعاملة فالظاهر امتناع الأخذ بذلك التمكن، وإذا استثنينا بلاد المهادنين، وأهل الذمة عسر تصوير الانتهاء إلى سوق أهل الحرب مع التمكن من الشراء من غير حجر في  الطعام\rفرع: لو دخلوا دار الإسلام ومعهم فضلات بقايا من الأطعمة ، ففي وجوب الرد قولان أطلقهما الأصحاب، قال الشيخ أبو محمد: إن كان الباقي له قيمة يرد قطعاً، وإن كان محتقراً كبقية التبن في المخالي ، وكسر الخبز في السُّفر ففيه القولان، قال الإمام: إن حمل الغازي ما يغلب على الظن أنه يفضل عن حاجته في دار الحرب مع السير الدائم فهو مردود، وإن أخذ ما لا يبعد استيعابه فبقيت بقية ففيه القولان، واعترف الشيخ أبو محمد بهذا التفصيل أيضاً، وكافة  الأصحاب على إطلاق القولين ","part":1,"page":36},{"id":2209,"text":"فرع ( ): لو لحق مدد بعد انجلاء القتال قبل  دخول دار الإسلام ففي تبسطهم في الطعام مع إنهم محرومون عن المغنم وجهان  لا يخفى توجيههما، فإن قيل التفاتكم إلى دار الحرب مشعر بمذهب أبي حنيفة في أن  مضايق الإسلام لا تثبت  في دار الحرب ، قلنا: هيهات، بل المتبع الحاجة ولذلك اعتبرنا على رأي قيام الأسواق، ودار الحرب كدار الإسلام عندنا  في أحكام الإسلام، ولذلك نوجب القصاص على من قتل مسلماً لم يهاجر عمداً خلافاً له، نعم اختلف نص الشافعي في إقامة الحدود في دار الحرب أنه هل يكره  مع القطع بنفي التحريم، وقال المحققون: المسألة على حالتين ، فإن استشعر من إقامة الحد تنفيراً للمحدود يدعوه إلى الارتداد، والافتتان  فهو محل الكراهة، وإلا فلا","part":1,"page":37},{"id":2210,"text":"فأما جنس التصرف في الطعام، فالأكل هو المباح من غير ضمان، فلو أتلف ضمن، لأنه تصرف لا على وجه الرخصة في المغنم، ولو قدم إلى أجنبي فكمثل، والنظر في قرار الضمان، وأصله كهو في حق الغاصب (إذا)  قدم الطعام إلى غيره، ولو أقرض من طعام الغنيمة واحداً من الغانمين فالأظهر أنه لاحكم له ، ويجعل كأن المستقرض أخذه بنفسه حتى لا تتوجه عليه مطالبة برده، ولا رد مثله","part":1,"page":38},{"id":2211,"text":"وذكر الصيدلاني، وغيره أن الإقراض يتعلق لثبوت  اختصاصه به بحكم اليد ففائدته أن يطالب برده أو رد  مثله في طعام المغنم إن وجد، فإن وجد من طعام المغنم شيئاً فلا شيء عليه، لأن حق اليد لا يضمن بالقيمة كحق اليد في الملك ، والقيمة، ومطالبته بمثلٍ من خاص ملكه مقابلة لمملوك بغير المملوك، وهو ممتنع، وتنقطع الطلبة من المقترض أيضاً باتصال الجند بدار الإسلام، وثبت الطلب للإمام إن كان باقياً وإلا فلا طلبة لأحد، ثم إن بقي رد إلى المغنم، فإن جرى بعد القسم، وعسر  فض مد على الجميع فيضعه في خمس الخمس، وهو سهم المصالح، وقيل سبيله سبيل الفيء، وهو ضعيف، إذ لو كان كذلك لما رد إلى المغنم عند الإمكان، فإن قلنا: إن القرض غير صحيح، وهو الظاهر فذلك شبيه بعود الضيفان بمناولة اللقم، وذلك لا يستعقب طلبة، فأما إذا جرى بيع صاع بصاع مثلاً من طعام المغنم فلا ينعقد البيع إذ لا تملّك، والصحيح أنه لاحكم له كما في القرض على الظاهر، وقطع الصيدلاني في البيع بالبطلان، وفي الإقراض بإثبات حكم، وهو تناقض، بل ينبغي أن يقال بيع الصاع اقتراض  من كل واحد يستعقب من اللزوم ما يستعقبه الاقتراض  حتى لو باع صاعاً بصاعين لم يطالب إلا بصاع واحد، فإنه حكم القرض، ولو باع صاعين بصاع لم يطالب إلا بصاع واحد، فإن الصاع الآخر  بذله من غير قصد العوض  الحكم الثاني للغنيمة سقوط الحق بالإعراض  قبل القسمة، لأن المقصود من الجهاد إعلاء كلمة الله تعالى، وإلا فلا يجوز التغرير بالمهج لأجل الحطام فعن هذا ثار اضطراب في أن الغنيمة متى تملك وفيه ثلاثة أوجه:\rأحدها : أنها لاتملك بالأخذ، وتملك بالقسمة، بل نثبت حق التمليك كما في الشفعة بدليل سقوطه بالإعراض، ولأن ما يملك بالأيدي فللقصد فيه مدخل، والقصد من هذا إعلاء كلمة الله تعالى","part":1,"page":39},{"id":2212,"text":"والثاني: أنها تملك  ملكاً ضعيفاً كالملك في زمان الخيار بدليل أن الغانم إذا مات انتقل حصته إلى ُوَّراثه  فدل على ثبوت الملك\rوالثالث: أنه موقوف، فإن اقتسموا تبين وقوع الملك بالأخذ على الشيوع، وإن أعرضوا تبين أن المعرض لم يملك وقال صاحب التقريب: يتبين على رأي أن الملك يثبت بعد القسمة لكل واحد في الحصة التي أصابته وهو ضعيف، وزعم أنه يفارق الميراث من حيث أنه يسقط بالإعراض بخلاف الإرث، وهذا لا دلالة له على غرضه\rواختلف الأصحاب في أن الغانمين لو  قالوا: اخترنا الغنيمة فهل تلزم حقوقهم حتى لا يسقط بالإعراض كما بالقسمة ، فمنهم من لم يقم للفظة  وزناً، وبه شرط القسمة، ومنهم من قال إذا ظهر القصد كفى  ذلك في حصول الملك، ثم إذا تمهّد جواز الإعراض، فالنظر في حكمه، ووقته، ومن يعرض، وما يعرض عنه\rفأما حكمه: فرجوع حق المعرض إلى الباقين فيقدر كأنه لم يكن ","part":1,"page":40},{"id":2213,"text":"وأما وقته: فما بعد القسمة، وتمييز حصص الغانمين فممتنع، وبعد تمييز الخمس، وقبل  تمييز حصص الغانمين الظاهر الجواز وهو المذهب، وخرج ابن سريج وجهاً أنه لا يسقط، بل يصير كالغنيمة المقسومة فيصير الأخماس  الأربعة متعينة  للغانمين مشتركة  بينهم، وهذا يتجه فيه أن يخصص بما إذا جرى الإقرار باستدعائهم، ولكنه لم يفصل هذا التفصيل، وما ذكره ابن سريج مشير إلى أن حصة المُعرض  تنقلب إلى الخمس على الخصوص لا إلى الجميع حتى يقال إذا أفرز  الخمس انحسم ذلك، وامتنع الإعراض ، فأما المُعرض فلو أعرض جميع الغانمين هل تسقط حقوقهم وجهان : أحدهما: أنه لا يسقط أصلاً إذ لا يبقى من يرجع إليه والثاني : أنه يسقط، ويرجع في هذه الصورة [إلى الخمس]  لا محالة، ولو أعرض ذوو القربى عن حصصهم، وإنما عيّناهم لوجوب استيعابهم على الرأي الظاهر، بخلاف الأيتام، ففي سقوط حقهم وجهان، أحدهما: أنه يسقط كالغانمين، والثاني : لا، لأن هذه منحة أثبتت لهم بالقرابة، ولا مستند لإعراضهم، وإعراض الغانمين محمول على تجريد القصد لإعلاء كلمة الله تعالى، والغانم المفلس إذا أعرض وقد أحاطت به الديون نفذ  إعراضه هكذا قيل، والسفيه يلزم حقه على قولنا يملك، ولا يسقط بالإعراض إلا على قولنا أنه لا يملك، وهو ضعيف، فينقدح تردد في أنه هل ينفذ إعراضه ولو تبين رشده قبل القسمة فأعرض نفذ، وكذا الصبي إذا حضر واستحق الرضخ وبلغ قبل القسمة فأعرض نفذ، كما إذا ثبت له حق الشفعة فبلغ قبل أخذ الولي وأعرض سقط حقه  وأما المُعرَض عنه فالغنيمة، والرضخ، إلا إن رضخ العبد لا يسقط بإعراضه، ويسقط  بإعراض سيده، ورضخ الصبي لا يسقط لا بإعراضه ولا بإعراض وليه إلا أن يبلغ قبل القسمة فيسقط \rوأما السلب ففي إعراض القاتل عنه وجهان، أحدهما: أنه يسقط كالغنيمة والثاني : لا، لأنه متعين له فصار كالوارث","part":1,"page":41},{"id":2214,"text":"وإذا تمهد القول في الملك يترتب عليه مسائل:\rأحدها : أن أحد الغانمين لو سرق شيئاً من المغنم قبل القسمة فهو كالسرقة من مال مشترك، وقد ذكرنا حكمه في السرقة، فحيث أوجبنا القطع على سارق المال المشترك إذا كان الزائد على حصته نصاباً فههنا في وجوب القطع وجهان، والفرق أن لكل واحد ههنا (حقاً)  في الكل من حيث أنه لو أعرض الآخرون فخلص  له جميع المال فكان كل واحد يستحق على الكمال لكنهم متزاحمون كالشفعاء \rالثانية: لو وقع في المغنم من يعتق على بعض الغانمين كأبيه أو ابنه، فقد نص الشافعي  على أنه لا يعتق حصته قبل القسمة، ونص على أن أحد الغانمين لو استولد جارية ثبت الاستيلاد  بشركته في الجارية، فاختلف الأصحاب منهم من قال في المسألتين قولان بالنقل، والتخريج ، ومأخذ القولين ضعف الملك، وقوته، أو ثبوت الملك، وانتفاؤه على رأي  ضعيف ومنهم من فرق، وقال: الاستيلاد فعل ينفذ من الأب في جارية ابنه، ولو ملك الابن من يعتق على أبيه، وهو أخوه للأب لم يعتق عليه، فالاستيلاد  فعل لا رفع  له بخلاف العتق، ومن أصحابنا من قال: لا يعتق القريب على الغانم إن لم يختره، فإن اختاره حينئذٍ يعتق، وأما الاستيلاد إذا جرى فهو اختيار، وأقوى منه فوزان الاستيلاد ما إذا اختار العتق، وهذا يتجه على قولنا إن اختيار الغنيمة له تأثير في إلزام الملك ","part":1,"page":42},{"id":2215,"text":"الثالثة: إذا وطئ أحد الغانمين جارية فلم تحمل فلا حدّ على المذهب كما في الجارية المشتركة [وإن فرّعنا على القديم في إيجاب الحدّ في الجارية المشتركة]  فههنا وجه أنه لا يجب، لأنه لو أعرض الباقون لصار الكل له، وأما المهر، فإن قلنا إنهم لم يملكوا، بل ملكوا  إن تملكوا فيجب كماله ويوضع في المغنم، ويقسم على الغانمين، والواطئ منهم، وإن قلنا أنهم ملكوا فيسقط مقدار حصته، لأنه صادف ملكه، والباقي  يجب، وإن قلنا بالوقف فإذا جرت القسمة حكمنا بما حكمنا به على قول الملك، وإن جرى الإعراض فبما  حكمنا به على قول نفي الملك، وإن فرعنا على أنّا بالقسمة نتبين ملك كل غانم فيما أصابه، فلو وقعت الجارية في نصيب الواطئ فلا مهر، وإن وقعت  في نصيب غيره فيجب كل المهر، ولكن هذا الوجه ضعيف، هذا إذا أمكن ضبط الجند لتعرف  حصته فتُحط، وإن لم يمكن لتفرقهم، وكثرتهم فنأخذ المستيقن، ونحط المستيقن، ونتوقف في قدر الإشكال كما في الحقوق المشكلة، وإن طابت نفس الواطئ وبذل الكل فذلك أدفع للعسر \rالرابعة: إذا أحبل الجارية، فحكم المهر، والحد ما سبق ( ) ويتجدد حكم الاستيلاد، وحرية الولد، وقيمته أما الاستيلاد فإن قلنا لم يملك فلا ينفذ في الحال، وإذا وقعت  في حصته هل ينفذ ففيه قولان مشهوران  في نظائره، وإن قلنا يملك ملكاً واهياً ففي نفوذ الاستيلاد في حصته قولان كالوجهين في استيلاد الجارية في زمان الخيار، وسبب التردد ضعف الملك، ومن الأصحاب من عكس وقال: إن حكمنا بالملك نفذ  الاستيلاد وإلا فقولان مرتبان على القولين في استيلاد الأب جارية الابن، وههنا أولى بالنفوذ لتنجُّز حق الواطئ بالغنيمة، ولاحق للأب في جارية الابن، واقتباس هذه المسألة [من الأب]  بعيد، لأن استيلاد الأب حائد عن القياس","part":1,"page":43},{"id":2216,"text":"التفريع: إن نفذنا الاستيلاد في حصته  نفذ في الباقي إن كان موسراً ووقف إن كان معسراً على نصيبه وهو موسر ببقية حقه من باقي الغنائم، فإن أعرض تبينّا أنه لم يكن موسراً، ولا نمنعه عن الإعراض لتنفيذ عتقه، فإنّا لا نمنع المفلس لأجل الدين عن الإعراض كما سبق فهذا أولى، أما الولد فإنه ينعقد حراً نسيباً عندنا خلافاً لأبي حنيفة ، لأنه  قال: هو رقيق لانسب له، وفي وجوب قيمة الولد قولان كالقولين في الجارية المشتركة، ومأخذه أن الملك ينتقل إليه قبل العلوق، أو بعده، فإن قلنا: قبل العلوق فلا قيمة ، ثم إن أوجبنا قيمة الولد فمقداره يتلقى  من مقدار المهر عند انحصار الجند، وعدم انحصارهم كما سبق، لأن بعضه يوازي حصته، وبقصرانه على حصته فهو كالمهر، وإذا نقضنا الاستيلاد في صورة المعسر  فالولد يعتق كله، أو بقدر  حرية الأم وجهان: أحدهما: أنه حر كله للشبهة كما لو وطئ جارية الغير على ظن أنها زوجته، والثاني: أنه يعتق بقدره بخلاف صورة الشبهة، لأن الشرع نزّل الظن منزلة الحقيقة، وهو متعلق بجميع الجارية لا ببعضها فكيف يُجزأ، والوجهان جاريان في استيلاد الشريك المعسر في الجارية المشتركة، وسئل القاضي عن وطئ امرأة نصفها حر، ونصفها رقيق في نكاح أو زنا  فقال: يحتمل تخريجه على الوجهين، واستقر  جوابه على القطع بجري  الرق في الولد ، لقول الشافعي رحمه الله: (وولد كل ذات [رحم]  بمثابتها) ، وليس كالشرك ، لأنها شبهة فتنزل منزلة سائر الشبه، وقد اختلف الأصحاب في أن الإمام لو أراد أن يرق نصف الأسير ابتداءً، فمنهم من منع، ومنهم من جوز، وهو القياس","part":1,"page":44},{"id":2217,"text":"أما إذا فرعنا على أن الاستيلاد لا ينفذ أصلاً لضعف الملك فظاهر النقل أن الولد حر للشبهة، واسترسالها على الجميع، وعلى الجملة هذا القول ضعيف، ومع ذلك فحرية  الولد لابد منها كما لو  وطئ جارية الغير على ظن أنها جاريته، قال الشيخ أبو محمد: لو وطئ جارية الغير على ظن أنها زوجته المملوكة، فالولد رقيق، لأن مستند هذا العتق الظن، وظنه لو تحقق لم يوجب حريةً ، ومن الأصحاب من خالف وقال: الولد حر ههنا لأصل الشبهة إعراضاً عن تفصيل الظن، كما إذا وطئ زوجته الحرة على ظن أنه زانٍ بجارية رقيقة للغير، فالولد حر، وهذا فاسد لأن هذا الظن إذا قُدر كالمعدوم حصلت حرية الولد بحرية الأم، وفي الرقيقة لا موجب للحرية إلا الظن فليُبتغَ  ظن لو تحقق لاقتضى حرية \rفرع: قال صاحب التقريب: (إذا لم ينفذ الاستيلاد وحررنا الولد فهذه جارية حبلى بولد حر، والأصح منع بيعه، فيحتمل  أن يمتنع إدخالها في القسمة، وتقوَّم على الواطئ حتى تتعين لحصته من غير إقراع، أو تُقدّم  في إيجاب قيمته للحيلولة قال الإمام: ويحتمل في القسمة مالا يحتمل في البيع، فلا يبعد أيضاً إدخالها في القسمة","part":1,"page":45},{"id":2218,"text":"الخامسة: من ليس من الغانمين إذا وطئ الجارية من المغنم، فإن كان بعد إفراز الخمس فهو زانٍ إلا أن يكون له في الغانمين ابن فوطيه كوطئ ابنه فإنه يوجب له الاستيلاد، وإن كان قبل إفراز الخمس فلبيت المال حق في الجارية، وقد ذكرنا أن الظاهر أنه لا قطع على أحد في سرقة مال بيت المال، وفي الزنا بجارية بيت المال وجهان  هذا أحكام المغانم، وما شذ عن هذا فهو مذكور في كتاب قسم الغنائم، واختتام هذا الركن بأمرين، أحدهما: أن خطة  مكة، ودورها مملوكة لأصحابها ( ) يحل بيعها خلافاً لأبي حنيفة  وقد اختلف العلماء في أن مكة فتحت عنوة ، أو صلحاً، قال الشافعي  رحمه الله: قال الأوزاعي فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة والمعنى أنه دخل مستعداً للقتال لو قوتل ولكنه لم يقاتَل فآمن أهل مكة على الجملة ثم على التفصيل، وأمر بقتل رجال مخصوصين كان عزم على قتلهم ، وقتل خالد بن الوليد بين الصفا والمروة طائفة من بني نفاثة  كانوا بيّتوا خزاعة المستجيرين برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بريق السيف قال: (اللهم إني ابرأ إليك مما يفعل خالد) وفي الحديث أنه ودى القتلى من عند آخرهم فهذا هو المراد بقولنا إنها فتحت  عنوة، فمن أراد  غيره فهو مردود","part":1,"page":46},{"id":2219,"text":"الأمر الثاني: أن سواد العراق فتح  عنوة قال الشافعي رحمه الله: ولا أعرف ما أقول في أرض السواد إلا بظن مقرون إلى علم  وإنما قال ذلك لاختلاف الروايات، وكان أعرف الناس أنه فتح عنوة، وروي صلحاً، والأصح أنه فتح [عنوة]  وأريق على أرضها دم أحرار الأكاسرة بزدجرد، [وغيره] ، ولم يثبت صلح في قطر من أقطار العراق، ثم استقسم الغانمون الأراضي، فقال عمر رضي الله عنه: (أخشى أن تتعلقوا بأذناب البقر، ويتعطل الجهاد) فصدقت فراسته فانتزعها من أيديهم، واستطاب نفوس بعضهم مجاناً، وبعضهم بعوض، وقال: (لولا أني قاسم [مسؤول]  لتركتكم، وما قُسم لكم)  وقالت أم كُرز   إن أبي شهد القادسية، وثبت سهمه، وإني لا أرضى حتى تملأ كفي دنانير، وفمي للآلئ، وتركبني ناقة ذلولاً عليها قطيفة حمراء فأعطاها ما سألت ، فثبت أن الفتح كان عنوة، ثم لما استخلص أراضي العراق وقفها على مصالح المسلمين وآجرها من سكان العراق إجارة مؤبدة، واحتمل التأبيد في هذه المعاملة للمصلحة الكلية ، ولذلك لم يسقط ذلك المال بإسلامهم فإنه أجرة  وأبو حنيفة رحمه الله قال: لم يتملك على سكانها بل ضرب عليهم خراجاً ، وزعم أن ذلك الخراج لا يسقط بالإسلام قال الشافعي رحمه الله: فمن  انتهت إليه قطعة من ملك الأراضي من آبائه وأجداده فليس للغير أن يقول أنا استغلها ، وأعطي أجرها ، فإنهم استحقوها  بإجارة لازمة عقدها معهم أمير المؤمنين رضي الله عنه، ولا تنفسخ الإجارة بالموت، ولهم إجارتها  في مدة مؤقتة، وليس لهم بيعها، وهل لهم إجارتها مؤبدة فوجهان، الأصح : المنع، لأنه احتمل لمصلحة كلية في معاملة عامة، والثاني: الجواز فكلٌ ينزل غيره منزلة نفسه فيما استحقه  فيكون تجويز  ذلك تبعاً  لما فعله عمر رضي الله عنه وقال ابن سريج: باع عمر رضي الله عنه تلك الأراضي من سكان العراق، وجعل الثمن مؤجلاً عليهم ","part":1,"page":47},{"id":2220,"text":"وهذا مخالف لنص الشافعي، وليس لهذا الثمن ضبط على قوله، ولو وقع في زماننا مثل تلك الواقعة فليس للإمام أن ينزلهم عن الأملاك قهراً، ولكن يدعوهم إلى الجهاد حتى لا يتعطل وأما عمر رضي الله عنه فعل ذلك استطابة لقلوبهم، ورضوا بمتابعته لاختصاصه، وشفقته، ومتانة  دينه، وروي أن بلالاً رضي الله عنه أبى عليه فراجعه فأغلظ بلال القول لعمر  رضي الله عنهما فاحتمل عمر رضي الله عنه ثم قال: (اللهم خلصني من بلال وذويه)  فما مرت سنة حتى لم يبقَ من آل بلال نافخ ضرمة  والله أعلم\rالركن الثالث من الجهاد: الأمان، والأمان عقد صحيح، وهو من مصالح القتال، ومكائده في بعض المواضع، وإن كان ضداً للقتال، فإن القتال تخويف، والأمان قطع التخويف، ولكن المسلم أيضاً يستفيد أمناً من الكافر الذي آمنه كما يستفيد الكافر منه أماناً  في نفسه فإنه ينقسم إلى خاص وعام أما العام فهو أمان أهل ناحية، وذلك منوط بالسلطان أما الخاص فما يتعلق بالآحاد، والنظر في أركانه، وشرائطه، وأحكامه\rفأركانه: العاقد، والمعقود، وصيغة العقد\rأما العاقد فكل  مكلف مؤمل  مستقل، فيصح من العبد ، لأنه أهل للقتال إذا تعين، وأهل للقتل إذا وجد فرصة  ، خلافاً لأبي حنيفة ، ويصح بالاتفاق أمان المرأة، وأمان الزّمِن ، والشيوخ، لأن لهم أهلية القتال بالمال ، وقد أجارت  زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجها أبا العاص  ( ) فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ","part":1,"page":48},{"id":2221,"text":"وأما المجنون والصبي فلا يصح أمانهما، وحكى الفوراني  أن أمان الصبي كوصيته، وتدبيره، فإنه عقد لاضرار فيه، وهو بعيد  وأما قولنا مستقل لم نحترز به عن السفيه، والمحجور بالفلس فإن أمانهما صحيح ، بل احترزنا عن الأسير إذا آمن  كافراً وهو فيما بينهم، فإن كان مكرهاً لم يصح، وإن كان مختاراً فإن آمن آسره فالمذهب أنه لا يصح  إذ لا يتحقق فيه الاختيار، وفيه وجه بعيد ، وإن آمن غير آسره فوجهان، أحدهما: الصحة، لأنه مؤمن مكلف من أهل القتال، والثاني: لا، لأنه ليس له استقلال [القتال] ، فعلى هذا هل يلزمه على الخصوص من حكم أمانه فعلى وجهين، أحدهما : لا، لسقوط أمانه، والثاني: بلى، لأن رده في حق المطلقين لكونه مأسوراً، ولا مانع في حق نفسه \rأما المعقود فكل واحد أوعدد من ذكر والكفار إذا كانوا محصورين، ولو آمن الواحد جمعاً لا ينحصرون كأهل ناحية فالأمان مردود، فكل أمان ينحسم بسببه الجهاد في جهة فهو مردود من الآحاد  إذ ينحسم به المآل ، ولو أمن امرأة كافرة فهل يعصمها الأمان عن الإرقاق فإنه أمن من القتال (بأنوثتها) ، قال القاضي: هذا يبتنى على أن الإمام إذا صالح أهل حصن وفيه نسوان لارجل بينهن، وقد أشرفن على الاسترقاق، فهل يمتنع بالصلح إرقاقهن فيه قولان ، ووجه البناء أن النسوة يتبعن الرجل  ولا استقلال لهن بقبول الأمان فيبعد استقلالهن باستفادة الأمن من الرق ","part":1,"page":49},{"id":2222,"text":"فأما صيغة العقد، فكل لفظ مشعر بإفادة الأمن فالكناية تقوم مقام الصريح، والإشارة المفهمة تقوم مقام اللفظ، ولكن لابد أن يكون صادراً عن علم، وقصد، وإن رد الكافر الأمان ارتد، وإن قبل تقرر، وإن سكت ففيه تردد، والأصح أنه لا يحصل مالم يظهر القبول باللفظ، أو القرينة  ولو أشار مسلم إلى كافر في الصف فانحاز إلى المسلمين، فإن قال المسلم: أردتُ الأمان، وقال الكافر فهمت الأمان، فهو آمن لا يتعرض له، وإن قال الكافر: ما فهمت الأمان ن فهو كافر وقع في قبضتنا بلا أمان، وهذا يدل على اشتراط القبول، أو ما يقوم مقامه، وإن قال الكافر: فهمت الأمان، وقال المسلم ما قصدته بلغ المأمن، ولا اغتيال، ثم الصيغة إنما شُرطت  إذا دخل الحربي دارنا لغرضه، فلو دخل ليستمع كلام الله، أو لرسالة فقصد الرسالة، والاستماع نؤمنه، ولا يفتقر إلى عقد، وقوله تعالى:  فأجره حتى يسمع كلام الله   معناه إعلامنا أنه في أمان، ولو قال الوالي من دخل تاجراً فهو آمن فهذا صحيح مع عمومه، وإبهامه ولو قال ذلك واحد من المسلمين لم يجز فليس للآحاد التعميم، وإن  سمعه حربي فظنه صحيحاً، واعتمده  ففي جواز اغتياله وجهان ، وسبب المنع ظنه ، ولو قال كنت أظن أن قصد التجارة يؤمن كقصد السفارة ، والاستماع اغتيل، ولم يُبْلَ  بظنه فإنه لم يجر لا أمان صحيح، ولا فاسد \rفأما الشرائط فإنه  شرطان، أحدهما: أن لا يكون فيه ضرار  على المسلمين، ولا يشترط أن تكون فيه مصلحة ، بل يكفي نفي الضرار ، فلو آمن طليعة، أو جاسوساً اغتيل، ولم يبلغ المأمن، وإن إدخال مثله في دار الإسلام ضرر ظاهر ","part":1,"page":50},{"id":2223,"text":"الثاني: أن يتأقت الأمان، فلو أُبّد  فسد، ولا تزيد المدة على السنة، ويجوز في أربعة أشهر فما دونها، وفيما فوق ذلك إلى سنة قولان  ، وهو كالترتيب في مهادنة الكفار حيث لا ضعف بالمسلمين، ولو كان بالمسلمين ضعف جازت المهادنة إلى عشر سنين، وأما الأمان فلا يزيد على السنة بحال ","part":1,"page":51},{"id":2224,"text":"وأما حكم الأمان: فهو جائز من جانب الكفار  مهما أرادوا  نبذ العهد إلينا كالذمة، ولازم من جهة  المسلمين كما أن أخذ الجزية لازم من جهة الإمام، نعم توقع الخيانة من الذمي لا توجب نبذ العهد إليه قبل تحقق  الخيانة ، فأما الذي آمن كافراً إذا كان يتوقع منه شراً فله أن ينبذ إليه العهد لأنه لاخير في أمان لا تؤمن عاقبته  ثم حكم  الأمان أن لا يتعرض لنفسه، ولا لماله  الذي معه، وهذا فيه إذا تعرض للمال في الأمان، فإن لم يتعرض ففي سراية مطلق الأمان خلاف، الظاهر أنه لا يسري إذا قال أمنتك، واقتصر   ومنهم من قال يسري، معناه أمنتك من التعرض لك بما تتأذى به ولا خلاف في أنه لا يسري إلى أمواله الغائبة، بل هي  مغنومة، ولو صرح بتخصيص الأمان بنفسه فلا خلاف في الاختصاص، والخلاف في سراية مطلق الأمان إلى من معه من ذرا ريه ، وزوجاته كالخلاف في المال، ثم مهما صح الأمان وجب الضمان، والكفارة على قاتله، وحكم القصاص قد سبق ذكره وأما الأسير فيما بين الكفار إذا آمنوه، وآمنهم على شرط أن يتردد بينهم، ولا يخرج إلى دار الإسلام فلا يلزمه الوفاء بل له الخروج مهما تمكن بل يجب عليه الخروج خاف من المقام فيما بينهم أولم يخف","part":1,"page":52},{"id":2225,"text":"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا بريء من كل مسلم مع مشرك، لا تراءا ناراهما» ، ومنهم من قال: إذا لم يخف فأمكنه إقامة شعار الشريعة فيجوز له المقام، وهو بعيد، [فإنه لابد أن يكون مهاناً فيما بينهم، وذلك لا يحل احتماله، ولو حلفوه]  على أن لا يخرج، فإن كان مكرهاً لم تنعقد يمينه، وإن كان مختاراً فليخرج، وليكفّر  وإن كان قد حلف بالطلاق، والعتاق فليخرج، ولا مبالاة بحصول العتق، والطلاق، ولا يندفع وجوب الخروج بتخوف العتاق، والطلاق، ثم مهما أراد الخروج فليس له أن يغتالهم في أموالهم، وذرا ريهم، لأن الأمان جرى من الجانبين، وهذا يدل على أن الأسير مأخوذ بأمان نفسه، بل لو أطلقوه فله الاغتيال، وحيث نمنع  الاغتيال فلو خرجوا وراءه ليردوه فله  دفعهم، وقتلهم، واغتيالهم، ولا يتعرض لغير من اتبعه، ولو أطلقوه إلى دار الإسلام بشرط الرجوع فلا يلزمه الوفاء، ولو باعوا منه شيئاً بأكثر من ثمن المثل وهو مكره  فالبيع باطل فليرد عين مالهم لأنه أخذه على حكم المعاوضة، وقال الشافعي في القديم: هو بالخيار بين أن يرد عين ما أخذ، أو الثمن الملتزم وهذا خارج على وقف العقود، وتجويز إجارة المكره ما أكره عليه، ولو لم يكن مكرهاً لزمه بعثه الثمن إليهم، ولو أطلقوه على شرط أن يبعث إليهم مالاً، قال الشيخ أبو محمد: لا يلزمه أن يفي بما وعد، وحكى الشافعي عن بعض السلف أنه يجب الوفاء بما وعد ، وقيل هو قول قديم وعند هذا ذكر الشيخ أبو علي يمين الكافر، وأنها [منعقدة]  موجبة للكفارة، وهو ظاهر من أصل الشافعي رحمه الله ولكن ذكر وجهين في أنه لو أسلم هل تسقط عنه أحدهما: لا تسقط، كالديون والثاني: تسقط لأن الإسلام يجبّ ما قبله، فهذا يلزم إسقاط كفارة الظهار عنه، وإخراجه من  كونه مولياً إذا آلى، إذ صار إلى حالة لا تلتزم الكفارة، وهو بعيد، فالصحيح أن الكفارة تجب، ولا تسقط ","part":1,"page":53},{"id":2226,"text":"ومما يذكر في حكم الأمان أنه لو بارز مسلم لكافر بإذن الإمام، أو مستقلاً على رأي فلا أمان للكافر  الذي بارزه إن لم  يتعرضا له بل لجميع المسلمين اغتياله، ولو شرطا أن ينفرد من غير  إعانة من الجانبين لزم الوفاء بالشرط، ثم إن من شرط امتداد الأمان إلى إثخان أحدهما صاحبه، فإن أثخن الكافر المسلم جاز قتل الكافر  إذا كان الأمان ممدوداً إلى قبل [إثخان]  أحدهما، وإن كان الشرط إلى الرجوع إلى الصف لم يتعرض له، وإن أثخن المسلم، وقصد تذفيفاً منعناه إن كان العهد ممدوداً إلى إتمام القتال فإذا انتهى القتال بإثخانه فلم يبق فيه حراك القتال ، وإن كان ممدوداً إلى القتل فمثل هذا العهد باطل، فإنّا  جوّزنا الأمان عن الإعانة ترغيباً في المبارزة، ولا مصلحة في تسليط كافر على مسلم لا نُبال  [به]  ولو ولى الكافر دبره، وكان الأمان إلى القتال جاز اتباعه إذا انقطع القتال بالهزيمة، وإن كان إلى الرجوع إلى الصف فلا نتعرض له، ولو خرج لإعانة الكافر [عدد]  قتلناهم مع المبارز  إن كان باستنجاده، وإن لم يكن بإذنه تعرضنا لهم دونه، وحظ الفقه في جملة ذلك أن الوفاء واجب بكل أمان صحيح لا يتضمن الوفاء به ضراراً  محذوراً، وقد نبهنا على شيئين أحدهما: أن الأمان المسلط على القتل بعد الإثخان باطل، والثاني: أنّا إذا جوّزنا للواحد من الصف أن يبرز بغير إذن الإمام فله أن يؤمن خصمه المبارز عن أهل الصف، وإذا منعناه عن البراز  فليس المعنِيُّ به المنع عن المكافحة ، بل معناه إبطال أمانه حتى يجوز للمسلمين قصده، وإنما يجوز أمان الواحد للواحد لا في صف القتال  هذا فائدة الخلاف في جواز الاستقلال بالمبارزة هذا مجامع أحكام الأمان، واختتامها بذكر مسألتين مشكلتين ( )","part":1,"page":54},{"id":2227,"text":"المسألة الأولى: مسألة العلج، وهو أن يدل علج من علوج الكفار على قلعة بشرط أن يسلم له جارية منها، والعلج: هو الكافر الشديد، من المعالجة، وهي المجالدة، وفي الخبر: (الدعاء، والبلاء يعتلجان في الهواء يتدافعان)  ونحن نقدم على صورة المسألة التنبيه  على أمور في الجعالة ، أحدها: أنه لا تصح الجعالة إلا على جعل مملوك، معلوم، مقدور على تسليمه، وإنما تحتمل الجهالة في العمل للحاجة، لا في البدل إذ لا حاجة إليه، فلو قال: لك مما اصطاده الثلث مثلاً، إذا رددت عبدي فهو باطل الثاني: هو أنه لا يستحق شيئاً من  الجعل ما لم يتمم العمل، بخلاف الأجير، فإنه يستحق  بكل جزء من العمل [جزءاً من الأجرة] \rالثالث: أن الجعل إذا كان عيناً، فإن كانت قائمة سلمها  إليه بعد تمام العمل، وإن كانت تلفت قبل العمل فردّ مع العلم بفواتها  فلا شيء له لأنه متبرع، وإن كان جاهلاً بفواته فله أجرة المثل، وإن تلفت  بعد الرد، وقبل المطالبة، ففي الواجب قولان كالقولين في الصداق إذا تلف قبل القبض، فإن الواجب ضمان العقد، وهو مهر المثل، أو ضمان اليد، وهو قيمة الفائت، ووجه الشبه أن كل واحد من البضع، والعمل فات فواتاً لا يتدارك، وضمان العقد ههنا أولى، لأن العوض ركن في  الجعالة، وليس ركناً في النكاح","part":1,"page":55},{"id":2228,"text":"وإن تلف بعد طلب العامل، وتعدي المطالب بالدفع، فإن حكمنا بضمان اليد  لم يخفَ، وإن حكمنا بضمان العقد، قال القاضي: تلفه بعد الامتناع بمثابة إتلاف الجاعل الجعل بنفسه، وإتلافه كإتلاف البائع المبيع، وفيه قولان أحدهما: أن حكمه حكم التلف بآفة سماوية فينفسخ العقد، ويرجع العامل إلى أجرة عمله والثاني: أن حكمه حكم إتلاف الأجنبي، فهو إذن  بالخيار بين الفسخ، والإجازة، ومساق كلام القاضي تنزيل  التلف بعد المنع منزلة الإتلاف، فوجب  طرد ذلك في نظيره من البائع حتى لو توفّر الثمن وامتنع من التسليم، وتلفت  تحت يده كان ذلك بمثابة إتلاف البائع وهو بعيد، فإن يد العقد دائم، ولذالك امتنع التصرف على المشتري فتغليب ضمان العقد أولى حتى يقطع بانفساخ العقد، وإلا خرّج  على القولين المذكورين في إتلاف البائع رجعنا إلى مسألة العلج، فإذا  قال: أدلكم على القلعة على شرط أن تجعل الجارية الفلانية لي، صحت هذه الجعالة، مع أن الجعل غير مملوك، ولا معلوم، ولا مقدور على تسليمه، ولكن كما احتمل أصل جهالة العمل في الجعالة للحاجة، كذلك يحتمل هذا سيما والمعاملة  مع كافر، والأمر معهم أوسع، ولو جرى مع مسلم فالظاهر أنه لا يصح، ولا يستحق شيئاً، لأنه ملتزم أحكام الإسلام  وذكر الفوراني وجهاً أ نه يصح ، وهو على بعده إنما ينقدح تفريعاً على جواز استيجار المسلم على الغزو للإمام، فإن الدلالة تقع جهاداً عنه، فكيف يستأجر عليه","part":1,"page":56},{"id":2229,"text":"ثم إذا عقدنا المعاملة مع العلج فلنا مع الجارية خمسة أحوال:  الحالة الأولى: أن لا ندخل القلعة، فإن لم يكن القتال (ممكناً)  أصلاً فلا شيء للعلج، فإنه  دلنا على غير ممكن، وإن كان ممكناً فتركناه ففيه تردد، يحتمل أن يقال: إنه يستحق [شيئاً]  لأنه وفى بما شرط، والتقصير منّا، ويحتمل أن لا يستحق، لأنه معلق على جريان القتال، وإن كان القتال  ممكناً ولم يكن حصول الفتح بالقتال مقطوعاً به فقاتلنا فلم نقدر على الفتح فهذا يترتب  على الصورة السابقة والظاهر ههنا أنه لا يستحق شيئاً لأن المقصود الفتح دون القتال، وقد تعذر فلم يدلنا على ما فيه خير\rفرع: لو استنفرنا المهم  فجاوزنا القلعة ثم عدنا، وفتحناها، وظفرنا بالجارية فإن تمسكنا [بالعود]  بعلامات استفدناها من العلج، فالأظهر  تسليم الجارية إليه، وإن كان وقعنا عليها اتفاقاً لا بعلاماته فالأظهر أن لاتسلّم، ولا تنفك صورة عن احتمال، وإن فتحها طائفة أخرى فليس عليهم التسليم، وإن تلقوا العلامة منّا، لأن الشرط لم يجرِ معهم\rالحالة الثانية: أن ندخل القلعة، ولا نجد الجارية، فإن أخطأ العلج، ولم يكن لها وجود أصلاً فلا يستحق شيئاً ، وكذلك إذا كانت، وماتت قبل معاقدة العلج، ولو  ماتت بعد المعاقدة ففيه ثلاثة طرق، أحدها: طرد قولين في وجوب البدل، والثاني : أنه يجب إن ماتت بعد الظفر، وإن ماتت قبل الظفر فقولان، والثالث: أنه لا يجب إذا ماتت قبل الظفر، وإن ماتت بعد الظفر فقولان ولا خلاف  في أنها لو ماتت بعد التمكن من التسليم، وجرى تأخير منّا فالضمان واجب، ويعود ما قدمناه من  تلف العين المجعولة قبل التطلب، وبعده ، وأنه إذا وجب الضمان فالواجب فيه  العين  أو أجر  المثل بناءاً على ضمان العقد، واليد في الصداق ونزيد ههنا وجهين  في أنه من رأس المغنم، أو في سهم المصالح","part":1,"page":57},{"id":2230,"text":"الحالة الثالثة: أن نجدها مسلمة، فلا وجه لتسليمها إلى كافر ، ولابد من الضمان، لأن المنع بحكم الإسلام مع التمكن حساً وذكر الفوراني وجهاً أن الإسلام كالموت في كل تفصيل، وفيه بُعد إلا إذا أسلمت  قبل الظفر احتمل أن يقال هو كالموت فإنا  لم نملكها بالفتح أصلاً، فأما إذا أسلمت بعد الظفر فلا وجه إلا الغرم \rالحالة الرابعة: إذا لم نجد في القلعة إلا تلك الجارية، فإن كان [لنا]  في استبقاء القلعة غرض سلمنا الجارية، وتحصّلنا على شيء كما تحصل العلج على شيء، وإن لم يمكن استبقاء القلعة تحت اليد لكونها محفوفة بالكفر ، ففي تسليم الجارية وجهان ، ووجه المنع: أنه يبعد أن يكون الفتح خالصاً للعلج، وإنما الشرط في معاوضة  غرض يحصل لنا  يزيد على تعب الفتح\rالحالة الخامسة: إذا ظفرنا بالجارية بعد أن صالحنا أهل القلعة على أن زعيمها مع أهله في أمان فكانت من أهله، فقد تعارض الشرط مع العلج، والزعيم، فإن رضي الزعيم ببذل الجارية سلمناها إلى العلج، وإن رضي العلج ببذل الجارية أبقيناها في يد الزعيم، وإن أبى كل واحد إلا طلب الجارية، قلنا لصاحب القلعة إما أن تسلم الجارية [ببدل] ، وإما أن تغلق الباب وتعود حرباً لنا حتى نفتح قهراً، فإن شرط العلج سابق، والوفاء به لابد منه، وكل صلح يمنع من الوفاء بأمر لازم فهو مردود  فإن قيل كيف يصح أمان أهل الزعيم مع الجهل بعددهم قلنا: لم يختلف الأصحاب في تجويز ذلك، ولم يشترطوا الإعلام، وكذلك لو ذكر عدداً ولم يعين فإليه التعيين ـ أعني زعيم القلعة ـ عند الظفر صالح أبو موسى في عهد عمر رضي الله عنهما بعض  أرباب القلاع، وتصالحوا على أمان مائة، فجعل صاحب القلعة يعدهم حتى عدّ  مائة، فأمّنهم، وضرب رقبة صاحب القلعة وقال قد آمنت مائة فعددتهم سوى نفسك ","part":1,"page":58},{"id":2231,"text":"المسألة الثانية: في وديعة المستأمن، فإذا أودع عندنا أموالاً، وعامل المسلمين، ووجب  له ديون في ذمتنا ثم التحق بدار الحرب، وخلف الأموال ، فللمسألة أحوال:\rأحدها: أن يخرج بإذن الإمام لشغل حتى  يعود فتبقى أمواله في أمان إلى العود، فإن مات فسنذكر حكمه\rالحالة الثانية: أن يلتحق بدار الحرب ناقضاً عهده ففيما خلف ثلاثة أوجه:\rإحداها : أنه لا ينتقض الأمان في ماله، ويقتصر الانتقاض على نفسه فإنه فارق بنفسه لا بماله\rوالثاني: أنه لا يتبعض  لأن المال تابع له \rوالثالث: أنه إن عقد الأمان لماله مقصوداً لم ينتقض، وإن حكمنا بأنه  تبعاً لنفسه بمطلق  عقد الأمان فينتقض فإنه تابع \rالتفريع: إن حكمنا ببقاء الأمان فلا يتعرض له مادام حياً، وله أن يعود لطلب ماله، وقصد طلب المال يؤمنه، ويغنيه عن تجديد أمان، كما لو دخل لقصد رسالة، أو لاستماع كلام الله تعالى، فهذا وإن كان يتعلق بغرضه ، ولكن علقة [الأمان]  السابق تسلطه على الدخول للاسترداد، فإنه من ضرورة إبقاء الأمان، وهذا بشرط أن لا يتخذ  ذلك ذريعة إلى كثرة المداخلة، فإنما يجوز الدخول بقدر حاجة الاسترداد، وإن قلنا: انتقض الأمان في ماله فهو فيء، هذا إذا التحق بدار الحرب، فلو كان بعُد  في الطريق، وقلنا لو التحق لا ينتقض أمانه فيحتمل أن يقال المال في أمان مادام في الطريق، لأن المالك في أمان أينما تردد  إلى أن يبلغ مأمنه، ويحتمل أن تطرد الأوجه من حيث أن إبقاءه علقة الأمان  تدر قه إلى تبليغه المأمن، وليس مقصوداً إذ لو أراد أن يرجع من غير أمان جديد لم يكن له ذلك إلا لغرض الاسترداد كما سبق\rالحالة الثالثة: إذا التحق بدار الحرب، ومات، فإن أبطلنا أمان ماله بالالتحاق فلا كلام، وإن أبقيناه  ففيما بعد موته قولان:\rأحدهما : أن الأمان يبقى، وفائدته الصرف إلى ورثته، وتسليطهم على الدخول لطلبه","part":1,"page":59},{"id":2232,"text":"والثاني: أنه يصير فيئاً، وأثر أمانه لا يتمادى إلا إلى موته، فإن مات فقد تناهى [ضعف]  الأمان بالغيبة، والموت  هذا إذا كان قد خرج  ناقضاً عهده، فلو كان قد خرج لشغل بإذن الإمام حتى يعود فماله آمن  في حياته، والظاهر أنه لورثته بعد موته، وفيه تخريج وجه من الصورة السابقة، وهو أنه ينقطع أثر الأمان بموته \rالحالة الرابعة: إذا التحق بدار الحرب فسبي، واسترق فما أبقيناه من الأمان هل ينقطع بالرق فيه قولان: أحدهما: أنه يبقى الأمان، وينتظر عتقه، وآخر حاله والثاني : أنه يصير فيئاًً إذ  تناهى ضعف الأمان بما طرأ من الرق، وعلى الجملة الرق مرتب على الموت، وأولى بأن لايجعل نهاية الأمان ، فإن الرجاء غير منقطع بعده ","part":1,"page":60},{"id":2233,"text":"التفريع: إن لم يقطع الأمان برقه، فلم نجعله  فيئاً فإن أعتق سلم إليه ماله، وإن مات بعد العتق فحكمه ما سبق، وإن مات رقيقاً فلا شيء لسيده، والمنصوص أنه يصير ماله فيئاً، بخلاف ما لو مات حراً فإن التوريث عن الرقيق غير ممكن، ولاحق للسيد فيه، فالضرورة رجحت هذا الجانب، وقد نص الشافعي رحمه الله في مسألةٍ تناظر هذه على الصرف إلى الورثة وهي إذا قطع مسلم أو ذمي يدي ذمي فالتحق المجروح بدار الحرب، واسترق فبقيت الجراحة سارية حتى مات رقيقاً، فلا بد من إيجاب شيء فقد نص الشافعي على صرف شيء إلى الورثة مع أنه مات رقيقاً  ونحن نوضح قدر الواجب، ومصرفه في هذه المسألة فإنها من المعضلات، وقد أخرناها  من الجراح ثم نعود إلى التلفيق، ولابد من تجديد العهد بثلاثة أصول : أولاً: أحدها: أن من قطع يدي عبد قيمته مائتان من الإبل فعتق، ومات فالجاني لا يلتزم أكثر من الدية، نظراً إلى المآل في المقدار وقال المزني: تجب مائتان من الإبل  الثاني : من قطع يدي مسلم ورجليه فارتد المجني، ومات مرتداً فالمذهب أنه لا يجب على الجاني إلا دية واحدة والإصطخري  يوجب أروش الأطراف لعسر الإدراج تحت النفس التي عاضت  هدراً الثالث: أن من جرح مسلماً فارتد ثم عاد إلى الإسلام فمات ففي وجوب القصاص خلاف ، فإن أوجبناه فيجب دية كاملة عند العدول إليه، وإن لم نوجب فالمنصوص أنه يجب تمام  الدية  وخرّج ابن سريج قولاً أنه يجب ثلثا الدية إهداراً للثلث في مقابلة سراية حصلت في حالة الردة محفوفة بين حالتين  ومن أصحابنا من قال: يقابل الإسلام بالردة فنهدر نصفاً ونوجب نصفاً","part":1,"page":61},{"id":2234,"text":"رجعنا إلى مسألتنا إذا التحق بعد قطع اليدين بدار الحرب فاسترق، ومات رقيقاً ففي قدر الواجب ثلاثة أقوال: أحدها: أقل الأمرين  من أرش الجناية، وهو دية يهودي، أو قيمة الرقيق لأن القيمة إن كانت أقل فالنظر في القدر إلى المآل فلا مزيد، وإن كان الأرش  أقل فالزيادة لاتلزم لأنها نتيجة الرق، والرق نتيجة الالتحاق بدار الحرب، وهو سبب إباحة وإهدار، لاسبب ضمان، فلا يصلح به الالتزام  الثاني: أنه تجب القيمة بالغة ما بلغت نظراً إلى المآل، وقطعاً للنظر كما  سبق [من الأحوال] ، وتنزيلاً للرق بعد الحرية منزلة العتق بعد الرق والثالث: أنه يجب أرش  الجناية بالغة ما بلغت ، ولا انتظام لهذا إلا على مذهب الاصطخري حيث  نقدر عسراً في الإدراج فنجرد النظر إلى حالة الجرح، ونقدر العسر الطارئ كالإندمال ، وعند هذا يعترضه الأصل الذي ذكرناه في تخلل حالة مهدرة، واقتضائها  إهدار جزءٍ من الدية، فإن لم نهدر جزءاً عند تخلل الردة فلا كلام، وإن أهدرنا فههنا نفرع على الأقوال فإن قلنا تجب القيمة بالغة ما بلغت فنعود ونقول يجب ثلث القيمة، أو نصف القيمة على رأي، وإن قلنا الواجب أقل الأمرين من الأرش أو القيمة فنعود ونقول أقل الأمرين من الأرش أو ثلثي القيمة أو نصفها على رأي هذا بيان قدر الواجب أما مصرفه فيفرع على الأقوال إن قلنا على الجاني أقل الأمرين من الأرش أو القيمة فهو مصروف إلى ورثة المستحق ","part":1,"page":62},{"id":2235,"text":"هذا نص الشافعي، لأن الأرش إن كان أقل فهو الواجب، وقد جرى سببه في الحرية، فإن كانت القيمة أقل فليس الواجب قيمته بل الواجب قدر القيمة من الأرش، والقيمة معيار الواجب لاعين الواجب، وإن قلنا الواجب قدر القيمة بالغة ما بلغت فمقدار الأرش من القيمة مصروف إلى الوارث، وإن فضل شيء صرف إلى المولى، وإن قلنا الواجب هو الأرش بالغاً ما بلغ فهو خاصة للورثة إذ جردنا  النظر في إيجابه إلى حالة الجناية، وقطعنا النظر عن المآل وقال القاضي: يصرف مقدار القيمة من الأرش إلى السيد، وإن فضل شيء فإلى الورثة، وهذا غلط [لما]  نبهنا عليه من قطع النظر إلى المآل في هذا القول فإن قيل: فكيف نص الشافعي على الصرف إلى الوارث، وقد مات رقيقاً، ونص في وديعة المستأمن إذا مات رقيقاً أنه فيء لعسر التوريث من الرقيق قلنا: من ذلك قال الأصحاب في المسألتين قولان بالنقل، والتخريج من غير فرق أحدهما: أن المال في المسألتين مصروف إلى الفيء، فإن التوريث من الرقيق بعيد، وأبعد منه التوريث من الحي لو أسندنا الاستحقاق إلى ما قبل  الموت والثاني: أنه للورثة إذ جعله فيئاً نقض لحكم الأمان فلا بد من بقاء الأمان، ومنع التوريث من الرقيق حكم شرعنا  فلا ينقض أمان الكفار بهذا العذر وهم لا يؤاخذون بحكم شرعنا في الحال\rالتفريع: إن قلنا أنه يصرف إلى الورثة ، فيحتمل أن يقال إنه توريث، ويحتمل أن يقال ليس  بتوريث، ولكنه صرف المال إلى أخص جهة به عند فقد ما  هو أولى به، وهذا كما أن السيد قد نخصصه  بطلب تعزير استحقه عبده بالقذف إذا مات العبد، لا بطريق التوريث، ولكن لا سبيل إلى التعطيل، وهو أخص الناس بطلبه، وكذلك من نصفه حر، ونصفه رقيق فما سلم له بنصفه الحر قد نصرفه بعد موته إلى سيده بهذا الطريق، وينقدح في معارضة هذا أن التوريث لا معنى له  إلا صرف المال المصون  عن الضياع، والتناول إلى الأخص","part":1,"page":63},{"id":2236,"text":"التفريع: إن قلنا: ليس توريثاً فنصرفه  إلى الأخص يوم الموت، وإن قلنا إنه توريث فوجهان: أحدهما أنّا نسند الاستحقاق  إلى ما قبل جريان الرق، لأن التوريث من الرقيق محال، وكذا التوريث من الحي، ولكنا نقول هذا توريث من ميت، ولكن قبل موته بزمان ونظيره أن من قطع يد مسلم ثم ارتد المجني عليه، ومات مرتداً فقد قال الشافعي: لوليه المسلم أن يقتص منه مع أنه لا يورث من مرتد، فالردة المتقدمة إذا أفضت إلى الموت بمثابة الموت والثاني: أن الإسناد باطل فالنظر  إلى حالة الموت وقد اشتملت المسألة  على غرائب منها أن هذا مات رقيقاً، وقد  نقول الواجب فيه الدية، أو قسط منها، ثم قد نصرف قسطاً إلى السيد من الدية التي هي بدل الحر، والآخر أنا قد نوجب القيمة، والآخر أنا ورثنا من الرقيق، ثم قال الشيخ أبو محمد: لو أعتق الذمي عبيداً  ثم التحق بدار الحرب، واسترق، ومات فلا ولاء للرقيق على مواليه، لأنه بالرق خرج عن استحقاق الولاء، ثم حُكم ولاء المعتقين كحكم الأموال، وسيأتي ذلك في كتاب الولاء، والله أعلم","part":1,"page":64},{"id":2237,"text":"فرع: إذا حاصر الإمام أهل قلعة، ورضوا بحكم رجل غيره فللإمام أن يستنزلهم على حكمه استنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم [بني قريظة]  على حكم سعد ، ثم ليكن المحكم عدلاً أميناً قال العراقيون: ويكون  مجتهداً، فإن أرادوا به معرفة مصالح القتال فصحيح، وإن عنوا [به]  معرفة شرائط الفتوى فغلط غير معتد به ثم حكم المحكم نافذ، وليس للإمام أن يحكم بما فوقه، وله أن يحكم بما دونه تساهلاً، فإذا حكم بشيء سوى القتل فليس له القتل، وإذا حكم بالقتل فله كل شيء إلا الاسترقاق ففيه وجهان  من حيث أن الإنسان قد يؤثر الموت على الذل المؤبد، فلو حكم بالقتل فأسلم المحكوم عليه قبل قتله امتنع القتل، وأما الإرقاق حيث نجوزه  في الإسلام فإن رأينا الرق فوق القتل فلا نملك ههنا، وإن قلنا أنه دونه فقد كان يملكه قبل الإسلام فلا يمتنع بالإسلام بعد الظفر، ولو حكم عليهم بضرب الجزية فهل عليهم  القبول، فيه وجهان  ذكرهما ابن سريج، ووجه قولنا لا يجب أنه معاقدة بالتراضي فلا يجبر عليه بخلاف الرق، والقتل، والمن، وينبغي أن نجري هذا الخلاف في المفاداة أيضاً لهذا المعنى، فإن قلنا لا يلزمهم فلا يتعرض لهم بقتل، وغيره بل نلحقهم بالمأمن، ولا نغتالهم فإنهم على الجملة نزلوا بأمان، وإن قلنا يلزمهم فلو منعوا فهم كأهل الذمة إذا منعوا الجزية ، وسيأتي حكمهم ثم اختتم الشافعي رحمه الله الكتاب بعقد باب في إظهار دين الله تكلم (فيه)  على آية الإظهار، وأحاديث، أما الآية فقوله تعالى:  ليظهره على الدين كله  قيل بالحجة ، وقيل بإظهاره في جزيرة العرب، وقد ( ) انتجز، وقيل أراد استيلاء ملوك الأمة على جميع الدنيا  قال عليه السلام: «زويت لي الأرض فأريت مشارقها، ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها»  وهذا منتظر عند نزول عيسى","part":1,"page":65},{"id":2238,"text":"أما في الأخبار فقد كتب رسول الله صلى اله عليه وسلم إلى كسرى  «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس»  فلما بلغه قال عبدي يقدم اسمه على اسمي ومزق كتابه فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تمزق ملكه) وكتب إلى قيصر «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم أما بعد أسلم تسلم»  فلما أتاه الكتاب أكرمه، وطيبه، وغلفه بالمسك، والغوالي، وقبّله، ووضعه على رأسه، وأمر حتى نثر عليه فقال عليه السلام لما بلغه: (ثبت ملكه) وإخباره عن ثبات ملكه يخالف في الظاهر ماروي أنه قال: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي  نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله»  فقيل: أراد به لا قيصر بعده بالشام ، وكانت دار  القياصرة إذ ذلك ، وقد أنفقت كنوز كسرى ، [وكنوز قيصر ستنفق عند فتح القسطنطينية  على ما ورد به خبر الصادق]  والله أعلم","part":1,"page":66},{"id":2239,"text":"كتاب الجزية والمهادنة\rلتعلم أن العقود الجارية مع الكفار في الامتناع عن التعرض لهم ثلاثة: الأمان، وقد ذكرناه في الجهاد لاتصاله بالقتال، وعقد الذمة، والمهادنة، والكتاب معقود لذكرهما، أما عقد الجزية فهو ثابت بقوله تعالى: حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وما روي أنه قال لمعاذ رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: «إنك سترد على قوم معظمهم أهل الكتاب فاعرض عليهم الإسلام، فإن امتنعوا فاعرض عليهم الجزية، وخذ من كل حالم ديناراً فإن امتنعوا فاقتلهم»، والإجماع منعقد على الجزية، ومعناها أخذ مال في مقابلة ما التزمناه لهم من التقرير في دار الإسلام، والذب عنهم، وحقن دمائهم، وذرا ريهم، وأموالهم، ونسائهم والنظر في أركان هذا العقد، وأحكامه\rالنظر الأول: في الأركان، وأركانه خمسة، صيغة العقد، ومن يعقد، ومن يُعقد له، والمحل الذي يعقد على التقرير فيه، والمال الذي يعقد به\rالركن الأول: الصيغة، ولابد من التعرض فيه لقدر الجزية، والاستسلام، وهما موظفان عليهما، والصحيح أنه يجب ذكر مقدار الجزية، ومنهم من قال: يجوز إطلاقه، ثم ينزل على الأقل، وهو الدينار، وقال العراقيون لا يجب التعرض للاستسلام فإن لزومه حكم عقد الذمة، كالملك حكم عقد البيع، فلا يتعرض له وذكروا في وجوب التعرض لكف اللسان عن السوء في حق الله تعالى، ورسوله وجهين، والظاهر أنه لابد من ذكر الاستسلام، وهذا مندرج تحت عمومه، فالاستسلام مع الجزية كالعوض منهم للتقرير والذب مناّ عنهم، وأما التأقيت فهل يبطل العقد فيه قولان أحدهما: أنه يفسد به، لأن مبنى الذمة في مورد الشرع على التأبيد، ولأنه انقياد، واستسلام في الظاهر بدلاً عن الإسلام، والإسلام المؤقت مردود، فكذا الاستسلام المؤقت وهذا هو الأظهر","part":1,"page":1},{"id":2240,"text":"والثاني: أنه يجوز كالعقد، وهذا فيه نوع من القياس ، ثم إذا حكمنا بالفساد فلا نغتالهم بل نبلغهم المأمن، أو نعقد ذمة على التأبيد إن قبلوها ولو قال الوالي: أقرك بالذمة ما شئت أنا، ففيه خلاف بالترتيب ، وقيل أولى بالجواز لما روي أنه قال عليه السلام لأهل الكتاب: «أقركم ما أقركم الله»  والوجه المنع إن منعنا التأقيت، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينتظر الوحي، والآن قد انقطع ذلك فأما إذا قال: أقركم بالجزية ما شئتم، فهذا جائز، وهو موجب الإطلاق، لأن العقد لا يلزم من جانبهم، وإنما يلزم من جانبنا، ثم مهما حكمنا بالفساد ففائدته أن لا يلزمنا ، و إلا فيمتنع اغتيالهم، ولو اتفقت الإقامة سنة، أو سنتين فنأخذ لكل سنة ديناراً، ولا نسمح بالقرار مجاناً، ولو وقع كافر في دارنا وأقام سنين، ولم نشعر فإذا اطلعنا لم نأخذ منه الجزية لأن عمادها القبول، ولم يجرِ قبول منه  نعم نغتاله، ونسترقه، وهل نقنع بالجزية إن قبلنا  فوجهان، ووجه المنع أنه مأسور وقع في الأسر فكان كالأسير يدفع الرق ( ) عن نفسه بالجزية فلا تقبل، والأظهر أنها تقبل  لأنا لم نقصد استيلاءً عليه، ولو قال الكافر الذي عثرنا عليه إني دخلت لأسمع كلام الله خُلي ولم نتعرض له، ولو قال أنا رسول فإن كان معه كتاب صُدّق، وإلا ففيه احتمال، والظاهر التصديق ولو ادعى أن واحداً من المسلمين أمّنه فهل نطالب بالحجة، أو يُصدق وجهان: أحدهما : يصدق كدعوى الرسالة، والسماع والثاني: لا يصدق، لأن إقامة الحجة عليه ممكن، ثم الذي يدخل لاستماع كلام الله يجهل  مقدار ما يتم فيه البيان فهي أيام معدودة يحضر فيها مجالس العلم، فإن أراد إقامة أخرجناه، وقلنا لا خير فيك ولا زيادة على أربعة أشهر، وفيما دونها، وفوق مدة البيان وجهان ","part":1,"page":2},{"id":2241,"text":"الركن الثاني: في من يَعقد، ولا يجوز ذلك إلا للإمام ، فلو تعاطاه واحد من آحاد المسلمين ففاسد فيمنع الاغتيال، ويبلغ المأمن، لأن للآحاد الأمان، وقد أمنه، ولو اتفق إقامة سنين ففي وجوب الجزية وجهان، أحدهما: أنه يجب كما لو فسد عقد الإمام والثاني : لا يجب لأنه لم يصدق قبول الجزية منه ممن هو أهل للإيجاب فإن قيل: وهل يجب على الإمام العهد إذا التمسوا قلنا: إن كان في القبول مصلحة يجب، وإن كان فيه مضرة بأن كان بوادي عدوٍ يتوقع اجتماعهم فلا يجب، ويفرقهم في البلاد، وينصب عليهم من يراقبهم، وكذا من غلب على ظنه أنه جاسوس فلا نعقد له، وإن لم يظهر مضرة فالمذهب أنه يجب ، وحكى الفوراني وجهاً  أنه ينظر الإمام إلى الأصلح وهو بعيد، وقد أخذه من المهادنة إذا لم يكن فيه مضرة ولا مشابهة، لأن ذلك كف من غير مالٍ يُجعل للمسلمين\rالركن الثالث: في من يُعقد له، وتعقد الذمة لكل كتابي عاقل بالغ حر ذكر متأهب للقتال قادر على أداء الجزية والنظر في هذه القيود:","part":1,"page":3},{"id":2242,"text":"القيد الأول: الكتابي، ويندرج فيه النصارى، واليهود ، ويخرج منه عبدة الأوثان، والشمس، والصور الحسان وقال أبو حنيفة: تقبل الجزية من وثنيّ العجم، ولا تقبل من وثنيّ العرب  وأما المجوس فهم مردودون  بين الفريقين، ولكن ثبت أنه يسن فيهم  سنة أهل الكتاب في قبول الجزية ، دون النكاح، وأكل الذبيحة وقد ذكرنا في كتاب النكاح أنه هل كان لهم كتاب أم لا ولو ظهر أقوام، وزعموا أنهم أهل الكتاب كالزبور، وصحف إبراهيم عليه السلام ففيه وجهان أحدهما : أنه يقبل لأنهم في معنى النصارى، واليهود، وهم أهل كتاب، ونحن نعوِّل على قولهم إذ لايمكن مطالبتهم بالإشهاد والثاني: لا، لأنه لا يُقر  بقولهم، ولم نر الأولين ينوطون حكم أهل الكتاب بغير أهل التوراة، والإنجيل، ثم هؤلاء لاتحل ذبيحتهم، ومنا كحتهم قطعاً للتردد الظاهر في أمرهم، وهذا كما أن من شككنا أن أول آبائه آمن قبل البعث ، أو بعده ذكرنا أنه لاتحل ذبيحتهم، ومنا كحتهم، وإن كانوا يقرون بالجزية، ثم هذا فيمن تهود أو تنصر أول آبائه قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن آمن بعده فلا يقر بالجزية، ومن آمن بعد التنزيل  بالدين الذي ليس بمبدل فهو مقر ، وإن آمن بالمبدل فالمذهب التقرير لأنه لم يبدل كله، وما آمن به ففيه شبهة الكتاب  وذكر الفوراني وجهاً أنه لا يقر  كما لا ينكح وهو بعيد  وأما الصابئون فهم فريق من النصارى، والسامرة وهم من اليهود  اختلف نص الشافعي رحمه الله في منا كحتهم، وقبول جزيتهم  فقال الأصحاب: إنما تردد الشافعي لترددهم في  أنهم معطلة الفريقين حتى يكفرون في الدينين، أو هم مبتدعة الفريقين وكان الإصطخري يفتي بأنهم لا يقرون  وقيل أنهم لا يتمسكون بكتاب بل يقولون مدبر العالم النجوم السبعة، ومدبرها الفلك الأعلى، وهو الحي الناطق، وقال بعضهم بقدم النور، والظلمة، وهذا المعتقد لا يضام الإيمان بالرسل، والكتب","part":1,"page":4},{"id":2243,"text":"ومن الأصحاب من طرد القولين، وقال هم مبتدعة، وهذا التردد ينقدح  في النكاح من حيث إن مبتدعة المسلمين جوز الأخبار  وردت تمنع من التكفير، ولامانع من تكفير مبتدعتهم فيحتمل منع نكاحهم على رأي، وعلى هذا يتعين (تقريرهم)  بالجزية إذ لا ينفكون عن شبهة كتاب إذا كانوا مبتدعين متعلقين بأصل التوراة، والإنجيل ","part":1,"page":5},{"id":2244,"text":"فروع: أحدها: إذا قبل  الحرية فأسلم من دينهم اثنان فشهدا، وهما عدلان بأن من قبلت جزيته ليس هو متديناً بكتاب بل هو وثني تبيناّ فساد العقد من أصله، والظاهر أنا نغتالهم، ولا نلحقهم بالمأمن لتلبيسهم علينا، وعلقة الأمان إنما تثبت لمن كان جاهلاً بفساد أمانه  الثاني: المتولد من بين وثني، وكتابية، أو على عكسه في مناكحته، وذبيحته قولان  ذكرناهما في النكاح، وقيل إن أمر الجزية كذلك، وليس بشيء، بل الظاهر قبول الجزية لثبوت شبهة الكتاب من أحد الجانبين  الثالث: لو تهود وثني قبل المبعث، وله ابن صغير بلغ بعد المبعث قبل  منه الجزية إذ ثبتت حرمته بالانتماء إلى أبيه، وكذلك ينسب الأولاد إلى الأجداد إلى أن ينتهي إلى جد سبق تهوده على المبعث وأما إذا توثن نصراني، وله أولاد صغار ثبت لهم حكم التنصر فإن كانت أمهم نصرانية استمر حكم التنصر، وإن كانت وثنية ففي الأولاد قولان أحدهما : أنهم يقرون وهو مختار المراوزة لأن الاستتباع في تحصيل شرف الأديان، لا في إزالته، والثاني: أنهم يتبعون إذ ليس التنصر ديناً محترماً حتى نحكم بثبوته تبعاً فيمتنع رفعه، وإنما عماد الأمر فيه الاتباع ثم هذا اليهودي إذا توثن ففي اغتياله خلاف، وأما أولاده فلا يغتالون في الصغر، وإن فرعنا على البعيد في نقض حرمة الدين في حقهم وأما الوثني إذا تهود بعد المبعث فقد بيّنا أنه لاتثبت له حرمة، وكذلك لاتثبت لولده حرمة التهود بطريق السراية هذا واضح ","part":1,"page":6},{"id":2245,"text":"الرابع: في الولد الذي يحدث من المرتدين بعد الردة فيهم خلاف، فإن حكمنا لهم بالإسلام فعند البلوغ نطالبهم به، فإن أبوا فهم مرتدون، وإن قلنا: إنهم كفار أصليون فلا تؤخذ منهم الجزية إذا لم يثبت لهم جد دان بالدين قبل المبعث، وفيه وجه بعيد لا اتجاه له، فعلى هذا في حل مناكحتهم [وذبيحتهم]  تردد، والصحيح المنع ، وأفتى بعض الأصحاب بإحلال وطء سبايا غور ، وقد ثبت عنهم أنهم ارتدوا بعد قبول الإسلام، وهذا خرم ظاهر، وترك للقاعدة الممهدة في أن التهود بعد المبعث لا تأثير له في النكاح فحل المناكحة لا وجه له نعم نتردد في استرقاقهم بناءً على أنهم كفار أصليون فإن عبدة الأوثان لا يمتنع إرقاقهم على ظاهر المذهب، وفيه وجه أنه يمتنع لأن فيه أماناً مؤبداً لوثني ","part":1,"page":7},{"id":2246,"text":"القيد الثاني: العقل، فلا تؤخذ الجزية من مجنون ، وقد يصير تابعاً للعاقل كما سنذكره في المرأة والصبي، ولو وقع مجنون في أسرنا ، ودخل بلادنا حكمنا برقه بالوقوع في الأسر كالنسوة ، فأما من يُجن تارة، ويفيق تارة ففيه أوجه: أحدها: أنه يعتبر آخر الحول كما يعتبر في العاقلة ووجوب العقل عليهم، فإن كان مفيقاً آخر الحول ألزمناه الجزية، وإلا فلا والثاني: لا حكم للجنون المتخلل بل هو كالغشية فتلزمه الجزية، وهذا بعيد لاسيما إذا طال زمان الجنون والثالث: النظر إلى الأغلب، فإن استوى الزمانان غُلب إيجاب الجزية والرابع : تلفق أيام الإفاقة، وتهدر أيام الجنون فنأخذ بكل مايتلفق من أيام الإفاقة سنة كاملة الجزية، وهذا مذهب أبي حنيفة ، واختيار الشيخ أبي حامد  والخامس: أنه لا جزية عليه أصلاً كمن نصفه حر، ونصفه رقيق، لأن الجنون يمنع الجزية كالرق، أورده الشيخ أبو علي، وقال : هذا فيه إذا كان الجنون، والإفاقة يتعاقبان، فأما إذا كان يجن يوماً ويفيق تسعاً  وعشرين فلا تعاقب، والحكم للعقل، والجنون عارض وهذا كله خبط لا حاصل له، والصحيح التغليب، أو الالتقاط، أو النظر إلى آخر الحول، وكل ذلك إذا لم يختلط حال الإفاقة بآثار  الجنون، فإن اختلط فهو مجنون منطبق ، وإنما ذلك سكون جنون، وذلك معتاد، فإن قيل: فهل تجري هذه الترددات في سائر الأحكام قلنا: لا يمكن التلفيق، ولا اعتبار آخر الحول، ولكن ينقدح التغليب، إما للجنون، أو للإفاقة، أو تخصيص كل زمان بحكمه، وإن وقع هذا الرجل في الأسر فإن غلبنا الجنون رق، وإن غلبنا الإفاقة لم يرق، ويحتمل أن يجرد النظر إلى يوم السبي، وكذلك القول في القتل ","part":1,"page":8},{"id":2247,"text":"القيد الثالث: البلوغ، ولا تؤخذ الجزية من صبي، ولكنه تابع لأبيه في العقد ثم إن بلغ عاقلاً ففيه وجهان، أحدهما : أنه لابد من استيناف عقد ذمة لأنه استقل فانقطعت ( ) التبعية، والثاني: أنه يكفي عقد أبيه فكأنه عقد على نفسه، وعلى ولده بعد بلوغه فيطالب بمثل ذلك العقد الذي عقد عليه الأب والأول أقيس فإن قلنا: لا يستأنف فيلزمه ماالتزمه أبوه فلو كان قد التزم دينارين فامتنع الابن من الزيادة على الدينار فهو كما لو امتنع  عن الزيادة بعد التزامها، وسيأتي، فأما إذا بلغ سفيهاً  فلا يختلف الحكم، فإن قلنا: يفتقر إلى عقد جديد فله الاستقلال بعقده دون إذن الولي، ولو التزم أكثر من دينار دون إذن الولي به قال القاضي: يلزمه، وعلل بأن عقد العهد لا يندرج تحت ولاية الولي  فهذا فيه نظر لأن أصل العهد إن لم يندرج فالتزام مال ليس بلازم، ينبغي أن يمتنع، ولو وجب قصاص على السفيه، وكان مستحق القصاص لا يصالح إلا بأكثر من الدية فللسفيه أن يبذلها فحقن الدم أهم من حقن المال ، فإن أبى السفيه الزيادة، (ورأى الولي بذلها)  فللولي البذل، فإن عليه أن يصون روحه كما يصون في صورة المخمصة  حشاشته  بتحصيل  الطعام له، ولا يبالي لو استوعب الطعام جميع ماله\rالقيد الرابع: الحرية، فلا تؤخذ الجزية من مملوك ، ولكنه تبع لسيده، وكذلك من نصفه حر، ونصفه رقيق ","part":1,"page":9},{"id":2248,"text":"القيد الخامس: الذكورة، ولا تؤخذ الجزية من امرأة لأنها لاتقتل حتى تقابل الكف عنها بالجزية فكانت كالصبي، والمجنون في هذا المعنى، فإن دخلت بلادنا من غير أمان أرققناها، وكذلك  يفعل بالصبي إذا دخل من غير أمان أرققناه، والحربي إذا دخل من غير أمان تخيرنا بين قتله، وإرقاقه، ويثبت الأمان للمرأة تبعاً للرجال كما يثبت للصبيان ثم ليس للرجل الواحد أن يستتبع جمعاً من النساء لا يتعلقن  به  بل يستتبع الزوجات، والقرابات، ولا يختص بالمحارم بل يتعدى إلى كل قريب والأصهار ، والأحماء  منهم من ألحقهم بالأقارب، ومنهم من ألحقهم بالأجانب، والصبيان الأقارب أيضاً يجوز استتباعهم للرجل وأما البالغون فإنهم يستقلون إلا إذا كانوا مجانين فيستتبعون، وهذا كله إذا شرط الرجل القابل للجزية استتباعهم، فلو أطلق فالأقارب من النسوة لا يندرجن دون شرط، وكذا الأحماء، والأصهار، وإنما النظر في الصبيان، والزوجات، وفي الصبيان وجهان أحدهما: أنه لابد من الشرط كالأقارب من النساء، والثاني : يكفي الإطلاق إذ كل  ما فيه ينتقل الرجل دون صغار صبيانه، وهذا في من هو على عمود نسبه، ومن هو على جانب فينبغي أن يلحق بالنسوة الأقارب، والزوجات فيهن طريقان أحدهما : أنهن كالصبيان، والآخر: أنهن كالأقارب من النساء \rفرع: قال الأصحاب: إذا انتهينا إلى قلعة، وليس فيها غير النسوان فإن فتحناها جرى الرق عليهن، وإن بذلن الجزية دفعاً للرق ففي وجوب القبول وجهان أحدهما: أنه يجب لأنه إذا وجب قبول الجزية عن الرجل لعصمة دمه عن القتل فليجب قبولها عن المرأة لعصمة نفسها عن الرق","part":1,"page":10},{"id":2249,"text":"والثاني: وهو الصحيح الذي لاوجه لغيره أنه لا يقبل، إذ لو فتح هذا الباب للزم أن تقبل الجزية من كل حربية تعرضت للرق حتى لا يبقى للمذهب في نفي الجزية عن النساء مقر  إلا في صورة التبعية، ثم ذلك يمنع الإتباع فإنها إذا تصور منها بذل الجزية لحاجتها إلى العصمة عن الرق نزل منزلة الرجل فلم تقنع بالتبعية في حقها قال القاضي: الوجه أن يقال للإمام اخذ المال في صونه  القلعة، ولكن لا يتكرر عليهم لأنه لو تكرر لكان جزية وهذا أيضاً فيه نظر، لأن ما ذكره مفاداة توجب كفاً في الحال، ولا توجب أماناً مؤبداً، ثم لا معنى لقول الأصحاب يجب قبوله، ومال المفاداة يتخير الإمام في قبوله، فالوجه القطع بالوجه الآخر ثم قال الأصحاب: إن كان في القلعة رجل واحد، ونسوان قبل  الجزية كان ذلك عصمة لجميع النسوان وهذا أيضاً فيه مستدرك فيجب تنزيله على ما إذا كان النسوة من أهله، وقراباته ، وإلا فلا يجوز استتبا ع الأجانب، وإن بذل المال على طريق المفاداة عن خمسين فملك المفاداة يباين ملك الجزية، والإمام ينظر فيه إلى المصلحة \rالقيد السادس: قولنا متأهب للقتال احترزنا به عن الشيوخ، وأصحاب الصوامع، والزمنى ، والذين ذكرنا في قتلهم خلافاً ( ) وللأصحاب طريقان منهم من خرّج أخذ الجزية على جواز القتل، وزعم أن القتل إن منع التحقوا بالنسوة، ومنهم من قطع بأخذ الجزية منهم  فإنهم من جنس الرجال","part":1,"page":11},{"id":2250,"text":"القيد السابع: القدرة، واحترزنا به عن الفقير الذي ليس بكسوب ففيه قولان أحدهما: أنه إذا كان لا يتمكن فيخرج من دار الإسلام، ولا يشغل عرصة البلاد مجاناً ، والثاني: أنه يقر، ولا يخرج، وعلى هذا قولان أحدهما: أنه يقر مجاناً من غير جزية فإنه ليس بمتمكن، والثاني : أنه يقر بجزية يلتزمها، ويتراخى الطلب إلى أوان قدرته فهي تستقر بمرور الأيام في ذمته، وهذا أقرب من التفويت فإنه بعيد فإن قلنا يمكن مجاناً فلو وجد في أثناء السنة شيئاً احتمل أن ينظر إلى آخر السنة، ويحتمل أن ابتداء المدة من وقت الملك ، ويحتمل أن تلقط أيام الفقر، وتهدر، ونطالب بالباقي  كما ذكرنا نظيره في تعاقب الجنون، والإفاقة أما الفقير الكسوب فلا يقرر إلا بجزية قطعاً\rالركن الرابع: في البقاع التي يقرر الكافر بها:","part":1,"page":12},{"id":2251,"text":"والبلاد تنقسم إلى الحجاز وغيره، ويجوز تقريرهم بالجزية في غير الحجاز، ولا يجوز في الحجاز قال عليه السلام: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» ، وقال عليه السلام: «إن  عشت إلى قابل لأخرجن اليهود، والنصارى من جزيرة العرب»  ثم لم يعش، ولم يتفرغ له أبو بكر رضي الله عنه، فأجلاهم عمر رضي الله عنه، قيل أخرج منها أربعين ألفاً من اليهود فالتحقوا بأطراف الشام فإن قيل: وما [حد]  جزيرة العرب قلنا: قال الأصحاب: يعني بها مكة، والمدينة، واليمامة ، ومخاليفها ، والطائف، والنقيع ، وما يعزى إليها منسوب إلى مكة، وفي بعض الكتب التهامة، ولعله تصحيف اليمامة، وخيبر من مخاليف المدينة وقال العراقيون: جزيرة العرب تمتد إلى أطراف العراق من جانب، وأطراف الشام من جانب، وهذه الخطة محفوفة بالبحر، ودجلة، والفرات فعلى هذه الطريقة يلتحق اليمن أيضاً بالجزيرة، فتحصلنا على خلاف في اليمن قال الشيخ أبو محمد: والجزيرة، والحجاز واحد، وهما عبارتان عن معنى واحد، ولا خلاف أن النهي عن التقرير [لا]  يتعدى إلى أطراف العراق، والشام سواءاً سمي جزيرة العرب، أو لم يسم أما اليمن فهو مجتمع العرب فيتجه إلحاقه  بالجزيرة\rفرع: لا خلاف أن مخاليف هذه البلاد من جملتها، أما الطرق المعترضة في أثناء هذه البلاد هل يمنع الكفار من الإقامة بها وجهان أحدهما : المنع، حرمة للبقعة، والثاني: الجواز، لأنها ليست مجتمع العرب، والأول أصح","part":1,"page":13},{"id":2252,"text":"هذا حد الحجاز، ثم الحجاز ينقسم إلى مكة، وغيرها أما مكة فأمرها أغلظ فلا يمكّن الكافر من دخولها مختاراً لا لرسالة، ولا لاستماع كلام الله، ولو دخل أخرج، ولو مرض، وخيف من نقله الموت فلا يُبالى، وينقل، ولو دفن في الحرم على غفلة منّا نبشنا القبر، وأخرجنا عظامه، وجمعناه تنقية للحرم، وكذلك يتعدى إلى حرم مكة  وحرم المدينة كاليمامة في هذا المعنى لا كحرم مكة، ومعتمد ذلك في قوله تعالى:  إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا  ، فأما ماعدا حرم مكة من الحجاز فيمنعون عن  الإقامة، [ولا يمنعون من الاجتياز لسفارة أو تجارة]  ولا يمنعون عن الإقامة ثلاثة أيام في الاختفاء  فإنه على صورة السفر، ولا يحتسب يوم الدخول من الثلاث، ولو كانوا يترددون فرسخاً فرسخاً  ويقيمون في  كل فرسخ ثلاثة أيام فلا منع، فإنه صورة السفر ، ولو مرض كافر في الحجاز نقلناه إن لم نخف موته، وإن خفنا موته تركناه إلى أن يستقل، وإن كان يشق الانتقال، ولا يغلب على الظن الموت بسببه ففيه وجهان أصحهما تكليف الانتقال ، ولو مات  في الحجاز وعظمت المشقة في نقله تركناه وواريناه ولم نرفع نعش قبره هذا هو الظاهر، ولو كان على طرف الحجاز وأمكن نقله [نقل]  قبل الدفن، فإن دفنه أهله دوننا ففي نبش قبره وجهان  وكل ذمي دخل الحجاز لم يفتقر إلى أمان جديد، ولكن لا ينبغي أن تزيد إقامته على ثلاثة أيام \rالركن الخامس: في قدر الواجب، والنظر يتعلق بأمور:","part":1,"page":14},{"id":2253,"text":"أحدها: قدرالمال، وأقله دينار قال عليه السلام: «خذ من كل حالم ديناراً »  ويستوي فيه الفقير، والغني، والمتوسط وقال أبو حنيفة: على ( ) الفقير دينار، وعلى الغني أربعة دنانير، وعلى المتوسط ديناران  ثم يتخير بين دينار، وبين اثني عشر درهماً نقرة خالصة، ومستند التخيير قضاء عمر رضي الله عنه ، وفي كلام بعض الأصحاب ما يشير إلى أن الأصل هو الدينار، والدراهم تؤخذ بالسعر كما في نصاب السرقة، ولم يرد في ألفاظ الحديث إلا الدينار، ولا مستند للتخيير إلا قضاء عمر رضي الله عنه، ثم لا يجب على الإمام أن يخيرهم  بالأقل بل له المماكسة فإن التزموا مزيداً لزمهم، ولو أبوا إلا ديناراً واحداً وجب قبوله، ولو التزم دينارين ثم تبين أنه فوق الواجب لم ينفعه وتلزمه الزيادة، كمن اشترى بأكثر مما يساوي، فلو نبذ العهد إلينا فلا ينفعه فيما مضى، ولكن في المستقبل لو طلب العقد بدينار وجب إجابته ","part":1,"page":15},{"id":2254,"text":"فرع: إذا مات أو أسلم بعد مضي السنة استوفيت الجزية، وكذلك لو لم تستوفَ حتى تكرر سنون تستوفى، ولا تتداخل، وخالف أبو حنيفة  هذا في المسائل الثلاثة  ولو مات أو أسلم في أثناء السنين  ففي وجوب قسط لما سبق قولان أحدهما : يجب قسط تشبيهاً بالأجرة، وتقسيطاً على وقت السكون في الدار، والثاني: لا يجب شيء تشبيهاً بالزكاة، فإنه لا يجب البعض إذا تلف النصاب في أثناء السنة، والقولان يشيران إلى تردد في أن الجزية تجب بأول السنة، أو  بآخرها، وقد خرج الأصحاب [هذا]  فإن قلنا بأولها فتجب جملتها بأول السنة، وتستقر شيئاً فشيئاً، أم تجب شيئاً شيئاً وجهان، وعلى الوجهين يجب قسط إذا مات في أثناء السنة، وعن هذا تردد الأصحاب في أن الإمام لو أراد أن يطلب في أثناء السنة قسطاً مع استمرار الحياة هل يجوز والظاهر المنع ، فإنه على خلاف سير الأولين، ويتأيد بالتشبيه  بالزكاة ثم إذا مات قدمت الجزية على وصاياه، وميراثه، وإن كان عليه ديون فمنهم من قال الجزية كسائر الديون، ومنهم من قال بل الجزية من حقوق الله فيخرج على الأقوال الثلاثة في تقديم الزكاة على سائر الديون فتقدم في قول، وتؤخر في آخر ويسوى بينهما في ثالث ","part":1,"page":16},{"id":2255,"text":"النظر الثاني: في الضيافة، وقد وظف عمر رضي الله عنه الضيافة على بني تغلب ، وبهرا ، وتنوخ ، وألزمهم أن يضيفوا من يطرقهم من أبناء السبيل، فاتفق الأصحاب على جواز ذلك بشرط أن يبين لكل واحد عدداً من الضيفان في كل شهر أو سنة، ويذكر جنس الطعام، والأدم، ويوضح علف الدابة، ومنازل الضيفان، ويفاوت بين الغني، والفقير، فعلى الفقير خمسة أضياف، وعلى الغني عشرة مثلاً، ويفاوت بعدد الضيفان لا بجنس الطعام كي لا تميل النفوس إلى الازدحام على الأغنياء، ويبين أن الضيف يقيم ليلة أو أكثر، والأولى أن لاتزيد المدة على ثلاثة أيام  لقوله عليه السلام: «الضيافة ثلاثة أيام فما زاد صدقة»  ويقال الإجازة يوم وليلة والمعني به الإعطاء لتزويد الضيف ليصحبه في الطريق فيكفه  ليوم وليلة وقد اختلفوا في أن هذه الضيافة هل يجب أن تكون زائداً على الدينار أم تحسب من الدينار فيه وجهان ، والأصح عن  عمر رضي الله عنه أنه كان لا يطالبهم بالجزية مع الضيافة، ومنهم من أبى ذلك لأن الإطعام إباحة فلا يقوم مقام التمليك كما لا تقوم التعشية، والتغذية مقام الكفارة\rالتفريع: إن قلنا تجب من الجزية فلا ينبغي أن تنقص عن الدينار فإن نقص طولبوا بالزيادة إلى إكمال الدينار، وإن قلنا بعد صرف الضيافة نقل المؤن إلى الدنانير برضاهم جائز، ودون رضاهم وجهان، والصحيح أنه  إن قلنا يحسب من الدينار فله الإبدال، وإن قلنا لا يجب فلا بد من رضاهم ثم إذا أبدل بالدنانير فقد كانت الضيافة لجميع الطارقين من أبناء السبيل فالدنانير هل تبقى لعموم المصالح أم تختص بأهل الفيء فيه وجهان، والظاهر أنه تختص بأهل الفيء لأنه مصرف الجزية ، واحتمل  ذلك في الضيفان لعسر الحصر مع أن الطارقين لا ينحصرون ","part":1,"page":17},{"id":2256,"text":"النظر الثالث: في التحقير، والإهانة عند أخذ الجزية: قال تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)  قيل معناه جريان أحكام الإسلام عليهم وهم صاغرون، وقيل معناه الأخذ باللحى والضرب في اللهازم  عند أخذ الجزية فيطأطيء الذمي رأسه، ويصب ما معه في الكف، ويأخذ المستوفي بلحيته، ويضرب في لهازمه، واختلف الأصحاب في أن الذمي لو وكل ( ) مسلماً في إيفاء الجزية هل يجوز ومنشأ هذا التردد أن الإهانة بالضرب مستحق أو مستحب، فإن جعلناه (مستحقاً)  منعناه من توكيل المسلم، وتوكيل الذمي أيضاً، لأن العقوبة لاتجري النيابة فيها، ومن الأصحاب من بنى على هذا خلافاً في جواز ضمان المسلم جزية الذمي، والوجه القطع بتصحيحه ، فإنه ضمان دين لازم، والطلبة لا تسقط عن المضمون (بالضمان) ، ولكن من حيث أن الضامن لو أدى وجب قبوله وفات به التحقير، والإهانة ينقدح  هذا التردد، وعلى الجملة في اسم الجزية إهانة  (كما)  في كيفية الأخذ، وللإمام أن يحط هذه المهانة عن نصارى العرب، ويأخذ الجزية منهم باسم الصدقة مضعفة عليهم، والأصل فيه ماروي أن عمر رضي الله عنه طلب الجزية من تنوخ، وبهرا، وتغلب وهم نصارى العرب فقالوا: نحن عرب فلا نقبل الصغار فخذ منا ما يأخذ بعضكم من بعض ــ يريدون به الزكاة ــ فقال عمر رضي الله عنه إنها طهرة للمسلمين ولستم من أهلها، فقالوا: خذ بذلك الاسم، وزد ما شئت، فضعف عليهم الصدقة ، وحط عنهم اسم الجزية، والإهانة في كيفية الأخذ، وهذا يدل على أنه غير محتوم","part":1,"page":18},{"id":2257,"text":"ثم المأخوذ منهم جزية مصرفها مصرف الجزية لا تؤخذ  من النسوان، والصبيان، ويشترط أن يكون وافياً بمقدار الجزية لو وزع على روؤس البالغين منهم فلو نقص فلا بد من التكميل فليزد، ولو أخذ ثلاثة أمثال الصدقة فلا بأس، وله الاقتصار على قدر الصدقة إن كان ذلك وافياً بالجزية، ولكن ليكن للإمام في تبديل الاسم غرض ظاهر، وإلا فلا معنى لترك الإهانة من غير غرض ، وكذا لو أخذ نصف الصدقة وكان وافياً بقدر الجزية فجائز فإذن المأخوذ جزية باسم الصدقة، ولا نقصان من الدينار، وله الزيادة إلى منتهى الإمكان برضى القابلين فإن وفّى بجزية الأغنياء دون الفقراء ففي الفقراء ما ذكرناه من القولين، فإن عسر علينا عد جميع الروؤس، قال العراقيون: هل يُكتفى بغلبة ظن الوفاء فيه وجهان، فهذه مجازفة فالوجه طلب اليقين، ولا يظن بعمر رضي الله عنه أنه كان يجازف من غير ثبت، والصحيح أن هذا التخفيف لا يختص بالعرب بل يجري في حق العجم اتباعاً للمصلحة ومن الأصحاب من خصص ، فإن للعرب تخفيفات، ولذلك تردد قول الشافعي رحمه الله في ضرب الرق عليهم  ثم صور  هذه المعاملة أن يقول الإمام: ضعفت عليكم الصدقة، ومعناها: أن كل ما نوجب على المسلم فيؤخذ منهم  ضعفه، والمراد تضعيف الواجب لا تضعيف المال؛ [فنأخذ من خمس من الإبل شاتين، ومن العشر أربعاً، ومن العشرين ثمانٍ، ومن خمس وعشرين بنتي مخاض ، ولا نضعف المال]  حتى يصير خمسين فتجب حقه، ونأخذ من الزرع المسقى بالسماء الخمس ، وبالنضح العشر ، ومن مائتي درهم عشرة دراهم، ومن عشرين ديناراً ديناراً، ومن مائتين من الإبل عشر بنات لبون ، أو ثمان حقاق ، ولا يفرق فنأخذ خمس بنات لبون، وأربع حقاق، كما لا تُفرق الصدقة واختلف الأصحاب في مسألتين أحدهما: الوقص ، هل تجب بسببه زيادة فيه ثلاثة أوجه أحدها : أنه لا يؤخذ لأنه أثبت على مثال الصدقة","part":1,"page":19},{"id":2258,"text":"والثاني: أنه يؤخذ لأن الوقص تخفيف، وليسوا من أهل التخفيف، وهذا بعيد ولكنه يعتضد بما نقله البويطي  عن الشافعي رحمه الله أنه قال: يؤخذ من مائة درهم خمسة دراهم، ومن عشرين من الغنم شاة والثالث: أنه يجب بسبب الوقص مالم يؤد إلى التشقيص فيجب في سبع من الإبل ونصف ثلاث شياه، لأنه لا يؤدي إلى التشقيص، ومن لا يبالي بالتشقيص يوجب في ثلاثين بنتي مخاض لخمس وعشرين، وخُمس بنتي مخاض للخمسة الزائدة، ولا يبالي بالتشقيص، وكذلك على هذا الحساب يُراعى النسبة الثانية: لو ملك ستاً وثلاثين من الإبل، ولم يجد في ماله بنات اللبون فنأخذ بنتي مخاض، ونجبر كل واحدة بشاتين، أو عشرين درهماً، ولا نضعف الجبران لأنا [إن]  ضعفناه مرة بتضعيف المجبور فيؤدي إلى تكرير التضعيف ومن أصحابنا من قال: يلزمه أن نضم إلى كل واحد شاتين، أو أربعين درهماً وهذا غلط محض فأما إذا أخرج حقتين فعلى الإمام تسليم الجبران، ولا تضعيف على الإمام بلا خلاف، ثم الإمام يؤدي الجبران من الفيء لأن المأخوذ مصروف إلى الفيء ","part":1,"page":20},{"id":2259,"text":"النظر الرابع: في التعشير، ويجوز أخذ العشر من بضاعة التجار من الكفار إذا ترددوا في بلاد الإسلام ( )، والنظر في من يعشر ماله، وفي قدر المأخوذ أما من يعشر ماله فهو الحربي الذي يدخل تاجراً فقد أثبت عمر رضي الله عنه ضريبة العشر عليهم ، فالإمام لا يمكنهم من التردد في بلادنا من غير عوض مجاناً، وأما من يدخل لاستماع كلام الله، أو لسفارة فلا يعشر مامعه بحال، فإنه مستحق للأمان، ولا استحقاق للتاجر نعم لو تردد في الحجاز لا لتجارة ففي أخذ شيء منه خلاف تعظيماً للحجاز، والظاهر أنه لا يؤخذ على  الوجه الآخر لا  بضاعة معه حتى يعشر ويبعد تعشير ثيابه، وما معه فيؤخذ منه دينار وهو أقل الجزية في سنة، هذا في المعاهد، أما الذمي لا يلزمه بسبب التردد للتجارة في البلاد زيادة، فلا يعشر ماله إلا إذا اتجر في أرض الحجاز يؤخذ منه نصف العشر هكذا نقل عن عمر رضي الله عنه، ثم هذا إذا جرى الشرط، وقبلوا فإن دخلوا بأمان ولم يجر الشرط ففي جواز الأخذ وجهان أصحهما : أنه لاشيء عليهم لعدم القبول كالجزية، والثاني: أنه يؤخذ منهم، وكأن قضاء عمر رضي الله عنه [ضرباً]  على من سيكون بعده\rأما المقدار: فالأظهر أنه لا يزيد على العشر اقتداءً بعمر رضي الله عنه، ومن الأصحاب من قال له الزيادة إن رأى الإمام ذلك ","part":1,"page":21},{"id":2260,"text":"وأما النقصان عن العشر فهو جائز إلى نصف العشر في حق الميرة ، وقد ضرب عمر رضي الله عنه عليهم نصف العشر تكثيراً للميرة، وترفيهاً للمسلمين به، وفي معناهم  كل ما يحتاج إليه المسلمون، فللإمام أن يخفف عنهم اقتداءً بعمر رضي الله عنه ولو رأى رفع الضريبة  لتتسع المكاسب ففيه وجهان أصحهما: أنه لا بد من قبول شيء، وإن قلّ، والثاني : أنه يجوز، والمتبع المصلحة في هذا الجنس ثم إذا أخذنا العشر من مال فلا نأخذ في تلك السنة من ذلك المال مرة أخرى إذا عاد التاجر به ونكتب له الجواز حتى لا يطالبه العشارون في السنة، ولو جوزنا أخذ الزيادة على العشر فإن ذلك  يجوّز التكرير، وتكون زيادة ولكن استيفاؤها بدفعات، ولو جرى تردد المال الواحد في سنة واحدة في الحجاز فقد ذكر العراقيون في تكرير الأخذ لتعظيم الحجاز وجهين ، وهذا إذا خرج من الحجاز وعاد، فلو كان يتردد في أقطارها فلا يتكرر  قطعاً، ولا خلاف في أن الكافر لو بذل زيادة على العشر أخذناه، وإنما الخلاف في جواز الاحتكام عليه بالزيادة ولو بذل باللسان عند المشارطة بالزيادة  على العشر فيحتمل أن يقال يلزمه ذلك كزيادة الجزية، ويحتمل أن يقال لا يلزمه لأن الجزية تستند إلى عقد حقيقي، وهذه مواعدة، ومواضعة فله الرجوع إلى حد العشر ","part":1,"page":22},{"id":2261,"text":"النظر الخامس: في الخراج الموظف على الكفار: وقد يكون أجرة، وقد يكون جزية، فإن استولينا على أراضيهم، وملكناها إما قهراً، وإما بالمصالحة على أن تكون أراضيهم فيئاً، فإذا ردها [الإمام عليهم]  ليستغلوها بخراج وظف عليهم كل سنة، فما يؤدونه أجرة، ويجب عليهم الجزية وراءها، ومن أسلم منهم سقط عنه الجزية دون الخراج فإنه أجرة، وكذلك إذا أوقف الإمام تيك الأراضي بعد استطابة نفوس الغانمين على مصالح المسلمين وردها إلى الكفار بخراج، فأما إذا صالحناهم على أن يبقى ملكهم على عقار  بخراج فملكهم مطّرد، وبيعهم صحيح، والمأخوذ جزية، ومن أسلم سقط عنه ذلك الخراج إذ لا يجب على المسلم في ملكه خراج، وهذا ملكه فيسقط بإسلامه ، خلافاً لأبي حنيفة \rالنظر الثاني من الكتاب: في أحكام عقد الذمة بعد انعقاده:\rوهذا العقد يقتضي وجوباً علينا، وعليهم، أما ما يجب علينا فيرجع إلى أمرين: الكف عنهم، وذب الكفار دونهم، أما الكف فمعناه أ ن لا نتعرض لأنفسهم، ومالهم، وذرا ريهم، ونسائهم، ونثبت العصمة لها  على تفصيل (ذكرناه في مواضع) ، ولا نريق خمورهم، ولا نقتل خنازيرهم ماداموا  يخفونها، ولا نمنعهم من كنائسهم القديمة، ومن عباداتهم  في أماكنهم ، فلو أظهروا الخمور أرقناها، ولو دخل مسلم دارهم وأراقها فقد تعدى بالدخول والإراقة، بخلاف المسلم إذا أخفاها  في قعر بيته فإنه يجوز الهجوم على بيته، وإراقته، ولكنه متى أراق  فلا ضمان عليه عندنا ، خلافاً لأبي حنيفة ، ولو اغتصب خمراً من بيوتهم قال ( ) الشيخ أبو محمد: تجب مؤونة الرد، وقال غيره: لا تجب إلا التخلية ، وترك المنع عنها  ولو باع ذمي خمراً من مسلم، وسلمها إليه فالخمر مراقة على المسلم لتعديه بإظهارها، ولا شيء للذمي في مقابلتها  أصلاً، ولو اغتصب خمراً محترمة من مسلم فالظاهر أنه يجب الرد، وفيه احتمال ","part":1,"page":23},{"id":2262,"text":"فأما الذب عنهم فمعناه أنهم إذا قصدهم الكفار وهم في بلادنا فلا خفاء بوجوب الذب لعصمة دار الإسلام، وإن كان الذمي في بلاد الحرب فمن المحال الطمع في الذب عنه، وإن كانوا في بلدة ينفردون بها غير محفوفة ببلاد الإسلام وهي متاخمة لبلاد الكفر ففي وجوب ذب أهل الحرب عنهم إذا قصدوا وجهان : أحدهما: أنه لا يجب لأنا لا  نلتزم إلا الكف عنهم، والتقرير في بلادنا، ولم نستأجر للذب عنهم، وإنما نذب عن بلاد الإسلام إذا كانوا فيما بين أظهرنا والثاني : أنه يجب، إلحاقاً لهم في الصون بالمسلمين، فإنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا، ثم إن قلنا لا يلزمنا ذلك عند إطلاق العهد فالأظهر أنه لا يلزم، وإن شرطنا الذب ويلغوا أثر الشرط فيه، ومنهم من قال: يلزم ذلك بالالتزام، وإن قلنا: يجب عند الإطلاق فلو شرطنا أن لا نذب فالظاهر أن الشرط يثبت ، ولا يجب الذب، ويقتصر على الكف، ومنهم من أفسد هذا الشرط، وألغى أثره ويقرب من هذا الخلاف اختلاف قول الشافعي رحمه الله في أنهم لو ترافعوا إلينا هل يجب علينا أن نحكم بينهم أم يجوز الإعراض عنهم  وقد ذكرنا هذا في موضعه، وهذا أيضاً يرجع إلى الذب عنهم، ودفع أذى بعضهم عن بعض \rفأما الواجب عليهم فهو الوفاء بالمال الملتزم والانقياد للأحكام، والامتناع عن الفواحش، والانكفاف عن بناء الكنائس، ومطاولة المسلمين بالبنيان، والتجمل بترك الغيار، وركوب الخيل ، وسلوك جادة الطرق في المشي هذه مجامعها","part":1,"page":24},{"id":2263,"text":"أما الوفاء بالجزية فقد قدمناه ، وسنذكر حكم انتقاض العهد عند امتناعهم منه، وأما الانقياد للأحكام فمعناه أنهم لو زنوا بمسلمة، أو سرقوا مال مسلم، أو تعلقت خصومتهم في معاملة أو جناية بمسلم فيجب عليهم الانقياد لحكم الإسلام لا محالة في إقامة الحدود عليهم، ولو لم تتعلق بمسلم فما يستحلونه لا نقيم عليهم الحد فيه كشرب الخمر ، وفيه وجه أنا نقيمه إن رضوا بحكمنا، وهو فاسد ، وما لا يستحلونه كالسرقة، والزنا، والغصب فيما بين أظهرهم ففي وجوب القضاء على القاضي في ذلك خلاف، فإذا رأى الحكم عليهم واجباً فعليهم الانقياد، وأما الفواحش كلها فيجب عليهم الانكفاف عنها ثم يتعلق بارتكابها الحد، وانتقاض العهد، أما الحد فقد سبق الفصل  في ذلك في الحدود، وأما انتقاض العهد فالتعلق بكل محظور، والتفصيل فيه أن نقول نوا قض العهد ثلاثة أقسام:\rالقسم الأول: ما ينقض من  غير حاجة إلى شرط، وهي الرتبة العليا، وقد ذكر معظم الأصحاب في هذا القسم ثلاثة أشياء: منع الجزية، والامتناع من إجراء الأحكام، ونصب القتال\rأما القتال فهو واضح، فإنه ضد الأمان فلا يبقى معه عقد أمان ","part":1,"page":25},{"id":2264,"text":"فأما منع الجزية كأن يحتمل أن يقال: إنه كالديون تستوفى قهراً، فإن أدى إلى القتال انتقض العهد ، ولكن قطع الأصحاب بأن الامتناع ناقض للعهد، لأن المطالبة به تؤدي إلى القتال، وهذا إذا قدر على الأداء، فإن عجز، واستمهل فلا انتقاض للعهد  وأما الامتناع عن الأحكام فلا ينبغي أن يعد  ذلك نقضاً بل لو هرب فلا يعد ذلك نقضاً، وإن تمرد دعوناه إلى الاستسلام فإن امتنعوا وقاتلونا انتقض العهد بالقتال وعلى الجملة القطع بالانتقاض لا يحسن إلا بالقتال والقاضي لم يذكر في هذا القسم إلا القتال، وغيره إن ذكروا منع الجزية، والامتناع من الحكم يحتمل أنهم أرادوا به القتال فإنه يؤدي إليه، ويحتمل أنهم عدوه من النواقض قبل الأداء إلى القتال ثم هذه نوا قض شرط عليهم انتقاض العهد بها أو لم يشرط\rالرتبة الثانية: أن يصدر من الذمي ما هو محظور، ويظهر بسببه ضرر المسلمين  كالزنا بمسلمة، أو ( ) التطلع على  عورات المسلمين، وافتتان المسلم عن دينه ففي هذه الثلاثة ثلاثة أوجه أحدها: أنه ينتقض به كالقتال، والثاني: لا ينتقض بل هي كبائر يعاقبون عليها على شرط الشرط ، الثالث : أنه إن جرى شرط انتقض به العهد، وإلا فلا ومنهم من قطع بأنه إن لم يجرِ شرط لم ينتقض، وإن جرى فوجهان ، ومنهم من عكس ذلك، والمراد بالشرط شرط الانتقاض لاشرط الانكفاف، فإن الانكفاف واجب بمطلق الذمة وذكر بعض أصحابنا قطع الطريق، والقتل الموجب للقصاص في هذا القسم، ومنهم من قال يلحق بالقسم الأول لأنه مؤدي إلى شهر السلاح فهو من قبيل القتال ","part":1,"page":26},{"id":2265,"text":"الرتبة الثالثة: إظهارهم الخمور، وإسماعهم  النواقيس، وتركهم الغيار، وإظهارهم معتقدهم في المسيح، وغيره، فلا ينتقض العهد بهذه الأشياء، ولكنا نمنعهم، ونعزرهم إذا لم ينته الأمر في هذه الأمور إلى الإضراب ، ولو شرط الإمام انتقاض عهدهم عند ارتكاب هذه الأمور قال الأصحاب: يحمل شرطه على التخويف  قال الإمام ينبغي أن يقال: إن قلنا تصح الذمة المؤقتة فهذا من الإمام تأقيت فيرتفع عند وجود الفعل الذي هو نهاية العهد بحكم الشرط، وإن قلنا لا يصح التأقيت فهذه ذمة مؤقتة فاسدة فلا تنعقد من الأصل وفي كلام الصيدلاني ما يدل على أن الذمة تتأبد، والشرط يلغو لأنه لم يربطه  بوقت، وشرط، وزماني ، وهذا كالوقف المؤقت  فإنه فاسد يحمل على إعارة أو إباحة، والمؤبد مع شرط فاسد يصح على رأي، وقد قيل يلغوا الشرط، ويصح الوقف فإن قيل: لو تعرضوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء  فما حكمه قلنا: قال العراقيون، وصاحب التقريب: فيه وجهان أحدهما: أنه يلتحق بالقسم الأول لتفا حشه، والثاني: أنه يلتحق بالقسم الثاني قال الصيدلاني: إن كان ما ذكروه على خلاف معتقدهم  كالطعن في نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما ذكره العراقيون، وإن كان على وفق اعتقادهم في قولهم إنه ليس برسول، وليس القرآن كلام الله فهو كإظهارهم القول بأن المسيح ثالث  ثلاثة، وإظهار الخمور، والنواقيس فنعزرهم، ولا ينتقض عهدهم، فلو أظهروا [القدح في]  الإسلام، وصرحوا بتكذيب الرسول فالصحيح أن ذلك كذكرهم التثليث، والمسيح، ومنهم من ألحق هذا بذكرهم ما لا يعتقدونه، وهو بعيد، وعلى الجملة نقض العهد ليس يتبين إلا في القتال، وما عداه من الفواحش ينقدح فيها إقامة الحد، والتعزير ","part":1,"page":27},{"id":2266,"text":"[فإن قيل هل]  (يتسلط)  الإمام على أن ينبذ العهد إليهم قلنا: إن كان بنصب القتال فليس إلا المبادرة إلى قتلهم اغتيالاً، وإن أتوا بما اشتمل عليه القسم الثاني ففيه قولان أحدهما : الاغتيال، تغليظاً عليهم، وقطعاً لعلائق الأمان\rوالثاني: أناّ نبلغهم المأمن ولو نبذ الذمي العهد إلينا من غير  جناية ليلتحق بدار الحرب فالذي ذكره المحققون أنه يلحق بمأمنه، ولا اغتيال، وفي بعض التعاليق عن القاضي وجه بعيد أنه يخرج على القولين إذ كان يقدر على أن يلحق  دون أن ينبذ إلينا العهد، وهذا بعيد","part":1,"page":28},{"id":2267,"text":"فإن قيل: لو تعرض مسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا قولكم فيه قلنا: إن تعرض بما هو كفر حكمنا بردته، وقبلنا توبته، وإن أتى بقذف صريح فلا خلاف في أنه كفر فيقتل قال أبو بكر الفارسي : لو تاب لم يسقط القتل عنه، وادعى فيه الإجماع، وعلل بأنه حد القذف، ولا يسقط بالتوبة  قال القفال، والأستاذ أبو إسحاق: هو كالمرتد فتقبل توبته قال الصيدلاني: إذا سب الرسول يقتل للردة، وإن تاب سقط عنه القتل، وبقي أن يجلد ثمانين بسبب القذف أما ما ذكره الفارسي فوجهه أن حد قذف الرسول صلى الله عليه وسلم هو القتل لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من سب نبياً فاقتلوه، ومن سب أصحابه فاجلدوه»  ولكن يحتمل أن يكون قتله لأنه صار  مرتداً لسبه  فلا يكون ذلك حد القذف، وما ذكره الصيدلاني قياس جزئي غير (مرضي)  إذ لو صح انفصال القذف من الردة لجلد مع القذف  عند الإصرار كما لو قذف وارتد، ولوجب أن يقال: لو عفا واحد من بني أعمامه لسقط، إلا أن نقول هم لا ينحصرون فيجب التخريج ( ) على قذف ميت ليس له وارث معين وأما ما ذكره القفال فوجهه أن هذه الجناية ردة، ولا حكم للقذف، وكأنه صار مقهوراً بالردة، أو يخرج على القولين فيمن قتل ولا وارث له على التعيين فمنهم من أسقط معللاً بأن في المسلمين صبياناً، ومجانين، وعلى هذا ينبغي أن يقال: من قذف ميتاً لا وارث له فيجب الحد إذ يستوفي الحد من اقتدر عليه، ومنهم من علل بالتعذر فإنه إن تحتم على الإمام كان على نقيض وضع القصاص والتحق بالحدود، وإن تخير كان على نقيض ما تقتضيه النيابة في التقاص فعلى هذا يخرج حد القذف لمن لا وارث له على اختلاف القولين فإن قيل: فما قولكم في من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كذب عليه قلنا: التكذيب ردة، والكذب عليه زلة يعزر عليه","part":1,"page":29},{"id":2268,"text":"فإن قيل: روي أن رجلاً أخبر طائفة من العرب أني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم فأكرموه ثم وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه بأمره فأمرهم بقتله إذا رجعوا إليه، وقال: «ما أراكم تدركونه»، فلما رجعوا  ألفوه هالكاً قد  أحرقته صاعقة، قلنا: لعله علم منه نفاقاً، وإلا فالكذب عليه معصية أما الوقيعة فيه تعريضاً قيل: إنه يوجب التعزير، والأظهر أنه ردة، فإن الاستهانة بالرسول صلى الله عليه وسلم كفر  رجعنا إلى الغرض من بيان ما يجب على الكفار ومما يجب عليهم الامتناع من إحداث الكنائس، وذلك يختلف باختلاف البلاد، وللبلا د أربعة أحوال: الأولى: كل بلدة بناها المسلمون، ودخلوها بجزية فلا يحدثون فيها كنيسة، ولا بيت النيران، وإن بنوا نقض عليهم  الثانية: إن كانت  من بناء الكفار، وقد ملكناها عليهم قهراً فتنقض كنائسهم أيضاً، ويمنعون من الاستحداث، فلو أراد الإمام أن يترك منهم في البلد طائفة، ويترك لهم كنيسة قطع المراوزة بامتناع ذلك، وذكر العراقيون في جوازه وجهاً   الثالثة: بلدة فتحناها صلحاً على أن رقاب الأراضي، والأبنية للمسلمين، وهم يسكنونها بخراج سوى الجزية يبذلوه ، فإن استثنوا في الصلح البيع، والكنائس لم تنقض، وإن أطلقوا فوجهان أحدهما: أنه ينقض، لأن الرقاب مع الكنائس ملك المسلمين فلهم التصرف في ملكهم والثاني : لا ينقض، وفاءاً بشرط تقريرهم، ويمتنع عليهم القرار دون مجمع  لعبادتهم","part":1,"page":30},{"id":2269,"text":"الرابعة: أن تفتح على أن تكون الرقاب للكفار فلا تنقض كنائسهم، لأن البلد بلدهم، وإنما الموظف عليهم الجزية، ولو أرادوا إحداث كنائس فالمذهب أنهم لا يمنعون ، وقيل أنهم يمنعون  لأنهم على الجملة تحت حكم الإسلام، ولا خلاف أنهم لا يمنعون من الضرب بالنواقيس، وإظهار الخمور، والغيار لأن البلد لهم، وإن كان المسلمون (مخالطين)  على الجملة فهذا البلد  في حقهم كداخل دار الذمي في دار الإسلام، ولا يتعرض لما يجري في دورهم، وقد فتحت قرى الشام صلحاً على أن تكون لأهلها فكانوا يظهرون بها  النواقيس في زمان  معاوية فقال معاوية لرجل  من المسلمين خذ مني ألف دينار، واذهب إلى بساط ملك الروم وأذّن، ففعل ذلك فهمَّ الكفار بقتله فمنعهم قيصر، وقال لهم: هذا  من مكائد معاوية بعث بهذا ليظهر شعاره فتقتلوه فيقتل  من أظهر شعار ديننا، فعاد إلى معاوية فلما رآه قال: رجعت، وما كنت أرى أن  ترجع قال: بحمد الله لا بحمدك ","part":1,"page":31},{"id":2270,"text":"التفريع: حيث قضينا بإبقاء الكنيسة، والمنع من الإحداث فلا نمنعهم من العمارة إذا استرمّت، والأصح  أنّا لا نكلفهم إخفاء العمارة، وقيل: أنه يجب الإخفاء، فلو تزلزل الجدار الخارج فلا وجه إلا بناء جدار داخل الكنيسة، ثم نقضي عند طول المدة إلى ثالث، ورابع حتى تضيق الكنيسة، ولا ندري هل يمنع صاحب هذا الزمن العمارة ليلاً  ولو انهدمت الكنيسة ففي إعادتها وجهان ، فإن قلنا: لهم الإعادة ففي جواز الزيادة في الخطة وجهان، والأصح المنع ، لأنه استحداث كنيسة، وفي هذه الصورة نمنعهم من إظهار النواقيس كما يمنعون من إظهار الخمور، وقيل: أنهم لا يمنعون، فإنه من توابع الكنيسة، وهو غلط، وأما ( ) المطاولة بالبنيان فممنوع لأن فيه تجمّل، وتكبر ، والمساواة هل تمنع فيه وجهان أحدهما : أنه لابد من الحط، ثم هذا أدب أم حتم فيه وجهان ، فإن قلنا حتم لم يجز للجار المسامحة بالرضا به، وهذا في استحداث البناء، فلو اشترى داراً مطلة مرتفعة من مسلم فلا يلزمه الهدم ، والحط ، ولو كان للذمي دار في طرف البلد لاجار له فلا منع إذ لا مطاولة له مع أحد، هذا هو الظاهر، وكذا  لو كانت لهم حارة ينفردون بها لا يجاورهم مسلم، وقيل أنهم على الجملة يمنعون من التطويل فإنه تكبر، فعلى هذا لا ضبط، فالحط عن أصغر أبنية المسلم غير ممكن تكليفه فالوجه أن يقال: يمنعون عن ما يظهر به الزينة، والرفع، ولو كان الذمي في جواره حجرة لبعض ضعفاء المسلمين على نهاية القصر فيلزمه أن يحط بناه عن بنائه هذا ظاهر كلام الأصحاب  أما الغيار  فلا بد منه فيمنعون من التشبه بالمسلمين حتى لا يفاتحوا بالسلام، ولا يكرموا، ويضطرون في المشي إلى أضيق الطرق، ولا يمكّنون من سرارة الجوادّ  إذا كانت مشغولة بالمسلمين، فإن كانت خالية فلا منع","part":1,"page":32},{"id":2271,"text":"وفي المرأة إذا برزت وجهان أحدهما : لابد  من الغيار كالرجل، والثاني: أن ذلك نادر فلا يقتضي تمييزاً ويُخرج الكافر من الحمام إذا لم يكن عليه غيار بل أمر الحمام [أشد]  فإنه ربما يلوث الماء، وينجسه من حيث لا يعرف، والكافرة إذا دخلت حمام النساء ففيها الوجهان كما في بروزها، ثم قالوا: لون الصفرة أليق باليهود، والكهبة  بالنصارى، والسواد بالمجوس تشوفاً إلى تمييز الأجناس وأما التجمل بركوب الخيل فممنوع، ولا يمنعون من ركوب الحمار وإن كان نفيساً، فركوب الحمار ذل، وركوب الخيل عز، وقال الشيخ أبو محمد: لا يمنعون من الأفراس الردية كالقتبيات، ويمنعون من البغال الغر، ولتتميز مراكبهم عن ما يتجمل به، ولتكن رُكبهم من جنب ، وهل  ذلك حتم أو  أدب فيه خلاف كما في البنيان \rالعقد الثاني: مما يجري مع الكفار: المهادنة : وهو أن يُصالح جمعاً من الكفار على الكف عنهم، وترك قتالهم، وله شرائط، وأحكام:\rالشرط الأول: أن يصدر العقد عن الإمام، فليس لآحاد المسلمين ذلك ، ولآحاد الولاة أن يعقدوا مع أهل القرى، والأطراف المتعلقة بهم فأما المهادنة مع إقليم كالهند، والروم  مثلاً فليس ذلك إلا للإمام\rالشرط الثاني: أن تدعو إليه مصلحة للمسلمين، وحاجة، فإن لم تكن حاجة، ولكن لا مضرة فيه، والتمس الكفار ذلك فالمذهب أن للإمام تتبع وجه المصلحة، ولا وجوب عليه ، وحكى الفريابي وجهاً أنه تجب الإجابة كما في قبول الجزية، ووجهاً أنه لا تجب كما في المهادنة، والوجهان جميعاً ضعيفان، والصحيح الفرق فإن الكف عن الكفار من غير مال يتحصل للمسلمين لا معنى لإيجابه، أما بذل الجزية [بدل]  عن الإسلام في حق ترك القتال، وليس كمن يستجير حتى يسمع كلام الله فإن إجارته واجبة بنص الكتاب لما فيه من المصلحة","part":1,"page":33},{"id":2272,"text":"الشرط الثالث: أن يعرى العقد  عن شرط يأباه الإسلام، كما لو شرط أن يترك في أيديهم مال مسلم، أو يشترط لهم على المسلمين مالاً، أو يشترط أن يرد عليهم أسيراً مسلماً أفلت من أيديهم، أو يترك في يدهم  جماعة من المسلمين، أو واحد أسروه  فهذه الشرائط مفسدة، وقد روي أن النبي  صلى الله عليه وسلم أراد أن يصرف شيئاً من ثمار المدينة إلى قوم من غطفان  فقال سعد  بن عبادة ، وسعد بن معاذ ، وأسعد  بن زرارة : إن كان هذا عن أمر الله فمتبع، وإن كان مكيدة من مكائد الحرب فما كانوا يطمعون في ثمرة إلا بشراء، أو قِرى فقال عليه السلام: «لا بل عن مكيدة، فإني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة» ، فقالوا: أبعد ما أعزنا الله بالإسلام نقبل  الدنية، فرضي  رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فدل  أن بذل المال لهم ممتنع فإنه تحمُل دنية، وهذا إذا لم نخف، فإن كنا نخاف اصطلامهم فيجوز، وكذلك يجوز فداء ( ) الأسارى بأموال نبذلها عند العجز عن قهرهم","part":1,"page":34},{"id":2273,"text":"الشرط الرابع: المدة، وتتقدر بأربعة أشهر إن لم يكن بالمسلمين ضعف، وهو مدة التسييح، قال الله تعالى:  فسيحوا في الأرض أربعة أشهر  ، ولا يجوز تبليغ مدة المهادنة سنة، لأنها مدة الجزية، فلا يجوز الكف فيها إلا بمال، وفيما بين أربعة أشهر، وسنة، قولان أحدهما: الصحة لقصور مدتها عن مدة الجزية والثاني : المنع، لزيادتها على مدة التسييح، ومن أصحابنا من بنى هذا على أن طلب قسط من الجزية في بعض السنة هل يجوز وزعموا أن ذلك غير جائز، فلا يجوز تبليغ مدة المهادنة ما يزيد على مدة التسييح وذكر الفوراني وجهاً أنه يجوز تبليغه سنة ، وهذا غلط إذ لو جاز سنة لجاز سنين فلا مردّ بعد ذلك، فإن كان بالمسلمين ضعف جازت المهادنة عشر سنين من غير زيادة هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة عشر سنين  ثم أنهم نقضوا العهد فسار إليهم","part":1,"page":35},{"id":2274,"text":"وحكى صاحب التقريب وجهاً ضعيفاً أنه تجوز الزيادة عند المصلحة، وهو مردود ، ولو أطلق الإمام عقد المهادنة فالصحيح الفساد ، لأنه لم يذكر المدة، هكذا قال الإمام، وقال الفوراني: إن كان في حال قوة المسلمين فقولان أحدهما: أنه ينزل على أربعة أشهر، والثاني: أنه ينزل على الأكثر، وهو سنة، وهذا فاسد إذ الأقل ليس مخصوصاً بالأربعة، ولا الأكثر  بالسنة، فإن كان في ضعف المسلمين قال  صاحب التقريب: يحمل على عشر سنين، وهذا أيضاً فاسد إذ الأقل ليس مخصوصاً به، والترقي إلى الأكثر لامستند له، ولا عرف يخصص، فالوجه الإفساد، وما ذكروه ليس يبعد لأن مقتضاه التأبيد فالزيادة على المدة محذوفة، وأما إذا زاد على [المدة]  المقدرة صريحاً فالزيادة مردودة، وهل تفسد المهادنة في القدر الشرعي فيه قولان يقربان من تفريق الصفقة ، والأولى اللزوم في المدة الشرعية لأنه لا يجدر فيه جهالة عوض كما في البيع، لأن أمر الكفار على المساهلة، فإن قيل: وما حكم العقد الفاسد، ونهاية الصحيح قلنا: حكم الفاسد أن ننذرهم أولاً، ولا نغتالهم، فنخبرهم بالفاسد، وحكم الصحيح الانتهاء بمضي المدة، ولا ينتهي بانقطاع ضعف المسلمين، وإن بني التطويل إلى عشر سنين على الضعف، وينقطع أيضاً بخيانتهم فنسير إليهم من غير إعلام إن  علموا أن ما فعلوه ناقض، وإن لم يعلموا ففي جواز اغتيالهم من غير إنذار وجهان ، ولو استشعر الإمام خيانة منهم، واتهمهم فله أن ينبذ إليهم العهد لا كعقد الجزية فإن الصحيح أن عهده لا ينبذ بتهمة الخيانة، وإن كان يمتنع ابتداءاً عقدها مع توهم الخيانة، ولو بدت الخيانة من بعضهم، وسكت  آخرون ولم ينكروا فللإمام نبذ  العهد إليهم، وكذلك كانت قصة مكة إذ توثب طائفة من بني نفاثة على بني خزاعة المستجيرين برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتلوهم، والباقون سكوت، فسكوت الباقين مع التمكن من الدفع تهمة ظاهرة في حقهم، ثم إن رسول","part":1,"page":36},{"id":2275,"text":"الله صلى الله عليه وسلم سار إلى أهل مكة، وأراد أن يخفي أخباره ، وأن يبغتهم  فلم يعلموا حتى نزل بمر الظهران  فإن قيل: أصحاب التهمة لا يبُدون بالقتال قبل نبذ العهد إليهم قلنا: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم علم تحريش أهل مكة على قتل خزاعة ، أو كان على عزم أن ينذرهم في المنزل الأخير وعلى الجملة عقد الهدنة أضعف من عقد الذمة\rالنظر الثاني: في أحكام عقد المهادنة، وكيفية الوفاء بالشروط:","part":1,"page":37},{"id":2276,"text":"والمعتاد أن نشترط أن من قصدهم من المسلمين ردوه، ومن قصدنا من الكفار وجاءنا رددناه إليهم، ويجب الوفاء بالشرط، فإن امتنعوا عن الوفاء كانوا ناقضين، ويجب علينا أن نرد إليهم كل كافر جاءنا رجلاً كان أو امرأة ويجوز أن نشترط رد الرجال منهم إذا أتونا مسلمين، ولا يجوز شرط رد النساء إذا أتيننا مسلمات  والأصل في جواز المشارطة ماروي أنه عليه السلام هادن عام ( ) الحديبية (سهيل)  بن عمرو ، وعيينة بن حصن  ، وقال: «من جاء الكفار منا فسحقاً سحقاً لا نسترده، ومن جاءنا من الكفار رددناه»  ثم لما انعقدت المهادنة جاء أبو جندل بن سهيل  مسلماً فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبيه فولى باكياً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يجعل لك مخلصاً» ، وحرضه عمر رضي الله عنه على قتل أبيه تعريضاً، وقال: إن دم الكافر عند الله كدم كلب ، ولكنه رحم أباه فما قتله ثم ورد أبو بصير  على رسول الله صلى الله عليه بعد منصرفه إلى المدينة فجاء في طلبه رجلان فرده عليهما فلما أدبرا به راجعين قال عليه السلام: «ويل أمه مسعر حرب لو وجد أعواناً»  فعرض له بالامتناع إن أمكنه  فقتل أبو بصير صاحبه ، وانضم إليه من  كان يريد الالتحاق بالمسلمين جمع ثم دخل المدينة  في جماعة شاكين في السلاح فدل ذلك على جواز التعريض دون التصريح، ثم هاجرت بعد ذلك أم كلثوم  بنت عقبة بن أبي معيط مسلمة فنزل قوله تعالى: إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات  فامتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ردها ","part":1,"page":38},{"id":2277,"text":"فإن قيل: عرّض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالامتناع من الرجوع، وعرّض عمر رضي الله عنه بالحث على القتل، وإذا كان الرجوع واجباً وفاءاً بالعهد، والقتل ممتنعاً فالتعريض بالمخالفة كيف يجوز قلنا: ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل على أن الرد واجب علينا، ومعناه التخلية، وأن الرجوع غير واجب على المسلم، فإن العهد جرى معنا لا معه، ودل عليه أنه عليه السلام لم ينكر على أبي بصير في رجوعه، وأما القتل فيحتمل أن يقال: من أسلم من الكفار فيما بينهم فلهم أن يثوروا و يغتالوا فإنهم كفار يوم العقد لم يتناولهم العقد  ، ويعتضد ذلك بأنه عليه السلام لم ينكر على أبي بصير في قتل من قتل، ويحتمل أن يقال: إذا ثبت لهم عقد  الإسلام استرسل عليهم حكمهم في الكف عن القتل، وهذا يحمل تعريض عمر رضي الله عنه على تصلب، ولكن ترك الإنكار من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبقى له وجه إلا أن يقال لم يكن الرجوع واجباً فكان يدفع من تكلفة الرجوع ولا خلاف في أن من جاءنا مسلماً ولم يطلب، وبقي فيما بيننا لزمه حكمنا في الكف عنهم، وقد جعل أبو بصير يقطع الطرق على الكفار حتى سأل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضمه إلى نفسه فإذا تمهدت قاعدة المشارطة، فقد اختلف الأصحاب في أن النسوة هل كن مندرجات تحت عموم قوله: «من جاءنا منكم [رددناه] »  ثم وردت الآية ناسخة، أو لم يكن فوردت الآية مبينة للخصوص، ومن حمله على الخصوص اختلفوا في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل كان عرف مع إطلاق اللفظ الذي عممه من الخصوص حالة التلفظ، أو لم يعرف معناه إلا عند ورود الآية  وعلى الجملة فُهم من الآية أصلان أحدهما: امتناع رد المرأة المسلمة ","part":1,"page":39},{"id":2278,"text":"والثاني: وجوب الصداق، إذ أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يغرم الصداق لزوج المرأة، وهو المراد بقوله: (ما أنفقوا) ، ثم لا خلاف أن تحريم الرد ثبت في حقها ، وأما الغرم فهل اختص برسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قولان أحدهما: العموم تأسياً به والثاني : لا، واختلف قول الشافعي رحمه الله في علة وجوبه عليه، وفهم ذلك من مجاري كلامه أحدهما: أنه كان التزم ردهن فطرأ النسخ، وعلى هذا لا يجب علينا لأنا لم نلتزمه والثاني: أنه وجب لأنه أوهم بعموم لفظه الرد ثم خالف ظاهر الكلام فغرم البدل ، فعلى هذا يلزمنا إذا أوهمنا، وإن لم نتعرض لرد من  جاءنا منهم لم نردها، ولم نغرم، ففي  الأصحاب المحققين من قال: مطلق المهادنة يقتضي رد الغرم في المسلمات فإذاً تحصلنا على ثلاث مراتب: إن صرحنا بأنا لا نرد أحداً فلا رد، ولاغرم، وإن صرحنا بالرد عموماً من غير تفصيل فالمرأة مخصوصة، وفي الغرم قولان، وإن أطلقنا المهادنة، ولم نتعرض للرد فالظاهر أنه كالتعرض للرد عموماً، ومنهم من قطع بنفي ( ) الغرم ، وإن صرحنا بشرط رد النساء تنصيصاً مع الرجال فالشرط في الرجال صحيح، وفي النساء فاسد، وهل تفسد المهادنة بالشرط الفاسد فيه تردد للأصحاب  كالتردد في أن الوقف هل يفسد بالشرائط الفاسدة ويتشعب من الأصل السابق نظران أحدهما: النظر في محل الغرم والثاني: النظر في محل الرد أما الرد فالكافرة مردودة، والمسلمة لاترد، والحر الذي له عشيرة مردود، وفي العبد المسلم وجهان ، وفي حر مسلم لا عشيرة له طريقان  كما سنفصله أما الغرم إن فرعنا على اختصاصه برسول الله صلى الله عليه وسلم فلا كلام، وإن فرعنا على القول الآخر فالنظر في السبب، والمغروم له، والمغروم فيه، والمال الذي يغرم","part":1,"page":40},{"id":2279,"text":"أما السبب: فهو المنع عن الزوج بعلة الإسلام، احترزنا بالمنع عما إذا لم تطلب أصلاً ، فإذا جاءت امرأة ، ولا طالب لها فلا غرم، وكذلك لو كانت كافرة فلا يجب علينا الرد، وكذلك الرجل الكافر، وإن شرطنا رده فيجب عند الطلب، ولا يلزمنا أن نتكلف ذلك بأعواننا، وهذا متفق عليه في المذهب وأما قولنا: عن الزوج: احترزنا به عن غير الزوج إذا طلب كالأب، وغيره من الأقارب، والأجانب فلا نرد، ولا نغرم ، لأنه المستحق  وأما قولنا: بعلة الإسلام: احترزنا به عما إذا دخلت مسلمة وماتت قبل الطلب، أو قتلت، ثم طلب الزوج فلا غرم، إذ لا منع فإن المنع يتصور عند الإمكان، ولو قتلت بعد طلب الزوج، قال الأصحاب: على القاتل الغرم بعد القصاص، أو الدية، لأن حق الزوج قد استقر بطلبه، والقاتل فوّت إمكان الرد قال الإمام: إن منعناه ثم قتلت  بعد ذلك فينبغي أن يجب الغرم من بيت المال، كما لو ماتت بعد المنع، لأن الغرم استقر علينا بالمنع، وإن طلبها، فبادر القاتل القتل قبل أن يتحقق منا المنع فعلى القاتل","part":1,"page":41},{"id":2280,"text":"والأصحاب أطلقوا القول، ولعله أقوم، فإن المنع مستحق بعد طلبه قربت المدة، أو بعدت فينبغي أن لا يجب على القاتل شيء، وقد تحقق المنع شرعاً في الجانبين ، أو تجب على القاتل ولو بعد الزمان فإنه فوت الإمكان، والمنع الخالي ليس يفوت إمكان الرد حتى يستقر به البدل، بل الإمكان قائم، وإنما فواته بالقتل فليسوّى بينهما ، وكذلك لو غرمنا له المهر فأسلم الزوج إن كان قبل العدة استرددنا المهر إذ سلمت له زوجته فلا منع، وإن أسلم بعد مضي العدة، وكذلك لو كان  طلقها ثم أسلمت، وهي رجعية قال الشافعي : لا يغرم للزوج  شيئاً مالم يراجعها، لأن المنع بالطلاق، وإنما نحيل المنع على الإسلام بعد المراجعة، وخرج قول آخر، وهو الصحيح أنه يستحق المهر وإن لم يراجع إذ لا معنى لمراجعة الكافر المسلمة كما لا معنى لنكاحه إياها، فالرجعية، وإن لم تراجع فهي  زوجة \rأما المال الذي يغرم فهو القدر الذي بذله الزوج  فإن أصدقها خمراً لم يغرم، وإن ساق إليها بعض الصداق لم نغرم إلا ذلك القدر قال تعالى: (وءاتوهم ما أنفقوا) ، ولو ساق إليها الصداق ثم وهبته فعنه  قولان كالقولين في شطر  قيمة المهر  عند الطلاق فإن قيل: وهلا غرمتم مهر المثل كما في فساد النكاح بالرضا ع، والشهادة قلنا: لأن النكاح ارتفع بالإسلام، ولكن عجزنا عن الوفاء بالشرط فغرمنا بدل ما امتنع علينا رده وعلى الجملة المستند القرآن \rفرعان: أحدهما: لا نعتمد مجرد قول الزوج إني سقت الصداق، فإن أقرت المهاجرة، قال العراقيون: هو كالبينة، لأنه يعسر تكليف  إقامة شاهدين مسلمين، وفيه إشكال من حيث أن قبول قولها علينا مشكل، ولكن إذا لم يكن بد من الغرم، ونعلم أن الشرع لم يربط ذلك بشهادة مسلمين تعين الاعتماد على قولها، وإقرارها ","part":1,"page":42},{"id":2281,"text":"الثاني: لو لم يسق صداقها فأسلمت، وأسلم بعد انقضاء عدتها، أو قبل الجزية فهو مطالب من جهتها بالصداق في مقابلة المسيس الذي جرى في حالة الكفر لأنا نحكم بوجوب المهر، وصحة أنكحتهم، ومعاملتهم فإن قال: إذ غرمتُ فاغرموا لي، وقد جئت الآن طالباً للمهر فيحتمل  أن يقال: نغرم، ويكون غرمنا مستنداً كما استند  غرمه ويحتمل أن يقال: أنه لا نغرم لأنه  حالة ما كان أهلاً للطلب لم يكن بذل شيئاً، والآن إذ بذل إنما بذل بعد عقد الذمة ( )، والخروج عن المهادنة التي الغرم من حكمها إما بالإسلام أو الذمة \rأما المغروم فيه: وهو الذي يجب الغرم في مقابلته فذلك هو البضع ، فإذا فوّتنا حق الزوج بمنعٍ بسبب الإسلام غرمنا ما أنفقه الزوج، فإن دخلت كافرة ثم أسلمت فالأصح وجوب الغرم أيضاً إذ لافرق بين أن تدخل مسلمة أو تسلم  بعد الدخول، ولو دخلت مسلمة ثم ارتدت ففي وجوب الغرم وجهان  من حيث أنها حالة الطلب والمنع لا قيمة لبضعها، والأصح اللزوم لأنا نمنعها بحكم علقة الإسلام، وإن دخلت مجنونة لم نردها لاحتمال أنها أسلمت قبل الجنون، ولا نغرم لاحتمال أنها لم تسلم فنأخذ باليقين في الطرفين ، ولو كانت صبية مميزة تصف الإسلام، فإن صححنا إسلام الصبي فهي كالبالغة، وإن قلنا: لا يصح إسلامها فلا نردها  لحرمة الإسلام وفيه وجه وهو فاسد إذ لا خلاف أن الصبي إذا وصف الإسلام حُلنا  بينه وبين أبويه، وإن لم يصح إسلامه ثم إذا منعنا فهل نغرم فعلى وجهين أحدهما : لا، كالمجنونة والثاني: نعم، لأن الظاهر استمرارها على الإسلام هذا في مقابلة البضع","part":1,"page":43},{"id":2282,"text":"أما الرقيق إذا جاءنا فالرقيقة ملحقة بالمنكوحة فلا نردها لضعفها، والاحتراز من تسليط الكفار على غشيانها، ونغرم لسيدها قيمتها، ولا نغرم ما وزن في ثمنها لأن الاعتماد في تقرير المهر بما أنفقه الزوج على القران ، وهذا مقيس على البضع في وجوب أصل الغرم، لأنا منعنا ما اقتضى الشرط رده فغرمناه وقدره مأخوذ من القياس لأن البضع ليس مالاً حتى يقوّم فإن عدل الشرع إلى ما أنفقه الزوج له وجه، ثم إنما نغرم القيمة للسيد فلو جاء غيره طالباً لم نبال به، ولو كانت مزوّجة وجاء الزوج والسيد غرمنا لكل واحد حقه من المهر والقيمة، فلو جاء أحدهما ففيه ثلاثة أوجه، الأصح : أن كل واحد مستقل فنغرم له حقه  والثاني: لا، لأن الغرم يبتنى على الرد وحق الرد مشترك بينهما والثالث: الغرم للسيد وإن انفرد فإن له حق اليد فيجب الرد عليه، ولذلك يسافر بها دون الزوج، وليس للزوج طلب الرد فأما العبد فهل يجب رده يبنى على الحر، وقد ذكرنا أن الحر يرد وإن كان مسلماً مهما شرط رده، ولكن يرد إذا جاء طالب له، وكان له عشيرة كذا كان أبو جندل، وأبو بصير، فإن كان فرداً لا عشيرة له فيتوقع أن يستذل، ويهان  ففيه طريقان أحدهما : أنه يرد لأنه حر مستقل يدفع عن نفسه والثاني: فيه  وجهان كالعبد، وفي العبد وجهان أحدهما: أنه لا يرد لأنه يستهان به والثاني: أنه يرد نظراً إلى جنس الرجال وليس المحذور عند هذا القائل في المرأة الإهانة إذ لو كان لها عشيرة فلا تهان، والمحذور الهجوم على الوطء من الكفار، والافتتان في الدين بحكم ضعف النساء  فإن قلنا نرد فينبغي أن يشرط الإمام في الابتداء أن يرد عليهم [من جاء]  من المسلمين، ولا يهانون، ولو فعلوا كان  نقضاً للعهد، هذا إن أمكنه  هذا الشرط واحتملوه وإن قلنا: لا يرد العبد فلا بد وأن نغرم قيمته كما نغرم قيمة الأمة","part":1,"page":44},{"id":2283,"text":"فإن قيل: إذا دخلت المرأة بعض ديار الإسلام فلم تتصل بالإمام فهل يلزمه الغرم قلنا: إن شرط وقال: من جاءني رددته ففيه وجهان أحدهما: أنه يلزمه، لأن من جاء المسلمين فقد جاءه إلا أن تكون منزلة المرأة دار البغاة بحيث لا ينفذ حكم الإمام فلا يلزمه، ويمكنه أن يقول ما جاءني  فأما إذا قال: من جاءنا فيلزمه مهما دخلت دار الإسلام \rواختتام الباب بمشكلة وهي أنا لو قلنا: من جاءكم فسحقاً سحقاً، ومن جاءنا رددناه  فالتحق بهم مرتد فسحقاً فنفي بالشرط، ولا نسترد، وإن التحق بهم مرتدة استرددناها، وكانت مستثناة عن عموم الاسترداد كما كانت المسلمة مستثناة عن عموم الرد، وهذا متفق عليه، والمشكل أنه يجب على الإمام أن يغرم لزوج المرتدة ما ساقه إليها، قال تعالى:  وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا   ولا مذهب وراء كتاب الله عز وجل، والممكن في تعليله أنها لو التحقت بدار الحرب ولا مهادنة لجردنا إليهم العساكر مستردين والآن  حكم المهادنة اقتضى الكف، وهذا أيضاً ضعيف ( ) فإن الرد واجب عليهم، ولو منعوا كانوا ناقضين، وجردنا إليهم العساكر ثم اتفق الأصحاب على أمر أعوص من هذا، وهو أنه لو التحق بهم مرتدة، وجاءتنا مسلمة فجاء زوج المسلمة طالباً فما كنا نغرمه لزوج المسلمة نسلمه لزوج  المرتدة إن استوى المهران، وإن كان مهر المسلمة أقل أكملنا لزوج المرتدة حقه، ولاشيء لزوج المسلمة، وإن كان مهر المسلمة أكثر وفيّنا مهر زوج المرتدة، وسلمنا الزيادة إلى زوج المسلمة فإن قال طالب المسلمة لا ذنب لي في التحاق المرتدة فلم بخستموني حقي قيل له ليس لك حق متأكد على قياس الأعواض، وإنما هو موجب مهادنة، والجمع في حكم المهادنة كالشخص الواحد فلذلك تعدى حكم العموم إليه هنا منتهى الإمكان، والمعتصم القرآن، وليس على ما ذكرناه مزيد في البيان\rفروع ثلاثة داخلة في الباب:","part":1,"page":45},{"id":2284,"text":"أحدها: أن الكافر إذا أسلم في يده عبد كلفناه بيعه، فإن استولد وكانت جارية حُلنا  بينهما ولم نخاطبه بالبيع، فإن دبرها فوجهان أحدهما: أنه يحمل على البيع، لأن التدبير لا يمنع البيع والثاني: أنّا نحول، ولا نبطل حق العبد من استحقاق العتق بالتدبير كالمستولدة ولو علق عتقها بصفة فطريقان قيل: إنه كالتدبير، وقيل: أنه يجبر على البيع قطعاً\rالثاني: إذا قلنا لا يجوز بيع المصحف من الكافر فكذا كتب الحديث قال العراقيون: وكذا حكايات الصالحين، وهذا في الحكايات بعيد\rالثالث: إذا قارض  المسلم ذمياً، وشرط أن لا يشتري بماله خمراً فاشتراه ضمن الثمن الذي صرفه إليه، وإن أطلق ولم يصرح النهي ففي الضمان وجهان: أصحهما: أنه يضمن ( )","part":1,"page":46},{"id":2285,"text":"كتاب الصيد والذبائح\r\rويحصره قسمان: أحدهما: في الأسباب المفيدة للحل والثاني: فيما يفيد الملك\rالقسم الأول: فيما يفيد الحل، والاصطياد على الجملة مباح، ومفيد للحل كالذكاة، قال تعالى: وما علمتم من الجوارح مكلبين، قيل هو مشتق من الجرح وهو الكسب، وقيل من الجراحة وقال عليه السلام لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت عليه اسم الله فكل مما أمسكه عليك، وإن أكل فلا تأكل»، وقال لأبي ثعلبة الخشني: «إذا أرسلت كلبك، وذكرت عليه اسم الله فكل مما أمسك وإن أكل»، والإجماع منعقد على أصل الاصطياد ثم الاصطياد المفيد للحل له أربعة أركان: الذابح، والذبيح، والآلة الذابحة، والذبح\rالركن الأول: في الذابح: ومن هو أهل الذبح فهو أهل الاصطياد، وهو كل مسلم، وكتابي عاقل بالغ بصير أما الكتابي فجمعنا به اليهود، والنصارى وأخرجنا منه من سواهما من الكفار كالوثني، والمجوسي، والزنادقة وضبطه كل من لا تحل مناكحته، وقد ذكرناه في كتاب النكاح، ولا تفارق الذبيحة المناكحة إلا في الأمة الكتابية، تحل ذبيحتها، ولا تحل مناكحتها، إذ الرق لا يؤثر في الذبح أصلاً\rفرعان: أحدهما: متولد من وثني، ومجوسي ففيه قولان: أحدهما: لا يحل تغليباً للتحريم والثاني: أن النظر إلى جانب الأب، وكذا القول في المناكحة\rالتفريع: إن ألحقناه بالأب الوثني فبلغ، ودان بدين أهل الكتاب فهل يلحق به فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه وثني تدين بعد المبعث فلا عصمة له والثاني: نعم؛ لأنه مستمسك على الجملة بتبعية الأم، والآن فقد تحقق بمتابعتها، وبمخالفة الأب، وكان الأمر في الابتداء موقوفاً حتى بان الآن","part":1,"page":1},{"id":2286,"text":"الثاني: اشترك مجوسي، ومسلم في الذبح، فالذبيح محرم [تغليباً]  للحظر، وكذلك إذا أرسل إلى الصيد سهمين، أو كلبين فأصاب آلتهما، وحصل الهلاك بهما  أما إذا سبق أحدهما وصيره إلى حركة المذبوح قبل إصابة الآخر فالحكم له في الحل، ولو قصد كلب المسلم الصيد فردّه على كلب المجوسي، ولم ينله كلب المجوسي ثم أخذه [كلب المسلم]  وقتله حل ، وإن كان كلب المجوسي معيناً في أخذه ثم  حيث يحل الصيد فالملك للمسلم إذ لو كان للمجوسي لما حل، ولو أزمنه كلب المسلم فأدركه كلب المجوسي وبه حياة مستقرة فعقره فمات فالمجوسي مفسد على المسلم ملكه، فهو كما لو ذبح المجوسي شاة مسلم فهي ميتة وعليه الضمان \rأما قولنا بالغ عاقل احترزنا من  الصبي، والمجنون والصحيح أن الصبي المميز إذا انتظم منه الذبح حلت ذبيحته ، وكذلك اصطياده، وفيه وجه أنه لا يحل استمداداً من قولنا: لا عمد للصبي، والذبح مفتقر  إلى القصد قطعاً  وأما المجنون، وفي معناه الصبي الذي لا يميز إن انتظم منه  صورة الذبح الأصح أنه لا يحل، وفيه وجه أنه يحل ، مستمد من قولنا: إذا قطع شيئاً ظنه ثوباً فإذا هو حلق حيوان فيحل وقال الصيدلاني: في الصبي المميز قولان بالترتيب على المجنون فالصبي أولى يحل ذبحه، وفي المجنون قولان أيضاً، والأصح أنه لا يحل  أما البصير فقد احترزنا به عن الأعمى، وفي اصطياده وجهان  ، مأخذ المنع أن القصد لابد منه، وارتباط القصد بالصيد لا ينتظم قبل تعلق الإدراك به، وهذا في الذبح لا يتحقق فليقطع بجواز ذبحه ، وإن تردد في اصطياده","part":1,"page":2},{"id":2287,"text":"الركن الثاني: الذبيح، والحيوانات تنقسم إلى الصيد، وغير  الصيد، فما ليس بصيد بل هو مقدور عليه فلا يحل إلا بالذبح في الحلق، واللبة  كما سيأتي في الضحايا، وإن كان ذكره أجدر بهذا الموضع ولكنا تابعنا الأصحاب فيه أما الصيد فينقسم إلى البري، والبحري أما البري فلا تحل ميتته بل لابد من سبب في هلاكه  كما نصفه، فإذا لم يكن مقدوراً عليه لم يتعين المذبح فأما البحري فالسمك يحل ميتته، ولو اقتطع فلذة  من سمكة حية فهو تعذيب ممنوع، ولكن الفلذة حلال لأن «ما أبين من حي فهو ميت» ، وميتة السمك حلال ، ولو ابتلع سمكة حية من غير حاجة  ممنوع للتعذيب، ولكن الظاهر أنه حلال ، والموت ليس بمشروط ومنهم من حرم ذلك، وجعل الموت في السمك كالذبح في غيره لتحصيل الحل، ومن لم يشرط ذلك وحكم بحله فمنهم من لم يقم لحياة السمكة حرمة يمتنع لأجل تعذيبها الابتلاع بل قدر السمكة ميتة فأما غير السمك  فللشافعي رحمه الله قول غريب  أنه لا يحل؛ لأن اسم السمك لا يتناوله، وهذا مرجوع عنه فلا تفريع عليه، بل المذهب أنه إن لم يكن نظير في البر لا مما يحل ولا مما يحرم فهو حلال في نفسه روي أن طائفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابتهم مجاعة في بعض الغزوات وكانوا على شط البحر فلفظ البحر حيواناً عظيماً يسمى العنبر فأكلوا منه زمناً وتزودوا وحكوا  لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكر  وقال: «هلا حملتم لي منه»  أما ماله نظير حلال كفرس الماء أو غنمه فيحل قطعاً وماله نظير محرم ككلب الماء وخنزيره ففيه قولان، أحدهما: التحريم؛ للشبه والثاني : الحل؛ لأنه ليس كلباً تحقيقاً","part":1,"page":3},{"id":2288,"text":"التفريع: حيث حكمنا بالحل ففي اشتراط الذبح قولان؛ أحدهما : أنه لا يشترط؛ كالسمك قال عليه السلام: «البحر هو الطهور ماءه الحل ميتته»  الثاني: أنه يشترط؛ لأنه قال: «أحلت لنا ميتتان؛ السمك والجراد»  وهذا لا يسمى سمكاً وقال الأصحاب هذا الخلاف مبتنى على أنه هل يسمى سمكاً وعموم الاسم هل يسترسل عليها ويمكن أن يعلل حط الذبح في السمك بأن إصابته في الماء متعذر والإخراج عن الماء يصيّره إلى حركة المذبوح وفي معناه كل حيوان مائي فأما ما يعيش في البر إذا خرج كالضفدع والسرطان فالمذهب تحريمها ؛ لأنها من المستخبثات وحكي أن الشافعي رحمه الله حضر مجلساً فذكر فيه مذهب ابن أبي ليلى  أنه أباح الضفدع والسرطان فأخذ الشافعي ينصر مذهبه فذكر صاحب التقريب أن من الأصحاب من عد ذلك قولاً للشافعي\rوأما حيوانات البر فما يحل منها وما لا يحل يذكر في كتاب الأطعمة وإنما  ذكرنا هذا البيان للافتقار فيه إلى الذبح","part":1,"page":4},{"id":2289,"text":"فرع: إذا أنس الصيد أو أخذ وصار مقدوراً عليه تعين في ذبحه الحلق والمرئ على ما نفصله في الضحايا، ولو توحشت بهيمة إنسية الجنس على وجه لا يقدر عليه إلا كما يقدر على الصيد [كان]  جميع بدنها مذبحاً كالصيد نظراً إلى الحال وإعراضاً عن الجنس هذا هو المذهب ، وخالف مالك رحمه الله في هذه الصورة  قال الشافعي: لو كان النظر إلى الجنس كان ذبح الصيد المقدور عليه في كل موضع، ولو ندّ بعير أو شردت شاة فإن أمكن لحوقه والاستعانة بالغير في رده على العادة إلى الضبط فلا أثر لهذا الشراد، وإن عسر رده وقد أفلت فالظاهر أنه لا يذبح بالجرح في غير الذبح فإن هذا القدر في هذا الحيوان إلى الزوال ما هو ومن أصحابنا من قال: يجوز ذبحه [بالجرح]  ولا يُكلف مالكه الصبر، فربما يبغي ذبحه في الحال وحيث قلنا مجرد الشراد لا أثر له فلو كان يفضي شرادها إلى مهلكة ومسبعة فسبيلها الآن كسبيل الصيود تقصد بالجوارح والآلات، ولو كان يفضي به إلى الوقوع بين ظهراني لصوص وغصّاب ففيه وجهان  أما إذا تردى بعير في بئر منكساً فيجوز الطعن في الأجزاء الظاهرة، لما روى أنه عليه السلام قال لأبي العشراء  وقد تردى له بعير في بئر فهلك: «وأبيك لو طعنت في خاصرته لحلت لك»  ثم قال القفال والمحققون: لا بد من جرح مذففٍ ، ولأجله قُيد  بالخاصرة؛ حتى ينزل المذفف منزلة قطع الحلقوم في التذفيف فلا يفارق إلا في المحل ومن أصحابنا من قال: يكفي الجرح المدمي الذي يمكن حصول الموت به؛ فإنه لم يفرق بين طعن وطعن فكل طعن في الخاصرة فليس مذففا فإن قيل: لو رمى إلى صيد ولم يذفف وقدر على موالاة الرمي إلى التذفيف والصيد منطق في الصحراء فهل يكفي منه  ذلك قلنا: فيه خلاف مرتب على ( ) [الخلاف في]  البعير المنكس  فههنا أولى بأن لا يكلف؛ لأن الصيد بعيد عن القتل ولذلك يعسر تصوير المسألة","part":1,"page":5},{"id":2290,"text":"فإن قيل: الصيد إذا أصابته جراحة من السهم أو الكلب فقدر عليه قبل الموت هل يجب ذبحه قلنا: إن كان انتهى إلى حركة المذبوحين لا يجب الذبح لأنه قد حصل بالجرح السابق، وإن كان فيه حياة مستقرة تعين عليه الذبح في المذبح، وإن تركه حتى مات فهو حرام، فإن مات قبل وصوله إليه حلّ وإن لم يكن الموت بجرح مذفف هذا إذا لم يقصر في لحوق الصيد، فإن قصر وتوقف حتى مات فهو حرام وهل يجب عليه أن يعدو فيه وجهان أحدهما: أنا نكلفه الطلب المعتاد في الصيد ولا يشترط أن ينتهي في العدو والثاني : يكتفى بمشي سريع يظهر به أثر الجد في الطلب كسعي الرجل إلى الجمعة وقد ضاق وقتها وقال الصيدلاني: يمشي على عادته القديمة فلعله أراد عادته في طلب الصيد فإن قيل: لو أدرك ولم يكن معه مدية فمات الصيد، قلنا: هو حرام لأنه مقصر إذ لم يستصحب الآلة وكذا لو استصحبه فنشب بالغمد وعسر عليه الإخراج، أو تقلقل وسقط، أو سلّه إنسان من حيث لا يشعر فهو مقصر في الكل فإن غصبه إنسان فوجهان؛ الأظهر أنه حرام ؛ لأنه قدر على حيوان فيه حياة مستقرة ولم يذبحه فصار كما لو وقع [الدود في الحيوانات الأهلية فأما إذا ابتدر الصيد بالسكين فقطع]  بعض الحلقوم فمات الصيد فهو حلال قطعاً؛ لأنه لم يقصر وقد مات الصيد  بسبب الجرح، فإن كان الصائد متردداً فضلًّ فليتم  صورة الذبح، وإن كان الصيد منكّساً  واحتاج إلى قلبه لذبحه فلم يصل إلى مذبحه حتى مات فهو حلال؛ لأنه لم يقصر وذبح الثعلب في أذنه لأجل جلده محرم وفاقاً، ولا يفيد [الحل] ","part":1,"page":6},{"id":2291,"text":"فإن قيل فلو ضرب الصيد بسيفه فقدّه بنصفين حل النصفان جميعاً لأن الجرح مذفف ، ولو أبان عضواً أو كانت الإبانة مذففة فالعضو أيضاً حلال، أو لم تكن مذففة فذبح الحيوان في المذبح فالعضو حرام؛ لأنه أبين من حي فهو ميت، وإن لم يدرك الصيد حتى مات، وزالت حياته المستقرة بالإبانة  ففي العضو وجهان، أحدهما: أنه يحل كالحيوان لأن بالإبانة  صارت ذبحاً محلاً للحيوان فينبغي أن يحل العضو الثاني  : أنه يحرم  إن  كان حراماً وقت الإصابة  لبقاء حياة الحيوان فكيف نعطف عليه حلاً بموت الحيوان! أو كيف ينشأ بعد الإبانة تحليلاً! وهذا العسر يبين ضعف الوجه الأول وعلى كل حال الحكم بحل العضو عند موته أقرب من الحكم أنه كان حلالاً عند الإبانة والحيوان بعد له حياة مستقرة المسألة بحالها: لو رمى الصيد بعد إبانة العضو بنشابة فإن كانت النشابة مذففة حل الصيد وحرم العضو؛ فإن  الرمي المذفف ذبح، وإن لم تكن مذففة وحصل الموت بالنشابة والإبانة السابقة ففي حل العضو البائن ههنا وجهان مرتبان وأولى بالتحريم إذ الإبانة لم تتجرد ذبحاً في حق الصيد \rالركن الثالث: الاصطياد، والذبح، والآلة، وهي ثلاثة أقسام؛ جوارح الحيوانات، وجوارح الأسلحة، والمثقلات\rأما الحيوانات الجارحة فتنقسم إلى معلم، وغير معلم، ففريسة غير المعلم حرام إلا ما يصادف وفيه حياة مستقرة فيتولى ذبحه في مذبحه \rوأما المعلم كالكلب فتحل فريسته لنص الكتاب  وإن مات بافتراسه، ويصير الكلب معلماً بثلاث شرائط: أن يجيب إذا دعي، وينزجر إذا زجر، ويمتنع عن أكل فريسته إمساكاً على صاحبه ثم هذه الشرائط الثلاثة لا بد وأن تتكرر حتى نعرف أنها تعلم وليس توافق، ولا ضبط في العدد عندنا  بل الرجوع إلى العادة وقال أبو يوسف ومحمد : يتكرر كل شرط ثلاث مرات","part":1,"page":7},{"id":2292,"text":"أما الشرط الأول فهو هين ويحصل ذلك بمجرد الإلف، [فما من كلب يألف إلا ويجيب إذا دُعي ويسترسل إذا أُرسل وهو كقول القائل يشترط أن يهر في وجه صاحبه ولا يعرفه فهو سرحاً  ولكنه حاصل بمجرد الإلف]  وأما الانزجار إذا زجر فهو في ابتداء انطلاقه مشروط ، فأما في حموة العدو والاحتداد فيه فهل يشترط أن ينزجر بزجره فيه وجهان، أحدهما : أنه لا يشترط؛ لأن انكفاف الكلب وهو على جوعه وشغبه  في ( ) الابتداء أيضاً قد يبعد، ولكن التأديب والتعليم يهذبه ويحمله عليه، وما شرط أحد أن لا ينطلق إلى صوب صيد رآه إلا بالانطلاق إذا كان رباطه محلولا بل يكفي أن يؤثر الإرسال فيه فيسترسل ويمنعه الزجر فيرعوي، وأما الأكل والامتناع عنه في الابتداء شرط وفاقاً، وبه يظهر أثر التعليم وفيه مخالفة الطبع؛ لأن الحيوان ينطلق إلى صوب الصيد لجوعه وشرهه في الأكل ولكن اعتياده التألم بالضرب عند الأكل يذكره [ألمه]  فيكفه عن الأكل فيمسك عن الأكل خيفة من الضرب لا إمساكاً على صاحبه إضماراً فإن قيل: إذا عض الكلب على الحيوان فقد نجس محل العض فهل يجب غسله قلنا: فيه قولان للشافعي ، أحدهما: العفو للحاجة، ويدل عليه تساهل الأولين والثاني: لا يعفى، جرياً على القياس وعلى هذا فيه وجهان، أحدهما : يكفي الغسل والتعفير كسائر المواضع والثاني: لا بد وأن يقوّر ذلك الموضع [ويقطع]  فإن اللحم يتشرب لعاب الكلب  وهكذا القول في كل لحم عض عليه الكلب وحكي عن القفال أنه قال: لو أصاب الكلب عرقاً نضاحاً بالدم سرت النجاسة إلى جميع أجزاء الصيد وهذا غلط، إذ لا يمكن تكليف الكلب ألا يعض إلا على العرقوب  كيف والدماء النضاحة تمنع غوص نجاسة اللعاب كالعين الفوارة إذا وقع فيها نجاسة لم ينجس ما تحتها، وكذلك الماء المصبوب [من]  الإبريق إذا صادف نجاسة لم تنعطف النجاسة إلى ما في الإبريق ","part":1,"page":8},{"id":2293,"text":"فرع: الكلب المعلم إذا أكل من فريسته مرة وماتت الفريسة بجراحته ففي تلك الفريسة قولان، أحدهما : أنه يحرم، لحديث عدي بن حاتم ، ولأنه أمسك لنفسه لا لصاحبه، وقد شرطنا [أن]  الإمساك على صاحبه شرط الطاعة والتعلم وهذا مذهب أبي حنيفة  والثاني: أنه لا  يحرم لحديث أبي ثعلبة الخشني  ويحمل ما صدر منه على سورة  الجوع والنهمة، والكف عن الأكل ليس (ركن)  التعليم إنما هو شرط ليبين كونه معلماً وقد بان فلا يرتفع ما علم بالمخالفة مرة واحدة على الندور فإن الكلب أبداً يفترس طمعاً في الأكل ولكن يتذكر الضرب فيمسك خوفاً، كما أن الكلب الحارس تقطع أذنه ليلاً فإذا جن عليه الظلام فلا يحس بتحرك إلا نبح لأنه يحذر ما لقيه من قطع الأذن، ولذلك يدأب طول الليل وهذا السر، وهو أن الحيوان يحل بذبح الذابح وقصده وإنما يذبح بآلته  ولا تنتهي كل آلة إلى الصيد وعظم تفويت لحمه على الآدمي فجوّز أن يقصد بآلة الحيوانات، وشُرِطَ أن يصير [الحيوان]  مطاعاً ليكون في معنى الآلة، ولما كان الاسترسال بالإمساك، والإنكفاف بالزجر من طباع الحيوانات شُرِطَ على خلاف طبعه أمر ليتبين أنه صار آلة وهو الكف عن الأكل، فإذا انكف مراراً تبين به الطاعة والانقياد فلا تبطل هذه الخاصية منه بالأكل نادراً، بل يحمل ذلك على حيرة وشغب ","part":1,"page":9},{"id":2294,"text":"التفريع: إن قلنا: إنه تحرم فريسته مما سبق لا نعطف عليه التحريم، خلافاً لأبي حنيفة ، فلو واظب على الأكل مراراً بان أنه خرج عن التعليم وهل ينعطف التحريم على أول فريسة أكل منها فيه وجهان ، والكلب لو انكف أول مرة عن الأكل لم نحكم بحله فلو استمر حتى علم أن انكفافه كان عن تعلم فلا ينعطف الحل على ما انكف عنه قبل حكم [أهل]  البصيرة أنه معلم تغليباً للتحريم ولو لعق الكلب الدم ولم يأكل فالظاهر أنه لا يخرج عن كونه معلماً  بخلاف أكل اللحم ، وفيه وجه آخر ، ولم يفرق أحد بين أن يبادر الكلب الأكل أو يمسك مدة ثم يأكل ، وإن كان محتملاً فإن قيل: كل ما ذكرتموه حكم الكلب، فما حكم سائر الجوارح كالفهد والنمر [من السباع، والبازي، والصقر، والعقاب، من الطيور قلنا]  إن فرض مطاوعة هذه الحيوانات على حد مطاوعة الكلب فالاصطياد بها كالاصطياد بالكلب، ولكنه غير متصور في العادة أما الفهد والنمر فلا يتصور منهما أن تُعلم بالانكفاف عن الأكل، وأن تنزجر بالزجر، وأن تتوقف في الانطلاق إلى (الآباد)  ولكن إذا حل رباطه يطلق  إلى صوب الصيد  شاء صاحبه أم أبى ( ) وغاية ما يتصور فيه  الإلف وزوال النفار والاستيحاش، ولو (ضرب)  عن الأكل لعاد  إلى نفاره وتوحشه فإذا كان كذلك فليس الفهد آلة مستعملة فلا تحل فريسته، ومن يعتاد الاصطياد به يتابعه حتى إذا أدرك الصيد يخادعه ويأخذ منه الصيد وفيه حياة مستقرة فيذبحه، أما فريسته وهذا صفته ميتة أما البازي فقد أطلق الأصحاب قولين في أنه هل يشترط فيه الانكفاف من الأكل، أحدهما : أنه يشترط كما في الكلب فإن لم يتعلم التحق بالسباع التي لا تتعلم فتطلب فريسته وفيه حياة مستقرة","part":1,"page":10},{"id":2295,"text":"والثاني: أنه لا يشترط، [لأنه]  لا يتعلم بالضرب فإنه لا يطيقه وإنما يتعلم بالإطماع في الإطعام  فعلى هذا يكتفى بالاسترسال عند الإرسال وبالعود عند الدعاء والانكفاف عند الزجر، وقيل إنها لا تنكف أيضاً بالزجر وإنما غايتها الاسترسال عند الإرسال وظاهر ما ذكره الأصحاب أن الانكفاف عن الأكل تعليماً، وما ذكره الإمام مشير إلى أن البازي [والعقاب]  والصقر كالسباع  في أنها لا تتعلم ومدرك الفرق أن من الصيود الطيور فلا بد [لها]  من جارحة من الطيور فإذا كان جوارح الطيور لا تنكف عن الأكل حططنا هذا الشرط على رأي [أما السباع فإن لم تتعلم ففي الكلب غنية عنها]  أما البازي فالقدر الممكن من تعلمه  يكتفى به للحاجة وفي معناه جميع جوارح  الطيور \rالنوع الثاني: من الآلات جوارح الأسلحة: والجرح يجمعها ذبح مفيد للحل ويلتحق بالحديد كل ما يجرح سوى السن والظفر  يستوي فيه المتصل والمنفصل، وقال أبو حنيفة : يجوز ذلك بالمنفصل وأما الكلب فإن جرح بسنه فلا بأس إجماعاً \rالنوع الثالث: ما يصدم بثقله  أو يخنق فكل ذلك لا يتعلق بالحل بل لا بد من جارح فلو نصب أحبولة  فاختنق به الصيد أو حفر بئراً فتردى ومات بالصدمة أو ضرب الصيد بمثقلة لم تجرح فكل ذلك حرام ولو نصب في الأحبولة منجلاً  فانعقر به الصيد فهو حرام أيضاً وإن حصل الجرح لم يحصل بفعل مضاف إلى الصائد وقد اختلف قول الشافعي رحمه الله في الكلب إذا تغشى الصيد وضبطه ومات تحته غماً، أحدهما: أنه يحرم، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنها منخنقة والثاني : بأنه مباح إذ الكلب لا يمكن تكليفه الجرح بكل حال","part":1,"page":11},{"id":2296,"text":"فروع: أحدها: إذا رمى صيداً بسهم فأصابه السهم عرضاً فصدمه بثقله وجرحه طرف النصل وكان الصيد طيراً ضعيفاً يتوهم تأثير الثقل في موته فإذا مات بهما كان حراماً كما لو أصاب الطير من حد  سهم وبندقه، ولو ترددنا في أن الموت هل حصل بهما فالمغلب  التحريم بعد ظهور الدم  وهذا فيه  إذا انفصل ما به الصدمة عما به الجرح فلو كان النصل كالاً  غليظاً فتحامل وجرح بقوة التحامل فينبغي أن يقطع بالحل إذ لا يخلو جارح عن ثقل \rالثاني: جرح طائراً في الهواء فانصدم بالأرض فإن كان الجرح مذففاً لا شك في حله ، وإن لم يكن وحصل الموت بالصدمة والجرح جميعاً فهو حلال أيضاً إذ الاحتراز في الطيور عن هذا غير ممكن، ولو وقع الطائر في ماء أو على جبل فتدهور منه من حجر إلى حجر ومات بأثر الكل قال الأصحاب: يحرم؛ لأن هذا مما لا يعم بل تندر الحاجة إليه، وما ذكره الأصحاب هو الأعم وعلى الجملة صيد الطيور على الجبال وفي البحار أو على أطراف المياه غير نادر فلا يبعد التحليل ففيه احتمال لما ذكرناه، الدليل عليهم أنهم قالوا أيضاً لو رمى الطير على شجر فلم يزل يسقط من غصن إلى غصن حتى مات من أثر الجرح والانصدام بالأغصان فهو حرام؛ لأن ذلك نادر، والاحتمال الذي ذكرناه ههنا أظهر؛ لأن الطيور تقصد على الأشجار غالباً ولا خلاف في أنه لو كسر جناحه في الهواء فسقط على الأرض ومات فهو حرام؛ لأنه لم يسبق جرح أصلاً ","part":1,"page":12},{"id":2297,"text":"الركن الرابع: في الاصطياد الذبح:  ونعني به الإماتة بآلة الصيد فكل جرح مقصود حصل الموت به فهو مبيح إذا صادف محله وصدر من أهله كما بينّا أما الجرح فحده بيّن، والنظر في قولنا مقصود وفي حصول الموت به أما القصد فإصابة الجراحة إلى  قصده الفاعل يفرض في الكلب وفي جوارح الأسلحة أما الأسلحة فيعتبر فيها  القصد إلى أصل الفعل وإلى الصيد على الجملة، و لا يشترط قصد الذبح فأما القصد إلى أصل الفعل نعني به أنه لو سقط السيف من يده فانجرح صيده ومات فلا يحل لعدم أصل الفعل، وبه يلتحق ما إذا نصب في الأحبولة منجلاً وفي قعر البئر سكيناً فاعتقر به الصيد فهو حرام لأن فعل الجرح غير مضاف إليه، بل هو مضاف إلى حركة الحيوان؛ نعم قد يجعل ذلك سبباً مضمناً ولكن لا يُكتفى في التحليل بمثله، وكذلك لو كان في يده سكين حاد فاحتكت به البهيمة وانتحرت فهو حرام، وكذلك لو كان يحرك اليد والبهيمة تحرك الحلق حتى حصل القطع بالمتحركين فهو حرام؛ تغليباً للتحريم، ولذلك تضبط الشاة حتى لا تتحرك فتحصل به إعانة على الذبح فيجب الاحتراز عن حركته ما أمكن، فإن فرض اضطراب يسير لا يمكن الاحتراز عنه في العادة فهو معفو عنه لا نظر إليه فأما القصد إلى الذبيح في جثته أو شخصه فهو مشروط قطعاً حتى لو رمى سهماً في خلوة وهو لا يقصد صيداً فأصاب صيداً فهو حرام وكذلك يجيل بسيفه فأصاب حلق شاة في تردده فلا تحل؛ لأنه لم يقصد  فأما نية الذبح فغير مشروط بعد ارتباط القصد بالشخص وبجراحته، ومعناه أنه لو لاح له شخص فرماه وهو يعتقد أنه حجر فأصابه وهو صيد حل ، وكذلك قال الشافعي رحمه الله: إذا اشتملت يد الإنسان  في الظلمة  على شيء ظنه خشبة لينة أو ثوباً خشناً فقطعه فإذا هو حلقوم شاة فالشاة ذكية مباحة ","part":1,"page":13},{"id":2298,"text":"وهذا إذا لم يعتقد شيئاً محرماً، فلو اعتقد كونه شخصاً (محرم)  اللحم فالظاهر أنه حلال وأن هذا الاعتقاد لا يمنع، وفيه وجه أنه يحرم  لأنه اعتقد فعله محرماً فكان فعله محرماً عليه لاعتقاده فلا يصلح لإفادة الحل وذكر الشيخ أبو محمد وجهاً ثالثاً: [إن اعتقده آدمياً أو حيواناً يحرم وقتله فلا يحل وإن اعتقده خنزيراً فيحل؛ لأنه]  اعتقد تحريم اللحم فلا يحرم الفعل به وهذا على بعده ينقدح في الرمي فأما إذا ذبح حيوانا في ظلمة فظنه خنزيراً فإذا هو شاة فيجب القطع بالحل لقوة الفعل بخلاف الرمي فإن الإصابة فيه غير موثوق به فقوي بالقصد وتأثر باختلاله ولو تمثل له شخص ولم يعتقد أنه جماد ولا أنه حيوان محرم أو مأكول بل استوت عنده الجهات فخلاف مرتب وههنا أولى بالحل [والحل أوجه القطع بالحل كما لو حسبه حجراً  فأما إذا قصد الذبح]  ولم يرتبط قصده بعين  الحيوان كما إذا رمى في جنح ليل وهو يتوقع أن يصيب صيداً لا يراه فأصاب صيداً ففيه ثلاثة أوجه أحدها : أنه محرم؛ لأن قصد الذبح دون تعلق الإدراك بالذبح غير منتظم والثاني: يحل؛ لأنه بنى رميه على قصد الصيد على الجملة والثالث: إذا رمى في موضع دخله  على ظنه الصيد فيه انتظم القصد  وإن بعد وجود الصيد فهو عبث، وعلى هذا ينبغي أن يخرج اصطياد الأعمى بالكلب والرمي فأما إذا ربط القصد بسرب من الظباء ولم يعين واحداً وأصاب واحداً حل قطعاً لأنه قصد في محله ومظنته، وقصد عين الشخص المذبوح ليس بشرط إنما الشرط صيد ، والجرح عن قصد صحيح، وقد ذكرنا في كتاب القصاص  تردداً في مثل هذه الصورة في القصاص، ووجهه أن القصاص يسقط بالشبه والاصطياد يبنى على الحاجة فأما إذا عين ظبية من السرب فمال سهمه إلى ظبية أخرى ففيه ثلاثة أوجه؛ أحدها : الجواز؛ كما لو قصد الجنس","part":1,"page":14},{"id":2299,"text":"والثاني: التحريم؛ لأنه صرف قصده عنه إلى غيره ( ) فكان إصابته على خلاف قصده الخاص ولم يندرج أيضاً تحت عموم القصد والثالث: أنه إن أصاب من جملة ما رآه حل وإن ثارت ظبية أخرى واعترضت فأصاب لم تحل، وعلى هذا لو قصد حجراً فأصاب ظبية فوجهان مرتبان  وأولى بالتحريم؛ لأنه لم يقصد جنس [الصيد وإنما قصد جنس]  الأشخاص ولو قصد حجراً ظنه ظبية فمال إلى ظبية أخرى فوجهان وأولى بالجواز؛ لالتقاء الاعتقاد والإصابة ولو قصد خنزيراً فأصاب ظبية بميل  السهم عن الخنزير فخلاف مرتب وأولى بالتحريم \rفرعان: أحدهما: لو قصد نزع القوس فأفلت الوتر وانسل من يده راع السهم وأصاب الظبية المقصودة ففيه وجهان: أحدهما : الحل؛ لأنه قصد وتولدت الإصابة من فعله الذي اختاره وقصده أولاً، وإن لم يكن على وفق القصد والثاني: يحرم؛ لأن الذي جرى لم يكن عن قصد وسنذكر أن مثل هذا السهم لا يحسب في أرشاق  المناضلة","part":1,"page":15},{"id":2300,"text":"الثاني: لو رمى سهماً وكان يقصر عن الظبية فهبت ريح عاصفة فلحق فهو حلال ، ولو انصدم بجدار فارتد إلى الصيد وأصاب ففيه وجهان ، والفرق أن السهم قبل أن يصيب فرداً فحكم الابتداء مستمر له، وإذا أصاب جداراً فقد انتهى نهايته والانعكاس في حكم أمر مبتدأ، هكذا أورده الفوراني ومسألة الريح ليس تنفك عن احتمال على الجملة، وإن كان الفرق ظاهراً هذا كله في إضافة الجرح الحاصل بالأسلحة فأما جراحة الكلب فتضاف إلى الصائد وهو كالآلة (باعتبار  أشلائه وإرساله)  بعد أن صارت آلة فعله فإن استرسل الكلب بنفسه ففريسته حرام؛ إذ لم يستند إلى قصد صاحبه، وإن استرسل فزجره صاحبه فانكف (ثم)   (أغراه)  فاسترسل فهو حلال لأن حمله للاسترسال الأول إذا انقطع انزجار بزجره  فأما  إذا لم يزجره ولكن أغراه فازداد عدواً بإغرائه ففي الحل وجهان أحدهما : أنه يستصحبه  حكم الأولة فيحرم والثاني: أنه يحال على الإغراء ويقطع حكم الأول بتأثير الإغراء في زيادة العدو فيحل ولو استرسل فزجره فلم ينزجر فأغراه فازداد عدوا فوجهان مرتبان وأولى بالتحريم  فإن قلنا: إن الانزجار بالزجر في حموة العدو ليس شرطاً في التعليم فلا فرق بين المسألتين ويبنى على هذه المسألة ما لو أرسله المسلم فأغراه مجوسي فازداد عدواً، أو أرسله المجوسي فأغراه المسلم فازداد عدواً، فعلى وجه نحيل على الأول، وعلى وجه على الآخر، وإن أحلنا عليهما أيضاً اقتضى التحريم للشركة  وكذلك إذا أرسله مسلم فأغراه مسلم آخر ولكن الأثر يبين  في الملك لا في الحل وفي فريسة الكلب المغصوب وجهان أحدهما: أنه لصاحب الكلب؛ لأنه حيوان مختار مملوك فكان ما يستولي عليه كما يحتطبه العبد المغصوب والثاني : وهو الصحيح أنه للغاصب؛ إذ لا يد للكلب وإنما الاستيلاء للغاصب فكان كالاحتطاب بقدّوم الغير والاصطياد بسهمه وقوسه","part":1,"page":16},{"id":2301,"text":"فإن قلنا إنه للمالك فلا يبين لإغراء الثاني أثر لا في التحريم ولا في الملك، وإن قلنا فريسة الكلب المغصوب للغاصب فالأجنبي إذا أغرى وازداد الكلب إغراءاً فقد تحولت الإضافة إليه فينظر فإن زجره فانزجر عن إرسال المالك ثم أغراه فاسترسل فهو للأجنبي المغري، وإن لم يزجره ولكن أغراه [فازداد]  عدوا فإن أحلنا على الابتداء فهو للمالك، وإن أحلنا على الطارئ فهو للمخاطب، وإن أحلنا عليهما فهو مشترك بينهما ","part":1,"page":17},{"id":2302,"text":"فرع: إذا أغرى الكلب بصيد فثار صيد آخر فمال الكلب إليه طبعاً وأخذ في صوب آخر سوى مقصد صاحبه فهو حرام ، وإن ظهر في ذلك المغري والمقصد ظبياً سوى ما أغراه عليه فظفر بظبية أخرى ففيه خلاف مرتب على ما إذا ( ) قصد بسهمه ظبية فأصاب أخرى وهذا أولى بالمنع لأنه حيوان ذو اختيار على الجملة، وقيل إنه أولى بالجواز لأن إغراء الكلب بصيد معين من جملة سرب يعسر ، وتسديد السهم إلى واحدة ممكن هذا بيان قولنا لا بد من جرح مقصود أما قولنا يعلم حصول الموت به أردنا به أنه لو جرح فمات بصدمة أخرى أو افتراس سبع حرم، ولو غاب عن نظره فأدركه ميتاً وعليه أثر جراحة أو صدمة لم يحل أن يحال الموت على الشيئين  ويغلب التحريم، ولو لم يظهر أثر سوى الجرح فقولان أحدهما: أنه يحرم؛ لأنه ليس يدري حصول الموت به وقد روي  عنه عليه السلام: (كل ما أصميت ودع ما أنميت)  أي كل ما يموت بجراحك وأنت تراه، ودع ما يغيب عنك مقتله والثاني : أنه يحل إذ الحوادث تحال على الأسباب الظاهرة، ولذلك نوجب القصاص على الجارح وإن كان الموت فجأة بغير جرح ممكن، ونوجب غرة الجنين  وإن أمكن موته بسبب آخر سوى الذبح  وأما الحديث رواه ابن عباس، وقيل إنه موقوف عليه  فإن قيل: التسمية هل تشترط قلنا: هي مستحبة عندنا ، وقال أبو حنيفة إنها مشروطة ولو تركها عمداً حرم وناسياً لا يحرم  ثم الاستحباب يتأدى بذكر اسم الله عند إرسال السهم وإرسال الكلب فإنه وقت الاختيار ولو ذكر عند افتراس الكلب فهل يتأدّى به الاستحباب  فيه تردد ذكره الشيخ أبو محمد","part":1,"page":18},{"id":2303,"text":"القسم الثاني من الكتاب في السبب المفيد للملك في الصيد وفيه فصلان: الأول: في بيان السبب، والصيد يملك بإبطال منعته إما بإثبات اليد عليه أو بردّه إلى مضيق لا مخلص له منه أو إزمانه  وقص جناحيه، والإزمان ينزل منزلة اليد في الملك، ولو هيج صيداً واضطهده إلى مضيق له مخلص فأخذه غيره فهو للآخذ ثم الأسباب التي يتقيد الصيد بها تنقسم فما يُعد في العادة للصيد فوقوع الصيد فيه كاف للملك قصد أو لم يقصد كما لو نصب شركه  فيملك الصيد بمجرد العقلة  [بها]  ويكون كما [لو]  أحيا أرضاً ملكها، وإن لم يقصد الملك فأما ما لا يقصد به الاصطياد في العادة كما لو دخلت ظبية داره فأغلق الباب  أو تعقّل  صيد بالوحل في أرض سقاها لا لتكون شبكة للصيود أو عشعش الطائر في داره وباض وفرخ فإن البيض (والفرخ)  قبل النهوض تحت قدرته والمذهب أن الملك غير حاصل في هذه الصورة لعدم القصد وخروج السبب عن كونه معدا للاصطياد وذكر الصيدلاني في الكل وجهاً ضعيفاً أن الملك يحصل  لوجود صورة القدرة ولو قصد ببناء الدار تعشيش الطائر ففيه وجهان  لأنه قصد التملك بما لا يقصد به فضعف قصده ولغي أثره، ولو قصد إغلاق الباب بعد حصول الظبية لقصد الصيد ملكه بلا خلاف، فإنه أثبت اليد قصداً، فلو انسلت من الإنسان شبكة فتعقل بها صيد ففيه وجهان أيضاً لعدم القصد، ولو دخلت سمكة بركة إنسان وكانت ضيقة وسد المنافذ لأجل الاحتواء عليه ملك بسد المنافذ مع القصد، ولو كانت البركة واسعة يعسر أخذ السمكة لاتساعه  فلا يملك ولكن إن سد المنافذ نزل منزلة التحجر للموات حتى إن غيره لو أحياه خرج تملكه بالإحياء  على خلاف ","part":1,"page":19},{"id":2304,"text":"التفريع: لو دخل بستان إنسان وقبض على صيد يمتنع  مَلَكَه، بخلاف الحوض فإن الحوض ضابط، والبستان غير ضابط، وإذا قلنا في صورة إغلاق الباب وسقي الأرض وتعشيش [الطائر]  أنه لا يملك فلا خلاف في أن صاحب الملك أولى به ما دام في ملكه إذ ليس لأحد أن يتخطى ملكه، فلو أخذه آخذ ففي ملكه وقد أخذه من داره تردد قريب من إحياء ما تحجر به غير المحيي، وههنا أولى بحصول الملك إذ ظهر من المتحجر قصد ما، ولم يحصل ههنا قصد فلا يوجب منع الغير من الملك هذا في سبب حصول الملك فأما زواله فالملك لا يزول عن الصيد بإفلاته ولا بمجرد إطلاقه ولو أطلقه قاصداً ( ) تحريره وإبطال اختصاصه عنه ففيه خلاف وميل المحققين إلى أن الملك لا يزول ولا معنى للعتق في الأموال، نعم قصد إباحة الغير يباح لغيره ولكن لا يزول ملكه ، ولو أعرض عن كسرة خبز فأخذها آخذ هل يملكها فيه وجهان مرتبان وأولى بأن لا يملك ؛ لأن سبب الملك في الصيد [اليد]  وللصيد منعه وانطلاق عاد إليه، نعم إلقاء الكسرة إباحة فيحل لكل أحد تناولها، والخلاف في تملكه، فلو ألقى إهاب ميتة وهو [غير]  مدبوغ فأعرض عنه فأخذه آخذ ودبغه ففي حصول الملك له وجهان مرتبان وأولى بأن يملك ؛ لأن الإعراض عما لا ملك فيه قوي ظاهر","part":1,"page":20},{"id":2305,"text":"فرع: إذا تحول حمام  برج مملوكة إلى برج آخر مملوك واختلط الحمام بالحمام وعسر التمييز فليس لكل واحد الهجوم على بيع الكل لاشتماله على ملك الغير قطعاً، ولا على بيع البعض لأنه ليس يدري أنه ملكه أم لا هذا إذا باع من ثالث، فإن باع أحدهما من صاحبه واحداً أو وهبه فوجهان أحدهما: المنع؛ لأنه ليس يدري ما يبيع  ملك نفسه أو ملك المتملك والثاني : الجواز، وفائدته الحكم بالملك للمتملك على كل حال، وإن فرض فيه نوع تردد فهو محتمل للضرورة كما احتمل أنواع جهالات في الجعالة والقراض  للحاجة ولو تطابقا على بيع الحمام أو بعضه من ثالث فإن كان عدد كل ملك معلوماً والقيم متماثلة صح البيع قطعاً والثمن  يوزع على حسب النسبة فإذا كان للواحد مائة وللآخر مائتان وزع الثمن أثلاثاً، وإن كان العدد مجهولاً أو القيمة متفاوتة فلو باعا بألف مثلاً فهو باطل لأنه لا يُدرى كم يستحق كل واحد والصفقة تتعدد بتعدد البيع فطريقهما  أن يعيّن كل واحد قدر ما يستحقه بالتصالح  لتندفع الجهالة عن الثمن ويبقى الجهل بقدر المبيع فيحتمل للحاجة  فإن قيل: فلو اختلط حمامات مملوكة بحمامات بلدة فهل يحرم على الخلق  الصيد والأكل قلنا: إذا كان المختلط محصوراً والمختلط به لا ينحصر ولا يحصى ولا يتجدد به تحريم بل يستصحب الإباحة الأصلية، وكذلك لو اختلطت أخته من الرضاع بنسوة بلدة فلا حجر في المناكح ، وإذا اختلط  بمحصور  ثبت الحجر ولو اختلط ما لا يحصى  كما لو تحولت حمامات بلدة إلى بلدة والمنتقل كله مملوك ففيه وجهان أحدهما : الاستصحاب لخروج الأمر عن الحصر والثاني: الحجر؛ لأن نسبة ما لا يحصى [إلى ما لا يحصى]  كنسبة ما يحصى إلى ما يحصى\rالفصل الثاني: في الازدحام على الصيد والاشتراك فيه, وله أحوال:","part":1,"page":21},{"id":2306,"text":"الأولى: أن يوجد من أحدهما جرح ومن الآخر إزمان فإن سبق الجرح فالصيد للمزمن ولا شيء للجارح ولا عليه ضمان إذ سبق جرحه ملك المزمن، فإن تقدم الإزمان فقد حصل به الملك فالجرح بعده لا يفيد  [ملكاً]  [بعد]  الاندمال حياة مستقرة مذفف بالجرح نظر [فإن وقع من عند المذبح فقد صار الصيد وعاد إلى سبعه فتحتم آخر ما يقصر منه أمات العبد إذ البهيمة فيمت عسر جناية فينقص منه دينار، ولكن نوجب ضماناً لأنه صادف ملك الغير","part":1,"page":22},{"id":2307,"text":"والنظر في قدر الضمان]  فإن لم يذفف الجرح فليس إلا أرش النقصان من تمزيق الجلد وجرح اللحم وذلك لا يخفى كان الصيد [حياً]  أو ميتاً بالازمان السابق، فأما إذا كان الصيد ميتة وعليه  قيمة صيد مزمن، وإنما حكمنا بكونه ميتاً لأنه ذبح في حيوان مقدور عليه في غير المذبح، فأما إذا صادف الجرح المذبح فهو حلال وليس على الجارح إلا أرش نقصان الذبح وههنا أدنى نظر وهو أن من رمى إلى شاة فأصاب مذبحها فقطع حلقها ومريها ففي حصول الحل احتمال والظاهر أنه يحصل وينبغي أن يفرق بين أن يقصد المذبح فيصيب وبين أن يقصد الشاة فتتفق إصابة المذبح وفاقاً وهذا النظر جار في تحصيل الحل في مسألتنا إذا أصاب الجارح حلقه ومريه، فأما إذا لم يكن الجرح الثاني مذففا ووقع على غير المنحر وترك الصيد حتى مات بالجرحين الازمان السابق والجرح المتلاحق فلا بد من ضمان على الثاني للأول، وكم مقداره والصيد لم يمت إلا بالجراحتين ، هذا يقدم عليه أصل عويص مقصود وهو أن من جنى على عبد أو بهيمة بالجرحين ففي ما يجب على كل واحد خمسة أوجه لا ينفك وجه عن غموض ( )، وارتكاب أمر (بعيد) ، والأول: أنه يجب على الأول أرش جراحته وهو دينار وعلى الثاني أرش جراحته وهو دينار، وقد بقي مما فات على السيد ثمانية فتقسم عليهما نصفين كل واحد أربعة فحاصل الحساب تنصيف العشرة عليهما وهذا باطل قطعاً؛ لأن الثاني شريك في قتل عبد قيمته قبل جنايته تسعة فيخصه أربعة ونصف فإيجاب الزيادة عليه محال والالتفاف إلى مقدار الأرش مع أن الجراحة صارت نفساً باطل قطعاً ولهذا لو جرحا معاً جرحين أحدهما فاحش لو انفرد لنقص الخمس والثاني لو انفرد لنقص العشر فيتساهمان من غير تفاوت لشركتهما في القتل ولا يلتفت إلى الأرش وقدره بعد حصول القتل بحال","part":1,"page":23},{"id":2308,"text":"الثاني: إن الأول جنى على عبد قيمته عشرة وهو شريك فعليه خمسة والثاني شريك في عبد قيمته تسعة فعليه أربعة ونصف وهذا باطل فإن فيه تخسيراً للمالك بنصف دينار، وقد فات كمال العشرة عليه بالجراحتين فلا بد من تقدير كمال العشرة عليهما قطعاً والنظر في التوزيع هو المظنون، فأما كمال العشرة فلا بد من إيجابها الثالث: اختاره القفال وهو أنه يجب على الأول خمسة ونصف وعلى الثاني خمسة ولا نبالي بزيادة نصف دينار كما لو قطع يدي عبد فجاء آخر وقتله فإنهما يغرمان ما يزيد على كمال القيمة، ولا يبعد ذلك، ووجه هذا التوزيع أن الأرش معتبر إلا في القدر الذي يندرج تحت قتل حصل من الجارح وقد حصل من كل جارح نصف القتل فاندرج نصف أرشه تحت ما حصل وبقي نصف الآخر لا يندرج بقتل منسوب إلى صاحبه، فعلى كل واحد نصف دينار من جملة  الأرش (إذ)  لا مسقط للنصف في حق كل واحد وقتل النصف لا يسقط من الأرش إلا النصف ، ثم بعد هذا يقال للأول شاركت في قتل عبد قيمته عشرة قبل جنايتك فعليك خمسة ويقال للثاني شاركت في ما قيمته تسعة قبيل جنايتك فعليك أربعة ونصف والمجموع عشرة ونصف إذا ضم نصف الأرش إليهما فهذا فاسد من وجهين، أحدهما: أن اعتبار نصف الأرش قطع لفعل أحد الشريكين عن الآخر وينبغي أن يضاف القتل إليهما كما يضاف إلى شخص واحد من غير تمييز، فهذا مقتضى الشركة، والآخر: أن في إيجاب الزيادة وليس هذا  نظيراً لمسألة العبد فإن القتل بعد القطع يقطع أثر القطع ويلحق بالاندمال فينفصل أحد الحكمين عن الآخر","part":1,"page":24},{"id":2309,"text":"الرابع: ذكره أبو الطيب بن سلمة  وهو أنا نقدر ما قدره القفال من الجمع بين نصف الأرش ونصف القيمة قبيل جناية كل واحد فيبلغ عشرة ونصف نبسط  الأنصاف فتصير (أحداً)  وعشرين فنعود ونوزع العشرة على أحد وعشرين فيجب على الأول  أحد عشر جزءاً من أحد وعشرين جزءاً من عشرة، وعلى الآخر عشرة أجزاء من أحد وعشرين جزءاً من عشرة فنجمع بين ما ذكره القفال وبين مجاوزة  الزيادة وهذا يقضي على أحد الإشكالين، والإشكال الآخر قائم وهو أن الالتفات إلى الأرش مع حصول القتل بالشركة وتمييز أحد الشريكين عن الآخر باطل الخامس: وهو الذي اختاره  الإمام وحكاه عن صاحب التقريب والمحققين أنه يجب على الأول خمسة ونصف وعلى الثاني أربعة ونصف لأن إيجاب ما يزيد على أربعة ونصف على الثاني محال بكل  حال، والأول  كان منتسباً إلى التفويت لولا لحوق الثاني فما أمكن تقريره على الثاني يستثنى عن الكل الذي تعرض له الأول، والباقي مستوفى منه، وليس ينفك هذا أيضاً عن الإشكال ولكنه أقرب، ويليه في القرب وجه أبي الطيب بن سلمة، أما الزيادة والنقصان عن العشرة والتسوية بين الأول والثاني فباطل من كل وجه وهي مضمون الوجوه الثلاثة السابقة المسألة بحالها ما يقابل الأول فمهدر لأنه مالك والثاني أجنبي ","part":1,"page":25},{"id":2310,"text":"رجعنا إلى الصيد إذا مات بجرحين فالأول مالك والثاني [أجنبي]  ففيه ثلاثة وجوه ، أحدها: أنه يسلك بهما مسلك السيد والأجنبي حتى تطرد  الوجوه الخمسة وما يقابل المالك ونهدره والباقي يطلب من الثاني، والوجه الثاني: أنه يجب على الثاني كمال قيمة الصيد مزمناً بخلاف السيد لأن  جرح السيد إهلاك وتفويت، وجرح المزمن في الحال فملك، وفي ثاني الحال ذبح فحل فلا إفساد فيه فكان فوات المالية بكماله محالاً على الثاني والثالث: وهو الحق أنه إن مات الصيد من الجرحين قبل إدراك المالك وقدر على الذبح وجب كمال القيمة على الثاني؛ لأن جرح الأول ذبح محلٌ لو سلم عن الثاني، فإن تمكن من ذبحه فتركه حتى مات من الجرحين خرج الأول عن كونه محلا فلا بد من التوزيع على موجب الأوجه الخمسة كما في السيد والأجنبي والوجهان السابقان ليسا وجهين تحقيقاً، بل كل واحد سيق إلى طرف من المسألة، ولو عرض عليهم الآخر لتلقياه  بالقبول [وإن وقع في غير المذبح فقد صار الصيد ميتة وعاد إلى تسعة فتحتم أخذ ما نقص منه أصاب العبد أو التهمة قيمة عشرة جناية فنقص منه دينار، ولكن يوجب الضمان لأنه صادف ملك الغير  والنظر في قدر الضمان] ","part":1,"page":26},{"id":2311,"text":"التفريع: إذا لم يفرط الأول ولكن أدرك الصيد وقد مات من الجرحين وأوجبنا على الثاني تمام القيمة فإذا كان الصيد غير مزمن يساوي عشرة ومزمناً تسعة فظاهر كلام الأصحاب أنه تجب تسعة وههنا دقيقة تنبه لها صاحب التقريب وهو أنه لو كان مزمناً حياً يساوي تسعة وذبيحاً يساوي ثمانية، أما الثمانية فواجبة بكمالها على الثاني، وأما الدرهم الذي هو نقصان الذبح فينبغي أن يكون مشتركاً فإن فعل الأول إن لم يعتبر في الإفساد فإنه غير مفسد فيعتبر في نقصان الذبح فإنه ذبح فيهدر نصف ذلك الدرهم ويجب النصف على الثاني وهذا حسن بالغ، وفيه احتمال من حيث أن الثاني بإفساده قطع أثر المذبح  بالكلية، ولكن الواضح ما ذكره صاحب التقريب هذا بيان هذه المسألة","part":1,"page":27},{"id":2312,"text":"الحالة الثانية: في الازدحام إذا رمياه فأصاباه معاً فإن كان كل واحد مستقلاً بالازمان لو انفرد أو حصل الازمان بهما وكل واحد  لا يستقل فالصيد بينهما، وكذلك لو كان كل واحد مستقلاً بالتذفيف أو حصل التذفيف بهما جميعاً وكل  واحد لا يستقل ولو كان أحدهما مذففاً أو مزمناً والآخر جرح غير  مذفف ولا مزمن فالصيد للمذفف أو المزمن  ولا غرم على الثاني لأنه لم تصادف جراحته حالة ملك الثاني بل صادف حالة الإباحة فإنه ساوقه، والملك يترتب على التذفيف، ولا مقارنة ، ولو كان أحدهما مزمنا والآخر مذففاً فالصيد بينهما إذ كل واحد مستقل بالتمليك، فأما إذا أشكل واحتمل أن يكون الازمان حاصلاً بهما أو بأحدهما، فإن  حصل بأحدهما فليس يُدرى بأيهما حصل فالصيد حلال وهو بينهما في ظاهر الحكم ولا شك أن التحرج يقتضي استحلالاً من الجانبين تباعدا عن الشبهة، فأما إن علمنا أن جرح أحدهما مذفف وشككنا في أن جرح الآخر مذفف أم لا فقال القفال: الصيد بينهما، فألزم عليه ما لو جرح [رجل]  وذفف آخر ولم يدر أن الجرح الآخر مذفف أم لا فارتبك وقال: يجب القصاص عليهما، [وهذا فاسد لأنه إيجاب قصاص بالشك والشبهة] ، وأما مسألة الصيد فما ذكره محتمل اعتماداً على أن ظاهر الجرح مذفف، ويحتمل أن يقال نصف الصيد يسلم للمذفف والنصف الآخر موقوف بينهما ليس يُدرى أنه لأيهما، وإن لم نتوقف وأردنا استعماله  جعلنا ذلك النصف بينهما لاستواءهما في النزاع فيسلم للمذفف ثلاثة أرباع الصيد وللآخر ربعه الحالة الثالثة: إذا  علمنا أنه ترتيب الإصابة فسبق أحدهما ولحق الآخر ووجدنا الصيد مزمناً ولم ندر أن الأول أزمن ولحق الثاني فأفسده وحرم، أو لم يزمن الأول والثاني ذبح ذبحاً مباحاً فالصيد حرام في أحد الاحتمالين، ففي المسألة طريقان، أحدهما : القطع بالتحريم تغليباً للحظر واستصحاباً للتحريم إلى يقين الحل","part":1,"page":28},{"id":2313,"text":"والثاني: طرد قولين كما في مسألة الإنماء، والفرق أوجه فإن في مسألة الإنماء صادفناه ميتاً محالاً ، ولم نصادف له معارضاُ توهناً ، وههنا لم نتيقن شيئاً محللا بل شككنا في جريانه أصلاً الحالة الرابعة: ترتب الجرحان ولم يكن الأول مستقلاً بالازمان ولا الثاني، ولكن حصل الازمان عقيب الثاني بكلا الجرحين قال الصيدلاني: الصيد بينهما وهو القياس، وقال معظم الأئمة: هو للثاني، والأول ساعٍ لقاعد، وهو معين، والإزمان حصل عقيب فعل الثاني والملك يضاف إليه فعلى هذا  لو عاد الأول وجرح الصيد ثانياً بعد ترتب الازمان على جراحة الثاني فجرْحه الأول مهدر وجرْحه الثاني مضمن، وقد فسد الصيد بالجراحات كلها ففي قدر الواجب خلاف منهم من قال: تلزمه قيمة الصيد وبه جراحان الجرح الأول فإنه كان هدراً، فالجرح الثاني فإنه صدر  من المثبت المالك ومنهم من قال يجب قسط، فعلى هذا كم القسط فيه وجهان بناءً على مسألةٍ وهي ما لو جرح مسلم عبداً مرتداُ فأسلم فجرحه مالكه ثم عاد الأول وجرحه جراحة أخرى ومات من الجراحات، فمن أصحابنا من قال يوزع على الجراحات، وهي ثلاثة فنوجب ما يقابل الجرح الثالث وهو الثلث ومنهم من وزع على الجارحين  أولاً فيسقط النصف الذي يقابل الملك والنصف الآخر يوزع على الجرحين ؛ لأن أحدهما في حال الردة فيهدر نصف النصف ويجب الربع، فكذا في مسألتنا ومن أصحابنا من أوجب ثلث قيمة الصيد، ومنهم من أوجب ربع قيمة الصيد، وهل يضم إليه اعتبار الأرش فيه التردد الذي مضى في مسألة الكسر، ولو اختلف الزامنان فقال كل واحد منهما أنا المزمن والصيد ملكي وأمكن صدق كل واحد منهما، والصيد في أيديهما فهو بمثابة ما لو تنازعا داراً في يد ثالث ","part":1,"page":29},{"id":2314,"text":"كتاب الضحايا\rالضحية ذبح شيء من النعم في يوم النحر وأيام التشريق سنة مستحبة وقربة عندنا، وهي واجبة عند أبي حنيفة على كل مقيم [ملك نصاباً، وعندنا لا تلزم إلا بالنذر كما تلزم سائر القرب] وعلى الجملة الإجماع منعقد على أنها من الشعائر، فالكلام في الوجوب لا في أصل الثبوت، وقال تعالى: والبدن جعلناها لكم من شعائر الله، وقال تعالى: ومن يعظم شعائر الله، وقال عليه السلام: «عظموا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم» ثم لزومه بالنذر أو بأن يقول جعلت هذه الشاة ضحية متلفظاً، فلو اشترى على نية أن يضحي لم يلزمه خلافاً لأبي حنيفة ثم قال الشافعي: من عزم على التضحية ملتزماً أو متبرعاً فيستحب له ألا يحلق ولا يقلم في عشر ذي الحجة، قيل تشبهاً بالحجيج، وهو فاسد، إذ ترك الطيب غير محبوب، وإنما ذلك ليكون على أكمل أجزائه قال عليه السلام: (إذا [دخل العشر] وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً) هذا تمهيد القاعدة، والنظر في أركان التضحية في قسمين:\rالقسم الأول: [في الأركان] والنظر في الذبيح والذابح والمذبح والوقت المذبوح فيه\rالركن الأول: الذبيح، والنظر في جنسه وصفته وقدره، أما الجنس فهو النعم من الإبل، والبقر، والغنم، ولا يجزئ من شيء آخر، وأما السن فالجذع من الضأن، والجذع هو الذي استكمل سنة وطعن في الثانية، والذكر والأنثى سواء والمجزئ من المعز، والبقر، والإبل، الثني، والثني من البقر، والمعز ما استكمل سنتين وطعن في الثالثة، ويسمى ما بلغ هذا السن من البقر المسن والمسنة والمجزئ من الإبل الثنية وهي التي استكملت خمسة وطعنت في السادسة، وهذه الأسنان روعيت لأن الحيوان قبل الانتهاء إليها كالصغير فإنها لا تحمل إناثها ولا تنزو فحولها فهذا السن كالبلوغ [فيها] وقد روي الخبر بهذه الأسنان، والذكر والأنثى بالاتفاق فيها سواء هذا حكم الجنس والسن","part":1,"page":1},{"id":2315,"text":"أما الصفات فالنقصان ينقسم إلى نقصان صفة ونقصان جزء، أما الصفات المانعة فقد حصرها الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قال فيما رواه البراء بن عازب : «[أربع]  لا تجزئ في الضحايا  العوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقي»  أي لا نقى لها وهو المخ، وفي بعض الألفاظ النهي عن الثولاء  وهي المجنونة التي (تستدير)  في المرعى، ولا ترعى رعاية إجفال فهذه الصفات الخمس لا بد من بيانها أما المريضة التي لا تجزئ فهي البينة المرض، وإذا أفضى المرض إلى الهزال لم يخفَ كونه مانعاً وتهاجم  المرض قبل الإفضاء إلى الهزال هل يمنع الصحيح أنه مانع لأنه لو شرط الهزال  لم يكن لتعديد العجفاء مع المريضة معنى والمرض بنفسه مستقل في المنع، وفيه وجه بعيد أنه إذا لم يظهر العجف ولا أثر في اللحم لم يمنع \rفرع: الجرباء تكلموا فيها فقال الشيخ أبو محمد: الجرب يفسد اللحم فهو كالمرض البين، والصحيح  أن قليل الجرب لا يفسد اللحم فلو استحكم وتفاحش فيفسد اللحم ويورث الهزال فيمنع لا محالة أما العرجاء فأدنى منازل العرج المانع ما يمتنع به المشي، وما دون ذلك لا يمنع ولسنا نعني به ما يمنع كثرة التردد في المرعى\rفرع: لو أضجعت الشاة للتضحية فانكسر  رجلها في الاضطراب قبل الذبح ففيه وجهان، أحدهما : لا تجزئ، وإن كانت سمينة للنص والثاني: أنه تجزئ، ولا نظر إلى نقصان يحدث في مقدمات الذبح فكأنه من الذبح","part":1,"page":2},{"id":2316,"text":"أما العوراء فإن كانت إحدى عينيها مفقوءة فلا تجزئ لأنه نقصان في جزء من اللحم مقصود، وإن كانت ترى بعينيها ولكن على إحدى عينيها سواد فلا يمنع الإجزاء و [ليس]  هو المراد بالبين عورها، وإن كانت لا ترى بإحدى عينيها والحدقة قائمة فالظاهر المنع إذ ينقص الرعي من الجانب الذي لا ترى فيظهر الأثر في الهزال، ولورود الخبر، والباب باب التعبد وقال أبو الطيب بن سلمة : هذا العور على طول الزمان لا يظهر أثره في الهزال لا كالعرج والمرض، وليس هو في الحال نقصاناً في الحدقة فلا يمنع الإجزاء ولعله يقول العمياء تجزيء إذا لم يذهب إلا ضوء عينيها وهي سمينة بعد لم تهزل، ولكن الظاهر ما تقدم فإن التعبد غالب على الباب\rفأما  العجفاء فقد بينها  الرسول ، وحدُّها أن تنتهي إلى الهزال  إلى حد يأباه المترفهون في رخاء السعر لركاكته\rوأما الثولاء فمنعها لا بد من الأسباب التي  يتبين على القرب أثرها في الهزال فهذه صفات يظهر أثرها في اللحم ومع هذا أجمعوا  على أن الأنثى إذا تكرر ولادها  [والفحل إذا تكرر نزوانه]  وصار لحمها مستكرهاً تجزئ إلا إذا انتهى الهزال إلى حد يمنع فهذا يدل على غلبة  التعبد هذا ما يؤثر في اللحم ","part":1,"page":3},{"id":2317,"text":"فأما ما يؤثر في الصورة والنظر فقد نقل عن علي رضي الله عنه أنه نهى عن الخرقاء والشرقاء والمقابلة والمدابرة قال: «أمرنا باستشراف العين والأذن»  أي تناولها وطلب  سلامتها عن العيب والخرقاء هي المخروقة الأذن والشرقاء هي المشقوقة الأذن، والمقابلة التي قطعت من حلقة أذنها ولم يفصل  في قبالة الأذن، والمدابرة ما بدلت تلك الصورة من دبر أذنها وقد اختلف الأصحاب في هذه الصورة على طريقين فمنهم من ذكر وجهين في الإجزاء أحدهما : الجواز للقياس والثاني: المنع، لقول علي رضي الله عنه، وحكايته أنّا أمرنا باستشراف الأذن، والعين ومن الأصحاب من قطع بأن ذلك يجزئ إلا  الأذن لو كانت مقطوعة من الأصل، وكانت سكاً، أو مصلوفة ، و  المستأصلة، فأما إذا قطع بعض الأذن وأبين فإن كثر المبان بالإضافة إلى الأذن حتى بان على بُعد فيمنع، وإن قلّ فوجهان ، والكثير ما يبين على بُعد كما ذكرناه في حد وحل الطريق وأبو حنيفة قال: يمنع قطع ثلث الأذن ، وأبو يوسف قدّر بالنصف، والكل تحكّم، بل يقال: الكل مقصود في الأذن، فإذا كان المقطوع كثيراً كان نقصاناً، وهو الذي يؤثر أيضاً في زوال المنظر، وللشافعي رحمه الله اختلاف نص في التي لا أذن لها ، وليس ذلك تردداً بل إن كان صغيراً في الخلقة تجزي، وإن كانت سكاً فلا تجزي هذا نقصان الصفات\rأما نقصان الأجزاء فلها مراتب:","part":1,"page":4},{"id":2318,"text":"الأولى: إذا قطع الذئب فلقة من فخذ الشاة ظهر نقصان بيّن فهو مانع قطعاً لأنه نقصان بين في عضو مقصود لاينفك عنه جنس الحيوان الثانية: لو قطع الذئب الإلية وجهان ، ولو لم يكن لها  إلية من الأصل فوجهان  مرتبان، وأولى بالجواز، ومنشأ التردد أن جٍنس المعز لا إلية لها، وهو مجزٍ فليؤخذ الضأن الذي لا إلية له بخلاف لحم الفخذ فإنه لاينفك عنه حيوان، وقد يعتذر عن هذا بأن شحم العنز بدل عن الإلية، ولا بدل للإلية في الضأن، وهذا مما لا ينبغي ( ) أن يلتفت إلى أمثاله في الصفة، فإنه خارج عن الضبط، والغالب الثالثة: الصغيرة الضرع تجزئ، وفي المقطوعة الضرع طريقان، منهم من قال: هو كالإلية  ومنهم من قطع بالإجزاء؛ لأنه ليس في معنى الإلية إذ ليس هو من الأطايب المقصودة بالأكل، ولا هو كالأذن فإن الجنس ينفك عن الضرع وهو الذكور ولا ينفك عن الأذن الرابعة: نقصان الأذن وقد ذكرناه، وقطع كله مانع للحديث ، وقطع بعضه فيه نظر سبق، وضابطه أنه لا يخلو عنه الجنس ويقصد أكله، وليس من الأطايب ولكن التعبد فيه الخامسة: المخصية مجزية؛ لأنه نقصان، فصار يراد نقصانه لتطييب [اللحم]  فلم يبالَ به السادسة: تناثر الأسنان المذهب أنه لا يمنع إذ لا يقصد في نفسه ولا يؤثر في اللحم، ولم يرد فيه حديث  حتى يلتحق بالأذن وفيه وجه بعيد أن سقوط الكل يمنع، وسقوط ضرس أو سن  لا يمنع، وهو ضعيف لا مأخذ له  السابعة: نقصان القرن، وذلك لا يمنع وفاقا  ً ولم يلحق باستشراف المنظر فتجزئ الجماء والعقساء وهي المكسورة القرن وهذا بيان النقصان في الصفات والأجزاء","part":1,"page":5},{"id":2319,"text":"أما القدر فأقل ما يجزئ عن شخص واحد في الضحية  شاة واحدة فلو اشترك اثنان في شاة لم يجُز؛ نعم له أن يشرك غيره في ثواب ضحيته وهو المعني بقوله عليه السلام: «هذا عن محمد وأمة محمد»  ولو اشتركا في شاتين مشاعاً  بينهما فوجهان، أحدهما: الجواز إذ يخص كل واحد واحداً والثاني : المنع؛ إذ ليس ما خص  به كل واحد شاة بل يخصص نصفي  شاة ومن وجب عليه سبع شياه بأسباب مختلفة سوى جزاء الصيد يكفيه بقرة أو بدنة، وكذلك لو وجب سبع شياه على سبعة أشخاص فالبدنة والبقرة كافية لجميعهم ولهم الاشتراك فيه بكل حال ويستثنى عن هذا جزاء الصيد؛ لأن المماثلة في الصورة ثَم معتبرة فلا تجزئ البدنة عن سبع من الضباء ولا يشترط في الاشتراك  في بقرة أو بدنة أن يكونوا من أهل بيت خلافاً لمالك رحمه الله ، ولا أن يكونوا بأجمعهم متقربين خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله ، بل [لو]  طلب بعضهم اللحم وبعضهم التقرب فمسلك نصيبه  مسلك الضحايا، ومسلك الآخر  مسلك الملك وإن قلنا: إن القسمة بيع فوجهان ، وجه الجواز الحاجة والضرورة وقال أبو إسحاق : تجوز البدنة عن عشرة، هذا في الوجوب","part":1,"page":6},{"id":2320,"text":"أما المستحبات: فالضأن أحب في الأضحية من المعز؛ لأن لحمه أطيب، وقيل سبع من الغنم أحب من بقرة أو بدنة؛ لأن جنسها أطيب، وفي البدنة نظر فإنها مخصوصة بالذكر في كتاب الله تعالى، وهي مقدمة في كفارات المناسك، والبقرة بعدها، والسبعة من الغنم بعده قال الشافعي رحمه الله : الأنثى أحب إلي من الذكر قال وفي القرابين وفي الهدايا: قال الأئمة: إنما ذكر هذا في جزاء الصيد عند تقويمنا الحيوان للرجوع إلى معدلات قيمتها من الطعام، والأنثى أكثر قيمة، وإلا ما  يصح تقديم الذكر على الأنثى فما كثر منه النزوان خير مما كثر منه الولادة، وما لم يكثر منه النزوان خير مما لم تنتهِ الولادة ، فالمطلوب ههنا اللحم دون القيمة وقيل أراد الشافعي الأنثى التي لم تلد فهي أولى من الذكر؛ لأن لحمها أطيب والصحيح تقديم الذكر، والأبيض أحب من الأسود، وفي الخبر: «ضحى بكبشين أملحين»  والأملح الأبيض، وفي الخبر: «لدم عفراء أفضل عند الله من دم سوداوين»  وهذا لتعبدٍ  محض وروي أنه «ضحى بكبشين يمشيان في سواد ويأكلان في سواد وينظران في سواد»  قوائمهما ، ومشافرهما، ومحاجرهما سود وهذا اتفاق وقع، وعلى الجملة استحسان الضحية واستسمانها مستحب قال تعالى:  ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب  أي مراسم الشرع قد يستحب عليها المرور والعادة، وأما  المعظم يقوي القلوب","part":1,"page":7},{"id":2321,"text":"الركن الثاني: الوقت، ولا تجزئ الأضحية إلا في يوم النحر وأيام التشريق، وأما دماء الجبرانات  في المناسك لا تختص بوقت وفي ( ) المنذورات خلاف، والضحايا مخصوصة بالوقت، ثم النظر في أول الوقت وآخره أما أوله ففيه وجهان أحدهما: أنه إذا مضى بعد طلوع الشمس من يوم النحر مقدار ما تزول كراهية الصلاة ويتسع لصلاة  رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطبته فقد دخل الوقت إذ كان الرسول صلى الله عليه وسلم يضحي عند ذلك ثم كان يصلي ركعتين يقرأ في الأولى سورة (ق)، وفي الثانية اقتربت الساعة، وكان يخطب خطبتين طويلتين والثاني : أنه تعتبر ركعتان خفيفتان وخطبتان خفيفتان إذ يعلم أنه لو اتفق التخفيف لأتى بالتضحية هذا ما ذكره العراقيون، أما المراوزة قالوا: يعتبر خطبتين خفيفتين قطعاً ، وإنما الخلاف في حق  الركعتين طولهما ، قال عليه السلام: «قصر الخطبة وطول الصلاة مئنة  من فقه الرجل»  ثم لا ينبغي أن تنتهي الخفة في ركعتين عند من يعتبر أقل ما يجزئ، بل تعتبر إقامة شعار، والعلم عند الله والفوراني لم يعتبر وقت الخطبة أصلا لأنها ليست بركن، وهذا  خلاف النص وأما الآخِر فغروب الشمس من آخر أيام التشريق وقال أبو حنيفة  اليوم الثالث ليس وقتا للتضحية ثم تصح التضحية في هذه الأيام ليلاً ونهاراً، والأحب النهار وقال مالك رحمه الله: لا تجزئ بالليل  فإن قيل: هذه نافلة فما قولكم في فواتها أيخرّج قضاؤها على النوافل المؤقتة قلنا: لا معنى للقضاء لأنه  لا بد من الصبر إلى يوم النحر القابل فما يضحى به يقع عن حق الوقت، ولو زاد على ما كان يعتاده فلا يتعين للقضاء إذ الكل صالح لحق الوقت، وقد يضحي الرجل ضحايا في يوم واحد وكذلك من يعتاد الصوم أيام الأثانين مثلاً تطوعاً فلا يتحقق القضاء في مثله ","part":1,"page":8},{"id":2322,"text":"الركن (الثالث) : في الذابح، وقد ذكرنا في الصيد  من يحل ذبحه ، وأما من تصح له التضحية فالحر، [فلا ضحية لمدبر ] ، ومستولدة  إلا إذا قلنا يملك، فإذ ذاك لو ملّكه السيد فهو كالمكاتب، وهل تصح للمكاتب بإذن السيد يبتنى  على نفوذ تبرعه، وبغير إذنه لا يصح ثم الأحب أن يتولى المضحي الذبح بنفسه إن استمكن، وإلا فيشهد ضحيته ليكون بين يديه، وينوي عند الذبح، وقد قال عليه السلام لفاطمة رضي الله عنها: «اشهدي أضحيتك  فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها»  وله أن يوكل في الذبح من هو من أهل الذبح، ولكن لو استناب كتابياً لم يجز توكيله في النية، وكان كتوكيل الكتابي في أداء الزكاة يصح دون التوكيل في النية فلينو إما عند التفويض إليه، أو عند (صدور)  الذبح منه \rالركن الرابع: [في]  كيفية الذبح، والنظر في واجباته، وسننه، وما يختص بالضحايا منه:","part":1,"page":9},{"id":2323,"text":"أما الواجبات: فلا واجب إلا قطع تمام الحلقوم  والمريء  وفي الحيوان حياة مستقرة بآلة ليس بعظم، أما الحلقوم والمريء فبين الأوداج  ينقطع لا محالة عند قطعها ، ولكن لو  تكلف متكلف وخصها بالقطع، قال مالك رحمه الله: لا بد من قطع الأوداج أيضاً  وقال أبو حنيفة  رحمه الله: الكل محل الذبح فلا بد من قطع المعظم، ويكفي الحلق والودجان دون المريء، [ويكفي الحلقوم من المريء]  وأحد الودجين، فأما التمام فلا بد [من قطع الحلقوم فلو بقي]  من الحلقوم شيء، ولو جلدة يسيرة فانتهى الحيوان إلى حركة المذبوح ثم قطع تيك البقية فالحيوان ميتة، ولو قطع الحلق والمريء قبل الانتهاء إلى حركة المذبوح فجائز، و إلا فلا، ولو ابتدأ الذبح وابتدأ غيره إخراج الحشوة من الخاصرة حتى خرج قطع الحلق والمريء عن كونه مذففاً فهو ميتة، وكذلك كل جرح له أثر في التذفيف بل لا بد وأن يتيقن أن كل التذفيف حصل بالذبح حتى لو كان للجرح الآخر مدخل في التذفيف فهو ميتة، وأما القطع فقد احترزنا به عن اختطاف رأس العصفور ببندقة مثلا فإن ذلك محرم لأنه قطع في معنى الخنق، وأما الآلة فالعظم تحت نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن الذبح بالسن والظفر وقال: «إنها  من مدى الحبشة»  فيحرم الذبح بكل عظم منفصلا ً كان أو متصلاُ حتى لو جرح الصيد بنصل من عظم فهو ( ) حرام، فإن قيل: لو شككنا في انتهاء الحيوان إلى حركة المذبوح قبل قطع تمام الحلق فهل يحل قلنا: يجب الإسراع في قطع الحلق حتى لا يقع هذا الشك، نعم لو انهدم سقف على حيوان فوجدناه وفيه حركة، أو أخرجناه من براثن سبع لا يصاد به وذبحناه وشككنا أن الباقي حركة المذبوح  أو حياة مستقرة فالذي نقله المزني وصار إليه جمهور الأصحاب أنه إن تحرك بعد قطع الحلقوم والمريء حل، وإن خمد عصبه  فهو دلالة موته قبله","part":1,"page":10},{"id":2324,"text":"قال صاحب التقريب: بالحركة  لا يبين أنه لم يكن إلى حركة المذبوحين، إذ الشاة بعد قطع الحلقوم والمريء قد تنزع حشوته ويتحرك بعدها  وإن كان ذلك مذففاً فيعد تذفف، ولا تعويل أيضاً على إنهار الدم، فإن البهيمة بعد انتهائها إلى حركة المذبوح يدفق  الدم منها بقطع المذبح، فالوجه أن يقال: إن غلب على الظن بعلامات لا تدخل تحت الوصف من قبيل قرائن الأحوال حكمنا بها في الحل والحرمة، وإن اعتدل الظن من كل جانب والتحريم أولى والحركة التي ذكرناها للأصحاب  أيضا من العلامات، ولكن ليس علمنا (بها)  نحتاج  إلى ضم علامة أخرى إليه \rأما السنن فيستحب تحديد الشفرة، والتحامل عليها بالقوة، وأن يستقبل  بالذبيح نحو القبلة ، ويتوجه الذابح أيضاً، ويسمي الله تعالى فإن صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا كراهية إذا أراد بالصلاة ذكراً، فأما  إيقاع الذبح باسم محمد  صلى الله عليه وسلم فلا يجوز، فلو قال باسم [الله]  ومحمدٍ رسول الله لم يجز، بل لو قال باسم الله ومحمدٌ رسول الله (بالرفع)  جاز ، ويستحب أن يذبح البعير في اللبة ويقطع من الحلقوم والمريء أيضاً، فلو ذبح البعير حل ولكنه يكره فإن الأمر يعسر عليه لطول العنق وقد أمرنا بالإحسان  وذكر الفوراني في كيفية التوجيه  إلى القبلة ليكون وجههما  نحو القبلة ، وقال أبو حنيفة : ترك التسمية عامداً يحرم الذبيحة، وناسياً لا يحرم  وقال أبو ثور : لا يحل تركه ناسياً وعامداً، وقال مكحول : الصيد لا يحرم بتركه ، ويحرم بتركها الذبيحة","part":1,"page":11},{"id":2325,"text":"أما ما يختص بالضحية فيستحب أن يقول عند التضحية: اللهم منك وإليك فتقبل مني والنية لا بد منها إن لم تكن الشاة معينة للضحية ولكنه يضحي بها بذبحها فلينو عند الذبح التضحية  وإن كانت معينة من قبل الضحية فالمذهب أنه لا تشترط النية بل كفى قوله  قبل ذلك: جعلت هذه الشاة ضحية وبه تتعين، ويكون كقوله اعتقت هذا العبد وقيل: لا بد من النية إما عند الذبح، أو ما قبله  كما في أداء الزكاة فإن قيل: وبما ذا تتعين قلنا: لذلك صور، الصريح أن يقول ابتداءً جعلت هذه ضحية تعينت الضحية  بحيث لا يمكن أن يفك عنها كالمرهون مثلاُ الثانية: إذا قال  عليّ أن أضحي بشاة وجعلت هذه الشاة عن نذري وعينتها له ففي التعيين وجهان ، وكذا لو قال  عليّ أن أعتق عبداً ثم قال اعتقت  هذا العبد لنذري فيه وجهان أحدهما : التعيين كما لو عين ابتداءً والثاني: لا، لأن الوجوب تعلق به مثلاً فلا يتحول  إلى العين  إلا بالأداء ككل دين مستحق في الذمة الثالثة: وهو  بين المرتبتين السابقتين أن يقول لله عليّ أن أضحي بهذه الشاة فقد جمع بين الإلزام والتعيين فيه  وجهان مرتبان على الثانية، وأولى بأن يتعين ، وكذلك الخلاف في نظيره من العتق، والعتق بالتعيين أولى من الشاة، لأن للعبد حقاً في العتق مطلوباً ولو قال: لله عليّ أن أتصدق بهذه الدراهم ففي تعيينها خلاف مرتب على الشاة، وأولى بألا تتعين  إذ قد يقبل تعيين الشاة بجنسها وصورتها بخلاف الدراهم، ولا خلاف أنه  لو كان عليه دراهم من نذر مطلق فقال عينت هذه الدراهم لنذري لغى تعيينه ، وفيه احتمال لأنها قبلت التعيين على حال","part":1,"page":12},{"id":2326,"text":"ولو قال لله عليّ أن أتصدق بهذه الدراهم على هذا الشخص لم يبعد أن يكون هذا كما لو قال لله عليّ أن أعتق هذا العبد، ولو قال في الدراهم جعلت هذه الدراهم صدقة فوجهان، ووجه الفرق بينه وبين نظيره  من الضحية بيّن ( ) فإن قيل: وهل يتعين الوقت فيما التزمه قلنا: إن قال جعلت هذه الأضحية اختص بيوم النحر وأيام التشريق، ولو قال لله عليّ أن أضحي بشاة ففي التأقيت وجهان أحدهما: لا، كدماء الجبرانات في المناسك، ووجه المشابهة الوقوع في الذمة والثاني : يتأقت لأن الضحية مؤقتة، وقد وصف الملتزم بالضحية، فإن قلنا لا تتأقت، فلو قال: جعلت هذه الشاة عن جهة نذري وقلنا تتعين ففي التأقيت بهذا التعيين وجهان أحدهما: تتأقت كما لو عين أولاً والثاني : لا، لأن الملتزم في الذمة غير مؤقت، وهذا تعبير لذلك اللازم  هذا تمام القول في أركان الذبح والتضحية\rالقسم الثاني  من الكتاب في أحكام الضحايا: والنظر في أحكام:\rالأول: التلف، إذا قال: جعلت هذه الشاة ضحية فماتت قبل التضحية فلا ضمان ، وقد تعلق بعينها وفات، وإن أتلفها أجنبي فعليه قيمته يشتري بها ضحية إن وجد، وإن نقص فليس عليه إلا القيمة، وسنذكر ما يفعل بهذه القيمة فإن أتلفها صاحبها فعليه القيمة فيشتري بقيمتها  أضحية فإن لم تزد ولم تنقص فهو المراد، وإن نقص فهل يجب عليه التكميل وجهان","part":1,"page":13},{"id":2327,"text":"أحدهما: لا، كالأجنبي والثاني : يجب، لأنه ملتزم ضحية فعليه الوفاء فليؤد ما يوجد منه ضحية مجزية إذ الشقص ليس مجزياً في الأصل وإن زادت القيمة فيشتري  ضحية كريمة، وإن فضل عن الكريمة فوجهان أحدهما : يشتري شقصاً من ضحية، ويحتمل ذلك للضرورة والثاني: أنه يصرف مصرف الضحايا حتى لو أراد أن يتخذ منه خاتماً يقتنيه ولا ينفقه فله ذلك، فأما ابتياع بعض الضحية فلا يحتمل، وهذا يقرب من الخلاف في أن الساعي لو ترك الأغبط عند ازدحام الحقاق وبنات اللبون وقلنا يأخذ قدر النقصان أنه يأخذ الدراهم أم يشتري بها شقصاً، والشقص ههنا أولى إذ لا تدخل الدراهم  في الضحايا، وللدراهم في (جبرانات)  الزكاة مدخل، وحيث قصرت  القيمة والمتلف أجنبي، أو المتلف صاحبه وقلنا لا يلزمه التكميل فالنظر فيه كالنظر في القدر الفاضل هذا  في الهلاك بغرق وخنق  فلو ذبح الأجنبي الضحية في وقته، فإن قلنا لا تشترط النية في الذبيحة المعينة فقد وقعت موقعها ، وإن قلنا لا بد من النية فقد فقدت  في حقه القربة","part":1,"page":14},{"id":2328,"text":"التفريع: إن قلنا تقع الموقع والأجنبي لم يفرق اللحم فهل عليه أرش نقصان الذبح فقولان أحدهما : يلزمه لاعتدائه والثاني: [لا] ، لأنه وقع مستحقاً، وتأدّت به القربة وإن قلنا لا تقع ضحية ففي اللحم وجهان أحدهما : أنه يعود ملكاً إلى صاحبه ، وتنفك الضحية فقد فاتت القربة، وعلى الذابح أرش نقصان الذبح، [والثاني: أنه يجب تفريق اللحم وعليه نقصان الذبح]  فإن قال المالك فوت علي الضحية لم ينظر إليه فإن الأجنبي غير ملتزم الضحية  وحكمها، فيتمحض في حقه حكم الغرامات، ولأنها ليست ضحية في حقه كما تقدم وأما إذا قلنا تقع الموقع فلو تولى الأجنبي تفريق اللحم لم يقع الموقع، لأن التعيين  إلى المضحي في الأصل واللحم محرم على آخذه ويكون لتفريق  اللحم مفوتاً للحم فيغرم لا محالة وقال  الأصحاب: ههنا يغرم قيمة اللحم، وأرش الذبح إنما  يحط أرش الذبح عنه إذا لم يفوت تأدي  الحق، وفي طرد القولين احتمال أيضاً، لأنه فرق لحم ضحية وقع ذبحها عن جهة القربة، ثم إذا أوجبنا أرش الذبح وقيمة اللحم فيه قولان أحدهما : نغرمه الشاة حية فإنه  بالذبح والتفريق فوتها فصار كما إذا أهلكها والثاني: أنّا  نغرمه ما نقص بالذبح ثم قيمة اللحم فإنهما فعلان مختلفان يتعلق بكل  واحد منهما غرمه، والمسألة محتملة وذكر صاحب التقريب هذين القولين في الضحايا، ويجب طرده في ملك الغير إذا ذبحه الإنسان ثم أهلك لحمه هذا كله إذا قال جعلت الشاة ضحية، فلو قال عينت هذه الشاة لنذري الذي سبق وقيل  لا يتعين فهو لاغ، والشاة ملك، وإن قلنا يتعين فلو تلفت بآفة سماوية ففي براءة ذمة الناذر وجهان أحدهما : تبرأ، كالمعينة ابتداءً","part":1,"page":15},{"id":2329,"text":"والثاني: لا، لأنه تعلق بذمته وعليه التقصي وكان  يجب التقصي بهذه إن  أمكن لأنه عينها، وإن لم يمكن فلا بد من التضحية، وإن قلنا تبرأ الذمة فلو أتلف فالتفريع كما سبق في إتلاف المعينة ابتداءً، وإذا قال ابتداءً لله عليّ أن أضحي بهذه الشاة فبراءة الذمة بموتها أولى لا محالة، وقد سبق وجه الترتيب","part":1,"page":16},{"id":2330,"text":"الحكم الثاني: التعييب: وذلك يدور على الصور الثلاث، فإن  قال: جعلت الشاة ضحية فلو تعيبت فيكتفى بها، ولا ينفك الاستحقاق عنها، ولا يلزمه وراءها شيء، كما لو تلفت ، ولو نذر ثم عين الشاة لنذره ففي التعييب  وجهان كما في التلف، فإن قلنا: لا يلزمه بالتلف شيء فلا يلزمه بالتعييب شيء، وإن قلنا: يلزمه فههنا تلزمه شاة ضحية ، وهل ينفك الاستحقاق عن المعيبة فيه وجهان ، ولو قال لله عليّ أن أضحي بهذه الشاة فطرأ العيب والعمى فحكمه على هذه الصورة انحلت ، هذا إذا طرأ العيب قبل أسباب الذبح، فلو ألقيت الشاة للذبح فانكسر  رجلها ففي الإجزاء خلاف  كما قدمناه، قال الشيخ أبو محمد: التردد قبل قطع الحلقوم وحالة القطع لا يضر ما طرأ  قال القفال: ما يطرأ على الهدي المسوق  إلى الحرم قبل بلوغ الحرم يعتبر ، وما يطرأ بعد البلوغ لا يضر؛ لأن الهدي قد بلغ محله وهذا مما انفرد به القفال وخالفه الأصحاب، وكيف لا، ولو أراد ساكن الحرم هدياً فتكسر قبل الذبح ينبغي أن يُقطع بأنه لا يجزئ، فإن تأثير السوق من خارج الحرم قال الإمام: ما ذكره الأصحاب بعيد في صورة التطوع بالضحية فإنه قبل الذبح لو باعه صح، فالعيب في حالة يصح البيع فيه فينبغي أن يمنع قطعاً، وإنما ينقطع التردد فيما تعين للضحية ففي المعينة  قبل الذبح وأسبابه خلاف وإن قلنا يضر فينقدح تردد فيه إذا طرأ بعد أسباب الذبح هذا كله في العيب الطارئ","part":1,"page":17},{"id":2331,"text":"أما العيب المقارن المانع من الإجزاء نخرجه على الصور الثلاث، فإن قال جعلت هذه ضحية وهي معينة فلا يلزمه وراء هذه الشاة شيء، وظاهر كلام الأصحاب أن  يجب إجراؤها مجرى ما إذا قال لعبد معيب أنت حر عن كفارتي، لا يقع عن الكفارة، ويعتق العبد، فإن أشار إلى ظبية وقال جعلتها ضحية لغى  قوله قطعاً ، ولو أشار إلى حوار وفصيل فوجهان ، وكان السن (دائر)  بين الجنس والعيب ولبعض الأصحاب رمز إلى ذكر الخلاف في العيب  إلحاقاً له بالصغير، وهو متجه الصورة الثانية: إذا قال لله عليّ ضحية، ثم عين معيبة فلا تبرأ ذمته بالمعيبة قطعاً، وهل يلزمه أن يسلك بالمعيب مسلك الضحايا فيه وجهان  الصورة الثالثة: وهو أن يقول [لله]  عليّ أن أضحي بهذه المعيبة، مرددة  بين الصورتين السابقتين، ولا يخفى حكمها وههنا صورة رابعة: وهي أنه لو قال لله عليّ أن أضحي بعرجاء فهل يلزمه شيء فيه ثلاثة أوجه أحدها: يلزمه صحيحة والثاني: لا يلزمه شيء والثالث : يلزمه  ما التزم وهذا القائل  يُنزّل  لو عين ظبية لم يلزم فلو عين صغيراً فوجهان ، وجعل الالتزام المطلق كالتعيين المبتدأ\rالتفريع: إذا عين عن جهة النذر معيبة، وقلنا إنها تتعين لم تبرأ الذمة بها فلو زال العيب ففي حصول البراءة بها وجهان ، وظاهر كلام الأصحاب أنها لا تبرأ الذمة إذا تعيبت  حيث لم تكن مجزية، ولكن طرد الخلاف أولى، فإنّا في هذه الصورة ذكرنا خلافاً في العيب الطارئ أنه لا يمنع الاجزاء فلا بُعد في أن تعيد  السلامة الطارئة الإجزاء أيضاً","part":1,"page":18},{"id":2332,"text":"الحكم الثالث: في الضلال، وحكمه في الصور حكم التلف في إيجاب [البدل، ولكن يتجدد ههنا تفريع وهو العثور على الضال، وذلك لا]  يخلو إما أن يكون حيث لا نوجب البدل فضحى  به، فلو  كان حيث أوجبنا البدل نظر فإن كان قد ضحى بالبدل ففي انفكاك الأصل عن الاستحقاق قولان أحدهما : أنه ينفك، إذ لا وجه لتضعيف الإيجاب والثاني: أنه يُضحى به أيضاً لأنه كان أصلاً في الاستحقاق، وإن عثر عليه قبل التضحية بالبدل ولكن كان عين شاة البدل لما أوجبنا عليه فيذبح أي الشاتين فيه أربعة أوجه:\rأحدها : أنه يضحي بالأول، فإنه الأصل والثاني: أنه يضحي بالثاني ، لأن الحق قد تحول إليه، وانفك الأول والثالث: يضحي بهما لتعلق التعيين والرابع: أنه يضحي بواحد منهما والخيارة إليه ولا معدل عنهما\rفرع: لو عين عن نذره شاة فحكمنا بالتعيين فلو ذبح عن النذر شاة أخرى فهذا يُبنى على أن المعينة الأولى لو ماتت هل كان تبرأ الذمة وهو ضعيف، فقد تأكد التعيين فلا تنصرف المذبوحة إلى النذر إذ قطعنا أثر الحق عن الذمة وحصرناه في التعيين فصار كما لو قال جعلت هذه ضحية فلا تحتمل الإبدال، وإن قلنا لا تبرأ الذمة فقد بقيت متعلقة بالذمة ففي وقوعها عن النذر تردد، ووجه المنع التمكن من المعينة وإن قلنا تنصرف المذبوحة إلى النذر ففي انفكاك المعينة عن الاستحقاق الخلاف المشهور ولو عين عبداً للعتق عن جهة الكفارة، وقلنا يتعين فلا خلاف أنه لا تبرأ ذمته عن الكفارة بموته، ولو أعتق غيره عن الكفارة فالظاهر الإجزاء، والفرق أن الكفارة وجبت [قهراً بسببٍ]  سابق فلا نقدر على قطعها عن الذمة، والنذر وإن كان التزاماً فهو تبرع، والأمر في التعيين إلى اختياره فإن شاء عينه أولاً وإن شاء عينه آخراً ","part":1,"page":19},{"id":2333,"text":"الحكم الرابع: في الأكل من الضحية: أما المتطوع بها وهي المنويّة عند الذبح يحل الأكل منها قطعاً، قال تعالى: فكلوا منها وأطعموا   وقال عليه السلام: «أما إني نهيتكم عن لحوم الأضاحي للدافة  التي دفت إلى المدينة»  أراد طائفة أصابتهم إضاقة وفاقة فدخلوا المدينة، ثم قال: «ألا فكلوا وادخروا واتجروا»  أي اطلبوا الأجر، وهل يجوز له أكل الجميع أم يتصدق بشيء ما فوجهان أحدهما: أنه لا يلزمه التصدق؛ إذ لو امتنع أكل  الكل لامتنع أكل  البعض لأن  هذه سنة والإيجاب لا يليق بها، ولأن هذه ضيافة الله عباده الأغنياء والفقراء فاستوى فيه الملاك وغيرهم والثاني : أنه لا بد من التصدق بشيء لقوله : (وأطعموا)  وليكون متقرباً بشيء سوى محض الذبح فإنه يبعد أن يقصد مجرده فإن قلنا لا بد من التصدق فيكفيه كل ما ينطلق عليه الاسم ويتصدق به على مسكين واحد، ولا يجزيه صرفه إلى غيره ، وعلى الأقوال  كلها الإطعام [أولى]  من (الأكل) ، ولو تصدق بالكل فهو حسن  وأكل قدر قليل منه من شعار الصالحين، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأكل من كبد ضحيته ، وقال علي رضي الله عنه في خطبته بالبصرة: «أما إن أميركم رضي من دنياكم ألا يأكل اللحم في السنة إلا الفلذة من كبد أضحيته»  ثم في أصحابنا من قال إقامة  كمال الشعار يحصل بالتصدق بالنصف لقوله :  فكلوا منها وأطعموا   قسم قسمين، فإن زاد على النصف فزيادة أخرى، ومنهم من قال يكمل شعار القربة بالثلث لأنه قال: «كلوا وادخروا واتجروا»  فقسم ثلاثة أقسام، ثم حق التصدق يسقط بتمليك الفقير، ولا يسقط بالإطعام، هذا هو اللائق بمذهب الشافعي رحمه الله فإنه لم يكتف في الكفارات بالإطعام، وإن ورد لفظ الإطعام ههنا مقابلاً بالأكل وهو عن التمليك أبعد ، ولكن اللائق بالمذهب ما ذكرناه","part":1,"page":20},{"id":2334,"text":"ثم للفقير أن يملك من شاء بدليل ما روي أنه عليه السلام دخل على بريرة  فقدم إليه خبز قفار فقال: «ألم أر برمة  لحم  على النار» فقالوا يا رسول الله إنها صدقة على بريرة، فقال عليه السلام: «هي [عليها]  صدقة ولنا منها هدية» ، وأما ما يجوز للمضحي أكله فلا يجوز له إتلافه، فإن الضيافة مقصودة وله أن يطعم الأغنياء [ولا يجوز له أن يملّك الأغنياء]  ليتصرفوا فيها بالبيع فإن ذلك يناقض مقصود الضيافة فلتردد الضحية  بين الأكل والإطعام [والصدقة، والصدقة لا ترد، والضيف لا يهب ولا يتلف، ولكن يطعم ويطعم] \rفرع: لو أكل الكل على قولنا يمنع  ذلك ففي قدر ما يغرم وجهان أحدهما : أقل ما ينطلق عليه الاسم والثاني: يغرم لهم  النصف أو الثلث، وهذا  فاسد لا وجه [له]  فليكتفَ بقدر الواجب هذا كله في ( ) التطوع أما المنذورة ففيها وجهان أحدهما : أنه لا يجوز الأكل منها؛ لأنها ملتزمة في الذمة فأشبه دماء الجبرانات في المناسك، ولا يجوز الأكل منها وفاقاً والثاني: يجوز وهو الصحيح، لأن الضحية المشروعة يؤكل منها، والملتزم بالنذر ضحية ولا يُغير  الالتزام صفته  ولو قال جعلت هذه الشاة ضحية ففي جواز الأكل منها خلاف مرتب، وأولى بالمنع، والصحيح في الكل الجواز ؛ لأنه جعلها ضحية وهذا حكم الضحية فإن قيل: ماذا نصنع  بجلد الضحية قلنا: لا يجوز بيع شيء من أجزاء الضحية بحال، والجلد أيضاً لا يباع، ولكن يدبغ وينتفع به  في البيت، ولو أعطاه للقصاب أجرة لم يجز، فإنه  بيع، ولو تصدق بالجلد جاز ولكن على قولنا يجب التصدق [لا يكفيه التصدق]  بالجلد بل لابد من التصدق باللحم وهو حسن ذكره صاحب التقريب، وحكى صاحب التقريب قولاً بعيداً لم ير إلاّ له وهو أن جلد الضحية يجوز أن يباع، ويصرف ثمنه إلى الجهة التي يصرف لحم الضحية إليه وهو غريب لم ير لغيره ","part":1,"page":21},{"id":2335,"text":"الحكم الخامس: في ولد الضحية المعينة وهو ضحية لها حكم الأم فإن الملك كالزائل عنها إذا تعين فما تولد منه يكون بصفته، وهل يجوز أكل جميع الولد إذا منعنا أكل جميع الضحية فيه خلاف نقله صاحب التقريب، وهو  لطيف من حيث أنه جزء من الأم فيكفي لقضاء حق  التصدق بجزء من الأم، وليس الضحية كولدها ، والأظهر  جواز أكل جميعه لأنه جزء ليس بمعد للتضحية وهذا فيما عين باللفظ، فأما إذا اشترى بنية الضحية  فهو ملكه لا أثر للنية في زوال ملكه عنه، والولد المتولد عنه ملكه، ولكن مجرد النية هل يكفي لوقوعه أضحية  متطوعاً بها فيه وجهان  الظاهر أنه يكفي مجرد النية، ثم ذكروا عليه وجهين أحدهما : أنه لا بد من اللفظ بأن يقول جعلتها ضحية عند الذبح أو قبله والثاني: أنه يكفي اللفظ أو تقليد الضحية، والصحيح الاكتفاء بالنية وظاهر كلام العراقيين أن النية عند الشراء ليست كافية ، وهذا مشكل، فإنه إذا جاز تقديم النية على الذبح فلِمَ لا يجوز على الشراء! فعل سببه أن الشراء لا ينفك عن خيار المجلس فيكون نوى قبل حصول الملك  على قول، وقبل لزومه على الأقوال، ثم إذا قلنا تكفي فليكن مقروناً بالفراغ من القبول فما قبل ذلك سابق على الملك، وسببه فلا أثر لمثبته \rفرع: اشترى  شاة فقال جعلتها ضحية ثم وجد عيباً قديماً لم يجز له الرد، كما لو عثر على العيب بعد العتق، نعم نطالب بالأرش، قال العراقيون يصرف الأرش مصرف الضحايا كالذي يفضل من قيمة الضحية، وقياس المراوزة أنه يستبد به فهو ملكه ، لأن التعيين لم يصادف إلا المعيبة فما وراء ذلك لا يلزمه واختتام الكتاب بباب العقيقة","part":1,"page":22},{"id":2336,"text":"وهذا باب العقيقة: فهي سنة عندنا، وبدعة عند أبي حنيفة  وواجبة عند داود  قال الشافعي رحمه الله: أفرط فيها رجلان من قال إنها واجبة ومن قال إنها بدعة وحكم العقيقة حكم الضحية في الأكل والتصدق، والسلامة من العيوب، إلا أن العقيقة عبارة عن شاة تذبح من سابع ولادة المولود [لا]  تتأقت بيوم النحر، بل يدخل وقتها بالولادة كما يدخل وقت دماء الجبرانات بأسبابها، ثم لها حكم الضحايا وإن كان لا تختص بيوم النحر والتشريق، وفي الخبر: «يعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة»  وروي «في الغلام شاتان مكافئتان »  أي متساويتان، والشاة الواحدة كافية لحصول قربة العقيقة عن الغلام (والمستحب)  العدد، ثم يستحب أن يسمى المولود في السابع ويحلق شعره ويتصدق بزنة شعره ذهباً أو فضة، وقيل العقيقة اسم لعشر الصبي الذي حلق فسميت الشاة باسمه\rثم تختص العقيقة بأمر ورد  الأخبار  فيه وهو أن لا تكسر  عظام الشاة\r( ) بل تنضج صحيحاً، أو تفصّل  من المفاصل بحيث لا يكسر ، وكأنه تفاؤل بسلامة أعضاء المولود، وتفريق اللحم أولى من دعاء الناس إليه، ثم قال الصيدلاني: يجوز التصدق بالمرقة وما ذكره سديد إلا في القدر الذي يجب التصدق به إن رأينا ذلك فإنه ينبغي أن يجري في اللحم [النئ]  ويجري التمليك فيه ثم روى الشافعي  في آخر الكتاب حديث أم كرز وأنها قالت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله عن لحوم الأضاحي فسمعته يقول: «عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة لا يضرك ذكراناً كن أو إناثاً»  وسمعته يقول: «أقروا الطير على مكناتها  »  قيل أراد به النهي عن تنفير الصيد بياتاً في الليل، وقيل نهى عما كانت العرب تعتاد فإنها كانت عند ابتداء السفر تنفر الطير  عن وكرها  فإن طار يمنة مضى  وإن طار يسرة رجع  ثم قال الشافعي: كانت العرب تلطخ رأس الصبي بدم العقيقة وهو مكروه ، والله أعلم","part":1,"page":23},{"id":2337,"text":"كتاب الأطعمة\rوفيه بابان:\rالباب الأول: في حالة الاختيار، وكلما ينظر فيه من الحيوانات فهو معروض على الكتاب والسنة فإن لم يدل عليه بصريح ولا تنبيه فما تستطيبه [العرب]  فمباح، وما تستخبثه فمحرم، فإن لم يعرف ذلك فميل الشافعي رحمه الله إلى الإباحة تغليباً لهذه الجهة ، وميل أبي حنيفة رحمه الله إلى التحريم  أما الكتاب فقد اشتمل على آيتين أحدهما: قوله تعالى: قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً   وهذا خيل إلى مالك رحمه الله اتساعاً عظيماً من الإباحة، وظهر  للشافعي أن المراد به  الرد على المشركين في إحلالهم الدم، والخنزير، والموقوذة ، وما ذبح على أسماء الأصنام فقال: قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً   إلا ما حللتموه ، ويشهد لتلك  الآية الأخرى : يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات  ولا شك أن الحشرات والقاذورات ليست  من الطيبات فلا ينبغي أن يفهم من الآية الأولى تحليلها وأما السنة ففيها التصريح كنهيه عليه السلام عن  كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ، وفيه التنبيه بتحريم القتل، والأمر بالقتل، فما أمر بقتله كالفواسق الخمس  نبه على تحريم أكله إذ لو حل لكان يُقتنى ويُعلف ويسمّن لأجل الأكل ولا يقتل، وما نهى عن قتله كالخطاطيف  والصرد  والهدهد والنملة والنحلة إذ لو أُكل لكان ذبحها حلال لأجل  الأكل وما استطابته العرب فمستند تحكيمها قوله: أحلت لكم الطيبات  فلابد من الرجوع إلى الاستطابة وتحكيم الآحاد يثير اختلافاً واشتراط الكل يبعد عن الائتلاف، والعرب أمة عظيمة وطباعها متقاربة، والخطاب نزل فيهم، وليس من  تحكيمهم ما يضيق المطاعم فكانوا أولى بالمراجعة فيه هذا هو المستند والنظر في التفصيل يتعلق بالبهائم والطيور والحشرات والجمادات","part":1,"page":1},{"id":2338,"text":"أما البهائم فتنقسم إلى الأهلي والوحشي، ولا يحل من الأهلي إلا النعم والخيل، وقيل كانت لحوم الحمر الأهلية حلال ونسخ ، وقال أبو حنيفة : لحم الخيل مكروه أو محرم\rوأما الوحشي فيحرم منها كل ذي ناب من عادي  السباع كالأسد والفهد والنمر والذئب، وألحق الأئمة بها الدب والفيل ، لأنه ذو ناب يكاوح  به، والكلب منصوص عليه في الفواسق الخمس، والضبع والضب والثعلب  حلال عندنا لورود أحاديث  محللة فيها، وخالف أبو حنيفة  في جميعها، وأما الدلدل  كان الشيخ أبو محمد يقطع بتحريمه  ويعده من الخبائث، وليس له أصل  يرجع فيه على ثبت، واختلفوا في ثلاث حيوانات أحدها: ابن آوى ، قطع المراوزة بتحريمه ، وحكى العراقيون فيه خلافاً والثاني: ابن عرس ، وقد تردد العراقيون فيه، وأحله الأكثرون إلحاقاً له بالثعلب  الثالث: الهرة الوحشية وهي مترددة  بين  أنها جنس من الوحش أم هي أهلية  تواحشت وتوالدت  عند انجلاء أهل القرى في سِني القحط وقال  القفال: أرى  تحريمها ، وقال هي على ألوان مختلفة كالأهلية لا كالحمر الوحشية فإنها جنس واحد تفارق الأهلية في اختلاف الألوان","part":1,"page":2},{"id":2339,"text":"أما الطيور: فالمحرم منها كل ذي مخلب، وما نهي عن قتله، ويلتحق بذي المخلب البازي والشاهين والصقر والعقاب والنسر وجميع الجوارح والنعامة  ألحقها الأصحاب بالحدأة فهي ذات مخلب ضعيف حرية (أن)  تلحق بالحدأة! وأما الغربان فقد عدها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفواسق مع الحدأة فاتفقوا على تحريم الأبقع، والغراب الكبير الأسود فيه وجهان  فألحقها المراوزة بالأبقع، وتردد فيه العراقيون وأما غراب الزرع وفيه غبرة  ليست كثيرة، ومنها  المحمرة المناقير والأرجل، وقد رأيت في نسخة من  تصنيف الإمام أنها خارجة عن محل الخلاف، وفي نسخة أنها في محل الخلاف  وتردد فيه العراقيون والمراوزة، ولست أدري الخلل في أي نسخة، والمذهب نقل فلا بد من التوقف فيه فأما ما نهي عن قتله كالصرد والنملة والنحلة والخطاف فحرام، وورد النهي  عن الهدهد، ونص الشافعي  على أن المُحرِم يفديه بالجزاء، ولا يفدى عنه  إلا ما يحل ، فلأجله اختلف الأصحاب في تحليله وتردد الشيخ أبو محمد في اللقلق  وميله الأظهر إلى التحليل  كا لكراكي ، و [ما عدا]  ما ذكرناه من الحمامات والعصافير فمباح، ويلحق  بالحمام كل ذي طوق من الفواخت، والقماري، واليمام، وبالعصافير  الصعو ، والزرزور، وأنواع الحمام والعصافير كثير ، ويعرف ذلك بشكلها وإن اختلفت ألوانها، وطير الماء مباح  وأما الحشرات كلها حرام ما يدرج وما يطير، والمستثنى عندنا الضب أكله خالد  رضي الله عنه  على مائدة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وترددوا  في أم حبين ، وقد ورد في الآثار  أنها مفدية بحُلاّن ، وما يفدى يحل  الجنس قال الشيخ أبو محمد ما (أراه إلا ولد)  الضب","part":1,"page":3},{"id":2340,"text":"وأما السنور  والسنجاب وما في معناهما  ألحقهما الأصحاب بابن عرس، والميل الأظهر إلى إلحاقها بالثعلب، وذوات الأجنحة من الحشرات كالذباب محرمة، ولا يخفى تحليل الجراد، وفي الصراصر خلاف ، والأظهر إلحاقها بالخنافس، وقيل إنها كالجراد وهو موقف، والسلحفاة من المستخبثات، وفي القنفد تردد  أصله ما روي أن ابن عمر  رضي الله عنه أفتى بحله مستدلاً بقوله قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً  فقام شيخ من القوم  فقال أشهد [على أبي هريرة أنه قال سمعت]  رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنها من الخبائث) وقال ابن عمر: إن قال [ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم]  فهو كما قال ، وهو يتردد في قبول رواية ذلك الشيخ\rأما الحيوانات المائية فقد استقصينا الكلام فيها، وذكر الشافعي  رحمه الله من جملتها  لا يؤكل  من الخبائث الرخم، والبغاث واللحكا والعظا، والبغاث طائر أبيض أصغر من الحدأة ألحقناها بالحدأة واللحكا دويبة تغوص في الرمل مثل الأصبع والعظا مثل الوزغ ، فأما حيوانات الماء فقد ذكرناها من قبل\rفرع: الجلاّلة، وهي الحيوان المباح في جنسه وهي تتعاطى العذرة والنتن  والأشياء القذرة فهو حلال ما لم يظهر نتن  الرائحة في لحمها، وإن كان النتن في اللحم فهو حرام، وورد فيه آثار ، والتعويل على الرائحة التي تظهر عند الذبح، والزروع وإن أكثر الزبل فيها فلا تظهر رائحتها فلذلك تحل، وأما إذا تكلف بالعلف إزالة الرائحة حلت، ولو تكلف بالطبخ إزالته لم تحل، ويطهر جلدها بالدباغ ويطهر بالذكاة إن لم تبن رائحة في الجلد، وإن بان فلا بد من الدباغ، ولا يكفي التتريب والتشميس، وحكى الصيدلاني وجهاً من غير طريقة القفال أن الجلاّلة تكره ، وهو الذي قطع به العراقيون","part":1,"page":4},{"id":2341,"text":"أما الجمادات فكل نجس منها حرام وكل طاهر حلال إلا السم في حق من يتضرر به وكذلك المني والمخاط وكل طاهر مستقذر فهو حرام على المذهب، وقال أبو زيد : هذا المستقذر ليس بمحرم ، فأما ما ليس بنجس ولكن اكتسب بمجاورة نجس  ككسب الحجام فهو حلال ولو حرم ذلك امتنع  الناس من الحجامة، والكنس ومباشرة  القاذورات، وقد امتن الله على عباده بصرف بعض الدواعي إليها وقال: ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات  نعم فيه كراهة  والأولى أن لا يرغب الإنسان فيه مع تمكنه من غيره لما فيه من مخالفة المروءة، ويطرد ذلك في كل حركة دنيئة، وقد ورد فيها كراهية على الجملة مع أن أبا طيبة  قد  حجم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه أجره ، ولكن سأله رجل عن كسب الحجام فنهاه، فراجعه فقال: «أطعمه عبدك وأعلفه ناضحك»  فقال أحمد بن حنبل رحمه الله هو حرام  على الأحرار   بل تعلف الدواب ويطعم العبيد، وسأل عثمان رضي الله عنه ذا قرابة له عن  معاشه فذكر كسب حجام ، [وغلة حمام] ، فقال: إن كسبكم  هذا لوسخ  وعلى  الجملة كل هذا محمول على التنزيه لا على التحريم لما رويناه من بذل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأجرة واحتياج الخلق إليه، وقد ذكر الشافعي ههنا الانتفاع بالودك  النجس وبيعه، وبيع النجاسات والانتفاع بها، وقد ذكرناها في مواضعها فلا نعيده\rالباب الثاني: في حال الاضطرار: ونص الكتاب دال  على إباحة المحظور عند الضرورة، والنظر في حد الضرورة، وفي جنس المحظور الذي يستباح، وفي القدر المستباح","part":1,"page":5},{"id":2342,"text":"أما الضرورة فقد أطلق الأصحاب تفسيرها بخوف الموت بجنسه  لا بطوله حل له الأكل، وإن  خاف مرضاً يطول  ويعسر علاجه، و لا يخاف منه الموت ففيه قولان ، أطلقنا الخوف أردنا  به أن يغلب على ظنه الهلاك ولا يشترط اليقين كالمكره يأخذ بغلبة الظن وإلا فلا يعلم الهلاك، ثم لا يشترط أن ينتهي إلى حالة يشرف على الموت فإنه إذ ذاك لا يغنيه الأكل؛ بل يأكل إذا اشتدت به الضرورة، وعلى أنه لو (أخر)  لم ينفعه الأكل ونعني بالعلم الظن ثم إذا تحققنا  هذه الضرورة وجب الأكل، وإن أطلق لفظ الحل فهو المراد، واختار العراقيون هذا وذكروا وجهاً غريباً أنه يجوز له ترك الأكل مستسلماً للهلاك كما في المصول عليه؛ ووجهه على بعده إنّ درك حد الضرورة وخوف الهلاك مجتهد فيه وربما يباح التوقف إلى التعدي وإذا انتهى فلا ينفعه الأكل فيموت فينبغي أن لا يعز  كما أن المصول عليه لما عز  ضبطه  قدر حاجة الدفع إلا بالاجتهاد جاز له التوقف والاستسلام والصحيح ما ذكرناه، وقد قال عليه السلام: «كن عبدالله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل»  فهو السبب، وأما [الميتة فأمرها]  هين في مقابلة الروح","part":1,"page":6},{"id":2343,"text":"النظر الثاني: في جنس ما يستباح، وقد ذكرنا أن الميتة تستباح، وهو حيوان هلك لا بذبح شرعي، والجنين يوجد في بطن المذكاة (ليس ميتة)  ولكنه حلال عندنا خلافاً لأبي حنيفة ، والمعتمد الحديث  وكان الشيخ أبو محمد يعلل بأنه لو لم يحل به  لما حل ذبح الأم، كما لا يحل قتل الحامل  قصاصاً فألزم عليه رمكه في بطنها بغله فمنع وهو محتمل جداً، وميتة الآدمي تستباح وإن تعبدنا باحترامها ولكن احترام الحي أولى، وتناول جميع النجاسات جائز كالميتة، وقد استثني عنه الخمر، وقد قدمنا أن  الاستثناء في التداوي فأما إذا غص بلقمة جاز شرب الخمر لأن الخلاص متيقن وتسكين العطش متيقن فإذا أشرف على الهلاك حل له تسكين العطش، وقد غلط من قال إنها لا تسكن العطش فقد سمع من معاقري الخمر الاكتفاء بها عن الماء مدة، ولا يحل للمضطر في المخمصة أن يقتل معصوماُ من مسلم وذمي ومعاهد، وله أن يقتل من لا عصمة له كالحربي، وقد يلتحق بالمرتد والزاني المحصن، ومن تعين قتله حداً، ولكن كان  الأولى التفويض إلى الإمام، وهذا العذر لا يقاوم الضرورة فيحل القتل بالضرورة، ولو وجد حربية فالظاهر أنه يقتلها وإن كان يحرم قتلها دون الضرورة، ولا كفارة ولا ضمان فيها، ولا يقتل السيد عبده ولا الوالد ولده، وهل له أن يقطع فلقة من نفسه فيأكله نظر إن كان يتعرض بها لمثل هذا الخوف من الهلاك فلا وإن كان يتلاشى فيه الخوف فوجهان أحدهما: لا [يجوز]  كما لا يجوز قطعه من غيره والثاني : يجوز؛ لأن حرمة بعضه كحرمة كله، وصون الكل أولى من  صون البعض، فأما الغير ففي هذا المقصد بعيد ، وليس هو  معصوماً لأجله و لا خلاف في أنه ليس للإنسان ( ) أن يقطع فلقة من نفسه ويؤثر بها رفيقه","part":1,"page":7},{"id":2344,"text":"ومما يستباح بالضرورة مال الغير فله الأكل بشرط الضمان إن كان المالك غائباً، وإن كان حاضراً وكان  مضطراً فليس له أخذه وإن لم يكن مضطراً فعليه بذله فإن منعه فله دفعه وقتاله فإن أتى على روحه فهو مهدر  والمضطر [مضمون]  بالقصاص  عليه، وإن لم يدفعه ولم يبذله فهل عليه استدامة الاستباحة فيه وجهان أحدهما: [لا]  إذ لا أثر لدفعه وسخطه  والثاني : يحرم دون إذنه وإنما الهجوم بدل عن الإذن كمن وجد جنس حقه من  مال من عليه الدين فليس له الأخذ قبل المطالبة، وإن طالب ودفع فله الأخذ، ولو قال المالك أبيع منك فعليه الشراء إن كان بثمن  المثل، وإن غالاه فله الأخذ دون البيع إذ لو فتح هذا الباب لباع ما يساوي درهما بألف، فلو أنه اشترى بالثمن الغالي نظر فإن كان  يتمكن من تسليمه قهراً فالثمن لازم وهو مختار، وإن عجز  عنه فهل نجعله مكرهاً  حتى نبطل البيع فيه وجهان  كما في المصادر إذا باع ماله (ولم)  يملك غيره، ولو أوجر  المالك المضطر  من غير تمليك فهل يستحق القيمة فعلى وجهين أحدهما: لا؛ لأنه واجب عليه، ولم يوجد من المضطر طلب فلا نشغل به ذمته والثاني : يلتزمه ، لأنه خلصه عن الهلاك فيستحق القيمة كالعافي عن القصاص، ولأن في هذا رغبة في [نقيضه تنفير]  عن تسليم المال ثَمَّ","part":1,"page":8},{"id":2345,"text":"النظر الثالث: في القدر المستباح : وقد نقل الأصحاب ثلاثة أقوال مرسلة أحدها: أنه يقتصر على سد الرمق فإنه قدر الضرورة وهو أن ينتهي إلى حالة لو كان عليها في الابتداء لم يأكل والثاني: أنه يشبع ليستقل ويقوى على المشي والخلاص والثالث: أنه إن كان بعيداً عن العمران فيشبع  ليستقل بالمشي إلى العمران، وإن كان في بلد فيقتصر والذي قطع به المحققون وذكره الإمام أن المسألة على اختلاف أحوال لا على اختلاف أقوال إذ لا يتمارى في أن المباح ما به الخلاف لا مزيد فليفهم ما منه الخلاص وهو الموت المعلوم، أو المضمون، أو المخوف، ولا خفاء بالاحتراز عن المعلوم والمظنون وإنما النظر في المخوف فإن الظن يترجح بعلامات يختص بدركها ذوو البصائر، وعوام الخلق لا يتورطون في الخطر بجهلهم  فينوى  الأمر على اعتقادهم، فإذا غلب على ظنهم حل لهم، وإن اعتدل ظنهم ولم يترجح جانب فالخوف حاصل، وقد قال الأصحاب يتناول عند الخوف فيجب القطع بجواز الأكل عند ذلك إذ لو أخذناه إلى أن يظن أو يعلم فربما يهلك لاسيما الرجل الجاهل بتلك  الظنون والعلامات، فإذا ارتفع هذا الخوف في الدوام فلا، وينبغي  أن يكون في تحريم الزيادة خلاف، ولكن ذلك يختلف بالصور، فلو كان في مهمهٍ  [وعلم]  أو ظن أنه لو اقتصر على سد الرمق ما يقدر على [المشي]  وبقي كذلك حتى يستوعب الميتة ويهلك جوعاً فيجب القطع بأنه يأكل ما يستقل به على النهوض، ويتزود أيضاً إذا علم حاجته إليه، وليس في هذا فرق بين الدوام والابتداء؛ بل لا يعقل الفرق بحال","part":1,"page":9},{"id":2346,"text":"هذا إذا كانت الميتة قدراً يعلم أنه لو اقتصر على سد الرمق مراراً يقله ويقويه على المشي إلى القرار  وهو ينتظر فيما بين التعليل  وصول (فإنه)  ذو تعب فيه  في محل التردد فيجوز أن يقال يقتصر على سد الرمق بأكل قدر الاستقلال في آخر مدة  عند حصول التأثير، ويحتمل أن يقال يأكل ما يقله وينهض إلى جهة الخلاص، والأصحاب وجدوا نصوصاً متفرقة بناءً على أحوال مختلفة فحكوا الأحوال ، ثم اختلفوا في أكل  طعام الغير منهم من قال الاقتصار على سد الرمق فيه أولى، لأن حق الآدمي مبناه على الشح، وقيل عكسه، لأنه في ذاته مباح وحق المالك محصور  بالقيمة والميتة في ذاتها نجس، والصحيح التحريم  على ما سبق","part":1,"page":10},{"id":2347,"text":"فرع: إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير فقد اجتمع حق الله وحق الآدمي ففيه ثلاثة أوجه ، وليخير في الثالث بينهما لتقابل الجانبين، وهذا القائل يجري الخلاف في قدر المأكول كالخلاف في الميتة من غير ترتيب، وقد نبهنا على اختلاف في الترتيب والمحرم إن وجد صيداً وميتة فإن قلنا ذبيحة المحرم ميتة فيجب عليه الاقتصار على الميتة ، وإن قلنا ذبيحته حلال فهو كطعام  الغير مع الميتة، وفيه نظر فإن فيها التردد في مقابلة  حق الآدمي مع حق الله، وههنا الحق لله  في الجانبين، والسبب أن ذبح ( ) الصيد وإبطال حياته  محظور، ولكن لحمه لا يحرم لعينه، والميتة تحرم لعينها فتقابلا، وعلى هذا لو كان عنده لحم صيد قتله لضرورة وميتة فينبغي أن نقطع بتقديم لحم الصيد إذ ليس يحذر تفويت حياة  في الحال، ولو وجد [المحرم]  طعاماً وصيداً وقلنا لا يصير [الصيد]  ميتة فقد اجتمع حق الله وحق الآدمي، وإن قلنا يصير ميتة فقد اجتمع في الصيد كونه حراماً لذاته، وتفويت الحياة فيُخرّج على الخلاف أيضاً فمن يقدم حق الآدمي لاجتماع الجهات ، فلو وجد ميتة وطعام الغير وصيداً وهو محرم فيجتمع ههنا أوجه تزيد على الأوجه الثلاث منشأ الزيادة تخصيص التحريم في بعض الأوجه بالبعض، وتعميمه في بعضها بالكل، ولا يخفى وجه التحريم  والله أعلم","part":1,"page":11},{"id":2348,"text":"كتاب السبق والرمي\rوفيه بابان:\rالباب الأول: في السبق، وأصل الباب ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل» فدل الحديث على أن السبق في هذه الأشياء [سبب] لاستحقاق السبق، وهو بفتح الباء المال المخرج في المسابقة، وبالسكون مصدر سبقَ وهو كالقبْض والقَبَض وأبو حنيفة خالف في هذا الاستحقاق فلم يصحح هذا العقد، وهو هجوم على أحاديث صريحة، وقيل إنه حكم بصحتها وجوازها [ولزومها]، وهذا قول للشافعي فليس بعيداً عن الأخبار ومقصود الكتاب تحويه فصول:","part":1,"page":1},{"id":2349,"text":"الفصل الأول: فيما يجوز عقد المسابقة عليه والأصل ما ورد النص فيه، والظن الظاهر أن المراد بالخف الإبل، وبالحافر الخيل، والنصل  السهم على الخصوص، وليس الحكم  قاصراً عليه لأن المعنى معقول وهو أن هذه الأسباب  عدة القتال والحاجة ماسة إلى تعلمها، وفي المسابقة حث عليها ولا غنى في القسي والسهام إذا لم يسبقه التعلم بكيفية  الرمي، ولا في الإجراء  بين الجياد إذا لم يركبها ممارس حاذق وقد قال تعالى: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل»  قيل القوة هو الرمي من  الآية، ومعنى الإعداد تقديم التعلم فإن قيل: فإن كانت الإبل من عدة القتال فلم لا يستحق السهم به قلنا: هو عدة، ولكن لا تنتهي إلى رتبة الفرس في الكر والفر في انعطافات الجري، وقد ناط الشرع السهم بالرتبة العالية واكتفى في السبق بما هو [عدة]  على الجملة فلا بُعد فيه فإن قيل: فمتى  وضح التعليل فألحقوا بالإبل الفيل وبالفرس الحمر والبغال وبالنصل المزراق   والزانات   قلنا: أما الفيل  فإلحاقه واقع في الرتبة العليا من حيث أن غناها  في المال  يزيد على الإبل، واسم الخف أيضاً يشمله، ولكن يغلب على الظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما أراده ولا خطر بباله لندوره فالمذهب إلحاقها بالإبل ، وفيه وجه  بعيد لندوره أما إلحاق الحمر والبغال في الرتبة الأخيرة فإنه لا غناء لهما  في القتال والكر فالظاهر أنه لا يلحق، وفيه خلاف من حيث أن ركوبها مقدمة لركوب  الفرس ففي الهجوم على ركوب الخيل قبل المرون على البغال والحمر خطر","part":1,"page":2},{"id":2350,"text":"أما الزانات والمزاريق فهو على رتبة من  الفيلة والحمر وإلحاقها أولى من الحمر لغنائها الظاهر ، وإلحاق الفيلة أولى منها لأن غناء الفيل يزيد على غناء الإبل وغناء الزانات لا يزيد على غناء السهام ففيه خلاف والظاهر الإلحاق ويتأيد بشمول اسم النصل ، والخلاف جار في المقاليع   والأحجار لظهور  غنائها في القتال [ولكن هي دون الزانات فإن اسم النصل لا يتناولها]  وأما أنواع القسي فلا خلاف في إلحاقها بالسهام الناوك ، [والهدارج] ، والمسلات  والإبر فهي في معناها اسماً ومعناً، فأما التردد بالسيف قال الشيخ أبو محمد: يلتحق برتبة الزانات وتكلف  إدراجها تحت اسم النصل فهو من حيث الاسم بعيد عنه، ولكن من حيث المعنى قريب فهو الأصل في القتال والسكين يقارب منه وهو يعارض السكين يعار منها، والذي يقارب الرمح وأما المسابقة على العدو بالأقدام والزواريق في الماء فالظاهر المنع، ومنهم من ألحق ذلك بالخف والحافر، وإلحاقها أولى من إلحاق الحمر والبغال والمسابقة بالطيور والحمامات ( ) وفائدتها رمي الأخبار للاستنفار فهو في درجة دون الحمر والبغال وهو بعيد  لخروجه عن الاسم وقلة عنائها وندور الحاجة إليها، فالمذهب منعها، وفيه وجه آخر وينحل من هذه المراتب أن الندرات تفريق على الاسم وتفريق على المعنى القريب  المنصوص وتفريق على أصل المعنى وإن ضعف، وهذا القائل وإن اتسع مذهبه لحمل تخصيص الشارع  بالأشياء الستة  بالطلب  تنبيها على ما عداها فإن قيل: ذكرتم في الفرس خلافاً في استحقاق السهم به وهو الذي لا يحصل به إلا الحضور والإرعاب فما قولكم في المسابقة عليه قلنا: الظاهر الجواز نظراً إلى الجنس ويحتمل طرد ذلك الخلاف أيضاً\rالفصل الثاني: في شرائط عقد المسابقة، وله شرائط:","part":1,"page":3},{"id":2351,"text":"أحدها: الإعلام، ولا بد من إعلام السبق وهو المال وإعلام الموقف [والغاية، أما الموقف]  فليُعين حيث شاء، وليشترط التساوي، فلو شرط تقدم  أحدهما مسافة  وتحدى الآخر وزعم أنه يلحقه لم يجز ذلك، اتفق الأصحاب عليه ، لأن اختلاف الأفراس في الفراهة لا تنضبط مقاديرها فليضبط بأصل السبق، فإن علم  من أحدهما قطعاً بظهور التفاوت لم يصح العقد  في مثل هذا الفرس  كما سنذكره، وضبط مقدار التفاوت غير ممكن، وأما الغاية فلا بد من إعلامها فلو شرطا أن يتساوقا إلى حيث يسبق أحدهما فيستحق لم يجز هذا وقد يتمادى ذلك فرسخاً وزيادة  فإنه اقتحام جهالة إلى غير منتهى من غير حاجة تليق بالمعاملة، نعم لو عيّنا الغاية ولكن شرطا استحقاق السبق لمن سبق في وسط الميدان ففيه وجهان أحدهما: الجواز لحصول الغرض مع [الضبط]  المقصود  للسبق\r\rوالثاني : المنع لأن البرذون  الرديء  قد ينشط ابتداءً فيتقدم، والجواد  قبله  في آخر الميدان فيتقدم، والاعتماد على الأخير  ولذلك اختلفوا في ما لو شرطا السبق لمن يسبق  عند الغاية، ولكن ضربوا غاية أخرى يمتدون إليها إن لم يسبق في الغاية الأولى وكانت الغاية الأولى وسط الميدان والصحيح ههنا أولى إذ الميدان الأول ممتحن السبق (ويتبين)  فيه (الحذق)   والجواد فلا يظهر فيه [منع في هذه] ","part":1,"page":4},{"id":2352,"text":"الشرط الثاني: إن شرط السبق للسابق فلو شرط للمصلي  وهو الذي بين السابق والفسكل  ففيه ثلاثة أوجه أحدها : أنه لا يصح إن شرط له شيء وأنه شرط يخلف في الاستحقاق، والمقصود الحاجة للسبق والثاني: يجوز فإن ضبط الفرس بعد احتداده في الميدان من الحذاقة والثالث: أنه إن شرط له الكل أو الأكثر مثل ما يشرط في السابق لا يجوز، وإن شرط له شيء ما وشرط للسابق زيادة عليه فيجوز وفي ذلك على الجملة حث على المسابقة، وإن شرط لكل واحد شيئاً ورتب  التفاضل على حسب السبق فالصحيح أنه لا يجوز أن يشترط له الكل والزيادة وفي القدر القليل ينقدح الخلاف، والظاهر الجواز لمصلحة المفاضلة، وأما الفسكل فهو الأخير فلا يجوز أن يخصص بكل السبق ولا بما يفضل به من سبقه ولا بمثله قطعاً، وهل يجوز أن يشترط له شيء وإن قل هو دون الكل حتى لا ينفك عن المساهمة في الاستحقاق على قدر جهده فيه وجهان أحدهما: المنع فالمتخلف  لا جهد فيه ولا تعب ولا يعجز عنه أحد والثاني : يجوز لأنه من المجتهدين أيضاً فله حصة على قدر جهده وكل من بين الفسكل والسابق من الثالث التي تسمى التالي، والرابع الذي يسمى المرتاح حكمه حكم المصلي","part":1,"page":5},{"id":2353,"text":"الشرط الثالث: أن يكون في الداخلين في العقد محلل وهو الذي يستحق إن سبق ولا يغرم إن تخلف حتى لا يكون العقد على صورة القمار في ركوب خطر الغرم والغنم لكل واحد وله صور أحدها: أن يشرط الإمام من مال المصالح، أو آحاد الناس من خاصته مالاً لمن يسبق من الراكبين والمخرج ليس مسابقاً فهذا صحيح قطعاً  ومن سبق استحق السبق وكلهم على صورة المحللين إذ لهم رجاء الغنم وليس لهم خطر الغرم وهذا معنى المحلل الصورة الثانية: أن يخرج واحد من المسابقين مالاً وشرط أن يمسكه ويحرزه  إن سبق، وإن سُبق سلمه إلى من سبقه فهو أيضاً جائز فليس لمن ( ) عداه خطر الغرم، وليس له رجاء الغنم فقد مال عن صورة القمار وأما القمار المحض أن يخرج كل واحد من المتسابقين مالاً على شرط أن من سبق أحرز ما أخرجه وأمسكه وغنم  ما أخرجه صاحبه وهو حرام قطعاً، ولا بد إذا أخرج كل واحد منهما مالاً من توسط محلل الصورة الثالثة: إن شرط المال للمحلل إن سبق ولو سبق كل واحد فلا يستفيد بسبقه إلا إحراز ما أخرجه فهو جائز قطعاً وهو [في]  معنى الصور، فإنه لم يجمع خطر الغنم والغرم في حق واحد وإن شرطا أن يستحق المحلل إن سبق كلا المالين، وإن سبق أحد  المستبقين أحرز ما أخرجه  صاحبه ففي صحة هذه المعاملة قولان أحدهما: أنه لا يحل لاجتماع خطر الغنم والغرم في [حق]  كل واحد من المستبقين وذلك يخاف  في الإبطال وله صورة [القمار]  وخروج المحلل عن صورة المقامرين لا يكفي","part":1,"page":6},{"id":2354,"text":"والثاني: أنه لا يصح لأنه غالب في عقد المسابقة  إذ الغالب أن الواحد لا ينفرد بإخراج المال ولا يسمح به إذا كان فرس صاحبه قريباً من فرسه والسابق من الفارسين هو الغالب ودخول المحلل أمال العقد عن صورة القمار ولا مدخل لمحلل في عقد قمار  وهو كاف، وإلا فالعقد على كل حال ليس ينفك عن خطر وغرم لأنه على القولين فإن  المحلل يحلل لنفسه أم لنفسه وللمستبقين ّ! ثم هذه الصورة لو أخرجا ماليهما  وقالا لا سبق إلا لمحلل إذا سبق، فسبق  أحد المستبقين وجاء المحلل مصلياً والمستبق الثاني فسكلاً أما السبق السابق يحرز ما أخرجه بسبقه  ولا يستحق شيئاً إذا لم يشترط إلا للمحلل، والمحلل هل يستحق سبق الفسكل فعلى وجهين أحدهما : أنه يستحق لأنه سابق بالإضافة والثاني: أنه لا يستحق لأنه  مسبوق بالأول فعلى هذا [الوجه]  أحرز  السابق سبقه بسبقه، والفسكل أحرز لأن المحلل مسبوق بالأول فلا استحقاق لأحد، وهذا منشأه مطلق اللفظ، والقولان السابقان منشأهما الفقه ويبتنى على الأصلين صور السبق في هذه الصورة وهي ثمانية صور: الأولى: أن يتساوق المحلل والمستبقان من غير تقدم وتأخر فلا استحقاق لأحد الثانية: أن يسبق المحلل وجاء المستبقان  متساويين أخذ المحلل السبقين  جميعاً الثالثة: أن يتقدم المتسابقان متساويين ثم أتى المحلل فلا استحقاق أصلاً لأحد الرابعة: أن يسبق  أحد المستبقين وتلاه الثاني وجاء المحلل فسكلاً فيخيب المحلل ويحرز الأول ما أخرجه، وهل يستحق سبق صاحبه فعلى قولين  ذكرناهما من الأصل الأول، في أنه هل يجوز أن يشترط المخرج إذا سبق شيئاً الخامسة: إذا سبق المحلل وتلاه المستبقان متلاحقين ففي المسألة ثلاثة أوجه أحدها : أن المحلل يستحق السبقين لأنه سبقهما جميعاً فلا نظر إلى تلاحقهما في حقه، وهو الأظهر والثاني: أن المحلل يستحق سبق المصلي، والمصلي يستحق سبق الفسكل، وهذا ضعيف لا أصل له","part":1,"page":7},{"id":2355,"text":"والوجه الثالث: إن سبق الفسكل بين المصلي والمحلل لأنهما سبقاه وهذا أيضاً فاسد لأنه تسوية بين السابق والمصلي ولو صرح به لكان باطلاً لما ذكرناه على الرأي الأظهر فيكف يُؤخذ من إطلاقه! السادسة: جاء المحلل مع أحدهما متساويين والآخر فسكل فإن قلنا المحلل محلل لنفسه فسبق  الفسكل له، وإن قلنا محلل لنفسه ولغيره فسبق الفسكل بينهما  السابعة: سبق أحدهما ثم جاء المحلل مع الآخر معاً فلا شيء للمحلل، وهل  يستحق السابق سبق صاحبه قولان   الثامنة: إذا سبق أحدهما والمحلل مصلي والآخر فسكل ففي سبق الفسكل أربعة أوجه أحدها: أنه للسابق ، وهو على قولنا أنه منفرد بالسبق فإن السبق محل للمستبق والثاني: أنه لا استحقاق لأحد، وهو على قولنا لا سبق إلا للمحلل والمسبوق ليس بسابق والمحلل مسبق والثالث: أنه بين المحلل والسابق وهو على قولنا يستحق المستبق  المال ولكنه غير مخصوص بالسبق والرابع : إنّ سَبْقه للمحلل، وهو على قولنا لا شيء للمسبق فلا أثر أيضاً لسبقه في إبطال سبق المحلل","part":1,"page":8},{"id":2356,"text":"الشرط الرابع ( ): أن يكون الفرس بحيث يمكن التسوية، فلو كان السبق ممتنعاً إما لرداءته أو لفرط فراهة الآخر فالعقد عليه باطل، لأن من يعلم بحذقه  ليس مسابقاً ولكنه راكض مع نفسه، وقد نص الرسول صلى الله عليه وسلم على  المحلل وقال: «من أدخل فرساً بين فرسين لا يؤمن أن يسبق فهو حلال»  والسبق إذا كان بعيداً نادراً فهو كما إذا كان ممتنعاً  وفيه وجه آخر أنه إذا كان ممكناً ولو على بعد كفى ذلك، وسنعود إلى هذا في المناضلة وقد اتفق الأصحاب على جواز المسابقة على فرسين مختلفي النوع أحدهما من البراذين والآخر من العتاق العربية مهما كان السبق ممكناً غير بعيد وأما المسابقة على البغال والحمر مع الخيل ففيه خلاف منهم من منع  لاختلاف الجنس والتفاوت العظيم، ومنهم من جوز ذلك كاختلاف النوع، والإبل مع الفرس  أيضاً فيه خلاف فهو أولى بالجواز من البغال والحمر مع الأفراس، وفي البغال مع الحمر أيضاً تردد ، وليس يبعد  إلحاقها  لاختلاف النوع","part":1,"page":9},{"id":2357,"text":"الشرط الخامس: تعيين الفرس  فإن الاعتماد على الفرس وبعد التعيين لا يجوز الإبدال بلا خلاف، ولو أطلقا عقد المسابقة على فرسين من غير تعيين قال الشيخ أبو محمد: لا يجوز ذلك، وقال العراقيون هو جائز اعتماداً على الوصف ، ثم لا بد من إحضار فرسين من نوع واحد إن أطلقوا إما برذونتين أو عربيتين، ولو شرطا التسابق على برذون وعربي من غير إحضار  [في]  الحال جاز كما سنذكره في القسي المختلفة، وما ذكره الشيخ أبو محمد محتمل والأوجه ما ذكره العراقيون فإن قيل: إذا كان السبَق يستحق بالسبْق فالسبْق يحصل بتقدم الرأس والعنق أو بتقدم موضع  السنابك والأقدام، قلنا فيه نصوص مضطربة وحاصلها أن الفرسين إن تفاوتا في مد العنق فرب فرس يمد عنقه في العدو – وهو محمود – ورب فرس يرفع رأسه وهو مذموم في العدو، ومحمود في السير إذ قد يمنع في العدو من استعمال السلاح وقد يصدم وجه الراكب فإذا تفاوتا في مد العنق فسبْق أحدهما بمد العنق وفي ذلك تردد للأصحاب ، منهم من نظر إلى العنق، ومنهم من نظر إلى القدم، ولا نظر إلى قدر الأعناق من  الطول في هذه الصورة والأقيس اعتبار القدم إذ له السبق ولأجله قطعوا بأنه في ابتداء الوقف يعتبر  التساوي في الأقدام إذ لو تفاوت لجر ذلك تفاوتاً بيناً في السبْق، وإن كانا يمدان الأعناق جميعاً فههنا ينشأ التفاوت من طول الأعناق وقصرها وقد ظهر فيه الخلاف، ونص الشافعي  يشير إلى اعتبار الهادي  والعنق فإن أصحاب السابق قد يمدون خيطاً في الغاية يخرمه الفرس برأسه فيسمى  سبقه بالهادي التفريع: إن قلنا الاعتبار بالقدم فلا كلام، وإن قلنا إنه بالهادي فيتجه اعتبار التساوي في العنقين حتى إذا كان سبق أحدهما بالقدر الذي له من زيادة الطول لم يكن سابقاً، ونقل العراقيون عن نص الشافعي أن الاعتبار في الإبل باللبة  والخف وفي الخيل العنق، لأن الإبل تمد أعناقها إذا عدت، والخيل ترفع رؤوسها","part":1,"page":10},{"id":2358,"text":"الفصل الثالث: في حكم هذه المعاملة في الجواز والفساد\rأما جوازها ففيه قولان أحدهما : أنها لازمة كالإجارة والثاني: أنها جائزة كالجعالة ثم اختلفوا في محل القولين فقطع معظم الأئمة بالجواز في حق من يستحق لو سبق ولا يستحق عليه شيئاً بحال كما يكون العقد جائزاً في حق المرتهن، والمكاتب فإنه مغبوط بكل حال، وقالوا القولان في من يستحق عليه، ومنهم من طرد على الإطلاق، ووجه أن من شرط له السبق يطلب أن يتعلم منه الفروسية ويستفاد من علمه فكأنه أجير والآخر مستأجر، وعلى هذا أيضاً يلزم في حق المحلل الذي لا يستحق عليه شيء، وتشبيه هذا بالجعالة مع أن المقصود غيب وهو مجهول لاسيما في المناضلة ظاهر، ومن يلحقه بالإجارة يستشهد بالمساقاة فإنها لزمت وإن كان القدر اللازم مجهولاً، ولكن احتمل ما يليق بالمعاملة، وقد شرط في المسابقة إعلام المبتدأ والغاية كما سبق بحكم لزومه، ويتفرع على القولين وجوب تسليم السبق وضمانه ( ) وألزم به  وصول  العقد وتأخير العاقد الركض ، أما التسليم فقد قطع القفال على القولين بأنه لا يجب تسليم السبق بل قبل تحقيق العمل وإنما يعني اللزوم منع الفسخ  ولزوم التسليم إذا وفَّى وليس هي كأجرة الإجارة تعجل بمجرد العقد، وهذا يقربه من الجعالة ويبين أن سبب استحقاقه الشرط الذي علق به، ولكن يتجه على قول اللزوم أن يقال عند السبق نتبين الاستحقاق بأصل العقد، ولكن لا يليق بالعقد التسليم (مع)  الخطر أما الضمان  فإن قلنا العقد جائز فهو كضمان جُعل الجعالة وفيه وجهان، وفي الرهن وجهان مرتبان على الضمان وأولى بالمنع ولذلك  جاز ضمان العهدة، ولم يجز الرهن بها، وكذا الترتيب في السبق، والوجه التسوية ههنا بين الرهن والضمان إذ سبب الفرق في ضمان العقد أن الضامن لا يتضرر بطول المدة في ضمانه ويتضرر  بحجر الرهن وليس لبيان العهدة آخر ، وأما عقد السبق فينكشف خطره على قرب، وإن فرعنا على","part":1,"page":11},{"id":2359,"text":"اللزوم  قطع الأصحاب بجواز الرهن والضمان وقال القفال: يبتنى على أن ما جرى سبب وجوبه  ولم يجب هل يضمن لأنّا بينّا أن التسليم في  الحال غير واجب فيضاهي ضمان نفقة العبد في النكاح، وهذا أولى بالمنع لأن الأصل في النكاح الاستمرار وليس الأصل حصول سبب الاستحقاق ههنا، وما ذكره حسن، ومن قطع بالصحة فوجهه الوقف والحكم باستناد الاستحقاق إلى أصل العقد عند ظهور السبق فيقرب ذلك من ضمان العهدة من وجه فإن قيل إذا لم يُستَحق تسليم السبق في الحال فينبغي أن لا يستحق بالعمل  أيضاً، ويرجع ذلك إلى الجواز، قلنا: لا بل هو لازم والبداية بجانب العمل، ومعنى لزوم السبق وجوب الوفاء به عند الشرط والمنع من فسخ العقد في الحال استبداداً، وأما الإبطاء في العمل فيبتنى على [القولين] ، وسيأتي في باب المناضلة، فأما القبول فلا بد منه على قول اللزوم، وإن [قلنا]  بالجواز فالمذهب أنه لا حاجة إلى قبول الغير، وفيه وجه ضعيف أنه لا بد من القبول وهذا الخلاف جار في الجعالة المعلقة بمعنى، فأما إذا قال من رد عبدي فله كذا فلا يتصور القبول، فأما السبق فلابد من إعلام قدره على القولين جميعاً كالجعل والأجرة، هذا حكم الجواز\rأما الفساد في هذه المعاملة إذا حصل  بكون المال غصباً، أو خمراً، أو خنزيراً، فإذا أتى بما هو سبب الاستحقاق ففيه وجهان أحدهما : أنه يستحق أجر المثل كما يستحق العامل في القراض عند فساد العمل والثاني: لا يستحق، لأن هذا تعليق، وما علق الاستحقاق منه لم يمكن استحقاقه وفات، وليس كعمل القراض فإنه حصل للمقارض  على التجرد فههنا فائدة العمل معظمه ويرجع إلى العامل فإنه يرتاض، ويتمرن  به فما يحصل له شيء يبعد تعريته  عن غرض ","part":1,"page":12},{"id":2360,"text":"التفريع: إن أثبتنا له شيئاً فإن لم يمكن تقويم المعين بالرجوع إلى أجرة مثله وهو عمله في جميع الركض لا في قدر السبق، وإن أمكن الرجوع إلى قيمته فطريقان منهم من قطع بالرجوع إلى أجرة المثل كالإجارة، والقراض، ومنهم من قال قولان كما في بدل الخلع والنكاح، لأن هذا ليس عوضاً محققاً فحصر النظر في المتعين ما أمكن أولى، وأليق، والتفصيل الذي ذكرناه جارٍ في الفساد بسبب جهالة المبدأ ، والغاية، وليس ذلك كالصداق إذا فسد بما يرجع إلى العقد فإنّا قد نقطع بالرجوع إلى مهر المثل، فإن الذي يحملنا  ههنا على التحريم على البدل المعين  استحالة الرجوع إلى عمل ليس بمقصود، وذلك لا يختلف باختلاف الصور\rالباب الثاني: في الرمي، وفيه أسامي لا بد من معرفتها كالرشق والهدف والقرعة والخاسق والخازق [والخارق]  والمارق والقريب والمحاطّة والمبادرة أما الرشق: فهو نوبة من الرمي تجري من  الراميين كعشرة عشرة  أو خمس خمس  وهو على ما يتشارطان والهدف: معروف وهو ببلاد  العرب مثل ترس ينصب ويعلق في وسطه شيء صغير، والتراب للعجم كالهدف للعرب ( ) والقرطاس للعجم كالشن للعرب والقرَعة: هي الإصابة والخاسق والخازق معناها متساوية قريبة، والزاهق  هو الذي يعلو الهدف، ويمر وراءه والمارق هو الذي ينفذ في الهدف والقريب ما يقع قريباً من الهدف والمحاطّة والمبادرة طريقان في النضال، والمبادرة أن يعلق القدر  بسيق عشر من خمسين مثلاً، فلو أصاب أحدهما عشراً والآخر تسعاً فالقامر  المبادر إلى العشر، والمحاطّة أن يحط إصابة أحدهما من الآخر حتى ينصل  الآخر من حملة الأرشاق العشر مثلاً بعد حط قرعات صاحبه ويتهذب الباب برسم فصول:","part":1,"page":13},{"id":2361,"text":"الفصل الأول: في شرائط العقد: الشرط الأول: المحلل، وصورته ما سبق في السبق إذ المال قد يخرجه الإمام أو أجنبي من آحاد الناس أو أحد المتناضلين، أو كل واحد منهما، فإن أخرجه كل واحد منهما فلا بد من محلل كما سبق الشرط الثاني: اتحاد الجنس فلو شرط على السهام، والمزارق، وطلب المناضلة ففيه وجهان  كما في  مسابقة الخيل والبغال، وهذا أولى بالجواز لأن التعويل الأكثر في النضال على الرامي لا على الآلة، والتعويل في السبق على المركوب لأن الفروسية بما يتعلق بالرياضة، وذلك معرفة  كيفية الركضة، والهيئة، وضبط العنان في الجنب، والهرولة، وإدارة الفرس على الحلقة المسماة باورد، والغرض  الأظهر من المسابقة تمرين الدابة على الركض لا التعلم، والرامي لا يبغي تمرين القوس وإنما يبغي تمرين يده على الرمي، وهذا لأن الفرس  يعدو باختياره وأثر الفارس في تزجيته ضعيف بالإضافة إلى اختياره، والعمل كله في الرمي للرامي، هذا في اختلاف الجنس، أما اختلاف النوع فغير مانع قطعاً كالقسي العربية مع العجمية، وكذلك اختلاف نوع السهام مع اتحاد القوس كالناوك وهو نبال الحسبان وهو نوع آخر، وقوس الجرخ نوع آخر يخالف الحسبان، ثم إذا جرى العقد على أنواع مختلفة مع التعيين فلا سبيل لأحد إلى إبدال الأردأ بالأجود كإبدال العربية بالفارسية، فإن الرمي بالفارسية أيسر وأسد ، ولو أبدل الفارسية بالعربية ففيه وجهان أحدهما : الجواز، لأنه يجوز إبداله بقوس آخر فارسي فإن  القوس لا يتعين بخلاف الفرس فإنه يتعين، فإذا أبدل بالأردأ فقد أضر بنفسه لا بغيره","part":1,"page":14},{"id":2362,"text":"والثاني: المنع، لأنه إذا اختلف النوع ظهر التفاوت، وقد يكون أعرف بذلك النوع وأمهر فيه فحسم الباب أقرب إلى [الإنصاف] ، فأما إذا أطلق العقد ولم يتعرض للنوع نزل على ما تغلب العادة  [بالرمي عليه كما ينزل مطلق اسم الدراهم على النقد الغالب] ، وإن كانت العادة مختلفة ففيه وجهان أحدهما: فساد المعاملة لاختلاف المقاصد ومنشأ الخصومة عند ثوران الفساد، وإليه ميل صاحب التقريب والثاني : وإليه ذهب الأكثرون إلى جوازه، فعلى هذا لا بد وأن يجري التراضي  على نوع واحد إما من العربية أو العجمية مثلاً، والخيرة إليهما إن تطابقا فإن أراد كل واحد نوعاً آخر أفضى إلى تعذر إفضاء العقد فالوجه أن يقال: إن حكمنا بجواز المعاملة فقد صحت، فإذا لم يتوافقا كان ذلك إعراضاً عن العقد وفسخاً، وإن حكمنا بلزومه فهذه خصومة لا فصل لها، والوجه القطع بفساد العقد لأنه يفضي إلى مثل هذه الخصومة، والأصحاب أطلقوا ذكر الوجهين وهذا التفصيل يتعين\rفرع: إذا جرت المعاقدة على قوس فلا يتعين بل يجوز إبداله بمثله بخلاف الفرس لأن الاعتماد في السبق على الفرس كما سبق، فلو شرط أن لا تبدل القوس فالأصح أن هذا الشرط فاسد فإنه تضييق من غير فائدة، وهو قريب من تعيين المكيال في السلم ومنهم من صحح الشرط فقد يكون في التعيين غرض، فإن إبدال  القوس اللينة بالشديدة يتفاوت تفاوتاً عظيماُ","part":1,"page":15},{"id":2363,"text":"التفريع: إن حكمنا بفساد الشرط ففي فساد العقد وجهان ، وهما جاريان في كل شرط ولو فرض تركه لا يستقل ( ) العقد دونه، بخلاف ما إذا أبهم  غاية المسابقة فإن ذلك يفسد العقد لا محالة، وإن قلنا الشرط صحيح فيجب الوفاء به ما لم ينكسر، فإن تكسر  جاز الإبدال، فإن صرح بالمنع من الإبدال عند الكسر هل تنقطع المعاملة عند التكسر  فهذه مبالغة في التعيين لا تحتمل فيفسد العقد الشرط الثالث: أن تكون الإصابة المعقود عليها في حد الامكان غير مستحيل بالعادة، ولا  كائن لا محالة، أما المستحيل فاشتراط مائة رشق على التوالي، وإصابة  حلقة صغيرة من القرطاس من بعد المسافة، أو تجرد بعد المسافة على وجه تمتنع الإصابة والوصول، فأما إذا كانت الإصابة بعيدة ولكنها ممكنة على ندور ففي صحة المعاملة وجهان ينظر في أحدهما إلى الإمكان وظهور الخطر والثاني  إلى  البعد على العادة  [غالباً] ، وقد قال الشافعي  رحمه الله: ولو تناضلوا على المائتين جاز، قال العراقيون يجوز على مائتين وخمسين ولا يجوز فوق ثلاثمائة وخمسين، وفيما بينهما وجهان ، وهذا الحكم على العرف فالشرع  من غير توقيف بل  الاعتبار الإمكان والبعد والاستحالة كما سبق، ولا ضبط، أما إذا كانت الإصابة واجبة لا محالة كما لو شرط على حاذق إصابة واحد من مائة، أو مع قرب المسافة ففي صحة إخراج السبق وعقد المعاملة وجهان أحدهما: المنع، لانفكاكه عن الخطر","part":1,"page":16},{"id":2364,"text":"والثاني: الجواز، وهو الأصح  كما إذا لم يجر ذلك بين المتناضلين بل قال مختاراً لرام إرم فإن أصبت كذا من كذا فلك كذا، والقائل الأول يشترط المخاطرة عند المسابقة بالرمي ولا يشترط من  الصورة التي ذكرناها، فعلى هذا القول لو كان بين المستبقين محلل وعرف قطعاً أنه لا يصلح بلا محلل ووجوده كعدمه، ولو شرط مستبقان المال للمحلل، وكان المحلل يفوز  لا محالة فهو على صورة محلل فيخرّج على الخلاف إذ تسميته ما أخرجته مع العلم بأنه يفوز لاغية ولو أخرج المال وبينهما محلل، والمحلل يدنو من أحد المستبقين، والمستبق الآخر يخيب لا محالة، ولا يفوز بالسبق السابق، والمحلل في حقه محللان، [والخلاف]  جار فيه والقول الوجيز أن المحلل إن علم تخلفه فلا معنى لوجوده والمعاملة باطلة، وإن علم إصابته فالأصح  الصحة","part":1,"page":17},{"id":2365,"text":"فرع: لو تناضلا على أنه رمى  كل واحد منهما  واحداً فقط، والسبق لمن اختص بالإصابة فالأصح الصحة وفيه وجه أنه لا يصح لأن الأخرق يصيب من المرة الواحدة والحاذق يخطئ فرب رمية من غير رام فلا اعتماد على المرة الواحدة الشرط الرابع: يجب إعلام كل ما يختلف الغرض به والنظر في عدد القرعات وأنها محاطّة   أو مسابقة، والأرشاق، وقدر طول المسافة وعرض الهدف وارتفاعه من الأرض ومزيّة  البداية، والرمي ، والمقطوع  به هذه الجملة عدد القرعات فيذكرون أنها عشرة مثلاً خالصة بطريق المحاطّة ، أو سابقة بطريق المبادرة ، أما طول المسافة بين الموقف والهدف فقولان ، وفي عرض الهدف قولان مرتبان، وفي قدر ارتفاعه من الأرض قولان مرتبان، والصورة الأخيرة أولى بأن لا يشترط الإعلام فيها، وميل الشيخ أبي محمد إلى شرط الإعلام في طول المسافة لأنه أصل عظيم يظهر اختلاف الغرض به، والتحكم بتقديره محال وقد يفرض فيه النزاع واختلاف الأغراض، ومنهم من قال: لا يشترط تعريفه، بل [ينزل]  الكل على العادة، وللرماة في قطر عادات فيه مطّردة، وهذا قريب من التردد في أن قدر المعاليق في استئجار الدابة هل يجب تعريفه أم يُكتفى فيه بالعادة ويحتمل ما يتطرق إليه من تفاوت يسير، وإنما الغموض في مسألتين أحدهما: أعداد الأرشاق [والأخرى فيمن به البداية وفي وجوب بيان أعداد الأرشاق]  فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه (يجب) ، لأنها كالغاية [للمعاملة]  فكان كغاية الميدان في المسابقة والثاني : أنه لا يشترط  بل يكفي ذكر ( ) عدد القرعات لأن الرمي لا يجري على سنن  واحد فقد تتوالى القرعات، وقد تندر، ولا يختلف السبق في الخيل اختلاف الرمي والثالث: أنه يشترط بيانه في المحاطّة، فإن توقع الحق لا منتهى له فلا بد من مردّ","part":1,"page":18},{"id":2366,"text":"أما المبادرة فيهون على الرماة المسابقة بها وذلك يظهر على قرب فتنقطع المعاملة ويحصل الاستحقاق، أما ذكر من به البداية في الرمي وقد يجري فيه مضايقة إذ يكون السابق على جمام قوته وهو يصادف الهدف خالياً وإصابته  أغلب ففي وجوب التعريف ثلاثة أقوال:\rأحدها : أنه يجب التعريف، ولو أطلق لفسد العقد فإن له غرضاً  يختلف والثاني: أنه يصح إطلاقه، وينزل على عادة الرماة في تحكيمهم من أخرج السبق وهذا عادتهم والثالث: أنه يصح ويقرع بينهم ولا تحكم وعبر الأصحاب عن هذا بأن المتبع في النضال العادة أو القياس، وقد أيد الشافعي  هذا التردد بهذه العبارة صريحاً، وتقدير عادة على خلاف قياس الشرع بعيد إذ قياس الشرع في المعاملات إتباع العادات فإن خالفه عادة قياس الشرع فينبغي اتباع القياس، وهذه عادة  الرماة لا يشهد لها قياس ولكن الأمر فيه قريب، والغرض فيه خفي فتردد قول الشافعي لذلك  في أن الرجوع إلى العادة لرعاية مصلحة النضال في التحريض بالتفويض  لا إخراج المال بل  يجوز مع أن أثر البداية حتى فلو فرضت  مثل هذه العادة فيما يتبين فيه غرض ظاهر فينبغي أن يقطع بتقديم فيما بين العقود على العادة فإذاً  إن قلنا إن النظر إلى العادة فيصح، ويرجع في البعض  إلى السبق، وإن قلنا لا نغلب العادة فقولان أحدهما : الفساد، والآخر: تحكم  القرعة","part":1,"page":19},{"id":2367,"text":"التفريع: إن قلنا القرعة تحكم فلو  أخرجت على واحد وصرحوا بأن من خرجت القرعة له كان هو المبتدئ في كل رشق ونوبة فقد نفذ هذا الحكم، وإن لم يصرحوا بهذا وتعين له البداية في الرشق الأول ففيها خلاف فمنهم من طرد في الكل، ومنهم من أوجب إعادة القرعة ، وكذلك لو عينوا في العقد من به البداية في كل رشق فذلك، وإن اقتصروا على الإطلاق ففي عمومه خلاف، وإن حكمنا عادتهم فهم يحكمون مخرج المال في كل نوبة فيرجع إليه، وذلك يستقيم إذا كان المخرج للمال واحداً، فإن تعددوا  فلا سبيل إلا القرعة أو الإفساد رجوعاً إلى قياس الشرع هذا حكم الإعلام فيما فيه عادة مطردة على وفق القياس، وهو مستغن عن بيانه، وما تعلق به غرض ولا عادة فيه فلا بد من بيانه، وما فيه عادة ولكن يتطرق إليه غرض ولا يبعد طلب يعترضه بالمسافة  وعرض الهدف فعلى خلاف","part":1,"page":20},{"id":2368,"text":"فرع: في صحة العقد على الرايات والمطلوب الإبعاد دون الإصابة وجهان الأظهر: الجواز  لأن إبعاد  السهم إلى الكفار وإيقاعه في القلاع مقصود والثاني: أنه يمتنع؛ فإن الإصابة إذا لم تتصل به فلا أرب فيه ثم إذا صححنا فذلك يختلف اختلافاً عظيماً بخفة السهم ورزانته  وشدة القوس ولينه فلا بد من مراعاة المساواة فيه حتى إن الرماة قد يضايقون فيه إلى حد يناضلون على قوس واحد وسهم واحد ولأجل هذا الغموض وما يتطرق إليه من الجهالة يمنعه من يمنعه الشرط الخامس: أن يرد العقد على رماة معينين ويظهر ذلك في التحزب ومن عادة الرماة أن يتحزبوا حزبين وينزلون ما يصدر من الجميع كما يصدر من رامي واحد، ويعدلون عدد الأرشاق والإصابات [لأن عدد الأشخاص يعسر] ، فقد يرامي ثلاثة أربعة، وواحد اثنين، ولكن يرمي الواحد اثنتين وكل واحد من صاحبه واحداًً فالاستواء في عدد الرماة غير مشروط، وإذا عرفت هذه الصورة فينبغي أن ينشأ العقد بعد التحزب وتعيين كل فريق، فلو عقد العقد أولاً ثم انتقدوا  لم يجز، ولم يتصور إيراد العقد على الذمة في تعيين الرماة هذا  يبطل قول العراقيين إن تعيين الفرس  لا يشترط، وكذلك لو تعاقدا  على أن يحكموا القرعة على  التعيين وتمييز الأحداث  لم يجز لأن القرعة تعدل وتجور  فقد تجمع الحذاق في جانب ( ) والخرق  في جانب، فإن عدلوا بالقرعة أولاً فليتثبتوا إرضاء بما اقتضاه القرعة [نتأمل]  فإن أنشئوا عقداً على ما ميزه [القرعة]  فهو عين الرضى بموجب تعيين القرعة فيصح ذلك، فإن قيل السبق كيف يقسّم قلنا: يقسّم على الحزب الفائز على أعداد الرؤوس هذا مقطوع به عند الإطلاق، فلوا شرطوا القسمة على أعداد الإصابات ونسبتها  فهذا فيه احتمال من حيث لو كان ذلك لنزل  المطلق عليه، ولكن ليس يبعد جواز ذلك على خطر العقد","part":1,"page":21},{"id":2369,"text":"فإن قيل: وكيف يتصور المحلل بين الحزبين قلنا: إن فرض حزب محلل بين الحزبين المستبقين، أو شخص واحد [بينهما]  يناضلهم أو لا يناضلهم فقد تصور المحلل، وإن أخرج السبق أحد الحزبين دون الثاني فهو جائز، وإن أخرج كل فريق السبق وشرطه [للحزب الآخر عند الفوز ولكن شرط أحد الحزبين لواحد من أصحابه]  أن يساهم في الغنم ولا يساهم في الغرم فهذا  الواحد على صورة المحلل، وفي الاكتفاء به وجهان أحدهما: أن ذلك كافٍ، إذ مال العقد عن صورة القمار بهذا الشرط  والثاني : أنه لا يكفي ، لأن حق المحلل [أن]  يستحق جميع سهم المغلوبين، وهذا لو شرطه الجميع فلا وجه له أيضاً فإنه يكون يستحق به من غيره وهو بعيد غير محتمل قطعاً، ولو وجد هذا الشرط في كلا الحزبين لواحد أعني أن يساهم في الغنم لا  في الغرم فوجهان مرتبان ، وأولى بالجواز","part":1,"page":22},{"id":2370,"text":"فرعان: أحدهما: لو اجتاز رجلان بالحزبين فاختار  كل واحد من الحزبين واحداً قبل العقد ثم عقد فخرج أحدهما حاذقاً والآخر أخرق فلا خيار في رد الأخرق، والمقصود من اختياره دون البحث، ولو بان أن أحدهما ليس برام أصلاً فقد قال الأصحاب هو ساقط وإذا سقط سقط مقابله، وهذا ينقدح إذا لم يتمكن  من نزع قوس واحد، فإن تمكن ولكنه ما كان يعلم قط فهذا فيه احتمال وينقدح تردد  في مناضلة مثله هل تصح أصلاً فيحتمل أن يقال: لا، لأنه خطر لا فائدة له فيه ويحتمل أن يجوز لتصور الإصابة والرمي منه على الجملة الثاني: لو ترامى رجلان وهما لا يدريان أنهما متقاربان في الحذق أو متباعدان فلو قلنا لو علم أن أحدهما يصيب لا محالة ويغلب بحذقه فالعقد صحيح، صح ههنا مع الجهل وهو الأصح، وإن قلنا لا يصح فمعرفته غير مشروط في صحة العقد ابتداءً بل يجوز أن يتعاقد غريبان لا  تعارف بينهما، ولو بان تباعد ثم يقع به الخطر فإذ ذاك يحكم ببطلان العقد الشرط السادس: تعيين الموقف مع التساوي، ولو شرط بعضهم  التقدم فهو باطل كما ذكرناه في المسابقة، فإن قيل إذا أطلقوا  على خط مستقيم كان المتوسط أقرب إلى الهدف قلنا: هذا القدر محتمل بالاتفاق لحاجة الجلوس فإن الوارد نعني على نقطة المحاذاة  قياماً وقعوداً متسق  بيّن، فإن قيل: لو تنافسوا في الجلوس في  الوسط هو كالتنافس في البداية بالرمي ، والغرض في هذا أظهر، وقد ذكرنا حكم البداية","part":1,"page":23},{"id":2371,"text":"فإن قيل فلو عينوا  موقفاً واحداً، ولكن تقدم واحد برضى الباقيين أو تأخر، قلنا: أما التقدم فممنوع، ومعنى الرضى به أن يثبت له الاستحقاق دون رمي محسوب، وهو كما لو شرط على كل واحد عشرة فرجعوا بالتسعة لواحد لم يجز، نعم لو تطابقوا على رد عدد الفريقين إلى التسعة فهو خارج على تغيير  العقد بنقصان أو زيادة، وسنذكره ووزانه أن يتطابقوا بأجمعهم على التقدم [أو]  التأخر ففيه وجهان أحدهما: الجواز، لأنه مضر بنفسه، وملتزم زيادةٍ والثاني : المنع، لأنه قرب، فربما مرق السهم فوق [الهدف] ، وكذلك الفرس إذا بعد فربما يزيد احتفازاً بطول الميدان فالوجه الحسم فإن قيل: وما وجه الصحة والمتأخر قد قدّم  صاحبه بالرضى وقطعتم بأن التقديم بالرضى باطل قلنا: المتقدم في هذه الصورة ملازم للموقف المشروط والمتأخر زاد على الموقف المشروط فقطع المسافة المشروطة وزيادة، وهذا وإن [كان]  للخيل فالتسوية بين المسألتين أظهر\rالفصل الثاني: فيما يستحق السبق به وفيه مسائل :","part":1,"page":24},{"id":2372,"text":"أحدها: إذا كانت الإصابة مشروطة، فأصاب الهدف بعض  السهم أو بفوقه  لم تحسب ، ولو أصاب الغرض وارتد احتسب ، ولم يشترط الثبوت، والخزق والمروق في مطلق الإصابة، ولو كان مائلاً عن سنن الغرض فانصدم بجدار أو شجر وأصاب الغرض ففيه تردد، والأصح  أنه لا يحسب، ولو انصدم بالأرض واحتك به وارتفع إلى صوب الغرض وأصاب فتردد مرتب، وأولى بأن يحسب  لأن حفظ السهم من الحِدّة  وهي أول الرمي وآخره، وعادة الرماة متفقة على أن المائل بصدمه أرض أو شجر لا يحسب، وإنما التردد للفقهاء، ويمكن  تقريبه من أن المتبع العادة أو القياس وقياس الشرع إضافة ذلك إلى غيره ، وكذلك نوجب القصاص في مثل هذه الصورة، ولو خزق السهم طرف الغرض نظر فإن حصل تمام جرمه في جرم الغرض فهو إصابة، وإن حصل بعض جرمه فيه وبعضه خارج  ففيه خلاف والأولى الاحتساب  الثانية: إذا شرط الخواسق، وهي الخوارق ولا تكفي الإصابة ما لم يخزق الهدف، فإن خزق طرف الهدف كما ذكرناه فحكمه ما سبق في شرط الإصابة، ولو خزق الهدف ومرق ذكر صاحب التقريب قولين أحدهما : وهو المقطوع به أنه يحتسب إذ خزق وزاد بقوته والثاني: أنه يشترط الثبوت حتى يحسب في الخواسق، وهذا لا وجه له، ولو صادف السهم ثقبة خرقها سهم آخر فثبت فيها ففيه وجهان أحدهما: أنه لا يحسب السهم لأنه لم يخزق بل صادف هواءً فارغاً ولم يؤثر في الهدف والثاني : وهو الصحيح أنه يحسب إذا كان قوة السهم بحيث لو صادف لخرق فإن الغرض أن لا ينبو السهم ولولاه لعرض الثقب عن حد الغرض ويعود الغرض إلى قليل إذا كبرت الثقب الثالثة: إذا أصاب الخشبة التي ينصب الغرض عليها وهو عمادها والشرط إصابة السن الذي على وسط الهدف فلا يحسب، وإن شرط إصابة الهدف وهو الفرش  الذي الشن في وسطه  فإصابة الخشبة [محسوبة]  فإنها متصلة بالغرض اتصال ثبات، هذا ما ذكره العراقيون","part":1,"page":25},{"id":2373,"text":"وذكر الشيخ أبو محمد قولين  أحدهما: إنه يحسب كما ذكره العراقيون والثاني: لا، لأنه يسمى قائمة الهدف فلا يتناوله اسم الهدف، وقد يعارضه أن قائمة السرير تسمى سريراً ولكن تسميته لأنها من الخشب التي فيها السرير بخلاف ما نحن فيه  الرابعة: إذا شرطنا عشر قرعات [من مائة رشق فرمى أحدهما خمسين وقد تمت له عشر قرعات]  فقد استحق السبق بكمول  الشرط وهل يلزمه إتمام الباقي فيه وجهان، وليس الغرض منه تردد في استرداد السبق لو لم يتمم بل تم استحقاقه  أحدهما: أنه يلزمه لأن التعلم  مقصود منه ليستفيد من رميه فليتمم عمله لما أخذ أجره والثاني : أنه لا يلزمه إذ تم باستحقاقه ، وهذا له التفات على أن الرجوع إلى أجر المثل يفيد  فساد المقابلة  أولا، فأما إذا أثبتنا الرجوع إلى الأجر فقد جعلنا العمل مقصوداً وهذا بعيد فإنه يعمل لنفسه ويستحق المال بالشرط، والدليل عليه أنه لو اجتاز  بهما إنسان وقال لأحدهما إن أصبت في هذه الرمية فلك دينار استحق بإصابته ديناره، وسبق صاحبه، والعمل الواحد لا يستحق به عوضان ولكن يمكن أن يجاب عنه بأن  فائدة العلم لشخصين قد  تحصل بفعل  واحد من المعلم فالمعلم  المستأجر من شخصين يذكر المطلوب مرة واحدة ويكون موقفاً مقصوداً للمستأجرين إذا حفظا فكذلك هذا هذا إذا كان الشرط مبادرة، ولو شرط في المحاطّة عشر قرعات خالصة من مائة رشق فرمى كل واحد خمسين وقد خلص لأحدهما عشرة فهل يستحق المال فيه وجهان أحدهما: يستحق كما في صورة المبادرة [والثاني : لا، لأن الطمع عن الحط لا ينقطع ما بقي شيء من الأرشاق، والمشروط أن يخلص من جملة الرشق فإن قلنا يستحق التحق به التفريع بصورة المبادرة في وجوب توفية الباقي من العمل فإذا ألزمنا فلا يُحط من حقه شيء لما يتفق لصاحبه من إصابة بعده وأنه جرى بعد حصول الخلوص والاستحقاق] ","part":1,"page":26},{"id":2374,"text":"[فرع] : (لو)  تم لأحدهما عشر بخمسين، وتم للآخر تسع [وقد رمى]  أربعين فلا استحقاق بل يرد السهم فلعله  يساويه وليس من البدار السبق دون التساوي في  عدة الأرشاق، نعم لو لم يتم [له]  إلا ثمانية فقد استحق [من تم]  له العشر من خمسين إذ غايته أن يصيب في الآخر فلا يندفع سبق الأول به الخامسة: لو قال رجل لرام ارم عشرة فإن كانت  ( ) قرعاتك أكثر فلك كذا  فهو صحيح فلو أصاب على التوالي ستة فقد استحق لأنه ظهر الوفاء بالفوز، وهل يلزمه استكمال بقية العمل إلى العشرة فعلى الخلاف الذي سبق ، والمزني أخطأ في هذه المسألة حكماً وتعليلاً  إذ قال: لا يجوز ذلك فإنه مناضل نفسه، ووجه الخطأ في الحكم ما سبق ووجه الخطأ في التعليل أن الشافعي رحمه الله إنما ذكر هذا فيما إذا أخرج المال وقال لواحد أخرج عشرة عني وعشرة عنك فإن كانت الإصابة فيما لك أكثر فالمال لك لأنه مناضل [نفسه]  فيقصر عن نوبة صاحبه على حسب إرادته، وذكر العراقيون وجهاً متكلفاً يوافق نقل المزني وقالوا  بأن الأكثر مجهول فلم يذكر عدد كالإصابات، وهو فاسد، إذ أقله ستة وهو معلوم السادسة: إذا تشارطوا احتساب القريب  [وقدروا]  قدر القريب  بشبر أو ذراع، أو ما عنّ له  فهو محسوب، ويرجع حاصد الشرط إلى اتساع الغرض إلى ذلك الحد وهو بين ولو لم يبين  وأطلقوا احتساب القريب ففي المسألة ثلاثة أوجه أحدها : الفساد، وهو الصحيح للجهل والثاني: أنه يصح، ويحمل على قيد سهم، وكأن هذا القائل يدّعي لهم عادة مطردة في ذلك وهو غير سديد فإن كانت لهم عادة في حد القرب فلا خلاف في تنزيل المطلق عليه كلفظ الدراهم عند غلبة التعامل على واحد والثالث: أنه يصح، وينزل على الاعتداد بالأقرب [فالأقرب]  فيخرج الأقرب الأبعد، وهذا لو وقع التصريح به لكان جائزاً، وهو  أيضاُ لا مأخذ له","part":1,"page":27},{"id":2375,"text":"ثم هؤلاء اختلفوا فقال بعضهم إذا اتفقت سهام قريبة لأحدهم، والبعض أقرب من البعض، وأبعدها أقرب من أقرب صاحبه فالسهام بجملتها محسوبة له، ومنهم من قال أقربه يسقط أبعده أيضاً كما أسقط سهام صاحبه، فكل ذلك خبطٌ، والصحيح الفساد عند الإطلاق، فأما إذا كان حد القرب [معلوماً ذكراً واعتياداً]  ووقع  سهمهما جميعاً في حد القرب وأحدهما أبعد من الآخر فهل يبطل الأقرب القريب قال الشيخ أبو محمد: يبطله، قال الإمام: إن وقع التصريح به فيبطله، وإن لم يصرح به ولم تثبت للرماة فيه عادة  فلا يبطله فإن اللفظ غير مشعر به، وإن اطردت لهم عادة فيخرج على أن المتبع العادة، أو القياس ، هذا كما لو كان لهم عادة في حد القريب فإن مطلق لفظ القريب ينزل عليه قطعاً فإنه ليس معارضاً للقياس لأنه لفظ عام كلفظ الدراهم فتخصيصه بعض  حد القرب بالعادة جار على القياس أما لفظ القريب لا يبنى عن إبطال الأقرب القريب  فقد يعارض القياس الذي يقتضيه موجب اللفظ وعادة الرماة فيصير بداية للمرمى ، ثم إذا بان حد القرب فما وقع تحت الغرض  منصوب أو على جانبه في حال القرب فمحسوب، وما يقع فوقه  فالأصح أنه يحتسب ، ومن الرماة من يستحسن ذلك، وذكر الشيخ أبو محمد فيه قولين وأشار إلى عادة الرماة بأن ذلك في حكم الزاهق","part":1,"page":28},{"id":2376,"text":"فرع: إذا تشارطا إخراج القريب البعيد جاز، وإن تشارطا إبطال الإصابة للقريب فكمثل، وإن تشارطا إخراج وسط القرطاس ما حواليه قال العراقيون في جواز ذلك قولان ، ووجه المنع إن قصد وسط القرطاس ومركزه بعيد، وقد يقع وفاقاً من الأخرق، وتمام الحذق حاصل بإصابة القرطاس فما بعده تضييق مانع المسألة السابعة: في النكبات الطارئة ومتى وقع السهم من الغرض على بعد مفرط فذلك  لسوء الرمي، لا لهجوم نكبة فهو محسوب عليه من رشقه والأمر إليه  ليعيد الرمي، ولو كان لإنكار القوس أو السهم أو انقطاع الوتر ووقع من الغرض بسبب ذلك  على بعد مفرط فلا يحسب عليه، [ولو وقع قريباً على حد إمكان الإصابة فوجهان أحدهما : أنه لا يحسب عليه]  للنكبة الطارئة والثاني: وهو اختيار أبي إسحاق المروزي أنه يحسب لقربه وكأن النكبة لم يظهر أثرها في إبعاد السهم، فإن قلنا يحسب عليه فلو أصاب حسب له، وإن قلنا لا يحسب عليه فلو أصاب هل يحسب له فعلى وجهين أحدهما : أنه يحسب وهو نهاية حذقه والثاني: أنه لا ( ) يحسب لأن ذلك يُحمل على وفاق ومن النكبات أن تعرض بهيمة أو عارض فينصدم به فلو مرق [البهيمة]  وأصاب فالأصح أنه محسوب له لأن ذلك يشعر بتشديد السهم في صوبه وقوته في مروره  [ولو وقع قريباً على حد إمكان الإصابة فوجهان أحدهما : أنه لا يحسب عليه] ، وفيه وجه آخر أنه (يحسب)  وإن هبت ريح واقترن بابتداء الرمي فليس عذراً فهو المقصر إذ ابتدأ مع الريح وللرماة نيقة  عند هبوب الريح في إمالة النظر إلى جانب الريح، ولو نفذ السهم فهجمت الريح وكانت لينة فلا أثر لها فإن السهم لا يتحرك بمثله، والهواء لا ينفك عنه غالباً، وإن هجمت ريح عاصفة  فوجهان أحدهما : أنها من النكبات كالبهيمة المعترضة والثاني: لا، لأن السهم أسرع من الريح وهجومه لذلك  نادر والنزاع يطول في درك حدود  الرياح في لينها وقوتها فنحسم هذا الباب","part":1,"page":29},{"id":2377,"text":"فأما إذا انقطع الوتر وانكسر القوس من قوة رجوع الوتر بعد نفوذ السهم فذلك لا أثر له فليعلم، والسهم إن انكسر لضعف في السهم غير محسوس فهو عذر، وإن كان لسوء رميه من أعلى الفوق في النزع عن الوتر أو إنهائه النصل إلى كبد القوس بإفراطه في النزع فهو محسوب عليه لأنه من تقصيره \rفرع: لو انكسر السهم بنصفين فأصاب بفوقه أو بإحدى قطعتيه عرضا، فلا يحسب، وإن أصاب بقطعة مشتدة على سمك طول السهم فهو كإصابة كل السهم ثم من أصحابنا من قال: لو أصاب النصل فهو كذلك، ولو أصاب بالقطع من النصف الذي فيه الفوق فلا يحسب وجهاً واحداً ومنهم من عكس وقال الاعتماد الحاصل من الرمي يبقى في النصف الذي فيه الفوق فإنه الذي لاقاه الوتر والقوة فأما النصل فلا يحسب بعد الانقطاع، والمسألة محتملة ","part":1,"page":30},{"id":2378,"text":"الفصل الثالث: في جواز هذه المعاملة ولزومها: وقد ذكرنا فيها وفي المسابقة قولين  فإن فرعنا على اللزوم فنقطع بأمرين أحدهما : أنه لا يجب تسليم السبق قبل الوفاء بالشرط، وذكر الفوراني وجهاً أنه يسلم كما تسلم الأجرة مع أن انهدام الدار متوقع، وهذا فاسد فإن الأجرة تسلم بتسليم الدار وتقدير  الانهدام بعيد، فأما العقد فتقديره ليس بأقرب من نقيضه، والعقد عقد خطر والآخر: أنه لو مات العاقد انفسخ العقد لأن العقد متعلق بعينه، وإن كان لازماً، ولو مات المسابق  والفرس قائم اتجه على قول اللزوم أن نوجب على الوارث الوفاء، لأن الأصل فيه هو الفرس، والفرس قائم ، ولو عطبت الفرس انفسخ العقد وإن قلنا بالجواز فيتفرع عليه أربعة أمور الأول: إلحاق الزيادة في السابق أو الأرشاق والقرعات بالتراضي  جائز، وفي إلحاق الزيادة في زمان الخيار بالثمن والمهر  خلاف، وذكر فيه ههنا وجه بعيد لأن مبنى هذا العقد على الخطر واحتمال أمور يهون بالإضافة إليها إلحاق الزيادة، وإن استبد أحدهما بالزيادة ففيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه لا يلتحق، بل لا بد من القبول كما في ابتداء العقد فيعتبر العقد في حكم ابتداءه لا بالفسخ فإن الانفراد به معقول والثاني : أنه يلتحق من غير قبول وهذا ضعيف","part":1,"page":31},{"id":2379,"text":"والثالث: إنه إن صدرت الزيادة من المتطول المغلوب فلا يلحق فإنه إذا ظهر مخايل التقدم علم العجز  عن المدافعة بالزيادة، وإن صدر من الناضل الذي ظهر تقدمه  فيلحق، ثم قيل التقدم والغلبة تظهر بالسبق في قرعة واحدة، وقيل لا تظهر بقرعة وقرعتين وذلك لا يعد استيلاءً فإنه قريب من التعيين فينبغي أن يصير بحيث يصير  مستولياً عليه، ثم إذا قلنا تلتحق الزيادة فلا ضرار على صاحبه الناضل فإن تثاقلت عليه الزيادة فليفسخ العقد، والزيادة [في العمل]  وفي عقد الجعالة بعد اشتغال المجعول له أو فراغه عن بعض يخرج على هذا الخلاف حتى إذا لم يرض بالزيادة فله الفسخ، ويطلب أجرة المثل في قدر عمله، وله عذر في الفسخ بخلاف ما لو فسخ تشهياً قبل تمام العمل فإنه لا يستحق فسخاً والثاني: الفسخ، وذلك جائز لكل واحد منهما عند التساوي الذي ظهر مخايل الفوز [له] ، وهل يجوز للمنضول يخرج على الخلاف في إلحاق الزيادة فإذا  منعنا الزيادة اتجه أن يقال امتنع الفسخ وكان الجواز مطّرد إلى (الإذن) ، والآن قد لزم في حق المنضول وبقي الجواز في حق الناضل وعلى هذا إذا فسخ الجاعل بعد فراغ المجعول له عن بعض العمل وكان ما يخص  عمله من المسمى يزيد على أجر  مثل ذلك القدر فيخرج الفسخ على هذا الخلاف الثالث: النقصان يجري مجرى الزيادة ولا يقطع بالاستبداد  به كما يقطع بالانفراد بالإبراء وإن ذلك كالتصرف بالاستيفاء ويجري في العقد اللازم  ووزانه في مسألتنا أنه استحق السبق  عن بعض السبق وذلك مخرج على الإبراء عما جرى سبب وجوبه ولم يجب وفيه خلاف، فأما التنقيص  من القرعات والأرشاق فهو في معنى الزيادة على ما قدمناه والرابع: الإبطاء وذلك غير ممنوع إن قلنا بالجواز فلا مطالبة عليه، وإن قلنا  باللزوم يلزمه الجري على المعتاد إذ يد الرامي قد تبرد قبله في الانتظار، والإعراض عن العمل بالكلية  أيضاً يخرج على ما ذكرناه من القولين","part":1,"page":32},{"id":2380,"text":"فرع: لو فضل أحد الناضلين صاحبه فقال له الآخر حطّ فضلك ولك عليّ كذا فهذا ممنوع على القولين جميعاً، لأنه معاملة  لحطّه الفضل  بمال وذلك مما لا أصل له حكمنا  بجواز العقد أو لزومه  هذا تمام أحكام المناضلة، وبقية أحكامها داخلة في حكم المسبق ، وقد قدمناه والله أعلم","part":1,"page":33},{"id":2381,"text":"كتاب الأيمان\rوالأصل فيه آياتٌ مشتملةٌ على ذكرها، وأخبارٌ واردةٌ فيها، وفي كفارتها قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: «لا تسألِ الإمارة, فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكِّلت إليها، وإن أوتيتها عن غير مسألة أُعِنت عليها، وإذا حلفتَ على يمينٍ فرأيت غيرها خيراً منها فكفِّر عن يمينك ثم ائتِ الذي هو خير منها»\rومقصود الكتاب يتهذَّب ببيان اليمين، والكفارة، والحنث، فنعقد في كل واحد باباً\rالباب الأول: في اليمين\r(اليمين عبارةٌ عن تحقيق ما يحتمل المخالفة والموافقة بذكر اسم الله عز وجل، أو صفة من صفات ذاته ماضياً كان أو مستقبلاً)، قصدنا به الردَّ على أبي حنيفة فإنه لم يوجب الكفارة بيمين الغموس وهو حلفه على الماضي بخلاف ما هو كائن وعندنا أن الكفارة واجبة به، ووجهه مستقصى في مأخذ الخلاف\rوقولنا: (في معرض التحقيق لا في معرض اللغو) أردنا به قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} وأبو حنيفة يفسره بالغموس، ونحن نفسره بما يلغو الإنسان به من غير قصد إلى التحقيق, كما جرت به عادة العرب من قولهم في محاوراتهم: لا والله، وبلى والله، ولا يخطر بالبال حديث عقد اليمين، ولو اقترنت بهذه الصيغة قرينة دلت على قصد اليمين فليس لغواً فهو مردود عليه, والعرف يكذِّبه فما جرت العادة باللغو\rوأما قولنا: (من غير مناشدة) أردنا به [أنه] إذا قال لغيره: أقسم بالله عليك وهو يقصد عقد اليمين لا صاحبه لم ينعقد عليه، ولا على صاحبه، وكذلك إن أراد به الحث على مقصوده، وإن قصد به اليمين في حق نفسه فهو حالف لأن اللفظ صالح وإن أطلق فهو محمول [على] المناشدة للقرينة الظاهرة","part":1,"page":1},{"id":2382,"text":"وأما قولنا: (لا بد من تحقيق الشيء باسم الله أو صفة من صفاته) احترزنا به عما لو قال: وحق النبي، والكعبة، وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم وشَعْره، والسماء والأرض، وكذلك كل مخلوق فاليمين به لا تصح ولا تنعقد لإيجاب الكفارة وكذلك إذا قال: إن دخلت الدار فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من الله فلا ينعقد كل ذلك عندنا يميناً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف فليحلف بالله أو فليصمت»  وقال بعض الأصحاب: إنه معصية، والصحيح أنه مكروه، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه  يحلف بأبيه فقال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم»  فإن قيل: أليس قال صلى الله عليه وسلم [لأبي]  العشراء : «وأبيك لو طعنت في خاصرتها لحلت لك»  قلنا: جرى على لفظه من غير قصد كما يقال: لا والله بلى والله فثبت أنه لا تنعقد اليمين إلا بالقديم وهو الله وصفاته ولا يستثنى عن هذا إلا ما سنذكره على رأي في يمين  الغضب واللجاج  فإذا حلف بالله، والرحمن، والرحيم، وكل اسم معظم يدل على ذاته وبما يدل على صفات ذاته فهو يمين، وكذلك الاسم الذي يدل على صفات فعله كالخالق والرازق وكذلك إذا قال: وقدرة الله وعلمه وكلامه وجلاله وكبريائه، ولو حلف بالموجود والشيء وقصد به الرب تعالى  فليس حالفاً إذ لم يأت بما يدل على التعظيم\rثم صِيَغ اليمين: تنقسم بالإضافة إلى ما تجرَّد عن الصلات  التي ليست معتادة وإلى ما يقترن بها، ونحن نذكر ما لم يقترن  [بصلة]  سوى الباء وذلك على رتبتين :","part":1,"page":2},{"id":2383,"text":"الرتبة العليا: أن يحلف بالله أو باسم ينبئ عن [التعظيم]  فهو حالف نوى اليمين أو أطلق، وإن ورّى  غير  اليمين فلا يقبل ظاهراً  [فيما]  يتعلق بحكم الإيلاء  وغيره، وهل يدين باطناً قطع القاضي بأنه لا يدين، وقال الباقون فيه وجهان  كما لو قال: أنت طالق, وقال: أردت به طلاقاً عن وثاق، وكذلك إذا قال: بالله لأفعلن, ثم قال: أردت به, وثقت بالله ثم ابتدأت لأفعلن، فقال العراقيون: في هذه الصورة يقبل ظاهراً وباطناً وهو ذلك غير معتد به، ومن قال: لا يقبل اعتصم بأن متعلق الكفارة اللفظ الذي استعمله وذلك لا يختلف بإضماره، ولذلك  قال الأصوليون  من صرح بكلمة الردة وهو يضمر غيرها كفر ظاهراً وباطناً لحصول التهاون منه, وهذا المعنى لا يتحقق في الطلاق فاحتمل قبول التأويل باطناً فيه\rفرع: لو قال: بِلّله ولم يأت بعد اللام بالألف فهي الرطوبة، وليس ذاكراً اسم الله فإن لبّس به على غيره فليس بحالف، وإن صدرت هذه الصيغة من غير قصد إلى التلبيس قال الشيخ أبو محمد: ليس بيمين، إلا إذا نوى اليمين فتحمل حذف الألف على اللحن ويعتضد  ذلك بجريانه على الألسنة، وأن العرب تعتاد حذف الألف في الواو ","part":1,"page":3},{"id":2384,"text":"الرتبة الثانية أن يحلف بقدرة الله وكلامه وعلمه وجلاله وكبرياءه وعظمته فهذا كما إذا حلف بالله في الإطلاق والتورية، وقيل: إنه تقبل ههنا التورية باطناً: وفي قبوله ظاهراً  في الإيلاء وغيره وجهان  وقيل: إن الحلف بجلال الله وكبرياءه يلتحق بالرتبة الأولى، وبالعلم والقدرة والكلام يجري  الخلاف في قبول التورية فيه ظاهراً  إذ قد يعبر بالقدرة عن المقدور، وبالعلم عن المعلوم، وهذا احتمال ظاهر، يقال: رأيت قدرة الله أي مقدوره وهذا فاسد، وقد يقول: رأيت جلال الله ويريد به آثار صنعه، والصحيح أنها ملتحقة بالرتبة الأولى ولا خلاف أنه لو قال: وخلق الله وواجباته  ورزق الله لا يكون حالفاً لأنه ذكر مخلوقاً، فأما إذا قال: وحقِّ الله فهو كناية لأنه يتردد  بين الواجبات التي تجب لله على عباده فلا يكون يميناً وبين استحقاقه للإلهية فيكون يميناً، وقيل: إن قوله: وعظمة الله يتردد  كقوله: وحق الله وهما بعيدان فأما إذا أطلق فقال والحق  فهذا من أسماء الله ولكنه مشترك، وكذلك قوله والرحيم والعليم والجبار وأمثاله قال الشيخ أبو محمد: هو  كناية بخلاف الشيء، والموجود فإنه مع النية  لا يكون يميناً لأنه لا تعظيم فيه، وهذا فيه تعظيم فيصلح ولكنه مشترك فلا يكون صريحاً ولو قال: وحرمة الله منهم من قال: هو كقوله: وحق الله, ومنهم من قال: هو كالحلف  بصفات الله، ولو قال: لعمرو الله منهم من [قال]:  هو حلف ببقاء الله فيلتحق بصفاته، ومنهم من جعله كناية وقال الشيخ أبو محمد: إن قال: لعمرو الله فهو كناية، وإن قال: وعمرو الله فهو كصفة  من صفاته لأن الصلات في القسم الباء والواو، وأما اللام فليست من الصلات في القسم حتى قال النحاة: لعمرو الله تقديره لعمر الله ما أقسم به، والأصحاب لم يروا هذا التفصيل هذا كله في المجرد عن الصلات سوى الباء","part":1,"page":4},{"id":2385,"text":"وأما الصلات: فهي منقسمة إلى الكلمات والحروف، أما الكلمات فهي على مراتب\rالأولى: أن يقول أقسم بالله، أحلف  بالله فإن قصد اليمين فهو يمين، وإن قصد إخباراً ووعداً  فليس بيمين  وإن أطلق فوجهان  أصحهما: أنه ليس  حالفاً لتردد اللفظ واحتماله، والآخر أنه حالفٌ لاطّراد العرف به في اليمين، وكذلك قوله أقسمت بالله وحلفت بالله فعلى هذا الخلاف وقال صاحب التقريب: من أصحابنا من فرق بين الماضي والمستقبل إذ الماضي صريح في الإضمار وصيغة المستقبل تصلح للحال، وهذا ضعيف لأن الاحتمال كافٍ وهو محتمل للوعد والعرف فيهما  على وتيرة واحدة فإن قيل: قوله: بالله لأفعلن جعلتموه صريحاً في اليمين, وفيه إضمار معناه أقسم بالله فإذا صرح بالإضمار كيف تراجعت رتبته قلنا: لأن مجرد قوله [بالله]  صريح في عقد اليمين، وإذا أتى بالإضمار كان صريحاً في الماضي أو المستقبل، وكم من مضمر يقدره النحوي، واللفظ دونه أوقع  كقولهم ما أحسن زيداً في التعجب تقديره شيء حسن زيداً إذ لو صرح به لذهب معنى التعجب بالكلية وقد حكى العراقيون نصاً عن الشافعي  رحمه الله أن قوله: أقسمت بالله أو أقسم بالله يمين وإن أطلقه، وهذا  موافق للسؤال ولكنه بعيد","part":1,"page":5},{"id":2386,"text":"الرتبة الثانية : أن يقول أشهد بالله أو شهدت بالله قال المراوزة: هو كقوله أقسم أو أقسمت، وقال العراقيون: هو كناية قطعاً لا تعمل  دون النية وجهاً واحدا  لأنها ليس من صيغ الأيمان في استعمال أهل العرف، وهذا حسن قال صاحب التقريب: إذا قال الملاعن في لعانه أشهد بالله وكان كاذباً هل تلزمه الكفارة فيه وجهان ، وهذا يقرب من اختلاف القول في أن المولي هل يلتزم  الكفارة، ووجه الشبه أن الإيلاء اقتضى افتراقاً  وكان [مائلاً]  عن سمت الأيمان المحضة، واللعان بهذه المثابة في اقتضاء الفراق وهذا فيه إذا قصد اليمين مطلقة لليمين بل يتجه الخلاف في اللعان وإن ورّى، إذ لا أثر للتورية في الأيمان المفروضة في مجالس القضاة على ما سيأتي\rالرتبة الثالثة : لو قال: وأيم الله، منهم من قال: هذا كالحلف  بصفات الله إذ أصله  أيمن الله, والأيمن جمع يمين فكأنه قال: حلفت بالله وأقسمت بالله، وغلا غالون فقالوا: هو كما لو قال: تالله فإن [هذا]  شائع مستفيض  في العرف، ومن الأصحاب من قال: [هو]  كناية \rالرتبة الرابعة : إذا قال: وعهد الله أو على عهد الله فهذا كناية محضة باتفاق الأصحاب، ولو قال: نذرت بالله، أو قال: \"أزْ خُدَاى بِدِيرَ فْتَمْ\"  بالفارسية قال الفوراني: هو  كقوله حلفت بالله","part":1,"page":6},{"id":2387,"text":"الرتبة الخامسة : يمين الغضب واللجاج: وهو أن يقول: إن دخلت الدار فلله علي حج أو صوم أو صلاة أو صدقة، أو ذكر شيئاً يلتزم بالنذر من العبادات فللشافعي  رحمه الله فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجب الوفاء بما التزم، ولا يكون يميناً كما إذا قال: إن شفى الله مريضي فلله [علي]  كذا، وكذلك إذا علَّق وجوب العبادة بكل ما يشكر  عليه من جلب نعمة أو دفع بلية والثاني: إن عليه كفارة يمين؛ لأن ما ذكر في مقابلة النعمة قصد به العبادة والشكر، وهذا قصد به المنع من الفعل كاليمين، وهو ظاهر نص الشافعي [رحمه الله]   والثالث: أنه يتخير، وإليه ميل القاضي، لأن الصيغة مترددة بين مقصود [اليمين]  ومقصود النذر، هذا إذا تجردت الصيغة للمنع فإن ترددت بين المنع والتبرر  في بعض الصور كان كناية فتعتمد  فيه النية قال القاضي: الفعل ينقسم إلى محظور وواجب ومباح\rأما المحظور: فما علق وجوبه عليه بتمحض فيه للتعليق ، ولم يتصور فيه التبرر  كقوله إن شربت أو زنيت فلله [علي]  كذا ، وأما الواجب إذا علق الوجوب عليه احتمل  الأمران, كقوله: إن صليت وإن  لم أشرب فعلي كذا معناه  إن وفقني الله للصلاة وعصمني عن الشرب ","part":1,"page":7},{"id":2388,"text":"وأما المباحات: فوجه التعليق والمنع في التعليق عليها ظاهر، وقال القاضي احتمل التبرر  [أيضاً] ، فإذا قال: إن أكلت هذا الرغيف فعلي كذا أي إن أدام الله قوتي وإمكاني وقواني على أكله، وإذا قال: إن لم آكل أي إن كسرت شهوتي، واستوليت على نفسي بتوفيق ربي، وقال الشيخ أبو محمد: لا تبرر  في اللجاج وإنما احتماله في ما يقصد من  عبادة أو يزاد في نعمة، و [قال]  لو قال: إن دخلت مكة فهو محتمل للوجهين، ولو قال: إن دخلت نيسابور لم يحتمل إلا التعليق، ونقيضه  ما ذكره بسجود  الشكر فإنه لا يعم  المباحات على احتمال القاضي، ولكن السجود عبادة فلا يبعد تخصيصها بموردها، وما ذكره القاضي ففيه فوائد وجه  الاحتمال\rفرع: إذا عدد أنواعاً  من العبادات فقال: إن فعلت كذا فعلي صوم وصلاة وحج كان الشيخ أبو محمد يتردد في [أن]  الكفارة هل تتعدد عليه على قولنا أنه يمين ثم استقر جوابه على أنه يكفيه كفارة واحدة، وإذا كان لا يلزمه الوفاء فلا معنى لتعدد الملتزم وهذا هو الصحيح، ولو التزم حجتين أو صلاتين فلا شك في اتحاد الكفارة \rالرتبة السادسة : إذا قال: مالي صدقة، أو في سبيل الله فهذا لغو عند القاضي لأنه لم يأت بصيغة التزام، وحمله على الإيقاع لا وجه له إذ لإيقاع الصدقة طريق وهو التسليم والقبول ولم يوجد، وذكر الشيخ أبو محمد طريقين [إحداهما: حمل ذلك على النذر المطلق، كقوله عليّ صدقة المباح، وفيه قولان:]  أحدهما: أنه يحمل على الإيقاع كما إذا قال: جعلت هذه الشاة أضحية، وهذا بعيد، والمتبع في الضحية الأخبار والآثار حتى أقيم التقليد والإشعار مقام الصريح فيه، ولو قال: إن دخلت الدار فمالي صدقة فهو لغو عند القاضي ويمين عند الشيخ أبي محمد في أحد طريقيه، وإيقاع في الطريق الثاني","part":1,"page":8},{"id":2389,"text":"فرع: إذا قال: إن فعلت كذا فعلي نذر نص الشافعي  رحمه الله أن عليه كفارة يمين قال القاضي: هذا تفريع على قوله  إن موجب الغلو  كفارة فإن قلنا: موجبه  الوفاء فيجب ههنا قربة [ما] ، وإليه التعيين، ولكن ينبغي أن تكون قربة ملتزمة  بالنذر، ولو قال: إن دخلت الدار فعلي يمين اختلفوا فيه فمنهم من قال: إنه لغو، وهو الصحيح ، إذ لم يأت بنذر ولا بصيغة يمين، ومنهم من قال: عليه ما على الحالف ولو قال: إن دخلت الدار فعلي كفارة يمين لزمته كفارة يمين لا محالة، ويبقى تردد في أنه وفاء  إذ هو كفارة حنث وتنحل من هذه القاعدة أن الكفارة تصور لزومها دون ذكر اسم الله المعظم، ولكن لا بد من صيغة في الالتزام كما سبق هذا تمام الكلام في أركان عقد اليمين، وكل ذلك شرط الانفكاك عن الاستثناء  فلو قال: والله لأفعلن إن شاء الله لم يلزمه بالحنث شيء، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في الطلاق فلا نعيده\rالقسم الثاني: صلات الحروف، والأصل الباء تقول: بالله، والواو بدل عن الباء تقول: والله ولكنه دونه إذ يقال:  بالله، وبِك ولا يقال: وك، ويليه التاء إذ يقال: تالله ولا يقال: تالرحمن، والكل حلف، ونقل عن نص الشافعي في القسامة أن تالله ليس بيمين ، فمنهم من قال: هو ملتحق بقوله أقسم بالله حتى يتعين بالنية لأنه غير معتاد، والصحيح أنه يمين، والشافعي رحمه الله قال ذلك في قوله: يالله فنقل الناقل بالتصحيف، أو أراد ما إذا  قال [القاضي]:  قل بالله فقال: تالله لا يكون يميناً  ويجري ذلك في المخالفة في كل صيغة ولو قال: آللهَ لأفعلن لم يكن يميناً إلا أن ينوي الحلف ، ولو قال: آللهِ بالخفض كان يميناً\rالباب الثاني: في الكفارة والنظر في سببها وكيفيتها وملتزمها","part":1,"page":9},{"id":2390,"text":"أما السبب: فهو اليمين عندنا, والحنث وقتٌ للوجوب  لا سبب يجري من اليمين مجرى الحول  في النصاب في [إيجاب]  الزكاة، وقال أبو حنيفة : سببه الحنث، وعندنا لا يحرم المحلوف عليه بل يبقى على ما كان من وصف الإباحة أو الندب أو الوجوب أو الحظر، نعم في الأولى  ثلاثة أوجه إذا عقد اليمين على مباح أحدها : أن الأولى البر، لتعظيم اليمين، قال العراقيون: الأولى الحنث، قال الله تعالى: {يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك}  ثم قال: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم}  والوجه الثالث: أنه يبقى على ما كان من غير كراهة ولا ندب، وهذا يعتضد بالقاعدة في [أن]  اليمين لا تغير حكماً، ومن قال: البر أولى فلا يرى ذلك في المحظورات، وقال العراقيون: يطرد ذلك في المكروهات حتى لو قال: لأدخلن بلدة ( ) وفيها بدع ظاهرة مكرهاً لأجلها دخولها فيستحثه على الدخول وهذا بعيد، وأما أبو حنيفة فإنه قضى بأن الحنث محرم  فبنى عليه مسائل أحدها: يمين الغموس  قال: إنها لا تنعقد إذ أن ما مضى لا يتصور إيجاب البر فيه حتى تجب الكفارة بدلاً عن [البر]  الفائت ","part":1,"page":10},{"id":2391,"text":"والثانية: [أنه]  لو قال: حرمت هذا الطعام لزمته الكفارة بأكله كما لو حلف إذ معنى [الحلف]  التحريم ، والآخر إذا حلف باليهودية والنصرانية فإن معناه تحريم الفعل، والآخر أن يمين الكافر لا تنعقد  لأن التحريم الشرعي لا يتناوله، والآخر أن الكفارة لا تقدم على الحنث، لأنه تقديم على سبب الوجوب، وعندنا أنها لا تقدم على اليمين، ولكن تقدم  على الحنث إذا كان مباحاً ، فأما إذا كان محظوراً كالشرب والزنا فوجهان  أقْيسهما: إجزاء  الكفارة إذ منشأ التحريم يباين موجب اليمين فلا تتأثر  اليمين به ، و [منهم]  من أبعد تمهيد طريق الاستناد في المحظور تذرعاً إليه، وتقديم كفارة الوقاع  في الصوم  والحج، وكذلك محظورات الحج فيه خلاف، والظاهر المنع  لأن وزان ذلك تقديم الكفارة على اليمين, فإن السبب ارتكاب  تلك الأسباب، ومنهم من قال: إن كان مباحاً كالحلق  في حالة الأذى فيجوز التقديم وإلا فلا ، هذا كله في الكفارة المالية","part":1,"page":11},{"id":2392,"text":"أما التكفير بالصوم فالمذهب الظاهر منع تقديمه لأنها عبادة بدنية، والبدنيات لا تقدم على وقت الوجوب، ومن أصحابنا من سوّى بينهما ولهذا صرح الفوراني وغيره بنقل وجه في أن الكفارة تحال على مجرد اليمين دون الحنث، ويعتضد هذا الوجه بقوله عليه السلام: «من حلف يميناً ورأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير»  ولم يفرق بين الصوم والمال والتكفير بالصوم في محظورات الحج ثم يخرج على هذا الخلاف مهما جوزنا التقديم بالمال فيها وثَمّ الجواز ربما يكون أولى إذا لم يكن الصوم مرتباً على المال؛ لأن الصوم مرتب ههنا على المال، فينقدح أن يقال: إنما يجزئ البدل عند العجز عن المبدل ولا عجز إلا بعد الوجوب، وهذا المعنى مفقود حيث لا ترتيب ، ويبقى معنى واحد  وهو أنها عبادة بدنية ثم قال الأصحاب: كفارة الظهار تنسب إلى الظهار، والعود سببه  كفارة اليمين إلى اليمين والحنث، وأما كفارة القتل فتجزئ بعد الجرح وقبل الزهوق  أيضاً لوجود السبب وهو الجرح، وذكر وجه [أنه]  يخرج على الخلاف في التقديم على المحظور من الحنث، وهو فاسد إذ السراية خارج عن الاختيار فلا يوصف بالحظر، نعم في التكفير بالصوم قبل  الزهوق ههنا وجهان ، وإن فرعنا على [أن]  الصوم لا يقدم على الحنث لأن الحنث على الجملة [لا يبعد]  أن يكون له مدخل في الإيجاب فإنه متعلق بفعله، وأما الموت  فخارج عن الاختيار، فلا يبعد أن يقال وجوب الكفارة عند الموت بطريق النص   يستند إلى الجرح، ويلتفت ذلك على [أحد]  الوجهين في أنه لو قطع يده فقطع يده فمات الجاني أولاً ثم المجني عليه ثانياً أنه يقع قصاصاً، وكذلك نقول على رأي أن ما يطرأ من الكفر  بعد الجرح لا أثر له وكان الموت متصلاً بالجرح، والشافعي قاس كل ذلك بالزكاة، وأبو حنيفة جوز تعجيل الزكاة ومنع تعجيل الكفارة ، [ومالك رحمه الله عكس ذلك فجوز تعجيل الكفارة]  دون الزكاة ","part":1,"page":12},{"id":2393,"text":"[ثم قد ذكرنا في تعجيل الزكاة]  أنه إذا فات المال فلا تقع الزكاة موقعها، وكل ذلك عائد  في تعجيل الكفارة فليفهم\rالقول في كيفية الكفارة: اجتمع في هذه الكفارة التخيير والترتيب فيتخير بين إعتاق رقبة وكسوة عشرة مساكين وإطعام عشرة مساكين لكل واحد مُد، فإن عجز عن كل ذلك فصيام ثلاثة أيام، وفي التتابع قولان القديم: أنه يجب حمل المطلق على المقيد بالتتابع من الظهار، ولأنه روي عن ابن مسعود أنه قرأ: فصيام ثلاثة أيام - متتابعات - ، والجديد : أنه لا تتابع إذ ليس حمله على التتابع في الظهار بأولى من حمله على صوم رمضان في قوله: {فعدة من أيام أخر}  وأما قراءة ابن مسعود فلم تصح ثم حكم الإطعام والصيام في التتابع وما يقطعه، وحكم عتق الرقبة ذكرناه في الكفارة ونتعرض الآن للكسوة والنظر ( ) في قدرها وجنسها وصفتها:\rأما القدر: فما يسمى كسوة، ولا مطمع في التقدير، والشافعي وإن قدر نفقة الزوجات لم يقدر الكسوة لأن المُدَّ نهاية الزهيد  وكفاية المقتصد وسداد الرغيب ، وأما الخلق يتفاوتون في الطول تفاوتاً ظاهراً ليس فيه متوسط ضابط، فالمتبع الاسم، [ثم]  لا يشترط دست ثوب  , بل يكفي ثوب واحد كالجبة، والرداء والقميص والسراويل والعمامة، ثم لا يشترط المخيط, بل يكفي الكرباس ، ولو اختار أطفالاً رضعاً يواريهم خرق كفاه ذلك إذا سلّم إلى قُوّامهم، ولو سلَّم إلى كبير ما يواري  طفلاً قال القاضي: يجزئ، ولا نظر إلى حال الآخذ، وقطع غيره بأنه يجب أن تكون كسوة للمسلّم إليه قال تعالى: أو كسوتهم  فأضاف إليه، وقال مالك  رحمه الله: الواجب ما يستر العورة بحيث تصح معه الصلاة، وهو قول حكاه البويطي فعلى هذا يتجه النظر إلى حال الآخذ، وأوجب أبو حنيفة  رحمه الله ثوبين لكل مسكين من غالب جنس ثياب البلد","part":1,"page":13},{"id":2394,"text":"وأما الجنس: فلا يعتبر [فيه]  بل القطن والإبر يسم  والكتان والصوف والكساء كل ذلك جائز وفي الدرع وجهان:  أحدهما: أنه جائز لأنه ملبوس تجب الفدية على المحرم به والثاني : لا، لأنه يسمى ملبوسا ولا يسمى كسوة، وكذا الوجهان  في الخف والشمشق  والقلنسوة  والتبان  والنعل، ومنهم من ألحقها بالشمشق، ومنهم من قطع بأنه لا يكفي كالمنطقة  قال القاضي: لو قلنا يعتبر من جنس الثياب الغالية في البلد [لم يبعد] ، والمذهب أنه لا فرق بين جنس وجنس بخلاف الطعام\rوأما الصفة: فيؤخذ المعيب الخلق إذا لم ينته عيبه إلى حد يسقط معظم الانتفاع, فلا تمنع العيوب الموجبة للرد في البيع، بل يعتبر ما يمنع الانتفاع كما يعتبر في الرقبة ما يؤثر في العمل والمرقع والقريب من البلى لا يؤخذ إذا كان يتوقع انسحاقه على قرب، والمستعمل إذا كان على تماسكه مأخوذ، والمنخرق بطول الاستعمال لا يؤخذ، والمشرق  لجدته  يجزئ إذا كان الانقطاع قائماً يجزئ، والضبط أن ما يُعد خلقاً لا يجزئ، والمرقع لا بسبب البلى مأخوذ، والمرقع بالبلى لا يؤخذ ولو في موضع واحد برقعة جديدة، لأن مواضع الخياطة تنقطع على قرب، والثوب المهلهل النسج إذا كان لا يدوم على المسكين وإن كان جديداً  قال الإمام: يظهر لي أن يقال: لا يجزئ نظراً إلى إمتاعه وانتفاعه \rالقول في ملتزم الكفارة: الكفارة واجبة على [كل]  مكلف حنث حراً كان أو عبداً مسلماً أو كافراً بقي حياً أو مات قبل الأداء، والنظر في الميت والعبد\rأما الميت: فمن مات قبل أداء الكفارة تخرج من تركته، والمذهب أنه لا حاجة إلى وصيته ، وفيه مسائل:","part":1,"page":14},{"id":2395,"text":"أحدها: أنه لو اجتمع في التركة الكفارات وديون الآدميين ففي التقديم ثلاثة أقوال  ذكرناها في الزكاة، فلو حجر القاضي  عليه في حياته بالإفلاس  فلا خلاف في تقديم الديون، لأن الكفارات على التراخي ما بقيت الحياة  الثانية: إذا مات وعليه كفارة مرتبة فللوارث أن يحصل، ولا بأس، وإن حصل الولاء للميت دون إذنه للضرورة، ولو كان عليه كفارة يمين فله أن يطعم عنه ويكسو ولا ضرورة في تحصيل الولاء [له] ، ففي العتق عنه دون إذنه وجهان، والأصح الجواز  كالمرتبة الثالثة: إذا مات ولا تركة له فللوارث أن يطعم ويكسو عنه، وفي العتق خلاف مرتب، وأولى بالمنع لأن التركة إذا بقيت فهي علقة ولا علقة إذ لا تركة، والأجنبي لو اعتق [عنه]  لا ينفذ قطعاً ، وفي الإطعام والكسوة وجهان  على عكس ما ذكرناه في الوارث، لأن الوراثة نوع خلافة، هذا هو المشهور، وفي المسألة وجهان آخران أحدهما: أنه يجزئ عتق الأجنبي على خلاف مرتب على الوارث ذكره صاحب التقريب إذ لا فرق بين الوارث والأجنبي حيث لا تركه والثاني: أن الوارث يخرج كسوته وطعامه أيضاً على خلاف مرتب على الأجنبي لما ذكرناه، وعلى هذا خرج الأصحاب خلافاً في [أن]  الوارث إذا قضى دينه ولا تركة فهل على المستحق القبول أم له الامتناع الرابعة: من عليه صوم كفارة إذا مات ففي صوم  الولي عنه خلاف ، والأجنبي أيضاً يصوم بإذنه وينزل بالإذن منزلة الولي، وهل يصوم بغير إذنه قال الشيخ أبو محمد: فيه خلاف  مرتب على الطعام والكسوة، والصوم أولى بالمنع لأنه أبعد عن القياس، والمعتمد فيه الخبر ، ولو عجز عن الصوم على وجه لا يرجى برؤه فهل يصوم عنه الغير وهو حي بعد فيه وجهان أحدهما: الجواز كالحج والثاني : المنع، لأن الخبر ورد فيه بعد الموت، وهو بعيد عن الاستنابة","part":1,"page":15},{"id":2396,"text":"الخامسة: إذا أوصى بأن يعتق عن كفارة يمينه وزاد قيمة الرقبة على الطعام والكسوة، ولم يف الثلث بها ففيه وجهان أحدهما : أنه يحسب من الثلث لأنه متبرع والثاني: أنه يحسب من رأس المال لأن الأصل واجب والمنصوص غير محل الوجوب وإن قلنا إنه من الثلث ففي كيفية احتسابه وجهان أحدهما: أنه إن لم يف الثلث بجميع قيمة العبد عدلنا إلى غيره والثاني: أنا نحسب أولاً قدر الطعام أو الكسوة من رأس المال، والزائد عليه إن وفى الثلث به نفذنا العتق، وإن لم يفِ عدلنا إلى غيره، وهذا هو الأصح، وظاهر نص الشافعي هو الأول ","part":1,"page":16},{"id":2397,"text":"أما العبد فإذا حلف فعليه الكفارة، فإن فرعنا على الجديد وهو أنه لا يملك [إلا]  بالتمليك فكفارته بالصوم، وفيه مسألتان: أحدهما: أنه إن كان قويا لا يضر به الصوم فالسيد لا يمنعه منه ، و [هو]  كما لو كان يواظب على ذكر الله فلا يمنع منه فإنه لا يُفوِّت الخدمة إلا إذا كانت أمة فله المنع لأجل الاستمتاع وإن كان الصوم يمنعه عن الخدمة أو يضعفه نظر فإن كان اليمين والحنث كلاهما بإذن السيد لا يمنعه وليس ذلك كالمنع في أول الوقت من الصلاة إذ العذر بعيد في تأخير الصلاة إلى آخر الوقت، وآخر العمر  مجهول والعذر فيه عظيم، وقيل له منعه من الصوم كما للزوج منع زوجته من الحج على قول، ولكن الفرق ممكن وهو أن السبب ههنا جرى بإذنه، وهذا الخلاف يبعد في كفارة الظهار فإن في تأخيرها إدامة للتحريم  وإضراراً بالعبد فينبغي أن يقطع بالتسليط على الصوم في الظهار، وهو  المذهب أيضاً في اليمين وإن كان اليمين والحنث بغير إذنه فله المنع لأنه على التراخي، ولو حلف بغير إذنه وحنث بإذنه ففيه وجهان مشهوران ، ولو حلف بإذنه وحنث بغير إذنه فالمذهب أنه يمنعه [إذا]  بالغ في المخالفة لما أقدم  مع إذن السيد له في اليمين المتابعة ، وفيه وجه آخر أنه لا يمنع  لأنه إذنٌ في السبب المقصود، وهذا بعيد فليؤخذ كل شيء من مأخذه ","part":1,"page":17},{"id":2398,"text":"المسألة الثانية: لو مات العبد ولم يكفر بالصوم فللسيد أن يكفر عنه بالكسوة والإطعام، وهل له أن يكفر بالعتق فوجهان ، والمنع من جهة عسر الولاء في حق  الرقيق، وهذا فيه إشكال، وقد نص الشافعي  رحمه الله في دوام الإحصار على أن السيد يريق الدم عن عبده الميت مع التفريع على أنه لا يملك بالتمليك، ولكن الحر الميت كالعبد في أنه لا يملك ومع هذا جوز الإخراج عنه، والرق لا يبقى بعد الموت فاستويا لذلك، وسببه أن تقدير الإجزاء دون دخول ملكه وخروجه منه ممكن بعد الموت، وقبله غير ممكن، ولما لم يكن بدٌ في العتق من زوال الملك حقيقة اختلف فيه الأصحاب ولهذا قلنا المعسر حالة الوجوب لو أيسر فله أن يعتق وهو الصحيح فإن منعنا ذلك لم يجز للعبد إخراج المال عنه أصلاً","part":1,"page":18},{"id":2399,"text":"فرع: من نصفه حر ونصفه عبد إذا كان له مال نص الشافعي  على أن له التكفير بالمال فيطعم ويكسو قال المزني : لا يصح إلا بالصوم لأنه لو أخرج المال لوقع عن جملته والتجزئة غير ممكن في المؤدى كما لا يمكن في المؤدي [حتى]  لم يجز إعتاق نصف رقبة، وإطعام خمسة  مساكين، ومن أصحابنا  من وافق المزني فتحصلنا على قولين منصوص ومخرج،  أما إذ فرعنا على [أن]  العبد يملك بالتمليك فإن لم يملك شيئاً فهو كالمعسر، وإن ملك ولم يأذن له السيد في العتق فكمثل، وإن أذن له فأعتق عن كفارته ففيه خلاف مبني على أن عتقه بإذن السيد مع القطع بنفوذه يوجب الولاء للعبد أم للسيد وفيه ثلاثة أقوال أحدها: للسيد ( ) إذ ثبوت الولاء للرقيق  محال فإنه حق لازم لا يقبل القطع بخلاف النكاح وهو تابع (لملكه) ، وملكه غير لازم فكيف يلزم تابعه، والثاني: أن الولاء موقوف فإن عتق يوماً من الدهر تبينّا أنه له، وإن مات تبينّا أنه لسيده والثالث: ذكره صاحب التقريب أنه للعبد، ولا يبعد ذلك في الرق كما لم يبعد الملك، فإن قلنا الولاء للسيد وكانا سبب العتق  له وانتقاله إليه قبيله فلا يقع عن كفارته، وإن قلنا للعبد فيقع عن كفارته، وهو القول الغريب، ويتنزل ذلك منزلة الطعام والكسوة بإذن السيد ولا خلاف في إجزاءه، وإن قلنا إنه موقوف وحكى الصيدلاني عن بعض الأصحاب أن العتق يقع عن الكفارة في الحال، والولاء موقوف، واختار لنفسه أن الوقوع عن الكفارة أيضاً، ولم يذكر القاضي إلا ما اختاره، وهو الوجه فإنه توقف في أن العتق عن مَن وقع، وحكى الشيخ أبو محمد قولاً غريباً أن العتق يقع عن كفارة العبد والولاء للسيد وكان الولاء صرف إليه لعسر  صرفه إلى العبد لا لوقوع العتق عن السيد ويشهد له ما حكاه [الصيدلاني]  على قول الوقف، والأظهر أن العتق ممن له الولاء ويظهر أثر إيقاع العتق بإجزاء عنه على قول الوقف في الظهار لا محالة، والمكاتب إذا أعتق","part":1,"page":19},{"id":2400,"text":"بإذن السيد وقلنا تنفذ تبرعاته بإذنه [قال]  الأصحاب: برئت ذمته، قال الصيدلاني نتوقف إذ يتصور عوده إلى الرق فننظر ما يكون، فإن قيل: فإذا حكمتم بوقوع العتق عن الكفارة  فلو أذن له السيد وملّكَه فهل له أن يصوم مع التمكن قلنا: هذا محتمل إذ لا يبعد أن يقال: ملكه غير لازم وإذن السيد عرضة للرجوع، ويحتمل أن يقال هو متمكن ولا يصوم فأما إذا كنا نتوقف فلا شك في أن له أن يصوم في الظهار لرفع التحريم في الحال\rالباب الثالث: فيما يقع الحنث به، وذلك بمخالفة موجب اليمين لفظاً وعرفاً، وهو باب جامع الأيمان، ولا مطمع في حصر ما يتصور الحلف عليه ولكن تعرض الشافعي رحمه الله لما يكثر وقوعه فنجمعها في أنواع:\rالنوع الأول: في حكم فقهي يعم جميع الأيمان وهو أن من حلف على الدخول فحمل قهراً وأدخل [قهراً]  لم يحنث، ولو أكره أو نسي فدخل ففي الحنث قولان، واختلفوا في ترتيب الناسي على المكره، وأن الأولى بالحنث أيهما، وقد ذكرنا ذلك في الطلاق، ونزيد ههنا وجهاً لبعض الأصحاب وهو أنه يحنث وإن حمل وأدخل كما لو أذن في الحمل فإنه يحنث قطعاً وهذا بعيد لأنه من حمل بإذنه فهو  في معنى الراكب، والمقصود قد يغلب في الأيمان على اللفظ فيظهر حمل يمينه على حصوله بقصده ولو حمل وهو ساكت قادر على الانسلال فقد ألحقه الأكثرون بصورة الإذن لإشعار  الحال بالرضى، ومنهم من قال يلحق بصورة القهر\rولو قال: والله لأشربن ماء هذه الإداوة غداً فأريق ذلك الماء قبل الغد ففي الحنث قولان مرتبان على صورة الإكراه، وأولى بأن لا يحصل لأنه صار [ممتنعاً]  في نفسه فأشبه المحمول ولكن لما حصل الاسم بترك الشرب اتجه قول في الحنث، ولو عقد اليمين على فعل الغير صح كما يصح إذا عقده على طلوع الشمس، وهل يؤثر نسيان ذلك الغير وإكراهه فيه تفصيل ذكرناه في الطلاق فلا نعيده، ونستثني عن الأصل صور:","part":1,"page":20},{"id":2401,"text":"الأولى: إذا قال: والله لا يفارقني غريمي حتى استوفي الحق منه ففر الغريم قال صاحب التقريب : في المسألة قولان، وكأنه فرّ به، وهذا على الإطلاق فاسد، والوجه أن يقال: إن أراد بما ذكره إخباراً عن [حال الغريم]  ووعداً أو أراد جبر الغريم عن المفارقة فقد حصل الحنث [قطعاً] ، وإن أراد منعه عن المفارقة فإن قدر على مساوقته أو إمساكه فلم يفعل فقد حنث، وإن فر من غير اختياره أمكن تخريجه على القولين، ولو أطلق حمل المطلق على الوعد لا غير الثانية: إذا قال: والله لا أسلم على زيد فسلم عليه في ظلمة وظنه شخصاً آخر ففيه قولان  مرتبان على صورة النسيان وأولى بالحنث، ولذلك قلنا الغالط في الصوم يفطر وإن كان الناسي لا يفطر، لأنه ذاكر لليمين، ولو سلم على قوم وزيد فيهم نظر فإن لم يعلم أنه فيهم ( ) ففيه قولان مرتبان على ما قبله وههنا أولى بأن لا يجب ، لأنه لم يعينه بلفظه ولا قصده، ولو قال: لا أدخل على فلان بيتاً فدخل على قوم وهو فيهم ولم يعلم فقولان مرتبان على نظيره من السلام وأولى بالحنث، لأن السلام لفظ يقبل الخصوص بخلاف الدخول، ولو علم أنه فيهم وسلم فإن استثنيناه لفظاً لم يحنث، وإن استثنيناه نية فكمثل لأن اللفظ محتمل للخصوص قال الشيخ أبو محمد : فيه احتمال ما لم يستثنه لفظاً لأن التوجه إليهم في حكم النص [في]  إرادة جميعهم، وهذا غير سديد، فأما إذا لم يستثن قصداً ولفظاً فقد قصد إدراجه تحت العموم قال العراقيون في الحنث قولان وهذا غير صحيح، والوجه القطع بالحنث ما لم يستثن لأنه سلم عليه معهم، ولو قال: لا أدخل على فلان بيتاً فعزله بالنية عن جمع هو فيهم  فوجهان:  أحدهما: أنه كالسلام","part":1,"page":21},{"id":2402,"text":"والثاني: أنه يحنث، لأن الدخول فعل لا يقبل التخصيص ، ومن قال لا يحنث اعتذر  بأنه لا يبعد أن يقول ما دخلت عليه وإنما دخلت على هؤلاء المشايخ، وإذا وجدت النية مساغاً اتجه إتباعه، وهذا إذا لم يكن قصد تخصيصهم بالدخول عند عقد اليمين، فإن قصد ذلك فلا يحنث قطعاً، ولو كان [هو]  في بيت وحده فعزله بنيته وقصد شغلاً في البيت فهو كما لو قصد الدخول على غيره فيخرج على الوجهين، ولو دخل ولم يعلم أنه فيه فظاهر النص أنه لا يحنث لأنه انضم إلى عدم العلم والقصد  قبول  الدخول التخصيص عند بعض الأصحاب بالأشغال فخرج عن كونه دخولاً عليه، وخرج الربيع أن هذا كالناسي، وصحح معظم الأصحاب تخريجه\rالنوع الثاني: فيما يتعلق بالدخول، وفيه ألفاظ:","part":1,"page":22},{"id":2403,"text":"الأول: إذا حلف على دخول الدار وهو في الدار لم يحنث بالمقام، لأنه لا يسمى دخولاً، كما لو قال: لا أتطهر لا يحنث باستدامة الطهارة قطعاً، ولو قال: لا ألبس ولا أركب حنث بالاستدامة فيهما، إذ يقال للابس  والراكب البس الثوب واركب الدابة يوما ، ولا يقال للمقيم في الدار ادخل، وفيه وجه بعيد أنه يلزم مفارقة الدار كما يلزمه نزع الثوب، والنزول عن المركوب  إذ يجوز أن يقصد  الدار، وهذا فاسد، ولو رقى سطح الدار فلا يكون  داخلاً فيها إلا إذا كان السطح مسقفاً فهو من غرف الدار فيحنث، وإن كان السطح محوطاً غير مسقف فالظاهر  أنه لا يحنث، وفيه وجه أنه يحنث كما لو دخل سوراً محيطاً بالدار من الجوانب والحائط من جانب واحد لا تأثير له، وإن كان من جانبين أو ثلاثة فخلاف مرتب، [ولو حلف]  على الخروج فصعد السطح لا يبر به، إذ ليس به خارجاً كما ليس به داخلاً، ولا يبعد ذلك، كما لو قال: لا أدخل فلا يحنث بدخوله ببعض بدنه، ولا يبر أيضاً في الخروج ببعض بدنه بل لا يسمى داخلاً ولا خارجاً، قال القاضي: إذا لم نجعله داخلاً (وقد)  أخرجناه من الدار والدنو إليه خارج في البر والحنث وأما الدهليز فالحصول فيه دخول في الدار – أعني في ما وراء الباب – وإن كان أمام الدار طاق كما يعتاد على باب الأغنياء والأكابر ففي الحصول فيه وجهان الأظهر أنه لا يحنث فإن  الدار وراء الباب والثاني: يحنث لدخوله تحت بيع الدار، وأما الأزجو الذي يخرج من تربيع الدار كالقوابيل فليس ذلك من الدار قطعاً وقد نص الشافعي رحمه الله على أن داخل الدهليز  لا يحنث فقال الأصحاب: أراد به ما أمام الباب","part":1,"page":23},{"id":2404,"text":"قال الإمام: لا يبعد حمله على ما وراء الباب أيضاً إذ يحسن أن يقال: دخلت الدهليز وما دخلت الدار، ولو انهدمت الدار ولم يبق إلا العرصة  لا يحنث، ولو  خربت [وبقي ما يقال إنه دار خربة]  حنث، [ولو لم يبق إلا ما يقال: إنه كان داراً وهو رسوم دار لم يحنث] \rاللفظ الثاني: إذا قال: لا أدخل بيتاً وأطلق من غير نية حنث بدخول كل بيت حتى بيوت الشعر سواء كان الرجل بدوياً أو قروياً لأن لفظ البيت ينطلق على الخيام قال تعالى: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها}  هذا  ما نص عليه الشافعي، فاضطرب الأصحاب وقالوا: إن كان بدوياً فالأمر كما ذكره سواء كان  في البادية أو في القرى لأن حمله على عموم مقتضاه في  اللغة له وجه ظاهر، أما القروي ففيه ثلاثة أوجه:  أحدها: أنه يختص  لفظه بالمبني لأنه ما يعني في الغالب إلا ذلك فيحمل على ما يغلب على الظن أنه يفهمه من لفظة البيت  والثاني: أنه كالبدوي تعلقاً بوضع الصيغة والثالث: أنه إن كان من قرية قريبة من البادية يسكن فيها البوادي حنث و إلا فلا ثم البدوي إذا كثر مقامه في البلد وصار يناظر الناس بما يتعارفونه ألحق بهم، والقروي إذا تبدى وطال مقامه [أيضاً]  التحق بأهل البادية","part":1,"page":24},{"id":2405,"text":"فإن قيل: نص الشافعي على أن من حلف لا يأكل الرؤوس لا يحنث بأكل رؤوس الحيتان فإن كان يبنى على الاسم فيحنث، وإن كان يبنى على العرف فأصحاب القرى لا يعدون الخيام بيوتاً، فلم قال الشافعي: لا فرق بين البدوي والقروي وهذا السؤال ذكره الشيخ أبو زيد ، وذكر صاحب التقريب  قولاً  أن اسم الرؤوس يعم رأس الحوت والطير، والوجه في الحوت أن يقال: النية في مثل هذه الصورة يظهر اتباعها في الخصوص والعموم، وإنما العموم في المطلق من غير نية فنقول كل ما لا يفهم من اللفظ مع عموم وجوده فلا يتجه تنزيل اللفظ عليه، ومن هذا القبيل لحم السمك فإنه لا يفهم من مطلق اسم اللحم مع كثرته، وكذلك رؤوس الطير  والحيتان، نعم لو نواه الحالف [جاز]  لأنه تعالى سماه لحماً فقال تعالى: {تأكلون منه لحماً طرياً}  وإذا أطلق لفظ البيت وكان بدوياً فقد اجتمع في حقه الفهم والوضع والبيت حقيقة لبيت الشعر  في اللسان، والبيت من باب يبيت فهو الموضع الذي يبات فيه، وإذا صدر من القروي اتجه أن يقال: لا يصدر اللفظ إلا عن قصد فإذا قال: لم أقصد شيئاً قدرنا ذهوله عنه فننزله على ما يغلب من قصده وفهمه، واتجه أن يقال: لم يقصد أصلاً، وتعارض في اللفظ موجب الوضع والفهم وقد قصد إلى اللفظ فنؤاخذه بموجب اللفظ، وإن كان هو لا يفهم من اللفظ ذلك، كما إذا قال: والله لا أكل ما يسمى تفاحاً وهو لا يدري ما التفاح انعقد يمينه بموجب  اللفظ، فإذاً رجع الكلام إلى أن المدعي  عرف اللافظ [بها]  أو عرف اللفظ في الوضع، وعرف الوضع عموم في البيت، وعرف الوضع في (الأكل)  المقرون بالرأس لا يقتضي العموم، حتى قال القفال: لو قال بالفارسية أندَر خانة شوم  اختص بالبيوت المبنية إذ لم يثبت العموم في الفارسية، وهو حسن بالغ، وقال الصيدلاني: لو حلف لا يأكل [الخبز]  وهو في بلاد طبرستان حنث بخبز الأرز، ولا يحنث به إذا كان في بلادنا ","part":1,"page":25},{"id":2406,"text":"وأما المجازات فلا يحمل عليها المطلق بحال كتنزيل الأوتاد على الجبال، والبساط على الأرض وأمثاله، وسنعود إلى هذا الجنس في الحلف على الأكل، ولو قال: لا أكل اللحم فهل يحنث بالميتة ففيه وجهان ، وكذا الوجهان إذا حلف لا يأكل الميتة هل يحنث بالسمك فمِن ناظرٍٍ  إلى الاسم في وضعه ومِن ناظرٍٍ  إلى العرف في استعماله، ولو دخل مسجداً أو الكعبة فميل الأصحاب إلى أنه لا يحنث لأنه لا يعني بالبيت المطلق، وكان كرؤوس الحيتان، وفيه وجه أنه يحنث لأنه كان يسمى بيتاً فبأن جعل مسجداً لا يتغير الاسم وهكذا لو دخل بيت الرحى والحمام فإنه بيت من طريق الصورة ولكنها اختصت باشتهار \r[اللفظ]  الثالث: إذا لا أسكن هذه الدار فلو فارقها على الفور بر في يمينه، وإن سكنها مطمئناً حنث ولو في ساعة، وقدر أبو حنيفة  بيوم وليلة، وهو تحكم، ولو خرج بنفسه وخلف أهله وأقمشته لم يحنث، ولو أخرجهم وسكن حنث، ولو قام بجمع الأقمشة ومبناه في الانتقال على العادة قال المراوزة: لا يحنث وقال العراقيون يحنث، وميل المذهب إلى أنه لا يحنث لأن السكون هو الركون إلى الكون والإقامة، والمتشمر في الانتقال غير مقصر وهو كالرد بالعيب لا يعد مقصراً بالرفع إلى القاضي، والسر فيه أنّا نقدر  من زعم أنه لم يرد شيئاً قصده وذهوله عنه أو نقدر  من القصد ما هو الأغلب وذلك ما يقصد في العرف، ولذلك لا يلزمه العدو هرولة إلى باب الدار ، وما لا يقصد في العرف من الممكنات لا حصر له، والوجه التنزيل على ما ذكرناه\rاللفظ الرابع: إذا قال: لا أساكن فلاناً ففارقه في الحال أو فارق صاحبه لم يحنث وإن أقام ساعة حنث، وإن اشتغل  بنقل الأقمشة فعلى ما سبق من الخلاف، والغرض بيان الأماكن وله صور:","part":1,"page":26},{"id":2407,"text":"أحدها: الخان  إذا جمع  شخصين ولكن  كل واحد في بيت مفرد فقال: والله لا أساكنه ففيه ثلاثة أوجه:  أحدها: أنه لا يحنث فإن بيتين في خان كدارين في سكة فلا مساكنة والثاني: أنه يجب الخروج إذ يتزاحمون على مرافق متحدة في الخان فهما كبيتين من دار واحدة والثالث: إن حلف و [هو]  مع صاحبه في بيت كفاه مفارقته في البيت وإن لم يخرج من الخان، وإن لم يكن معه في البيت فليحدث بعد يمينه بعداً وهو الخروج من الخان\rالثانية: إذا كانا في دار قال المراوزة: البيتان من الدار الواحدة كمكان واحد عند الإطلاق لا كالخان، وذكر العراقيون وجهاً أنه كالخان، وهو بعيد من العرف إن فرعنا على قول المراوزة فلو انحاز الحالف إلى حجرة الدار فإن لم تستبد بمرافقها فهو كبيت من الدار، وإن انفردت بمرافقها وبابها فلا مساكنة ، وإن انفردت بمرافقها ولكن بابها لافظ في الدار وهي طريقها فوجهان، ووجه المنع المساكنة بالاشتراك في الطريق، ولا خلاف أن الحجر المستقلة بالمرافق في الخان مستقلة ولا مساكنة بالازدحام في الطريق على الخان والرجوع في الفرق  إلى العرف وهو بيّن","part":1,"page":27},{"id":2408,"text":"الثالثة: إذا قال: ساكن حجرة من الخان [مستقلة]  لا أساكن فلاناً وهو في حجرة أخرى فلا حنث عند الأصحاب بالإقامة، وحكى القاضي وجهاً أنه لابد وأن يحدث بعد اليمين أمراً، وهذا بعيد، ويلزم قائله طرد ذلك في دور أبوابها لافظة في سكة وقد ارتكب هذا ويلزمه على ذلك في البلدة إذا كان معه في البلدة خارج السكة ، ولا وجه لارتكاب هذا مع إطلاق اللفظ بحال، نعم لو قال: نويت أن لا أساكنه في البلدة فوجهان، ووجه المنع أنه لا ينبئ اللفظ [عنه]  ومجرد النية لا أثر له، ويلزم على تقدير ذلك في خراسان والدنيا  وفي المحلة وجهان مرتبان على البلدة [وأولى]  بالإدراج، وإن كانت [السكة]  منسدة الأسفل وجرت النية فالوجه القطع بالقبول، ولو كان معه في دار فشمر لبناء جدار حائل بين النصفين فالصحيح أنه يحنث بالمكث لذلك بخلاف الاشتغال بنقل الأقمشة وفيه تشبيب لبعض الأصحاب بالتسوية والفرق واضح \rالنوع الثالث: في الأكل والشرب والمأكولات، وفيه ألفاظ:","part":1,"page":28},{"id":2409,"text":"الأول: إذا قال: والله لأشربن ماء هذه الإداوة لم يبر إلا بشرب الكل، وإذا قال: لا أشرب ماء هذه الإداوة لم يحنث إلا بشرب الكل، ولو قال: لأشربن من [ماء]  هذه الإداوة فالبر يحصل بشرب البعض لأن مِن صريح في التبعيض، ولو قال: لأشربنّ ماء هذا النهر فالاستيعاب محال وقد اختلف الأصحاب في مطلق اللفظ فمنهم من قال: هو كقوله لأصعدن السماء فيحنث في الحال لأن الوفاء غير ممكن والثاني: أنه ينزل منزلة قوله لأشربنّ من مائه إذ من السائغ أن يقال: فلان شرب ماء الدجلة أي من مائها فيبر بالشرب منه ، وعند هذا نتعرض للمحالات  في اليمين، فيمين الغموس يستحيل فيه [البر] ، والكفارة واجبة فيه عندنا، ولو قال: والله لأصعدن السماء حنث في الحال، ثم اختلف الأصحاب فمنهم من قال: انعقد اليمين لكون الصعود مقدوراً على الجملة لخلق الله القدرة عليه، وانحل لحصول اليأس بحكم اطّراد العادة، ومنهم من قال: لا تنعقد لأن سبب الحل مقرون ولكن الكفارة عندنا تجب بالحلف ولا نستدعي العقد والحل كما قررناه في الخلاف ولو قال: لأقتلن فلاناً وهو يدري أنه ميت فهو كصعود السماء لأنه مقدور  على الجملة بإحياء الله إياه، ولو قال: لأشربن ماء هذه الإداوة لا ماء فيها فالمذهب وجوب الكفارة، وذكر خلاف  في انعقاد اليمين والحكم بأنه لا ينعقد أولى ههنا لأنه غير  ممكن في نفسه فكان كيمين الغموس، ويقطع فيها بأنها لا تنعقد ولكن تلزم الكفارة، ومنهم من قال: لا كفارة ههنا لأنه حلف على محال في أنه بخلاف الصعود والقتل وهذا الباب لو فتح اضطرب مسلكنا في يمين الغموس، ولو قال: لأصعدن السماء غداً ففي تحنيثه في الحال خلاف مشهور وسيأتي توجيهه، ولو قال: لأقتلن فلاناً وهو يظنه حياً قال الأئمة في وجوب الكفارة قولان مأخوذان من تحنيث الناسي ووجهه أنه عقد اليمين ويظن التمكن من البر ففاته","part":1,"page":29},{"id":2410,"text":"اللفظ الثاني: إذا قال: لا آكل هذين الرغيفين لم يحنث إلا باستيعابهما، ولو قال: لا آكل هذا الرغيف وهذا الرغيف قال الأصحاب: لا يحنث إلا بأكلهما، وذكرنا نظير هذا في الطلاق في التعليق بشرطين، وفي اليمين مزيد إشكال ليس في التعليق بالشرط إذ قوله والله لا آكل ولا أكلم زيداً معناه والله لا آكل والله لا أكلم زيداً، وهو كقوله  رأيته زيداً وعمراً معناه رأيت زيداً و [رأيت]  عمراً، ولكن قطع الأصحاب بما ذكرناه وقالوا: المعطوف والمعطوف عليه بمثابة الاسمين المذكورين في صيغة التثنية، وما من مسألة إلا وهي منبهة على قاعدة معنوية ولكنا ضبطناها بالصور لانتشارها\rاللفظ الثالث: في المأكولات إذا قال: لا آكل الرؤوس لم يحنث برؤوس الحيتان والطيور كما سبق، ولا يفهم  من أكل الرأس رأس السمك والطير في قطر من الأقطار بخلاف بيت الشعر فإنه مفهوم في عرف أهل اللسان والبيت من لغة العرب فاعتبر فيهم عرفهم على تفصيل سبق، وذكر صاحب التقريب قولاً آخر أنه يحنث [به] ، وهذا نظر إلى عموم الصيغة من [غير]  إلتفات إلى عرف عام أو خاص، وهو غير معتد به في المذهب، وأطلق الأصحاب التحنيث برأس البقر والإبل لأن ذلك يؤكل ببعض الأقطار وإن لم يعم جميع البلاد، وذكر صاحب  التقريب طريقين آخرين: أحدهما: أنه لا يحنث إلا برؤوس الغنم وهذا تشوّفٌ إلى مراعاة عموم العرف بكل قطر، وهو سرف والثاني: وهو الأعدل  من هذه الطرقات كل بقعة يعتاد فيها إفراد رؤوس بالأكل ينزل المطلق عليه حتى لو اعتاد طائفة أكل رؤوس الظباء حنثوا بها في أهل تلك البلاد أما في غير تلك البلاد هل يحنثون به فيه وجهان:  أحدهما: يحنثون لجريان عادة به في موضع ما والثاني: لا لانعدام عادة الحالفين وهذا يقرب من لفظ البيت في حق القروي وأنه هل يتناول بيت [الشعر] ، وهذا الترتيب للعراقيين وهو حسن","part":1,"page":30},{"id":2411,"text":"أما اللحم  فلا يتناول لحم السمك من حيث الاسم [و]  لا من العرف فإنه لا يفهم من مطلقه مع عمومه\rوأما البيض قال الشافعي : يحمل على كل بيض يزايل البائض كبيض الدجاج والأوز والبط ونحوها واحترز  عن بيض السمك فإنها تُؤكل من جملة بيض  السمك ولا تتميز، ثم قال الأصحاب: بيض العصافير والحمام وإن كانت (تزايل)  بائضها  فإذا قال: لا آكل البيض لم يحنث بها لأنها لا تفرد بالأكل عادة كرؤوس الطير بالنسبة إلى الرأس المطلق، وإنما ذكر الشافعي مزايلة البائض لإخراج بيض السمك لا لإدراج بيض العصافير، وفي كلام بعض الأصحاب رمز إلى التعميم وهو يضاهي طريق صاحب التقريب في تفهيم اسم الرأس، ولو حلف لا يأكل اللحم لم يحنث بالشحم بغير  ما على الثرب  والكلى، ولا بغير  سمين اللحم فإنه يحنث على الظاهر به، وهل يحنث بالإلية فوجهان  ولو حلف لا يأكل الشحم لا يحنث باللحم الأحمر، وهل يحنث بسمين اللحم ذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص وجهين:  أحدهما: أنه يحنث لتقاربهما صورة وطعماً والثاني: وهو الأصح أنه لا يحنث لأنه يسمى  لحماً عرفاً ثم قال الشيخ: من أدرجه تحت اسم الشحم جعله شحماً حتى لا يحنث به من حلف على أن لا يأكل اللحم، وهو بعيد وحكي عن أبي زيد المروزي أن العربي إذا قال: ذلك فالسمين في حقه شحم، وإن قاله أعجمي فهو لحم، ثم لا يخفى التفصيل إذا استعمل القروي لغة العرب فأما إذا قال بالعجمية: بيه نخورم   لا يحنث بسمين اللحم، والأصح أن سمين اللحم جزء من اللحم وإنما الخلاف في الإلية  مع اللحم وليس الإلية شحماً أيضاً على الطريقة المرضية","part":1,"page":31},{"id":2412,"text":"وسنام البقر منه بمثابة الإلية من الشحم وليس كالشحم، واسم اللحم لا يتناول الكرش، والأمعاء، والكبد، والطحال، والرئة، وحكى الشيخ أبو علي عن أبي زيد المروزي أنه حكى قولين عن ابن سريج في عد كل ذلك من اللحم وهو غريب، نعم في أكل القلب وجهان مشهوران لأنه قريب من اللحم، قطع الصيدلاني بأنه يحنث، وقطع العراقيون بأنه كالكبد\rولو حلف على اللبن حنث بالرائب ، وإن صار قارصاً ، لأن العرب تسميه لبناً تحقيقاً، ولا يحنث بالزبد على المذهب، وفيه وجه لما فيه من الرغوة، وهو فاسد، لأن المتبع الاسم، ولو حلف على الزبد والسمن لا يحنث باللبن، وذكر الفوراني وجهين، وهو بعيد، ولو حلف على اللبن ففي المخيض وجهان ، ووجه الحنث أن العرب في بلادها تسمي المخيض لبناً، وتسمي اللبن في  المخيض الحليب والصريف ، ولو حلف على الزبد لم يحنث بالسمن، ولو حلف على السمن فالمذهب أنه لا يحنث  (بالزبد) ، وفيه وجه بعيد، ولو حلف على السمن لا يحنث بالأدهان، ولو حلف على الدهن هل يحنث بالسمن فيه تردد للقاضي، والمجاز  أنه لا يحنث، نعم روغن  بالفارسية يتناولهما جميعاً، ولو حلف على الجوز (حنث)  بالهندي، ولو حلف على التمر لم يحنث بالهندي هكذا قاله القاضي وهو حسن، إذ العرب تسمي [التمر]  الهندي الخومر   لا التمر، فإن قيل: ويسمى الجوز الهندي الرانج ، قلنا: هذا اسم معرب وليس في الأبنية الأصلية ما يتركب من الراء والنون والجيم \rقال القاضي: ولو حلف لا يأكل لحم البقر حنث ببقر الوحش، ولو حلف لا يركب الحمار هل  يحنث بحمار الوحش فيه تردد\rاللفظ الرابع: في اليمين على الأكل والشرب وما يعمهما:","part":1,"page":32},{"id":2413,"text":"فلو حلف لا يأكل لم يحنث بالشرب، ولو حلف لا يشرب لم يحنث بالأكل والتناول ، والطعم يشملهما، وكذلك قوله بالفارسية تخُورَم فلو حلف لا يشرب سويقاً فَاسْتَفَّهُ، أو لَتَّهُ  بماء وسمن ولم يصر مائعاً لم يحنث، ولو صار مائعاً وشربه حنث فهو شرب، وليس بأكل، ولو صار خاثراً  يتحسى ويؤكل بالملاعق فهذا محتمل يجوز أن يقال تحسيه  شرب، أو يقال: يتناوله اسم الأكل والشرب جميعاً، وليس يبعد إطلاق اسم الأكل على أمثاله، ولو قال: لا آكل السكر فوضعه في فيه حتى انماع وابتلع الذائب فالذي ذكره الأكثرون أنه ليس بأكل، وفيه وجه أنه أكل إذ لا يسمى شرباً، ولو مضغ وازدرد  الرضاض  فهو أكل، وإن ترك الممضوغ حتى ذاب فخلاف مرتب، ولو قال: [لا آكل العنب والرمان فاحتوى بفيه على حباته ولم يزدرد من التفل]  شيئاً فقد قال القاضي: لا يحنث، وفيه الوجه الذي ذكرناه في السكر وهو متجه إذ يسمى هذا في الإطلاق أكلاً للرمان والعنب والسكر، نعم لو جمع ماء الرمان  والعصير وشربهما لم يكن أكلاً، ولو حلف لا يذوق فيحنث بأن يزدرد قدراً يزدرده الذائق، فإن  مجه وأدرك طعمه ولم يزدرد شيئاً ففي حصول الحنث وجهان، والأصح أنه ذائق، وإن لم يزدرد، ولو قال: لا أذوق فأكل أو شرب فالأصح أنه حانث لأنه [ذاق]  وزاد، وأبعد بعض الأصحاب وقال: هذا لا يسمى ذائقاً، ولو قال: لا آكل فذاق ولم يصل إلى باطنه إلا القدر الذي يتجرعه الذائق فهذا ليس أكلاً ولا شرباً فإن قيل: أليس يحنث بأكل القليل والكثير فلِمَ خرج هذا القدر عن موجب الاسم قلنا: نعم جمع الأصحاب بين إطلاق الأمرين وتنقدح احتمالات  أحدها: أن قدر الذوق لا حنث به، وما بعده ينقسم إلى القليل والكثير، والحنث حاصل بالكل والآخر: إنما وراء حد الذائق لا يختلف بالقصد وهذا القدر إن وصل إلى باطنه على قصد الذوق لم يحنث، وإن قصد الأكل والشرب حنث وإن قل الواصل، والمسلكان محتملان","part":1,"page":33},{"id":2414,"text":"ولو حلف لا يأكل السمن فتحسّاه بعد الإذابة لم يحنث لأنه شرب، وليس بأكل، وإن أكله وهو جامد حنث، ولا يشترط المضغ والترديد في اسم الأكل، ولو أكله في العصيدة والفالوذج  فيُقدم على هذا أصل وهو أن من حلف على شيء ومزجه بغيره نظر فإن صار بالخلط مستهلكاً حتى لم يبق له أثر فلا حنث به وهو كالسمن إذا لم يبق له في ( ) العصيدة جرم ولا طعم، ولو بقي أثره من طعم، ولون ولكن استجد اسماً آخر وكان لا يفرد [أركانه]  المختلط بالاسم فوجهان، ولو كان ما حلف  [عليه]  ممتازاً في الجنس كالسمن الممتاز عن العصيدة فإذا أكلهما معاً حنث على المذهب، وقال الإصطخري: لا يحنث لأن الأكل إذا أضيف إلى جنس أُريد أفراده، وزاد على هذا فقال: لو أكله مع [الخبز]  لا يحنث، وهذا أبعد  كثيراً فإنه العادة في أكل السمن، ولو حلف لا يأكل الخل حنث إذا أكله بالخبز إذا كان يروغ اللقمة فيه حتى تتشربه، ولو أكل السكباج  فقد نص الشافعي أنه لا يحنث، وصار معظم الأصحاب إلى تفصيل وهو [أنه]  إن لم يظهر طعمه لم يحنث – وهو مراد الشافعي – وإن ظهر طعمه حنث، قال صاحب التقريب: من الأصحاب من جرى على ظاهر النص وقال: لا يحنث لأن الاسم قد تبدل بخلاف السمن المتميز عن العصيدة هذا ما حكاه ورتبه، ولو قال: لا آكل الرطب فأكل المنصف نصفه بسر ونصفه رطب حنث لا  على مذهب الاصطخري فإنه راعى الإفراد\rفرع: [اسم]  الفاكهة يتناول الرطب واليابس ويتناول العنب والرمان خلافاً لأبي حنيفة،  ولا يتناول القثاء، وفي البطيخ تردد للشيخ أبي زيد ، وفي اللوز وفي الفستق  وأمثاله تردد من حيث أنه من وجه يعد من الفواكه اليابسة ","part":1,"page":34},{"id":2415,"text":"اللفظ الخامس: إذا قال: لا آكل مما طبخه فلان، أو من طبيخ فلان، فالطبخ هو إيقاد النار تحت الآلة التي فيها الطبيخ فلو قطع غيره  اللحم وجمع الأخلاط في القدر فالطباخ هو الموقد دون الجامع هذا ما ذكره الأصحاب، قال الإمام: إن كان جامع الأخلاط أستاذاً جلس عند القدر وكان يأمر وينهى والآخر تلميذ ولا يتعاطى إلا  الإيقاد فلا يبعد إضافة الطبخ إلا الأستاذ، وهذا يلتفت على الفعل المضاف إلى من يترفع عن مباشرته [فيأمر به] ، وسيأتي ذلك، ولو أوقد رجلان تحت قدر فهما شريكان في الطبخ فكان كما لو حلف لا يأكل مما اشتراه فلان فشاركه غيره في الشراء فالصحيح أنه لا يحنث، وليس من الاشتراك أن يوقد أحدهما حتى يطبخ ثم يوقد الآخر بعده ما يتأثر به الطبيخ فالطبخ للأول، ومنهم من قال: هو اشتراك، وهو فاسد، ولو أوقد الأول فسخن الماء ولم يتأثر ما في القدر فاستتم الثاني فالطبخ للثاني فإن انتهى بالأول إلى حد يسمى طبيخاً أضيف إليه، فلو كان قد حلف على من أتى ثانياً وقد أوقد بعد حصول اسم الطبخ ولكن يتأثر به الطبيخ فهذا محتمل، ويجوز أن يقال: يضاف إليه أيضاً كما يضاف إلى الأول، واحتمل أن يقال: إذا أضيف إلى الأول صار الثاني استتماماً وخرج عن كونه طبخاً\rالنوع الخامس: في العقود، وفيه ألفاظ:","part":1,"page":35},{"id":2416,"text":"الأول: إذا حلف لا يأكل طعاماً اشتراه [فلان]  فورثه، أو اتّهَبَه، أو قبل الوصية فيه أو أخذه أجرة في إجارة، أو عاد إليه بالرد عليه بالعيب، أو بإقالة أو سلم له بقسمة بعد الاشتراك  فلا يحنث  في شيء من ذلك،  وإن قلنا القسمة والإقالة بيع حكماً لأن ذلك لا أثر له في اللفظ، ولو حصل [له]  بسَلَم فهو صنف من أصناف الشراء ولم يغلب اسم (السلم)  عليه يمنع اندراجه تحت البيع لا كالإجارة فإن الأجرة لا تسمى مشترى أصلاً، ولو أخذه صلحاً عن دين قال الصيدلاني: لا يحنث لأنه يسمى صلحاً قال الإمام: فيه نظر، لأنه  قريب من السلم فإنه بيع اشتمل على إيجاب وقبول ولو قال: لا أدخل داراً اشترى فلان بعضها فأخذه بالشفعة لم يحنث لأنه لا يسمى بيعاً وإن ثبت له بعض أحكام البيع، ولا شك في أن ما أخذه عن لفظ الاشتراك والتولية فهو شراء وإنما ذلك اختصاص باسم لتمييز الجهة ولو قال: لا آكل طعام اشتراه زيد فاشترك زيد وعمر في الشراء فالمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يحنث [به]  لأن الشراء غير مضاف إلى أحدهما على الخصوص، وقال أبو حنيفة : يحنث بتناول جزء وإن قلّ فإن اشتمل على ما اشتراه زيد، وقيل هو وجه لبعض أصحابنا","part":1,"page":36},{"id":2417,"text":"وسلّم أبو حنيفة أنه لو قال: لا أدخل داراً اشتراها فلان فاشتراها مع  غيره لا يحنث بالدخول، ولا خلاف لأصحابنا أيضاً فيه ولا فرق، ومن أصحابنا من خرّج  في ( ) ذلك وجهاً ثالثاً فقال: إن أكل أكثر من النصف حنث قطعاً لأنه اشتمل على شيء سيقع في حصته لا محالة، وإن أكل النصف فما دونه فلا [حنث] ، وهذا هوس، فأما إذا انفرد زيد بالشراء ولكن خلط بطعام آخر انفرد غيره بشرائه خلطاً لا يتميز فإن أكل قدراَ علم قطعاً أن فيه جزءاً مما اشتراه زيد حنث، وقيل إنه لا يحنث وإن أكل الجميع لأنه لم (يحلف)  على المختلط  وهذا يليق بمذهب الاصطخري ولو سقط من يده تمرة حلف على ألا يأكلها واختلطت بصبرة فلا يحنث  ما لم يستيقن أكل تيك التمرة حتى لو أكل الصبرة إلا واحدة، واحتمل أن تكون هي المحلوف عليها لم يحنث، هذا إن اختلطت بجميع الصبرة، فإن اختلط بجانب فلا يحنث ما بقي من ذلك الجانب واحد ، ولو قال: لا آكل رمانة فأكل إلا حبة لم يحنث، ولو حلف على رغيف فأكل إلا فتات يمكن جمعه لا يحنث، قال الشيخ أبو محمد: يحنث، وإن عسر الجمع إذا أمكن وفيه نظر لأن صاحبه يسمى آكل رغيفاً  ولو قال: لا أحمل خشباً فحملها مع غيرها  لم يحنث","part":1,"page":37},{"id":2418,"text":"اللفظ الثاني: إذا قال: والله لا أشتري  ولا أتزوج ولا أبيع ولا أطلق فوكل بهذه الأشياء لم يحنث، وكذلك لو قال: والله لا أضرب فأمر به لا يحنث  وإن كان من الأمراء الأكابر ، وخرج الربيع أن المحتشم الذي لا يضرب مثله يحنث بالأمر، وهذا وإن ألحق بالمذهب فبعيد في مطلق اليمين وهو أظهر فيما لا يتصور التعاطي منه كما إذا حلف لا يبني بيتاً وهو لا يحسن البناء، والمذهب في الجميع أنه لا يحنث به في مطلق اليمين، أما إذا انتصب وكيلاً في هذه العقود وكل  عقد يفتقر إلى الإضافة إلى الموكل كالتزويج فإذا حلف لا يتزوج ثم  قبل النكاح لغيره لم يحنث لأنه لم يتزوج فيخرج منها أن الوكيل والموكل لو كانا حلفا فلا يحنث واحد منهما لأن الوكيل حلف على عقد المطلق ولم يوجد وإنما وجد عقد مضاف ولا يصح إلا على وصف الإضافة، فأما إذا انتصب وكيلاً في الشراء فإن أضاف إلى موكله صريحاً لم يحنث، وإن أطلق اللفظ ونوى موكله فمذهب جماهير  الأصحاب أنه يحنث  لأنه يسمى مشترياً على الإطلاق، وقوله اشتريت مطلقاً يناقض قوله لا أشتري، وخرج القاضي وجهاً أنه لا يحنث لأن العقد انصرف إلى موكله فصار كما إذا ما صرفه إليه صريحاً، فأما إذا قال: لا أزوج ثم انتهض وكيلاً وزوج حنث لأن تزويج الوكيل كتزويج الولي في الصيغة والمعنى، وإنما الاختلاف في مستند الولاية، ولو حلف لا يكلم  امرأة تزوجها زيد فقبل وكيل زيد له امرأة فكلمها قال الصيدلاني: يحنث، ومعناه لا أكلم  زوجة (زيد)  وهذه زوجته فلا ينظر إلى التعاطي وهو كقوله لا أكلم عبداً ملكه زيد فاشتراه وكيل زيد له  يحنث بمكالمته بخلاف ما إذا قال: لا أكلم عبداً اشتراه زيد فاشتراه وكيل زيد له فإنه لا يحنث بمكالمته ، قال الإمام: ما ذكره الصيدلاني في التزويج خطأ على المذهب، وهو مذهب أبي حنيفة  فإنه يحمل لفظ التزويج على تحصيل الزوجة إما بالتعاطي أو التوكيل، وقد صرح الأصحاب بخلافه فيجب","part":1,"page":38},{"id":2419,"text":"القطع بأنه لا يحنث بمكالمة زوجة قبلها وكيل زيد، وما ذكروه  وإن كان له وجه فليس من المذهب في شيء\rاللفظ الثالث: إذا قال: لا أبيع ولا أتزوج ولا أشتري حمل مطلق ذلك كله على الصحيح حيث لا يحنث بالفاسد فإن الفاسد عندنا ليس عقداً، ولو قال: الزوج لا أبيع مال زوجتي أو قالت الزوجة ذلك لا يحنث ببيعه فإنه بيع فاسد، وذكر صاحب التقريب وجهاً أنه يحنث إذ المراد بذلك الكف عن التبسط في ماله بالبيع فإن بيع مال الزوجة على الصحة  بغير  إذنها غير ممكن وهذا لا ينبغي أن يُعد من المذهب، وقد زاد الأصحاب عليه فقالوا: لو قال: لا أبيع مال فلان أو لا أبيع ماله بغير إذنه فباع ماله بغير إذنه لم يحنث لأنه لم يبع، وإنما الموجود صورة البيع لا معناه، وزادوا فقالوا: لو قال: لا أبيع الخمر لا يحنث ببيع الخمر فإنه حلف على محال فهو كقوله لأصعدن السماء، إذ بيع الخمر غير متصور فإذا  قال: لأبيعن الخمر لم يتصور البر في هذه اليمين بحال قال المزني : إذا قال: لا أبيع الخمر حنث ببيع الخمر، والمراد ههنا صورة البيع قطعاً وهو متجه منقاس ( ) ووجه صاحب التقريب ههنا أوجه ولكن المذهب ما سبق، ولو صرح وقال: لا أشتري شراءاً فاسداً حنث بالفاسد لا محالة، وإنما كلامنا في المطلق","part":1,"page":39},{"id":2420,"text":"اللفظ الرابع: إذا قال: لا أهب من فلان حنث بالرقبى  والعمرى  والنحلة وبالتصدق عليه أيضاً، لأن التصدق يشمله اسم الهبة كما يشمل الفاكهة اسم التفاح، ولا يحنث بالإعارة منه فإنه لا تمليك فيها ، ولا يحنث بالوقف إن قلنا الموقوف عليه لا يملك، وإن قلنا يملك قال الأصحاب يحنث، قال: الإمام : وفيه نظر لأن الوقف بعيد عن اسم الهبة فينقدح فيه خلاف ولو قدم إليه في معرض الضيافة طعاماً فلا  يحنث إن قلنا إنه لا يملك الضيف، وإن قلنا إنه يملك ففيه تردد، والوجه القطع بأنه لا يحنث لعدم جريان اللفظ وبعده عن اسم الهبة، وإذا وُهب ولم يقبض ففي حصول الحنث وجهان:  أحدهما: أنه يحنث لأنه حصل بهذا القدر الاسم والثاني: لا لأنه عبارة عن التمليك ولا يحصل إلا بالإقباض، فإن قلنا إنه لا يتوقف عن القبض فهل يتوقف على القبول قال العراقيون: المذهب أنه ليس بهبة وكيف يتخيل خلافه والفاسد عندنا لا يندرج تحت مطلق العقد، والباطل  لفقد كمال صورته أولى وحكوا عن ابن سريج أنه يحنث إذ قد يقول قد وهبت منه فلم يقبل، ويلزمهم طرد هذا في كل عقد يشتمل على الإيجاب والقبول ولا شك أنهم يطردون، فأما إذا حلف لا يتصدق فوهب، منهم من قال: يحنث وهو اختيار القاضي لأن الصدقة هبة وكل هبة لا تخلو عن ثواب فتكون صدقة، ومن  أصحابنا من قال: لا يحنث لأن الهبة لا تسمى صدقة وإن سميت الصدقة هبة، وكيف يليق بالقاضي هذا الاختيار مع علمه بأنها تحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم الهبة وتحرم عليه الصدقة","part":1,"page":40},{"id":2421,"text":"اللفظ الخامس: وهو قريب مما سبق إذا قال: والله ليس لي مال يحنث بالمال الزكاتي وغيره، وقال أبو حنيفة : لا يحنث إلا بالزكاتي، وقد يقول لا يحنث إلا بالدراهم والدنانير، وعندنا يحنث بكل مال، والدين مال مؤجلاً كان أو معجلاً على معسر كان أو على موسر، وفي المؤجل وجه مأخوذ من أنه غير مملوك وهو غير معتد به،  والعبد المدبر مال، والآبق مال، وفي المكاتب وأم الولد ثلاثة أوجه ، ويفرق في الثالث ويقال: المكاتب ليس بمال لاستقلاله وأم الولد مال، والمنافع ليست بمال في اليمين فإذا كان لا يملك إلا داراً استأجرها لم يحنث لأنه يتناول الأعيان دون المنافع ، ولو قال: مماليكي أحرار دخل الإماء، والمدبرون، وأمهات الأولاد، والظاهر أن المكاتب لا يدخل لاستقلاله بنفسه، وفيه قول آخر أنه يدخل لأن المكاتب مملوك ما بقي عليه درهم ولو قال: عبيدي أحرار لم يدخل الإماء، وذهب بعض المتفقهة  إلى دخولهن إذ يقول استعبدتها كما يقول استرققتها، وهذا فاسد، فإن غالب العرف مقاوم  ما ذكروه، ويغلب عليه\rالنوع السادس: في الأوصاف ، وفيه ألفاظ:","part":1,"page":41},{"id":2422,"text":"الأول: إذا حلف لا يدخل دار فلان فمطلق  هذا للملك فيحنث بدخول كل دار يملكها، ولا يحنث بما يسكنه إعارة  واستئجاراً، ولو قال: لا ادخل مسكن فلان حنث بما يسكنه استئجاراً، واستعارة، فإن من قال: هذه الدار مسكن فلان لم يكن مقراً بالدار له، [ولو قال: لا أدخل داره فدخل ما يملكه ولا يسكنه  حنث، ولو باع فدخل لم يحنث]  ولو قال: لا أدخل دار زيد هذه فباع فدخل حنث في ظاهر المذهب تغليباً للإشارة  وفيه وجه آخر، وهو مذهب أبي حنيفة  أنه لا يحنث فإنه ربطه بالإضافة والإشارة فلا يحنث بوجود أحدهما، وهذا كله عند الإطلاق فلو اتصلت [بنيةٍ]  فيحتملها اللفظ باللفظ اتبع النية، ولكن الأصل موجب اللفظ، وإن كان لا يلائم الغالب في الاستعمال، فإذا قال: والله ما ذقت لفلان ماءً وأطلق لا يحنث وإن كان أكل طعامه إذا لم يشرب ماءً، وإن كان الغالب أن هذا يطلق للكل قال الإمام: ولو نوى الطعام أيضاً لم يحنث لأن حمل الماء على الطعام ميل عظيم عن موجب اللفظ، وإنما تعمل النية إذا كان بين اللفظ والمنوي الاتصال، فأما إذا بعد فلا، فاللفظ متبع في وضعه وإنما ينصرف بالنية فيه بما يحتمله وضعه، نعم ذكرنا أنه إذا حلف بلسان قوم لأهل اللسان  عرف وللافظ عرف بخلافه كالقروي يذكر البيت وليس في عرفه تسمية الخيام بيتاً ففيه تردد وميل النص إلى اختيار عرف اللفظ في اللسان لأنه مستعير للعبارة من واضعه فعرف الواضعين يغلب على عرف اللافظ المستعير، ولذلك  قلنا من أقر بألف درهم مطلقاً لزمه النقرة الخالصة تغليباً لعرف الوصف  على عرف اللافظ، ومن يرعى  عرف اللافظ فيقول كان اللفظ لغة وموضوعاً من جهته هذا فيه إذا لم يكن قصد شيئاً، فإن قال: قصدت ثم ذهلت فالظاهر اعتبار عرف اللفظ  إذ الغالب أنه يطلق  على موجب تعارفه","part":1,"page":42},{"id":2423,"text":"ولو قال: لا أدخل مسكن فلان حنث بمسكنه المستعار والمستأجر والموصى له بمنفعته، وهل يحنث بمسكنه المغصوب وجهان:  أحدهما: أنه يحنث لأنه مسكن والثاني: لا [يحنث]  إذ يقتضى اللفظ أن تكون السكنى له وهل يحنث بدخول دار مملوكة لا يسكنها فيه ثلاثة أوجه:  أحدها: أنه يحنث والمسكن عبارة عن الدار في حق المالك والثاني: لا لأنه ليس بمسكن والثالث: [أنه]  إن كان يسكنه في أقل زمان تتحقق السكنى فيه حنث الحالف  وإلا فلا\rاللفظ الثاني: إذا قال: لا أدخل هذا الباب من هذا الموضع فلو دخل منفذاً آخر من الدار وقد حول إليه الباب لم يحنث لأنه علق بذلك الموضع  فقال: لا أدخل  هذا الباب من هذا الموضع، ولو قلع ذلك الباب فدخل ذلك المنفذ بعينه بعد قلع الباب فوجهان:  أحدهما: [أنه]  يحنث لأن الباب عبارة عن المنفذ والثاني: لا لأن الباب  عبارة عما يرتد  ويفتح، ولو قال: لا أدخل هذا الباب مطلقاً ولم يقل من هذا الباب  فحول الباب إلى منفذ آخر ففي أيهما يحنث فيه ثلاثة أوجه:  أحدها: الاعتبار بالباب فلا يحنث إلا بدخول المنفذ الثاني الذي الباب عليه والثاني: أن الاعتبار بالمنفذ فلا يحنث إلا بدخول المنفذ الأول وإن لم يكن عليه باب والثالث: أنه لا يحنث بواحد منهما والاعتبار بالباب والمنفذ جميعاً فلا يحنث بوجود واحد منهما، ولو قال: لا أدخل باب هذه الدار ولم يشر إلى باب ولا إلى منفذ ولكن لها  باب معين ففتح باب آخر جديد فهل يحنث بدخل الباب الجديد فعلى وجهين:  [فعلى]  وجه ينزل المطلق على باب الدار أي باب كان إذ لا إشارة وعلى الثاني: ينزل على الموجود الكائن حال اليمين ولو قال: لا أدخل هذه الدار فرقى السطح ونزل وخرج ففي الحنث وجهان  ينزل المطلق في أحد الوجهين على الحصول في الدار، وفي الثاني على الدخول المستفاد  من الباب المفتوح وكل ذلك عند عدم النية فإن وجدت كانت متبعة","part":1,"page":43},{"id":2424,"text":"اللفظ الثالث: إذا قال: لا أركب دابة العبد الفلاني فإن قلنا: يملك بالتمليك فيحنث بدابة يملكها ولا يحنث بما لا يملكه إذ الإطلاق في الإضافة للملك، وإن قلنا لا يملك بالتمـ[ليك فلا يتصور الحنث إذ لا ملك  [له]  بخلاف ما إذا قال: لا أركب سرج هذه الدابة ولا أبيع جلها وهو مشهور بالاختصاص بالدابة فإنه يحنث لأن الملك غير متصور للدابة فتعين حمل المطلق على الاختصاص المشهور، والعبد ممن يتصور له ملك  بأن يكاتب أو يعتق فينتظر إلا أن ينوي إضافة  الاختصاص بالركوب فإذ ذاك ينزل عليه\rاللفظ الرابع: إذا قال: لا ألبس ما منّ به فلان علي، أو ما وهب  فلان مني فمطلق اللفظ ينزل على ما سبقت هبته لا على المستقبل لأن اللفظ للماضي، ولو قال: لا ألبس ثوب فلان فاشتراه أو اتهبه لم يحنث بلبسه فإنه لبس ثوب نفسه، ولو قال: لا ألبس ما يمنّ به عليّ فلان فيحنث بلبس ما يتهبه منه، وطريقه أن يبدل المتهب بالبيع بثوب آخر فلا يحنث بلبس ما اشتراه به، ولو باع منه ثوباً مع محاباة في الثمن لم يحنث بلبسه لأنه ما منّ بالثوب وإنما منّ بالحط من ثمنه، ولو قال: لا ألبس ثوباً منّ به فلانٌ عليّ فالذي ذكره الإمام أنه يحنث بالمستقبل، ولو قال: لا ألبس ما وهب فلان مني ينزل على الماضي، ولا فرق بين اللفظتين إلا على أبعاد فالغالب أن الحنث في المستقبل بقوله لا ألبس ثوباً منّ به فلان جرى تساهلاً فإنه ساقه لقصد آخر وهو أنه لا يحنث بالبيع ويحنث بالهبة ( )","part":1,"page":44},{"id":2425,"text":"اللفظ الخامس: التقييد بالصفات: لو قال: لا ألبس قميصاً ففتك قميصاً وصيّره رداءاً وارتدى به نقدم على هذا أنه لو حلف لا يلبس ثوباً حنث بأي ثوب كان لُبس على حسب الاعتياد أو على خلافه حتى لو اتزر بقميص أو ارتدى به حنث لتحقق اسم اللبس، والثوب ، بلى لو لفّ القميص أو طواه ووضعه على رأسه أو عاتقه لم يحنث لأنه حمل وليس بلبس، ومثله قد يعد في الإحرام ستراً للرأس لأنه ستر وليس بلبس والمطلوب ثم ترك الستر والمرتدي والمتزر بالقميص يسمى لابس ثوب، ولو فرش ثوباً ورقد عليه لم يكن لابساً، ولو تدثر به ففيه تردد محتمل","part":1,"page":45},{"id":2426,"text":"رجعنا إلى التقييد فإذا قال: لا ألبس قميصاً ففتك قميصاً وصيره رداءاً فهل يحنث إذا ارتدى به فيه وجهان:  أصحهما أنه لا يحنث لأنه الآن ليس بقميص، وكذلك لو أخذ قميصاً غير مفتوق وارتدى به ففيه وجهان لأن التقييد بالقميص أشعر  بلبسه على هيئة القمصان، ولو قال: لا ألبس هذا القميص فزاد إشارة وتعييناً ثم فتقه إزاراً أو رداءً فوجهان بالترتيب [على ما إذا  لم يشر وههنا الحنث أولى لأن المشار إليه قد بقي عينه، ولو قال: لا ألبس هذا الثوب وهو قميص ففتقه وارتدى به]  فوجهان  بالترتيب والحنث أولى لأنه لم يذكر لفظ القميص ووجه قولنا لا يحنث أنه أشار إلى الثوب وكان قميصاً، ولو قال: لا ألبس القميص قميصاً وصيره رداءاً لم يحنث بلبسه ولو لم يغيره وارتدى به ففيه تردد من جهة بقاء اسم القميص، ولو قال: لا أكلم هذا وأشار إلى عبد فعتق فكلمه يحنث ، وإن قال: لا أكلم هذا العبد فعتق فكلمه فوجهان للإشارة، ولو قال: لا آكل لحم هذه  وأشار إلى سخلة  فكبرت وزال اسم السخلة فأكل منها  حنث، ولو قال: لا آكل لحم هذه السخلة ففي الحنث وجهان  بعد زوال الاسم، وكذلك لو أشار إلى حنطة وقال: لا آكل هذا حنث إذا أكل بعد زوال اسم الحنطة، ولو قال: هذه الحنطة فوجهان ، وكذا لو أشار إلى رطب وقال: [لا آكل]  هذا فأكل بعد أن صار تمراً حنث، ولو قال: هذا الرطب فوجهان، ومن أصحابنا من قال في هذه الصورة ثلاثة أوجه يفرّق  في الثالث بين أن يكون التغيير بالخلقة لا بالصفة  كزوال اسم السخلة والرطب فذلك  لا يمنع الحنث، وإن كان بالصنعة كما في الحنطة فلا يحنث، ولو قال: لا أدخل هذا وأشار إلى دار حنث بدخولها إذا صار فضاء، ولو قال: هذه الدار فوجهان، ولو قال: لا أدخل دار زيد هذه فباعها زيد فالمذهب أنه يحنث بدخولها تغليباً للإشارة،  وفيه وجه آخر قدمناه، وهذه المسألة كالمسائل المتقدمة، ولو أشار إلى سخلة وقال: لا آكل لحم هذه","part":1,"page":46},{"id":2427,"text":"البقرة حنث قطعاً تغليباً للإشارة، وفي البيع خلاف في مخالفة الإشارة العبارة لأن [في]  العقد تعبدات، وقد تعتبر  العبارات، ولو قال: لا ألبس مما غزلته فلانة فيحمل على ما غزلته في الماضي، ولو قال: مما تغزل فيختص  بالمستقبل، ولو قال من غزلها عم الماضي والمستقبل، ثم لو لبس ثوباً خيط بخيوط غزلها قال القاضي: لا يحنث لأن الخيوط لا يقال إنها ملبوسة ، ولو كان لحمة الثوب من غزلها وسداه من غير غزلها أو على العكس لا يحنث لأن اسم الملبوس يتناول الثوب والبعض لا يسمى ثوباً ألا ترى [أنه]  لو التفّ بالغزل لا يكون لابساً، قال الإمام: وفيه احتمال إذ يقال لبس فلان من غزلها، ولو قال: لا ألبس من غزل نسوتي فغزلن ونسجن  فالمصير إلى أنه لا يحنث بعيد، وإذا وجب القول بالحنث [إنما يحنث إلى نسجت]  واحدة منهن ما يمتاز  من غزلها ثوبا على حياله، نعم لو قال: لا ألبس ثوباً من غزل فلانة فإذا لبس [ثوباً]  فيه غزلها وغزل  غيرها لم يحنث","part":1,"page":47},{"id":2428,"text":"اللفظ السادس: يقرب من هذا الجنس - وهو مذكور في الطلاق أعدناه لمزيد فائدة - إذا قال لامرأته: إن خرجت [بغير إذني]  فأنت طالق فقد علق الطلاق على خروج يجري مراغماً للزوج فلو أذن فخرجت لم يحنث لفقد المراغمة هذا إذا سمعت  فإن لم تسمع [فهذا]  فيه  خلاف يمكن أن يقرب من الخلاف في عزل الوكيل في الغيبة فإن فرق بينهما بأن العزل (موجود)  بحده ولكنه لم ينفذ لمصلحة التصرف وههنا الإذن موجود بحده والخروج جرى بعده قلنا لهذا نحكم  بأن الظاهر أنه لا يحنث  ولكن يمكن أن ينازع في حد الإذن ويقال البينة والإعلام للمأذون من ضرورة الإذن وكمال حده وصورته وأن يسلم  وجود الإذن فيمكن أن يقال مقصوده منعها من الإستبداد برأيها وقد أتت بما في وسعها فيلتفت على قولنا أنها إذا كانت ناسية لم يحنث لأن المقصود منعها من الفعل قصداً واستبداداً فيلتفت على ذلك الأصل، والمشكل أمر آخر نص الشافعي  [عليه]  وهو أنها لو خرجت بالإذن  ثم عادت وخرجت ثانياً لم تطلق وانحلت اليمين بالخروج الأول، وخالف فيه أبو حنيفة  إذ اليمين تنحل بوجود صورة الحنث حتى لا تجد اليمين نفاذاً والخروج بالإذن ليس من صورة  الحنث فهو كما لو قال: إن خرجت لابسة حرير فأنت طالق، فخرجت من غير حرير ثم خرجت  لابسة حرير، وذكر الأصحاب [هذا]  وسلموه وطلبوا فرقاً بينهما وهو عويص ممتنع، ونقل الشيخ أبو محمد قولاً مخرجاً مثل مذهب أبي حنيفة وهو حسن لو لا أنه غريب ووجه الفرق على حسب الإمكان نبهنا عليه في كتاب الطلاق\rالنوع السابع: وفيه ألفاظ:","part":1,"page":48},{"id":2429,"text":"الأول: في اليمين على الكلام إذا حلف لا يكلم فلاناً  لم يحنث بالمكاتبة والمراسلة ، ويحنث بالسب والشتم والترحيب  والإيعاد، فلو قال: والله لا أكلمك تنح عنى حنث بقوله بعد اليمين تنح عني، وقال أبو حنيفة : ما يجري من الزجر متصلاً بالحلف لا يحنث [به]   ولو رمز إليه بإشارة  مفهمة ففيه قولان:  القديم أنه يحنث لأن الرموز والإشارات  دلالات عند قوم كالعبارات، وقد استثنى الرب سبحانه الرمز عن الكلام في قصة زكريا، والجديد: أنه لا يحنث وهو الصحيح، فالكلام هو النطق باللسان في العرف واليمين تؤخذ من عرف الإطلاق لا من الأحكام ، وقد يتردد المفرع على الجديد في إشارات الأخرص ولا ينبغي أن يتردد فإن تنزيل إشارته منزلة العبارة [أمر]  حكمي  لحاجة المعاملة فلا تؤخذ الأيمان  منه، وعلى هذا إذا أشار الأخرص في الصلاة ببيع أو عقد من العقود فينبغي أن يخرّج بطلان صلاته على القولين، ولو حلف ليهاجرنّ فلاناً لم يحنث بالكتابة ، والمهاجرة المحرمة لا ترتفع بالمكاتبة، وهل  تنقطع المهاجرة بالرمز [هذا]  فيه تردد فإنه وإن لم يكن كلاماً فهو ضد المهاجرة من وجه [وهو متجه] \r[اللفظ الثاني: إذا قال: والله لا أتكلم وأخذ يردد شعراً مع نفسه حنث ولو قرأ القرآن وسبح وهلّل، قال الأصحاب: لا يحنث ، وقال أبو حنيفة : يحنث، وفيه احتمال أخذاً من التسبيح والتهليل] \rاللفظ الثالث: إذا قال: لأثنينّ على الله أحسن  الثناء فالبر أن يقول لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، ولو قال: لأحمدن الله بمجامع الحمد [فقد]  قيل مجامع الحمد ما ذكره جبريل لآدم عليهما السلام إذ قال: علمني مجامع الحمد فقال: «[قل]  الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده»  ","part":1,"page":49},{"id":2430,"text":"فرع: لو قال: والله لا أصلي حنث بالتحريم بالصلاة قبل الإتمام، وإن بطلت عليه الصلاة بعد ذلك، ومن أصحابنا من قال: لا يحنث ما لم يأت بصلاة صحيحة تامة وأقلها ركعة حتى لو صلى ركعات وأفسدها في آخر صلاة لم يحنث، وعلى هذا إذا تمم فيحنث عند نجاز الصلاة إذ ليس  الفساد في أول الصلاة فعلى وجهين، وكذا الخلاف إذا قال: لا أصوم وأصبح صائماًَ، ولو قال: والله لا أحج وتحرّم بالحج على الفساد قال الإمام: يحكم بالحنث فإن الحج منعقد موصوف بالفساد فهو حج كما أن أبا حنيفة لما اعتقد البيع الفاسد منعقداً حكم بالحنث به\rالنوع الثامن: في تقديم البر وتأخيره : وفيه ألفاظ:","part":1,"page":50},{"id":2431,"text":"الأول: إذا قال: لا آكلن هذا الطعام غداً فلا يخفى وجه البر، فلو هلك الطعام وقد بقي من الغد بقية وقد أخر الأكل مع الإمكان حتى هلك الطعام أو مات الحالف فظاهر المذهب القطع بتحنيثه، لأنه ترك مع التمكن  من البر ودركه فيه ، ومنهم من خرج ذلك على أن من أخر الصلاة إلى وسط الوقت فمات هل يعصي وشبه بأن كل واحد مخصوص بوقت مقدر والصحيح أنه لا يعصي في الصلاة، ويحنث في مسألتنا، لأنه معتمد اليمين الاسم، ويسمى هذا الرجل تاركاً للبر، والوقت في الصلاة أثبت فسحة ولا تنكر الرخصة في تأخيرها، ولو تلف الطعام قبل مجيء الغد فقد فات  البر لا باختياره ففيه قولان  ذكرناهما في الإكراه، فإن قلنا الحنث يعتمد فوات صورة البر وإن لم يكن عن اختيار  فمتى يحنث فيه وجهان:  أحدهما: أنه يحنث في الحال إذ لا معنى للتوقف بعد حصول اليأس والثاني: لا يحنث قبل مجيء الغد وعلى هذا وجهان:  أحدهما: أنه يحنث بمضي مدة تسع الفعل بعد أول اليوم والثاني: أنه يحنث بغروب الشمس من الغد وهذه الاختلافات جارية في قوله لأصعدن السماء غداً في أنه يحنث في الحال أم  يؤخر، ولو أنه أكل الطعام قبل الغد حنث قطعاً  لأنه المفوت باختياره ويبقى الخلاف في وقت الحنث، وكذلك لو أكل بعض الطعام إذ البر في أكل كل الطعام غداً، وتظهر فائدة تعجيل الحنث وتأخيره في جواز أداء الصوم، واعتبار حال اليسار والإعسار إذا قلنا العبرة بحال الحنث","part":1,"page":51},{"id":2432,"text":"اللفظ الثاني: إذا قال: لأقضين حقك غداً فمات صاحب الحق قبل الغد فالبر ممكن بالتسليم إلى ورثته، ولو قال: لأقضينك حقك  فقد فات البر بموته فيخرج على ما قدمناه، ولو مات الحالف في هذه الصورة قال الأصحاب: هو كفوات الطعام، وفيه مزيد نظر فإن تحنيث الميت أبعد، قال الإمام: إن قلنا يحصل الحنث غداُ فلا حنث في حق الميت، وإن قلنا بتعجيل الحنث فيمكن إلحاق ذلك بهلاك الطعام، وفيما ذكره نظر عندي فإنا وإن قلنا بتأخير الحنث لا يبعد الحكم بعد الموت وقد سبق السبب في الحياة، واليمين السابقة هي  السبب للكفارة إذا صار حلف تقديم  البر، وقد صار حلفاً ، وإن قلنا بتعجيل الحنث فيبقى أيضاً الإشكال فإنه يحصل عند اليأس واليأس بالموت مترتباً عليه أو مقروناً به فيكون توجيه الكفارة، وتحقيق  صفة الحنث على ميت، ولو قال: لأقضين حقه  غداً إلا أن يشاء  معناه أن يشاء تأخيره، فإن شاء التأخير لم يحنث وإلا حنث بالتأخير، وإن لم يشأ أو مات وأيسنا عن مشيئته حصل الحنث بالتأخير على التفصيل المقدم ونقل المزني عن الشافعي أنه قال: إذا قال: لأقضينك حقك إلا أن يشاء زيد فمات زيد لا يحنث، قال المزني: عطف هذه المسألة على ما قبلها غير صحيح فإن المنعدم  بموت زيد المشيئة المستثناة فاندفع الاستثناء فتبقى اليمين ويحصل الحنث فينبغي أن يحنث في هذه الصورة، ولا يحنث فيما قبلها، والذي ذكره المزني صحيح، والعطف الذي ولّفه  لم يُر للشافعي فالخلل في النقل ووضع المسائل، وقد قال الشافعي : إذا مات زيد وصاحب الحق قبل مجيء الغد لا يحنث  فحذف المزني [ذكر]  صاحب الحق","part":1,"page":52},{"id":2433,"text":"اللفظ الثالث: إذا قال: لأقضينّ حقك عند رأس الهلال قال الأصحاب: شرط البر أن يترصد الاستهلال فيقضي معه، فلو  قضى قبله فقد فوّت البر ولو أخر فقد حنث فليكن معه لا قبله ولا بعده، فإن كلّمه عند الغم  وهذا تجاوزه الأصحاب وهو مستحيل في القوة البشرية لا يمكن الوفاء به، فإما أن يقال: أراد الحالف التزام محال فيحنث، ولا وجه لذلك، وإما أن يحمل على ممكن في الاعتياد، فأما  إذا أخرجنا رؤوس الطير عن مطلق اسم الرأس بالعادة فهذا أولى فالطريق أن يحضر المال قبيل  الاستهلال، ويراقبه ويأتي بالقدر الممكن في المبادرة وحصل  البر به، والشرع بمثل هذا المعنى جعل جميع الليل وقتاً لنية الصوم فإن الاقتران غير مقدور عليه، وذهب ذاهبون إلى أنّا نوسع عليه الليل ويومها، وهذا خروج عن الاعتدال، وقد أتى بلفظ يدل على الغم وهو ممكن على وجه يسمى في العرف اقتراناً وإن لم يعنِ رؤية الهلال، وقد يغم الهلال فيستكمل ثلاثين يوماً فالمعني بالهلال إذاً جزء من أول الشهر، وهو أول جزء من الليلة الأولى، وقد نقل المزني لو قال: عند رأس الهلال أو إلى رأس الهلال وجمع بين هاتين المسألتين مع أن كلمة إلى للمد والبسط إلى أول الشهر، وعند للضم  والجمع، وقد ذكر المزني هذا الاعتراض، فقال المحققون: الحق ما ذكره المزني إن كانت المسالتان مطلقتان، وإن زعم أنه أراد بقوله: إلى، معنى الضم ففي قبوله وجهان:  أحدهما: أنه [لا]  يقبل ( ) لأن إلى صريح في المد (والتحديد)  والتأقيت والثاني: أنه مقبول إذ تطلق [إلى]  بمعنى مع، قال تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}  أي مع أموالكم، وهذا مما ينبغي أن يقطع به لأنّا نكتفي في الأيمان بما يكتفي به في التدين في الطلاق، وهذا القدر من الاحتمال كافٍ، وحكى القاضي أنه عند الإطلاق يحمل على الجمع  وأنه لا فرق بين المسألتين، وكل ذلك خبط، والوجه الفرق عند الإطلاق والقبول عند  النية","part":1,"page":53},{"id":2434,"text":"اللفظ الرابع: إذا قال: لأقضين حقك إلى حين، قال الشافعي  رحمه الله: هذا ليس بمعلوم، والأمر على ما قال، والمراد  أنه لا يعلم قدر قسطه  على الأبد وهو مدة  العمر، وكذلك قوله: إلى دهر وإلى حقب وإلى عصر وإلى وقت وكل [ذلك]  ينبسط إلى  أقصى الأمد إذ لا منتهى له فإن قيل: لو قال: إذا مضى حين فأنت طالق فإذا مضى أقل زمان وقع الطلاق فأي فرق بينه وبين قوله إذا مضى حين فأقضينّ  حقك! وقد قال الأصحاب في هذه الصيغة أيضاً: أنه  ينبسط على العمر قلنا: ما ذكره الأصحاب، والإشكال في جانب الطلاق لا في جانب اليمين فإن العرف قاض بأن القضاء إذا أجل بحين في معرض الوعد اقتضى ذلك فسحة تزيد على لحظة وهذا مقطوع به في الفهم فإذا تجاوزنا اللحظة فلا مرد بعده فنقول مهما قضى قبل الموت فقد برّ لأنه قضى بعد حين، وإنما الإشكال في قوله إذا مضى حين فأنت طالق ووجه الفرق أن الطلاق إيقاع، واليمين وعد، والإيقاع يستدعي حصول الاسم فكل ما يسمى حيناً إذا تحقق المضي فيه والطلاق يتعلق  به فيسبق إليه، إلا أن وراء هذا إشكال آخر إذ نص  الأصحاب على أنه إذا قال: إذا مضى عصر أو دهر فأنت طالق طلقت بمضي لحظة، وسئل أبو حنيفة  [عن]  هذه المسألة فقال: لا أدري ونحن لا نتوقف ، وعلى الجملة تنزيل العصر والدهر على لحظة لا وجه له، ولكن النقل ما ذكرنا  \rالنوع التاسع: فيما يطلق في الخصومات وفيه ألفاظ:","part":1,"page":54},{"id":2435,"text":"الأول: إذا قال: لا أرى منكراً إلا رفعته إلى زيد القاضي فإذا رأى منكراً وتمكن فليرفعه إليه، فإن أخره مع التمكن بزمان  ثم رفع  فقد حصل البر إذ ليس في لفظه ما يوجب البدار عقيب الرؤية، وفي هذا يفارق الطلاق فإن الترتيب فيه يوجب التعقيب وقد نبهنا على وجه الفرق، فلو (لم)  يرفع مع التمكن حتى مات أو مات القاضي حنث إذ ذاك، ولو لم يتمكن حتى مات واحد منهما فقد فاته البر ولكن كان مكرهاً فيخرّج على الخلاف الذي قدمناه ولو رأى المنكر  وابتدر الرفع [فمات القاضي]  قبل أن انتهى إلى مجلسه فطريقان، منهم من قطع بأنه لا يحنث، ومنهم من خرّج على  فوات البر بالضرورة، ولو عُزل القاضي ورأى منكراً فهل يتعلق البر برفعه إليه بعد العزل فيه خلاف نبّهنا على نظيره في قوله لا آكل لحم هذه السخلة فكبرت، وأطلق الأصحاب قولين ههنا من تردد كلام الشافعي رحمه الله إذ قال: إن لم تكن نية خشيت أن يحنث يعني إذا لم يرفع بعد العزل، ولا خلاف في أن نيته في التعميم أو التخصيص متبعة ولو قال: لا أرى منكراً إلا رفعته إلى قاضي  [لم يتعين أحد]  ولم تنحل اليمين بموت قاضي، ولو قال: رفعته إلى القاضي فهذا هل يختص  بالقاضي المتصدي للأمر حالة اليمين فيه وجهان  عند الإطلاق لأن الألف واللام تطلق للتعريف، وتطلق للجنس كما يقول القاضي لا بد [للمدعي من البينة]  ولا يقدم  خصماً على خصم، ويريد به الجنس، ولو عين القاضي فرأى منكراً في حالة قضائه وقلنا الرفع بعد العزل ينفع  [فلا نحنثه]  بالعزل فإنا نتوقع أن يولّى ثانٍ فيبر في اليمين، ولو رأى ذلك [المنكر]  بين يدي القاضي فإذا اطّلع عليه هل يرفعه إليه نظر فإن كان مع القاضي واشتركا في الاطلاع فلا معنى [للرفع] ، ولو رآه القاضي وحده ثم اطّلع هو عليه ففيه وجهان:  أحدهما: أنه يبر بالرفع تحقيقاً للاسم","part":1,"page":55},{"id":2436,"text":"والثاني: أنه لا يبر لأن الرفع عبارة عن الإعلام وقد فات فعلى هذا يخرّج الحنث على ما لو انصبّ ماء الإداوة وقد حلف على شربها أو أبرأ عن الدين وقد حلف على قضائه إذا قلنا لا يفتقر الإبراء إلى القبول وإن قلنا يفتقر [فقبل]  فهو المفوت فيحنث قولاً واحداً\rاللفظ الثاني: إذا حلف لا يفارق غريمه ( ) حتى يستوفي منه حقه فلا يخفى فعل  الحالف في حال إكراه ونسيان واختيار، فأما الغريم إذا فارق فلأصحابنا طريقان ذهب الأكثرون  المعتبرون إلى أنه لا يحنث بمفارقته  غريمه إذا كانا جالسين فلا يلزمه مساوقته وإن قدر عليه لأنه لم يعقد اليمين إلا على فعل نفسه وهو لم يفارق وإنما فارقه غريمه، والشافعي   صور في المسألة فرار الغريم وليس ذلك شرطاً  ولكن جريٌ على العادة في التصوير، ومنهم من قال: إن قدر على المساوقة حنث، وإن فرّ الغريم فعلى قولي الإكراه، وقالوا ترك المساوقة مفارقة ولذلك جعل مبطلاً للخيار في مجلس البيع، وهذه الطريقة ركيكة، هذا إذا كانا جالسين، فإن كانا يتماشيان مصطحبين فجرى الحلف ومر الغريم ماشياَ، ووقف الحالف فلاشك أنه يحنث على الطريقة الأخيرة، وعلى الطريقة الأولى الصحيحة قال القاضي: يحنث أيضاً لأن الاقتران منسوب إلى من أحدث فعلاً جديداً في المسألتين، ثم إلى المفارق وههنا إلى الواقف، قال الإمام: هذا تخييل ولا فرق بين الوقوف عن المشي وبين السكون عن المكان فلا يضاف إلى الواقف الفراق، ولا خلاف في أنه لو أبرأه حنث فإنه  لم يستوفِ، ولو أخذ منه عوضاً  نقل المزني أنه إن كان لا يساوي مقدار حقه حنث وإلا فلا يحنث، ثم اعترض وقال: وإن كان يساوي فهو عوض حقِّه لا حقَّه، واتفق المحققون على أن المذهب ما ذكره المزني لا ما نقله، وقالوا: ما نقله أجراه الشافعي حكاية لمذهب الغير، ولو حكم القاضي بفلسه والزم الحالف مفارقته فيخرّج على قولي  الإكراه، ولو فارقه أو علم فلسه دون حكم القاضي يحنث","part":1,"page":56},{"id":2437,"text":"لأنه مختار، وكذلك عند حكم القاضي إذا لم يلزمه مفارقته \rاللفظ الثالث: إذا قال: والله لا نفترق فإن فارق الحالف حنث، وإن سكن الحالف وفارق الغريم فوجهان الظاهر أنه يحنث لأنه عقد على صفة تتعلق بالجانبين بخلاف الصورة السابقة، وهذا ما يطابق صورة التفرق  في خيار المجلس، وفيه وجه آخر أنه لا يحنث كالصورة [السابقة وأن يمينه تنزل]  على فعله لا على فعل غيره","part":1,"page":57},{"id":2438,"text":"اللفظ الرابع: إذا قال: لعبده والله لأضربنّك مائة خشبة فيحصل البر بضربه بشمراخ عليه مائة  من القضبان وهذا متفق عليه، ومطلق اللفظ لا يرشد إليه ولكنه تخييل بعيد، قال  تعالى: {وخذ بيدك ضغثاً  فاضرب به ولا تحنث}  في قصة أيوب ولكن فهم  العلماء أنه ما سيق سياق النسخ والتغيير بل ورد ورود التقرير واعتضد ذلك بقوله عليه السلام في المخدّج الذي خبث بامرأة: «خذوا عثكالاً  عليه مائة شمراخ فاضربوه»  ولولا الآية لما بنينا على قصة المخدّج هذا الحكم في اليمين، ثم لا بد من الضرب على وجه يزيد على الإمساس ويؤثر بعض التأثير وإن كان على قميص وحائلٍ فينبغي ألا يكون مانعاً للأمر ، وينبغي أن يكبس  بعض القضبان على بعض بحيث تتثاقل فلو بقيت متجافية ولم ينكبس لا نكتفي به، ومن أصحابنا من قال: لا بد وأن ينبسط الجميع على بدنه فلا أقل  من ملاقاة الآلة المضروبة، والتثقيل والانكباس لا يكفي والآية مشعرة فإن ذلك لا يشترط فإنه لا يقع بالضربة الواحدة، فلو شككنا في حصول التثقيل والانكباس، أو في حصول المباشر  [ولا مساس به]  إن شرطناها فقد نص الشافعي  على أن البر حاصل، ونص في مسائل الاستثناء على أنه لو قال: لا أدخل الدار إلا أن يشاء زيد فمات زيد ولم يدرِ أشاء أم لا وكان دخل الحالف حنث  فاختلفوا على طريقين منهم من قال قولان بالنقل والتخريج والجامع الإشكال، ومنهم من فرق وقال الغالب الانكباس فإن القضبان لينة سهلة المهصر والمعطف فيستند إلى الظن في نفي الحنث، والأصل عدم المشيئة، ولا ظن يوجب تقريره ، ولو كان [الضرب]  بحيث لا يثير ظن الانكباس بل يثير احتمالاً مجرداً فلا ينبغي أن يحكم بنفي الحنث ويستند أيضاً إلى الآية فإن ظاهرها مشعر بنوع رخصة وتخفيف وطلب الظن قريب أما ( ) الاكتفاء بمجرد الاحتمالات بعيد، هذا في الخشبة","part":1,"page":58},{"id":2439,"text":"أما إذا قال: لأضربنّه مائة سوط فقال  الجماهير: لا يكفيه الشماريخ  فإنها أخشاب وليست بسياط فعلى هذا يكفيه أن يجمع مائة سوط ويضرب به ضرباً واحداً كما وصفناه في الشمراخ ، وفيه وجه آخر أنه لا فرق بين لفظ السياط والخشبات في الاكتفاء بالشمراخ، ولو قال: لأضربنّ مائة ضربة فلا بد من ضربات متواليه لأنه اعتبر بعدد  الضربات، وذكر العراقيون وجهاً أنه لو أوقع الضربات بالسياط معاً  كفى، وعلى الأحوال ينبغي أن يزيد أثر الضرب على الامساس، ولا يشترط الإبلاغ في (الألم)  إلا أن يقول لأضربن ضرباً شديداًُ فلا بد من ألم راجع يسمى شديداًَ، و لا حد له نحصره به هذا تمام ما ذكره الشافعي من مسائل الأيمان  [وتصويراتها لا تحصر، ولعل ما ذكرناه منبه على ما لم نذكره] ، والاختتام بفرعين:\rأحدها: سئل القفال على الكرسي عن رجل قال: إن أكلت البيض فزوجتي طالق فاستقبله إنسان وفي كمه شيء فسأله ومنعه فقال: إن لم آكل مما في كمك فزوجتي طالق فإذا هو بيض فما طريق الخلاص فلم يتجه  له الجواب فلما نزل قال له  المسعودي طريقه  أن يتخذ منه قبيظاً ويأكله فلا يكون آكلاً للبيض ويكون قد أكل مما في كمه فإنه أبهم ولم يقل من البيض الذي في كمك، والجواب سديد\rالثاني: من  حلف لا يشم الريحان فلفظه المطلق محمول على الضيمران الفارسي، وهو المسمى شاه اسبرغم، والورد يحمل على المعروف لا على الأزهار، ولو قال: لا أشم البنفسج لا يحنث بدهن البنفسج وإن أدرك ريحه، كما لو قال: لا أشم المسك فأدرك ريحه من ثوب لا يحنث، وذكر صاحب التلخيص  وجهاً أنه يحنث بدهن البنفسج، وهو بعيد، ثم يختص به من بين الأدهان إذ قد يسمى دهن البنفسج بنفسجاً ","part":1,"page":59},{"id":2440,"text":"كتاب النذور\rوالأصل فيه قوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ، وقوله: أَوْفُوا بِالعُقُوْدِ، وقوله عليه السلام لعمر [رضي الله عنه]: «أوف بنذرك»\rوالنظر في أحكامه، وأركانه:\rأما الأركان: فهي الملتزِم والملتزَم، وصيغة الالتزام:\rأما الملتزِم: فكلُّ مكلَّف هو من أهل العبادة، وفي نذر الكافر نظر من حيث أنه قال لعمر [رضي الله عنه]: «أوف بنذرك» وكان قد نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية, مع أنه لم تكن له أهلية العبادة\rوأما صيغة الالتزام: فهي على ثلاثة أوجه:\rأحدها: أن يقول إن شفى الله مريضي فلله عليَّ صوم، أو صلاة، أو صدقة، وكذلك إذا علَّقه بكلِّ نعمة توجب شكراً، وهو المسمَّى نذر التبرر، فيلزمه ما التزم\r(والثاني): أن يعلِّق على ما ينبغي الامتناع منه، وهو نذر الغضب واللجاج، وفي موجبه ثلاثة أقوال كما سبق في أول الأيمان\r(والثالث): أن يلتزم ابتداءاً من غير تعليق, فيقول: لله عليّ أن أصوم، أو نذرت لله أن أصوم, ففيه قولان مشهوران، وتوجيه قولنا: أنه [لا يجب أنه] تبرع لا استناد له إلى وجوب, لا كالضمان فإنه يستند إلى دينٍ واجب، ولا كنذر التبرر فإنه التزم عوضا عن نعمة فلم يبعد وجوبه\rوقد ذكرنا صوراً تتردد بين (التعليق) والتبرر، وبيّنا أن المتبع فيها النية\rثم النذر واليمين إنما يوجب موجبه إذا لم يستعقب استثناءاً فلو عقبه بالتعليق بمشيئة الله كقوله عليّ صوم إن شاء الله فلا يلزم","part":1,"page":1},{"id":2441,"text":"قال صاحب التلخيص : والاستثناء جائز  في كل ما عقب به الكلام من يمين، وطلاق، وعتاق، ونذر، ووقف، وإيجاب أضحية، وإقرار، وعقد بيع، ونكاح، ورجعة، فلو قال: لفلان عليّ عشرة دراهم إن شاء الله، [أو قال راجعتُك إن شاء الله، أو زوجتُك إن شاء الله]  لم يكن ذلك واجباً، وكذلك لو قال استوفيتُ ما على مُكاتَبي إن شاء الله [قاله]  في اليمين، والطلاق، والعتاق، واستيفاء المُكاتَب نصاً، وقلته في الباقي تخريجا هكذا ذكره صاحب التخليص \rولو قال: لله عليّ صوم يومٍ إن شاء زيدٌ فشاء زيد قال القاضي : لا يلزمه لأنه لم يجزم التزام النذر به \rقال الإمام  : هذا عندي خطأ، بل هو كما لو قال لله عليّ صوم يومٍ إن قدم زيد فالتعليق بمشيئته كالتعليق بقدومه \rوأما الملتَزَم بالنذر: فقيل: إنه كلّ عبادةٍ لها أصل في  الوجوب شرعاً، هكذا قاله الشيخ أبو محمد ، ثم قطع بأن تجديد الوضوء لا يلزم بالنذر؛ إذ لا أصل لوجوب الوضوء دون الحدث، وتكلّف تخريج الاعتكاف بأنه مكثٌ [في]  مكان, وله أصل واجب وهو الوقوف\rوهذا فاسد، والأولى أن يقال: كل عبادة مقصودة حتى تشمل الاعتكاف \rوشفاء الغليل يحصل بتفصيل, فالأفعال على ثلاثة مراتب: \rالمرتبة  الأولى: ما شرع عبادة مقصودة فهي ملتَزمة بالنذر كالصَّلاة، والصوم، والصدقة، والحج\rويلتحق بهذا فنّان أحدهما: كل (صفة)  مستحبة في العبادة، إذ نصَّ الشافعي  على أنه لو نذر الحج ماشيا لزِمه إذا قلنا: المشي أفضل, فعلى هذا تطويل القراءة والركوع والسجود والجماعة في الصلاة إلى سائر الصفات ملتزم إذا كانت العبادة ملتزمة بالنذر, فإن التزم المشي في حجّة الإسلام، أو طول القراءة في رواتب الفرائض ففي اللزوم وجهان، أظهرهما : أنه يجب، كما إذا التزم أصل العبادة والثاني: لا يجب، لأن الصفات لا تستقل بنفسها، ولا يمكن إفرادها بالإيجاب  ","part":1,"page":2},{"id":2442,"text":"الفن الثاني: فروض الكفايات، قال صاحب التلخيص : لو نذر الجهاد في جهة يلزمه في تلك الجهة، ولم يخالف في هذا، وفي معنى الجهاد (كل)  فرض من فروض الكفايات يفتقر فيه إلى مؤونة، وبذل مال: كتجهيز الموتى، أما ما لا يفتقر إلى بذل مال: كالصلاة على الموتى، والأمر بالمعروف فهذا فيه تردد، و الأوجه أنها تلزم أيضا \rالرتبة الثانية: القربات التي لم تشرع عبادة مقصودة، ولكن إذا أخلص المرء فيها وتقرب إلى الله  [بها]  ارتجى عليها ثواباً كعيادة المريض، وزيارة القبور، وإفشاء السلام\rوالذي  ذهب إليه المتقدمون من عند آخرهم أنها لا تلزم بالنذر، فإنها لم تشرع عبادة، ولو لزم لوجب أن يتقرب بها إلى الله وينوي، وتصير إذ ذاك عبادة لازمة في الذمة مقصودة، وتجب النية فيها، وهو بعيد\rوذهب المتأخرون إلى أنها بجملتها تلزم بالنذر، ولا فرق بين القُرُبات والعبادات المقصودة والجهاد، وتجهيز الموتى لم تشرع عبادة مقصودة، ولم يذهب أحد إلى أنه  لا يلزم، ولو امتنع لاطَّرد الاعتماد على العبادة المقصودة، ولكن لا قائل به, فينبغي أن يقع الضبط بالقربة التي يرتجى الثواب عليها، لا بالعبادة المقصودة \rواستثنى القاضي  عن هذه الرتبة ما يوجب تغيير رخصة كقوله: لله عليَّ أن لا أفطر في السفر، ولا أقصر, فإنه وإن كان يثاب على الصوم والإتمام ويراه أفضل على  رأي, فلا يجوز أن يغيِّر وصفه ويجعله واجباً, فيكاد يكون ذلك مراغمة للشرع، وتغييراً له، فإن ركن الإسلام - وهو الصوم في رمضان – يترك لهذا العذر، فكيف يكون لزوم [النذر]  وأثره (زائداً)  على أصل الشرع\rويقرب من هذا اختلاف في أنه لو التزم بالنذر إقامة رواتب النوافل من الوتر، وركعتي الفجر, فمنهم من قال: يلزم  ذلك جرياً على القياس، ومنهم من منع؛ لأنه تغييرٌ للشرع وإزالةٌ للوصف الثابت للعبادة شرعاً","part":1,"page":3},{"id":2443,"text":"قال الإمام:  والذي أراه أن تجديد الوضوء يلتزم  بالنذر، لأنه قربة مقصودة \rالرتبة الثالثة: المباحات، وذلك لا تلتزم  بالنذر قطعاً, كقوله: لله عليّ أن أدخل الدار، ويلتحق به ما يُتصور أن يقصد به ما يثاب على القصد فيه كالأكل على قصد التّقَوِّي على العبادة، والنوم على قصد طرد النعاس عند القيام في جنح [الليل]  للتهجد، فهذا بالاتفاق لا يلتزم ، إذ الأكل والنوم غير مقصودين  للشرع بحال، وإنما يبقى [محض]  القصد لا كالعيادة، وإفشاء السلام، فإنه مأمورٌ به، مدعوٌ إليه في نفسه \rفإن قيل: فإذا قال: لله عليّ أن أدخل الدار أو آكل لم يلزمه ذلك  [فهل] يلزمه شيء قلنا: قال القاضي : يلزمه كفارة يمين بمجرد اللفظ لا بالحنث وهذا يضاهي  قول أبي حنيفة  من نذر ذبح ولده يلزمه ذبح شاة، ذبح ولده أو لم يذبح\rهذا إن نذر مباحاً، ولو نذر محظوراً كقول المرأة: نذرتُ صوم  أيام الحيض، أو نذرتُ شرب الخمر، أو لله عليَّ أن أزني، قال القاضي : في لزوم الكفارة وجهان، قال الإمام : وهذا لا مستند له من المعنى، بل القياس أن يجعل ذلك كناية عن اليمين، فإن نوى به اليمين تلزمه الكفارة، ولكن بالحنث، فأما بمجرد اللفظ فلا واعتمد القاضي  ما روي أنه عليه السلام قال: «من نذر وسمَّى فعليه ما سمّى، ومن نذر ولم يسمِ فعليه كفارة يمين» ، ولا حجة في الحديث ففيه احتمال، وهو مرددٌ بين (التعليق) ، والنذر فلا يترك القياس بمثله\rفرعٌ: إذا نذر الجهاد في جهة فهل تتعين تلك الجهة قطع صاحب التلخيص  بتعيينه، وقال الشيخ أبو زيدٍ:  لا تتعين، بل له أن يجاهد [في جهة أخرى أيسر وأقرب مما عيَّنها، وسئل الشيخ (أبو) علي  إلى أنه يجب أن يجاهد]  فيها، أو في جهة توازيها في المسافة، وحاجة المؤونة، كما ذكرنا في مواقيت الحج، وإنها لا تراد لعينها، والمطلوب مثل مسافتها ","part":1,"page":4},{"id":2444,"text":"القسم الثاني من الكتاب: في أحكام النذر وموجبات الصيغ:\rوالملتزم بالنذر من القربات أنواع:\rالنوع الأول: [في]  الصوم، وفي التزامه ألفاظ:\rالأول: أن يقول: لله عليّ صوم، واقتصر على هذا القدر فلا بدَّّ من صوم يوم، وهل يلزمه تبييت النية أم تجوز النية نهاراً فيه قولان يبتنيان على أن مطلق النذر ينزل على أقل ممكن، أو على أولى  واجب\rأحدهما: أنه ينزل على أولى  واجب إثباتاً للواجب بالنذر على مثال الواجب بالشرع\rوالثاني: وهو الصحيح أنه على أقل ممكن اتباعاً للاسم، فأما التخصيص بالواجب فلا أصل له  وكذلك لو قال: عليّ صدقة, لا تختص بجنس الواجب من الأموال الزكوية، فإن قلنا: ينزل على أقل واجب فلا بد من التبييت، و إلا فيكفيه أن ينوي نهاراً\rفأما إذا قال: لله عليّ صوم يومٍ فإن قلنا: الناوي نهاراً صائمٌ من أول النهار كفاه النية نهاراً، وإن قلنا: إنه صائمٌ من حين النية فلا بد من التبييت ههنا \rوعلى هذا الاختلاف إذا قال: لله عليّ صلاة يلزمه ركعتان على قول، ويكفيه ركعة على القول الصحيح فإنها صلاة، ولو قال: [لله]  عليّ صدقة فلا تتقدر بخمسة دراهم قولاً واحداً؛ لأن الخلطة قد تُجوز إخراج ما دون الخمسة على صفة الوجوب ، ولا خلاف في أنه لا يختص بجنس مال الزكاة\rوأما أقل الاعتكاف فقد ذكرنا أنه الدخول مع النية، وإن لم  يحصل مكث، وفي الاكتفاء به في النذر تردد، لأن لفظ الاعتكاف مصرحٌ بالمكث\rاللفظ الثاني: إذا عيّن بصومه يوماً فالمذهب الصحيح أنه يتعين، وقال بعض الأصحاب تعيين الزمان فيه لاغٍٍ كتعيين المكان، وهذا على بُعده منقاسٌ، وقد ذكره الصيدلاني وطوائف ","part":1,"page":5},{"id":2445,"text":"التفريع: إن قلنا إنه يتعين فلا يجزيه قبله، ويجزيه بعده، ويكون قضاءاً، ولا يتعين ذلك اليوم بحيث لا يقبل قضاء آخر أو صوماً غير ما التزمه، ولا يثبت فيه خواص رمضان من وجوب كفارة الوقاع، والإمساك عند الإفطار، وإن قلنا لا يتعين فله أن يؤدي قبل ذلك اليوم وبعده ويكون أداءً بكل حال، وكأنه لم يعين الوقت \rاللفظ الثالث: إذا لم يتعرض للتتابع، والتزم صوم شهرٍ ، أو أيامٍ، أو سنةٍ مطلقةٍ فله التفريق والتتابع، [ولو شرط المتابعة لزمه]  ولو شرط التفريق ففي لزومه وجهان: منهم من قال: يلزمه؛ فإنه تصرف في الوقت، وقد بيّنا أن الوقت يتعين بالتعيين  والصحيح أنه لا يلزم ؛ لأنه لم يخطر بباله أمر الوقت الذي يوزع فيه الصوم, والتفرق  ليس وصفاً محتوما ، ولهذا كان الأصح تعيين الوقت، والأصح أن التفريق لا يلزم\rهذا إذا قال عليّ صوم شهر متتابعاً [فلو عيّن وقال عليّ صوم شهر  رجب متتابعاً] ، فمنهم من ألغى شرط التتابع؛ لأنه يقع من ضرورته, فكأنه لم يذكره حتى لو فوّته لم يجب القضاء متتابعاً، والفساد في آخره لا ينعطف على أوله, ومنهم من أثبت التتابع مع التعيين  ثم مهما وجب التتابع فقد ذكرنا قواطع  التتابع في كفارة الظهار  فالملتزَم نذراً كاللازم شرعاً","part":1,"page":6},{"id":2446,"text":"ولو قال: لله عليّ أن أصوم السنة الفلانية يكفيه أن يصوم جميعها، ويستثنى صوم رمضان، وأيام العيد والتشريق، ولا يلزمه بدلها لأنه صام تلك السنة على الوجه الذي تصور  مما  عيّنه الشرع للفطر، والصوم مستثنى كالليالي المعينة للفطر أما ما يجوز الفطر به في رمضان كالحيض، والمرض فهو مبيح  للفطر، وهل يجب قضاء ما فات به  فيه خلاف: منهم من لم يوجبه؛  لأنه لم يلتزمه في السنة إلا بتنزيل جميعها منزلة جميع الشهر في حق رمضان, فكأنه لم يوجب النذر عليه أيام الحيض والمرض  والثاني: أنه يجب القضاء فإن النذر أوجب، ولكن العذر رخص في الفطر للحال وأما إذا أفطر في السفر فالظاهر أنه يقضي بخلاف الحيض الذي هو مانع،  والمرض الذي هو عذرٌ حاقٌ فأما إذا قال: لله عليّ صوم سنة, فيلزمه اثنا عشر شهراً بالأهلة حتى لو ابتدأ من المحرّم إلى المحرّم لا يكفيه، بل يلزمه قضاء بدل عن أيام رمضان ، وأيام العيد، والتشريق، وذكر الصيدلاني  أنه يكفيه ذلك؛ لأنه وإن ذكر السنة فهذا يسمى صائماً سنة، وهو بعيد غير معتدٍّ به","part":1,"page":7},{"id":2447,"text":"اللفظ الرابع: إذا قال: لله عليّ أن أصوم يوم يقدم فلان فقدم ليلاً لا يلزم  شيء؛ لأنه قيّد بيوم قدومه، ولم يقترن بقدومه اليوم، ولو قدم في أثناء النهار  فماذا يلزمه نقدم على هذا أصلاً وهو أن من أصبح صائماً تطوعاً فنذر إتمام  الصوم لزمه قطعأ، ولو أصبح ممسكاً والتطوع بإنشاء النية ممكن؛ فنذر أن يصوم ذلك اليوم مقيداَ خرج ذلك على القولين فإن [قلنا]  بتغير  النذر بالواجب  فقد نذر ما لا يصح فيلغو، و إلا فيصح نذره، والأصح أنه يصح ههنا، لأنه عين، وإن انقدح تردد على بُعد في تنزيل اللفظ المطلق فعند التعيين  لا ينقدح، ولهذا قطع الأصحاب  بأنه لو قال لله عليّ ركعة واحدة لم يلزمه إلا ركعة ، والعجب أن الأصحاب  قالوا: لو قال لله عليّ أن أصلي قاعداً مع القدرة يلزمه القيام ، وأخذوا يفرقون  بينه وبين الركعة الواحدة, والفرق غير ممكن، والواجب  التسوية، والقطع في الصورتين في الاقتصار على ما صرّح  به، وتنزيل الخلاف في صورة الإطلاق","part":1,"page":8},{"id":2448,"text":"ولو قال لله عليّ صوم [يوم]  فنوى نهاراً، والتفريع تنزيل النذر على الممكن لا على الواجب، وقلنا: أن الناوي نهاراً صائم من أول النهار  فالقياس أنه يكفيه كما ذكرناه من قبل، وقد ذكر الإمام  ههنا القطع بأنه لا يكفيه، وذكر في الفصل السابق  القطع بأنه يكفيه، و أحدهما غلط لا محالة، أو فيه وجهان، والذي أظنه أنه يكفيه، والآخر بعيد؛ لأنه التزم صوم يوم, وهذا صوم يوم, وإن خرجت  النية نهاراً، فأما إذا قال: لله عليّ صوم بعض يوم فوجهان: أحدهما: أنه يلغو لأنه التزم محالا  والثاني: انه يصح نذره؛ لأن صوم بعض اليوم صحيح بشرط ضم الباقي إليه, فيلزمه صوم يوم للخروج  عن نذره ويخرّج على هذا ما لو التزم ركوعاً  أو سجوداً مفرداً فمنهم من ألغى، ومنهم من أوجب صلاة ليتصور فيه صحة الملتزم، وقطع الشيخ  وأبو محمد  بأن السجدة المفردة لا تلتزم  بالنذر, وإن كان  عبادة في سجود التلاوة,  لأنها ليست عبادة من غير سبب \rرجعنا إلى مسألتنا فإذا قدم في أثناء النهار فلا يمكن الخروج عن النذر بصوم ذلك اليوم, قطع الأصحاب به في المذهب من غير فرق بين أن يكون ممسكاً أو آكلاً، وبين أن يكون قبل الزوال أو بعده، وهذا يؤيد ما نقله الإمام ثانياً  من أنّا وإن قلنا النية تنعطف فصوم اليوم إذا جرى النذر مقيداً  باليوم, ولا يتأدى بنية يأتي بها  نهاراً ثم إذا لم يتأدَّ في [جميع]  هذا اليوم فهل يلزمه صوم يوم آخر فعلى قولين,   واختلف الأصحاب في أصلهما: منهم من قال: أصله ما إذا نذر نصف يوم هل يلزمه صوم [يوم]  كامل فإنه على التحقيق نذر  [صوماً]  بعد  قدومه، وهو بعض قدومه، ومنهم من قال: [من]  نذر نصف يوم لا يلزمه شيء, ولكنه يتردد في أنه نذر لليوم الذي فيه القدوم  من أوله، أو هو نذر للصوم بعد قدومه، فإن قلنا بالإسناد إلى أول النهار فيلزمه، وإلا فلا","part":1,"page":9},{"id":2449,"text":"ويتبين فائدته في العتق, فإذا قال: عبدي حرٌ يومَ يقدمُ فلان, فباع في أول النهار, ثم قدم بعده, فإن حكمنا بالاستناد أبطلنا البيع، وإلا حكمنا بالصحة والبناء على صوم نصف اليوم ذكره الفوراني،  وقطع الإمام  بأنّا وإن قلنا: من التزم نصف يوم يلزمه فههنا لا يلزمه؛ لأنه التزم يوما في نصف يوم, وهو محال, والمحال لا يلزم،  وقد قال الأصحاب: لو قال لله عليّ أن أحج هذه السنة وقد بقي يوم من السنة وهو على مائة فرسخ لم يلزمه لامتناعه، فكيف يلزم مالا يُتَصَوَّر\rفروع ثلاثة:\r[أحدها]  إذا قلنا يلزمه فظهر بالعلامة أنه يقدم [غداً]  فنوى ليلاً، قال القفال : لا يصح، للتردد، وقال غيره: يصح لحصول غلبة الظن تشوفاً إلى الوفاء بالملتزم \rالثاني: هل يجب عليه التشبه في ذلك اليوم بالصائمين حيث فاته إمكان الصوم فيه طريقان: أحدهما: وهو الذي قطع به الإمام  أنه لا يجب، ومنهم من قال: إن لم نوجب عليه القضاء فلا يجب، وإن أوجبنا القضاء فيجب التشبه في ذلك اليوم، هذا ما أطلق، وظن  أن المراد به ما إذا أصبح ممسكا, فلو كان قد أكل فكيف يلزمه الإمساك! ولو شرع في صوم المنذور ثم أكل لا يلزمه الإمساك فإنه من خصائص صوم رمضان \rالثالث: لو كان صائما عن نذر آخر يوم قدومه قال الفوراني : المستحب أن يعيد عن جهة النذر الذي هو فيه يوماً  آخر؛ لأنه تطرق إليه نوع من الاشتراك سواءاً, قلنا: يجب صوم لأجل نذر القدوم، أو قلنا: لا يجب ","part":1,"page":10},{"id":2450,"text":"اللفظ الخامس: إذا قال: لله عليّ أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان أبداً, فقدم يوم الاثنين فيلزمه [صوم]  الاثانين أبدا، وفي الاثنين الذي قدم فيه ما تقدم، والمقصود أن من التزم يوماً معينا من كل أسبوع لزمه تفريعاً على الصحيح في تعيين الوقت, فإن ترك عمداً قضى ، فإن وافق يوم حيض أو مرض ففي القضاء الخلاف الذي ذكرناه في صوم السنة، هذا إذا كان لا يغلب وقوع الاثنين في الحيض، فإن كانت تحيض عشرة أيام فلا بد وأن يتناول اثنين لا محالة، فالمذهب أنه لا يجب قضاؤه لأن  النذر لم يوجبه عموماً كما لم  يوجبه قصداً, بأن يقول: لله عليّ صوم يوم الحيض, بخلاف ما إذا لم يكن وقوعه معلوماً, فإن التقدم والتأخر ممكن، ومنهم من أوجب القضاء؛ لأن امتداد مدة الحيض عشرة مظنون، وقد يتغير وينقص ولو صادف يوم عيد فوجهان: منهم من أوجب القضاء؛ لأن ذلك يمكن [فيه]  التقدم والتأخر فليس معيّناً [قطعاً] ، ومنهم من قال: إذا وقع في علم الله ذلك فلا يتغير  ترتيب الأوقات  وأما الاثانين الواقعة في رمضان فلا يقضيها  فإنها واجبة قطعاً ، إلا الاثنين الخامس, ففيه من الخلاف ما سبق ولو صام شهرين متتابعين, وفاته اثانين نظر فإن لزمته الكفارة بعد النذر لزمه القضاء؛ لأنه أدخل على نفسه فكان هو المفوت, وإن تقدم سبب الشهرين فالظاهر أنه لا يقضي إلحاقاً له بصوم رمضان، وقيل: إنه يقضي لأنه مختار في الالتزام  بالنذر بعده من غير استثناء، وهذا باطل بصوم رمضان فإنه لم يستثنه وأمكنه الاستثناء ","part":1,"page":11},{"id":2451,"text":"اللفظ السادس: إذا نذر صوم الدهر لزمه، وقوله عليه السلام: «من صام الدهر فلا صام»  أراد به النهي عن استغراق العيدين، وأيام التشريق، ثم له الترخص إذا ظهر عذر من سفر ومرض ، ولا قضاء, فإن جميع الدهر  وقت للأداء، ولو أفطر عمداً لزمه القضاء ولكن الوقت مستغرقاً بالأداء فليعدل إلى المُدٍّ  , فإن نوى القضاء في يوم انعقد قضاؤه, ولكنه فاته أداء ذلك اليوم فيقدر على مثله ثانيا وثالثا, [ثم]  لا يتحصل إلا على معصية بتفويت الأداء، وتلزمه الفدية آخراً، ثم إذا قلنا: يصوم عنه وليُّه, فهل لوليه أن يصوم في حياته ولم يبق له وقت يجوز فيه القضاء قال الإمام   : الظاهر الجواز لحصول الإياس  كما بعد الموت، وفيه احتمال إذ قد يطرأ عذر يجوز ترك الصوم له فيتصور  تكلف القضاء \rفرع: لو عيّن يوم العيد ونذر صومه لغى نذره كما لو نَذَرَت  يوم الحيض, وفي نذر  صوم يوم الشك، ونذر الصلاة في الأوقات المكروهة خلاف، وكذا في أيام التشريق إذا قلنا إنه يقبل صوم  التمتع \rالنوع الثاني: الحج: ومن نذر الحج يلزمه ، فلو نذر ماشياً ففي لزوم المشي قولان-بناء على أن المشي أفضل أم  الركوب-: فإن قلنا: المشي أفضل لزمه؛ لأنه صار وصفًا من العبادة، ثم النظر في ثلاثة أمور:\rالأول: في وقت المشي، ولو صرَّح بالتزام المشي من دويرة أهله قبل الإحرام ففي لزومه وجهان أحدهما: لا، لأنه وصف الحج, والمشي ليس عبادة في نفسه فلا يلتزم  إلا في الحج، ولا حج قبل الإحرام","part":1,"page":12},{"id":2452,"text":"والثاني: يلزمه والأجر على قدر النصب  ، وهذا يلتفت على أن الأجير إذا مات في الطريق قبل الإحرام هل يستحق شيئا من الأجر فإن قلنا: لا يلزمه لو صرح ففي المطلق يلزمه من وقت الإحرام، وإن قلنا: يلزمه فإذا أطلق وقال: أمشي حاجاً، أو أحج ماشياً ففيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه يلزمه من دويرة أهله حملاً له على العادة إذ كذلك يفعل من يحج ماشياً والثاني: أنه يلزمه من وقت الإحرام حملاً للفظ على الحقيقة, فإنه أوجب الاقتران بين المشي وصفة الحج  والثالث: أنه إن قال: أحج ماشياً فلا يلزمه إلا من وقت الإحرام، وإن قال: أمشي حاجاً فيلزمه من دويرة أهله، يعني أمشي قاصداً، وهذا هوس وجهل بمعنى العربية, فلا فرق بين اللفظتين في الوضع والعادة\rوهذا في ابتداء لزوم  المشي، أما في انتهائه فمنهم من قال: لا يركب إلى أن يتحلل التحللين فبه ينقضي الحج  ومنهم من قال: له الركوب إذا تحلل أحد التحللين؛ لأنه فارق اسم الحج المطلق, فإنه يلبس ويتطيب ويحلق، وأما العمرة [فليس]  فيها إلا تحلل واحد, فيجب استدامة المشي فيها إلى الآخر\rالنظر الثاني: أنه لو فاته الحجة المنذورة بعد الشروع فيها فيلزمه القضاء ولا  يتحلل إلا بلقاء البيت، وهل له أن يترك المشي بعد الفوات وجهان أحدهما: أنه [لا]  يترك، لأن حكم الحج اطِّراد لزومه بعد الفوات حتى كأنه لم يفت، والأصح أنه يترك؛ لأن المشي ليس من الأبعاض المرتبة وإنما هو وصف المنذور، وهذا غير واقع عن [النذر] ، والخلاف فيما بعد الفساد بالجماع كالخلاف فيما بعد الفوات","part":1,"page":13},{"id":2453,"text":"النظر الثالث: فيما لو ترك المشي، فإن لم يكن بعذر فهل تبرأ ذمته عن النذر قولان أحدهما: لا، لأنه التزم موصوفاً ولم يأت به فوقع تطوعاً، وذاك  في ذمته ولا يسبق النفل الفرض عند الشافعي إلا في هذه الصورة والثاني: أنه يقع عن نذرٍ  وهو الذي ارتضاه معظم الأصحاب  فأما إذا كان معذوراً فله ترك المشي, ويقع ما جاز عن نذره وفاقاً, وهو الذي يعضد القول الثاني\rالتفريع: إذا أوقعناه عن نذره فهل يلزمه فدية بترك المشي فعلى ثلاثة أوجه أحدها: أنه لا يجب لأنه ليس من الأبعاض  الواجبة شرعاً، والثاني: وهو الصحيح أنه يجب إذ لا معنى للبعض إلا واجب لا يجوز تركه ولا يكون ركناً وهذه صفة المشي  والثالث: أنه إن تركه بعذر فلا شيء عليه، وإن ترك  مع القدرة لزمه الفدية فإن ما يلتزم بالنذر يتقيد لزومه بالإمكان، وقد روي أن أخت عقبة بن عامر نذرت لله أن تحج ماشية حافية مختمرة فجاء أخوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ وَلْتَخْتَمِرْ» ,  ثم اختلفت الرواية, ففي بعضٍ  «ولتهد هدياً»  والمرأة معذورة بحكم العجز غالباً\rوإن فرعنا على قولنا لا يقع عن جهة نذره فلو ركب في بعض الطريق ومشى في البعض قال الشافعي  : إذا عاد للقضاء  ركب حيث مشى ومشى حيث ركب\rوقد اختلف أصحابنا منهم من أوجب تمحيض  المشي وهو القياس؛ لأن الأول لم يقع عن النذر, فكأنه لم يكن إلا إن هذا مخالف لظاهر النص، وتأويله  عسر\rوالثاني: أنّا نوافق ظاهر النص وكأنّا نقول وقع الأول عن واجبه، وبقي المشي في بعض الطريق في ذمته لا يجبر بالدم (ومجرده)  ليس بعبادة فلا بد من حجة أخرى ليقع ذلك القدر عبادة  وقد ذكرنا في [كتاب]  الصلاة  ما يناظر هذا من الجمع بين إيجاب الأداء والقضاء عن جهة واحدة ولو قال: لله علي أن أحج راكباً وقلنا الركوب أفضل فالقول ( ) في الركوب كالقول في المشي على ما سبق","part":1,"page":14},{"id":2454,"text":"فرع: إذا قال: أحج عامي هذا تعين الوقت له كما في الصوم, فلو ترك يقضي ، ولو امتنع باحصار أو مرض فثلاثة أوجه- كما في الأعذار في أثناء سنة الصوم-، وفي الثالث: يفرَّق بين الإحصار والمرض، [إذ للإحصار مزيد وقع، وقد نص الشافعي  في الإحصار أنه لا يجب القضاء]  والوجه الآخر مخرج ابن سريج  \rالنوع الثالث: [التزام]  إتيان المساجد: إذا نذر إتيان مسجد سوى المساجد الثلاثة مسجد الحرام، ومسجد المدينة ، ومسجد إيليا  لم يلزمه فإنه ليس قربة،  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد إيليا»  أراد المسجد الأقصى، كان الشيخ أبو محمد  يفتي بالمنع من شد الرحال إلى غير هذه المساجد قصداً، وكان يقول: يكره تارة، أو يحرم، والصحيح أنه لا يحرم ، ولا كراهية  هكذا قاله الشيخ أبو علي  ولكن نسي  أنه لا يكون عزيمته  المقصودة مقصورة على هذه المساجد \rأما إذا نذر إتيان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو المسجد الأقصى ففيهما قولان مشهوران: أحدهما: أنه لا يلزم إذ لا يتعلق بهما نسك بخلاف المسجد الحرام والثاني: يلزم لأنهما مخصوصان بمزية من بين المساجد كما دلَّ عليه الحديث \rالتفريع: إن قلنا لا يلزم فلا كلام، وإن قلنا يلزم فهل يلزمه أن يضم  قربة أو يقتصر على الإتيان فيه وجهان أحدهما: أنه لا بد من قربة من اعتكاف أو صلاة وإلا فمجرد الإتيان ليس بعبادة, إذ يبعد أن يقال: يكفيه أن يأتي الباب وينصرف؛ فإنه عبث، ولو التزم الدخول فالدخول دون نية الاعتكاف ليس بشيء والثاني: أنه يكفيه ما التزمه ومجرد الإتيان زيارة  وعبادة  (كزيارة)  العلماء والأكابر فالقدر الذي يسمى زيارة يكفي وهذا بعيد ","part":1,"page":15},{"id":2455,"text":"وإن قلنا لا بد [في النذر]  من مزيد ففي المضموم  إليه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يلزمه أن يصلي في المسجد لأنه عليه السلام أظهر فضيلة هذه المساجد بالصلاة فقال: «صلاة في مسجدي [هذا]  تعدل ألف صلاة في غيره، وصلاة في مسجد إيليا تعدل ألف صلاة، وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة في غيره»  والثاني: أنه يلزمه أن يضم إليه الاعتكاف؛ لأنه المخصوص بالمسجد دون الصلاة والثالث: أنه يتخير بين الصلاة والاعتكاف، والمقصود قربة \rزاد الشيخ أبو علي  وقال: لو زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو  في خطة  المسجد ورقعته كفاه وفي هذا بعد، فإن الزيارة لا تزداد فضيلتها بالوقوع  في المسجد فلا تعلق لها بالمسجد بخلاف الصلاة والاعتكاف، وعلى هذا يلزمه [أن يُجوّز]  أن يضم إليه صدقة في المسجد، أو صوماً، ويحتمل أن يقال: الزيارة تفتقر إلى المزور في رقعة المسجد فيفارق الصدقة، وعلى الجملة الاعتكاف هو أخص من الصلاة وغيرها فلم يُرَ رسول  الله صلى الله عليه وسلم مستقلاً  في المسجد إلا في ثلاث ليالٍ فإنه صلى التراويح في المسجد، وكان سبب ذلك اعتكافه \rوإذا فرعنا على وجوب ضم الصلاة فيجب القطع [بالاكتفاء]  بركعة واحدة، لأنه لم يصرح بالتزام الصلاة حتى يعتد  بواجب الشرع \rفرعان: أحدهما: لو نذر إتيان المسجدين ماشياً، وقلنا بلزومه  ففي لزوم المشي وجهان كما في لزوم المشي في الحج قبل الإحرام\rالثاني: لو نذر أن يصلي في المسجدين فالذي قطع به المراوزة أن النذر ملتزم ههنا، والقولان إذا لم يذكر  إلا مجرد الإتيان، وحكى العراقيون طريقة في طرد القولين ","part":1,"page":16},{"id":2456,"text":"أما المسجد الحرام إذا نذر إتيانه فإن قلنا النذر بمطلقه  يحمل على ما وجد له أصل في  الشرع فيصح، ويلزمه حج أو عمرة، وإن قلنا يحمل على مجرد الاسم فيبنى على أصل آخر وهو أن دخول مكة هل يوجب إحراماً فإن قلنا: يوجب, يلزم ويصح، وإن قلنا: لا يوجب نزّل هذا منزلة المسجدين الآخرين, فيخرج على قولين\rثم قال الأصحاب: لا فرق بين أن يقول آتي مكة أو الحرم أو المسجد أو مسجد الخيف أو بقعة من الحرم لا يتعلق به نسك كدار أبي جهل وغيره فهو كما لو قال آتي المسجد  قالوا: ولا فرق بين أن يقول آتي  أو أمشي [أو أسير]  أو أصير إلى مكة أو أضرب ( ) بيدي  حطيم الكعبة إذ  كل لفظ يدل على الحضور  وقال أبو حنيفة:  [لا يجب]  إلا بلفظ المشي\rالتفريع: إن قلنا إنه ينزل منزلة المسجدين وفرعنا على أنه لا بد من ضم عبادة فههنا نريد النسك من الحج والعمرة، وهو أخص من الاعتكاف به، فهو المتعين إن طلبنا الأخص، وإن جزنا  فلا يبعد أن يكتفى بمجرد طواف فإنه عبادة، وهو أخص من الاعتكاف أيضاً\rفأما إذا قال: آتي بيت الله؛ فإن نوى الكعبة فهو كما سبق، وإن أطلق قال الأصحاب: لا يلزمه شيء فسائر المساجد أيضاً بيت الله، ومن الأصحاب من حمل مطلقه على الكعبة لظهور العرف فيه، والأصح الأول ","part":1,"page":17},{"id":2457,"text":"فأما إذا قال آتي عرفة قطع الأئمة [في الطرق]  بأنه لاغٍ, إذ ليس فيه قربة, وإنما هي ركن من عبادة، وليس على صورة العبادة, بل هو فعل معتاد وقال القاضي : إن نذر  شهود عرفة يوم عرفة مع الحجيج لزمه ذلك القدر ، كما لو نذر المشي إلى بيت الله، وقال  في بعض أجوبته: يلزمه الحج إذا أطلق ذلك، وكان جواباه  على خلاف ما قطع به الأصحاب، والوجه القطع بأنه لا يجب بمجرده شيء، وإن نوى به إتيان عرفة حاجاً يلزمه، وهو كناية عن الحج، وإن قصد حضور عرفة [يوم عرفة]  من غير إحرام موافقة للحجيج فلا يلزمه إذ ليس ذلك قربة خلافاً لما ذكره القاضي ","part":1,"page":18},{"id":2458,"text":"النوع الرابع: تعيين المساجد للصلاة: فإذا قال: لله عليّ أن لا أصلي الفرائض إلا في المساجد فهذا يلزم  إذا قلنا: صفات الفرائض ملتزم  أفراداً؛ لأن هذه فضيلة ظاهرة، ولكن لو عيَّن مسجداً سوى المساجد الثلاثة لا يتعين، والمساجد الثلاثة  تتعين حتى لا تقوم سائر المساجد مقامها، وهل يقوم بعضها مقام البعض في المسجدين  سوى المسجد الحرام خلاف, منهم من قال: هما متعادلان بتعديل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سوّى بين الصلاة في كل واحد منهما وبين ألف صلاة ومن أصحابنا من قال: إذا ثبت  التعيين فلا بد من التخصيص، وهما لا يقومان مقام المسجد الحرام، والملتزم فيهما [أنه]  لو أدّي في المسجد الحرام فالظاهر أنه يخرج عن النذر لظهور الفضيلة، وفيه وجه أن التعيين متبع، ولا خلاف في أنه لو نذر ألف صلاة لا يخرج عنها  بصلاة في أحد المسجدين، ولو نذر [صلاة]  في أحد المسجدين لا يخرج عنه بألف صلاة في غيرهما، والفضل الآيل إلى العدد والصفة لا يجبر بعضها بالبعض بحال، ولو نذر صلاة في الكعبة فصلى في أرجاء المسجد الحرام جاز؛ نعم روي أنه قال: «وصلاة في الكعبة تعدل مائة ألف صلاة في المسجد الحرام»  ولكن قال الشيخ أبو محمد : هذه الزيادة لم تصح, فيحكم بالتسوية كما لو عين (زاوية)  في المسجد\rالنوع الخامس: الهدايا والضحايا: وقد مضى تفصيلها في الضحايا، وفي الحج، ولكنا نتكلم الآن على ألفاظ:\rالأول: إذا نذر أن يتقرب بسوق شاة أو بدنة إلى مكة يلزمه قطعاً، ولم يكفه الذبح في غير مكة فإنها  صفة للعبادة مقصودة، ومجرد هذا يوجب التفرقة بمكة أيضاً لأنه المقصود من الذبح، وإلا فلا خير في التلطيخ، وفيه وجه أنه لو نقل اللحم جاز؛ لأنه لم يلتزم التفرقة قصداً، وهذا  بعيد ","part":1,"page":19},{"id":2459,"text":"الثاني: إذا لم يذكر لفظ الضحية ولا لفظاً يدل على التقرب، ولكن قال عليّ أن أذبح بمكة فالذي ذهب إليه الأكثرون أنه بمثابة نذر التضحية؛ لأنه محلوف بذكر اسم الله, وذكر مكة فهي قرينة للقربة، ومنهم من قال: لا يلزم  لأنه لم يضف الملتزم بعبادة   تدل على القربة  فلو قال عليّ أن أذبح بنيسابور, ففيه وجهان مرتبان على المعنيين السابقين؛ لأنه وُجد ذكر اسم الله ولم يوجد ذكر بقعة يقع الذبح فيها قربة \rالتفريع: إن قلنا إن هذه اللفظة كلفظ التضحية، أو صرح وقال عليّ أن أضحي بنيسابور، وأفرق  لحمها [بها]  فهل يلزمه تفرقة اللحم بها فعلى قولين ينبنيان على نقل الصدقة إن منعنا تعيين البلدة إذ وجد له أصل في الشرع، وموجب صريح اللفظ، وإن جوزنا نقل الصدقة فههنا وجهان لأنه صريح بالتعيين، وكلام الشرع في إيجاب الزكاة ليس نصاً في تعيين موضع والثاني: أنه لا يتعين إذ لا قربة في خصوص هذا المحل بخلاف مكة، وعلى هذا الخلاف يخرّج ما إذا عين فقيراً [أو نذر التصدق عليه أنه هل يلزمه ثم إذا لم يعين فقد ( ) يحتمل أن يقال: فسد النذر إذا التزمه]  لم يلزمه الكل ، والظاهر أن الشرط يختص بالفساد، والنذر يصح، وهو الأليق  بالنذر \rالتفريع: إن قلنا تتعين البلدة لتفرقة اللحم فهل تتعين لإراقة الدم فعلى وجهين أحدهما: لا، إذ لا قربة في نفس الذبح، فيجوز الذبح على طرف البلد ، ونقل اللحم غضاً طرياً\rوالثاني: أنه يتعين كما يتعين الحرم ","part":1,"page":20},{"id":2460,"text":"ولو قال: لله عليّ أن أضحي بنيسابور, ولم يتعرض للفظ التفرقة, فهل ينزل ذلك منزلة الصريح  بتخصيص التفرقة فيه وجهان، فإن قلنا: إنه يتعين لتفرقة اللحم بهذا اللفظ فهل يتعين لإراقة الدم فعلى الوجهين ، فإن قيل: كيف يتعين ما يفهم ضمناً، ولا يتعين ما صرح به وهو التضحية، قلنا: لأن التفرقة على أهل بقعة له مستند من الشرع، والإراقة في غير الحرم لا أصل له في الشرع، ومن  خصص البقعة فلا مستند له إلا ابتغاء طراوة اللحم \rاللفظ الثالث : إذا قال: لله عليّ أن أضحي ببدنة فموجب اللفظ التعيين ، و البدنة عبارة عنه، ثم النظر في الجنس والصفة، أما الجنس: فقد ثبت أن البقرة تقوم مقام البدنة [وسبع من الغنم تقوم مقام البدنة]  في الضحية, فهل يجوز في النذر إبدال البدنة بالبقرة، أو بسبعٍ من الغنم فيه طريقان أحدهما: إن عدِم البدنة جاز، وإن وجد فوجهان  والثانية : أنه إن وجد البدنة امتنع، وإن كانت معدومة  فوجهان،  ومبنى  الخلاف يلتفت على أن النذر ينزل على المعهود في الشرع، أو على موجب الاسم، وله التفات أيضا على الإبدال في الزكوات, إذ لا خلاف أنه لو قال: لله عليّ أن أتصدق بعشرة دراهم لم يجز له أن يتصدق بجنس آخر بدلاً عنه\rالتفريع: إن جوزنا الإبدال فلا تشترط المعادلة في القيمة، وذكر صاحب التقريب  وجهاً أنه لا يجزي ما لم يساوه في القيمة وهو ركيك لا مأخذ له، ثم زاد تفريعاً على هذا وقال: لو أخرج خمساً من الغنم تساوي قيمتها بدنة هل تجزي فعلى وجهين، وكل ذلك غير معتدٍ به","part":1,"page":21},{"id":2461,"text":"أما الصفة: فالذي قطع به القاضي ، ومعظم المحققين أن مطلق اللفظ محمول على البعير المجزي في الضحية وهو المسن  السليم عن كل عيب مانع، وذكر العراقيون وجهاً آخر أنه ينزل على الاسم فلا يشترط السن والسلامة، نعم لا يجزئ الفصيل ، والعجل، والسخلة ، إذا ذكر لفظ البدنة والبقرة والشاة لسقوط الاسم فيها، أما الحقَّة، وابن اللبون ، وابن المخاض  فمأخوذان  إتباعاً لموجب الاسم، والأول ملتفت على الشرع, وهو في هذا المقام أوضح إذ ذكر لفظ التضحية في النذر- وهي لفظة شرعية - يتعين تنزيلها على الموجب الشرعي \rفمن نذر صلاة مطلقة لم يكفه الدعاء [الذي]  هو صلاة لغة, بل لا بد من ركعة على الأقوال ولو ذكر مع التضحية لفظ البدنة فالخلاف فيه أبعد؛ لأن لفظ البدنة سائغ من  عرف الشرع للاستعمال في الضحايا، وذكر العراقيون طرد الخلاف، وهو مرتب على الجملة على ذكر اسم البعير\rاللفظ الرابع : إذا قال لله عليّ هدي فهو خارج على القولين, إن نزلنا على الاسم فكل ما يسمى منحة وهدية من نقد وعرض، وإن لم يكن حيواناً،  وإن نزلنا على الشرع فلا بد من حيوان من النعم مجزئ سليم من العيوب، وعلى هذا لا بد من تبليغه الحرم، وفي كلام بعض الأصحاب ما يدل على أنه لا يلزمه التبليغ  إتباعاً للاسم وهو فاسد،  فإن الهدي المطلق في لسان الشرع هو  الذي محله الحرم قال تعالى : هدياً بالغ الكعبة  نعم, دماء الجبرانات ودم الإحصار يجزئ في غير الحرم، ولكن مطلق اللفظ لما أشرنا إليه، وإن قلنا: إنه لا يجب الحيوان فالصحيح أنه لا يجب تبليغه الحرم، وفي كلام الأصحاب أنه يجب التبليغ وإن لم يجب [الحيوان]  وهذا غلط فإنه إذا لم يُعتبر الجنس فكيف يُعتبر التبليغ وهو أبعد","part":1,"page":22},{"id":2462,"text":"اللفظ الخامس : لو نذر أن يهدي ظبية وصرح بتبليغها الحرم وجب التبليغ، وكذلك كل قربة مالية أضافها إلى مكة، وإذا عيّن مالاً وقال: عليّ أن اهدي به, فإن كان منقولاً ينقل بعينه إلى مكة، وإن كان عقارا أو عسر نقله  كحجر الرحى فتنقل قيمته، ثم الظبية يتصدق بها حية بمكة  ولا تذبح إذ لا قربة في ذبحها, وهي لا تجزئ في الضحية, كما لو نذر عشرة أذرع من كرباس  لا يقطعه قميصاً \rولو نذر بعيراً ولم يذكر لفظ التضحية، و الذبح، وقلنا المعيب يجزئ، أو عيّن المعيب فهل يذبح فعلى وجهين أحدهما: أنه يذبح، فإنه من جنس ما الذبح  فيه قربة والثاني: أنه كالظبية، وهو الظاهر,  فيتصدق به حياً، ثم لو أراد بيعه وتفرقة ثمنه لم يجز ذلك؛ لأنه تعين فصار كالمعين في الزكاة والضحية، ولو عسر جمع المساكين وتفرقة ذلك عليهم فهو بمثابة ما لو فرض مثل ذلك في الزكاة، وقد ذكرناه، فإن قيل إذا اختصت القربات المالية إذا أضيف  إلى مكة، والصلاة أيضا تتعين بالإضافة، و النسك من خصائصه فما قولكم فيما لو قال أصوم بمكة قلنا: ذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص  كلاماً ظاهره أن يختص بمكة، فنصَّ الأصحاب على خلافه إذ ورد في الصلاة أخبار، والصدقات يؤخذ اختصاصها من الهدايا والقرابين، فأما الصوم فلا معنى  لوقوعه في مكة  نعم التطيُّب أيضا في الكعبة يلتزم بالنذر؛ لأنها تتأثر به, وقد عهد ذلك في الأعصار الخالية\rاللفظ السادس : إذا قال عليّ أن أستر الكعبة، وأُطيبَها، لزمه بالاتفاق، فستر الكعبة عُهد في الأعصار الخالية من غير نكير من السلف، وهذا يدل  أن النذر غير مقصور على العبادات المقصودة، وأنه جارٍ في القربات، ولو قال: لله عليّ أن أهدي ثوباً لزمه، ولم يتعين للستر ، بل يتصدق به، إلا  إذا نوى ستر البيت فينزل عليه، وذكر الفوراني  أن الثوب الصالح للستر ينزل مطلقه على الستر وهو تخبط  لا أصل له","part":1,"page":23},{"id":2463,"text":"فإن قيل: لو نذر أن يطيب مسجد إيليا، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يلزمه قلنا: هذا في محل التردد، ولا يبعد إلحاقهما بالمسجد الحرام، والله أعلم","part":1,"page":24},{"id":2464,"text":"كتاب أدب القضاء\rوفيه أربعة أبواب:\r[الباب الأول: في التولية والعزل، وفيه فصلان:\rالفصل الأول]: في التولية: وفيه ست مسائل:\rالأولى: في فضيلة القضاء، والقيام بمصالح المسلمين، والانتصاف من الظالمين، وهو من أركان الدين، والقيام به من فروض الكفايات، وأنه من أعلى القربات، ويدل عليه قوله سبحانه: {فاحكم بينهم بما أنزل الله}، وقال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله}، وقال تعالى: {يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس}، وقال: {و داوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم}، وذم الله تعالى من يمتنع عن القضاء فقال: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون}، ومدح المذعنين وقال: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا}، ولأجله قال العلماء يستحب أن يقول من يدعى إلى القضاء سمعاً وطاعة، وقال عليه السلام: «أنا أحكم بالظاهر»، و قال: «إنكم لتختصمون إليّ» الحديث، وقال عليه السلام: «ليوم واحد من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة، وحدّ يقام في أرض بحقه أزكى من مطر أربعين خريفاً»، وقال: «سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل» الحديث، وقال: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فسلَّطه عليه بالإنفاق بالحق، ورجل آتاه الله الحكمة فعلمها الناس، وقضى بها»، وقال عليه السلام: «أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة» فقيل الله ورسوله أعلم فقال: «الذين إذا أُعطوا الحق قبلوه، وإذا سُئلوه بذلوه، وإذا حكموا للناس حكموا لهم كحكمهم لأنفسهم»، إلى غير ذلك من الأخبار فقد بان بذلك فضيلة القضاء عند القيام بشرطه","part":1,"page":1},{"id":2465,"text":"المسألة الثانية: في جواز طلب القضاء وقد وردت أخبار في التحذير منه والتنبيه على خطر القضاء، قال عليه السلام: «من طلب القضاء وُكِل إليه ومن وُلِّيّ  من غير طلب ولا استعانة بعث الله إليه ملكاً يرشده ويسدده» ، وقال عليه السلام لعبد الرحمن بن سمره: «يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أُوتيتها عن مسألة  وُكلت إليها وإن أُوتيتها من غير مسألة أُعنت عليها» ، وقال عليه السلام منبهاً على خطر القضاء: «من وُلي القضاء فقد ذُبح بغير سكين»  قيل معناه: وقع في أمر عظيم، وقيل تصدى لأمر لو وفّاه حقه لأمات شهواته وقهر نفسه وصار كأنه ذبحها بغير سكين، وقال علي رضي الله عنه في خطبته: [يا أيها الناس]  سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من أمير ولا وال ولا قاض إلا يؤتى  به يوم القيامة ويوقف على الصراط فتنشر له الملائكة سيرته فإن كان عدلاً نجّاه الله بعدله، وإن كان غير ذلك انتفض به الصراط انتفاضة حتى يصير ما بين كل عضوين من أعضائه مسيرة عام ثم ينخرق به الصراط فلا يلقى قعر جهنم إلا بحُر وجهه وجبينه» ، وقال عمر رضي الله عنه: «ما من أمير، ولا والي إلا يؤتى  به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه أطلقه عدله أو أوثقه جوره»  فقد تحصّل من الأخبار جلالة  فضله وعظم خطيئته  فاضطرب  النظر في الطلب، ولم يجز إطلاق القول بجوازه بل لا بد من تفصيله، فإن التصدي للقضاء من فروض الكفايات ، وهو أهم من  الجهاد، لأن القضاء لحفظ الحاصل وضبطه ، والجهاد لطلب الزيادة، وهو تلو لأحكام  [الحاصل]  واستدامته ولكن التصدي له يستخرج من النفوس خبايا البليات ويتراءى أنها ساكنة ما لم تُنشر، فمن العصمة أن لا تقدر فقلَّ من ينفك عن الميل للصديق على العدو، والتشوف إلى أغراض الانتقام في إدراج الأحكام، والسلامة عنها مُعْوزَة، فلأجله اضطرب النظر ، قال القاضي: إن لم يصلح للقضاء غيره تعين","part":1,"page":2},{"id":2466,"text":"عليه فرض الطلب، وإن وجد من هو أولى منه حرم الطلب، ويكره للإمام توليته، وإن ولاّه انعقد، ويكره له التقلد  وإن  أمكنه أن يتعلل  ويمتنع، وإن كان في الناحية مثله كُره له الطلب، فإن قُلد من غير مسألة فالأولى الامتناع، هذا ما ذكره، وليس فيه شفاء الغليل بل لا بد  من مزيد تفصيل فنقول: الطلب إن صدر من متعين ليس يوجد غيره فليس بحرام؛ بل هو فرض، فإن وُلِّي وجب القبول، وإن لم يُولَ وكان خامل الذكر فليشهر نفسه عند الإمام وليطلب إن مست الحاجة إليه، فإن كان يستشعر من نفسه ميلا وخيانة فحقه أن يلازم سمت التقوى، ولا يسقط الفرائض باستشعار في العواقب، وإن كان الطلب ممن ليس يتعين بل في الناحية من يصلح سواه فلا يخلو ذلك الغير إما أن كان  فاضلا أو مفضولا أو مثلا له، فإن كان مثلاً له فيقدم جواز التقلد  إن ولي من غير مسألة، وهو مباح قطعاً إلا إذا استشعر من نفسه الميل فعند ذلك مقتضى الدين الاجتناب، فإنه وإن كان فرض كفاية ولكن الخطر فيه عظيم ، وإن لم يستشعر فيجوز التقلد ؛ بل هو الأولى  جرياً على قوله عليه السلام: «إن أوتيتها عن غير مسألة أُعنت عليها» ، وهل يجب التقلد  ذكر العراقيون وجهين وهذا فيه إذا كان تقليده جازماً، فإن كان عن تخيير فلا معنى لإيجاب التقليد وهو غير متعين وإن لم  يجزم الإمام بالتعيين ، أما الطلب فللطالب ثلاثة أحوال أحدها: أن يعلم من نفسه إغلام  الشهوات، وهيجان الغضب فيكره له الطلب، بل يحرم إن أضمر الخيانة، كمن يأخذ وديعة وهو يضمر الخيانة [بضمها] ، وكذلك الملتقط، وإن عزم على [أن يتوقى جهده فهو مكروه للخطر، ولا ينتهي إلى التحريم، وليس خوف]  الشهوات كخوف السباع في طريق فرض الكفاية، فإن مقاومة الشهوات ممكن لمن يشمر  عن ساق [الجد] ","part":1,"page":3},{"id":2467,"text":"الثانية : أن لا يحس من نفسه هيجاناً وميلاً، ولكنه لم يختبر نفسه في القضاء فإن لم تكن به حاجة فيكره له الطلب، وإن كان به حاجة ليدرّ عليه رزق فلا تطلق الكراهية  الثالثة : أن يكون قد اختبر نفسه في الأمور العظام، ووثق بالسداد فمن الأصحاب من أطلق الكراهية، والوجه القطع بنفي الكراهية  فإن هذه عبادة، نعم   هل  يستحب له الطلب فعلى وجهين أقْيَسْهما أنّا نستحبه، ولو لا عموم الأخبار في التحريم لقطعنا بهذا الوجه، فإن قيل: إذا أطلقتم التحذير فهذا يؤدي إلى التواكل، قلنا: لا، بل مع ذلك فالمحذور تزاحم الخلق عليه فإن النفوس ميالة إلى طلب الاستعلاء  فما لم تعارض بالزجر لا يعتدل الأمر، فأما إذا كان الطالب أفضل من غيره فإن استشعر ميلاً فالاجتناب، فإن هذا لا يوازيه فضيلة، وإن [كان]  واثقاً بتقواه فمزيد الفضل يمحق الكراهية هذا إن كان اختبر نفسه، فإن لم يختبر، ولم يستشعر فهذا مرتب على صورة استواء المراتب، ونفي الكراهية ههنا أظهر، هذا إذا قلنا ينعقد قضاء المفضول، فإن قلنا لا ينعقد فيلتحق بما إذا لم يوجد غيره حتى يتحتم عليه [الطلب]  وملازمة السداد، فأما إذا كان الطالب مفضولاً قال القاضي: يحرم الطلب ويكره للإمام التولية، وله التقليد، وهذا محتمل لأن التقليد إن كان مباحاً فلِم يحرم طلبه! فالوجه أن يقال: إن حكمنا بأن قضاء المفضول لا ينعقد فهو حرام والتقليد غير صحيح، وإن قلنا إنه ينعقد فالطلب مكروه ولا ينتهي إلى التحريم، وقد اختلف الأصوليون [في إمامة المفضول فإن منعناها اختلفوا في أن الإمام هل يولي القضاء مفضولاً]  فمنهم من جوّز وفرق بأن ما يفوت من مزية  الفضل في الإمامة عظيم لا مستدرك له، والقاضي المفضول إذا كان الإمام يراقبه بالعين الكالئة لا يعظم فيه الأمر وتحصل تلك المزية بمراقبة الإمام ومعاونته ","part":1,"page":4},{"id":2468,"text":"المسالة الثالثة: فيما يشترط من صفات القاضي: وينبغي أن يكون القاضي مفتياً، حراً، ذكراً، ونعني بالمفتي من يقبل قوله ، ويجب اتباعه، وفيه احتراز عن الصبي، وعن الفاسق، فإن الفاسق مجتهد في حق نفسه ولكنه لا يفتي، والذكورة مشروطة في كل قضاء ، وقال أبو حنيفة: تصح تولية المرأة في كل ما تقبل شهادتها فيه، وأما شرائط الفتوى فقد استقصيناها في الأصول تفصيلاً، وحاصله أن يكون مستقلاً بدرك أحكام الشرع متمكناً منه، أما الجاهل والمقلد فلا يصلح للقضاء، وكذا الفاسق، ولو كان المفتي أمياً لا يحسن الكتابة ففيه خلاف ذكره العراقيون، والأصح جوازه، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمياً، وكان يقضي ويتيسر له ذلك، وإن كان الرجل مجتهداً في مذهب إمام ولكن لم يكن مستقلاً بالفتوى عن نفسه فهل له أن يفتي اختلفوا فيه، واختار القفال أنه يفتي، وبنى هذا الخلاف على أن المقلد إذا اتبعه كان مقلداً له أو للميت الذي هو صاحب المذهب فمن جوّز تقليد مذهب الميت جوّز ذلك، وهو الصحيح، ثم ينبغي أن ينضم إلى هذه الخصال الكفاية اللائقة بالقضاء، وهو من القضاء كالنجدة من الإمامة فلا بد من رعايتها مع ما يليق به من المروءة (وغيرها) ","part":1,"page":5},{"id":2469,"text":"المسألة الرابعة: في الاستخلاف: والأولى بالإمام إن  ولّى [القضاء]  أن يصرح بالإذن في الاستخلاف فإن لم يأذن، ولكن نهى فيمنع  الاستخلاف، وإن أطلق فثلاثة أوجه أحدها: الجواز، لأنه ليس وكيلاً ولكنه والي والثاني: أنه يمتنع، لأنه في وجوب الاقتصار على المأذون كالوكيل  عند الشافعي  بدليل ما لو نهى، وبدليل أنه لو عُيّن  لأحكام الرجال دون النساء، أو النساء دون الرجال، أو الأموال دون النفوس كل ذلك نافذ، والولاية تتجزأ عند الشافعي رحمه الله حتى لو استثنى شخصاً معيناًُ عن الحكم صح  استثناؤه، وخالف أبو حنيفة رحمه الله في ذلك وقال: لا يقبل التجزيء والثالث: ذكره الإصطخري إن اتسع خطة ولايته بحيث لا يستقل فله الاستخلاف في الأطراف، ومقتضى هذه التولية الإذن، وإن كان يستقل فلا، وقد ذكر نظير هذا في الوكالة \rالتفريع: حيث يستخلف ينبغي أن يكون خليفته جامعاً لشرائط القضاء إن جعله  نائباً عن نفسه مطلقاً، أو فوض [إليه]  إمضاء الحكم بناحيةٍ، وإن فوض إليه تعيين الشهود، أو التزكية، أو شغلاً معيناً من هذا الجنس فلا يشترط إلا هداية ذلك الفن، فكان الشيخ أبو محمد يقول: لا يضر القصور عن درجة الاجتهاد في نواب  القاضي في النواحي إذا فوض إليه سماع البينات ونقلها، ولم يفوض إليه الإمضاء، وهذا حسن، ولكن لا بد من الاستقلال بما يليق بسماع الدعوة والبينات، وهو يرجع  إلى قدر صالح من الفقه ","part":1,"page":6},{"id":2470,"text":"المسألة الخامسة: نصب قاضيين  في شقي بلدة  جائز فيختص كل قاض بشقّ  ويفرض ذلك في بغداد، وإن نصب قاضيين لبلدة بشرط  أن لا يقضي أحدهما إلا مع الآخر فهذا باطل، لأن اختلاف الاجتهاد غالب، والتقليد  ممتنع، وذلك يؤدي إلى بقاء الخصومات ناشئة ، فأما إذا أثبت لكل واحد الاستقلال بالحكم في جميع البلدة ففيه وجهان  ذكرهما الشيخ أبو علي، والقاضي أحدهما: الجواز لأن ولاية الإمام مع القاضي، وولاية القاضي مع خليفته مزدحم على جميع البلد فكذلك  لا يبعد ازدحام ولايتين، ثم إن سبق داعي  أحدهما فهو المجاب وإن تساوقا  فالقرعة والثاني: منع ذلك لأنه يثير اضطراباً في اختبار  أحد القاضيين، وفي تزاحم الداعيين، وتحكيم القرعة بعيد ، وليس كذلك الإمام والخليفة فإن داع الإمام يقدم وداعي المستخلف يقدم\rفرع: إذا  نصب الإمام قاضيين لبلدة ولم يصرح بأن كل واحد يستقل أم لا ينزّل على الاستقلال حتى فصّح ، ولو نصب وصيين فينزّل على أن كل واحد لا يستقل لأن التصريح به على هذا الوجه في الوصية صحيح بخلاف القضاء، هكذا ذكره صاحب التقريب، ومن أصحابنا  من خالفه  في صورة القضاء وقال ينزّل على الاشتراك، وموجبه الفساد، ومنهم من خالف في طرف الوصية وقال ينزّل أيضاً على الاستقلال، وهذا أبعد  من الخلاف في الطرف الآخر \rالمسألة السادسة: في التحكيم: فإذا حكّم رجلان شخصاً في مال فهل ينفذ حكمه عليهما فيه قولان، والنكاح مرتب على المال ، والعقوبات مرتبة على النكاح، وأولى بالمنع، واختلف في محل القولين منهم من قال القولان إذا لم يكن في البلد قاضي، فإن كان فيمتنع قطعاً، ومنهم من قال إن لم يكن فجائز وإلا فقولان، ومنهم من طرد القولين في الكل، وهذا يستمد من أحكام الإيالات، والنظر في حكم الزمان إذا شغر عن الوالي ","part":1,"page":7},{"id":2471,"text":"التفريع: إذا جوزنا ذلك فليكن المحكّم على صفة يجوز للوالي توليته القضاء ثم لا ينفذ حكمه إلا على من رضي فلو تعلق حكمه بثالث لم يرضَ فلا ينفذ على الثالث، ولو جرى في دعوى قتل  خطأ فحكم بثبوته فقد ذكر صاحب التقريب وجهين في أنه هل يضرب على عاقلته وهم  لم يرضوا بحكمه والأصح أن لا يضرب، لأنهم لا يؤاخذون بإقرار الجاني فكيف يؤاخذون بتحكيمه ورضاه، ثم المذهب أنه إذا حكم بماله فلا يحبس في استيفائه بل يقتصر على الإثبات إذ لو حبس لضاهى القضاة فليقتصر على الحكم فحسب، وقيل له أن يحبس ، وقال الشيخ أبو محمد: نمنعه من استيفاء العقوبات فإن إقامتها خرم لأبهة الولايات، والصحيح ما ذكره، فإن قيل لو رجع المحكّم عن التحكيم، والرضى به قلنا ينظر فإن رجع قبل الاشتغال بالحكم فله ذلك، وإن حكم ورضي بالحكم بعد الفراغ ثم رجع فلا ينفع، وإن لم يحدث رضى بعد الحكم فهل يُلزم  بالرضى السابق ذكر العراقيون وجهين في أن تجديد الرضى بعد الحكم هل يشترط وإن رجع بعد الخوض وقبل القضاء ففيه خلاف مرتب، والصحيح جواز الرجوع \rالفصل الثاني في العزل وحكمه: وفيه مسائل:\rالأولى: في الانعزال: وذلك يحصل بكل طارئ لو اقترن بالابتداء يمنع  انعقاد الولاية من الجنون والعمى والنسيان الذي ينسي الاجتهاد، أما الفسق فقد نقول الإمام الأعظم لا ينعزل به إذ فيه خطر عظيم، وصرفه يجر فساداً، أما القاضي إذا فسق فيجب على الإمام صرفه، ولكنه هل ينعزل بمجرد الفسق قطع الفقهاء المعتبرون بانعزاله من غير حاجة إلى إنشاء عزل، وقال بعض الأصوليين: لا ينعزل بل ينفذ من أحكامه ما يوافق الشرع إلى أن يعزل ","part":1,"page":8},{"id":2472,"text":"فرع: لو جنّ القاضي ثم أفاق فهل هو على القضاء فيه خلاف مشهور فمنهم من قال انعزل بالجنون، كالوكيل، فلا تعود ولايته إلا بتولية، ومنهم من قال الوكالة ضعيفة وهذه ولاية قوية، وهذا فاسد، لأنها جائزة إذ للقاضي أن يعزل نفسه مهما شاء  كالوكيل، والإمام على الأظهر أيضاً يعزله فينفذ عزله \rالمسألة الثانية: في جواز العزل: وللإمام أن يعزل القاضي مع صلاحه للأمر إن رابه منه أمر، ويجوز ذلك بالظن  وإن لم يعلمه، وإن لم يظن به إلا الخير  قال الأصحاب: إن عزله بمن هو أفضل منه نفذ، وإن عزله بمن هو دونه لم ينفذ على الأظهر، وإن عزله بمثله فوجهان، هكذا رتبه القاضي، قال الإمام: الوجه القطع بنفوذ عزله في كل صورة، فإنه  أبعدها أن يعزله بمن هو دونه وربما يراه وإن كان دونه أصلح لهم ممن هو فوقه، وإذا وقع في محل الامكان وجب تنفيذ عزله ظاهراً، نعم هو بينه وبين الله  لا ينبغي أن يبني أمره  إلا على نظر المسلمين في كل ما يأتي ويذر، فإن لم يظهر له وجه في النظر يعرض لخطر المأثم بعزله، ولكن الوجه تنفيذه إذ يؤدي إلى منع حكم القاضي الآخر، ويجر ذلك فساداً، وبمثله حكمنا بأن الإمام بالفسق لا ينعزل لما فيه من الخطر العظيم","part":1,"page":9},{"id":2473,"text":"المسألة الثالثة: القاضي هل ينعزل قبل بلوغ الخبر إليه فيه طريقان، منهم من قال قولان كما في الوكيل، ومنهم من قطع بأنه لا ينعزل لما فيه من الضرر، هذا إذا جزم عزله أو كتب أما بعد فأنت معزول، ولو كتب إذا بلغك الخبر فأنت معزول انعزل عند بلوغ الخبر، ولو قال إذا قرأت كتابي فأنت معزول انعزل وإن قُرئ عليه وإن لم يقرأ  هو، هكذا ذكره الصيدلاني، وفرق بينه وبين نظيره في الطلاق وقال نغلب في اليمين وضع الصيغة ونرعى دقائق القيود، والشرائط، وههنا يحمل على المقصود الذي يبغيه الإمام الجاد في أمره، ولو حمل على قراءته بنفسه لكان عبثاً، وهذا حسن، ولكن أطلق الأصحاب [على]  خلافه التسوية بينه وبين الطلاق \rالمسألة الرابعة: إذا عزل القاضي، أو انعزل (فينعزل)  به كل منصوب من جهته في أمر جزئي لا يستقل كمن يصغي إلى شهادة معينة في واقعة خاصة، ومن يستقل كمستخلف في حكم أو قيّم  على طفل ففي انعزاله ثلاثة أوجه أحدها: أنهم ينعزلون  فإنهم تلقوا الولاية منه وزوال  ولاية المستنيب  توجب من ذلك  [زوال]  ولاية النائب [كما]  في الوكالة والثاني: لا ينعزلون لأنهم ولاة بأنفسهم  كالقضاة مع الإمام فإنهم لا ينعزلون بموته قطعاً فإن ذلك يؤدي إلى خلو الخطة عن القاضي إلى تعيين الإمام والثالث: أن القاضي إن كان مأذوناً في الاستخلاف لم ينعزلوا، وكلهم ولاة  من جهة الإمام، والقاضي سفير وواسطة، وإن استقل باستخلافهم حيث جوزناه  فينعزلون، وهذا التفصيل ركيك فإنهم منصوبون  من جهة الإمام وإن لم يصرح باستخلافهم إذ الاستخلاف يلقى من مطلق الإذن  ","part":1,"page":10},{"id":2474,"text":"المسألة الخامسة: إذا قال القاضي بعد العزل: كنت قضيت لفلان، لم يقبل قوله، ويقبل في حالة الولاية [كالوكيل]  في كل تفصيل، فالقاضي إذا قال قضيت وهو على الولاية فلا يُحوَج إلى بينة، وإن منعنا القضاء بالعلم، وهذا متفق عليه، ولو شهد عدلان على قضاء القاضي المعزول ثبت حكمه، ولو شهد هو مع شاهد آخر على قضاء نفسه قال الأصحاب: شهادته مردودة، لأنه شهد على فعل نفسه، وحكى العراقيون عن الإصطخري أنه تُقبل كما تقبل شهادة المرضعة على إرضاعها بنفسها، فإن فرعنا على المذهب فلو قال أشهد أنه قضى به قاضي عُزل  ولم يسمِ نفسه فوجهان: أحدهما: تُقبل كما لو شهد عدلان على قضاء قاضي ولم يسميا القاضي والثاني: لا، لأن الظاهر انه يريد [به]  نفسه \rالمسألة السادسة: إذا ادّعى رجل على قاضٍ معزول أنه ارتشى منه أحضره القاضي الصارف وفصل الخصومة بينهما، وإن ادّعى أنه قضى بشهادة عبدين، أو معلنين بالفسق، وأخذ المال أحضره القاضي وفصل الخصومة، وإن لم يتعرض لأخذ المال قال صاحب التقريب: من الأصحاب من قال: لا تُسمع الدعوى ما لم يذكر أخذ المال، والعراقيون قالوا: تُسمع، وهل يحلف على وجهين، وهذا يلتفت على وجوب الغرم على القاضي إذا رجع، فأما إذا كان الصارف يحاسب الأوصياء والأمناء فذكر بعضهم أن المصروف فرض له أجراً  فإن كان له بينة قُبل، وإن صدقه القاضي المعزول فلا أثر لتصديقه، وإن لم تكن بينة فالزائد على أجر المثل لايُقدر   وقدر الأجرة هل يقبل فيه قوله فعلى وجهين أحدهما: [انه]  يقبل مع يمينه لأن عمله متقوَم، والظاهر انه لا يرضى بتضييعه والثاني: [أنه]  لا يقبل ما لم تقم بينة على ذكر الأجر ، وهذا يلتفت على أن من عمل لغيره ولم يذكر [له]  أجراً  هل يستحق الأجر  [والله أعلم]  \rالباب الثاني: في جامع آداب  القضاء: وفيه فصول\rالفصل الأول: في آداب متفرقة، وهي عشرة:","part":1,"page":11},{"id":2475,"text":"الأول: القاضي إذا تقلد الولاية من الحضرة فينبغي أولاً أن يقدم بين يديه من يشيِّع الخبر بقبوله حتى لا يُتهم عند حضوره، ويستفيض أمره، وإذا فاجأهم ربما اتهموه فإن ساعده  الاستفاضة فذاك، وإن دخل فجأة وادّعى أنه قاضٍ من غير كتاب ولا شهود فليس عليهم الانقياد، بل لا أقل من كتاب الوالي، فإن عرض  الكتاب من الوالي ولا حجة سواه فيحتمل أن يُقال لا يقبل ، بل  الأمور العظام تشيع وتستفيض، ولكن هذا لا وجه له، فإنه إذا بادر القاضي الانصراف بعد التقلُد لم يشع  الخبر قبل قدومه، نعم هل يُكتفى بمجرد الكتاب، أم لا بد من شاهدين اختلف الأصحاب فيه فمنهم من قال: يُكتفى بمجرد الكتاب مع مخايل الصدق، والاعتماد على أن الجرأة على التلبيس مع امتداد اليد الطولى من السلطان بعيد، ويشهد لذلك اعتماد الخلق على قول ولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجرد الكتاب، حتى تخرَّص واحد في دعواه فأكرموه، فلما وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه لعنه، وقال: «إذا رجعتم إليه فاقتلوه، وما أراكم تدركونه» فرجعوا فألفوه حًمَمه، وقد أدركته صاعقة فاحترق، ولم يُنكر عليهم، ولم يأمرهم بالاستظهار بحجة، ولأن الحجة كيف يتصور إقامتها وعند من تقام، ولا معين ولا مخاطب، ومنهم من قال لا بد من شاهدين عدلين يُشيعان صدور  الولاية من الإمام صفتهما صفة الشهود، ولكن لا يشترط لفظ شهادة، وتقدم دعوى، ولكن الاستفاضة تحصل بهما، ويلتفت ذلك على ما سنذكره في التسامع في الأنساب، وعلى الجملة لا منع من التوقف عند ظهور مخايل الخيانة، وشواهد  الصدق في أمثال ذلك لا تخفى ","part":1,"page":12},{"id":2476,"text":"الأدب الثاني: أن يبدأ   أولاً كما قدم ـــــــ  عن أحوال المحبوسين ولا يقصر فيه ولا يتصدى لفصل خصومة ما لم يفرغ قلبه منهم فيحضرهم فمن كان محبوساً بظلم أو في تأديب وتعزير  أطلقه، ومن أخبر أنه محبوس بحقٍ، [ودين]  رده  إلى السجن ومن لم يعترف [به]  سأله عن خصمه فإن ذكر خصماً حاضراً [أحضره]  وطالبه بابتداء الخصومة فإن زعم أن القاضي الأول حكم عليه فليقم البينة على حكمه و إلا خُلّي المحبوس، وفي كلام القاضي إشارة إلى أن من قال حبست ظلماً أُطلق ، وله اتجاه، ولكن الآخرون قالوا يُحضر خصمه ويُسأل، وهذا يدل على التسبب إلى الفحص، والتسبب وإن كان نوعا من الحبس  ولكن لا بد منه على مذهب الأصحاب، وكان القاضي يُطلق  ثم يتبعه خصمه إذ لا بد له من ابتداء الخصومة، أو إقامة البينة على الحكم، وعلى  مذهب الجمهور إذا لم يظهر له خصم فإن قال حبست ظلماً أُطلق، وإن قال لا أدري لِم  حُبست قال الأصحاب: يُنادى عليه إلى حدّ الإشاعة ويُقال فلان بن فلان محبوس فمن خصمه فإن لم يظهر أُطلق لأن النفوس متشوفة إلى الطلب، ولا يُطاف به في البلد بل يُنادى، وذكر الأصحاب أياماً، والحدّ فيه الإشاعة، وهو في مدة الإشاعة لا يُحبس، ولا يُخلّى بل يُراقب، وهل يؤخذ منه كفيل ببدنه احتياطاً ذكر صاحب التقريب وجهين أحدهما: يُطلب فإن امتنع رددناه إلى الحبس والثاني: قطع به الأصحاب انه لا يلزمه، ولو ذكر خصماً غائباً، وزعم  أنه مظلوم، فهل يُطلق ذكر الفوراني وجهين أحدهما: [أنه]  يُراقب، ولا يُخلى ولا يُحبس، [ويُكتب إلى خصمه حتى يجهد في إحضار الحجة، فإن قصّر خليناه والثاني: أنه يُخلّى]  على الفور، فإن المراقبة تعذيب، والأمر فيه يطول","part":1,"page":13},{"id":2477,"text":"وإذا فرغ من أحوال المحبوسين نظر في أموال  الأطفال، والأوصياء، ومحاسبتهم فإن هذه حاجات ناجزة قبل رفع الوقائع، فإن رُفعت  واقعة في أثناء ذلك وقدر على فصلها مع شغله فعل، و إلا استخلف من يقوم بأحد المُهِمَين، والمقصود مبادرة هذه الأمور \rالأدب الثالث: أن يتروّى بعد ذلك في  ترتيب الكُتّاب، والمزكين، والمترجمين أما الكاتب فليكن عدلاً عاقلاً نزهاً عن الطمع، وأما المزكون فسيأتي وصفهم، وأما المترجم فإن كان بإذن القاضي وهو  يحتاج إلى مسمِّعٍ [عدلٍ] ، فإن كانوا لا يترتبون إلا بأجرة هي  على من وجهان أحدهما: أنها  على صاحب الحق، إذ المسمّع  يتم الدعوى، وكذا المترجم، والمزكي يتمم البينة، والكاتب يكتب محضر الديوان فيُحكم بالحق","part":1,"page":14},{"id":2478,"text":"والثاني: أنه ليس على صاحب الحق شيء، كما ليس عليه أن يبذل للقاضي شيئاً، وبه النظر الأكمل، ولو عرف العدالة ولم يكن به وقر وحفظ ما جرى  لا يستغني عن الكل، ولا يستحق به أجرة، فإن أوجبنا على طالب الحق ففي كل مقدار أجر  المثل فيما يتعلق بخصوص حقه، فإن قيل: وهل يُشترط العدد في هؤلاء قلنا: أما الكاتب للمحضر الديواني فلا معنى لتعدده، وأما المزكي فلا بد من العدد فيه، فأقله مزكيان، وأما المترجم فقد قطع الأصحاب بأنه لا بد من اثنين، وفي المسمع وجهان  أحدهما: الاكتفاء بواحد، لأنه لو غيّر لاعترض عليه [الخصمان] ، وهذا يوهم فرقاً بين المترجم والمسمع، ولا يتجه فرق، إذ المترجم ينقل معنى اللفظ، والمسمع ينقل عينه، ويختص بالإسماع لقربه من القاضي إذا كان بأذنه وقر، فالوجه أن يقال إن كان الأعجمي المخاصم يفهم لسان المترجم لو غيّر ولكنه لا يحسن نظم لغته فيُكتفى بالواحد كما في نظيره من المسمع، وإن كان الخصمان أيضا أصمّين في صورة الإسماع ولا حاضر غيرهما فلا بد من تعدد المسمع كما إذا كانا أعجميين لا يفهمان لغة المترجم فلا فرق، نعم ذكر الأصحاب وجهين في العدد التفاتاً على التعبد، وإن [كان]  الخصم يقدر على الإنكار، وهو بعيد، بل القاضي ينبغي أن يستمع، ويعتمد تقرير الخصم، وإشارته، ومن الأصحاب من اكتفى بواحد في المسمع وإن كانا أصمّين، ولم يحضر غيرهما – أعني الخصمين – وهذا إن اتجه وجب طرده في المترجم ","part":1,"page":15},{"id":2479,"text":"التفريع: إذا عوّلنا على سماع الخصمين، وتقريرهم فلو كانا أصمّين، ولكن  حضر المجلس جماعة فههنا ينقدح الخلاف لأنهم  أيضا ربما يُنكرون، ولكن من حيث أنهم لم يرسموا الإصغاء ، وقد يغفلون فلا يعول عليهم، وأما إذا كان أحد الخصمين أصم وافتقر إلى مسمع مع الثاني فيكفي مسمع واحد، والقاضي رقيب متصدٍ للإنكار لو جرى تغيّر، وقد ينشأ من هذا المنتهى أن الترجمة والإسماع ليس على حقائق الشهادة، ولذلك اختلف تفصيل العدد باختلاف الوقائع، فإن لم نَشترط عدداً فلا نرعى لفظ الشهادة، وفي اشتراط الحرية خلاف (يُداني)  خلاف الأصحاب في المخبر عن هلال رمضان، والأصح أنه يسلك به مسلك الرواية ههنا إذا  لم نشترط العدد، وإن شرطنا العدد ففي اشتراط لفظ الشهادة وجهان فإن النقل من غير قرينة مصدقة يقتضي الاستظهار بالعدد ولفظ الشهادة وصحته دون تقدم دعوى يوجب أن لا يشترط اللفظ، وهذا يقل نظيره في الشرع، وإن أردنا البينة على ما يشترط العدد فيه فنقول يشترط في الشهادة، والتزكية، والتقويم الذي يتصل القضاء به، ولا يشترط في القائف للخبر، وفي الخارص، والقاسم خلاف، ويبعد في الخارص شرط العدد مع قصة ابن رواحة، مع أنه فيه مجازفة قلّ ما يتوافق عليه اثنان، وأما القسمة فما لا يستغني عن تقويم لا بد فيه من العدد، و إلا فيتجه الخلاف، ولأنه من وجه كالتقويم، ومن وجه يستند إلى محسوس، ثم إذا شرطنا  اثنين في الترجمة، والإسماع فلا بد من رجلين، وإن كانت الواقعة في مال، كما يشترط في التزكية بشهود المال، وفي الشهادة على الوكالة ينصرف في المال نظراً إلى المنقول لا إلى  ما إليه يؤول \rالأدب الرابع: أن يُهيأ للقضاء مكاناً رفيقاً فيتحرى  في الصيف ظلاً في مهب الرياح، وفي الشتاء كنّاً كنيناً متسعاً للخصوم، والمقصود أن لا يتسارع إليه المِلال فيظهر به الضرر على المرتفعين إليه","part":1,"page":16},{"id":2480,"text":"فرعان: أحدهما: ذكر الصيدلاني وجهين في أن القاضي هل يتخذ بواباً وحاجباً ثم ذكر طريقين في محل الوجهين أحدهما: إن لم يجلس للحكم فله ذلك، وإن جلس فوجهان والثاني: عكسه وهذا  فاسد، بل الواجب إتباع المصلحة  فإن كثر الزحام، وكانت المصلحة في نصب نواب فعل، وإن كانت المصلحة في خلافه ترك ولو جلس في الخلوة  لا للحكم فلا منْع  من نصب نواب، ولا يتجه فيه خلاف الثاني: ظاهر ما نقله المزني أن الحكم في المسجد لا يلتحق برتبة المكروه، ولكن الأولى تركه، وكلام الشافعي رحمه الله [في الكتب]  ناص على الكراهية إذ قال في الكتب  إذا كنت أكره القضاء في المسجد فإقامة الحدود فيه أكره ، وبين درجة الكراهية وما يقال الأولى تركه مرتبة، فاستيعاب الأوقات بالعبادات أولى، والمعرض عنه ترك الأولى ولكن لم يقتحم مكروهاً، فإن المكروه ما ورد عنه  نهي مقصود لم يحمل على حقيقة التحريم، ولم يرد في القضاء نهي ولكن ورد النهي عن رفع الأصوات، وإدخال الصبيان، والنسوة الحُيّض، والقضاء يفضي إليه، والصحيح إطلاق الكراهية لذلك، ولو اتفقت فصل قضية واحدة، أو قضايا في أوقات متفرقة فلا كراهة، وقضى  رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ولكن ما اتخذه مجلساً [للقضاء]  \rالأدب الخامس: أن لا يقضي في حال غضب، وفرط جوع، وعطش، وحزن بيّن ، وألم مبرح، وكل  حالة تمنعه من استيفاء الفكر، وإكمال الاجتهاد، أو تحمله على سوء خلقٍ، وحدّة، إلا إذا احتدّ غضباً لأجل الدين، وعلم أن ذلك لا يمنع من توفية الحقوق، قال عليه السلام: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» ، وروى أبو سعيد الخدري أنه عليه السلام قال: «لا يقضي [القاضي]  إلا وهو شبعان» ، والمقصود التثبت على ما سبق ","part":1,"page":17},{"id":2481,"text":"الأدب السادس: أن لا يحكم حتى يجتمع في مجلسه علماء الفريقين ليشاورهم ويستعين برأيهم  ويكون أبعد عن التهمة، والمشورة مستحبة، وقد أثنى الله تعالى على اعتبارها فقال: (وأمرهم شورى بينهم) ، وقال تعالى : (وشاورهم في الأمر) ، قال الحسن البصري: كان مستغنيا عن مشاورة غيره ولكن أراد أن يصيِّر ذلك سنة للحكام يقتدون بها\rالأدب السابع: قال الشافعي رحمه الله: وأكره له البيع والشراء بنفسه والمقصود أنه ربما يُحابى ميلاً إليه فهو مكروه، وليكن وكيله أيضاً مجهولاً حتى لا يُحابى تودداً إليه، ولهذا قال عليه السلام لعمر [رضي الله عنه]  وكان قد تصدّق بفرس فعزم  [الذي عنده]  على بيعه  فهمّ بشرائه فقال: «لا تعد في صدقتك» ، ومعناه أن الآخذ يستحيي منه فيُحابيه فيكون كالراجع في ذلك القدر [فكذلك القاضي يكون كالمرتشي في ذلك القدر]  \rالأدب الثامن: إذا أساء الخصم أدبه في مجلس الحكم مجاوزةً  حدّ الشرع في الخصام، أو مشافهة الشهود العدول بالتكذيب نهاه القاضي، فإن عاد زبره، وزجره، فإن عاد عزّره، ويجري على التدريج في تعزير الزوج [زوجته] ، ومن علم أنه شهد بالزور عمداً عزّره في ملأ من الخلق، ونادى عليه بما صدر منه حتى يُحذر من تحميله الشهادة ","part":1,"page":18},{"id":2482,"text":"الأدب التاسع:  لا يقضي لولده، ولا على عدوه، كما لا يشهد، قال الإمام: وينبغي أن يُفصّل فيقال: لا يقضي بعلمه وإن جوز  القضاء بالعلم، وإن قضى ببينةٍ فوجهان، هذا هو الأصح، فإن قلنا لا يقضي فإن  سمع البينة، وفوض القضاء إلى  غيره ففي المسألة وجهان، هكذا رتبه الأصحاب، قال الإمام: الوجه القطع بأن تعديله لا ينفذ، وكذلك إذا نقل بنفسه، فلو نقل الشهادة  شاهدان عدلان عن الأصلين فلا بأس إذ ذاك، ووصي اليتيم إذا ولي القضاء فقامت عنده بينة على مالٍ لأبي الطفل قال ابن الحداد: لا يقضي به لأنه خصم في حقه مطالب، كما أنه مطالب بحق لنفسه، فليرفعه إلى الإمام وليدّعِ، فإن رفع إلى خليفةِ نفسه فوجهان يجري في رفعه في حكم نفسه إليه، أما الإمام الأعظم فلا خلاف أنه يرفع قضية نفسه إلى خليفته، وقال القفال: للقاضي الوصي أن يقضي لأن كل قاضٍ قيّم للأيتام ، وذلك لا يمنع ","part":1,"page":19},{"id":2483,"text":"الأدب العاشر: أن لا ينقض قضاء نفسه، وقضاء غيره باجتهاد يماثل الاجتهاد الأول، أو يقاربه، ويكون الترجيح مدركاً بالظن، فإن بان الخطأ قطعاً، أو بما يقارب القطع نقض الحكم الأول، قال الشافعي رحمه الله: يُنقض قضاء من أقام معظم كلمات اللعان مقام جميعها، وقضاء من حكم بأن الزوج إذا فُقد فتربصت المرأة أربع سنين نُكحت، وإن قال به عمر [رضي الله عنه] ، وروي أن مخلد بن خفاف ابتاع غلاماً واستغله زماناً ورده بالعيب فقضى عليه عمر بن عبد العزيز برد الغلة، فروى عروة عن عائشة [رضي الله عنها]  أنه قال  في مثل هذا: «الخراج بالضمان»  فنقض قضاءه بخبر الواحد، وإن كان ما ذكره وجهاً من الرأي، وقضى شريح في امرأة ماتت وخلفت زوجاً وابني عم أحدهما أخ لأم بالنصف للزوج، والباقي لابن العم الذي هو أخ فأُخبر  علي رضي الله عنه فقال: علي بالعبد الأبظراي عظيم الشفة فأُتي به فقال: ما حملك على هذا فقال قوله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم)  أولى ببعض فنقض عليه قضاءه، وقضى عمر رضي الله عنه بإسقاط الأخ من الأب والأم في مسألة المشركة بعد أن كان قد  شرك في العام  الأول، فروجع فيه فقال: (ذاك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي)","part":1,"page":20},{"id":2484,"text":"فلم ير النقض في مثل هذه المسألة المشكلة، وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما : (لا يمنعنك قضاء قضيته ثم راجعت نفسك فهديت للرشد أن تنقضه فالرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل)، وقال الأصحاب: ينقض القضاء بالنكاح  بلا ولي، والحكم بشهادة الفاسق، وبيع أمهات الأولاد، وأن لا قصاص بين طرف الرجل والمرأة، وأن لا حدّ في نكاح الأم، وقال أصحاب أبي حنيفة: ينقض على الشافعي مذهبه في متروك التسمية والبداية بالمدعي في القسامة، واليمين  مع الشاهد، وإبطال السعاية، فإن قال قائل هذا أمر مشكل فما الضبط وعدّ المسائل لا يفيد الاحاطة بالغرض، قلنا: الذي تحصل لنا من كلام الأئمة أن النقض جارٍ في مراتب الأولى: أن يخالف الحكم نص الكتاب  أو سنة متواترة أو إجماعاً وذلك بيّن الثانية: أن يخالف خبر واحد  صحيح صريح، ورأى الخصم الحكم بالقياس تقديماً على خبر الواحد كما في خيار المجلس والعرايا، وذكاة الجنين والنكاح بلا ولي وأمثاله فإن مسلكه باطل بمنهج أصولي قطعي في ترتيب الأدلة، فإن اعتقد الحاكم تأويلاً ركيكاً لا يعتدّ به الأصولي كحمله خيار المجلس على المتساومين، أو المتقاولين، وحمل المرأة على الصغيرة والأمة، والمكاتبة فهذا وأمثاله هذيان لا يعتدّ به، والقضاء فيه منقوض، وكذلك كل مذهب اختص به أصحاب الظاهر، فإن مسلكهم في إبطال القياس مقطوع ببطلانه، قال القاضي أبو بكر: لا أعدّهم من علماء الشرع، ولا أبالي بخلافهم وهو كما قال، وكذلك كل ما انبنى على الاستحسان، [قال الشافعي رحمه الله: (من استحسن فقد شرع) إلا أن يفسر الاستحسان]  باتباع الخبر والقياس الخفي القوي فإذ ذاك يرد الاعتراض إلى تلقيبهم إياه بلفظ الاستحسان فإن الاستحسان الباطل ما يخالف قياس الشرع، فما لا يخالفه فليس بباطل، استحسن الشافعي [رحمه الله]  التحليف بالمصحف تغليظاً وليس فيه ما يخالف القياس فلا يبعد أمثاله","part":1,"page":21},{"id":2485,"text":"الرتبة الثالثة:  ما يتقاوم فيه قياس جزئي، وقانون كلي فالحكم المخالف للقانون الكلي منقوض كحكمهم في مسألة المثّقل، ومعظم مسائل الحدود والغضب\rالرتبة الرابعة : أن يقاوم القياس الجلي قياس خفي يستند إلى خصوص واقعة شاذة به كلف  ربط الكلام به ، وينتظم منه تفصيل يدرك الأصولي سقوطه بالإضافة إلى النظر الظاهر إدراكاً بيّناً كحكمنا بأن المأذون في التجارة يقتصر على ما رسم، وقول الخصم أنه يتوسع، واستمداده من أمر في تعلق العهدة به، والمحصل أنه إن كان أحد الحكمين يقدم على الآخر بالترجيح  بعد تقاوم الأقيسة وتعارض الشواهد فلا نقض ، وإن كان المؤيد لأحد الجانبين لا يقاوم  في الرتبة، ولا يلوح بالإضافة إلى المعارض على وجه  [يلوح]  إلى الترجيح فهو المراد بالقياس الجلي الذي إذا ظهر نقض به الضعيف في معارضته، وبعض هذه الصور لا يخلو عن اضطراب فدعوى القطع فيها بعيد، وإذا كان بحيث تجوز إصابة الأول أو يقول كل واحد في الواقعة مصيب فلا سبيل إلى النقض، ومن جوز الإصابة لا ينقض، وإنما ينقض من يقول لا أجوز الإصابة عليه فيمكن ضبطه بأن  ما يقال فيه المصيب غير متعين، أو كل واحد مصيب فلا نقض فيه، وهذا أيضاً مما يختلف في اعتقاده المجتهدون، ولكن غاية البيان ما ذكرناه ثم اختلف العلماء في قوله: (من اجتهد فأخطأ فله أجر واحد) فقيل أجره على طلبه الذي استد فيه قبل أن انحرف نظره، وقيل أجره على قصده في الصواب فإنه قد تردد في أول النظر \rفرع: لو علم أنه أخطأ في واقعة من قضاياه فليطلب وليبحث لينقض، فإن لم يعثر فلا عليه، وليس [عليه]  وجوب النقض بعد العثور موقوفاً على الترافع إليه، ولو ظهر له من القاضي المصروف أنه أخطأ في واقعة فلا يتبع بالنقض ما لم يرفع إليه الخصوم هذا جامع القول في الآداب، وأكثر ما ذكرناه من الواجبات وإن سميناها [آداباً]  ابتاعاً للفظ المشهور ","part":1,"page":22},{"id":2486,"text":"الفصل الثاني: في مستند قضائه:\rولا خفاء باستناده إلى الحجج  والبينات على ما سيأتي، والغرض بيان القضاء بالعلم والخط، أما العلم ففي قضاء القاضي بعلم نفسه من غير بينة أخرى قولان للشافعي هذا في الأموال، وفي العقوبات قولان مرتبان، وأولى بأن لا يقضي، [وعقوبات الآدميين تترتب على عقوبات الله، وأولى بأن يقضي] ، لأنه لا يسقط بالرجوع عن الإقرار ، هذا هو المشهور، ومنهم من لم يرتب وقال العلم لا تتفاوت درجته وإنما يحسن الترتيب في المظنونات توجيه القولين، أما [قول]  جواز القضاء فقد نص عليه في الجامع الكبير وقال: وأقضي بعلمي ، وهو أقوى من شاهدين، أو شاهد وامرأتين، وهو أقوى من شاهد ويمين وهو أقوى من النكول ورد اليمين، ووجهه أنه إذا كان يستند القضاء إلى ظن فبأن يسنده  إلى علم أولى وهذا بيّن والثاني: أن في القضاء بالعلم ما يفتح باباً للقضاة يتعرضون به للتهمة، وذلك لا يليق بمنصب الإيالة، وذلك يؤدي إلى أن يوغر الصدور ، وقال الربيع: كان الشافعي يرى القضاء بالعلم، ولكن لا يبوح [به مخافة]  قضاة  السوء ","part":1,"page":23},{"id":2487,"text":"التفريع: إن قلنا يقضي بعلمه، ولا يقضي بظنه  الذي لا يستند إلى بينة ، ولا فرق فيما علمه بين أن يحصل في مكان ولايته أو غير مكان ولايته، وقال أبو حنيفة: لا يقضي إلا بعلم حصل في مكان ولايته، وزمانها وإن قلنا لا يقضي فليستثنَ عنه أربعة أمور أحدها: أن يمتنع عن القضاء بعلمه على معنى أنه لو علم كذب الشهود أو خطأهم يقيناً بأمر محسوس مستيقن فلا يقضي، وكيف لا وعليه أن يتوقف عند الريبة  فكيف لا يمتنع مع اليقين! الثاني: أنه يقضي في عدالة الشهود بعلمه ولا يحوج إلى التزكية، هذا هو الظاهر، فقال بعض الأصحاب: لا بد من الاستناد إلى التزكية لأن ذلك  أيضاً تطرق إليه التهمة، وكيف لا والعدالة تعرف ظناً! فإذا وجب إسناد علمه إلى مستند فالظن أولى الثالث: لو أقر في مجلس القضاء [على رؤوس الأشهاد يقضي بعلمه فيه قولاً واحداً، لأن الإقرار في مجلس القضاء]  من أقوى الحجج فلا يتوقف إلى أن يشهد عليه من شاركه في السماع، وهذا مقطوع [به]  أما ما انفرد بسماعه سراً لا في مجلس القضاء فهو في محل القولين، ومنهم من قال يقضي بعلمه فيه قولاً واحداً، لأن الحجة هو الإقرار في [مجلس القاضي لا في]  مجلس القضاء، وهو  بعيد، فإن هذا يطرق التهمة بخلاف ما يجري في مجلس [القضاء]  الرابع: أنه لو شهد شاهد واحد فهل يصير علمه مع الشاهد كشاهد آخر فيه وجهان ذكرهما القاضي أحدهما: أنه يقضي به فلا أقلّ ما يعتد  به شاهدا والثاني: لا، فإنه يطرق التهمة، ولو اعتد به لاكتفى به من غير شاهد، وأما (من)  أساء أدبه في مجلس القضاء عزره القاضي بناءاً على ما شاهده، وهذا مقطوع به، وهو من ضرورة إقامة أبهة القضاء، أما الخط فلا اعتماد عليه في قضاء ولا شهادة","part":1,"page":24},{"id":2488,"text":"وليعلم أولاً أن من الآداب المهمة في القضاء إذا جرت قضية أن يعقد القاضي محضراً لما يجري بين الخصمين، ويذكر البينة إن قامت، وأسامي الشهود إن عرفوا، أو حليتهم إن لم يعرفوا، ثم يجمع محاضر كل يوم في إضبارة، ومحاضر كل أسبوع في قمطر، ومحاضر الشهر في قمطرة كبيرة ، ومحاضر السنة في خريطة، ويكتب عليه التواريخ ليسهل الرجوع [إليها]  ويختم القاضي الخريطة ويتعاطى كل ذلك بنفسه، أو يفعل بين يديه، وحسن أن يدفع نسخة إلى صاحب الحق حتى إن ضاعت نسخته رجع إلى المحضر الديواني، وهذا مطّرد، ولو التمس صاحب الحق ذلك فهل يجب على القاضي إجابته أم يجوز له تركه فيه وجهان أحدهما: أنه يجوز [تركه]  إذ لا اعتماد على الخط، وإنما الاعتماد على التذكرة  كما سنذكره والثاني: أنه يجب، لأن ما كتب تقيد وما أهمل تشرد ، والخطوط مذكرات ","part":1,"page":25},{"id":2489,"text":"التفريع: إن قلنا يجب فالكاغد  [يطلب]  من الملتمس للكتاب إذ المتعلق به غرضه، قال الشافعي : وينبغي أن يجعل الإمام مع رزق القاضي شيئاً لقراطيسه ويزاد للمحاضر، فإن لم يكن طلبه القاضي من ذي الحق ثم صورة المحضر أن يكتب الواقعة، والأسماء والأنساب، فإن لم يعرف ذكر أنه حضر مجلس الحكم خصم ذكر أنه فلان ابن فلان، وادّعى على من زعم أنه فلان ابن فلان، ويعول على الحلية، وقال ابن خيران : لا يعقد المحضر مع الجهل بالنسب إذ الحلية تحول والمذهب ما قدمناه، فإذا لاحت هذه المقدمة فلو أبرم قضية وأثبت به الخط فادّعى صاحب الحق القضاء، وأظهر السجل والخط فإن تذكر القاضي اعتمده ، وإن لم يتذكر لم يجز له التعويل على خطه إذ التزوير بالخط من غير أن يبين اختلاف ممكن ، فلابد من الذكر وعن مسيس حاجة القاضي إلى الكتبة نشأ خلاف  في أن الأمي هل يجوز أن يكون قاضياً والصحيح جوازه، [إذ]  كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمياً، ولكن لا يستقيم مع هذا القول بإيجاب الكتبة عند التماس الخصم، والشاهد كالقاضي في أنه  لا يحل له اعتماد الخط، وإن كان يزعم أنه يثق بأنه خطه لأن التشبيه  ممكن في الخط، وسنذكر أنه يجوز أن يعول على خطه، وخط أبيه في الحلف إذا كان يثق به، ومأخذه الشهادة، والقضاء ثابته على ما سيأتي فإن قيل: لو أثبت الشهادة في","part":1,"page":26},{"id":2490,"text":"حريزة   عنده، وردها  إلى خزانة علم قطعاً أنه لا يصل إليه غيره فهل يعتمده  قلنا: أوردت هذه الصورة على الشيخ أبي محمد فقال بعد تردد: يعتمده، وهذا تذكُّره وليس باعتماد على الخط، وهذا غير صحيح فإنه ليس من ضرورة تذكر تلك الحالة وجدانها في النفس وإنما هذا يورث ثقة بالخط، وظاهر كلام الأصحاب في الطرق التصريح بمنع الاعتماد وإن تصورت الواقعة بهذه الصورة، وأما أبو يوسف فقد عرف من مذهبه أنه يجوّز  الاعتماد على الخط، فإن قيل: ما قولكم في المحدِّث إذا دون الأحاديث في الكتب بعد السماع هل يعول على الخط في الرواية [قلنا]  إن احتمل تصرف غيره بالتحريف والزيادة والنقصان فلا، وإن كان في يده وعلم أنه لم تصل إليه يد غيره، والذي  ذكره الأكثرون جوازه، إذ لا يطلب في الروايات إلا الثقة وفي  الشهادة والحكم تعبدات، ولذلك تحصل الثقة بقول العبيد في الرواية، ولا تقبل شهادتهم، وقال الصيدلاني: لا يجوز للمحدِّث اعتماد ذلك، وإنما يجوز له أن يروي ما يحفظ ويتذكر، فإن لم يحفظ فليترك الرواية وهذا على خلاف ما اتفق عليه علماء الأمصار فإن قيل إذا نسي القاضي حكمه، ورأى خطه فلم يتذكر، فشهد عنده شاهدان بأنه قضى هل يمضي قلنا: إن تذكر بقولهما أمضى ، وكذلك الشهود يتذاكرون قال تعالى : أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ، وإن لم يذكر  لم يعتمده بحال، نعم لو شهدا عند قاضٍ آخر على قضائه حكم بشهادتهما، ولكن الإنسان يطلب من نفسه الثقة واليقين ويقنع في حق غيره بالظن تنزيلاً لكل باب على الممكن فيه، وقال أبو يوسف: [له]  التعويل على شهادة المشهود  عنده، ويعتضد ما ذكره بالرواية فمن  المشايخ من كان يعتمد قول الراوي عنه، قال سهل  بن أبي صالح: حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي حديث القضاء بالشاهد واليمين ولكنّا نبهنا على وجه الفرق بين الرواية وبين الشهادة والقضاء","part":1,"page":27},{"id":2491,"text":"ثم حق القاضي أن لا يتعرض للشهود الذي شهدوا على قضائه بتصديق وتكذيب، فإن تكذيبه جرح، وتصديقه حكم، ولا وجه له إلا السكوت والتوقف، و [أن]  يقول لست أتذكر فإن قيل: فلو ادّعى خصم على قاضٍ أنه قضى فأنكر ورفعه إلى قاضٍ آخر فهل له أن يحلّفه قلنا: قال الأصحاب لا يملك ذلك، وقال القاضي: يبنى على أن اليمين المردودة حكمها حكم الإقرار أو البينة، فإن قلنا إنها  كالإقرار فله ذلك فتكون يمينه بعد نكول  كإقرار القاضي، وإن قلنا إنها كالبينة  فلا، فإن حكم القاضي لا يثبت بالبينة كما سبق، وفي ما ذكره القاضي استدراك على الوجهين فإنّا إنما نقبل إقرار القاضي في محل ولايته، ووقته فاليمين النازلة منزلته  لا تزيد عليه فكيف تقبل في مجلس قاضٍ آخر! ولا يتصور ذلك إلا على أحد الوجهين في نصب قاضيين في بلدة واحدة على العموم، وأما قوله إن القضاء لا يثبت بالبينة [ليس كذلك، إذ يثبت بالبينة]  عند قاضٍ آخر ولكن يحتمل أن يمنع من التحليف فإن قضاءه كتحمل الشهادة، وليس له أن يحلف على أن عندك شهادة وأنت تكتمها، فالأصح ما ذكره الأصحاب من أنه لا يملك تحليفه تنزيلاً له منزلة الشهود، ثم إن قبلنا الدعوة فينبغي أن يدّعي الذِّكْر، فإنه لو صدّقه في قوله لا أتذكره انقطعت الخصومة عنه، ويحتمل أن يقال أراد القاضي أنه  لا يثبت [بالبينة]  أي  لا يثبت عند إنكاره بالبينة عند قاضٍ آخر كما لا تثبت شهادة الفرع مع إنكار شهود الأصل، وهذا ماأراده  القاضي كما أظن والله أعلم \rالفصل الثالث: في التسوية بين الخصمين:","part":1,"page":28},{"id":2492,"text":"وذلك من أهم الآداب، وفيه مسائل: أحدها : أنه لا يجوز له أن يخصص أحدهما بمزيد إقبال، ولا مزيد إهانة، فلا يأذن لأحدهما للدخول [عليه]  دون صاحبه إذ ينكسر [به]  قلب المحجوب، ويظهر ميله إلى المأذون، وإذا دخلا معاً لم يخصص أحدهما بجواب السلام بل رد  سلامهما معاً، ولم يُقبل على أحدهما مزيد إقبال، ولو بادر واحد بالسلام فقد أفرط بعض الأصحاب وقال: لا يجيبه إلى أن يسلم الآخر أو يقول للآخر سلّم، فإذا سلّم أجابهما، وإلا سكت، وهذا بعيد، وعذره في التخصيص بالجواب عند السبق إلى السلام بيّن فلا تخصيص فيه، فإذا سلّم الآخر يجيبه كما أجاب الأول ثم يسوي بينهما في المجلس، ولا يرفع أحدهما على الآخر، وإن كانا متفاضلين، وإن كان أحدهما مسلماً والآخر كافراً فوجهان أحدهما: التسوية، لقوله عليه السلام لعلي رضي الله عنه: «سوِّ بين الخصمين في مجلسك، ولحظك»  وهذا عام والثاني: أنه يفرق في المجلس [بينهما]  إظهاراً لعز الإسلام وكان لعلي [رضي الله عنه]  خصومة مع ذمي فرفعه إلى شريح القاضي فلما دخل عليه قام له شريح فقال [له]  علي رضي الله عنه هذا أول جورك، ثم أسند علي [رضي الله عنه]  ظهره إلى الجدار وقال:  (لو كان خصمي مسلماً لجلست بجنبه)","part":1,"page":29},{"id":2493,"text":"ثم قال العلماء: لا يخصص أحدهما بالنظر إليه، ولا بالتبسم في وجهه بل يطرق أو ينظر إليها على وتيرة [واحدة] ، ولا يفاتح أحدهما بالكلام، ولا بأس لو قال من المدعي منكما فإذا ادّعى أحدهما  دعوى صحيحة كما سيأتي فهل يطلب الجواب من الخصم دون طلب المدّعي فيه وجهان أصحهما أنه يطلب إذ قرينة الحال قاطعة به فلا معنى للتطويل، ثم المدّعى عليه إن أقرّ ثبت الحق، ولا حاجة إلى قوله قضيت على الأصح، ومنهم من قال: لا بد منه كما لو عُدلت البينة، وهو ضعيف إذ يبقى بعد التعديل  نظر فللتوقف وجه فيقطع بالقضاء بخلاف الإقرار، وإن أنكر يقول للمدّعي ألك بينة ومن الأصحاب من قال: لا يقول ذلك، إذ ليس له أن يلقن أحد الخصمين حجة، وإنكاراً، وجواباً، وهذا تلقين الحجة ، وهذا ليس بشيء إذ المدّعي قد لا يعرف ترتيب الخصومة ويتحير عن دهش، فلو قال المدّعي لا بينة لي حاضرة ثم أقام البينة  سُمعت، ولو قال لا بينة لا حاضرة ولا غائبة ثم أقام بينة ففي السماع وجهان أحدهما: لا مؤاخذة له بقوله، والثاني: بلى  فلعله لم يعرفه [أولاً] ، ولو قال مطلقاً لا بينة [لي]  فهو كما لو فصّل مع ترتيب في الخلاف، وإن سكت المدّعى عليه فإن كان عن عيٍّ وحصر روجع، فإن أصر كان كالإنكار الثانية: إذا تساوق  إلى مجلسه المدَّعون فالسبق لمن سبق، فإن تساووا فالمحكّم القرعة، ولا تقديم بالفضيلة فمن استحق بقرعة أو سبق اقتصر على خصومة واحدة، وليس له أن يتقدم بخصومة شخص آخر، وهل له أن يكرر الخصومة مع شخص واحد الظاهر المنع إذ لا مردّ بعد الزيادة [على الواحد] ، ومنهم من جوز إلى ثلاثة  دعاوى، ومنشأ التردد أن الشافعي رحمه الله قال: لا يسمع  منه في مجلس  إلا في حكمٍ واحد، منهم من قال  الحكم بالتنوين، وهو الصحيح، ومنهم من أضاف وقرأ في حكمِ واحدٍ، وهذا بعيد ","part":1,"page":30},{"id":2494,"text":"فرع: لو سبق أحدهما إلى الدعوى فقال الآخر كنت المدعي فللقاضي أن يقول أخرج عن موجَب الدعوى ثم ادعِ ولو ابتدءا معاً بالدعوى فلا طريق إلا الاقراع \rفرع: لو اجتمع عنده مسافرون ومقيمون جاز له تقديم المسافرين إن رأى المصلحة فيه، وذلك إذا حضر خصومهم، وكانوا على أوفازٍ  ولم يظهر الضرر على الآخرين بذلك القدر من التأخير، وكذلك له تقديم النساء على الرجال فإن طالت الخصومة  فلا وجه له، ومنهم من أبعد ومنع التقديم بعذر السفر والأنوثة مطلقاً، وهو ضعيف، ولو اجتمع طلبة علم  عند مدرس فإن كان ذلك العلم مما لا يجب تعليمه فإليه  الخيار، وإن وجب فليدع  التسوية، وحكم السبق فإن خصص قوماً تحصل بهم الغنية فهل يجوز فعلى وجهين، والأولى المنع، فإنه لا يهتدي إلى البليد، والمتخرج في العاقبة إلا إذا لم يمكن التفهيم في درس واحد فترعى القرعة، أو السبق، أوالتراضي","part":1,"page":31},{"id":2495,"text":" الثالثة: لا يقبل الهدية من أحد الخصمين تخصيصاً، ولا منهما تعميماً، بل الأولى أن يحسم باب الهدية روي أن رجلاً بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقات فعاد بمال كثير، وكان يُخرج البعض، ويقول هذا للمسلمين، ويُخرج البعض ويقول هذا أهدي إليّ فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «ما بال أقوام نستعملهم على بعض ما ولاّنا الله  فيرجع الراجع بمال ويقول هذا أهدي إليّ  هلا جلس في خفش أمه فينظر هل يهدى إليه  أم لا»  والخفش البيت الصغير، وقصة عمر رضي الله عنه في رجل الجزور معروفة ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هدايا الأمراء سحت»  والتفصيل في ذلك أن المُهدي إن كان له خصومة لا يحل قبول هديته، ولو قبل فالذي ذهب إليه الأكثرون أنه لا يملكه، ومنهم من قال يملكه  لأنه صدر من أهله وصادف محله ولكن التعرض للتهمة بقبوله محرم، وهو كالصلاة في الدار المغصوبة، ويقرب [من]  هذا الخلاف في أن من وهب ما يحتاج إليه لوضوئه ممن لا يحتاج إليه لسقيه هل يملكه وقال القفال في بعض طرقه: إذا كان له خصومة لا يملك ، وإن كان من أهل ولايته ولا خصومة له، وكان لا يعتاد الإهداء قبله فهل يملك فعلى وجهين، ومساق كلامه القطع بالتحريم، والوجه أن يقال إن اجتمع ثلاثة أمور وهو عدم الخصومة، وأن لا  يكون من أهل ولايته، وإن كان اعتاد الإهداء قبل القضاء فلا كراهية في القبول والأحب الامتناع، وإن كان لا يعتاد الإهداء ولكن لا خصومة، وليس هو في  محل ولايته فيكره، والأولى أن يثبت إن أخذ، أو يضع في بيت المال، وإن كان من أهل ولايته، ولكن كان معتادا فلا كراهة أيضاً، وإن كان لا يعتاد فالكراهية مؤكدة، والملك حاصل في هذه الصورة إلا إذا كان في خصومة، وقد حكينا عن القفال شيئاً آخر في غير صورة الخصومة الرابعة: قال الشافعي رحمه الله: ولا أحب أن يتخلف عن الوليمة","part":1,"page":32},{"id":2496,"text":"وهو كما قال ففي إجابة الوليمة أخبار مشهورة، وإذا لم يتخلف ينبغي ألا يخصص  في الإجابة بل يعمم ، أما كل مأدبة هُيأت لأجله فلا ينبغي أن يحضر [فإنه في معنى الهدية، ولا ينبغي أن يحضر]  مأدبة الخصمين تسوية بينهما فإنه ربما (يتودد)  إليه أحدهما (بمزيد)  وكل مأدبة عامة يدخلها الفقراء والأغنياء فلا بأس بحضورها والمحذور تخصيصه  على الجملة، ثم قال  الشافعي : وأكره له أن يُضيف الخصم منهم من قرأ بالضم، ومنهم من قرأ بفتح الياء، وهو أن يحضر  ضيفاً، وقد ذكرناه \rالفصل الرابع: في التزكية: وفيه مسائل:\rالأولى: يجب الاستزكاء على القاضي حقاً لله فتحصل له غلبة الظن، طلب الخصم أو لم يطلب، فإن علم العدالة فلا يجب عليه وإن طلبه  الخصم، فيقضي بعلمه في العدالة، هذا ما قطع به بعض الأصحاب، وقد ذكرنا من قبل وجهاً فيه، وقال بعض المحققين: إن علم الجرح امتنع عن القضاء بعلمه، وإن علم العدالة هل يقدم على القضاء فعلى وجهين عند التفريع على قولنا لا يقضي بعلمه \rفرع: لو قال الخصم: الشهود عدول ولكن زكوا في هذه الواقعة، ذكر صاحب التقريب وجهين أحدهما: أنه لا يقضي عليه بعد التهمة بل يستزكي، لأن الاستزكاء حق الله (فتحصل)  [غلبة]  الظن، ثم النظر في التوقيعات  بعد العدالة والثاني: [أنه]  يقضي عليه مؤاخذة بقوله، وهو مذهب أبي حنيفة، ولا خلاف في مذهبنا أن الخصم إذا كان ساكتاً لا يقضي عليه بل يستزكي ، وأبو حنيفة يقول: إن طعن يستزكي، و إلا حكم عليه ","part":1,"page":33},{"id":2497,"text":"المسألة الثانية: في كيفية الاستزكاء وهو أن يكتب إلى المزكين  اسم الشاهد، والمدّعي، والمشهود عليه واسم آبائهم وأجدادهم وقدر المال المدعى وصفته، يكتب ذلك سراً أولاً ثم يستزكي إعلاناً حتى يظهر، أما الكتابة سراًً أولاً، وإعلاناً آخراً فمن الآداب والسنن، وإنما لا يشافه  ابتداءً حذاراً من الإظهار حتى لا يعرف الخصمان مَن المكتوب إليه فيشتغلان بالاستمالة، ولهذا قال الشافعي : ينبغي أن يكون المزكي غير معروف للخلق بالتزكية، وإن شافه القاضي المزكي حتى يعرب  عن حاله إن علم ويستمهل إن لم يعلم فجائز، وأما المقصود من الاسامي التعريف، فإن كان حاصلاً دون الإطناب فلا حاجة إليه، وإن لم يحصل مع ذكر الإنسان فلا بد من الإشارة و التعيين أو الاستقصاء في الوصف من تذكر  داره ومحلته ومسجده الذي يعتاد الصلاة فيه، والغرض التعريف، وهذا واجب وأما تعريف الخصمين فإنما وجب لأنه ربما يعرف بين الشاهدين وبين أحدهما شركة أو عداوة أو قرابة توجب رد الشهادة، وهذا أيضاً واجب، وأما قدر [المال]  المشهود [فيه]  فهو معتاد، وفيه فائدة، لأن مناصب العدول تختلف، وفي وجوب بيان ذلك  وجهان، والأظهر أنه احتياط  إذ التعديل  عندنا في اليسير والكثير على نسق [واحد] ، وأبعد بعض الأصحاب وقال: يجوز أن يعدل الشخص في مال حقير، ولا يعدل في كثير ، فعلى هذا يجب البيان \rالمسألة الثالثة: في صفة المزكين: ولا بد من صفات الشهود، والعدد، والذكورة، والعلم بالجرح  والتعديل، والخبرة بباطن حال الشاهد، ويستحب أن لا يكونا مشهورين للناس بهذا  المعنى أعني التزكية ","part":1,"page":34},{"id":2498,"text":"أما صفات الشهود من العدالة والحرية فلا خفاء به، وأما العدد فيُنظر فإن كان منصوباً حاكماً في الجرح والتعديل من جهة القاضي حتى يسمع عليه البينة، ويحكم فيعتمد القاضي قوله وحده، وإن كان يستشهده على التعديل والجرح فلا بد من العدد، ولا بد من لفظ الشهادة  إن شرطنا سماع القاضي منه  من غير اكتفاء برسولٍ ورقعة، وإن  اكتفينا بالرسول فقد ذكر صاحب التقريب وجهين في لفظ الشهادة كما في المترجم حيث  نقطع برعاية العدد فيه وأما الذكورة فلا بد منها فالتزكية إنما تصح من رجلين عدلين، وإن كانت الشهادة في مال نظر إلى المُثبت بقولهم وهو العدالة والفسق وأما الخبرة بباطن حال الشاهد فلا بد منه  فإن الأخبار دونه بناء على ظاهر الحال، وذلك غير مجوّز لا في التعديل ولا في الجرح ، قال الشافعي رحمه الله: وينبغي أن يكون أصحاب مسائله جامعين للعفة في النفس والمطعم، وافري العقل، بُرءا من الشحناء فقيل أراد به المزكين، وقيل أراد به من يحمل الرقاع إلى المزكين \rفرع: تزكية الرجل ولده، أو والده فيه وجهان:  أحدهما: أنه ترد كالشهادة والثاني: أنه تقبل لأنه ليس يثبت له حقاً، وأما قضاؤه لولده فقد ذكرناه","part":1,"page":35},{"id":2499,"text":"المسألة الرابعة: في مستند المزكي: وينبغي أن يستند في الجرح إلى يقين وعيان ، وفي التعديل إلى ظن غالب يحصل له من خبرته ببواطن أحواله، أو من شهادة عدلين خبرا بواطنه  إن كان هو منصوباً للحكم في التزكية، روي أن رجلا شهد عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: «لا أعرفك، ولا يضرك أن لا أعرفك فأتني بمن يعرفك»، فجاء رجل  فعدّله فقال عمر [رضي الله عنه] : «هل كنت جاراً له فتعرف صباحه ومساءه» فقال: لا، فقال: «هل عاملته على الدينار والدرهم فبهما تعرف أمانات الرجال» فقال: لا، فقال: «هل صحبته في السفر فبه تمتحن أخلاق الرجال» قال: لا، قال: «فإذن أنت لا تعرفه فأتني بمن يعرفك» ، وسبب ذلك أن الناس يخفون عوراتهم جهدهم فلا يجوز البناء على الظاهر، وعن هذا قال الأصحاب: يجب على القاضي أن يبحث  عن خبرة المزكي باطن حاله خيفة أن يبني على الظاهر، وإن عُرف من دأب المزكي أن يخبر الباطن ثم يزكيه  فلا تشترط مراجعته، وأبعد بعض الأصحاب فقال: يجب [على القاضي]  الإقتداء  بعمر رضي الله عنه، وهذا ضعيف \rالمسألة الخامسة: في لفظ التعديل والجرح:","part":1,"page":36},{"id":2500,"text":"أما التعديل: فهو أن يقول [هو]  عدل عليّ ولي، فإن قال عدل رضي لم يكف حتى يقول مقبول الشهادة، وعنه  يبنى قوله عليّ ولي لأنه ربما ترد شهادته لكونه مغفلا مع عدالته، وكم من تقي لا تقبل شهادته، ولا يشترط ذكر سبب العدالة فإنه لا ينحصر، وأما الجرح فلا بد من ذكر سببه، فإن الناس يختلفون فيما يقع الجرح به، وربما يجرحه بسبب اعتقاد يتعلق بالمذاهب ، وعن هذا لا ينبغي أن يكون المزكي متعصباً في الأهواء، مثل أن يقول رأيته يأخذ مال الغير، أو يزني، أو سمعته يقذف، أو يقر بالزنا، أو ما يجري مجراه، ومن الأصحاب من قال: لا تشترط هذه المبالغة بل يكفيه  ما ينبّه عليه، ويليق ذلك بطريق الإصطخري كما سنحكيه في الاكتفاء بالرسالة، فإن قيل عدد الشهود على رؤية الزنا إذا نقص جعلهم قذفة على أحد القولين فكيف يقول المزكي رأيته يزني قلنا: لأجله قال بعض الأصحاب: لا تشترط المبالغة، ومن يشترط فعذره أنهم لم يبتدئوا بل روجعوا، وعذرهم ممهد فيه للحاجة، [وقد]  قال عليه السلام: «اذكروا الفاسق بما فيه يحذره  الناس» ، وهذا أوانه \rالمسألة السادسة: في كيفية إنهاء التزكية إلى القاضي :","part":1,"page":37},{"id":2501,"text":"ذكر العراقيون طريقين أحدهما لأبي العباس  المروزي: أنه لا تكفي الرقاع، والرسالة، بل لا بد من التصريح عند القاضي شفاهاً، وقال الإصطخري: تكليف الحضور، والمشافهة تشهرهم عند الناس بكثرة التردد، وحقهم الاختفاء فيكفي أن يشهد على قول كل مزكي رسولان، ويحتمل الاعتماد عليهم مع إمكان مراجعة الأصل للحاجة أما الرقعة فلا اكتفاء بها عند أحد، إذ لا اعتماد على الخط كما سبق، وعلى هذا تردد صاحب التقريب في اشتراط  لفظ الشهادة، ومن اشترط  المشافهة والتصريح شرط لفظ الشهادة، وإنما يكتفي بالرقاع سراً أولاً إذا  كان يُظهر التعديل علانية آخراً فيكون ابتداء الاعتبار بالإعلال ، وقد ينتهي الحال إلى أن يكلف المزكي الإشارة إلى الشاهد إذا كان لا يتعين باسمه، ونسبه، ولم يكن مشهوراً، فإن عُرف  بنسبه فلا حاجة إلى الإشارة فإنه ليس يُثبت له حقاً، وليس تتعلق به دعوى حتى يشترط تعيينه \rالمسألة السابعة: إذا زكى المزكون وارتاب القاضي في قولهم بِخيالٍ له في الواقعة على الخصوص فليس له الحكم ما لم يستقص في البحث، فليفرق الشهود، وليسأل آحادهم  عن الواقعة، وأنه كيف رأى وفي أي وقت وفي أي مكان رأى فلعله يستفيد به أمراً، وهذا إنما يجري مع الأغبياء، فأما  الفقيه إذا روجع فلا يزيد إلا على إعادة ولو أصر عليه فليس للقاضي إجباره، فإن ازداد القاضي بالإصرار بياناً، ولم يُحدث طعناً  بحال فليبحث عن جهات أخر فعساه يظهر  على مطعن، أو على ما يقطع الريبة، فإن لم يعثر فإذ ذاك يجب [عليه]  القضاء مع بقاء الريبة فإن هذا منتهى الإمكان ولو بادر القضاء مع الريبة قبل البحث والاستقصاء، وبذل الجهد، والإمكان، لم يجز له ذلك، ولم ينفذ قضاؤه، فإن البحث عند الارتياب من حق الله طلبه الخصم أو لم يطلب كما سبق في الاستزكاء ","part":1,"page":38},{"id":2502,"text":"فروع: أحدها: لو عدّل رجلان وجرح رجلان، فالجرح أولى، لأنه يستند إلى يقين، والعدالة إلى ظن يحصل من طول مخالطة، ولو عدّل اثنان، وجرح واحد، فلا مبالاة بجرح الواحد، لأن العدد لم يكمل قال أبو إسحاق المروزي: يقول القاضي للخصم زد في شهودك وهذا إن قاله استظهاراً، أو استحباباً فهو محتمل، وإن قاله إيجاباً فلا وجه له، والجرح والتعديل يختلف من المزكين  لا محالة، والمستحب أن يكتب إلى كل مزكي بحيث لا يعرف المزكي الآخر حتى لا يجري بينهما تواطؤ ويكتفي أحدهما بنظر صاحبه  الثاني: إذا توقف المزكون في التعديل توقف القاضي، والمزكي إذا سمع الجرح بالتسامع فلا ينبغي أن يجرح بقولٍ لم يسمعه، ولا بفعلٍ لم يعاينه، ولكن يتوقف عن التزكية، ولو تحقق عند القاضي الفسق بالتسامع، ولم يشهد عنده شاهدان بالفسق، وقد عدّله معدلان فالذي يجب القطع به أنه لا يقضي بل يتوقف عن القضاء كما يتوقف المزكي عن التزكية بمثله، فإن القاضي قد يتوقف لريبة فالتوقف ههنا أولى \rالثالث: إذا شهد العدل في واقعة أخرى إن قرب العهد فلا يستزكي ثانياً، وإن طال العهد فوجهان أحدهما: أنه يبني على الاستصحاب، والذي عليه الأكثر ون أنه يستزكي لأن الأحوال تحول ويعز من يقيم على التقوى، ثم قال العراقيون: يستزكي ثانياً إذا مضى ثلاثة أيام، وهذا لا أصل له فالرجوع في طول الزمان وقربه إلى العادة الرابع: إذا رجع المزكي عن التزكية ففي تغريمه بعد نفوذ القضاء وجهان يقربان من الخلاف في شهود الإحصان إذا رجعوا إذ كل واحد يتعرض لفضيلة، وإن لم يكن منها بدٌ في القضاء والله أعلم \rالباب الثالث: في القضاء على الغائب، وكتاب القاضي إلى القاضي:\rالقضاء على الغائب نافذ عند الشافعي رحمه الله خلافاً لأبي حنيفة  [رحمه الله] ، والنظر فيه يتعلق  بأركان الدعوى، والبينة، وإنهاء الحكم إلى القاضي الآخر، والمحكوم له، والمحكوم عليه، والمحكوم به، وفي كل واحد نظر","part":1,"page":39},{"id":2503,"text":"الركن الأول: الدعوى، ويشترط فيها  ثلاثة أمور: الأول: الإعلام فإذا ادّعى ديناً فليذكر قدره، وجنسه، فإن ادّعى دراهم فلا يكفيه الدراهم المطلقة، ولا ينزل على الغالب مطلقة كما في الإقرار، بخلاف الدراهم في العقود المالية، ولو ذكر في رأس مال السلم مطلقاً جاز، وتعين بالتسليم في المجلس، [ولو أسلم]  في دراهم وجُوِز ذلك ففي جواز إطلاقه وجهان، فإن قيل فإذا أبهم الدعوى فالقاضي يستفصله، أو يُعرض عن دعواه قلنا: فيه وجهان أحدهما: انه يُعرض، ولا يستفصل، لأن ذلك يضاهي التلقين، ولذلك يمتنع عن القاضي أن يرشد الشاهد إلى الإعلام إذا شهد بمجهول لا تصح الشهادة فإنه تلقين [في الحد]  وكذلك لو شبب بما لو صرح به لكان إعذاراً  لم ينبهه عليه، ولم يزجره عنه بل يتركه حتى يسترسل في كلامه ثم يحكم بموجب قوله والثاني: وهو الصحيح أنه يستفصل إذ ليس هذا تلقيناً، فلا يقول له قل كذا، بل إذا ادّعى عشرة دنانير يقول هروية نيسابورية صحيحة مكسّرة  إلى أن تتم الدعوى، وإلى هذا يميل ظاهر النص وهذا [الشرط]  لا يختص  بالغائب الثاني: أن يأتي بصيغة الخصام فلو قال لي على فلان كذا فهذا مجرد إخبار وليس بدعوى، فلو قال وإني طالبه  الآن بتوفيته فهذا صالح للخصام ، فلو قال لي عليه كذا ويلزمه التسليم فهذا في محل التردد، ويحتمل أن يقال لزوم التسليم بالطلب وهو كاف، ويحتمل أن يقال الدين لازم التسليم قبل الطلب وإنما الرضا تأخر وهذا أيضا لا يختص بالغائب، نعم إذا أحضر المدعى عليه كان ذلك قرينة يتسارع بها إلى فهم  إرادة الخصام فقد يستغنى عن مزيد كشفٍ الثالث: أن يكون معه بينة مهما ادّعى على غائب، إذ لا معنى للدعوى على الغائب من غير بينة، فينبغي أن يذكر أنه يريد إقامة البينة [حتى]  تُسمع دعواه ","part":1,"page":40},{"id":2504,"text":"الرابع: أن البينة لا تقام إلا على جاحد فينبغي أن يدّعي جحود الغائب ثم لا يطالب بإثبات جحوده بالبينة، هكذا ذكره الصيدلاني وأئمة المذهب، وهذا مشكل من حيث أنه إن ادّعى جحوده في الحال فبم يُعلم! وإن ادّعى جحوده قبل هذا فبم يُعلم بقاؤه على الجحود وكيف ترتبط البينة في الحال بجحود سابق وعن هذا قال بعض الأصحاب: لا يشترط التعرض  للجحود وهذا متأيدٌ بأن الحاضر لا يشترط جحوده، بل لو سكت كفى، ولكن يعرض عليه فعساه يقر، وهو أقرب من تطويل النظر في الشهادة، وأقرب  الطرق متعين على القاضي، ولكن المشهور ما ذكرناه، وإذا فرعنا على ذلك فلو قال هو معترف ولكني أقيم البينة استظهاراً مخافة أن ينكر لم يُسمع، ومع هذا فلا خلاف أنه لو اشترى عيناً وخرجت مستحقة فادّعى الثمن على البائع الغائب سُمع ، وإن لم يذكر الجحود، وإقدامه على البيع كافٍ في الدلالة على جحوده، وهذا لا خلاف فيه فوقع الاكتفاء بما يقوم مقام الجحود وفاقاً \rالركن الثاني: الشهود، وشرائط الشهادة لا تختلف، والاستزكاء واجب على القاضي حقاً لله فلا ينبغي أن يغادر مضطرباً لغائب  لو حضر ","part":1,"page":41},{"id":2505,"text":"الركن الثالث: المدّعي، وحكمه لا يخالف حكم المدّعي على الحاضر إلا في دعوى الجحود، والتمكن من البينة، وفي أمرٍ آخر وهو أنه يُحلّفه القاضي بعد إقامة البينة على أنه ما أبرأ عن الحق، ولا عن شيء منه، ولا اعتاض، ولا عن شيء منه، ولا استوفى ، ولا شيئاً  منه، فإنه يلزمه تسليم المدّعى [به]  إليه، وأن الشهود صدقوا، ثم قال القاضي: اختلف الأصحاب في أن هذا واجب أم احتياط [منهم]  من قال احتياط بل له الحكم في الحال، ثم لا ينحسم باب دعوى الإبراء على  المحكوم عليه إذا وصل الكتاب إلى قاضي تيك البلدة والثاني أن ذلك واجب، لأنه يأتي بالممكن فيما كان الغائب يتعاطاه حتى يكون على ثقة، فكيف يحكم مع إمكان الإبراء! أما إذا كان المحكوم عليه حاضراً فيبادر الحكم لأن لسانه منطلق فليدّعِ الإبراء إن جرى وقد اتفق الأصحاب على أن الدعوى إن كان  على صبيٍ، أو مجنونٍ، أو ميتٍ فلا بد من هذا التحليف، ولا يتجه فيه تردد القاضي في كونه احتياطاً بل هو محتوم إذ الغائب يتمكن من الدعوى إذا طولب به فكان كالحاضر من وجه، ثم إذا فرّعنا على اشتراط اليمين فالتعرض لتصديق الشهود ليس بواجب، نعم من يحلف مع الشاهد قد يشترط أن يصدق الشاهد على رأي، لأن البينة به كملت، أما ههنا البينة كاملة منفصلة عن الحلف، هذا [إذا]  ادّعى بنفسه، ولو كان يدّعي وكيله وهو غائب فلا يمكن تحليفه، ولا التوقف إلى حضور الغائب فيحكم بالبينة، وزاد الأصحاب على هذا فقالوا: لو حضر وكيله بلدة الخصم للغائب ، وادّعى، وأقام البينة، فقال الخصم: أبرأني موكلك عن الدين فلا أسلم المال إلا بعد تحليفه فقد وقعت هذه الواقعة بمرو فتوقف فقهاء الفريقين فيه، فاستدرك القفال وقال: يقضي عليه بالبينة، ثم عليه أن يسعى في توجيه دعوى الإبراء، كما يسعى  الأول في توجيه دعوى المال لأنه لو فتح هذا الباب لتعطل طريق استيفاء الحقوق بالوكلاء في الغيبة","part":1,"page":42},{"id":2506,"text":"وليس كذلك إذا كان الموكل حاضراً فإنه يوجه اليمين عليه ونكوله ممكن وحلفه (كذلك)  فنفصل الخصومة بكمالها حتى لا نحتاج إلى استدراك وتتبع \rالركن الرابع: في طريق إنهاء الحكم إلى قاضٍ آخر: وله طرق:   الكتابة، والإشهاد، والمشافهة، أما الكتابة: فلا اعتماد عليها، وإنما الاعتماد على إشهاده على قضائه، نعم رسم الكتاب معتاد تذكرة للشهود فيُكتب اسم المدّعي، والمدّعى عليه، واسم أبيهما، وجدّهما، وحليتهما، وصفتهما إن افتقر إليه إلى حد يغلب على الظن حصول التمييز، ويذكر تاريخ الدعوى، والقدر المدّعى عليه، وما يميزه ، ويعينه، ويقول: قامت عندي بينة عادلة بذلك، وحلفته مع بينته فطلب القضاء فقضيته له بحقه، وطلب أن أكتب إليك الكتاب ليحضره ويلزمه الخروج عن حقه فأجبته إلى ملتمسه ويجري القضاء بمرأى (الشاهدين) ، ويقرأ عليهما الكتاب، وحسن أن يسلم إليهما نسخة [أخرى]  غير مختومة حتى لايزل  عن ذكرهما، ويختم الكتاب فيشهدان على قضائه عند القاضي الآخر، والكتاب استظهار، فلو ضاع في الطريق فالشهادة مستقلة، وكذلك لو لم يكتب أصلاً، وكذلك لو خالف الشهادة مضمون الكتاب فالاعتماد على الشهادة لا على الكتاب، فأما إذا طوى الكتاب، وختم، وقال: أشهدكما  أن هذا خطي فهذا ليس بشيء إذ ليس ذلك إقراراً بالقضاء إنما هو إقرار بالخط ولو قال : مضمون هذا الكتاب حكمي وقضائي، وسلم الكتاب إليهما، ووثقا  به، قال كافة الأصحاب: لا يجوز ما لم يفصّل لهما، ولم يُقرأ عليهما، وقال الإصطخري: ذلك جائز إذا حصلت الثقة بحفظ الكتاب","part":1,"page":43},{"id":2507,"text":"وهو متجه، لأن القاضي مقر ومشهد على إقراره، والإقرار  بالمجهول عند إمكان التعيين صحيح فالقبالة إذا قدّمها المقر إلى الشاهد، وقال أشهدك على ما فيه، وأنا عارف به وأشار إلى مجموعة فالوجه القطع بجواز ذلك، وهذا يلتفت على ما ذكرناه من اعتماد الشاهد على جريدة يحفظها، وإن كان لا يذكر  وقت التحمل، وإذا بان الاعتماد على شهادتهم فليظهر للقاضي  المكتوب إليه عدالتهم حتى يقبل قولهم في إثبات الحكم، فلو كانت عدالتهم مكتوبة في الكتاب من جهة القاضي الأول فهو غير كافٍ فإن ذلك يثبت بقولهم فكيف يثبت بقولهم تعديل القاضي لهم وقال القفال الشاشي: يكتب القاضي عدالتهم في الكتاب فيكفي وهذا غلط محض وأما عدالة الشهود في أصل الواقعة فلا يشترط أن يعرفه المكتوب إليه، فإن الحكم قد تم بها، وليس إلى المكتوب إليه من حكم تيك الواقعة شيء، وإنما يثبت عنده حكم تيك  الواقعة بشهادة الشهود على الكتاب والقضاء فإن قيل فإذا لم يكن  إليه شيء فليكتب إلى من شاء ممن ليس قاضياً، قلنا هذا زلل فالمكتوب إليه لا يعرف ما في الكتاب إلا بشهادة الشهود، وليس إلى أحد شهادة الشهود وسماعها إلا إلى القضاة، نعم لو قال [إلى]  والي ليس قاضياً: إني قضيت بحقٍ فاستوفه ، وجرى ذلك مشافهة، وقال القاضي: ذلك وهو في محل ولايته فرجع الوالي إلى بلده الذي ليس محل ولايته فهذا محتمل يجوز أن يقال له ذلك إذ القاضي في محل ولايته لا خلاف في أنه إذا استعان بالولاة وجب عليهم الإعانة، ويحتمل أن يقال لا حكم له على هذه البلدة فلا يجب سماع قوله، وأتباعه في غير محل ولايته لأنه ليس بقاضٍ عليه فما صدر منه إبلاغ محض وإسماع وهو ليس من أهل سماع الحجج","part":1,"page":44},{"id":2508,"text":"أما المشافهة: فهو أحرى  وأوقع ولكن بشرط  أن يكون كل واحد من المسمع والمستمع في محل ولايته وذلك يتصور بأن ينصب في بلد قاضيان على العموم، إلا أن ذلك بعيد إذا مات الشهود أو غابوا، فإن حضروا فالرجوع إليهم ممكن، وقول القاضي في حكم الفرع بشهادتهم هذا إذا قال سمعت بينة فاقض بها، أما إذا سمع وقضى، ولم يبق إلا الاستيفاء فله أن يستوفي اعتماداً على مشافهته إياه، وكذلك إذا نصب في شقي بلدة قاضيان فوقف كل واحد على طرف ولايته ونادى الأخر وأسمعه كان كالمشافهة في صورة اتحاد ولاية القاضيين، أما إذا انتقل أحد القاضيين إلى الشق الآخر فقال له من في ولايته قضيت على فلان بكذا فإذا رجعت إلى شقك فاستوفِ فرجع، قال الأصحاب: له الاستيفاء، وهذا بناءاً على أنه يقضي بعلمه الذي حصل له في غير محل ولايته إذ ليس  له سماع حجة في غير محل ولايته، فإن قلنا لا يقضي بعلمه فليس له ذلك، [بل هو]  كما سمع الشهادة في غير محل ولايته، ولو قال سمعت البينة فاقض بها فإني لم أغادر إلا القضاء فلا خلاف ههنا أنه لا يقضي، لأن قول القاضي فرع لشهادة الشهود فليس له سماعه، كما ليس له سماع الشهادة ، [والقضاء متعلق به في هذه الصورة، وكذا لو سمع أفراداً]  في غير محل ولايته أو في غير زمان ولايته فالحكم  به حكم بالعلم أما إذا قال المتنقل [لمن]  في محل ولايته قضيت بالحق فاستوفِ فليس له ذلك، لأن قوله قضيت في غير محل ولايته ليس بحجة فلا يجوز الاعتماد عليه فإذن الطريق المكاتبة، والإشهاد، وذلك إذا بعدت المسافة  وعسر إحضار الشهود، فإن قيل فإذا قدر القاضيان على أن يناديا على  طرفي ولايتهما فقول الشهود في حكم الفرع عن مشافهتهما فهلا لزم التنادي قلنا ذلك نقص من  منصب القضاة لو كلفوا، ونحن قد نجوز قبول شهادة الفرع (بمرض)  شهود الأصل، ولا نكلف القاضي حضور دار المريض  رعاية لأبهته","part":1,"page":45},{"id":2509,"text":"هذا تمهيد القول في إنهاء الحكم المبرم [وتمامه نذكر مسائل إحداها: أنه لو مات الكاتب، أو عُزل، أو مات المكتوب إليه، أو عُزل قبل الوصول إليه لم يضر فيجوز لكل قاضٍ شهد عنده الشهود على سبق القضاء المبرم]  استيفاء الحق، وقال أبو حنيفة: ليس ذلك إلا للمكتوب إليه إلا أن يكتب هذا كتابي إلى فلان، وإلى كل قاضٍ من قضاة المسلمين، وكأنه يعتقد ذلك تفويضاً للقضاء واستنابة ، وليس كذلك عندنا، وإنما الاعتماد على الشهادة","part":1,"page":46},{"id":2510,"text":"الثانية: المدعى عليه إن لم يعرف  القاضي الكاتب فهو جائز إذ لو شرط ذلك فالمعروفون للقضاة من الغيّب معدودون فنودي إلى حسم الباب، نعم يذكر اسمه واسم أبيه وجده وحليته وصفته وصنعته ومحلته وما يغلب على الظن أنه يقطع الالتباس ويبقى  الاشتباه بعده نادراً فيحكم على الموصوف بهذه الصفات بقول الشهود، فلو قال حكمت على محمد بن أحمد [ولم يذكر الشهود إلا هذا، واعترف المأخوذ في تلك البلدة بأنه محمد بن أحمد]  وأنه المعني بالكتاب، ولكن قال القاضي: تساهل، والشهود اخترعوا عليّ فلا يتوجه عليّ  شيء، لأن القضاء لا ينفذ ما لم يصدر من الشهود تعيين يقطع الاشتباه، فلا يكفي اعترافه بكونه معيناً إذا لم يعترف بأصل الحق، فالقضاء هذيان قبل التعيين الممكن القاطع للإبهام، فإذا استقصى ما عليه، وكتبه فأحضر الخصم فإن اعترف أنه المعني وأقرّ بالحق استوفى، وإن أنكر سمع القاضي الشهادة على القضاء واستوفى، وإن قال لست مسمّى بهذا الاسم فعلى المدعي أن يقيم بينة على موافقة الاسم، والنسب، فإن أقام توجه الحق، وإن لم تكن بينة فله أن يحلفه على ما أنكره فإن حلف انصرف عنه القضاء، وإن نكل وحلف المدعي توجه القضاء، فإن أنكر الاسم وأخذ يحلف على أنه لا يلزمني تسليم شيء إليك قال الصيدلاني: له ذلك بناءً على أصل معروف وهو أن من ادعى ألفاً عن جهة قرضة، وكان المدعى عليه قد استقرض ولكن رد، ولو اعترف لطولب بإثبات الرد فله أن يقول لا يلزمني تسليم شيء إليك، قال الإمام: وفي هذه الصورة نظر لأن القضاء مبرم بالحق لو ثبت الاسم والنسب، وإنما يمتنع عن الحلف على الاسم لثبوت الاسم، والدعوى المحضة في الإقراض ليس بحجة، فما ذكره الصيدلاني الظاهر أنه غلط، وليس ينفك عن احتمال، أما إذا قال الخصم أنا موصوف بهذه الصفات ولكن في البلد من يساويني فإن أظهر موافقاً انصرف القضاء عنه، وقيل للمدعي ارجع وميّز، وإن لم يظهر موافقاً توجه القضاء عليه، ولو أظهر","part":1,"page":47},{"id":2511,"text":"من  يوافقه كفاه في صرف القضاء عن نفسه الثالثة: كل ما ذكرناه فيه إذا أبرم القاضي حكمه للزوم الحق ثم أشهد على قضائه فلو اقتصر على سماع البينة، وكتب إلى قاض آخر أنه قامت عندي بينة صفتها كذا بعد تعريف المدعي والمدعى عليه كما سبق ثم يقول فوضت إليك القضاء بهذه البينة المنقولة إليك فانظر نظرك [وارْأ]  رأيك موفقاً إن شاء الله فهذا بالاتفاق جائز، وأبو حنيفة وإن أنكر القضاء على الغائب جوز هذا، قال القاضي: هذا الطرف غير منصوص للشافعي، وفيه إشكال لأن هذا ليس قضاءً بالحق، وإنما حاصله نقل بينة، وقول الواحد [لا]  يكفي للنقل، بل لا بد من شاهدين على شاهد  الأصل وما ذكره  القاضي احتمال محض وليس بوجه مخرّج، ولا هو مذهب، نعم في حقيقة ذلك غموض منهم من قال هو نقل، ولكن اكتفي به على انفراده لمنصبه في القضاء، ومنهم من قال هو قضاء بقيام البينة وليس القضاء إلا إظهار أو قيام البينة مما يتصور إظهاره، ولكن المشكل على هذا أنه يجب عليه أن يمسي الشهود، ويفصل حالهم  حتى ينظر القاضي الآخر فيهم، بخلاف القضاء المبرم فإن شهود الواقعة لا يذكرون فيه، فعن هذا ظهر كونه نقلاً، ويمكن أن يجاب بأن سبب التفصيل أن القاضي الآخر يقضي بهذه البينة  التي سمعها القاضي الأول، وفائدة قضائه ثبوت السماع، فأما إسناد الحكم إلى البينة لا يجوز فيه التقليد، فلو أطلق أمرهم فربما لا يرى القاضي الثاني القضاء بمثل تلك البينة، والمذاهب  في الحجج مختلفة، وعلى الجملة هذا قضاء مشوب بالنقل، ونقل مشوب بالقضاء، الأولى أن نقول هو قضاء بأداء الشهادة حتى يقوم سماعه مقام سماع القاضي الآخر، ثم اتفق الأصحاب على أنه لو سمع، ولم يعدل، وفوض التعديل إلى القاضي الآخر جاز ولكنه بعيد عن الفائدة إذ الغالب أن يكون هو أعرف بشهود بلده وعن هذا أجرى  العادة بتعديل الشهود غالباً، وإذا شهد شهود الكتاب على تعديل القاضي شهود الواقعة ثبتت","part":1,"page":48},{"id":2512,"text":"العدالة به، فلو قال الخصم: القاضي  الأول اكتفى بالظاهر، وهما مجروحان وأبان ذلك بشاهدين فهو أولى من التعديل فيمتنع القاضي الثاني عن القضاء، وإن استمهل مدة أمهلناه ثلاثة أيام كما سيأتي نظائره، ولو قال: إنما أتمكن إذا عدت إلى بلدة الشهود فإن أهل بلدهم  أعرف بحالهم لم نمهله لأن الأمر يطول، والظن بالقاضي الأول أنه لم يقصر في البحث، وهذا لو فتح بابه لصار طريقاً عاماً في الدفع فيستوفي الحق، ثم إن أبان [الجرح]  نقض القضاء واسترد قولاً واحداً، وإن كان للشافعي  قولان في أن فسق الشهود إذا بان بعد القضاء هل [ينقض]  وذلك لأن الخصم إذا كان حاضراً فقد ينسب إلى التقصير، أما الغائب فمعذور فله الاستدراك بالجرح \rفرعان: أحدهما: أنه لو كان في بلدة قاضيان، وجوزنا ذلك، فسمع أحدهما شهادة، وقال الآخر سمعت الشهادة فاقض (بها) ، فإن قلنا هو حكم فليس على الثاني استعادة الشهادة وكأنهما تعاونا على إتمام القضاء، وإن قلنا هو نقل فإذا كان الشهود حضوراً فلا بد من الاستعادة، وهذا ما قطعنا به من قبل، وهذا الخلاف منقول كما ذكرناه  الثاني: لو مات المكتوب إليه جاز  لكل قاضٍ يشهد  عنده الشهود أن يحكم بتلك البينة كما سبق في القضاء المبرم خلافاً لأبي حنيفة فإنه لم يجوّز ذلك إلا إذا كتب إلى كل قاض من قضاة المسلمين، وتخيل  ذلك استنابة وتفويضاً، وهو خطأ فليس له استنابة أحد في غير محل ولايته، وقال الأصحاب: لو أخذ الكتاب من قاضي مرو إلى قاضي نيسابور فبدأ للشهود أن ينصرفوا من سرخس إلى مرو فالمدعي بالخيار إن شاء التمس من قاضي سرخس أن يقضي بشهادتهم، ويكتب إلى قاضي نيسابور، وإن شاء قنع بأن يشهد الشهود على شهادتهم من يصحبه إلى نيسابور، وكل ذلك بيّن لا خفاء به ","part":1,"page":49},{"id":2513,"text":"الركن الخامس: في المحكوم به، وذلك ينقسم إلى الدين، والعين، أما الدين فيصح الحكم به على الغائب كما سبق، وأما العين فعقار ومنقول، أما العقار فيصح القضاء به على الغائب، لأنه يتعين على وجه لا يشتبه، ولا تشترط الإشارة بل الوصف المعين كافٍ، وذلك بتعيين الدار من سكة في محلة يذكر حدودها على ما جرت به العادة، فإن قيل العقار إذا كان خارجاً عن محل ولايته كيف ينفذ [قضاؤه فيه قلنا كما ينفذ]  قضاؤه على المحكوم عليه وهو خارج وبالجملة قضاء حاكم قرية نافذ على  دائرة الآفاق وأهله إذا كان يصدر الحكم منه ويلاقي محل ولايته، فأما المحكوم به، والمحكوم عليه لا يشترط أن يكون في محل ولايته أما المنقول فينقسم إلى ما يطمع  في تمييزه بالوصف كالعبد والجارية والفرس، وإلى المتماثلات كالكرباس، والأمتعة، أما العبد والجارية ففي سماع البينة عليه وهو غائب اعتماداً على الوصف والحلية التي يقع التمييز به  غالباً قولان أحدهما: لا يسمع، لأن الضبط  فيه عسير بخلاف العقار فإنه متعين، وبخلاف المحكوم عليه فإنه وإن لم يعرفه القاضي فيتميز بنسبه المشهور والثاني: أنه يُسمع بناءً على نهاية الإعلام فإن الحيوان على الجملة يتميز بعلامات فإن فرض استبهام فقد يفرض ذلك في أراضي القرى، والمجهولين من الناس ","part":1,"page":50},{"id":2514,"text":"التفريع: إن قلنا لا تسمع البينة على التعيين بالوصف فهو  كدعوى الكرباس والأمتعة وسيأتي، وإن قلنا تسمع البينة فهل يقضي بها في الغيبة فقولان أحدهما: لا، لأن إبرام الحكم على ما [لم]  يعرف ولا يوثق بتمييزه بالوصف هجوم عظيم والثاني: أنه يقضي كما تسمع  البينة ثم على هذا لا بد من الاستقصاء في الإعلام على حد الإمكان ونزيد على ما نشترطه في السلم فإنّا نحذر من المبالغة في السلم أن يصير عزيز الوجود، وههنا ينبغي التنصيص فلنبالغ، ثم إذا قضى وانتهى إلى بلد القاضي الآخر فإن عين عبداً يتميز بالصفات التي يشتمل عليها الكتاب سلّم إليه، وإن أبان المدعى [عليه]  عبداً آخر، أو عبيداً  مثله انصرف عنه القضاء، وطولب المدعي بمزيد تعيين، كما لو فرض [في]  مثله في المدعى عليه، وإن قلنا إنه يسمع البينة ولا يقضي ففائدته من الكتاب أن يسلم إليه العبد الموصوف بحكم الكتاب حتى يحضره بلد الشهود فيعينونه، والمكتوب إليه أيضاً لا يحكم له بالملك بمجرد الوصف كما لم يحكم الأول، وإنما فائدة السماع تكليف النقل والتسليم إليه، ثم [في]  الاحتياط للمدعى عليه قولان أحدهما: أنه يطالب المدعي بكفيل بالبدن حتى إذا لم يُشِر الشهود إليه طالبناه برده، ويختم القاضي على رقبة العبد ليكون أماناً من الإبدال، والختم احتياط، وطلب الكفيل مستحب أم واجب فيه وجهان منهم من قال: لا يجب، لأن الكفالة بالبدن ضعيفة، وإن فرعنا على صحته ، والقول الثاني: أنه لا يقنع بكفيل بل يباع العبد منه بثمن مثله ويطلب ضامن بالثمن حتى  إن مات [فات]  من ضمانه، فإن أشار الشهود تبين بطلان البيع، وإنه كان ملكاً له، وبريء الضامن، وإن لم يُشر الشهود [إليه]  تبينا  صحة البيع، وطالبناه بالثمن، وهذا وإن كان وقفاً في العقد، وإلزاماً للمدعى عليه البيع فهو محتمل لحاجة الوصول إلى قضاء الحقوق في الغيبة، وعليه تبتنى قاعدة القضاء على الغائب،","part":1,"page":51},{"id":2515,"text":"والفوراني ذكر أنه يسلم إليه قيمة العبد، وينتزع العبد من يده، فإن تم القضاء استردت القيمة، وهذا محتمل لأن تنجيز الحيلولة  من غير يقين  بعيد، هذا في العبد، أما الجارية فيسلمها إلى أمين، و [لا]  يسلمها [إليه] ، وإن كان عدلاً، لأنه خصم وصيانة الفروج لا [بد]  منه وأما إذا كان المدعى كرباساً، أو ما يتشابه من الأمتعة فلا مطمع في التعيين، ولكن تسمع الدعوى والبينة عند ذكر القيمة اعتمادا على المالية، وصيانة لها عن الفوات فبها ترتبط الدعوى لا بالعين ، ولا بأس بذكر صفات العين، ولكن يجوز الاقتصار على القيمة، فيقول غصب مني ثوباً [قيمته]  عشرة دراهم وأما العقار فلا يشترط ذكر قيمته، فإن المطلوب عينه، وأما العبد إن طلب عينه فلا يشترط ذكر  قيمته على الظاهر، ولا بأس لو ذكره لمزيد إعلام، وإن لم يبغِِ عين العبد والفرس فله أن يربط الدعوى بالقيمة كما في الكرباس فتسمع بينته قولاً واحداً، وله القضاء به على الغائب قولاً واحداً كما لو قضى بالدين في الذمة، هذا كله إذا غاب  المحكوم [عليه] ، والمحكوم [به] ، فلو كان المحكوم عليه حاضراً والمحكوم به غائب  فإن كان ديناً فإثباته هين، وليس ذلك عيناً حتى توصف بالغيبة، وإن كان عقاراً فكمثل، لأن التعيين سهل فإن عرف بحدوده فذلك، و إلا ذكر المدعي الحد، والشاهد يتخير بين أن يذكر الحد وبين أن يقول لا أحفظ الحد ولكني أشير، فالقاضي إما أن يحضر بنفسه أو يستخلف نائباً حتى يحضر البقعة، ويسمع الشهادة مقرونة بالإشارة والتعيين، وإن عرف بالحدود فلا حاجة إلى الإشارة","part":1,"page":52},{"id":2516,"text":"فأما المنقولات فتنقسم إلى العبد والكرباس وأمثالهما كما سبق، أما العبد إذا لم يحضر في مجلس القضاء  فإن عرفه القاضي بعينه حكم به، و لا بُعد في أن يعتبر الحضور لأن  الإشارة أوجز من الوصف وأبعد  عن التهمة، وإن لم يعرفه وكان في البلد فيجب إحضاره قولاً واحداً وليس كسماع البينة على الخصم الحاضر في البلد فإن ذلك جائز على رأي لأن تعيينه معلوم للقاضي فإن لم يعلمه لم يقضِ قولاً واحداً بخلاف الغائب فإنه يقضي بمجرد الوصف لأن الاعتماد الأظهر على يمين المقضي عليه في بلدة القاضي الثاني في صرفه القضاء عن نفسه وهذا في الحاضر في البلد لا يتحقق، ثم إذا لم يعرف القاضي عين العبد فالدعوى على الوصف مسموعة لا محالة، إذ قد لا يقدر المدعي على إحضار العبد وهو في يد الخصم، ولكن ليسأل  المدعى عليه  فإن قال هذا  العبد بهذا الوصف في يدي وهو ملكي  فيكلف الإحضار للإشارة، والحكم، ولا يبعد  تكليفه ذلك، وإن لم يزل بعد ملكه كما لا يبعد تكليفه الحضور بنفسه، وإن قال هذا الذي وصفته ليس في يدي فعلى المدعي إقامة الحجة على أنه في يده، فإن شهد عدلان على أن في يده عبداً هذه صفته، ولسنا ندري أنه ملك من، فيكلف  الإحضار، فإن امتنع حبس إلى أن يُحضِر، وإن شهد شهود  الملك للمدعي من العبد على أنه في يده فلا يثبت الملك به ، لأنه اعتماد على الوصف، ولكن فائدته  تكليفه الإحضار، فإذا أحضر أعادوا شهادة الملك مقيداً بالإشارة، فإن لم يكن له بينة حلّفه على أنه ليس في يده مثل [هذا]  العبد، فإن حلف ترك، وإن نكل حلف المدعي فيحبس إلى أن يحضر، فإن قيل: كيف يدام الحبس عليه وربما يكون العبد تالفاً قلنا: ليصرح به] ، وليغرم القيمة فقوله فيه مقبول فهو الذي يديم الحبس على نفسه، ومما لابد من التنبه له أن المدعي لو عجز عن إقامة بينة على أنه في يده، واستشعر أنه لو حلّفه لحلف فطريقه أن يرد الدعوى إلى المالية،","part":1,"page":53},{"id":2517,"text":"والقيمة، حتى تسمع الشهادة على الوصف إذا كان المقصود المالية، وله أن يجزم الدعوى بالقيمة فلو قال ادعي عليه عيناً صفتها كذا، أو عشرة دنانير قيمتها إن فاتت العين فهل تسمع الدعوى مع هذا التردد، أم يلزمه الجزم بأحدهما فيه وجهان قال القاضي: اصطلح القضاة على قبول هذه الدعوى لما فيها من المصلحة والحاجة، ثم إن لم تسمع فليردها إلى المالية جزماً حتى تسمع، هذا كله في العبد، وما يتميز بعلامته، فأما الكرباس وأمثاله فلو بالغ في الوصف فلا يلزمه الإحضار إذ قد يقول في  أمثال هذا كثير فماذا أحضر، ولا يتصور انتهاء الكلام إلى التنصيص فليذكر القيمة، وليدعِ المالية كما ذكرناه في الخصم الغائب \rفرع: إذا أحضر العبد]  وافتقر إلى مؤونة (فلم يثبت)  الملك للمدعي، قال الأصحاب: يغرم المدعي مؤونة الإحضار ويغرم مؤونة الرد إلى مكانه وفيه أدنى  نظر إذ لم يذكر أحد من الأصحاب أن الخصم المستحضر إذا تعطلت أوقاته وله فيها أجرة أنه يلزم  أجرة مثله، فيحتمل أنه لم يتعرض لهذا لقرب الزمان غالباً، ويحتمل أنه لم يبالِ به إذ وجب عليه الحضور باستدعاء القاضي إجابة لأمره، ومثل ذلك أيضاً جاري في إحضار العبد، والفرق أيضاً محتمل على حال، وعلى الجملة لا تستثبت الإيالات إلا باحتمال أمثال ذلك، ولذلك أوجبنا الحضور على من يدعي من غير بينة لتنتظم الأمور ","part":1,"page":54},{"id":2518,"text":"الركن السادس: المحكوم عليه، وقد بينا أن شرط القضاء عليه دون مراجعته أن يكون غائباً عن بلد الحكم، فإن كان حاضراً ففي جواز سماع البينة قبل استحضاره وجهان أحدهما: أنه لا حكم للدعوى، والبينة مع إمكان إحضاره، إذ يجب سلوك أقرب الطرق وهو طلب الإقرار، وإذا ترك القاضي الترتيب فما يأتي به غير معتد به والثاني: أنه يسمع كما يسمع على الغائب عن البلد، فإن ظهور الأمر ليس يختلف بحضوره وغيبته، وإنكاره ليس ركناً، وإنما الغرض عدم إقراره، وهو معدوم في الحال إن قلنا أنه يسمع فالمذهب [وهو]  الذي قطع به الصيدلاني أنه لا يقضي قبل إحضاره  فلعله يجد مطعناً بخلاف الغائب فإن مراجعته غير ممكن، والحق مشرف  على الفوات فجوّز للحاجة، ومن الأصحاب من طرد القياس، وجوّز القضاء، وهو بعيد ، فأما إذا جلس الخصمان إلى القاضي وذكر المدعي دعواه، وأراد إقامة البينة فهل للقاضي سماعها قبل مراجعة   الخصم الحاضر بين يديه وجهان مرتبان، وأولى بأن لا يقضي لقرب الأمر، وينتظم في الصورتين من هذا الترتيب ثلاثة أوجه، ثم إذا سمعنا فلا ينبغي أن يقضي عليه من حيث  لا يشعر بحال ، هذا كله إذا أمكن إحضاره، فلو توارى أو تعزز واستعصى وعسر إحضاره التحق بالغائب في جواز الحكم [عليه]  قطعاً، وذكر القاضي وجهاً آخر أنه لا ينفذ، وقرّب الخلاف من الإمتناع عن أداء الثمن، وإن ذلك هل ينزل بمنزلة الإفلاس في إثبات حق الفسخ \rفروع شذّت عن  الضوابط:","part":1,"page":55},{"id":2519,"text":"الأول: كتاب القاضي إلى القاضي هل يقبل في العقوبات قولان كما في الشهادة على الشهادة، وليس هو مشبهاً به، بل هو عينه فإنه فرع بالإضافة إلى الأصل، وفي القصاص قولان مرتبان على حدود الله  وأولى بالقبول  الثاني: من كان حاضراً ودعاه صاحب الحق إلى القاضي لا يلزمه الحضور، قيل  إن كان صادقاً وجب قضاء الحق، وإلا فليس عليه حضور، وأما إذا دعاه القاضي لزمه الحضور إذ لو وقف ذلك على ثبوت الحق، وثبوت الحق موقوف على حضوره لصارت المسألة دائرة، وبطلت الحقوق، وإنما تجب الإجابة إذا كان دون مسافة العدوى وهو الذي إذا نهض إلى مجلس القضاء صباحاً رجع إلى وطنه مساءً، فإن كان فوق مسافة العدوى كتب القاضي إلى قاضي بقعته كما سبق، إن كان ثَمّ قاضي، وإن لم يكن فلا يكلفه الحضور إلا بعد بينة يقيمها المدعي لأن الإحضار مع طول المسافة مشقة لا تكلف بمجرد الدعوى، والحاصل أن الإعداء بغير حجة فوق مسافة العدوى غير جائز، ودونه جائز، وعن هذا لا يجوز للقاضي إخلاء بقعة بعيدة عنه بمسافة العدوى عن مستخلف من جهته حتى لا تتعطل الحقوق  الثالث: إذا قضى على الغائب فأظهر المدعي للغائب مالاً في بلد القاضي، والتمس تأدية حقه منه فلا بد من إسعافه، وهل يطلب كفيلاً منه لتوقعٍ مستدرك وجهان ذكرهما صاحب التقريب أحدهما: أنه يجب لأن الاستدراك متوقع والثاني: لا، لأن تتبع كل قضاء منتظر وقد انجزم القضاء فليوفَ حقه ثم ما حدث بعد ذلك يجري على ما يقتضيه الشرع فيه  الرابع: القاضي إذا سمع بينة فعُزل ثم ولي يلزمه أن يستعيد، وبطل  سماعه السابق بالعزل، ولو خرج عن مكان ولايته ثم عاد فهل يستعيد وجهان، ووجه الاحتمال ظاهر","part":1,"page":56},{"id":2520,"text":"الخامس: إذا كان في البلد مال حاضر ليتيم غائب، فأشرف على الهلاك فللقاضي أن يتصرف فيه كما يتصرف في مال كل غائب عن محل ولايته بالتدارك إذا كان بالغاً، أما إذا  نصب قيّم  للتصرف واليتيم خارج عن محل ولايته، والمال حاضر تردد القاضي في هذا، وقال لست أبتّ  [فيه]  جواباً، والمسألة محتملة  السادس: المُخَدَّرَة لا تكلف حضور مجلس القضاء  لما فيه من الإضرار، كما لا يكلف المريض لما فيه من المشقة، ولكن يحضر القاضي أو خليفته بيتها وقال القفال: يلزمها الحضور فإن الخروج بهذا العذر لا يبطل التخدير ، ومعظم الأصحاب على مخالفته والمخدرة هي التي [لم]  تبتذل بالخروج وكثرته هكذا قيل، وقال القاضي: هي التي لا تخرج إلى العزايا، والزيارات ، وقال الإمام: هي التي لا تخرج إلا عن ضرورة، وكل مرض سلط  شهود الفرع على أداء الشهادة يُسقِط عن الخصم لزوم الحضور  والله أعلم\rالباب الرابع في القسمة : وفيه [ثلاثة]  فصول:\rالفصل الأول: في القسّام، وأجرته، وفيه مسائل:\rالأولى: أن الإمام كما لا يخلي نواحي الإسلام عن حكام فكذلك لا يخليها عن قسّام لمسيس الحاجة إليهم في الأملاك المشتركة، ثم يُدِرُّ عليهم أرزاقاً من بيت المال كما على الحكام، إن كان في بيت المال سعة، وإلا فأصحاب الأملاك يستأجرون باختيارهم، وقيل ينبغي أن لا يكون للحاكم قسام راتب معين، وذلك إذا كانوا يستأجرون  حتى تبقى خيرة الناس في","part":1,"page":57},{"id":2521,"text":" الاستئجار على حسب الإرادة  الثانية: ليس للقاضي، والمزكي أخذ الأجرة من الناس لأنه من فروض الكفايات، ويجوز له أخذ رزق من بيت المال، وليس للشاهد ذلك لأنه يبين  تهمة، وقد ذكرنا مصارف الأرزاق في كتاب قسم  الغنائم  الثالثة: في عدد القاسم قولان أحدهما: أنه يعتمد القاضي قول واحدٍ والثاني: أنه لابد من اثنين فصار  الخلاف [أن]  منصبه منصب الشاهد أو الحاكم، وقد ذكرنا  ذلك عند تفصيل القول في عدد المترجم، وقطعنا القول بأن كل قسمة تفتقر  إلى تقويم فلابد فيه من العدد، إذ التقويم يشترط فيه العدد قطعاً، فإن قيل لو نصب حاكماً في التقويم فهل يُكتفى به على اتحاده قلنا: ذكرنا أن العدد مشروط في التزكية إذ كانوا يشهدون على العدالة، ولو نصب حاكماً في التزكية تقوم البينة عنده على العدالة فيسمع فذلك جائز، ويقبل قوله وحده، فلو نصب الحاكم في التقويم كذلك حتى تقوم عنده البينة فيحكم له اعتماد قوله وحده، ولو نصب حاكماً حتى يحكم باجتهاده في التقويم ونظره فلا جواز لذلك، فإنه لا معنى له إلا ترك العدد، وكذلك ينبغي أن يقطع بأن المنصوب حاكماً للتزكية لا يكتفي بنظر نفسه، وإن كنا نقول على المذهب الظاهر للقاضي أن يحكم بعلمه في العدالة وبالجرح ، فإن قيل فهل للقاضي أن يحكم باجتهاده في القيمة إذا كان ذا بصيرة قلنا: من الأصحاب من بنى  هذا على القولين في أنه هل يقضي بعلمه ومنهم من قطع بأن ذلك لا يسوغ، لأنه إنما يقضي بعلمه، وهذا تخمين محض لا يقين فيه، وأما العدالة فجوّز للقاضي أن يتبع علمه لأنه ربما يخفى على غيره، وطرق الوقوف على العدالة مضطرب ، وأما التقويم فدركه سهل، والمراجعة فيه قريب، وزاد صاحب التقريب في عدد القسامة  طريقة، وقال إن تعلقت القسمة بصبي أو بمجنون فلا بد من العدد، وإلا فلا وهذا لا فقه فيه فرُتَب البينات لا تختلف بذلك ","part":1,"page":58},{"id":2522,"text":"الرابعة: إذا استؤجر القسام مطلقاً بمال معلوم ففيه طريقان منهم من قطع بأن الأجرة على قدر الحصص، ومنهم من قال قولان في القول الثاني تقسم على عدد الرؤوس كما في الشفعة، والأول يفرق، فإن  تردد القسام وعمله في المساحة على الحصة الكثيرة أكثر  فيجاب عنه بأنه إذا كثرت مؤونته فقد كثر  ضرره ، والشفعة لدفع  ضرر المقاسمة فينبغي أن يجريا مجرى واحداً، ولذلك قال أبو حنيفة: يقسم على عدد الرؤوس في المسألتين، هذا إذا استأجروا مطلقاًَ، أو نصبه القاضي إلزاماً ودفعنا إلى أجرة المثل، فأما إذا ذكر كل واحد حصة نفسه في العقد فما ذكروه متبع لا شك فيه، ولو تبرع القاسم على بعضهم دون بعض فكذلك ، فإن قيل: إذا استأجر اثنان فكيف يصح استئجار الثالث، وقد استحق بالعقدين السابقين تمييز النصيبين ومن ضرورته تمييز النصيب الثالث، فالإجارة الثالثة عقد على عمل سبق استحقاقه قلنا: هذا الإشكال مندفع، إذ لا يجوز لكل واحد أن ينفرد بالإجارة، لأن عمل القسام ظن يعم جميع الحصص، وليس له التردد على الملك المشترك إلا برضى الشركاء، فقد استأجره  على عمل هو ممنوع عنه، فإنما يتصور التساوق في قبول العقد مع ذكر الحصص، أو يتصور أن يستأجر واحد بإذن الآخرين فيغرم  الأجرة بكمالها فيكون متبرعاً بالأجرة ومأذوناً في الإجارة، وإن كان القسام منصوباً من جهة السلطان فيوزع أجرته لا محالة على جميعهم فلينتبه لهذه الدقيقة في التصوير ","part":1,"page":59},{"id":2523,"text":"الخامسة: إذا كان بعض الشركاء طفلاً لم يجز للولي طلب القسمة من غير غبطة، فإن طلب رد عليه القاضي، وإن طلب مع غبطة فعليه حصته  من الأجرة، وإن طلبه الشريك ولا غبطة للصبي وجب  الإجابة، ولكن هل يختص البالغ  بالتزام جميع الأجرة المذهب أنه لا يختص، لأنه إذا وجبت إجابته ولم يبالِ بنقصان جانب الصبي حقاً له فلم يخصص بالأجرة، وفيه وجه أنه يختص [به] ، وهو ضعيف إذ لو صح ذلك لجاز أن تخصص الأجرة أبداً  بطالب القسمة وإن كان بالغاً \rالفصل الثاني: في كيفية القسمة:","part":1,"page":60},{"id":2524,"text":"القسمة إن جرت في ذوات الأمثال فتسوية الحصص بالوزن والكيل، فإن كان ربوياً فالكيل [أولى]  فإن جرى الوزن، وقلنا القسمة إفراز حقٍ جاز، وإن قلنا إنه بيع لم يجز، لأنه بيع مطعوم بمطعوم وزناً، وإن كانت القسمة في أرض متساوية الأطراف كعرصة فيحاء فتعديل الحصص بالمساحة، وينبغي أن يقسم قسمة تساوي أجزاؤها أقل الحصص كما إذا كانت الأرض  بين ثلاثة لواحد نصف، وللآخر ثلث ، وللآخر سدس، فتجعل الأرض ستة أجزاء متساوية المساحة، وإن افتقر  إلى تعديل بالقيمة فعل ذلك ثم يكتب أسماء الملاك على رقاعٍ، ويخرج على طرفٍ يعينه القاسم بإرادة  القرعة، ولا بأس بتحكيمه  بالتعيين، فإن القرعة هي المحكمة، فإن خرج اسم صاحب النصف سلم إليه الجزء الأول، والثاني، والثالث على التوالي، والاتصال كي لا يتفرق نصيبه ثم يخرج القرعة من القرعتين الباقيتين، فإن خرج لصاحب السدس سلم إليه [الجزء]  الرابع، والباقي لصاحب الثلث متعين، [وإن خرج لصاحب الثلث سلم إليه الرابع والخامس، والباقي لصاحب السدس متعين] ، وقد اختلف الأصحاب في القرعة في أمرين أحدهما: في المكتوب على الرقعة ، وقد نص الشافعي  ههنا على أنه يكتب أسامي الملاك كما ذكرنا  ثم يخرج الرقاع [الأجزاء]  المعينة كما سبق ونص في من أعتق عبيداً لا يملك غيرهم أنه يكتب رقعة الرق، ورقعة الحرية، ويخرج على الأشخاص، ولا يكتب أسماء العبيد، فمن الأصحاب من قال في المسألتين قولان بالنقل والتخريج، ومنهم من أجرى النصين، وفرّق بأن الحرية إذا ميزت عن حصة الورثة فكان القسمة بين الله، وبين الورثة، لأن الحرية حق الله فتكتب الحرية لذلك، وكتبه أسماء الملاك ههنا أولى، وعلى الجملة هذا تردد في الأولى، و إلا فكل مسلك أفضى إلى المقصود فهو مجزٍ محصل للغرض ","part":1,"page":61},{"id":2525,"text":"الأمر الثاني: أنا إذا كتبنا أسماء المالكين، قال العراقيون: يكتب باسم صاحب السدس رقعة، وباسم صاحب الثلث رقعتين، وباسم صاحب النصف ثلاثة، ويعين الطرف الأول، قالوا: وهذا واجب حتى يغلب [جانب]  صاحب النصف فهو أولى باستحقاق الطرف الأول لكثرة نصيبه، وقال صاحب التقريب يكتفى بثلاث رقاع لكل واحد رقعة، وليس لصاحب الكثير إلا الكثرة  وهو حاصل، وليس هو أولى بالطرف الأول من غيره، ثم في كلام الأصحاب ما يدل على أن هذا الخلاف في الوجوب حتى أن كل فريق يفسد القسمة على مسلك  صاحبه، وفي كلام الشيخ أبي علي ما يدل على أنه استحباب لا يمنع الإجزاء، كالخلاف الأول، وما ذكره صاحب التقريب هو الأفقه، فإن قيل إذا كتب أسماء الأجزاء فخرج على صاحب النصف الجزء الثالث فمن أي جانب يكمل نصيبه قلنا من الجانب الذي لا يؤدي إلى تقطيع الأجزاء، وتفريق الباقي فيضم إليه الثاني والأول، و لا يضم إليه الرابع والخامس حتى يبقى السادس [مقطوعاً عن الأول، والثاني ثم قال الشافعي رحمه الله يتكلف]  تسوية الرقاع قدراً، وتدرج في بنادق من شمع، أو طين متساوية فإن الأكبر ربما يسبق إلى  اليد، ثم تطرح في حِجر من لم يشهد تفصيل الأمر ليكون أبعد عن الميل، وهذا التفصيل احتياطاً، وليس باشتراط، والغرض أن لا يصدر التعيين عن معرفة","part":1,"page":62},{"id":2526,"text":"فرعان: أحدهما: لو خرج بعض المال مستحقاً بعد القسمة فإن كانت القسمة في أعيان متميزة فاستحقت حصة واحدة أو عين من حصة واحدة فقد تبين بطلان القسمة فيعاد على الباقي، ولو استحق غيره  من يد شخص، واستحق مثله في القيمة من  يد شريكه، ولا ثالث لهما فلا تنقض القسمة من  بقية ما في أيديهما، وفي بعض الطرق ما يدل على بطلان القسمة وله التفات على تفريق الصفقة، ولو كان الاستحقاق في جزء شائع  والمقسوم صنف واحد مثل أرض استحق ثلثها فقد بطلت القسمة في ذلك القدر، وفي الباقي قولان خرّجهما العراقيون على تفريق الصفقة، وبهذا يتبين اتجاه الوجه الذي ذكرناه  من قبل، ولو قسمت التركة فظهر دين أو وصية قال العراقيون إن قلنا القسمة إفراز حق صح القسمة مع الدين شرط أن يوفوا  الوصية، والدين حتى يجوز  ذلك، مع العلم حالة  القسمة، وإن قلنا إنه بيع ففيه قولان مبنيان على بيع التركة قبل قضاء الدين، وذلك يبنى على أن الدين هل يمنع الملك وإن لم يمنع فيتعلق الدين [به]  تعلق الرهن، أو تعلق أرش الجناية وقد فصّلنا كل ذلك في موضعه، وما ذكره العراقيون من التصحيح على قول الإقرار قطعاً لا يساعدون عليه، إذ الإقرار تصرف في التركة قبل قضاء الحقوق فظهر إفساده كالبيع على رأي، وله التفات على أن المفلس إن تصرف في المال الذي اطّرد الحجر عليه فيه فهل نقطع ببطلان تصرفه أم نقول هو موقوف على قضاء الدين فمن مجموع هذه الأصول يجتمع في التركة قول في الصحة مع التعرض للنقض لو لم يودّ  كبيع عبد الجاني، وقول في البطلان كالمرهون، وقول في الوقف كالبيع من المفلس، وكل ذلك لا يختلف بأن منشأ القسمة أوالبيع مع العلم بالدين أو مع جهله  ","part":1,"page":63},{"id":2527,"text":"الثاني: إذا ادّعى أحد الشركاء  بعد القسمة غلطاً، فإن كانت القسمة قسمة إجبارٍ، والقسّام منصوب الحاكم  فلا تسمع دعواه إلا ببينة عادلة، فإن أقامها نقضت القسمة، وأعيدت، وإن لم تكن بينة فليس له تحليف القسام فإنه حاكم أو شاهد، فلو قال أحلّف شريكي فإنه عالم بأني مبخوس الحظ فله تحليفه، فإن حلف انقطعت الخصومة، وإن نكل رد عليه فإن حلف نقضت القسمة وأعيدت، وإن نكل استمرت القسمة، وإن نكل بعض الشركاء، وحلف البعض، وكانوا جمعاً استمرت القسمة في حق من حلف، ورد اليمين عليه في حق من نكل، فإن حلف انتقضت القسمة في حق الناكلين، وذكر صاحب التقريب وجهاً أنه ينتقض في حق الحالفين بناءاً على أن يمين الرد بينة، وزُيف هذا الوجه، وهو مزيف، فإنه ليس له حكم البينة في حق [غير]  الناكل  بحال، هذا كله في قسام القاضي، وصورة  الإجبار، فأما قسمة التراضي إذا صدرت من قاسم منصوبٍ من جهة الشركاء قال العراقيون: إن رضيا  بالقسمة وجددوا  الرضا بعد خروج القرعة فلا تسمع الدعوى، فإنه رضي به فصار كمن يشتري شيئاً بما يظنه ثمن المثل فإذا هو مبخوس، وهذا فيه نظر، لأنه رضي بناءاً على ظن الاستواء فإذا غلط ظهر فساد القسمة فهذا محتمل، فأما إذا لم يجدد الرضا عند خروج القرعة، وقلنا إن ذلك شرط فله الرجوع، وإن اعتدلت القسمة فكيف إذا تحيّفت! وإن قلنا تجديد الرضا ليس بشرط، قال العراقيون: هذا يلتحق بصورة قسمة الإجبار، وفيه نظر أيضاً، لأن الإجبار متعلق بمنصوب القاضي وهو موّلّى أو شاهد، ومنصوب الشريكين ليس في هذا المعنى، فليس يخلو ما ذكروه عن احتمال، فأما إذا تولّيا  القسمة بأنفسهما فالظاهر ههنا اشتراط تجدد الرضا بعد القسمة إذ لا قاسم حتى يجعل قسمته كالمستند  برضاهما، وفيه احتمال إذ القسمة أيضاً منشأة  ههنا فأي تأثير لغبن القاسم، فأما إذا تفاضلا وعلما تفاوتاً في القسمة وتراضيا قال الأصحاب: هذا لازم، وفيه غائلة فإن","part":1,"page":64},{"id":2528,"text":"القسمة إذا قلنا إنه  إفراز  حق فإنما يحسن تصحيحه مع التعديل، وإن قلنا أنه  بيع فيصح إذ ذاك، ثم يظهر ههنا اشتراط لفظ البيع فإن لفظ القسمة يقام مقام البيع إذا جرت حقيقة القسمة وهي التعادل، وسنذكر حقيقة القسمة وشرطها  فيما بعد \rالفصل الثالث: في الإجبار على القسمة:\rوالقسمة في اصطلاح الفقهاء ثلاثة، قسمة إفراز ، وقسمة تعديل، وقسمة رد، وهذه اصطلاحات، أما قسمة الإفراز فتجري في ذوات الأمثال في  الموزونات، والمكيلات، وكذلك الشيء الواحد إذا تساوى أطرافه كالثوب الواحد، والأرض الواحدة، والدار  المتساوية الجوانب فهذه القسمة يجبر عليها الممتنع ، [وهذا]  بشرط أن تبقى الحصص بعد القسمة منتفعاً بها   الانتفاع الذي كان قبل القسمة، وذلك  بيّن [في]  المطعومات والثياب التي ليست مخيطة، والأراضي والدور الكبيرة، أما الحمام والطاحونة ؛ فالصغير منها  لا يقبل القسمة غالباً على معنى أنه لا يبقي للانتفاع  فمذهب الجمهور – وهو الصحيح – أنه لا يجبر فيه على القسمة، لأنه تعطيل للمنفعة المقصودة، ومن الأصحاب من قال: إذا قبل القسمة حسّاً ، وبقيت المالية بعد القسمة، وأمكن الانتفاع بوجه آخر جرى الإجبار وهذا بعيد، ولو كان الحمام كبيراً أو كان يمكن أن يبقى نصفه حماماً ولكن يشترط أن تُهيأ  مرافقه من الأتون والمستوقد والبئر، ففي القسمة [ههنا]  وجهان على المشهور، ومنهم من منع لأنه تعطيل لمنفعته إلا باستحداث أسباب وذلك  في معنى استئناف البناء والثاني: أنه يجبر إذ بقي حمّاماً، ومن يفرد  الدار قد يفرد نصيبه بمرافق، ثم حيث قلنا إنه لا يجبر على القسمة فلا يؤخذ بالشفعة، إذ المدفوع بالشفعة ضرر الإستقسام ومؤونته  فما لا ينقسم لا شفعة فيه ","part":1,"page":65},{"id":2529,"text":"فرع: إذا ملك الرجل من دارٍ عشرها، ولم يصلح العشر المفرد بمسكن فلو طلب القسمة من صاحب الأعشار التسعة لم يُجب إليه لأنه متعنت، لا غرض له، وإنما أجبر شريكه لغرضه وإلا فالأصل عدم الإجبار، ولو طلب صاحب الأعشار التسعة فهل يجاب فعلى وجهين، فمنهم من قال: نعم لتميُز ملكه، ومنهم من قال: لا لأنه يبطل منفعة السكون  على شريكه، فصار كطالب القسمة في الحمّام، ومن الأصحاب من ذكر الوجهين في إجابة صاحب العشر وهو وإن كان غريباً متجه فإنه يقول لا حجة  عليّ في إضراري بنفسي، وشفعتك  قائمة بعد القسمة فمالك ولقلة نصيبي، وأمر الشفعة أيضا ينبني على الإجبار، فإن قلنا لا يجبر واحد منهما فلا شفعة لواحد منهما إذا باع الواحد نصيبه، فإن أجبرناهما، أو واحداً منهما ثبتت الشفعة لمن يتوقع الإجبار، أما إذا كانت الدار بين ستة لواحد نصفها والنصف الآخر لخمسة لكل واحد عشر لا يصلح للسكون  فلو باعوا جميعاً فلصاحب النصف الشفعة لأن أصحاب الأعشار لو اجتمعوا على طلب مقاسمته، وإبقاء حصصهم شائعة أجبر صاحب النصف، وأخرج نصفه عن  الجملة، وكذلك صاحب النصف إذا استقسم جميعهم [ليقطع نصفه عن جميعهم]  أُجيب فلذلك تثبت الشفعة لهم في نصفه إذا باع، وعلى الجملة [الشفعة]  بيع الإجبار  في القسمة، وأصحاب الحصص إذا انحازوا إلى جانب كانوا صاحب حصة واحدة في القسمة إجابة وطلباً ","part":1,"page":66},{"id":2530,"text":"القسمة  الثانية: قسمة التعديل: فإذا مات رجل وخلف ثلاثة أعبد متساويي القيم بين ثلاثة بنين، فطلب واحد القسمة والقيم متعادلة وكذا العدد ففي الإجبار خلاف مشهور، منهم من قال: يجبر  كما في حصص الأرض إذا تعادلت في القيمة والقدر، وهذا ما ذهب إليه الأكثرون والثاني: أنه لا يجبر، لأن في العبيد حرف ومعاني وأجرة ومساعدة في الأغراض, وإنما تعادل قيمتها  بمقابلة بعض الصفات بالبعض وجبرها، لا كأطراف الأرض والثوب فإنها متماثلة في الغرض، وإن فرض في الطرف الشرقي منها غرض فهو خفي بعيد لا عبرة به، بخلاف العبيد فإن خلف بين ثلاثة بنين أربعة أعبد قيمة واحد مائة وقيمة واحد مائة، وقيمة اثنين مائة، ففي الإجبار وجهان مرتبان، وأولى بالمنع، لأنه انضم إلى تفاوت الصفات العدد، ولو قدرنا بدل العبيد حمّامات متعادلة أو طواحين فهو كالعبيد، وقال العراقيون: لا إجبار في الأبنية لظهور التفاوت باختلاف البقاع فتحصّلنا على خلاف مرتب، ولو خلف طاحونة [وحمّاماً وعبداً]  وهي متعادلة القيم، فخلاف مرتب، وأولى بمنع الإجبار، لاختلاف الصنف، ومن صحح ههنا لا يعتبر إلا إمكان التعديل بالقيمة، وبعرض عن جميع الأغراض، ولو خلف قطعاً من الأرض متباينة وآحادها تقبل قسمة الإفراز فلا خلاف في أنه لا يجبر على قسمة التعديل، وهذا متفق عليه، وكان التعديل حكمنا  به للضرورة، ولا ضرورة مع إمكان الإفراز، ولو خلف حمّاماً صغيراً وآخر كبيراً و أمكن أن يجعل الصغير مع ثلث الكبير سهماً معادلاً لثلثي الكبير فالمذهب الأصح أنه لا إجبار قطعاً لأنه ليس يقطع  مادة الشركة بل يبقى في الحمّام كبيراً ، و قيل إنه يجبر ليخرج الصغير عن  مزدحم الشركة","part":1,"page":67},{"id":2531,"text":"هذا بيان قسمة التعديل، وميل النصوص إلى نفي الإجبار في هذه القسمة، فإن قيل قطع الأصحاب القول بالإجبار على قسمة الدور  وأبنيتها مختلفة، والعمارة فيها تتفاوت، وذلك يزيد على ما بين العبيد والحيوانات من التفاوت، قلنا لعلهم أرادوا ذلك إذا كان الجانب الشرقي مشتمل  على بيت وصفة، والجانب الغربي على مثله من غير  تفاوت والعرصة أمكن تبعيضها فيجبر على القسمة، ولا يكون ذلك كدارين متماثلتين  متقابلتين في سكة  فإن ذلك من قبيل التعديل، فأما إذا اختلفت الأبنية، والأغراض فيجب القطع بتخريجه على الخلاف في التعديل، و إلا فلا فرق، ومما  قطع به الأصحاب، ويكاد يناقض ما ذكرناه وهو أن العرصة بين شريكين لو كان تزيد قيمة الجانب الشرقي لقربه من الماء حتى يكون الثلث بالمساحة نصفاً  بالقيمة فتعدل بالقيمة، ويجبر على القسمة، وقطعوا القول بهذا، ولم يخرّج على القولين، ولم يكترثوا بمثل هذا الغرض الذي يفرض نادراً في إبطال الإجبار، أما اللبنات المشتركة إن شكلت بقالب واحد فالقسمة فيها إفراز يجبر عليها، وإن تفاوتت  قوالبها فهو قسمة تعديل \rالقسمة الثالثة: قسمة الرد:","part":1,"page":68},{"id":2532,"text":"وهو أن يفتقر أحد الشريكين إلى رد مال فإذا كان بينهما عبدان قيمة أحدهما ستمائة، وقيمة الآخر ألف فالطريق أن يرد من يأخذ النفيس مائتين إلى الآخر حتى يعتدل، وكل ما يحوج  إلى الرد فلا إجبار عليه قطعاً، فإنه إجبار  على شراء ملك جديد، ولا يمكن أن يجعل العبد الخسيس بينهما ، ويعادله مقدار ستمائة من الآخر، وتبقى الشركة محصورة فيما وراء ستمائة من العبد النفيس، فهل يجبر على هذا الوجه [قد]  ذكرنا ذلك في قسمة التعديل، فإن قيل فما حقيقة القسمة في هذه الأنواع قلنا أما قسمة الإفراز ففيه  قولان أحدهما: أنها إفراز حق والثاني: أنها بيع، ومنشأ التردد أنه يجبر عليه فبَعُد أن يكون بيعاً، والحصص كانت شائعة فإذا تميزت بَعُد أن يجعل ذلك إفرازاً، فنمهم من قال هو إفراز، وقد تبين أن المتميز  كان هو المملوك، كما أن المستحق في الذمة إذا عُيّن بالقبض تعين للاستحقاق وأما قسمة التعديل ففيها طريقان منهم من قطع بأنها  بيع، وإن قلنا أنه يجبر عليها لتميز الأعيان وتفاوتها، ومنهم من قال إن قلنا لا أجبار فهو بيع، وإن قلنا يحبر فعلى  القولين، ومنهم من قال وإن قلنا لا يجبر أيضاً فقولان فإنه إن جاز أن يقال بيع أجبر عليه يجوز أن يقال إفراز مقيد بالتراضي، وهذا إبعاد، وإذا عُدل الجانب الشرقي لقربه من الماء بالجانب الغربي [بالقيمة]  مع التفاوت في المساحة، وقد ذكرنا  أنه يجبر عليه، وفي أحد القولين طريقان منهم من أجرى، ومنهم من قطع بأنه بيع لتفاوت الحصص فإذن منشأ تردد الأصحاب من أصول الإجبار، واختلاف الأجناس، وتفاوت الإفراز لاختلاف القيمة  أما قسمة الرد فقد قطع الأصحاب بأنه بيع لاشتماله  على بذل مالٍ جديد، ولذلك لا يجبر عليه، والوجه أن يقال القدر الذي يقابل العوض الجديد لا نشك  أنه بيع، والباقي يُبنى على الإجبار، ونفيه، ويلتحق بقسمة التعديل","part":1,"page":69},{"id":2533,"text":"ثم خرّج الأصحاب على قول الإفراز والبيع مسائل في البيع، والربويات، وأموال الزكاة ذكرناها  في مواضعها، وعليها يخرّج إفراز المملوك عن الوقف في الأرض ، وأما الموقوف  على جماعة فلا يجوز قسمته  على القولين لأن التمييز يعتبر  بشرط الواقف  في عين الوقف، وأبعد بعض الأصحاب فجوّز للضرورة فإنها قد تشرف على الانهدام، وإنما جُوّز القسمة، والإجبار للضرورة، وقد ذكرنا في قسمة الثمار عند الجوائح في كتاب الزكاة أموراً، ونبّهنا على وجوه الخلاف فيه، وعلى الجملة لا أصل لجواز قسمة الأوقاف، فإن قيل: هل يفتقر إلى لفظ في صحة القسمة إفرازاً كان أو بيعاً قلنا أجمعوا على أن لفظ البيع لا يشترط، بل يكفيه أن يقول رضيت بالقسمة [فيُبنى لفظ القسمة]  عن تمييز الحصص، ويقابلها بالتعارض ، ومنهم من لم يشترط لفظ القسمة بل اكتفى بأن يقول رضيت بهذا ، فإن قيل: فأين يعتبر الرضا قلنا: إن كان  قسمة إجبار فلا حاجة إلى رضا، ولا إلى لفظ ، بل القرعة تحكم، ويحصل معنى البيع، والإفراز قهراً، وإن كانت القسمة بالتعديل  والتراضي فلا بد من الرضا لإنشاء القسمة، وهل يشترط تجديدها إذا ميّزت القرعة فيه وجهان أصحهما: وهو الذي قطع به المراوزة أن ما مضى لا حكم له، ولا بد وأن يقول بعد القرعة رضيت بهذا، وإن لم يقل فله الرجوع، ولا تحصل القسمة، وذكر العراقيون وجهاً [وهو]  أن الاستمرار على الرضا  إلى جريان القرعة رضاً بالقرعة، وهو كافٍ في الغرض، وما ذهب أحد إلى اشتراط لفظ التبايع، وإن كان ذلك ممكنا ","part":1,"page":70},{"id":2534,"text":"فرعان: أحدهما: إذا تعذرت القسمة في مشترك مما قدّمناه فأقرب مسلك الانتفاع المهايأة مُياومَة، أو مشاهرة، أو مشافهة على ما يقع به التراضي، ولا إجبار على المهايأة، وذهب ابن سُريج  إلى الإجبار عليها إذ ذلك يؤدي إلى تعطيل الأملاك إذا تعذرت القسمة، والتزاحم على الانتفاع غير ممكن، وقولاً  يساعد عليه، ولكن لما كان في المهايأة تقديم حقٍ وتأخير آخر منع الأصحاب الإجبار بخلاف القسمة فإن الحقوق تنفصل فيها دفعة واحدة ","part":1,"page":71},{"id":2535,"text":"التفريع: لو جرت المهايأة تراضياً فلهم الرجوع، فلو استوفى واحد نوبته ثم رجع فهل له ذلك وجهان  أقيسهما: أن له ذلك، ثم يغرم ما انفرد باستيفائه من نصيب شريكه والثاني: أنه لا يرجع لأن هذه معاملة عمل بها الأولون، والحاجة ماسة إليها، وقد سبق التراضي بها، فلو استوفى الآخر نوبته فلا خلاف في جواز الرجوع، ثم لو تمانع الشركاء نكداُ، وأهملوا الملك تركناهم، وإن أداموا النزاع لم نكترث بهم إلى أن يصطلحوا، وقيل إنه يباع، ويقسم الثمن قطعاً للنزاع الناشب، وهذا لا أصل له، وإنما هو مذهب بعض السلف فلا ينبغي أن يُعد من المذهب الثاني: إذا ترافع قوم إلى قاضٍ، وقالوا هذا مشترك بيننا فاقسمه علينا فإن ثبت ملكهم عنده أجابهم، و إلاّ فهل يجيبهم بنصب القسام عليهم فيه قولان أحدهما: وهو الأصح أنه يجيبهم إلى ذلك، ويكتب أني قسمت بقولهم واستدعائهم من غير حجرٍ على ملكهم والثاني: أنه لا يجيب، لأنه ربما يكون متصرفاً في مال الغير من غير حجة وبينة، وهذا ضعيف، إذ الشيء في أيديهم، ولا منازع لهم، فيجوز التصرف باستدعائهم كما يجوز للقاضي أن يدخل عليهم ضيفاً، ويأكل من طعامهم، بقولهم هذا إذا اجتمعوا، فلو انفرد واحد في استدعاء  إجبار الآخرين فطريقان منهم من قطع بالإجابة ، لقطع النزاع، ومنهم من طرد القولين، ولا يتجه خلاف في جواز الإجابة، بل يجب القطع بجوازها وإن اتجه ففي الوجوب من حيث أن الإيجاب عليه من غير ثبت فيه نظر، فأما الجواز بناءاً على الظاهر مع تقييد المكتوب بالاعتماد ، وعلى  قولهم لا يتبين لمنعهم  وجه  والله أعلم","part":1,"page":72},{"id":2536,"text":"كتاب الشهادات\rوفيه أبواب:\rالباب الأول: فيما يستفاد منه أهلية الشهادة وقبولها، ولا تقبل إلا شهادة موصوف بستة أوصاف: التكليف، والإسلام، والحرية، والعدالة، وحفظ المروءة، والانفكاك من التهمة، وثلاثة منها لايطول فيها النظر، والتكليف بيّن، فلا تقبل شهادة مجنون، ولا صبي, وقال مالك رحمه الله: تقبل شهادة الصبيان على الجراح قبل أن يتفرقوا, فإنهم يتلقنون بعد التفرق بالتلقين وأما الإسلام فشرط عندنا، فلا تقبل شهادة كافر لا على كافر, ولا على مسلم، وقال أبو حنيفة رحمه الله: تقبل شهادة أهل الذمة [بعضهم على بعض] وأما الحرية فهي مشروطة فلا تقبل شهادة العبد إذ في الشهادة معنى الولاية، والعبد مسلوب الولايات، وقال داود: تقبل شهادة العبد العدل يبقى النظر في ثلاث صفات يغمض مدركها","part":1,"page":1},{"id":2537,"text":"الوصف الأول: العدالة: فلا تقبل شهادة الفاسق عندنا بحال, وقال أبو حنيفة:  لا تقبل في العقوبات, وفي غيرها يجتهد القاضي فيه, فإن غلب على ظنه الصدق قبل, و إلا فلا, فإن قيل: وما حدُّ الفسق الموجب لرد الشهادة واشتراط العصمة عن المعاصي محال قال الشافعي : ليس من الناس أحد   نعلمه إلا قليلا يمحض الطاعة والمروءة حتى لا يخلطها بمعصية، أو يمحض المعصية حتى لا يخلطها بشيء من الطاعة ، والضابط  بالصغائر والكبائر أيضاً عسير, فقد ذهب الأستاذ أبو إسحاق  إلى أنه لا صغيرة،  وإن كلَّ مخالفة بالنسبة إلى جلال الله كبيرة قلنا: قال الأصحاب: العدل من لا يقارف كبيرة ولا يصرُّ على  صغيرة, وإنكار الفرق بين الصغائر والكبائر لا يليق بالفقه, وقد فهمنا من مدارك الشرع تفاوت العبادات, والجنايات بالإضافة إلى اعتناء الشرع بها طلباً ونهياً، وأمراً وزجراً, والضابط  الشامل المعنوي فيه كل معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف وحذار ندم, كالمتهاون بالارتكاب، والتمرن  عليها اعتياداً فهو خارج, ويستند  ذلك إلى غلبة النفس وعِدتُها إياه بالتوبة والرحمة، وذلك يبين المرون  على المعاصي والمخالفات فما أشعر بهذا التهاون والاستحقار  للمعصية فهو  الكبيرة، وهي الموجبة لردِّ الشهادة ","part":1,"page":2},{"id":2538,"text":"وما يحمل على فلتات النفس وقلة  مراقبة التقوى ولا ينفك عن تندم يمتزج به بعض  التلذذ بالمعصية فهذا لا يمنع العدالة وليست بكبيرة، ثم الإقدام على الموبقة الواحدة مشعر بذلك فإنه لا يهجم عليه الإنسان إلا مسبوقاً بمقدمات مرُنت نفسه عليها وتعودها, وكذلك الإصرار على الصغائر يشعر به، فأما إذا لم يجر إصرار فلا, قال عليه السلام:» أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم» ، وقال بعض الأتقياء: معصية التقي كعثرة الجواد، ونبوة الصارم, فإن دام العثار فعن ضلعٍ وكلال, وإن دامت النَّبْوَة فعن انقلاب  فإذا تمهَّد ذلك فنقول: من لم نعرف عدالته فإن ظهر لنا منه ما يوجب التهاون والتساهل فالجرح، وإن ترددنا فالتوقف، وإن ظهر تحرج  وتعظيم فالتعديل، ومن عرفت عدالته فإن ظهر ما يوجب التهاون فالجرح, وإن طرأ ما أوجب  تردداً فعند هذا يجتهد القاضي ويُتَفَحَّصون ، فإن لم يرتفع التردد قضى استصحاباً للعدالة فإن جانبها يترجح, إذ حالته تأبى تقدير ما يجرح فيكون الاستمرار على الظن أغلب، هذا هو الضبط الجملي، ونحن نتعرض لمسائل يتهذب الضبط بها:","part":1,"page":3},{"id":2539,"text":"الأولى: اللعب بالشطرنج، قال الأصحاب: هو مباح، وقال المحققون: هو مكروه, وهو الصحيح،  والأولون أرادوا بالإباحة نفي التحريم, فالفرق بين المكروه والمباح أحدثه المتأخرون, وقيل كان سعيد بن جبير يلعب بالشطرنج استدباراً، ومر عليّ رضي الله عنه بقوم يلعبون به فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون  ، ولعل ذلك إنما قاله لأنه لم يعرف صورة الفرس، والفيل، وغيره، ثم قال بعض الأصحاب: إنما يحرم إذا كان فيه مشاتمة، أو كذب، أو يمين فاجرة، أو ترك صلاة، أو قمار, وهذا كلام غث, فحكم اللعب لا يتغير بهذه المعاني, وهذه المعاني مستقلة بالتحريم اقترن بها أو انفك عنها, والمحرم قصد القمار، وطلبه, وأخذه, و إلا فالعقد لا ينعقد فإذن هو بين أن يكون مباحاً, أو مكروهاً, فلا نوجب ردّ الشهادة بعينه, نعم, قد يكون إظهاره في حق بعض الخلق على خلاف المروءة, وقد يكون في المداومة عليه تعطيل المهمات, وسنذكر أن ردَّ الشهادة قد ينشأ من هذين الأصلين في  تفصيل المروءات \rالثانية: اللعب بالنرد حرام في ظاهر المذهب، قال عليه السلام: «اللاعب بالنرد كعابد الوثن» ، وقال: «من لعب بالنرد فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم» ، وروي: «ملعون من لعب بالنردشير» ","part":1,"page":4},{"id":2540,"text":"وحكى صاحب التقريب  عن ابن خيران أن النرد كالشطرنج، وحكاه العراقيون عن أبي إسحاق المروزي،  وهو قياس ظاهر لو لم تثبت الأخبار، وقد أطلق الشافعي  رحمه الله لفظ  الكراهية، ولكن كثيراً ما يطلق الكراهية ويريد به  التحريم، وإن قلنا: إنه كالشطرنج فقد سبق حكمه, وإن قلنا: إنه محرم  فالمداومة عليه كبيرة,  والمرَّة الواحدة منه من غير قمار صغيرة لا ترد  الشهادة إلا بالإصرار عليها، هكذا قاله الشيخ أبو محمد  , وقال قائلون: الكَرّة الواحدة  فسق توجب ردَّ الشهادة فأما اللعب بالحمام فليس بمحرم في نفسه، وذكر العراقيون تردداً في أنه هل يكره ولا وقع لمثل هذا الخلاف فردَّ الشهادة به لا يستند إلى تحريمه، إنما  يستند  إلى ترك المروءة في حق من لا يليق به كما سنذكره \rالثالثة: قال الشافعي رحمه الله: إذا شرب الحنفي النبيذ حددتُه, ولم أرد شهادته, قال المزني : كيف يحَدُّ من يشرب قليلا من نبيذ شديد وتجوز شهادته فمنهم من قال: اختار المزني أنه لا يحد كما لا يفسق ومنهم من قال: اختار إنه يفسق كما يحد وتحصلنا  على ثلاثة أوجه أحدها: نفي الحد والتفسيق والثاني: إثباتهما والثالث: ما أشار إليه ظاهر النص أما الحد فللزجر، وأما قبول الشهادة فإنه لم يشعر إقدامه بتهاونه إذا  اعتقد حلّه فإن قلنا: يحد الحنفي فالشفعوي أولى, و إلا فوجهان، ووجه الإسقاط شبهة الخلاف في إباحة الشرب \rوالمذهب أن الحد لا يجب في النكاح بلا ولي، و [لا]  في نكاح المتعة, وفيه  وجه بعيد لبعض الأصحاب مأخوذ من الحد في النبيذ ","part":1,"page":5},{"id":2541,"text":"الرابعة: المعازف والأوتار يحرم سماعها، وضرب الدف ولا جلاجل  فيه حلال, ضرب  في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان فيه جلاجل فوجهان  وفي اليراع وجهان،  ولا نعني به المزمار الذي يسمى العراقي ويضرب مع الأوتار فإنه حرام،  والطبول كلها في معنى الدف إلا الكوبة  قطع الأصحاب بتحريمها, وقالوا: ورد فيها أخبار  ولو لم يثبت خبر لقلنا إنها  في معنى الدف,  ولكن نص الشافعي  على أن الوصية بطبل اللهو باطل، ولا يعرف طبل لهو سواه, وهي طبل صغير مستطيل يتسع طرفاها, وهي مواضع  الدفة منها ، ويتضايق وسطها ، يعتاد المخنثون ضربها ، والصفاقتين  قال الشيخ أبو محمد:  [تحرم] ، وذلك أيضاً يعتاد  المخنثون فإن قيل: ما الضبط وما المأخذ\rقلنا: لو ورد حديث في شيء فهو متبع، ولم تبلغنا أحاديث مشهورة في هذا, وليس يمكن تعليله مُلذّاً, أو لعباً, فإن الدفَّ والغناء مباح وفاقاً, فلا يستقيم له مأخذ إلا أن ما تصور منه ألحان مستلذة تهيج في الإنسان داعية الشرب  ومجالسة إخوان الفساد فهو المحرم, وكأنها لما كانت شعار الشاربين انسحب  تحريم الشرب عليها فكلما تحويه مجالس الشرب غالباً فحكم التحريم يتناوله، وأما ما لا يلذُّ بنفسه ولا يهيج داعيه كالدف والطبول, وما له إيقاع موزون كالضرب بالقضيب  وغيره فهي مباحة، وكان قياس هذا بطبل  الكوبة والصفاقتين، ولكن سبب  تحريمهما أنهما شعار المخنثين، كما أن المزامير والأوتار شعار الشاربين\rوقد روى الرواة أن ابن جعفر  كانت له جواري عوّادات فدخل ابن عمر [رضي الله عنه]  وبالقرب منه عود فقال  ابن جعفر : يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا فتأمل ثم قال: ميزان  شامي  وأنا ابن عمر كالمتبجح بتفطنه لأنه ميزان","part":1,"page":6},{"id":2542,"text":"ثم قال الشيخ أبو محمد : الاستماع إلى الأوتار والمعازف في رتبة الصغائر، والكرَّة  الواحدة لا توجب الردَّ للشهادة، والإدمان يوجب التفسيق، والرد وقال العراقيون: هو  من الكبائر, والكرة  الواحدة مفسِّقة, ورد الشهادة منه ينبغي أن يتلقى من العادات, ومأخذ المروءات, ففي البلاد التي تعد من الفواحش يكفي المرَّة الواحدة للتفسيق, وإلا فلا ترد إلا بالإدمان\rالخامسة: نظم الشعر إنشاءاً لا يحرم لعينه, قال الشافعي  : الشعر كلامٌ, حَسَنُه حَسَن, وقبيحه قبيح فما ينفك عن هجو وكذب وتشبيب بامرأة معينة, ولا يشتمل إلا [على]  ذكر تشوّق, أو وصف أطلال ودِمَن ، أو حكاية حال فلا محرم  فيه إلا أن يتخذه الشخص مكسباً  إذ يعطل بالإكثار  عليه مهماته فهو خارق للمروءة، ويجري في كل مباح هو معطل للمهمات, وإن اشتمل الشعر على هجو أو تشبيب بامرأة معينة فهو حرام وإن أطنب في المدح حتى انتهي إلى حد الكذب, قال معظم الأصحاب: هذا كذب محرم  وقال الصيدلاني : هذا لا يلتحق بالكذب  فإن الكذب هو الإخبار على قصد وهذه حرفة وصنعة, والشاعر لا ينبغي أن يعتقد ما يذكره, فلا فرق فيه على هذا بين  القليل والكبير، فإنه من الفضائل، ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى  يريَه خير من أن يمتلئ شعراً» \rقال المحققون: أراد به من لا يحسن إلا الشعر، وإن (ألحقناه) بالكذب فالكذب النادر أيضاً وإن حرم لا يوجب ردّ الشهادة, وإنما يرد بالاعتياد، فكذلك [في]  الشعر\rوأما تعلم أشعار العرب فبها يعرف معاني الكتاب والسنة فلا تحرم, وكل شعر لا يحرم جاز الترنم به، وترديد الألحان لا حجر فيه, وفي الحداء والغناء وغيره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لواحدٍ: «أمعك من شعر أمية» فقال: نعم, فقال: «هيه» , فأنشأ ، فلم يزل يستزيد حتى بلغ مائة ","part":1,"page":7},{"id":2543,"text":"وقال لابن رواحة: «حرك بالقوم» فاندفع يرتجز ويقول:\rلا هم لولا أنت ما اهتدينا\rولا تصدقنا ولا صلينا   إلى آخر القطعة\rالسادسة: ما لا يحرم قوله لا يحرم سماعه, وما لا يحرم سماعه لا يحرم قوله, والسماع والرقص ليس بمحرم  في عينه, نعم المواظبة عليه تخرم المروءة, وتلحق الرجل بالهازلين والقوّال إذا اتخذ الغناء مكسبة واعتاده ردَّت شهادته لعدم المروءة\rوأما الترنم بالقرآن اعتياداً فليس بمنهي عنه بل هو مستحسن ما لم ينته إلى التمطيط المغيّر لنظم الكلام, وكان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه حسن الترنم بالقرآن وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أوتي هذا مزماراً من مزامير [آل]  داوود» ,  وفي بعض الأخبار: «من لم يتغن بالقرآن فليس منا» \rوقيل: أراد به الاستغناء [والربح]  والقناعة به في الدين وهو الأظهر \rالسابعة: الجلوس على الحرير ولبسه حرام, ولكنه من الصغائر فلا ترد الشهادة إلا باستدامته, وغلا بعض الأصحاب فقال: لو كان شهود عقد النكاح حالة  العقد على حرير لم ينعقد النكاح, وهذا لا أصل له فهذا [القدر]  لا يوجب الرد\rالوصف الثاني: المروءة:","part":1,"page":8},{"id":2544,"text":"أما المحظورات فقد سبق ذكرها وانخرام المروءة يحصل بارتكاب مباحات لا تليق بمنصب المباشر في العادة فترد شهادته, وإن كان لا يأثم به؛ لأن الانحلال عن عصام المروءة يشعر بترك المبالاة  , وترك التماسك, وهو يدل إما على خبل في العقل فيسلب الثقة بحفظ الشهادة, أو على انحلاله في المعاصي باطناً, وإن لم يظهر لنا ذلك فتسقط الثقة بصدقه من هذا الوجه وقيل: ذو المروءة هو الذي يسير بسيرة  أشكاله من أهل عصره في زمانه ومكانه, وقيل: هو من يحفظ نفسه عن  فعل ما يسخر به لأجله, والقطب الأعظم فيه العادة, فالقفيه في بلادنا إذا تطلس   وتفتّى، أو السوقي إذ تطلس كان ذلك تركاً للمروءة يستجر  السخرة إلى صاحبه, ويشعر  بقلة مبالاته وانحلاله، وقد يعتاد ذلك في بعض البلاد ولا يستقبح, ولهذا قلنا: [إن]  اللعب بالنرد وإن لم يثبت أنه من الكبائر شرعاً فالمرة الواحدة توجب الرد للشهادة في بلاد يستقبح ارتكابها, ويشعر الهجوم عليه بخسارة, وحيث لا يستقبح فلا تسقط الشهادة إلا بالإصرار, وكذلك من يأكل في السوق ويبول في الطريق, ولا يليق ذلك به فلا يأثم, ولكن لا شهادة له, ومن ينقل الطعام إلى بيته بنفسه, وهو من الأكابر نُظر فإن كان ذلك عن  بخل وشح ردت شهادته, وإن كان ذلك عن فرط تقوى تأسياً بسير الأولين قبلت شهادته، ويلتحق بهذا الفن الإكباب على المباح المانع من المهمات كالإكباب على الشطرنج, والغناء, والرقص, ولعب الحمام وما يمنع من المهمات لأنه مشعر  بخبل في العقل, وانحلال في الباطن","part":1,"page":9},{"id":2545,"text":"واختلف الناس في الحِرَف الدنيّة فمنهم من قال: لا تقبل شهادة الدبَّاغ, والكنَّاس, والحجَّام, والمُدلك, لأن اختيارهم لهذه الحِرَف الخسيسة مع اتساع الحِرَف يدل على خِسَّة الجوهر وركاكة العقل, ومنهم من قال: تقبل, فإنه  فيه على عادة مستمرة  يليق ذلك بهم,  وفي الحائك طريقان, قال القفَّال : لا فرق عندي بينه وبين الخياط، فإنه ينسج  غزلاً, وهذا يخيط منسوجه, ومنهم من قال: يخرج على الوجهين، وسببه: أن اختيار هذه الحرفة مع ظهور الإزراء به في العادة، والتشبه بهم  في المشاتمات يشعر بانحلال في الباطن وعلى الجملة مناسبة الفسق وترك المروءة يردّ الشهادة من حيث [سلبه]  الثقة بالصدق؛ فلهذا قال أبو حنيفة : الفاسق بالظلم والغصب الآنف من الكذب تقبل شهادته، وقال الشافعي: لا بد من عصام الدين فإن نفسه المستولية قد  تحمله بحكم الحمية على كذب بغرض \rوأما  العبيد فلا تعلل ردّ شهادتهم بعدم  المروءة؛ فإنهم مقهورون في تصرفاتهم  , [ويليق]  ذلك بعاداتهم, ولكن مستنده  أن الخلفاء, والقضاة في الصدر الأول تركوا طلب الشهادات من العبيد مع كثرتهم, واشتهرت الرواية من المماليك دون الشهادة, ولأن الشهادة تستدعي تحفظاً, وقياماً بالشغل  , واستقلالاً, وهي قريبة من الولايات, والعبد مستغرق بالخدمة فلم يتساهل له \rالوصف الثالث: الانفكاك عن التهمة:\rوقد قال الشافعي  رحمه الله: ولا تقبل شهادة جارٍّ إلى نفسه [نفعاً]  وقال: لا أجعل للتهمة موضعاً والإجماع منعقد على أن شهادة العدل لا تقبل في كل موضع ، ولا ترد بكل تهمة, والضبط فيه عسير\rونحن نذكر أسباب التهمة، وننبه على معانيها، ولها أسباب:\rالسبب الأول:","part":1,"page":10},{"id":2546,"text":"ما يتضمن جراً أو دفعاً, فلا تقبل شهادة العدل على جرح موروثه  لأن الدية تجب عند الموت بسبب هذا الجرح له, وقد ثبت أن العدل الرضي لا يشهد لنفسه بباقة بقل, وهذا يرجع إلى شهادته لنفسه, فإنه يثبت حق الأرش لنفسه, ولا خلاف في أنه لو شهد لموروثه  في مرض الموت بملك قُبل إذا لم يكن بينهما بعضيَّة، وإن كان يتوقع أن يزول  المال إليه، وبهذا نتبين أن مجرد التهمة غير كافٍ ، وأن ردَّ الشهادة [في الجرح]  سببه: أن بدله مستحق له، وأما الدفع فهو أن يشهد اثنان من العاقلة على جرح الشهود الذين شهدوا على القتيل  خطأً، فإن فائدة شهادتهم: الإيجاب على العاقلة، وهذه الشهادة دافعة  فكأنهم يشهدون لأنفسهم","part":1,"page":11},{"id":2547,"text":"فرع: أحد الابنين إذا أقر بألف لإنسان ديناً على الميت بعد القسمة، وحصته ألف ففي قول: يلزمه [تسليم]  تمام حصته تبرئةً لذمة الميت مهما أنكر الآخر، وفي قول: لا يلزمه إلا حصته، ولو أقرَّ بجهة الوصية وكان الثلث يحتمل فالصحيح أيضاً الخروج على القولين، وذكر صاحب التقريب  قولاً: أنه لا يلزمه إلا حصته، وهو مذهب أبي حنيفة،  مع أن أبا حنيفة قطع بالتزام  تمام الدين في غير صورة الوصية، ولا خلاف أنه  لو أقرّ بعين وهي في يده يلزمه التسليم، وتوجيهه مذكور في مآخذ الخلاف في كتاب الإقرار والمقصود أنّا إن لم نلزمه إلا حصته قبلنا شهادته على الميت بالدين حتى يثبت الشطر الآخر على أخيه، وإن ألزمناه الجميع فشهادته مردودة في حق الأخ الآخر؛ لأنه يدفع عن نفسه الوجوب وقال أبو حنيفة : إن أقرّ أولاً ثم شهد لم تقبل [شهادته] ، وإن أنشأ الشهادة ابتداءً قبل ، كما لو أنشأ الشهادة على الزنا [تقبل] ، ولو أخبر عن الزنا أولاً وصار قاذفاً ثم شهد لم تقبل، ونحن نقول منشأ الشهادة على الزنا ليس يدفع عن نفسه واجباً، وأما الدين ههنا واجب، والتصريح به حتم وهو بشهادته يدفع عن نفسه أمراً لو لم يشهد للزمه التصريح به، وقال صاحب التقريب : لو شهد [رجلان]  لرجلين بوصية في تركة، وشهد المشهود لهما للشاهدين بوصية في تيك  التركة لم تقبل الشهادة، وكذلك لو كان لهم ديون  على إنسان فتناوب الغرماء في الشهادة فإن هذه التهمة مؤثرة وما ذكره صاحب التقريب لا أصل له، ولم يعرف في كتاب آخر، بل يجب القطع بالقبول إذ كل عدل ليس يجر إلى نفسه شيئاً، وليس في الواقعة ما يوجد الكذب فيه بداعية جبلّية   فلا معنى لاتهامه، وقد نص الأصحاب على أن أهل الرفقة في قطع الطريق إذا شهد كل واحد لصاحبه ولم يتعرض لجانب نفسه في صيغة شهادته قبلت شهادته، وهو وزان ما ذكره","part":1,"page":12},{"id":2548,"text":"فرع آخر: لو شهد لولده ولغيره بصيغة واحدة رد في حق ولده، وهل يرد في حق الأجنبي وجهان،  وكذا الخلاف في كل شهادة تبعّض  في الرد والقبول\rالسبب الثاني للتهمة : الولادة، فلا تقبل شهادة الوالد لولده، ولا شهادة الولد لوالده، ويتعدى ذلك إلى كل شخصين بينهما بعضيَّة توجب النفقة عند الإعسار، ولو شهد عليه قبلت شهادته، وللشافعي  قول قديم  أن شهادة كل واحد منهما لصاحبه وعليه مقبولة،  ومذهب مالك  رحمه الله أنه تقبل شهادة الولد لوالده، ولا تقبل  شهادة الوالد لولده، وحكى صاحب التقريب  والعراقيون وجهاً عن بعض الأصحاب أن شهادة الابن على أبيه مقبولة إلا بما يوجب عقوبة عليه، فإنه يبعد أن يكون الابن سبباًَ لعقوبة الأب مع أنه لا يستحق عليه قصاصاً، وقطعاً، وحداً، وهذا لا أصل له؛ فإن الشهادة  لا توجب، وإنما تظهر موجَباً فلم تكن في معنى استحقاقه\rثم معتمد المذهب  أن مال كل واحد إذا كان معرضاً لنفقته عند حاجته فكأنه ماله، إذ كل واحد لا يحظى من ماله إلا بقدر حاجته فكأنه يشهد لنفسه على هذا التقدير، وعلى  هذا المعنى لم يطّرد في الأخوة وسائر القرابات التي لا توجب النفقة وأبو حنيفة  أوجب النفقة بالأخوّة ثم قبل الشهادة من الآخر\rفرع: المذهب أنه لا يحبس الوالد في دين ولده،  لأنه عقوبة، وقال أبو إسحاق المروزي: يحبس، لأنه ليس مقصوداً في نفسه وقال صاحب التلخيص : يحبس في نفقة ولده إذا امتنع، ولا يحبس في الدين وكذلك الجلاد هل يقتل أباه في قتل وجب عليه فيه تردد، ووجه المنع نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عن قتل أبيه وقال:\r«دعه يتولى قتله غيرك» ","part":1,"page":13},{"id":2549,"text":"أما الزوجية ففي منعها من الشهادة خلاف،  [كما]  في سقوط قطع السرقة بها، ففي قول: تقبل، وفي قول: ترد، وفي قول: يفرق فتقبل شهادة الزوج، ولا تقبل شهادة الزوجة لاستحقاقها النفقة، ومستند الرد الاتحاد الثابت عرفاً إذ كل واحد يعد مال صاحبه مال نفسه، ويعد في العرف غنياُ به فكأنه شهد لنفسه أما إذا شهد الزوج على إنسان بأنه زنا بزوجته لم تقبل شهادته، وإن انضم إليه ثلاثة من العدول قولاً واحداً، خلافاً لأبي حنيفة،  وكذلك إذا شهد عليها بالزنا وإن لم يتعرض للزاني لأنها أوغرت صدره بمراودتها فتنشأ [من]  ذلك عداوة؛ ولأنه شهد به]  على الجناية على محل حقه فإن البضع محل حقه ","part":1,"page":14},{"id":2550,"text":"السبب الثالث: التهمة للعداوة: فلا تقبل شهادة العدو على عدوه, فإن كانت العداوة عن  فسق أوجب ردّ الشهادة عموماً، وهذا  لا يستند إلى فعل يفسق به, فربَّ عداوة عن عصبية موروثة، أو سبب قد  يترسخ في النفس بحيث يحبب إليه مساءاة المعادي، ويحزن بمسراته، ويود له كل شرّ، ويحزن بكل خير يناله, فمثل هذا إذا شهد للعدو  قبلت شهادته، وإن شهد عليه لم تقبل، وإنما  تجري العداوة من أحد الجانبين فالمردود شهادة من يعادي، وشهادة الآخر عليه غير مردودة، وهذا مشكل إذ حاصله راجع إلى تطريق تهمة إلى عدل من غير تضمن الشهادة [حداً] ، وأعرض منه الاتفاق على أن الصداقة لا ترد الشهادة للصديق مع التهمة، وكذلك تناوب الشركاء في الشهادة في قطع الطريق لا يمنع القبول، ولكن المعتمد ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقبل شهادة خصم على خصم»  وقد سلم أبو حنيفة  أن شهادة الخصم المخاصم مردودة، ولا خلاف أن شهادة المخاصم لا ترد إذ لو فتح هذا الباب لأنشأ كل من استشعر إقامة شهادة عليه مخاصمة الشاهد  وأما الصداقة فتقتضي مع العدالة الصدق, وأن يجنِّب صديقه المحظور، ولا يكذب ليستجر إليه مالا يباح له فلا يرتضي له إلا ما  يرتضيه لنفسه والعدل لا يرتضي لنفسه إلا الحق، فإن قيل: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العصبية  فمن يتعصب لأقاربه لم تقبل شهادته لهم قلنا: ليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، هكذا قال الشافعي  ، وإنما العصبية أن يبغض من ليس من قومه بغير سبب ","part":1,"page":15},{"id":2551,"text":"فأما أهل الأهواء إذا شهد بعضهم على بعض إن لم يكن بينهم معاداة وخصام بالعصبية قبلت الشهادة، وإلا فلا فإن قيل: كيف تقبل شهادتهم وقد يكفرون، وإن لم يكفروا فأقل درجاتهم الضلال وهو فوق الفسق قلنا: قال الأصحاب: إن كفرنا المعتزلة لم تقبل شهادتهم، وإن ضللناهم لم نرد شهادتهم،  ونقل العراقيون أن الشافعي كفّر من قال بخلق القرآن وقال الشيخ أبو محمد : ترد شهادة الوقّّاعين في أعراض الصحابة، ويُجعل المتعرض لعائشة رضي الله عنها قاذفاً، فإنها محصنة  بتسمية الله تعالى  إياها محصنة \rوالمختار: أنه لا يكفّر المعتزلة، والمبتدعة، وكلام الشافعي في مجموعاته يدل على أنه لا يكفّر ، وقد قال:  من يعتقد أن الكذب يوجب الخلود في النار فهو أوثق، وما نقل عنه من التكفير لعله ألزمه في محاجّة على خصم، وأما الطاعنون في عائشة رضي الله عنها فردًّ شهادتهم جار على قانون الفقه،  وكذلك أيضاً يوجب ردّ روايتهم، وكان محمد بن إسماعيل البخاري  يؤلف الصحيح بين المنبر والقبر في الروضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم [في المنام] : «أتروي عن ابن محيريز وهو يطعن في أصحابي» وكان خارجياً، فقال: قلت يا رسول الله لكنه ثقة، فقال عليه السلام: «صدقت إنه ثقة فاروِ عنه» وكنت أروي عنه بعد ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ","part":1,"page":16},{"id":2552,"text":"السبب الرابع: التغافل: ومن تستولي  عليه الغفلة، والفترة، والغلط ، فهذا يورث تهمة الزلل والسهو، وإن لم يورث تهمة الكذب قصداً مهما كان عدلاً فما يغلب على الظن غفلته وسهوه فيه فترد، وهو الشهادة المرسلة، فأما إذا امتحن القاضي، واستفصل، والرجل عدل فانتظم قوله في التفصيل، ولم يضطرب أشعر بكونه متثبتاً فيه فتقبل، وهذا يضاهي توقف أئمة الحديث في ما يرويه إسماعيل بن عياش  عن غير الشاميين أنه كان متثبتاً في ما رواه عن الشاميين، وكان أثبتها في عنفوان شبابه, وما تعلق  بالثقة فلتستوي  فيه الرواية والشهادة, ولهذا قلنا إذا راب القاضي من الشهود أمراً  فرقهم في مجالس، وسأل أحدهم ، واستفصل مهما استشعر غفلة، فإن أصروا وكان لقنهم ملقن الإصرار وثبتت ريبة القاضي  فليتوقف  عن القضاء, وذلك غالب على شهادة العوام فإنهم مع عدالتهم يعتريهم جهل وغفلة عن درك حقائق الأشياء بحدودها فإن تبين للقاضي أنهم ليسوا مغفلين حكم بشهادتهم, وإلا توقف، والاستفصال متعين لا لعينه, ولكن لدفع الريبة في مثل هذه الصورة\rالسبب الخامس: التغير برد الشهادة : فالفاسق المستستر إذا ردت شهادته لفسقه  فتقبل شهادته بعد العدالة في كل شيء إلا في إعادة تلك الشهادة لأن الطبيعة تستحث على إثبات الصدق بعد التغير بالرد فهو سبب تهمة، والكافر والعبد والصبي إذا ردت شهاداتهم  ثم أعادوا بعد زوال هذه الأسباب قبلت قطعاً، والسيد إذا شهد لمكاتبه، والعدو على عدوه، والفاسق المعلن إذا شهدوا فردت شهاداتهم  فأعادوا بعد زوال العداوة، وعتق المكاتب وزوال الفسق ففيه وجهان :","part":1,"page":17},{"id":2553,"text":"أحدهما: أنه تقبل ، لأن الرد جرى بأسباب ظاهرة لا أنفة منها فأشبه الرق، والصبا والكفر ، فإن قيل وهل يصغى إلى شهادة هؤلاء قلنا: إذا عُرف المانع كما في الصبي، والعبد، والكافر، فلا ، وأما الفاسق الذي لم يعرف فسقه لا بد وأن نصغي أولاً ثم نبحث عن شهادته، وأما المعلن فالظاهر أنه لا يصغى لأنه يقبح أن يصغي القاضي إلى سكران بيده قدح، وقيل إنه يصغي ثم يرد زجراً، وهو بعيد\rالسبب السادس: الحرص على الشهادة بأدائها قبل الدعوى والاستشهاد:\rفإن كان قبل الدعوى فلا تقبل، وإن كان بعد الدعوى وقبل الاستشهاد ففي القبول وجهان،  وإن لم تقبل فهل يصير [به]  مجروحاً فيه وجهان،  هذا في حقوق الآدميين","part":1,"page":18},{"id":2554,"text":"فأما [في]  حقوق الله  التي  لا مدعي لها فتقبل شهادة الحسبة  من غير تقدم دعوى، وما لها مُدَّعي، ولكن لله فيها حق غالب حتى لا تسقط بالتراضي كالطلاق، والعتاق، وتحريم الرضاع, والخلع, والعفو عن القصاص تثبت بشهادة الحسبة أيضاً من غير دعوى, وفي الوقف, وشراء الأب,  والنسب نظر: أما الوقف فالصحيح أنه لا يثبت دون الدعوى إذ الغالب فيه حقوق خاصة، إلا إذا كان موقفاً  على جهة عامة, ومنهم من قال: إن قلنا الملك في رقبة الموقوف لله يثبت بشهادة الحسبة، وقد قطع به الصيدلاني ، ومعظم الأصحاب على خلافه وأما شراء الأب قال القاضي: لا يثبت؛ لأن الملك فيه مقصود مع استحقاق الثمن، والعتق يترتب  عليه بخلاف الخلع فإن العوض غير مقصود فيه، قال الإمام:  ليس يبعد  أن يثبت العتاق للأب بشهادة الحسبة كما يثبت الفراق في الخلع، ولكن الأوجه ما ذكره القاضي ، فإن إثباته دون العوض تفويت عوض مقصود فهو إجحاف, وإثبات العوض دون الدعوى بعيد، قال: ويحتمل أن يقول يثبت العوض ههنا وفي الخلع دون الدعوى يبعد ، ويحتمل أن يقال يثبت طلاق رجعي في الخلع إذ العوض لم يتقرر فصار كمخالعة السفيهة  ولو تقدم عبدان إلى القاضي, وقالا: أعتق الشرع أحدنا قبلت البينة مع فساد صيغة الدعوى, لأن العتق على الإبهام يثبت حقاً لله تعالى وأما النسب فقد قال القاضي : لا تقبل فيه شهادة الحسبة","part":1,"page":19},{"id":2555,"text":"وقال الصيدلاني : إذا أتت المرأة بولد, وادعى الزوج أنها أتت [به]  لأقل من ستة أشهر من وقت النكاح قبل  البينة دون دعوى المرأة على الزوج, وهذا خلاف ما قاله القاضي فكان فيه تردد, وإن ظهر  التعلق بحظوظ الناس من حيث أن الشرع أكد الأنساب, ومنع قطعها فضاهى العتق والطلاق من هذا الوجه, فإن قيل: من اختفى في زاوية بيت وتحمل الشهادة خفية فهل هذا يجر تهمة للحرص على التحمل قلنا: لا, هذا التحمل جائز، والشهادة مقبولة, والأولى أن يخبر المشهود عليه بالتحمل  [لعلة جريانه]  حتى لا يكذب فيتعرض للتعزير، وإنما جُوز ذلك لأن من عليه الحق ربما يقر مع الخصم, ولا يقر بين يدي الشهود, وقال مالك  [رحمه الله] : لا تقبل هذه الشهادة وقيل إنه قول للشافعي [رحمه الله] ، وهو مزيف لا يعتد به فهذا  مجامع ما ترد الشهادة به من التهمة\rأما ولد الزنا فشهادته مقبولة ، وشهادة القروي على البدوي [والبدوي على القوي]  مقبولة، وذكر الشافعي   المسألتين وردَّ على مالك  إذ خالف فيهما ","part":1,"page":20},{"id":2556,"text":"وشهادة المحدود في القذف إذا تاب مقبولة، وقبل الحد والتوبة مردودة,  وخالف أبو حنيفة  في الطرفين, ثم النظر عندنا في توبته, واستبرائه, وإقامته الحجة على صدقه, قال الشافعي:  توبته في إكذاب نفسه وهذا مشكل فإنه قد يكون صادقاً فالتكذيب كذب فكيف يُكلفه ّّ! وقال الإصطخري:  لابد منه فقد قال تعالى:  فأولئك عند الله هم الكاذبون   فهذا التلقيب ثابت شرعاً وهو ضعيف, فإنه ورد في إفك عائشة مع الآيات التي قبل هذه وكانت مبرأة عن قولهم فقال الأصحاب: أن يقول ما كنت محقاً بالقذف, ولا أعود إليه وكلام الشافعي محمول على تكذيبه نفسه في قوله أنا محق في الإظهار والمجاهرة [به]  دون الحجة, أما الاستبراء فهو واجب في جميع الكبائر إذ لو حكمنا بمجرد قول الفاسق [تبتُ]  لصار ذلك ذريعة هيِّنة للفساق ، فلا بد وأن  نراقبه سراً وجهراً حتى يتبين لنا اعتدال أحواله  ثم قال قائلون يتقيد بسَنَة لتختلف  الفصول فله تأثير في استمرار العزائم ونقضها, وقيل بستة أشهر, والكل تحكم, فقد قال الشافعي  [رحمه الله]  نستبرؤه أشهراً, فلا ضبط, ويختلف ذلك بالأحوال والأشخاص فرب شخص كتُوم يعسر الوقوف على سرائره فيطول استبراؤه, ورب معلن لأسراره لا يتماسك في الإخفاء فيقرب استبراؤه, فالمراد حصول الظن بالعدالة أما القاذف ففي الاكتفاء بمجرد قوله تبتُ نصان للشافعي, منهم من قال قولان: أحدهما: يستبرأ كسائر الكبائر, فإن موجبات الحدود كبائر","part":1,"page":21},{"id":2557,"text":"والثاني: يكتفى بالتوبة فإنه لم يتبين كذبه فلعله كان صادقاً, ومنهم من قال المسألتان على حالين فإذا جاء مجيء الشهود وإن حددناه اكتفينا بمجرد توبته، وإن أنشأ القذف فلا بد من الاستبراء, [ومنهم من فصل على وجه آخر وقال: إن قال: كذبت فلا بد من الاستبراء]؛  لأن الكذب كبيرة اعترف بارتكابها، وإن لم يعترف بالكذب صريحاً لم يستبرأ، والوجه أن يقال: إن صرح بكونه كاذباً فالاستبراء مقطوع  [به]  , وإن لم يصرح وجاء قاذفاً فقولان، وإن جاء شاهداً فقولان مرتبان، وأولى بأن لا يستبرأ، أما إذا أقام الحجة على صدق نفسه فهل تقبل شهادته وجهان  أحدهما: تقبل إذ ثبت صدقه والثاني: لا, إذ لم يكن له القذف ابتداءً, وإن كان له حجة وكان صادقاً فرد الشهادة قد وجب بقذفه فلا يرتفع إلا بالتوبة, والمسألة محتملة فإن  قيل: إذا قضى القاضي بشهادة  ثم تبين فَقدُ شرط من هذه الشرائط فهل ينقض القضاء قلنا: إن بان أن الشاهد صبي، أو عبد, أو مشرك نقض القضاء, وإن بان أنه كان فاسقاً عند القضاء فقولان  أقيسهما: أنه ينقض, قال الشافعي  : شهادة العبد أقرب من شهادة الفاسق, فإن الفاسق رُد بالنص قال  تعالى:  إن جاءكم فاسق بنبأ   [وقال:  وأشهدوا ذوي عدل  ]  وقال:  ممن ترضون من الشهداء   وقد ذهب إلى قبول شهادة العبد طائفة, وليس فيه نص ظاهر والثاني: أنه لا ينقض، وهذا لا وجه له إلا أن يقال هو على الجملة من أهل الشهادة بدليل رد الشهادة المعتادة ، وهذا يلتفت على مذهب أبي حنيفة, وهو بعيد عن  مذهبنا, فلهذا أوّل بعض الأصحاب هذا النص وقال: أراد به ما إذا بان اقدامهما على الفسق بعد القضاء, واحتمل الاستناد فلا ينقض القضاء بالاحتمال، فإن بان أنه كان فاسقاً نقض، ثم إذا جرى النقض ففي الحق الفائت وغرمه  كلام سيأتي في باب الرجوع عن الشهادة","part":1,"page":22},{"id":2558,"text":"فإن قيل: وما معنى نقض القضاء قلنا: نعني به أنه نتبين أن القضاء لم ينفذ, فإن القضاء عندنا لا يغير الحكم، وإنما هو إظهار, وقال أبو حنيفة:  القضاء ينفذ ظاهراً وباطناً إلا في الأملاك المطلقة، وزعم في غيرها أن القاضي إذا قضى بشهادة الزور حل المحكوم به للمحكوم له مع علمه بكونه كاذباً، وهذا من فواحش تصرفاته وأما القضاء في محل الاجتهاد هل يجعل المقضي به على التعيين حقاً باطناً حتى يحكم بأنه حلال للمحكوم له باطناً، وإن كنا نقول المصيب  من المجتهدين واحد الذي ذهب إليه جماهير الفقهاء أنه يتغير  وينفذ باطناً، وذهب الأصوليون من الفقهاء كالأستاذ  أبي إسحاق  إلى أنه لا يتغير  بل يبقى على ما كان قبل القضاء، وهذا هو الصحيح  نعم, لا ينقض  القضاء الواقع في محل الاجتهاد باجتهاد آخر يماثله؛ لأنه إذ ذاك لا يوثق بحكمه، ويؤدي إلى فساد، فأما الحق عند الله لا يتغير  بالقضاء ثم إذا فرعنا على هذا فالمقضي عليه لا يجد محيصاً ولا ينفعه قوله: إن هذا خلاف اعتقادي بل يجب عليه الإتباع إذ ذاك لو فتح بابه لأدى إلى سيئات  الآراء، أما المقضي له إن اعتقد أنه لا يحل له كالشفعوي يطلب شفعة الجوار، أو التوريث بالرجم فقضى له الحنفي فعند الأستاذ لا يحل له بينه وبين الله تعالى, ولا يحل له الإقدام على الطلب, والقاضي إذا علم ذلك من مذهبه فهل يمنعه عن الطلب هذا فيه تردد على مذهبه, ثم الظاهر  أنه لا يمنع إذ القضاة لم يتعرضوا للبحث عن مذهب الخصوم في مسائل الاجتهاد وعليه درج السلف  وعلى مذهب الآخرين ينقدح تردد في جواز الطلب ممن لا يعتقد الحل فيحتمل أن يقال الحل نتيجة القضاء والطلب قبله فيمتنع ، ويحتمل أن يقال إذا كان القضاء سبباً للحل  فالتوصل إليه بالطلب والدعوى لا يمتنع\r\rالباب الثاني: في العدد والذكورة:","part":1,"page":23},{"id":2559,"text":"والعدد مشروط في كل شهادة فلا يثبت بقول شاهد واحد شيء قط إلا في الشهادة على هلال رمضان  ففيه خلاف  مأخذه أنه هل يسلك به مسلك الروايات لتعلقه بأمر العبادات ولذلك قطعنا بأن هلال شوال لا يثبت إلا بشاهدين، وشهادة خزيمة كانت مقبولة وحده, ولقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الشهادتين, وسبب ذلك ما روي أنه عليه السلام  بايع أعرابياً فرساً فجحد الأعرابي الثمن فقال  بعض المنافقين: إئت بشاهدك  يا محمد إن كان لك شاهد, فشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم  خزيمة بن ثابت الأنصاري  فقال عليه السلام: «بم  تشهد ولم تحضر معنا » فقال: إني أصدقك في أخبار السماء أفلا أصدقك على هذا الأعرابي، فقال له: «أنت ذو الشهادتين» ، فكان الخلفاء يحكمون بشهادة خزيمة وحده, وهو خاصية له\rثم الشهادات في أمور  العدد، والذكورة على أربعة   مراتب: المرتبة العليا :\rشهادة الزنا فلا تقبل إلا من أربعة  رجال، قال الله تعالى: لو لا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون \rوقصة أبي بكرة  مشهورة  روي أنه كان في غرفة له مع جماعة منهم نافع  ونفيع  وزياد  ، وكان مغيرة بن شعبة في غرفة له بحذاه، وكان قد  أسبل ستراً, فهبت ريح ورفعت الستر فوقع بصر القوم عليه وهو على بطن امرأة مخالطها فجاءوا إلى عمر رضي الله عنه، وشهد أبو بكرة ونافع، ونفيع, وجزموا شهاداتهم فروي أنه استمال زياداً بالقول اللين وقال: أرى وجه رجل أرتجي أن لا يفضح الله على لسانه واحداً من أصحاب رسول الله ، وفي بعض الروايات أنه أغلظ له القول وقال يا سلح الغراب  بما  تشهد فقال: رأيت نفساً يعلو، وإستاً تنبو, ورأسهما مضطربان  تحت لحاف واحد، ورجلاها على عاتقه كأنهما أذنا حمار، وما رأيت أكثر من ذلك، فقال : الله أكبر ودرأ الحد\rوعند هذا ننبه على أمور مهمة:","part":1,"page":24},{"id":2560,"text":"أحدها: أن عمر  تشوف إلى دفع  الحد، وهو جائز، أو مندوب  إليه على تردد  فُهم من كلام الأصحاب، وكيف لا وروي أنه عليه السلام قال للسارق: «ما أخالك سرقت»  وهذا تحريض على الإنكار، وروي أنه قال: «سرقت قل: لا» ,  وقد قال عليه السلام: «ادرءوا الحدود بالشبهات»  وكذلك شاع ترديده ماعزاً بعد أن أقر بالزنا \rواتفق الأصحاب على جواز التعريض بما ينبه الجاني على سقوط الحد، وعلى أن ذلك في إسقاط الأموال غير جائز، والتصريح بالحد  على ما يسقط الحد غير جائز إلا أن يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله للسارق: «أسرقت قل: لا»  ولكن غالب الظن أن هذه  الزيادة لم ينقلها الأثبات، وأما التعريض بالإسقاط بعد ثبوت الحد بصريح الإقرار بالتنبيه على الرجوع, أو بدعوى الملك في المسروق بعد ثبوته بالبينة فيه خلاف، والمنع منه في صورة قيام البينة أولى, ومن جوّز تمسك بترديد  ماعز بعد إقراره, ومن منع خصص تجويز ذلك بما قبل قيام حجة، وأما ترديد ماعزٍ إنما كان لتردده [في عقله]  إذ رآه أشعث أغبر، ولم ينقل ما يدل على تلقين الرجوع أيضاً\rالثاني: هو أن الشهود هل يجوز لهم النظر إلى سوءة المرأة لتحمل الشهادة فيه وفي النظر إلى عورات النساء لتحمل شهادات  العيوب وغيرها ثلاثة أوجه : أحدها: الجواز, لحاجة أداء الشهادة والثاني: المنع, فإنّا أمرنا في الحد بالستر، وفي غير الحد يمكن إثبات العيوب بشهادة النساء ففيهن غنية، وإنما تجوز إقامة الشهادة في الزنا إذا وقع البصر عليه وفاقاً والثالث: أن ذلك ممنوع في الزنا، لأن الشرع يحرض على درء الحد فيه ، بخلاف سائر القضايا ","part":1,"page":25},{"id":2561,"text":"الثالث: أن الشاهد ينبغي أن يقول رأيته يدخل فرجه في فرجها كما يدخل المرود   في المكحلة،  فلو قال زنا أو ما يجري مجراه لم يكتفَ به، وفي القذف لا يجب التصريح بل يكفي لفظ الزنا، وفي الإقرار بالزنا قولان ذكرناهما في الحدود، وأما الدعوى  فسيأتي بيانها\rالرابع: أن الإقرار على الزنا هل يفتقر فيه إلى أربعة من الشهود، أو  نكتفي باثنين فيه قولان،  ونفس اللواط إن أوجبنا به الحد أو القتل في معنى الزنا فلا يثبت إلا بأربعة، وإن قلنا يجب به التعزير ففيه قولان يكتفى في أحدهما باثنين, وفي الآخر يشترط أربعة  \rالخامس: لا تمتنع الشهادة بتقادم العهد في الزنا عندنا, ولو أدوا الشهادة في أربعة مجالس متفرقات قُبل، وقال أبو حنيفة : التقادم يمنع وكل من شهد في مجلس ولم يرافقه  الآخرون كان قاذفاً, وهذه أمور معترضة على مقصود التعرض للعدد, وقد ذكرنا أكثرها في الحدود\rالمرتبة الثانية:\rالنكاح والرجعة، وقد قال عليه السلام: «لا نكاح إلا بشاهدي عدل»  وقال تعالى  في الرجعة: وأشهدوا ذوي عدل منكم   نص على عدلين ههنا، كما نص على أربعة في الزنا، فلم يكن لشهادة النساء فيهما مدخل، والقصاص وسائر العقوبات ملتحق بهما  \rوقال الشافعي  رحمه الله : لا دليل على اشتراط الذكورة في شهادة القصاص، وهو متفق عليه، سوى إلحاقه بالرجعة، ويلتحق بالرجعة والنكاح كل ما ليس بمال كالطلاق, والعتاق، والإيلاء، والظهار، والإقرار بالاستيلاد, وانقضاء العدة، والوكالة وإن كانت في مال، لأنها ولاية, والوصاية, والعفو عن القصاص, والجرح, والتعديل، والترجمة في مجلس القضاء، والكتابة وهو عقد عتاقه، والاستيلاد ، وإثبات الردة، والإسلام، والنسب، وانقضاء مدة العدة، والتدبير، والولاء وإثبات البلوغ، والموت\rالمرتبة الثالثة:","part":1,"page":26},{"id":2562,"text":"الأموال وما يؤول إليها تثبت بشهادة رجل وامرأتين  لقوله تعالى: واستشهدوا  شهيدين  الآية، وقد ورد في المداينة، وهو الإقراض  والمبايعة، فتلتحق به الشركة، والإجارة، والرهن، والضمان، وإتلاف الأموال، والقتل خطأ، والجوائف، والشجّات  التي لا قصاص فيها  ، وفسوق عقود الأموال، وحقوق الأموال كالخيار، والإبراء عن المال، واستيفاؤه، وقبض نجوم الكتابة إلا النجم الأخير ففيه وجهان ؛ لأنه يظهر منه قصد تحصيل العتق ولو أقام على السرقة شاهداً وامرأتين لم يثبت القطع، ويثبت المال ولو قال لزوجته: إن غصبت فأنت طالق فقام على الغصب شاهد وامرأتان  ثبت الغرم، ولا يقع الطلاق، وكذا إذا علق على الولادة فثبت بشهادة أربع قوابل ثبت النسب بالفراش والولادة بالشهادة، ولا يقع الطلاق، وكذلك لو علق برؤية الهلال في رمضان، وشهد واحد، قال ابن سريج : لو قضى عليه القاضي بالغصب بشاهد  ويمين أو امرأتين ثم قال المحكوم عليه: إن غصبت فزوجتي طالق يقع بخلاف ما لو تقدم التعليق على القضاء، واتفق عليه جماهير الأصحاب، وحكى الشيخ أبو محمد  وجهاً أن الطلاق لا يقع في الصورتين خلافاً لابن سريج ، ولم يُر هذا إلا له، والمشهور ما سبق من الفرق، والأصح أن الأجل من حقوق المال، وقيل: إنه نوع سلطنة فيضاهي الوكالة، وهو بعيد؛ فإنه إلى الخيار أقرب\rثم ليعرف أن النكاح إن لم يثبت برجل وامرأتين في نفسه فهو في حق المهر ثابت؛ لأنه مال، والوصية  إن لم تثبت ثبت الوصية، والكفالة وإن لم تثبت ثبت البيع \rالمرتبة الرابعة:","part":1,"page":27},{"id":2563,"text":"ما لا يطلع عليه الرجال غالباً كعيوب النساء, والبكارة، والولادة، والرضاع يثبت كل ذلك بشهادة أربع نساء ؛ لأجل الحاجة،  وقال أبو حنيفة : الولادة تثبت بشهادة القابلة وحدها إن كان الفراش قائماً، أو ظهر بعد الطلاق مخايل الحمل، وإن لم يكن شيء من ذلك فلا بد من رجل وامرأتين، وكذلك فيما عدا الولادة مما ذكرناه، وقال ابن أبي ليلى: يثبت كل ذلك بامرأتين  وقال ابن عباس رضي الله عنه : كل ذلك يثبت بامرأة واحدة \rووراء  هذا مرتبة  خامسة:\rوهو ما يثبت بشاهد ويمين، وهو كل ما يثبت برجل وامرأتين سوى عيوب النساء، وأمثالها  فإن الاكتفاء بالنساء فيه للحاجة، لا لسقوط رتبة، فإنها فوق الأموال، وسنعقد في الشاهد واليمين باباً\rفإن قيل: وهل يتعلق بالشاهد الواحد على تجرده دون اليمين حكم قلنا: في تعلق العتق، والحيلولة به قولان ، إذ لا خلاف أنه لو أقام العبد شاهدين على عتقه فله قبل التزكية  أن يسأل الحيلولة بينه وبين سيده، ويجاب إليه، وينفق من كسبه إن كان، وإلا فمن بيت المال، ثم نرجع على السيد إن لم يثبت العتق، وإلا فهو إنفاق على فقير فلا مرجع، وإن لم  يسأل العبد فللقاضي ذلك إن رآه رأياً، ولو كان الكلام في أمَة فيتحتم على القاضي ذلك احتياطاً للبضع، ولو أقام شاهداً واحداً فأراد الحيلولة  ليقيم الثاني فهل يجاب فيه قولان, أحدهما: يجاب إذا عدم العدد كعدم التزكية والثاني: لا، إذ الواحد ليس حجة قطعاً، والشاهدان يتوهم كونهما حجة بتقدير العدالة فيهما، وإنما التزكية تكشف وصفاً موجوداً، ولا تحدث أمراً لم يكن، وكذلك التفصيل فيمن ادعى على إنسان عيناً احتمل الضياع أو التعييب، وفي النقل  فيجوز التماس الحيلولة منه ، وإن كان عقاراً فطريقان منهم من قال: كالمنقول، لإزالة اليد، ومنهم من قال: لا أرب فيه فلا يحال","part":1,"page":28},{"id":2564,"text":"ولو جرى  ذلك – أعني إقامة شاهدين في الدين – فهل له أن يلتمس الحجة  في المال خيفة فواته إلى اتفاق  التزكية طريقان منهم من طرد القاعدة، ومنهم من قال: ضرر الحجر عظيم فلا ينشأ إلا بثبت، أما الوقف والتعديل والحيلولة فهين، وقال القاضي : للقاضي أن يفعل ذلك إن رآه  المشهود عليه  خصماً محتالاً يزيل الملك إلى من يثق به دفعاً  عن نفسه، وإلا فلا يجيب  إليه، ولو أقام شاهدين على زوجية امرأة، وتخلفت  التزكية عدّلنا المرأة ، ومنعناها من الانتشار، وإن أقام شاهداً واحداً فقولان كما في  العبد ، ومنهم من قال: لا، لأن الأصل فيها  الاستقلال والحرية بخلاف من ثبت رقه، وهذا غير سديد، فالاحتياط في البضع أولى، قال الصيدلاني : إن رأينا تخليتها  فهل نأخذ منها  كفيلاً بالبدن  فعلى وجهين ذكرهما صاحب التقريب، ثم مهما توقفنا بعد إقامة شاهد واحد لم نطل الحيلولة ، فلا نزيد على ثلاثة أيام فهو المقصد إن لم يحضر، وأما في التزكية فنتوقف إلى بيان أحد الأمرين إذ ليس ذلك إلا الطالب\r\rالباب الثالث: في وجوب التحمل والأداء و مستند العلم في الشهادة:\rوفيه فصلان:\rالفصل الأول: في مستند التحمل، فأصله  أن يستند إلى اليقين قال الله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم   وقال : إلا من شهد بالحق وهم يعلمون  وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أشهد فقال: «أرأيت الشمس طالعة» قال: نعم، فقال: «فبمثل هذا فاشهد أو اسكت»  فالأصل اليقين، ولكن قد يكتفى بالظن للحاجة \rوالضبط أن المشهود عليه ثلاثة أقسام: ما يحتاج إلى السمع والبصر جميعاً، وما يحتاج إلى السمع دون البصر، وما يحتاج إلى البصر دون السمع، ولا خفاء باحتياج الكل إلى العقل\rأما ما يحتاج إلى البصر دون السمع: فالأفعال  , إذ يشاهدها البصر، ويشاهد الفاعل المشهود عليه فلا حاجة إلى سمع","part":1,"page":29},{"id":2565,"text":"وما يحتاج إلى السمع والبصر جميعاً الأقوال ، السمع يدرك  القول، والبصر يدرك  القائل المشهود عليه، فليس للأعمى أن يعتمد الصوت خلافاً لمالك  رحمه الله ، فإن الأصوات قد تتشابه، وقوله أنه يعتمد صوت زوجته في وطئها، قلنا: ذك يتعلق بمعاملة بناءً على الحاجة، والشهادة تبنى على ثقة، ولا ثقة بالصوت، وفي ذوي الأبصار غنية عن العميان\rوقد تردد أصحابنا فيما يتعلق بنفس  المشهود فاعتماده  العيان في مسائل:\rالأولى: لو تعلق الأعمى بشخص فصاح في أذنه بالإقرار، فجرَّه إلى القاضي وشهد عليه فيه وجهان مشهوران: قال القاضي : الأصح قبوله، إذ المحذور خطؤه في تعيين القائل، وهذا موثوق به  والثاني: أنه لا يقبل، لأنه لو فتح هذا الباب عسر صون الضبط في التعلق، وتغمُّض  البصر في أكثر الصور\rوقد تردد الأئمة في  رواية الأعمى، والأظهر المنع إذا سمع في حالة العمى كالشهادة ، فإنها في حكم الثقة، والتعيين للمروي  عنه لا يختلفان وقيل: يجوز إذا حصلت الثقة الظاهرة فالصحابة كانوا يسمعون الأحاديث من عائشة رضي الله عنها وهي وراء [الستر] ، وكلهم كالعميان في حقها \rالثاني: الأعمى لا يجوز أن يكون قاضياً؛ لأنه لا يميز بين الشاهد والمشهود له وعليه، فلو سمع البينة ثم عمي، ولم يبق إلا القضاء فقد انعزل في كل واقعة، وهل ينفذ حكمه في هذه الواقعة على الخصوص فيه وجهان : قال القاضي : الأصح أنه يقضي كمن  تحمل الشهادة قبل العمى فله الأداء قطعاً على المشهود ببينته بعد العمى  والثاني: أنه  إذا انعزل بعد العمى فلا سبيل إلى تجزئة العزل\rالثالث: في المترجم الأعمى وجهان : إذا سمع القاضي الكل سوى الخصمين  فمنهم من جوز لثقة القاضي بمن يترجم كلامه، ومشاهدته إياه، ومنهم من حسم الباب","part":1,"page":30},{"id":2566,"text":"والرابع : أن النكاح هل ينعقد بشهادة الأعميين وحضورهما فيه وجهان أحدهما: لا ينعقد، إذ نقول المذهب رعاية الاحتياط، والإتيان  بهما محال والثاني: ينعقد إذ المقصود حضور من له أهلية الشهادة، وقد  يعتمد للحل  بالعقد ما لا يعتمد الإثبات  في الخصام\rالخامس: لو تحمّل الشهادة على شخص متعمداً عيانه  فمات، فإن كان مشهوراً شهد عليه وإلا أحضر عينه ميتاً حتى يشهد على عينه كما تحمّل على عينه حياً، فلو غاب لم يُقم الشهادة، ولو دفن قال القاضي : لا ينبش بعد الدفن وهذا فيه نظر إن  اشتدت الحاجة ولم تطل المدة بحيث تتغير الخلقة فلا ينكر عينه بالنظر إلى صورته، والأظهر ما ذكره القاضي، وإن مات أو غاب وكان قد عرفه باسمه واسم أبيه دون اسم جده، وكان ما عرفه به لا يحصل به التعيين فلا ينبغي أن يعرفه بما سمع  من اسم جده [إذا لم يكن عرفه به]  بل إن حصل التعريف بالقدر الذي عرفه به فذاك، وإن كان ذلك لا يكفي في التعيين فليسكت قال القاضي : وَرَدَ على القفال كتاب من قاضٍ لتزوج فلانة من خاطبها أحمد بن عبد الله، وكان أحمد جار القفال، فقال القفال: أنا لا أعرفك بأحمد بن عبد الله، وإنما أعرفك باسمك أحمد، ولم يزوج\rفإن قيل: فهل يجوز أن يستمع  المكتوب إليه بينة على أنه أحمد بن عبد الله قلنا: لا؛ لأن الحاكم لم يفوض إليه سماع البينة, والحكم به, كيف ولو فوض إليه السماع فإنما يسمع  البينة على الأنساب  بعد تقدم دعوى فيها\rالسادس: تحمّل الشهادة على قول المرأة المتنقبة بقول عدلين معرِّفين غير جائز، بل لا بد وأن يعاينها, ويحفظ حليتها، وإذا أعاد نظره  إليها ثانياً, فإن تذكر عينها شهد وإلا سكت، والنظر إليها لحاجة التحمل جائز، وإن كانت في غاية الجمال، كما يجوز في معالجة الطبيب وغيره","part":1,"page":31},{"id":2567,"text":"وقيل: ادعى  على امرأة في مجلس القاضي ابن  عاصم، وكان الشهود يشهدون على عينها فدعى القاضي نسوة في مثل قدها وقامتها ولبساها, وكلفهم التمييز وهن متلفعات بمروطهن ثم ألزمها الكشف فشهدوا على عينها وهذا احتياط في التمييز وللقاضي ذلك\rفإن قيل: العادة جارية بالاعتماد على قول عدلين، قلنا: ذلك لا مخرج له على قاعدة أصلاً، ولكن سنحكي طريقة للعراقيين  أن النسب الذي يثبت بالتسامع يجوز أن يثبت بالتسامع  من عدلين ثبوتاً يجوز اعتماده في الشهادة على النسب، فعلى هذا إذا أشار عدلان إلى عين متنقبة بأنها فلانة بنت فلان وكان هذا النسب مشهوراً لا يحتاج فيه إلى الإشارة إلى العين فله الشهادة على إقرار فلانة بنت فلان المشهورة بالنسب  والصحيح أن النسب لا تجوز الشهادة عليه بالسماع من عدلين, فلا بد من استفاضة, ولا وجه لاعتماد التعريف, والطريق ما فعله القفال إذ امتنع عن الشهادة بعد الإثبات في الصك, فقيل: اشهد كما أثبت فاستدعى بالصك وكان قد كتب أشهدني فلان وفلان على أنها فلانة  وأنها أقرت، [ثم قال: كيف أشهد، والشاهدان في السوق فنرجع حاصل الكلام إلى تحمل الشهادة]  على شهادة العدلين، وإنما ينتظم ذلك في غيبتهما, وإن كانا مَحرَمَيْن يعرفان عينها","part":1,"page":32},{"id":2568,"text":"قال القاضي: أقرت امرأة بمال في مجلسي, فطلب الخصم التسجيل, وزعم أنها فلانة بنت فلان, وما كنت عرفتها بنسبها، ولم يسغ لي أن أقبل قولها في نسبها, ولا أن أسمع بينة على نسبها دون تقدم دعوى, فنصبت قيماً فادعى عليها أن على أبيها فلان ابن فلان مال وأنكرت أنها ابنته فأقام الخصم البينة على أنها ابنة  فلان فسمعت البينة، وسجلت على إقرارها, فقال بعض المحصلين: هل يجوز مثل هذه الحيلة للقاضي فقال: كيف لا, وقد قال عليه السلام لعامل خيبر في القصة المعروفة: «هذا عين الربا» إذ كانوا يبيعون نوعاً من التمر بنوع «بيعوا بالدراهم ثم اشتروا النوع الآخر به»  , وقال تعالى:  وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به    في تحلة القسم في قصة أيوب عليه السلام  , وزعم أن هذه  حيلة\rوفيما ذكره إشكال من وجهين أحدهما: أن هذا لو تنبه له الخصم ووكلاء  المجلس فينصبوا  القيم فلا ينبغي أن يتجسس القاضي عن مقصودهم، فأما القاضي كيف ينصب قيماً ليدعي كاذباً, وهو عالم بكذبه، والدعوى المعلوم كذبها كلا دعوى فلا حكم لبينة تترتب عليها والآخر: أن ذلك أيضاً  إنما يستقيم إذا أنكرت المرأة النسب, فإذا أقرت فكيف أقام البينة عليها بعد  أن أقرت بعينها وقد قال القاضي: أقرت عندي أولاً, نعم لو أنكرت, والتمس الخصم الحكم على نسبها بعد تعلق الدعوى بعينها لإحكام الحجج  , وهذا في محل النظر ، وللقاضي أن يقول أحكم الحجة بتحمّل الشهادة على حليتها, وللقاضي أن يجيب بأن المرأة مدعية لنسب  فلا أثر في إقرارها ، والبينات إنما تسمع مرتبة على الدعاوى صادقة كانت  أو كاذبة, ولا يهتدي إلى احتواء ظن  فيما  ذكره محتمل ولكن [ليس]  ينفك عن إشكال\rالقسم الثالث: ما لا يحتاج فيه إلى  تعلق البصر بعينه، وهو ما يثبت بالتسامع, وهي أمور لا يدركها البصر, والمتفق فيها ثلاثة: النسبة إلى الأب فإنه لا يدرك قط يقيناً, والملك المطلق, والإعسار ","part":1,"page":33},{"id":2569,"text":"والمختلف فيه أربعة: الولاء, والوقف, والنكاح \rوألحق العراقيون به العتق ففيها وجهان  أحدهما: أنه لا يجوز للشاهد  أن يعتمد فيها التسامع إذ يتعلق بها حاسة السمع وبمن  تصدر منه  حاسة البصر, فلا يعتمد فيها السماع من الغير بخلاف النسب وقرابته والثاني: أنه يعتمد فيها التسامع؛ لأن هذه الأمور إذا ثبتت  دامت ووقعت في الأفواه وتداولتها الألسنة ودام أمرها به  بخلاف الهبات, والبياعات، والتصرفات المالية, فإن الدعاوى لا تتوفر على إشاعتها والتحدث بها, وهذه الأمور يجري في الطباع التحدث بها\rقال الشيخ أبو محمد:  هذا في وقف على جهة عامة, أما على شخص معين  [فلا وقال الصيدلاني  والمحققون في الطرق: إن ذلك يجري وإن كان على شخص معين]  إذ النكاح يجري بين شخصين معينين فذلك لا يمنع تفوه الناس به وفي الموت طريقان:  المشهور أنه كالنسب والملك وقيل: إنه كالنكاح، والوقف؛ لأنه يُشاهَد، ولكن لما كان ذلك أمراً ثابتاً يكثر التحدث به ظهر إلحاقه بالملك والنسب، وهذا تمهيد ما تجوز الشهادة فيه من غير إدراك أمرٍ بالحس\rوالنظر الآن في مستند الشهادة على الإعسار، والنسب، والملك :\rأما الإعسار: فليس محسوساً وتجوز الشهادة عليه بالظن؛ لأن الحاجة ماسة إليه، وإبقاء الخصومة ناشئة  بين الخلق أبداً غير ممكن، والمستند ظن غالب يقرب من اليقين، وإن لم يكن يقيناً يحصل بقرائن أحوال الشخص من صبره على المضض، والإضاقة، ومصابرة  الجوع، والفاقة، في السر على وجهٍ الغالب أن القادر لا يصابرها سراً، وإن كان قد يصبر عليها في العلانية، وهذا يحيط بمعرفته المخالط الخبير بباطن الحال، وهذا [خارج]  عن قاعدة التسامع، ولكن ألحقناه به, إذ ليس يستند إلى محسوس \rأما النسب: وما يثبت بالتسامع  ففي حده وجهان: ","part":1,"page":34},{"id":2570,"text":"أحدهما: أنه لا يشهد إلا بالاستفاضة ، والسماع من قوم لا تجمعهم رابطة التواطئ, وهو الذي يعتبر في أخبار التواتر, وليس ذلك كدرك اليقين فإنا ذكرنا في الأصول أن التواتر فيما لا يُحس لا يفيد اليقين, وليس النسب محسوساً، ولكن الغرض استثارة  ظن غالب من استفاضة مع  عدم النكير، والتكاذب \rوالوجه الثاني: ذكره العراقيون أنه يكتفى بالسماع من عدلين فتحل له الشهادة, ولا يكون شاهداً على الشهادة إذ لا يشترط لفظ الشهادة من العدلين  بل  إذا سمعهما كان كما إذا سمع جمعاً لا يحصرون  وهذا بعيد ثم زادوا عليه فقالوا: لو رأى رجلاً  حمل صغيراًُ وهو يستلحقه, أو قال لكبير: هذا ابني, وهو ساكتٌ لا ينكر حل له الشهادة على نسبه, وهذا خطأ؛ لأن هذه دعوى محضة, ونحن قد نثبت النسب بالدعوة، ولكن ينبغي أن يشهدوا على الدعوة  حتى يُحكم بموجبها في محلها، فأما الشهادة على النسب له  فلا مستند له \rفرع: الانتساب إلى الأم هل يثبت بالتسامع فيه طريقان : منهم من قال: جانب الأم كجانب الأب, ومنهم من فرق من حيث أن الولادة محسوسة، ويقرب هذا من الاختلاف في أن الأمومة هل تثبت بمجرد الدعوى كالأبوة  وسيأتي ذلك في باب القائف\rفإن قيل: وما يثبت بالتسامع هل يقبل من الأعمى قلنا: إن كان يحتاج فيه إلى إضافة  قضية إلى شخص معين فلا, فإنه لا بد وأن يقول: أشهد أن هذا ابن فلان, وقوله  هذا إشارة إلى مجهول لا مستند له  في معرفته, ولكن إن كان الرجل مشهوراً ووقع الخلاف في انتمائه إلى قبيلة عظيمة واستغني فيه عن التعيين والإشارة فقال: فلان المشهور بكذا وكذا، وهو فلان ابن فلان من قبيلة كذا فهو متصور على هذا الوجه ","part":1,"page":35},{"id":2571,"text":"أما الملك:  فدرك اليقين فيه غير ممكن, فإنه إن استند إلى بيع محسوس فملك البائع لا يعلم، وإن  استند إلى صيد فتقدُم ملك وتقدير إفلات من مالك  فيكتفى بالظن، ثم لا يكفي مبادئ الظنون بل تجوز الشهادة بعد ظهور ظن يقتضي طلب زيادته إلى عسر لا يستقل به, وأقصى مراتبه أن يوجد الشيء في يد إنسان  وتصرفه من  تفاوض الخلق بإضافة الملك إليه، فإن تجردت اليد  لم تحل الشهادة؛ فإن الأيدي منقسمة  لو  تجرد التسامع من غير يد وتصرف فلا يفيد  ، ولو وجد اليد والتصرف دون التسامع [فالمشهور أن ذلك]  كافٍ,  وقال القاضي : لا يكفي ما لم يتفاوض الناس بالإضافة إليه, فإن التفاوض بالإضافة هو الذي ينتشر فيحرك خصماً ومدعياً إن كان, فإن لم يظهر بعد الانتشار تبين أنه لا منازع [ولا خصم فيستتب عليه الظن, ومن اكتفى دونه اعتذر بأن من يستقل بتصرف الملاك وباليد]  في ملك الغير فيتحدث الناس بعدوانه, واستيلائه فعدم ذلك دليل على عدم الخصم, والمالك ، وسلامة الملك له, ولهذا قيل:  ما يتصور اليد والتصرف إلا ويتفاوض الناس بنسبة الملك إليه \rويجري في الجوار والمحلة, وإن كان لا يستفيض في سائر البلد فإذا لم ينفك عنه وجود أفيرجع الخلاف إلى أن يتعلق  الاعتماد الكلي  وهو اليد والتصرف فقط  هذه هي الطريقة  المثلى، ووراءه  طريقتان:\rأحدهما : ذكرها الشيخ أبو محمد ، وهو أنه يعتمد اليد والتصرف قطعاً، وفي اعتماد مجرد التصرف قولان, وهذان القولان أطلقهما بعض الأصحاب في غير هذا الكتاب حيث لا يكون التعرض لهذا الغرض مقصوداً، فالغالب أنه تساهل في الكلام فإنه لم يُلفَ في هذا الكتاب في طريقة بعد البحث على ما حكاه الإمام  فقال: الوجه أن لا يعد هذا من المذهب","part":1,"page":36},{"id":2572,"text":"والطريقة الثانية: إن  في كلام العراقيين على جواز اعتماد التسامع المطلق في الملك من غير يد وتصرف، [وهو بعيد، وهو وإن كان له ثبوت فهو إذا لم يعارضه من الغير يد وتصرف] ، ولكن كان المكان مهملاً ضرباً للمثل\rفإن قيل: ما المراد  بالتصرف الذي أطلقتموه قلنا: نعني به تصرف الملاك: وهو الرهن, والبيع, والفسخ بعده, والنقض, والبناء, حتى لو لم تُعهد الإجارة  ففيه خلاف  , ومنهم من قال: [لا]  يُكتفي بها, فإنها قد تصدر من المستأجر فلا ينكر المالك, ومنهم من قال: لو تكررت الإجارة على تعاقبٍ دل  على أنه صادر من المالك هذا بيان ما يعتمده الشاهد، ويتخذه مستنداً  لتحل له الشهادة\rوقد بيّنا أنه لا يعتمد الخط، وفي  الحلف أيضاً يعتمد عليه ، ولكن لو رأى خط نفسه, أو خط أبيه, وهو لا يجازف في الخط حل له أن يحلف، ولم يحل له أن يشهد به  فليعرف ذلك على ثقة \rالفصل الثاني: في وجوب الأداء والتحمّل:\rأما الأداء فهو واجب على كل متحمل متعين دُعي إلى الأداء من مسافةٍ دون مسافة العدوى  \rفلو امتنع أحد الشاهدين وقال: أحلف مع الثاني لم يجز له  وفاقاً، وعصى به، والوعيد شديد في كتمان الشهادة وهو قوله تعالى: فإنه آثم قلبه \rولو دُعي من فوق مسافة القصر فلا يلزمه، ولو كان بين المسافتين فوجهان : كالوجهين في قبول شهادة الفرع عند غيبة شهود الأصل إلى هذه المسافة ولو لم يتعين  ففي جواز الامتناع وإحالته على الغير وجهان: أحدهما: الجواز لعدم التعيين والثاني: التحريم, إذ كل واحد يمتنع بهذا العذر فيؤدي إلى الضرر, ولا خلاف في أنه لو امتنعوا جميعاً عمّ الحرج كافّتهم\rولو لم يتحمل ولم يشهد ولكن سمع  قولاً، أو رأى فعلاً ففي لزوم الأداء وجهان : أحدهما: لا؛ لأن له  التحمل كالضمان, والتزام الوفاء, وههنا لم يلتزم والثاني: يلزمه؛ صيانةً (للحقوق)  عن الضياع","part":1,"page":37},{"id":2573,"text":"وأما الشاهد الواحد إذا لم يمكن الحلف معه فلا يلزمه الإجابة؛ إذ لا فائدة فيه\rأما التحمل فكل ما لا يصح دون الإشهاد فالدعاء إلى التحمل فيه من فروض الكفايات، وهو النكاح عندنا فقط، والبيع عند داوود فقط، ومن امتنع لم يُحرج؛ لأنه ليس بمتعين وإن دُعي، وهذا متفق عليه؛ لأنه لم يسبق منه التزام فلا يصير متعيناً بدعائه\rأما عقود الأموال والأقارير وغير النكاح فتحمل الشهادة عليها هل هو من فروض الكفايات فعلى وجهين:  أحدهما: لا، لاستغنائها في الانعقاد عنها والثاني: نعم، لشدة الحاجات عند الجحود، ونشأ ذلك من التردد في [تفسير]  قوله تعالى: ولا يأبى الشهداء إذا ما دُعوا  منهم من حمل على التحمّل، ومنهم من حمل على الأداء\rوأما كتبة الصك فهل هو من فروض الكفايات فيه وجهان أيضاً:  ومأخذه التردد في معنى قوله تعالى:ولا يضارّ كاتب ولا شهيد  قيل: أراد به أنه لا يُضَر بالامتناع, وقيل: أنه لا يُضَر به غيره من الإرهاق\rثم الكاتب يستحق الأجرة وفاقاً  والشاهد لا يستحق؛ لأنه التزم بالعمل   , ولا يُتّهم فيه, نعم إن طلب المركوب إن طالت المسافة فله  طلب الأجرة أعني أجرة المركوب, ثم له أن لا يركب, وهذا متفق [عليه] ، وكأنه أجرة نصيب  المشي  ثم حيث أوجبنا التحمل فلا يجب عليه أن يحضر محل التحمل إلا إن كان المتحَمّل عليه مريضاً فيجب دون مسافة العدوى كما في الأداء, والله أعلم\r\rالباب الرابع: في الشاهد واليمين:","part":1,"page":38},{"id":2574,"text":"كل واقعة يُقضى فيها بشاهد وامرأتين فيقضى  بشاهد ويمين إلا في عيوب النساء، وبابها يأتي، فإن الأنوثة احتملت فيها للحاجة، وقد روى الشافعي  بإسناده عن عمرو بن دينار عن ابن عباس عنه  عليه السلام: «أنه قضى بالشاهد واليمين» ، قال عمرو: وذلك في الأموال ثم قال الشافعي: ينبغي أن تتقدم شهادة الشاهد ثم يحلف، فلو حلف أولاً لم يعتدّ به؛ لأن اليمين قبل أن يتقوى جانب الحالف لا وقع لها \rوقال العراقيون: ينبغي أن يحلف بعد التزكية إذ لا قوة قبل التزكية، وهذا ظاهر، وفيه احتمال؛ لأن التزكية تبين حصول القوة من قبل\rواتفقوا أيضاً على أنه يجب عليه أن يصدق الشاهد في يمينه فيقول: والله إنه لصادق، وإني محقٌّ، ولم يضايق أحد بتقديم التصديق على قوله أنا محق، [وتأخيره] ، فليعرف\rولو شهد رجل وامرأتان فلا يشترط تقديم الرجل؛  لأنه جنس واحد، وههنا إنما شرط التصديق ليرتبط أحدهما بالآخر فيصير  حجة بمجموعه ولا خلاف في أنه لو حلف مع امرأتين لم يجز ؛ لأن الحديث ورد في شاهد ويمين, وليس المرأتان في معنى الرجل في كل مقام فإن قيل: القضاء بالشاهد أو باليمين أو بهما  حتى إذا رجع الشاهد يغرم الكل أو النصف أو لا يغرم أصلاً, قلنا: ما من احتمال إلا وهو وجه للأصحاب، فقيل: إنه قضى بالشاهد، [واليمين]  عضد، وقيل : إنه قضى بالشاهد مع اليمين، وقيل: إنه قضى باليمين والشاهد لتقوية جانبه كما في اللّوث  في القسامة، وقيل: إنه بهما, ويشهد له ما روي أنه قضى بالشاهد ويمين الطالب، ثم أمر الغُرم يترتب على هذا، نعم وإن قلنا: القضاء باليمين فلا يبعد تقدير وجه في إيجاب شيء على الشاهد، فإن نفوذ اليمين كان بالشاهد فضاهى المزكي إذا رجع\rهذا تمهيد هذه القاعدة وبيانها بمسائل:","part":1,"page":39},{"id":2575,"text":"الأولى: إذا ادّعى الورثة دينا لموروثهم  على إنسان، وأقاموا شاهداً واحداً، وحلف كل واحد يميناً، استحقوا ما ادّعوه، ولو حلف واحد, ونكل الآخر استحق الحالف نصيبه دون الناكل، فلو مات فأراد وارثه أن يحلف لم يكن له  ذلك؛ لأنه بطل حقّ التمييز  بنكوله إذ لو عاد إليه هو بنفسه في حياته لم يمكن، فوارثه لا يزيد عليه فيما يتلقاه منه، وكذلك لو أراد أن يقيم شاهداً آخر، ويحلف معه لم يجز؛ لأن حق الحلف قد بطل، نعم هل ينضم شاهده إلى الشاهد الأول فيتم به الحق، ويسلم له هذا فيه احتمال، وهو جارٍ في كل واقعة أقام المورِّث  عليها شاهداً، ومات قبل إقامة الثاني فأقام الوارث الثاني، فإن أعاد الأول شهادته ثبت الحق قطعاً، وإن لم يستعد فيحتمل  من حيث أنه يفتقر إلى دعوى جديدة, فلا يبعد أن يجدد، ويستعيد، ويحتمل أن يجعل ذلك بناءاً على ما سبق، وكذلك الاحتمال جارٍ فيما إذا لم ينكل الموروث  ولكن مات قبل إنفاق النكول والحلف، فالوارث هل يحلف  مع الشاهد الأول إن استعيدت الشهادة حلف قطعاً, إذ لم يبطل حق الحلف النكول  الأول، ومن غير إعادة فيه احتمال، ووجه جوازه البناء وهو جارٍ في كل يمين يوجه على المورث فمات قبل النكول، والظاهر الجواز, إذ نص الأصحاب على أن الثاني لو كان مجنوناً فمات حلف وارث المجنون, ولو نكل الوارث وللميت غريم فهل له أن يحلف فيه قولان ذكرنا تفصيله في القسامة ","part":1,"page":40},{"id":2576,"text":"فرعان: أحدهما: إذا كان فيهم غائب, أو صبي, أو مجنون, حلف الحاضر مع الشاهد, وأخذ نصيبه, والغائب إذا عاد وحلف وكذا الصبي والمجنون إذا زال ما بهما, وحلفا, استحقوا نصيبهم  باليمين مع الشاهد السابق من غير استعادة للشهادة فتيك الشهادة أفادت  في حقهم من غير تقدم دعواهم, أو دعوى نائب عنهم؛ لأن الحق يثبت على الموروث  وهو خصلة واحدة إذا ثبتت لا تتجزأ، وأما اليمين فأثرها مقصور على الحالف لا يتعدى، وأثر الشهادة بعد وقوعها في قضائها يتعدى إذ مبناها على التعدي, وإنما الاختصاص في الدعوى, والدعوى وسيلة فلا يبعد الاختصاص فيها وأما إذا أوصى لشخصين فأقام أحدهما شاهداً, وحلف, وحضر الآخر فعليه استعادة الشهادة لنصيب نفسه حتى يحلف؛ لأن إحدى الوصيتين منفصلة عن الأخرى حكماً فلا بد من تجديد الدعوى والشهادة، بخلاف الوراثة فإن الحق يثبت للميت","part":1,"page":41},{"id":2577,"text":"الثاني: يد المدّعى عليه هل تزال عن نصيب الغائب بعد ما حلف الحاضر مع شاهد واحد، وكذلك عن نصيب المجنون والصبي ذكر القاضي  قولين، وهذا فيه بُعد، فإن الحجة ما تمت في حق من لم يحلف إذ حكم الحلف لا يتعدى، فهل  يوجد في حقه إلا شاهد  واحد، وقد ذكرنا في الحيلولة به قولين ، ولكن إذا تقدمت الدعوى، والتماس الحيلولة، وههنا لا دعوى ولا التماس، وكان القاضي يشير إلى أن دعوى الشريك كدعواه، بدليل ثبوت حكم الشاهد في حقه حتى لا يستعاد، أما النصيب الذي سلم للحالف يختص به","part":1,"page":42},{"id":2578,"text":" ونص الشافعي  على أنه لا يساهمه أحد  فيه من الورثة إذا كان المدّعي  ميتاً، ونص في كتاب الصلح على أنهما لو ادّعيا لمورثهما عيناً في يد إنسان، وأقر لأحدهما بنصيبه وسلمه إليه شاركه الآخر في ذلك القدر؛ لأنهما اعترفا ابتداءاً بالشركة في جميع أجزاء العين، وهذا يخالف نصه في الدَّين عند السلامة  بشاهد ويمين فسلك الأصحاب طريقين منهم من فرق وقال: مسألة اليمين والشاهد فرضه في الدين، وإنما يتعين بالتسليم، فقد خصصه بالتسليم، ومسألة الصلح في العين والشركة في أجزائها حتى لو كان اليمين والشاهد في عين، أو كان الإقرار في دين لانقلبَ الحكم، وهذا غير سديد، والصحيح أن منشأ الفرق [أنه]  لو شارك في مسألة اليمين والشاهد لكان قد استحق شيئاً بيمين غيره، وهذا بعيد، وأما في تلك المسألة ثبت بالإقرار، ثم كان الشريك المقر له مؤاخذاً  بإقراره، ولا ينفك هذا الفرق أيضاً عن إشكال، فأما إذ أقام الشريك  شاهدين فينتزع شاهدين فينتزع نصيب الشريك الصبي والمجنون من يد المدّعى عليه إذ البينة قد تمت، وهل ينتزع نصيب الغائب إن كان عينا انتزع، وإن كان ديناً فوجهان:  يجري في كل دين يقرُ به الشخص لغائب في أن الولي  هل يستوفيه أو يتركه عليه وهذا في شركة الوراثة، فلو أوصى لرجلين بدار فأقام أحدهما بينة كاملة، والآخر غائب انتزع نصيبه، وترك نصيب الآخر حتى يعود ويجدد الدعوى والحجة، وإنما استثني الوراثة لأن الملك يثبت للميت، والانتقال إلى الورثة من ضرورته على وجه لا يتجزأ، وقد أثبت لكل واحد من الورثة الاستبداد بهذه السلطنة للوصول إلى حقه ","part":1,"page":43},{"id":2579,"text":"المسألة الثانية: إذا ادّعى ثلاثة مثلاً أن أباهم تصدق بضيعة عليهم، وعلى أولادهم بطناً بعد بطن، فأقاموا شاهداً واحداً، وحلفوا معه ثبت الوقف على المذهب الصحيح،  ومنهم من ذكر خلافاً مبنياً على أن الملك في رقبة الوقف بالله فسلك  به مسلك العتق، وهو غير معتدٍ به، ثم للمسألة أحوال: أحدها: أن يحلفوا جميعاً فيستحقون، فإذا ماتوا فالبطن الثاني هل يفتقرون  إلى تجديد الحلف فيه قولان  بناءاً على أنهم يأخذون الملك من الواقف، أو من البطن (الأول) ، إن قلنا: من الواقف فلا بد من الحلف، وإن قلنا: من الثاني  فيكفيهم  حلف البطن الأول، فلو انقرض الأولاد، وكان  بعدهم على المساكين، فإن قلنا: إنهم يأخذون الملك من الواقف سلم  إليهم، وإن قلنا: يأخذون من البطن الآخر ففيه وجهان : أحدهما: [أنهم يستحقون من غير يمين، لأن جميع المساكين لا يمكن تحليفهم والثاني] : أن الوقف مصروف عنهم إذ لا سبيل إلى الاستحقاق بشاهد واحد دون اليمين، فهو إذن وقفٌ عسُرَ مصرفه، وفيه خلاف أنه يبطل، أو يصرف إلى أقرب شخص إلى الواقف، وقد استقصيناه في الوقف \rفرع: لو مات واحد من الحالفين فنصيبه للباقين من البطن الأول، لأنه وقف ترتيب، وهل يلزمهم تجديد الحلف لهذا النصيب الجديد قال صاحب التقريب : فيه قولان مرتبان على البطن الثاني ونفيُ الحلف ههنا أولى لأنهم قد حلفوا على الجملة مرة \rالحالة الثانية: إذا نكلوا من عند آخرهم فالبطن الثاني لا يستحقون إن لم يحلفوا، ولو حلفوا هل يستحقون قولان، والترتيب على عكس الحالة الأولى، فإن قلنا: التلقي من البطن الثاني فلا؛ إذ بطل الحلف بنكولهم، وإن قلنا: إنه من الواقف فلا يبطل حقهم بنكول الأولين فليحلفوا مع الشاهد وليأخذوا","part":1,"page":44},{"id":2580,"text":"الحالة الثالثة: حلف واحد ونكل اثنان سلم للحالف نصيبه دون الناكلين ، فإن ماتوا معاً فولد الحالف يستحق نصيبه إن حلف، ودون الحلف هل يستحق [قولان،  وولد الناكل لا يستحق نصيبه إن لم يحلف، ومع الحلف هل يستحق]  قولان ولو مات الحالف أولاً فلو صرف نصيبه إلى ولده، وكان خلاف شرط الوقف  في الترتيب، ولو صرف إلى الناكلين بعد إبطالهما حقهما بالنكول كان بعيداً فاختلف الأصحاب على ثلاثة أوجه : منهم من قال: شرط الواقف لا يُخالَف فيصرف إلى الناكلين، ولا يجعل النكول السابق مؤثراُ في إبطال حق الجديد فهذا أهون من مخالفة شرط الوقف  والثاني: إنه يصرف إلى البطن الثاني، ونكولهم ألحقهم بالموتى لتعذر الصرف إليهم وهو بعيد والثالث: أن هذا  القدر قد تعذر مصرفه من الوقف ، وقد ذكرنا حكم أمثاله في كتاب الوقف، وإنما التعذر لما  ذكرناه، وقد انتزعناه من يد المدّعى عليه، والرد إليه غير ممكن بخلاف نصيب الناكلين فإنه لم ينتزع من يده فقُرر عليه لعدم قيام الحجة\rالتفريع: إن قلنا: يصرف إلى الناكلين ففي إيجاب اليمين عليهم قولان مرتبان على ما إذا كانا قد حلفا، وعاد إليهما نصيب ثالث، وههنا أولى بإيجاب اليمين؛ لأنه لم يسبق منهم يمين حتى يُتخيل الاكتفاء به فهم الآن كالبطن  الثاني إن لم يتقدم لهم حلف، فإن حلفناهم فحلفا فذاك، وإن نكلا تعذرت هذه الجهة، ويبقى  احتمال الصرف إلى البطن الثاني، أو إلى أقرب الناس إلى الواقف لتعذر المصرف كما سبق ","part":1,"page":45},{"id":2581,"text":"المسألة الثالثة: هي تيك المسألة بحالها إلا أن الوقف وقف الشريك ، فإذا حلف الثلاثة  وسلم الوقف إليهم فهو بينهم أثلاث، فلو وُلد لهم ولد صار في  الوقت أرباعاً ووقفنا الربع للولد، فإن بلغ وحلف استحق، وإن نكل نص الشافعي رحمه الله  أنه يعود إلى الأولين، فيصير الكل كما كان بينهم أثلاثاً ويكون المولود  ألحقه بالعدم، وأسقط حقه؛ لأنه كان يصرف إليه نصيب بعد الاستغراق بتقدير العدد ، فإنّا زدنا [ثلثاً]  على المال فصار ربعاً، وحكم العول إذا سقط أن يعود الأمر كما كان، ونزل منزلة  ما لو ترك ألف درهم وعليه ألف دينار فهو مستغرق، فلو ظهرت  ألف أخرى  فقد عالت المسألة فهو مقسوم عليهما، فلو أبرأ أحدهما عاد الأول كما كان، وهذا توجيه تكلفه ابن سريج  ، والمزني لم يرتضه، واعترض على النص، وقال : ينبغي أن نقول هذا الربع قد  تعذر مصرفه وكيف يصرف إلى الأولين وموجب اعترافهم أنه ليس لهم والنكول لا يبطل [الحق]  كالإبراء في الدين بدليل أنه بعد النكول يقيم شاهدين فيأخذ ويقر له الخصم فيأخذ فليقدّر ذلك قولاً مخرّجاً منقاساً، فإن قيل: على مذهب المزني هلا ردّ إلى  المدّعى عليه كما تقرر في يد المدّعى عليه نصيب الناكلين في المسألة السابقة وهذا نصيب ناكل، قلنا: لأنه انتزع من يده مرة بحكم حجة  فما  يطرأ بعد ذلك من عسر بعد إزالة ملكه لا يرد عليه شيئاً، ولو جاز هذا لقيل في المسألة الأولى، إذا مات أحد  الحالفين ونكل الباقون يرد إلى المدّعى عليه ولا قائل به، وهذا متفق عليه، هذا كله إذا بلغ الطفل فحلف، أو نكل، فلو مات قبل البلوغ رجع نصيبه إلى الأولين، وهل يحتاجون إلى حلف جديد  لعود  هذا إليهم إن فرّعنا على النص فلا تحليف ، وعاد كما كان، وإن فرّعنا على مذهب المزني وقدّرنا الرابع  أصلاً كان موته كموت أحد الأصول، ورجوع نصيبه إلى الباقين كما سبق","part":1,"page":46},{"id":2582,"text":"فرع: إذا وقفنا للطفل الربع وغلته، فمضت سنة فيقف من ريع تلك السنة الربع، فإذا مات أحد الأولاد صار الموقوف للطفل ثلثاً في السنة الثانية، فلما مضت السنة ومات الطفل تبين انقطاع استحقاق الطفل من الأصل، وصار الرقبة  بين الولدين الباقيين نصفين، وريع السنة الأولى يصرف إليهما، وإلى ورثة الولد الميت أثلاثاُ، وريع السنة الثانية يختص بالولدين فإنه حدث بعد موتهما، وهذا واضح لا شك فيه، فإن قيل: لمَ قطعتم في وقف الشريك بالوقف إلى بلوغ الطفل وهلا سلمتم إلى وليّه في الحال بناءاً على وجهٍ في أنه لا يفتقر إلى يمين كما لا يفتقر إليه البطن الثاني في صورة وقف الترتيب على رأي قلنا: لأن الخلاف ثَمّ إنما جرى في كل صورة بناءاً على أن الحق يتلقاه من حالف فاكتفي بيمينه، وحيث فرّعنا على انه يتلقاه من الواقف فيفتقر إلى يمين لا محالة، وههنا لا يتجه إلا القطع فإنه يتلقاه من الواقف، أو لم  يشترط فيه موت [أحد]  فلذلك قطعنا بالافتقار إلى اليمين، وحكمنا وجهاً واحداً بالوقف قبل اليمين ","part":1,"page":47},{"id":2583,"text":"المسألة الرابعة: إذا كان في يد إنسان جارية ذات ولد يسترقهما فادّعى إنسان أنها مستولدة  وأن ولدها منه فهو حر وابن له، [وأقام]  شاهداً واحداً وحلف، أما أمّية الولد فيثبت معناه أن اختصاصه بها يثبت، ويحكم له بالملك ، ثم إذا سلمت إليه وموجب   عتقها بعد موته فبقي  استحقاقها بإقراره لا باليمين مع الشاهد، وأما نسب الولد وحريته فيه قولان نقلهما المزني : أحدهما: أنه لا يثبت، وهو الأصح، لأنه معترف بحريته فليس يدّعي فيه إلا الحرية، والنسب وشيء من ذلك لا يثبت بشاهد ويمين، وحكم  أمّية الولد في حق الحجة لا يسري إلى الولد والثاني: أنه يثبت، لأن الولد جزء منها فثبتت أمّية الولد ، وهذا بعيد عن القياس زيّفه المزني ، واختار القول الأول, واحتج بما إذا ادّعى على إنسان في يده عبد أن هذا العبد كان ملكاً [لي]  فأعتقته، وأراد أن يحلف مع الشاهد ، نقل المزني أن الدعوى لا تثبت في هذه الصورة، فإنه اعترف بكونه حراً في الحال فلا علقة له به، قال المزني: فإذا كانت الدعوى لا تثبت بحرية ناجزة مع ترتيبها على ملك سابق، فكيف تثبت الحجة في الولد ولم يمسه ملك ولا رق وهو في الحال حر فمن الأصحاب من قال: فيما استشهد به أيضاً قولان لترتب العتق على الملك السابق فلا فرق بين المسألتين، ومنهم من سلم وفرق بأن الدعوى وجدت  من الأم متشبثاً في مسألتها والولد تابع، وفي مسألة العبد لا متعلق للدعوى، وهو فاسد، لأن الولد شخص مستقل منفصل فلم يُجعل في الدعوى تبعاً\r\rالباب الخامس: في الشهادة على الشهادة:\rوالنظر في خمسة أطراف:\rالطرف الأول: في مجاريها:","part":1,"page":48},{"id":2584,"text":"وهي مقبولة في كل ما ليس من العقوبات،  أما العقوبات الثابتة لله ففيها قولان ، ونص الشافعي في القصاص أنه تثبت وفي  معناه حدّ القذف، وكل  عقوبة للآدمي ، وخرج من الحدود قول أنه لا تثبت  فتحصلنا على ثلاثة أقوال : من منع مطلقاً عوّل على سقوط جميعها بالشبهة، ومن قبِل مطلقاً زعم أنه لا شبهة في الشهادة على الشهادة [وإن كان بدلاً] ، ومن فرق عوّل على أن حدود الله تعالى يتسارع إليها السقوط؛ ولذلك يقبل فيها الرجوع عن الإقرار, ولا يقبل فيها الشهادة على الشهادة, وهو بدل\rويلتحق بهذا التوكيل باستيفاء القصاص؛ فإنه في حكم البدل\rويلتحق به كتاب القاضي إلى القاضي بعد السماع، أو بعد الحكم فإنه في مقام البدل عن شهادة الأصل، فإن قلنا: لا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي فالدعوى بالعقوبة على الغائب لا تسمع أصلاً، ولا تسمع البينة، فيمتنع بعده الحكم، وكلام الفوراني  مشير  إلى أن الكتاب بالحكم أو بالاستيفاء بعد الحكم غير مقبول، فأما الحكم فنافذ على الغائب إن خدمه  والذي أورده الإمام  ما نقلناه من قبل \rالطرف الثاني: في كيفية تحمل الشهادة على الشهادة:\rفمن سمع شخصاً يشهد في مجلس قاضٍ بشيء، أو في مجلسٍ محكّم  جاز له أن يتحمل الشهادة  ويشهد على شهادته، وإن [لم يستشهده] ، ولم يأذن له في إقامته، فليس هذا تفويضاً وتوكيلاً ","part":1,"page":49},{"id":2585,"text":"ولو قال في غير مجلس القضاء: أشهَدْ على كذا ، وأشهدْتُكم على شهادتي فأدّوها عند الحاجة فهذا هو النهاية، وهو الذي عبّر الفقهاء عنه بالاسترعاء وهو التماس غاية الشهادة حفظها  , ولا بد من لفظ الشهادة في قول شهود الأصل ،  كما لا بد من لفظ الشهادة في الأداء في مجلس القاضي، وهو بعيد، والسر فيه أن الإنسان قد يتساهل ويتجازف في الأخبار فإنما صيغت هذه الصيغة حتى لا يقدم الإنسان عليها إلا عن ثبت،  وأبعد بعض الأصحاب فأقام اللفظ الصريح الذي لا تردد فيه مقام لفظ الشهادة، وهو غير معتدٍّ به","part":1,"page":50},{"id":2586,"text":"ولو سمع إنساناً في مجلس القضاء، والاسترعاء يقول: أشهد أن لفلان على فلان كذا لم يجز له  أن يشهد بهذا القدر على شهادته لاحتمالين أحدهما: أنه قد يجازف في غير مجلس القضاء، وإذا آل الأمر إلى الشهادة توقف والآخر: أنه قد يعمل  ذلك على وعد إن شاء شهد، إلا أن هذا التعليل يرد عليه انه لو سمع إنساناً يقول: [لفلان]  عليّ ألف فله أن يشهد على إقراره،  ويحتمل أن يؤوّل  فيقال معناه علىّ ألفٍ وعدته بها ، وعلى الوفاء بحكم الكرم بالوعد  وأنا ملتزم لتوفيتها  وعداً كما في الشهادة فعلى  هذا أشكل على أبي إسحاق المروزي  الفرق فمنع مسألة الإقرار، وقال: لا يشهد به كما في صورة الشهادة، وهذا بعيد، فلم يزل الخلق يتحملون  الشهادة على الأقارير المطلقة ويتثبتون  في الشهادة على الشهادة، ولقد  شرط أن ينضم إليه قرينة من إضافة الإقرار إلى ضمان، أو إتلاف، أو غيره فالوجه في الفرق ما سبق من أن الإنسان لا يجازف بالإقرار عادة، ويجازف بالإخبار عن أمر الغريم ، ثم يتثبت  عند إقامة الشهادة, فيتبين أن المقصود الوقوف على أن عنده شهادة جازمة بلفظ الشهادة، فلو قال في غير مجلس الحكم: أشهد أن لفلان على فلان ألف درهم من ثمن مشترى، أو أجرة إجارة، وقطع احتمال الوعد والمجازفة، أو قال: عندي شهادة مبتوتة لا أتمارى فيها ففيه وجهان: منهم من جوز الشهادة بسماع هذا القدر،  إذ المقصود انقطاع الاحتمال، ومنهم من قال: إذا كان لا يتعلق بقوله حكم فقد يتوسع فيه، وإنما التثبت في مجلس الحكم أو في مجلس الاستشهاد، والاسترعاء، فيختص به","part":1,"page":51},{"id":2587,"text":"ثم إن الواجب على شاهد الفرع أن يحكي مستند تحمله من قوله سمعته  في مجلس القضاء يقول: أشهد أو أشهدني على شهادته وأذن لي، والغرض أنه ربما لا يعرف محل جواز التحمل فيتأمل القاضي، فإن كان الرجل عارفاً واستفصله القاضي فله أن يصرّ ويقتصر على قوله أشهد على شهادة فلان أن لفلان على فلان  كذا\rالطرف الثالث: في الطوارئ بين التحمل والقضاء على شهود الأصل، وهو  على مراتب:\rالأولى: طريان الغيبة، والمرض هو المجوز لشهادة الفرع فإنه لا يقبل مع حضور الأصل بحال ، ومع قدرته، وقد ذكرنا قدر الغيبة بالسفر ، والموت إذا طرأ لم يمنع الفرع من أداء الشهادة التي  تحملها بل المقصود تأبد  الحجة بجواز الشهادة على الشهادة\rالمرتبة الثانية: إذا طرأ على شهود الأصل الفسق أو عداوة مع المشهود عليه أو الردة فكل ذلك يمنع الفرع من الأداء؛ فإن هذه الأمور لا تهجم ولها مقدمات تخرم الشهادة وتسلب الثقة من صدقه في إشهاده على شهادته، نعم نص الشافعي على أن ردة المقذوف بعد القذف لا تمنع استيفاء الحد وزناه يمنع، والفرق في تلك المسألة مشكل، والجمع ههنا في الشهادة قياس ظاهر، ومن الموانع قطعاً حضور الأصل ، وتكذيبهم شهود الفرع، فإن قامت البينة على تكذيبهم وهو غُيّب فذلك يمنع، ولو قامت بعد القضاء على جريان التكذيب قبل القضاء نتبين بطلان القضاء قولاً واحداً، ولو بان فسق الشهود بعد القضاء ففيه قولان ، ولا ينفك الفرق عن إشكال، والتكذيب لو طرأ بعد القضاء وكذلك سائر الطوارئ لا أثر له\rفرع: إذا فسق شهود الأصل وامتنع  الأداء فعادوا إلى العدالة فلا بد من تجديد التحمل، فإن الفسق في الحال وإن انقطع فالشبهة التي وقعت في الإشهاد السابق لم ترتفع، ومن الأصحاب من أبعد وقال: لا يفتقر إلى تجديد التحمل\rالمرتبة  الثالثة: العمى والجنون و فيهما  ثلاثة أوجه: ","part":1,"page":52},{"id":2588,"text":"أحدها: أنهما لا يمنعان؛ [إذ]  لا استناد لهما إلى ما سبق فأشبه المرض والموت\rوالثاني: أنه يمنع؛ لأنه مانع يتوقع زواله بخلاف [الموت]  وبخلاف المرض، فإنه ليس بمانع في نفسه وشاهد الفرع كأنه لسان لشاهد  الأصل فيشترط فيه أهليته، وإنما يستثنى الموت للحاجة\rوالثالث: أن العمى لا يمنع؛ لأنه لا يسلب الأهلية, وإنما منع الإشارة في هذه الواقعة بخلاف الجنون فإنه سلب  الأهلية، والأصح أنهما لا يمنعان\rفأما إذا أُغمي على شاهد الأصل وهو حاضر فهذا متوقع الزوال على قرب فلينتظر، فإن كان غائباً فلا أثر له في المنع بحال\rفرع: إذا قلنا: إن العمى والجنون مانع فلو زال ففي الافتقار إلى تجديد التحمل خلاف، قال الإمام : المذهب على هذا الوجه الافتقار إلى التجديد أنه  انقطعت الشهادة فصار كجنون  والوكيل وفيه وجه منقاس   جداً انه لا يفتقر، فإنه إن اتحد في الفسق لانعطاف شبهته  فهذا لم يثر  شبهة فما وجه الحاجة إلى التجديد\rالطرف الرابع: في عدد شهود الفرع:\rو لو شهد على قول واحد عدلان  فهو المراد، ولو شهد عدلان على قول واحد وهما بأعيانهما شهدا على قول الآخر فقولان أقيسهما  وهو مذهب أبي حنيفة  والمزني  الجواز، قال الشافعي : وقد رأيت كثيراً من الحكام، والمفتين يجيز ذلك  ووجهه أنهما لو شهدا على ألف واقعة وعلى إقرار [رجلين]  ثبت بشهادتهما ، وقد شهدا على شهادة رجلين فهما كإقراري  رجلين والثاني: [لا؛ لأن قولهما]  إخبار عن مقصود واحد، وهي حجة واحدة، فصار كما إذا شهد أحد الأصلين على الواقعة، ثم أراد أن يشهد على قول الآخر فرعاً مع آخر لم يجز له ذلك؛ لأن المقصود يرجع إلى واحد، والجواب عن هذه المسألة ممكن فليُتأمل","part":1,"page":53},{"id":2589,"text":"التفريع: إن منعنا ذلك فشهد أربعة على شهادتهما جميعاً كل واحد يعترض  لشهادتهما فوجهان أصحّهما: الجواز، إذ شهد على شهادة كل واحد شاهدان فتعرضه لشهادة الآخر يُجعل كالعدم فلا ينبغي أن يُضر\rوالثاني: المنع، لأنهم استقلوا بشقٍ  واحد فلا يقوم بهم الشق  الآخر، وهو بعيد لا وجه له\rفرعان: أحدهما: الزنا إذا قلنا يثبت بالشهادة على الشهادة ففي عدد [شهود]  الفرع أربعة أقوال: منشؤها الأصل الذي سبق وهو أصل آخر، وهو أن إقرار الزنا [هل يثبت بشاهدين أم لا بد من أربعة، وقول الشاهد أشهد على الزنا في معنى إقرار الزاني]  في هذا الغرض فعلى قول: يكفي اثنان ، وهو تفريع على أن الإقرار لا يثبت  باثنين وإن شاهدين يستقلان بشقي الشهادة، وعلى قولٍ أربعة وهذا تفريع على أن الإقرار لا يثبت باثنين، ولكن يستقل [الشهود]  بشقي الشهادة والثالث: لا بد من ثمانية وهو تفريع على أن الشاهدين لا يستقلان بالشقين ولكن يثبت الإقرار باثنين\rوالرابع: لا بد من ستة عشر وهو تفريع على أن كل شق يفتقر إلى [شهادة الإقرار وأن]  شهادة الإقرار لا تثبت إلا بأربعة\rالثاني: ما يثبت بشاهد وامرأتين، فالشهادة على شهادتهم تجري مجرى الشهادة على ثلاثة أشخاص فلا بد من ستة شهود على قول، وعلى قول نكتفي بشاهدين ، ولم يتخيل أحد تنزيل امرأتين منزلة رجل فإن أقوالهما متفرقة، هذا بيان عدد شهود الفرع\rأما صفتهم: فالذكورة شرط فيه؛ لأن المقصود إثبات شرط  الشهادة فهو  ككتاب القاضي إلى القاضي وكالوكالة ونظائرها فإنها  لا تثبت بشهادة النساء \rالطرف الخامس: في العذر المجوز للعدول إلى شهادة الفرع:\rوذلك هو غيبة الأصول  إلى مسافة القصر، فإن كان دون مسافة العدوى فلا يجوز، وإن كان بين المسافتين فوجهان ","part":1,"page":54},{"id":2590,"text":"والمرض المانع من حضور مجلس القضاء أيضاً عذر، ولا يشترط خوف هلاك ، ولكن القدر الذي يلقيه في مشقة ظاهرة، وهو ما يجوز ترك الجمعة به، وكذلك خوف الغريم، وكل ما يترك به الجمعة فهو عذر،  وليس على القاضي أن يستخلف من يحضر دار شهود الأصل ولا أن يحضر بنفسه؛ لأن ذلك يغض من منصبه؛ ولأن الأمر في العدول هيِّن، ولهذا جاز قبول رواية الفرع مع حضور الأصل، نعم لو توقفت القضية على إشارة إلى عقار وجب على القاضي أن يحضر بنفسه أو يستخلف من يحضر ليشير الشهود بين يديه؛ فإن الحكم  لا يمكن إتمامه إلا باليقين ، وههنا في شهود الفرع كفاية\rفرع: عدالة شهود الأصل تعرف بالتزكية, وليس على شهود الفرع تعديلهم، نعم لو عدلوا ثبت بقولهم شهادتهم وعدالتهم إن كانوا من أهل التعديل، وقال أبو حنيفة : لا بد من تعديل الفروع الأصولَ، وهذا فاسد؛ فإن الشهادة والعدالة قضيتان، ولما ذكرنا أن الحالف مع الشاهد عليه أن يصدق الشاهد ولا  احد يذهب إلى وجوب تعديله بل تتلقى عدالته من المزكين، وههنا لا يشهدون على صدق شهود الأصل فإنهم لا يعرفون بل يشهدون على شهادتهم، ففي هذا المعنى يفترقان  \r\rالباب السادس: في الرجوع عن الشهادة:\rوالنظر في  شهادة العقوبات، والبضع، والمال:","part":1,"page":55},{"id":2591,"text":"الطرف الأول: في العقوبات والرجوع عن الشهادة عليها يفرض قبل القضاء [وبعده، قبل الاستيفاء وبعد الاستيفاء، أما إذا جرى قبل القضاء]  امتنع القضاء، فإن كان في زناً فهم قذفة، إن قالوا: تعمدنا الكذب، وإن قالوا: أخطأنا فوجهان مرتبان على الخلاف في نقصان عدد الشهود, وههنا أوُلّي بالإيجاب،  فإن التحفظ كان واجباً عليه، وإن كان المتحفظ قد يغلط ولكن قد  يشتد الملام عليه في الزنا، وأما امتناع غيره عن الشهادة ليس له ، ثم مهما حددناهم لم تقبل شهادتهم بعد ذلك إلا بعد التوبة والاستبراء، وإن لم نحدّهم قبلنا الشهادة، فإذا رجعوا في غير الزنا وقالوا: تعمدنا الكذب فقد اعترفوا بالفسق فلا تقبل شهادتهم إلا بعد التوبة ثم بعدها تقبل في غير تلك الواقعة، فلو عادوا وشهدوا وقالوا: كذبنا في الرجوع، لم تقبل تلك  الشهادة بحال؛ لأن الفاسق  مؤاخذ بقوله في إسقاط شهادته، وهذا من أثر الرجوع والتكاذيب  لا من أثر الفسق حتى يجب طرد ذلك في العبد إذا شهد وكذب نفسه ثم أعاد بعد العتق، هذا ما يظهر لي وإن لم يجر على هذا الوجه بطل ما اعتمدناه في رد الشهادة المعادة، أما إذا لم يصرح الشاهد بالرجوع ولكن قال للقاضي: توقف، فلا بد من التوقف، فلو عاد وقال: تحققت وشهد ففي القبول  وجهان  ووجه الرد ما بان من التهمة بسبب التوقف والاستمهال للتروي ، فإن قلنا: الاستدعاء للتوقف لا يقدح فهل يكلفهما القاضي إنشاء الشهادة مرة أخرى فيه وجهان  لا يخفى توجيههما\rالحالة الثانية: الرجوع بعد القضاء وقبل الاستيفاء ففيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: إنه يسقط العقوبة لأنها تتعرض للسقوط بالشبهات، فكيف يهجم  على استيفائها ولا حجة والتكذيب جارٍ من الشهود لأنفسهم والثاني: أنه يستوفى كما تستوفى الأموال المحكوم بها؛ لأن القضاء إذا انخرم فقد تم إهدار الدم فهو استيفاء لما هو  مستهلك حكماً","part":1,"page":56},{"id":2592,"text":"والثالث: وهو الأعدل أن عقوبات الآدميين لا تسقط كأموالهم، وأما حدود الله  تسقط، فإنها تسقط بالرجوع عن الإقرار في هذه [الحالة]  فرجوع الشاهد أولى بالقبول، ولو فسق الشهود قبل القضاء أو قبل  الاستيفاء ففسقهم  كرجوعهم \rالحالة الثالثة: الرجوع بعد استيفاء العقوبة وله صور:\rأحدها: أن يقولوا: تعمدنا الكذب مع العلم بأن شهادتنا تقبل وجب عليهم القصاص أو الدية المغلظة في مالهم، خلافاً لأبي حنيفة ، ولو رجع معهم وَلي القصاص وهو الذي باشر وجب القصاص على الولي، وهل يجب على الشهود وجهان : أحدهما: أنه لا يجب، لأنهم صاروا كالممسك مع المباشر والثاني: أنه يجب ، لأنهم بالشهادة أهدروا الدم وأسقطوا عصمته حتى تمكن [الولي]  من الاستيفاء والأول أصح، والقاضي إذا رجع شارك الشهود في التزام القود أو الضمان، والمزكي لو رجع واعترف بالتعمد ففيه ثلاثة أوجه : [أحدها] : أنه كالشهود والثاني: أنه منهم كالممسك فلا شيء عليه والثالث: أن رجوعه يصلح لإيجاب الدية أو الشركة فيها فلا يناط به القصاص\rالصورة الثانية: إذا قالوا: أخطأنا فلا قصاص عليهم, وقد يعزّرهم القاضي لترك التحفظ والغرم في مالهم إذا ثبت بإقرارهم إلا أن تصدقهم العاقلة ففيه تردد سننبه عليه، ولو قال بعضهم: أخطأنا، واعترف بعضهم [بالتعمد]  فلا قصاص على المعترف لأنه شريك الخاطيء ، ولو قال كل واحد: تعمدت، واخطأ شريكي ففي القصاص وجهان  أحدهما: أنه لا يجب إذ كل واحد أقر بقتلٍ مع مخطيء فلم يقر بموجب فلا يقبل في حقه اعتراف شريكه بالعمد والثاني: أنه يجب، لأنه اعترف بالعمد، وادّعى  الخطأ على شريكه وهو منكر فلا يقبل قوله لغيره وعليه","part":1,"page":57},{"id":2593,"text":"الصورة الثالثة: قالوا : تعمدنا الكذب ، ولكن لم نعلم أنه تقبل شهادتنا، وإن ما شهدنا عليه يوجب القتل،  قال الأكثرون: لا قود ، للجهل، وهذا ينبه على تردد فيما إذا ضرب شخصاً بما  لا يموت به الصحيح، ويموت [به]  المريض، ولم يعلم أنه مريض، وقد ذكرنا من قبل أن القصاص واجب، وهذا قريب منه\rالتفريع: إن قلنا: لا قصاص لجهلهم، قال صاحب التقريب : لتكن الدية مؤجلة، فإنه قريب من شبه العمد، فقد ذكرنا خلافاً فيما لو قتل شخصاً في دار الحرب عمداً على ظن أنه مشرك في وجوب الدية فإن أوجبنا فعلى العاقلة أم لا فيه قولان  وهو قريب مما نحن فيه","part":1,"page":58},{"id":2594,"text":"الطرف الثاني: فيما لا تدارك له، ويوجب  غرم المال فإذا شهدوا على طلاق أو عتاق، أو ما يوجب سفك الدم ولم يجب القصاص على الشهود لسببٍ فالغرم واجب في  الكل، وفي القدر المغروم في الطلاق وقبل المسيس وبعد المسيس كلام ذكرناه في موضعه، وعرضنا الآن  ذكر فرعين أحدهما: لابن الحداد ، وهو أنه لو شهد رجل وعشر نسوة على رضاع محرم، وفرق بين الزوجين، فرجعوا، فعليهم الغرم على تفصيل  في مقداره سبق ، والغرض كيفية التوزيع ، وإنما فرض في الرضاع لأن شهادة النسوة لا تقبل في الطلاق، وهو مما لا يطلع عليه الرجال غالباً، والغرم مفضوض باثني عشر سهماً عليهم  على الرجل سهمان، وعلى كل واحد سهم وكل امرأتين بمثابة رجل، ولو فرض هذا في الأموال التي لا تثبت بمحض النساء فيجب على الرجل النصف، وعلى المرأتين فصاعداً النصف لا يزيد بزيادتهن لأن شطر البينة قام بالرجل قياماً لا يستقل دونه، ويستقل دون النساء فلا يمكن التسوية بخلاف صورة الرضاع إذ يستقل محض النساء به، وأبو حنيفة  نزل امرأتين في كل واقعة منزلة رجلين؛ لأنه لم يُجِز  إثبات الرضاع أيضاً بشهادة  النساء، فلم يفرق، وسوّى، وهو باطل لما نبّهنا عليه من ترجيح الرجل، فأما إذا رجع في صورة الرضاع رجل وست نسوة فقد بقي أربع من النساء  وتستقل الشهادة بهن ففي وجوب شيء على الراجعين خلاف الصحيح أنه لا يجب عليهم شيء؛ لأن الحجة بعدُ قائمة، ومنهم من قال: يجب عليهم حصتهم [ولو رجع لجميع، وهو ضعيف، فعلى هذا عليهم الثلثان، ولو رجع رجل وسبع نسوة فعلى الضعيف يجب عليهم حصتهم]  وهو تسعة أسهم من اثني عشر سهماً، وعلى الصحيح نقول: لم ينخرم إلا ربع الحجة فالواجب على جميعهم ربع الغرم","part":1,"page":59},{"id":2595,"text":"الفرع الثاني: في شهود الإحصان، وشهود الرجم إذا [رجعوا أو]  رجع بعضهم وكيفية التوزيع يبتنى على أصلين: [أحدهما] : أن شهود الإحصان هل يشاركون في الغرم مع شهود الزنا فيه قولان:  أحدهما: نعم، إذ العقوبة تثبت بجميعهم  والثاني: لا، لأن المثبت من جهتهم خصال كمال، والعلة هي الزنا، وكذا الخلاف في شهود التعليق، والصفة فإن قلنا: تجب ففي حصتهم وجهان:  أحدهما: التسوية والثاني: أنه يجب عليهم الثلث، والثلثان على شهود الزنا إذ ثبت الإحصان بالشاهدين، والزنا بأربعة فمرتبتهم في الشهادة مرتبة الثلث من الجملة","part":1,"page":60},{"id":2596,"text":"والأصل الثاني: ما قدمناه من أن الزائد على عدد الشهادة  إذا انفردوا بالرجوع وقد أصرَ من تقوم الحجة به فهل يجب عليهم شيء فيه قولان:  أحدهما: رواه البويطي، وهو اختيار المزني، يغرم  والثاني: وهو المشهور، ومذهب أبي حنيفة،  أنه لا يغرم، فإذا ثبت الأصلان فلو شهد على الإحصان اثنان، وعلى الزنا أربعة، ورجع أحد شاهدي الإحصان ففي وجهٍ  لا شيء عليه،  وهو قول إسقاط الغرم عنهم، وفي وجهٍ يجب السدس وهو قول التثليث، وفي وجهٍ يجب عليه الربع وهو التسوية بين الإحصان والزنا","part":1,"page":61},{"id":2597,"text":"ولو رجع أحد شهود الزنا ففي قولٍ يجب الربع، وفي قولٍ الثمن، وفي قولٍ السدس وهو ربع الثلثين، ولو شهد أربعة على الزنا والإحصان جميعاً ، ورجع واحد أما حجة الإحصان مستقلة ببقاء اثنين فلا يجب شيء لأجل الإحصان على الشهود، ولكن بطل ربع حجة الزنا فعلى قولٍ يجب الربع على هذا الراجع وهو قول إسقاط أثر الإحصان في الغرم، وعلى قولٍ يجب السدس وهو قول التثليث,   ولو رجع ثلاثة وقد شهد الأربعة جميعاً على الزنا والإحصان جميعاً فقد بطل نصف حجة الإحصان، وثلاثة أرباع حجة الزنا فيجب عليهم ثلاثة أرباع واجب شهود الزنا،  وواجبهم إما الكل، وإما النصف، وإما الثلثان، وإن جعلنا للإحصان حصة فيجب عليهم نصف واجب شهود الإحصان وهو نصف النصف، أو نصف الثلث، ووجه إلحاقه لا يخفى، ولو  شهد أربعة على [الزنا] ، وشهد منهم اثنان على الإحصان أيضاً، ثم رجع واحد من الشاهدين اللذين شهدا  على الأمرين فقد أبطل برجوعه نصف حجة الإحصان، وربع حجة الزنا فعليه نصف غرم شهود الإحصان، وربع غرم شهود الزنا فقد بان مقدار غرمهما على الأقوال، ولو شهد ثمانية على الأمرين، ورجع أربعة فعلى المشهور لا شيء عليهم لبقاء الحجة،  فإن رجع خامس وجب به شيء نقص على الخمسة الراجعين  [وإن تلاحق]  رجوعهم وذلك ربع الغرم، أو السدس، وعلى هذا المنهاج نفرّع فلا تطويل  بالتصوير وقد تمهدت الأصول\rالطرف الثالث: في الرجوع عما يقبل التدارك كالأموال:","part":1,"page":62},{"id":2598,"text":"فإنه وإن حكم بها القاضي وامتنع نقض القضاء بإقرار المحكوم له ورده إلى المظلوم بالشهادة ممكن متوقع ولكن الحيلولة في الحال حاصل  وإقراره بعيد ففي وجوب الغرم [للمال في]  (الحال)  قولان: أقيسهما أنه يجب؛ لأن الشهادة سبب لو فُوت فواتاً لا يتدارك كالطلاق والعتاق لأوجب الضمان فإذا أوقع الحيلولة أيضاً نوجب، وتوقع  الإقرار في غاية البعد، والثاني: وهو الجديد أنه لا يضمن، لأن الفوات لم يتحقق، وتوجيهه عسير وهو قريب مما إذا قال: غصبت هذه الدار من زيد لا بل من عمرو، وسلم إلى زيد، وهل يسلم إلى عمرو قيمته غرماً في الحال فعلى قولين","part":1,"page":63},{"id":2599,"text":"فروع: أحدها: لو بان أن الشهود بعد تنفيذ القضاء (مشركون)  أو (عبيدٌ) ، أو صبيان، أو (فساق)  وفرعنا على الأصح في نقض القضاء بالفسق  فقد بينّا  انتقاض القضاء في هذه الصورة، فإن كان المشهود عليه قائماً وقابلاً للتدارك استرد، وجعل كأن الحكم لم يكن، وتبين عدم الطلاق، والعتق والملك، بخلاف صورة الرجوع فإن قول الراجعين لا يوجب نقض القضاء، وإن كان ذلك أمراً لا يمكن تداركه، ولم يظهر بالمشهود له فيجب الغرم على القاضي بخطئه، وفي محله قولان : أحدهما: في ماله والآخر: في بيت المال، وقد تقدم نظائره ، ثم القاضي هل يرجع به على الشهود  لا خلاف في أنه لا يرجع على صبي، لأن التقصير من جهة القاضي في ترك البحث، والصبا مما يظهر، ولا يرجع على الفاسق، لأنه مأمور بكتمان الفسق فيدرك بالذنب على من قصر في البحث لا على من كتم الفسق، وهل يرجع على الكافر والرقيق  قولان أحدهما: لا، كالفاسق والصبي  والثاني: يرجع، لأن شعار الكفر والرق ظاهر، والتلبيس من جهة الشهود، حتى قال بعض الموجهين لهذا: لو كان الصبي مراهقا مديد القدّ يشتبه بالبالغين فيرجع في مال الصبي وهذا في الصبي بعيد، فإن قلنا يرجع على العبد فيتعلق برقبته أم بذمته قولان أحدهما: برقبته، لأنه جناية  والثاني: بذمته، لأنه وجب بسبب قوله  فأشبه الضمان، والإقرار من العبد فإنه ممنوع من  شغل رقبته بقوله، ثم المحكوم له يطالب القاضي،  وهو يرجع على الشاهد هذا ظاهر كلام الأصحاب، وفي كلامهم ما يدل على أنه لو أراد مطالبة الشهود ابتداءاً جاز، وهو محتمل جداً  ","part":1,"page":64},{"id":2600,"text":"الثاني: إذا شهد أحد الشاهدين أنه سرق ثوباً، وقيمته ربع دينار، وشهد آخر أنه سرق ذلك الثوب بعينه ولكن قيمته سدس دينار، أما القطع فلا يجب إذ النصاب لم يشهد عليه شاهدان، وأما الغرم فالواجب عندنا أقل القيمتين اعتماداً على براءة الذمة، كما إذا شهد أحدهما أن عليه ربعاً، وقال الآخر: عليه سدس، وقال أبو حنيفة: يلزمه في الثوب المعين الأكثر؛ لأن هذا عرف زيادةً غفل عنها الآخر قلنا: ولعل الآخر عرف عيباً غفل عنه المكثر، وكيف ولو صرح كل واحدٍ بأنه لم يختص بمعرفة شيء فالأصل براءة الذمة، فلو قال المدّعي: أحلف مع شاهد الربع، وآخذ، ففيه وجهان أحدهما: يجوز، كما لو شهد  أحدهما بربع دينار، وشهد الآخر بسدس فله أن يحلف مع المكثر والثاني: لا، لأنه ارتبطت الشهادة بمعين، وقد ضعفت شهادة المكثر بمعارضة الآخر فلم تصلح أن تكون حجة باليمين","part":1,"page":65},{"id":2601,"text":"الثالث: إذا قال أحدهما: له عليه ألف، وقال الآخر: له عليه ألف قد قضاها فقد تناقض قول هذا الشاهد، وسقط، وتجرد الشاهد الأول فللمدّعي أن يحلف معه وجهاً واحداً، لأن قول الشاهدين لم يتضادا في هذه الصورة، بل أمكن صدقهما بخلاف صورة الثوب المعين حتى لو اتفقوا على الإضافة إلى جهة فيتناقض كما سبق، فأما إذا شهدا على الإقرار فقال أحدهما: أقر بألف، وقال الآخر: [أقر] بألفٍ لكنه قضاها، ففيه وجهان: أحدهما: أن الألف ثابتة إذ توافقا [على حكاية إقراره، وتفرد أحدهما بشهادة القضاء فلا حكم له إلا أن يحلف معه المشهود] عليه ويدّعي القضاء فثبت به قضاء الدين، و إلا فالألف تستوفى والثاني: أنه لا يثبت الألف، لأن حكاية اللفظ غير مقصودة، وشهادة هذا الواحد لم تكن على وجه يوجب إلزاماً فانفرد قول الأول فليحلف المدّعي معه إن أراد المال الرابع: المسألة بحالها، لكن أطلق [الشاهد] الشهادة أولاً ثم قال: قد قضى الألف، فإن قال: كان قضاه قبل شهادتي فهذا رجوع، [وإن] قال: قضى بعد شهادتي فهل يُقضى بالدين إلى أن يحلف المدّعى عليه مع شاهد القضاء (فيه) وجهان مرتبان على الصورة السابقة، وههنا أولى بالقضاء لسلامة الشهادة الأولى عند أدائها، وانقطاع شهادة القضاء، وكذلك الخلاف لو شهدا على الإقرار ثم قال أحدهما قد قضى، إما مقترناً وإما منقطعاً والله أعلم","part":1,"page":66},{"id":2602,"text":"كتاب الدعاوى والبيّنات\rمجامع الخصومات يحويها خمسة أركان:\rالدعوى، والإنكار، واليمين، والنكول، والبيِّنة:\rالركن الأول: في الدعوى:\rونحن نقدم عليها بيان حالة الحاجة إلى الدعوى: فمن اغتصب عيناً من إنسان وقدر المالك على الانتزاع من يده خفيةً أو جهرا ً بحيث لا يجر ذلك فتنة ولا يقيم شجاراً فليفعل، و حاصله يرجع إلى أخذه ملك نفسه وهو ممكن منه\rوإن استحق عقوبة فليس له الاستيفاء إلا بالرفع [إلى القاضي] فإن الأمر فيه خطير\rفإن استحق ديناً في ذمته وكان من عليه الحق يمتنع عن القاضي تعززاً، أو يواري وجهه، فإن ظفر من ماله بجنس حقه فله الأخذ فيتملكه بحقه، وإن ظفر بغير جنسه فهل له الأخذ فعلى قولين مشهورين: أحدهما: أنه يأخذ كما لو ظفر بجنس حقه، إذ المستند فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» ولم يفرق بين أن تظفر بجنس النفقة أو بغير جنسه والثاني: المنع لما يؤدي التفريع عليه من الخبط وأما الحديث فيحمل على الغالب من قدرتها على جنس النفقة والطعام\rولا خلاف في أن من عليه الحق لو كان معترِفاً فليس له أن يأخذ من ماله, وإن ظفر بجنس حقه، وكذلك لو كان معترفاً وهو مماطل ولكن قدر على رفعه إلى القاضي فليرفعه [وإنما التسليط حيث لا يقدر على رفعه إلى القاضي]","part":1,"page":1},{"id":2603,"text":"التفريع: إن قلنا له أن يأخذ, فقد اتفق الأئمة على أنه لا يتملك بحقِّه؛ لأنه ليس من جنسه، وإذا ظفر بجنس حقه أمكن التمليك، وأبعد بعض الأصحاب فقال: يتملك بقدر حقه وهو غير معتدّ به، فالطريق على مذهب الأئمة البيع، وهل يبيع بنفسه  المشهور أنه لا يبيع بنفسه بل يرفعه إلى القاضي ليبيع بجنس حقه ويصرف إليه، قال الصيدلاني : ولم يذكر القفال إلا هذا، ومن أصحابنا من خرَّج وجهاً آخر أنه يبيع بنفسه؛ إذ لا خلاف أن القاضي لا يعوّل على مجرد قوله, بل يطالبه بالبينة على استحقاقه، وعلى كون العين ملكاً لمن عليه، وهذا إنما ينبني على الحاجة لتيسر  الوصول [إلى]  الحق، ولكن المشهور ما سبق, فكأنهم قدَّروا العسر في رفعه إلى القاضي إما لتعززه، وإما لتواريه، ولم يقدروا عسراً في البينة، ومساق هذا يلزمهم المنع من الآخذ إذا قدر على رفعه إلى القاضي  ولكنه جاحدٌ ولا بينة له فيقولون: ليرفعه إلى القاضي، [وليحلفه، فليس له إلا ذلك\rالتفريع: إن قلنا: يبيع بنفسه]  فإن كان حقه نقداً باع بجنس حقه ويتملكه، وإن كان حقه بُراً أو شعيراً قال الأئمة: يبيعه بنقد البلد, ثم يشتري به جنس حقه, وينزَّل منزلة الوكيل المطلق؛ فإنه لا يبيع إلا بالنقد هكذا قاله القاضي،  وفيه إشكال، فإنه تكليف  بيعين وتطويل الأمر, ولا بد من تحصيل جنس الحق لا معنى له, فليحصل جنس حقه في البيع [الأول]  وقد ذهب  طائفة إلى [أن له]  أن يبيع بجنس حقه وهو متجه ","part":1,"page":2},{"id":2604,"text":"ثم مهما تلف الثوب المأخوذ قبل بيعه فهو [من]  ضمانه،  وليس له أن ينتفع [به]  قبل البيع، وينبغي أن يبادر البيع، وليس هذا كما لو سلم إليه ثوباً وقال: بعه واستوف حقك من ثمنه، فإنه لو تلف لم يكن من ضمانه؛ لأنه مؤتمن, وههنا هو مستقل بالأخذ بحقه حتى يقول: لو ارتفعت قيمته قبل البيع فالزيادة محسوبة عليه من حقه إذا باع بدون  الزيادة، ولو نقصت قيمته قبل البيع فإن كان مقصِّراً في البيع حتى نقص فهو محسوب عليه، وإن لم يقصر فلا يحسب عليه، ولو أخذ ما يزيد على حقه ضمن فإنه  متعدٍّ به, إلا إذا لم يقدر عليه, مثل إن استحق خمسين فوجد له سيفاً يساوي مائة فله أن يأخذ، والزيادة هل تدخل في ضمانه فعلى وجهين:  أحدهما: تدخل كالأصل والثاني: لا، لأنه لم يأخذ بحق  نفسه, وكان معذوراً في أخذه، وقد قال القاضي: لو كان لا يتوصل إلى أخذ حقه إلا بنقب جدارٍ فله ذلك، ثم لا يغرم أرش نقض الجدار؛ لأن من استحق شيئاً كان له التوصل إلى أخذه بكل ممكن\rفرعان:\rأحدهما: لو استحق دراهم صحاحاً, فوجد المكسرة, ورضي بها يملكها، فإن استحق المكسرة ووجد الصحاح فليس له أن يتملك، ولا يمكنه أن يبيع المكسرة مع التفاضل، فإنه رباً، فطريقه أن يبيع بالدنانير ويشتري به الدراهم المكسرة، ويجوز ذلك وإن لم تكن الدنانير بقي  النقد الغالب للضرورة التي ذكرناها، ثم في جواز الأخذ في هذه الصورة طريقان : منهم من قال: هو كالظفر بغير جنس الحق للحاجة إلى البيع، بل ههنا يحتاج إلى بيعين قطعاً ومنهم من قال: هو في جواز الأخذ كما لو ظفر بجنسه ولكن مع هذا فلا بد من البيع لما ذكرناه من الضرورة\rالثاني:","part":1,"page":3},{"id":2605,"text":"إذا استحق شخصان كل واحد منهما ديناً على صاحبه وقلنا: أنه لا تقاصّ إلا بالتراضي فلو جحد أحدهما فهل للآخر أن يجحد حقه فعلى وجهين:  يلتقيان على الظفر بغير جنس الحق إذ التقاصّ وإن لم يكن حاصلاً، فلا بُعد في أن يكون هذا عذراً في حصوله هذا بيان المقدمة رجعنا إلى الغرم \rالركن الأول: في بيان الدعاوى :\rوالأصل فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أعطي الناس بدعاويهم لادّعى بعضهم دماء بعضٍ وأموالهم، لكن البينة على المدّعي واليمين على من أنكر» \rوفي رواية: «واليمين على المدّعى عليه» \rفحكم  الدعاوى مطالبة صاحبها بالبينة، والاكتفاء باليمين من الخصم وقد اختلف الأصحاب في حدّ المدّعي, فمنهم من قال: هو الذي يدّعي أمراً خفياً على خلاف الجلي الظاهر  ومنهم من قال: المدّعي من إذا سكت تُرك وسكوته، والمدّعى عليه من إذا سكت لم يترك وسكوته، ومنشأ الخلاف في الحدّ: تردد قول الشافعي في أن الزوجين إذا أسلما قبل المسيس فقال الزوج: أسلمنا معاً، والنكاح مستمر (وقالت)  المرأة بل على تعاقب فالقول قول من فيه قولان:  أحدهما: أنه قول الزوجة، لأن التساوق في الإسلام يبعد تصويره فالظاهر معها، والزوج يدّعي أمراً خفياً فكان مدّعياً فعليه البينة والثاني: أن القول قوله، لأن المرأة لو سكتت لم يتعرض لها الزوج، واستمر على ما كان من قبل، وإنما الزوج هو الذي يُخلى  وسكوته","part":1,"page":4},{"id":2606,"text":"ثم نشّأ الإصطخري  من هذا تصرفاً فاسداً فقال : لا تقبل دعوى الدنيّ  على الشريف، فلو ادّعى خسيس على ملك أنه أقرضه ألف دينار، أو نكح ابنته، أو ما يجري  مجراه مما يبعد وقوعه قال: لا تسمع الدعوى وقال مالك  رحمه الله: لا تسمع دعوى الرجل على غيره ما لم تكن بينهما مخالطة ومعاملة وكل ذلك فاسد إذ لم  يسد رسول الله صلى الله عليه وسلم باب سماع الدعوى، بل أبطل الدعاوى الباطنة  بالمطالبة بالبينة، واكتفى بيمين المنكر وما ذكرناه من النظر في تعيين المدّعي من المدّعى عليه له وجه، أما  إبطال الدعوى محال\rفإن قيل: المودَع إذا ادّعى ردَّ الوديعة فالقول قوله، وهو مدّعي على موجب كل حدٍّ، قلنا: إن قلنا: المدّعي  من يُخلى هو  وسكوته فهو مخلّى وسكوته، وإن قلنا: أنه الذي يدّعي أمراً خفياً فهو مؤتمن من جهة المودع، والتكذيب نسبة إلى الجناية، والأصل بقاء الأمانة، فإذا تمهدت هذه القاعدة فكل دعوى معلومة ملزمة فهي مسموعة، وحكمها من قبول البينة، أو تحليف الخصم مرتب عليها\rأما قولنا: ملزمة، فهو أن تدّعي على إنسان: أنك وهبت منى دارك مثلاً، أو بعت منى لم يسمع هذا؛ فإن الهبة لا تلزم دون القبض، والبيع لا يلزم دون السلامة عن الفسخ فليقل مع ذلك: ويلزمك تسليمه إليّ، ثم ينكر الخصم ويقول: لا يلزمنى تسليمه إليك\rوأما المعلوم, أردنا به أنه لو قال: لي عليه شيء لم يصغ إلى كلامه ما لم يفصّل\rوتفصيل الدعوى الصحيحة والفاسدة برسم مسائل:","part":1,"page":5},{"id":2607,"text":"الأولى: المدّعي إذا أقام البينة على ملك [يدّعيه]  فليس للمدّعى عليه أن يقول: أحلفك مع البينة، فإن البينة قد أثبتت ملكه فلا بد وأن يدّعي أمراً حتى يُمكّن من التحليف، فإن قال: قد باع هذا مني، قلنا: قد تمت الخصومة الأولى، وهذه دعوى مسموعة فلك تحليفه على نفي البيع، ولو قال الشهود: مجروحون، فله إقامة البينة عليه، ولكن لو ادّعى عِلم  المدّعي بجرح الشهود هل له أن يحلفه على عدم علمه بفسقهم فعلى وجهين:  أحدهما: انه لا يُسمع، إذ ليس يدّعي لنفسه حقاً حتى يحلف على نفي حقه، والطعن إنما يقبل الحجة والثاني: أنه يحلف فعساه أن  يقر فينتفع بإقراره، وهو كما لو قذف ميتاً وأراد الورثة حدّه فطلب يمينهم على نفي العلم بزنا المقذوف فله ذلك قطعاً قال القاضي : يحصل لنا فصل, وهو: أن التحليف يجري في دعوى الحق، أو في دعوى ينتفع بالإقرار بها إذا لم يؤدِ إلى فساد عظيم، احترازاً عن تحليف القاضي، والشاهد، مع أنهم لو اعترفوا بالكتاب  لنفع الخصم، وعلى هذين الوجهين يخرج ما إذا  ادّعى على إنسان أنه أقرَّ لي بهذا الملك فعلى وجهٍ يُحلّف فعساه يُقر بالإقرار، وعلى وجهٍ لا يُحلّف، إذ ليس يدّعي استحقاقاً، والإقرار لا يوجب حقاً، وكذلك من قامت البينة عليه فقال: قد أُقرَّ لي المدّعي بهذا، وكذلك إذا قذف ثم ادّعى على المقذوف أنه زنى بعد قذفه، وطُلب يمينه، وكذا  إذا ادّعى على الإنسان  مالاً فقال المدّعى عليه: قد حلّفني في هذه اليمين مرة وأراد تحليفه عليه  ففي الكل خلاف، وهذه الترددات نشأت  من وصف الإلزام","part":1,"page":6},{"id":2608,"text":"الثانية: الدعوى المطلقة  مسموعة في المال ديناً وعيناً  ولا يشترط التفسير بلا خلاف، والمنصوص  في النكاح أنه لا بد من التفسير،  فيقول : نكحتها بوليّ وشاهدين ورضاها, فيعرض  لهذه الأركان الثلاثة ، ولا يتعرض لانتفاء المفسدات إجماعاً من الردة، والعدة، والزوجية، والإحرام، ونص في البيع  أن التفسير فيه والتعرض للأركان لا يُشترط, فمن أصحابنا  من خرج في البيع قولاً من النكاح، ومنهم من خرج في النكاح قولاً من البيع أنه يقبل مطلقه، ومنهم من خرج قولاً على وجهٍ آخر, وهو أنه إن ادّعى النكاح فلا بد من التفصيل، وإن ادّعى أنها زوجته جاز الإطلاق، فتحصلنا في البيع على قولين، وفي النكاح على ثلاثة [أقوال] ، ومن خصص النكاح استدل بتأكد الأمر فيه،  ومن لم يشترط قاس على البيع ولا خلاف أن دعوى القصاص مطلقاٌ لا تقبل ما لم يفصّل سبباً موجباً للقصاص، إذ الأمر فيه خطير  وفي أسبابه مذاهب مختلفة، فإن فرعنا على اشتراط التفسير فنتعرض في النكاح لثلاثة أمور، وفي البيع نتعرض لأهلية العاقد، ورضاه، والثمن، ولا شهادة فيه ، وإن قلنا لا يشترط التفسير، فهل يشترط التقييد بالصحة فعلى وجهين، والوجه القطع باشتراط التقييد بالصحة في النكاح، فإنها لفظة جامعة دالة على المقصود، ثم حيث نشترط التفصيل في الدعوى نشترطه  في الشهادة، وإلا فلا تتميز الشهادة إلا بصيغة الشهادة، و إلا فهو تصديق الدعوى، وأما الإقرار بالنكاح هل يشترط التفصيل فيه من المرأة المذهب أنه لا يشترط، ومن اًصحابنا  من قال يشترط، وهذا يضاهي قطعنا باشتراط التفصيل في شهادة الزنا، وأنه  لا يشترط في القذف، وهل يشترط في الإقرار بالزنا فعلى قولين","part":1,"page":7},{"id":2609,"text":"الثالثة: ادّعت المرأة  على رجل أنه زوجها، فإن تعرضت لمهرٍ، أو نفقة، أو حقٍ ماليٍ سمعت الدعوى والبينة لإثبات المال قطعاً، ولكن إن أطلقت ولم تتعرض للمال فهل تسمع البينة لإثبات الزوجية وحقوقها فعلى وجهين  ذكرهما صاحب التقريب والعراقيون: أحدهما: أنه لا تسمع، لأن الزوجية حق عليها لا لها، فكأنها تدّعي  على نفسها أنها رقيقة الغير، فإن كانت تطلب  نفقة أو (مهراً)  فلتذكر والثاني: أنها  تسمع، لأنها مشاركة  في نفس الزوجية ولها طلب  القسم عند تعدد النساء وحق النفقة، ولو تعرضت للمال [لافتقرت]  إلى معاودة الدعوى في كل يوم, فتسمع دعوى النكاح حتى إذا ثبت تبعه حقوق النكاح\rالتفريع: إن قلنا لا تسمع فلا بد من ذكر النفقة والمهر إن كان يطلب  وإلا فليس لها إثبات الزوجية ، وإن قلنا تسمع فلو أنكر الزوج فهل تبطل دعواها بإنكاره فوجهان:  أحدهما: أنه لا تبطل كسائر الدعاوى المسموعة والثاني: تبطل لأن مطلوبها الزوجية، وذلك قد ثبت  بسكوت الزوج، أما إنكاره فله حكم الطلاق والقطع وهو مستقل بالقطع، وهذا الخلاف يلتفت على أصل؛ وهو أنه لو أنكر الزوج, ثم عاد وقال: غلطتُ فهل تسلم إليه الزوجة  وفيه  خلاف ، والذي حكاه الفوراني  عن القفال القطع بالقبول، وشبّه هذا بما لو ادّعت أن العدة انقضت قبل مراجعة الزوج فالقول قولها، فلو عادت وقالت: غلطت قُبل قولها، وإن كان لها حق في النكاح، وطرد هذا فيما لو قال الزوج: نكحت هذه الأمَة، وكنت واجداً طول  الحرة فإنه يفرق بينهما، فلو عاد وقال: كنتُ فاقداً قُبل، وهذا جارٍ في كل من أنكر لنفسه حقاً ثم عاد وادّعاه، وكل هذا خارج عن التفريع على نص الشافعي  حيث قال: إذا قال نكحتها وأنا واجد لطول حرة فهذا طلاق مبين، وقد نبهنا على إشكاله وخروجه عن القياس فيتعين تأويله إن أمكن ","part":1,"page":8},{"id":2610,"text":"التفريع: إن قلنا لا تبطل دعواها بإنكاره فلها حقوقها المالية، ولا خلاص منها إلا بالطلاق، وهل لها طلب القسم والزوج مستمر على الإنكار إن قلنا لو عاد الزوج وأقر لم يمكن فلا يتجه إثبات طلب القسم، وإن قلنا يمكن منه ففي تسليطها على الطلب مع استمراره على الحجة احتمال، والظاهر أن لها  الطلب إذا أقامت البينة فليصدقها أو  ليطلقها، فالنظر  في هذه المسألة ينشأ في كون الدعوى غير ملزمة في بعض الأحوال","part":1,"page":9},{"id":2611,"text":"الرابعة: قال الشافعي  رحمه الله: لو كان في يده صبي صغير  يقول: هو عبدي فهو كالثوب إذ كان لا يتكلم، والمراد به يتبين بتقديم أمرٍ وهو أن العبد الذي يظنه رقيقاً وهو بالغ مهما ادّعى أنه أعتق فعليه الإثبات، ومهما ادّعى أنه حر الأصل فالقول قوله، وعلى سيده الإثبات، ولا نقول كونه في يد المالك يوجب تصديق صاحب اليد  , إذ دعواه الحرية يحبط اليد, فلا تثبت اليد على حر، وتردده على حسب إرادته لا يدل على الرق فربما ينقاد الحر  لخدمة [الحر] ، واليد دلالة الملك فيما هو مال في نفسه، والنزاع ههنا واقع في مالية الشخص، والأصل انفكاكه عن المالية، فإن قيل: كل يدٍ يكتفى بها لصحة المعاملة يكتفى بها لقبول  القول مع اليمين، ومن يشتري منه هذا العبد لا يعوّل إلا على يده قلنا: لا  بل يعوّل على يده وسكوت العبد عن دعوى الحرية،  فإن قيل السكوت مردد قلنا: لهذا صار بعض الأصحاب إلى أنه لا بد من إقراره، وإليه كان يميل الشيخ أبو محمد  في الفتوى، فإذن لا أثر لليد مع دعوى الحرية فإنها قاطعة لليد إذ لا تثبت اليد على حر، نعم قد نقول  في التصرف عليها يشترط  الإقرار، أو السكوت، هذا في شخص لم يُعهد صغيراُ في يد سيده، فإن عهدناه في يده صغيراً فلا نعترض عليه، وهو كالثوب، فإن انتهى إلى حدّ التمييز وادّعى الحرية فهل تقبل دعواه فعلى وجهين : أحدهما: أنه لا تقبل، إذ لا حكم لقول الصغير، وقول الشافعي رحمه الله أنه كالثوب أراد به أنه لا حكم لقوله والثاني: أنه تقبل، وأراد الشافعي إذا لم يتكلم، وهذا لم [يتكلم] ، وهذا كلام لا ضرر فيه قال  القفال : الوجهان مأخوذان من إسلام الصبي المميز","part":1,"page":10},{"id":2612,"text":"التفريع: إن قلنا: لا يقبل قوله أو لم يعقل عقل مثله حتى بلغ فادّعى الحرية الأصلية فهل يقبل  فعلى وجهين : أحدهما: لا يقبل، إذ سبق الحكم بالرق لتثبيت  اليد والتصرف، وترك الإنكار فلا يُنقض والثاني: أنه يقبل، وهو القياس، وبنى الأصحاب على هذا ما إذا حكم [للصبي]  بالإسلام تبعاً لأبويه، أو للساكن  للدار ، ثم أعرب عن نفسه بعد البلوغ بالكفر أنه يُجعل مرتداً، أو كافراً أصلياً فعلى قولين ذكرناهما  في كتاب اللقيط\rالتفريع: إن قلنا: لا يقبل فهو فيه إذا كان يدّعي الرقَّ في صغره، أو يتصرف تصرفاً يستدعي الرقَّ، فلو كان تصرفه ولم يتصرف  بما  يستدعي الرق، ولا ادّعاه فمن أصحابنا من قال ههنا يقبل قوله  وجهاً واحداً، ومنهم من سوّى بينه وبين ما إذا ادّعى الرق","part":1,"page":11},{"id":2613,"text":"الخامسة: إذا سلَّم ثوباُ قيمته خمسة إلى دلال ليبيع بعشرة فجحد الدلال فليس يدري المدّعي أنه باع فحقه عشرة، أو تلف قبل البيع فحقه خمسة، أو الثوب قائم غير مبيع فحقه عين الثوب  قال القاضي : اصطلح القضاة على قبول هذه الدعوى مرددة  فيقول: لي [عليك]  ثوب أو ثمنه كذا، أو قيمته كذا، ويحلف الخصم على جميع ذلك ومن أصحابنا من قال: لا تقبل الدعوى مرددة، بل لابد وأن يدّعي آحادها في دعاوى مفردة  ولكن الإشكال فيه أنه لو ادّعى واحداً [فنكل]  فكيف  يجزم اليمين على ذلك الواحد المفرد  وهذا الإشكال أيضاً وارد على طريق القاضي إذا نكل فإنه لا يمكنه أن يحلف على الكل، ولا ينفعه أن يحلف على واحد لا بعينه، ولا يمكنه أن يجزم واحداً، والذي  دل عليه كلام القاضي أنه إذا أفرد وجهاً واحداً بالدعوى رآه أقرب فنكل فله أن يحلف على البتّ على ذلك معوّلاً على نكوله، وهذا الخلاف جارٍ فيما إذا ادّعى المودَع التلف، والمدّعي ليس يدري  فنكل عن اليمين فهل له أن يعتمد نكوله فيحلف فعلى وجهين : فمن جوز ذلك عضد ذلك بجواز التعويل  على خط أبيه في الرزمانج على عادة البياعين، وكذا  إذا أسلم  إليه عشرة أمناً فيلج ليطبخ فجحد فيحتمل أنه طبخ فعاد إلى خمسة أمناً، ويحتمل أنه تلف، ويحتمل أنه بقي فترديد  الدعوى على ما سبق \rالسادسة: في قبول الدعوى [بالديون] :","part":1,"page":12},{"id":2614,"text":"(وفي الدين)  المؤجل ثلاثة أوجه : أحدها: أنها لا تسمع، لأنها لا تلزم في الحال شيئا  ً والثاني: تسمع، إذ قد يقر فيسجل  على إقراره فيكون حقاً مؤكداً فيحل عند موته فيستوفيه والثالث: إن كان له بينة تسمع، وله غرض أن  البينة قد لا تبقى إلى الحلول، و إن لم تكن بينة فلا تسمع، ودعوى الاستيلاد، والتدبير، وتعليق العتق بصفة مسموعة، ومن أصحابنا من خرج كل ذلك على الوجهين، وهذا في الاستيلاد في غاية الفساد؛ فإنه يقتضي في الحال منعاً من البيع، والرهن، وفي التدبير إن جوزنا الرجوع فيتجه أن يُجعل الإنكار رجوعاً فتبطل الدعوى فليتنبه لهذه الدقيقة \r\rالركن الثاني: في جواب المدّعى [عليه]: \rوهو إقرار، أم إنكار، أم سكوت، وحكم السكوت في سماع البينة حكم الإنكار، والإقرار لا يخفى أمره، وقد بُين في مواضعه، ولو ادّعى على امرأة زوجية ففي قبول إقرارها خلاف الصحيح القبول، وقد قدمنا ذلك، وتفصيل تحليفها، ونكولها في كتاب النكاح في مسألة تزويج الوليّين واشتباه تاريخ العقدين، وما يكون إقراراً وما لا يكون إقراراً ذكر في كتاب الإقرار ، ولكنا نذكر الآن صوراً:\rأحدها : أنه لو قال: لي من هذا الكلام مخرج لم يكن إقراراً [خلافاً لابن أبي ليلى، ولو قال: لفلان عليّ أكثر مما لك عليّ لك يكن إقراراً]  فإن الأول يحتمل أن يقول مخرجي الإنكار, والثاني يحتمل الاستهزاء والإبعاد ، ولو قال: الشهود عدول لم يكن إقراراً، إذ لا يعصم العدل عن الزلل إلا إذا قال: هو عدل فيما شهد وأراد به تصديقه","part":1,"page":13},{"id":2615,"text":"الثانية: إذا قال: لي عليك عشرة، فقال المدّعى عليه: لا تلزمني العشرة  قال القاضي: ليس للقاضي أن يقول: لا تلزمك العشرة  ولا شيء منها؛ فإنه فضول فإن إنكاره طابق دعواه، ولكن قال: إذا آل الأمر إلى الحلف يحلفه أنه لا تلزمه العشرة ولا شيء منها، وهذا في الحلف صحيح, وفي الإنكار فاسد، فإن مدّعي العشرة مدّع لجميع أجزاء العشرة, وهو لم ينكر الأجزاء، فلم يأت بإنكار تام؛ فلا يشتغل بالتحليف ما لم يتم الإنكار، فإن أصرَّ على هذا القدر فلم ينكر من جملة العشرة إلا أقل جزء تنتقص به العشرة, وهو ساكت عن الباقي, فإن حلف على هذا القدر فهو ناكل عما دونه، فللمدّعي أن يحلف على  مادون العشرة بأقل القليل؛ لأنه ممتنع عن اليمين على كل جزء هو دون العشرة ","part":1,"page":14},{"id":2616,"text":"الثالثة: إذا قال المدّعي: هذه الدار ملكي يلزمك تسليمها إليّ، فقال المدّعى عليه: لا يلزمني التسليم كفاه هذا الإنكار,  وإن لم ينكر الملك، وإن أقام المدّعي بينة على الملك قال القاضي : ينتزع من يده إذ موجب ثبوت الملك التسليم، فإن كان يدّعي رهناً أو إجارة أو استحقاق يد فليثبت، وهذا فيه نظر؛ لأنه يتمكن من تصديق الشهود والاستمرار على الإنكار, وهذا يلتفت على خلاف في أن صاحب اليد مع المالك إذا تنازعا في إجارة ادّعاها صاحب اليد وأنكرها المالك، فالقول قول من وسنفصّل هذا، والذي أورده الفوراني  في أمثال هذه الصورة: أن للمدّعى عليه أن يستفصل في جواب الدعوى، فإذا ادّعى  المرتهن عبداً في يده فيقول: إن ادّعيت مطلقاً فلا يلزمني التسليم، وإن ادّعيت من جهة رهن فحتى أجيب، وكذلك المرتهن إذا ادّعى ألفاً فيقول: إن ادّعيت [مطلقاً فلا يلزمني، وإن ادّعيت]  ألفاً لي به مالٌ عندك مرهون فحتى أجيب، قال: وينفعه هذا التفصيل؛ لأنه لو اعترف مطلقاً طولب بالبينة قال (القفال) :  هذا طريقه قال القاضي : لا أقبل الجواب المردد  ولكن ينبغي أن يثبت الجواب ولو بيّن جملة من  بت الجواب وهو [أن ينكر الدين إذا أنكر الرهن، إذ للمغصوب منه إذا كان عليه دين للغاصب]  أن يجحد من الدين بقدر قيمة المغصوب، وهذا يلتفت على الظفر بجنس الحق وغير جنسه، ثم قال الأصحاب: إذا ادّعى أنه مزق ثوبه وعليه الأرش فله أن يقول: لا أرش عليّ، ولا يجيب عن  التمزيق؛ لأنه لو أقر به وكان بإذنه طولب بالبينة، وسنزيد هذا وضوحاً من بعد ","part":1,"page":15},{"id":2617,"text":"الرابعة: ادّعت المرأة  على زوجٍ أنه قبل نكاحها بخمسين ديناراً فاعترف الزوج  بقبول النكاح ولكن قال: لم أقبل بخمسين، فهذا الجواب مطابق للدعوى، فإذا حلف على ذلك فالمرأة غير قادرة على دعوى ما دون الخمسين؛ لأن العقد متّحد ودعواها الأولى يكذبها، وليس كما لو ادّعى عشرة مطلقة كما سبق في المسألة الثانية ، إذ مدّعي العشرة لو حلف على الخمسة كان صادقاً، ومدّعي القبول بالخمسين إذا امتنع عليه الحلف بالخمسين ، فدعوى القبول بما دونه مخالفة للأول،  وكذلك لو أضاف العشرة إلى قبول شرائه ففي هذا يتبين الفرق بين الدين المرسل والمقيّد بالعقد فليس للمهر أقل مستيقن حتى يثبت ذلك القدر، وتعرية العقد عن المهر [غير]  ممكن، [وتحليف الزوج على ما دون الخمسين وليس تصح به دعوى] ، وكان من حقها أن تتفطّن لهذا وتدّعي خمسين مطلقاً حتى يحلف الزوج على الخمسين، وعلى كل جزءٍ منه، فإن نكل عما دون الخمسين فتقدر المرأة على الحلف ، وفيه إشكال وهو أن الزوج بعد الاعتراف لو حلف على (نفي)  ما دون الخمسين إلى أقل القليل لم ينتظم إلا بتقدير الإبراء، أو الأداء وفي ذلك يكون مدّعياً بخلاف الدين المرسل فإن عدم أصله مقدر، قال القاضي: الوجه أن يقال  هذا عقد تعذر فيه المسمى فيفرض القاضي لها مهر المثل إن كان مثل الخمسين أو دونه ، فإن كان فوقه فهي لا تستحق زيادة لاعترافها ويتأيّد بأن يقال القول قول الزوج في أن لا مسمى وقد أنكر التسمية المدّعاة، وإذا انتفى التسوية  فالشرع يحتكم  في التفويض","part":1,"page":16},{"id":2618,"text":"الخامسة: وهي من المشكلات إذا ادّعى ملكاً في يد إنسان فقال المدّعى عليه: ليس هو  لي ولا لك، فله أحوال: أحدها : أن يقول: هي لفلان، وأضاف إلى حاضر معين فيراجع ذلك المعين، فإن قال: نعم هو  لي انصرفت الدعوى إليه، وهل للمدّعي أن يحلف الأول رجاء أن يقر له أيضاً فيغرم له هذا يُبنى أولاً على القولين المشهورين في أن صاحب اليد إذا قال: هذا لزيد، لا بل لعمرو، وسُلم إلى زيد، وهل يغرم لعمرو فإن قلنا: لا يغرم فلا معنى لتحليفه فغايته أن يقر، وإن قلنا: يغرم فيحلفه فإن حلف فذاك، وإن نكل حلف المدّعي فيطالبه   بالغرم، ومن أصحابنا من قال: فائدة حلفه أن تنتزع الدار من الأول وتسلم إلينا بناءاً على أن اليمين المردودة كالبينة لا كالإقرار، وسيأتي ضعف هذا الخيال، وإنه إنما يكون بينة في حق الناكل لا في حق غيره، ثم فرّعوا على هذا الضعيف وقالوا: إذا استرد من الأول فهل للمسترد منه أن يُغرِّم الناكل فيقول: فوّتّ ما أقررتَ لي  بالنكول عن يمين صادقة فعلى وجهين أحدهما: لا، إذ يقول لا يلزمني أن أحلف لك، وعليّ  أن لا أقر لغيرك والثاني: أنه يجب؛ لأن السبب كالمباشرة، والنكول من  الإقرار ليس كالسبب مع المباشرة","part":1,"page":17},{"id":2619,"text":"أما إذا حضَرَنا  ذلك المعين فقال: هو  لي وكذّب المقرَّ ففيما يصنع بالملك ثلاثة أوجه : أضعفها: أنه يسلم إلى المدّعي، فإنه يدّعيها ، ولا منازع له فيه والثاني: أن الإمام يحفظه ، إذ تسليمه إليه من غير يد، ولا إقرار، من ذي يدٍ، ولا بينة محال، فليقم بينة إن أراد, وإلا فيتوقف القاضي إلى أن يبين  فيه حجة والثالث: هو أنه يقر في يد صاحب اليد إذ كان في يده، وإقراره بطل برد المقر له فتستدام يده،  فعلى هذا لو أراد المدّعي تحليف صاحب اليد فهل يجوز ذلك يُبنى على انه لو رجع عن إقراره الأول، والمقر له مصر على التكذيب هل  يثبت له الرجوع وذلك يُبنى على رجوع المقر له، وفيه وجهان جاريان في كل من ينفي عن نفسه ملكاً أو حقاً  ثم يرجع، فإذا رجع المقر له وقال: هو ملكي، وقد غلطت أولاً ففيه وجهان : حدهما: أنه يقبل ويسلم إليه والثاني: أنه لا يقبل؛ لأن الإقرار الأول بطل بتكذيبه فهذه دعوى فلابد من تجديد إقرار آخر من صاحب اليد حتى يسلم إليه، وهذا  كما أنّا في التوكيل إنما  نشترط قبول الوكيل بشرط  عدم الرد، فلو ردّ بطل، فإذا أعاد لا يغنيه عوده ما لم يجدد الوكالة، والإقرار من وجه يشبهه، ومن وجه لا يشبهه، أما المقر إذا رجع فإن أزلنا يده فلا أثر لإقراره، وإذا  انقطع بالكلية سلطانه، و إن أدمنا يده كما سبق فرجع عن إقراره هل يقبل إن قلنا: لا نقبل رجوع المقر له للتناقض فهذا أولى أن  لا نقبل قوله، وقد نفى الملك عن نفسه، وإن قلنا: ثمّ يقبل ففي رجوع المقر، والمقر له مصر على تكذيب الإقرار، أو مات وأيس من تصديقه تردد, فإن قبلنا رجوعه فقال المقر له بعد ذلك: صدقتَ في إقرارك الأول، وكذبتَ في رجوعك فهذا فيه تردد، وظاهر كلام القاضي أنه لا مبالاة برجوع المقر له","part":1,"page":18},{"id":2620,"text":"الآن رجعنا إلى غرضنا: إن قبلنا رجوع المقر فنقبل إقراره للمدّعي لو أقر فيجوز له تحليفه رجاء أن يقر، وإن قلنا: لا أثر لإقراره فلا معنى لتحليفه, وكأن الدار انتزعت من يده الحالة الثانية: إذا  أضاف الدار إلى غائب لا يمكن مراجعته،  وتعسر التوقف في الخصومة إلى إيابه فله ثلاث  صور: أحدها : أن لا تكون له بينة على أنه للغائب، ولا للمدّعي بينة، قطع  العراقيون بأن الخصومة انصرفت عنه في رُقْبَة الدار إلى رجوع الغائب، فلو أراد المدّعي تحليفه حتى يأخذ الدار عند نكوله بيمينه المردودة عليه لم يجز؛ لأن إقراره للغائب [تقدم من غير تكذيب فلا يكون نكوله سبباً لإبطال ملك الغائب] ، ولو أراد التحليف لتغريمه عند النكول أو الإقرار فهو مبني على الخلاف السابق في أن الإقرار بعد الإقرار هل يوجب الغرم وقال الشيخ أبو محمد  وبعض المصنفين: أنه يحلفه فإن نكل حلف المدّعي وأخذ الملك، إذ لو فتحنا هذا الباب لم يعجز أحد عن صرف الخصومة عن نفسه بالإحالة إلى من لا يُحذَر  إيابه ووصوله، نعم لو رجع الغائب فهو على حقه والدار مردودة إليه بحكم الإقرار السابق، وعلى المدّعي استفتاح مخاصمته، والطريقتان متباعدتان جداً، والقياس ما ذكره العراقيون الصورة الثانية: كان للمدّعي بينة أقامها سلمت الدار إليه قطعاً، ولكنه قضاء على الغائب حتى لا يتم إلا بتحليفه مع البينة أم هو  على الحاضر  قطع الشيخ أبو محمد  بأنه قضاء على الحاضر وهو مستقيم على طريقته، وذكر العراقيون فيه  وجهين، ولا يليق بقياسهم إلا إنه قضاء على الغائب ، والوجه الآخر لا يلائم طريقته ","part":1,"page":19},{"id":2621,"text":"الصورة الثالثة: كان لصاحب اليد بينة  على أنه للغائب، فأراد إقامتها ففيه ثلاثة أوجه : أحدها: أنه لا تسمع بينته دون أن يثبت وكالة نفسه فمن  هو حتى يقيم البينة على ملك الغير وبينته مردودة عند هؤلاء فكأن لا بينة له أصلاً كما سبق، وهو اختيار الشيخ أبي محمد  والوجه الثاني: اختاره المحققون أن البينة مسموعة لا لتثبيت الملك للغائب، ولكن لتنصرف  الخصومة عن الحاضر ويستفيد به منع المدّعي من تحليفه على رجاء نكوله، واستحقاق الغرم باليمين المردودة والثالث: اختاره القاضي  وهو أنه إذا ادّعى لنفسه علقة من وديعة أو عارية سمعت البينة، و إلا فلا مدخل  له في الواقعة حتى يقيم البينة، قال الإمام : وهذا لا يليق بتحقيق القاضي، فإنه إن اكتفى بغير الوكالة فله غرض في صرف  الخصومة عن نفسه، ودفع التحليف، فإن هذه البينة تسمع\rوإن لم تكن للمدّعي بينة، وبينة صاحب اليد ابتداءاً قد لا تسمع أصلاً فلا خلاف أن الغائب لو عاد وأقام البينة وحُكم له فأراد المدّعي تحليف المقر لينكل فيغرّمه لم يجز، لأنه لما سلم الملك للغائب بالبينة سقط أثر إقراره فكان كإقراره فيما  في يد الغير فيحال بزوال الملك على البينة لا كإقراره ، نعم إقراره يرجح  بينته من حيث أنه جعله صاحب اليد، ولكن مع هذا فالحكم محال على البينة فلتفهم هذه الدقيقة\rفأما إذا ثبتت الوكالة فالبينة مسموعة في الحال، فإن كان للمدّعي أيضاً بينة قدمت [بينة]  الوكيل، لأنه صاحب يد، وإن لم تثبت وكالته وقلنا أنه تسمع بينته دون الوكالة فبينة المدّعي مقدمة؛ لأن بينة المدّعى عليه تسمع لصرف اليمين عنه [لا]  لإفادة الملك للغائب، ولهذا يجب على الغائب مهما حضر إعادة البينة، ولا يغنيه ما أقامه المدّعى عليه دون وكالته","part":1,"page":20},{"id":2622,"text":"ثم إذا قدمنا بينة المدّعي في صورة عدم الوكالة كتبنا في سجله إن الغائب على حجته، وإن اليد له، ومهما عاد جعلناه صاحب اليد، وطالبنا المدّعي بالبينة إقامة لها عليه، فإن اليد كانت ثابتة له بالإقرار، فإن سلم بينة المدّعي سلم إليه، وإن أقام الحاضر أيضاً بينة لنفسه فبينته مقدمة، لأنه صاحب اليد، ولم يبطل حكم يده بغيبته  إذ عذره ممهد فيه، ولم يكن هذا كصاحب  اليد إذا عجز عن معارضة البينة حتى أزيل يده فوجد بينة فإنّا سنذكر خلافاً في أنّا هل نرد إليه الدار، ونجعله صاحب اليد حتى يقدم بينته أما ههنا فالعذر ظاهر بالغيبة \rفرع:\rلو قال المدّعى عليه: هي لفلان الغائب ولكنها في يدي رهن أو إجارة ممن لم تسمع بينته دون الوكالة إذا لم يدّع علقة ذكروا في سماع البينة ههنا وجهين لقيام استحقاقه، والعراقيون لما سمعوا البينة من غير وكالة قطعوا ههنا أيضاً بالسماع، ولكن ذكروا في التقديم وجهين:  أحدهما: ما سبق، وهو تقديم بينة المدّعي؛ لأنها تدل على الملك لصاحبها، وهذه تدل  على الملك للغير والثاني: أن بينة صاحب اليد مقدمة فإنه أقامها  على أنها للغير، وقد أجّر العين منه، أو رهن، واليد تدل له، فهذا حكاه العراقيون عن أبي إسحاق وزيفوه إذ قالوا: إنما تثبت إجارته بعد ثبوت ملكه، وإنما يثبت ملكه بعد ثبوت الوكالة بالإثبات\rالحالة الثالثة: إذا قال المدّعى عليه: ليس لي، ولم يُضف إلى أحد  فالمذهب أن الخصومة لا تنصرف عنه بهذا القدر بل يحكم عليه ببينة المدّعي، أو تعرض اليمين عليه فإن نكل استحق المدّعي بحلفه ، ومن أصحابنا من قال: ينزع القاضي ذلك من يده إذ قال: ليس هذا لي، ويقول للمدّعي: هذا مال ضائع لا يسلم إليك إلا ببينة، أو لك أن تحلف المدّعى عليه لتغرمه القيمة على أحد القولين","part":1,"page":21},{"id":2623,"text":"ولو قال: الدار لرجل لا أسميه، أو من لا أعرفه، أو نسيت اسمه فهو كما لو لم يضفه إلى أحد  في كل تفصيل حتى يجري الخلاف في رجوعه عن هذا الإقرار كما سبق إذ  لم يتعلق الحق بمعين، فإذا  أضاف إلى صبي أو مجنون انصرفت [الخصومة]  إلى وليّهما، فإن آل الأمر إلى التحليف أُخّر إلى البلوغ، والإفاقة، فلا سبيل إلى تحليف الولي، وفي تحليف  المدّعى عليه للتغريم ما سبق، وكذلك لو قال: هذا وقف على ولدي، أو على الفقراء حكم بإقراره، وانصرفت الخصومة عنه إلى  رقبة الدار،  وبقي النظر في التحليف هذا تمام هذه الصورة\rالمسألة السادسة: من اشترى داراً من إنسان فادّعى مدّعٍ فيها الملك، فإن قال المدّعى عليه: لا يلزمني التسليم، ولا أعرفها لك، وأتى بكلامٍ مردد, فإذا أخرج من يده بينة أقامها المدّعي رجع على البائع بالثمن، وإن صرح في الجواب وقال: هي ملكي اشتريتها من فلان, فهذا إقرار له بالملك، واعتراف بأن المدّعي هو الظالم ففي الرجوع بالثمن وجهان: ذكرهما الشيخ أبو علي  أحدهما: أنه لا يرجع مؤاخذة له بقوله  والثاني: يرجع، وإليه ميل المفتين؛ لأنه قال ذلك بناءاً على ظنٍ نشأ من ظاهر يد البائع\rالمسألة بحالها: لو كان اشترى جارية وهي بالغة فادّعت أنها حرة الأصل, فالقول قولها، فإذا حكمنا بحريتها نحلفها ورجع السيد على البائع إذ لم يدّع صريح الملك، وإن قال لها: أنت رقيقة قطع الشيخ أبو علي  في هذه الصورة أنه  لا يرجع؛ لأن ما هو مال لذاته فظاهر اليد [فيه]  دليل، والأصل في الإنسان الحرية دون المالية فجزم  القول بأنها رقيقة لا يصدر إلا عن تثبت لظلم من جهة الأمَة عليه فلا يرجع، قال الإمام : وهذا وإن كان له وجه فإجراء الخلاف تسوية بين المسألتين أولى","part":1,"page":22},{"id":2624,"text":"أما إذا أخذ جارية من إنسان أقامت  البينة على أنها ملكه وأحبلها فأتت بولد فرجع وقال: كذبتُ وإنما هي للمدّعى عليه فيغرم للمقر له قيمة الولد إذ ثبت حرية الولد فلا تبطل برجوعه، وعليه المهر إذا اعترف بأنه وطئ ملكه، وعليه قيمة الجارية, فإن علقة العتاقة والاستيلاد ثبت  حقاً لها فلا تسقط بقوله، هذا إن خالفت الجارية، وإن وافقته واعترفت بأنها ملك المدّعى عليه ذكر الشيخ أبو علي  وجهين : أحدهما: أنه  تسلم إليه، ولا تجب قيمتها لأن الحق لا يعدوهم  والثاني: وهو الأصح أن الواجب هو القيمة، وعلقة الاستيلاد لا تسقط بالإسقاط،  فإنها لو صرحت ورضيت بالإسقاط لم يجز\rالمسألة السابعة: خلّف الرجل ابناً وعبداً قيمته ألف فادّعى إنسان على الابن أن له على أبيه ألفاً ديناً  فصدّقه، فادّعى آخر الوصية بالثلث فصدّقه فالعبد للأول  الذي [سبق]  له الإقرار، وسقطت الوصية بالدين، ولو تقدم تصديق الوصية سلم إليه  الثلث وسلم  الثلثان الباقيان من العبد لصاحب الدين، ولصاحب الدين أن يقول: كان من حقك أن تؤخر التصديق بالوصية ففوّتَّ بقولك: عليّ ثلث الدين فاغرم لي ذلك فيخرج  على القولين المذكورين في نظائره في الغرم، وإذا تقدم تصديق صاحب الدين لم يغرم الوصية قطعاً؛ لأن الشرع أخّر الوصية على الدين فجرى إقراره على وجه، أما إذا صدّقهما معاً قال ابن الحداد: يضرب الموصى له  بثلث العبد وصاحب الدين بثلاثة أثلاث, فيعود الثلث ربعاً بالعول، ثم لصاحب الدين أن يغرمه على أحد القولين حيث لم يقدم تصديقه حتى نقص  دينه، وحكى الشيخ أبو علي  وجهاً غريباً أن العبد يسلم بكماله لصاحب الدين إذا صدّقهما معاً؛ لأنه لم يقصّر إذ صدّق من صدق  في  قوله، وهو بعيد، فإن الوصية وإن تقدمت فهو أيضاً مصدق من صدق ولكن عليه التأخير","part":1,"page":23},{"id":2625,"text":"المسألة الثامنة: إذا خلف ابناً [واحداً]  فجاء عبدٌ وقال: أعتقني أبوك في مرضه وقيمته قدر الثلث فقال: صدقت، فجاء آخر وادّعى مثل ذلك وقيمته الثلث فصدّقه، قال ابن الحداد: أما الأول فلا مرد لعتقه، وأما الثاني فيقرع بينه وبين الأول فإن خرجت على الأول رقّ الثاني، وإن خرجت  على الثاني عتقا جميعاً الأول بالإقرار والثاني بالقرعة، ويشبه  أنه لو ثبت عتقهما لكان لا ينفذ إلا عتق أحدهما وهو قدر الثلث بطريق القرعة ولكن لما أقرَّ للأول وهو منفرد اقتضى سلامة العتق له فلا يقبل قوله بعده فيما يستدرك من عتقه شيئاً، ولكن تصديقه الثاني لا يوجب تخليص الثاني للعتق، فإن المصدق  السابق في حكم المقرون به وهو في حقه معسرٌ ، فإن خرجت القرعة للأول لم ينفعه إقراره، وإن  خرجت للثاني  عتق بالقرعة أما إذا صدّقهما معاً أُقرع بينهما فعتق  من تخرج القرعة له كما إذا بان ذلك بالبينة، ومن أصحابنا من قال: إذا ثبت بالإقرار عتق  من كل واحد نصفه ولم يقرع؛ لأن إقراره أثبت حق العتاقة لكل واحد فضمه غيره إليه في التصديق لا يبطل حقه، وهذا بعيد عن قانون الشافعي في القرعة\rالمسألة التاسعة: ادّعى رجلان كل واحد الوصية بالثلث فصدّقهما على تعاقب، سلم الثلث للأول جرياً على القياس الذي ذكرنا  في أثر التقديم والمسائل كلها فيه إذا كانت أصحاب الدعاوى متكافئة ، فلو أقام الثاني بيّنه على وصية نفسه استرد الثلث وسلم إليه؛ فإن البينة تقدم على إقرار الوارث له، وللأول أن يقول: أقررت [لي]  بثلث شائع, وقد فات الثلث فيسلم لي الثلث من الباقي كأن  ذلك القدر قد تلف، فيلزمه هذا إذا كان قد كذب الثاني مؤاخذة له بموجب قوله، وكذلك لو ادّعى كل واحد ألفاً ديناً فأقر لأحدهما أولاً، سلم له ، فلو أقام الثاني البينة استرد وسلم  إلى الثاني","part":1,"page":24},{"id":2626,"text":"فأما إذا خلف عبداً قيمته ألف، فقال العبد: أعتقني أبوك في صحته، فجاء آخر وادّعى ألفاً ديناً فصدّقهما معاً، قال معظم الأصحاب: يرق من العبد نصفه ويسلم النصف إلى الدين إذ صدّقهما معاً، وذكر بعض الأصحاب وجهاً غريباً أنه يعتق كله، لأن العتق مقدم في الصحة على الديون، وهذا فاسد، فإن مستحق الدين ينكر أصل العتق وإنما مستنده إقرار الوارث\rالمسألة العاشرة: جواب دعوى القصاص على العبد يطلب من العبد لا من السيد، ودعوى الجناية المتعلقة بالرقبة يطلب جوابها من السيد لا من العبد، فإن الحق في الرقبة [له]  ولا يقبل إقرار العبد [به] ، نعم إن قلنا: يتعلق الأرش بذمة العبد حتى يطالب به  بعد العتق جاز توجيه الدعوى عليه، فإن نكل وحلف  المدّعي وقلنا إن اليمين المردود إقرار فلا تتعلق بالرقبة، وإن قلنا إنه بينة فالظاهر أنه لا تتعلق برقبته لأنه يؤدي إلى الحكم على ثالث، وفيه وجه آخر وسننبه على هذه القاعدة\rالركن الثالث في الخصومات: اليمين\rوالنظر فيه يتعلق بالحلف، والمحلوف عليه\rأما الحلف فصيغته مشهورة,  والتغليظ جارٍ فيه في كل ما له  خطر (مما)  لا يثبت  بشاهد (وامرأتين)  وفي عيوب النساء أيضاً ، وإن ثبت بشهادة النساء؛ لأن ذلك للحاجة لا لسقوط قدرها \rوأما الأموال فيجري التغليظ في كثيرها  ، والكثير مائتا درهم، أو عشرون ديناراً وهو نصاب الزكاة، ومستند التقدير آثار الصحابة ولا يظن بهم صدر ذلك عنهم  إلا عن ثبْت، مرَّ عبد الرحمن بن عوف  برجل يحلف بين الركن والمقام فقال: (أفي دم) فقيل: لا، فقال: (أعلى عظيم من المال) قالوا: لا، قال: (لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا البيت) ","part":1,"page":25},{"id":2627,"text":"وقال الأصحاب: [تَُغلُّظ]  اليمين في وكالة المال، وفي القلب منه شيء إذ الوكالة على درهم لا تزيد على ملك الدرهم فتصرف المالك أعظم من تصرف الوكيل ونحن ننظر إلى الرتبة، وقد غلّظنا في عيوب النساء وإن ثبت برجل وامرأتين نظراً إلى القدر، فلا يبعد منع التغليظ ههنا، ولكن أطلق الأصحاب ما قدّمناه  فإن قيل: وما معنى التغليظ  قلنا: التغليظ جارٍ بالمكان والزمان وقد فصّلناه في اللعان فلا نعيده\rأما بالألفاظ:  فقد يقع بزيادة العدد كما في القسامة واللعان  , وقد يقع بزيادة اللفظ [كقوله]:  والله الذي لا إله إلا هو الطالب الغالب  وفي استحقاق هذه التغليظات حتى يكون الممتنع عنها ناكلاً وحتى لا يحتسب الإقدام على اليمين دونها اضطراب أقوال حاصلها أربعة: أحدها: أن جميعها مستحق والآخر: أن جميعها احتياط والثالث: الاستحقاق في المكان فحسب، فإنه مع قوله خشيت أن يتهاون الناس بهذا البيت لم ينكر وأجاز أصله  مع خشية التهاون والرابع: إلحاق الزمان بالمكان فهما مستحقان دون التغليظ بزيادة اللفظ وعلى الجملة اللفظ هو الأبعد عن الاستحقاق والمكان هو الأقرب، ثم قال الشافعي  : رأيت بعض الحكام يستحلف بالمصحف فاستحسنت ذلك وهذا أيضاً  لا منع منه فإن قيل: الكفار لا يعتقدون حرمة البيت والمسجد فكيف نغلّظ عليهم قلنا: نحلفهم في كنائسهم  وبيعهم ونحلفهم  بالله الذي أنزل التوراة وما يجري مجراه، ولا نحضر المجوس  بيت النيران إذ لم تثبت حرمتها في ملته  بخلاف البيعة والكنيسة، قال صاحب التقريب : نحضرهم بيت النيران فإنهم يعتقدون حرمتها\rفروع: أحدها: المخدرة  إذا غلّظنا عليها اليمين بالمكان أحضرناها المسجد، ولم يعصمها التخدير  ، وما ذكرناه من سقوط الحضور عنها بجواب الدعوى والتحليف يطرق احتمالاً إلى هذا","part":1,"page":26},{"id":2628,"text":"الثاني: إذا امتنع عن التغليظ ورآه القاضي مستحقاً فهو ناكل، وإن لم يره مستحقاً فطاعة الإمام واجب ، ولكن لو قال: قل: بالله الذي لا إله إلا هو فقال: بالله، واقتصر، فهل يكون ناكلاًً فعلى وجهين \rالثالث: يجري التغليظ في يمين المدّعي كما يجري في [يمين]  المدّعى عليه، ثم قد  يتغلظ من أحد الجانبين، فإذا ادّعى العبد على مولاه أنه أعتقه فالقول قول السيد، فإن حلف وكانت القيمة دون النصاب لم تغلظ؛ لأنه يثبت ملكاً قليلاً، فإن نكل ورد على العبد تغلظ اليمين عليه بكل حال، فإنه مثبت للعتق، وكذا في دعوى الكتابة، وذكر صاحب التقريب  وجهاً بعيداً أنّا إذا غلّظنا من جانبٍ غلّظنا من الجانب الآخر ليستوي الجانبان، وهذا لا أصل له،  فإنه ليس بأولى من عكسه\rالرابع: إذا قال المدّعى عليه: حلفت بالطلاق أن لا أحلف يميناً مغلّظةً، فإن قلنا: التغليظ مستحب تُرك ولم يحنث، وإن قلنا: إنه مستحق أُلزم، فإن أراد أن لا يحنث فلينكل أو ليحلف فلا مبالاة بحنثه، فأما إذا كان حلف بالطلاق لا يحلف بين الركن والمقام، وقلنا:  التغليظ مستحق وأمكن تحليفه في جانب آخر من المسجد فقد ذكر الأصحاب ههنا قولين وهذا لا مأخذ له إلا التردد في أن ما بين الركن والمقام هل يستحق تعيينه  فإن قلنا: لا يستحق فالمستحب تركه  بهذا العذر  فلا معنى للتردد\rالطرف الثاني: في التعرض للمحلوف عليه: وفيه مسائل:","part":1,"page":27},{"id":2629,"text":"إحداها: انه يحلف على البتّ في كل ما يضيفه إلى نفسه من إثباتٍ كالإبراء، والشراء، أو نفي كالقتل، والإتلاف، وما يرجع إلى غيره أن كان إثباتاً كدعوى القتل والبيع وغيره حلف على البتّ، وإن كان من نفيٍ كنفي الدين، والإقراض عن  المورث فيحلف على نفي العلم، [ولو ادّعى على عبده ما يتعلق أرشه برقبته فوجهان : أحدهما: انه يحلف على البتّ؛ لأن عبده نازل منزلة أعضائه، والغالب اطلاعه عليه، والثاني: يحلف على نفي العلم] ؛ لأنه متعلق بغيره على الجملة، وبنى أصحابنا  الوجهين على أن أرش الجناية يتعلق  بذمة العبد أو رقبته، فإن قلنا: بذمته فقد استقل العبد بنفسه، وإن وقع النزاع في إتلاف بهيمة في صورة يضمن  المالك لتقصيره فقياس ما ذكر في العبد من التعلق بالذمة يقتضي أن تثبت اليمين ههنا، لأن متعلق الضمان يرجع إلى تقصيره هو في  فعله ، وتعلق  الضمان برقبة العبد لا يستند إلى تقصيره، ثم قد بيّنا  أنه يحلف مستنداً إلى ظنٍ يستفيده من خط أبيه أو يكون خصمه كما سبق التنبيه عليه \rالثانية: وقت اليمين بعد عقد القاضي فلو بادر قبل العقد فلا يُعتدّ به، ويعاد، لما روي أن رُكانة طلق امرأته البتة، وقال في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما أردت إلا واحدة، [فقال عليه السلام: «آلله ما أردت إلا واحدة»]  فحلف رُكانة مرةً أخرى ","part":1,"page":28},{"id":2630,"text":"فدلّ أن الأولى لم تكن معتبرة، ثم القاضي يستحلف [المدّعى عليه]  بعد طلب المدّعي اليمين، فلو أراد الهجوم على التحليف دون طلبٍ  فليس له  ذلك، وذكر الفوراني  في كونه محسوباً لو فُعل وجهين فطريق القاضي أن بينة المدّعي بأنه  لم تكن له بينة فلا حق له إلا اليمين، وإن كان المدّعي ممن لا يخفى عليه ذلك فالقاضي يسكت، أم يقول له:  ماذا تريد فهذا فيه تردد للأئمة وهو أمر هيِّن يرجع إلى أدب وقد ذكرنا تردداً في أنه هل يتوقف في مطالبة المدّعى عليه بالجواب إلى طلب المدّعي؛ وذلك لأن العادات لا تختلف في طلب الجواب، وتختلف في طلب اليمين فكان التوقف في اليمين واجباً","part":1,"page":29},{"id":2631,"text":"الثالثة: أطلق الأصحاب القول بأن النظر في اليمين إلى عقيدة القاضي وهذا يطلق لإرادة أمرين: أحدهما: التورية فلا معنى في الاستحلاف، ولا ينتفي به الحنث إذ لو فُتح هذا الباب لم ينتظم تحليف القضاة، فالحلف ينعقد على ما يقصده القاضي حتى لو أعقب اليمين باستثناء,  وهو قوله: إن شاء الله استعاد القاضي اليمين؛ لأنه طلب يميناً جازماً ولم يأت بها، فأن أسمع الاستثناء نفسه، ولم يسمع القاضي انعقدت اليمين فاجرة مؤثمة موجبة للكفارة ظاهراً وباطناً، وفي بعض التعاليق عن القاضي  أنه يحنث ظاهراً، وهذا يحال بالغلط  فيه على المعلق، وإنما ذكر القاضي هذا في الشفعوي إذا ادُعيت عليه شفعة الجوار فأنكر بناءاً على اعتقاد نفسه وقال: لا يلزمني التسليم، وهذا أيضا لا وجه له، وهو المعنى الآخر لقولنا: النظر إلى عقيدة القاضي, بل يحكم بأنه حانث في يمينه ظاهراً وباطناً، ولا وجه لغيره، إذ لم يزل القضاة يُحلفون مع اختلاف العقائد، وذكر صاحب التقريب  أمراً بديعاً فقال: ينفذ قضاء القاضي على العوام في المجتهدات ظاهراً وباطناً، وهل ينفذ على المجتهد المفتي باطناً فعلى وجهين  وهذا أيضاً لا وجه له، فإن المجتهد لا يقلد غيره فيما هو إلى اختياره، أما تنفيذ القضاء فلا بد منه، ولم يزل الخلفاء يقضون على المفتين مع اختلاف المذاهب،  ثم قال صاحب التقريب : لو نكح الرجل نكاحاً في محل الاجتهاد فاستفتى مفتياً فحكم بالفساد فهل تبين المرأة عن  الرجل بمجرد الفتوى ذكر ثلاثة أوجه: أحدها: أنه تبين، إذ يجب عليهم إتباع المفتي والثاني: أنه لا ينقطع إلا بقضاء القاضي والوجه الثالث: أنه إن صححه قاضٍ فلا يرتفع بمجرد الفتوى، و إلا فيرتفع، وهذا يستمد من أحكام الفتاوى، وقد قررناه في الأصول","part":1,"page":30},{"id":2632,"text":"الرابعة: ينبغي أن يحلف على وجه يناسب الإنكار فيصدق نفسه باليمين، وينكر على وجه يضاد الدعوى على ما سبق، فلو أراد إقامة البينة بعد اليمين فله ذلك  إلا إذا كان اعترف بأنه ليس [لي]  بيّنة لا حاضرة ولا غائبة، فإذا قال بعد ذلك لي بيّنة ففيه نظر قدمناه\rفرعان:\rأحدهما: لو  امتنع عن الحلف، وقال: حلفني في هذه الواقعة مرة فليس له تحليفه مرة أخرى، وإن كان  له إقامة البينة فلو قال: ما حلفته فهل له أن يحلفه على أنه ما حلفه  ذكرنا في ذلك خلافاً ، والذي قطع به الفوراني  أن له ذلك، فلو قال: حلفني مرة على أني ما حلفته قبل هذا فليحلف على أنه ما حلفني فلا يجاب إلى ذلك؛ لأنه يؤدي إلى تسلسل لا نهاية له، ولمثل هذا قال  من قال بحسم الباب ابتداءاً، ونقول دعوى الحلف ليس بملزم  فليدّع أمراً يلزمه شيئاً وإلا فلا يسمع أولاً \rالثاني:\rإذا ادّعى ولم يطلب الحلف، وقال: لي بينة ولكني أريد كفيلاً في الحال إلى أن يحضر  البينة فهذا مما جرى رسم القضاة فيه بطلب الكفيل، ولكنه لا يلزمه باتفاق الأصحاب، وله الامتناع إذ لم يقم حجة أصلاًُ ، ولو شهد شخصان ولم يُعدّلا بعد قال القاضي: له طلب الكفيل  قطعاً؛ لأنه ربما يغيب وجهه، وقد قامت الحجة وسنبين العدالة، فإن امتنع عن أداء الكفيل حبس لدفع الكفالة لا لدفع الحق، فإن قيل: كيف يحبس بحجة غير معدلة  قلنا: الحالة تقتضي طلب الكفيل دون الحجة، وكل ذلك تفريع على تصحيح الكفالة بالبدن، وبه فتوى الأكثرين \rالخامسة: اليمين عندنا تعرض على المنكر في كل واقعة حتى في الإتلاف ، والطلاق، والظهار، والرجعة ، وقال أبو حنيفة : لا يمين في هذه المسائل، وكذا في الولاء والنسب، وبنى على أن المقصود من التحليف القضاء بالنكول، ولا يقضى بالنكول في هذه الوقائع، نعم لا يجري التحليف عندنا في عقوبات الله تعالى إذ لا دعوى فيها ","part":1,"page":31},{"id":2633,"text":"ومما يستثنى عن التحليف أن يُدّعى على الشاهد الكذب، أو على القاضي بالظلم  وهو في ولايته، نعم بعد العزل فيه كلام ذكرنا  إذا ادّعاه في مجلس قاضٍ \rأما الشهود فلا يحلفون؛ لأن ذلك يؤدي إلى زجرهم عن الشهادة، واستثنى صاحب التلخيص على مذهبنا الوصي، ومن يدّعي أنه صبي، ومن ينكر وكالة المدّعي، أما الوصي في التركة إذا ادّعى عليه مدّعٍ ديناً  فلا يحلف على نفي العلم؛ لأنه لو أقر لم يقبل إقراره\rومن يدّعي أنه صبي وهو محتمل لا يحلف؛ لأن تحليفه ينافي قبول دعواه: أني صبي فلينتظر بلوغه\rأما المدّعى عليه: إذا أنكر وكالة المدّعي وهو يدّعي عن وكالة فلو قال: احلف على أنك لا تعلم وكالتي لم يلزمه؛ لأنه وإن علم فلا يغنيه لو أنكر الموكل الوكالة فلا يجيب  بما سلمه إلى من وكّله إذ لو أقر بالمال لا  يلزمه التسليم إليه خوفاً من إنكار الموكل إلى أن يقيم البينة، ثم له أن يحلف الوكيل على نفي العلم بأنه ما عزله، ولا مات موكله\rفرع:\rطريق الوكيل أن يحضر الخصم ويقول: أستحق مخاصمتك بالوكالة، ويقيم البينة، فلو لم يحضر الخصم فإن وكّله موكله بحضرة القاضي جاز له أن يخاصم ، فان وكّله في غير مجلس القضاء وأراد إقامة الحجة دون إحضار الخصم ففيه وجهان: منهم من قال: له أن يُثبت ثم يستعدي على الخصم، ومنهم من قال – وهو اختيار القاضي – لا بد من ربط الدعوى [بالخصم] ، فإن الوكالة حق يدّعيه، ثم قال القاضي  في أثناء كلامه الموكل إذا حضر مجلس الحكم فيقول للقاضي: هذا وكيلي بالخصومة فعموم الصيغة يقتضي أن يكون وكيلاً في كل خصومة مطلقاً، ولكن القضاة يخصصون بتلك الخصومة في ذلك المجلس، وإنما بنوا ذلك على ما علموه من عادة الخصماء على اطّراد \rالطرف الثالث: في حكم اليمين:","part":1,"page":32},{"id":2634,"text":"وهو قطع الخصومة في الحال لا براءة  الذمة، فإنه لو أقام بعد التحليف بينة ثبت حقه، وقال ابن أبي ليلى : يسقط الحق باليمين ولا يمكن إقامة البينة بعد التحليف، وقال مالك  رحمه الله: إن كانت حاضرة فاشتغل بالتحليف بطلت البينة ، وإن كانت غائبة فله إقامة البينة؛ لأنه معذور في التحليف في الحال، وعندنا له إقامة البينة مهما أراد حتى لو قال: ليس لي بينة [فأحلف فله أقامتها بعد ذلك فلعله لم يعلم تلك الحالة، ولو قال: ليس لي بينة]  لا غائبة ولا حاضرة ففيه وجهان : ووجه القبول احتمال النسيان، والجهل بوجود البينة، فأما إذا قال: كذب شهودي بطلت البينة، وهل تبطل دعواه وجهان: والأصح: أنه لا تبطل ، ومعناه أنهم شهدوا بما لم يحيطوا به، وأنا صادق في الدعوى، وعلى هذا لو ادّعى المدّعى عليه أن المدّعي قال قد كذبت  شهودي، وأقام عليه  شاهداً وأراد أن يحلف معه لم يقبل، لأن مقصوده الطعن في الشهود، وإن قلنا تسقط الدعوى بالتكذيب قُبِل؛ لأنه مقصوده إسقاط الدعوى والمال، وذلك يثبت بشاهد ويمين\r\rالركن الرابع في الخصومات: النكول وردُّ اليمين","part":1,"page":33},{"id":2635,"text":"ومهما ثبت النكول فحكمه عندنا منعه من العود إلى اليمين وإن طلبه، وردُّ اليمين على المدّعي ، وقال أبو حنيفة : حكمه ثبوت الحق عليه، والنكول إنما ثبت  مانعاً من العود إلى اليمين  وموجباً للرد  على المدّعي إذا قضى القاضي به، وهو أن يقول: حكمت بالنكول، أو يقول للمدّعي احلف فهو كتصريحه بالقضاء، ولو أقبل على المدّعي ليحلفه فقال المدّعى عليه: احلِف فوجهان,  أحدهما: المنع، لأن إقباله على المدّعي إعراض عن المدّعى عليه، وحكم  بنكوله والثاني: أنه لا ينحسم باب اليمين عليه ما لم يصرح بلفظٍ  ما، ولو صرح المدّعى عليه وقال: نكلتُ، أو أنا ناكل، أو لستُ أحلف فلا حاجة إلى القضاء، ولا أثر لقوله حكمت، كما لو أقر بالحق وإنما القطع لقطع احتمال العود في مظنة التردد، وإذا لازم السكوت يحكم بإنكاره ثم تعرض عليه اليمين، ولو استمر على السكوت حُكم بنكوله، ثم حيث نفتقر إلى القضاء يحسم  باب اليمين فيستحب للقاضي أن يعرض اليمين عليه ثلاثاً، فلو اقتصر على مرة واحدة جاز، ويجب عليه أن ينبهه على حكم النكول لو استمر فإنه ربما إذا عرف لم يرض بالنكول فلو لم يُنبَه  وقضى فقال المدّعى عليه: كنت لا أعرف أن النكول هذا حكمه فالظاهر نفوذ قضائه ، وفيه احتمال، ومهما ظهر لنكول المدّعى عليه محتمل  من دهش أو غفلة عن مقصود غرض اليمين فلا ينبغي للقاضي أن يبادر  القضاء، ثم قال الأصحاب: إنما يتحقق النكول إذا قال القاضي: احلِف، فقال: لا أحلف، فلو قال القاضي: أتحلف، فامتنع لا يكون نكولاً، لأنه لم يتوجه اليمين بعد، وإنما هو  استفهام\rفرع:","part":1,"page":34},{"id":2636,"text":"لو حكمنا بحسم باب اليمين فرضي المدّعي بأن يحلف، وعاد المدّعى عليه فرغب ففيه وجهان:  أحدهما: يُمكّن إذ الحق لا يعدوهما والثاني: لا، لأن النكول مبطل لليمين، والرضا لا يؤثر فيه، وإذا ثبت النكول ورُدَّ اليمين على المدّعى عليه  فله حالتان: إحداهما: الحلف، والآخر: النكول أو الاستمهال فإن نكل صريحاً وقال: أنا ناكل ولست أحلف حكم بنكوله، ولا يُمكّن من العود إلى اليمين والدعوى بعد ذلك،  وكان نكوله كحلف المدّعى عليه، وإن استمهل أمهل ثلاثة أيام  ليراجع الحساب ويتأمل ولا مزيد عليه فهو مدة المهلة شرعاً في الخيار، ومهلة المرتد، ومقام المسافر، وغيره، والمدّعى عليه إذا استمهل لا يمهل ؛ لأنه محمول على اليمين أو الحق فلينجز الجواب، والمدّعي مختار في طلب [الحق]  وإن لم يصرح بالنكول ولم يستمهل، ولم يحلف فلا ننظره ثلاثاً ثم نحكم بالنكول، بل نحكم بنكوله في الحال، إذ لو لم نحكم به لعاود ثانياًُ وثالثاُ واستغرق أوقات القاضي بهذه الخصومة، ولهذا يقول القاضي للمدّعي: إذا لم تقم بينة حلّف خصمك و إلا فاقطع طِلبتك فلا أمكنك من العود إلى الدعوى إلا ببينة، وكذلك يقول لمن أتى بشاهد واحد ولم يحلف معه ولكنه يمهل إن استمهل لأنه مختار في طلب الحق بخلاف المدّعى عليه فلو لم يحلف مع الشاهد حُكم بنكوله فلا تسمع بعده دعواه إلا ببينة كاملة، والحكم بنكوله ههنا أولى منه إذا نكل عن اليمين المردودة أو  يقول المدّعى عليه ههنا: احلف أو حلفني وخلصني عن  الخصومة، وفي صورة اليمين المردودة المدّعى عليه ناكل فلا يمكنه أن يضيق عليه الإلزام بما ذكرناه، ولهذا قال بعض الأصحاب: لا يحكم بالنكول عن اليمين المردودة إلا عند التصريح بل المدّعي فيه على خيرته أبداً كما في إقامة البينة وهو بعيد وإن تأيد بقولنا إن اليمين المردودة كالبينة على رأي","part":1,"page":35},{"id":2637,"text":"الحالة الثانية: أن يحلف المدّعي فيثبت حقه بيمينه، ثم اختلف الأصحاب في أن مرتبة هذه الحجة مرتبة إقرار المدّعى عليه، أو مرتبة بينة المدّعي،  واشتهر الخلاف واستعمله بعض الأصحاب في غير محله، ويتهذب ذلك برسم ثلاث مراتب:\rالأولى: أن  من ادّعى زوجية امرأة قبل دعواه إن فرعنا على قبول إقرار المرأة وهو الأصح وجرى [الأمر]  على ترتيب الخصومات، وإن قلنا: لا يقبل إقرارها ففي قبول الدعوى قولان يبتنيان  على أن اليمين المردودة كالبينة أم كالإقرار ، فإن قلنا: كالإقرار فلا، إذ لا مدخل للإقرار  [ههنا لو قُدر] ، وإن قلنا كالبينة فنعم، وفائدة الدعوى رد اليمين عند إنكارها وإثبات النكاح باليمين المردودة، وهذا تفريع على أصلين ضعيفين: أحدهما : ردّ إقرار المرأة، والآخر: جعل هذه اليمين كالبينة ويدل على فنون  التفريع الحكم بأنها لو أقرت أيضاً تعرض اليمين، ثم إذا نكلت ردّ، ولو لم نقُل هذا لصار  الإقرار المردود ذريعة إلى حسم باب يمين الرد، ولو قيل به فيلزمه عليه أن يقبل يمين المدّعي ابتداءاً من غير إحضار المرأة فإنها بين أن تقر أو تنكر وكيف ما كان فلا يثبت  الحكم إلا باليمين\rالثانية: امرأة تداعى زوجيتها رجلان فأقرت لأحدهما وسلمت إليه على قول قبول الإقرار، فادّعى الثاني عليها فأنكرت ونكلت، وحلف الثاني اليمين المردودة، قال بعض الأصحاب: إن قلنا إنها كالبينة سلمت إليه وحيل بينها وبين الأول، وهذا أبعد لأنه إن اتجه تنزيلها منزلة البينة في حق الخصم  على [حال]  فلا يتجه ذلك في حق ثالث","part":1,"page":36},{"id":2638,"text":"الثالثة: المسألة بحالها أقام الأول بينة وسلمت المرأة إليه فنكلت المرأة  عن يمين الثاني، وحلف الثاني يمين الرد، قال الشيخ أبو علي : إذا جعلنا هذه اليمين كالبينة فهو كبينتين تعارضتا، وهذا أبعد من الثانية لأنه حكم على ثابت  متأيد بقول عدول وحاصله يرجع إلى مدافعة قول العدول بقول المدّعي إذا تأكد باليمين ولا وجه له\rفإذن الأصح أن مرتبته مرتبة إقرار المدّعى عليه، فإن قيل: هل  يتصور الحكم بالنكول على أصل الشافعي قلنا: استثنى صاحب التلخيص  مسائل زعم أن الحلف لا يجري فيها، ومسائل يقضى فيها بالنكول، فأما ما لا يجري الحلف فيه فمن ادّعى على الوصي والقيم علمه بدينه الذي يدّعيه لم نحلّفه؛  لأنه لو أقر لم يثبت بإقراره [شيء] ، ومن ادّعى الوكالة لنفسه في استيفاء حق للموكل من شخص لا يحلف ذلك الشخص على نفي العلم بالوكالة؛ لأنه لو أقر فلا يلزمه التسليم ما لم يثبت بالبينة ليأمن  إنكار الموكل وكالته بأخذ الدين، ومن قال أنا صبي لم يحلف على ذلك بحال، ومن ادّعى على الشهود الكذب، وعلى القاضي الميل والحيف لم يحلفهما؛ لأن فتح هذا الباب يورث فساداً عظيماً\rفأما مسائل القضاء بالنكول فأولها: الساعي إذا ادّعى على رب المال شيئاً من الزكاة فأنكره، أو ادّعى  أداءه فله أن يحلفه فإن نكل فلا يمكن رد اليمين على الساعي، ولا على المستحقين وهم لا يتعينون ففيه ثلاثة أوجه أحدها: القضاء بالنكول والآخر: أنه يحبس إلى أن يحلف أو يقر والثالث: أنه يفرق بين أن يكون في صورة المدّعين أو النافين فإن كان مدّعياً حُكم عليه، وقد استقصينا ذلك في الزكاة","part":1,"page":37},{"id":2639,"text":"الثانية: غاب ذمي ثم عاد  وادّعى إسلامه قبل مضي السنة ونحن نفرع على أن الإسلام في وسط السنة يسقط جميع الجزية فنحلّفه فإن نكل ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: القضاء بالنكول للضرورة والثاني: أنه  لا يلزمه شيء، إذ لا حجة، والنكول ليس بحجة، وهو غير معترف والثالث: أنه يحبس إلى الحلف أو الأداء وعلى الجملة لا ينفك [كل]  وجهٍ عن ارتكاب بعيد وإنما النظر في ترجيح الأقرب في حبسه إلى أن يقيم بينة ، أو يحلف أو يؤدي؛ لأنه يدّعي عارضاً مسقطاً بعد جريان عقد ملزم، وقد ذكرنا أن الموكل إذا ادّعى العزل في الغيبة فإن قلنا: ينفذ  عزله فلا يقبل إلا ببينة، ثم قيد صاحب التلخيص  هذه المسألة بالغيبة، لأنه لو كان حاضراُ وزعم أنه كان  كتم إسلامه كان بعيداً لأن الغالب أن الإسلام لا يُكتم فتظهر مطالبته بالحج\rالثالثة: ظفرنا بذراري المشركين فرأينا صبياً قد أنبت وكشفنا عن مؤتزره وشاهدنا فقال استعجلت بالمعالجة ولست ببالغ، قال الشافعي : يحلف فإن نكل قُتل، وهو مشكل من حيث أنه [قطع]  بالقضاء بالنكول ولكن وجهه بعذر الرد والآخر: أن تحليف من يدّعي أنه صبي يناقض قبول  دعوى الصبي ولكن اعتمدنا ظاهراً وهو الإنبات، وفي المسألة وجهٌ: أنه يُحبس حتى إذا تحقق بلوغه حلف على أنه كان استعجل فإن نكل قُتل كي لا يكون ذلك تحليف من لم يثبت بلوغه\rالرابعة: إذا ادّعى غلام يافع من أولاد المرتزقة أنه بلغ ليثبت [اسمه]  في الديوان ليُجرى له السهم  قال صاحب التلخيص: إن  اتهمه السلطان يحلفه فإن نكل فلا حق له قال الأصحاب: نصدقه ولا نحلفه لأنه إن قدّره بالغاً فلا حاجة إلى التحليف، وإن قدّره صبياً فلا حكم لحلفه، وإن عرض اليمين عليه فنكل  فليس هذا في محل القضاء بالنكول بل هو من باب فقد البينة في الحال","part":1,"page":38},{"id":2640,"text":"الخامسة: ألحق الأصحاب بما ذكره صاحب التلخيص  ما إذا مات رجل لا  وارث له وادّعى القاضي ديناً له على  غيره لبيت المال فيحلفه فإن نكل لم يحلف القاضي، ولكن ذكر العراقيون وجهين:  أحدهما: القضاء عليه فإنه منتهى الخصومة، ولا رد على الغير وإسقاط الحق غير ممكن والثاني: أنه يُحبس إلى أن يحلف أو يقر، ولم يذكر الوجه الثالث وهو انه يُعرض عنه  بخلاف الزكاة والجزية، فإن مستند ذلك الوجه أن اليمين في ذلك الباب مستحبة  غير مستحقة  على رأي وههنا اليمين مستحقة، وذكر الشيخ أبو محمد  ذلك الوجه ههنا وقال: فائدته أنّا نقضيه  بالنكول، وهو بعيد\rالركن الخامس: إقامة البينة:\rوقد تم النظر في حكمها وصفتها في كتاب الشهادات, والغرض الآن [النظر]  في تعارض البينتين ومهما أقام كل واحد من المتداعيين بينة فإن أمكن الجمع فلا تعارض، وإن تناقضتا  على التكاذب  فإن أمكن رجح أحدهما  وإن استويا من كل وجه فقد عدّوا  المذهب فيه أربعة أقوال  إذا جرى ذلك في تداعي دار  في يد ثالث : أحدها: التساقط، والآخر: الاستعمال بطريق القرعة، والآخر: قسمة الدار بينهما، والآخر: الوقف إلى الصلح\rفإن قيل: وبماذا يجوز الترجيح قلنا: مثارات الترجيح ثلاثة: إما زيادة صفة في ذات الشهود، وإما اعتضاد أحد  البينتين باليد، وإما زيادة تشتمل إحدى البينتين على إفادتها دون الثاني\rالمدرك الأول للترجيح : صفات الشهود وعددهم","part":1,"page":39},{"id":2641,"text":"وفيه أربع صور إحداها: أقام واحد  أربعة شهود، والآخر شاهدين ففيه قولان:  القديم الترجيح بزيادة العدد كما في رواية الأخبار بحصول الزيادة  الثقة، وقد علق الشافعي  القول في القديم وجزم في الجديد بأن لا ترجيح؛ لأن نصاب الشهادة  مقدّر، فالزيادة عليه واقع وراء الحاجة بخلاف الرواية فإن المتبع فيها الثقة، ولذلك قد تقدم قول ورع واحد موثوق على جمع  من أوساط العدول، ولا يتصور ذلك في الشهادة\rالثانية: إذا كان شهود أحدهم أوثق وأعدل ففيه الجديد والقديم كما سبق أخذاً من الروايات أو قطعاً عنه، وعليه خرج ما لو كان أحد الخلفاء الأربعة في إحدى  البينتين أن الترجيح هل يجري به\rالثالثة: أقام أحدهما شاهدين، والآخر شاهداً واحداً  وامرأتين نقل الإمام  القطع عن الأصحاب بأن لا ترجيح، ورأيت الفوراني  طرد القولين الرابعة: أقام أحدهما شاهدين، وأقام الآخر شاهداً وأراد أن يحلف معه فقولان في الجديد، والأصح الترجيح ، لأن الشاهدين حجة مستقلة فإن قيل: لو كان من ترّجح بينته  خارجياً، والآخر صاحب يد، قلنا: اختلف الأصحاب ، منهم من حكم بالتساوي؛ لأن كل واحد يدلي بسبب يوجب الترجيح، ومنهم من قال: اليد مقدمة على كل ترجيح، فإنها محسوسة في غاية القوة فلا يقاومها غيرها\rالمدرك الثاني للترجيح : اليد \rفنقول: العين المتنازع فيها لا تخلو إما أن تكون في يد المتداعيين، أو في يد أحدهما، أو في يد ثالث","part":1,"page":40},{"id":2642,"text":"الحالة الأولى: إذا كانت الدار المدّعاة مثلاُ في يد ثالث، وأقام كل واحد من المتداعيين بينة فقولان : أحدهما: التهاتر، للتناقض والتكاذب والثاني: الاستعمال، وفي كيفية الاستعمال ثلاثة أقوال:  أحدها: القسمة، وهو الذي ارتضاه المزني للشافعي واختار  لنفسه قول التهاتر، وتوجيهه [أن]  كل بينة سبب للحكم بملك الجميع فإذا أدلى كل واحد بسبب  كامل قُسّط عليهما، وهذا مذهب أبي حنيفة  والثاني: الوقف إلى الاصطلاح، وعّلل الشافعي فقال: من قسم فلم يحكم بكل واحدة من البينتين فالوجه التوقف، ووقف الملك إلى اصطلاحهما  فإن الحق لا يعدوهما والثالث: أن يقرع بينهما فمن خرجت قرعته سُلم له؛ لأن القرعة مفزع عند الإشكال، وعلى هذا هل يحلف من  خرجت قرعته لتأكيد الأمر فيه قولان، فإن قيل: قول الاستعمال هل يجري في جميع الصور قلنا: حيث لا يتصور الجمع بين البيّنتين بحال كما إذا شهدت إحداهما على القتل في وقت، وشهد الآخر  على الحياة في ذلك الوقت فقد قال بعض الأصحاب: يُقطع ههنا بالتهاتر، ومنهم من طرد القولين، فإما إذا كان الظاهر متناقضاً ولكن أمكن  تقدير الجمع على بعد بأن شهد كل واحد على الملك فيحتمل أن يقال: كل واحد سمع مالكاً أوصى  له بالجميع، فهذا لو ثبت لكان مقتضاه الاشتراك فإذا تطرق مثل  هذا الاحتمال فهو محل طرد قولي التهاتر والاستعمال، فإن قيل: هلا قطعتم بالاستعمال ههنا قلنا: لأن ظاهر  كل بينة يناقض الأخرى، وهذا تأويل نقدره، والبينة ساكتة عنه والظاهر أنه  إذا تعارضا وامتنع الترجيح كانا كالنصّين إذا تعارضا، فإن قيل: أقوال الاستعمال هل تجري في كل موضع قلنا: لا، فإن قول القسمة فيما لا يحتمل الشركة كالمنكوحة غير جارٍ، وكذا الوقف، لأن الصلح فيه غير ممكن، وفي جريان قول القرعة فيه وجهان : أحدهما: نعم، لأن مقصوده لا ينافيه","part":1,"page":41},{"id":2643,"text":"والثاني: لا، لن الطلاق إذا أُبهم لم تجر فيه القرعة فكيف نجريه في استحلال البضع! فيتعين القول بالتهاتر، وقيل: إن قول الوقف  لا يجري إذا وقع النزاع في بيع لأن العقود لا تقف، وهذا هوس فإن هذا توقف اشتباه لا توقف في نفس العقد\rفرعان:\rأحدهما: دار في يد ثالث ادّعى  واحد كلها وأقام بينة، وادّعى آخر نصفها وأقام بينة فهما متعارضان  في النصف وفيه الأقوال الأربعة، أما في النصف الذي ينفرد به قولان أحدهما: وهو الظاهر أنه يسلم المدّعي الكل فإنه لا معارضة فيه والثاني: لا يسلم، لأن البينة إذا رَدّت بعضه رَدّت كله، وهذا موجب قول التهاتر، وهو تفريع عليه \rالثاني: دار في يد ثالث ادّعى أحدهما نصفها فصُدق، وادّعى آخر (النصف)  الثاني لنفسه فكذبه المدّعي الأول، وصاحب اليد، ولا بينة له، ففي ذلك النصف  ثلاثة أقوال:  أحدها: أنه يسلم له إذ لا يدّعيه أحد لنفسه سواه، ولا منازع والثاني: ينتزع من يدهما فإنهما لا يدّعيان، والمدّعي لا بينة له، فهو مال ضائع لا مالك له يصرف إلى المصالح والثالث: يوقف إلى التبين","part":1,"page":42},{"id":2644,"text":"الحالة الثانية: أن تكون الدار في يد أحدهما فيمسى صاحب اليد داخلاً، والمدّعي خارجاً، فإن لم يكن للمدّعي بينة توجه الحلف على المدّعى عليه لا على المدّعي قال عليه السلام : «البينة على المدّعي، واليمين على من أنكر»  ومحله محل من ينكر الدين فإن الأصل براءة ذمته، والأصل عدم ما يدّعيه المدّعي، واليد أقوى [في]  الدلالة على الملك من الأصل في الدلالة على براءة الذمة إذ ليس لمنكر الدين دلالة أصلاً وإن كان له بينة ولا بينة للداخل حُكم بالبينة ولم تعارضها يمين الداخل فإنه قول مجرد  فلا يقاوم قول العدول، وقد يسقط أثر اليد بالبينة، فأما إذا أراد الداخل إقامة البينة فله ذلك على الجملة خلافاً لأبي حنيفة  فإنه لم يسمع بينة الداخل أصلاً، ثم تفصيل المذهب أن للداخل في إقامة البينة ستة مقامات:\rالمقام الأول: أن لا يكون عليه مدّعي فأراد إقامة بينة للتسجيل فالمذهب أنه لا تسمع؛ لأن البينة تسمع في خصومة ولا خصومة، وقال بعض الأصحاب: تقبل لغرض التسجيل، وإثبات الملك، فإن اليد لا تثبت الملك \rالمقام الثاني: أن يكون له مدّعي، ولا بينة للمدّعي، فأقام البينة لإسقاط اليمين عن نفسه, الصحيح أنه لا تسمع؛ لأنه منكر ، واللائق بمنصبه الإنكار، وهو متمكن من اليمين، والنظر فيه أهون من النظر في البينة، وقد يعتدّ  القاضي بأقرب الطرق، وخرّج ابن سريج   قولاً أنه تسمع ليمتنع تورعاً عن اليمين الصادقة، كما تسمع بينة المودَع وإن قدر على اليمين، وهو ضعيف، لأن المودَع  مدّعٍ أمراُ والبينة عليه في الأصل, وإنما التصديق باليمين رخصة؛ لأنه مؤتمن من جهة المودِع\rالمقام الثالث: إذا أقام المدّعي بينة ولكن لم تُعدّل بعد فهل تسمع بينة الداخل قبل التعديل فيه وجهان:  أحدهما: نعم، كما بعد التعديل إذ قامت أصل الحجة والثاني : لا، لأنه لا حاجة به  إلى أن يخالف منصبه وينتهض مدّعياً والبينة تقبل من المدّعي","part":1,"page":43},{"id":2645,"text":"المقام الرابع: إذا عدّلت بينة المدّعي ولم يبق إلا القضاء فهذا أوان إقامة البينة على القطع عندنا، فإن قيل: فإن أقام المدّعي البينة لم يتغير منصب المدّعى عليه، وقد قال عليه السلام: «البينة على المدّعي»  قلنا: وهو إذا نسب الملك إلى نفسه كان مدّعياً ولكن لا حاجة به إلى الدعوى قبل ذلك فإن اليد تكفيه، والآن تطلب فائدة اليد، وثبوت اليد لا يمنعه من دعوى نسبة   [الملك]  إلى نفسه فليقدر عدم اليد فوجودها لا يضر فإن قيل: بينة الداخل تعتمد ظاهر [اليد]  وهو معلوم فلم تُفِد مزيداً قلنا: لهذا قال بعض ذوي الخور من الأصحاب  إنها لا بد وأن يستند الملك إلى سبب زائد على اليد، فإن قامت على الملك مطلقاً لم تسمع، والصحيح القبول مطلقاً كبينة الخارج إذ اليد لا تفيد ثبوت الملك ولكن ترفع  المدّعي فالبينة أفادت ههنا ومستندها ما يقدر [مستند]  بينة الخارج من يد أو قرينة فلا فرق بينهما فيه، ثم إذا تعارضت البيّنتان من الداخل والخارج ما حكمهما هذا ينبني على قول التهاتر والاستعمال، فإن حكمنا بالتهاتر في بينة الخارجين فههنا وجهان:  أحدهما: التهاتر فتبقى يمين النفي على المدّعى عليه وكأن لا بينة والثاني: لا تهاتر ههنا إذ الترجيح ممكن باليد فتقدم  بينة الداخل، وعلى  الأول ما أفادت بينته إلا خروج بينة الخارج وعلى هذا أفاد  إثبات الملك وترجح باليد ، وإن فرعنا على قول الاستعمال فثم ثلاثة أقوال: الوقف، والقرعة، والقسمة لا  جريان لشيء منها ههنا إلا الترجيح باليد ههنا، ولكن إذا رجح ثم بالقرعة ففي تحليف من خرجت قرعته خلاف فمنهم من طرد الخلاف في الترجيح باليد أيضاً، ومنهم من قطع بأن لا تحليف فإن حلفناه حلف على الإثبات فإنه يحاول ترجيح البينة بخلاف التحليف عند التفريع على قول التهاتر","part":1,"page":44},{"id":2646,"text":"المقام الخامس: إذا أُزيلت  يده ولم تكن بينة حاضرة فلما سلم إلى المدّعي جاء ببينته نظر فإن ادّعى ملكاً في الحال غير مستند إلى ما سبق بسبب جديد سمعت بينته وكأنه خارجي أقام  بينة، وإن ادّعى ملكاً في الحال مستنداً إلى ما سبق وتعلل بغيبة البينة فهل نجعله داخلياً حتى يقدم بينته وجهان:  أحدهما: نعم، لأن المدّعي ابتنى يده على يده وقد استندت البينة إلى ما سبق فلا أثر لما تخلل من إزالة والثاني: أنها لا تسمع على هذا الوجه فإنّا  أزلنا يده واتصل القضاء به فلا ننقضه، وهو الأظهر فيما قاله القاضي حسين رحمه الله\rالمقام السادس: لم يقم الداخل البينة  حتى قضى القاضي باستحقاق إزالة اليد، ولم يبق إلا التسليم حساً, ولكنه بعد لم يسلم, ففي قبول بينته وجهان  مرتبان على ما إذا أقام بعد زوال اليد وههنا أولى بالسماع، لن القضاء وإن تم فلم  ينفذ بعد  فكان الانعطاف عليه أقرب\rفرعان:","part":1,"page":45},{"id":2647,"text":"أحدهما: لو أقام المدّعي بينة على الملك المطلق، وأقام المدّعى عليه بينة على أنه ملكه اشتراه من المدّعي قال الصيدلاني  والجماهير: تقدم بينة الداخل،  ولا تُزال يده قبل إقامة البينة بحال، وهو القياس، وقال القاضي : يقال للمدّعى  عليه أقررت له بالملك وادّعيت عنه  الشراء فسلم إليه [ثم إذاً]  أثبت ما تدّعيه ، وكذلك لو أقام المدّعي بينة على الدين وقال المدّعى عليه: قد أبرأني قال القاضي: يطالب بالحق ثم بعد توفيته يقيم البينة إن أراد لأن هذه الخصومة الأولى قد انتهت، وهذه دعوى مبتدأة فلينتقض عن الأولى وهو كما [لو]  قال للوكيل بخصومة المستحق أبرأني موكلك فليحضر وليحلف, فإنه يطالب بالحق ثم يقيم الدعوى والبينة بعده، والأكثرون من القضاة والأصحاب على أنه لا يطالب  في العين بإزالة اليد، وفي الدين بالتسليم إذا كانت بينة الشراء أو الإبراء  حاضرة؛ لأنه لم يقر له في الحال  بشيء حتى يؤاخذ به، وأما مسألة الوكالة فسببه أن ذلك تأخير ودفع وليس يتمكن منه في الحال ووزانه في مسألتنا ما لو قال: أمهلوني ثلاثة أيام لأقيم بينة  فلا نمهله بل نمكّنه إن كانت بينته حاضرة وإلا فلا [فإن قيل:]  إن لم يكن للمدّعي بينة فهلا جعل هذا إقراراً له  حتى يطالب المدّعى عليه بالبينة قيل فيه نظر نذكره في ترجيح البينة بزيادة التاريخ وسبب الملك","part":1,"page":46},{"id":2648,"text":"الثاني: من أقر لإنسان بملك ثم ادّعاه بعده  ردّت دعواه اللاحقة بإقراره السابق وإن تصور تجدد الملك ولكنه إن أراد أن يدّعي فليدّع ملكاً من جهته و إلا لم تسمع دعواه، فإن حكم إقراره يسترسل  على الاستقبال إلى أن يوجد قاطع، و لولا هذا لما كان في الأقارير متعلق، وقد تعلق به الأولون، أما إذا أقام  المدّعي بينة على [الملك]  المطلق فأزيلت يد الداخل إذ لا بينة له ، فادّعى بعده ملكاً مطلقاً ولم يتعرض للتلقي من جهته، قال الإمام : تلقيت من كلام الأصحاب تردداً في سماعه : فمنهم من سمع على تأويل التلقي منه وإن لم يصرح بخلاف الإقرار فإنه مؤاخذ بقوله ولا يؤاخذ بالبينة في كل حال، ومنهم من قال لا بد من التصريح بالتلقي منه أو إسناد الملك إلى ما تقدّم في حالة اليد حتى يخرّج على الخلاف الذي سبق ذكره في المقام الخامس، ولا خلاف أن أجنبياً لو ادّعى مطلقاً تسمع دعواه ولم يشترط أن يدّعي التلقي منه وإن كان موجب البينة الحكم بالملك مطلقاً ونفيه عن ساير الناس, ولكن يظهر أثر البينة في حق من أقيمت عليه لا في حق غيره فلتفهم هذه المراتب الثلاث في الإقرار فإنه يسترسل على الاستقبال والبينة في حق غير المدّعى عليه فإنها لا تسترسل والبينة في حق المدّعى عليه على تردد","part":1,"page":47},{"id":2649,"text":"الحالة الثالثة: أن تكون الدار في يدهما فإن لم يكن في الواقعة بينة فكل واحد يدّعي كل الدار لنفسه فكل واحد مدّعي فيما ليس في يده مدّعى عليه فيما هو في يده فيتحالفان، ويبدأ القاضي بمن يراه أو بمن تحكم له القرعة، ثم  قال الشافعي  : يعرض الحلف عليهما ابتداءاً على النفي وليس عليهما الجمع بين النفي والإثبات في اليمين، وقال  في المتبايعين إذا تحالفا يحلف كل واحد على نفي ما يُدّعى عليه وإثبات ما يدّعيه فاختلف الأصحاب على طريقين منهم من قال قولان في المسألتين بالنقل والتخريج، ومنهم من فرق وهو الأصح لأن البيع ليس يتميز فيه المدّعي عن  المدّعى عليه بل هما سيّان، وههنا أحد النصفين متميز عن النصف الآخر فعلى هذا إن حلفا جميعاً أقرت الدار في يدهما كما كان، وإن حلف الأول تقرّر نصفه فإذا نكل الثاني رُدّ على الأول فإن حلف فليحلف على الإثبات فإنها اليمين المردودة ليسلم له كل الدار تقريراً باليمين النافية من النصف  وتسليماً باليمين المردودة في نصف آخر، فلو أن الناكل بعد جريان اليمين المردودة أقام بينة فإن قلنا: إن ردّ اليمين كالإقرار لم تقبل ، وإن جُعل كالبينة وهو بعيد فهو كما لو أقام المثبت  بعد إزالة اليد وقد سبق ويجري هذا في صور من  الرد، أما إذا نكل الأول فتعرض اليمين على الثاني وقد اجتمع في حقه  يمينان أحدهما نافية، والأخرى مثبتة ففي تعدد اليمين وجهان : أحدهما: تتعدد لاختلاف الحكم، فإنه في اليمين النافية مطالب، وفي اليمين المثبتة متخير مستحق، والثاني: يُكتفى بيمين واحدة إنجازاً فإنّا نسلك في الخصومات أقرب الطرق فعلى هذا [إذا]  حلف أن كل الدار له ، وليس لصاحبه فيها حق جامعاً بين النفي والإثبات والإضافة إلى كل الدار أجزأ، فإن قال: تالله إن النصف الذي في يده لي، والنصف الذي في يدي  لا حق له فيه قُبل وجاز","part":1,"page":48},{"id":2650,"text":"فأما إذا كان في الواقعة بينة، فإن كانت البينة لأحدهما على أن كل الدار له فنُقيمها، وتسلم إليه ، فإن قيل: فهو في نصف الدار صاحب يد، وقد أقام بينة [على]  ذلك النصف قبل إقامة الخارج بيّنته، قلنا: وإن كنا لا نقبل ذلك على رأي فقد تساهل الأصحاب ههنا بالقبول بطريق التبعية فأنه لم يفده  مقصوداً، وقد استفاد به سقوط  الحلف فهذا فيه احتمال  رآه الإمام، فأما إذا أقام كل واحد بينة لم يظهر له أثر، وعادا  إلى ما كانا  عليه من قبل، ولكن  قال القاضي : الذي أقام البينة  ابتداءاً ينبغي أن يقيمها ثانياً بعد أن أقام [الثاني]  البينة، لأنه كان أقامها في النصف قبل الحاجة إليها وهذا بناءاً على ما سبق، ولكن في حالة الإنفراد سمعت البينة تساهلاً، لأن الشهود لم  يصفوا لتطرق خيال  إلى قولهم، وهو  غير منفك عن الاحتمال  كما سبق \rفرع:","part":1,"page":49},{"id":2651,"text":"دار في يد ثلاثة يدّعي واحد نصفها، وآخر ثلثها، وآخر سدسها،  وأقام كل واحد بينة على وفق دعواه، أما صاحب السدس يسلم له ذلك فإنه دون ما في يده، وكذلك صاحب الثلث، لأن يده ثابتة على ثلث الدار، وصاحب النصف يسلم له  الثلث، وهل ينتزع السدس الآخر من يد صاحب السدس ليكمل نصفه نُظر، فإن أقر له صاحب السدس سلم له، وإن أضافه إلى غائب فوجهان: أحدهما: أنه  ينتزع، لأنه قد قامت  بينته، ولا معارضة له والثاني: أنه يأخذ نصف السدس من مدّعي  السدس؛ لأنه ادّعى سدساً مشاعاً في يد صاحب الثلث، والسدس فلا تعنية به، هذا ما ذكره الأصحاب، وهذا فيه نظر، فإن صاحب الثلث، والسدس لا يفتقران إلى بينة، وهما صاحب اليد، وصاحب النصف  يحتاج إلى بينة لسدس زائد عليها  في يده يدّعيه فإن اعترف لصاحب الثلث تعين للخصومة صاحب السدس، فإن في يده سدساً زائداً على ما يدّعيه لنفسه فليُنتزع، وإن قال صدق صاحب السدس فله السدس، وفي يده سدس لغيره، وإن ما استولى على سدسي  من يدّعي الثلث فعند ذلك تتعارض البينة فيه، وتقدّم بينة صاحب الثلث، لأنه صاحب [اليد هذا]  ما ينقدح لي فيه، وقد نقلت ما ذكره الإمام والأصحاب\rفرع آخر:","part":1,"page":50},{"id":2652,"text":"ينقدح على الحالة الأولى، وهي  إذا كانت الدار في يد ثالث فإذا أقر لأحد المدّعيين و لهما بينة، فإن قلنا بالتهاتر سلم للمقر له، وكأن لا بينة، فإنه إقرار من صاحب يد فيُقبل، وإن فرعنا على الاستعمال فهل ترجح بينة المقر له بإقراره وجهان:  أحدهما: نعم، لأنه صاحب يد وإقراره واقع والثاني: لا، لأن البينة إذا قامت استحق إزالة يده إليهما إما بطريق القرعة أو القسمة أو الوقف، فلا وقع لإقراره، وعلى الوجه الأول   إقرار ذي [اليد]  مدرك  من مدارك الترجيح كاليد، أما إذا لم يكن لهما بينة سلم للمقر له إن عيّنه، وإن قال: هو لأحدكما ولم يعين وزعم أنه لا يدري عين المالك أو قال : أعلم أني غصبت من أحدكما ولا أعرف عينه  فتنتزع الدار من يده لأجلهما بخلا ف ما إذا قال صاحب يد: غصبت هذه الدار من واحد لا أعرف عينه، وفي الانتزاع وجهان: أحدهما: أن القاضي يحفظه، لأنه مال ضائع، ولو رجع عن هذا الإقرار لم يُقبل","part":1,"page":51},{"id":2653,"text":"والثاني: أنه لا ينتزع ، ولا صحة للإقرار على هذا الوجه فلا حاجة إلى الرجوع لأنه لم يثبت حقاُ لطالبه ، وههنا أثبت الحق لمحصورين يطالبون به ثم إذا ادّعى كل واحد أنك غصبت مني فعليه الحلف، ثم يحلف على البتّ ما غصب ، أو على  نفي العلم قولان ذكرهما الشيخ أبو علي  بناءاً على أنه لو نكل عن اليمين في حقهما فهل يغرم لكل واحد منهما نصف القيمة بسبب الحيلولة في النصف الآخر فعلى قولين مشهورين، فإن قلنا لا يغرم ضاهى المُودَع وهو يحلف على نفي العلم أنه لا يدري مَن المودِع، وليس يبعد على نفي الغرم أيضاً أن يحلف على البت، ثم لا يتوجه بنوكوله شيء كما لو نكل عن اليمين على نفي العلم، ولكن قال الأصحاب: وإن حلف لكل واحد منهما فلا يُبطل حلفه على البتّ إقراره السابق المجمل بل تبقى الدار مرددة  بينهما، وفيه غموض؛ لأنه إذا حلف للأول على البتّ بأنه ما غصب منه فقد تعين للثاني  بعد أن أقر بأنه غصب منهما، ومن أبهم فله أن يعين فليتعين للثاني","part":1,"page":52},{"id":2654,"text":"فإن قيل: حلف على البتّ لنفي الغرم، وكذلك يحلف للثاني قلنا: فهذا تكليف  يمين فاجرة وبناء اليمين على الصدق لا على غرض دفع الغرم فالوجه التفريع على أنه يحلف على نفي العلم، ثم إذا حلف في حقهما صارت  الدار مرددة  بينهما أما عند حلفهما، أو عند امتناعهما عن الحلف حيث يفرض الاستواء وفيه وجهان: أحدهما: يوقف إلى الاصطلاح ولا يقسم بخلاف ما لو كانت الدار في يدهما، لأن لكل واحد ثم يداً  على النصف، وههنا لا يد، وإنما الدار موقوفة لهما، ومنهم من قال: يقسم بينهما كما لو كان في يدهما، وإذا انحصر فيهما فكأنه في يدهما، ولم يُجرِ أحد  من الأصحاب قول القرعة كما أجروه عند التساوي بتعارض البينتين، وما ذكرناه من الخلاف في الحقيقة هو قولا الوقف والقسمة، والسبب أن القرعة لا تستقل ولكن ترجح حجة إذا قامت وانتهت الخصومة نهايتها إذ لا منتهى وراء البينة، وههنا للخصومة بعد مضطرب ، وإن جرى الحلف فهذا وجه الفرق \rالمدرك الثالث من مدارك الترجيح: أن تشتمل إحدى البينتين على مزيد فائدة، والنظر فيها يتعلق بأطراف:","part":1,"page":53},{"id":2655,"text":"الطرف الأول: في زيادة التاريخ، وسبب الملك، فإن قامت بينتان مطلقتان، أو مؤرختان بتاريخ واحد فالتعارض، وإن كان أحدهما أسبق فقولان:  أحدهما: التعارض، لأن المطلوب ملك ناجز، وقد تساويا في المقصود، وما سبق مستغنى عنه فوجوده كعدمه والثاني :  وهو مذهب أبي حنيفة ، والمزني ترجيح السابقة، واحتج المزني  بأن إحدى البينتين في الدابة إذا شهدت على أنها نُتجت في ملكه قُدمت ولا سبب له إلا تقديم  التاريخ، ولكن اتفق الأصحاب على احد  القولين في إسناد إحدى البينتين الملك إلى النتاج، والزرع وأسباب الملك إذ لا فائدة لها سوى شهادة على سبق الملك، واستشهد أيضاً بتقديم [بينة]  الداخل، فأجيب بأن اليد علامة محسوسة بخلاف السبق، ولكن توجيهه إذا ما ثبت سبقه فالأصل بقاؤه، وقد تساويا في الحال ولليد  ترجيح على حال، والقولان جاريان في بينتين  في النكاح إذا اختص أحدهما بالسبق فشهد أحدهما  أنها زوجته منذ سنتين، وقال الآخر  منذ  سنة،  ولو كانت إحدى البينتين مطلقة والأخرى مؤرخة فإن لم نرجحه بالتاريخ فهما سواء، وإن رجحنا فوجهان، ووجه التسوية أن المطلقة لو استُفسرت ربما أسنَدت إلى تاريخ [أسبق]  فلم يتبين تراخيها ، والأول أقيس، هذا كله إذا لم يكن لأحدهما يد في العين المدّعاة، فإن كان أحدهما داخلاً فإن كان المرجح في جانبه فلا خفاء بتقديمه، وإن كان السبق في جانب الخارج فثلاثة أوجه:  أحدها: العمل بالسبق للاستصحاب والثاني: العمل باليد فإنها علامة محسوسة قوية لا يقابلها غيرها والثالث: التعادل، فيتعارضان\rفإن قيل: إذا شهدت بينة على ملك المدّعي بالأمس، ولم تتعرض للحال هلا قلتم تُقبل لأن ما ثبت فالأصل بقاؤه قلنا: للشافعي  قول في القديم نقله البويطي  أنه تُقبل، والجديد المعروف:  أنه لا تُقبل إذ المطلوب الملك في الحال، والسبق للترجيح ","part":1,"page":54},{"id":2656,"text":"ولا خلاف أن المدّعي لو ادّعى ملكاً بالأمس ولم يدّع في الحال لا يُصغى إليه فلتكن البينة على وفق الدعوى، وعلى  الأول لو أقام البينة على أنه كان في يده بالأمس ثبتت له اليد، ويُجعل صاحب يد،  ويدير الخصومة على ترتيبه والقولان جديداً وقديماً ينبغي أن يرتبا على قولنا نرجح بالسبق، فأما إذا لم نرجح به فوجوده كعدمه، فإن قيل: إذا صححتم الجديد وهو ردُّ هذه البينة فلو قامت بينة على إقرار المدّعى عليه بتاريخ سابق ولم تتعرض لملك في الحال فلِمَ حكمتم [به]  وليس من ضرورة الإقرار السابق منع تجدد  الملك من بعد، ولم تتعرض لملكه في الحال قلنا: ذكر صاحب التقريب  طريقين في هذا:  إحداهما: أن بينة الإقرار كبينة الملك فلا تقبل إذا لم تتعرض للحال، ومال إليه وهو منقاس الطريقة الثانية: وهو الصحيح الذي عمل عليه الأولون والقائسون فيه  مسبوقون بالإجماع ولولاه لبطل التعلق بالأقارير  ولم يزل الإقرار حجة على المقر ولو بعد حين، وهذا يوجب أن نسقط فائدة [الإقرار]  بمضي لحظة، ولعل الفرق أن الملك لا يعرف حقيقته إنما يعرف ظناً وتخميناً فإن نجز في الحال قُبل، وإن أضيف إلى ما سبق لم يفد في الحال شيئاً ولم يكن يقيناً حتى يقال الأصل استصحابه وبقاؤه، والإقرار يعرف  بيقين، والأصل  في البيّنات  الاستصحاب ، وكذلك نقول: لو أقام المدّعي بينة  أنه اشتراها أمس من  صاحب اليد لأن الشراء  من الخصم والإقرار منه مما يعرف يقيناً، وليس كما لو شهد على الشراء أمس من غير صاحب اليد، لأن يقين الشراء من الغير في حقه لا يُلزِمه أمراً","part":1,"page":55},{"id":2657,"text":"فإن قيل: لو قال المدّعى عليه في أثناء الخصومة كان ملكك أمس فهو كبينة الملك أو كبينة الإقرار قلنا: قال صاحب التقريب : إذا جرينا على ما به الفتوى ففيه وجهان : أحدهما: أنه كبينة الإقرار، لأن إقراره مستيقن، والثاني: أنه كبينة الملك، لأن قوله في اقتضاء الملك له كقول الشهود ولعل الأول أقيس، فإن قيل: شاهد الملك إنما يعرف سبباً سابقاً في الملك، ولا يعرف دوامه فكيف لا نكتفي بشهادته على السبب السابق على الجديد فيكلف أن يشهد في الحال على ما لا يعلمه قلنا: إن لم يعرف مزيلاً لملكه مع الحضور ومشاهدة الأحوال جاز له الجزم بالملك الناجز بلا شك، وإن كان غائباً ولم يتفق له خبره فالمذهب الذي اتفق الأصحاب عليه أن ذلك أيضاً  جائز إذ لا مستند إلا الاستصحاب فإنه لو حضر فالبينة في لحظة تشويش  [العلم]  وتطرق [احتمال]  الإزالة ويؤدي  شرط ذلك إلى إبطال الشهادات فإن قيل: لو صرح الشاهد بذكر المستند وأنه استصحب لأنه لم يدر مزيلاً، قلنا: قال الأصحاب: لا يُقبل كما لا تقبل الشهادة على صورة امتصاص الثدي وتجرع اللبن في الرضاع ما لم يشهد على الرضاع، وقال القاضي: تُقبل، فلا فرق بين جزم الشهادة بالملك وبين أن يقال أشهد أنه كان ملكاً له أمس ، ولا أعرف مزيلاً بعده، إذ يعلم قطعاً أن ما ذكره مستند علمه بخلاف الرضاع فإن فيها قرائن تدرك بالعيان لا يدل الوصف  عليها، ثم قال القاضي مفرعاً عليه: إذا ذكر الملك السابق ولم يتعرض للحال والاستصحاب فيخرج على الجديد والقديم، وإن قال لا أعلم  مزيلاً قُبلت شهادته، وإن قال: لا أدري جرى مزيلاً أو لم يجر وذكر ذلك ذكر مرتاب انخرمت شهادته وفسدت صيغته، وما ذكره دقيق، والأكثرون على اشتراط الجزم في الحال فهذه حقائق تمس إليها الحاجة نبهنا عليها فلا يغفلّن الطالب  [عنها] ","part":1,"page":56},{"id":2658,"text":"فإن قيل: إذا حكم بالملك ببينته فهي تقتضي  ملكاً في الحال عقيب الحكم أو مقدماً عليه قلنا: البينة لا تقتضي إنشاء ملك، وإنما هو إخبار، ومن الضرورة بالتقديم  على حالة الإقامة بلحظة حتى لو حصل نتاج من الدابة قبيل البينة فهي للمدّعى عليه، وإن كان بعد الإقامة وقبل التعديل فهي للمدّعي، لأن التعديل مستند فلا نثبت قبل البينة ملكاً إلا بقدر الضرورة على وجه لا يحتمل خلافه، نعم, لو كانت الدابة حاملاً  فما ينفصل للمدّعي، وإن كان العلوق من قبل؛ وذلك بطريق التبعية كما في البيع، ولو كانت شجرة والثمرة بادية]  فهي للمدّعى عليه كما في البيع، وفي الحمل احتمال إذ انفصال الملك بالوصية فيه ممكن، وأما البيع فلما  اقتضى الاستتباع؛ لأن استثناء الجنين في البيع غير جائز، والمنقول ما تقدم فإن قيل: فلم قضيتم بأن المدّعى عليه إذا كان اشترى العين المدّعاة فانتزعت من يده ببينة مطلقة رجع بثمنه  على البائع، وهذا يدل على أن البينة تشير إلى تقدم أمر قلنا: قال القاضي : اتفق الأصحاب على الرجوع، وهو مشكل، واحتمل أن يقال: لا يرجع إلا إذا كانت الدعوى والبينة مسندة إلى ملك سابق وليس ذلك نادراً في الدعاوى والبيّنات ولكن  قد أجمع الأصحاب على خلاف ما قلته بل زاد الأصحاب فقالوا لو  انتزع  من يد المتّهب منه رجع الواهب المشتري، وكذلك إذا انتزع من يد المشتري الثاني رجع على الأول، والأول على البائع،  وتوجيه ذلك  أن البينة العادلة تحمل على الصدق وإذا لم يجر من المشتري سبب مزيل فلا محمل إلا جريانه من البائع أو عدم ملك البائع، لاسيما إذا لم يدّع البائع على المشتري أنك أزلت الملك، فإن ادّعى فلا بد من قبول دعواه والقول قول المشتري أنه ما أزال فإنه عاجز عن أن يثبت، ففي  التصرف والعهدة مصلحة البياعات، ولأجله جُوز ضمان  العهدة على خلاف القياس وهذه هي المصلحة ","part":1,"page":57},{"id":2659,"text":"فروع: أحدها: أنه لو ادّعى أرضاً وزرعاً فيها وأقام بينة عليه وأنه زرعه وأقام صاحب اليد بينة، أما الأرض فلصاحب اليد تقديماً بحكم اليد، وأما الزرع فيُبتنى على أن سبق التاريخ واليد إذا اجتمعا فأيهما  يقدم\rالثاني: إذا [ادّعى]  ملكاً مطلقاً فشهدت [بينة]  على الملك وذكر السبب لم يضر ذلك وإن زاد، بخلاف ما إذا ادّعى ألفاً فشهدت البينة على ألفين إذ الألف الزائدة مقصودة  فلا تثبت، والسبب غير مقصود، وفي الألف المدّعاة وجهان من حيث أن تبعيض البينة [بعيد]  فإن رُد في الكل فهل يصير الشاهد به مجروحاً في سائر الشهادات فوجهان ، وفي ثبوت السبب الذي تعرض له الشاهد نظر في مسألتنا، والأوجه أنه لا يثبت حتى لو قال المدّعي: شهدت البينة على السبب فاحكموا به فنكلفه إعادة البينة، ولو ادّعى المدّعي سبباً، وذكر الشاهد سبباً [آخر]  فوجهان: أظهرهما: أنه لا يقبل، للتناقض  والثاني: القبول، لأن الشهادة على الملك المطلق في الحال كافٍ، والسبب غير مقصود فيجُعل كما لو سكت عنه\rالثالث: ادّعى  خارجيان داراً في يد ثالث، وأقام أحدهما بينة على أنه غُصب منه، وأقام  الآخر بينة أنه أقر له به,  فبينة الغصب مقدمة؛ لأنه إذا ثبت  كان الإقرار من غاصب فيلغو، ثم إذا سلم إلى المدّعي للغصب  لم يكن [لمدّعي]  الإقرار أن يغرمه قطعاً؛ لأن الحيلولة غير حاصلة بسببٍ من جهته، وإنما حصلت بالبينة وهو مضطر فيها","part":1,"page":58},{"id":2660,"text":"الرابع: إذا ادّعى رجل جارية أو عبداً في يد غيره وقال: هذه الجارية بنت أمتي، [ولدتها في ملكي، قال الأصحاب: يحكم له بالملك، ولو اقتصر على قوله: هذه بنت أمتي]  لم تسمع البينة في الجديد، ولكن في القديم تسمع، لأنه قد أضاف إلى جارية مملوكة، والظاهر أن المملوكة تلد على ملكه، ونحن نكتفي في الأملاك بالظواهر ولا نبالي بالاحتمال البعيد، وهذا كله تخبّط ، والوجه القطع برَدّ الدعوى فإنه لم يدّعِ ملك الولد، وأمته قد تلد في غير ملكه وفي غير يده ومعناه أن الأمة التي ملكها  الآن ولدتْها قبل ملكه، وإن قال: ولدتْها في  ملكي فإن عنى به أن الولد كان في ملكه فهذا  دعوى ملك الولد في  أمس فيُخرج على الجديد والقديم، وإن قال: أردت [أن]  الجارية كانت في ملكي قلنا: وقد تلد الجارية المملوكة ولداً حراً أو مملوكاً للغير بوصية، فما ادّعيته  ملكاً في الولد ناجزاً و  سابقاً، بل ادّعيت يداً سابقة على الولد فيُخرج على القديم والجديد في إثبات اليد، فإن قيل: لو ادّعى جارية ولم يتعرض للحمل وهي حامل فلم يسلم للمدّعي ويتصور  أن يتفرق  الملك في الأم والولد قلنا: جرى ذلك بطريق التبعية، وأما ههنا فقد أفرد الولد بالدعوى فليدّعِ فيه ملكاً ناجزاً أوسابقاً وما عداه على ما نقلناه عن الأصحاب وهمٌ وزلل\rالطرف الثاني: التنازع [في العقود] \rوفيه مسائل:","part":1,"page":59},{"id":2661,"text":"الأولى: إذا قال صاحب الدار: أكريتُه  بيتاً من الدار بعشرة, وقال المكتري: اكتريتَ الكل بعشرة ، فقد حُكي  عن  ابن سريج:   أن بينة المكتري أولى لاشتمالها على مزيد، وهذا سخيف؛ فإنها زيادة في المشهود به لا أثر له في ظهور الصدق ويلزم عليه أن يقال: إذا لم تكن بينة وتخالفا تحالف المتعاقدان ، والمكتري أولى؛ لأنه يدّعي الزيادة، وقال أبو حنيفة : تقدم بينة المكتري  حتى لو انقلبت الخصومة فقال المُكري: اكتريت جميع الدار بعشرين، وقال المكتري بعشرة، فبينة المُكري  أولى، وفرّع ابن سريج  وقال: لو تعارضت الزيادة فقال المٌكري: اكتريتُ البيت بعشرين، وقال المكتري: بل اكتريتَ كل الدار بعشرة، قال من الأصحاب من يسلك مسلكاً في الاستعمال، ويقال  إذا قامت البينتان  يُحكم بصحة العقد على جميع الدار بعشرين ثم زيّفه، وقال: هذا حكم على خلاف البينة وعلى الجملة الترجيح  بهذه الزيادة والاستعمال كذلك  خبط، والوجه طرد قولي التهاتر والاستعمال كذلك  فإن تهاترا فكأن لا بينة  فيتحالفان ويتقاسمان\rوإن حكمنا بالاستعمال فلا مطمع في قول الوقف، لأنه يفوّت المنافع ومدة الإجارة  ولا في قول القسمة إذ الزيادة المتنازع فيها أعني ما وراء البيت إلى جملة الدار يدّعيها أحدهما وينفيها الآخر, والقسمة تجري حيث يدّعي كل واحد لنفسه, والشيء يحتمل القسمة  يبقى قول القرعة وهو جار لمن رآه ومن رآى القسمة والوقف فإذا امتنع فلهم  مسلكان فمنهم من قال: يرجع إلى التهاتر لعسر الاستعمال, ومنهم من قال: يقنع بالملك الممكن، وإنما التردد في أولى طرق الاستعمال عند إمكان الكل، فإذا لم يتمكن  إلا واحد تعيّن ذلك","part":1,"page":60},{"id":2662,"text":"وعلى الجملة قول القرعة ضعيف في كل مقام إذ ثبت أن القرعة لا تجري في الطلاق المبهم ومسائل عدة، وإنما مجرى القرعة أصلان: أحدهما: تمييز الحقوق بعد التساوي في الأعراض عند التنازع في الأعيان كقسمة الأموال المشتركة فإن التخصيص بالبعض إما أن يكون بتحكم السلطان وهو موغر للصدور، وإما بالقرعة وهي أقطع للشغب والأمر فيه هين، والتحق به حكم المتسابقين إلى الدعوى وطلب [العلم] \rوالأصل الثاني: القرعة في العتق: ومعتمده الجزء   وليس ذلك على قانون القياس فلا يلحق به غيره \rوليس ما نحن  فيه في معنى قسمة الحقوق؛ لأن حرمان واحد عن أصل الحق وتخصيص آخر عظيم فهو تردد  بين النفي والإثبات لا كالقسمة، فإن القرعة لا تضر بأحد فيه ويتأيد ذلك بأن المتعاقدين  إذا تحالفا فلم يصر أحد من الأصحاب إلى القرعة وليس يبين فرق في تعارض البينة وتعارض [اليمين]  ","part":1,"page":61},{"id":2663,"text":"الثانية: إذا ادّعى رجلان داراً في يد ثالث قال أحدهما: بعتَ مني بمائة وقبضتَ الثمن، وقال الآخر:  بعتَ مني بثمانين وقدّمت  الثمن وأقام كل واحد بينة ، فعلى قول التهاتر كأن لا بينة ويحلف لكل واحد منهما ولا يخفى وجهه، وعلى قول القرعة تسلم الدار لمن خرجت القرعة له ورجع  الثاني إلى الثمن؛ لأن القرعة لا تؤثر إلا في محل التنازع والتناقض، أما تسليم الثمنين لا تناقض فيه، فلا بد من إثباته، لكن من أخذ الدار لا يسترد الثمن والثاني فلا [بد]  وأن تسترد، وعلى قول الوقف تخرج الدار والثمنان من يد المدّعى عليه ويُوقف إلى الصلح؛ لأن الإشكال  في الدار والثمنين جميعاً، وعلى قول القسمة تقسم الدار بينهما نصفين ثم كل واحد يسترد نصف الثمن، وفي المسألة قول خامس من تخريج الربيع إنّا إن لم نحكم بالتهاتر استعملنا كل بينة في فسخ عقد الآخر إذ تعذر بسببها إمضاؤه فيرجع كل واحد  إلى ثمنه والدار تبقى في يد المدّعى عليه، ثم هذا إذا كانتا مؤرختين بتاريخ واحد متناقض ، فلو كان تاريخ إحداهما في الشراء سابقاً فيحكم للسابق؛ لأن الشراء بعده يكون باطلاً، أما إذا كانتا مطلقتين غير مؤرختين فتجرى الأقوال الخمسة  إذ ليس أحدهما أولى بالتقديم من الآخر وقال الشيخ أبو محمد : لا يجري  قول القرعة في المطلقتين إذ القرعة لتمييز الكاذب، وصدقهما ممكن، فلعله جرى عقدان متعاقبان بعد عود  الملك إلى البائع، وهذا ضعيف؛ لأن القرعة لا تميز الصادق، بل هي لتمييز شخص عن شخص متساويين من كل وجه\rفرع:","part":1,"page":62},{"id":2664,"text":"إذا فرعنا على القسمة قال القاضي : لو فاتحنا أحدهما بتسليم النصف إليه [فرضي] ، واسترد الثاني نصف الثمن ففاتحنا الآخر بفسخ العقد للتبعيض، فله ذلك، ويسترد جميع الثمن، فلو قال الأول: سلموا بقية الدار إ ليّ وخذوا مني ما استرددته من الثمن فإنه لا منازع الآن لا يجاب إلى ذلك؛ لأنه رضي بالنصف وجرى القضاء برد النصف من الثمن فلا ينقض، أما [إذا]  فسخ من فاتحناه أولاً وطلب الثاني الجميع فهل يجاب قال فيه وجهان: أحدهما: يجاب لزوال المانع، والثاني: لا، لأن قول القسمة لا يوجب أكثر من النصف، فلا يُعطي أكثر مما أوجبته بينته، وقال الإمام  المختار: عندي عكس هذا, وهو أنه يجاب في هذه الصورة قطعاً وفي الأولى وجهان؛ لأن البينة توجب الجميع وإنما تندفع بالتنازع فإذا لم تكن فينبغي  أن تسلم إلا إذا بادر أحدهما ورضي فيحتمل أن يقال يؤاخذ برضاه وعندي أنه يجب القطع بالتسليم في الموضعين لأنه إنما رضي أولاً بالضرورة لوجود المنازع","part":1,"page":63},{"id":2665,"text":"الثالثة: عكس الأولى وهو أن يدّعي كل واحد بيع الدار منه بألف، ومقصودهما طلب الألف وترك الدار في يد المدّعى عليه ، فإذا أقام كل واحد على دعواه بينة مطلقة  فالصحيح أنهما لا يتناقضان فلا يجري قول التهاتر، ولكن ثبت الألفان  جميعاً إذ الذمة متسعة لا تضايق فيها، ومقصود البينة إثبات الأثمان في الذمة، ويمكن تقدير عقدين متعاقبين من  شخص بخلاف المسألة الأولى فإن المقصود طلب الدار وهي عين واحدة تضيق عنهما، ومنهم من أجرى قول التهاتر لأنهما ربطاه بعين واحدة ثم بالتفريع  على الأصح لا يجري قول الوقف والقرعة والقسمة بل يجب الثمنان وهو الذي قطع به المزني ، ومن الأصحاب من أجرى الأقوال الثلاثة حتى يفوز كل واحد بنصف الثمن على قول القسمة، وعلى قول القرعة يفوز من خرجت له ويخيب الآخر، وعلى قول الوقف تقف  الخصومة، وهذا أيضاً بعيد إنما يتجه إذا تناقضت البينتان فإن أضافا البيع إلى وقت معين لا يتسع لعقدين  كطلوع قرص الشمس من يوم معين قال الإمام : وتقدير لحظة لا يتسع لعقدين متعاقبين يمكن ذكرهما  باللسان كالجزء الذي لا يتجزأ، ولا يمكن ضبطها  بالحس حتى يشهد عليها  إلا أن تحقق التناقض بالتفريع على أن الشهادة على [النفي]  مسموعة إذا تعين الوقت  بحيث أمكن أن نعلم النفي، كما إذا شهدت بينة على قتل أو بيع في وقت  فشهدت بينة أخرى على نفي القتل والبيع، كأنها كانت تشاهد البائع والقاتل في ذلك الوقت ساكناً ساكتاً، فهذا مما يمكن أن يُعلم، وفي سماع مثل هذه البينة وجهان : أحدهما: لا، لأنها شهادة  على النفي، ولا ينضبط الأمر لو فتح باب الشهادة على النفي، والثاني: أنه يقبل لإمكان استنادها إلى الحقيقة، وهذا متجه، لكن الأكثرون ذهبوا إلى ردّ هذه الشهادة، فعلى هذا يمكن تحقيق التناقض ببينتي البيعين  وإلا فلا","part":1,"page":64},{"id":2666,"text":"الرابعة: ادّعى عبدًٌ أن مولاه أعتقه، وادّعى آخر أن مولاه باعه منه، وأقام كل واحد بينة، فإن كان في [يد]  أحدهما سبق  تاريخ فهو مقدم؛ لأنّا ذكرنا أن الصحيح أن الملك إذا استند إلى عقد وذكر تقدمه لزم  دوامه ومنافاته لعقد آخر بعده، أما إذا كانتا مؤرختين بتاريخ واحد على التضييق، فهما متعارضتان فلا يخفي موجب قول التهاتر إذ يصير كأن لا بينة، ولا  يوجب  قول الوقف والقرعة، وعلى قول القسمة يعتق نصف العبد ويثبت الملك للمدّعي في نصفه ، ويبقى النظر في سراية العتق، فقال الأصحاب: لا يسري العتق على السيد وإن كان موسراً، لأنه محكوم عليه قهراً، والعتق القهري لا يسري كالإرث، وذكر العراقيون قولين : أحدهما: ما ذكرناه، والآخر: أنه  يسري لأنه محكوم عليه بأنه  اختار العتق، فيلزمه القسمة  للمدّعي، وقد اعترض عليه المزني  وقال: يجب تقديم بينة العتق لأن العبد له يد على نفسه فهو كصاحب يد، وهو ضعيف، فإن  العبد في يد سيده لكنه يدّعي لنفسه يداً بالعتق، أما إذا جرت البينتان مطلقتين  فالصحيح أنه تجري الأقوال الأربعة لأن العبد يضيق عن العتق والملك جميعاً، وسبق العتق أيضاً إن قُدر  منع الشراء، كما أن سبق الشراء يمنع العتق، ومنهم من قال لا يجري قول التهاتر إلا عند التضييق في التاريخ وتعيينه إذ يمكن سبق الشراء والعتق الصحيح بعده بعود الملك، وهذا تعسف لا وجه له","part":1,"page":65},{"id":2667,"text":"الخامسة: إذا ادّعيا داراً في يد ثالث وأقام كل واحد منهما بينة على أنها ملكه اشتراها من صاحب اليد كفاهما ذلك، وهما متعارضتان، وليس عليهما أن يتعرضا لملك صاحب اليد، وإنه كان ملكه لما أن باع لأن معه  حجة عليه بكل حال، وإن أضافا البيع إلى غيره وجب أن تشهد هذه البينة أو غيرها على ملك البائع وإلا فلا فائدة ، ويجوز له  أن يقيم بينة على ملك البائع من غير توكيل من  البائع؛ لأن غرضه إثبات الشيء  لنفسه فلينظر  إلى مقصوده، ولأن هذا لا يتعلق بمقصود التعارض بل الغرض الفرق بين دعوى الشراء من صاحب اليد و  غيره\rالطرف الثالث : في زيادات أخرى ،\rوفيه مسائل:\rالأولى: مات  رجل وخلف ابناً مسلماً، وآخر نصرانياً، وادّعى كل واحد أنه مات على دينه، وأنه الوارث، فللمسألة حالتان:\rالأولى: أن يكون الأب معروفاً بالتنصر فإن تداعيا بغير بينة فالقول قول النصراني، لأن الأصل دوام التنصر، وإن أقام كل واحد بينة فتقدم بينة المسلم لأنها تشتمل على زيادة ناقلة من  الاستصحاب، وهذا أصل في ترجيح البينات، كما لو أقام رجل بينة على دار ورثها من أبيه، وأقام آخر [بينة]  أنه اشتراها من أبيه، أو أقامت  الزوجة بينة أن أباه أصدقها فتقدم بينة الشراء والإصداق لاشتمالها على زيادة، أما إذا شهدت بينة النصراني بأنه نطق بالتنصر ومات، وشهدت الأخرى بأنه نطق بالإسلام ومات فهما متعارضتان (ولا ترجيح)  فتجرى الأقوال الأربعة، وقال أبو إسحاق المروزي : لا يجري قول القسمة؛ لأنه لا يتصور شركة بين المسلم والكافر في الميراث بخلاف [الملك]  المطلق أو المسند إلى الشراء، وهذا ضعيف لأن هذا القول لا يعتمد إلا إمكان الشركة في الجنس إذ كل واحد أقام حجة تقتضي له كمال الملك فنرجع بالتصادم إلى النصف ","part":1,"page":66},{"id":2668,"text":"الحالة الثانية: أن لا يُعرف دينه قديماً فقال المسلم: لم يزل أبي مسلماً، وإنما أنت مرتد، وقال الآخر لم يزل نصرانياً فليس أحدهما بأن يُجعل القول قوله بأولى من الآخر فتُجعل التركة كمالٍ في يد اثنين تنازعاه فيقسم بينهما إن حلفا، أو نكلا، وقال القاضي : إن كان في يد أحدهما جعلناه  صاحب اليد وهذه زلة من الناقل عنه؛ لأنه إذا اعترف أنه من جهة الإرث فكيف تنفعه اليد أما إذا أقام كل واحد بينة فهما متعارضتان فنجري الأقوال الأربعة، ومنهم من قال: تقدم بينة الإسلام تغليباً للإسلام في دار الإسلام، وهو بعيد؛ لأن الدار إنما تؤثر في إسلام الأطفال الذين لا كافل لهم، ولو صح ذلك لوجب أن يكون القول عند عدم البينة قول من يدّعي الإسلام، ولا قائل به، نعم نص الشافعي رحمه الله  أن هذا الشخص يُغسّل ويُصلى عليه، لأن أمره وإن كان مشكلاً فتجوز الصلاة مع الإشكال كما إذا اختلط المسلمون بالمشركين فإنّا نصلي على المسلمين بالنية، والمسألة  لا تخلو عن احتمال لاسيما فيمن كان معروفاً بالتنصر وشهدت البينتان على النطق بالكلمة قبل [الموت] ، لكن إذا شهدت بينة على الإسلام فالصلاة على كافر أهون من ترك الصلاة على مسلم ","part":1,"page":67},{"id":2669,"text":"الثالثة : مات رجل وله ابن نصراني، وابن مسلم، وأسلم النصراني ووقع النزاع في أنه أسلم قبل الموت ويرث، أو بعده فلا يرث، فللمسألة حالتان: إحداهما: أن يتفقا على أنه أسلم في رمضان ولكن قال الأخ المتنصر: مات أبي في شوال وأنا وارث، وقال الآخر: بل  مات في شعبان ولا شيء لك، فإن لم تكن بينة فالقول قول النصراني؛ لأنه أنكر موت الأب في شعبان والأصل بقاء حياته، وإن كان لأحدهما بينة قُضي له، وإن أقام كل واحد بينة قال القاضي  والأصحاب: بينة المسلم أولى، لأنها تشتمل على زيادة معرفة  بوقوع الموت في شعبان، أما كونه ميتاً في شوال فهو مشترك في البينتين قال الإمام : وهذا ضعيف؛ لأن بينة النصراني [إن]  صرحت بأنها رأته  حياً إلى شوال فهما متعارضتان؛ لأن الشهادة على الحياة شهادة على إثبات لا على نفي وهي زيادة، وإن أطلقت بأنه مات في شوال فالمفهوم منه أنه مات عن حياة لا أنه كان ميتاً في شوال فلا وجه إلا التعارض، ثم  تجرى الأقوال الأربعة إذ يستحيل أن تحمل شهادة الموت في شوال على مجرد استصحاب الموت \rالحالة الثانية: اتفقا على أنه مات نصرانياً في رمضان، واختلفا أن الإسلام  كان في شعبان أو في شوال فإن لم تكن بينة فالقول قول المسلم إذ الأصل بقاء الكفر، وإن كان لهما بينة فبينة النصراني أولى؛ لأنها تشتمل على العلم بتقدم الإسلام فالناقلة أولى من المستصحبة وهذا ارتضاه الإمام  وقال: لا يبعد اعتماد شهادة الإسلام في شوال [لأنه لا يبعد]   استصحاب الكفر السابق ويبعد اعتمادها  استصحاب الحياة السابقة \rفرع:","part":1,"page":68},{"id":2670,"text":"زوجة مسلمة، وأخ مسلم، وابنتان كافرتان  تنازعوا في إسلام الميت وتعارضت بينتان على وفق الدعوى  فإن رأينا القسمة فالنصف للابنتين  فإنهما فريق، والنصف [الآخر]  للأخ والزوجة فإنهما فريق، ثم تأخذ الزوجة الربع من هذا النصف لأن الابن الكافر محجوب بقول الأخ فلا يردها إلى الثُمن، أما إذا خلًف الميت أبوين كافرين، وابنين مسلمَين وتنازعوا في إسلام الميت، ولم تكن بينة، ذكر القاضي وجهين في أن القول قول من وقرّبهما من تقابل الأصلين أحدهما: أن القول قول المسلمَين، تغليباً للإسلام بالدار والثاني: قول الأبوين، لأنهما إذا كانا كافرين فالأصل كفر الولد قال الإمام : وهذا إنما ينقدح إذا أنكر الابنان كون كفر الأبوين كفراً  أصلياً وادّعيا ردتهما, فإن سلما ذلك فيثبت كفر الولد والأصل استصحابه \rالثالثة : قال لعبده: إن قُتِلتُ فأنت حر فشهد شاهد  أنه قُتل، وشهد امرأتان  أنه مات حتف أنفه ففيه قولان:  أحدهما: أنهما متعارضتان  والثاني: أن بينة القتل أولى لاشتمالها على زيادة فإن كل ميت ليس بقتيل، وكل قتيل ميت\rولو قال لعبده سالم: إن متُ في رمضان فأنت حر، وقال لغانم: إن متُ في شوال فأنت حر، وكل  واحد ثلث المال، وقام لكل واحد بينة فقولان أحدهما: شهادة الموت  في رمضان [أولى لأن عندها زيادة علم بتقدم الموت والثاني: أنهما سواء]  وقال ابن سريج : بينة شوال أولى، لأنه قد يغمى عليه في رمضان فيظن أنه  قد مات، ثم إذا قلنا تتساقط البينتان فقد عتق أحد العبدين، وأشكل  عينه، وسيأتي في العتق \rفرع:\rإذا تنازع الزوجان في متاع البيت فهو في يدهما من غير فرق بين ما يليق بالرجال أو يليق بالنساء،  و قال أبو حنيفة:  الأسلحة وما يليق بالرجال هو في يد الرجل، والحُلي وما يتعلق بالمغزل في يد المرأة\rالطرف الرابع: في تعارض البينتين في الوصية والعتق\rوفيه مسائل:","part":1,"page":69},{"id":2671,"text":"الأولى: إذا قامت بينة لعبد على أن فلاناً المتوفي أعتقه وهو ثلث ماله، وشهد وارثان أنه أعتق عبداً غيره  وهو الثلث أيضاً، نص الشافعي  رحمه الله  أنه يعتق من كل واحد نصفه، وهذا مشكل؛ لأن قاعدة الشافعي الإقراع  فليقدم على [هذا]  موضع  القرعة فنقول مهما أعتق عبدين في مرضه كل واحد  ثلث ماله، فإن تقدم أحدهما تعين  العتق  السابق، وإن أعتقهما معاً أقرع بينهما قطعاً على خلاف القياس لورود الخبر  وإن لم يُدرَ أنه أعتقهما معاً أو [أحدهما قبل الآخر]  [ترتيباً فهو كما لو أعتقهما معاً، وإن علم تقدم أحدهما ولكن أشكل السابق]  فقولان   أحدهما: أنه يقرع لأنهما متساويان في الاستحقاق فصار كما لو  أعتقا معاً، والثاني : أنه يوزع العتق عليهما [فيعتق]  من كل واحد نصفه؛ لأن القرعة على خلاف القياس؛ إنما وردت فيمن أعتق عبيداً معاً ولم يملك (غيرهم) ، ومثل هذين القولين جاريان في نكاحين اشتبه السابق منهما أو مجتمعين  في أنه هل يُجعل كالواقعتين  معاً حتى يندفع  فإن قلنا: لا يقرع فنجري  على القياس ويعتق من كل واحد نصفه، وينزل عليه نص الشافعي ، وهو ضعيف؛ لأنه ذكر إطلاق البينتين من غير تعرض للتقدم والاجتماع، والغالب في مثل ذلك أنه لا يعرف أنهما مجتمعان أو هما  مرتبان، وفي مثل هذه الصورة يبطل المجتمعان ولكن يمكن أن يقال الغالب التقدم والتأخر","part":1,"page":70},{"id":2672,"text":"وأما إذا أوصى بعتق عبدين معاً أو مرتباً فلا يختلف فيه الحكم بالتعاقب والاجتماع؛ لأن الموت جامع لعتق الكل في وقت واحد فالمذهب أنه يُقرع، وذكر بعض الأصحاب فيه قولين أحدهما: القرعة وهو الذي قطع به الصيدلاني  والفوراني ، والثاني: أنه لا يُقرع؛  لأن الخبر ورد فيمن نجّز العتق في الحياة،  وللشرع  تشوّف إلى تكميل عتقه بالسراية، فإن عدل إلى القرعة على خلاف ظاهر القياس لم يكن في معناه العتق بعد الموت مع أنه لا يُبنى عن السراية إذ لو أوصى بعتق نصف عبد عتق  ولم يسرِ، وهذا القائل ينزل نص الشافعي رحمه الله على هذه الصورة, ويقول أراد بقوله أعتق أي أعتق بالوصية  ","part":1,"page":71},{"id":2673,"text":"الثانية: المسألة بحالها لكن أحد العبدين سدس المال فإن وقعا معاً فليس إلا القرعة، وإن خرج على النفيس الذي هو ثلث المال عتق، ورق الخسيس، وإن خرج على الخسيس عتق وعتق من النفيس نصفه، وهو تمام ثلث  المال ، وإن صورناه حيث سبق أحدهما وأشكل السابق فعلى قول القرعة حكمه ما ذكرناه، وعلى قول التوزيع في كيفيته وجهان:  أحدهما: وهو مذهب أبي حنيفة  أنه يعتق من النفيس ثلاثة أرباعه، ومن الخسيس نصفه، لأن النفيس يقول نصفي حر بلا خلاف، وإني إن تقدمت في العتق عتقت  كلي، وإن تأخرت عتق نصفي، وهو تمام الثلث، فالنزاع في النصف الآخر وهو قدر سدس بيني وبينك فليُوزع  علينا، والوجه الثاني: وهو مذهب أبي يوسف  أنه يعتق من كل واحد ثلثاه، لأن النفيس يضارب بكله وهو ضِعفُ  الخسيس ، والمتنازَع هو الثلث فيقسم بينهما أثلاثاً بحيث يكون للنفيس ضعف ما للخسيس، وهو كما لو أوصى لزيد بجميع ماله، ولعمرو بثلث ماله وأجازت الورثة كل الوصية، فإنّا نقسم المال بينهما  أرباعاً بطريق العول، إذ تقدير  المال أربعة أثلاث، يضارب زيد بثلاثة أثلاث وعمرو بثلثٍ واحد، ولم يذكر أصحابنا الوجه الآخر ههنا ولا بد من طرده وهو مذهب أبي حنيفة  إذ يقول زيد: أما الثلثان فهو مسلم لي وإنما زاحمتني على الثلث فيقسم بيننا ليكون لي خمسة أسداس ولك سدس، ولا فرق بين المسألتين فيجب إجراء الوجهين ههنا ","part":1,"page":72},{"id":2674,"text":"الثالثة: إذا شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق عبده غانم وهو ثلث المال، وشهد وارثان بأنه رجع عن عتق غانم وأعتق سالماً وهو أيضاً ثلث المال، حُكم بقول الوارثين وأعتق سالم ونفذت  شهادتهما في الرجوع ؛ لأنهما لم يجرا إلى أنفسهما مالاً لمّا  أبدلا العتق في عبد بعبد مثله، قال الشافعي  رحمه الله : ولا ينظر إلى ما قاله بعض الناس من  أنه ربما يكون له غرض في تبديل الولاء فإن هذه تهمة بعيدة،  أما إذا كان سالم الذي شهد له الوارث سدس المال فهو متهمٌ، ونص الشافعي   أنه يعتق العبدان أما غانم فبالشهادة الصادرة من الأجانب مع رد شهادة الوارث في رجوع  [بتهمته] ، وأما سالم فلإقرار الوارث، ومن الأصحاب من خرج قولاً أنه يُقرع بينهما, وقالوا:  يبتنى القولان على أن من جمع في شهادته بين ما يُرد وبين ما يُقبل هل يُرد في الكل فإن قلنا: يُرد في الكل عتق العبدان كما قال الشافعي ، وإن قلنا: لا يرد فيجب أن ترد شهادته في الرجوع عن الوصية الأولى فقط، فأما في إثبات العتق لغانم فلا ترد\rوإن ثبت العتق لهما جميعاً أقرع بينهما فإن خرج على النفيس عتق ورق الخسيس، وإن خرج على الخسيس عتق جميعه وعتق معه من النفيس ما يُكمل به الثلث وهو نصف النفيس\rأما إذا شهد عدلان أجنبيان على عتق غانم فقال شاهدان من الورثة كذبا وإنما أعتق سالماً فلا خلاف أنه  يعتق العبدان؛ لأن تكذيب العدل ساقط غير مسموع ويعتق الثاني بالإقرار \rالرابعة: شهدت بينة بأنه أوصى لزيد بالثلث، وشهدت أخرى بأنه أوصى لعمرو بالثلث، وشهدت ثالثة أنه رجع عن إحدى الوصيتين  قال الشافعي  رحمه الله: يقسم الثلث بينهما وقال الأصحاب: سبب ردِّ الشهادة  الرجوع لأنها مجملة، وقال القفال : تقبل شهادة الرجوع؛ لأن المشهود عليه والمشهود له معين","part":1,"page":73},{"id":2675,"text":"وتظهر فائدة هذا الخلاف فيما لو كان قد شهد كل بينة بالسدس فإن رددنا شهادة الرجوع المجمل أعطينا كل واحد سدساً كاملاً، وإن قبلنا الشهادة وزعنا سدساً [واحداً]  عليهما، فهذا هو الكلام في الدعاوى، ولم يبق إلا دعوى النسب فنختم الكتاب بباب في دعوى النسب\r\rفهذا باب دعوة النسب وإلحاق القائف:\rولا يتصور عند الشافعي رحمه الله إلحاق مولود بأبوين [بل]  إذا أشكل وتداعى المولود اثنان، عرض على القائف ، وقال أبو حنيفة: يلحق بهما ، ولا معنى لقول القائف أصلاً، ومعتمد الشافعي  حديث مجزز المدلجي  في أسامة وزيد ، وهو معروف ، والنظر في هذه القاعدة يتعلق بأركان الإلحاق وهي ثلاثة: المُسْتَلْحِق، والمُلْحَق، والإلحاق \rالركن الأول: المُسْتَلْحِق:\rوأهلية الدعوى تثبت لحرٍ ذكرٍ ثبت  إمكان النسب في حقه بنكاح أو وطء محرم، فهذه ثلاثة قيود:\rالأول: الحرية:\rوقد اختلفوا في العبد والمعتق الذي عليه ولاء إذا استلحق مولوداً على ثلاثة أوجه:  أحدها: وهو الصحيح أنه يلحق ولا فرق بين الحر والعبد حتى لو تداعيا مولوداً واحداً عرض على القائف، وعند أبي حنيفة  يقدم الحر على العبد، والمسلم على الكافر، وعندنا لا فرق والوجه الثاني: أنه لا يلحق، لأن فيه قطع الإرث بالولاء، والولاء حق مستحق لازم عليه فلا ينقطع إلا بحجة\rوالثالث: أن العتيق  لا يقدر عليه؛ لأن الولاء عليه حاصل، وأما الرقيق فتصح دعواه؛ لأن ولائه موهوم بعد، ولا خلاف في أنهما إذا نكحا أو ثبت وطؤهما بالشبهة أن النسب يلحقهما ","part":1,"page":74},{"id":2676,"text":"وأما المرأة : ففي استلحاقها أيضاً ثلاثة أوجه:  أحدها: أنه  لا تصح دعواها, إذ يمكن إقامة البينة على ولادتها فلا ضرورة في قبول مجرد قولها والثاني: أنه تقبل إذ الرجل أيضاً لم يُكلف إقامة البينة على النكاح مع إمكانه والثالث: أنها إن كانت خلية  عن الزوج لحقها، وإن كانت ذات زوج فلا،  إذ يستحيل الإلحاق بزوجها وهو منكر يزعم أنها ما ولدت، والإلحاق بها دون الزوج أيضاً بعيد \rوأما القيد الثالث: وهو الإمكان، والنظر فيه  في مراتب [ثلاث] : الأولى: أن المنكوحة إذا وُطأت بالشبهة بعد إمكان الولادة من الزوج، فالولد من  الزوج والواطئ  وإن لم يثبت وطء الزوج، ولكن يكفي مع النكاح إمكان الوطء حتى لو وطأها الزوج واستبرأها بحيضة ثم وطأت بالشبهة فالولد بينهما؛ لأن الحيض لا يقطع الإمكان بل لا حاجة إلى وطء الزوج مع إمكانه، نعم لو نكحت بعد طلاقه زوجاً آخر، وأتت بولد يحتمل  أنه  [منهما]  من حيث الزمان فالولد للثاني، لأن النكاحين متساويان، والناسخ أولى حتى لو  نفاه الثاني باللعان وادّعاه الأول لم يلحقه، لأن الثاني لو كذّب نفسه للحقه، فلما [لم]  يمكن حسم هذا الباب عليه \rالرتبة الثانية: المملوكة إذا وطئها السيد ثم وُطأت بالشبهة بعد تخلل حيضة، فالولد للثاني بخلاف النكاح؛ لأن ملك اليمين وإمكان الوطء لا يلحق ما لم يقر بالوطء، وقد بطل أثر إقراره بالحيضة، قال الإمام : وهذا فيه احتمال، لأن الأول ههنا لو ادّعى بعد تخلل الحيض يلحقه الولد، ويلتحق بهذا ما لو غلط إلى أجنبية فوطئها، فلما حاضت وطئها آخر فإن الولد للثاني، وكذلك لو غلط إلى منكوحة الغير فوطئها فحاضت فوطئها الزوج فالولد للزوج، فالإمكان  في وطء الغلط وملك اليمين ينقطع بالحيض لا محالة ","part":1,"page":75},{"id":2677,"text":"الرتبة الثالثة: المنكوحة نكاحاً فاسداً وُطئت بالشبهة  بعد أن حاضت عقيب وطء النكاح ففيه وجهان : أحدهما: أن هذا كملك اليمين وأن مجرد الإمكان لا يكفي في الإلحاق ما لم يقر الناكح بالوطء كما في الغلط والثاني: أنه كالنكاح الصحيح في النسب حتى يثبت بمجرد الإمكان \rالركن الثاني: الملحق:\rوهو القائف, وهو كل مدلجي مجرِب أهل للشهادة  فهذه  ثلاثة قيود: الأول: كونه مدلجياً، وهذا مختلف فيه  وعبر عنه بأن القيافة خاصة فيهم، (أو)  علم يتعلم، فمنهم من رأى أنهم يعولون على دلائل يمكن تعلمها، ومنهم من قال: بل خاصية، إذ كانوا يراجعون مع كثرة الأكياس في الصحابة، فإن قلنا: يتعلمون فلا شك أنهم يعولون على أشباه جلية، وعلى شمائل خفية فلو كان يشبه أحدهما في الشمائل ويشبه الآخر في الخلقة فعلى أيهما يعول فيه وجهان، ومن قدم الشمائل كأنه مدّعٍ  أن التشابه فيه لا بد منه\rأما الشبه الظاهر فلا يكثر من  الولد والأب  غالباً \rوأما قولنا: مجرّب, نعني به أنه لا يعول على مجرد قوله: إني قائف، فليست هذه خاصية تعم جميعهم بل  نجرّبه بأن نُرِيه مولوداً بين نسوة ليس فيهن أمه، فإن لم يلحق فنُرِيه في نسوة أُخر ليس فيهن أمه، فإن لم يُلحق أريناه بين  نسوة فيهن أمه، فإن ألحق  بها وثقنا  بقوله ، وقال الشيخ أبو محمد : لا تكفي التجربة مرة بل يشترط الثلاث، والصحيح أن هذا كتعليم الكلب فلا يُتقدر بعدد بل ما يحصّل ظناً ظاهراً بهدايته، ثم إذا جرّبناه مرة فلا نستأنف تجربته في كل ما يُعرض عليه بعده إذ حصل العلم بهدايته، وإنما  جرّبناه بالنساء لنكون على يقين من نسبه، فإن النسب إلى الأب لا يستيقن\rوأما كونه من أهل الشهادة فلا بد منه \rوفيه وجه بعيد، أنه لا تشترط الحرية والذكورة \rوالصحيح أنه يكفي قائف واحد بدليل حديث مجزز المدلجي   وكأن القائف حاكم","part":1,"page":76},{"id":2678,"text":"وفيه وجه آخر أنه يشترط العدد ، ولا شك في اشتراط كونه مكلفاً \rالركن الثالث: في الإلحاق ومحل العرض على القائف:\rفنقول إنما يعرض على القائف صغير تداعاه شخصان كل واحد لو انفرد بالدعوى  للحقه، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر، ويخرج على هذه القيود مسائل:\rالأولى: أن البالغ المجهول إذا ادّعى نسبه مدّعي فوافقه لحقه، وقول القائف: على خلاف قولهما لا يقبل، لأن الحق لا يعدوهما، ولو أنكر البالغ فألحق القائف لم يكن قوله حجة عليه، بل قوله حجة في الصغير وفي الساكت  لا في المنكر البالغ\rالثانية: صبي في يد إنسان وهو يستلحقه، فجاء  آخر وادّعى نسبه، لم يعرض على القائف, بل صار  يده مع الدعوى  كفراش النكاح \rومن ادّعى نسب مولود على فراش نكاح، وزعم أنه وطئها بالشبهة  لم يقبل، ولم يعرض على القائف؛ لأن هذا يجر فساداً على الإنسان ، ولا يكفي اعتراف الزوجة والزوج بوطء الشبهة؛ لأن الحق للولد، [بل]  لا بد من بينة تقوم على الوطء  بالشبهة حتى يعرض على القائف \rالثالثة: في يده صبي وهو يدّعي نسبه ويزعم أن زوجته أتت به، والزوجة تنكر، وجاءت زوجة رجل آخر وقالت: أنا ولدته من زوجي، أما الصبي فملحق بمن هو في يده ويدّعيه، بقي النظر بين الزوجتين وفيهما  ثلاثة أوجه : أحدها: أنه يلحق بزوجة الخارجي؛ لأنها  المدّعية ويمكن أن يكون منها ومن المستلحق بوطء شبهة ، وهذا بناءاً على أن للمرأة الدعوى  والثاني: أنه يلحق بزوجة المستلحق وإن أنكرت ، وهذا بناءاً على أنه لا دعوى  للمرأة ويكفي استلحاق الزوج للحوق بالمرأة ، وهذا بعيد والثالث: أنه يعرض في حق الزوجتين على القائف لأن إحداهما مدّعية والأخرى منكوحة الذي  ثبتت أبوته","part":1,"page":77},{"id":2679,"text":"الرابعة: إذا لم نجد القائف, أو نجد والولد  متنازع بين رجلين ، فإذا بلغ قلنا: للمولود انتسب إلى أحدهما، وعليه أن يعتمد في ذلك ميل الطبع وحنين القلب فقد تقتضي الجبلّة ذلك، فإن امتنع قال الأصحاب: يُحبس  حتى ينتسب كما يُحبس الكافر إذا أسلم على عشر نسوة حتى يختار أربعاً، قال الإمام:  وربما لا يجد في نفسه ميلاً فإلزامه الإجبار  فيه بُعد\rفرع:\rإذا صار مميزاً ولم يبلغ فهل يُخير ولو اختار فهل له حكم فيه وجهان : أحدهما: أنه يُخير كما في الحضانة والثاني: لا، لأن أمر النسب مخطر، ومهما ثبت لم يكن له الرجوع عنه بخلاف الحضانة، فإن قلنا: يختار فبلغ فحضر القائف وخالف اختياره حُكْم القائف فأيهما يعتبر وهذا  فيه نظر، ولعل الظاهر اعتبار اختياره وإقراره كما لو انفرد واحد بدعوة مجهول فإنه يعتبر إقراره  وكأن القيافة بدل عن اختيار البالغ واختيار المميز إن جوّزناه بدل عن القائف حتى تعتبر غيبة القائف كما تعتبر غيبة شهود الأصل\rفروع:\rالأول: [رجلان]  وطئا امرأة في طهر واحد وحبلت، ثم ادّعى أحدهما المولود دون الآخر، ففيه قولان : أحدهما: أنه يُحكم للمدّعي كما في [المال]  الضائع والثاني: أنه يُعرض على القائف، لأن النسب حق المولود\rالثاني: ألحق القائف ثم قال: غلطتُ، لم يقبل قوله في الرجوع ولم ينقض ما سبق به الحكم من النسب، وكذلك لو اختار البالغ أحدهما ثم رجع لم يقبل\rالثالث: إذا ألقت سقطاً وظهر فيه التخطيط، يُعرض على القائف إذ يبتنى على نسبه انقضاء العدة، والاستيلاد، وجملة من الأحكام، ولو انفصل ميتاً أو حيّاً ثم مات ولم يتغير  بعدُ يُرى القائف","part":1,"page":78},{"id":2680,"text":"الرابع: نفقة الولد قبل إلحاق القائف عليهما، فإن ألحق القائف بأحدهما فالآخر يرجع عليه بما أنفق، وكذلك القول في حال الحمل إذا تداعيا  حيث نوجب النفقة للحمل، ولو أُوصى له في حالة الإشكال فيقبل كل واحد من المتداعيين حتى يحصل الملك للولد \rالخامس: من استلحق صبياً في يده لحقه، فلو بلغ وانتفى عنه ففيه قولان كالقولين فيمن حُكم بإسلامه تبعاً فأعرب عن نفسه بالكفر بعد البلوغ هل يُجعل مرتداً أو كافراً أصلياً","part":1,"page":79},{"id":2681,"text":"كتاب العتق\rوليس يخفى أنه تصرف نافذ بشهادة الكتاب، والسنة، والإجماع، وهو قريب المأخذ من الطلاق فيما يتعلق بالصيغ والتعليقات، وقد ذكرناه، ولكن له خواص خمس وهو السراية إلى ملك الغير، واستحقاقه، وحصوله بسبب القرابة من غير اختيار ، وامتناعه في المرض إذا جاوز الثلث، ويتفرع عنه القرعة بين العبيد، وهي أيضاً من الخواص، والولاء على المعتَق، فنظر الكتاب في أركان العتق و  خواصه، وفي فروع تتولد من  بين هذه الخواص فهذه ثلاثة أقسام تحوي  نظر الكتاب:\rالقسم الأول: في أركان العتق:\rوهي ثلاثة: الأهل، والمحل، والصيغة:\rأما الأهل: فكل مالك مكلّف  غير محجور [عليه] ، فلا ينفذ عتق الرجل في ملك غيره، ولا يقف على إجازته، ولا ينفذ عتق الصبي والمجنون، وفي تدبير الصبي خلاف،  ولا ينفذ عتق المحجور عليه بالفلس والسفه، وذكرنا تفصيله في موضعه\rوأما المحل: فهو كل إنسان مملوك منفكٍّ عن وثيقة لازمة سواء كان مقدوراً عليه أو لم يكن، إذ ينفذ عتق الآبق، والجنين، والمغصوب، واحترزنا بالإنسان عن الطير والبهيمة، فالصحيح أن إعتاق الطير وتسريحه لا يزيل الملك، وفي عتق المرهون أقوال ذكرناها في موضعه  ، واحترزنا بالمملوك عما لو أعتق ملك غيره فإنه يلغو، وقال ابن أبي ليلى: يُقوّم عليه إن كان موسراً\rوأما الصيغة: فصريح وكناية\rوصريحه: التحرير والإعتاق  \rوأما  فكُّ الرقبة: فقد ورد في القرآن مرة واحدة، ففي كونه صريحاً خلاف  كلفظ المفاداة في الخلع، ولفظ الإمساك في الرجعة","part":1,"page":1},{"id":2682,"text":"وأما الكنايات: فكل لفظ مشعر به، ولا ينحصر كقوله: لا سبيل لي عليك، ولا سلطان لي ، ولا رق، وكقوله:  طلّقتك وأنت طالق، ونوى العتق  حصل، خلافاً لأبي حنيفة ، فلو قال لعبده يا مولاي ونوى نفذ؛ لأن المولى قد يُراد به  المعتَق، ولو قال لعبده: يا سيدي، ولأمته يا كذبانو   ونوى قال القاضي : لا ينفذ؛ لأن اللفظ لا يُنبئ إلا عن السؤدد وتدبير المنزل وليس فيه معنى الحرية بخلاف المولى، وقال  الإمام : ينفذ، إذ قد يُراد به المالك والمالكية ، فإذا أشعر بالمالكية  تضمّن زوال الملك فيحتمل \rفرعان: أحدهما: أنه  لو سَمّى أمته باسم الأحرار كزينب وفاطمة، جاز، وكذلك لو كان اسمها زينب قبل الرق فاسترقت وسميت باسم آخر، فناداها سيدها باسمها القديم ونوى الحرية، لم ينفذ؛ لأنه لا يشعر به، وذكر الإمام  أن هذا على رتبة [بين]  تسميتها مولاة وكَذبَانُو ، وبين تسميتها حرة، إذا كان اسمها القديم حرة، وإذا قال يا حرة، ولم يخطر بباله اسمها القديم عتُق، وإن قصد تسميتها باسمها  القديم،  قال القاضي: لا يقبل، وتعتق لأن اللفظ صريح وزايلتها الحالة التي كانت  تليق بها اسم الحرة، وقال الإمام: يقبل ذلك","part":1,"page":2},{"id":2683,"text":"الثاني: لو قال السيد: أريد أن ألقبها بالحرة وأجعل ذلك اسمها، ثم قال بعد ذلك: يا حرة، فالظاهر أنه لا تحصل الحرية إذا  قصد النداء،  ويلتفت على أن من غير موجب اللغة بالاصطلاح هل يلتفت إليه وفيه  خلاف ذكرناه في مسألة السر والعلانية في الصداق،  ولو قال لعبده: يا آزاذ مَرْد  عتق، فإن قال: قصدت وصفه بالجود دين ولم تقبل ظاهراً إلا أن تقترن به قرينة، فيكون كما لو حل القيد عن زوجته وقال أنت طالق، وقال أردت [طلاقاً]  عن وثاق، وحيث لا يقبل فلو قال ذلك لعبد الغير ثم اشتراه عتق [عليه]  وجُعل إقراراً، وكذلك لو قال  لعبد الغير: قد أعتقتك قال القاضي : يُجعل إقراراً بأنه أعتق من قبل؛ لأن قد وصيغته للماضي ظاهر فيه ، ولو قال أنت حر فهو إقرار في عبد الغير لأنه وصف، وجُعل إنشاءاً في ملكه للشيوع، أما إذا قال: أعتقتك وقال: أردت الإنشاء يقبل ويلغى في ملك الغير، قال الإمام : وقوله قد أعتقتك أيضاً كذلك، وكلام القاضي يشير إلى الفرق، ولو كان اسم عبده آزاذروي فناداه بذلك لم يعتق \rالقسم الثاني: من نظر الكتاب في خواص العتق، وهي خمسة:\rالخاصية الأولى: السراية","part":1,"page":3},{"id":2684,"text":"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أعتق شركاً  في عبد قُوّم عليه الباقي»  فعُلم بهذا أن الشرع يتشوف إلى تكميل العتق ويأبى تجزأته فنقول: العتق تارة يسري إلى بقية الملك، وتارة إلى ملك الغير؛ [فأما بقية الملك فهو أن يعتق النصف من عبد يملك جميعه فيسري إلى الباقي موسراً كان أو معسراً؛ لأنه إذا سرى إلى ملك الغير]  بالنص فيثبت هذا بطريق الأولى، وكذلك لو ملك جارية حاملاً فأعتق الأم سرى إلى الولد بطريق التبعية،  وإن كان الجنين شخصاً مستقلاً ولكن إذا تبع في البيع ففي العتق أولى, ولو أعتق الجنين فالمذهب أنه لا يسري  إلى الأم,  وقال الأستاذ أبو إسحاق  يسري إلى الأم، [أما إذا كان الولد ملك الغير فلا يسري إعتاق الأم إلى الجنين، ولا إعتاق الجنين إلى الأم] ، وقال أبو حنيفة : إعتاق الأم يسري إلى الجنين وإن كان مملوكاً لغيره\rثم اختلف الأصحاب في  النصف الآخر يُعتق بطريق السراية مهما كان الكل له, أو يُجعل ذكر البعض كذكر الكل, وكذلك في الطلاق الموجه على نصفها، وكذلك في العتق الموجه على [حكم]  عضو معين منها  فإنه يُكمّل عندنا خلافاً لأبي حنيفة ، والأظهر أن هذا ينفذ بطريق التسرية, فإن العضو المعين لا يقبل، وبنوا هذا على توجيه العتق على اليد في مقطوع اليد، وذكرنا جملة ذلك في الطلاق فلا معنى للإعادة \rأما السراية إلى ملك الغير فإنما تكون إذا وجّه  العتق على نصيب نفسه فينفذ, ويسري  إلى الباقي إن كان موسراً, وإن كان معسراً وقف  نصيبه، ونعني باليسار أن يكون له ما  يباع في الدين, وإن كان لا يباع في الكفارة كالعبد الذي يخدمه فإنه موسر به في هذا الحكم فإنه  في حكم دين,  ولو كان موسراً ولكن عليه دين بمثل ماله فهل يلحق بالمعسر فيه خلاف  كما في وجوب الزكاة عليه؛ لأن العتق حق الله تعالى كالزكاة فلا يبعد أن يسقط بالدين","part":1,"page":4},{"id":2685,"text":"وإن كان موسراً ببعض قيمة النصيب فالمذهب أنه يسري إلى ذلك القدر  , وفيه وجه أنه لا يسري أصلاً إذ يتضرر الشريك بتبعيض نصيبه عليه كما في الشفعة \rوالمريض ليس موسراً إلا بمقدار الثلث, والميت ليس موسراً أصلاً إذ يزول ملكه عنه بالموت, فلو أوصى  بعتق بعض عبد فيُعتق, ولايسري [عليه، ولو صرح وقال: أعتقوا البعض عتقاً سارياً قلنا: السراية محال فيعتق، ولا يسري]  لكن طريقه أن يوصي بشراء بقية العبد وإعتاقه حتى ينفذ\rأما إذا قال لشريكه: نصيبك حر في معرض الإنشاء لا في معرض الإقرار لغى ولم ينفذ لا في نصيبه ولا في نصيب الشريك\rولو قال: أعتقت نصف هذا العبد فهذا يتناول نصفاً شائعاً من النصفين, أو يُنزل على نصيب القائل فيه وجهان لا يظهر ههنا فائدته؛ لأنه وإن نُزل على بعض نصيبه فيسري إلى كل نصيبه معسراً كان أو موسراً؛ لأن اليسار شرط السراية إلى ملك الغير لا إلى ملكه\rولكن يظهر في بيع النصف من  دار بينه وبين شريكه، وفي الإقرار، [ففي وجه ينزل البيع على جميعه، فيصح، وعلى وجه ينزل على الشيوع فيبطل في نصفه لملك الغير، وفي الباقي يخرج على تفريق الصفقة، وإذا كان في يدهما قناة أو دار فأقر لثالث بنصفه]  ففي وجه يخرج تمام النصف من يده, وفي وجه يخرج الربع من يده, والربع الآخر في يد شريكه، ولا  يقبل عليه إقراره, وقال أبو حنيفة: في البيع يُنزل على نصيبه لأن الإنسان إنما يبيع ملك نفسه, وفي الإقرار يُنزل على الشيوع؛ لأنه قد يُخبر عما في يد غيره، ولكن  هذا وجهاً في مذهبنا فإنه منقدح\rثم مهما كان موسراً وقضينا بالسراية ففي تعجيلها ثلاثة أقوال :\rأحدها: أنه يسري في الحال متصلاً باللفظ وتستقر القيمة في ذمته حتى لو مات العبد عقيبه, فعليه القيمة؛ لأن الشرع يأبى تبعيض العتق إلا ضرورة  , ولا ضرورة, فيسري في الحال","part":1,"page":5},{"id":2686,"text":"والثاني: أنه يعتق بأداء القيمة؛ لأن إبطال ملكه بغير عوض يسلم له أيضاً  إضرار به, ولأن العتق يقع من المعتق بتقدير نقل الملك إليه قبيله, فلا ينقل إليه إلا بأن ينتقل منه ما  يقابله\rوالثالث: أنه لا بد من النظر للمعتق وللشريك فنقول: إن أتفق أداء القيمة تبيّن سراية العتق في الحال, و إلا فيُتبين اطّراد الرق \rوإذا تمهدت  القاعدة فينبني عليها ست مسائل:\rالأولى: أن استيلاد  أحد الشريكين لا يسري إن كان معسراً, وإن كان موسراً ففي تعجيل السراية الأقوال الثلاثة,  ومنهم من رأى الاستيلاد أولى بالتعجيل لأنه فعل, ومنهم من رأى العتق أولى بالتعجيل لأنه تحقيق عتق, وهذه علقة عتاقه, فإن أجزنا الاستيلاد لزمه نصف المهر, ونصف القيمة, ونصف قيمة الجارية؛ لأن الولد يعتق جميعه في الحال, وإن كان المستولد معسراً ففي تبعيض رق  الولد وجهان،  فإن استولد الثاني أيضاً وهو معسر صارت الموطوءة مستولدة لهما مشتركة فلو أيسر أحدهما وأعتق نصيبه فقد قال بعضهم: يسري ويعتق الجميع, وقال القاضي: هذا غلط؛ لأنه لا يسري إلا بتقدير نقل الملك, ولا يتصور النقل في المستولدة, ولا يبعد أن يقول ذلك القائل النقل المفضي إلى العتق يتصور كما أن العبد المسلم لا يباع من الكافر ، ولكن لو كان مشتركاً بين مسلم وكافر فأعتق الكافر نصيبه ففي السراية وجهان؛ لأن هذا نقل قهري يفضي إلى العتق, نعم إن فرعنا على تأخر  العتق إلى أداء القيمة صار هذا [توجيهاً ما]  في حكم تملك  بالاختيار فيتجه المنع, وإن كان ذلك اختياراً هو مجبر عليه شرعاً لو امتنع منه","part":1,"page":6},{"id":2687,"text":"المسألة الثانية: عبد بين ثلاثة لواحد نصفه، ولآخر سدسه، ولآخر ثلثه فأعتق صاحب الثلث والسدس نصيبهما معاً، وفرعنا على تعجيل السراية حتى ينجز  العتق ففي كيفية القيمة عليهما قولان  كما في الشفعة أحدهما: أنه يُوزع على عدد الرؤوس فيستويان والثاني: أنه على قدر العتق وكذا القول في الولاء، وعلى هذا يجب  من قيمة النصف على صاحب الثلث ضعف ما على صاحب السدس، ومنهم من قال: ههنا يُقطع بأنه على عدد الرؤوس كما في الجراحات المهلكة في الدية  لأن هذا كالإتلاف، وهذا ضعيف؛ لأن إقرار  تأثير الجراحة لا ينضبط إذ لا تتقدر الجراحة بمقدار، والعتق ههنا [يقدر]  بمقدار الملك \rالمسألة الثالثة: إذا حكمنا بتعجيل السراية فالقيمة تجب باعتبار يوم الإعتاق، وإن حكمنا بالتأخير إلى الأداء ففيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه يعتبر يوم  الإعتاق فإنه الذي أوجب  زوال الملك فكأنه أزاله والثاني: يوم الأداء، إذ [به]  يتحقق الزوال والثالث: وهو الأصح أنه يجب أقصى قيمته  يوم الإعتاق  إلى الأداء كما يعتبر من وقت الجرح إلى الموت في (العبد)  المملوك والثوب الملبوس","part":1,"page":7},{"id":2688,"text":"فرع: لو اختلفا في قدر القيمة، وقد مات العبد، وبعُد العهد، ولا بينة، فالقول قول من فيه قولان أحدهما: أن القول قول الطالب، إذ لا يزال ملكه إلا بعوض فنرعى في العوض قوله والثاني: وهو اختيار المزني، وهو الأصح،  أن القول قول الغارم؛ لأن الأصل براءة ذمته، ولو ادّعى الطالب زيادة صنعة لكونه  كاتباً أو خبازاً فالأصل عدم هذه الزيادة فالقول قول الغارم، ومنهم من حكم بطرد القولين؛ لأن ذكر سبب زيادة القيمة لا يغير أمر التصديق فكل من يدّعي زيادة قيمة يدّعي زيادة صفة  ، أما إذا ادّعى الغارم نقيصة إن ادّعاها من  أصل الخلقة كما إذا قال خُلق  أعور، وأكمه ففيه طريقان  منهم من طرد القولين ، ومنهم من قطع بأن  الغارم هو  المصدق لأنه لم يسلم وجودها ، أما إذا ادّعى نقيصة طارئة والأصل  براءة ذمته، والأصل عدم النقيصة فهذا يخرج على القولين في تقابل الأصلين كما في وجوب الفطرة على  العبد الذي انقطع خبره، والأصل  براءة الذمة، والأصل بقاء العبد  وكذلك لو أعتقه عن كفارته فالأصل شغل الذمة، والأصل بقاء العبد، ولسنا  نعني بتقابل الأصلين تعارضهما بحيث يعسر الترجيح، لكن يعسر  من حيث الاستصحاب المجرد، ويمكن  الترجيح من جهات أخرى، ولو لم يكن كذلك لاستحال فيه الفتوى أو تخير  المفتي، وكيف  لا يتخير بين متناقضين فيقول تجب الفطرة ولا تجب، ويجزئ عن الكفارة ولا يجزئ، وتجب زيادة القيمة ولا تجب، فإن أيس  على المجتهد الترجيح من جهة [أخرى]  فعليه التوقف، وأما التخيير فغير ممكن, وهذا يؤدي [إلى]  النظر في أنه هل يتصور أن يكون الأمر متقابلاً عند الله  على التساوي فلا يكون في المسألة لله  حكم معين أم لا يتصور ذلك","part":1,"page":8},{"id":2689,"text":"المسألة الرابعة: إذا فرعنا على تأخير السراية فلو أعتق الشريك الثاني أيضاً نصيبه قبل المطالبة بالقيمة ففي نفوذه وجهان أحدهما: أنه ينفذ؛ لأن الملك قائم والثاني: لا؛ لأن الأول استحق تحصيل العتاقة لنفسه فكان  علقة كالرهن، وقال القاضي: إن نفّذنا عتقه ففي بيعه وجهان, وهذا باطل قطعاً, إذ البيع يبطل استحقاق تكميل العتق, وذلك مستحق للعبد ولله تعالى، وإنما النظر في أن المعتق هل يستحقه لنفسه أم  هو  مستحق  كيفما حصل فتردد بحسبه في عتق الشريك الآخر, ثم لا خلاف في أن له المطالبة بالقيمة وإن نفذنا عتقه؛ لأن الحيلولة حاصلة بالحجر في البيع, ومن نفذ البيع  يلزمه أن لا يثبت له المطالبة لكن  يثبت حق أداء القيمة للمعتق حتى يكمل [العتق]  له, ولعله يثبت له تتبع بيعه بالنقض إن أراد كما يفعل الشفيع ببيع المشتري للوصول إلى ما يستحقه, وكل ذلك بعيد\rفرع: لو صار معسراً بعد الإعتاق وقبل الأداء فإن قلنا: إن العتق يُعجل فليس إلا تتبع ذمته, وإن قلنا بتأخر  العتق قال الشيخ أبو علي : ينطلق  الحجر عن الشريك في البيع, وسائر التصرفات؛ لأن حقه مقدم على حق العتق ، [ولذلك وقف العتق]  عند الإعسار, ولم يتعجل عند اليسار، وهذا متجه لا بأس به\rفرع آخر: لو أعتق النصف من جارية مشتركة فوطئها الشريك الثاني قبل أداء القيمة وطئاً محترماً، وفرعنا على تأخير العتق فيجب نصف المهر بنصفها  الحر، وهل يجب النصف للآخر  فيه وجهان  أحدهما: لا يجب؛ لأن ملكه دائم، وإن كنا نمنع تصرفاته لاستحقاق العتق والثاني: أنه يجب, ويصرف إلى المعتق  لأن الجارية مستحقة الانقلاب إليه، وصاحب التقريب  ذكر الوجهين, ولم يذهب أحد إلى أن المهر لها, وإن كان هذا النصف أيضاً مستحق الانقلاب إليها بالعتق بعد الانقلاب إلى المعتق","part":1,"page":9},{"id":2690,"text":"فرع آخر: لو مات المعتق، وقلنا [بتأخر العتق]  فتؤخذ  القيمة من تركته، ولو مات العبد قبل الأداء ففي وجوب القيمة وجهان  [لا]  من حيث أنه تعذر نقل الملك ولكن كان مستحق الإزالة في الحياة فلا يبعد أن يقال تمت الحيلولة, والحجر في الحياة فيبقى وجوب القيمة\rالمسألة الخامسة: إذا قال أحدهما: مهما أعتقتَ أنت نصيبك فنصيبي أيضاً حر فلا يخلو إما أن يقول: فنصيبي حر معه, أو قال: بعده, أو  قال: قبله, أو أطلق, فإن قال: قبله فإذا أعتق المقول له نصيبه وهو معسر عتق نصيبه, وعتق نصيب الآخر قبيله إن كان هو أيضاً معسراً, وإن كان موسراً  يؤدي إلى الدور، ويوجب حسم باب العتق على الشريك عند ابن الحداد  لأنه لو أعتق قبله لسرى ، وما نفذ عتق المباشر للمعتق  بعده, والحكم بالدور ههنا أبعد؛ لأنه يؤدي إلى حجر في ملك الغير, أما إذا قال: نصيبي  حر بعده فإذا أعتق المقول له وهو معسر عتق نصيبه, وعتق نصيب الحالف على الحالف أيضاً, وإن كان المباشر موسراً فقد اجتمع على النصف الآخر سببان للعتق: أحدهما: السراية والآخر: التعليق, فإن فرعنا على تعجيل السراية فالسراية أولى؛ لأنه حكم قهري فدَفْع ما يتعلق بالتصرف الاختياري أهون فيعتق العبد على المباشر, وعليه قيمة نصيب شريكه,  وإن أخرنا السراية وقلنا: لا ينفذ إعتاق الشريك قبل أداء القيمة لاستحقاق العتق [عليه]  فالسراية أيضاً مغلبة, ووجهه ظاهر, أما إذا قلنا: ينفذ إعتاقه قهراً فههنا ازدحم المباشرة من المالك, والسراية لغير المالك, فمن الأصحاب من أطلق أن السراية أولى, وهو ضعيف؛ لأنه لو أنشأ العتق الآن لنفذ على هذا الوجه  فما  تقدم تعليقه أولى بأن ينفذ, وإنما يتجه تقدير السراية إذا فرعنا على التعجيل, أو فرعنا على الحجر على الشريك الآخر في نصيبه في المعتق  وإن أخرنا السراية, أما إذا قال: فنصيبي معه حر قال صاحب التقريب : يحصل الحنث","part":1,"page":10},{"id":2691,"text":"وقال القفال : لا يحصل وكان القفال يرى أن السراية مع اللفظ غير متأخرة  عنه, ويرى صاحب التقريب أنه بعده فيتقدم الحنث على السراية, ويلتفت على هذا أصل؛ وهو أن الملك ينتقل إلى المعتق إذا سرى عليه مع الفراغ من اللفظ, أو بعده, أو قبله, وقد ذكرنا ذلك فيما إذا قال: أعتق عبدك عن كفارتي فلا نعيده, ولو أطلق فهو كما لو قال بعده \rالمسألة السادسة: إذا قال أحد الشريكين لصاحبه: أعتقت نصيبك وأنت موسر فأنكر, نصَّ الشافعي رحمه الله  أنه عتق نصيب المدّعي مجَّاناً وهذا واضحٌ على قول تعجيل السراية, واستدل  المزني  على صحة هذا القول بهذا النص, ولكن قال بعض الأصحاب: إن لم نر تعجيل السراية فليس موجب قول المدّعي حصول العتق قبل الأداء فلا يحصل, وهذا فيه نظر لأن موجب قوله إنه مستحق العتق [بحيث صار هو محجوراً عليه في بيعه ورهنه وكذلك في إعتاقه على وجه فكيف تُرك]  تحت تصرفه إلا أن يُبني هذا على أن طريان الإعسار يرفع الحجر عنه، ثم منع القيمة بالجحود، (يلحق بطريان)  الإعسار كما ذكرنا  في المهر والنفقة على رأي، فعند ذلك يتصور رفع الحجر عنه, ثم على قول التعجيل له أن يحلفه, فإن حلف وقال ما أعتقت  عتق على المدّعي نصيبه مجاناً, وإن نكل وحلف المدّعي استحق قيمة نصيبه وعتق فلا يعتق نصيب المدّعي  بيمينه؛ لأن دعواه إنما قبلت لأجل القيمة فيختص أثرها بالقيمة, و إلا فلا يجوز  للإنسان أن يدّعي على غيره أنك أعتقت عبد  غيرك ، وإنما تقبل هذه الدعوى من العبد لحظِّه في العتق, أو تقبل هذه الشهادة على سبيل  الحسبة, وفيه وجه أنه يعتق عليه؛ لأنه بعد أن سمع الدعوى لأجل القيمة فتؤثر اليمين المردودة تأثير البينة ","part":1,"page":11},{"id":2692,"text":"فرع: لو ادّعى كل واحد من الشريكين على صاحبه أنه أعتق نصيبه  وهما معسران بقي العبد  رقيقاً, وإن كانا موسرين  عتق العبد على قول التعجيل، وولاؤه موقوف إذ لا يدّعيه واحد منهما \rالخاصية الثانية: العتق بالقرابة :\rوكل من دخل في ملكه أحد [أبويه]  بعتاقته باختياره، أو غير اختياره عتق عليه إن كان من أهل التبرع, فقد نبهنا في الرابطة على ثلاثة أمور:\rالأول: أن يستوي في هذا الملك القهري والاختياري, فلو ورث قريبه عتق عليه كما لو اشتري أو اتهب, وأما خاصية السراية فتتبع الاختيار فإن من ورث نصف قريبه وعتق [عليه]  لم يسر عتقه إلى الباقي لأنه حصل قهراً \rالثاني: أنّا قيدنا الكلام بالأبعاض ودخل فيه الفروع والأصول, وهو كل من يستحق النفقة, وخرج من عداهم من الإخوة والأعمام, وقال مالك  رحمه الله : يعتق الإخوة والأخوات, وقال أبو حنيفة  رحمه الله : يعتق كل ذي رحم محرم\rالثالث: أهلية التبرع ويخرج عليه النظر في الصبي والمديون والمريض، أما الصبي فليس لوليه أن يشتري [له]  من يعتق عليه؛ لأنه تبرع، ولو اشترى لم يصح, ولو وهب من الصبي من يعتق عليه فيجب  للقيم قبوله حيث لايؤدي  إلى وجوب نفقة القريب في مال الصبي بأن يكون الصبي موسراً، والقريب زمِناً, فإن كان الصبي معسراً جاز القبول, ولا يمتنع بتوقع  وجوب النفقة عليه في ثاني الحال لو أيسر بعده، بل ينظر إلى الحال، ومهما كان القريب كسوباً قُبل, ثم إذا قُبل عتق عليه، وهل يجب قبوله  فيه تردد من حيث أن فيه مِنة لكن غرض الولاء للصبي مقصود، وكذلك خلاص قريبه عن الرق، وحيث أطلقنا القريب أردنا به الأبعاض فقط","part":1,"page":12},{"id":2693,"text":"فرع: إذا وهب من الصبي شقص من قريبه الكسوب ولكن نتوقع من قبوله سراية العتق إلى الباقي بالقيمة وذلك ضرر ففي القبول  قولان:  أحدهما: أنه يجوز  ثم يعتق ذلك القدر, ولا يسري كي لا يتضرر, والثاني: لا يُقبل ولا يصح لو قُبل لأن دفع السراية في الملك الذي يختاره [من]  هو نائبه شرعاً غير ممكن  فيندفع سببه\rوأما المريض إذا  ملك قريبه بالإرث فيعتق عليه من ثلثه أو من رأس المال فيه وجهان,  ولو ملكه باتهاب وقبول وصية فوجهان مرتبان, وأولى بأن يحسب  من الثلث، [لأنه مختار،  أحدهما: أنه من رأس المال، وكأن ما ينصرف إلى قريبه هو من قبيل نفقة القريب في مدة المرض، وهو يؤخذ من رأس المال والثاني: أنه يحتسب من الثلث]  لأنه تبرع غير واجب فهو كما لو اتهب عبداً ثم أنشأ عتقه فإنه لا خلاف أنه يحسب  من الثلث\rأما إذا اشتراه بثمن المثل فلا خلاف أنه  يحسب من الثلث؛ لأنه بذل مالاً في مقابلته، ولو اشترى  بخمسمائة وهو يساوي ألفاً فقدر خمسمائة محسوب من الثلث، ومقدار المحاباة يخرج على الوجهين، ثم وارثه القريب عنه ينبني على الوجهين، فإن قلنا يحسب من الثلث فقد جعلناه وصية له, ولو ورث لكان وصية لوارث ووجب رده من أصله، ولو بطل من أصله لبقي رقيقاً فيؤدي إلى الدور فنقضي بأنه لا يرث، وإن قلنا: إنه من رأس المال فيرث, فإذا ملك أباه ولا مال له غيره فعلى وجه يعتق ثلثه, وعلى وجه جملته\rوأما المديون إذا كان مريضاً، أو كان  محجوراً عليه بالفلس فليس له الشراء للقريب فإذا اشترى ففي وجه يبطل الشراء، وفي وجه ينعقد  ولا يعتق عليه [بل]  يباع في دينه, أما إذا ورث أو اتهب فإن قلنا إنه محسوب من الثلث فلا يعتق عليه, وإن قلنا إنه من رأس المال فيعتق عليه إذا لم يخرج عن ملكه في مقابلته شيء\rقاعدة مركبة من خاصية السراية والقرابة:","part":1,"page":13},{"id":2694,"text":"وهو أنه إذا ملك شقصاً من قريبه, وعتق عليه, فإن كان موسراً هل يسري إلى الباقي نُظر إن حصل له الشقص بجهةٍ اختياريةٍ كشراء, أو اتهاب, أو قبول وصية سرى, وجُعل كالمعتق للنصف, وإن حصل قهراً بالإرث لم [يسر] ؛ لأن التقويم تغريم فلا يتوجه إلا على من له فعل واختيار, واعلم أن اختيار وكيله كاختياره, واختيار نائبه شرعاً كاختيار وكيله، معناه  أنه لو أوصى له بشقص أبيه  فمات قبل القبول ووارثه أخوه فيقوم مقامه في القبول فإذا قبل عتق كله على الميت إن كان في الثلث  وفاء به؛ لأنه كالنائب من جهته, ولا يعتق على القائل  فإنه عم، أما إذا أوصى له ببعض هؤلاء يُضيّق  عليه ويعتق على وارثه كما لو  وصّى له بابن أخيه ووارثه أخوه, فإذا مات قبل القبول فقبل الأخ ذلك البعض عتق على القائل، وهل يسري فيه وجهان:  أحدهما: نعم؛ لأنه مختار في القبول والثاني: لا؛ لأن قبوله يحصل الملك أولاً للميت ثم ينتقل إليه قهراً فكأن اختياره ليس يتوجه قصداً إلى جلب الملك، ويجري الوجهان فيما لو كان [الموَرِث]  باع بعض من يعتق على وارثه بثوبٍ, ثم وجد الوارث بالثوب عيباً فرده، ورجع إليه بعض القريب وعتق فهل يسري فيه الخلاف؛ لأن المقصود برد  الثوب، وعود العوض وقع ضمناً له، [إذ لو كان العوض تالفاً كان له رد الثوب] ، وكذلك إذا  ملك المكاتب بعض ابن مولاه فعجّز نفسه فيرجع  إلى سيده عتق ذلك القدر ولم يسر، ولو عجّزه سيده ففي السراية وجهان \r\rالخاصية الثالثة: امتناع العتق من المريض إذا لم يف به الثلث:\rفإذا لم يملك المريض إلا عبداً واحداً فأعتقه ومات عتق منه الثلث, ورقّ الثلثان للورثة, فإن ظهر له  دين يستغرق العبد صرف العبد كله إلى جهة الدين، ولم ينفذ العتق، ولو مات العبد [قبل موت المعتق فله صور:","part":1,"page":14},{"id":2695,"text":"الأولى: أن يعتقه ولا مال له غيره فيموت]  قبل موت المريض المعتِق ففيه ثلاثة أوجه : أحدها: أنه مات حراً كله؛ لأن حق  الورثة رد  العتق إلى الثلث حيث يكون له فائدة فيه, وههنا لا فائدة  في رده [إلى]  الثلث والثاني: أنه مات رقيقاً كله؛ لأن الثلث إنما يعتق إذا بقي للورثة ضعفه، وههنا لم يبق, وهذا ضعيف والثالث: وهو اختيار القفال  أنه مات وثلثه حر، وثلثاه رقيق, كما لو عاش, فعلى هذا إذا كان له مال سواه, وله وصايا فتزاحم الوصايا يعتق العبد الميت، وعند من زعم أنه مات كله حراً أو رقيقاً لا يزاحم به الوصايا؛ لأنه إذا لم يكن موجوداً عند الموت فكأنه كالمعدوم\rالصورة الثانية: لو وهبه المريض وأقبض فمات في يد المتهب قبل موت الواهب فيخرج على الأوجه الثلاثة، وتظهر فائدته في التجهيز إن لم يكن قد دُفن ، وأنه على المتهب كله أو بعضه  ولو قتله الواهب  فهو كما لو كان باقياً حتى لو لم يخرج من الثلث غرم المتهب قيمة الزائد على الثلث بخلاف ما إذا مات في يده؛ لأن يده ليس بيد  ضمان حتى يطالب، ولكن يحتمل أن يقال يلزمه الضمان كما لو مات العبد المغصوب في يد المتهب من الغاصب على جهل فإنه يستقر الضمان على المتهب على قول، وكأن المريض غاصب حق الورثة، ولكن أطلق الأصحاب الفرق بين التلف والإتلاف\rالثالثة: لو أعتق ثلاثة أعبد لا مال له غيرهم ثم مات واحد قبل المعتق قال الأصحاب: يدخل الميت في القرعة فإن خرج عليه رق الآخران،  وهذا لا يصح إلا على اختيار القفال ، فأما من جعل المفقود  عند موت المعتق كالمعدوم أصلاً فلا ينقدح على مذهبه الإدخال في القرعة بل يُجعل كالمعدوم إذ لا فرق بين المسألتين، أما إذا قُتل قبل موت المولى فيتجه إدخاله في القرعة فإن خرج عليه بان موته حراً، وصرفت الدية إلى ورثته، وإن خرجت على أحد الحيين رق القتيل وكانت الدية  من التركة","part":1,"page":15},{"id":2696,"text":"الرابعة: لو أعتق ثلاثة أعبد لا مال له غيرهم فمات أحدهم بعد موت السيد ولكن قبل القرعة فإن لم تصل يد الوارث أصلاً إلى التركة لم يحسب الميت على الوارث حتى لو خرجت القرعة على الميت عتق ورق الآخران، ولو خرج على أحد الحيين عتق ثلثاه فقط، وإن كانوا في يد الوارث فمات واحد فهل يجب عليه أن يُجعل كالخارج عن يده لأنه محجور عليه في التصرف فيه وجهان،  فإن قلنا يحسب [عليه]  فهو كما لو كان حياً، وإن قلنا لا يحسب فلو خرجت  عليه القرعة رقَّ الآخران، ولو خرج على أحد الآخرين عتق ثلث  فقط؛ لأنه ثلث الباقي مهما فرضنا تساوي القسم \rالخاصية الرابعة: القرعة، والنظر في محلها، وكيفيتها :\rأما محلها : فهو أن يعتق عبيداً معاً، ولا يفي الثلث بهم، فقد ورد الخبر في رجل أعتق ستة أعبد لا مال له غيرهم فجزأهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  ثلاثة أجزاء، وأقرع بينهم \rوكان القياس أن يعتق من كل واحد جزء إذ أثبت لكل واحد حقاً، لكن تشوف الشرع إلى تكميل العتق، ومنع التجزئة ما أمكن، ويتفرع عنه مسألتان إحداهما: أنه لو صرح بالتبعيض  فقال الثلث من كل واحد منكم حر على الخصوص ففيه وجهان   أحدهما: [أنه إذا صرح]  يتبع قوله ويتجزأ الرق والثاني: أنه لا فرق بين هذا وبين قوله أعتقتكم؛ لأن عتق بعض  المملوك الخالص كذكر كله فيُقرع بينهم\rأما إذا قال لثلاثة  من عبيده ثلثكم حر فقد أطلق الأصحاب القرعة ههنا إذ يظهر أن يقال الواحد ثلث الثلاثة إلا أن يفسر ويقول: أردت ثلثاً شائعاً فيكون كما لو صرح، وأما أبو حنيفة  فإنه أنكر القرعة وقال: يعتق من كل عبد بعضه، ويُستسعى العبد في الباقي","part":1,"page":16},{"id":2697,"text":"المسألة الثانية: أن العتق إذا جرى على التعاقب لم يقرع بل قدم  السابق حتى لو قال على التوالي: سالم حر، وغانم حر، ولم يف الثلث إلا بأحدهما تعين للعتق سالم لتقدم ذكره، وكذلك إذا حابى وأعتق ووهب هبة [متصلة]  بالقبض فيقدم في جميع التبرعات السابق، أما إذا أوصى بعتق عبيد على الترتيب فهو كالجمع ؛ لأن وقت العتق واحد وهو الموت فلا ينظر إلى تقدم الوصية\rأما إذا دبر عبداً وأوصى بأن يعتق عنه [عبد]  فالتدبير يوجب وقوع العتق بالموت، والوصية توجب الإنشاء بعده ففيه وجهان:  أحدهما: تقديم التدبير؛ لأن موجبه الوقوع متصلاً بالموت والثاني: أنهما يتساويان؛ لأن الاستحقاق للثاني  يقارنه، والنظر إلى الاستحقاق أولى، ولا ندري ما يقوله القائل الأول فيما لو قال: أعتقوا عني هذا العبد بعد موتي بيوم، وأعتقوا ذاك  بعد موتي بشهر\rفرع: في كيفية الإخراج من الثلث:","part":1,"page":17},{"id":2698,"text":"فإذا أعتق ثلاثة أعبد لا مال له غيرهم، وقيمته كل واحد مائة، ولكن اكتسب  واحد قبل الموت مائة  فيُقرع بينهم فإن خرجت على المكتسب فلا إشكال فقد عتق جميعه، وبان أن الكسب حصّله بعد الحرية فيفوز به، ولو خرج على آخر  عتق ذلك العبد، ولا يقنع به؛ لأن المكتسب يرق ، ويبقى كسبه للورثة فيكون الباقي للورثة أكثر من ضعف المعتق إذ يبقى لهم ثلاثمائة، وهو عبدان ومائة من الكسب فيقرع مرة أخرى بين العبدين الباقيين فإن خرج على غير المكتسب فلا إشكال ويعتق  ثلثه إذ به يتم الثلث فإن مبلغ المال صار أربعمائة لما رق المكتسب، وإن خرج على المكتسب أشكل الأمر؛ لأنّا إن أعتقنا منه جزءاً تبعه مثله في  الكسب، ولا يستقر مبلغ المال على أربعمائة، ويقع فيه الدور، فسبيله الجبر والمقابلة، وطريق عمله أن نقول: عتق من المكتسب شيء، وتبعه مثله [من الكسب، وهو شيء] ؛ لأن كسبه مثل قيمته، ولو كان اكتسب مائتين لقلنا: تبعه مثلاه، ولو كان اكتسب خمسين لقلنا: تبعه مثل نصفه، فإذا كان الكسب مائة وقلنا: تبعه مثله بقي في يد الورثة عبد قيمته مائة، وعبد مكتسب قيمته مع الكسب مائتان إلا شيئين إذا أعتقنا منهم شيئاً، وتبعه شيء مثله، و  يعدّل مثلي ما أعتقناه فيكون مائتين وشيئين؛ لأنا أعتقنا  مائة وشيئاً ففي يد الورثة ثلاثمائة إلا شيئين تعدل مائتين وشيئين فتجبر ثلاثمائة فتصير ثلاثمائة تعدل مائتين وأربعة أشياء، [إذا كان تعدل مائتين وشيئين، وحصل جبره بضم شيئين إليه فصارت مائتان وأربعة أشياء]  والمائتين بالمائتين تبقى أربعة أشياء في مقابلة المائة  فنوزعه على المائة فيكون كل شيء خمسة وعشرين فقد بان أن الشيء [الذي]  أعتقناه من العبد قدر خمس وعشرين، وهو ربعه، ويتبعه من الكسب مثله فيصير خمسين فيكون قد بقي في يد الورثة مائتان وخمسون، وهو ضعف ما أعتقناه؛ لأنا أعتقنا مائة وخمسة وعشرين، وذلك ما أردنا أن نبين، ومهما زادت قيمة عبد","part":1,"page":18},{"id":2699,"text":"فهو ككسبه، ولو كانت جارية فحملت فالحمل كالكسب \rالطرف الثاني: في الكيفية:\rوالنظر في كيفية القرعة، وكيفية التجزئة، الأول:  كيفية القرعة، وقد ذكرناه في كتاب القسمة، وله طريقان أحدهما: أن يكتب اسم  العبيد الثلاثة مثلاً غانم وسالم ومبشر  ثم لا بد من محكم يقول:  أخرج على الحرية، أو على الرق، والأولى أن يقول على الحرية، فإنه إذا قال: خرج اسم واحد كفى، ورق الآخران، ولو قال أُخرج على الرق [جاز] ، فإذا خرج اسم واحد رق، ولا بد من الإخراج مرة أخرى حتى يتم\rوالطريقة الثانية: أن يكتب اسم الحرية والرق فيكتب الحرية على رقعة، والرق على رقعتين، ويدرج في  البنادق، والأولى أن يسلم إلى صبي حتى يسلم إلى كل واحد فينظر ما يخرج له، وإن قال الصبي: أخرج على اسم سالم مثلاً جاز، لكن ربما ينازع الآخران في البداية ويقول كل واحد ينبغي أن يبدأ باسمي، وهذا يحسم باب النزاع، ويجوز أن يقطع نزاع البداية بقرعة أخرى، والطريقان جميعاً جائزان، والقولان في الاستحباب، ولا خلاف أنه لو أبدل القرعة بشيء آخر فيه خطر مثل أن يقال لصبي: ضع يدك على واحد منهم، وقيل: من وضع عليه عتق، أو قالوا: ننتظر طائراً فإن كان غراباً عتق غانم وإلا عتق الآخر، وذلك  غير جائز؛ لأن الوارد في الشرع هو القرعة، نعم يجوز أن يكون [على]  كاغد، وعلى  خشب ولا يتغير  بعض أنواعه فقد أقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض المغانم بالنوى، وفي بعضها بالبعر \rالطريقة (الثالثة) : في كيفية التجزئة:","part":1,"page":19},{"id":2700,"text":"فإن أعتق ثلاثة أعبد، أو ستة أعبد  وتساوت القيم فيسهل تجزأتها ثلاثة أجزاء؛ [لأنهم تساووا بالعدد والقيمة، فإن لم يكن بالعدد، وأمكن تجزأتهم ثلاثة أجزاء بالقيمة]  وجب ذلك كما لو كان أربعة أعبد واحد قيمته مائة، وآخر مائة، واثنان مائة، فنجعل الاثنين  جزءاً واحداً، فإن خرجت القرعة لهما عتقا بمرة واحدة [وإن]  احتجنا إلى أن نضم قليل قيمة  إلى كثير قيمة  جاز ذلك فالمقصود تعديل الأجزاء الثلاثة بالقيمة، فإن لم يكن  بأن  أعتق ثمانية أعبد قيمة كل  واحد مائة ففيه قولان:  أحدهما: أنه يثلث، ويقرب  من  التثليث فيُجعل ثلاثة  وثلاثة  واثنان فإن خرجت القرعة على ثلاثة لم يعتق جميعهم بل تعاد القرعة عليهم بسهم [رق]  وسهمي (عتق) ، وإن خرج على واحد من هؤلاء سهم رق فيرق ثلثه ويعتق ثلثاه والقول الثاني: انه لا يجب التجزئة إلى ثلاثة أجزاء، بل كما يتيسر فيجزؤهم أربعة أجزاء كل عبدين جزء، ويقرع بينهم سهم عتق، وثلاثة أسهم رق، فأي عبدين  أصابهما سهم العتق [عتقا، ثم تعاد بين الستة فيجزؤون ثلاثة أجزاء سهم عتق، وسهمين رق، فأي عبدين خرج لهما سهم العتق]  انحصر بقية العتق فيهما، ثم تعاد [القرعة]  بينهما، فإن خرج العتق على أحدهما عتق ثلثاه مع العبدين الأولين، والصحيح أن القولين في الاستحباب وقال الصيدلاني : هو في الاستحقاق أما إذا عتق عبدين فلا خلاف في أنه يجزّؤ جزأين فمن خرج له القرعة بالحرية عتق منه قدر ثلث التركة\rفروع: فيما إذا كان على الميت دين:","part":1,"page":20},{"id":2701,"text":"أحدها: إذا كان عليه  دين  مستغرق  للمال بطل العتق وحق الورثة, وصرف الكل إلى  الدين، فإن كان مستغرقاً للثلث لم يبطل العتق لكن يقضى  الدين والعتق ينحصر في الثلث  الباقي بعد الدين، بيانه: أن يملك تسعة أعبد قيمة كل واحد  مائة لا مال له غيرهم، وعليه ثلاثمائة فيمكن صرف ثلاثة أعبد إلى الدين، ويبقى ستة فيعتق (منهم)  اثنان ويرق للورثة أربعة، لكن الطريق في التعيين بالقرعة أن يقرع أولاً بين الدين والتركة [فيكتب]  رقعة الدين، ورقعة التركة، ويخرج على اسم واحد واحد فإذا تعين للدين ثلاثة صرفناهم  إلى الدين أولاً، ثم أقرعنا بين التركة والعتق؛ لأنه ربما يموت العبد قبل قضاء الدين فتبطل القرعة الموجبة للعتق، وهل يجوز أن يكتب رقعة للعتق، وأخرى للورثة، وأخرى للدين فيه وجهان:  أحدهما: الجواز، إذ لا ينقص به حق والثاني: المنع؛ لأنه ربما يخرج العتق  أولاً ولا يمكن تنفيذه قبل قضاء الدين فيبقى موقوفاً إلى القضاء وشرط القرعة أن ينجّز حكمها إذا خرجت، ثم إذا فرعنا على الصحيح، وأردنا تمييز الدين عن التركة نظرنا إلى قدر الدين فإن كان ربع التركة قسمنا العبيد  أربعة أجزاء، وإن كان ثلثها قسمناهم ثلاثة أجزاء، فإذا تعين بعضهم للدين صار الباقي  كأنه كل المال فيقرع للعتق والرق\rالفرع الثاني: إذا أعتقنا واحداً بالقرعة، وظهر دين كنا لا نعرفه  فإن كان مستغرقاً بان بطلان العتق، وإن كان في التركة ما يمكن مع الدين تنفيذ العتق فهل تنتقد القرعة حتى تستأنف فيه وجهان  ذُكر  نظيره في كتاب القسمة\rالثالث: لو أعتق ثلاثة أعبد لا مال له غيرهم قيمة كل واحد مائة فأعتقنا واحداً بالقرعة فظهر له دفين  فيه مائة درهم أقرعنا مرة أخرى بين العبدين الرقيقين، وإن ظهر مائتا درهم أعتقنا من أحد العبدين الآخرين ثلثيه، ولا يخفى وجهه \rالقسم الثالث من الكتاب: في فروع متفرقة تنعطف على القواعد:","part":1,"page":21},{"id":2702,"text":"وهي أربعة عشر:\rالأول: إذا أبهم عتقاً بين عبديه، أو جاريتيه، فقال: أحدكما حر، فقد ذكرنا في الطلاق نظيره فالخلاف في أنه إذا مات قبل التعيين فهل يقوم الوارث مقامه وذكرنا خلافاً في أن الوطء هل يكون تعييناً للمملوكة، ولو استمتع بقبلة أو لمس بشهوة ففيه وجهان مرتبان، وأولى بأن لا يكون تعييناً، وفي الاستخدام وجهان مرتبان، ويبعد جعله تعييناً، وهذا فيه إذا لم ينوِ بقلبه أحدهما، فإن نوى تعين للعتق ما نوى، وإذا لم ينوِ ثم عين فالعتق يحصل بالتعيين إذ  يتبين إيقاعه فيه خلاف، وسبق جميع ذلك في الطلاق فلا نعيد \rالثاني: لو قال لجاريته: أول ما  تلدينه فهو حر، وجوّزنا مثل هذا التعليق، فإذا ولدت ولداً ميتاً ثم حياً لم يعتق الحي، وانحلت اليمين بالأول،  وقال أبو حنيفة: لا تنحل بالميت \rالثالث: إذا قال لعبده الصغير: أنت ابني لحقه، وعتق ، وكذلك لو قال للبالغ وصدّقه ، فإن كذبه  عتق عليه ولم يثبت النسب، وإن قال لمن هو أكبر سناً منه: أنت ابني لغى قوله، ولم يعتق عليه، وقال أبو حنيفة: يعتق عليه أما إذا قال لمشهور النسب أنت ابني لم يثبت النسب، وهل يعتق عليه   وجهان:  أحدهما: لا؛ لأن ما نطق به ممتنع شرعاً فصار كالممتنع حساً فيمن هو أكبر منه سناً والثاني: أنه يعتق؛ لأنه ممكن في نفسه بخلاف ما هو محال في نفسه، ولو قال لزوجته: أنت ابنتي فالقول في الفراق والنسب كالقول في العتق","part":1,"page":22},{"id":2703,"text":"الرابع: إذا أعتق الوارث عبد  التركة قبل قضاء الدين المستغرق، وقلنا: الدين المستغرق يمنع ملك الوارث فلا ينفذ عتقه، وهو وجه بعيد، ويقتضي بقاء الملك للميت، وإن قلنا: لا يمنع الملك, فإن كان الوارث معسراً لا يقدر على قضاء الدين من موضع آخر وجب القطع بأنه ينفذ لا كالمعسر  إذا أعتق المرهون ففيه قول أنه ينفذ، وقد ألحق الشيخ أبو محمد  هذا بالرهن، وقطع الشيخ أبو علي  بأنه لا ينفذ، وهو الصحيح؛ لأن الوارث يتلقى الملك بالوراثة، وذلك بعد الدين وإن لم يمنع الملك فلا أقل من منع التصرف بخلاف الراهن فإنه مالك مستقل بنفسه، ولو كان موسراً قال الشيخ أبو علي : في عتقه قولان: أحدهما: أنه موقوف إلى أن يقضي الدين، فإن قضي تبين نفوذه، وإلا تبين بطلانه والثاني: أنه ينفذ في الحال، ويلزم، وينتقل الدين إلى ذمة الوارث بالغاً ما بلغ قال الإمام: ينبغي أن يُجعل على هذا القول بالإعتاق مُلغىً  حتى لا يلزمه إلا أقل الأمرين  الدين أوالقيمة، [ثم قال] : لو  باع التركة وهو معسر لم ينفذ أصلاً، وإن كان موسراً فثلاثة أوجه:  أحدها: أنه باطل إلا برضى الغريم؛ لأن حقه آكد من حق المرتهن والثاني: أن البيع يصح، ويلزم والثالث: أنه يكون موقوفاً على أداء الدين، فإن لم يؤدِ كان للغريم نقضه وأما الشيخ أبو محمد ألحق  عبد  التركة بالعبد الجاني، وبيع الجاني يبطل على قول، ويصح موقوفاً على قول سواءاً كان معسراً أو موسراً فيخرج منه بوجه  في تنفيذ بيع المعسر بشرطٍ ينفع  الغريم، لكن تنفيذ التركة أقوى من العبد الجاني فلا يتجه تنفيذ [البيع]  لاسيما إلزام البيع، لكن الشيخ أبو علي فرع على لزوم البيع، وقال: يجب صرف الثمن إلى الغريم حتى لو سلمه  المشتري إلى الوارث فتلف في يده فللغريم مطالبة المشتري، قال: ولهم مطالبة الوارث فإن تعذر رجع على المشتري","part":1,"page":23},{"id":2704,"text":"وهذا كله خبط لبعد لزوم البيع، وإن  صح هذا فلمَ  ينبغي إن يفرق بين المعسر والموسر، والعوض مستحق الصرف إلى الغريم وإنما يتجه الفرق في العتق حيث لا عوض، وإنما ذكر الشيخ أبو علي جميع هذا مقدمة لفرع ابن  الحداد في الدور في عتق جارية من وجه  وأدّى  بنا إثبات الخيار بها  إلى الدور فقد ذكرناه في النكاح \rالخامس: إذا قال أحد الشريكين للعبد المشترك: إذا دخلتَ الدار الفلانية فنصيبي منك حر، وقال الآخر: مهما دخلتَ تلك الدار فنصيبي حر، وهما موسران، فدخل العبد عتق كل نصيب  على صاحبه  بالتعليق، ولا سراية، فإنهما متساويان في المعلق عليه، ولا نظر إلى التقدم والتأخر،  فلو قال لعبده سالم: إن أعتقتُ غانماً فأنت حر معه أو قبله، ثم أعتق  غانماً في مرضه وكل واحد ثلث المال  عتق غانم، ولم يعتق سالم؛ لأنه لو أدخل  في القرعة ربما خرجت القرعة عليه، ويستحيل أن يعتق دون عتق غانم وهو معلق على عتقه، فيجب تقديم غانم","part":1,"page":24},{"id":2705,"text":"السادس: إذا طار غراب فقال أحد الشريكين: إن كان غراباً فنصيبي حر، وقال الآخر إن كان حماماً فنصيبي حر، وأشكل، فلا يعتق شيء  إذ ربما يكون طيراً ثالثاً، وإن قال الآخر: إن لم يكن غراباً فنصيبي حر فإن كانا موسرين وفرعنا على تعجيل السراية عتق العبد، إذ لا بد وأن ينفذ عتق أحدهما فيسري إلى الباقي، لكن ليس لأحدهما مطالبة الآخر بالقيمة إذ ليس أحدهما بأولى  من الآخر، وإن كانا معسرين رق العبد؛ لأن كل واحد  لايستيقن  عتق نصيب نفسه، والنصيبان لشخصين كعبدين، لكن لو اشترى أحدهما نصيب الآخر حكم بعتق نصف العبد إذ تيقن أن في يده نصف حر لما اتحد المال، فلو اشترى ثالثٌ العبدَ عتق عليه نصفه لما ذكرناه، ثم قال القفال : ليس له الرد عليهما، ولا على أحدهما، إذ كل واحد يقول ما بعت إلا ملكي ومنهم من قال إذا لم يعلم المشتري ذلك، وقامت بينة عليه فله الرد [وهذا بعيد] ؛ لأن العتق حكم به عند الشراء وهذا يؤدي إلى زوال العتق المحكوم [به]  فنرده  إذ مهما رجع إليهما تعلق كل واحد بنصيبه","part":1,"page":25},{"id":2706,"text":"السابع: مات رجل وخلّف ثلاثة من البنين، وفي أيديهم جارية لها  ولد، فقال زيد: الجارية مستولدة أبينا، وولدها أخونا وقال عمرو: بل هي مستولدتي، وولدها مني وقال بكر: بل هي رقيقتي، وولدها رقيق لي فيتصدّى ، نظر في نسب الولد وحريته، وفي رق  الأم وثبوت أمية الولد [لها] ، ثم في التحالف والغرم، أما نسب الولد فيثبت في  عمرو لأنه استلحقه، وانفراد زيد بقوله هو أخونا لا يثبت النسب في  الأب، فإن نسب الميت إنما يثبت بإقرار جميع الورثة، وإثبات  النسب من عمرو بناءاً على أن رقيق الغير يجوز استلحاقه، وفيه وجهان؛  لأنه يقطع الولاء عن المالك فإن منعنا فههنا وجهان؛ لأن الرقيق من هذا الولد ثلثه، وهو الذي يثبت عليه يد بكر، فإنه يدّعي رقه، وهذا الخلاف جارٍ في من بعضه حر وبعضه رقيق أنه هل يستلحق والقياس منعه إذا منعنا استلحاق الرقيق، وأما حرية الولد فقد قال الأصحاب: هو حر كله؛ لأن زيداً أقر به إذ قال: هو أخونا ، وعمرو أقر به إذ قال: هو ولدي، وقد قال: استولدت الجارية، وهي في الظاهر مشتركة، ولكن يوجب  [قوله]  السراية حتى ينعقد ولد الجارية المشتركة من أحدهما حرا  ً بكماله، وهذا يصح إذا قدرنا المستولِد موسراً، أما إذا قدرناه معسراً ففي كمال حرية ولد الجارية المشتركة خلاف ذكرناه في موضعه، ثم إذا عتق كله لحق نسبه ممن  استلحقه قولاً واحداً إذ لا ولاء عليه لغيره، فإنه إنما يعتق كله على عمرو أما أمية الولد ثبتت بقول عمرو؛ لأنه شريك، ولو انشأ الاستيلاد لنفذ وسرى فيقبل إقرار من له أهلية الإنشاء، ويحتمل أن يقال: لا يحل له الإنشاء ولكن يتصور منه","part":1,"page":26},{"id":2707,"text":"وفي قبول مثاله  خلاف في السفيه المحجور [عليه]  إذا أقر بإتلاف مال الغير أنه هل يقبل أما الحلف فلا يتوجه على زيد لأنه ليس يدّعي لنفسه شيئاً، بل موجب قوله إنهما حران،  ويبقى التحالف بين عمرو وبكر إذ الأم والولد في يدهما متنازع فكل واحد مدّعي بالإضافة إلى ما في يد شريكه، مّدعى عليه بالإضافة إلى ما في يده، وقد سبق وجه التحليف فيه ، فإذا حلف بكر على نفي الاستيلاد غرم عمرو له قيمة ما في يده، وهو الثلث؛  لأنهم ثلاثة، ومنهم من قال: يغرم النصف لأنهم اثنان، أما زيد فلا يد له؛ لأنه مدّعي  أنهما حران، ولا يد على حر، وعند الإمام   أن هذا ينبني على أن من قال لمشهور النسب وهو عبده  هذا ابني لا يثبت النسب، وهل يعتق فيه وجهان؛ لأنه أقر بنسب لم يثبت، والعتق تابع له، وكذلك زيد أقر بنسب إلى أبيه لم يثبت، ولو ثبت لتضمن حرية الأم والولد جميعاً، فإذا لم يثبت فينبغي أن يقضى على أحد الوجهين بأنه صاحب يد في الثلث، وشريك في الأم والولد حتى لا يكون في يد كل واحد من إخوته إلا الثلث، ويكون له أيضاً دخل في الغرم والحلف ","part":1,"page":27},{"id":2708,"text":"الثامن: إذا كان للرجل جارية حامل بغلام وجارية فقال: إن ولدت أولاً (غلاماً)  فهو حر، وإن ولدت جارية فأنت [أيها الأمة]  حرة، فإن ولدتْ أولاً جارية رقت، وعتقت الأمة والغلام في بطنها أيضاً عتق بالتبعية، وإن ولدت أولاً غلاماً لم يعتق إلا الغلام وحصل منه أن الغلام يعتق بكل حال، والجارية لا تعتق بحال، والأمة ربما تعتق وربما لا تعتق، فلو أشكل التقدم والتأخر فنتيقن عتق الغلام ورق الجارية، ونشك في عتق الأم، والأصل بقاء الرق،  وقال ابن الحداد : يقرع بين الغلام والأمة, فإن خرج على الأمة عتقت، وإن خرج على الغلام اقتصر العتق  على الغلام ورقت الأمة, فمن الأصحاب من وافقه على هذا، وخالفه الأكثرون وقالوا: ليس هذا محل القرعة ، إنما القرعة إذا استيقنّا العتق  مبهماً بين شخصين، وههنا عتق مشكوك في أصله فلا قرعة \rالتاسع: وقف بين يديه غانم وسالم فقال: أحدكما حر، ثم غاب سالم، ووقف مبشر بجنب غانم فقال: أحدكما حر، ومات قبل البيان، يقرع بين غانم وسالم، فإن خرج على سالم عتق وأقرع مرة أخرى بين غانم ومبشر وعتق من خرج عليه، وإن خرج أولاً على غانم اقتصرنا عليه؛ لأن السيد لو عين غانماً، أو أراده لانقطعت المطالبة عنه في الإبهامين جميعاً فينبغي أن يقوم بالأجل ، وهذا اختيار الأستاذ أبي إسحاق، وقال الماسرجسي: وإن عتق  غانم وإلا  فتعاد القرعة بينه وبين مبشر فلعلها  تخرج على مبشر فيعتق هو  أيضاً مع غانم قال الإمام: وهذا أفقه، وعندي أن الأول أصوب؛ لأن القرعة إما أن تبيّن لنا مراده في الإبهام، أو تنزل منزلة تعيينه، وكان له أن يقتصر على غانم فلا ينبغي أن يزيد على الأول المستيقَن  ","part":1,"page":28},{"id":2709,"text":"العاشر: إذا قال: أعتق مستولدتك عني بألف، فقال: أعتقت عنك لم يقع عن المستدعي؛ لأنها لا تقبل النقل، ويقع عن المعتق، ولا يستحق العوض،  وذكر الشيخ أبو علي  وجهاً غريباً أن العتق لا ينفذ؛  لأنه أعتق بعوض ولم يسلم العوض، قال الإمام : وهذا غلط؛ لأنه لو قال: أعتقت عن كفارتي وكان بحيث لا يجزئ عن الكفارة نفذ العتق، ولم تراعى  الكفارة، وعندي أن هذا الوجه متجه ويجري في مسألة الكفارة أيضاً بناءاً على أن من حاول في تصرفه محالاً يلغي أصل كلامه أو القدر  المحال، كما إذا قال: اشتريت  لزيد وزيد لم يأذن لم يقع عن زيد، وهل يقع عن المشتري وجهان، وكذلك إذا قال: أعتقت عن زيد فقد وصف التصرف بمحال فلا يبعد أن لا يؤاخذ ببعض كلامه ويلغي الباقي، بل هو منقاس \rأما إذا قال: أعتق مستولدتك عن نفسك ولك عليّ مائة فيلزمه المائة ويصح، وفيه وجه غريب أنه لا يلزمه فإن فداء الزوجة إنما يجوز لأنها لا تضمن باليد، وهذا ضعيف \rالحادي عشر: إذا كان له عبدان فقال: أحدكما حر على ألف درهم, فقال كل واحد: قبلت  بألف [درهم] ، ومات السيد قبل البيان، وقلنا: لا يقوم الوارث مقامه  في التعيين  يقرع بينهما فمن خرج تعين للعتق وللزمه  قيمة الرق   لا المسمى؛ لأن العوض فسد  بالإبهام، والعتق لا يفسد، وفيه وجه أن المسمى أيضاً  يحتمل الإبهام بالتبعية فيصح ويلزم ، وهو بعيد\rالثاني عشر: شهدت بينة بأنه أعتق غانماً وبينة أنه أعتق سالماً، وكل واحد ثلث المال، وشهدت الأخرى بعد أن قضينا بعتق الأول، ثم رجعت  بينة غانم فنقرع بين العبدين فإن خرج على غانم عتق وغرِمه شهودُه الراجعون فيسلم للورثة سالم وقيمة غانم، وهو كل التركة، وإن خرج على سالم عتق ورق غانم، ولا شيء على الشهود إذ لم تفضِ القرعة إلى عتقه","part":1,"page":29},{"id":2710,"text":"الثالث عشر: جارية مشتركة زوّجاها من ابن أحد الشريكين فولدت منه عتق نصفه على أحد الشريكين؛ لأنه أبو الزوج فهو جد الولد فكيف يملكه! نعم لا يسري [العتق] ؛ لأنه لم يحصل  باختياره، ولا يُجعل رضاه بالتزويج سبباً فإنه يتحلل بعده الوطء والعلوق من غيره، وهو فعلٌ عن  اختيار، ومنهم من علل بأنه ينعقد نصفه حراً وإنما يسري عتق طارئ قال الشيخ أبو علي : هذا فاسد، بل الصحيح أنه ينعقد على الرق ثم يعتق، وكذلك يجب الغرم على المغرور، وعندي أنه ينعقد حراً، إذ لو رق له لما زال، وبقي ، وكذا من يشتري قريبه لا أقول يدخل في ملكه ثم يزول بل يندفع الملك إذ جرى موجب للملك وقارنه دافع فاندفع، والاندفاع في حكم الانقطاع فلذلك وجب العوض، ولهذا غور ذكرته في تحصين المأخذ في مسألة شريك الأب فليطلب  منه \rالرابع عشر: المغرور بنكاح الأمة ينعقد ولده حراً، ويغرم قيمة الولد لسيد الأمة فلو غُرّ الرجل بجارية أبيه  فنكحها وأولدها فهل يغرم الابن  فيه وجهان:  أحدهما: لا؛ لأنه لو لم ينعقد حراً بسبب ظنه لكان  ينعقد حراً بسبب الجدودة إذ كان يعتق عليه، فإنما يغرم قيمة الولد  لو بقي لدام ملكه على مالكه والثاني: أنه يغرم؛ لأن الأب لم يرض فإنه يعرّض ولد جاريته للحرية بظن ابنه بخلاف ما إذا زوجها من ابنه مع العلم، والمسألة دقيقة جداً فلتستقصَ  من فروع ابن الحداد  وعلى هذا الغرم ","part":1,"page":30},{"id":2711,"text":"كتاب الولاء\rوالنظر فيه في ثلاثة أقسام: السبب، والحكم، والفروع:\rالنظر [الأول] : في السبب:\rوهو الإنعام بالعتق، فإنه في حكم الإيجاد,  إذ العبد مفقود  لنفسه, وموجود لسيده, فبالعتق يصير موجوداً لنفسه, فشابه المعتقُ الأبَ من هذا الوجه فاقتضى ذلك نسباً، ويثبت ذلك بكل  من زال ملكه بالحرية وسواء دبّر، أو  نجّز، أو علّق، أو كاتب، أو استولد، أو باع العبد من نفسه، أو أعتق بعوض، أو اشترى قريبه فعتق عليه قهراً، أو سرى عتقه إلى نصيب شريكه سواء اتفق الدِّين، أو اختلف, فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الولاء لحمة كلحمة النسب» ، وفي بعض الروايات: «لا يباع، ولا يورث، ولا يوهب»  حتى قال بعض الأئمة: إذا أوصى لبني فلان دخل فيه  مواليهم وقد قال صلى الله عليه وسلم: «سلمان منّا أهل البيت»  وقالوا أيضاَ: تُحرم الصدقة على موالي بني هاشم وبني المطلب كما تحرم عليهم، والمقصود: أن المولى له نسبة إلى المعتق كما للولد، ولهذا استرسل  على الأولاد حتى أن من أعتق عبداً أو جارية كان  الولاء عليهما، وعلى أولادهما، وأحفادهما، وإن سفلوا، وعلى عبيدهم إذا عتقوا بإعتاقهم، ولهذا نقول: الولاء لا يباع ولا يوهب  خلافاً لابن المسيب، ولو شرط المعتق نفي الولاء عن نفسه، أو شرط ثبوته للمسلمين عامة لغى شرطه خلافاً لمالك  رحمه الله ، ولا يثبت [الولاء]  عندنا بالموالاة، والمعاهدة خلافاً لأبي حنيفة  رحمه الله  فتحصّل لك من هذا: أن الشخص يثبت الولاء عليه تارة لمعتقه، وتارة لمعتق أبيه، وتارة لمعتق معتقه,  ثم يرتفع إلى معتق الأجداد والجدات، وإلى معتق المعتق إلى غير (توقف) ، وإنما النظر في التقديم والتأخير، وإذا ثبت أن ولاء المعتق يسترسل على الأولاد، والأحفاد ","part":1,"page":1},{"id":2712,"text":"فذلك إذا حصل للأولاد  من أبوين رقيقين، أو معتقين, فلو كانت  أم واحدة  من الأحفاد حرة أصلية ما مسّها  الرق  ففي ثبوت الولاء [عليه وجهان:  أظهرهما: أنه يثبت إلى جانب الأب والثاني: أنه لا يثبت؛ لأنه إضرار بالحرة\rوإن كان أبوه حراً أصلياً ما مسّه الرق]  ففي ثبوت الولاء لموالي الأم ثلاثة أوجه:  أحدها: أنه لا يثبت؛ لأن جانب الأب مغلّب كما سيأتي في جر الولاء، ولا ولاء من جانب الأب  فليكن الولد كأبيه حتى لا يكون عليه ولاء، وهذا مذهب مالك ، وأبي يوسف، ومحمد ، وقال ابن سريج  : هو مذهب الشافعي رحمه الله الثاني: أنه يثبت لموالي الأم كما لو كان الأب رقيقاً لا ولاء عليه, فإنه يثبت لموالي الأم، إلا أن هذا ضعيف؛ لأن الرقيق يتوقع عليه ولاء بإعتاقه والثالث : أنه إن عرف نسب الأب تحقيقاً بأنه  لم [يكن]  في آبائه رقيق بأن كان عربياً  لم يثبت، وإن حُكم بحريته بظاهر الحال اعتماداً على الدار فيثبت الولاء لمولى  الأم، وكما يستثنى ما أولاد المعتق مَن أمه حرة أصلية، أو أبوه على رأي مَن فيه الرق فإن ولائه لمن باشر عتقه فلم ينجر إلى معتق أبيه أصلاً، هذه هي  قاعدة الولاء","part":1,"page":2},{"id":2713,"text":"أما التقديم والتأخير فالأصل فيه: أن مَن مسّه الرق فالولاء عليه لمباشر العتق  فيه, لا لمعتق أبيه وأمه فإن لم يمسّه الرق بأن ولد حراً في صورة الغرور من رقيقين أو  ولد من معتقين، فالولاء عليه لمولى  الأب، وهو مقدم على مولى  الأم، وبهذا يتحقق شبهه  بالنسب، فإن الملك يتبع جانب الأم؛ لأن الانفصال فيه محسوس، وهذا يقدم جانب الأب فيه، فإن كان الأب بَعدُ رقيقاً فلا ولاء عليه؛ لأن الولاء له  نعمة العتق فيكون الولاء لمولى  الأم، ولكن مهما أعتق الأب انجرّ الولاء إلى مولى  الأب؛ لأنه أولى، وقد أمكن الآن إثبات الولاء  له إلا إذا تعذر جرّه إليه بأن يكون هو الذي اشترى أباه وأعتقه فإنه صار مولى  أبِ نفسه، ولا يمكن إثبات الولاء [له]  على نفسه فيبقى الولاء لموالى الأم وقال ابن سريج  : ينجر إليه عن مولى  الأم ويسقط، واستبعد هذا منه، وليس يبعد عندي, فإنه صار أولى بنفسه من غيره فيستفيد [به]  قطع ولاء مولى  الأم عن نفسه","part":1,"page":3},{"id":2714,"text":"ثم اعلم [أن]  ولاء المباشرة لا ينجر، وإنما ينجر ولاء السراية من الأصول  إلى الأولاد فإذا أعتق أمته وهي حامل من زوجها الرقيق أو المعتق فيعتق الجنين بالمباشرة تبعاً للأم فولاؤه ليس لمولى  أبيه بل لمولى  أمه, لا لأنه مولى أمه, ولكن لأنه مولاه في نفسه إذ  أعتقه بمباشرة العتق فيه مع الأم، وهذا إذا أتت بالولد لدون ستة أشهر  من وقت إعتاق الأم حتى يستقر  كونه موجوداً في تلك  الحال، فإن أتت [به]  لأكثر من ستة أشهر والزوج يطؤها فيقدر وجوده بعد الإعتاق للأم  فولاؤه لموالي  الأب؛ لأنا نقدر  أنه خُلق حراً، أو ما  مسه الرق فولاؤه بطريق السراية، وإن أتت [به]  لأقل من أربع سنين، وأكثر من ستة أشهر، والزوج لا يفترشها ففيه قولان ذكرنا نظيره في مواضع إذ الإلحاق يشعر بأنه كان موجوداً لكن النسب يثبت بالاحتمال [والولاء لا ينفى بالاحتمال] \rفرع: إذا ثبت الولاء لمولى  الأم حيث كان الأب رقيقاً بعد فلو أعتق أبو الأب وهو جد المولود ففي انجرار الولاء إليه وجهان:  أحدهما: أنه ينجر، كما لو مات الأب رقيقاً فإنه لا خلاف إنه ينجر إلى معتق أب الأب والثاني: لا؛ لأن الولاء (المجرور)  ينبغي أن يستقر، وهذا يؤدي إلى أن الاستقرار  مهما أعتق  الأب ينبغي أن ينجر من معتق الجد إلى معتق الأب، وهذا التعليل ضعيف فلا يبعد  أن ينجر مرة أخرى\rالنظر الثاني: في أحكام الولاء:\rوهو يقتضى الولاية في التزويج، ومقتضى  الميراث، وضرب  العقل؛ لأن هذه نتائج العصوبة، والولاء يفيد العصوبة، وقد ذكرنا هذه الأحكام في مواضعها، وننبه الآن في أمر الميراث على (أمور): ","part":1,"page":4},{"id":2715,"text":"الأول: أن الميراث بالولاء لا يثبت للنساء بطريق العصوبة أصلاً، بل يثبت بطريق المباشرة، فالمرأة إذا أعتقت عبداً ثبت لها الولاء عليه وعلى أولاده وعلى معتقه، فالمرأة كالرجل في مباشرة العتق فقط، أما المعتق إذا خلّف بنتاً وابناً فالولاء ينتقل إلى الابن لا إلى البنت، ولا يعصب الأخ أخته في باب الولاء، وكذلك إذا مات المعتق وليس له إلا أب المعتق وابنه فميراثه لابن المعتق؛ لأن الأب مع الابن ليس بعصبة، بل صاحب فرض، فإن مات الابن صار الأب عصبة فيرثه، ولو مات المعتق وخلّف ابنين ولا مولى فالولاء للابنين، فلو مات أحدهما وخلّف ابناً لا ينتقل الولاء إلى ابنه بل يكون لأخيه؛ لأن الولاء [لا يورث، وإنما]  يورث به، فابن المعتق أولى من ابن ابنه، وجملة المذهب أن المقدم من عصبات المعتق في ميراث المعتق من كان مقدماً في ميراث المعتق لو توهمنا موته يوم موت المعتق، ولا يستثنى عن هذا إلا أن يكون للمعتق جدٌ وأخ ففيهما قولان:  أحدهما: أنهما يستويان والثاني: لا؛ لأن الأخ مقدم؛ لأن جهة البنوة أقوى، وقد ذكرنا تفريع هذا في الفرائض\r[الثاني] : أنهما لو  اختلفا في الدِين لم يتوارثا لكن إن اتفقا بعد العتق  توارثا، ولا يشترط التوافق يوم الإعتاق، بل يوم التوارث ، وقال مالك  رحمه الله: يشترط يوم الإعتاق\rالثالث: أن الميراث إذا صرفناه إلى موالي الأم ثم جرى سبب اقتضى جر الولاء إلى موالي الأب لم يسترد  الميراث السابق؛ لأن الجر موجبٌ  ولاءاً مستأنفاً، لا مستنداً إلى ما مضى\rالرابع: أن الأخ للأب والأم مقدم على الأخ من الأب في الولاء، ولا تجري المعاداة بهم مع الجد بخلاف ميراث النسب، هذا مذهب زيد رضي الله عنه ، وقد قيل: الأخ للأب يساوي الأخ للأب والأم في الولاء إذ لا أثر لقرابة الأم ههنا، نعم لو كان للمعتق ابنا عم أحدهما أخوه لأمه فيستويان","part":1,"page":5},{"id":2716,"text":"الخامس: أن نسبة الولاء قد تركب  من الإعتاق  والنسب، فإن الولاء يثبت لمعتق المعتق، ويثبت لأب الأب، ويثبت لأب المعتق، ويثبت لمعتق الأب، ولمعتق أب المعتق، ولأب معتق الأب وهكذا، وإنما يبقى النظر في التقديم والتأخير، والمقدم عصبة الميت من نفسه فإن لم يكن فمعتقه، فإن لم يكن فعصبات معتقه، فإن لم يكن فمعتق معتقه، وهذا على الترتيب، ومعتق المعتق أولى من معتق أب المعتق؛ لأنه يدلي إلى المعتق بالمباشرة فيه، ومعتق أب المعتق يدلي إليه بسراية الولاء من الوالد   إليه، والمباشرة أقوى من السراية، ولو قيل: معتق أبٍ ، وأبٌ معتق فأيهما أولى فهذه أغلوطة؛ لأن الميت معتقاً باشر فيه العتق فلا يكون ولاؤه لمعتق أبيه قط بل لعصبات معتقه فإذن لا يرثه إلا أب معتقه، وإنما تتهذب هذه الأصول بالفروع المولدة منها \rالنظر الثالث في الفروع: وهي [سبعة] :\rالأول: اجتمع على الميت معتق معتق معتقه، ومعتق أب معتقه، فهذا مما يغلط فيه، ويظن أن معتق أب المعتق أولى؛ لأن المتوسط يدلي بالولادة وهو أقوى ممن لا يدلي [إلا]  بمحض الإعتاق، وهو غلط؛ لأن المعتق الآخر شخص واحد قد مسه رق وله معتق يستحق ولاءه بالمباشرة [وولاء المباشرة]  قط (لا ينجر)  إلى موالي الأب فيكون من يدلي بالمباشرة إلى المعتق الآخر أولى ","part":1,"page":6},{"id":2717,"text":"الثاني: اشترى أخ وأخت أباهما يعتق  عليهما، فاشترى [الأب]  عبداً وأعتقه، ثم مات الأب، ثم مات المعتََق فقد غلط في ميراث المعتق أربعمائة قاضٍ فضلاً من غيرهم، إذ قالوا: هو بين الأخ والأخت؛ لأنهما معتقا معتقه، وهو غلط، بل جميعه للابن؛ لأنه عصبة المعتق، والأخت إن كانت تأخذ لكونها  معتقة المعتق فهو محال إذ عصبة المعتق من  النسب أولى من معتق المعتق، وأخوها ابن المعتق، وإن أخذت لأنها بنت المعتق فبنت المعتق لا ولاء لها، بل لو خلّف الأب  ابن عم بعيد  كان أولى بميراث معتقه من البنت التي هي معتقة الأب؛ لأن عصبة المعتق مقدمة  على معتقه\rالمسألة بحالها: مات الأخ، وخلّف هذه الأخت التي شاركته في شراء الأب فلها نصف ميراثه بالأخوة، ولها من الباقي نصفه؛ لأنها لما اشترت أباها ثبت لها نصف الولاء على الأب، وعلى أولاده، وأخوها من أولاد أبيه  فلها نصف الولاء عليه، فتأخذ نصف الباقي، فتحصل على ثلاثة أرباع المال، ولو مات الأب، ثم مات الابن، ثم مات العبد  الذي أعتقه الأب فللبنت نصف ماله؛ لأن لها نصف الولاء على معتقها  الذي هو أب، ولها من الباقي النصف لأن لها الولاء أيضاً على أخيها الذي هو معتق نصف [الأب]  المعتق، فهي تدلي بجهتين؛ لأنها في النصف الذي ملكاه  من الأب معتق المعتق، وفي النصف الآخر المعتق وهو أخوها، ولكن أخوها ولد أبيها المعتق من جهتها بصفة فهي في النصف معتق المعتق، وفي النصف الآخر معتق أب المعتق ","part":1,"page":7},{"id":2718,"text":"الثالث: اشترى جاريتين، وهما أختان لأب وأم ثم أعتقهما فاشترتا أباهما، وعتق عليهما فلكل واحدة الولاء على نصف أبيها، ولا ولاء لواحدة على صاحبتها، وإن كانت ولد معتقها؛ لأن عليها ولاء مباشرة فلا ينجر إلى معتق الأب، فإذا مات أبوها فلها  [ثلثا]  ميراثه بالنسب، والباقي بالولاء حيث لا عصبة للأب غيرهما، فلو ماتت  بعد ذلك أحدهما فللأخت نصف ميراثها بالأخوة، والباقي لمعتقها، أما إذا كانتا ولدي معتَقه من زوج رقيق فاشترتا أباهما ثبت لكل واحدة نصف الولاء على صاحبتها؛ لأنه ثبت لها على أبيها فيسترسل على الأولاد\rالرابع: أختان خلقتا حرتين في نكاح الغرور من رقيق  ورقيقة اشترت إحداهما أباها ، والأخرى أمها ، فولاء التي اشترت أمها انجر إلى التي اشترت أباها فيثبت الولاء لمشترية الأب [على مشترية الأم، فالمنصوص أن ولاء صاحبتها أيضاً يثبت لها لأن التي اشترت]  الأب تمكنت من جر ولاء صاحبتها، ولو جرت ولاء نفسها [أيضاً]  لكانت مولى نفسها، وهو محال فيتعذر الجر، ولا يبعد أن يكون شخصان  لكل واحد ولاء على صاحبه وقال ابن سريج : تجر ولاء نفسها، ويسقط، وتصير كمن لا ولاء عليه وقد ذكرنا هذا، فإذا ثبت هذا فلو مات الأب فلهما  الثلثان من ميراثه بالبنوة، والباقي للتي اشترت الأب بالولاء، وإن ماتت الأم فكذلك، والباقي  لمشترية الأم، [فإن مات  بعد ذلك إحداهما نظر فإن ماتت مشترية الأم]  فنصف ميراثها للأخرى بالأخوة، والباقي أيضاً لها بالولاء؛ لأنها جرت ولاءها بإعتاق الأب، وإن ماتت مشترية الأب فنصف ميراثها للأخرى بالأخوة، والنص أن الباقي يصرف إليها إذا  تعذر الجر عنها، فيبقى الولاء عليها، وعند ابن سريج أنه  لا ولاء عليها فيصرف إلى بيت المال ","part":1,"page":8},{"id":2719,"text":"الخامس: (ولد حر)  الأصل (وأبواه)  حران في الأصل لم يعتقا وأبوا أبيه رقيقان ، وأبو أمه عبد، وأم أمه معتَقة فولاؤه يقع  لولاء أمه، وولاء أمه يقع  لولاء أمها، فإن أعتق أبو أمه انجر الولاء إلى موالي أب الأم، [فإن أعتق أم أبيه انجر إلى موالي أم أبيه] ، فإن أعتق جده أبا  أبيه انجر [الولاء]  إلى موالي أب أبيه، واستقر فيه، وهذا لأن أبا الأم يجر الولاء من [مولى]  أم الأم فإنه أولى منه، وأم الأب أولى باستتباع الولاء من أب الأم، وأب الأب أولى من أم الأب، فتأمل هذا الفرع  لتتهذب لك الأصول السابقة\rالسادس: أب وابن اشتريا عبداً وأعتقاه، فمات المعتَق فالميراث بينهما نصفان، فلو مات الأب عن ابن آخر سوى الابن المشتري، ثم مات المعتق كان نصف ميراثه للابن المشتري بولاء المباشرة، والنصف الباقي  بينهما لأنهما عصبا الأب، وهو مستحق نصف الولاء، فلو مات المشتري عن ابن، وكان الابن  [مات]  عن ابن، ثم مات المعتق كان الابن المشتري نصف المال بولاء أبيه، ولعمه النصف [الباقي]  بولاء أبيه، ولا شيء لهذا الجار  بولاء جده؛ لأن هذا الابن يتقدم على ابن الابن","part":1,"page":9},{"id":2720,"text":"السابع: في دور الولاء،  فإذا اشترى  أختان أمهما، وعتقت عليهما، ثم [أن]  الأم شاركت أجنبياً واشترت  أبا الأختين وأعتقاه فيثبت الولاء لهما نصفين على الأب وعلى الأختين أيضاً؛ لأنهما ولد المعتَق، وولاء الأب يجر ولاء الأولاد من موالي الابن  وهم  الآن أربعة الأجنبي، والأم، والأختان فيفرض في موتهم بالتقدم والتأخر صور: الأولى: أن تموت الأم، ثم الأب، ثم إحدى الأختين فإذا ماتت الأم فلهما الثلثان بالنسب، والباقي بينهما بالولاء؛ لأنهما اشترتا الأم، ثم لما مات الأب فلهما ثلثا ميراثه بالنسب، والباقي بين الأختين  والأم لأنهما معتقاه، فلو ماتت إحدى الأختين فللأخت النصف بالأخوة، والباقي نصفه للأجنبي؛ لأن له نصف الولاء عليها بإعتاق نصف أبيها، والربع الباقي كان يكون للأم لو كانت حية، فإذا ماتت فيكون لمن له ولاء الأم، وولاء الأم للأختين  الميتة والحية فيصرف نصف الربع الباقي إلى الحية، ويبقى النصف  وهو ثمن الجملة للميتة، والقياس أن يصرف إلى من له ولاء الميت  وهو الأجنبي والأم [ثم مقدار ولاء الأم يرجع إلى الميتة والحية، ثم قدر ولاء الميتة في الأم إلى الأجنبي والأم]  فيدور بينهم لا ينقطع، ولا ينفصل أمره، بل يرجع جزء منه كل مرة إلى الميتة وهذا ابتداءاً من الثمن [فهذا الثمن]  هو السهم الدائر، وقد غلط فيه ابن الحداد  فقال: يصرف إلى بيت المال لتعذر مصرفه بسبب الدور","part":1,"page":10},{"id":2721,"text":"وهذا فاسد؛ لأنه في كل كرة  يدور يرجع منه شيئان إلى الأجنبي، وشيء إلى الأخت الحية لا يتعدّاهما فنُقيّمه  بينهما أثلاثاً، وتصح المسألة من ستة للأخت ثلاثة بحكم الأخوة، والباقي بينهما وبين الأجنبي لها سهم وللأجنبي سهمان، فقد تحصل الأخت  من النسب والولاء على  أربعة أسهم، وغلط الشيخ أبو علي  في الحساب لا في الحكم فقال: يقسم جميع المال [بينهما]  على سبعة أسهم؛ لأن الثمن هو الدائر، فالمسألة من ثمانية فيقسم الثمن على بقية المال وهذا خطأ صريح؛ لأنه أدخل في القسمة ما أخذته الأخت بمجرد النسب، وذلك لا ينبغي أن يدخل في الحساب، بل الباقي بعد ذلك النصف هو الذي يؤخذ بالولاء، فطريق القسمة ما ذكرناه قطعاً، أما إذا (تغير ترتيب)  الموت عن هذا بأن  ماتت الأخت أولاً أو الأم  فقد لا يدور في  بعض الصور، وقد يدور، وتخريجه على الأصل الذي ذكرناه ممكن فلا نطوّل بالتصوير ","part":1,"page":11},{"id":2722,"text":"كتاب التدبير\rوالنظر في أركانه، وأحكامه:\rأما الأركان:\rفهي اثنان : الصيغة، والأهل، والمحل \rأما المحل: فلا يخفى أمره\rأما الصيغة:  هي أن يقول: إذا متُّ فأنت حرٌّ ، أو أنت حرٌّ لَدَى  موتي،  فحكمه: أن يعتق بعد موته إن لم يكن دينٌ مستغرقٌ,  ووفَّى به الثلث، وفي الصيغة مسائل:\rالأولى: إذا قال: دَبَّرْتُك، أو أنت مُدَبَّر, فالنص  أن اللفظ صريح لا يحتاج إلى النية؛ لأن التدبير لفظ كان معروفاً في لغة العرب بهذا المعنى، ثم ورد الشرع بتقريره، وطابق فيه عرف الشرع واللغة\rولو قال لعبده: كاتبتك على كذا فالنص أنه لا يكون صريحاً ؛ لأن العرب  لا تستعمل هذه اللفظة في هذا الغرض, فلا بد وأن تنضم إليه النية, وهو العتق عند الأداء\rومن أصحابنا من قال في المسألتين قولان: بالنقل والتخريج، وهذا ذكره العراقيون ، وقطع المراوزة  بأن لفظ التدبير صريح \rالثانية: التدبير المقيَّد كالمطلق ، وهو أن يقول: إن متُّ من مرضي هذا, أو قُتِلْتُ، أو متُّ في هذا الشهر فأنت حرٌّ،  وكذلك لو قال: إن دخلت الدار [ومتُّ فأنت حرٌّ، فكأنه علَّقه بصفتين، ولا يصير العبد مدبراً ما لم يدخل، وكذلك لو قال: إن دخلت الدار]  فأنت مدبَّر؛ فإن هذا تعليق تدبير بالدخول،  والتدبير يقبل التعليق؛ لأنه بَيْنَ أن يكون (وصية) ، أو تعليق عتق بصفة، وكلاهما يقبل التعليق\rوكذلك إن  قال: إن متُّ فأنت حرٌّ بعد موتي بيوم يعتق  بعد موته بيوم، ولا يحتاج إلى إنشاء العتق،  وقال أبو حنيفة : يحتاج إلى الإنشاء، وصار كالوصية \rولو قال شريكان: إذا متنا فأنت حرٌّ فكل واحد علَّق تدبير نصيبه بموت شريكه,  فإذا مات واحدٌ صار نصيبَ الثاني  عند ذلك مدبراً,  و قبل ذلك فتدبيره  معلَّق","part":1,"page":1},{"id":2723,"text":"الثالثة: إذا قال: إن شئتَ فأنتَ حرٌّ متى متُّ فهو كقوله: أنتَ مدبَّر إن شئتَ, فيقتضي مشيئته على الفور، فإن قال في المجلس: شِئْتُ, صار مدبراً، كما إذا قال: أنت طالق إن شئتِ، وذكر صاحب التقريب  والشيخ أبو علي  وجهاً ههنا، وفي الطلاق أنه لا يقتضي المشيئة على الفور  , بل التعليق بالمشيئة وبالدخول واحد، وإنما يحتاج إلى القبول  إذا كان فيه ذكر عوض؛ لأجل خاصية (المعاوضة) ، وهذا متَّجه، وإن كان (غريباً) \rولا خلاف أنه لو قال: أنتَ مدَبَّرٌ متى شئتَ أن هذا لا يقتضي الفور، نعم, يقتضي مشيئته في حياة السيد، (إذ)  ينزَّل مطلق تصرفاته على حياته، وكذلك لو قال: إن دخلتَ الدار فأنتَ حرٌّ ثم دخل بعد موته لن  يعتق؛ لأنه قد انتهى بالموت ملكه وتصرفه، إلا أن يصرح بالإضافة, فيقول: إن دخلتَ بعد موتي الدارَ أو إن شئتَ بعد موتي فأنتَ حرٌّ، فإذا ماتَ فدخلَ, أو شاءَ عتق، ولا يشترط كون المشيئة على الفور عقيب الموت، وكذا الدخول \rأما إذا رتَّبَ المشيئة بفاء التعقيب فقال: إن متُّ فشئتَ فأنتَ حرٌّ ففي اشتراط اتصال المشيئة وجهان ، ويجب إجراؤهما فيما لو قال: إن متُّ فدخلتَ الدَّارَ، أو إن دخلتَ الدار فكلمتَ زيداً فأنتِ طالق، وأنتَ حرٌّ؛ لأن اقتضاء اللفظ للتعقيب لا يختلف في جميع ذلك\rفرع:","part":1,"page":2},{"id":2724,"text":"لو قال: إن متُّ فأنتَ حرٌّ إن شئتَ, أو قال: أنتَ حرٌّ إذا متُّ إن شئتَ فهذا يحتمل أن يراد به مشيئته في الحياة, ويحتمل مشيئته بعد الموت فتُتَّبَع نيَّتَه فيه, ويُرَاجَع, فإن أطلقَ ولم يكن له نية ففيه ثلاثة أوجه : المشهور: أنه لا يعتق ما لم توجد مشيئة في الحياة, ومشيئة بعد الموت؛ لأنه المستيقن, فإن وجد أحدهما لم يعتق بالشك والثاني: أنه يحمل على المشيئة بعد الموت؛ لأنه ظاهر إذ وصل ذكر المشيئة بذكر الموت, وجعله عقيبه والثالث: أنه يحمل على الحياة, فإن قوله: أنت حرٌّ بعد موتي كقوله: أنت مدبَّر إن شئتَ, فيقتضي مشيئته في الحياة\rوينشأ من هذا إشكال في التعليق بالأسماء المشتركة, كقوله: إن رأيتَ العين فأنت حرٌّ, والعين اسم للدينار, والميزان, وللثمن  , وعين الماء, وأشياء أخر, فإذا لم يكن له نيَّة فيحتمل أن يقال: ما لم يرَ الجميع لا يعتق لتحصيل اليقين, كما قيل على المشهور: أنه لا بد من مشيئة بعد الموت, وفي الحياة, لكن الأولى ههنا أن يحنث بكل ما ينطلق عليه الاسم, ويكون معناه إذا رأيت ما يسمى عيناً فأنت حرٌّ \rالركن الثاني: في الأهل :\rويصح التدبير من كلِّ مالك, مكلَّف, عاقل, رشيد, فهذه أربعة قيود\rأما مالك  فيخرج عليه مسألتان:\rإحداهما: أن من دَبَّرَ ملك  غيره لغى, ولو دبَّر أحد الشريكين العبد المشترك نفذ في نصيبه، ولغى في نصيب شريكه، ولا يسري التدبير ؛ لأنه (وصية) ، أو تعليق، بل لو دبر المالك نصف  عبده لم يسري إلى النصف [الآخر] ، وذكر العراقيون  والشيخ  أبو علي  وجهين : في سريان التدبير, وهذا إن أرادوا به أنه يسري التدبير في الحال فهو فاسد لا توجيه له, ويلتفت على مذهب أبي حنيفة  فإنه يقول: ههنا: يتخير الشريك بين أربعة أمور: العتق, أو التدبير, أو التقويم على شريكه, أو استسعائه العبد","part":1,"page":3},{"id":2725,"text":"وإن أرادوا به سراية العتق بعد الموت حتى يقوّم عليه بعد موته, ويحال العتق على اختياره التدبير فهذا له وجه, وتوجيه الوجه الآخر: أن الميت معسر إذ لا يبقى له ملك, لكن القائل الأول ربما يقول: إذا قدم التدبير في حياته فيستبقى له قدر قيمة السراية, وهذا محتمل\rالمسألة (الثانية) :\rتدبير المرتد, يخرج [على]  الأقوال الثلاثة في ملكه،  وإن كان بعد الحَجْر عليه ، حيث نقول: لا يزول ملكه فيخرج على تدبير المفلس المحجور, ولو دبَّر ثم ارتد ففيه طريقان : إحداهما: أنه يخرج بطلان التدبير على الأقوال الثلاثة الثانية: أنه لا يبطل قولاً واحداً؛ لأن الأقوال في شيء لا حقّ لثالث فيه, وقد تعلَّق حق العبد به, فصار كما لو كان له قريب وعليه دين إذ يقضي ديونه, وينفق على قريبه, فإن قلنا: بطل  التدبير فلو عاد إلى الإسلام فيه طريقان:  أحدهما: أنه يعود قطعاً, كما لو استحال المرهون خمراً ثم عاد عصيراً والثانية: أنه يخرج على القولين فيما لو باع المدبر ثم عاد إليه أن التدبير هل يعود فيه قولان \rأما إذا مات (مرتداً) ، وقلنا لم يبطل التدبير فينفذ إن وفّى الثلث به، وقال الشيخ أبو حامد : لا ينفذ أصلاً؛ لأنه لم  ينفذ في الثلث ما لم يبقى  للوارث ثلثاه، وهذا لا يصرف منه شيء إلى الوارث، وهذا غلط؛  لأن الثلثين مصروف إلى جهة [أخرى]  , وهو الفيء فأيُّ فرقٍ بين الجهتين! فهذا حكم (المرتد) \rأما الكافر الأصلي  حربياً كان أو ذمياً فيصحُّ تدبيره، نعم, لو نقض الذمي العهد فلا يمكن  استصحاب مكاتبه إلى داره  إذ لا سلطنة له عليه، ويمكّن من استصحاب مدبره ؛ لأنه قنّ  إلا أن يسلم فلا يمكّن منه، وهل يباع عليه فيه وجهان:   أحدهما: يباع كالقنِّ والثاني: لا؛ لأن حظ العبد في إبقاء التدبير فيحال بينهما، ويصرف كسبه إليه، أو إلى وكيله إن رجع هو إلى داره","part":1,"page":4},{"id":2726,"text":"وأما المكاتب إذا أسلم فقد قيل [في]  بيعه عليه أيضاً قولان ، وقيل لا يباع قولاً واحدا؛ لأنه لم يبق عليه سلطنة البيع\rوأما قولنا: مكلَّف يخرج عليه أن تدبير المجنون، والصبي الذي لا يميِّزُ [باطل، وفي الصبي المميز]  قولان ، وكذا في وصيته ، وقد ذكرناه في الوصية، ووجه تنفيذه أنه قربة، وهو [من]  أهل قربة لا ضرر فيها، [وهذا لا ضرر]  عليه في حياته منه\rوأما العاقل فيخرج عليه السكران ففي صحة تدبيره قولان -كما في سائر تصرفاته-\rوأما الرشيد فيخرج عليه المحجور [عليه]  بالسفه ففيه طريقان  أحدهما: أنه  يصح تدبيره قطعاً والثاني: أنه كالصبي المميز\rالطرف الثاني: في الأحكام:\rوالنظر في حكمين:\rأحدهما: ما يرفع  التدبير\rوالثاني: في سرايته إلى الولد\rأما (الروافع)  له، فهو: الرجوع، وإنكار التدبير، وإزالة الملك، والدَّين المستغرق، ومجاوزة ثلث  التركة، وجناية العبد\rأما إزالة الملك بالبيع والهبة وغيره يرفعه، ولا يمتنع ذلك بسبب التدبير؛ لأنه بين أن يكون تعليقاً  أو وصية ، وقال أبو حنيفة : يمتنع إزالة الملك، نعم لو عاد الملك إليه هل يعود مدبراً فإن قلنا: إنه وصية فلا، وإن قلنا تعليق فيخرج على قولي عود الحنث \rوأما الرجوع الصريح ففي نفوذه قولان  يبتنيان  على أن التعليق مغلب عليه, أو الوصية ، ولا شك أن صيغته صيغة التعليق ولكن معناه معنى الوصية إذا ثبت [العبد]  حقاً عند موته فتردد قول الشافعي  بين النظر إلى المعنى, أو  اللفظ, والرجوع عن الوصية جائز, وعلى  التعليق غير جائز إلا بطريق الضمان وهو إزالة الملك, وميل المزني إلى أنه وصية, وعلى القولين لا يمنع التصرفات في الحال؛ لأنه ليس بعقد عتاقة في الحال بخلاف الكتابة ","part":1,"page":5},{"id":2727,"text":"أما إذا صرح وقال: أعتقوا عبيدي بعد موتي فهذا يقبل الرجوع قطعاً، ولو قال: إذا متُّ فدخلتَ الدار فأنت حرٌّ فهذا صريح تعليق فلا يقبل الرجوع إلا بإزالة الملك, وحيث أطلق التدبير فإن جوَّزنا الرجوع حصل بكل ما يحصل به الرجوع عن الوصية حتى العرض على البيع  إلا الاستيلاد, فإنه يوافق مقتضى التدبير, فلا يكون رجوعاً عنه, وإن كان رجوعاً عن الوصية, وقد ذكرناه في الوصية, ولو قال بعد التدبير المطلق: إذا مت فدخلت الدار فأنت حرٌّ فهذا رجوع عن التدبير [المطلق] ، ولو قال: إن دخلتَ الدار فأنت حرٌّ لم يكن رجوعاً؛ لأنه زاده أمراً آخر يعتق به\rولو رهن المدبر أو كاتبه هل يكون رجوعاً فيه وجهان  , ولا خلاف أنه لو رجع عن التدبير في النصف يبقى الباقي مدبراً, ولو رجع عن تدبير الولد دون الأم, أو عن الأم دون الولد اقتضى  الرجوع ولم يسرِ\rوأما إنكار السيد التدبير  فقد نص الشافعي  رحمه الله: أن العبد لو ادّعى على سيده التدبير فأنكر فالقول قول السيد, واختلف [الأصحاب]  في موضع النص فمنهم من قال: فرَّع الشافعي على قولنا أنه لا يصح الرجوع الصريح  وإلا فالإنكار يكون رجوعاً, فكيف يحتاج إلى اليمين، ومنهم من قال: وإن جوّزنا الرجوع فلا يكون الإنكار رجوعاً؛ لأن الرجوع يقتضي مرجوعاً عنه, والإنكار دفع الأصل, فهما متناقضان، فتحصلنا على وجهين: في أن الإنكار هل يكون رجوعاً ويجري ذلك في إنكار الوصية أيضاً, وفي إنكار الموكل الوكالة طريقان : منهم  من طرد الوجهين, ومنهم من قطع بأنه عزل؛ لأن الحظ الأكثر  للموكل, ولو قال: لست وكيلاً  لانعزل, فإذا قال: ما وكلتُك فهذا يتضمن النفي في الحال","part":1,"page":6},{"id":2728,"text":"ولا خلاف أنها لو ادّعت على الزوج طلاقاً رجعياً فأنكر فلا يكون ذلك رجعة؛  لأنها في حكم عقد جديد فلا بد فيه من لفظ صريح, ومن ادّعى عليه بيع شرط  الخيار فإنكاره لا يُجعل فسخاً فيه, وفيه احتمال, وحيث جُعل رجوعاً سقط اليمين لا محالة، وإذا لم يُجعل رجوعاً توجه اليمين حتى يحلف أو يصرح بالرجوع إلا أن ههنا إشكالاً  وهو أن الشافعي رحمه الله  نص  أن دعوى الدين المؤجل لا تقبل, إذ ليس فيه لزوم ناجز, ونص على قبول دعوى التدبير, وهذا أبعد عن القبول, فاتفق الأصحاب على إجراء الخلاف في المسألتين\rالتفريع: إن قلنا: تقبل دعوى التدبير فجاء العبد بشاهدٍ وامرأتين [لم يقبل؛ لأنه يثبت حق الحرٌّية, ولو اتفقا على التدبير ولكن قال السيد: رجعت في معرض الإقرار لا في معرض الإنشاء, وأنكر العبد, فإن لم يُجعل هذا إنشاءاً فالقول قول العبد, فلو جاء السيد بشاهد وامرأتين]  قبل؛ لأنه يريد تقرير الملك فقط, وقبول دعوى السيد الرجوع أبعد مع قدرته على إنشاء الرجوع, والأولى بالقاضي أن يقول له: لمَ تورطني في النظر في الشهود, وفي اليمين, وأنت قادر على الإنشاء! لكن أورد الفوراني  أنه تقبل دعواه\rوأما مجاوزة الثلث: فيمنع من العتق حتى لو لم يخرج من الثلث أصلاً لتقدم محاباة وتبرع  يستغرق الثلث ورق  للورثة، وإن دبر عبداً ولم يملك غيره عتق عن  ثلثه، ورق ثلثاه، وهذا يجري في التدبير, وإن جرى في الصحة؛ لأنه مضاف إلى الموت، وكذلك لو قال في الصحة: إن متُّ ودخلتَ الدار فأنت حرٌّ, أما إذا علق في الصحة على الدخول مطلقاً فوُجد الدخول في مرض الموت فهل يحسب [من]  الثلث فيه قولان  , مأخذه  التردد والنظر  إلى حالة التعليق أو حالة الصفة\rفرع:","part":1,"page":7},{"id":2729,"text":"لو دبَّر عبدَه أو أوصى به لشخص, وله مال غائب كثير فهل ينفذ العتق في الثلث فيه قولان  , المنصوص : أنه لا ينفذ, بخلاف ما إذا لم يملك غيره, فإنه يمكن أن ينجّز العتق في الثلث, ويتسلط الورثة على الثلثين, وأما ههنا كيف يتسلط الوارث على بيع الثلثين ونحن ننتظر إعتاقه بحضور المال الغائب, وكذلك كيف يتسلط الموصى له على ثلث العبد، ولا  يتسلط الوارث على ضعفه  وليس هذا كما لو أوصى بثلث ماله وبعضه حاضر إذ لا خلاف أنه يسلم إلى الموصى له ثلث الحاضر؛ لأنه يمكن تسليط الوارث على الباقي\rوالقول الثاني: وهو مخرج الأصحاب  أنه يعتق الثلث؛ لأنه مستيقنٌ بكل حال، وغيبة المال لا تزيد على عدمه فيكون الانتظار في الباقي، وأجرى الأصحاب الخلاف فيما لو لم يملك إلا ألف درهم ديناً فأبرأ عنه المريض  فعلى النص لا يبرأ عن الثلث ما لم يوفر الثلثين على الورثة، وكذلك لو كان له ابنان، وله على أحدهما ألف درهم ديناً فيملك [النصف]  وهو نصيبه فهل يبرأ عنه قبل توفير نصيب صاحبه  فيه القولان، ومن قال: لا يبرأ كي لا يؤدي إلى تخصيصه بتمام الثلث عن أخيه, فلعله يقول: لم يملك الذي على نفسه بل يبقى على ملك الميت, ثم قال الصيدلاني  حكاية عن ابن سريج : إنّا إن فرعنا على النص لم  نعتق شيئاً من العبد فتبرع الورثة بإنشاء عتقه نفُذ عنهم, وثبت الولاء لهم لا للميت، فلو حضر المال لم يتغير هذا الحكم, قال الصيدلاني: وهذا يصح إذا جعلنا تبرع الورثة بالإجازة حيث لا تلزمهم الإجازة ابتداء عطية  فإن جعلناه  تنفيذاً فينبغي أن يكون الولاء للميت قال الإمام : ولا وجه لما ذكره ابن سريج  , فإنه رد التدبير ، وليس للوارث ردُّ [العتق عن جهة]  التدبير, وإنما لهم التوقف فقط\rفرع:","part":1,"page":8},{"id":2730,"text":"إذا حضر المال الغائب فالظاهر أنّا نتبين عتق العبد عند الموت,  وإن كان قد ردَّه الوارث لا ينعطف على ما سبق, ولو كان على الميت دين مستغرق ثم أبرأ  المستحق فعتق المدبر فالظاهر [أنه]  يعتق يوم الإبراء,  ولا تخلو كل مسألة عن احتمال ولكن الأظهر الفرق,\rوأما جناية المدبر: فتتعلق برقبته, والسيد بالخيار فإن  فدى يبقى التدبير, وإن باعه بالجناية  زال التدبير في الحال, وإن باع بعضه بقي التدبير في الباقي، وإن كان  قبل الفداء والثلث ليس يفي فهو كدين المستغرق، وإن كان الثلث يفي بالفداء والعتق قطع  صاحب التقريب  بأنه يجري  على الوارث الفداء من التركة حتى يعتق العبد, وقال العراقيون : فيه قولان  ينبنيان على أن السيد إذا أعتق العبد الجاني هل ينفذ  فإن قلنا: لا ينفذ فقد دفعت الجناية العتق, وإن قلنا: ينفذ عتقه فالورثة بالخيار بين الفداء والبيع, فإن سلموا  للبيع كان لهم ذلك, وإن فَدَوه عتق, ثم يكون الولاء لهم أو للميت  إذا اختاروا الفداء ينبني على أن إجازة الورثة تنفيذ أم ابتداء عطية\rفرع:","part":1,"page":9},{"id":2731,"text":"عبد مشترك دَبَّر أحدهما نصيبه وأعتق الآخر نصيب نفسه, وهو موسر, هل يسري إلى النصف المدبر فيه قولان : أحدهما: وهو القياس أنه يسري وينجّز العتق والثاني: لا، لأن السيد استحق العتق عن نفسه بالتدبير فلا ينتقل إلى غيره قهراً وهذا يضاهي التردد في أن المرأة إذا دبرت عبداً أصدقها الزوج ثم طلقت قبل المسيس هل يبطل حقها في التدبير برجوع الشطر إلى الزوج فإن التشطير أيضاً يضاهي السراية، ولكن السراية أقوى فالظاهر ههنا أنه يسري, فإن قلنا: لا يسري فرجع عن التدبير فهل يسري الآن فيه وجهان: أحدهما: لا، فإن السراية إذا امتنعت بالإعسار فلا تعود بزوال الإعسار والثاني: وهو الأصح أنه يسري الآن؛  لأنّا منعناه لتوقع عتق التدبير، والآن قد بان نقيضه فإن قلنا: يسري الآن تبين  أنه يسري  وقت الإنشاء فيه وجهان\rأما إذا قال الشريكان: إذا متنا فأنت حرٌّ فقد ذكرنا أنه ما لم يمت أحدهما لا يصير نصيب الآخر مدبراً, ونصيب الميت أولاً لا يعتق؛ لأنه تعلق بموت شريكه ولكن ليس لوارثه التصرف فيه؛ لأن عتقه منتظر بموت شريكه فكأنه قد استحق أن يكون مدبراً عند موت الشريك  وكذلك لو قال: إن دخلت الدار بعد موتي فأنت حرٌّ فليس للوارث بيعه فإن الدخول إليه فهو كقبول الموصى له, فإنه إذا كان منتظراً لم يكن للوارث  التصرف في الموصى به, وليس الوارث كالمالك, فإنه يبيع بعد التعليق؛ لأنه على سلطنته كما لو أعار داراً شهراً فله الرجوع فلو قال: أعيروا داري شهراً بعد موتي لم يكن للوارث الرجوع وإبطال عاريته عليه, وفي مسألة التعليق بالدخول بعد الموت احتمال رمز إليه القاضي, وهو في مسألة الشريكين أظهر, لأن الدخول يستقرب  وقوعه, وموت الشريك لا يقرب انتظاره, ولكن المذهب ما ذكرناه\rالنظر الثاني: في حكم الولد، وفيه مسائل:","part":1,"page":10},{"id":2732,"text":"الأولى: أن الولد المتولد من المدبرة هل يسري إليه التدبير نُظر إن كان من المدبر فهو حرٌّ والأم صارت مستولدة ولا نقول: انفسخ التدبير؛  لأن مقتضى الاستيلاد إمضاء  العتق بعد الموت فيعاضده  التدبير ولا يناقضه، نعم, العتق عند الموت يضاف إليهما, أو إلى أحدهما فيه نظر أصولي قررناه في كتاب شفاء الغليل  [في الأصول] ، والمقصود التدبير وحكمه لم ينقطع به، وهذا  يفارق الوصية فإنها تنقطع بوطء الجارية الموصى بها، والتدبير لا ينقطع وإن جوّزنا الرجوع عنه أيضاً\rأما إن أتت بالولد من زنا أو نكاح ففي السراية إليه قولان منصوصان ؛ لأن الاستيلاد يسري، والوصية لا تسري، والتدبير دائر بينهما\rوتعليق العتق بالدخول مثلاً هل يسري إلى الولد الحادث بعد التعليق فيه قولان  ينجبر  عليهما في الكسر  فمنهم من قال: أراد به إذا علق بما يُعلم مجيئه قطعاً, ومنهم من قال: يجري ذلك في كل صفة, فإن قلنا: يسري قال الأصحاب: معناه أن الولد يعتق  بدخول الأم الدار, وإن لم يدخل الدار قال الشيخ أبو محمد : بل معناه أن يعتق الولد إذا دخل هو بنفسه, فإن هذا هو سراية التعليق، وذاك كسراية  العتق\rالتفريع:\rإن قلنا: يسري التدبير فحكمه حكم ما لو دبر الأم والولد معاً؛ حتى لا ينقطع تدبير الولد بموت الأم, ولو رجع عن الأم بقي تدبير الولد, ولو رجع عن الولد بقي تدبير الأم, حتى قال ابن الحداد : لو مات السيد والثلث إنما يفي بأحدهما أقرع بينهما  فإن خرج الولد  عتق دون الأم ولا نبالي بانفراده (بالعتق)  وإن دخل تابعاً, ومن الأصحاب من قال: يقسم العتق عليهما فإنه يبعد أن نقرع فتخرج على الولد فيستقل وهو تابع, وهو فاسد, لأنه  صار مستقلاً لما تعدى إليه، ولو صح هذا لوجب أن تتعين الأم للعتق، ولا قائل به","part":1,"page":11},{"id":2733,"text":"الثانية: المدبرة إذا مات سيدها وهي حامل عَتُقَ الجنين بعتقها بلا خلاف، ولو أثبتنا  التدبير عليها وهي حامل وقلنا: إن التدبير لا يسري إلى الولد الحادث ففي تبعية الجنين وجهان  أحدهما: أنه يتبع لا بالسراية ولكن باشتمال اللفظ على الحمل, فإن الجنين يدخل في بيع الجارية فكيف لا يدخل في التدبير! والثاني: أنه لا يتبع, لأنه ربما  دبر الأصل، وإنما يتبع في البيع لأن استثناء الحمل غير ممكن\rفرعان:\rأحدهما: إذا قلنا: يتبع الحمل الموجود دون الولد الحادث فإذا أتت به لدون ستة أشهر [تبع]  وإن كان لأكثر والزوج يفترشها فلا, وإن كان لا يفترشها وأتت به لدون أربع سنين فالنسب لاحق, وفي التبعية في التدبير خلاف  سبق نظيره في مواضع\rالثاني: لو دبر حمل أمته دون الأم صح ولا يسري إلى الأم, فلو باع الأم صح البيع ودخل الحمل إن نوى الرجوع عن تدبير الحمل, وإن لم يقصد فالبيع باطل,  وصار كما لو باع [الأم]  واستثنى الحمل, وذكر العراقيون وجهاً آخر أنه يصح البيع في الأم والولد وإن لم ينوِ الرجوع ثم مهما قلنا يدخل الحمل في التدبير جاز الرجوع عن تدبير الحمل وحده, فليس يشترط أن يكون رجوعه تابعاً, وفيه وجه ضعيف أنه لا يفرد بالرجوع\rالثالثة: ولد المدبر لا يتبعه, لأنه يتبع أمه الحرٌّة, أو الرقيقة, أما ولده من أمة السيد والأمة قنٌّ قال ابن سريج  : هل يسري إليه التدبير فيه قولان  بناءاً على أن العبد هل يملك بالتمليك  , وقال مالك  رحمه الله : يتبعه","part":1,"page":12},{"id":2734,"text":"الرابعة: لو اختلف السيد والمدبرة فقالت: ولدتُه بعد التدبير فيتبعني، وقال السيد: بل  قبله، فالقول  قول السيد؛ لأن الأصل بقاء ملكه على الولد, وكذا لو وقع الخلاف بعد موته مع الوارث فالقول قول الوارث, وكذلك على قولنا: لا يسري يتصور  النزاع بينهما وبين الوارث بأن تقول ولدت بعد موت السيد فهو حرٌّ, ويقول الوارث: بل قبل موته فهو رقيق فالقول قول الوارث؛ لأن الأصل بقاء رق الأم إلى الولادة\rولو كان في يد المدبر مال فقال الوارث: هو من كسبك قبل الموت، وقال [المدبر] : بل مالي فالقول قول المدبر؛ لأن يده ثابتة عليه بخلاف الولد ","part":1,"page":13},{"id":2735,"text":"كتاب الكتابة\rوالنظر بعد تقديم مقدمة في تفهيم صورتها وخاصيتها يقع في أركانها وأحكامها:\rأما المقدمة: فهي في ذكر اشتقاقها، وخروجها عن القياس، وحكمها\rأما الاشتقاق: فهو مشتق من الكَتْبِ، وأصله الجمع يقال: كتبت البغلة أي جمعت بين شفريها بحلقة، وكتبت القربة إذا خرزتها، وضممت أحد شقيها إلى الآخر وسميت الكتابة كتابة لما فيها من ضم الحروف، والكتيبة [سميت]  كتيبة لانضمام بعض الناس إلى البعض ، وعقد الكتابة سميت كتابة لانضمام بعض النجوم  فيها إلى بعض ","part":1,"page":1},{"id":2736,"text":"وأما خروجها عن القياس فمن وجوه: من حيث أنها معاملة بين المالك والمملوك، والعوض  فيه الرقبة والكسب، وكلاهما من ملك  السيد، وهذا غريب، ويبقى المكاتب على درجة بين الاستقلال وعدمه فلا هو كالرقيق من كل وجه، ولا هو كالحر حتى تنفذ بعض تصرفاته دون البعض، ثم يثبت للمكاتب ملك وهو بعد مملوك، وقياس القول الجديد أن المملوك لا يملك ثم يجني عليه السيد ويجني هو على السيد فيلتزم  كل واحد لصاحبه الأرش ثم يعتق العبد بالأداء  ويتبعه اكتسابه وأولاده، كل ذلك خارج عن القياس ولكن ورد بها الشرع لما فيها من المصلحة، فإن العتق مندوب إليه وقد لا يسمح به السيد مجاناً، ولا يسمح بإعتاقه على مال حتى يتبع ذمته فإنه  إذا  عتق لم يجتهد في الكسب، وإذا تعلق به عتقه يشمر غاية التشمير فهذه المصلحة تقتضي العقد على وجه، وكل عقد يختص بمصلحة فقد يقتضي فيها شرطاً يفسد بمثله عقد آخر، ولذلك  احتمل الشرع في الجعالة الجهالة  في العمل دون الإجارة، واحتمل في القراض اشتراط جزء مجهول من الربح، فإن خالف عقد عقداً فلا ينبغي أن يظن أنه خارج عن القياس من كل وجه، بل قياس كل عقد على ما يليق به, نعم ليس إلينا وضع العقود بحسب المصالح لكن يجوز التشبيه بموضوع  الشرع إذا قرب الشبه ، كما قرب الشافعي رحمه الله تشبيه المساقاة بالقراض، ومع قربها  منه لم يعول على مجرد القياس بل على الخبر ","part":1,"page":2},{"id":2737,"text":"وأما حقيقة هذا العقد: فمركب من المعاوضة والتعليق لكن الغالب على صحيحه أحكام المعاوضات، والغالب على فاسده أحكام التعليق على ما سيأتي شرحه، وعلى الجملة الكتابة عقد عتاقة فهو مستحب، وقد ندب الله تعالى إليه فقال تعالى : {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً}  وإنما تستحب إجابة العبد إذا سأل الكتابة مهما كان فيه قوة الكسب، والأمانة، فإن كان أميناً غير كسوب ففي الاستحباب وجهان:  أحدهما: لا؛ لأنه لا يغلب إفضاؤه إلى العتق والثاني: نعم؛ لأن أرباب الزكوات يمدونه فظاهر الكتاب أشار إلى الخير المجرد فيهم دون الكسب ، أما إذا كان غير رشيد وهو كسوب فلا تستحب الإجابة، فإنه  لا يوثق بمعاملة من لا أمانة له، فإن قيل: أليس يستحب عتق من ليس برشيد ولا كسوب، فلمَ لا تستحب الكتابة كيف كان قلنا: لأنه ليس يتنجز عتق, وإنما يستحب إذا ظهر إفضاؤه إلى العتق, فإذا لم يظهر فلا يندب السيد إلى جر  الحيلولة من غير رجاء ظاهر, وقد قال الشافعي  رحمه الله : أما أنا فلا  أمتنع إن شاء الله عز وجل من كتابة عبد جمع القوة والأمانة, وقد نقل صاحب التقريب  عن الشافعي أنه تردد جوابه في وجوب الإجابة, وقد ذهب داود  إلى أنه يجب وربما ظن لأن ذلك يقصده إيجاب الإيتاء،  وقد قال تعالى: {فكاتبوهم} كما قال: {وآتوهم} لكن الصحيح أن الكتابة لا تجب، فإن ذلك إبطال لسلطنة الملاك، وحمل الأمر على الاستحباب أهون من إبطال السلطنة، وأما الإيتاء فلا يبعد إيجابه بعد إقدامه  على الكتابة ولنندفع الآن في ذكر الأركان والأحكام وهما قسمان:\rالأول: في الأركان, وهي أربعة:\rالصيغة, والعوض, والعاقدان, أعني السيد والعبد:\rالركن الأول: الصيغة:","part":1,"page":3},{"id":2738,"text":"ولا بد فيه من الإيجاب والقبول, [والإيجاب]  هو أن يقول: كاتبتك على ألف فنجّم بكذا نجماً فإذا أديته فأنت حر، فيقول العبد: قبلت، فإن لم يصرح بتعليق العتق على الأداء ولكن نواه بقوله: كاتبتك كفاه ذلك، ولا يكفي مجرد ذكر الكتابة فإنه ليس بصريح هذا هو النص ، وفيه تخريج  ذكرناه في كتاب التدبير,  ثم سواءً صرح بالتعليق أو نوى فالعتق عند الأداء يحصل بحكم المعاوضة, أعني في الكتابة الصحيحة, إذ لو كان تعليقاً لما حصل العتق إلا بالأداء, وليس كذلك, إذ يحصل بالإبراء، والاعتياض، وغيره ولو كان تعليقاً لما وقع الاكتفاء بالنية في ظاهر الحكم، ويتصور العتق بعوض سوى الكتابة بثلاث صيغ إحداها: أن يقول للعبد بعتك رقبتك, فيقول اشتريت، فهذا يصح، ويكون شراؤه نفسه كشرائه قريبه حتى يعتق على نفسه، ولا يثبت شرط الخيار إلا على وجه الاودى ذكرناه في كتاب البيع، إلا إن هذا مشكل؛ لأنه إن لم يملك نفسه كيف يكون [شراؤه]  كشراء القريب ! وإن ملك نفسه فكيف يكون الولاء للسيد البائع! ومن اشترى قريبه فالولاء له لا لبائعه؛ لأنا نقدر الملك كالمنتقل إليه والزائل عنه، وبعيد أن يملك الإنسان نفسه، فعن هذا خرج الربيع قولاً أنه لايصح  هذا العقد، وهو منقاس، ولكنه غير معدود من المذهب، نعم من أصحابنا  من قال يصح ويعتق  ولا ولاء عليه للسيد، فإن الزائل ملك الغير عن نفسه، ومن يثبت الولاء فكأنه  يجعل بيع العبد من نفسه إعتاقاً له على مال الثانية: أن يقول لعبده أنت حر على ألف [درهم] ، فيقول قبلت، صح وعتق في الحال، وكان كما لو قال لزوجته: أنت طالق على ألف، وقد ذكرنا  في الطلاق","part":1,"page":4},{"id":2739,"text":"الثالثة: إذا قال لعبده: إن أعطيتني ألفاً فأنت حر [وإن أديت ألفاً فأنت حر]  فلا يمكنه أن يأتي بألف هو  ملكه بخلاف الزوجة فيقع هذا في ما لو جاءت المرأة بألف مغصوبة في مثل هذه الصورة ففي وقوع الطلاق كلام، وكذا في العتق، فإن نفّذنا فهل ننزل هذا منزلة الكتابة الفاسدة حتى يرد الألف، ويرجع إلى القيمة، وحتى يتبعه كسبه، وولده الذي حصل بعد تعليقه فيه وجهان  أحدهما: لا؛ لأنه محض تعليق والثاني: نعم؛ لأنه يؤدي معنى الكتابة، إلا أنه ليس فيه التنجيم، فإن قلنا ليس كتابة فاسدة ولا يتبع الكسب والولد فهل يرجع إلى قيمة رقبته إذ لابد من رد الألف فيه وجهان:  أحدهما: لا، بل يتمحض التعليق، وقد علق بمجرد الإعطاء فيعتق مجاناً، ويرد الألف على مالكه والثاني: أنه يرجع بالقيمة ؛ لأنه أعتق بعوض ففساد العوض يوجب الرجوع إلى القيمة \r\rالركن الثاني: العوض :\rوشرطه أن يكون ديناً، مؤجلاً، منجّماً، معلوم القدر، والأجل، والنجم، فهذه أربعة شروط:\rالأول: أن يكون ديناً في الذمة؛ لأنه لو كاتب على عين وهو لا يملك شيئاً إلا بعد عقد الكتابة فيكون العوض من ملك الغير فتفسد المعاوضة ، ثم لابد من وصف المُثبَت في الذمة كما في السلم، والبيع، والإجارة، فكل ما جاز أن يكون عوضاً في الإجارة والبيع جاز في الكتابة، وجوز أبو حنيفة أن يكاتب على عبد في الذمة مطلق, ثم قال: ينزل  على الوسط","part":1,"page":5},{"id":2740,"text":"الشرط الثاني: التأجيل, ولا بد منه عندنا, خلافاً لأبي حنيفة فإنه جوز الكتابة الحالَة، [ولم يجوز السلم الحالّ, ونحن نجوز السلم الحالّ, ولا نجوز الكتابة الحالّة]  لعلتين: إحداهما: وهو الأصح الإتباع, فإن هذا عقد غريب, وإنما جُوز  لنوع رفق، ولم يعهد من الأولين كتابة حالّة والثاني: أن العبد عاجز عقيب الكتابة إذ لا ملك له قبل الكتابة، وإنما يحصل له بعده بالاكتساب ، ولو في لحظة، فإنه لو كاتبه على مقدار من الملح، وهما  على مملحة فلا يملك الملح ما لم يأخذ فيكون اللزوم حاصلاً قبل القدرة، وكذلك لو كان أوصى له قبل الكتابة [بشيء]  فلا بد من القبول بعد العقد واللزوم يتقدم عليه، نعم يرِد على هذا أربع مسائل لا تخلو واحدة منها عن  خلاف: إحداها: من نصفه حر، ونصفه رقيق، فإنه يملك مالاً بنصفه الحر ففي الكتابة الحالّة معه وجهان  من علل بالإتباع منع, ومن علل بالعجز يجوّز \rالثانية: إذا كاتبه على مال عظيم ونجّمه بنجمين بينهما لحظة فإنه يُعلم أنه لا يقدر عليه في تلك اللحظة  فمن علل بالإتباع جوّز, ونظر إلى صورة التنجيم, والذين عللوا بالعجز اختلفوا فمنهم من منع لأن الإمكان النادر كالعجز, ومنهم من صحح نظراً إلى أصل الإمكان, وهو الأصح, فإن الأمر في مقادير مدة الإمكان لا ينضبط، ولا يبعد أيضاً على التعليل بالإتباع المنع فإنه لا ينكر مع ذلك غرض المواساة, ولا مواساة في هذا\rالثالثة: البيع من المفلس ، وهو صحيح، فإنه يقدر على تملُك  المبيع فإنه مال يمكن قضاء الدين منه، والمكاتب لا يقدر على بيع رقبته, فإن فرض الثمن زائداً على المبيع فيمكن وجود زبون يشتري، أو بذل منه  البائع حتى يأخذه بكمال الثمن ومع هذا فقد حكى الشيخ أبو محمد وجهاً أن الثمن إذا زاد بطل العقد للعجز  , وهو بعيد","part":1,"page":6},{"id":2741,"text":"الرابعة: لو أسلم إلى مكاتب عقيب القبول من الكتابة فهو عاجز في الحال، وذكر القاضي وجهين، وهذا أقرب من وجه الشيخ أبو محمد في البيع؛ لأن الثمن يحتمل ما يحتمله المسلَم فيه، ولذلك لا يجوز الاعتياض عن المسلم فيه قولاً واحداً بخلاف الثمن, وانقطاع جنس الثمن لا يوجب الفسخ, وفي انقطاع المسلم [فيه]  خلاف, ومن المحققين من رأى التسوية بين الثمن والمسلم فيه في جميع الأحكام وهو متأيد بمذهب الشافعي رحمه الله  في إثبات الفسخ بسبب الإفلاس بالثمن","part":1,"page":7},{"id":2742,"text":"الشرط الثالث: التنجيم: وهو أن لا يُجعل العوض مؤجلاً بنجم واحد بل يزيد على نجم فأقله نجمان  ولا بأس  بالزيادة عليه وسبب هذا الشرط الإتباع المحض, ومع هذا فقد نص الشافعي   على أنه لو كاتب عبده على خدمة شهر ودينار بعد الشهر جاز  وقد حصل بالتنجيم ، إلا أن النجم الأول حالّ إذ تلزم المنافع عقيب العقد, وإنما الشهر لتوفية المنافع على حسب الإمكان, ولكن العبد عقيب العقد قادر على الشروع في الأداء ولا قدرة له عقيب العقد إلا على منافعه, وهذا يؤيد تعليل اشتراط الأجل بالعجز, ثم اتفق الأصحاب على أنه لو كاتب على خدمة شهر ودينار بعد العقد بيوم كفى وحصل التنجيم, ولا يشترط تأخر الدينار عن الشهر، وإن كان لفظ الشافعي يوهم ذلك, وإليه ذهب وهم أبي إسحاق المروزي  حتى شرط أن يكون محل الدينار بعد الشهر ولو بلحظة حتى يتميز محل الشهر عن محل الدينار, وهو ضعيف, إذ بيّنا أن محل المنفعة عقيب العقد وإنما التأخير لضرورة التوفية, أما إذا كان  على دينار حالّ وخدمة شهر لم يجز؛ لأنه لا تنجيم فيه, ولو كاتب على خدمة شهرين ليكون كل شهر نجماً لم يجز،  لأن الكل يستحق بالعقد، فإن أضاف استحقاق الشهر الثاني إلى ذلك الوقت فهو فاسد كإجارة الدار في الشهر القابل، ومهما وقع متصلاً بالشهر الأول مع من لايستحق  الشهر الأول ففي جوازه وجه في الإجارة، ويجري أيضاً في الكتابة, أما إذا أعتق عبده على أن يخدمه شهراً عتق في الحال, وعليه الوفاء فإن تعذر الوفاء بخدمة الشهر لعائق فإن الرجوع  إلى قيمة الأجرة، أو قيمة الرقبة فيه قولان كما في بدل الصداق والخلع","part":1,"page":8},{"id":2743,"text":"الشرط الرابع: إعلام الأجل : فقد ذكرنا طريقه في السلم، ومعنى إعلام  النجم أن يتميز محل كل نجم، فلو كاتبه على مائة [دينار]  يؤديها في عشر سنين لم يجز حتى يبين قدر كل نجم, ومحله,  ولا يُشترط تساوي النجوم, ولا تساوي المدد، وإعلام العوض ذكرنا  في السلم والبيع, وقد تنشأ  الجهالة في تفريق الصفقة فنذكر ههنا مسألتين:\rإحداهما: أنه لو كاتبه  بشرط أن يشتري العبد منه شيئاً فهو فاسد, لأنه من قبيل بيعتين في بيعة, ولو قال: كاتبتك وبعتك هذا العبد بألف ونجّمه كما يشترط لكن جعل الألف عوضاً عن الكتابة والمبيع فالبيع لا ينعقد, لتقدم إيجابه على قبول الكتابة, ولا يصير العبد أهلاً للشراء إلا بعد الكتابة, وأما الكتابة ففي تصحيحها قولا  تفريق الصفقة؛ لأن ذلك يورث جهلاً بقدر النجوم, فإن صححنا فالصحيح أنه يوزع الألف على قيمة العبد والمبيع, وفي قولٍ أنه تنفذ الكتابة بجميع الألف إن اختار العبد, ومن أصحابنا من شبّب بذكر خلاف في صحة البيع أخذاً من نص الشافعي  على ما لو قال: اشتريت عبدك بألف ورهنتك  بألفٍ داري, فقال المخاطب بعت وارتهنت, فالنص أنه صحيح, والرهن قبل لزوم الدين لا يصح, وقد تقدم أحد شقيه على لزوم الثمن, فأن سلكنا هذا  المسلك خرج تصحيحها على تفريق الصفقة في الجمع بين عقدين مختلفين في صفقة واحدة كالبيع والإجارة, ولا يتأتى هذا المسلك في الرهن مع البيع فإنه تابع للبيع ومؤكد له ","part":1,"page":9},{"id":2744,"text":"المسألة الثانية: لو كاتب ثلاثة أعبد على ألف مثلاً في صفقة واحدة [و]  لم يميز نجوم كل واحد فالنص صحة الكتابة، والنص في شراء ثلاثة أعبد من ثلاثة ملاك بعوض واحد فساد البيع، والنص في خلع نسوة بعوض واحد وفي إصداق نسوة صداقاً واحداً على قولين فمن أصحابنا من طرد في الكل قولين، وهو الأصح, مأخذه أن العوض إن أخذ جملة فهو معلوم، وإن تميز نصيب كل واحد فهو مجهول، ولكن يمكن معرفته بالتوزيع [فيصح لأجل العلم بالجملة في قول، ويفسد لأجل الجهل بالتفصيل في قول، ومنهم من قرر النصوص، وقال البيع يفسد]  لأن العوض فيه ركن فيجب الاعتناء ببيان تفصيله، والكتابة فأولى بالصحة بخاصية وهو أن العبيد يجمعهم مالك واحد فهو من وجه كعبيد يبيعهم شخص واحد، وأما الخلع والصداق فعلى رتبة بين الرتبتين, وهذا ضعيف, لأن كل عقد قبل الكتابة فقد انفرد بحكمه كامرأة اختلعت, وأي فائدة لقوله العوض ركن في البيع, مع أن الجهالة تفسد المسمى في الخلع والصداق, وإن لم تفسد  الخلع  والنكاح فالوجه طرد القولين\rالتفريع: إن أفسدنا فحكمه حكم الكتابة الفاسدة, وستأتي, وإن صححنا فالقول الصحيح أنه لا توزع النجوم على عدد الرؤوس بل على قدر قيمة العبيد,  وفيه قول آخر أنه توزع على عدد الرؤوس, وطرد هذا القول في الصداق والخلع, ويبعد طرده في البيع, إذ يبعد التوزيع على عدد الباعة, ولو قيل بطرده لم يمتنع, وينشأ من هذا أنّا إن اعتقدنا التوزيع على عدد الرؤوس فلا جهالة فينبغي أن يصحح العقد كيف ما كان، وإذا صححنا العقد فكل عبد كالمنفرد بكتابة نفسه حتى إذا أدى حصته عتق, ولم يقف على أداء رفقائه خلافاً لأبي حنيفة فإنه راعى حكم التعليق إذ صورته أن يقول كاتبتكم على ألف فإذا أديتم فأنتم أحرار, وهذا ضعيف, لأنّا  في حق كل واحد نغلب المعاوضة حتى يحصل العتق بالإبراء فكيف يدّعي التعليق في حق الجميع ","part":1,"page":10},{"id":2745,"text":"الركن الثالث: السيد المكاتب:\rوشرطه أن يكون مالكاً، مكلفاً، أهلاً للتبرع، غير رافع  بالكتابة بيعاً لازماً\rأما اشتراط كونه مالكاً ومكلفاً فلا يخفى, فلا تصح الكتابة من الصبي, والمجنون, ولا تصح كتابة ملك الغير\rوأما أهلية التبرع  فيخرج عليه أن قيم الطفل ليس له أن يكاتب عبد طفله ولا  بأضعاف قيمته؛ لأنه يؤديه من كسبه, والكسب ملكه ومعاملة الملك بالملك تبرع (ومقصوده)  الإعتاق, وجوز أبو حنيفة لولي الطفل الكتابة، ويخرج عليه المريض أيضاً فإن مكاتبة عبده لا تنفذ إلا إذا خرج من ثلثه, وكذلك لو أوصى بمكاتبة عبد فإن كان لا يخرج حال  العقد من ثلثه ولكن زاد ماله فخرج عند الموت من ثلثه فالنظر إلى حالة الموت، ولو كاتب في الصحة ثم وضع النجوم (عنه)  في مرض الموت، أو أعتقه اعتبرنا خروج الأقل من الثلث، فإن كانت الرقبة أقل اعتبرنا خروجها [لأنه لو عجز]  لم يكن [للورثة]  إلا الرقبة, وإن كانت النجوم أقل اعتبرنا خروجها؛ لأنه لو أدى نجومه لم يكن للورثة سبيل إلى رقبته، ولو أوصى بإعتاقه أو وضع  النجوم عنه فكمثل، ولو أوصى بأن يكاتب عبد له بعد موته، ولا يحتمله الثلث، وله وصايا حاصّها، وكوتب من رقبته قدر ما يحتمله الثلث، ولو كاتب في الصحة ثم أقر في المرض بأنه استوفى النجوم صح إقراره من رأس المال، وهو كإقراره للأجنبي، لا كإقراره للوارث فإن فيه خلافاً","part":1,"page":11},{"id":2746,"text":"وأما قولنا لا يدفع به  بيعاً لازماً خرج عليه أن عبد الكافر إذا أسلم توجه [عليه]  الأمر بالبيع، فلو كاتبه في صحته  وجهان أحدهما: لا؛ لأن اللازم إزالة الملك وهو ممكن في المكاتب بخلاف المستولدة والثاني: أنه يصح، ويكتفى به؛ لأن إبقاءه أحرى على العبد من البيع، فإن عجز فإذ ذاك يباع، ولو كاتب ثم أسلم فأن قلنا يصح ابتداؤه فدوامه أولى، وإن قلنا لا ففي قطع الدوام وجهان، ولا يندفع لزوم البيع بالتدبير، ولو دبر ثم أسلم فيباع  عليه أم تضرب الحيلولة فيه خلاف ذكرناه، وأما المرتد فكتابته بعد الحجر وقبله على الأقوال في ملكه، وأما الحربي فتصح كتابته العبد الكافر ولكن لا يظهر أثر لزومه؛ لأنه لو أعتق ثم استولى عليه الحربي ملكه فإذا قهره قبل الأداء فأولى أن يرق، ولو أسلما بعد أداء تمام  النجوم فهو حر، ولا سلطان [له]  عليه إلا الولاء، وإن كانت النجوم خمراً وقد قبض في الكفر حصل العتق، وإن قبض بعضه ثم أسلما وقبض الباقي حصل العتق ولكن يرجع السيد على العبد بقيمته، ولا يوزع على ما بقي [ولا]  على ما قبض بل لا حكم لما سبق؛ لأن حكم العوض يثبت للنجوم عند (تمامه)  فإذا لم يتم فهو كسب رقيق يصرف إلى المالك، وقد ذكرنا نظير هذا في النكاح فلا نعيده \rالركن الرابع: العبد القابل للكتابة،\rوله شرطان:\rأحدهما: أن يكون مكلفاً، فلا يصح قبول المجنون، والصغير وإن كان مميزاً وكتابته باطلة لا فائدة لها لأنه لا عبارة له عندنا، ولو قال للسفيهة أنت طالق على ألف فقبلته نفذ الطلاق رجعياً، وليس في العتق مثل ذلك، فإنه لا يمكن تنفيذه بغير عوض، ولو خرج من  كتابته بالتعليق وقال كاتبتك فإن أديت كذا فأنت حر، فأدّى عتق، ولم يرجع السيد عليه بقيمته بخلاف الكتابة الفاسدة مع العبد المكلف","part":1,"page":12},{"id":2747,"text":"الشرط الثاني: أن ترِد الكتابة على كله فإن كاتب نصف عبده  فالمذهب أن الكتابة فاسدة، وإن كاتب النصف الرقيق ممن نصفه حر صح، ولو كاتب أحد الشريكين نصيبه بغير إذن شريكه لا يصح، وإن كان بإذنه ففيه قولان ، وإنما بطل كتابة النصف من العبد الخالص لأنه لا يستفيد استقلالاً بالمسافرة، وهو من أسباب الكسب، ولا يأخذ الصدقة فإن الصحيح أن صرف الصدقة إلى من نصفه رقيق لا يجوز، وفيه وجه بعيد وإن كان متجهاً توجيه القولين من قال يصح مكاتبة النصف بإذن الشريك قاس الكتابة على العتق والتدبير وسائر التصرفات، ومن منع علّل بأنه لا يستقل المكاتب مع بقاء نصفه رقيقاً، ولذلك  لا تصح دون إذن الشريك، فأي أثر للإذن في الاستقلال فمن هذا خرج بعض الأصحاب طرد القولين، وإن لم يأذن الشريك، بل خرجوا قولاُ في تصحيح النصف من العبد الخالص، وهو أبعد فإن التكميل ممكن، وأما الشريك فعاجز عن التكميل، ولا خلاف أنهما لو كاتبا على مال واحد صح وانقسم المال على قدر الحصتين، وإن أفرد كل واحد نجماً يرجع  إلى  مكاتبة كل واحد بإذن شريكه، أو  انفصل عقده عن عقد شريكه فخرج  على القولين، وكذلك لو تشارطا قسمة النجوم  على نسبة الملك خرج [على]  القولين؛ لأنه انفرد عقد كل واحد عن صاحبه بهذا الشرط","part":1,"page":13},{"id":2748,"text":"فرع: لو كاتباه على مال واحد فعجز المكاتب فأرقه أحدهما رق نصيبه، ولو أراد الآخر أن يديم الكتابة وينظر منفرداً  به ففيه ثلاثة طرق : أحدها: القطع بالمنع من ذلك؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يبقى نصف العبد مكاتباً بغير رضى الشريك، والنص إبطال ذلك ابتداءاً، وكذا في الدوام والثاني: أن ذلك يخرج على القولين في التبعيض بالرضا؛ لأن رضى شريكه بالعقد ابتداءاً رضى بلوازم العقد وبما يفضي إليه","part":1,"page":14},{"id":2749,"text":"والثالث: القطع بالجواز؛ لأن دوام العقد [ابتداءاً رضى فدوام العقد]  يحتمل ما لا يحتمله الابتداء، ولو كاتب واحد ومات، وخلف ابنين فعجّزه أحدهما دون الآخر فيخرج حكمه على هذه الطرق، والمنع من التبعيض فههنا  أولى؛ لأن العقد جرى من شخص واحد ابتداءاً فتبعه  تبعيض صفقة متحدة، وهذا هو شرح ما يصح من الكتابة وما لا يصح، وينقسم ما لا يصح إلى باطلة لا حكم فيها إلا التعليق المجرد إن جرى التصريح به، وإلى فاسدة تتعلق بها بعض الأحكام، والباطل ما تطرق الخلل إلى أركانه بأن عُدم الإيجاب، أو صدر من غير أهله كالصبي، والمجنون، والمكره، وغير المالك، [وقيم الطفل]  أو عُدم القبول [أو صدر من غير أهله كالصبي، والمجنون، والمكره، وقيم الطفل] ، أو عُدم أصل العوض إن  شرط  عوض لا يكون فيه عوض  مالية كالحشرات والدم حيث لا يتصور منه  غرض مقصود إن  اختلت الصيغة ولم تنتظم، وقد نقل الربيع أن العبد لو كان مخبولاً  عتق بالأداء فيرجع السيد بقيمته، وهذا يدل على أن قبول المجنون  بنفسه لا يبطل، وهو فاسد، وقد نقل المزني ضد ذلك فليقطع به إذ لا فرق بين قبول المجنون والصبي، وأما الفاسد فما امتنع صحته لزيادة شرط فاسد، ولفقد الشروط المصححة، كما لو كان العوض مغصوباً، أو مجهولاً، أو لم يذكر الأجل، أو كان مجهولاً، أو لم ينجم، أو كانت النجوم مجهولة، أو كاتب بعض العبد حيث لم نجوزه فكل ذلك فاسد، ولو اقتصر على قوله إن أعطيتني ألفاً فأنت حر فهذا خلل في الصيغة، وقد ذكرنا خلافاً أنه تعليق بمجرده أم له حكم الكتابة الفاسدة","part":1,"page":15},{"id":2750,"text":"ثم الفاسد يساوي الصحيح في ثلاثة أحكام أحدها: العتق عند أداء ما أضيف إليه العتق بالتعليق الصريح, أو النية والثاني: استتباع الكسب، والولد عند العتق والثالث: استقلال العبد عقيب الكتابة بالاكتساب، وينبني على (استقلاله)  سقوط بعضه  عن مولاه، وجواز معاملته إياه بالبيع وغيره، ولولا استقلاله بنفسه وبكسبه لما تبعه الكسب عند العتق، أم الولد فإنما يتبعه لأنه إذا كان من جاريته فهو ملكه، وهو من كسبه، ثم إذا ملكه عتق عليه، فإن لم يكن من كسبه كولد المكاتبة ففي سراية الكتابة الفاسدة إليه قولان  كما في سراية التدبير وتعليق العتق، والأصحاب أنه يتبعه الولد, والشيخ أبو زيد هو الذي ذكر تخريجه على القولين، وتنزيل القولين على بعض الصور أنا ذكرته, فإنه إذا كان من كسبه لم يكن ذلك من قبيل السراية  إلى الولد من حيث أنه ولد، واختلف الأصحاب فيما يتعلق باستقلاله في شيئين أحدهما: أنه هل يسافر فيه وجهان:  أحدهما: نعم, إذ به يتم الاستقلال والثاني: لا؛ لأن هذه الكتابة غير لازمة من جهة السيد، وألا يستقل بالانسلال عن سلطنته جملة، والآخر: أنه هل يصرف إليه سهم من الزكوات فيه وجهان:  ووجه المنع أنه إذا لم يكن لازماً من جهة السيد لم يوثق بالصرف إليه وأدائه إلى العتق، هذا مايتفق  فيه الصحيح والفاسد، أما ما يفرق  فيه فهو ثلاثة أمور:\rأحدها: أن ما يقتضيه ويحصل العتق به يجب رده على العبد والرجوع إلى [قيمة]  الرقبة كما في الخلع على العوض الفاسد ","part":1,"page":16},{"id":2751,"text":"الثاني: أنها لا تلزم من جهة السيد بل له أن يفسخ, ومهما فسخ أو قضى القاضي بإفسادها أو بردها انفسخ حتى لا يعتق بأداء النجوم بعده وترتفع قضية التعليق الصريح  لأنه تعليق في ضمن معاوضة فإذا ارتفعت المعاوضة لم يبق حكمه وكأنه قال: إن أديت إليّ الألف في المعاوضة فأنت حر وقد ارتفعت المعاوضة بالفسخ، ويبتنى على هذا أنه  لو مات السيد فأدّى إلى الوارث لم يعتق، قال الشافعي : لأنه ليس هو القائل إن أدّيت إليّ [الألف]  فأنت حر أشار به إلى تغليب قضية التعليق في هذا المعنى فإذن يمتنع العتق برجوعه، وبرد القاضي، وبموته\rالثالثة : أنه لو أعتقه عن كفارته يجوز بخلاف المكاتب كتابة صحيحة وهو متجه الجواز إذ يجعله بالإعتاق فاسخاً للكتابة حتى نقول لا يستتبع الكسب والولد, فإذا صحت الكتابة تبعه الكسب والولد وإن أعتق كان واقعاً  عن جهة الكتابة, وتعليل ترتيب بعض الأحكام على الفاسد مشكل على مذهب إمامنا الشافعي رحمه الله, ولا حكم للعقد الفاسد عنده, ولكن الكتابة الصحيحة مخالفة لشروط المعاوضات أيضاً، وإنما صحح تشوفاً إلى تحصيل العتق، فإذا فسد مع الاشتمال على تعليق العتق وجب التشوف إلى تحصيل العتق بالأداء ثم لزم منه تمكينه من الاكتساب ليتوصل إلى العتق فلزم منه انفراده بالفاضل من كسبه عند العتق، وهو معنى الاستتباع, ولزم عليه إسقاط نفقته, وجواز ومعاملته, أما إلزام العقد فلا ضرورة فيه, وتمليك العوض لا ضرورة فيه فأجري على القياس في الرد والرجوع إلى بدله فهذا هو القول في أركان الصحة وشروطها  \r\rالقسم الثاني من نظر الكتاب: في أحكام العقد:","part":1,"page":17},{"id":2752,"text":"ويقتضي  العقد العتق عند الأداء، والإبراء، ويقتضي  استقلال العبد بالاكتساب، ويتفرع عنه تبعية الكسب, والولد, ووجوب الأرش, والمهر على السيد عند الوطء, والجناية, ويقتضي  نفوذ تصرفات المكاتب فيما لا تبرع  فيه, وامتناع تصرفات السيد في رقبته, ومجموع هذه التفاصيل يرجع إلى خمسة أحكام:\rالحكم الأول: فيما يحصل العتق به،\rوإنما يحصل العتق إما بالإعتاق، أو براءة الذمة عن النجوم كلها إما بالإبراء، وإما بالأداء, وفيه مسائل: إحداها: إن أداء بعض النجوم، والإبراء عن بعضه  لا يحصل العتق في شيء منه مراعاة لمقتضى صيغة التعليق,  ومذهب علي رضي الله عنه أنه يعتق بكل جزء يؤديه جزء من رقبته, وأما الإبراء في الكتابة الفاسدة لا يوجب العتق, لأن حكم التعليق غالب, وقد علق على الأداء","part":1,"page":18},{"id":2753,"text":"الثانية: إذا جُن السيد فقبض النجوم لم يعتق لبطلان القبض، وللمكاتب أن يسترد منه حتى يقبض قيم المجنون، فلو تلف في يده قبل الاسترداد فلا ضمان إذ المكاتب هو المضيع، أما إذا جُن المكاتب فقبض السيد منه قال الأصحاب: عتق؛ لأن للسيد الاستقلال بالأخذ، وعقل العبد ليس بشرط فيه قال الإمام: وهذا متجه، إذا تعذر على السيد رجع  الأمر إلى القاضي، فإن أمكن فلابد وأن ينصب القاضي للمكاتب قيماً حتى يوفي النجوم، وكأن الأصحاب رأوا كون السيد ولياً له فيما يحصّل العتاقة له فلم يحوجوه إلى القاضي، هذا في الكتابة الصحيحة، أما الفاسدة إذا طرأ عليها جنون السيد فظاهر النص أن العقد ينفسخ كما ينفسخ بموته، وإن جّن العبد فظاهر النص أنه لا ينفسخ، فاختلف الأصحاب، وحاصل ما ذكروه نقلاً وتخريجاً ثلاثة أوجه:  أحدها: انه لا ينفسخ بجنونهما، وهو الأقيس؛ لأنه وإن كان جائزاً فمصيره إلى اللزوم، والبيع   في زمان الخيار لا ينفسخ بالجنون، والكتابة الصحيحة جائزة في جانب العبد، ولا تنفسخ بجنونه والثاني: أنه ينفسخ لضعف الفاسد والثالث: أنه ينفسخ بجنون المولى دون العبد؛ لأن الصحيح أيضاً جائز في حق العبد فلم يؤثر الفساد في حقه زيادة إبراء  بخلاف [الفاسد، فإنه جائز في]  جانب  السيد، وهذا  أقرب إلى النص ولكنه غامض من حيث الفقه، ولا خلاف عندنا أن الكتابة تنفسخ بموت المكاتب دون موت السيد، وما خلفه المكاتب من كسب فهو للسيد، وليس ذلك لجواز العقد ولكن لأنه خرج عن قبول العتق بالموت، وقال أبو حنيفة رحمه الله : لو خلّف وفاءاً فلوارثه الأداء, وتبين أنه مات حراً موروثاً","part":1,"page":19},{"id":2754,"text":"التفريع: إن قلنا ينفسخ بجنون العبد فلو أفاق فأدى النجوم ففي حصول العتق بحكم التعليق وجهان:  أصحهما: أنه لا يحصل؛ لأن التعليق في ضمان المعاملة  فلا يبقى مع انفساخها، كما لو فسخ السيد والثاني: أنه يحصل؛ لأن التعليق باق، وإنما ارتفع بالفسخ لأنه كالمعلق بصفتين الأداء، وأن لا يرجع، فعدم الرجوع شرط [فيه، وهذا ضعيف؛ لأنه معلق بأداء في ضمن معاوضة، وقد ارتفعت المعاوضة فإن قلنا يحصل]  العتق فالوجه القطع  بأنه لا يرجع، وفيه وجه آخر أنه يرجع بالقيمة على العبد، ويلزمه  تبعية الكسب وهذا رجوع إلى أن الكتابة لم تنفسخ إلا في حق الاستقلال بالكسب، وهو فاسد","part":1,"page":20},{"id":2755,"text":"الثالثة: إذا كاتبا عبداً ثم انفرد أحدهما بإعتاق نصيبه، أو بالإبراء عن نصيبه عتق نصيبه، وسرى  إلى الباقي، وقوّم عليه وكذلك لو أخذ نصيبه حيث نجوّز أخذه كما سيأتي فيعتق نصيبه وسرى  إلى نصيب الآخر ويقوّم عليه، ولا نقول أنه مجبر على القبض؛ لأنه لو امتنع لأجبر فلا تحصل السراية لأنه مختار في الكتابة التي أدت إلى لزوم القبض، نعم أحد الوارثين إذا قبض نصيب نفسه، وعتق نصيبه  لم يقوَم عليه الباقي؛ لأنه مجبر، والكتابة لم تصدر منه ، وإن  كان معسراً [فلا يسري]  وتبقى الكتابة في الباقي إذ لا تمنع  كتابة بعض العبد إذا كان الباقي حراً، أما إذا ادّعى العبد عليهما قبض النجوم فصدّق  أحدهما وكذّب  الآخر عتق نصيب المصدق، وهل يقوّم عليه الباقي بالسراية فيه قولان:  أحدهما: نعم؛ لأنه مختار في التصديق والثاني: أنه لا يسري؛ لأن موجب إقراره عتق النصيبين جميعاً لأنه أقر بأنهما قبضا جميعاً فلا ينبغي أن يؤاخذ [بما]  لا يتضمنه إقراره [ولا يتضمن]  إقراره عتقاً في البعض حتى يتصور تسريته، وقد ذكر صاحب التقريب وجهاً أن العتق لا يسري إلى المكاتب لأن السراية تكون بتقدير نقل الملك والمكاتب لا يقبل النقل وهو ضعيف، وغريب في النقل، نعم ذكر أصحابنا  قولين  في أن عتق الشريكين متى يسري إلى النصف المكاتب أحدهما: أنه لا يسري في الحال، كي لا تبطل الكتابة بل يسري إذا عجز العبد، وانقلب إلى الرق فيسري بعد ارتفاع الكتابة فلا يتضمن إبطالاً للكتابة، ولا نقلاً للملك في المكاتب والثاني: أنه تتعجل السراية – أعني [على]  قولنا أن السراية على القن معجلة – فعلى هذا ينفذ العتق الساري عن الكتابة، أو (تنفسخ)  الكتابة ويعتق، فيه وجهان، ويظهر أثر هذا في الولاء كما سيأتي في عتق أحد الورثة","part":1,"page":21},{"id":2756,"text":"الرابعة: إذا خلف مكاتباً وابنين فأبرأ أحدُهما عن نصيبه عتق نصيبه، ولم يقف على أداء الباقي، ولم يكن كإبراء المالك عن البعض فإنه لا ينجز العتق في شيء لأن الوارث صار كأحد الشريكين وصار كالمنفرد، وعند أبي حنيفة يقف العتق ههنا، وفي الشريكين على الإبراء عن الجميع، والأداء للجميع، والنظر عندنا في أن تنجيز  الوارث العتق بالإعتاق، أو الإبراء هل يسري وفيه قولان أحدهما: أنه يسري، كعتق أحد الشريكين والثاني: لا؛ لأن هذا العتق يقع عن الميت، بدليل أن الولاء للميت [لا للوارث]  فهو في حكم نائب  الميت، وعتق الميت لا يسري لأنه معسر لا مال له قال القاضي: وينبغي أن يبنى القولان على أن الوارث هل يملك المكاتب  ويبنى ذلك على أن الدين المستغرق هل يمنع ملك الوارث فإن استحقاق المكاتب العتق  في حكم دين مستغرق، و إلا فإذا حصّلنا الملك له فينبغي أن يسري عتقه كأحد الشريكين، وإذا قلنا إنه لا يملك فمعنى تنفيذ إعتاقه جعله إبراءا  ً؛ لأنه يتضمن ذلك وقبل  ملك النجوم إن لم يملك الرقبة، إلا أن هذا التردد يوجب تردداً فيما إذا نكحت المرأة مكاتب أبيها فمات إذ لا خلاف في المذهب أنه ينفسخ النكاح بمجرد الموت ولو لم يملك لما انفسخ","part":1,"page":22},{"id":2757,"text":"التفريع: إن قلنا لا يسري فالنصف الآخر إن عتق  بإبراء الآخر، أو إعتاقه فقد تم عتق المكاتب عن الميت، والولاء للميت، والابنان يشتركان في الوراثة ، فإن الولاء يورث به ولا يورث، أما إذا رق النصيب الباقي بالعجز ففي ولاء النصف  المعتَق وجهان:  أحدهما: وهو القياس أن الابنين  يشتركان في فائدته  إن مات المكاتب وقلنا إن مَن بعضه حر وبعضه رقيق يورث؛ لأن الولاء حصل للميت، وهما يشتركان في عصوبته","part":1,"page":23},{"id":2758,"text":"والثاني: أنه يختص بالمعتق ، إذ يبعد أن ينفرد الثاني باستبقاء الرق في كمال نصيبه ثم يشاركه في ولاء النصف الآخر، وهذا لا وجه له، إلا بأن يقال كان عتقه موقوفاً فإن عتق النصيب  الثاني تبين أنه كان عن الميت من جهة الكتابة، وإن رق النصف الثاني وانفسخت الكتابة فيه فالكتابة الواحدة لا تتبعض فتبين أنه أعتق عن نفسه، وانفسخت الكتابة، فلم يكن الولاء للميت، بل له فينفرد به، وهذا فيه بعد من حيث أن تبين انفساخ الكتابة يجر في وقت الإعتاق سبباً يوجب الانفساخ قبيل الموت، [وقبيل الموت]  لم يكن السبب موجوداً فلا يبعد تقدير مثله ههنا، وإن فرعنا على أنه يسري ولكن غير معجل بل عند انقلاب الثاني  إلى الرق، فإذا انقلب إلى الرق قدرنا انتقال الملك إليه، وسرّينا، واختص ولاء  مقدار السراية بمن  يسري عليه، وحكم النصف الآخر على ما سبق؛ لأن عتق النصف الثاني لم يقع عن جهة الكتابة، فالخلاف في انفراد المعتق بولاء ذلك النصف كما سبق، أما إذا قلنا بتعجيل السراية ففي انفساخ الكتابة عن محل السراية وجهان:  أحدهما: أنه ينفسخ، وينتقل الملك إلى المعتق، ويعتق عليه، ويكون حكم الولاء ما سبق، ولا يبعد انفساخ الكتابة اللازمة إذا كانت تنتهي إلى العتق، فإن قوة السراية أعظم من قوة الكتابة، وليس هذا كما لو أعتق المالك فإنه لا يجعل منه فسخاً للكتابة، وتبرعاً بالإعتاق؛ لأن إعتاق السيد تحقيق لموجب الكتابة، وسراية العتق تناقض موجب الكتابة، إذ يصرف العتق إلى غير من صدرت منه الكتابة","part":1,"page":24},{"id":2759,"text":"والوجه الثاني: أن الكتابة لا تنفسخ، وينتقل الملك في المكاتب إليه، ويعتق عليه، ولا يبعد نقل الملك في المكاتب إذا لم يدفع العتق بل أدّى إليه، ونحن نجوز بيع المكاتب في قول قديم بحيث يبقى مكاتباً، ويكون البيع كالوارد على النجوم، ولكن هذا النقل جُوّز على الجديد؛ لأنه قهري بسبب السراية، ولو علل بأدائه إلى العتق لزم تجويز بيع المكاتب من أبيه ، ومن يعتق عليه، وما عندي أن الأصحاب يسمحون به، بل جُوّز النقل لاجتماع القهر وتحقق  العتق، وبهذا يتبين توجيه القول الذي نقله صاحب التقريب في أن العتق لا يسري إلى المكاتب لما فيه من النقل، ويتضح أيضاً أن هذا الطريق أوجه، فإنه تحقيق سراية بحيث لا يبطل مقصود الكتابة، نعم لا بد وأن يبطل استتباع الكسب، والولد حيث قضينا بانفساخ الكتابة، فإن قضينا بأن الكتابة لم تنفسخ فقد ينقل  إليه وعتق  الشطران جميعاً على حكم كتابة الميت فنقطع ههنا بأن الولاء للميت، والابنان يشتركان فيه؛ لأنه زال التبعيض عن الكتابة","part":1,"page":25},{"id":2760,"text":"فرع: إذا خلّف عبداً وابنين، فادّعى العبد أن المورّث كاتبه، فإن أُنكر فعليه البينة، ولا يكفي شاهد وامرأتان؛ لأن مقصوده العتق، وإن لم [تكن]  بينة فالقول قولهما، ولا يخفى حكم الحلف والنكول، وإن صدق  أحدهما، وكذب  الآخر وحلف حُكم بأن نصفه مكاتب فيستكسب ويصرف نصفه إلى المكذب ملكاً، والنصف الآخر في يده [فيصرفه]  إلى المصدق عن النجوم، ثن عتقه يتصور على المصدق بالإعتاق، وبالإبراء، أو بقبض النجوم، فإن عتق بقبض النجوم لم يسرِ؛ لأن المصدق مقهور على الأخذ، وإن عتق بإعتاقه سرى، ولم يحسن تخريجه على السراية إلى المكاتب لأن الثاني يزعم أن نصيبه رقيق فيؤاخذ بقوله، ويسري إليه، وإن عتق بالإبراء لم يمكن التسرية ؛ لأن الشريك يزعم أن الإبراء فيه لغو لم يحصّل العتق في نصيب المبرئ فكيف يسري إلى نصيبي فلا يسري إذن حتى يأتي المصدق بلفظ يوجب العتق لا محالة ثم قال الصيدلاني: لو انتهض المصدق شاهداً على المكذب مع شاهد آخر ثبتت الكتابة قال الإمام: وهذا مشكل؛ لأن عوض  هذا العقد مشترك بينهما فكيف يشهد على عقد له عوضه! وللصيدلاني أن يقول : القدر  الذي يخصه في العوض أقر به العبد وهو غير متهم في النصف الآخر ولا غرض له فيه ","part":1,"page":26},{"id":2761,"text":"الخامسة: إذا قبض السيد النجوم فوجدها ناقصة  في الصفة كان له الرد وتبين أن العتق لم ينفذ، وإن رضي بالناقص أو كان من جنس المال فله ذلك، ويحصل العتق، ولكن يحصل عند الرضا أو عند القبض فيه خلاف  يبتنى على أن من استحق في الذمة عوضاً  فقبضه ناقصاً ملكه بالقبض، ثم يزول ملكه بالرد ولا يتملك  إلا عند الرضا وفيه خلاف، ويبتنى عليه بطلان عقد الصرف إذا تفرقا قبل رد الناقص وقبض بدله، ووجوب الإستبراء في الجارية الموصوفة إذا ردت بسبب النقصان ثم كيف ما فرض فالرد ثابت له وليس ذلك على الفور لأن الرد بالعيب يرفع العقد فكان إثباته على الفور احتياطاً للعقد، ورد ما ثبت في الذمة لا يرفع العقد سواءاً قلنا يملك بالرضا أو بالقبض، ثم وإن قلنا إن النجوم الناقصة تملك بالقبض فلا خلاف في أنه له  رده، ورد العتق؛ لأن العتق إنما يحصل بملك عوض لازم متقرر، وهذا يعر ض الرد، ولا نقول حصل العتق على الجواز فله رده إن شاء، فإن العتق لا يحتمل ذلك، ومن أصحابنا من قال: يحصل العتق كما حصل الملك، ولكن له رد العتق برد العوض","part":1,"page":27},{"id":2762,"text":"فرع: لو تلف المقبوض ثم اطلّع على نقصانه فإن رضي به نفذ العتق، وفي وقت نفوذه الخلاف المذكور، وإن لم يرض فله طلب الأرش، ونتبين أن لا عتق حتى يؤدي الأرش، فإن عجز فللسيد تعجيزه بالأرش كما له تعجيزه بسبب نقص النجوم، ثم الأرش المطلوب نقصان  النجوم أو مقدار ما يقابله من قيمة الرقبة فيه وجهان  جاريان في كل ما يثبت في الذمة وأًخذ ناقصاً، وكان يحتمل على قولنا أن الملك لا يحصل إلا بالرضا أن يقال يغرم القابض مثل ما قبضه، أو قيمته، ثم يُطالب بالمسمى الموصوف، ولكن لم يذهب إليه أحد، وكأنهم رأوا أن التلف إذا اتصل به صار ملكاً لا محالة السادسة: إذا خرجت النجوم مغصوبة مستحقة تبين أن العتق غير حاصل، وليس كما لو قال أنت حر على ألف، أو أنت طالق على ألف فقبل، ثم جاء بألف مغصوبة؛ لأن العتق والطلاق [حصل]  ههنا بمجرد القبول، والأداء يقع بعده، نعم لو قال إن أعطيتيني ألفاً فأنت طالق فجاءت بألف مغصوبة ففي وقوع الطلاق وجهان من حيث إنه وجد صورة الإعطاء [ولكنه لم يوجد التمليك الذي يتضمنه طلب الإعطاء] ، ومثل هذا الخلاف يجري فيما لو قال في الكتابة الفاسدة لعبده إن أعطيتني ألفاً فأنت حر فأتى بمغصوب ، فإن قلنا ينفذ العتق والطلاق يرد الألف ويرجع على العبد والزوجة بقيمة الرقبة والبضع","part":1,"page":28},{"id":2763,"text":"فرع: إذا قبض النجوم المستحقة، وقال لعبده عند ذلك: أنت حر، أو قد عتقت فالنص أنه لا يؤاخذ به لأنه أطلقه على ظنٍ قد أخلف ، وهو كالمشتري إذا قال: هو ملكي وملك البائع ثم خرج مستحقاً فالظاهر أنه يرجع على البائع، ويعذر في قوله بناءاً على ظاهر الحال، وقد ذكرنا فيه وجهاً أنه لا يرجع، وهو جارٍ ههنا أيضاً إذ لا فرق بينهما فيؤاخذ السيد بقوله كما يؤاخذ المشتري، وقد قال الصيدلاني  في تأكيداته: لا يؤاخذ [كما]  لو قالت المرأة للرجل أطلقتني فقال نعم، ثم قال كنت  أطلقت لفظة ظننتها طلاقاً فراجعت المفتي فقال ليس بطلاق، قال يقبل ذلك منه، وكذلك لو سأله أجنبي، قال الإمام: وهذا  خطأ؛ لأنه لو فتح هذا الباب لم يستقر إقرار أصلاً، وليس هذا كما لو جرت واقعة الكتابة وقبض النجوم على ظنٍ وإطلاق قوله عتقت (بناءاً)  على هذا فإن القرينة تصدقه، وتمهد عذره حتى لو قال أعتقتك – في صيغة الإنشاء – ثم قال أردت التأكيد لعتق الكتابة فلا ينبغي  أن (يقبل) ، وعندي أن ما ذكره الصيدلاني إن أراد به أن  تقبل دعواه حتى تحلف المرأة على نفي العلم بذلك فهو متجه، وإن جُعل القول قول الزوج فهو بعيد كما ذكره الإمام\r\rالحكم الثاني: حكم أداء النجوم [وما يتعلق به وفيه سبع مسائل:\rالأولى: أنه يجب على السيد الإيتاء، وهو المسامحة ببعض النجوم ]  لقوله تعالى: {وءاتوهم}   وهو أمر، ولأنه ما كاتب أحد من السلف إلا ووضع شيئاً، والتوافق يدل على الوجوب، ولأن المنكوحة لما كانت تتأذى بالفراق وتنتظر مالاً عند الطلاق فإذا لم يسلم لها مهر وجب  إمتاعها دفعاً للأذى فكذلك  العبد ينتظر الإعتاق مجاناً، فإذا استوفى منه جميع  النجوم تأذّى فيجب إمتاعه بشيء، وقال أبو حنيفة: المتعة واجبة والإيتاء مستحب  ثم النظر في محله، ووقته، وجنسه، وقدره","part":1,"page":29},{"id":2764,"text":"أما المحل فلا يجب بذل شيء لمن أعتق مجاناً، ويجب في الكتابة الصحيحة، وفي الكتابة الفاسدة وجهان  بناءاً على أن الأصل في  الإيتاء حط شيء من واجب النجوم، أو بذل شيء على سبيل النحلة، مع أنه لا خلاف أنه يتأدّى الوجوب بكل واحد منهما، فإن قلنا (الأصل)  هو حط الواجب  فالنجوم لا تجب في الكتابة الفاسدة، بل يجب عليه قيمة الرقبة بعد العتق، وإن قلنا الأصل الإعطاء فلا يبعد إيجابه؛ لأن الفاسدة ضاهت الصحيحة في المقاصد، أما لو باع العبد من نفسه، أو أعتقه على مال فالمشهور  أنه لا يجب الإيتاء، وفيه وجه أنه يجب في كل عتق بعوض كيف كان \rأما الوقت فلا خلاف أنه لا يجب البدار عقيب العقد [وهل يجوز له التأخير إلى وقت العتق فيه وجهان:  أحدهما: نعم؛ لأن المقصود أن يكون الإيتاء بُلغة له عقيب]  العتاق مدة إلى أن يكتسب كما تكون المتعة تثبت للمطلقة  إلى أن تنكح؛ لأن الغالب أن النجوم تستوفي جميع ما في يده، ومع هذا فلا خلاف أنه لو قدم على العتق عطاءاً أو إبراءاً فيجوز ويكون هو الأحب والثاني: أن المقصود التخفيف عنه  لتعجيل العتق، ويستعين  به على تعجيل [العتق]  فيجب تقديمه على العتق","part":1,"page":30},{"id":2765,"text":"وأما مقداره فوجهان:  أحدهما: أنه أقل ما يتمول، إذ ليس هذا كالمتعة، فإنه تعالى  قال: {متاعاً بالمعروف} فأشعر بأنه وسط بين القليل والكثير وههنا قال: {وءاتوهم} فضاهى وجوب المهر حتى [لا]  يعرى النكاح عن عوض فنكتفي بأقل ما يتمول، والزيادة مكرمة مندوبة والثاني: أنّا نفهم قطعاً أن المقصود إما إعانة على العتق أو بُلغة بعده فينبغي أن يكون مقدراً يظهر  له وقع فيهما، فأما الحبة فلا غنى فيه ، وعلى هذا إذا تنازعا فيجب على القاضي أن يجتهد [في]  القدر ما  يراه لائقاً بقدر النجوم، وضعف العبد، وثروة السيد، وقد كاتب ابن عمر  عبداً له بخمس  وثلاثين ألف درهم، وحط عنه خمسة آلاف، وهذا هو سبع المبلغ، ولا يتقدر بهذا ولكن ما يقرب منه، ثم قد يترك السيد ما يعلم أنه كافٍ، وقد يعلم أنه قاصر، وقد تردد في بعض المبالغ فيلتفت على تقابل الأصلين، إذ الأصل براءة ذمة السيد، والأصل بقاء الأمر بالإيتاء\rفرع: لو لم يبق من النجوم إلا قدر ما لا يقبل أقل منه في الإيتاء فليس للسيد تعجيزه، وإرقاقه؛ لأن مقصود الإيتاء أن لا يعجز ، ولا نقول تبرأ الذمة وتسقط بغير إبراء السيد لأنه وإن كان مستحقاً فللسيد الإبدال بنحلة أخرى لكن يرفعه إلى القاضي حتى يرى فيه برأيه ، وحكي عن القاضي أنّا إن جعلنا الإبراء أجلاً  فلا تعجيز، وإن جعلنا الإيتاء أجلاً  فله أن يعجّزه، ولعل هذا زلل من الناقل، فإنه لا وجه له إذ يؤدي إلى إسقاط [وجوب]  الإيتاء إذا رق","part":1,"page":31},{"id":2766,"text":"وأما الجنس فليبرأ عن النجوم أو يسقط من غير  ما أخذ، أو من جنسه،  فإن أعطى  من غير جنسه فوجهان:  أحدهما: المنع، لقوله تعالى: {وءاتوهم من مال الله الذي ءاتاكم} ، وهو النجوم، فأشبه الزكاة فلا يتطرق الاعتياض إليه، إلا إذا جوّزنا الاعتياض في الزكاة عند تعين المستحق  فإن ههنا المستحق متعين والثاني: أنه  يجزئ غير  الجنس؛ لأن هذا من جنس المعاملات فلا يليق به تعبد الزكاة\rفرع: لو مات السيد بعد استيفاء النجوم وقبل الإيتاء، وجب الإيتاء في تركته، ويقدم على الوصايا؛ لأنه دين، ويضارب به  سائر الديون، ونص الشافعي رحمه الله أنه يحاصّ به أهل الوصايا، والوجه حمل ذلك على ما لو قدر السيد الإيتاء مقداراً فاضلاً عن الواجب فالفاضل يحاصّ به الوصايا؛ لأنه  دين فكيف يحاصّ الوصايا ومنهم من قال: [هو وإن كان واجباً فهو مكرمة، فإذا مات قبل الأداء فلا يبقى إلا استحبابها فهو كوصية، ومنهم من قال]  قدر  ما يتمول دين، والزائد عليه إن رأينا وجوبه لأنه لائق بالحال فلا يليق بما بعد الموت فالزيادة كالوصية  ","part":1,"page":32},{"id":2767,"text":"المسألة الثانية: إذا عجل المكاتب النجوم أجبر السيد على قبوله إلا أن يكون عليه مؤونة وضرر ، وكذلك لو كان وقت نهب وغارة فله الامتناع، فإن كانت الكتابة أنشئت في مثل هذه الحالة  ففي الإجبار وجهان: والأصح : أنه لا يجبر لظهور غرضه، وحيث يجب  القبول فامتنع إن كان غائباً قبض القاضي عنه، وعتق إن كان هو النجم الأخير، وأما تعجيل سائر الديون ففي الإجبار على قبوله عند عدم الضرر خلاف إلا أن يكون به رهن فإنه يجبر لفك الرهن، كما يجبر ههنا لفك الرقبة، ويجبر على النجم الأول وإن لم يكن فيه عتق؛ لأن كل جزءٍ من النجوم مؤثر، ولو قال لا آخذه فإنه حرام  أجبر ، والقول قول المكاتب فإنه  في يده، ثم إذا قبض عتق  وسلم إلى مستحقه إن  أضافه إلى شخص معين، وإن اقتصر على قوله حرام فهل ينزع  القاضي من يده وجهان ، فإن قلنا لا ينتزع فلو كذب نفسه فالظاهر نفوذ تصرفه فيه","part":1,"page":33},{"id":2768,"text":"فرع: إذا مست حاجة السيد قبل حلول النجم إلى مال فقال للمكاتب: عجّل لي البعض لأبرأك عن البعض فقد نقل المزني [في]  صحة ذلك تردداً، وجعل المسألة على قولين، واتفق المحققون على تغليطه؛ لأن السيد إن علق الإبراء على الأداء فهو باطل,  والعبد إن قدم الأداء وشرط الإبراء فالأداء باطل لا يفيد الملك فلا معنى للتردد, وعندي أن موضع التردد هو أن يقدم العبد الأداء بشرط الإبراء, فإن الأداء باطل في الحال ، لكن لو أبرأ السيد فرضي العبد بدوام يد السيد صح القبض, لأن الدوام كالابتداء, وهل يحتاج إلى إنشاء رضى آخر أم يقال كان قد رضي بقبضه عند الإبراء, والآن وقد تحقق فصار القبض الآن مقضي به بالرضا السابق, فهذا فيه تردد لأنه يشبه  تعليق الرضا, ولعل الصحيح أن دوام القبض كابتدائه, وأن ما سبق من الرضا كافٍ عند الإبراء فلا يحتاج إلى الاستئناف, نعم ربما لايثق  المكاتب بتسليم المال فإن السيد ربما لا يبرئ ويتمسك بالمقبوض الباطل فلا يرده, وطريقه أن يعزل  على يد عدل ليأخذه السيد عند الإبراء, لكن السيد لو أبرأ عند الأخذ لم نأمن أن يعزل العبد الوكيل فلا يؤديه إليه, والوكيل لا يأمن لو بدأ بالتسليم, قال الشافعي : نقول للعبد  عجّز نفسك, وأنا أعتقك بالقدر الذي أخذه ، وهذا أيضاً وعد لا يوجب ثقة, قال صاحب التقريب: يقول السيد إن عجّزت نفسك ثم أعطيتني ألفاً فأنت حر وهذا فيه نظر لأن العبد لا يرضى بأن لا يستتبع الكسب, والولد, وإذا أعتق بعد العجز لم يستتبع, لأن هذا عقد عتاقة بعوض ولا يجوز إنشاؤه في دوام الكتابة فيضاهي تعليق طلاق قبل النكاح, إلا أنه يحتمل تصحيح هذا نظراً إلى قيام أصل الملك في المال  , ولكن [يتجه حديث]  الاستتباع من جانبه, ومن جانب السيد أنه ربما لا يسمح بالإبراء عن بعض النجوم إلا بالعتق, وذلك لا يتم إلا بتراضٍ وثقة بالوعد","part":1,"page":34},{"id":2769,"text":"المسألة الثالثة: [في]  تعذر النجوم, ومهما تعذر  ثبت للسيد الفسخ, ولا يلزم الإنظار, وليس فسحة على الفور بل له العود إليه بعد التأخير, وإنما تتعذر النجوم بالإفلاس، والمنع والعُنة ، والجنون, والموت \rأما الإفلاس والعجز فلا يخفى, ولا يجب على العبد الكسب, وإن قدر فإن الكتابة جائزة في جانبه حتى يجوز له الفسخ مع القدرة [مهما شاء] ، وقال العراقيون: ليس له الفسخ، لكن له أن لا يؤدي مع القدرة ثم للسيد أن يفسخ وهذا متناقض؛ لأن معناه لزوم العقد، وأن الوفاء به لا يجب، والعجز عن بعض النجوم يثبت الفسخ ويصرف  النجوم إلى السيد إلا ما كان من الزكوات فترد إلى أصحابها حتى يصرفوها إلى مصارفها، ولو حل النجم فانتظر  المكاتب لم يلزمه إلا قدر ما يخرجه من التحرز ، فإن كان ماله غائباً فللسيد الفسخ, وإن  كان معه عروض ولا تشترى على الفور بل تحتاج إلى زمان فله الفسخ, وقال الصيدلاني: لا يفسخ وهو  بعيد\rأما غيبة المكاتب توجب إثبات الفسخ، ولا حاجة إلى الرفع إلى القاضي، وفيه وجه أنه يرفع إلى القاضي فلعله يعرف له مالاً، أو يقرضه، ولو أذن له في السفر بعد الحلول فله أن يرجع عن الإذن، لكن لا يبادر الفسخ حتى يعلم أنه قدم ، فإن قصر العبد في الإياب بعد ذلك فله الفسخ\rأما [منعه]  الأداء مع القدرة فيثبت الفسخ، وإن قدر السيد على الاستيفاء يرفعه إلى القاضي؛ لأن النجوم ليس لازماً على العبد فلا معنى لأخذه قهراً","part":1,"page":35},{"id":2770,"text":"أما إذا جن العبد، وقلنا لا يفسخ  على الأظهر فالقاضي إن علم  له مالاً أداه، ولكن إذا علم أن مصلحته في العتق، وإن علم أن المصلحة في الرق حتى لا يضيع فلا يؤدي  وليس للسيد أن يستقل بالأخذ، وربما لا يرضى العبد لو أفاق وظاهر كلام الأصحاب أنه يستقل بالأخذ، وهو الأوجه؛ لأن السيد يقدر على إعتاقه مهما شاء، ويكون كسبه له إن عجّزه  فأي فائدة في إبقائه نعم إن فسخ السيد فأفاق  وأقام بينة على أنه كان له مال في يد السيد تبين أن الكتابة مستمرة وإن كان في موضع لا يعرفه السيد فالفسخ نافذ\rفرع: لو استسخر المكاتب شهراً قهراً وغرم له أجرة المثل، فلما حل النجم عليه  عجز، فله الفسخ، وفيه وجه أنه يلزمه أن ينظره شهراً؛ لأنه كان ينتظر في تلك المدة حصول مال فاته بسبب استسخاره، فالأجرة بدل عن المنافع، والإنظار بدل عن فوات هذا التوقع، ولو حبسه غاصب شهراً فقد ذكر العراقيون طرد الوجهين في وجوب الإنظار على السيد، وهذا ضعيف يوجب طرده في المرض وفساد الصيغة، وهو إضرار بالسيد لا وجه له  المسألة الرابعة: [في]  ازدحام الديون على المكاتب، وله صور:","part":1,"page":36},{"id":2771,"text":"الأولى: أن لا يكون عليه إلا ديون للسيد ، فإذا كان له عليه مثلاً مع النجوم دين معاملة، أو أرش جناية، وما في يده لا يفي [إلا]  بأحدهما، فإن تطوع السيد وقبل ما في يده عن النجوم عتق، والديون تبقى في ذمته بعد العتق، ومن أصحابنا من خرج أرش الجناية على القولين في أن العبد هل له ذمة في حق السيد حتى يتبع به إذا عتق وألحق المكاتب بالقن في الجناية، وهو بعيد؛ لأن المكاتب في الحال يطالب، فكيف تنقطع الطلبة بالعتق والقن لا يطالب، أما إذا أبى السيد قبول النجم  والقناعة بذمته بعد الحرية في الديون فله ذلك، فيطالبه بالأرش، فإذا لم يبق في يده شيء عجّزه، ولو أراد تعجيزه قبل استيفاء الأرش ففيه وجهان:  أحدهما: أن له ذلك، فإن له طلبهما جميعاً، ويتحقق به العجز عن بعض النجوم والثاني: وهو الذي أورده الصيدلاني أنه لا يجوز؛ لأنه قادر على أحد  الدينين وإنما يتعين العجز للنجوم  إذا خلت يده عن المال\rفرع: لو قبض المال، وقصد جهة النجوم، وقصد العبد جهة الأرش، قال القفال : النظر إلى نية المؤدي كما لو كان [عليه]  دينان بأحدهما رهن ، فنوى جهة الرهن، تتبع نيته، وقال الصيدلاني: بل ينظر  إلى نية السيد ههنا؛ لأن له الامتناع عما نواه العبد صريحاً، فله أن يمتنع بالنية، وكان القفال يجوّز الامتناع، ولكن عند الإطلاق تعتبر نية المؤدي وتخرج على الوجهين ما إذا تنازعا في النية فإن القول قول من قضينا باعتبار جانبه في النية","part":1,"page":37},{"id":2772,"text":"الصورة الثانية: أن يكون الدين للأجنبي  عن معاملة وأرش، [وليس]  للسيد إلا النجوم، وإن لم يحجر القاضي بعد عليه، فله أن يقدم أي دين شاء ولا يكون ذلك من قبيل التبرعات، ولو حجر القاضي بالتماس الغرماء، نص الشافعي رحمه الله  أنه يوزع ما في يده على الديون بالسوية؛ لأن كل واحد لو انفرد لاستغرق ما في يده، والذي صار إليه معظم  الأصحاب [أن]  المقدم أولاً دين معاملة الأجنبي ؛ لأنه لا يجد متعلقاً من الرقبة، بخلاف الأرش والنجم، ثم الأرش للأجنبي يقدم على النجم؛ لأنه يقدم على الملك حتى يباع فيه العبد\rالصورة الثالثة: أن يعجز المكاتب بقسط  فتسقط عنه النجوم، ويبقى للأجانب الأرش دون المعاملة  ففيه ثلاثة أوجه:  أحدها: أن الذي في يده يقسم بالسوية، وهو الأصح  والثاني: أنه يقدم دين المعاملة، وصاحب الأرش يتعلق بالرقبة والثالث: ذكره صاحب التقريب – وهو غريب – أ ن الأرش يقدم، إذ  دين المعاملة ثبت بالرضا، فيقال لهم قد رضيتم بذمته فاتبعوه، وهذا يلزمه طرده في الصورة الثانية ولم يذكره\rالتفريع: إن قلنا نقدم دين المعاملة، فلو مات المكاتب وخلف شيئاً فوجهان  أحدهما: أنّا نستصحب، وما رأيناه [من]  التقديم والثاني: أنهما يستويان، إذ كنا نوجب  الأرش للتعلق بالرقبة وقد فاتت بالموت","part":1,"page":38},{"id":2773,"text":"فرعان: أحدهما: أن المستحق للأرش يعجّز  المكاتب إذا لم يكن في يده شيء حتى تنفسخ الكتابة فيباع، ولو أراد السيد [فداه]  فالظاهر أنه ليس عليه قبوله، إذ لا يتعلق الأرش بالرقبة إذا  استمرت الكتابة، والفداء يكون عند التعلق، [وفيه وجه أنه يفديه إذ كما يجوز له أن يفك التعلق]  فينبغي أن يجوز له منع التعليق لغرض  دوام الكتابة، وأما صاحب دين المعاملة فليس له التعجيز، إذ لا فائدة له فيه، فإنه لا يتعلق بالرقبة إذا رق العبد، وحكى صاحب التقريب  وجهاً غريباً (في أنه)  يتعلق برقبته وهذا إن طرده  في القن فهو عين مذهب أبي حنيفة، وإن لم يطرده فهو بعيد في المذهب\rالفرع الثاني: إذا كان للسيد دين معاملة ونجم، فلا يضارب بالنجم الغرماء إذ يقدم عليه غيره كما سبق، وهل له المضاربة بدين المعاملة فيه وجهان  أحدهما: أنه يضارب، فإن النجم إنما لم يضارب [به]  لأنه يرجع إلى الرقبة إذا  فات، ودين المعاملة لا بدل له والثاني: أنه لا يضارب؛ لأن استحقاقه ضعيف، وغرضه  السقوط بالرجوع  إلى الرق","part":1,"page":39},{"id":2774,"text":"المسألة الخامسة: في أداء العبد المشترك إذا كاتبه الشريكان (فليس)  له أن يقدم أحدهما بتسليم نصيبه، وليس ذلك كتقديم بعض الغرماء فإنه جائز؛ لأن  ما في يده كالمشترك بين السيدين، وإنما  فيه وفي كسبه حق الملك، لكن لو وكل أحد الشريكين الآخر بقبض  نصيب نفسه فقبض الجميع عتق، ولو استبد بتسليم الجميع إلى أحدهما لم يعتق منه شيء؛ لأن القابض لا يملك منه شيئاً ما لم  يملك الشريك نصيبه، وفيه وجه بعيد أنه يعتق نصيبه إذ ليس عليه إلا رفع اليد عن النصف، وهذا فاسد؛ لأن الملك في نصيبه لا يحصل ما لم ترفع اليد عن النصف الآخر، ولا يحصل العتق قبل الملك، ولو أذن أحدهما في تقديم الآخر بنصيبه فقدم  بالإذن فهل يصح الأداء فيه قولان  [مبنيان على أن تبرع المكاتب بإذن السيد هل ينفذ ومنهم من قال]  يبتنيان على أن كتابة أحد الشريكين نصيبه بإذن شريكه هل تنفذ لأن هذا يؤدي إلى أن يعتق النصف، ويبقى النصف الآخر مكاتباً، فإن قضينا بفساد الأداء فالمكاتب بعد رقيق، ويسترد ما أدّاه، وإن قضينا بصحة الأداء فإن كان في يده وفاء بنصيب الباقي فلم يذهب أحد إلى أنه يعتق على الأول ويسري، بل قالوا يؤدي نصيب الثاني  ويعتق عليهما، وإن عجز عن نصيب الثاني فوجهان، قال ابن سريج : لا يشارك الأول فيما قبض، وقد قبض بالإذن، وعتق عليه، وفي السراية إلى الباقي ما قدمناه في حكم كتابة الشريكين، وقال الأصحاب: بل يشاركه فيما في يده فإنه ما أذن في التمليك بل في التقديم فيأخذ نصف ما في يده ثم ينقلب كل  المكاتب إلى الرق للعجز عن الباقي، وعلى هذا يعسر تصوير السراية بقبض أحد الشريكين، وإنما يتصور إذا عجز فأرقه أحدهما وأنظره الآخر إن جوّزنا ذلك\rفرع: لو كانت كتابتهما فاسدة، فوفر على أحدهما نصيبه فلا يمكن التمليك في جميعه، ولكنه يخرج العتق  على قولين فيما إذا جاء بمغصوب  وقد قبضه  السيد، وقد سبق ذكره","part":1,"page":40},{"id":2775,"text":"فرع آخر: لو ادّعى أنه وفّاهما النجوم فصدق أحدهما وكذب الآخر وحلف، فللمنكر أن يشارك المصدق فيما أقر بقبضه، وله أن يطالب المكاتب بتمام نصيبه إن شاء، فإن شاطر الشريك لم يرجع الشريك على  المكاتب بشيء؛ لأن المكاتب يقول إنه مقر بأنه ظلمك ، فرجوعك إلى ظالمك، وكذلك لو أخذ جميع نصيبه  من المكاتب لم يرجع  على الشريك [بشيء] \rالمسألة السادسة: لو كاتب عبدين فجاء أحدهما بمال ليؤدي نجوم الثاني تبرعاً، وقبضه السيد يقع الموقع إن نفذنا تبرع المكاتب بإذن السيد وكان قبضه المال إذناً، والصحيح أنه لا يحتاج إلى إنشاء إذن صريح، وإن قلنا لا ينفذ بالإذن فالمال للمؤدي، فلو عتق المؤدي بأداء مال آخر فقد نص الشافعي أنه لا يملك الرجوع بعد العتق بذلك المال، ونص على أن المولى لو جنى على المكاتب فعفى عن الأرش وأبطلناه  لكونه تبرعاً فلو عتق قبل القبض كان له مطالبة السيد بالأرش بعد العتق فقيل في المسألتين قولان يبتنيان على تنفيذ تصرفات المفلس بعد انفكاك الحجر حتى كأنه [كان]  موقوفاً إذ كان الحجر لحق الغرماء، [وقد انفك] ، فكذلك ههنا حجرنا عن التبرع خيفة من فوات العتق، فإذا حصل لم ينفذ بتنفيذه ، ولا خلاف أنه لو استرد قبل العتق وأخذ الأرش ثم عتق أنه لا ينفذ  وكأنه كان موقوفاً بشرط أن لا ينقضه قبل العتق، وعندي أن  النص في الأداء عن العبد الآخر مشكل؛ لأنه ليس بتبرع على السيد، بل على ذلك العبد فإذا لم يصح فليسترد من السيد، إلا إذا  تقدر انقلاب المؤدي عنه إلى الرق حتى يكون الحاصل له حاصلاً للسيد، ولا خلاف أنه لو  تكفل أحد العبدين الآخر  لم يجز؛ لأن  ما ليس بلازم لا يجوز ضمانه، ولو شرط ذلك في الكتابة فسدت الكتابة إلا على قول قديم بعيد، قال القاضي: وإذا لم يجز الضمان فالاعتياض عنه أولى بأن لا يجوز؛ لأنه لا يعتاض إلا عن مستحَق مستقر، ولكن في جوازه خلاف سيأتي ","part":1,"page":41},{"id":2776,"text":"فرع: لو كان العبدان متفاوتي القيمة، وجاءا بمال ثم اختلفا فقال قليل  القيمة كان المال بيننا على التساوي، وقال الآخر بل كان على قدر قيمتنا، ونجومنا الموزعة على قيمتنا، ففيه نصان مختلفان فمن الأصحاب من قال قولان : أحدهما: أن القول قول من يدّعي [الاستواء وهو الصحيح؛ لأن المال في يدهما فالظاهر أنه لهما بالسوية والثاني: أن القول قول من يدّعي]  التفاوت؛ لأنهما أدّياه عن الدين، ودينهما متفاوت، فالظاهر التفاوت في الأداء ومنهم من قال: المسألة على حالين فإن كان في النجم الآخر حيث يؤدي إلى أن يسترد قليل  القيمة شيئاً فالقول قول من يدّعي التفاوت، وإن كان قبل ذلك فالقول قول من يدّعي التساوي\rالمسألة السابعة: في النزاع: وله  صور:\rالأولى: إذا اختلف السيد، والمكاتب في قدر النجوم، أو جنسها، أو مقدار الأجل، تحالفا ثم تفسخ الكتابة، أو تنفسخ، وإن كان بعد التوافق على العتق ففائدته رد المأخوذ، والرجوع إلى قيمة الرقبة، أما رد العتق فغير ممكن، وصورته: أن يسلم المكاتب ألفين ثم ادّعى أن نجومه ألف ، والألف الأخرى سلمها  وديعة، وقال السيد بل النجوم ألفان فقد اتفقا على العتق\rالصورة الثانية: أن يختلفا في أصل الأداء أو في أصل الكتابة فالقول قول السيد في إنكاره، ولو قال العبد لي بينة على الأداء فأمهلوني فغاية ما يمهل ثلاثة أيام، فإن لم يأت بالبينة عجّزه السيد، ورق، ويكتفى منه برجل وامرأتين؛ لأن مقصوده الأداء للمال ، فإن كان في النجم الأخير وبه يحصل العتق ففيه وجهان \r[الصورة]  الثالثة: لو مات المكاتب وله ولد من معتَقه فإن ولائه لموالي المعتقة، فقال السيد عتق المكاتب قبل الموت، وجرّ إليّ ولاء ولده، وقال موالي الأم بل مات قبل العتق، فالقول قول موالي الأم؛ لأن الأصل بقاء الرق، واستمرار الولاء","part":1,"page":42},{"id":2777,"text":"[الصورة]  الرابعة: كاتب عبدين، وأقر  بأنه استوفى نجوم أحدهما فيطالب بالبيان، ولكل واحد أن يدّعي أنه الذي وفّى، فإن أقر لأحدهما فدعوى الآخر مسموعة، والقول قول السيد في الإنكار، فإن نكل وحلف المدّعي عتق المدّعي باليمين المردودة، وعتق المقر له بالإقرار، ولو قال الثاني عينتني  بالإقرار، ولم يقل أدّيت النجوم ففي سماع مثل هذه الدعوى خلاف ذكرناه في الدعاوى، فإن مات قبل البيان توجه الحلف على الوارث، ولكن له أن يحلف على نفي العلم، بأنه ليس يعلم أن المورث عنى أيهما فتنقطع الخصومة، ولكن هل يقرع بين العبدين فيه قولان : أحدهما: أنه يقرع؛ لأنه عتقٌ استُبهم والثاني: لا؛ لأنه دين استبهم بين شخصين  ليس يُدرى أنه على أيهما وقع، ولأنه قد عتق عبد معين  من عبدين، وإنما القرعة عند إبهامه العتق بين عبدين ، أو عند إعتاق الجميع وقصور الثلث عن الوفاء، ولا يخرج الإقراع إلا على قول ذكرناه في القرعة حيث أعتق  عبدين على التعاقب، ويشكل المتقدم منهما، ويضيق  الثلث\rالتفريع: إن قلنا لا يقرع فللوارث أن يقول أحدكما [مكاتب، وقد امتنع عن النجوم، وأنا أعجّزكما لا يتناول بالتعجيز]  المكاتب في علم الله، ثم إذا انقلب رقيقاً، وقد استبهم العتق بين عبدين فلي أن أقرع بينكما  إذ ذاك، وهذا  صحيح\r\rالحكم الثالث: حكم التصرفات من السيد، ومن المكاتب:\rأما تصرفات السيد ففيه خمس مسائل:","part":1,"page":43},{"id":2778,"text":"إحداها: أنه لا يصح بيعه لرقبة المكاتب على القول الجديد  ؛ لأن دفع العتق المستحق على اللزوم غير ممكن، ولو قيل يعتق على المشتري إذا أدّى النجوم إليه، ويكون الولاء له، فتحوُل الولاء عن  المكاتب بعيد، ورجوع الولاء إليه والزائل ملك غيره بعيد، بخلاف  الوارث فإنه في حكم النائب، والقول القديم أنه يصح ويكون مكاتباً للمشتري إن عجز رده إلى الرق وإلا  أدّى النجوم إليه [عتق]  ويكون الولاء للمشتري، ويشهد له قصة بريرة إذ جاءت إلى عائشة رضي الله عنها  تستعين بها في كتابتها فقالت: إن شاء أهلك صببت لهم ثمنك صباً ثم أعتقك، فقالت: إن أهلي أبوا بيعي إلا أن يكون  الولاء لهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشتريها ، واشترطي لهم الولاء، [فإنما الولاء لمن أعتق] » ثم قام  خطيباً فقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، من شرط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل، كتاب الله أحق، وشرطه أوثق، والولاء لمن أعتق»  إلا أن الشافعي رحمه الله ظهر له أن في هذا الحديث خاصية لبريرة، أو نسخ لإذنه في الشرط  ثم نهيه عنه  أما إذا كانت الكتابة فاسدة فالبيع صحيح، وهو فسخ الكتابة \rالمسألة الثانية: بيع نجوم الكتابة ذكرنا أنه باطل؛ لأن ضمانها  باطل، فهذا أولى، وخرج ابن سريج  قولاً في جواز بيع النجوم إن جوزنا بيع الديون، ويخرج عليه الاستبدال، فيجوز إن جوزنا البيع، وإن منعنا البيع ففي الاستبدال وجهان \rالتفريع: إن منعنا بيع النجوم فقبض المشتري [النجوم]  بتسليط البائع فهل يعتق المكاتب فعلى قولين:  أحدهما: لا؛ لأن السيد لم يقبضه، والمشتري قبض لنفسه لا للسيد والثاني: أنه يعتق؛ لأن المشتري قبض بالإذن فهو كالوكيل إن  قلنا عتق فليس للسيد إلا قبض ما أخذه المشتري، وإن قلنا لا يعتق فله مطالبة المكاتب، ثم المكاتب يسترد من المشتري","part":1,"page":44},{"id":2779,"text":"المسألة الثالثة: للسيد أن يعامل المكاتب بالبيع والشراء كما يعامل الأجانب، ويأخذ الشفعة منه، ويأخذ [منه]  المكاتب أيضاً، فلو ثبت له دين على المولى مثل النجوم عتق حيث نرى وقوع التّقاصّ  من غير إنشاء، ولا بد من بيان التّقاصّ  فلم نذكره على الاستيفاء قبل هذا، فنقول: إذا ثبت لزيد على عمرو دين، وثبت لعمرو عليه  مثله جنساً وقدراً، وكانا حالّين ففي التّقاصّ  أربعة أقوال نص عليها الشافعي رحمه الله  في كتب متفرقة : الأول: أنه لا يقع وإن  تراضيا به ؛ لأنه بيع دين بدين والثاني: أنه  يقع إن رضيا به فكأنه يشبه الحوالة وهي جائزة والثالث: أنه إن دعا  إليه أحدهما ثبت وإن أبى الثاني، كما يجبر أحد الشريكين على القسمة والرابع: أن التّقاصّ  يقع عند التساوي إذ طلب ما يطلب مثله منه عبث ، ولعل هذا هو الأصح، قال صاحب التقريب : إن أجرينا التّقاصّ  في النقدين ففي ذوات الأمثال وجهان، وإن أجرينا وهو الأصح ففي العروض وجهان، ولا شك في أنه لا يجري  بين حالّ ومؤجل، ولا بين مكسرة  وصحاح وإن تراضيا، فإن ذلك بيع، وإن ثبت دينان مؤجلان بأجل واحد ففي إجراء الأقوال احتمال قبل حلول الأجل، وينبغي أن لا تجري؛ لأن من مات حلّ أجله، ولم يحل  الأجل الذي له، وذلك متوقع لكل واحد ولا ندري من يموت\rالمسألة الرابعة: لو أوصى برقبة المكاتب فهو باطل،  وإن عجز، إلا أن يضيف ويقول إن عجز المكاتب  فقد أوصيت به لفلان ففيه وجهان مرتبان على ما لو قال إن ملكت ذلك العبد فقد أوصيت به لفلان، وهذا أولى بأن ينفذ لقيام أصل الملك، ولو  أوصى بالنجوم لإنسان جاز فيما يخرج من الثلث، فإن عجز فللوارث التعجيز وإن أنظر الموصى له، وحيث تصح الوصية برقبته إذا عجز فللموصى له تعجيزه ، وإن أنظر  الوارث، وإنما يتعاطى القاضي تعجيزه إذا تحقق عنده ","part":1,"page":45},{"id":2780,"text":"[المسألة]  الخامسة: لو قال: ضعوا عن المكاتب أكثر ما عليه ومثل نصفه، والنجوم ثمانية مثلاً فيكفي أن يوضع ستة، وحسبه  أربعة، وحسبه  أكثر ما عليه، واثنان مثل نصف  الموضوع، ولو قال ضعوا عنه ما شاء فشاء الكل لم يجز، بل لا بد من إبقاء شيء وإن قل، وفيه وجه أنه يوضع الكل إلا إذا قال ضعوا من نجومه ما شاء فإن ذلك يقتضي التبعيض ","part":1,"page":46},{"id":2781,"text":"النظر الثاني: في تصرفات المكاتب:  وهو كالحر في تصرفاته إلا ما فيه تبرع، أو خطر فوات، أما التبرع فكالهبة، والعتق، والبيع بالمحاباة، والشراء بالغبن، والضيافة، وكل ما يحسب على المريض في ثلثه، ويمتنع في مال الطفل، ولا يمكّن من التوسع في المآكل، والملابس، بل عليه الاقتصاد، وأما ما فيه خطر كالبيع بالنسيئة فإنه لا يدري عاقبته وإن استوثق بالرهن بحيث يجوز مثله في مال الطفل لأن مصلحته  قد تقتضي عند الاحتياط ذلك، وأما مال العبد فهو متعلق حق السيد فلا يقتحم فيه خطراً، وكذلك لا يرفع اليد  عن المبيع قبل قبض الثمن، وكذلك [لا يهب]  بثواب مجهول، ولا يعتق، ولا يكاتب، ولا يتزوج؛ لأنه يتعرض به للنفقة، والمهر، ولا يتسرى إذ تتعرض الجارية بالطلاق للهلاك، وكذلك لا يشتري من يعتق عليه لأنه يكون محجوراً عن التصرف فيه، وإن وهب منه، أو أوصى له به لم يقبل إذا كان تلزمه النفقة بأن لا يكون الموهوب كسوباً كما ذكرناه في الهبة من الطفل، والصحيح أنه يقبل إقراره كالمريض، والحاصل أن ما في يده كأنه لسيده، وإنما أطلق له تصرف لضرورة العتق فما لا يستعان به على العتق يُمنع منه، وكل هذا ممنوع إن استقل ، فإن أذن له فيه السيد ففي نفوذه بإذنه قولان:  أحدهما: نعم؛ لأن الحق لا يعدوهما والثاني: أنه لا ينفذ؛ لأن إذن سيده ساقط الأثر بعد استقلاله، وكان الحجر عليه للتشوف إلى العتق، ومن الأصحاب من قال: أما نكاحه فيصح بإذن سيده قولاً واحداً؛ لأنه من حاجاته، وهذا ضعيف، إذ يلزمه عليه جواز التسري، ولأنه لو كان من حاجاته لاستقل به كأكله وشربه، ولأن الكتابة لها آخر فالصبر عنه ممكن","part":1,"page":47},{"id":2782,"text":"فروع: الأول: [في]  تزويج (المكاتبة)  طريقان:  أحدهما: أنه يخرج على القولين والثاني: أنه  لا تزوج قولاً واحداً، وكذلك حُكي عن القفال إذ لابد من إذنها وهي ليست أهلاً للإذن كالصغيرة، [وهذا ضعيف] ، وذهب القاضي إلى أنه يجوز قولاً واحداً؛ لأن ذلك من حاجتها  كالعبد [يتزوج] ، بل أولى  لأنها تستحق النفقة والمهر ولا يتعطل عليها الكسب، إذ (لا يلزمها)  تسليم نفسها نهاراً فهي  كالأمة في هذا لا كالحرة، أما اختلاعها فتبرع، ويخرج على القولين إذا أذن السيد، ومنهم من قطع بأنها لا (تختلع)  وإن أذن المولى، وهو بعيد لا وجه له الثاني: ذكر العراقيون وجهين في أن المكاتب هل يسافر بغير إذن سيده ثم منهم من طرد في كل سفر، ومنهم من خصص بالسفر الطويل، وزعموا أن ذلك انسلال عن ربقة  مراقبة السيد، وليس هو كمن عليه دين مؤجل إذ لا علاقة لمستحق الدين مع رقبته\rالثالث: لو وهب من السيد شيئاً ففيه طريقان أحدهما: وهو القياس التخريج على القولين والثاني: القطع بالجواز بدليل أنه لو عجل ديناً مؤجلاً لأجنبي فهو تبرع، ولو عجل النجوم إلى السيد جاز وإن لم يكن في  النجم الآخر ، وهذا ضعيف؛ لأن ذلك للتوصل إلى العتق، بدليل أن السيد يجبر عليه، ولا يجبر على قبول تبرع\rالرابع: إذا  اتهب المكاتب من يعتق عليه فلا يجوز له بيعه فليثبت  له حكمه فيعتق إن عتق، ويرق لسيده  إن رق، وفيه وجه بعيد أنه يباع، ويلزم عليه أن يبيع ولده من جاريته ولا يكاتب عليه، وهو خلاف المذهب، نعم لو اتهب نصف من يعتق عليه ثم أنه أعتق بأداء النجوم عتق عليه النصف، وهل يسري قال ابن الحداد: يسري إن كان موسراً يوم العتق؛ لأنه يملك قصداً وقال القفال: لا يسري، فإنه  لم يثبت في ابتداء التمليك ، والأصح قول ابن الحداد","part":1,"page":48},{"id":2783,"text":"الخامس: لو اشترى من يعتق على سيده صح، فإن عجز انقلب إلى السيد وعتق  عليه، فلو اشترى أبا السيد ثم باعه بابن  السيد فإذا عجز حصل الابن للسيد وعتق ، فلو وجد به عيباً لم يكن له رده لنفوذ العتق، لكن يرجع إليه جزء من أبيه إن شاء، ويعتق الراجع، وهل يسري [إلى]  الباقي نُظر، فإن كان المكاتب عجّز نفسه فلا يسري، وإن عجّزه السيد ففي السراية وجهان؛ لأنه اختيار لم يتوجه إلى ملك القريب قصداً، ويلتفت أيضاً على أن جزءاً من العوض يرجع إليه إذا طلب ذلك، أويرجع  قهراً وإن لم يطلب فليلتفت إليه، أما العبد إذا قبل ما وهب منه دون إذن سيده ففي صحته وجهان  فإن صححنا فوهب منه من يعتق على سيده لم ينفذ قبوله، (إن)  كان الموهوب زمناً تجب نفقته، وإن كان كسوباً نفذ وعتق، وإن وهب منه نصفه ففي وجه يصح ولا يسري، وفي وجه لا يصح حذراً  من السراية كالوجهين في ولي الطفل إذا قبل له الهبة في نصف أبيه, وفيه وجه أنه يسري، واختيار العبد كاختيار السيد, وهو فاسد لا وجه له","part":1,"page":49},{"id":2784,"text":"السادس: في عتق المكاتب بإذن سيده طريقان:  أحدهما: التخريج على القولين في التبرع والثاني: القطع,  بأنه لا ينفذ لعسر إثبات الولاء له, فإن قلنا ينفذ ففي الولاء قولان:  أحدهما: أنه للسيد, لأن إثباته للمكاتب وهو رقيق محال لأن فائدته الإرث ، وولاية التزويج ، وتحمل العقل, وكل ذلك ينافيه الرق, وإذا كان له ولاء المكاتب فلا يبعد أن يكون له أيضاً ولاء معتقه والثاني: أنه موقوف فربما يعتق المكاتب فيكون له إذا عتق  يوماً من الدهر, وإن مات رقيقاً فهو للسيد, فعلى هذا لو مات المعتَق قبل موت المكاتب وعتقه وهو [في]  مدة التوقف ففي ميراثه وجهان:  أحدهما: أنه يوقف حتى يتبين أمر الولاء فيصرف إلى من يستقر عليه من السيد أو المكاتب والثاني: أنه يصرف إلى بيت المال, لأنه من استقر عليه الولاء فلا يستقر بطريق التبين والإسناد فلا يؤثر في الميراث الماضي, وإن قلنا الولاء يثبت للسيد في الحال فلو عتق المكاتب فهل ينجرّ الولاء إليه الآن فيه وجهان:  أحدهما: لا, إذ مثل هذا الجر غير معهود والثاني: نعم, لأنه أثبت للسيد لضرورة عسر الإثبات للمكاتب, فصار كضرورة [عسر الإثبات]  لموالي الأب\rفرع: كتابة المكاتب عبده يخرج على الطريقين في العتق فإن صححنا فأدّى النجوم وعتق قبل عتق الأول ففي ولائه القولان المذكوران في إعتاقه السابع: ليس للمكاتب أن يكفّر إلا بالصوم, فإنه كالمعسر, ولا تجعل الكفارة ديناً حتى يكون له قضاؤه, وإن أذن السيد له في التكفير  بالمال فعلى القولين، وقال الصيدلاني:  هو على القولين إن فرعنا على أن القن يملك بالتمليك, ويكفر بالمال عند التمليك, وإن قلنا لا يملك فالمكاتب أيضاً لا يملك فلا يكفر وهذا بعيد, لأن الشافعي رحمه الله في الجديد ردد القول  في صحة التبرع بالإذن, ومذهبه الجديد أن القن لا يملك, فالصحيح أن المكاتب يملك لا محالة","part":1,"page":50},{"id":2785,"text":"الثامن: إذا حلّ النجم  وعجز فجاء من يؤدي عنه النجم فللسيد أن لا يقبل كسائر الديون, فإن قبل برضى المكاتب عتق, فإن قبل دون إذنه ففي حصول العتق وجهان أحدهما: وهو قياس سائر المعاوضات أنه يعتق والثاني: لا, لأنه علّق على أدائه, ولابد من ملاحظة جانب التعليق على الجملة\rالتاسع: إذا تهجم المكاتب فاستولد جارية له, ولم يكن له أن يفعل ذلك, أو  فعل بإذن السيد فولد جاريته رقيق له يعتق بعتقه, ويرق برقه, والجارية هل تصير أم ولد له  حتى يكون [لها]  حكم الولد في المنع من البيع في الحال ففيه قولان:  أحدهما: أنه لا يثبت, وله بيعها, لأنها علقت بولد رقيق, وعلى هذا لو عتق المكاتب أيضاً لم تصر أم ولد له والثاني: أن لها حكم ولدها فلا تباع, فإن عتق المكاتب ثبت الاستيلاد, وإن رق رقت  الأم وولدها للسيد\rالتفريع: إن قلنا لا يثبت فلو عتق فأتت بولد حر نفذ  العتق لزمان يحتمل أن يكون العلوق به  قبل العتق وبعده, فإن أقر بوطء بعد العتق صارت أم ولد, وإن لم يقر فهل يجعلها فراشاُ بالوطء في حالة الكتابة حتى يلحقه الولد، وتصير أم ولد  فيه وجهان ذكرنا نظيرهما في العدة\rالحكم الرابع: حكم ولد المكاتبة إذا كان من نكاح أو زنا،\rوفيه قولان : أحدهما: أن الكتابة تسري إليه حتى يعتق بعتقها, ويرق برقها والثاني: أنه قن للسيد, والكتابة لا تسري, وهذا مثل القولين في سراية التدبير, إلا أن ولد المدبرة  لا يعتق بإعتاق الأم ما لم يمت السيد, وكذا [ولد]  المستولدة، أما هذا فيعتق إذا أعتق  الأم, لأن إعتاقه ينصرف إلى جهة الكتابة، ولذلك  يستتبع الولد","part":1,"page":51},{"id":2786,"text":"التفريع: إن قلنا يسري فحق الملك في الولد للسيد (أو للأم)  فيه قولان:  أحدهما: أنه للسيد, كما في الأم  والثاني: أنه للأم, لأنه من كسبها, ويتفرع على  هذا كسب الولد, ونفقته, وإعتاقه, وأرش الجناية عليه, أما الكسب فقدر نفقته مصروف إليه, والفاضل يصرف إلى الأم إن قلنا لها حق الملك, وإن قلنا للسيد فلا يصرف إلى السيد, لأنه كمكاتب السيد, بل يوقف, فإن عتق الولد بعتق الأم فهو للولد، وإن رق صرف إلى السيد, وفيه وجه بعيد أنه يصرف إلى السيد في الحال, ولا وجه له, لأنه لا ينفذ تصرف السيد في رقبته, وكذلك في كسبه, وإن قلنا يوقف فلو عجّزت الأم نفسها فليس للولد أن يسلم الكسب إلى نجومها, لأن كسبه حق للسيد فليس له منع الأم من التعجيز, وإن عجّزها السيد فكذلك القياس, وذكر العراقيون فيه قولين وقالوا: على قول يصرف إلى نجوم الأم، [لأنا كنا نتوقف لأجل الولد، وهذا أصلح للولد من إرقاقه بإرقاق الأم]  وصرف الكسب إلى السيد, وأما نفقته إذا لم يكن  كسب فهي على من يصرف الكسب إليه, فإن قلنا الكسب يوقف فوجهان:  أحدهما: أنه على السيد, لأنه يوقف لأجله والثاني: لا, إذ  مطالبته بالنفقة في الحال مع أن الكسب لا يصرف إليه ناجزاً إضرار  به فهي على بيت المال\rوأما إعتاق السيد إياه فإن قلنا يصرف الكسب إليه في الحال فينفذ, وإن قلنا يصرف إلى الأم فلا ينفذ, وإن قلنا إنه موقوف ولا تستغني  الأم عند العجز فينفذ أيضاً, وإن قلنا تستغني  فوجهان:  أحدهما: لا؛ لأن الأم تعلق  به على  الجملة لرجاء الاستغناء  به والثاني: ينفذ؛ لأنه تفريع على أن حق الملك للسيد","part":1,"page":52},{"id":2787,"text":"وأما الأرش للجناية  إن كانت على الأطراف فهو كالكسب، وإن قتل  فلا يمكن التوقف في القيمة لأنّا لا ننتظر الآن عتقه ففيه قولان أحدهما: أنه  للسيد والثاني: أنه  للأم, وكأنه عبد من عبيدها، أو بدل ولده الذي اشتراه فقُتل فيكون كسائر أموالها, وأما ولد المكاتب من جاريته فلا حق للسيد فيه, لأنه تولد من ملك المكاتب فهو ملكه, ويكون كسائر عبيده إلا أنه لا يتبعه  حتى يعتق بعتقه أو يرق برقه, ولو جنى [ولد]  المكاتب فليس له أن يفديه, وإن كان للولد كسب, لأنه لا يتصرف في رقبة الولد، ويتصرف في الكسب فيكون كشرائه, وليس له شراء ولده, ولو كان الأرش ناقصاً عن القيمة فلا يبيع منه إلا قدر الجناية, كالمرهون إذا جنى، وغلط العراقيون فقالوا: له أن يفديه من كسبه, وأن له أن يبيع جملته وإن نقص الأرش عن قيمته  , وقالوا: يتصرف في الباقي وهو ظاهر الفساد ","part":1,"page":53},{"id":2788,"text":"فرع: إذا وطء السيد المكاتبة فقد تعدّى, ولكن لا حدّ لقيام الملك, ولها المهر، وإن طاوعته  لشبهة سقوط  الحد فإن أحبلها, وولدت وهي مكاتبة بعد فعليه قيمة الولد، أما  إذا قلنا إن بدل [الولد]  القتيل يصرف إلى الأم لأنه (فوّت)  رق ولدها, وإن قلنا يصرف للسيد فلا تلزمه قيمة الولد, ثم هي مستولدة, ومكاتبة, فإن أدّت النجوم عتقت, وإن عجزت فلا تعتق إلا بموت السيد, ومهما أتت بالولد بعد العجز, أو بعد العتق فليس لها قيمة الولد قولاً واحداً, أما بعد العجز فلأنها صارت رقيقة, وانفسخت الكتابة, والقيمة تجب وقت ولادة الولد حياً, وأما بعد العتق لأنها ولدت في حالة لا يتصور رقها حتى ينسب تفويت رقه إلى السيد، فتصير كما لو أتت به ميتاً فلا تستحق شيئاً، أما إذا كانت مشتركة بين شريكين فاستولدها أحدهما وهو معسر فالولد يعتق كله أو بعضه, وفيه قولان ذكرناهما في القن المشترك, وكيف ما كان فيلزمه قيمة ما عتق من الولد للمكاتبة إن رأينا الولد لها, وإن قلنا ولد المكاتبة رقيق فما يقابل نصيبه فلا شيء عليه, وشطر شريكه – إن قضينا بحريته – فعليه قيمته للشريك, أما إذا كان موسراً فزيد  في نصيب الشريك نظرا  في سراية الاستيلاد, وإن سرّينا فمزيد نظر  في قيمة الولد للشريك يبتنى على أن الملك تعذر  انتقاله في سراية الاستيلاد قبل العلوق أو بعده, ولا يخفى وجهه وأما الاستيلاد فيسري, ولكن هل تتأخر سرايته إلى عجز المكاتبة كي لا تنفسخ الكتابة في الحال كما تتأخر سراية إعتاق أحد الشريكين للمكاتب على رأي فيه طريقان:  أحدهما: أنه يخرج على القولين كسراية الإعتاق","part":1,"page":54},{"id":2789,"text":"والثاني: القطع بأنه يتأخر, لأن العتق إن تضمن سرايته فسخ الكتابة في نصيب الشريك فقد نجّز  العتق, والاستيلاد لا ينجّز  العتق, فكيف تبطل الكتابة  بوعد العتق بالموت وربما يموت قبل السيد, وإن أخرنا سراية الاستيلاد لم نؤخر إيجاب قيمة نصف الولد لنصيب الشريك إن قلنا إن مصرفه الشريك, ولا نؤخر إيجاب كل قيمة الولد للمكاتبة إن قلنا إن مصرف القيمة هي المكاتبة, ثم مهما فرضنا سراية الاستيلاد فالصحيح انفساخ الكتابة في محل السراية, وتبقى الكتابة في نصيب المستولد فليتنبه له  هذا  كله إذا وطء أحدهما, فإن وطئا جميعاً فعلى كل واحد مهر كامل, فإن عجزت استحق كل شريك على صاحبه مهراً, فإن تساويا تقاصّا, وإن تفاوت  لاختلاف الزمان فلا يخفى الرجوع بالزيادة, فإن حبلت الجارية وولدت, وادّعى كل واحد أنها مستولدته، وأن الولد منه، عرض على القائف، فإن ألحق بأحدهما صارت مستولدة له وسرى الاستيلاد إذا رأينا السراية, ويغرم للشريك  قيمة نصيبه، ويكون قول القائف وحده حجة له؛ لأنه إذا ثبت النسب بقوله ترتب عليه لوازمه, ولو عدمنا القائف, فالجارية  مستولدة, وينسب نصف الاستيلاد إلى كل واحد منهما، إذ ليس أحدهما أولى من الآخر, فإن بلغ الولد والتحق بأحدهما لحقه، وبعيد أن يُجعل قوله حجة في إيجاب  قيمة السراية كقول القائف، لكن إذا ثبت النسب فيحتمل أن يترتب عليه لوازمه من الاستيلاد والغرامة \r\rالحكم الخامس: حكم الجناية، وفيه مسائل ثمانية:\rالأولى: أنه  إذا جنى على سيده, أو  على أجنبي بما يزيد أرشه على قيمته فهل يطالب بتمام الأرش فيه قولان:  أحدهما: يطالب كالحر في الجنايات والثاني: أنه يطالبه  بأقل الأمرين, إذ له تعجيز نفسه حتى لا يبقى للأرش متعلق سوى رقبته ","part":1,"page":55},{"id":2790,"text":"الثانية: لو جنى  عبد من عبيد المكاتب فليس له أن يفديه  بأكثر من قيمته، إذ ليس يجب عليه ذلك فيكون متبرعاً\rالثالثة: إذا جنى المكاتب على أجنبي فأعتقه السيد فعليه فداؤه كما لو قتله، فإنه أتلف رقبته بالإعتاق وهي متعلق الأرش, ولو عتق بأداء النجوم لم يجب الفداء على السيد فإنه مجبر على قبول النجم \rالرابعة: لو جنى على السيد فإن لم يكن في يده شيء قال الأصحاب: يسقط الأرش إذا أعتقه قال الإمام: وفيه احتمال, لأن الأرش كان في ذمته, فلا يبعد أن نطالبه, فإن قلنا يسقط إذا لم يكن في يده شيء فلو كان في يده شيء فهل يتعلق بما في يده وجهان:  أحدهما: لا, إذ الأرش يتعلق  بالكسب والثاني: نعم, لأن فوات رقبته بالعتق يشبه فواته بالموت, فلا يبعد التعلق بماله\rالخامسة: لو جنى ابن المكاتب فلا يفديه؛ لأنه في معنى شرائه ، وليس له ذلك, لأنه كالتبرع, ولو جنى ابنه على عبده فهل له بيعه فيه وجهان:  أحدهما: لا, لأنه لم  يثبت له في رقبته مال, لأنه عبده والثاني: يبيعه  كما يبيعه لو جنى على غيره\rالسادسة: لو قتل عبد المكاتب عبداً آخر فله أن يقتله قصاصاً, وإن كان إتلافاً لأجل الزجر, وكذلك إذا قتل عبدَه عبدٌ  لأجنبي فله قتل القاتل, وخرج الربيع قولاً أنه لا قصاص إلا بإذن السيد, بل عليه طلب الأرش مراعاة لحق السيد","part":1,"page":56},{"id":2791,"text":"السابعة: لو قطع السيد [يد] مكاتبه، وقلنا يجوز طلب الأرش قبل الاندمال إذ فيه قولان, وإن كان الأرش مثل النجوم تقاصّا إما بالتراضي أو بغير التراضي, وعتق العبد, فلو مات من الجراحة فالواجب مائة [من] الإبل, وتبين أن ما وقع فيه التقاصّ لم يكن مثل النجوم, لكنّا لا نتبين عدم العتق لأنّا لا نتبين عدم الملك في القدر الذي جوّزنا طلبه, لكن نقطع الملك الآن كما أن من لزمته قيمة المغصوب الآبق سلمه فإذا رجع الآبق قطعنا الملك في القيمة من وقت الرجوع لا بطريق التبين, فكذلك هذا يغرم مائة من الإبل لورثته ويسترد مقدار النجوم\rالثامنة: لو جنى على سيده بما يوجب القصاص, فللسيد استيفاء القصاص منه كما للأجانب، ولو قُتل المكاتب مات رقيقاً, وللسيد طلب القيمة من القاتل والله أعلم","part":1,"page":57},{"id":2792,"text":"كتاب عتق أمهات الأولاد\rالمذهب الصحيح أن من استولد جاريته فمات عتقت من رأس المال عتقاً مقدماً على الوصايا والديون، ولو جرى الاستيلاد في المرض فكمثل، وكأن  الاستيلاد استهلاك حكمي، والأصل في ذلك ما رُوي أن مارية القبطية ولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولداً فقال: «أعتقها ولدها» أي أشرف بها على العتق، وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ولدت منه أمته فهي حرة بعد موته»\rنعم, المدبر يستحق العتاقة بالموت، ولكن يباع، فهذه هل تباع قبل الموت فيه قولان: القديم: أنها تباع، كالمدبر، فإن لم يتفق بيعها حتى مات السيد عتقت والثاني: وهو الجديد، وهو رجوع عن الأول أنها لا تباع؛ لأنها تعتق من رأس المال بخلاف المدبر فتأكد استحقاقها للعتاقة، فلا يفوت بالبيع، كاستحقاق المكاتب، ومنشأ التردد منه استحقاقها كاستحقاق المكاتب، أو المدبر، وقد اختلفت آثار الصحابة، ومذاهبهم في بيعها فرُوي عن جابر رضي الله عنه أنه قال: «بعنا أمهات الأولاد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعهد أبي بكر رضي الله عنه، فلما كان عهد عمر رضي الله عنه نهانا فانتهينا»","part":1,"page":1},{"id":2793,"text":"ورُوي عن ابن المسيب أنه  قال: أمر عمر  رضي الله عنه بأمهات الأولاد أن يقوّمن في أموال أبنائهن بقيمة عدل, ثم يعتقن, فمكث بذلك صدراً من خلافته, ثم توفي رجل من قريش كان له ابن وأم [ولد] ، وقد كان عمر رضي الله عنه  يُعجب بذلك الغلام، فمرَّ ذلك الغلام على عمر رضي الله عنه  في المسجد بعد وفاة أبيه بليال, فقال له عمر رضي الله عنه : ما فعلت يا ابن أخي في أمك قال: قد فعلت حين خيَّرني إخوتي في أن يسترقوا أمي، أو يخرجوني من ميراث أبي, فكان ميراث أبي أهون عليّ من أن تسترق أمي, فقال عمر رضي الله عنه : أولستُ إنما أمرتُ في ذلك بقيمة عدل أترى  رأياً غير ذلك فأي امرئ كان عنده أم ولد فملكها بيمينه ما عاش، فإذا مات فهي حرة لا سبيل عليها \rوهذا إشارة إلى العتق بالموت، لا إلى منع البيع قبل الموت\rوقال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: استشارني عمر  في بيع أمهات الأولاد فرأيت أنا وعمر أنها عتيقة, فقضى بها عمر رضي الله عنه  حياته، وعثمان رضي الله عنه  بعده، فلما وليتُ أنا رأيت أن (أرقهن)  فسئل عبيدةُ عن ذلك أيما أحب إليك قال: رأي علي وعمر رضي الله عنهما  جميعاً أحب إليّ من رأي علي رضي الله عنه  وحده \rوعن هذا ذهب بعض الأصحاب إلى أنّا  على القول القديم لا نجعل للاستيلاد أثراً في الأم، بل نقول هي رقيقة لا تعتق بالموت أيضاً، وهو بعيد مع ما نقلناه من الأخبار\r[و]  قد نص الشافعي  رحمه الله في خمسة عشر موضعاً على منع بيع المستولدة، ورأى فقهاء الأمصار اتفقوا عليه، وتركوا رأي علي رضي الله عنه","part":1,"page":2},{"id":2794,"text":"واختلف أصحابنا في أنه لو قضى الآن به قاضي فهل ينقض قضاؤه فمن رأى أنه ينقض فكأنه رأى المسألة مجمعاً عليها أولاً، ثم خالف علي رضي الله عنه قبل انقراض العصر، وللأصوليين خلاف في اشتراط انقراض العصر لانعقاد الإجماع، أو رأى الفقهاء بعد الصحابة أجمعوا فرأى أن الإجماع على أحد الرأيين بعد الاختلاف يرفع الخلاف، أو رأى أن ذلك المذهب باطل بنظر جلي، وقد ينقض القضاء في مثله \rفإذا تمهد هذا الأصل فالنظر في أركان الاستيلاد وأحكامه\rالنظر الأول: في الأركان، وهي أربعة:\rالأول: أن ينفصل الولد وقد ظهر عليه خلقة الآدمي، وتخطيطه، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في العدة\rالثاني: أن يكون الولد  منسوباً إليه، وقد ذكرنا  أن الولد متى يلحق  بالسيد في موضعه\rالثالث: أن يكون الولد قد انعقد حراً، فإذا انعقد رقيقاً بأن لم يكن ملكه ثم اشترى الأم والولد عتق الولد، والأم لا تصير أم ولد؛ لأنه إنما يعتقها ولدها الحر الذي انعقدت حريته عند الاستيلاد\rالرابع: أن يكون الملك مقروناً بحالة الاستيلاد، فلو غُرّ بنكاح أمة فولدت ولداً حراً ثم اشتراها فهل تصير أم ولد له فيه قولان:  أحدهما: نعم؛ لأن الملك الآن قد تحقق والثاني: لا، فإنه  إذا لم يثبت في الحال لم يثبت بعده، كما إن عتق  المعسر لا يسري، وطريان اليسار بعده لا يؤثر، ويجري الخلاف فيما لو وطء جارية بالشبهة فعلقت منه ثم اشتراها\rالنظر الثاني: في أحكام الاستيلاد: وهي كثيرة  ذكرناها مفرقة في مواضعها، ونذكر الآن منها أربعة:","part":1,"page":3},{"id":2795,"text":"الأول: أن علقة العتاقة تسري إلى أولادها  التي تلد بعد الاستيلاد من زناً، أو نكاح حتى لو ماتت الأم قبل موت السيد لم تبطل العلقة في الأولاد بل يعتقون بموت السيد، وكذلك لا يعتق الولد بإعتاق الأم، بخلاف المكاتبة إذا ماتت وقلنا يسري إلى ولدها فإنها ماتت رقيقة، وانفسخت الكتابة، بل ولد المدبرة يبقى على استحقاقها  على قول السراية، وإن ماتت الأم، وإذا فرعنا على أن الموطوءة   بالشبهة إذا اشتراها صارت مستولدة فأولادها التي ولدت قبل الشراء رقيق، وإنما يسري إلى ما تلد بعد الشراء لأن الاستيلاد لا ينعطف إلى وقت الوطء الواقع في غير الملك، نعم لو اشتراها وهي حامل فالظاهر أن الاستيلاد يتعدّى إليه، ويجوز أن يقال يخرج على القولين في سراية التدبير إلى الحمل \rالثاني: تصرفات السيد كلها نافذة فيه  من الاستخدام، والاستئجار، والوطء، إلا ما يزيل الملك، كالهبة، والبيع، والرهن الذي يفضي إلى الزوال، وفي تزويجها ثلاثة أقوال:  الأصح: أنه يزوجها قهراً بغير إذنها والثاني: أنه لا يزوجها ، فإنها تستحق العتاقة بعد الموت، والنكاح إرقاق مؤبد فلا يزوجها إلا برضاها والثالث: أنه لا يزوجها أيضاً برضاها؛ لأنه ليست أهل الرضا ، والسيد ليس أهلاً للإجبار ، فعلى هذا هل يزوجها القاضي برضا السيد ورضاها  فعلى وجهين، وهذا كله خبط، والصحيح أنه يزوجها قهراً، وهو اختيار المزني","part":1,"page":4},{"id":2796,"text":"الثالث: إذا جنى على المستولدة جانٍ وجب الأرش للسيد، كما في القن، ولو قُتلت  فله القيمة، ولو غصبها غاصب فماتت تحت يده فعليه الضمان للسيد فإنها رقيقة، ولو شهد شاهدان على إقراره بالاستيلاد وحكمنا به فرجعا  فلا يغرمان في الحال شيئاً؛ لأنهما لم يزيلا ملكاً، وإنما أوقعا حيلولة في البيع، وذلك لا يتقوّم، ولكن يلزمهم  الغرم عند موت السيد للورثة، وكانوا كشهود  تعليق العتق إذا رجعوا فإنهم لا يغرمون قبل وجود الصفة، ويغرمون عند وجودها\rالرابع: الجارية المشتركة إذا ولدت ولدين، والتحق بكل واحد منهما ولد، وقال كل واحد ولدي أكبر سناً، وقد ولدت أولاً مني  فهي مستولدتي، وأشكل الأمر لتفاوت  سن الولدين فالاستيلاد ثابت ولكنّا لا ندري هي مستولدة من فلو ماتا عتقت ظاهراً وباطناً، وإن مات أحدهما عتق نصفها ظاهراً؛ لأن الميت يؤاخذ بإقراره في نصيبه، ولكن الولاء موقوف إذا ماتا وكانا موسرين، إذ هي مستولدة أحدهما لا بعينه، وإن كانا معسرين فلكل واحد  نصف الولاء، إذ ليس يثبت لأحدهما إلا نصف الاستيلاد، وحكى الربيع في المعسرَين أيضا  ً أن الولاء موقوف، وهو خطأ، إذ كل واحد ليس يدّعي الاستيلاد إلا في نصيبه، ولكن يصدقهما  جميعاً إذ لا يسري استيلاد  السابق، ولا يمتنع استيلاد  اللاحق\rهذا حكم المستولدة، وبقية الأحكام ذكرناها متفرقة في مواضع فلا نعيد\rوقد شذّت عن الكتاب فروع لابن الحداد نرى إثباتها في آخر الكتاب، فإنها لا تخلو عن فوائد\r\rفروع لابن الحداد في البيع:\rالأول: من اشترى جارية بشرط البكارة فله ردها إن أخلف الشرط، فلو كانت مزوجة ففي الرد وجهان: أحدهما: لا ترد؛ لأن البكارة مستحقة للزوج لو كانت، فإنما فاتت للزوج لا للمشتري  والثاني: وهو الأصح أنه يثبت؛ لأن الزوج ربما يطلق، أو يموت قبل الافتضاض، وتحصل به الفائدة، ويزيد في القيمة","part":1,"page":5},{"id":2797,"text":"الثاني: إذا اشترى جارية، وأتت بولد، وادّعى البائع أنها ولدت قبل الشراء فهو لي، وقال المشتري: بل بعده، فقد كتب الحليمي  هذه المسألة إلى الشيخ أبي زيد, فأجاب: بأن القول قول البائع؛ لأن الأصل عدم الشراء ودوام  ملكه إلى الولادة\rالثالث: إذا باع عبداً بثوب، ثم وجد بالثوب عيباً بعد أن قطع المشتري الثوب، فإذا رد العبد فقد ذكر الشيخ أبو علي  وجهين فيما يرجع إليه: أحدهما: وهو القياس، أنه يأخذ الثوب مقطوعاً مع أرش القطع، وليس كما لو عاب الثوب  في يد البائع فإنه يلزمه الرضا بالثوب المعيب  إذا رد؛ لأن المبيع ليس مضموناً على البائع لو تلف، فلا يكون بعضه مضموناً بالأرش والثاني: أنه بالخيار إن شاء رضي بالثوب معيباً من غير أرش، وإن شاء أخذ قيمة الثوب غير معيب، ولا يجمع بين الأرش والثوب قال الشيخ أبو علي:  اشتهر بين الأصحاب في مسألة التخالف أنهما يترادّان، ويرجع على من نقص العوض في يده بالأرش، ولا فرق بين المسألتين، وصاحب هذا الوجه إن طرده في مسألة التخالف قارب خرق إجماع الأصحاب، وإلا فلا فرق \rفروع : في الوكالة:\rالأول: أن الوكيل بالبيع لو شرط الخيار في العقد للمشتري فالعقد فاسد؛ لأنه يؤخر طلب الثمن فهو [يثير]  من البيع بالنسيئة، فإنه يؤخر لزوم الملك أيضاً، أما إذا خصص نفسه بالخيار ففيه وجهان: أحدهما: الجواز؛ لأن هذه زيادة محضة لا ضرر فيها والثاني: المنع، وكأن إذن الوكيل مطلقاً ينزل على ما يقتضيه مطلق العقد، وكذلك لو وكله بالشراء فاشتراه بثمن مؤجل شراء  مثله نقداً فيه خلاف والأصح الصحة \rالثاني: لو وكل  ببيع بثمن ، ولم يصرح بتوكيله بقبض الثمن فهل له قبض الثمن بمطلق الوكالة فعلى وجهين مشهورين ، فإن قلنا: لا يستوفي فليس له تسليم المبيع حتى يوفي  الثمن على الموكل فإذا وفّى فللمشتري أن يأخذ المبيع من يد الوكيل قهراً \rفرع في الإقرار بالنسب:","part":1,"page":6},{"id":2798,"text":"ذكرنا أن النسب إنما يثبت بإقرار جميع الورثة، ولو كان فيهم زوج فلا بد من إقراره أيضاً، وقد حكى  الشيخ أبو علي  ههنا وجهاً وهو  أن إقرار الزوج لا يشترط، وذكر أنه لو خلف بنتاً فلا يثبت النسب بإقرارها، فلو ساعدها الإمام على الإقرار ففي الثبوت  وجهان، والصحيح أنه لا يثبت؛ لأن الإمام ليس بوارث، وإنما هو نائب في الاستيفاء من جهة الإسلام فإقراره كإقرار القيم عن الطفل الوارث، وذكر أن البنت الوارثة إذا أنكرت بنوة المدّعي لم تحلف؛ لأن إقرارها لايعتبر ، ولو نكلت فاليمين المردودة كإقرارها، وإن جُعل كالبينة فلا يؤثر أيضاً في حق ثالث، [والنسب إنما يثبت على ثالث] ، وهو الميت\r\rفرع في الميراث:\rإذا خلّف المعتق ابني عم أحدهما أخ لأم، فللشافعي رحمه الله قولان:  أحدهما: أن أخوة الأم [تسقط، والمال بينهما والثاني: أن أخوة الأم]  إذا تعذر استعمالها فتستعمل في الترجيح فيكون المال كله له، بخلاف ميراث النسب فإنه أمكن استعمالها بصرف السدس إليه، وقد ذهب عمر، وابن مسعود في النسب أيضاً إلى الترجيح، وقد خرج بعض الأصحاب قولاً مثل ذلك، وهو غير معدود من المذهب،  قال ابن الحداد : لو خلّف الميت بنتاً وابني عم أحدهما أخ (لأم)  فالمال كله بعد نصيب البنت (للأخ من الأم)  بالترجيح إذ تعذر استعمال الأخوة فإنها سقطت بالبنوة فتستعمل في الترجيح، ومن الأصحاب من خالفه، وهي بعينها مسألة القولين","part":1,"page":7},{"id":2799,"text":"فرع آخر: ذكرنا أن الشافعي رحمه الله  لا يورث بقرابتي المجوس، وهي  كل قرابة لا يجوز جمعها في الإسلام قصداً، بل يورّث بالأقوى، وقد ذكرنا ههنا لابن سريج  تخريج, وهو أنه لا تجتمع إذا اقتضتا فرضين، أما إذا اقتضت إحداهما فرضاً، والأخرى عصوبة يورث بهما، مثاله أن يكون للوارث  بنتاً هي أخت لأب قال: تأخذ النصف بالبنوة، والباقي بالعصوبة، فإن الأخوات مع البنات عصبة، أما إذا كانت أماً هي أخت لأب فلا تأخذ إلا الثلث بالأمومة؛ لأن الأخوة ههنا تقتضي فرضاً، ولو خلّف جدة هي أخت من أب وذلك بأن يطأ الرجل ابنته فتلد بنتاً، فيطأ البنت السفلى أيضاً فتلد ولداً ، فإذا مات الولد، ولم يبق إلا البنت العليا فهي جدة وأخت لأب فلها السدس بالجدودة، وتسقط الأخوة؛ لأن الجدودة أقوى، وذكر ابن اللبّان  ههنا وجهين: أحدهما: ما ذكرناه والآخر: أنها تأخذ النصف؛ لأنه أكثر، وهذا بعيد عن قياس المذهب \rفرع: في قسم الصدقات:","part":1,"page":8},{"id":2800,"text":"إذا صرف الزكاة  إلى الفقير  فورث في الحال مالاً لا يسترد منه إذ ملكه بصفة الفقر عند الأخذ، ولو صُرف إلى المسافر فورث مالاً قبل السفر، ونقض  عزم السفر فيسترد، [لأنه صرف إليه]  للسفر المتوقع لا لصفة موجودة، ولو رجع من السفر وفضل شيء من الزكاة عن نفقته استرد منه، ويسترد من المكاتب إذا عجز ورق، وهل يسترد منه إذا استغنى عنه بإعتاق السيد، أواستغنى الغارم عنه بالإبراء من مستحق الدين فيه  وجهان،  وهل يصرف إلى الغارم بسبب دين مؤجل قبل حلول الأجل، وقبل حلول نجم المكاتب ذكر الشيخ أبو علي ثلاثة أوجه : أحدها: أنه لا يصرف، إذ لا طلبة  عليهما والثاني: يصرف لثبوت الدين، وإلا فالفقير منظر شرعاً لا طلبة  عليه والثالث: أنه يصرف إلى الغارم دون المكاتب؛ لأنه يعجّز نفسه إذا شاء، وهذا بالعكس أولى، فإنه بعد الحلول أيضاً يعجّز نفسه، ولا لزوم قبل  الحلول لو عجّل أُجبر السيد على القبول، فينبغي أن يجوز الصرف إليه \rفرع: في النكاح:","part":1,"page":9},{"id":2801,"text":"من ادّعى على رجل أنه زوّج ابنته منه، وهي بكر صغيرة، حلّفه؛ لأنه لو أقر لقبل إقراره، فإنه في هذه الحال  من أهل الإنشاء، وإن كانت بكراً بالغاً  فوجهان: أحدهما: وهو الذي أفتى به ابن الحداد  أنه يحلف كالصغيرة، نظراً إلى أنه أهل الإقرار  والثاني: لا؛ لأنه يقدر على توجيه الدعوى على البالغة فهي أولى بالجواب، وعلى الأول لو حلف الأب فللزوج أن يدّعي على البنت فيحلفها إذ الصحيح قبول إقرارها، فلو نكلت حلف الزوج، واستحق بضعها فلا يمنع ذلك تحليف الأب قبل ذلك، أما إذا كانت ثيباً فلا يحلف الولي؛ لأن لا يقبل إقراره في حال الثيابة إذ لا يقدر على الإنشاء [ثم]  فرّع الشيخ أبو علي  وقال: إذا ادّعى عليه أنه باع منه مال طفله حلف الولي؛ لأنه قادر على الإنشاء والإقرار، وحُكي عن القفال أنه قال: لا يحلف؛ لأنه نائب، بل يصبر إلى بلوغ الطفل، وهذا يجب طرده في النكاح فيحصل في المسألة وجهان \rمسائل في الجراح:","part":1,"page":10},{"id":2802,"text":"مسألة: لو قطع يدَي رجل فمات المظلوم، فقطع وليه يدَي الجاني فاندملت ، فأراد  طلب المال في النفس لم يكن ذلك لهم؛ لأنهم استوفوا بما يقابل دية الجملة – أعني اليدين – فلو كان الجاني امرأة، والمسألة بحالها فيديها لا تساوي دية نفس المظلوم ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يطالب الولي بشيء؛ لأن يدها  من نفسها كيد  الرجل والثاني: أنه يطالب بنصف الدية؛ لأن يديها لا تساوي إلا نصف  الرجل ثم قال ابن الحداد : لو قطع يدَي رجل فاندمل ظاهراً فقطع المظلوم إحدى يدَي الظالم قصاصاً، وأخذ أرش الأخرى ، ثم ظهر غور في جراحة المظلوم، وسرى إلى النفس فليس لوليه طلب قصاص، ولا أرش  من الظالم، أما القصاص فلأن في استيفاء قصاص النفس إتلاف الطرف الذي عفى عنه، وأخذ  الأرش عنه ، وأما الدية فلأنه قد استوفى ما يقابل دية كاملة، وهو القصاص في يدٍ، والأرش في أخرى، ثم قال: لو اندملت جراحة المظلوم حقيقة فقطع إحدى يدَي الظالم، وأخذ أرش الأخرى فسرت جراحة الظالم، ومات ، فليس لورثته  استرداد الأرش من المظلوم وإن زهقت نفس الظالم؛ لأن سراية القصاص هدر، ولا ينظر إلى فوات اليد التي أخذ الأرش عنها، وعفى عنها بالسراية وقال الشيخ أبو علي  : [المسألة تبنى]  على قولين في أن الطرف إذا فات بسراية القصاص هل يقع بها القصاص فإن قلنا: لا يقع وهو الأصح فالجواب ما ذكره ابن الحداد، وإن قلنا: يقع  فيسترد الأرش؛ لأن سراية إحدى اليدين فوّتت  اليد الأخرى فيقع قصاصاً، ولا يجمع بينه وبين الأرش ","part":1,"page":11},{"id":2803,"text":"مسألة: لو قطع عبدٌ يد عبدٍ، ثم عتق المظلوم، ومات من الجراحة فالقصاص في الطرف للسيد، وفي النفس للورثة، ولو قطع السيد فسرى ومات وقع القصاص عن جهة النفس، ولا شيء للورثة سواه، وهذا فيه إشكال؛ لأن السيد هو المستوفي، ولا حق له في النفس، والوارث هو المستحق ولم يستوف، ولكن لما ثبت للسيد قطع الطرف وهو طريق استيفاء النفس  فكأنه ثبت له  النيابة في الاستيفاء، ولا يمكن الزيادة على النفس، ولو عفا الورثة عن قصاص النفس قبل قطع السيد الطرف قال الشيخ [أبو علي]  : سألت القفال عن هذا فقال: لا يجوز للسيد القطع؛ لأن الورثة لما استحقت  النفس فكأنهم استحقوا شركة في الطرف مع السيد إذ يفوت الطرف بفوات النفس، فيؤثر عفوهم [قال الشيخ: والقياس عندي أنه لا يسقط؛ لأن السيد استحق الطرف مقصوداً، والوارث تبعاً فلا يؤثر عفوه]  في حقه\r\rمسألة: في الحدود:\rقال : العبرة في مقدار الحدّ بحالة  الوجوب فالذمي المحصن إذا زنا ثم نقض العهد واسترق رجم في حالة الرق، وكذلك لو لزمه ثمانون جلدة في قذف فيستوفيه بكماله وإن رق\rمسائل: في السبي :\rالأولى: إذا قلنا إن الحربية تسبى وإن كانت منكوحة مسلم فينقطع النكاح إذا سُبيت، وإذا كان بعد المسيس، فلو عتقت قبل انقضاء العدة فقد خرجت عن أن تكون أمة كتابية ففيه وجهان: أحدهما: أن النكاح قد انقطع؛ [لأنه]  غير موقوف والثاني: يتبين استمرار النكاح كما في الردة ، فعلى هذا لو أسلمت وبقيت رقيقة، وليس الزوج ممن يجوز له نكاح الإماء فيستمر النكاح؛ لأن هذا في حكم الدوام، وذكر الشيخ [أبو علي]   وجهاً آخر أنه ينقطع، وكأنه في حكم الابتداء، ثم قال: لو استرقت وهي حامل بولد مسلم حر فلا يجوز بيعها ما دامت حاملاً لاستثناء الولد، فإن انفصل (بيعت) ، ولم يجر  على قولي  التفريق بين الأم والولد؛ لأن ذلك إذا أمكن بيع الولد، وهذا حر لا يمكن بيعه (معها) ","part":1,"page":12},{"id":2804,"text":"مسألة: لو قهر حربي حربياً ملكه، إذ لا عصمة لهم، فإن باع الحربي زوجته من مسلم لم يصح إن لم يقهرها أولاً، وإن قهرها واستعبدها صح، وإن قهر الحربي ابنه فهل نقول  يعتق عليه أم يدوم ملكه قال أبو زيد:  لما كتب الحليمي هذه المسألة إليه: إنه يدوم ملكه، ويصح بيعه؛ لأنه وإن قدر  أنه يعتق عليه فدوام القهر سبب تجديد الملك على العتق فالقهر المبطل للعتق دائم وقال ابن الحداد : لا يملك؛ لأن القهر دائم، والقرابة المانعة للملك أيضاً دائمة، فيمتنع الملك، بخلاف ما لو اشترى فإن الملك لا يمتنع؛ لأن ذلك طريق إلى تحصيل العتق \rمسألة : حربي وقع في الأسر فالإمام يسترقه إن شاء، فإن قتله مسلم قبل ضرب الرق عُزّر، ولا قيمة عليه؛ لأنه تعرض الرق، وليس برقيق، ولو أسلم قبل ضرب الرق  فقتله مسلم فإن قلنا: تعين  للرق إذا أسلم فلا قصاص على الحر بقتله، وإن قلنا: لا يرق بل يتخير الإمام بين إرقاقه وفدائه ففي وجوب القصاص على الحر نظر؛ لأنه وإن لم يكن رقيقاً كان مستحقاً للإرقاق فلا كفارة ، ولكن القتل يحسم إمكان  الإرقاق ولم يكن رقيقاً فالظاهر وجوب القصاص\rمسألة: إذا نقض المستأمن عهده، وترك عندنا مالاً فقد ذكرنا فيه تفصيلاً، فإن قلنا: تبقى له علقة الأمان في ماله قال الأصحاب: له أن يعود ليأخذ المال من غير عهد جديد، ويكون ذلك عذراً له وقال الشيخ أبو علي  : أنه لو عاد بغير أمان لقتلناه ؛ لأن أمانه في نفسه قد انتقض فلا بد من تجديدٍ كما أن المسلم لو أخذ وديعة من الحربي في دار الحرب، ودخل دار الإسلام فليس للحربي أن يدخل دار الإسلام بعذر الاسترداد من غير أمان، وإنما أوردنا هذه الفروع لحكاية هذه الأوجه الغريبة وإلا فأكثرها قد ذكرناها في مواضعها","part":1,"page":13},{"id":2805,"text":"مسألة: قال صاحب التلخيص : إذا نذر العبد صوماً، وصلاة يلزمه، ولو نذر حجاً فهل يلزمه فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يلزمه ولا بعد الحرية؛ لأنه لا يتصور الوفاء به في الرق بخلاف الصلاة والصحيح الوجه الآخر وأنه يلزمه، فعلى هذا لو حجّ في الرق هل تبرأ ذمته فيه ثلاثة أوجه:  أحدها: وهو الأصح، أنه تبرأ والثاني: لا تبرأ؛ لأنه ليس أهلاً للحج الواجب، ولأنه لا يتقدم حج واجب على حجة الإسلام والثالث: أنه يبرأ إن حجّ بإذن السيد، وإلا فلا\rمسألة: ذكرنا خلافاً في قبول العبد ابنه  دون إذن السيد فإن قلنا: يصح ويحصل الملك للسيد فهل للسيد رده فعلى وجهين، وإن قلنا له ذلك فيكون رده رفعاً للملك من أصله، أو قطعاً [له]  من حينه فعلى وجهين ذكرهما صاحب التلخيص ، ويظهر أثر ذلك في وجوب الفطرة عند هلال  شوال، ووجوب استبراء الجارية الموهوبة\rمسألة: للعبد أن يتوكل عن أجنبي في قبول النكاح له بغير إذن السيد، إذ لا عهدة فيه، وقال القفال : لا يجوز، كما لو توكل في الشراء، وله أن يتوكل لسيده في بيع رقبته، ولأجنبي في شراء رقبته من سيده ن كما له أن يتوكل لسيده في إجارة نفسه، ومن أصحابنا من منع أن يتوكل في بيع نفسه وشرائه كأنه يتخيل أن البائع ينبغي أن يكون غير المبيع وهذا ضعيف  والله أعلم\rتم الكتاب بحمد الله ومنّه، والحمد لله رب العالمين حمداً يكافئ نعمه ويوافي مزيده، وصلى الله على سيدنا النبي محمد سيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته والتابعين لهم بإحسان وسلم كثيراً إلى يوم الدين\rكتبه لنفسه الفقير إلى رحمة الله وعفوه عبد الله بن إبراهيم بن جابر بن أحمد بن هبة الله الشافعي  عفا الله عنه ونفعه بالعلم ووفقه لصالح العمل وغفر له ولوالده ولمشايخه ولسائر المسلمين  آمين","part":1,"page":14},{"id":2806,"text":"ووافى الفراغ منه يوم الاثنين العشرين من شهر رمضان من شهور سنة سبعين وخمسمائة للهجرة النبوية شرّفها الله بمحروسة حماه","part":1,"page":15}],"titles":[{"id":1,"title":"كتاب صلاة الخوف - صلاة العيدين - صلاة الخسوف","lvl":1,"sub":0},{"id":1,"title":"كتاب صلاة الخوف","lvl":1,"sub":1},{"id":64,"title":"كتابُ صلاةُ العيدين","lvl":1,"sub":0},{"id":137,"title":"كتابُ صلاةِ الخُسوفِ","lvl":1,"sub":0},{"id":168,"title":"(كتابُ صلاةِ الاسْتِسقَاءِ","lvl":1,"sub":0},{"id":201,"title":"كتاب الزكاة","lvl":1,"sub":1},{"id":321,"title":"كتاب الصيام","lvl":1,"sub":0},{"id":358,"title":"كتاب الحج","lvl":1,"sub":0},{"id":497,"title":"كتاب الشفعة","lvl":1,"sub":1},{"id":539,"title":"كتاب القراض","lvl":1,"sub":0},{"id":575,"title":"كتاب المساقاة","lvl":1,"sub":0},{"id":592,"title":"كتاب الإجارة","lvl":1,"sub":0},{"id":667,"title":"كتاب الوقف","lvl":1,"sub":0},{"id":690,"title":"كتاب الهبة","lvl":1,"sub":0},{"id":701,"title":"كتاب اللقطة","lvl":1,"sub":0},{"id":723,"title":"كتاب اللقيط","lvl":1,"sub":0},{"id":754,"title":"كتاب الفرائض","lvl":1,"sub":0},{"id":811,"title":"كتاب الوصايا","lvl":1,"sub":0},{"id":914,"title":"كتاب الوديعة","lvl":1,"sub":0},{"id":979,"title":"1 - البسيط كتاب النكاح","lvl":1,"sub":0},{"id":1068,"title":"بيان الموانع من النكاح في الناكح والمنكوح","lvl":2,"sub":0},{"id":1182,"title":"2 - البسيط كتاب الصداق","lvl":1,"sub":0},{"id":1182,"title":"كتاب الصداق","lvl":1,"sub":1},{"id":1265,"title":"3 - كتاب القسم","lvl":1,"sub":0},{"id":1287,"title":"4 - كتاب الخلع","lvl":1,"sub":0},{"id":1361,"title":"5 - كتاب الطلاق","lvl":1,"sub":0},{"id":1508,"title":"6 - كتاب الرجعة","lvl":1,"sub":0},{"id":1531,"title":"7 - كتاب الإيلاء","lvl":1,"sub":0},{"id":1561,"title":"8 - كتاب الظهار","lvl":1,"sub":0},{"id":1582,"title":"9 - كتاب (الكفارات)","lvl":1,"sub":0},{"id":1603,"title":"1 - كتاب اللعان","lvl":1,"sub":0},{"id":1643,"title":"2 - كتاب العدة","lvl":1,"sub":0},{"id":1710,"title":"3 - كتاب الرضاع","lvl":1,"sub":0},{"id":1739,"title":"4 - كتاب النفقات","lvl":1,"sub":0},{"id":1782,"title":"5 - احكام الحضانة","lvl":1,"sub":0},{"id":1796,"title":"6 - كتاب الجراح","lvl":1,"sub":0},{"id":1906,"title":"7 - كتاب الديات","lvl":1,"sub":0},{"id":2028,"title":"8 - كتاب دعوى الدم والقسامة والشهادة فيه","lvl":1,"sub":0},{"id":2087,"title":"9 - كتاب حد الزنا","lvl":1,"sub":0},{"id":2104,"title":"10 - كتاب حد السرقة","lvl":1,"sub":0},{"id":2136,"title":"11 - كتاب قطاع الطريق","lvl":1,"sub":0},{"id":2147,"title":"12 - كتاب حد الشرب","lvl":1,"sub":0},{"id":2155,"title":"13 - كتاب موجبات الضمانات","lvl":1,"sub":0},{"id":2173,"title":"1 - كتاب السير","lvl":1,"sub":0},{"id":2239,"title":"2 - كتاب الجزية والمهادنة","lvl":1,"sub":0},{"id":2285,"title":"3 - كتاب الصيد والذبائح","lvl":1,"sub":0},{"id":2314,"title":"4 - كتاب الضحايا","lvl":1,"sub":0},{"id":2337,"title":"5 - كتاب الأطعمة","lvl":1,"sub":0},{"id":2348,"title":"6 - كتاب السبق والرمي","lvl":1,"sub":0},{"id":2381,"title":"7 - كتاب الأيمان","lvl":1,"sub":0},{"id":2440,"title":"8 - كتاب النذور","lvl":1,"sub":0},{"id":2464,"title":"9 - كتاب أدب القضاء","lvl":1,"sub":0},{"id":2536,"title":"10 - كتاب الشهادات","lvl":1,"sub":0},{"id":2602,"title":"11 - كتاب الدعاوى والبينات","lvl":1,"sub":0},{"id":2681,"title":"12 - كتاب العتق","lvl":1,"sub":0},{"id":2711,"title":"13 - كتاب الولاء","lvl":1,"sub":0},{"id":2722,"title":"14 - كتاب التدبير","lvl":1,"sub":0},{"id":2735,"title":"15 - كتاب الكتابة","lvl":1,"sub":0},{"id":2792,"title":"16 - كتاب عتق أمهات الأولاد","lvl":1,"sub":0}]}