{"pages":[{"id":46,"text":"فتح الودود بشرح رسالة السيد الشريف الجرجاني في وحدة الوجود\rتأليف: الأستاذ العلامة المحقق سعيد فودة، حفظه الله\rالطبعة الأولى 1434 هـ - 2013 م\rالناشر: دار الفتح للدراسات والنشر","part":1,"page":4},{"id":48,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\r\rمقدمة\rالحمدُ لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، وبعد،\rفإنَّ مسألة وحدة الوجود من المسائل التي يهتم الناظر بالبحث فيها والتدقيق، المرة تلو المرة، وذلك لدقتها ولما لها من تعلُّق بأصول الاعتقاد. وقد تكلم أئمة التوحيد في هذه المسألة، وبحث فيها بعض الصوفية، وغيرهم من أصحاب النظر والكلام، وذهب كل واحد إلى وجهة معينة ارتآها وانحاز إليها.\rوقد رأينا في هذا الزمان الحاجةَ إلى الكلام في هذه المسألة؛ لأن بعض الناس زعم أنَّ وحدة الوجود مذهبُ أهلِ السنة، فبعضهم أطلق الكلام، وبعضهم أراد وحدة الوجود على ما ذهب إليه أصحاب المذهب، لا بنوع تأويل، وبعضهم حمل المراد بالوحدة على وحدة الشهود، أو صرفه عن ما يظهر فيه بنوع تأويل وصرف جميل لما يكنه في صدره من ظنٍّ حسن بقائله.\rونحن لما كنَّا نميل في بحث هذه المسائل إلى النظر والتدليل، اعتمادًا على ما يظهر من كلام الناس فيها، إذ لهم اصطلاحات خاصَّةٌ عرفوها وأظهروا مدلولاتها، وبينوها،","part":1,"page":5},{"id":49,"text":"وقد وجدنا أن علماء أكابر مثل الإمام السعد التفتازاني والعضد الإيجي والسيد الشريف قرأوا كلماتهم وفهموها وبينوها، وعبروا عنها بالمعنى الذي نفهمه منها- فلا نرى وجهًا لقول من يقول: إن فهم المعنى المراد من كلمات أهل الوحدة الوجودية عَسِرٌ بعيد إلا بطريق الكشف والإلهام! فهذا غير مفيد ألبتة، وهو مجرد دعوى بلا دليل، والمنازعُ لنا إمَّا أنه زاعم أنه من أهل الكشف والإلهام حتى تجرأ على الحكم بصواب أو عدم صواب ما قررناه، أو أنه ليس منهم، فليس له هذا المنصب، وذلك لأن مجرَّد الحكم على كلام المخالف لأهل الوحدة بأنه غير مرادٍ لهم، لا يمكن أن يبنى إلا بناءاً على أن هذا الحاكم قد فهم المراد من كلامهم، أمَّا مع عدم فهمه ولا تمكنه من إدراك مرامهم، فكيف يتسنى له التصويب والتخطيء؟!\rوعلى كل حال، فنحن لا نريد هنا أن نخوض مع الخائضين في هذا المطلب، الذي يحوج الدخول فيه إلى تقديم مقدمات وتمهيد مبانٍ طويلة.\rوما نريد بيانَه هنا قدرٌ ضئيل يساعد في تبيين موقف السيد الشريف من هذا الطريق، وذلك بحسب ما رأيناه في رسالته هذه، التي تطبع لأول مرة، على حسب علمنا، مع علمنا بأنها نادرة الوجود كما كتب على الصفحة الأولى من مخطوطتها.\rومما يمكن الجزم به هنا هو أنَّه ليس جميعُ الصوفية قائلين بمذهب وحدة الوجود، بل أكثرهم على ما نزعم مُعرِضُون عنه، رافضون له، غيرُ راضين بما يقرره أصحاب هذا المذهب، وسوف نشير إلى ذلك بإشارات كافية للطالبين.\rوقد أراد السيِّدُ في هذه الرسالة تلخيصَ مذهبِ وحدة الوجود وبيان عناصره الكبرى، بعبارته الرائقة الموجَزة المركزة. وقد بذلت جهداً -أرجو أن يكون مقبولاً- في بيان عباراته، وتقريب معناها على القارئ، ونقلنا من عبارات القوم القائلين بوحدة","part":1,"page":6},{"id":50,"text":"الوجود ما يدلُّ على ما ينقله عنهم السيِّد الشريف الجرجاني، وقد أطلنا في بعض الأحيان في النقول، وما ذلك إلا لأهمية المسألة ودقتها، وللحرص على إظهار المعاني كما يريدها أهلها، ولا يضير طالب العلم أن يكون النقل طويلا أو قصيرا، لأن ما يطلبه المحقق هو المعاني دون المباني.\rولم أدخر وسعاً في تصحيحها، وتدقيق قراءتها، وعلَّقت على الأحاديث النبوية الشريفة وخرجتها، وخرجت الأبيات الشعرية وأتبعتها بشرح ملائم لها من أصحابها، وحاولت ضبط الألفاظ بحسب الجهد والوسع. وقد مهدتُ للبحث بما تجده في المقدمة، وبترجمة وجيزة للسيد الشريف، فهو غني عن تطويل الكلام في شأنه عند أهل العلم.\rوقد حاولتُ في بعض الأحيان أن أناقش دعاوى القائلين مناقشة موجَزةً، وذلك عن طريق تحليل كلامهم، وما يؤدي إليه، وما ينبني عليه، ولكنِّي لم أفصِّل في المناقشات لأن لهذا بإذن الله تعالى كتابا خاصَّاً، يكون موفيا بالغرض بإذن الله تعالى، بل ربما احتاج الأمر إلى عدة كتب ورسائل تكتب في هذا الباب، ورأيت من الأفضل أن أترك البحث والتفتيش للقارئ بعد إعطائه هذه المعلومات، فهذا المنهج يمهد للمسألة ويبسط الرأي فيها بتناول نتائج أفكار العلماء الأعلام.\rوقد وجدتُ أن العلامة الجرجانيَّ قد عبَّر عما يريد أهلُ الوحدة على وفق مرادهم، ولم يقل: إنَّ فهم مرادهم وتصوُّرَه لا يتمُّ إلا بالكشف، أو أنه لا يمكن الكلام على ما يريدون لأن لهم اصطلاحات خاصة بهم، لا يطيقها إلا أهلها! كما يحتج بعضُ مَنْ لم يغص في بحار العلوم، أو أكثر من إحسان الظنِّ بهم، فحَمَلَه ذلك على نفي الظاهر من عباراتهم، بدعوى أنهم رمزوا للمعاني المقصودة.","part":1,"page":7},{"id":51,"text":"وهذا المسلك الذي سلكه السيد الشريف لائق بعلماء الكلام والأصوليين وأهل الحكمة الفائقة، الذين لا يتركون أمرًا ولا يتبعون رأيًا، إلا بعد تمحيصه وبحثه وتفتيشه.\rنعم يوجد رمز ولكن يوجد تفسير للاصطلاحات اهتمَّ أهل الوحدة الوجودية ببيانها، وكتبوا في ذلك كتباً كثيرة، فلم يبق بعد ذلك لفهم الأمر وتصورِه تصوراً كافيًا للحكم عليه واتخاذ موقف منه إلا بذل الجهد لفهم معانيهم. نعم، نحن لا نقول: إن الوصول لمراميهم سهل مستسهل، ولكنه ليس معجزاً ولا نادًّا على ذوي الأفهام.\rثم بعد ذلك كله: فنحن نرى العلماء يكتبون في وحدة الوجود كالعَضُدِ والسَّعْدِ والسيِّد والكَلَنْبويِّ والدَّوَّاني والملا الجَامي والصدر القونويّ والقَيْصري والقَاشَاني وغيرهم كثيرين، ولم يختلفوا في بيان معنى وحدة الوجود، ولم يقولوا إنها مستعصية على الأذهان! نعم ربما قال بعض أصحاب هذا المذهب: إنَّ الوصول إلى التصديق به والتسليم لأهله لا يكون إلا بكشف أو إلهام، ولكنهم لم يقولوا: إن فهم معانيه وتصور مرادهم ولو بنحو من التصور لا يتمُّ إلا بذلك.\rونحن وإن كنا نميل إلى مخالفتهم في تصور الوجود على الصورة التي يزعمونها، إلا أن اهتمامنا أساساً منصبٌّ إلى بيان بعدِ هذا التصور عن طريقة أهل السنة ومذهبهم، وبعده عن أصولهم أهل السنة، من حيث المباني واللوازم.\r*****","part":1,"page":8},{"id":52,"text":"بيان السَّيِّدِ الشَّريف الجُرْجَاني لمعنى وحدة الوجود\rوقد بيَّن السيِّد الشريف خلاصةَ مذهبهم في موضع آخر نقله عنه الأعلام، غير هذه الرسالة التي خصَّصها لبيان مذهبهم، ننقله هنا لفائدته وأهميته.\rقال السَّيِّدُ الشريف الجرجاني في توضيحه لمذهبهم: «ولما وجب أن يكون الواجبُ جزئياً حقيقياً قائماً بذاته، ويكون تعينه لذاته لا لأمرٍ مغائرٍ لذاته، وجب أن يكون الوجود أيضاً كذلك، إذ هو عينه، فلا يكون الوجود مفهوماً كلياً يمكن أن يكون له أفراد، بل هو في حدِّ ذاته جزئيٌّ حقيقيٌّ ليس فيه إمكان تعدد ولا انقسام، قائم بذاته، منزهٌ عن كونه عارضاً لغيره، فيكون الواجب هو الوجود المطلق، أي المعرَّى عن التقييد لغيره والانضمام إليه. وعلى هذا لا يتصور عروض الوجود للماهيات الممكنة، فليس معنى كونها موجودة إلا أنَّ لها نسبةً مخصوصةً إلى حضرة الوجود القائم بذاته. وتلك النسبة على وجوه مختلفة وأنحاء شتى يتعذر الاطلاع على ماهياتها، فالموجود كليٌّ وإن كان الوجودُ جزيئاً حقيقياً» (¬1).\rومن الجليِّ أن هذا المعنى لا يخفى على المتكلمين الذين يعارضون القول بوحدة\r¬__________\r(¬1) هذا ما ذكره السيد الشريف الجرجاني توضيحاً لمقالة هؤلاء، أورده في حواشيه على الشرح القديم للتجريد. ونقل هذا الكلام القاضي الأحمد نكري في كتابه \"دستور العلماء\" (3/ 306)، دار الكتب العلمية، وعنه نقلناه.","part":1,"page":9},{"id":53,"text":"الوجود، وهم إن اعترضوا عليها يريدون الاعتراض على هذا المعنى، فلا مجال لادعاء عدم الفهم أو اللّبس أو الحجب بالأكوان، أو دعوى عدم الكشف ونزول درجة العرفان، فهذه كلُّها حجج شِعْرية لا تسمن ولا تغني من جوع، والعبرة بعد ذلك كله إنما هو بالدليل، وتعريف الدليل: هو ما النظر الصحيح فيه يفضي إلى علم، ولم يذكر هؤلاء ما يمكن أن يكون دليلاً بهذا المعنى، فتحصل أن كلامهم مجرد دعاوٍ لا تثبت.\r*****","part":1,"page":10},{"id":54,"text":"كلام مهم للعلامة السِّندي والإمام العضد الإيجي\rومن المفيد هنا أن ننقل ما قاله الشيخ محمد حياة السندي في أثناء جواب عن وحدة الوجود وابن عربي، وسأعتمد على ما أورده بعض أصحابنا (¬1) ممن له باع في الاطلاع على الكتب وإفادات في غرائب النقول ونوادرها، قال: «الحمد لله تعالى. في جواب طويل عن سؤال ورد على الشيخ محمد حياة السندي (ت 1163 هـ) من أحد الأشراف يسأل فيه عن قومٍ\rيقولون بوحدة الوجود، ولهم غلوٌّ في الشيخ ابن عربي الحاتمي، قال: ماذا يريدون بوحدة الوجود؟ فإن أرادوا أن ليس في الوجود إلا الموجود الواحد الأحد الفرد الصمد، وما سواه كله عدم محض ليس له وجود بوجه من الوجوه، فهذا مخالف للنقل والعقل، فإن الله تعالى أخبر أنه خلق الخلق وأوجدهم بعد العدم، والعقل يدل على وجود ما سواه تعالى قطعاً، وإنكاره جهل وغباوة.\rوإن أرادوا أن الله تعالى وجود مطلق كليٌّ ظَهَر في هذه الجزئيات المتعينة، فهذا كفر ظاهر، لازمه أنه ليس لله وجود في الخارج، ويلزم هذا شنائع كثيرة.\rوإن قالوا: إنه موجود متشخص متباين متمَيِّز، لا يتغير ولا يتبدل، ومع ذلك فقد ظهر في هذه المظاهر بذاته فهذا محال ببديهة العقل، ويردُّه النقل، ويلزمه قبائح.\rوإن قالوا: لما كان وجود الحادث بإيجاده، وبقاؤه به، وهو مظهر دوال صفاته،\r¬__________\r(¬1) وهو صاحبنا الفاضل نزار بن علي التونسي الأشعري المالكي.","part":1,"page":11},{"id":55,"text":"قلنا: كأنَّ وجود الموجِد والموجَد واحد، فيقال: هذا المعنى صحيح، وإطلاق لفظ وحدة الوجود عليه مكروه؛ لما فيه من الإيهام بخلاف الحق.\rوإن قالوا: نريد بها أن العارف إذا غرق في بحر العرفان لا يشاهد غير الرحمن، ولا يشاهد إلا موجوداً واحداً أزلياً أبدياً، يقال: إن هذه ليست بوحدة الوجود، بل هي وحدة الشهود. ثم ليست بمقصودة عظيمة عند أهل الكمال؛ لأن الكامل من يشاهد الحق حقاً والخلق خلقاً، ويرى بينهما فرقاً، ويعطي كل ذي حق حقه.\rوأمَّا غلوُّهم في مرتبة ابن عربي فهو -عفا الله عنه- رفعه قوم حتى كادوا يُلحقونه بالأنبياء، وخفضه قوم حتى ألحقوه بأشقى الأشقياء، والأحوط في حقه التوقف. وعنده علم، وله مؤلفات مشتملة على فوائد حسنة، وله فيها أوهام وأغاليط وشطحات وأقوال شنيعة. انتهى».\rوجوابه مفيد على اختصاره، وفيه التفريق الواضح بين وحدة الشهود ووحدة الوجود بمختلف احتمالاتها.\rقال الإمام العضد في المواقف: \"المقصد الخامس: في أنه تعالى لا يتَّحِدُ بغيره؛ لما علمتَ فيما تقدَّم من امتناع اتحاد الاثنين مطلقًا، وأنه تعالى لا يجوز أن يحلَّ في غيره؛ لأن الحلول هو الحصول على سبيل التبعية، وأنه ينفي الوجوب. وأيضًا لو استغنى عن المحل لذاته لم يحل فيه، وإلا احتاج إليه لذاته ولزم قدم المحل. وأيضا فإنَّ المحلَّ إن قبل الانقسام لزم انقسامه وتركبه واحتياجه إلى أجزائه، وإلا كان أحقر الأشياء. وأيضًا فلو حلَّ في جسم فذاته قابلة للحلول، والأجسام متساوية في القبول، وإنما التخصيص للفاعل المختار، فلا يمكن الجزم بعدم حلوله في البقة والنواة، وأنه ضروري البطلان، والخصم معترف به. وربما يحتج عليه بأن معنى حلوله في الغير كونُ تحيُّزِه تبعًا لِتَحَيُّز","part":1,"page":12},{"id":56,"text":"المحل، فيلزم كونه متحيزًا وفي جهة، وقد أبطلناه، وقد عرفت ضعفه، كيف وأنه ينتقض بصفاته تعالى.\rتنبيهٌ: كما لا تحلُّ ذاته في غيره، لا تحلُّ صفته في غيره؛ لأن الانتقال لا يتصور على الصفات، وإنما هو من خواص الذوات، لا مطلقًا بل الأجسام.\rواعلم أن المخالف في هذين الأصلين طوائف:\rالأولى: النصارى، وضبط مذهبهم: أنهم إمَّا أن يقولوا باتحاد ذات الله بالمسيح أو حلول ذاته فيه أو حلول صفته فيه، كلُّ ذلك إمَّا ببدنه أو بنفسه. وإمَّا ألا يقولوا بشيء من ذلك، وحينئذ فإمَّا أن يقولوا: أعطاه الله قدرةً على الخلق أو لا، ولكن خصه الله تعالى بالمعجزات، وسماه ابنًا تشريفًا كما سمَّى إبراهيم خليلاً، فهذه ثمانيةُ احتمالات كلُّها باطلةٌ إلا الأخير، فالستة الأولى باطلة لما بيَّنا، والسابع لما سنبينه أن لا مؤثر إلا الله، وأمَّا تفصيل مذهبهم فسنذكره في خاتمة الكتاب.\rالثانية: النصيرية والإسحاقية من الشيعة، قالوا: ظهورُ الروحاني بالجسماني لا ينكر، ففي طرف الشَّرِّ كالشياطين، وفي طرف الخير كالملائكة، فلا يمتنع أن يظهر الله تعالى في صورة بعض الكاملين، وأولى الخَلق بذلك أشرفهم وأكملهم وهو العترة الطاهرة، وهو مَنْ يظهر فيه العلمُّ التَّامُ والقدرة التامة من الأئمة، ولم يتحاشوا عن إطلاق الآلهة على أئمتهم.\rالثالثة: بعض المتصوفة، وكلامهم مخبط بين الحلول والاتحاد، والضبط ما ذكرناه في قول النصارى. ورأيتُ من ينكره ويقول: إذ كلُّ ذلك يشعر بالغيرية، ونحن لا نقول بها، وهذا العذر أشدُّ من الجرم\".","part":1,"page":13},{"id":57,"text":"وقال السيِّد الشريف في شرحه لقول الطائفة الثالثة: \"الطائفة (الثالثة: بعض المتصوفة، وكلامهم مخبط بين الحلول والاتحاد، والضبط ما ذكرناه في قول النصارى) والكلُّ باطل سوى أنه تعالى خصَّ أولياءه بخوارق عادات كرامة لهم، (ورأيتُ) من الصوفية الوجودية (مَن ينكره ويقول:) لا حلول ولا اتحاد، إذ (كل ذلك يشعر بالغيرية، ونحن لا نقول بها) بل نقول: ليس في دار الوجود غيره ديار، (وهذا العذر أشدُّ) قبحًا وبطلانًا (من) ذلك (الجرم) إذ يلزم تلك المخالطة التي لا يجترئ على القول بها عاقل ولا مميز أدنى تمييز\" (¬1).\rوكلام الإمام العضد صريح في ذمِّ مذهب وحدة الوجود وردِّه، ويوافقه في ذلك السيد الشريف كما ترى في شرحه.\rومن الظاهر من كلام الإمام العضُد وشارحه السيد الشريف الجرجانيّ أنَّ القائل بوحدة الوجود، هم بعض الصوفية، وليس جميع الصوفية، ولاشتهار قول الصوفية بهذا المذهب العقدي، أطلقَ كثيرٌ من الناس أنَّ الصوفية قائلون بوحدة الوجود، يعممون ذلك، حتى يتصور الواحد أنَّ كل صوفي فشرطه أن يقول بوحدة الوجود! وأن من ينفي وحدة الوجود فهو ليس بصوفي، أو أنه معادٍ للتصوف! وهذا الحكم بهذا الإطلاق إنما يأتي الإنسان من قلة علمه، وضيق إحاطته، وهواه الذي يجرفه إلى هذه التعميمات، ولِيُسَاعده هذا الإطلاق على النكير على المخالفين، وتخويف الناس من مجرد السماع لهم، ولكن لا يخفى على عاقل منصف أنَّ هذا النهج\r¬__________\r(¬1) كتاب المواقف، عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي (756 هـ)، دار الجيل - لبنان - بيروت - 1417 هـ - 1997 م، ط 1، ت: عبد الرحمن عميرة، (3،43)، وانظر الطبعة العثمانية القديمة المطبوع على هامشها شرح التجريد للقوشجي، وشرح المطالع للأصفهاني، (3/ 24 - 25).","part":1,"page":14},{"id":58,"text":"ليس نهج الأكابر، ولا ما يتبعه الباحثون عن الحقِّ، الراغبون في بناء عقيدتهم على البراهين، أو على ما لا ينافيها. ولذلك ترى أكثر العقلاء يترفعون عن هذا الأسلوب القادح في إنصافهم وحكمتهم، وترى أن الذين يتلبسون به من الأصاغر أو المغلقة أعينهم، القاصرة قلوبهم عن البحث والتحقيق.\rوالذي تحقق لي أن أكثر الصوفية ليسوا قائلين بوحدة الوجود بالمعنى الذي يوضحه السَّيِّد الشريف الجرجاني في هذه الرسالة النافعة، بل هم على خلاف هذا المعنى، يحذرون منه، وخصوصاً المتبعين لأهل السنة من الأشاعرة والماتريدية، ولذلك ترى هؤلاء الأعلام يحاولون حمل عبارات القومِ الذين تظهر هذا المعنى على غير المفهوم منها، درءًا للتشنيع عليهم، وابتعاداً عن الالتزام بضرورة الحكم بمخالفتهم لأهل السنة في هذه المسألة، أو تخطئتهم فيها.\rومجرد اشتهار القول من الأكابر في بلاد الإسلام بنصح طلاب العلم بعدم اتباع كلام الشيخ ابنِ عربي وخصوصًا في فتوحاته وفصوصه ونحوهما مما صرَّح فيه بخلاف مذهب أهل الحق، ومجرد حضِّهم الطلاب على الالتزام بمذهب أهل السنة، وعدم الاغترار بكلام أهل الوحدة، وكذلك محاولتهم تأويل كلام هؤلاء ممن اشتهر تعبدهم، على غير معنى مذهب الوحدة، دليل عظيم ظاهر على أن أعاظم أهل السنة لا يرضون هذا المذهب، ولا يقبلون لطلاب العلم اتباع أصحابه على ظاهره.\rوسوف أزيد هذا الكلام ظهوراً في الرسالة الجديدة في وحدة الوجود، التي أدعو الله تعالى أن يمكنني من نشرها؛ لما فيها من فوائد وبحوث لطيفة، ونقول منيفة، تقرُّ بها أعين أهل العلم وطلاب الحقّ.","part":1,"page":15},{"id":59,"text":"وقد كنت أحبُّ أن أبين خلاصة مذهب وحدة الوجود في هذه المقدمة، ولكن رجحتُ أن أرجئ ذلك للرسالة التي بين أيدينا، ليطلع القارئ الحصيف على هذه المعاني من كلام السيد الشريف، وأرجئ كلامي على ذلك إلى موضع آخر يكون أليق بالبحث والتتبع والاستدلال.\rولكن رأيت ألا أخلي المقدمة من توضيح مختصر أنقله من بحثٍ لي في هذا الموضوع، أبيِّن فيه معنى وحدة الشهود، لكي يتبين للقارئ الكريم الفرقُ بين مذهب الوحدة الوجودية وبين طريقة وحدة الشهود، فإنها ليست مذهبًا، بل هي طريقةٌ وتذوُّقٌ مبنيٌّ على عقيدة أهل الحقِّ، وهي التي أطلق القول بترجيحها والقول بها مجدد الألف الثاني العلامة السرهنديّ في مكتوباته.\r*****","part":1,"page":16},{"id":60,"text":"بيان معنى وحدة الشهود\rعندما يستغرق العالِم العارفُ في ملاحظة كون وجوده لا قيام له لذاته، وأنه لولا إمداد الله تعالى إياه بالوجود وإبقاؤه كذلك، لما كان له قيام بذاته، يتحقق عنده أنَّه بالنظر لذاته، وبملاحظة هذه الجهة أو الوجه فلا قيام ولا وجود له، أي للمخلوق، لذاته ولا قيام له بذاته أيضاً، بل هو مستحقٌّ للعدم بهذه الجهة دائماً، بعد وجوده وقبله، وذاك بشرط تلك الملاحظة، أعني قطع النظر عن إمداد الله تعالى وخالقيته وفعله الذي يتوقف عليه وجود العبد وموجوديته التي هي عينه.\rومن الواضح أنَّ العبد مع هذا الاستغراق لا يغيب نظره عن الخالق الموجود الذي وجوده لذاته، ولذلك يقول العبد عند هذه الملاحظة والمشاهدة والكشف: لا وجود مستقلاً بذاته قائمًا بنفسه غير مستمد من غيره إلا لله، وكلَّ ما سوى الله فلا وجود له لذاته، وهذا الحكم دائميٌّ صحيح قبل وجود العالَم وبعدَه؛ لأنه نظرٌ إلى ما يستحقه العبد لذاته، مع قطع النظر عن خالقه وموجده، ونظرٌ إلى ما يستحقه الله تعالى لذاته.\rوعند هذه المشاهدة التي يقدر على ملاحظتها في بعض الأزمان والتحقق بها أكثرُ الخلق، ولا يقدر على استصحابها وإدامة لحاظها إلا الأقلون، ينمحى ذكر العبد لنفسه، إذ يتيقن أن وجوده إنما هو لإيجاد الله تعالى إياه، فهو لا ينكر وجودَ نفسه وإلا","part":1,"page":17},{"id":61,"text":"كان إنكاراً لقدرة الله ولأثر فِعْلِه، بل تراه يستغرق في ملاحظة جهة سبب الوجود، وهو فعل الله، ولذلك ينطق في هذه الحال: لا وجود إلا للحقِّ، والعبد مَحْقٌ.\rهذا هو الأصل في معنى وحدة الشهود، أي بطلان مشاهدة الأسباب العادية والمظاهر المخلوقة، وإدامة النظر إلى شهود فعل الحق الواجب الوجود، فيتوحد شهود العبد وينحصر في فعل الرب الصادر عن ذات الربِّ الواحد الأحد، ولا يفضي به ذلك -إن كان معترفًا بمذهب أهل الحقِّ- إلى إنكار آثار فعل الربّ، التي هي عين وجود المخلوقات، ومنها عين ذلك العبد، ولذلك يقول الكبراء: إن العبد في هذه المرتبة يَفنَى عن نفسه، وبعضهم يقول: قد يرتقي العابد العارف بالله تعالى عن ملاحظته لنفسه، بملاحظته لفنائه في نفسه ولنفسه، بأن يفنى عن ملاحظة تلك الملاحظة وهو ما يراد بفناء الفناء أو الفناء عن الفناء.\rوعند هذه الحال قد يتوهم بعض العارفين أنَّ ما وقع في ملاحظته من فناء العبد في ذاته، بقطع النظر عن وجه الله، هو القائم المتحقق في نفس الأمر وفي الخارج، فيدفعه ذلك إلى نفي وجوده، لا بقيد الملاحظة، بل بحسب نفس الأمر، ويستبقي لنفسه مجرد النسبة إلى الحق، فيصرّح عندئذ بوحدة الوجود، وبأن موجودية العبد هي مجرد اعتبار قائم بالحق ذاتاً أو علماً.\rفوحدة الشهود مبنية على الاعتقاد بأن وجود الحقّ تعالى غير وجود العبد والخلق، ولكن وجود الخلق لا بقاء له لأجل ذاته، بخلاف وجود الربّ عز وجلّ، فإنه غير متوقف ولا يحتاج إلى أحد يقوِّم وجوده، فهو واجب الوجود والرب المعبود، والإله المقصود.","part":1,"page":18},{"id":62,"text":"ومبنية أيضًا على التذوق الوجداني لهذا لمعنى، وفناء نظر قلب العابد فيه، بحيث لا يلحظ سواه، فيفنى تكثرُ شهوده للمخلوقات، ويتوحدُ في شهوده موجدُ المخلوقات. ولذلك سمِّي هذا المنهج بوحدة الشهود، واختاره أكابر العارفين والسالكين والعابدين، وعزفوا عن التلبس بالوحدة الوجودية التي فيها دعوى الرقي إلى عين صفات الربوبية، وحققوا أنه المؤيد لتمام عبودية الخلق، واحتياجهم إلى إمداد الخالق، وحققوا به تمام المغايرة بين الخالق والمخلوق، مع تمام الفقر والاحتياج عند أهل الشهود. وذلك بخلاف أهل الوحدة الذين نفوا وجود العبد، وجعلوه اعتباراً من الاعتبارات القائمة بعين الحقِّ، ظانِّين أن ذلك مؤكد لتمام عبوديته، والحقيقة أنَ في ذلك دعوى ما ليس له، وتلبُّسًا بأمر خاص لا يصح نسبته إلا للخالق، فإنهم في نهاية مذهبهم يجعلون سمات الخلق وأحكامهم صفات الخالق، ويجعلون كمالات الخالق هي حقيقة مظاهر موجودية الخلقِ، فهذا لعمري خلط بين العبد والرب، وتنزيل لمقام الألوهية ورفع لمقام العبودية. ويا ليت قومي يعلمون!\rوأدعو الله تعالى أن يكون في هذا العمل فائدة، ودلالة إلى الحق، ومساعدة لطلابه، وأسأل الله أن يتقبله قبولاً حسناً، وأن يفتح لنا فتوح العارفين، والصلاة والسلم على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين.\rكتبه\rسعيد فودة\r*****","part":1,"page":19},{"id":63,"text":"ترجمة\rالسيد الشريف الجرجاني\r\rاسمه ولقبه:\rعلي بن محمد بن علي الحنفي الشريف الجرجاني (¬1).\rومن المشهور أنه يوصف بـ (السيِّد السَّنَد) لدقة معارفه وتحقيقاته، فإذا أطلق هذا الوصف علم أن المراد هو السيد الشريف الجرجاني.\rقال السيوطي: \"قال العيني في تاريخه: عالم بلاد الشرق؛ كان علامة دهره، وكانت بينه وبين الشيخ سعد الدين مباحثات ومحاورات في مجلس تمرلنك\" (¬2).\rمولده ووفاته:\rقال السيوطي: وأفادني صاحبنا المؤرخ شمس الدين بن عزم أن مولد\r¬__________\r(¬1) بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (911 هـ)، المكتبة العصرية - لبنان / صيدا، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، (2/ 197). أسماء الكتب، عبد اللطيف بن محمد رياض زادة (1087 هـ)، دار الفكر - دمشق/ سورية - 1403 هـ/ 1983 م، ط 3، ت: د. محمد التونجي، (1/ 96).\r(¬2) بغية الوعاة، مرجع سابق.","part":1,"page":20},{"id":64,"text":"الشريف بجرجان سنة أربعين وسبعمائة، وأنه توفي بشيراز سنة ست عشرة وثمانمائة (¬1).\rدراسته:\rقرأ على والده وبرع وكمل حاشية أبيه على المتوسط، وشرح الارشاد في النحو للتفتازاني، وشرح هداية الحكمة (¬2).\rومن مشايخه: محمد بن مباركشاه، تلميذ العلامة القطب التَّحْتاني، أرسله إليه القطب التحتاني لما ذهب إليه السيد يسأله أن يدرس عليه شرحه على المطالع في المنطق للأرموي، وقد استفاد من كتب السعد التفتازاني، وبينهما حكايات وقصص، تشتمل على نكات علمية دقيقة، ربما أكتب في بيانها وفي ذكر ما بينهما من الخلاف في العلوم والفنون، لما في ذلك من فائدة لطلاب العلم، ولكن الأمر ههنا لا يتسع إلا لنبذة في التعريف بهذا العلم الجهبذ.\rوالسيد السند قرأ الفقه والفنون الشرعية على أكمل الدين البابرتى صاحب الغاية (¬3).\r¬__________\r(¬1) بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، مرجع سابق، وأبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم، صديق بن حسن القنوجي (1307 هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت - 1978، ت: عبد الجبار زكار، (3/ 57) ..\r(¬2) أبجد العلوم (3/ 60).\r(¬3) قواعد الفقه، محمد عميم الإحسان المجدديالبركتي، طبعة: الصدف ببلشرز - كراتشي - 1407 - 1986، ط 1، (1/ 563).","part":1,"page":21},{"id":65,"text":"وكان رحمه الله نقشبندي الطريقة، أخذ عن علاء الدين العطار، عن خواجة بهاء الدين النقشبند (¬1).\rمؤلفاته:\rقال السيوطي: له تصانيف مفيدة، منها: شرح المواقف للعضد، وشرح التجريد للنَّصِير الطوسي، ويقال: إن مصنفاته زادت على خمسين مصنفًا. مات سنة أربع عشرة وثمانمائة. هذا ما ذكره العيني. شرح القسم الثالث من المفتاح، وحاشية المطوَّل، وحاشية المختصر، وحاشية الكشاف؛ لم يتم، وله رسالة في تحقيق معنى الحرف (¬2).\rوالمراد بحاشية المختصر حاشيته على شرح العضد الإيجي على مختصر ابن الحاجب الأصولي، ولم يُتِمَّها، وكذلك حاشيته على الكشاف غير تامة (¬3).\rوما ذَكَرَ مِنْ أنه شرَحَ التجريد ليس كذلك، بل كتاب السيد الشريف هو حواشٍ على الشرح القديم للتجريد، وهو شرح الأصفهاني المشهور (¬4).\r¬__________\r(¬1) فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات ج 1/ 2، عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني (1383 هـ)، دار الغرب الإسلامي - بيروت/ لبنان - 1402 هـ 1982 م، ط 2، ت: د. إحسان عباس، (2/ 915).\r(¬2) بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، مرجع سابق.\r(¬3) انظر: أسماء الكتب، عبد اللطيف بن محمد رياض زادة (1087 هـ)، دار الفكر - دمشق/ سورية - 1403 هـ/ 1983 م، ط 3، ت: د. محمد التونجي، (1/ 96).\r(¬4) أسماء الكتب، عبد اللطيف بن محمد رياض زادة (1087 هـ)، دار الفكر - دمشق/ سورية - 1403 هـ/ 1983 م، ط 3، ت: د. محمد التونجي، (1/ 96).","part":1,"page":22},{"id":66,"text":"وله كتاب الغُرَّة في المنطق، ألَّفه لابنه الشريف نور الدين محمدابن السيد الشريف الجرجاني المتوفى سنة 838 هـ، كتبها على غرار رسالة والده الذي ألفها بالفارسية، وزاد فيها السيد تحقيقات منيفة (¬1)، وشرحه قطب الدين السيد عيسى بن محمد بن عبيد الله الحسيني الصفوى المتوفى سنة 953 ثلاث وخمسين وتسعمائة شرحًا ممزوجًا، وشرحه عصام الدين بالفارسية (¬2).\rوله كتاب التعريفات، وهو مشهور.\rوله شرح الفوائد الغياثية في البلاغة للعضد الإيجي، وهو شرح ممزوج (¬3).\rومن مصنفاته رسالة الوجود وهي رسالة نادرة، كتبها بالفارسية ثم ترجمها ولده ليستفاد منها، كما وجدنا ذلك على أول صفحات المخطوط، وشرح الرسالة الشيخ محمد نور الدين الحسيني المعروف بالنور العربي المتوفي سنة 1305 خمس وثلاثمائة وسمَّى شرحه (الأنوار المحمدية في شرح رسالة الوجود للسيد الشريف الجرجاني) (¬4).\rوقد بلغت تصنيفاته خمسين كتاباً، كلها محققة مرضيَّة من العلماء، يدور عليها طلاب العلم العالي.\r¬__________\r(¬1) أبجد العلوم، (3/ 60).\r(¬2) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، مصطفى بن عبدالله القسطنطيني الرومي الحنفي (1067 هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت - 1413 - 1992. (2/ 1198).\r(¬3) أبجد العلوم (3/ 58).\r(¬4) هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، إسماعيل باشا البغدادي (1339 هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت - 1413 - 1992، (6/ 389).","part":1,"page":23},{"id":67,"text":"محاوراته مع الإمام العلم المحقِّق السعد التفتازاني:\rبحث السيد الشريف الجرجاني والإمام سعد الدين التفتازاني في الاستعارة في قوله سبحانه وتعالى: (أولئك على هدى من ربهم) الآية في مجلس تيمور، فظهر السيد عليه لفصاحته وطلاقة لسانه، وكان لسان السيد أفصح من قلمه، والتفتازاني بالعكس، والأفاضل في التفضيل بينهما على قسمين، والأكثر في جانب السعد (¬1).\rوكان السعدُالتفتازاني قد اتصل بالسلطان الكبير الطاغية الشهير تيمورلنك المتقدم ذكره، وجرت بينه وبين السيد الشريف الجرجانى المتقدم ذكره مناظرة في مجلس السلطان المذكور في مسئلة كون إرادة الانتقام سببًا للغضب أو الغضب سببًا لإرادة الانتقام، فصاحب الترجمة يقول بالأول، والشريف يقول بالثاني. قال الشيخ منصور الكازروني: والحق في جانب الشريف وجرت بينهما أيضًا المناظرة المشهورة في قوله تعالى: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة)، ويقال بأنه حكم بأنَّ الحق في ذلك مع الشريف فاغتم صاحب الترجمة ومات كمداً (¬2).\rمكانته في العلم والتحقيق:\rبلغ السيد الشريف مكانةً عالية جليَّة في التحقيق في العلوم، وقد اشتهر اسمه، ودارت على تحقيقاته أنظار العلماء الأعلام، حتى رُوي أن خواجه زاده كان يقول:\r¬__________\r(¬1) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، مصطفى بن عبدالله القسطنطيني الرومي الحنفي (1067 هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت - 1413 - 1992. (1/ 222).\r(¬2) البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، العلامة محمد بن علي الشوكاني (1250 هـ)، دار المعرفة - بيروت، (2/ 305).","part":1,"page":24},{"id":68,"text":"ما نظرتُ في كتاب أحدٍ بعد تصانيف السيد الشريف الجرجاني بنيّة الاستفادة (¬1).\rقال صديق خان القنوجي: نقل السيوطي عن شيخه محمد الكافيجي أنه قال: السيد الشريف وقطب الدين الرازي لم يرزقا علمَ العربية، بل كانا حكيمين، قال في مدينة العلوم (¬2): قلتُ: وهذا الكلام خروج عن الإنصاف، ولا يلزم من عدم انفرادهما بعلم العربية ومشاركتهما لسائر العلوم عدم معرفتهما بها، فانظر بالإنصاف ففي تصانيفهما مباحث تتعلق بالعربية، وقد عجز عنها القدماء من أرباب العلوم العربية (¬3)\rوعين البغض تبرز كل عيب *** وعين الحب لا تجد العيوبا\r\r*****\r¬__________\r(¬1) أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم، صديق بن حسن القنوجي (1307 هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت - 1978، ت: عبد الجبار زكار، (1/ 195).\r(¬2) قال صديق خان في أبجد العلوم (1/ 5): \"كتاب (مدينة العلوم) للأرنيقي تلميذ قاضي زاده موسى بن محمود الرومي شارح (جغميني) وفيه بيان أنواع العلوم وتراجم بعض علماء الفنون\".\rوقال فيه أيضا (2/ 7): \"وللأرنيقي تلميذ قاضي زاده محمود الرومي شارح الجغميني كتاب سماه (مدينة العلوم) ورتبه على مقدمة وطرفين وخاتمة\". وقد اعتمد عليه صديق خان كثيرا في أبجد العلوم.\rونُسِبَ هذا الكتابُ لطاشكبرى زاده (968 هـ)، في فهرست بعض المكتبات وذكر هناك أنه مختصر مفتاح السعادة ومصباح السيادة.\r(¬3) أبجد العلوم، (3/ 58).","part":1,"page":25},{"id":69,"text":"نص الرسالة الشريف الجرجاني في وحدة الوجود","part":1,"page":29},{"id":70,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rالحمدُ لوليِّه، والصلاة على نبيه وآله.\rاعلم -وفَّقَكَ اللهُ وإيَّانَا-: أنَّ أصحاب النَّظر لبيان مراتب الموجودات في الموجودية، مثَّلوا بالأشياء النورانية وقالوا: الأشياء النورانية في النورانية على ثلاثة مراتب:\rالمرتبة الأولى: أن يكون نورُ الشيء مستفاداً من الغير، كوجه الأرض، فإنه يضيء بشعاع الشمس عند المقابلة، ففي هذه المرتبة ثلاثة أشياء:\rالأول: وجه الأرض.\rوالثاني: الضوء الواقع عليه.\rوالثالث: المقابلة التي يستفيض بها الضوء منها.\rولا يشتبِهُ على أحدٍ أنَّ هذه الأشياء الثلاثة متغايرة، وأنَّ زوالَ الضَّوءِ من وجه الأرض ممكنٌ، بل واقع.\rالمرتبة الثانية: أن يكون نوره مُقْتَضَىً لذاتِه، كالشمس، على تقدير أن يكون ذاتها مقتضية ومستلزمة للنور، وفي هذه المرتبة شيئان:\rأحدهما: جرم الشمس.\rوالثاني: ضوؤه.","part":1,"page":31},{"id":71,"text":"وهما متغايران وإذا كان جرم الشمس مستلزما للنور على ما ذكرنا، فلا يجوز انفكاك الضوء منه، وأما بالنسبة إلى تغايرهما فيجوز تصور انفكاكهما.\rالمرتبة الثالثة: أن يكون نورُه بذاته، لا بنورٍ زائدٍ على ذاته، كالضَّوء فإنَّه مضيءٌ بذاته لا بنور آخر زائد على ذاته؛ إذ لا يخفى على عاقلٍ أن النور ليس بظلمة، ولا يحتاج في كونه مضيئًا إلى انضمام شيء آخر إليه.\rوفي هذه المرتبة شيء واحد، وهو النور، ظاهر بنفسه على أعين الناس، وما عداه مضيء به بمقدار قابليته للنور.\rوإذا تصورت هذه المقدمة في الأمور المحسوسة، فاعلم أنَّ الوجود نورٌ معنويٌّ.\rوالأشياء الموجودة أيضًا بالقسمة العقلية تنقسم في الموجودية إلى ثلاثة مراتب:\rالمرتبة الأولى: أن يكون وجودُ الشيء مستفادًا من الغير، كما هو المشهور في الماهيات الممكنة.\rففيها ثلاثة أشياء:\rالأول: ذات الماهية الممكنة.\rوالثاني: وجودها الذي هو مستفاد من الغير.\rوالثالث: ذلك الغير الذي أفاض الوجود عليها.\rولا شك في أنَّ انفكاك الوجود من مثل هذا الموجود بالنظر إلى ذاته جائزٌ، بل واقعٌ.","part":1,"page":32},{"id":72,"text":"المرتبة الثانية: أن يكون ذاتُه مقتضيًا لوجوده على وجه يكون انفكاك الوجودِ عنه محالاً، وهذا حال واجب الوجود على مذهب جمهور المتكلمين.\rوفي هذه المرتبة شيئان:\rالأول: ذات الواجب.\rوالثاني: وجودُه الذي هو مستفادٌ من ذاته.\rولا يخفى أنَّ انفكاك الوجود من هذا الموجود بالنظر إلى ذاته ممتنع، لكن تصور الانفكاك ممكن بناء على تغاير الذات والوجود.\rالمرتبة الثالثة: أن يكون ذاتُه موجودًا بوجود هو عين ذاته لا بوجودٍ مغاير لذاته كحقيقة الوجود, إذ لا شبهة في أن حقيقة الوجود في غاية البُعد من العدم، وقِياسُ بعدِها منه على قِيَاس بعدِ النورِ من الظلمة. وكما أنَّ النورَ بذاته مُنيرٌ ومحال أن يكون مظلمًا، كذلك الوجود بذاته موجود، ومحال أن يكون معدوماً.\rوفي هذه المرتبة شيءٌ واحدٌ موجود بذاته.\rوما عداه موجودٌ به، بحسب قابليته للوجود.\rكما عُلم أنَّ النُّورَ مضيءٌ، وظاهرٌ بنفسه، وما عداه من الأشياء ظَاهرٌ به.\rوههنا لا يمكنُ تصوُّرُ الانفكاكِ بين الذات والوجود؛ بناءًا على اتحادهما.\rوليست مرتبةٌ في الوجودية أعْلى من هذه المرتبة.\rوهذا حالُ واجبِ الوجود على مذهب المتقدِّمين، وعلى مذهبِ الصُّوفية المُوَحِّدِين.","part":1,"page":33},{"id":73,"text":"ومن ثمة قال المتقدمون: إنَّ واجبَ الوجود وجودٌ بَحتٌ، أي: ليس فيه شيئان؛ الأول: الذات، والثاني: الوجود الذي هو عارض للذات.\rبل الواجبُ عينُ الوجودِ الذي هو قائمٌ به.\rومذهبُ الصُّوفيِّة في اتحاد الذَّاتِ والوُجودِ مشهورٌ وهذا -أي كون الواجبِ عينَ الوُجُودِ- من المتفق عليه بينهما؛ فإنَّ بداهة العقل جازمةٌ بأن واجبَ الوجود لا بدَّ أن يكون في المرتبة العليا من مراتب الموجودات، بحيثُ لا يكون مرتبةً في الموجوديَّة أعلى وأقوى من مرتبته؛ إذ لو كانت مرتبةٌ من المراتب أعلى من مرتبة الواجبِ في الموجودية، لكانت تلك المرتبة أولى بالوَاجبِ.\rوقد علم أن المرتبة العليا في الموجودية المرتبة الثالثة، وهي: أن يكون وجودُ الشيءِ عينُه، فوجودُ الواجب لا يكونُ إلا عينَه، كما اتفقا.\rوبعد الاتِّفاق على ذلك، قال المحققون من المتقدمين، الذين هم أصحاب النظر، ومرشدُهم في طريق المعرفةِ الربَّانيةِ العقلُ قد ثبت بالبرهان أنَّ الواجبَ حقيقةُ الوجود، وقد عُلِمَ أيضًا بدلالَةِ العقولِ أنَّ واجبَ الوجودِ لا يجوزُ أن يكون أمرًا كلِّيًّا، أي: أمرَاً يَعرِض له الكليَّةُ والعُمومُ؛ لأنَّ الوجودَ الذي هو عينُه لو كان أمرًا كليٌّا لم يُتَصوَّرْ تحققه في الخارج بدون التعيُّن، فيلزمُ أن يكون الواجبُ مركبًا من الأمرِ الكلِّي والتعيُّن، وتركُّبُ الواجبِ محالٌ، كما بُيِّن في المطوَّلاتِ.","part":1,"page":34},{"id":74,"text":"بل يجب أن يكون الواجب جزئياً حقيقياً متعيناً بذاته، أي يكون تعينه عينَ ذاته، كما أنَّ وجودَه عينُ ذاتِه حتى لا يتصوَّرَ التعدُّدُ والتركبُ فيه بوجهٍ من الوجوه.\rويجبُ أن يكونَ قائمًا بذاته؛ لأنَّه لو لم يكن قائمًا بذاته يكون محتاجًا إلى الغير، واحتياجُه محالٌ.\rوإذ تقرر أنَّ وجود الواجب عينُه، فيكون الوجودُ أيضًا متعيِّنًا في حدِّ ذاته، وجزئيًّا حقيقيًّا، وقائماً بذاته؛ لأنَّ تعدُّدَ حقيقةِ الوجودِ بحسب الأفرادِ وعروضَها للماهياتِ الممكنةِ من قبيل المحالات.\rوقد تحقق من هذه المقدمات:\rأنَّ الواجب هو الوجودُ المطلَقُ، والمراد بالمُطلَق ههنا أن لا يكون عَارِضًاً للماهية، بل يكون قائمًا ومتعيِّنًا بذاته، وعاريًا عن التقيُّدِ بغَيرِه.\rوقد علم ههنا أنَّ إطلاقَ الوجودِ على غيرِ الواجب مجازٌ؛ لأنَّ الوجودَ ليس عَارضِاً ولا جزأً ولا عَيناً لغيره.\rفمعنى كون الأشياء موجودةً أنَّ لها نسبةً إلى حضرة الوجود القائم بذاته. وعليها فَيضَانٌ من حَضرةِ الوجود، لا أنَّ الوجودَ عارضٌ لها أو داخلٌ فيها.\rهذا ما عليه أرباب النظر، وبلغوا إليه بأفكار العقل.\rأمَّا المحقَقِّون من الموحِّدين فيقولون:\rإنَّ وراءَ طَورِ العَقْلِ طَوراً لا يُتَوصَّلُ إليه إلا بالمشاهدات الكَشْفِيَّة،","part":1,"page":35},{"id":75,"text":"دونَ المناظَرَات العَقْليَّة، والعقلُ عاجزٌ عن إدراكه، كعجزِ الحوَاسِّ عن إدراك المعقولاتِ، التي هي مُدْرَكات العقول.\rوقد تحقَّقَ لنا في ذلك الطورِ أنَّ حقيقةَ الوجود -الذي هو عينُ الواجبِ- ليس كليًّا، ولا جُزئيًّا، ولا عَامًّا ولا خَاصًّا، بل هو مُطلَق من جميعِ القُيود، ومعرَّىً عن قَيْدِ الإطلاق أيضاً، على قِيَاسِ ما قال أرْبَابُ العُلومِ العَقليَّة في الكليِّ الطبيعيِّ.\rوتلك الحقيقةُ تجلَّتْ وظَهَرت في الماهيات الممكنةِ والمظاهرِ الكونية الموصوفة بالوجُود، بحيث لا يخلو عنها شيءٌ من الأشياء، إذ لوشيءٌ من الأشياء خاليًا عنها لما كان متَّصِفًا بالوجود.\rوإذا اعتُبِرَتْ باعتبار الإطلاق المذكور تُسَمَّى: بالأحَدِيَّة الجَامِعة.\rوإذا اعتُبِرتْ باعتبارِ أن لا شيءَ معها من القُيودِ والتعيُّنات في مرتبة الذات، مع ملاحظة تقييدها بهذا النفي، تُسَمَّى: بالأحدية الصرفة.\rوإذا تنزلت بالتجلي الأول إلى مرتبة الأسماء والصفات تُسَمَّى: بالحضرةِ الواحدية، وحضرةِ الأَسماءِ والصفات.\rوإذا تنزلت إلى مرتبة أخرى وتجلت في مظاهر الأسماء وبمرايا الذات، تسمى: بصانع المخلوقات.\rومراتبُ المظاهرِ والمرايا متفاوتةٌ، وليست محصورةً في عددٍ ونوعٍ معيَّن.\rوكلُّ واحدٍ منها بِمقدَارِ قابِلِيَّته مظهرٌ لاسمٍ وصفةٍ من الأسماء والصفات.","part":1,"page":36},{"id":76,"text":"وأما نوعُ الإنسان: فله القابلية والمرتبة الجامعة لجميع الأسماء والصفات.\rوقوله صلى الله عليه وسلم: (خَلَقَ اللهُ آدمَ على صورته)، إشارةٌ إلى هذا المعنى، أي خَلْقُه مَظهرًا لجميعِ صِفَاته.\rوكلُّ حُسْنٍ وجمالٍ في مراتب المخلوقات، فهو بالحقيقة من حُسْنِ الصفات وجمال الذات، كما قال بعض المحققين (شعر):\rوكل جميل حسنُه من جمالها ** معارٌ، بل حُسْن كلِّ مَنيحةِ\r\rوكلُّ نُقصَانٍ ونَقِيصةٍ في المَظَاهر، فهو راجعٌ إلى قابِلِيَّاتِهم واستعدادَاتِهم.\rوهذه الطائفة من الموحدين يقولون: حقيقةٌ واحدةٌ، هي الوجودُ المطلَقُ، ظهرت في مَلْبَس الكثرةِ بقُيودٍ وتَعيُّناتٍ اعتِبَاريَّةٍ، ولهذا السببِ لا يتطرقُ إلى حقيقةِ وَحْدتِها تعددٌ ولا انقِسَامٌ. كالواحد فإنَّه مبدأُ الأعداد وأصلُها، وله الظُّهورُ في جميعِ مراتبِ الأعدَاد، ولا يتطرَّقُ إلى حقيقةِ وحدَتِه انقسامٌ قَطعًا. وكما أنَّ في جميع مراتبِ الأعداد الكثيرةِ، الغيرِ المتناهيةِ، ليس شيءٌ غير الواحدِ، كذلك في جميعِ المَظَاهِرِ الكونيَّة ليس إلا الذاتُ الوحْدَانيُّ. فتوهُّم التَّعدُدِ والتَّكَثُّرِ ليس إلا باعتبارِ التَّجلِّياتِ والتَّنَزُّلاتِ؛ إذ بها صَارتِ القُيودُ والتعيناتُ الاعتِباريَّةُ منضمَّةً إليها.\rوأمَّا أولو البصائر والألباب الذين خُصُّوا بحكمةٍ بالغةٍ وفصلِ الخِطاب؛ فقد شاهدوا وأدركوا أنَّ تلك الكَثرةَ اعتباريةٌ غيرُ متحققةٍ في نفس الأمر، وليس موجودٌ حقيقةً إلا الذاتَ الواحدة المتعالية.","part":1,"page":37},{"id":78,"text":"وحَقَّقوا أنَّ وجود الأغيار مع غيرة الواحد القهار محالٌ، وتوهُّم الغيرية باطلٌ وخَيالٌ.\rكما قال بعض الكبراء من العارفين:\rإنَّما الكَونُ خيالٌ *** وهو حقٌّ في الحقيقةْ\rكلُّ مَنْ يفهمُ هذا *** حاز أسرارَ الطَّرِيقةْ\r********","part":1,"page":38},{"id":79,"text":"حكاية\rقال السيِّد المحقق: قد اجتمعت مع صُوفِيٍّ سَلَك طريق التوحيد دائمًا، فقلت له: إذا طَلَع الشَّمسُ، يتغلَّب ضوؤها على البَصرِ بحيثُ لا يُرى كوكبٌ، مع أنَّ الكواكبَ موجودةٌ فَوقَ الأُفق. فلمَ لا يجوزُ أنْ يَغلِبَ النُّورُ الإلهيُّ على بصيرةِ أحدٍ، بحيثُ لا يَرى شيئًا من المخلوقاتِ، مع كونهم موجودين في الحقيقة، لا بطريق التوهم والخيال؟\rفقال: مَا ذَكرتَه احتمالٌ عقليٌّ، ومَوجُه في مَرتبةِ العَقْلِ.\rلكن قد تحقَّق لنا بطريق المكاشفة والمشاهدة أنْ: ليس لغير الحقِّ وجودٌ إلا بطريق التخيُّل والمجاز، فلا اعتبارَ لهذا الاحتمالِ عندنا\rوالحقُّ في ذلك ما قال بعض المحققين من العارفين:\rوكلُّ الذي شاهدته فعلُ واحِدٍ *** بمفردِه لكن محجب الأكنّة\rإذا ما زال السِّتر لم تدرِ غيرَه *** ولم يبقَ بالأَشكال إشكالٌ بريبةِ\r\rوقال: أسرارُ التوحيدِ لا تَسَعُ في العبارة كما هي، والعقلُ عاجزٌ عن إدراكِها، فإنْ ذُكِرَ رمزٌ منها فيجبُ أن يكونَ موافقًا لظاهر الشَّرعِ حتى لا يُنكرَ عليه أهلُ الظاهر، ولا يتنفَّرُ عنه الطَّالبُ القابلُ، ويزداد رغبتُه في السُّلوكِ وخدمة الشيخ.","part":1,"page":39},{"id":83,"text":"وقوله صلَّى الله عليه وسلم: (كلِّم الناسَ على قدر عقولهم) يُرْشِدُ إلى هذا الطريقِ.\rوما قاله أهل التحقيق من أنَّ إفشاء سرِّ الرُّبوبية كفرٌ، دليلٌ واضحٌ على وجوبِ كتمان سرِّ التوحيد.\rوما أحسن ما قيل (شعر):\rإني لأكتمُ من عِلمي جَواهِرَه *** كيلا يَرى الحقَّ ذو جهلٍ فيفتَتِنَا\rوقد تقدَّم في هذا أبو حَسنٍ *** إلى الحسينِ ووصَّى قبلَه الحَسَنا\rيا رُبَّ جوهرِ علمٍ لو أبُوحُ به *** لقيلَ لي: أنتَ ممَّن يعبدُ الوثنا\rولاستحلَّ رجالٌ مسلمون دَمي *** يرونَ أقبحَ ما يأتونَه حَسنا\r\rوفي كلام أمير المؤمنين علي: إنَّ بين جنبتي علمًا جمّاً: لو أبحتُ لكم به لاضطَربتُم اضطرابَ الأَرْشِيَةِ في الطَّوِيِّ البعيدة.\rونقل عن بعض الصحابة أنه قال: حفظتُ وعاءين من الحديثِ، وقلتُ بأحدهما، ولو قلتُ بالآخر لَقُطِعَتْ هذا الحلقوم والبلعوم. والعاقلُ يكفيه الإشارَةُ. وفي هذين الكلامين إشارةٌ إلى عدم جوازِ إفشَاءِ الأسْرَار. ولهذا مَنْ صرَّحَ بها على الأَفْواه صارَ مَردُوداً.\rوقال: هذا آخر الحكاية التي جرت بيني وبين الصوفي الموحد.\rوحينئذ نرجع إلى أهل كلام مَن سلك طريق النظر من المتقدمين، فإنهم اعترضوا على قول الصوفية الموحِّدين، وقالوا: إنْ كان واجبُ الوجودِ عينَ حقيقة الوجود، وهي تجلَّت في جميع الأشياء على ما قلتم، وظهرت فيها، يلزم من","part":1,"page":40},{"id":84,"text":"ذلك انقسامُ حقيقةِ الوجودِ وتكثُّرِها، وملابستها للأشياء الخسيسة والقاذورات، وكيف يجوِّزُ عاقلٌ هذا الأمر بالنسبة إلى حقيقة الواجب المنزَّه عن ذلك؟!\rوهم أجابوا: بأنَّ لزومَ الانقسامِ والتَّكثُّرِ والمخالطةِ ممنوعٌ، ألا يُرى أنَّ شعاعَ الشَّمس حين وقوعِه على وجه الأرض ليس مُنقَسمًا ومتكثِّرًا قطْعاً، بل الانقسامُ والتكثُّر لازمٌ لوجهِ الأرضِ، فإنَّك إذا اعتبرتَ الشُّعاع وحدَها مع قَطعِ النَّظر عن المحلِّ وملاحظةِ وجه الأرض، لا يتصوَّرُ فيه تعددٌ ولا انقسامٌ أصلاً.\rوجواب المخالطة أيضًا يُعلمُ من هذا المثال، فلا يخفى على عاقلٍ أنَّ نور الشمس يقع على الأشياء النجسة ولا يتنجَّس ذلك النورُ ولا يتطرق إليه نقصٌ بواسطة خِسَّةِ المحلِّ، كما أنَّه يقع على الأشياءِ الشريفةِ ولا يزيدُ شرفُه بواسطة شَرَفِ المحَلِّ، بل النورُ في كلا الحالين على حالِهِ، وشَرَفه. فتوهُّمُ النَّقصِ والشرفِ راجعٌ إلى المحلِّ.\rولو لم يقع نورُها على الأشياء الخسيسة لما كان فيضُه عامًّا كاملاً، بل ناقصًا.\r******","part":1,"page":41},{"id":85,"text":"حكاية\rاجتمع عالمٌ يسلُك طريقَ أهلِ النَّظر والكلامِ، في مجلسٍ مع عارفٍ يسلُك طريقَ أهل التصوف والتوحيد، ووقع المناظرة بينهما في مسألة التوحيد.\rفقال العالم: إني بريءٌ من الإله الذي يَظهر في الكلب والقِطِّ.\rوقال العارف: إني بريء من الإله الذي لا يَظهر فيهما.\rفأهل المجلس جزموا بأنَّ أحدهما كافرٌ قطعاً.\rقال بعض الأزكياء في توجيه كلامهما: إنَّ العالِمَ اعتقد أنَّ الكلب والقطَّ في غاية الخسةِ، والمخالطةُ والملابسةُ معهما نقصٌ جدًّا. فمقصودُه من هذا القول: إني بريء من الإله الذي يكون ناقصًا.\rوالعارف اعتقدَ أن في المخالطة والملابسة بالوجه الذي ذُكرَ في نور الشمس ليس نقصًا ونقيصةً، ولو لم يقع نورُ وجوده تعالى وتقدس على الأشياء الخسيسة، لما كان فيضه عامًّا تامًّا. فمقصوده: أنا بريءٌ من الإله الذي يكون ناقصًا، ولا شكَّ أن الناقص لا يصلح للإلهية.","part":1,"page":42},{"id":86,"text":"فلا يكون براءتُهما من الله الموصوف بصفات الكمال، ولا يلزم تكفيرُ أحدهما.\rوالسَّلام على من ابتغى الهدى، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين\rتمت الرسالة للسيد الشريف الجرجاني 1135 ه","part":1,"page":43},{"id":87,"text":"فتح الودود بشرح الرسالة الشريف الجرجاني في وحدة الوجود\rتأليف: فضيلة الشيخ د. سعيد عبد اللطيف فودة","part":1,"page":44},{"id":88,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rالحمدُ لوليِّه، والصلاة على نبيه وآله.\rاعلم -وفَّقَكَ اللهُ وإيَّانَا-: أنَّ أصحاب النَّظر لبيان مراتب الموجودات في الموجودية، مثَّلوا بالأشياء النورانية وقالوا: الأشياء النورانية في النورانية على ثلاثة مراتب:\rالمرتبة الأولى: أن يكون نورُ الشيء مستفاداً من الغير، كوجه الأرض، فإنه يضيء بشعاع الشمس عد المقابلة، ففي هذه المرتبة ثلاثة أشياء:\rالأول: وجه الأرض.\rوالثاني: الضوء الواقع عليه.\rوالثالث: المقابلية التي يستفيض بها الضوء منها.\rولا يشتبِهُ على أحدٍ أنَّ هذه الأشياء الثلاثة متغايرة، وأنَّ زوالَ الضَّوءِ من وجه الأرض ممكنٌ، بل واقع.\rالمرتبة الثانية: أن يكون نوره مُقْتَضَىً لذاتِه، كالشمس، على تقدير أن يكون ذاتها مقتضيةومستلزمة للنور، وفي هذه المرتبة شيئان:","part":1,"page":45},{"id":89,"text":"أحدهما: جرم الشمس.\rوالثاني: ضوؤه.\rوهما متغايران وإذا كان جرم الشمس مستلزما للنور على ما ذكرنا، فلا يجوز انفكاك الضوء منه، وأما بالنسبة إلى تغايرهما فيجوز تصور انفكاكهما.\rالمرتبة الثالثة: أن يكون نورُه بذاته، لا بنورٍ زائدٍ على ذاته، كالضَّوء فإنَّه مضيءٌ بذاته لا بنور آخر زائد على ذاته؛ إذ لا يخفى على عاقلٍ أن النور ليس بظلمة، ولا يحتاج في كونه مضيئًا إلى انضمام شيء آخر إليه.\rوفي هذه المرتبة شيء واحد، وهو النور، ظاهر بنفسه على أعين الناس، وما عداه مضيء به بمقدار قابليته للنور.\rوإذا تصورت هذه المقدمة في الأمور المحسوسة، فاعلم أنَّ الوجود نورٌ معنويٌّ.\rوالأشياء الموجودة أيضًا بالقسمة العقلية تنقسم في الموجودية إلى ثلاثة مراتب:\rالمرتبة الأولى: أن يكون وجودُ الشيء مستفادًا من الغير، كما هو المشهور في الماهيات الممكنة (¬1).\r¬__________\r(¬1) هذا هو التصوير المشهورُ لمذهب المتكلمين، وخصوصاً الأشاعرة، وهو مبنيٌّ على إمكان تكثُّر الوجود الإمكاني بقدرة الفاعل المختار. فإنهم يقولون: إن الماهيات الممكنةَ لا ثبوتَ لها في الخارج بنفسها، ولا يتحقق وجودها إلا بقدرة القادر الواجب الوجود، فالله تعالى يخرجُها من العَدَمِ إلى الوجود، وهي في نفسها لنفسها ليست بشيء قبل إخراجها، ولكنها تصبح شيئًا بعد=","part":1,"page":46},{"id":90,"text":"ففيها ثلاثة أشياء:\rالأول: ذات الماهية الممكنة.\rوالثاني: وجودها الذي هو مستفاد من الغير (¬1).\r¬__________\r= إخراجها، وشيئيَّتُها تثبتُ بتعلُّقِ قدرةِ الخالق لكل شيء على سبيل الدوام بها، فلو فرضنا انقطاع هذا التعلُّق، لبطل وجود الممكنات الحادث، إذ لا يستمر له وجود لأجل ذاته وحقيقته.\rوإنما وصفه السيد الشريف بأنه المذهب المشهور؛ لأن بعض المتكلمين اختار مذاهب أخرى في تصور الوجود الإمكاني، كما سيذكره لاحقًا.\rوعلى هذا التصوير للوجود الإمكاني، فإنَّ وجودَ المخلوقات غيرُ وجود الإله، والإله ليس إلهًا لعين اتصافه بالوجود، بل لكون وجوده واجباً. وهذا معناه أنه لا واجب وجود إلا الإله الحق، وأنه يغاير لحقيقة وجوده الموجودات الممكنة المحدَثة بقدرته، فحقيقة وجود الممكنات غير حقيقة وجود الواجب، والاشتراك في الوجود معنويٌّ بلحاظ المعنى المصدري، ولا يُفهم منه اشتراكٌ في الوجود من حيث الحقيقة المتحققة خارجًا.\rوعلى هذا المذهب الواضح، فلا يستلزم تعددُ الموجودات (مع اختلاف رتبها، فهناك موجود واجب واحد أحد، وموجودات متعددة متكثرة إمكانية) الشِّركَ، بل إن التوحيد إنما يكون في إثبات الوجود الواجب، ولو فرضنا عدمَ وجود الموجودات الإمكانية أو فرضنا وجودها وتحقق هذا الوجود خارجًا، فإنَّ هذا كله لا يضير ولا يؤثر في وحدانية الإله الحق، والأصل في ذلك كله اختلاف الحقيقة الوجودية الكائنة خارجًا بين الإمكان والوجوب. بينما نرى القائلين بالوحدة الوجودية، يعدُّون القولَ بتكثر الموجودات خارجا تكثُّرا حقيقيًّا على النحو السابق ذكره منافيًا للتوحيد ومضادًا له.\r(¬1) بناء على هذا المذهب، لا يثبت تغاير حقيقي خارجي بين الماهية الإمكانية وبين وجود عين تلك الماهية خارجًا، فهما أمرٌ واحد خارجًا، وإن كان العقل يجرِّد من الموجودات الإمكانية ماهيات متعددة، ويحكم عليها جميعًا بحكم واحد هو الوجود. ولذلك فقد يتصور القول بوحدة الوجود خارجًا بناء على وحدة الحكم بوجود الإمكانات المتحققة خارجًا، أي التي =","part":1,"page":47},{"id":91,"text":"والثالث: ذلك الغير الذي أفاض الوجود عليها (¬1).\rولا شك في أنَّ انفكاك الوجود من مثل هذا الموجود بالنظر إلى ذاته جائزٌ، بل واقعٌ (¬2).\r¬__________\r=\rأظهرها الباري عزَّ ذكرُه إلى حيز الوجود. والحقّ عدم التكثر ونفي التعدد خارجًا، فقولُ المصنف -رفع الله قدرَه-: (إن هناك أمورًا ثلاثة)، وعدَّد منها أولا ذاتَ الماهية الممكنة، وثانيًّا وجودَها، إن كان يريدُ أن هذا التكثر واقع خارجًا، فهذا غير صحيح، فالتكثُّر في التصورات الذهنية، فإن الذهن يفرِّق بين ماهية الممكن وبين وجوده، فيمكن أن يتصور ماهية الممكن من غير أن يحكم عليها بالوجود، ولذلك فإنَّ التكثر ثابتٌ ذهنًا لا خارجًا، فما في الخارج من الموجودات الإمكانية ليس عبارة عن أزواج مركبة من الماهيات ومن الوجودات الخاصة بكل عينٍ عينٍ من تلك الماهيات وأفرادها. بل كل فرد من أفراد تلك الماهيات الإمكانية إذا نظرت إليه خارجًا، فإنك تراه موجودًا بوجود واحدٍ تحقَّقَ في هذا الوجود الخارجي كونُه مصدوقًا للماهية الكلية ولحكم الوجود الكليين الثابتين متكثرين ذهناً، وهما متحدان خارجاً.\r(¬1) إفاضة الوجود على الماهيات الإمكانية خارجًا، معناه عند أهل السنة -وهم جمهور المتكلمين عمومًا- إيجادُ ما لم يكن موجودًا من الوجودات الممكنة الخاصة، متصوَّرةً بماهيات وصور وأشكال وهيئات معينة. وليس معناه انتقال الوجود من الواجب إلى الممكن؛ لأن ما بالذات لا ينتقل عن الذات ما دامت الذات، ولكن ذات الوجود الإمكاني قد ينعدم بعد وجوده، وقد يوجد بعد عدمه، وكلا هذين الاحتمالين متصورٌ عقلاً ومقبولٌ، لا يهددهما عارضٌ، كما يزعم بعض المتفلسفة والمتأثرين بهم.\r(¬2) المراد بانفكاك الوجود عن الماهيات الإمكانية المتحققة خارجًا، ليس انفصال أمرين كانا متحدين خارجًا، كما قد يتوهم، بل المرادُ إنما هو كون ما في الخارج مما كان محكومًا عليه بأنه موجود ومتحقق خارجًا، قد انعدم وجوده الخارجي، والباقي إنما هو تصورنا الذهني للماهية التي كانت موجودة، وهي كما تعلم كانت موجودة أيضًا حال وجوده خارجًا، وقبل انعدامه، =","part":1,"page":48},{"id":92,"text":"المرتبة الثانية: أن يكون ذاتُه مقتضيًا لوجوده على وجه يكون انفكاك الوجودِ عنه محالاً، وهذا حال واجب الوجود على مذهب جمهور المتكلمين (¬1).\rوفي هذه المرتبة شيئان:\rالأول: ذات الواجب.\rوالثاني: وجودُه الذي هو مستفادٌ من ذاته (¬2).\r¬__________\r=\rوالأمر الآخر الثابت ذهنًا بعد انعدام الموجود الإمكاني الخارجي هو مفهوم الوجود الخاص بذلك الفرد الخارجيّ، وهذا التصور كان أيضًا ثابتًا ذهنًا حال وجود الفرد خارجاً، فليس معنى الانعدامِ والفناءِ انتقالَ الممكنِ من حال الخارج إلى حال الذهن كما ترى.\rفإن تذكرنا المراد بالأمر الأول والثاني ومعنى التكثر بين الماهية والذات الإمكانية وبين وجودها الخارجي، عرفنا معنى الانفكاك بلا تكلف أصلاً، ولم يستلزم انعدام الموجود الخارجي أيَّ إشكالية قادحة في تصورات التوحيد للإله المعبود الواجب الوجود.\r(¬1) المتكلمون -وعلى رأسهم أهلُ السنة- يقولون: إن هذا الاقتضاء الثابت بين الذات ووجود الذات الواجب هو اقتضاءٌ في نظر العقل وعند الذهن، بمعنى أنَّه ليس هنا في الخارج أمرٌ ثابت يستلزم ويقتضي لذاته أمرًا آخر بحيث يكون الأول هو ذات الواجب والثاني هو وجوده، فهذا التصور غير صحيح. بل إن الذهن كما قلنا سابقًا لما كان يحصل مفهومًا خاصًّا للوجود ومفهومًا آخر للذات الثابت لها هذا الوجود، فإنه يقول: إن الذات الواجب تستلزم الوجود لنفسها؛ لأنها لو لم تستلزمه لأصبحت ممكنةً. فكما ترى يكون التغاير والاستلزام بحسب فَرض الذهن، لا بحسب الأمر في الخارج نفسه، فلا اقتضاء في الخارج بين ذات الواجب ووجوده، فهما غير متعددين ولا متغايرين كما هو معلوم من مذهبهم.\r(¬2) سبق أنَّ إطلاق الاستفادة بين الوجود والذات، إنما هو بحسب الذهن، بل إن هذا الأمر في هذا الحيِّزِ ليس على حقيقته، فليست الذات هي التي أوجدت مفهوم الوجوب، ولا هي التي أوجدت ولا استلزمت مفهوم الوجود، بل إن الذهن يشتق مفهوم الوجود والوجوب، ثم =","part":1,"page":49},{"id":93,"text":"ولا يخفى أنَّ انفكاك الوجود من هذا الموجود بالنظر إلى ذاته ممتنع (¬1)، لكن تصور الانفكاك ممكن بناء على تغاير الذات والوجود (¬2).\rالمرتبة الثالثة: أن يكون ذاتُه موجودًا بوجود هو عين ذاته (¬3)، لا بوجودٍ\r¬__________\r=\rيحكم بأن تلك الذات إن كانت واجبةً فإن وجوبها لا بدَّ أن يكون لذاتها، أي لا يصح أن تكون واجبة لسبب خارج عن الذات؛ لأنَّ هذا يناقض نفس فرض الوجوب الذي يستلزمه ملاحظة الموجودات الحادثة المفتقرة إلى ذات واجبة ينقطع بها وينتهي عندها الاعتماد في القيام والبقاء.\r(¬1) إنما استحال الانفكاك بحسب الذات، لأنه قال إن الذات تقتضي لذاته عين ذلك الوجوب، ويستحيل في العقل الانفكاك بين اللازم والملزوم الذاتي له كما لا يخفى.\r(¬2) لا يخفى بعدما مرّ أن تصور الانفكاك بين الذات والوجود إنما هو بحسب الفرض الذهني، الذي له أن يفرض جواز الانفكاك بين أيّ مفهومين متغايرين، ثم إذا حقق النظر بالعقل بحسب ما تقتضيه البراهين والأدلة، يعودُ فيربط بين ما فرض جواز الانفكاك بينهما، فهذا الانفكاك إنما هو انفكاك فَرَضيٌّ، ولذا قال المحققون: إن للذهن أن يفرض المحال الذي يستحيل أن يتحقق في نفس الأمر، وفرضه له لا يحقق إمكانه الذاتي؛ لأن الحكم بالإمكان والوجوب لا يكون بحسب مجرَّد إمكان الفرض فقط، بل إنما يثبت الوجوب والإمكان والاستحالة بحسب الأدلة العقلية لا الفرضية الذهنية.\r(¬3) يعني أن تكون ذات الله تعالى عين الوجود المطلق بلا قيد، كما سيبينه السيد المحقق. وفي هذه الحال لا انفكاك ولو ذهنًا بين الذات والوجود؛ لأن الذات هي الوجود، فلا يمكن -والحال هذه- تصوُّرُ الانفكاك حتى في الذهن، فضلاً عن الخارج. وهذا الفَرَض إنما يمكن لو صحَّ البرهان على أنَّ كون الواجب هو الوجود المطلق لا يستلزم الباطل من الأحكام والتصورات، وهيهات. ولا يردنَّ على ذهن العاقل الحكيم لمجرد عدم إمكان الانفكاك بين الوجود والذات لما ذكرناه أن هذا المذهب هو الأحق بالقبول بين أهل العقول.","part":1,"page":50},{"id":94,"text":"مغاير لذاته كحقيقة الوجود (¬1)، إذ لا شبهة في أن حقيقة الوجود في غاية البُعد من العدم، وقِياسُ بعدِها منه على قِيَاس بعدِ النورِ من الظلمة. وكما أنَّ النورَ بذاته مُنيرٌ ومحال أن يكون مظلمًا، كذلك الوجود بذاته موجود (¬2)، ومحال أن يكون معدوماً (¬3).\r¬__________\r(¬1) يريد أن يقول: إنَّ أصحاب هذا القول يلزمون أتباع المذهب السابق بأن هناك تغايرًا بين الذات والوجود، وأنَّ الذات تستلزم الوجود، فهو موجود بوجود مغاير لذاته. والتحقيق كما بيناه أنه لا تغاير في ظرف الخارج ونفس الأمر، وإنما التغاير بحسب تصور الذهن وانتزاعه المفاهيم المختلفة لاختلاف الحيثيات، لا لاختلاف الذوات والحقائق، فضلاً عن تغايرها في نفس الأمر.\r(¬2) ومع أن بعض الناس يتلقَّوْنَ هذه القضية على أنها مسلمة أو أولية، فيقولون: إن الوجود موجودٌ بذاته، ولا يحتاج إلى أن ينسب إلى ذات لكي يتحقق في الخارج، إلا أنها من العويصات المحتاجات إلى براهين، بل إذا نظرنا فيها مال بنا النظر والعقل، بل القلب أيضًا، إلى أنَّ محض الوجود ومطلقه لا يمكن أن يتحقق بذاته لذاته ليكون موجودًا بنفس كونه وجوداً، بل بقيد كونه واجبًا مثلا، وواحدًا أحداً مثلاً وهو اللازم عن الوجوب أو المتضمِّن فيه على الاختلاف في التحليل والتعليل بين أئمة المنقول والمعقول، وهكذا، فإنَّا لا نرى أن هذه القضية القائلة بأن الوجود موجود بنفسه هينة القبول، ولا بينته.\r(¬3) نعم الوجود يستحيل أن يكون بالنظر إلى كونه وجودًا معدومًا بالنسبة للحاظ المفاهيم، ولكن بالنظر في الخارج، فإننا لو سئلنا عن نفس الوجود بما هو متحقق خارجًا، فقلنا: هل هذا المدَّعى ثابت، أو غير ثابت؟ فبهذا النحو من النظر والتحليل يمكن أن يتصور أن يقال: إن الوجود المطلَق أو محضَ الوجود غيرُ موجود، أي إنه معدوم، وليس هذا مستلزمًا للجمع بين النقيضين كما هو ظاهر، فإنَّا نحكم على ما يفرض كونه موجودًا، وليس كذلك، بأنه غير موجود، بل معدوم في ظرف الخارج، وهذا لا يستلزم أن يجتمع الوجود والعدم في الخارج، بل غايةُ ما يستلزمه الحكم على مفهوم الوجود المدَّعى تحققه في الخارج أنه معدوم، فالذهن يحكم على الوجود بأنه معدوم وغير واقع في الخارج، فاختلفت الجهتان، وانفك منشأ البطلان.","part":1,"page":51},{"id":95,"text":"وفي هذه المرتبة شيءٌ واحدٌ موجود بذاته (¬1).\rوما عداه (¬2) موجودٌ به، بحسب قابليته للوجود (¬3).\r¬__________\r(¬2) يعني أنه لا يوجد في هذه المرتبة إلا وجودٌ واحد، ويستحيل تعدد الوجود وتكثره. وإطلاق الموجودية على الوجود المطلق محلُّ نظرٍ؛ لأن نسبة الوجود إلى نفسه لا وجهَ لها، إذ لا نسبة بين الوجود ونفسه غيرُ نفسه، فكان الحاصل أنَّ الوجود منسوبٌ إلى ذاته، وفيه ما فيه، إلا أنهم أجازوها على اعتبار أنَّ تحقق الوجود المطلق في الخارج على ما زعموا كافٍ لإطلاق اسم الموجود عليه.\r(¬3) ما عدا الوجود لا يكون في ذاته إلا عدمًا محضاً، فما يقابل الوجود على طريقة هؤلاء هو العدم. ولا يتوهمنَّ أحدٌ أنَّ هناك أمرًا يقابل الوجود وله وجودٌ غير الوجود المطلق الواحد الأحد الذي لا يتعدد.\r(¬4) فكل ما يقال عليه إنه (موجود) فلا معنى لموجوديته هذه إلا أنَّ له -أي لهذا المقابل للوجود المطلق- نسبةً ما للوجود. فباعتبار هذه النسبة للوجود المطلق، يكون غيرُ الوجود مما هو عدمٌ في نفسه موجُوداً، فموجوديته ما هي إلا نسبةٌ اعتباريةٌ إلى الوجود المطلق، فليس ما قيل إنه غير الوجود المطلق متحقِّقًا له الوجود إلا بانتسابه إلى الوجود المطلق، فثبوته في الخارج معناه انتسابه وهو في عين العدم إلى الوجود المطلق، وليس معناه خروجه من العدم إلى الوجود، وهذا المعنى صادق مطلقا في حقِّ كل موجود، فلا تحقُّقَ لوجود حادث عند من يقول إن كل ما سوى الله تعالى فهو حادث كما هو مذهب أهل الحقِّ، ولا قديم كما لا يخفى.\rوأمَّا قوله بحسب قابليته للوجود، فكان ينبغي أن يقول: بحسب قابليته للموجودية لا للوجود، بناءً على مذهب أهل الوحدة؛ لأن الوجود لا يكون مقبولاً لشيء غير نفسه إذا صحّ كونه كذلك، أي قابلاً لنفسه، فلا معنى لهذا التعبير -أي قابلية الوجود لنفسه- إلا أنَّ الوجود المطلق متحققٌ. وأمَّا غيره فلا يقبل الوجودَ الحقَّ أصلاً؛ لأنَّه عدمٌ في نفسه، والعدمُ لا يقبل الوجودَ الحقَّ، فلا معنى لقابليته للوجود إلا قابليته الانتساب إلى الوجود الحق، أي قابليته ليكون اعتبارًا من اعتبارات الوجود الحق المطلق، وهذه هي قابليته للموجودية.","part":1,"page":52},{"id":96,"text":"كما عُلم أنَّ النُّورَ مضيءٌ، وظاهرٌ بنفسه، وما عداه من الأشياء ظَاهرٌ به (¬1).\rوههنا لا يمكنُ تصوُّرُ الانفكاكِ بين الذات والوجود؛ بناءًا على اتحادهما (¬2).\rوليست مرتبةٌ في الوجودية أعْلى من هذه المرتبة (¬3).\r¬__________\r(¬1) وقد احتاج المصنف ههنا إلى إعادة التذكير بمثال النور؛ لئلا يُتَوهَّم أنَّ قابلية الوجود كون غير الوجود وجودًا، فهذا محال، فما كان غيرًا للوجود يبقى على ما هو عليه في الأزل وفيما لا يزال، ولكن الموجودية الثابتة لهذا الغير ما هي إلا مجردُ اعتبارٍ وانتسابٍ إلى الوجود المطلق، كما يحدُثُ هناك تناسبٌ بين النُّور والمنوَّر، ولا ينقلب النور إلى المنوَّر كما لا ينقلب المنوَّر إلى النور، وكما لا يتأثر النور بالمنوَّر خِسَّةً ولا شَرَفاً، على ما قرَّره المصنف من مذهب هؤلاء.\rومعنى ظهور الغير بالوجود المطلق ههنا ليس إلا انتساب الغير وهوعلى حاله -عدم محض- إلى الوجود المطلق، نسبةً لا تضفي عليه وجودًا مخترعًا، إذ الوجود واحد واجب، والواجب لا يخترع، ولا يكون له ثانٍ من حقيقته؛ لأن الواجب لا يتعدد، فمعنى ظهورِ الغيرِ به مجردُ انتسابِ الغير وهو غير له، أي انتساب العدم وهو عدم إلى الوجود المطلق، ولا يكون ذلك كما سنرى إلا بأن الوجود يظهر في حكم ذلك الغير، فما ظهر-في الحقيقة- إلا الوجود، وكلُّ ما سواه عدمٌ محضٌ لا ظهور له. ولا معنى لاختراع الواحد الأحد للعالم عند هؤلاء إلا أنَّه يظهر بأحكامِ ما هو عدمٌ محض، فإنَّ نقلَ العَدَمِ إلى حيِّز الوجود محال، كما تحقق عندهم، واختراع الوجود محالٌ؛ لئلا يلزم تعدد الواجب. ولذلك يتحصل عندهم أن إطلاق اسم الموجودية على غير الواجب ليس إلا من قبيل الانتساب الاعتباري إلى الوجود، وإطلاق اسمُ الوجود على غيره ليس إلا على سبيل المجاز والخيال لا الحقيقة.\r(¬2) نعم لا يمكن تصور الانفكاك بين الوجود وذات واجب الوجود؛ لأن ذاتَ واجبِ الوجود على مذهبهم عينُ الوجود المطلق. والاتحاد المذكور المراد به العينية المطلقة، لا اتحادًا بين أمرين كما ظهر.\r(¬3) نعم لو ثبتَ أنَّ عين الواجب هو عينُ الوجود المطلَق الواحد الذي لا يتعدد ولا يتكثر، لثبت أنَّ هذه المرتبة أعلى المراتب، بل لا يمكن غيرها من المراتب، إذ كلُّ ما سواها خيال في خيال.=","part":1,"page":53},{"id":98,"text":"وهذا حالُ واجبِ الوجود على مذهب المتقدِّمين (¬1)، وعلى مذهبِ الصُّوفية المُوَحِّدِين (¬2).\r¬__________\r=\rولكن لا دليل على ثبوت هذه المرتبة إلا مجرد ما يقال إنه الكشف، وإلا بعض الاستدلالات التي يشوبها كثير من المغالطات.\r(¬1) المرادُ بالمتقدمين هنا الفلاسفة، إذ من المشهور من مذهب الفلاسفة أنَّ الوجودَ عينُ الواجب، وأنَّ الواجبَ هو الوجودُ المطلق. ولكن يوجد اختلاف بين مذهب الفلاسفة بعد ذلك وبين المذهب الذي يسمِّيه بمذهب الصوفية، وإنما هو منسوبٌ إلى بعض الصوفية، ولا يصحُّ نسبته إلى مطلق الصوفية هكذا كما فعل السيد المحقق وغيره، لئلا يتوهم كما صار يتوهم أن مطلق التصوف يقتضي هذا المذهب، وليس الأمر كذلك، بل يوجد كثيرٌ جدًّا من الصوفية لا يقولون بهذا المذهب الذي قال به هؤلاء، بل نستطيع أن نقول بكل ثقة: إنَّ الأكثرَ من الصوفية خالفوا هؤلاء فيما ذهبوا إليه.\r(¬2) لقد ذكرنا أنَّ ما ينسبه من مذهبٍ ههنا إلى الصوفية إنما يصح نسبته إلى بعضهم، لا إلى الصوفية من حيث هم صوفية، لئلا يتوهم أن التصوف في ذاته يقتضي هذا المذهب. والسيد المحقق غير غافل عن ذلك، ولكنه يسميه بمذهب الصوفية باعتبار كونه شائعًا تسميتُه كذلك، لا من حيث إن التصوف يقتضيه في نفسه.\rوقد يَتوهَّمُ متوهمٌ أنَّ هذا المذهب إنما يُسمى بمذهب الصوفية لأن من قال به ليس إلا الصوفية -أي بعضهم-، أي لم يقل به إلا هؤلاء الصوفية دون غيرهم، وهذا التصور باطلٌ، إذ تحقق أن القائل به قد يكون صوفيًّا أو فلسفيًّا، بل قد يكون فيلسوفًا نافيًا لوجود الإله الحق. وعلى رغم أنَّ هناك خلطًا كبيرًا بين تصور هؤلاء وبين تصور الملاحدة النافين للإله، فقد يظهر للبعض أن الاختلاف بينهما ما هو إلا اختلافٌ لفظي؛ لأن الاثنين يثبتان الوجود المطلق ويثبتان ظهور هذا الوجود بمظاهر الممكنات، ولكن أحدها يسميه إلهًا، والآخر يقول إنما هو عين هذا العالم. غاية الأمر أنَّ أحدهما يزعم: أن هذه العوالم غير موجودة في الحقيقة، وأن وجودها مجردُ خيال لنا، والآخر يقول: بل وجودها هو الحق، ووجود الإله المزعوم وراءها هو الخيال، فاشتركا في الأصول واختلفا في الفروع، والحقيقة واحدة. =","part":1,"page":54},{"id":99,"text":"____________\r=\rوقد وقفت قليلاً عند هذه العبارة (وعلى مذهب الصوفية الموحِّدين)، حيث يمكن أن يتوهم منها أن كل الصوفية قائلون بوحدة الوجود، المعبَّر عنه بمذهب التوحيد، ولكن الصفة ههنا ليس كاشفة عن حقيقة الصوفية، بل هي مقيِّدة للصوفية المذكورين المرادين من كلام السيد الشريف، فيكون الحاصل أن بعض الصوفية قائلون بهذا المذهب الذي يوسم أحيانا بأنه مذهب التوحيد، ويُعنى (مذهب وحدة الوجود).\rوتحقيق الأمر أنَّ القائل بهذا المذهب من الصوفية أكابرُ المنتسبين إلى ابنِ العربي الحاتمي، كما هو مشهورٌ، وقليلٌ من الصوفية المتقدمين ممن قد يظهر من كلماتهم بعضُ هذه المعاني، ولكن الذي يصرِّح بها ويحققها ويستدلُّ لها وينقحها هو ابنُ عربي الحاتمي صاحب الفصوص والفتوحات وغيرها من الكتب المشهورة بين الناس. وقد سَارَ على طريقته -أيضاً- غيرُ واحدٍ من أتباعه وممن تأثَّر به، كالصَّدْر القونوي وابنِ الفارض وغيرهما. ولكن كثيرًا من أكابر الصوفية ينكرون هذه الطريقة ويزعمون أنها طريقة الملاحدة، وأنها منحرفة عن نهج أهل الحق. ولهذا الاختلاف جعل بعض أهل السنة كالإمام الشَّعراني لما شاهد الاختلاف بين الطريقتين يحاول التوفيق بينهما بشق النَّفْس وبكل طريقة ممكنة؛ بناءًا على إحسان ظنه بهؤلاء الأكابر، فتارةً تراه يقول: إنَّ هناك دسًّا في كتبِ القوم، وتارةً يقول: إن المخالفين لهم فهموهم على غير مُرادِهم، والواجبُ تأويل كلامهم وما يظهر منه مخالفةُ لأهل الحق -الأشاعرة والماتريدية-، بما يوافق كلام هؤلاء.\rوالحقُّ أن طريقة التأويل توقعه وغيره في حرج عظيم؛ لأنه إن أمكن تأويل بعض الكلمات، استحال تعميم هذا على بقيتها.\rوأمَّا دعوى الدسِّ عند الإمام الشعراني وغيره من الأكابر الذين يحسنون الظنَّ بابن عربي وبرجال مدرسته، فقد اعتمد الإمام الشعراني على أمرٍ غير كافٍ في نظرنا. وخلاصة الأمر أن الإمام الشعراني لما شاهد كثرة المخالفات الموجودة في كتب ابن عربي، وخصوصًا الفتوحات المكية، حاول تأويل بعضها، ورأى أن تأويل الآخر وجعلها موافقة لمذهب أهل السنة -الأشاعرة والماتريدية- صعبٌ عويصٌ، وبعد التفتيش وجدَ نسخة أخرى وحيدة في القطر المصريّ من الفتوحات لا يوجد فيها ما يخالف مذهب القوم، فقال: إن هناك دساً في النسخ المشهورة للفتوحات! =","part":1,"page":55},{"id":100,"text":"_______________\r=\rوالحقيقةُ التي تظهر لنا أنَّ دعوى الدس في جميع هذه النسخ المشهورة صعبٌ مستصعبٌ، لاسيما والحال أن النسخ المشهورة بين أيدي الناس منذ قرون هي التي قوبلت على النسخة القونية التي عليها خطُّ ابن عربي نفسه، وقد قرأها عليه تلامذته مثل القونوي، وأهداها ابن عربي لتلميذه الصدر القونوي، وما زالت موجودة حتى الآن في قونية في تركيا، ولذلك يطلق عليها اسم النسخة القونية. وهذه النسخة وثيقة جدًّا، ويبعد جدًّا، بل يستحيل عادةً، حصول الدس فيها. وفضلاً عن ذلك فإنَّ كثيرًا من الشرَّاح القريبين من زمن ابن عربي والذين كتبوا شروحًا لبعض كتبه كالفصوص لم نجدْ في شروحهم المعتمدة والمتن الذي اعتمدوا عليه خلافات ولا زيادات ولا نقصًا يؤثر في المعاني بحيث يقلبها ويجعلها موافقة لما عليه اهل السنة، وبعض هؤلاء كان ممن عاصر ابن عربي وتتلمذ عليه كالجندي صاحب أقدم شرح من شروح الفصوص، وهو تلميذ الصدر القونوي أيضًا تلميذ ابن عربي. بل إنني استقريت شرح العلامة الملا الجامي فوجدته في أكثر من ثلاثين موضعًا من أول شرحه على الفصوص إلى آخر شرحه يؤكد أنه قابل نسخته على النسخة التي علها خطُّ ابن عربي نفسه، ولم يكن يذكر من الاختلافات إلا اليسير اليسير مما يغتفر ولا يؤثر في المعاني الأصلية.\rوالذي خلصتُ إليه: أن النسخة التي وجدها العلامة الشعراني هي نسخة عن الإخراج الأول لكتاب الفتوحات المكية، وهذه النسخة القديمة التي انتهى منها في عام 626 م، وانتشرت عنها بعض النسخ، ثم ظلَّ ينقح فيها ويقرأها على تلامذته ويراجعها ويحققها حتى أتمها على الوجه الذي يقبله في النسخة النهائية للفتوحات، وكان ذلك في عام 636 م، أي قبل وفاته بنحو عامين اثنين، وتلك النسخة المنقحة المزيدة هي التي اعتمدت طبعًا، وانتشرت عنها النسخ الكثيرة، وتداولتها أيدي الناس، وهي النسخة القونية التي عليها خط ابن عربي وأسماء مَنْ سمعها عنه، وهي التي ما زالت موجودة حتى الآن في قونية، وهي عين النسخة التي اعتمد عليها العلامة الأمير عبد القادر الجزائري لما اعتنى بإخراج كتاب الفتوحات المكية وقام بطباعتها وأخرجها في أربعة مجلدات، وهذه النسخة هي المتداولة كثيرًا بين أيدي الناس في زماننا، وأصلها تلك النسخة القونية الوثيقة الموثقة. وهي التي أصدرتها دار صادر وأحيانًا أعيد طباعتها تصويرًا بدار المعرفة وغيرها. =","part":1,"page":56},{"id":101,"text":"ومن ثمة قال المتقدمون: إنَّ واجبَ الوجود وجودٌ بَحتٌ، أي: ليس فيه شيئان؛ الأول: الذات، والثاني: الوجود الذي هو عارض للذات.\rبل الواجبُ عينُ الوجودِ الذي هو قائمٌ به (¬1).\rومذهبُ الصُّوفيِّة في اتحاد الذَّاتِ والوُجودِ مشهورٌ (¬2).\rوهذا -أي كون الواجبِ عينَ الوُجُودِ- من المتفق عليه بينهما؛ فإنَّ بداهة العقل جازمةٌ (¬3) بأن واجبَ الوجود لا بدَّ أن يكون في المرتبة العليا من مراتب\r¬__________\r=\rوهذا الأمر هو الذي يفسر وجود اختلافات بين النسخة التي وجدها الشعراني وبين النسخ المتداولة بين أيدي الناس، ويفسر أيضًا لمَ لمْ يوجد في القطر المصري غير تلك النسخة (التي كانت منسوخة عن الإصدار الأول للفتوحات)، فإنَّ الناس عادة لا يهتمون بنَسْخ الإصدار الأول غير المنقح وغير المعتمد للمؤلفات، بل يعتنون بإعادة نسخ وتسويق الصورة الأخيرة التي اعتمدها المؤلف ونقحها وزاد فيها، وهذه هي النسخة القونية.\rهذا هو تفسيرنا باختصار، ويمكن الاسشتهاد له بالتتبع والمقارنة بين النسختين وبين ما نقله العلامة الشعراني. ولكن هذا القدر على إيجازه كافٍ للباحث النبيه.\r(¬1) الوجود عند الفلاسفة المتقدمين هو عين الوجود المطلَق كما وضَّحه السيِّد المحقق، وقولهم: (إنه ليس في واجب الوجود شيئان اثنان الأول الذات والثاني الوجود)، لا يفهم منه -وإن أفهم- أنَّ المتكلمين يقولون إنَّ واجب الوجود يتألف من شيئين اثنين خارجًا هما الذات والوجود؛ لأنَّ ما في الخارج من واجب الوجود موجودٌ واحدٌ لا تعدَّد فيه ولا ازدواج في عينه.\r(¬2) يعني إنَّ الصوفية من أتباع ابن عربي الحاتمي -وهم المقصودون بالصوفية في هذه الرسالة كما علمتَ- يوافقون الفلاسفةَ المعبَّرَ عنهم بالمتقدمين أو القدماء، في القول بأنَّ حقيقةَ الواجبِ هي الوجودُ المطلق، فهذا الأمر من الأمور المتفق عليها بين الفريقين.\r(¬3) هذا شروع من المصنف السيد المحقق -رفع الله قدره- في بيان الطريق الذي لأجلها التزمَ أهلُ=","part":1,"page":57},{"id":103,"text":"الموجودات، بحيثُ لا يكون مرتبةً في الموجوديَّة أعلى وأقوى من مرتبته؛ إذ لو كانت مرتبةٌ من المراتب أعلى من مرتبة الواجبِ في الموجودية، لكانت تلك المرتبة أولى بالوَاجبِ (¬1).\rوقد علم أن المرتبة العليا في الموجودية المرتبة الثالثة، وهي: أن يكون وجودُ الشيءِ عينُه، فوجودُ الواجب لا يكونُ إلا عينَه، كما اتفقا (¬2).\r¬__________\r= وحدةِ الوجود الذين يُطلِقُ السيدُ الشريف عليهم لقبَ الموحدين، وهم أتباع مدرسة ابن عربي: أنَّ حقيقةَ الواجبِ هي الوجودُ المطلَق عن كل قيدٍ كما سيقرره.\r(¬1) نعم يجبُ اتفاقاً بين الفلاسفة والمتكلمين أن يكون الواجب في أعلى مراتب الوجود، ولا ينبغي أن يكون في الإمكان تحققُ وجودٍ أقوى من وجود الواجب؛ لأن هذا مبطلٌ لحقيقة الواجب، ومبطلٌ لحقيقة كونه أغنى الموجودات وأكملِها، وأنَّ جميع الكائنات محتاجةٌ إليه، فكيف يكون كذلك وهو أقل من غيره في مرتبة الوجود؟\r(¬2) في هذه المقدِّمة قد يقع الخلافُ، فمن أين الدليلُ على أنَّ هذا التصوُّر الثالثَ الذي وضحه في كلامه السابق، هو أعلى مراتب الوجود؟ ألا ينبغي قبل الحكم عليه كذلك أن يبيِّن أن هذا التحقق ممكنٌ في العقل فعلاً! ألا ينبغي أن يدلَّ الدليلُ على أنَّ هذه الحقيقة الوجودية حاصلةٌ فعلاً وليست مجردَ فَرَضٍ يفرضُه الفارضون ثم يعلِّقُونه أحيانًا على أدلَّة هي في حقيقتها مجرَّدُ شبهات بقيعة، يسمونها براهين، وهي تشتمل على مغالطات، وأحيانًا على مكاشفات وكشوفات يقينية.\rثمَّ كيف يمكن للحقيقة التي يقولون بها أنْ تُعارِضَ ما نتحققه بحواسنا وحقيقة وجودنا الذي لا نحتاج في البرهان عليه إلى دليل!\rومن أين يثبت أنَّ وجود الواجب هو عينُ ذلك الوجود المطلق، والحال أنّ هذا مستلزم لأمورٍ لا تليق بالواجب الوجود ولا بصفاته الواردة في الشرائع والأحكام التي أقامت عليها العظماء الأدلة والبراهين؟ مثل تحقق وجود الموجودات بالبداهة، وعدم الحاجة في ذلك إلى دليلٍ ولا برهان. فكلُّ ما يعارضه فهو المحتاج إلى تقريرٍ وبيانٍ. ومثل كون الله تعالى مخرجًا للكلِّ من ظُلمةِ العَدَمِ إلى نورِ الوجود، أي إنَّ الله تعالى هو الذي أبدع وجودات الممكنات. ونحو=","part":1,"page":58},{"id":104,"text":"وبعد الاتِّفاق على ذلك، قال المحققون من المتقدمين، الذين هم أصحاب النظر، ومرشدُهم في طريق المعرفةِ الربَّانيةِ العقلُ (¬1):\rقد ثبت بالبرهان أنَّ الواجبَ حقيقةُ الوجود (¬2)، وقد عُلِمَ أيضًا بدلالَةِ العقولِ أنَّ واجبَ الوجودِ لا يجوزُ أن يكون أمرًا كلِّيًّا (¬3)، أي: أمرَاً يَعرِض له الكليَّةُ والعُمومُ (¬4)؛ لأنَّ الوجودَ الذي هو عينُه لو كان أمرًا كليٌّا لم يُتَصوَّرْ تحققه\r¬__________\r= هذه المقررات والقضايا المسلمات بين أهل الشريعة. فكيف يقال: إنَّ القول بأن حقيقة الواجب هي الوجود المطلَقُ المستلْزِمُ لعدم وجودِ غيرِه من الممكنات، والمستلزم لقيام أحكام الممكنات بعين ذات ذلك الوجود المطلَق هو القول الحقّ والكلام الصدق؟\r(¬1) يريد بهم الفلاسفة المتقدمين، وحاصلُ الفرق بين مذهبِ الفلاسفة ومذهبِ أهل الوحدة الوجودية، أنَّ الوجود عند الفلاسفة جزئيٌّ حقيقيٌّ متعيِّنٌ بتعيُّنٍ هو عينُ ذاته، وأمَّا الوجودُ عند أهل الوحدة الوجودية فهو ليس بكليٍّ ولا جزئيٍّ، ولا عامٍّ ولا خاصٍّ، وبالجملة هو اللامتعين الصرف. انظر: تعليقات الآشتياني على شرح فصوص الحكم لداود القيصري، ص 34، تعليق رقم 105.\r(¬2) أي إنَّ الواجبَ هو الوجودُ المطلَق، وقد سَبَق أنه لا برهانَ على هذا، بل مجرَّدُ تقريبٍ وتمثيلٍ ودَعْوَى عاريةٍ عن البُرهان.\r(¬3) نعم إنَّ واجبَ الوجودِ من حيث هو متقررٌ خارجًا ومتعيِّنٌ في الوجودِ، لا يجوزُ عليه الكليَّة، ولكن هذا لا يمنع أن يكون مفهومَ واجب الوجود في نفسه كليًّا، أي يجوزُ للذهنِ أن يفرض مجرَّدَ فَرَضٍ ذهنيّ تعدُّدَه وإمكانَ صدقه -غيرَ المتوقف على البرهان، وغيرَ المشروط به- على كثيرين، إلى أن يقوم البرهانُ الواضحُ على التوحيد، فيقال بقطع التعدد خارجًا، ولا يمنع ذلك أن الذهنَ لا يزال بإمكانِه فرضَ أكثرِ من واجب وجودٍ.\r(¬4) نعم حقيقة الواجب هو أمرٌ لا يعرِضُ له في الخارج الكليَّة والعموم، وهذا صادق أيضًا على مذهب أهل السنَّة من الأشاعرة، ولكن ذلك لا يستلزم أنَّ مفهوم الواجبِ أمرٌ ينافي إمكانَ فَرض صدقِه على كثيرين؛ لما قرّرنا سابقًا من أنَّ إمكانَ الفَرَض غيرُ متوقِّفٍ على برهان=","part":1,"page":59},{"id":105,"text":"في الخارج بدون التعيُّن (¬1)، فيلزمُ أن يكون الواجبُ مركبًا من الأمرِ الكلِّي والتعيُّن (¬2)، وتركُّبُ الواجبِ محالٌ، كما بُيِّن في المطوَّلاتِ.\rبل يجب أن يكون الواجب جزئياً حقيقياً متعيناً بذاته، أي يكون تعينه عينَ ذاته (¬3)، كما أنَّ وجودَه عينُ ذاتِه حتى لا يتصوَّرَ التعدُّدُ والتركبُ فيه بوجهٍ من الوجوه (¬4).\r¬__________\r= الإمكان في نفس الأمر، بل على مجرَّد التقدير الذهني، وللذهن -كما اشتهر- أن يقدر المحالَ، ولكن مجرَّد تقديره لا يحققه ولا يستلزم أنَّه غير محال.\rأمَّا لو صَدَق الواجب على أكثر من واحد في الخارج، لكان الواجب متعددًا خارجًا، وهذا محالٌ، ويمكن الاطلاع على تفاصيل مفيدة تتعلق بذلك بيناه في كتابنا (رفع الاشتباه عن كلية لفظ الإله).\r(¬1) لو قلنا إنَّ الكليَّ محالُ الوجود في الخارج، يصح ما ذكره السيِّد المحقق، وهذا مبنيٌّ على أنَّ الذي يصحُّ وجودُه خارجًا إنما هو المتعيِّن، ولكن الذي يخالف في هذا لا يوافق ما قرّره أصحابُ هذا القولِ.\r(¬2) لو قلنا: إنَّ الكليَّ لا يوجدُ إلا متعيِّنًا، والحالُ أنَّ التعيُّن يبطلُ كليته، فهذا معناه أنَّ الموجودَ في الخارج إنما هو المتعيِّن لا الكليّ.\rثم إنَّ التعيُّنَ هل هو أمرٌ وجوديٌّ زائدٌ على ما يعيِّنه أو هو نفسه؟ إن كان زائدًا، أي مُغايرًا له، فيلزم التركُّبُ كما قالوه، ولكن إثبات أنَّ التعيُّنَ أمرٌ زائدٌ مغايِرٌ للمتعيِّن يحتاجُ إلى أدلةٍ وبراهينَ وكلامٍ أوضح بكثير مما أوردوه.\r(¬3) لا يلزم أن يكون تعينه عين ذاته، بل غايةُ ما يلزم ألا يكون غيرُ ذاته بحيث يتوقف التعين عليه ليلزم الافتقار، أمَّا العينِيَّةُ فلا، ولكنَّ الواجبَ المطلَقَ تعيُّنه لازمٌ عن ذاته بالضرورة، بغضِّ النَّظر عن كونِه عينَها.\r(¬4) عدمُ جوازِ التركُّب في الواجب بوجهٍ من الوجوه: إنْ قُصِدَ في الخارج فحقٌّ، وإنْ أريد مطلقًا فلا؛ لأنَّ هذا شاملٌ للواجب الوجوب بحسب الذهن وبحسب الخارج، والواجبُ عند=","part":1,"page":60},{"id":106,"text":"ويجبُ أن يكونَ قائمًا بذاته؛ لأنَّه لو لم يكن قائمًا بذاته يكون محتاجًا إلى الغير، واحتياجُه محالٌ (¬1).\rوإذ تقرر أنَّ وجود الواجب عينُه، فيكون الوجودُ أيضًا متعيِّنًا في حدِّ ذاته، وجزئيًّا حقيقيًّا، وقائماً بذاته؛ لأنَّ تعدُّدَ حقيقةِ الوجودِ بحسب الأفرادِ وعروضَها للماهياتِ الممكنةِ من قبيل المحالات (¬2).\r¬__________\r= الذهن -كما عند المتكلمين من أهل السنة- ذاتٌ ثَبَتَ لها الوجودُ الواجب، المستحيلُ الانفكاك عنها -كما تقرَّرَ-، وهذا المعنى يزعم الفلاسفة ومَنْ وافقهم من أهل الوحدة الوجودية أنَّه تركيبٌ يستلزم الافتقار، المنافي لوجوب الوجود، ونحن لا نوافقُ على ما يقولون في هذا المقام؛ فإن ما يسمُّونَه تركُّبًا ذهنيًّا لا يستلزمُ التركُّبَ الخارجيَّ، المستلزِمَ للافتقار، المنافي لوجوب الوجود؛ لأن ما في الخارج واحدٌ وحدةً حقيقيةً عندنا، لا تركُّبَ فيه ينافي الغنى.\r(¬1) نعم هذا حقٌّ، فواجب الوجود لا يفتقر إلى غيره في القيامِ ولا في الوجودِ معاً، فضلاً عن البقاء، وهذا معنى الغنى والقيام بالذات عند أهل السنة.\r(¬2) إنَّما كان تعدُّدُ الوجودِ من قبيل المحالات عندهم؛ لأنَّ حقيقةَ واجبِ الوجودِ هي الوجودُ على ما زعموا. وبناءًا على ذلك فلو قيل بتعدد الوجود لقيل بتعدد الواجب، وهو محالٌ عندهم قطعًا، ولذلك فإنَّ مذهب وحدة الوجود ينتج بالضرورةِ استحالةَ وجودِ أيِّ موجودٍ غيرِ الله تعالى، وهذه الاستحالةُ شاملةٌ لنفي الإله الآخر، المفروض أنه واجبُ الوجود، وشاملةٌ أيضًا لنفي أيِّ مخلوقٍ من المخلوقات الممكنة التي تتعلَّق بها قدرة الله تعالى على مذهب أهل السنة القائلين بأنَّ القدرة تتعلق بأصل الإيجاد، كما أن الممكن ينعدمُ إذا انتفى وانقطع التعلُّق الإمداديُّ للقدرة بالممكن. فهذا الكلام كلُّه باطلٌ على مذهب الصوفية القائلين بوحدة الوجود؛ إذ لا يمكن أن تتعلَّق قدرةُ الله تعالى إلا بأن تظهر بأحكام الممكنات، أمَّا أن توجِدَ ما هو ممكنٌ بوجود خاصٍّ بهذا الممكن بحيث يكون هذا الوجودُ الإمكانيُّ الخاصُّ ممكنًا أيضاً، فهذا الكلامُ كلُّه عند أهل الوحدة باطلٌ من أشدِّ الباطل، بل هو منافٍ للتوحيد عندهم، وموجبٌ للشرك، ولذلك فإنك تراهم ينسبون أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية، بل ينسبون جميع من يخالفهم في هذا=","part":1,"page":61},{"id":107,"text":"وقد تحقق من هذه المقدمات:\rأنَّ الواجب هو الوجودُ المطلَقُ، والمراد بالمُطلَق ههنا أن لا يكون عَارِضًاً للماهية (¬1)، بل يكون قائمًا ومتعيِّنًا بذاته، وعاريًا عن التقيُّدِ بغَيرِه (¬2).\rوقد علم ههنا أنَّ إطلاقَ الوجودِ على غيرِ الواجب مجازٌ (¬3).\r¬__________\r= الأمر، إلى الشرك، ونسبتُهم إياهم إلى الشركِ ليس على سبيلِ المجاز كما يحلُو لبعض الغافلين أن يوؤل كلامَهم، بل هو عندَهُم شِركٌ حقيقيٌّ، ولكن ربما يتوقفون في ترتيب الأحكام الشرعية عليه، لما لا يخفى على أحدٍ من مذهبهم.\r(¬1) بيَّنَا قبلُ أنَّ الذاتَ والوجودَ بناءًا على مذهبِ أهل السُّنةِ لا يكونُ العُروضُ بينهما في الخارج حتى يلزمَ التركيبُ المستلزِمُ للافتقار، بل إنَّ ذلك كلَّه يحصلُ في حيِّزِ الذِّهن، وأمَّا في ظرف الوجودِ الخارجيِّ فوحدانيةُ الله تعالى ثابتةٌ له ذاتًا ووُجودًا، ولا اثنينية بينهما.\r(¬2) هذا كلُّه مبنيٌ على أنَّ الوجودَ المطلَق يمكنُ تحقُّقه بقيد إطلاقِه خَارجًا، وبناءً عليه فإنَّ كلَّ ما هو غيرٌ له فهو مقيِّدٌ لإطلاقِه وموجِبٌ له الافتقارَ. وهذا كلُّه غيرُ مسلَّم عند من يقول: إنَّ الوجودَ المطلَقَ بقيدِ الإطلاق -كما يقترح أصحاب هذا المذهب- غيرُ ممكنِ التَّحقُّقِ خارجًا على هذا النحو، بل إنَّ المتحقق خارجًا هو المتعيِّن بوصفٍ، وهذا الوصف وإن سمَّوه قيدًا إلا أنَّه من ضرورة الوجود، كما جعلوا نفسَ التعيُّنِ ذاتيًّا للوجود المطلق.\rوبناءً على ما قررناه، يتبيَّن أنَّ ما وضحه متكلمو أهل السنة من أنَّ الله تعالى هو الذاتُ المتَّصفُ بالصفات التي ثَبتَ لها الوجودُ الخارجيُّ الواجبيُّ هو الأكملُ في حقِّ الإله الذي يستحيل تعدُّده وتكثُّرُه بهذه الصفة خارجاً. ودعوى أنّ ذلك يستلزم الافتقارَ غيرُ مسموعة؛ لأنها بلا دليل. فالمستلزم للافتقار هو الوجود المغايِر الذي يتوقف عليه كمالٌ وجوديٌّ غيرُ لازم للعين الثابتة.\r(¬3) إنما كان إطلاق الوجود على غير الواجب مجازًا عندهم؛ لأنَّ الوجودَ أصلاً واحدٌ، والواجبُ لا يتعدَّد، فلزم أن يكون نسبة الوجودِ إلى غيرِ الواجب على سبيل المجاز. وإطلاقُ المجازية على وجود غير الواجب إطلاقٌ حقيقيّ كما لا يخفى على مذهب القوم، أي إنَّه فعلاً غير موجود، أي ليس له وجودٌ غيرُ وجود الواجب. ووجودُ الواجب لا يجوزُ أن يكون عينَ وجودِ الممكن =","part":1,"page":62},{"id":108,"text":"لأنَّ الوجودَ ليس عَارضِاً (¬1).\r¬__________\r=على سبيل الحقيقة، ولا يجوز للمكن أن يكون له وجودٌ؛ لأن الوجود واحد في الحقيقة، وهو عين وجود الواجب. فالحاصل أنَّ الممكن منتسبٌ نسبةً اعتبارية إلى الوجود الواجب، وليس له وجودٌ خاصٌّ به مطلقاً، بل للممكن المعدومِ المحالِ الوجودِ في الحقيقة انتسابٌ ما إلى الوجود الواجبيّ. وهذا غاية ما يمكنُ له، بالنظر إلى نفسه، وبالنظر إلى قدرة الواجب، فقدرتُه جلَّ شأنه لا تتعلق بإخراج وجودٍ خاص للمكن بحيث يكون الممكن ثابتاً في الخارج بهذا الوجود الخاصِّ له، بل غايةُ ما يمكنُ للواجب أن يجعلَ ثبوتَ الممكنِ بعينِ ذاتِ الواجب، بأن يتصور بأحكام الممكن لا بذات الممكن؛ لأنَّ ذاتَه الإمكانية لا تناسب ذات الواجب، فلا وجود حادث أبداً، لا بالنظر إلى ذاتِ الوجود الإمكاني في نفسه، ولا بالنظر إلى قدرة الفاعل المختار، ولا وجودَ ينعدمُ بعد تحققه، فلا إعدام في الحقيقة لما هو موجودٌ بوجودٍ خاصٍّ به؛ لأنَّ الوجود الوحيدَ الثابتَ هو وجودُ الواجب وهو لا ينعدم، وكلُّ ما نراه إنما هو خيالٌ واعتباراتٌ إمكانية قائمة بعين ذات الواجب.\rوعند أهل السنة: إطلاقُ الوجود على الممكنات الموجودة (أي الموجَدَة -بفتح الدال-، على حسب تعبير الإمام الغزالي في إحيائه) بإيجاد الله تعالى حقيقةٌ وليس مجازاً، فإنَّ لها وجودًا حادثاً خاصًّا بها، لا يتعداها إلى وجود الواجب، وليس هو عين حقيقة وجود الواجب كما عند أهل الوحدة الوجودية. ولا يقتضي كونُ الوجود عند أهل السنة حقيقةً أنه مستقلٌّ في القيام، ولا أنه غير محتاج إلى فاعلٍ يفعله ويقيمُه في حيِّزِ الوجود، كما لا يستلزم أنَّه محتاجٌ إلى الواجب في وجوده، أن يتوقف قيامُه وبقاؤه في الوجود على أن يقومَ بذات الواجب، أي بأن يكون اعتبارًا من اعتباراتها، أو صورةً لها أو تجليًّا أو غير ذلك، فالوجودُ الحادث ليس صفةً لله تعالى، بل مفعولٌ ومخلوقٌ له جل وعزَّ. فقد ظهر بهذا الفرقُ الجليُّ بين ما يقرره أهل الوحدة الوجودية وما يقرِّره أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية، ومعهم أكثر الفرق الإسلامية، خلا من مال إلى نحو كلام الوحدة الوجودية كبعض متأخري الشيعة الإمامية، وبعض الفرق المنحرفة عن الجادة.\r(¬1) عرفنا أنَّ الوجود لا يكون عارضًا في الخارج لغيره عند أهل السنة؛ لأن وجود كل شيء عينه، فلا اثنينية في الخارج لكي يتسنى القول بالعروض الخارجي، وكذلك هوالتحقيق عند من =","part":1,"page":63},{"id":109,"text":"ولا جزأً ولا عَيناً لغيره (¬1).\rفمعنى كون الأشياء موجودةً أنَّ لها نسبةً إلى حضرة الوجود القائم بذاته (¬2).\r¬__________\r= قال بأن الواجود زائدٌ، فهؤلاء لا يقولون إن العروض في الخارج بناءًا على الاثنينية؛ لأنهم ينفونها، كما هو مذهب الأشعري، أمَّا الزيادة التي يقولون بها فإنما هي في الذهن فقط على ما وضحناه سابقاً. فلا عروض اتفاقًا في الخارج عند أهل السنة. والعروض فقط عندهم في الذهن على النحو الذي وضحناه. أمَّا عند أهل الوحدة الوجودية، فلا عروض في الذهن ولا في الخارج أيضًا، بناءًا على استحالة تعدد الوجود، واستحالة وجود خاصّ للممكنات.\rوالذي يمكن عند أهل الوحدة الوجودية هو فقط اتصاف الواجب الوجود بأحكم الممكناتِ، فهو الذي يَظهرُ وتبدَّل في الصور الإمكانية، ويتجلَّى فيها، دون تبدل ذاته. وهو الظاهر في المظاهر على ما يقول ابن عربي وأتباعه.\r(¬1) أراد بنفي كون الوجود جزأً لغير الواجب الوجودِ نفيَ أن يكون الوجود منضمًا إلى الماهية الممكنة أو عارضًا عليها ليحصل الشخص الخارجي، بناءًا على فهمهم لمذهب جماهير المتكلمين من أن الوجود زائدٌ على الماهية، فهؤلاء أهل الوحدة ظنُّوا أنَّ المتكلمين أرادوا بذلك أن الشخص الخارجي يتألف من أمرين: الأول الوجود، والثاني الماهية، وليس الأمرُ كذلك كما أشرنا من قبل.\rوأراد بنفي كون الوجود عيناً لغيره، أي لغير الواجب الوجود، فالوجود عند أهل الوحدة لا يتعدَّدُ ولا يتكثر؛ لأنه الوجود الواجب، والواجب لا يتكثر، لما مضى بيانه من مذهبهم. وعليه فإنهم يقولون بإحالة تكثر الوجود ولو كان الموجود ممكنًا، فهذا منفي محالٌ على مذهبهم إن أراد القائل أن الممكن موجود بوجود خاصٍّ به غير وجود الواجب الوجود.\r(¬2) إطلاقُ اسم الموجود على الأشياء الإمكانية لا يرادُ به أكثرُ من أنّ عينَ هذه الإمكانات المعدومةِ حالَ بقاء كونها في نفسها معدومةً، ولن تزال كذلك لما ذكرناه، أن لها نسبة ما إلى الوجود الواجب، وحقيقةُ هذه النسبةِ هي أنَّ الواجب الوجود يتجلَّى بأحكام هذه الإمكانات لا يجليها في أنفسها لاستحالة ذلك، كما مرَّ، فكونها موجودةً لا يعني أكثر من ثبوت نسبة أحكامها إلى الواجب الوجود بمعنى ظهوره بأحكامها، أي ببعض أحكامها التي يمكنُ أن يظهر الواجب بها، فظهورها بالواجب هو عينُ موجوديتها المرادة عندهم.","part":1,"page":64},{"id":111,"text":"وعليها فَيضَانٌ من حَضرةِ الوجود (¬1)،\rلا أنَّ الوجودَ عارضٌ (¬2) لها أو داخلٌ فيها (¬3).\r¬__________\r(¬1) الوجود في الحقيقة -عند التحقيق بناء على هذه الأصول- لا يُفاض به على عينِ غير الواجب، بل لا معنى لفيضه على الواجب في ذاته؛ لأنَّ الفَيَضانَ يوحِي بمعنى الحركة والانتقال، وهو في حقِّ الواجب محالٌ، وكذا في حقِّ وجود الواجب الذي هو عينه باطلٌ، فلا فيضان بالمعنى المتوهم من الكلمة.\rوفي الحقيقةِ لا يُفهم أن يفيض الواجب بالوجود إلا على نحو أن يخترع وجودًا خاصًّا للممكن، وهذا هو المرادُ بنقل الممكن من حيِّز العدم إلى الوجود. ومن الضروري أن هذا الوجود الحادث لا يكون عينَ الوجود الواجب. ويمكن أن يقال: إن الواجب أفاض بالوجود على الممكن بمعنى أنَّه ظهر في صورة الممكنات التي ما زالت في حيِّزِ العدم بذواتها، أي إنَّ الواجب يلبس صورة الممكنات، فتكون الممكنات كأنها قد وُجدت بقيام أحكامها بالواجب الوجود، وهذا هو المراد عند هذه الطائفة.\r(¬2) كُتِبَ في هامش النسخة المخطوطة:\r\"أقول: تحقيق هذا المقام مما ذكره المحقق المشتهر بخواجه زاده حيث قال في حاشية شرح المواقف: ذهب الحكماء إلى أنَّ وجودَه هو عين ماهيته، على معنى أن ليس له ماهية معروضة للوجود، بل ذاته وجود بحتٌ ليس فيه عارض ومعروض كما في الممكنات، وإن تشخُّصه عين ماهيته على معنى أنه ليس له تشخص عارض على ذاته، بل ذاته وجود صرف يتميز بنفسه عن سائر الأشياء لا بالتشخص، وهذا كقولهم: إن صفاته هي عين ذاته، وليس معناه أن لله ذاتًا وصفة هي عينها، فإنه بديهي الاستحالة، بل على معنى أنْ ليس له صفة، ويترتب على ذاته ما يترتب على الذات والصفة\" ..\r(¬3) فالعارض هو الذي لم يكن ثمَّ كان، أو ما يُتَصَوَّر زواله عن الشيء، وها هنا العارض هو عينُ حكمِ الممكن، ويسمونه الاعتبار والصورة والمظهر، ومحلُّ هذا الحكم الإمكاني الذي يقوم به هو عينُ الواجب، فالوجودُ معروضٌ عليه، لا عارض إذن. =","part":1,"page":65},{"id":112,"text":"هذا ما عليه أرباب النظر، وبلغوا إليه بأفكار العقل (¬1).\rأمَّا المحقَقِّون من الموحِّدين (¬2) فيقولون:\r¬__________\r=\rوهم ينفون أن يكون الوجودُ الحادثُ عارضًا على الماهية المعقولة في الذهن؛ لأنَّ الوجود لا يكون حادثًا أبداً، فهو لا يكون عارضًا على أمرٍ غيره.\rوليس الواجب داخلا في الممكنات بناء على هذا المذهب، فلا حلول ولا اتحاد، إذ الحلولُ والاتحاد لا يكون إلا بوجود اثنين، ولا اثنينية ها هنا كما ترى، بل الممكنات قائمةٌ بعين الواجب، فهي الظاهرة به القائمة به، المتصور هو بها، والواجب يتلوَّنُ في صور أحكام الممكنات.\r(¬1) هناك طريقتان للقائلين بالوحدة الوجودية: أهلُ النظر، وأهلُ الذوق والكشف والمشاهدة.\rفالطريقة التي يتبعها أهل النظر في إثبات ما يقولون به، هي ما رأيت تقريبَه. وسوف يبين بإيجاز أيضًا الطريقة التي يتبعها أهل المشاهدة والكشف والعرفان في تقرير وحدة الوجود. وقد كان أغلبُ المتقدمين لا يُقرِّرون وحدة الوجود بطريقة النظر، بل كان الأوائل منهم يزعمون أنها مجرَّدُ ذوقٍ لا حقيقةٌ خارجيةٌ، ثم صاروا اعتمادًا منهم على الذوق والمشاهدة يقررون أن ما يكشف لهم ويتذوقونه من معانٍ هو الحقيقة، ولكن هذه الحقيقة لا يتوصل إليها بالأنظار العقلية؛ لأنَّ العقل محجوب عن هذه اللآلئ المخبوءة عن المتعلِّقين بالحسِّ والحسيات، والمقيَّدِين بالعقليات المأخوذة من الحس والمقيدة به. ثم صار كثير من متأخريهم يبينون وحدةَ الوجود بالطريقتين النظرية والعقلية، ويقولون: إن هذا جمع بين المسلكين، وتوفيق بين المشربين، فصاروا يقيمون عليها الأدلة العقلية، ويقررون أنها مقتضى الكشف والذوق الإلهيين.\rأمَّا معارضوهم فقدحوا في الأدلة العقلية كما رأيتَ، وعارضوها بغيرها، ثم أتوا بأمثلة من أهل العرفان الذين بلغوا أعلى المراتب في الحقيقة، ثم نراهم -بعد ذلك- يحطُّون على أهل الوحدة، ويقرِّرون بكل ثقة أن هؤلاء مضوا وراء وهمهم، واقتصروا على رتبة الجذب أو الفناء، أو الفناء عن الفناء، التي هي مرحلة من المراحل، فتوهموها الحق والحقيقة! والأمر ليس كذلك. بل وجود الواجبِ مغايرٌ للوجود الممكن المخلوق بقدرة واجب الوجوب بعد أن لم يكن شيئاً.\r(¬2) سمّاهم الموحِّدين لأنهم يقولون بوحدة الوجود على النَّمط الذي مضى بيانُه، ولأنهم يقررون أنَّ إثباتَ الكثرةِ في أصلِ الوجود -وإن كان الواجبُ واحدًا، وكل ما سواه من الوجودات ممكناً موجوداً بإيجاد الواجب- شركٌ؛ لأنه ثابتٌ للواجب فقط، وهو الوجود المطلق، الذي هو الإله.","part":1,"page":66},{"id":113,"text":"إنَّ وراءَ طَورِ العَقْلِ طَوراً لا يُتَوصَّلُ إليه إلا بالمشاهدات الكَشْفِيَّة، دونَ المناظَرَات العَقْليَّة (¬1).\r¬__________\r(¬1) يمكن أن نقسم الثابتات إلى أقسام بحسب ما يمكن للعقل أن يدركه:\rالأول: قسمٌ يمكن للعقل أن يدركه، بإحدى الطرق النظرية المعتبرة بحسب المقام. فهذا القسم يكون عند العقل دليل عليه.\rالثاني: ما يكون عليه دليلٌ في نفس الأمر، ولكن العقل لا يدرك هذا الدليل، فلا ينتقل منه إلى المطلوب لجهله بالدليل. وهذا الجهل إمَّا لأن الدليل قد يكون فوق طاقة البشر، وإمَّا أن يكون غير مدرَك لمانعٍ للعقل البشريّ، فإن لم يدركه عقل البشر فلا يحصل الانتقال منه إلى المدلول.\rالثالث: ما لا يوجد عليه دليل عقليّ أصلاً، ومع ذلك فإنَّ عدم وجود دليل عليه لا يستلزم عدمه ونفيَ ثبوته في نفسه، كما لا يخفى، إذ لا يشترط أن يكون لكل أمرٍ ثابتٍ أمرٌ ما، يكون دليلاً عليه ومرشداً إليه.\rومن عرف هذه الأقسام الثلاثة، عرف بالضرورة أنه قد يكون أمور لا يمكن دركها بالعقل.\rوالسؤال هنا: هل لدى الإنسان طريقةٌ للإدراك غير العقل يمكن أن يدرك بها هذه الأمور التي غابت عن العقل؟ وهل هذه الأمور الغائبةُ عن العقل مما تدلّ الطرق العقلية على إحالتها؟ فهاتان مسألتان مختلفتان.\rفأصحابُ هذه الطريقة -أعني وحدة الوجود- يزعمون أن هناك طريقةً وسبباً للدّرْك، يمكن بها إدراكُ ما لا يدركُ بالعقل. ونحن نقول: إنَّ إثباتَ سببٍ للدرك غير العقل، أمرٌ ممكنٌ في نفسه، ولكن إثبات أنَّ هذا الأمر ثابت بالفعل، وأنه سبب، أعني أنه مطَّرِدٌ في ترتب الدلالة عليه، لأن هذا شرط الدليل كما يعلم، أقول: إثبات ذلك هو محل البحث والمنع.\rوقد يتوهم متوهم أنَّا بهذا ننفي إمكان أن يُكشف للإنسان بقدرة الله تعالى شيءٌ بغير طريق العقل، وهو كما قلنا مجرد توهم، فنحن إن نفينا ذلك، يلزمنا بلا ريب تعجيز الله تعالى أن يخلق في الإنسان علومًا من دون توقف على استعمال العقل وكسب الإنسان، وهذا لا يقول به أشعريٌّ. بل غايةُ ما ننفيه إنما هو طريقية ذلك، وطرده، فما نقوله عنه إنما هو فضل الله تعالى، ولا سببَ يطَّرد عنده حصول ذلك الدرك بغير طريق العقل، ولا موجبَ لحصوله للإنسان إلا أن يريد الله تعالى =","part":1,"page":67},{"id":114,"text":"_________________\r= بغير سبب عادي ولا سبب عقليّ أبداً. فنحن نثبت الكشف، ولكنَّا نجعله تابعًا لخلق الله تعالى المباشر بلا توسط الكسب، ولا نجعل ترتب المعارف عليه مطَّردًا. ومادمنا ننفي الاطراد عنه، فنحن بلا ريب ننفي الطريقية عنه؛ لأن الطريق ينبغي كونه مطرداً ليكون دليلاً.\rوالمسألة الثانية: وهي هل ما يمكن الكشف عنه بغير طريق العقل يمكن أن يكون منافيًا للعقل المحض؟ أي هل يمكن أن يكشف العقل عن أمر بطريقة صحيحة غير منخرمة ولا يرد عليها شبهة قدح، ثم يقال إن ما يكشف عنه العقل غير صحيح؛ ليكون درك عدم صحته ومخالفته للحق في نفسه، إمَّا بطريق الشرع أو بالكشف والذوق الذي يقول به البعض؟\rوالجواب أنه من الواضح أن أهل السنة لا يمكن أن يقولوا ذلك، أي إنهم وإن قالوا إن العقل طريق قاصر، فقصوره لا من حيثُ إننا يمكن أن نستعمله استعمالاً صحيحًا بحيث تصح المادة والصورة، ويستلزم أمرًا ما، ثم يكون هذا الأمر باطلاً، فأهل السنة يمنعون ذلك. ولذلك قرروا قاطبةً أنَّ الشريعة لا تأتي بما تحيله العقول، بل قد تأتي بما تَحَار منه أو به العقول، فقصور العقل إنما هو من عدم طَوله وطاقته على درك هذا المطلوب.\rومن الظاهر أنَّ من قرر أن الكشف يأتي بما يعارض العقل على النحو الذي وضحناه، ويكون الكشفُ هو الصواب والعقل هو المجانب للصواب، فإنه يقرر بلا أدنى تردُّدٍ أن العقل ليس طريقًا أصلاً للبحث والنظر في المعارف التي يتصف فيها بنحو ذلك. ولذلك فقد يقصرون عمل العقل على الأمور المحسَّة، أو المتوهمة أو نحو ذلك، وقد ينكرون فعالية العقل مطلقًا، وبهذا ينفون كون العقل دليلاً فيما قالوا بخطئه في البحث فيه!\rوها هنا تبرز مواضع النظر التي يجب التدقيق فها: الأول: طريقية الكشف أو الذوق بالمعنى المعتبر للطريق والدليل. والثاني: أن الكشف من حيث هو دليل يأتي بما يخالف العقل بما هو دليل.\rفالمشهور عند أهل السنة أن العقل دليل، أي مهما أثبت العقل أمراً، فلا يمكن أن يكون ما أثبته باطلاً، طالما كان إثباته إياه وطريقه صحيحاً، والثاني: أن الكشف بالمعنى الذي يقول به أهل السنة لا على معنى الطريقية، بل على معنى التفضل والإلهام الإلهيِّ المبنيِّ على اختيار الخالق المختار، لا يمكن أن ينافي ما أتى به العقل إتيانًا صحيحاً. ولذلك فما أتت به الشرائع أيضًا لا يمكن أن ينافي العقل الصحيح بناء على هذه الطريقة السُّنيِّة، لا على طريقة أهل الوحدة الوجودية، فعندهم هذا ممكنٌ وحاصل، ولذلك يصفون أهل النظر العقلي بالمحجوبين.","part":1,"page":68},{"id":115,"text":"____________________________\r=\rتعليق وزيادة تحرير لكلامهم:\rوهذا تعليقٌ كنتُ كتبته على إحدى رسائل ابن عربي منذ سنوات، أحببتُ أن أثبته في هذا الموضع لملاءمته ما نحن فيه. وهو تعليق على موضع من رسالة (الفناء في المشاهدة) المطبوعة في ضمن مجموعة رسائل ابن عربي.\rانتقد مرة أخرى أهل الأفكار والنظر والفلاسفة فقال ص 7: (ولعل دليل هذا المسكين لم يكمل أركانه وهو يتخيل أنه كامل، فهلا سلَّم هذا القول لصاحبه ولا يلزمه التصديق فكان يجني ثمرة التسليم، وأنا والله أخاف على المنكرين على هذه الطائفة، وقد قال بعضهم ممن قعد معهم -يعني مع أهل الحقائق من الصوفية- وخالفهم في شيء مما يتحققون به: نزع اللهُ نور الإيمان من قلبه).\rيعني لا يلزمُ أهلُ النظرِ الاعتراضَ على أهل التحقق، وأنا أقول: لا يلزمُ أهل التحقق أن يعترضوا على أهل النظر، ولو تَرَكَ أهل الكشف -كما يقولون- الاعتراض والاتيان بما لم يثبت بالنظر ولا بالنقل، لما اعترضَ عليهم أحد، ولكنهم تجاوزا فانتقدهم أهل النظر، ولو لزموا حدَّهم، لم يكن شيء من ذلك.\rوقد أورد ابن عربي حكايةً طريفة وعلَّقَ عليها، وهذه الحكاية يفهم منها طريقتهم في تعريف علومهم وأخذها وتداولها، وسوف نوردها بكلامه ونعلق عليها، فيما يلي.\rقال ابن عربي ص 8: (وقد سأل بعضُ النُّظَّار ممن يدعي الحكمة، بعضَ المحققين من أهل الوجود عن مسألةٍ وأنا حاضر، وطَلَبَتُه قعودٌ، فأخذ المحقق يتكلم في تلك المسألة، فقال له الناظر: هذا لا يصح عندي فبيِّنه لي، فلعلِّي على غلط.\rفعرف المحقق أنّ قوله واهية منه، فسكتَ عنه من أجل الجَدل والخصام، فإنهم لا يقولون به لما فيه من سوء الأدب ورفع البركة. قال صلى الله عليه وسلم وقد تنازع أصحابه عنده: عندي لا ينبغي التنازع. وقال صلى الله عليه وسلم: أريتُ ليلةَ القَدَر فتلاحى رجلان فرفعت.\rفطريقُ الكشفِ والشهود لا تحتمل المجادلة والردَّ على قائله، وحرمانُه يعود على المنكرِ، وصاحبُ الوجود مسعودٌ بما حصل عليه).\rفي هذه الحكاية التي لم تكتمل بعد، أمورٌ:\rأولاً: إن أهل النظر كانوا يعترضون على أهل الوجود منذ أيام ابن عربي وقبله، وما يزالون يعترضون عليهم حتى هذا الزمان، فلا يصحُّ قولُ من قال ممن لم يُحِط بمعالم التاريخ ولم=","part":1,"page":69},{"id":116,"text":"________________\r= يطلع على حكايات العلماء الأعلام أن أحدًا من الناس لم يعترض على ابن عربي في زمانه، أو أن طريق أهل الوحدة الوجودية كان مسَلَّما من العلماء الأعلام.\rثانيًا: المقصودُ من أهل الوجود هم القائلون بوحدة الوجود، فهذا الاصطلاح إذن كان موجودًا، ولكنهم غالبًا ما كانوا يحذفون المضاف (وحدة) ويكتفون بالمضاف إليه (الوجود)، وهذا يظهر أنهم كانوا يعرفون أن مذهبهم يتميز عن مذهب أهل السنة، ولذلك كانوا يميزون أنفسهم بهذا الاسم.\rثالثًا: أهل الوجود-وحدة الوجود- كانوا منذ القدم يتجنبون الكلام مع أهل النظر، وهذا ضعفٌ فيهم، لا قوة لهم. خلافًا لما يحاول أن يبينه ابن عربي. ولا علاقة لسوء الأدب بعدم كلامهم، فعدم الكلام لضعف الحجة لا غير، لا لسوء الأدب، وإلا فلو كانت حجتهم راسخة، لما جازَ لهم السكوت على المعترضين، وهم كما يقولون خلفاء الرسول وحملة علمه، فقد كان الأنبياءُ يتكلمون مع المخالفين أينما كانوا، وفي كلِّ ظرف يسمح لهم بذلك، ولم يكونوا يقولون: إنّ الكلام معهم والمجادلة مع المخالفين مخالفٌ للأدب، كما يقول أهل وحدة الوجود. بل إن كمال الأدب في ما يدل عليه القرآن الحكيم المرشد للحكمة، كما في نحو قوله تعالى: (وجادلهم بالتي هي أحسن)، كما أن كمال الأدب في سيرة الأنبياء في مكالمة الخصوم وجادلتهم بما ينفعهم ويرشدهم إلى الحق والخير، كما فعل أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وكما فعل خاتم الأنبياء سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وهو نهج الأنبياء الذين رعاهم الله تعالى وعلَّمهم وأدَّبهم فأحسن أدبهم، فلا يقال: إن اتباع طريقتهم منافية للأدب. وصرنا نرى أهل الوحدة وأتباعهم يعترضون على أهل النظر والشريعة بحجة ما يكشف لهم أو ما كشف لمشايخهم، وإن لم يروا رائحةً منه، بل سمعوا مجرد حكايات وقصص، فتراهم يكتفون بمجرد هذا القدر من السند الهاوي في مخالفتهم لأهل الشريعة وأتباع أهل السنة والجماعة، ويصرِّحون بأن من خالفهم في طريقتهم -أي خالف أهل الوحدة الوجودية- فإنه منطرد من حضرة الإله، ومختومٌ له بالكفر وسوء العاقبة، فأقاموا أنفسهم مقام الأنبياء، فإنَّ المخالف للأنبياء عليه الصلاة هو الكافر الآبق، أمَّا مخالف مدعي الكشف بلا بينة ولا برهان ظاهر، كما أقام الله تعالى لأنبيائه عليهم الصلاة والسلام البراهين الظاهرة، فكيف يتجرأ على أن يدَّعي أن مخالفه آثم أو أنه آبق من رحمة الله تعالى! =","part":1,"page":70},{"id":117,"text":"____________________________\r=\rرابعًا: ابن عربي يحتج بنفس أقوال الرسول عليه السلام لنفسه ولأصحابه، والحقيقة أنه إذا جاز للرسول أن يقول: لا يصح النزاع عندي، فلا يجوز لغيره قول ذلك؛ للإجماع على عصمة النبي عليه السلام دون غيره. ولكن أهل الوحدة الوجودية يعتقدون تمام الكشف ويقين الحق في أنفسهم، حتى تراهم يبالغون في تخطئة غيرهم من المخالفين بحجة أنه كُشِفَ لهم، ونسوا أنه حتى إن كان هذا حقًا بلا ريب، فلا يلزم غيرُهم التسليم لهم، إلا إذا كشف لهم عما كشف لهم هم، أمَّا أن يُكتفى بمجرد أخبارهم التي لا تبلغ درجة اليقين في الإخبار عن ما رأوه إن سلم لهم رؤيته وضبطه وسداده، ويقيموا الحجة على الخلق بمجرد هذه الرؤى والكشوفات، فهذه درجة لم يدّعها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنفسهم، بل إنهم أقاموا الأدلة الظاهرة القائمة على يقين الحق الذين يبلغونه من عند الله تعالى، وبالغوا في تحرير أدلتهم وطرق الهداية الظاهرة، بما أقامه الله تعالى في أنفس الناس من طرق الدلالة إلى الحق من السمع والبصر والفؤاد، بما فيه من أدلة العقول، ولم نرَ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يكتفون بمجرد حكاية رؤيتهم للخلق، بل أقاموا المعجزات الظاهرة والأدلة الباهرة، ثم لم نرَهم بعد ذلك ولا قبل خالفوا أدلة العقول، ولا تظاهروا على مناكرة الشرائع التي كلفوا بتبليغها إلى سائر الخلق كما يفعل أهل الوحدة الوجودية، فكيف يصح لهؤلاء أن يخالفوا طرق الأنبياء، وينزلوا أنفسهم مقاما لم ينزله أنبياء الله تعالى إلا بعد إقامة الحجج الظاهرة القاطعة، وإلا مع عدم مخالفة ظاهر الشريعة؟ ثم لم نرَ حديثًا من أحاديث الرسول الخاتم عليه أفضل الصلاة والسلام يحذر من أهل الفقه ولا من أهل النظر، بل رأيناه يضعهم في أعلى مكان، ويفضل مدادهم على مداد الشهداء، بل وجدنا في آيات الكتاب ما فيها أمرٌ مباشرٌ صريحٌ بالتفقه في الدين وتبليغ الفقه إلى الناس، فكيف نرضى من أهل الوحدة الوجودية أن ينزلوا من درجة الفقهاء وعلماء الدين بحجة ما بلغهم من النظر والكشف والإلهام الذي يدعون!\rوالآن لنستمع إلى بقية القصة، قال ابن عربي: (فقام واحد من طلبة ذلك الشيخ، وقال للنظار: المسألة التي أوردها سيدنا في غاية الإيضاح صحيحة وإن لم أقدر على العبارة عنها.\rفقال الفقيه: كلام مليح مزخرف، حسن التدبيج تقبله العقول بأول وهلة، فإذا حككته في محك النظر، وسبرته بالأدلة، ذهب ولم يكن له وجود، وكان باطلاً محضًا، مثل هذه المسألة التي أوردها سيدنا الساعة. =","part":1,"page":71},{"id":118,"text":"______________________________\r=\rفسكت ذلك الشيخ عن الكلام فيها. ولم يتفطن الناظر لما قاله ما جرى على لسانه.\rوكان ذلك تعريفا لهذا المحقق بما في نفس هذا الناظر، ليمسك عن الكلام معه في مثل هذه الأمور).\rفانظر في طريقة سياقة ابن عربي لهذه القصة، ولنا تعليق على كلامه فيها:\rأولاً: كلام الفقيه الناظر مطرد مستقيم، ولا سوء أدب فيه، فقد طلب الحجة على ما قرره الشيخ، ونراه كان ملتزمًا بالأدب، وكان يقول للشيخ -سيدنا-، فهو لم يجاوز الأدب في الحديث، ولا تطاول على آداب المباحثة وطلب الحق.\rوأما كلام الطالب فلا حجة له ولا مستند، كما هو ظاهر. فهو لم يزِد على أن وافق شيخه وكرر القول بأن ما أقامه الشيخ ظاهر حقٌّ، وهذا محض التقليد بلا بينة ولا دليل، وليس هذا ما يطمح إليه الفقيه المناظر أو المباحث، فالفقيه من حيث هو فقيهُ نفسٍ يطلب الدليل ووجهَ الدلالة على ما يدَّعى أنه دين وشريعة، وما لم يجدها في الأدلة المقررة الشرعية، فلا يعتبرها شيئًا، ولا يقيم لها وزنًا، وهكذا هو الفقه، وأدب البحث الحقيقي، أما التسليم لكلِّ مدَّعٍ بما يدعيه، فهذا من عمل الشهوات والأهواء.\rثانيًا: قول ابن عربي أن الناظر لم يتفطن لما قاله، غير صحيح، فالناظر كان سؤاله من أول كلامه مبنيًا على الإنكار لما يقول هذا المحقق!! ولم يكن طالبًا منه التعلم، على سبيل التسليم، بل كان يريد أن يتكلم معه الشيخ ليناقشه ويدلل على بطلان مذهبه، فلما توقف الشيخ عن الكلام، دلَّ ذلك على عدم وجود دليل على ما قاله. فبقي الفقيه الناظر على موقفه، لأنه لم يجد مرجِّحًا ينقله من موقفه العلميّ الذي هو عليه ويجعله يرجح ما يقرره الشيخ من كلام، فلا سوء أدب في ذلك، بل هذا التصرف هو عين الموافق لأدب النفس والبحث.\rثالثًا: أمَّا قول ابن عربي: إن ذلك كان تعريفًا، فليس يحتاج الأمر إلى تعريف، خصوصًا أن الناظر كان منكِرًا من أول كلامه، ومعلنا موقفَه، وهذا هو الفرق بين النُّظّار وبين الذين يستندون على مجرد طريق الكشف. بل نقول: إن الناظر لم يكن مُخفِيًا لما في نفسه، حتى يقال: إنَّ كلامه كان تعريفًا للمحقق بما في نفسه، بل كان أول كلامه مبنيًا على التنزل والاستدراج وطلب الدليل على مدَّعى الشيخ. وهذه الحالة لا تحتاج إلى تعريف وكشف، بل هي توضح عن حال قائلها.\rوالله الموفق، وليس لنا إلى غيره مآب، ولا مرجع.","part":1,"page":72},{"id":119,"text":"والعقلُ عاجزٌ عن إدراكه، كعجزِ الحوَاسِّ عن إدراك المعقولاتِ، التي هي مُدْرَكات العقول (¬1).\rوقد تحقَّقَ لنا في ذلك الطورِ أنَّ حقيقةَ الوجود -الذي هو عينُ الواجبِ- ليس كليًّا، ولا جُزئيًّا، ولا عَامًّا ولا خَاصًّا (¬2)، بل هو مُطلَق من جميعِ القُيود (¬3)، ومعرَّىً عن قَيْدِ الإطلاق أيضاً، على قِيَاسِ ما قال أرْبَابُ العُلومِ العَقليَّة في الكليِّ الطبيعيِّ (¬4).\r¬__________\r(¬1) يعني إنَّهم يقولون إنَّ العقلَ عاجزٌ عن إدراك هذا الطور الذي هو وراء العقل، ولا يُدرك إلا بالمشاهدة والكشف، ولا مدخليةَ للعقل فيه أصلاً، كما لا مدخلية للحواس في المعقولات، فالحواسُّ لا تدرك المعقولات، وكذلك العقلُ لا يدرك هذا الطور، وإن كان لا يدركه أصلاً، فإن أحكامه فيه تكون باطلة؛ لأن الحاكم فيما لا يدرِكُ باطلٌ حكمُه.\rوهذا معناه أنَّ الإلهيات لا مدخليةَ للعقل فيها أبداً، والمدخلُ الوحيدُ عند هؤلاء هو محضُ الكشف، وهو المعتبر حكمه فيها، وهو الذي يعطي اليقين دون العقل، فحكم العقل سَرابٌ بقيعةٍ، أو وهمٌ وتخرُّصٌ.\rومن هذا الأصل نتج عندهم أن العقل قد يحكم في الإلهيات حكمًا باطلاً، وأنَّ الشريعة قد تأتي بما يناقض العقل، ولكنها لا تناقض حقيقة الكشف، بل قد تناقض في ظاهرها ذلك، ومهما حصل ذلك التخالف بين حكم الشرع وحكم المشاهدة وجب الاعتماد بالكلية على الكشف وتأويل الشريعة لأهل التأويل، أمَّا العوام فلا معزل لهم عن الأخذ بظاهر الشريعة وإن كان في حقيقته باطلاً.\r(¬2) تبين لنا سابقًا الفرقُ بين قول الفلاسفة في وجود الواجب وبين قول الوجوديين فيه.\r(¬3) فكل هذه الأمور يعتبرونها قيوداً تخالف وتضادُّ حقيقة الواجب ومرتبته العليا. إلا أنه يتقيد في مراتب أخرى تحت هذه كما سيتبين لنا، وكل هذه المراتب التي يظهر فيها متقيداً بقيود فهي لا تعبر عن حقيقته.\r(¬4) قال الشيخ محمد بن فضل الله الهندي في التحفة المرسلة في علم الحقيقة المحمدية: (اعلموا يا إخواني -أسعدكم الله تعالى-، أنَّ الحقَّ سبحانه وتعالى هو الوجود، وأنّ ذلك الوجود ليس له شكل =","part":1,"page":73},{"id":121,"text":"وتلك الحقيقةُ تجلَّتْ وظَهَرت في الماهيات الممكنةِ والمظاهرِ الكونية الموصوفة بالوجُود (¬1)،\rبحيث لا يخلو عنها شيءٌ من الأشياء، إذ لو كان شيءٌ من الأشياء خاليًا عنها لما كان متَّصِفًا بالوجود (¬2).\r¬__________\r=\r= ولا حدٌّ، ومع هذا ظهر وتجلَّى بالشكل والحدِّ ولم يتغير عما كان عليه من عدم الشكل والحد، بل هو الآن كما كان.\rوأن ذلك الوجودَ واحدٌ، والألباس مختلفة ومتعددة.\rوأن ذلك الوجود حقيقةُ جميعِ الموجودات وباطنها.\rوأن جميعَ الكائنات حتى الذَّرَّة لا تخلو عن ظهور ذلك الوجود.\rوأن ذلك الوجودَ ليس بمعنى التحقق والحصول؛ لأنهما من المعاني المصدرية، وليسا بموجودين في الخارج، فلا يطلق الوجود بهذا المعنى على الحقِّ الموجود في الخارج -تعالى عن ذلك علوا كبيراً-، بل عَنَيْنا بذلك الوجودِ الحقيقةَ المتصفة بهذه الصفات، أعني وجودها بذاتها ووجود سائر الموجودات بها، وانتفاء غيرها في الخارج. وأنَّ ذلك الوجود من حيث الكُنه لا ينكشف لأحد، ولا يدركه العقل ولا الوهم ولا الحواس، ولا يتأتى في القياس؛ لأن كلهنَّ محدَثات، والمحدَثُ لا يدرِك بالكنه إلا المحدَث، تعالى ذاته وصفاته عن الحدوث علوا كبيراً. ومن أراد معرفته من هذا الوجه وسعى فيه فقد ضيع وقتَه).\r(¬1) يعني إن تلك الحقيقة تجلَّت وظهرت في أحكام الماهيات الممكنة، وتصورت بها، فلم يتكثر الوجود بعد موجودية الممكنات، بل الوجود واحد، وهو الظاهرُ بكلِّ هذه المظاهر، ولذلك فإنَّ شيئًا من الماهيات لا ينفصمُ عن أصل الوجود الواحد الحقِّ الذي هو الوجود الواجب، فإنَّه اعتبارٌ له، ومظهرٌ من مظاهره، ولو فرضنا أنَّ شيئًا من الموجودات الممكنة استقلَّت عن ذلك الوجود، لما كان لها ظهورٌ أصلاً، فانعدام الكائنات يكون بعدم تجلي الواجب بها، وبعدم ظهوره في أحكامها، ولا يكون بعدم وجودها إذ لا وجود لها، بل المنعدم فقط إنما هو مظهرها الذي ظهر به الواجب.\r(¬2) قال الآشتياني في تعليقاته المفيدة على شرح داود القيصري على فصوص الحكم لابن عربي الحاتمي =","part":1,"page":74},{"id":122,"text":"____________________\r= ص 34: (إنَّ وجود الممكن في حال عدمه يكون موجوداً، ولكن لا يكون له ظهورٌ في هذه العين، ولا يكون له إضافةٌ إلى هذه العين المخصوصة-[أي الوجود المطلق، (سعيد)]، فالذي يكون معدومًا في حال عدم الممكن هو ظهورُ الوجودِ في هذه العين، والإضافةُ إلى هذه العين، لا نفي الوجود، فالظهور والإضافة قابلان للعدم، وهما ليس عين الوجود، بل خاصتان عارضتان له).\rوقال داود القيصري في مقدماته المهمة التي عملها لشرحه على الفصوص: (لا يقال: إنَّ وجود الممكن قابل للعدم؛ لأنَّا نقول: وجود الممكن عبارةٌ عن حصوله في الخارج وظهوره فيه، وهو من أعراضِ الوجود الحقيقيِّ الراجعة إليه بوجهٍ عند إسقاط الإضافة لا عينه. وأيضاً: القابلُ لا بدّ أن يبقى مع المقبول، والوجود لا يبقى مع العدم، فالقابل هو الماهية لا وجودها)، فقال الآشتياني معلِّقًا على كلامه هذا في ص 34: (مرادُه -قُدِّسَ سرُّه- أنَّ وجود الممكن في الحقيقة ليس بطبيعة الوجود، بل هو من أعراض حقيقة الوجود، أي من تلجياتها وظهوراتها، وظهور الشيء بما هو ظهور الشيء ليس بالشيء. والمراد من قولنا: لا شيء من الوجود بقابل للعدم، لا شيء من طبيعة الوجود وحقيقته بقابِلَةٍ للعدم، ووجود الممكن ليس بطبيعة الوجود، ولهذا قال صدر المتألهين: وجود الممكنات وجود رابط).\rوقال مؤيد الدين الجندي في شرحه على الفصوص ص 195: (وليس متعلَّق الحدوث والقدم حقيقةَ الوجود، بل تعيُّنَه بحسب الأزمان والأوقات والمواطن والمراتب لا غيرُ، والتعيُّن نسبةٌ عدمية أيضاً مع قطع النظر عن المتعين).\rولذلك قال القيصري ص 20: (وفي الحقيقة الممكنُ أيضاً لا ينعدم، بل يختفي ويدخل في الباطن الذي ظهر منه، والمحجوب يزعم أنه ينعدم، وتوهم انعدام وجود الممكن أيضاً، إنما ينشأ من فَرْضِ الأفراد للوجود كأفراد الخارجية التي للإنسان مثلاً، وليس كذلك، فإنَّ الوجود حقيقة واحدة، لا تكثُّر فيها وأفرادها باعتبار إضافتها إلى الماهيات، والإضافة أمرٌ اعتباري، فليس لها أفراد موجودةٌ ليعدم ويزول، بل الزائل إضافتها إليها، ولا يلزم من زوالها انعدام الوجود وزواله ليلزم انقلاب حقيقة الوجود بحقيقة العدم، إذْ زوال الوجود بالأصالة هو العدم ضرورة، وبطلانه ضروريّ).\rوليس الأمر كما قال، وهذا ظاهر، وما زعمه ضروريًّا، مجردُ دعوى لا يلتفت إليها، فإنَّا نعلم=","part":1,"page":75},{"id":123,"text":"وإذا اعتُبِرَتْ باعتبار الإطلاق المذكور تُسَمَّى: بالأحَدِيَّة الجَامِعة (¬1).\r¬__________\r= أنَّ انعدام الوجود ليس معناه انقلاب حقيقته إلى حقيقة العدم؛ فإن العدم لا حقيقة له، لكي يقال إن الوجود إن انعدم انقلبت حقيقته إلى حقيقة العدم. على أنَّ ذلك كله ليس بلازم كما يظهر بقليل من التأمل، فإنَّ غاية ما يلزم من انعدام حقيقة الوجود هو انتهاء بقاء الوجود، وهذا لا يستلزم أن حقيقته انقلبت إلى حقيقة العدم، لكي يجتمع النقيضان، بل يستلزم فقط أنَّ حقيقته انعدمت وبطلت، أي كان له حقيقة، ثم انعدمت هذه الحقيقة، لا أنها وهي ما زالت تلك الحقيقة انعدمت، وفرق بين الأمرين عظيم، وما دامت تلك الحقيقة بطلت فلا يقال: إن حقيقته انقلبت وهي باطلة، إذ لا انقلاب مع البطلان أي الانعدام والزوال. وإلا لزم على ذلك إحالة بوجود شيء لم يكن شيئا، وهو يستلزم تعجيز الله تعالى عن إيجاد أي شيء لم يكن شيئا، وذلك إيالةٌ إلى قول المتفلسفة.\r(¬1) قال القاشاني في \"اصطلاحات الصوفية\" ص 11: (الأحد هو اسم الذات باعتبار انتفاء تعدد الصفات والأسماء والنِّسَب والتَّعيُّنات عنها. والأحدية اعتبارُها مع إسقاط الجميع. وأحدية الجمع: اعتبارُها من حيث هي هي، بلا إسقاطها وبلا إثباتها، بحيث يندرج فيها نِسَبُ الحضرة الواحدية المذكورات).\rوبهذا يتضح مراد السَّيِّد المحقق عندما قال: إن الذات الواجب الوجود إذا اعتبر باعتبار الإطلاق المذكور أي بلا تقييد ولا نفي التقييد، فإنها بهذا الاعتبار تكون جامعة لكل النِّسَب.\rوهذه المرتبة هي المرتبة الأولى من مراتب التجليَّات للواجب الوجود. قال صاحب التحفة المرسلة عند ذكر المراتب الوجودية: (فالمرتبة الأولى مرتبة اللاتعيُّن، وتسمى مرتبة الإطلاق، والبحت، لا بمعنى أن قيد الإطلاق ومفهوم سلب التعين في اللاتعين ثابتان في تلك المرتبة، بل بمعنى أن ذلك الوجود في تلك المرتبة منزَّه عن إضافة النعوت والصفات إليه، وّمقدَّسٌ عن كل قيد حتى عن قيد الإطلاق أيضاً، وهذه المرتبة تسمى بالمرتبة الأحدية، وهي كنهُ الحقِّ سبحانه وتعالى، وليس فوقها مرتبة أخرى، بل كل المراتب تحتها).\rوقال القاشاني في لطائف الإعلام في إشارات أهل الإلهام ص 49: (أحدية الجمع، ويقال: حضرة أحدية الجمع، ومرتبة أحدية الجمع، والمراد بذلك: أولُ تعيُّناتِ الذَّات، وأوَّل رُتَبِها، =","part":1,"page":76},{"id":124,"text":"وإذا اعتُبِرتْ باعتبارِ أن لا شيءَ معها من القُيودِ والتعيُّنات في مرتبة الذات، مع ملاحظة تقييدها بهذا النفي، تُسَمَّى: بالأحدية الصرفة (¬1).\r¬__________\r=الذي لا اعتبارَ فيه لغير الذات فقط، كما هو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولا شيء معه)، وذلك؛ لأن الأمر هناك -أعني في مرتبة أحدية الجمع- وَحدَانيٌّ، إذ ليس ثمَّ سوى ذات واحدة مندرج فيها نسب واحديتها، التي هي عين الذات الواحدة، فهذه النسب وإن ظهرت بصور الأوصاف في المرتبة الثانية التي هي حضرة تفصيل المعلومات وتَميُّزِها، إنما يجمعها وصفان، هما: الوحدة والكثرة. ولكونهما صورتي نسبتين من نِسَبِ الذات الجامعة غير المفرَّقة والمتفرقة، لم تكن التفرق الحاصلة بهذين الوصفين حقيقية في نفس الأمر، فتصير تلك التفرقة مشتتة لشمل جمعية الذات؛ لأنهما نسب الذات في أول رتبها المحكوم فيه بنفي الغير والغيرية هناك، فهي -أعني تلك النسب والإضافات- أوصافٌ محكومٌ بالتفرقة بينها وبين الموصوف بها في الرتبة الثانية. فهي من باطنها الذي هو شؤون الذات هي عين الذات، لا غيرها، إذ لا غيرية، ولا مغايرة هناك؛ لأنها ليست هي ثمَّ أوصافًا للذات، بل هي عين الذات. فهذا هو مقام أحدية الجمع، الذي لا تصحُّ فيه رؤية تفرقة بين الذات من حيث تعينها، وبينها من حيث إطلاقها، أو قل بينها من حيث حقيقة الحقائق، وبينها من حيث التجلي الأول، لعلو هذا المقام الذي هو مقام أحدية الجمع. وفرقيته على جميع مراتب التفرقة فرقية بها يصير الوصفُ والموصوف -أو قل الذات وشؤونها- عينَ ذاتٍ واحدةٍ بلا مغايرة ولا غيرية، ولهذا كان من ترقَّى سرُّه عن التأثر بمراتب التفرقة والتقييد بثمراتها، والانحجاب برؤيتها إلى حضرة أحدية الجمع عند تمام حياته الحقيقية وعن جميع أحكام الكثرة والغيرية، لم يبق من حقيقته شيء سوى هذه الحقيقة الأحدية).\r(¬1) وقد سمّى القاشاني هذه المرتبة في لطائف الإعلام ص 48 بالأحدية، وقال: (هي اعتبارُ الذاتِ من حيث لا نسبة بينها وبين شيء أصلاً، ولا شيء إلى الذات نسبة أصلاً، ولهذا الاعتبار المسمى بالأحدية تقتضي الذات الغنى عن العالمين؛ لأنها من هذه الحيثية لا نسبةَ بينها وبين شيء أصلاً، ومن هذا الوجه المسمى بالأحدية يقتضي أن لا تُدرَك الذاتُ ولا يُحاط بها بوجهٍ من الوجوه؛ لسقوط الاعتبارات عنها بالكلية، وهذا هو الاعتبار الذي به تسمى الذات أحداً كما عرفتَ، ومتعلقه بطون الذات وإطلاقها وأزليتها).","part":1,"page":77},{"id":125,"text":"وإذا تنزلت بالتجلي الأول إلى مرتبة الأسماء والصفات تُسَمَّى: بالحضرةِ الواحدية (¬1)،\rوحضرةِ الأَسماءِ والصفات (¬2).\r¬__________\r(¬1) قال القاشاني في اصطلاحات الصوفية ص 86: (الواحدية اعتبار الذات من حيث انتشاء الأسماء منها وواحديتها بها مع تكثرها بالصفات. والواحد اسم الذات بهذا الاعتبار). وقال في لطائف الإعلام ص 459: (الواحدية اعتبار الذات من حيث انتشاء الأسماء عنها، ومن حيث اتحادها فيها، فكان اسم الذات واحدًا اسمًا ثبوتيًّا لا سلبيًّا؛ لكون الواحدية مبدأ انتشاء الأسماء عن الذات. إذ كانت الأسماء نسباً متفرقة عن ذات واحدة بالحقيقة، وإلى هذه الواحدية تستند المعرفة، وإليها يتوجه الطلب لثبوت الاعتبارات الغير المتناهية لها مع اندراجها فيها في أول رتب الذات).\rوكما قرره العلامة الملا الجامي في نقد النصوص في شرح نقش الفصوص ص 46، فإن الذات باعتبار سقوط الاعتبارات عنها بالكلية تسمى أحداً، ومتعلقه بطون الذات وإطلاقها وأزليتها، فاسم الأحد سلبي، والاعتبار الثاني للذات يكون بثبوت الاعتبارات الغير المتناهية لها مع اندراجها فيها في أول رتبة الذات، كالنصفية والثلثية والربعية الثابتة والمندرجة في الواحد العددي الذي ينتسي منه الأعداد، والذات بهذا الاعتبار تسمى (واحداً)، فهو اسم ثبوتي لا سلبي، ومتعلق هذا الاسم ظهور الذات ووجودها وأبديتها، ولا مغايرة بين هذين الاعبتارين ولا بين اعتبارٍ واعتبار في أول رتب الذات؛ لأن المغايرة من أحكام الكثرة ولا كثرة ثمة.\rثم بيَّنَ أن الأحدية والواحدية ذاتيتان للذات الواحدة، أمَّا أحديتها فمقام انقطاع الكثرة النسبية والوجودية واستهلاكها في أحدية الذات، وأمَّا واحديتها وإن انتفت عنها الكثرة الوجودية، فالكثرة النسبية متعقلة التحقق فيها، إذ الواحد من كونه مبدأ للعدد نصف الاثنين وثلث الثلاثة وربع الأربعة وجزء من أي عدد فُرض. وهذه النسب ذاتية للواحد. ولكن ظهورها مشروط بتعدد الواحد بذاته في تفاصيل مراتب العدد وجودًا وعلماً، فافهم تفهم تقدم مقام الأحدية على مقام الواحدية والحضرات الأسمائية، إن شاء الله تعالى.\rهذا ما قرره العلامة الملا الجامي في تبيين هذه المرتبة.\r(¬2) قال داود القيصري في مقدمات شرح فصوص الحكم ص 22: (حقيقة الوجود إذا أُخِذَت =","part":1,"page":78},{"id":126,"text":"وإذا تنزلت إلى مرتبة أخرى وتجلت في مظاهر الأسماء وبمرايا الذات، تسمى: بصانع المخلوقات (¬1).\r¬__________\r= بشرط أن لا يكون معها شيءٌ، فهي المسماة عند القوم بالمرتبة الأحدية المستهلكة جميع الأسماء والصفات فيها، وتسمى جمع الجمع، وحقيقة الحقائق، والعماء أيضاً.\rوإذا أُخِذَت بشرط شيء فإمَّا أن يؤخذ بشرط جميع الأشياء اللازمة لها، كليها وجزئيها، المسماة بالأسماء والصفات فهي المرتبة الإلهية المسماة عندهم بالواحدية ومقام الجمع، وهذه المرتبة باعتبار الإيصال لمظاهر الأسماء التي هي الأعيان والحقائق إلى كمالاتها المناسبة لاستعداداتها في الخارج تسمّى مرتبة الربوبية.\rوإذا أُخِذَت لا بشرط شيءٍ ولا بشرط لا شيء، فهي المسماة بالهُويَّة السارية في جميع الموجودات. وإذا أخذت بشرط ثبوت الصور العلمية فيها، فهي مرتبة الاسم الباطن المطلَق والأول والعليم، رب الأعيان الثابتة.\rوإذا أُخذت بشرطِ كليات الأشياء فقط، فهي مرتبة الاسم الرحمن، رب العقل الأول، المسمى بلَوح القضاء وأم الكتاب والقلم الأعلى.\rوإذا أُخِذَت بشرط أن يكون الكليات فيها جزئيات مفصَّلة ثابتة من غير احتجابها عن كلياتها، فهي مرتبة الاسم الرحيم رب النفس الكلية المسماة بلوح القدر وهو اللوح المحفوظ والكتاب المبين ... إلخ).\r(¬1) لم أعثر على هذه التسمية بذاتها في كتب القوم حتى الآن، ولعل المراد بهذه المرتبة ما ذكره العلامة داود القيصري في مقدمات شرحه على فصوص الحكم عندما كان يتكلم على حقيقة الوجود ومراتبها وهو النصّ الذي نقلنا منه شيئا سابقا، وفي تكملته: (وإذا أخذت -أي حقيقة الوجود- بشرط أن يكون الصور المفصَّلة جزئية متغيرة، فهي مرتبة الاسم الماحي والمثبت والمحيي والمميت، رب النفس المنطبعة في الجسم الكلي المسماة بلوح المحو والإثبات.\rوإذا أخذت بشرط أن يكون قابلة للصور النوعية الروحانية والجسمانية فهي مرتبة الاسم القابل، رب الهيولى الكلية المشار إليها بالكتاب المسطور والرق المنشور.\rوإذا أخذت مع قابلية التَّأثُّر، فهي مرتبة الاسم الفاعل المعبّر عنه بالموجد والخالق، رب الطبيعة الكلية.\rوإذا أخذت بشرط الصور الروحانية المجردة فهي مرتبة الاسم العليم والمفصل والمدبر، رب العقول والنفوس الناطقة ... إلخ). فأخذ الوجود المطلق بشرط قابلية التاثر هي مرتبة الخالق وهو رب الطبيعة الكلية. =","part":1,"page":79},{"id":127,"text":"ومراتبُ المظاهرِ والمرايا متفاوتةٌ، وليست محصورةً في عددٍ ونوعٍ معيَّن (¬1).\r¬__________\r=\rوقد يكون المراد بهذه المرتبة التي ذكرها العلامة المحقق السيِّد ما نقلناه سابقاً عن القونوي من قوله: (وإذا أخذت بشرط شيء فإما أن يؤخذ بشرط جميع الأشياء اللازمة لها، كليها وجزئيها، المسماة بالأسماء والصفات فهي المرتبة الإلهية المسماة عندهم بالواحدية ومقام الجمع، وهذه المرتبة باعتبار الإيصال لمظاهر الأسماء التي هي الأعيان والحقائق إلى كمالاتها المناسبة لاستعداداتها في الخارج تسمّى مرتبة الربوبية)، فليتأمل.\r(¬1) التجلِّياتُ غيرُ متناهيةٍ عند هذه الطائفة، فلم يزل الذاتُ الواجبُ الوجود يتجلَّى بصور الممكنات، ولم يزل يظهر في المظاهر المختلفة، ولن يزال. قال مؤيد الدين الجندي -وهو من طلاب ابن عربي الحاتمي نفسه ومن المختصين بالصدر القونوي- في شرحه على فصوص الحكم ص 174: (والنشءُ -الذي هو الارتفاع في النمو، والازدياد والربُوّ- باعتبار أنَّ العين الواحدة التي اندمجت وتوحدت فيها التعينات غير المتناهية، لعدم تناهي التجليات، فبظهور ما كان كامنا في العين من أعيان مراتب النسب غير المتناهية تتحقق حقيقة البشر لتلك العين الواحدة المنفصلة في مراتب الأعداد، وكمالُ نشْئِها بكمال النشأة الإنسانية، بل جميع مراتب النَّشْءِ له فهو النَّشْءُ الدائم .... إلخ). فالتجليات والمظاهر لا متناهية.\rوقال مؤيد الدين الجندي في شرح الفصوص في فصّ حكمة إلهية في كلمة آدمية ص 144: (ولما كانت تعيناتُ الوجود الحقّ وتنوعات تجلِّيه وظهورِه في قابليات الممكنات غير المتناهية غيرَ متناهية، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: (لا يبلغها الإحصاء)؛ لأنّ الذي يبلغها الإحصاء متناهٍ، والتعينات الوجودية بالنَّفَسِ الرحمانيّ لا تتناهى، فلا تُحصَى، فلا يبلغها الإحصاء. وأما أسماء الإحصاء، فهي كليات حقائق الوجوب والفعل والتأثير، فهي مائة إلا واحداً).\rوقال أيضاً في ص 154: (ولما كان الفيض دائمًا والقبول كذلك أيضاً، وجب لقابل الفيض أن يقبل بعد التلبّس بأحكام ماهية العالم وحقيقته، والانصباغ بأحكام حقائقه تجلياتٍ أُخرَ لا =","part":1,"page":80},{"id":128,"text":"وكلُّ واحدٍ منها بِمقدَارِ قابِلِيَّته مظهرٌ لاسمٍ وصفةٍ من الأسماء والصفات (¬1).\rوأما نوعُ الإنسان: فله القابلية والمرتبة الجامعة لجميع الأسماء والصفات (¬2).\r¬__________\r= تتناهى دائماً أبدَ الآبدين، فإنَّ ما دخل في الوجود وصار واجب الوجود بالوجود الحق الدائم فإنه لا ينقلب عَدَماً، ولكن التعينات والظهورات النشآت تنقلب عليه. فإن قيل: قوله تعالى\" (كل من عليها فانٍ) وانقراض المشهود من الدنيا دليلٌ صريح على نعدام الموجودات. قلنا: متعلق الانعدام والفناء إنما هو التعيُّن الشخصيّ، لا الوجود المتعين في الحقيقة المعيِّنة، فيفنى تعين الوجود في مادّةِ تعيُّنٍ، ويظهر في أخرى برزخيٍّ وحشريٍّ وجِناني، أو جهنميّ أو كّيْنيٍّ، هكذا إلى الأبد. فالقابل والمقبول دائمًا بالحق الدائم الباقي).\r(¬1) ذكر العلامة الملا عبد الرحمن الجامي في شرحه على فصوص الحكم ص 90 - 91 أنَّ كل ما يجري على العبد إنما (هو بمقتضى عينه الثابتة، وطلبها إياه بلسان الاستعداد، والمطلوب بلسان الاستعداد يعطيه الله الجواد المطلق سبحانه لا محالة، فلا يحتاجون إلى السؤال اللفظي أصلاً)، وقال في شرحه ممزوجًا بفصوص الحكم ص 95: ((والتجلي من الذات) الإلهية (لا يكون أبدًا إلا بصورة استعداد العبد المتجلَّى له)، أي بصورة يقتضيها استعداده. (غيرُ ذلك) أي غير كون التجلي بصورة استعداد للعبد المتجلَّى له (لا يكون) أبدًا، (فإذن) العبد (المتجلَّى له ما رأى سوى صورته في مرآة) الوجود (الحقِّ) وسوى الوجود المتعيِّن في هذه الصورة بحسبها؛ لأن الذات الإلهية ليس لها في حدّ نفسها صورةٌ متعيِّنة لتظهر بها، وهي مرآة الأعيان، فتظهر صورة المتجلَّى له فيها بقدر استعداده، كما أن الحقَّ يظهر في مرايا الأعيان بحسب استعداداتها وقابليتها لظهور أحكامه).\rويقول ابن عربي في فصّ حكمة مهيَّمية في كلمة إبراهيمية في ص 172 مع شرح الجامي: (فإن ثبت أنَّ الوجود للحق لا لك، فالحكمُ لك بلا شكّ في وجود الحقّ، وإن ثبتَ أنك الموجود فالحكم لك بلا شك، وإن كان الحاكم الحقَّ، فليس له إلا إفاضة الوجود عليك، والحكم لك عليك، فلا تحمد إلا نفسك ولا تذمّ إلا نفسك). ويقول أيضاً: (وما كلَّفك إلا بما قلتَ له كلفني بحالك وبما أنت عليك).\r(¬2) قال ابن عربي في فصوص الحكم في فصّ حكمة إلهية في كلمة آدمية: (فظَهرَ جميعُ ما في الصورة الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية)، قال الجندي شارحًا ص 180: (يعني -رضي الله عنه =","part":1,"page":81},{"id":129,"text":"¬__________\r=على الوجه الأكمل الأفضل؛ فإنَّ ظهور الحقائق الأسمائية في الصور الكلية الأحدية الجمعية الكمالية ظهورٌ جَمعي أحدي كمالي، بخلاف ظهورها في الصور التفصيلية الفرقانية، فإن ظهورها فيها متفرق تفصيلي، بمعنى أنّ ظهورَ الحقائق الأسمائية الإلهية في كلِّ كاملٍ كاملٌ جمعي أحدي كليٌّ، بحسب المظهر الأجمع الأكمل، وظهورَها في كل جزء من العالم جزئيٌّ بحسبه كذلك، وقد لا يظهر في أكثر أجزاء العالم أكثرُ الأسماء، فضلاً عن أن تظهر تمامًا بكمالها، وذلك في أسماءٍ مخصوصةٍ بالإنسان، وظهورَها في الإنسان تماما على الوجه الأكمل).\rوقال مؤيد الدين الجندي قبل ذلك ص 161: (المظهر الكامل الجامع لمظهريات التجليات الذاتية الكمالية الكلية هو الإنسان الكامل الجامعُ بين مظهرية الذات المطلَقَة بإطلاق قابليته الكلية، وبين مظهرية الأسماء والصفات والأفعال بما في نشأته من الجمعية والاعتدال، وبما في مظهريته من الحيطة والسعة والكمال).\rوقال الجندي أيضاً ص 158: (فالإنسان الكامل هو المظهَرُ الكليُّ والمقصد الغائي الأصلي، حامل الأمانة الإلهية، وصاحب الصورة المثلية المنزهة عن المثلية، فقبوله للتجلي أكمل القبول؛ لأنه ما من قابلٍ كمَّ القوابل، يقبلُ الفيض على نحو من القبول وتعين الصورة الإلهية بمظهريته إلا وفي الإنسان الكامل مثال ذلك على الوجه الأكمل والأتمّ، فروحانيته أتمُّ الروحانيات وأكملُها، وطبيعته العنصرية أجمع الأمزجة وأعدَلُها، ونشأته أوسع النشآت وأفضلها وأشملها، واستعداده لظهور الحق وتجليه أعم المظهريات والاستعدادات وأقبلها، وتعيُّن صورة الحق والخلق في مظهريته أكمل التعينات وأجلها، وبه حصل كمال الجلاء والاستجلاء، وبه اتصل كمال الذات بكمال الأسماء. وكان آدم عليه السلام أول الصورة الإنسانية العنصرية، فهو عين جلاء تلك المرآة المسوَّاة شبحًا لا روح فيه قبل وجود هذه النشأة الإنسانية الكمالية، وجلى الحق هذا المجْلَى الأتمَّ والمظهر الأعمَّ وجَلا به الصدأ الذي كان في شخص العالم، وتجلَّى له فيه تجليا كاملاً، فرأى نفسه فيه، كما تقتضيه ذاته الكمالية، وظهر لنفسه فيه ظهورا جامعًا بين الكمال الأسمائي والكمال الذاتي الذي هو على صورة الحق، فكان آدم عين قابلية العالم وإنسانَ عينه وعين جلاء قلبه القابل للتجلي الكمالي الجمعي الإلهي، فالصورة الإلهية الظاهرة في مرآتيته هي روح العالم، والمظهرية الإنسانية هو القلب القابل المؤمن لصورة الحث الظاهر فيه وبه عن التغير والتحريف عما هي في نفسها، فافهم).","part":1,"page":82},{"id":130,"text":"¬__________\r=\rقال ابن عربي في الفصوص ص 72 مع شرح الجامي عليه: (ثمَّ لِيُعلمَ أن الحقَّ وَصَفَ نفسه بأنه ظاهر وباطن، فأوجد العالم عالمَ غيبٍ وشهادة؛ لندرك الباطنَ بغيبنا والظاهرَ بشهادتنا. ووصفَ نفسه بالرضاء والغضب، فأوجد العالم ذا خوف ورجاء فنخاف غضبه، ونرجو رضاه. ووصف نفسه بأنه جميل وذو جلال فأوجدنا على هيبة وأُنس، وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويُسمى به. فعبَّر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهتا منه على خلق الإنسان الكامل. لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته).\rووضح الملا الجامي عبارته الأخيرة أي: الجامع لحقائق العالم ومفرداته فقال: (التي هي مظاهر لجميع الأسماء التي يعبر عنها لملاحظة شمول معنيين متقابلين لها باليدين، وهذه الأسماء الظاهرة فيها المرتّبة لها. ويجوز أن تكون اللام في (لكونه) متعلِّقًا بالكامل الذي هو صفة للإنسان تعليلا لكماله، وأن تكون متعلِّقا بالخلق.\rواعلم أنّ المراد بكل واحد من حقائق العالم ومفرداته أنها الأعيان الثبوتية أو الوجودية أو المراد بواحد منهما الأعيان الثبوتية والآخر الأعيان الوجودية. ولا شكّ أن الإنسان الكامل بحسب حقيقته وعينه الثابتة أحديةٌ، جَمعَ جميع الأعيان الثابتة التي للعالم، وبحسب وجوده العيني أحديةٌ جَمعَ جميع الأعيان الخارجية، وبحسب عينه الثابتة والوجودية معاً أحديةٌ جمع أعيانه الثبوتية والخارجية جميعاً، فالأعيان الثابتة للعالم تفصيل لعينه الثابتة، والأعيان الخارجية تفصيل لعينه الخارجية، والمجموع تفصيل للمجموع، وكل تفصيل صورة الإجمال، وكل صورة فهي شهادة بالنسبة إلى ذي الصورة، وذو الصورة غيبٌ لها، وكذلك كل موجود عيني، فهو شهادة بالنسبة إلى وجوده العلمي ووجوده العلمي غيب له).\rوقد بيَّن الملا الجامي مراتب الإنسان الكامل فقال في شرح الفصوص ص 58: (فإنَّ أوَّلَ مراتبه التعيُّن الأول الذي هو الحقيقة المحمدية، ثم التعين الثاني الذي هو صورته التفصيلية، ثم العقل الأول، ثم النفس الكل، وهكذا إلى آخر المراد الذي هو نشأته العنصري، لا يزال يزداد وينمو بحسب التجليات الإلهية والشؤونات الربانية دائماً أبدا دنيا وآخرة).\rوالعالم يحفظ ما دام فيه الإنسان الكامل، قال ابن عربي في الفصوص: (لأنه تعالى الحافظ به -أي بالإنسان الكامل- خلقَه، كما يحفظ الختمُ الخزائنّ، فما دام خَتْمُ الملك عليها لا يجسر =","part":1,"page":83},{"id":131,"text":"وقوله صلى الله عليه وسلم: (خَلَقَ اللهُ آدمَ على صورته)، إشارةٌ إلى هذا المعنى، أي خَلْقُه مَظهرًا لجميعِ صِفَاته (¬1).\rوكلُّ حُسْنٍ وجمالٍ في مراتب المخلوقات، فهو بالحقيقة من حُسْنِ الصفات وجمال الذات، كما قال بعض المحققين (شعر)\rوكل جميل حسنُه من جمالها معارٌ، بل حُسْن كلِّ مَنيحةِ (¬2)\r¬__________\r= أحد على فتحها إلا بإذنه، فاستخلفه في حفظ العالم، فلا يزال العالم محفوظاً ما دام فيه هذا الإنسان الكامل).\rووضحه الملا الجامي في ص 59 من شرحه بقوله: (وكان قائمًا بخلافة الحقّ سبحانه في حفظ العالم، فإذا أذن لهذا الإنسان الكامل بالخروج عن الدنيا وأمره الانفكاك عن خزينتها إلى الأخرى، خَربت الخزينة وانتُهب ما فيها، وحِفظُ العالم عبارةٌ عن إبقاء صون أنواع الموجودات على ما خلقت عليها لموجب بقاء كمالاتها وآثارها، باستمداده من الحق التجليات الذاتية والرحمة الرحمانية والرحيمية بالأسماء والصفات التي هي الموجودات صارت مظاهرها ومحل استوائها).\r(¬1) قال ابن عربي في فص حكمة إلهية في كلمة آدمية ص 157 من شرح مؤيد الدين الجندي: (فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدمُ جلاءَ تلك المرآة، وروحَ تلك الصورة)، قال الجندي في شرحه: (لما كان المراد بالإيجاب هو كمال الجلاء والاستجلاء، ولم يحصل إلا بالإنسان، وفي الصورة الإنسانية المثلية الكمالية الإلهية التي حذاها الله حَذْوَ صورته المقدَّسة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله آدم على صورته)، وفي رواية (على صورة الرحمن)، وجاء في أول التوراة كما ذكرنا أولاً: (نريد أن نخلق إنسانًا على مثالنا وشكلنا وصورتنا)، كما قال الله تعالى تبارك وتعالى، وكما أنَّ صورة الرحمن مستويةٌ على عرش الوجود، كذلك صورةُ الله مستويةٌ على عَرْشِ قلب العبد المؤمن، كشفًا وشهودًا، وإيمانًا وصدقًا، وحقًّا موجوداً).\r(¬2) هذا البيت لابن الفارض، ومعناه: بل حسن كلٍّ ممنوح من الحقّ وراجع إليه. وقد ورد بلفظ آخر يفيد المعنى نفسه كما ترى مما ننقله. =","part":1,"page":84},{"id":132,"text":"¬______________\r=\rقال ابن الفارض:\r150 - وكل الجهات السِّتِّ نحوي توجهت ... بما تمَّ من نُسْكٍ وحجٍّ وعمرةِ ... قال القيصري: أي: الكعبة مع جهاتها الست ومع جميع مناسكها من الحج والعمرة وتوابعهما من العبادات والتقربات، كلُّها متوجهةٌ إليَّ، مستفيصة مني، طالبة لما لها من جزئي. ... (وذلك لأن جميع ما في العوالم لا يأخذ كمالهم إلا من الخليفة، فمن وصل إلى مقام الجمع وتحقق بمقام الخلافة يكون الكل متوجهًا إليه مستفيضًا منه).\r151 - لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنَّها لي صلَّتِ ... قال القيصري: أي للمحبوبة هذه الصلوات التي أقيمها في المقام لا لغيرها لتجردي عن جميع ما سواها، وأشاهد في تلك الصلوات أن المحبوبة أيضًا تصلِّي لي. ... (المراد بالمقام ظاهراً مقام إبراهيم عليه السلام، وباطنًا مقامُ القلب الذي هو الجامع بين الوحدة والكثرة والحق والخلق معاً) ... فمعنى البيت يكون: إني شاهد في تلك الصلوات أنَّ الحق سبحانه يرحمني ويغفر لي ويعفو عن ذنوب الاشتغال بغيره في زمان الحجاب، وأمَّا باطنه فهو أن أحدية مقام الجمع تشهد أن المصلي والمصلَّى له واحد في الحقيقة، وإن كان متعددًا في الصورة. ... كما أن النهر إذا توجه إلى البحر يظهر متوجِّهٌ ومتوجَّهٌ إليه، ويجر يحكم التعدد بينهما، مع أن حقيقتهما واحدة. فالتعدد في صور العبودية والربوبية والأحدية بحسب الحقيقة.\r152 - كلانا مصلٍّ واحدٌ ساجدٌ إلى ... حقيقته بالجمع في كلّ سجدة ... أي أنا ومحبوبتي مصل واحد في الحقيقة وكل ساجد إلى حقيقة المصلي الواحد بحسب الجمع في كل سجدة. ... وقال ابن الفارض:\r154 - إلى كم أُواخي السِّتر ها قَدْ هتكتُه ... وحَلُّ أُواخي الحجْبِ في عَقْدِ بيعتي ... قال القيصري: أي إلى كم أعاهد أهل الحجاب وأصاحب سترهم، أي أراعي مقام العبودية وأستر وجه الربوبية المستورة بأستار العبودية، والحال أن حل عقد الحجب ثابت في عقد البيعة الأزلية.=","part":1,"page":85},{"id":133,"text":"¬______________\r= (أي عيني الثابتة تقتضيه في الأزل أن أحلّ عقد المشكلات وأزيل قناع المعضلات وأرفع الحجاب عن وجه الحقيقة وأكشف النقابل عن عرائس الطريقة لأني أعطيت في الأزل استداد هذه المعاني قبل ظهوري في هذه المباني.) ... وقال:\r207 - وها أنا أُبدي في اتِّحادي مبدئي ... وأنهي انتهائي في تواضع رفعتي ... قال القيصري: أي ها أنا أظهر مبدأ درجات الاتحاد وأخبر عن نهاية مقام الارتفاع. ... (نبه السالك مبدأ اتحاده وأعلمه نهاية رفعته في مراتب التوحيد ليكون على بصيرة في طلبه وسيره وسلوكه) ... وقوله (في تواضع رفعتي) إشارة إلى السفر الثالث من الأسفار الأربعة التي للكاملين، وهي: السفر من الخلق إلى الحق، والسفر الثاني: في الحق بالحق، والثالث: من الحق إلى الخلق بالحق، والرابع: في الخلق بالحق. وهو نهاية مقامات الأقطاب. ... (ولكون السفر الثالث تنزلا من مقام الجمع إلى مقام التفصيل عبر عنه بالتواضع وأضافه إلى الرفعة لكونه أعلى مقامات السالكين وأرفع درجات الكاملين). ... وقال:\r217 - فإن لم يجوِّز رؤية اثنين واحداً ... حِجاك ولم يُثبت لبُعْدِ تثبُّت ... 218 - سأجلو إشارات عليك خفيةً ... بها كعباراتٍ لديك جليةِ ...\r219 - وأًعربُ عنها مغرباً، حيث لاتَ حيـ ... ـنَ لَبْسٍ، بِتِبياني سَماعٍ ورؤيَةِ ... قال القيصري: أي إن لم يجوز عقلك يا طالب أن يصير الاثنان واحداً، ولم تثبت ذاك لبعدك من مقام الكشف، ورؤيتك الأمر على ما هو عليه وثباتك فيه، سأظهر عليك أموراً خفية بها تتيقن وتعلم صيرورة الاثنين واحداً. ... فتنكشف لك الإشارات النبوية والرموز الإلهية كانكشاف العبارات الجلية الظاهرة لديك، وأعرب عنها حال كوني آتيا بأمر غريب في مقام ليس للزمان فيه مدخل، ولا للبس فيه اثر بدليلي سماع وشهود. أي بدليلي النقل السمعيّ والكشف الشهوديّ. =","part":1,"page":86},{"id":134,"text":"_________¬______________\r= ثم قال:\r236 - وبي موقفي، لا بل إليَّ توجُّهي ... كذاك صلاتي لي، ومنِّي كعبتي ... قال القيصري: أي تشاهد ان موقفي في عرفات أيضاً بي، بل توجهي إلى الكعبة الظاهرة في الحقيقة إليّ، وكذاك صلاتي لي ل لغيري، والكعبة أيضاً جزء مني. ... (وهذا إخبار عن مقام الجمع، ثم نهى الطالب عن الإعجاب بنفسه والافتتان بحسنه بقوله)\r237 - فلا تكُ مفتوناً بحسنِك معجباً ... بنفسك موقوفاً على لَبْس غُرَّة ...\r238 - وفارق ضلال الفَرْق فالجمع مُنتجٌ ... هُدى فِرقةٍ بالاتّحاد تحدَّت ... قال القيصري: أي إن كنت طالبا فلا تكُ مفتوناً بحسن صفاتك معجباً بكمالات نفسك، موقوفا على لبس الغرة والحجاب لتصل إلى رب الأرباب. ... وفارق ضلال التفرقة وشكرها الخفي بالتحقق بمقام الجمع، فإن الجمع منتج لهدى طائفة تحدَّت بالاتحاد، أي: ادعت فأعجزت خواص مقام الاتحاد أهل الفرق وصاحب الشرك الخفيّ.\r239 - وصرِّحْ بإطلاق الجمال ولا تقلْ ... بتقييده مَيْلاً لزُخْرُفِ زِيْنةِ ...\r240 - فكلُّ مليحٍ حسنُه من جمالها ... معارٌ له، بل حُسنُ كلِّ مليحةِ ... قال القيصري: أي صرح بإطلاق الجمال الإلهيّ وشاهده في الكلّ ولا تجعله مقيداً في مقام دون مقام، وفي مظهر دون مظهر، لأجل الميل إلى بعض الزخارف المزينة، فإن كل مليح في عالم الشهادة وكل صاحب جمال في عالم الغيب مستعار من جمال حضرتها، بل حسن كل مليحة أيضا من جمالها. ... فإذا شاهدتَ جمالها في كل الموجودات شاهدت ذاتها وهويتها في كل المظاهر فإن الصفة لا تنفك عن موصوفها، وعند ذلك تلحق بالكاملين.\r241 - بها قيسُ لبنى هامَ، بلْ كلُّ عاشقٍ ... كمجنونِ ليلى أو كُثَيِّرِ عزَّةِ\r242 - فكلٌّ صبا منهم إلى وصف لَبْسها ... بصورة حسنٍ، لاحَ في حُسْنِ صورةِ\rقال القيصري: أي بجمالها هام قيس حين أحبّ لبنى، بل كل من عشق معشوقاً وأحب محبوبا كالمجنون العاشق لليلى، وكُثَيِّر الهائم في عزَّة وغيرهم من العشاق، ما هاموا في الحقيقة إلا بجمال محبوبتي وما عشقوا إلا لحسنها لأنها هي الظاهرة في صورهم لا غيرها. =","part":1,"page":87},{"id":135,"text":"وكلُّ نُقصَانٍ ونَقِيصةٍ في المَظَاهر، فهو راجعٌ إلى قابِلِيَّاتِهم واستعدادَاتِهم (¬1).\r¬__________\r=\rوإذا كان كذلك فكل منهم صبا ومال إلى وصف من أوصاف لبسها أي مظهرها، وهو أعيان هذه المعاشيق إذ تجلت لهم بصورها بالتجلي الجمالي، وصورة الحسن الذي لاحَ لهم في حسن صورهم، فهاموا بصورهم وعشقوا وافتتنوا بها.\r\r[انظر: الحقائق الإلهية في تائيات الصوفية، دار الكتب العلمية، 2007 م، جمع وإعداد د. عاصم الكيالي، ص 34 - 38، وانظر أيضًا: ترجمة تائية ابن الفارض للملا عبد الرحمن الجامي مع شرح القيصري عليها، تحقيق د. صادق خورشا].\r(¬1) إذا كان الفيض الإلهيُّ لا يكون إلا بحسب الاستعدادات والقابليات الإمكانية، فلمَ لا يكون عند هذه المدرسة الوجودية كلٌّ من الحَسَنِ والنَّقيصة مصدرها من تلك القابليات والإمكانيات التي ترجع إلى الأعيان الثابتة الأزلية؟ والظاهر أنهم أرجعوا الحسن فقط إلى الله وأحالوا النقص والقبيحة إلى الإمكانات والأعيان والقابليات والاستعدادات؛ لأنهم قصدوا بالحسن المراد بقيد الظهور، ولا ظهور إلا بفيض الوجود المطلق بالتجلِّي في مرآة ذاته على جميع الأعيان بحسب كل قابلية، فكان الحسنُ بقيد الظهور من الله تعالى، أما بحسب ذاته فَمِنَ الأعيان، ولكن ينبغي أن يكون النقص أيضًا منسوبًا للحق بقيد الظهور أيضًا؛ لأنه لا فرق كما هو ظاهر. إلا إن زعموا أن كل ما هو ظهور فهو حسن بغض النظر عما إذا كان الظاهر حسنا أو قبيحاً، وحينئذ فلا ينبغي أن ينسب الحسن من حيث ذاته إلى الله تعالى، بل من حيث ظهوره فقط، لكي يستقيم لهم كون مجرد ظهور القبيح حسنا. فيكون الحسن والقبح الذاتيات لا من الحقّ، أما ظهورهما بقيد الموجودية ولباسها فمنه جل وعلا.\rفظهر أنَّ نسبة الحسن فقط إلى الله تعالى، على مذهبهم وعدم نسبة القبح من حيث الظهور فيه تأمُّل! وظهر أنه إن أرادوا أن الحسن المعتبر هو بحسب القابليَّات، فينبغي أن ينسب القبح كذلك إليها.\rومسألة الاستعدادات والقابليات يبني عليها ابنُ عربي في كتبه مسألةَ القدر، ويسمي من علم بها عالمًا بسرِّ القَدَر، وسننقل شيئًا من كلامه يبين أصول المسألة. =","part":1,"page":88},{"id":136,"text":"___________\r=\rقال ابن عربي في فصّ حكمة قدرية في كلمة عزيرية: (اعلم أنَّ القضاء حكمُ الله في الأشياء، وحكمُ الله في الأشياء على حدِّ علمه بها وفيها، وعلم الله في الأشياء على ما أعطته المعلومات مما هي عليه في نفسها، والقَدَرُ توقيت ما عليه الأشياء في عينها من غير مزيد. فما حكم القضاء على الأشياء إلا بها. وهذا هو عين سرِّ القَدَرِ الذي يظهر (لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيدٌ)، (ولله الحجة البالغة)، فالحاكمُ في التحقيق تابعٌ لعين المسألة التي يحكم فيها بما تقتضيه ذاتها، فالمحكوم عليه بما هو فيه حاكمٌ على الحاكم أن يحكم عليه بذلك، فكلُّ حاكمٍ محكومٌ عليه بما حكم به وفيه، كان الحاكم من كان. فتحققْ هذه المسألةَ، فإنَّ القدرَ ما جُهل إلا لشدة ظهوره، فلم يُعرَف، وكَثُرَ فيه الطلبُ والإلحاح).\rفالله تعالى لا يعطي الخَلقَ -كما قال الجامي في شرحه ص 310 - إلا ما طلبوا منه بلسان استعداداتهم، فما قَدَّر عليهم ما قدّر لمجرد إرادته، من غير اقتضاء قابليتهم واستعداداتهم.\rقال الجامي في شرحه ص 310: (فإن قلتَ: الأعيان مع استعداداتها مجعولةٌ للحق تعالى فللخلق الحجة البالغة.\rقلنا: هي مجعولةٌ له تعالى بمعنى أنها فائضة منه بتجلياته الذاتية، بصور شؤونه المستجنة في غيب هوية ذاته بلا تخلل إرادة واختيار، بل بالإيجاب المحض، فليس لأحد أن يقول: رب لم جعلتني كذلك.\rفإن قلتَ: فعلى ذلك، ما المثوبات والعقوبات على أعمالنا؟\rقلنا: كما أنَّ أعمالنا من مقتضيات أعياننا، كذلك المثوبات والعقوبات من مقتضيات أعمالنا، فهي أيضاً من أحوال أعياننا، ولكن بواسطة، غايةُ ما في الباب أنَّ الحقّ سبحانه جوادٌ مطلَق، فكل ما يطلب منه بلسان الاستعداد والوجود، يجوز به عليه سواء كان من جنس المثوبات أو العقوبات).\rوقال ابن عربي في الفصوص ص 171 مع شرح الملا الجامي في فص حكمة مهيَّمية في كلمة إبراهيمية: ((وما منَّا إلا له مقام معلوم) وهو ما كنتَ به في ثبوتك ظهرتَ به في وجودك، هذا إن ثبتَ أن لك وجوداً، فإن ثبت أنَّ الوجودَ للحقّ لا لك، فالحكمُ لك بلا شك في وجود الحقِّ، وإن ثبتَ أنك الموجود فالحكم لك بلا شكٍّ. وإن كان الحاكمُ الحقَّ، فليس له إلا إفاضة =","part":1,"page":89},{"id":137,"text":"وهذه الطائفة من الموحدين يقولون: حقيقةٌ واحدةٌ، هي الوجودُ المطلَقُ (¬1)،\r¬__________\r=الوجود عليك والحكم لك عليه، فلا تحمَد إلا نفسَك، ولا تذمَّ إلا نفسَك، وما يبقى للحق إلا حمدُ إفاضة الوجودِ؛ لأنّ ذلك له لا لكَ. فأنت غِذاؤه بالأحكام، وهو غذاؤك بالوجود، فتعيَّن عليه ما تعيَّن عليك. فالأمر منه إليك، ومنك إليه، غير أنك تسمَّى مكلَّفا وما كلَّفك إلا بما قلتَ له: كلِّفني بحالك وبما أنت عليه، ولا يسمَّى مكلَّفاً اسم مفعول).\rوقال الملا الجامي في شرحه ص 172: (فأنت غذاؤه بالأحكام حين اختفيتَ فيه، وأعطيتَه أحكامَك، وذلك إذا كان الموجودُ المشهودُ هو الحقّ سبحانه، والأعيانُ مرائيَ له، وهو غذاؤك بالوجود حين اختفى بوجوده فيك، اختفاءَ الغذاءِ في المغتذي، وأعطاك أحكامَه، وذلك إذا كان الموجود هو الأعيان، فوجود الحق مرآة لها).\r(¬1) أطلق ابن عربي على الله تعالى أنه هو الوجود المطلق في أكثر من موضع في الفتوحات المكية، منها قوله: (اعلم أن المعلومات ثلاثة لا رابع لها:\r1 - وهي الوجودُ المطلق الذي لا يتقيَّد، وهو وجود الله تعالى، الواجب الوجود لنفسه.\r2 - والمعلوم الآخر: العدمُ المطلَق الذي هو عدم لنفسه، وهو الذي لا يتقيد أصلاً، وهو المحالُ وهو في مقابلة الوجود المطلق، فكانا على السواء، حتى لو اتصفا لحكم الوزن عليهما.\r3 - وما من نقيضينِ متقابلين إلا وبينهما فاصلٌ به يتميز كلُّ واحدٍ من الآخر، وهو المانع أن يتصف الواحد بصفة الآخر، وهذا الفاصلُ الذي بين الوجودِ المطلَق والعدمِ، لو حكم الميزان عليه لكان على السواء في المقدار، من غير زيادةٍ ولا نقصان، وهذا هو البرزخ الأعلى، وهو برزخ البرازخ، له وجهٌ إلى الوجود ووجهٌ إلى العدم، فهو يقابل كلَّ واحدٍ من المعلومين بذاته، وهو المعلوم الثالث، وفيه جميعُ الممكنات، وهي لا تتناهى، كما أنه كل واحد من المعلومين لا يتناهى.\rولها في هذا البرزخ أعيانٌ ثابتةٌ من الوجه الذي ينظر إليها الوجودُ المطلق، ومن هذا الوجه ينطلِقُ عليها اسمُ الشيء الذي إذا أراد الحق إيجاده قال له: كن فيكون، وليس له أعيانٌ موجودةٌ من الوجه الذي ينظر إليه منه العدم المطلق، ولهذا يقال له: كن، وكن حرفٌ وجوديٌّ، فإنه لو أنه كائن ما قيل له كن. =","part":1,"page":90},{"id":138,"text":"_____________\r=\rوهذه الممكنات في هذا البرزخ بما هي عليه وما تكون إذا كانت مما تتصف به من الأحوال والأعراض والصفات والأكوان وهذا هو العالم الذي لا يتناهى وما له طرف ينتهي إليه). [الفتوحات المكية - ابن العربي - ج 3 - ص 46 - 48]\rوقال محمد بن حمزة الفناري في مصباح الأنس بين المعقول والمشهود ص 150: (إنَّ الحقَّ هو الوجودُ المحضُ الذي لا اختلاف فيه، أي وجود الحق هو الوجود المحض، وهو الذي فسَّرَه الشيخ قُدِّس سرُّه في هذا الفصل في الاعتبار السابق على اعتبار مبدئيته فقال: وهو كونُه وجودًا فحسب، بحيث لا يعتبر فيه كثرةٌ ولا تركُّبٌ، ولا صفةٌ ولا نعتٌ، ولا اسمٌ ولا رسمٌ، ولا نِسبةٌ ولا حكم، بل وجودٌ بحتٌ.\rفأقول: معنى الوجود البحت، الوجود المطلَق، أعني ما لا يعتبر فيه قيدٌ أصلاً وإن احتمل أن يؤخذ مع القيود وعدمها، وهو المأخوذُ بلا شرطٍ، لا ما قُيِّد بالاطلاق، أعني المجرَّد عن القيودِ المأخوذِ بشرط؛ لأنَّ المحضَ هو الخالصُ من كل شيء، وهذا الوجود خالصٌ من كل اعتبارٍ وقيدٍ).\rولنورد هنا الأدلة التي احتج بها العلامة الفناري على مذهب وحدة الوجود في كتابه الشهير مصباح الأنس، وكلامه وإن كان طويلاً، لكنه يشتملُ على دُرَرِ ما يمكنُ أن يقال في هذا المبحث العميق، فليتمعن فيه طالبُ العلم والباحثُ النبيه.\rإيراد الأدلة التي احتجَّ بها القائلون بالوحدة من كلام الفناري:\rقال العلامة الفناري في مصباح الأنس موردًا تحقيق مذهب الصوفية في وجود الله تعالى، وأنه الوجود البحت ص 150 وما بعدها:\r(القوم بين محققٍ قائلٍ بأنَّ الوجودَ موجودٌ بوجودٍ هو عينه، وسنبرهن عليه بوجوهٍ.\rوبينَ أهلِ نظرٍ قائلٍ بأنَّ حقيقةَ الحقِّ وجودهُ الخاصُّ، وهى موجودة، فكذا هو. ومتى وجد المقيَّد وجد المطلَقُ المحمولُ عليه بهو هو. فقولُهم بأنَّ المطلَق معقولٌ ثان، خطأٌ فاحش، تعالى الله عما لا يليق به.\rوبين متكلمٍ قائلٍ: بأنَّ الوجودَ عينُ كلِّ موجودٍ -كأبي الحسن الأشعري وأبي الحسين البصري،- فذلك كما مرَّ [أي أن حقيقة الحق هو وجوده الخاص]، أو صفةٌ زائدة في الكلِّ، لكنه يخالفُ سائر الصفات بأنَّ وجود سائر الصفات بوجود موصوفها، وهذه صفة إنما يوجد الموصوف بها، وإلا كان موجودًا قبل وجوده، ولا ريب أنَّ سبب الوجود موجودٌ، فالوجود موجود. =","part":1,"page":91},{"id":139,"text":"_________\r=\rتأييده بالبرهنة على أن الحق - أعني واجب الوجود الموجد لكل المخلوقات - هو الوجود المطلق:\rوهى من وجوهٍ:\rالبرهان الأول: أنَّه لولاه، فإمَّا أن يكون العدم أو المعدوم أو الموجود أو الوجود المقيد.\rوالأولان باطلان، لأنها تؤثران ببديهة الصبيان والمجانين والحيوان. [كذا في المطبوع، ولعلها: \"لأنهما لا يؤثران كما هوظاهر ببديهة الصبيان\"، أو نحو ذلك مما يفيد هذا المعنى. سعيد]\rوقول أهل النظر: عدم المعلول لعدم العلة، معناه: عدم التأثير لا تأثير العدم، أي الواقع عند عدم العلة عدمُ المعلول، فاللام مجاز كما في: لِدُوا للموتِ وابنوا للخراب. غير أن الترتبين متعاكسان للفرق بين سببي الفاعلية والغائية، أو نقول من الأول، لأنهما لا يؤثران في الوجود كما هو المبحث.\rوأمَّا الثالث وهو الموجود: فلأن موجوديته بالوجود الذي هو غيره؛ لأنه إمَّا صفةُ الموجود -كما هو النظر القاصر لأهل الظاهر-، أو الموجودُ صفةُ الوجود -كما هو ذوق التحقيق-، وكل ما موجوديته بالغير لا يكون واجب الوجود.\rلا يقال: الوجودُ عين للموجود، إمَّا مطلقًا، كمذهب شيخي المتكلمين، أو في الواجب فقط، كمذهب الحكيم، فلا يلزم من توقف موجودية الواجب على الوجود توقُّفُه على غيره، كيف والسببية حينئذ اعتبارية، إذ لا حقيقة لها بين الشيء ونفسه، كما يقال: قائم بذاته.\rلأنَّا نقول تارة جدلاً: إن مذهب شيخيهم مبني على الاشتراك اللفظي للوجود، وهو باطلٌ قطعًا، بُيِّن في موضعه بعدم زوال مطلَقه عند زوال اعتقاد خصوصيته، وبكونه مورد التقسيم المعنوي.\rومذهب الحكيم يبطلُه قوله: بأنَّ مطلَقه معقولٌ ثان، إذ وجد حينئذ ما يحاذى به في الخارج. وأنَّ مخصصَ الوجودِ الذي هو عين الواجب إن كان ذاتيَّ الواجبِ كان مركَّبًا، وإلا كان عين الواجب هو معروض التخصص، فكان حقيقة الواجب الوجود المطلق لا كما قال، هذا خلفٌ.\rلا يقال: خصوصيتُه بعدم الاقتران بماهيةٍ ما، فيكون حقيقةُ الواجبِ الوجودُ المجرَّدُ لا المطلَق عندهم، ثم القيدُ العَدَميُّ لا يفيد التركيب الوجودي!","part":1,"page":92},{"id":140,"text":"_______________\r=\rلأنا نقول: معروضُ التخصص هو المطلَق، وقد مر أنَّ الماهية المجرَّدة لا وجودَ لها بالاتفاق، والحقُّ موجودٌ بالاتفاق. وأيضًا المجرَّدَة ضدُّ المخالطة ومباينها، والقيدُ العدميُّ يفيد التركيبَ في العقل، وإن لم يفده في الخارج، والحقُّ منزهٌ عنهما. وأيضًا الشيء لا يؤثر في ضدِّه ومباينه، وأنَّ الوجود لما أمكن أن يكون عين الموجود، فقد صحَّ ثبوت الوجود للوجود، وسيجيء أنه مستلزِمٌ لما عليه أهل التحقيق: أنَّ الحق عين الوجود المطلق.\rوأخرى تحقيقًا: أنَّ الوجود له معنيان:\rأحدهما: خلافُ العدم ونقيضُه، وهو اسمٌ ويسمَّى الوجود الحقيقي.\rوثانيهما: مصدرٌ وُجِدَ يستعمل بمعنى الموجودية، أعني كون الشيء له الوجود الأول أو موقعُه أو محلُّه، ويسمى الوجود الإضافي كمضروبية الشيء، فإنها ليست عين الضرب وإلا صحَّ إسنادها إلى الضارب، بل التحقيق: إنَّ الضرب نسبةٌ بين الضارب والمضروب، والنسبة نسبة إلى منتسبيها، ونسبةُ الضرب إلى الضارب يسمى ضاربية، وإلى المضروب يسمى مَضرُوبيَّة، وكلٌّ منهما يسمى حاصلَ المصدر لا مصدرًا، فالموجودية منتسبة بالوجود بالمعنى الأول، وحاصلة منه، كالمضروبية بالضرب وهى الحاصلة للمخلوقات.\rوالأول ليس إلا لِمَا له الوجودُ من ذاته -بل عينه-. وهذه نكتةٌ مَنْ تأمَّل فيها تنبَّه على منشأ الأغلاط المضلِّة من المتفلسفين المتحذلقين تحت البطلة.\rوأمَّا الرابع وهو الوجود المقيَّد: فأمَّا إن كان الواجبُ كلا الأمرين فكان مركَّبًا، أو الوجود فهو المدَّعى، أو القيدُ فالوجودُ معروضه أو عارضه. فإن كان الواجبُ -وهو القيدُ- هو المعروض: كان وجودُ الواجب معلولاً في الخارج، إذ الكلامُ في العروض الخارجي، فيكون هو ممكنًا، وعلتُه متقدمةً بالوجود -كما مرَّ من شأن العارض الخارجي-، ويلزم منه محالات سنعدُّها.\rوإنْ كان القيدُ وهو الواجب هو العارض: كان نفس الواجب محتاجًا ومعلولاً في الخارج؛ لأن العروض خارجيٌّ فيلزم الخلفُ وإمكانُ الواجب.\r*****\rالبرهانُ الثاني: أنَّ حقيقةَ الحقِّ تعالى لو لم يكن الوجودُ المطلق، فإمَّا أن يكون الوجودَ الخاصَّ، كقول شيخي المتكلمين والحكيم، أو يكون وجودُه زائدًا، كقول جمهورهم، أعني الزيادة في","part":1,"page":93},{"id":141,"text":"__________________\r=\rالخارج، إذ الزيادةُ في العقل مما يعترِفُ بها القائلون بالعينية. وكلٌّ من القولين الأخيرين باطلٌ، فالحقُّ هو الأول.\rأمَّا عينية الوجود الخاص: فلأنَّ ما به خصوصية إن كان داخلاً فيه تركَّبَ الواجبُ، وإن كان خارجًا كان الواجبُ محضَ ما هو الوجود، وهو المطلَق، والخصوصية صفة عارضةٌ، وقد مر تحقيقه. ثم لا بدَّ من امتيازه في ذاته، لا جائزَ أن يكون امتيازُه بعدم المقارنة، وإلا لم تقارنه الخصوصية العارضة، كما هو زعمهم. فتعيَّن أن يكون امتيازُه بعدم اعتبار المقارنة، وهو المطلَق المطلوبُ.\rوأمَّا زيادة الوجود في الخارج: فهذا مع شهرة بطلانه واستلزامه المحالات مِنْ تقدُّمِهِ على الوجود بالوجود في الخارج، وتعدُّدِ وجوداتِه والمفروضُ وحدته، بل عدم تناهي الوجودات المحقَّقة في كل موجود، بل إذا نُسِبَ إلى جميع الوجودات الخارجية، يلزم عدمُ الوجودِ له في ذاته، وحصولُه بمخلوقه، وتأثيرُ المعدوم في الوجودات.\rنقول فيه: لا جائز أن يكون كلٌّ من العارضِ والمعروضِ الموجودين في الخارج واجبًا، وإلا تعدَّدَ الواجب، وأيهما كان ممكنًا جاز عدمه، وكل من جواز عدم الماهية والوجود ينافي الوجوب، إذ لا يتحقق الا بهما.\rفإن قلتَ: كل منهما واجبٌ بمعنىً آخر، فالماهية واجبةٌ لذاتها -أي لنفسها-، والوجود واجب لذاته، وهى الماهية لاقتضائها إياه.\rقلتُ: هذا اجتهادٌ في صدق الواجب لذاته على كلٍّ منهما بكل من الاعتبارين، والصادق بكل الاعتبارين إن كان هو الواجب المطلوب، فقد تعدَّدَ، وإن كان المطلوبُ هو الواجب بأحدِ الاعتبارين: فبالاعتبار الآخر كان ممكنًا وجائزَ الزوال في نفسه، وفيه المحال المذكور.\r*****\rالبرهان الثالث: أنا لا نشك أنَّ الصور آثارُ المعاني، والحقائقَ مؤثرةٌ فيها، ولو باعتبار النسب الأسمائية المتعينة بحسبها. يدلُّ عليه استدلالُ الأطباء بالأعراض على الصحَّة والأمراض، واستدلال الصيدلي بالألوان والطعوم وغيرهما على طبائع الأدوية والطعوم، واستدلال علماء الفراسة بالحلى [أي ظاهر بشرة الإنسان، ويمكن أن تكون بالخلقة] على الأخلاق والأمزجة والأعراق، والوجدان أدلُّ دليل على أنَّ الحركة الظاهرة للباعث الباطني أعمُّ من أن يشعر","part":1,"page":94},{"id":142,"text":"__________\r=\rببعثه المتحرك أم لا. وإذا تقرر أنَّ الحقيقة هي المؤثرة في الصور كان الآثارُ العامة مستندةً إلى الحقائق الشاملة، فإذا أردنا أن نطلب الحقيقة المؤثرة في جميع الموجودات تعيَّن أن يكون حقيقةٌ شاملةً لها، ولا ذلك إلا حقيقة الوجود المطلق، وهو المطلوب.\r*****\rالبرهان الرابع: أنَّ الوجودَ المطلَق موجودٌ؛ لصدق قولنا: الوجود موجود، إمَّا بصحة حمل الشيء على نفسه -وإن كان غير مفيد-. أو بالذات؛ لأنَّ الماهيات غير مجعولة. أو بالضرورة؛ لامتناع سلب الشيء عن نفسه من حيث أخذُه ذهنًا أو خارجًا أو مطلَقًا.\rلا يقال -كما قال في المواقف والمقاصد-: سلبُ الشيء عن نفسه جائزٌ عند عدمه؛ لصدق السلب بعدم الموضوع.\rلأنَّا نقول: هذا غلطٌ فاحشٌ، ناشئٌ من عدم الفرق بين أخذ الموضوع مطلَقًا، وبين أخذه موجودًا، والفرق قطعيٌّ، وإلا لم يكن الماهياتُ المعدومةُ ماهيةً، ممكناتٍ كانت أو ممتنعاتٍ. وأيضًا لم يتحقق القضية الذهنية ولا الطبيعية، ولزم من انتفاء المقيَّد -أعني الماهية المخلوطة [أي الموجودة]- انتفاء مطلق الماهية، وغير ذلك من المفاسد.\rأو لأن موجودية كلِّ موجودٍ بالوجود، كما مرَّ، وسببُ الموجودية موجودٌ باتفاق مثبتي الصانع، وببديهة الصبيان أو الحيوان كما مرَّ، بخلاف سبب المضروبية، فإنه ليس بمضروب؛ لأن معنى المضروب مَن وقع عليه الضربُ، لا ما له الضَّرب، ومعنى الموجود ما لَهُ الوجود.\rفهذه الأدلة الأربعة قائمة على أن الوجود موجود).\rوعلق عليه محققو الكتاب: (قوله: البرهان الرابع: أن الوجود المطلَق .. إلى آخره، لا يخفى أن هذا البرهان لا يدلُّ على ما هو بصدده من إثبات كون الحق وجودًا مطلَقًا، والغلط فيه ناشئ من اشتباه المفهوم بالمصداق، والحمل الأولى بالشائع، وكيف كان فما نقل عن المحقق الطوسي من كون ماهيته تعالى عينَ وجوده أدلُّ دليل على المطلوب، فإنَّ سلبَ الماهية عنه تعالى سلبُ كافة التعيُّنات والتقيدات، وإثباتُ إحاطته على قاطبة الوجودات والموجودات، ووجدانُه لجميع الكمالات ومطلَق الوجود، (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)، و (لو دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبطتم (لهبط) على الله - خ)، والخاء رمز الخميني.","part":1,"page":95},{"id":143,"text":"______________\r=\rثم قال الفناري: (وما ذكره البهشتي من لزوم التركيب فيما هو الموجود ظاهرُ المنعِ؛ لأنَّ التركُّبَ في مفهومه لا يقتضي التركب فيما صدق عليه، وإلا لم يصدق على البسائط أصلاً، فلم يصدق على المركبات أيضًا؛ لأن موجودية المركب يلزمها موجودية البسائط. نعم قد يقتضي مفهومُه أن يكون الموجود -أي ما له الوجود- غيرَ الوجود، لكن عقلاً؛ لامتناع موضوعية الشيء لنفسه، لا خارجًا؛ لشموله ما له الوجود الغير الزائد كما سيجيء.\rثم نقول: وكل موضوع له المحمول، فالوجود له الوجود، وكل ماله الوجود موجود.\rومما يدلُّ عليه اتفاق شيخي المتكلمين والحكماء أن وجود الواجب عينُ ماهيته، وماهيته موجودة، فكذا هو؛ وذلك لأن معنى الموجود ما له الوجود، لا من صدر عنه الوجود، بخلاف الكاتب فرضًا، وإلا لم يصدق على المخلوق، ولا ما وقع عليه الوجود، كالمضروب مثلاً، وإلا لم يصدق على الخالق.\rفإن قلتَ: الذي اتفقوا عليه أنَّ وجوده الخاصَّ عينُ ماهيته لا الوجود المطلق، فلا يلزم إلا أن يكون الوجودُ الخاص موجودًا.\rقلتُ: بعد ما ثبت وصحَّ بالبرهان النيِّر أن الوجودَ المطلَق يصدقُ على الوجود الخاص الواجبي الذي هو عندهم عين الحقيقة الموجودة، وكل ما يصدق على ما هو عين الوجود بهو هو، فهو موجود، فالمطلَق موجود.\rثم نقول: لا شك أن الوجود للوجود ضروري، لما مر أن الماهيات غير مجعولة، وأن سلب الشيء عن نفسه ممتنع، فإنه ذاتي له لما قيل: كل حكم ثبت لشيء بواسطة أم ثبت لذلك الأمر بالذات -كقدم القدم وحدوث الحدوث وتعين التعين وغيرها-، فكذا وجود الوجود ذاتيٌّ بلا علة. ولأنَّ ذات الشيء لا يعلل ثبوتًا، كما لا يبرهن عليه إثباتًا. ولما نقلناه فيما مرَّ عن المحقق الطوسي قدس سره: إنَّ كلَّ ماهيةٍ وجودُها عينها، فهي واجبة لذاتها، وكل ما وجوده ضروري فهو واجب، ثم لا واجب إلا هو، لامتناع تعدد الواجب. وهذا برهان يمكن أن يستنبط منه براهين عديدة عزيزة.\r*****\rالبرهان الخامس: أن الوجود المطلَق لو لم يكن موجودًا كان معدومًا، وإلا كذب أجلى البديهيات فارتفع الثقة عن العِلميَّات، لكن المعدوم وإن كان بمعنى المتصف بالعدم لزم اتصافُ الوجود","part":1,"page":96},{"id":144,"text":"____________\r=\rبالعدم واجتمع النقيضان، وإن كان بمعنى المرتفع رأسًا، فالوجود المطلَق لو ارتفع ارتفع كل وجود -حتى الواجب-، كما أن الانسانية المطلقة لو ارتفعت ارتفع كل انسانية فلم يبق إنسان، وارتفاع وجود الواجب ممتنع، فكذا ارتفاع الوجود المطلَق، وكل ما ارتفاع وجوده ممتنع فوجوده واجب -لما تبين في العقليات-.\rلا يقال: فيه شكان: الأول: أن الواجب بالذات الذي هو المبحث، ما يمتنع ارتفاع وجودِه لذاته، وههنا ارتفاع وجود الموجود المطلَق؛ لكونه مستلزمًا لارتفاع وجود الواجب، فإن المطلق لازمه، وارتفاع اللازم ملزوم ارتفاع الملزوم، فهو كامتناع ارتفاع العقل الأول الذي هو لازم الواجب بالذات عندهم، ولا شك أن وجوبه بالغير لا بالذات.\rلأنَّ جوابه: أن ارتفاع الحقيقة الكلية التي هي ذات الأفراد ومقومها، عينُ ارتفاع الأفراد التي من جملتها وجود الواجب؛ إذ الفرقُ بين الذاتي واللوازم الأخر فيما ذكروا أنَّ رفع الأفراد عين رفع الماهية، بخلاف رفع اللوازم الأخر، كالعقل الأول للواجب، فتبين الفرق وحصحص الحق).\rوعلَّق عليه كلٌّ من الخميني والآملي: (قوله: ارتفاع الحقيقة الكلية، ليس نسبة مفهوم الوجود إلى ما صدق عليه نسبة الحقيقة الكلية إلى أفرادها والماهية على مصاديقها، وأما حقيقة الوجود التي هي عين الحق فهي ليست بماهية كلية صادقة على الأفراد، وهذا أمر مشتبهٌ على الشارح وأترابه، وقد حُقِّق في محله، فمن أراد الإطلاق عليه فليراجع كتب صدر المتألهين قدس الله نفسه الزكية -خ- للوجود وجود الواجب -ل).\rثم قال الفناري: (الثاني: النقضُ بمطلق التعيُّن، فإنَّ ارتفاعه يوجب ارتفاعُ تعيّن الحقِّ الذي هو عين الحق، كما علم، فيلزم أن يكون مطلَق التعين حقيقةُ الحق، وليس كذلك، بل التعينات مجالي تنزلاته.\rلأنَّ جوابه: أن تعيّن الحق نسبةٌ، فكونه عين الحق معناه أن لا وجود له إلا وجود الحق، لا أن له وجودًا حقيقةً هو عين وجود الحق كما للوجود.\rفإن قلتَ: فكذا كلُّ تعين نسبةٌ، فيكون عين المتعيِّن بذلك المعنى، فما الداعي إلى الفرق بين تعين الحق وتعين غيره؟","part":1,"page":97},{"id":145,"text":"__________\r=\rقلتُ: هو أن لتعين ما يسمى غيرًا باعثًا على اعتباره، كاجتماع الحقائق حسًّا أو مثالاً أو روحًا، بخلاف تعين الحق الأحدى أو الواحدي.\rأمَّا الأول فهو صورة علمه بنفسه، وفسَّرها الشيخ قدس سرُّه بكونه غير متعين في نفسه وقابلاً أن يحكم عليه بحكم كلِّ متعين بحسب كل تعين، مع كونه في نفسه غيرُ متعين حالَ الحكم عليه بذلك. وهذا إنما يلحقه في مرتبة التعين الأول الذي هو الحدُّ الفاصل بين كمال الإطلاق حتى قيد الأحدية، وبين ما اندرج تحت الشهادة، إذ قبله لا حكم عليه ولا وصف له، لا بالأحدية ولا بعدمها.\rوأمَّا الثاني فباعتبار اتصافه الإحاطي بجميع الكمالات الجمالية والجلالية، فمعنى واحديته وتعينه بها أن لا تعدد في مجموعٍ له أحدية جمعية لا يتصور ورائها وصف ولا مرتبة. فهذان التعينان له لا يتوقفان على ملاحظة الغير الباعث على اعتبارهما لإمكان اتصافه بهما، ولو لم يتحقق الغير.\rفإن قلت: هذان التعينان المسميان بالتعيُّن الأول والثاني عند القوم نسبةٌ كما مر، فمعروضُ النسبةِ خالٍ في نفسه عنهما. وأيضًا فهل له تحقق بدونهما، فضلاً عن غيرهما، وقد قيل: لا تحقق للعام بدون أحد خواصه؟ أو لا تحقق له بدونهما، فكيف صحَّ نفي الشيء -أي الوجود المطلق- عن نفسه؟ وفيه من المحالات السالفة.\rقلتُ: كلُّ ما له ماهيةٌ وهوية غير الوجود لا يتصور مقارنتها للوجود إلا بالتعيّن؛ لأن تلك المقارنة بعين الوجود، بخلاف ما لا ماهية له غير الوجود، فإنه في نفسه واتصافه بالوجود منزَّه عن التعين، لعدم احتياجه إلى غير ذاته؛ لأن ذلك الاحتياج هو المنبع للحاجات والمحتد للتعينات. فقوله: لا تحقق للعام ... إلى آخره، إنما يتصور في القسم الأول ويتعالى القسم الثاني عن ذلك، فعند تحقيقه كما ينبغي يتحقق كون الحق تعالى واجبًا وجودُه أزليًّا أبديًّا ومستغنيًا عن مطلَق التعيُّن، وعدم منافاة ذلك توقف ظهور بعض كمالاته الأسمائية على بعض التعينات الكلية أو الجزئية التي هي شؤونه وأوصافه ومقتضيات ذاته، لكن بحسب شروطها للمظهرية، وتتسلق بذلك إلى التحقيق بالتوحيد الذاتي والأسمائي والأفعالي إن وفقت).\rوعلَّق الخميني على هذا البرهان الخامس فقال: (قوله: البرهان الخامس ... إلى آخره، هذا البرهان في غاية السقوط، والاشتباه فيه ناشئ من أخذ مطلق الوجود مكان الوجود المطلَق،","part":1,"page":98},{"id":146,"text":"ظهرت في مَلْبَس الكثرةِ بقُيودٍ وتَعيُّناتٍ اعتِبَاريَّةٍ (¬1)،\r¬__________\r=\rوالمقصود إثبات الثاني للحق لا الأول، فإنه ليس محلَّ البحث ههنا، فتدبر). [مصباح الأنس بين المعقول والمشهود - محمد بن حمزة الفناري - ص 150 - 157].\r(¬1) قال الفناري: (إنَّ المؤثر هو الحقُّ وتجليه الذاتي الأحدي لا غير، وتأثيرُه إظهارَ التعيُّن العلمي الذاتي الكامن في غيبه صورةٌ ظاهرةٌ في نفسها، لكن لا من حيث هو، إذ هو من تلك الحيثية غني عن العالمين، بل من حيث نِسَبُ أسمائه، ومن حيث يعلم نفسه وما في نفسه من عين علمه بذاته، فإنَّ تأثيره بالقدرة المتعلقة بما عينته الإرادة الذاتية التابعة لما في علمه المتعلِّق المتعيِّن حسب تعين المعلوم في نفسه، المراد حسب استعداده ولوازم استعداده. فلكيفيات الأشياء وحقائقها ومراتبها أيضًا مدخلٌ بسؤالاتهم الاستعدادية في تعلق النسب الأسمائية المطلقة في ذاتها، لكن بالشرطية والإعداد، لا بالعلية والإمداد.\rوكذا المتأثر هو الوجود الإلهي، لكن لا من حيث هو سبحانه وإن كان من نفسه، فضلاً عن أن يكون من غيره، بل من حيث اقتضاء حكمته في نسبة ظهوره كمال جلائه واستجلائه في شؤون نفسه التي هي حقائق الممكنات بقدر قابلياتها، تفصيلاً تارة، وجمعًا أخرى، وجمعًا وتفصيلاً أخرى). [مصباح الأنس بين المعقول والمشهود - محمد بن حمزة الفناري، تصحيح وتقديم: محمد خواجوي|ط 1|1416 - 1374، طبعة: مولى - طهران - ايران||مع تعليقات لميرزا هاشم الأشكوري والخميني وسيد محمد القمي وآقا محمد رضا قمشئي والأستاذ حسن زاده آملي ص 121 - 122]\rقال الفناري: (ثم قال: فلا أثرَ للأعيان الثابتة من كونها مرايا في التجلِّي الوجودي الإلهي من حيث ظهور التعدد الكامن في غيب ذلك التجلي، فهو أثرٌ في نسبة الظهور من الأمر الذي هو شرط في الإظهار، يعني به اقتران الأعيان الثابتة بحسب استعداداتها المخصوصة بالتجليات.\rوهذا بناءً على ما قال فيه أيضًا: إنَّ الحق يتعالى عن أن يكون متأثرًا عن غيره، ويتعالى حقائق الممكنات عن أن يكون من حيث حقائقها متأثرة؛ لأنها في ذوق الكمال من هذا الوجه عين شؤون الحق، فلا جائز أن يؤثر فيها غيرها). [مصباح الأنس بين المعقول والمشهود - محمد بن حمزة الفناري - ص 120]","part":1,"page":99},{"id":147,"text":"ولهذا السببِ لا يتطرقُ إلى حقيقةِ وَحْدتِها تعددٌ ولا انقِسَامٌ (¬1).\r¬__________\r(¬1) قال ابن عربي في تفسيره: ((وقالوا اتخذ الله ولدًا) أي: أوجد موجودًا مستقلاً بذاته مخصوصًا دونه. (سبحانه) نُنَزهه عن أن يكون غيره شيءٌ فضلاً عما يجانسه. (بل له ما في السماوات والأرض) أي: له عالم الأرواح والأجساد، وهي باطنُه وظاهرُه، كما تقول: له الذات والوجه والصفات وأمثال ذلك. (كلٌّ له قانتون) موجودون بوجوده، فاعلون بفعله، معدومون بذواتهم، وهو غاية الطاعة والقيام بحقه؛ إذ هو الوجود المطلق، فلا يوجد بدونه شيء. والوجودات المعيَّنة صفاته وأسماؤه، لامتيازها بتعيناتها التي هي أمور إمكانية عدمية، ليست عينه بالاعتبار العقلي الذي يقسمها إلى الوجود والماهية التي هي بدون الوجود ليست شيئًا في الخارج، لكن في العقل. والعقليات باطنُه، فهي في الحقيقة ليست غيره فلا يكون غيره موجودًا حتى يكون ولدًا، أي: معلولاً أو مخلوقًا أو ما شئت فسمه. [تفسير ابن عربي - ابن العربي، ضبطه وصححه وقدم له الشيخ عبد الوارث محمد علي|الطبعة الأولى|1422 - 2001 م|لبنان/ بيروت - دار الكتب العلمية - ج 1 - ص 71 - 72]\rقال العلامة الألوسي في تفسيره: (واستدلَّ الملا صدرا على نفي الأجزاء العقلية له تعالى بأن حقيقته سبحانه إنية محضةٌ ووجودٌ بحت، فلو كان له عزَّ وجلَّ جنسٌ وفصلٌ لكان جنسه مفتقرًا إلى الفصل لا في مفهومه ومعناه، بل في أن يوجد ويحصل بالفعل، فحينئذ يقال: ذلك الجنس لا يخلو إمَّا أن يكون وجودًا محضًا أو ماهية غير الوجود، فعلى الأول يلزم أن يكون ما فرضنا فصلاً ليس بفصل، إذ الفصل ما به يوجد الجنس وهذا إنما يتصور إذا لم يكن حقيقة الجنس حقيقة الوجود، وعلى الثاني يلزم أن يكون الواجب تعالى ذا ماهية، وقد حقق أنَّ نفس الوجود حقيقته بلا شوب. وأيضًا لو كان له تعالى جنسٌ لكان مندرجًا تحت مقولة الجوهر، وكان أحد الأنواع الجوهرية، فيكون مشاركًا لسائرها في الجنس، وقد بُرهِنَ على إمكانها، وحُقِّقَ أن إمكان النوع يستلزم إمكان الجنس المستلزم لإمكان كل واحد من أفراد ذلك الجنس من حيث كونه مصداقًا له، إذ لو امتنع الوجود على الجنس من حيث هو جنس، أي مطلقًا، لكان ممتنعًا على كلِّ فرد، فإذًا يلزم من ذلك إمكان الواجب تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا. ومبنى هذا أنَّ حقيقة الواجب تعالى هو الوجود البحت، وهو مما ذهب الحكماء وأجلة من المحققين","part":1,"page":100},{"id":148,"text":"____________\r=\r[إليه]. وليَس المرادُ من هذا الوجود المعنى المصدري الذي لا يجهله أحدٌ، فإنه مما لا شكَّ في استحالة كونه حقيقة الواجب سبحانه، بل هو بمعنى مبدأ الآثار، على ما حققه الجلال الدواني وأطال الكلام فيه في حواشيه على شرح التجريد وفي شرحه للهياكل النورية وفي غيرهما من رسائله. وللملا صدرا في هذا المقام والبحث في كلام الجلال كلامٌ طويلٌ عريض، وقد حَقَّقَ الكلامَ بطرز آخر يطلب من كتابه الأسفار، بيد أنَّا نذكر هنا من كلامه سؤالاً وجوابًا يتعلقان فيما نحن فيه فنقول:\rقال -أي الملا صدرا-: فإن قلت: كيف يكون ذات الباري سبحانه عينَ حقيقةِ الوجود، والوجود بديهي التصور، وذات الباري مجهول الكنه؟\rقلتُ: قد مرَّ أن شدة الظهور وتأكد الوجود هناك، مع ضعف قوة الإدراك وضعف الوجود ههنا، صارا منشأين لاحتجابه تعالى عنَّا، وإلا فذاته تعالى في غاية الإشراق والإنارة.\rفإن رجعتَ وقلتَ: إنْ كان ذات الباري نفس الوجود فلا يخلو إمَّا أن يكون الوجودُ حقيقةَ الذات كما هو المتبادر، أو يكون صادقًا عليها صِدْقًا عَرَضيًّا، كما يصدق عليه تعالى مفهوم الشيء. وعلى الأول إمَّا أن يكون المرادُ به هذا المعنى العام البديهي التصور المنتزع من الموجودات، أو معنى آخر. والأول ظاهر الفساد، والثاني يقتضي أن يكون حقيقته تعالى غير ما يفهم من لفظ الوجود، كسائر الماهيات، غير أنَّك سميت تلك الحقيقة بالوجود، كما إذا سمي إنسان بالوجود. ومن البيِّن أنه لا أثر لهذه التسمية في الأحكام، وأن هذا القسم راجعٌ إلى الواجب، ليس الوجود الذي الكلام فيه. ويلزم أن يكون الواجب تعالى ذا ماهيَّة، وقد بُرهن أنَّ كلَّ ذي ماهية معلولٌ. وعلى الثاني - وهو أن يصدق عليه تعالى صِدقًا عَرَضِيًّا- فلا يخفى أن ذلك لا يغنيه عن السبب، بل يستدعي أن يكون موجودًا، ولذلك ذهب جمهور المتأخرين من الحكماء إلى أن الوجود معدوم.\rفأقول: منشأُ هذا الإشكال حسبانُ أنَّ معنى كون هذا العامِّ المشترك عَرضيًا أنَّ للمعروض موجوديةً، وللعارض موجوديةً أخرى، كالماشي بالنسبة إلى الحيوان والضاحك، بالقياس إلى الإنسان، وليس كذلك، بل هذا المفهوم عنوانٌ وحكاية للوجودات العينية، ونسبتُه إليها نسبةُ الإنسانية إلى الإنسان، والحيوانية إلى الحيوان، فكما أنَّ مفهوم الإنسانية صحَّ أن يقال: إنها =","part":1,"page":101},{"id":149,"text":"________________\r=\rعينُ الإنسان؛ لأنها مرآةٌ لملاحظته وحكاية عن جهته، صحَّ أن يقال: إنها غيره؛ لأنها أمرٌ نسبي، والإنسان ماهية جوهرية.\rوبالجملة الوجود ليس كالإمكان حتى لا يكون بإزائه شيء يكون المعنى المصدري حكاية عنه، بل كالسواد الذي قد يُراد به نفسُ المعنى النسبي، أعنى الأسودية، وقد يرادُ به ما يكون به الشيء أسود، أعني الكيفية المخصوصة، فكما أنَّ السواد إذا فُرِض قيامه بذاته صحَّ أن يقال: ذاته عين الأسودية، وإذا فرض جسم متصف به لم يجز أن يقال: إن ذاته عين الأسودية، مع أنَّ هذا الأمر لكونه اعتبارًا ذهنيًّا زائدٌ على الجميع.\rإذا تقرر هذا قلنا في الجواب: في الترديد الأول: نختارُ الشق الأول، وهو أن الوجود حقيقة الذات.\rقولك في الترديد الثاني إمَّا أن يكون ذلك الوجودُ ما يفهم من لفظ الوجود .. إلخ، نختارُ منه ما بإزاء ما يفهم من هذا اللفظ، أعني حقيقة الوجود الخارجي الذي هذا المفهوم حكاية عنه، فإن للوجود عندنا حقيقةً في كلِّ موجود، كما أنَّ للسواد حقيقةً في كلِّ أسود، لكن في بعض الموجودات مخلوط بالنقائص والإعدام، وفي بعضها ليس كذلك. وكما أنَّ السوادات متفاوتةٌ في السوادية، بعضها أقوى وأشدّ وبعضها أضعف وأنقص، كذلك الموجودات، بل الوجودات متفاوتة في الموجودية كمالاً ونقصانًا.\rولنا أيضًا أن نختار الشقَّ الثاني من شقي الترديد الأول، إلا أنَّ هذا المفهوم الكلي وإن كان عرضيًّا، بمعنى أنه ليس له بحسب كونه مفهومًا عُنوانيًّا وجودٌ في الخارج حتى يكون عينًا لشيء، لكنه حكايةٌ عن نفس حقيقة الوجود القائم بذاته، وصادقٌ عليه بحيث يكون منشأُ صدقِه ومصداقُ حمله عليها نفسَ تلك الحقيقة، لا شيئًا آخر يقوم به كسائر العرضيات في صدقها على الأشياء. فصدقُ هذا المفهوم على الوجود الخاص يشبهُ صدقَ الذاتيات من هذه الجهة. فعلى هذا لا يردُ علينا قولك: صدق الوجود عليه لا يغنيه عن السبب؛ لأنه لم يكن يغنيه عن السبب لو كان موجوديته بسبب عروض هذا المعنى أو قيام حِصَّة من الوجود، وليس كذلك، بل ذلك الوجود الخاص بذاته موجودٌ كما أنَّه بذاته وجودٌ، سواء حمل عليه مفهوم الوجود أو لم يحمل. والذي ذهب الحكماء إلى أنه معدومٌ ليس هو الوجودات الخاصة، بل هذا الأمر العامُّ الذهني الذي يصدق على الأينات والخصوصيات الوجودية، انتهى.","part":1,"page":102},{"id":150,"text":"__________________\r=\rوما أشار إليه من تعدد الوجودات قال به المشَّاؤون، وهي عند الأكثرين حقائقُ متخالفةٌ متكثرةٌ بأنفسها، لا بمجرد عارض الإضافة إلى الماهيات لتكون متماثلة الحقيقة، ولا بالفصول ليكون الوجود المطلق جنسًا لها. وقال بعضهم بالاختلاف بالحقيقة حيث يكون بينُها من الاختلاف ما بالتشكيك، كوجود الواجب ووجود الممكن، وكذا وجود المجردات ووجود الأجسام.\rوقالت طائفةٌ من الحكماء المتألهين: إنه ليس في الخارج إلا وجودٌ واحدٌ شخصيٌّ مجهولُ الكنه، وهو ذاتُ الواجب تعالى شأنه، وأمَّا الممكنات المشاهدة فليس لها وجودٌ، بل ارتباط بالوجود الحقيقي الذي هو الواجب بالذات ونسبة إليه، نعم يطلق عليها أنها موجودة بمعنى أن لها نسبةً إلى الواجب تعالى. فمفهومُ الموجود أعمُّ من الوجود القائم بذاته ومن الأمور المنتسبة إليه نحوًا من الانتساب، وصدقُ المشتَقِّ لا ينافي قيامَ مبدأ الاشتقاق بذاته الذي مرجعه إلى عدم قيامه بالغير، ولا كون ما صدق عليه أمرًا منتسبًا إلى المبدأ لا مَعروضًا له بوجهٍ من الوجوه، كما في الحداد والمشمس. على أنَّ أمرَ إطلاقَ أهل اللغة وأرباب اللسان لا عبرةَ به في تصحيح الحقائق، وقالوا: كون المشتق في المعقولات الثانية والبديهيات الأولية لا يصادمُ كونَ المبدأ حقيقة متأصلة متشخِّصة مجهولة الكنه، وثانويةُ المعقول وتأصلُّه قد يختلف بالقياس إلى الأمور، ولا يخفى ما فيه من الأنظار.\rومثلُه ما دار على ألسنة طائفةٍ من المتصوفة من أن حقيقة الواجب المطلَق -تمسكًا بأنه لا يجوز أن يكون عدمًا أو معدومًا، وهو ظاهرٌ، ولا ماهيةً موجودةً بالوجود أو مع الوجود تعليلاً أو تقييدًا؛ لما في ذلك من الاحتياج والتركيب-، فتعيَّن أن يكون وجودًا، وليس هو الوجودَ الخاصَّ؛ لأنَّه إنْ أخذ مع المطلَقِ فمركَّب، أو مجرَّدِ المعروضِ فمحتاجٌ؛ ضرورةَ احتياج المقيَّد إلى المطلَق، ومتمسكهم هذا أوهن من بيت العنكبوت!\rوالذي حقَّقتُه من كُتبِ الشيخ الأكبر قُدِّس سرُّه وكتبِ أصحابه، أنَّ الله سبحانه ليس عبارة عن الوجود المطلَق بمعنى الكلي الطبيعي الموجود في الخارج في ضمن أفراده، ولا بمعنى أنه معقولٌ في النفس مطابقٌ لكلِّ واحد من جزئياته في الخارج، على معنى أنَّ ما في النفس لو وجد في أي شخص من الأشخاص الخارجية، لكان ذلك الشخص بعينه من غير تفاوت أصلاً، بل بمعنى عدم التقيد بغيره مع كونه موجودًا بذاته، ففي الباب الثاني من الفتوحات: إنَّ الحقَّ تعالى","part":1,"page":103},{"id":151,"text":"______________\r=\rموجودٌ بذاته لذاته، مطلَقُ الوجودِ، غيرُ مقيَّدٍ بغيره، ولا معلولٍ من شيء، ولا علةٍ لشيء، بل هو خالق المعلولات والعلل، والملك القدوس الذي لم يزل.\rوفي النصوص للصدر القونوي: تصور إطلاق الحقِّ يشترط فيه أن يُتعقَّل، بمعنى أنَّه وصفٌ سلبيٌّ، لا بمعنى أنه إطلاقٌ ضدُّه التقييد، بل هو إطلاقٌ عن الوحدة والكثرة المعلومتين، وعن الحصر أيضًا في الإطلاق والتقييد وفي الجمع بين كل ذلك والتنزيه عنه، فيصح في حقِّه كلُّ ذلك حال تنزهه عن الجميع.\rذَكَر بعضُ الأجلَّة أنَّ الله تعالى عند السادة الصوفية هو الوجودُ الخاصُّ، الواجبُ الوجود لذاته، القائمُ بذاته، المتعيِّنُ بذاته، الجامعُ لكلِّ كمالٍ، المنزَّهُ عن كلِّ نقصٍ، المتجلي فيما يشاء من المظاهر مع بقاء التنزيه. ثم قال: وهذا ما يقتضيه أيضًا قول الأشعري بأنَّ الوجودَ عينُ الذاتِ، مع قوله الأخير في كتابه الإبانة بإجراء المتشابهات على ظواهرها مع التنزيه بـ (ليس كمثله شيء). وتحقيقُ ذلك أنَّه قد ثَبتَ بالبرهان أنَّ الواجب الوجود لذاته موجود فهو: إمَّا الوجود المجرَّدُ عن الماهية المتعين بذاته. أو الوجودُ المقترِن بالماهية المتعيِّن بحسبها. أو الماهية المعروضة للوجود المتعيِّن بحسبها. أو المجموع المركب من الماهية والوجود المتعيِّن بحسبها.\rلا سبيل إلى الرابع؛ لأن التركيب من لوازمه الاحتياج. ولا إلى الثالث؛ لاحتياج الماهية في تحققها الخارجيِّ إلى الوجود. ولا إلى الثاني؛ لاحتياج الوجود إلى الماهيَّة في تشخصه بحسبها، والاحتياج في الجميع ينافي الوجوب الذاتي، فتعيَّن الأولُ.\rفالواجب سبحانه الموجود لذاته هو الوجود المجرَّدُ عن الماهية، المتعيَّن بذاته. ثم هو إمَّا أن يكون مطلقًا بالإطلاق الحقيقي، وهو الذي لا يقابله تقييد القابل لكلِّ إطلاق وتقييد. وإمَّا أن يكون مقيَّدًا بقيد مخصوص. لا سبيل إلى الثاني؛ لأنَّ المركَّب من القيد ومعروضه من لوازمه الاحتياج، المنافي للوجوب الذاتي. فتعيَّنَ الأوَّل. فواجب الوجود لذاته هو الوجودُ المجرَّدُ عن الماهية، القائمُ بذاته، المتعيِّن بذاته، المطلَقُ بالإطلاق الحقيقي.\rوأهلُ هذا القول ذهبوا إلى أنَّه ليس في الخارج إلا وجودٌ واحد، وهو الوجود الحقيقيُّ، سوأنه لا موجودَ سواه، وماهياتُ الممكنات أمورٌ معدومةٌ متميِّزةٌ في أنفسها تميزًا ذاتيًّا، وهي ثابتةٌ في","part":1,"page":104},{"id":152,"text":"كالواحد فإنَّه مبدأُ الأعداد وأصلُها، وله الظُّهورُ في جميعِ مراتبِ الأعدَاد، ولا يتطرَّقُ إلى حقيقةِ وحدَتِه انقسامٌ قَطعًا.\rوكما أنَّ في جميع مراتبِ الأعداد الكثيرةِ، الغيرِ المتناهيةِ، ليس شيءٌ غير الواحدِ، كذلك في جميعِ المَظَاهِرِ الكونيَّة ليس إلا الذاتُ الوحْدَانيُّ (¬1).\r¬__________\r=\rالعلم، لم تشمَّ رائحة الوجود، ولا تشمُّه أبدًا، لكن تظهر أحكامها في الوجود المفاضِ، وهو النورُ المضاف، ويسمَّى العَمَاء والحقَّ المخلوق به، وهؤلاء هم المشهورون بأهل الوحدة.\rولعلَّ القولَ الذي نقلناه عن بعض الحكماء المتألهين يرجع إلى قولهم: وهو طَورُ ما وراء طور العقل، وقد ضلَّ بسببه أقوامٌ، وخرجوا من ربقة الإسلام. [تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج 17 - ص 203 - 206]\r(¬1) قال ابن عربي في كتاب الألف ص 3 من مجموع الرسائل: (وقد أشركَ المشركون معه الملائكةَ والنجوم والأناسي والشياطين والحيوانات والشجر والجمادات، فصارت الأحديةُ ساريةً في كلِّ موجود، فزال جمعُ الإنسان من الاختصاص. وإنما عمت جميعَ المخلوقات الأحديةُ للسريان الإلهي الذي لا يَشعرُ به خَلقٌ إلا من شاء الله، وهو قوله: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)، وقضاؤه لا سبيلَ أن يكون في وُسعِ مخلوقٍ أن يردَّه، فهو ماضٍ نافذٌ، فما عَبَد عابدٌ غيرَه سبحانه، فإذن الشريك هو الأحدُ، وليس المعبود هو الشخص المنصوب، وإنما هو السرُّ المطلوب، وهو سرُّ الأحدية).\rوقال في ص 4: (ولا تتخيل أنَّ المشرك لا يقول بالواحد، بل يقول به ولكن من مكانٍ بعيد، ولهذا شَقي بالبعد، والمؤمن يقول به من مكانٍ قريب، ولهذا سَعِدَ بالقرب، وإلا فهذا المشرك قد أثبت وحدانية ذات المعبود، وأثبت وحدانية الشريك، ثم أعطى لوحدانية الشريك وحدانية حسيَّة، وأعطى لوحدانية الحق وحدانية سِرِّه).\rوقال في ص 5: (فإذن المعبود بكل لسان وفي كل حال وزمان إنما هو الواحدُ، والعابدُ من كل آبد إنما هو الواحد، فما ثمَّ إلا الواحد، والاثنان إنما هو واحد، وكذلك الثلاثة والأربعة والعشرة","part":1,"page":105},{"id":153,"text":"فتوهُّم التَّعدُدِ والتَّكَثُّرِ ليس إلا باعتبارِ التَّجلِّياتِ والتَّنَزُّلاتِ؛ إذ بها صَارتِ القُيودُ والتعيناتُ الاعتِباريَّةُ منضمَّةً إليها (¬1).\r¬__________\r= والمائة والألف إلى ما لا يتناهى ما نجد سوى الواحد، ليس أمرًا زائدًا؛ فإن الواحد ظهر في مرتبتين مقولتين فسمى اثنين، هكذا -اا- مثلاً، ثم ظهر في ثلاث مراتب هكذا -ااا- مثلاً فسمي ثلاثة، ثم زدنا واحدًا فكان أربعة، وواحداً على الأربعة فكان خمسة. كذلك أيضًا ما أنشأه يفنيه بزواله عن تلك، فتكون الخمسة موجودةً، فإذا عدم الواحد من الخمسة عدمت الخمسة، وإذا ظهر الواحد ظهرت، وهكذا في كل شيء). وقال: (ولهذا إذا ضربت الواحد في الواحد لم يتضعف ولم يتولد منهما كثرةٌ؛ لأنهما ما هو -كذا في المطبوعة-، فإنك إذا ضربت لا شيء في نفسه فلم يظهر لك سوى نفسه، فاضرب أنا في أنا يخرج لك في الخارج أنا، واضرب هو في هو يخرج لك في الخارج هو، وهكذا في كلِّ مضروب في نفسه حتى الجمل، فإذا ضربت الجملة في الجملة يخرج لك من الأعداد إحدى الجملتين كاملة في مرتبة كل واحد من آحاد تلك الجملة المضروب فيها، وذلك لأنَّ الجملة واحدة في الجمل، والجمل والجملة آحاد، والآحاد تَكرار الواحد في المراتب، فالوحدانية ساريةٌ ما ثَمَّ غيرها، والتثنية مثل الحال لا موجودة فإن الحقيقة تفنيها، ولا معدومة فإن الحق يثبتها).\rقال الألوسي في تفسيره (124/ 15): (ومن باب الإشارة في الآيات: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) قالت الوجودية من الصوفية: إنَّه تعالى سَبَق قضاؤه أن لا يعبد سواه، فكل عابدٍ إنما يعبد الله سبحانه من حيث يدري ومن حيث لا يدري؛ فإنه جلَّ شأنُه الأول والآخر والظاهر والباطن، والأعيان الثابتة ما شمت رائحة الوجود ولا تشمه أبدًا).\r(¬1) قال الشيخ منتظري من معاصري الشيعة الإمامية الاثني عشرية بانياً مفهوم الإمامة عندهم وفائدتها على وحدة الوجود: (تقدَّم أن نظام الوجود يتلخص في ذات الله الكاملة واللامتناهية، فهو الوجودُ المطلَق والقائم بالذات، وما الموجودات إلا مراتبُ ودرجاتٌ متنوعة لفيضه وإشعاعاته، وعينُ التعلُّقِ والارتباطِ به، فما أمكنَ له منها أن يوجد، وُجِدَ في قوس النُّزولِ بإذن الله وإرادته. وتبدأ هذه المراتب من العقل الأول المتَّصل بإرادة الله بلا واسطة، إلى أدنى =","part":1,"page":106},{"id":154,"text":"_______________\r=\rمراتب الوجود الذي هو المادة، وإنَّ نور الوجود يتنزل إلى المراتب الدنيا عبر الوسائط. وفي الحقيقة إنَّ كلَّ مرتبةٍ من هذه المراتب معلولةٌ للمرتبة التي تسبقها، وإنَّ علةَ العِلَلِ هو الله، وهذا حتى الآن هو قوس النزول من إفاضة الله.\rولكن بما أنَّ الله فيَّاضٌ مطلَقٌ، ولا ينقطِعُ عن الإفاضة، تَبدَأُ المادَّة بما لها من الاستعداد الكامن في ذاتها، بالسير طِبقًا للحركة الجوهرية نحو الكمال، فتستمر إفاضةُ الله في قوس الصُّعود بحسب القابلِيَّات، فتظهر الكائناتُ المتنوعة في درجات ومراتب مختلفة حتى يبرز في نهاية المطاف أفرادٌ كاملون يضاهون العقل الأول في كمالهم.\rإذن فالإنسان الكامل، وبعبارة أخرى: النبي والإمام، هو الثَّمرة الطيِّبةُ العليا، والعلة الغائية العظمى من عالم المادة وحركتها، فمثلاً إنَّ الفلَّاح الماهر يزرع في بستانه مختلفَ الأشجار، ويقوم بسقيها وتوفير الظروف اللازمة لنموها وتكاملها، وهدفُه من ذلك الحصولُ على الثمار الجيدة والصالحة، برغم أنَّه قد يجني في الأثناء ثمارًا تافهة وأعشابًا ضارة. والفلَّاح هو غاية الغايات؛ لأنَّه إنما يريد الثمارَ لنفسه.\rوبعبارة أخرى: إن غاية الغايات هو الفاعل، فهكذا بالنسبة إلى موجِد عالم الطبيعة، فهو يهدف من إيجاد المادة وهدايتها في مختلف المسيرات، إلى إيجادِ الإنسان المتكامل الذي يضاهي العقلَ الأول. إذن فأنبياء الله والأئمة المعصومون، هم العلَّةُ الغائية العظمى لنظام التكوين وخلقِ عالم المادة، وإنَّ الله سبحانه هو غاية الغايات، كما جاء في الحديث القدسي -يريد ما أورده الفيض الكاشاني في علم اليقين: (خلقت الأشياء لأجلك، وخلقتك لأجلي) -، فعالم الطبيعة معلولٌ على الدوام. وكما أنَّ المعلول بحاجة إلى علة فاعلية، فهو بحاجة إلى علَّةٍ غائية أيضًا، وقد قيل في محله: إنَّ العلة الغائية هي العلة الفاعلية، وعليه يكون للأنبياء والأئمة عليهم السلام دخلٌ في تكوين هذا العالم و تحولاته وتحركاته، وربما أشارت الروايات المتقدمة إلى هذا المعنى، ومنها الحديث القدسي الذي خاطب فيه الله النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: (وأنت خِيرَتِي من خَلْقِي، وعِزَّتِي وجَلَالي لَولاكَ ما خَلَقْتُ الأفلاكَ).\rوالحاصل أنَّ وظيفة الإمام وفائدته لا تنحصر في إقرار النظم الاجتماعي وإدارة الأمور السياسية ليترك انتخابه إلى الناس كما يقول العامَّة، ولذا فقد بادر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى =","part":1,"page":107},{"id":155,"text":"وأمَّا أولو البصائر والألباب الذين خُصُّوا بحكمةٍ بالغةٍ وفصلِ الخِطاب؛ فقد شاهدوا وأدركوا أنَّ تلك الكَثرةَ اعتباريةٌ غيرُ متحققةٍ في نفس الأمر، وليس موجودٌ حقيقةً إلا الذاتَ الواحدة المتعالية.\rوحَقَّقوا أنَّ وجود الأغيار مع غيرة الواحد القهار محالٌ، وتوهُّم الغيرية باطلٌ وخَيالٌ (¬1).\r¬__________\r= تعيين خليفته بنفسه). [من المبدأ إلى المعاد في حوار بين طالبين - الشيخ المنتظري، الطبعة الأولى، دار الفكر|964 - 6012 - 88 - 4|قم - ص 142 - 144]\r(¬1) مفهوم ظِلِّية العالم:\rجاء في شرح القيصري على فصوص الحكم: ((فيقول: اعلم، أنَّ المقول عليه سوى الحق أو مسمى (العالم) هو بالنسبة إلى الحق كالظل للشخص) أي، كلُّ ما يطلق عليه اسم الغيرية، أو يقال عليه أنه مسمى (العالم)، فهو بالنسبة إلى الحق تعالى كالظل للشخص. وذلك لأن الظلَّ لا وجود له إلا بالشخص، كذلك العالم لا وجود له إلا بالحق، وكما أنه تابع له كذلك مسمى (العالم) تابعٌ للحق لازمٌ له؛ لأنَّه صور أسمائه ومظهر صفاته اللازمة له. وإنما قال بلفظ التشبيه؛ لأنَّه من وجه عين الحق، وإن كان من وجه آخر غيره. والظل لا يمكن أن يكون عين الشخص. والمقصود إثبات أن العالم كله خيال - وكما قال: (سأبسط القول في هذه الحضرة). (فهو ظل الله). وإنما جاء بهذا الاسم الجامع دون غيره من الأسماء؛ لأن كل واحد من الموجودات مظهرُ اسمٍ من الأسماء الداخلة فيه وظلٌّ له، فمجموع العالم ظل للاسم الجامع للأسماء. (فهو عين نسبة الوجود إلى العالم)، أي، ظل الله هو عين نسبة الوجود الإضافي إلى العالم؛ وذلك لأن الظل يحتاج إلى مَحَلٍ يقوم به، وشخص مرتفع يتحقق به، ونور يظهره، كذلك هذا الظلُّ الوجودي يحتاج إلى أعيان الممكنات التي امتدَّ عليها، وإلى الحق ليتحقق به، وإلى نوره ليظهر به. ونسبةُ الوجود الكوني إلى العالم نسبةُ الظلِّ إلى ما يقوم به، ونسبتُه إلى الحق نسبةُ الظل إلى مَنْ يتحقق به، وهو الشخص، وإليه أشار بقوله: (لأن الظِّلَّ موجودٌ بلا شك في =","part":1,"page":108},{"id":156,"text":"_____________\r=\rالحس ولكن إذا كان ثمة من يظهر فيه ذلك الظل، حتى لو قدَّرت عدم من يظهر فيه ذلك الظل، لكان الظل معقولاً غير موجود في الحس، بل يكون بالقوة في ذات الشخص المنسوب إليه الظل). كالشجرة في النواة. (فمحل ظهور هذا الظل الإلهي المسمى بـ‍ (العالم) إنما هو أعيان الممكنات، عليها امتد هذا الظل، فتدرك من هذا الظل بحسب ما امتد عليه من وجود هذه الذات). (من) بيان (ما امتد). والمراد بـ‍ (وجود هذه الذات) التجلي الوجودي الفائض منها (ولكن باسمه النور وقع الإدراك)، أي، النور اسم من أسماء الذات الإلهية، ويطلق على الوجود الإضافي والعلم والضياء، إذ كل منها مظهر للأشياء، أمَّا الوجود فظاهر؛ لأنه لولاه لبقي أعيان العالم في كتم العدم. وأمَّا العلم؛ فلأنه لولاه لم يدرك شيء، بل لا يوجد، فضلاً عن كونه مدركًا. وأمَّا الضياء؛ فلأنه لولاه، لبقيت الأعيان الوجودية في الظلمة الساترة لها. فبالضياء يقع الإدراك في الحس، وبالعلم يقع الإدراك في عالم المعاني، وبالوجود الحقاني الموجب للشهود يقع الإدراك في عالم الأعيان والأرواح المجردة.\rثم قال: (وكذلك أعيان الممكنات ليست نيرةً؛ لأنها معدومة، وإن اتصفت بالثبوت، لكن لم تتصف بالوجود، إذ الوجود نور). لمَّا قال لبعد المناسبة بينها وبين أشخاص مَنْ هي ظلٌّ له، شَرَع في آثار البعد ولوازمه. وأراد بـ‍ (الوجود) هنا الوجود الخارجي. وإنما كان الوجودُ الخارجيُّ نورًا؛ لأنه يظهر الأعيان في الخارج، فتطلع حينئذ على أنفسها وعلى مبدعها، و تعرف بعضها بعضًا وتشاهده، بخلاف الثبوت فإنها حالَ كونها ثابتةً في الغيب العِلْمي، لم يكن لها ذلك؛ للقرب المفرط.\rوالثبوتُ العلمي، وإن كان نوعًا من الوجود، لكن ليس له الظهورُ التامُّ كما للوجود العيني. واعتبر من نفسك: فإنَّ المعاني التي هي حاصلةٌ في روحك المجرَّدة، ثابتةٌ فيها ولا يشعر بها مفصلةً، ولا يتميز بعضها عن بعض، حتى تحصل في القلب، فيتفصل ويكتسي كلٌّ منها صورةً قريبةً من الصور الخيالية، فتشعر بها حينئذ، ويتميز بعضها عن بعض. فإذا حصلت في الخيال واكتست الصور الخيالية، صارت مشاهدة، كما نشاهد المحسوس. ثم، إذا أخرجتها في الخارج، حَصَلَ له الظهور التام، فأدركها غيرك وشاهدها. فللأعيان مراتبُ في الغيب العلمي، كما لها مراتب في الخارج. فإذا علمت ما أشير إليه، علمت الفرق بين الثبوت العلمي والوجود الخارجي. =","part":1,"page":109},{"id":157,"text":"_______________\r=\r(غير أن الأجسام النيرة يُعطي فيها البعدُ للحس صِغَرًا. فهذا تأثير آخر للبعد، فلا يدركها الحسُّ إلا صغيرة الحجم، وهي في أعيانها كبيرة عن ذلك القدر وأكثر كميات. كما علم بالدليل أنَّ الشمس مثل الأرض في الجِرم مائة وستين وربعًا وثمن مرة، وهي في الحس على قدر جرم الترس، مثلاً، فهذا أثر البعد أيضًا). أي، للبعد تأثيراتٌ في رؤية الأجسام النيرة التي هي الكواكب، يعطي البعد صغرًا، وفي غير النيرة يعطى سوادًا وزُرقة. والباقي ظاهر.\r(فما يُعلَمُ من العالم إلا قَدْرُ ما يعلم من الظلال، ويجهلُ من الحق على قدر ما يجهل من الشخص الذي عنه كان ذلك الظل). قد مر في المقدمات أنَّ الأعيان هي الذات الإلهية المتعيِّنة بتعينات متكثرة، فهي من حيث الذات عين الحق، ومن حيث التعيينات هي الظلال. [شرح فصوص الحكم - محمد داوود قيصري رومي -،||الأولى|1375 ش|شركة انتشارات علمي وفرهنگي|شركة انتشارات علمي وفرهنگي، ص 691 - 695].\rقال الخميني في تعليقاته على الفصوص مع شرح القيصري: (واعلم، أنَّ العالم بأعيانه وحقائقه كالظل، وبوجوده هو الظل؛ فإنَّ الظلَّ هو الوجود الانتسابي الذي يتوهم الجاهل أنه للعالم، والعارف يقول شيئا آخر). وقال: (لا وجودَ للظلِّ أصلاً، فوجودُه وجودٌ خيالي، فإن الظلَّ عدمُ تنوُّرِ المحلِّ عن نور المنير، ولكن يتخيل أنه شيء، مع أنه ليس بشيء. كالعالم يُتَخَيَّل أنه موجود، وليس بموجود عند التحقيق العرفاني، (ألا كلُّ شيء ما خلا اللهَ باطلٌ).\rمفهوم الخيال:\rقال القيصري في شرح الفصوص: ((ثم جعلنا الشمس) أي، الوجود الخارجيُّ الذي هو النور الإلهي، سماه شمسًا باعتبار النور الذي مَظهرُه الشمس. (عليه) أي، على الظلِّ الذي هو أعيان الممكنات. (دليلاً) يدلُّ عليه ويظهره. (وهو اسمه (النور) الذي قلناه) أي، (الشمس) هو الاسم النورُ الذي قلناه، وهو إشارة إلى قوله: (باسمه النور، وقع الإدراك)، أو مظهر الاسم النور، وكلاهما حق. وذكر الضمير باعتبار الخبر.\r(ويشهد له الحس، فإنَّ الظلال لا يكون لها عينٌ بعد عدم النور)، ظاهر. =","part":1,"page":110},{"id":158,"text":"______________\r=\r(ثم قبضناه) أي، الظل الذي هو وجود الأكوان، (إلينا قبضًا يسيرًا) قبضًا سهلاً هيِّنا، (وإنما قبضه إليه؛ لأنه ظلُّه، فمنه ظهر وإليه يرجع، وإليه يرجع الأمر كله)، ظاهر.\r(فهو هو لا غيرُه، فوجود الأكوان عين هُويَّة الحق لا غيرها، فكل ما ندركه، فهو وجود الحق في أعيان الممكنات)، أي، كلُّ ما ندركه بالمدركات العقلية والقوى الحسية، فهو عينُ وجود الحق الظاهر في مرآيا أعيان الممكنات. وقد علمتَ أنَّ الأعيان مرآيا للحق وأسمائه، كما أنَّ وجود الحق مرآة للأعيان، فبالاعتبار الأول، جميعُ الموجودات عينُ ذات الحق، والأعيان على حالها في العدم؛ لأن حامل صور الأعيان هو (النفس الرحماني)، وهو عين وجود الحق. والوجود الإضافي الفائض عليها، أيضًا عين الحق، فليس المدرك والموجود إلا عين الحق، والأعيان على حالها في العلم، وهذا مشرب الموحد.\rوبالاعتبار الثاني، الأعيانُ هي الظاهرة الموجودة في مرآة الوجود، والوجود معقولٌ محضٌ، وهذا مشرب المحجوبين عن الحق.\rومشرب المحققِ الجامعِ بين المراتب، العالمِ بها في هذا المقام، الجمعُ بين الحقِّ والخلق، بحيث شهود أحدهما لا تحجبه عن شهود الآخر، وذلك لجمعه بين المرآتين؛ لأن المرايا إذا تقابلت، تظهر منها عكس جامع لما فيها، فيتَّحدُ ما في المرايا المتعددة بحكم اتحاد انعكاس أشعتها. وإلى هذا الاعتبار أشار بقوله: (فمن حيث هُويةُ الحقِّ هو وجودُه)، أي، فكلُّ ما ندركه من حيث هوية الحق الظاهرة فيه، هو وجود الحق. (ومن حيث اختلاف الصور فيه) أي، في كل ما ندركه، (هو أعيان الممكنات، فكما لا يزول عنه) أي عن الوجود المنسوب إلى العالم، (باختلافِ الصور اسمُ الظِّلِّ) أي كونه ظلاً للحق وأسمائه،. (كذلك لا يزولُ عنه باختلاف الصور اسمُ العالم، أو اسمُ سوى الحق، فمن حيث أحدية كونه ظلاً هو الحقـ؛ لأنه الواحد الأحد، ومن حيث كثرة الصور هو العالم)، أي فمن حيث أحدية الوجود الإضافي وأحدية كونه ظلاً ظاهرًا منه، هو الحق لا غيره؛ لأن الحق هو الموصوف بالواحد الأحد لا غيره. وظلُّ الشيء أيضًا باعتبارٍ عينُه، وإن كان باعتبارٍ آخر غيرُه. ومن حيث إنه حاملٌ للصور المتكثرة، والحقُّ لا تكثر فيه، فهو العالم. (فتفطن وتحقق ما أوضحتُه لك. وإذا كان الأمر على ما ذكرتُه لك، فالعالَم متوهَّم، ما له وجودٌ =","part":1,"page":111},{"id":159,"text":"كما قال بعض الكبراء من العارفين: (¬1)\rإنَّما الكَونُ خيالٌ ... وهو حقٌّ في الحقيقةْ\rكلُّ مَنْ يفهمُ هذا ... حاز أسرارَ الطَّرِيقةْ (¬2)\r¬__________\r=\rحقيقيٌّ)؛ لأنَّ الوجود الحقيقي هو الحق، والإضافي عائد إليه، فليس للعالم وجودٌ مغائر بالحقيقة لوجود الحق، فهو أمر متوهم وجوده. (وهذا معنى (الخيال)، أي خُيِّل لك أنَّه أمرٌ زائدٌ قائمٌ بنفسه خارجٌ عن الحق، وليس كذلك في نفس الأمر). صرَّح مقصوده من بيان كون العالم ظلاً ومعناه ظاهر. (ألا تراه) أي ألا ترى الظل (في الحسِّ) حالَ كونِه (متصلاً بالشخص الذي امتدَّ عنه، يستحيلُ عليه الانفكاك عن ذلك الاتصال؛ لأنه يستحيل على الشيء الانفكاك عن ذاته). استدلَّ بعدم انفكاك الظلِّ عن الشخص على أنه عينُ ذلك الشخص، فهما في الحقيقة واحدٌ. وما أوهمَ المغايرةَ إلا ظهورُ الشيء الواحد بصورتين: إحداهما الصورة الظلية، والأخرى الصورة الشخصية. (فاعرف عينك، ومَن أنت، وما هويتك)، أي إذا عرفتَ أنَّ العالم متوهَّمٌ والمدركَ المشهودَ هو الحقُّ لا غير، فاعرف ذاتك، ومن أنت عينه أو غيره، وما هويتك وحقيقتك، أحقٌّ هي أم غيره؟ (وما نسبتُك إلى الحق، وبما أنت حق، وبما أنت عالَم وسوى وغير، وما شاكل هذه الألفاظ). أي وعلى تقدير أنك غيره، ما النسبة بينك وبينه؟ وبأي وجه أنت حقٌّ؟ وبأي وجه عالَم؟ (وفي هذا) أي في هذا العلم، (تتفاضل العلماء: فعالم بالله، وأعلم، فالحقُّ بالنسبة إلى ظلٍّ خاصٍّ صغيرٌ وكبيرٌ، وصافٍ وأصفى). [شرح فصوص الحكم - محمد داوود قيصري رومي - ص 697 - 699].\r(¬1) وهذا الشعر من كلام الشيخ ابن عربي الحاتمي صاحب الفُصوص والفُتوحات المكية وغيرهما من مشهورات الكتب.\r(¬2) قال داودُ القيصري في شرحه على فصوص الحكم: (ولما قال، عليه السلام: (الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا) نبَّه على أنَّ كلَّ ما يراه الإنسان في حياته الدنيا إنما هو بمنزلة الرؤيا للنائم: (خيالٌ =","part":1,"page":112},{"id":160,"text":"¬__________\r=\rفلا بدَّ من تأويله.) (الواو) في (ولما) عطفٌ على (لما أسرى) أي نبه صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث على أنَّ الحياة الحسية حياةٌ ظلية للحياة الحقيقية، والظل خيالٌ، كما نبَّه في (الفص اليوسفي)، فكلُّ ما في الحسِّ من الأشياء خيالاتٌ وصورٌ لمعان غيبية وأعيانٍ حقيقية، ظهرتْ في هذه الصور لمناسبة بينها وبين تلك الحقائق، فلا بدَّ من تأويل كل ما يُسمِع ويُبصَر في العالم الحسى إلى المعنى المراد في الحضرة الإلهية، ولا يعلمه إلا العالمون بالله وتجلياته وأسمائه وعوالمه، وهم الراسخون في العلم، فمَنْ وُفِّق بذلك وهُدي فقد أوتي الحكمة، (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا).\r(إنما الكون خيال ... وهو حقٌّ في الحقيقة\rكلُّ من يفهمُ هذا ... حازَ أسرار الطريقة)\rيجوز أن يكون المراد ب‍ـ (الكون) عالَمَ الصور، ويجوز أن يكون العالم بأسره؛ لأن العالم كلَّه ظلٌ للغيب المطلَق وعالمِ الأعيان. وقوله: (وهو حقٌّ) يجوز أن يكون ما يراد في مقابلة الباطل، أي هذا القول حقٌّ في الحقيقة. وكلُّ من يفهم هذا المعنى وعرف تأويلات ما يُشاهد في الكون، حاز أسرار السلوك إلى الله. ويجوز أن يكون الحقَّ تعالى، ومعناه: أن الكون وإن كان خيالاً باعتبار ظلِّيَّته، لكنه عين الحق باعتبار حقيقته؛ لأنه عين الوجود المطلق، تعيَّن بهذه الصور، فتسمى بأسماء الأكوان، كما أنَّ الظل باعتبارٍ آخر عينُ الشخص. وكل من يفهم أن الكون باعتبارٍ ظلٌّ للحق وسوى و غيرُ مسمى بالعالم، ويعلم أنَّه باعتبار آخر عينَ الحق، عَرَف أسرار السلوك والطريقة\". [شرح فصوص الحكم - محمد داوود قيصري رومي - ص 942 - 943، |شركة انتشارات علمي وفرهنگي].\rوقال العلامة المدقق الفناري في بيان أنَّ الشيء لا يثمر ما يشابهه كل المشابهة، وإلا لتكرَّر الوجود من كلِّ وجه [و] ذلك تحصيل الحاصل، وأنه من الحكيم محالٌ لخلوِّه عن الفائدة، وكونِه نوع عبث تعالى عن ذلك. واستدل على ذلك فقال: (تأييده: إنَّ أصل الزمان الذي هو اسمُ الدهر حقيقةٌ نسبيةٌ معقولةٌ، كسائر النِّسب الأسمائية، يتعيَّن أحكامُه في كلِّ عالم بحسب التقديرات المفروضة المتعيِّنة بأحوال الأعيان الممكنة وأحكامها وآثار الأسماء ومظاهرها، كذا =","part":1,"page":113},{"id":161,"text":"_________________\r= قال الشيخ قُدِّس سره في التفسير، فينبغي بناءًا على أنه لا ينقطع حكمه دنيا وآخرة، أن لا ينقطع تجدُّد نِسَبِه كما لا ينقطع تجدد أجزائه المفروضة، كنسبة الزمان الذي هو صورته إلى الزمانيات وعالم الدنيا.\rوكذا الشأن الإلهي يتجدد في كل آنٍ كما قال تعالى: (كل يوم هو في شأن) أي كل آن، وذلك لأنَّ العالَم مفتقرٌ في كلِّ نَفَسٍ إلى أن يمدَّه الحقُ بالوجود الذي به بقاء عينه، وإلا فالعدمُ يطلُب كلَّ ممكن بحكم النسبة العدمية الإمكانية، فلا بدَّ من حكم ترجيح الجمعي الأحدى المقتضي للبقاء في كل نفس. فبحكم هذين الأصلين ينبغي أن يتجدد صفةُ الوجود وإضافتُه كلَّ آن كما قال تعالى: (بل هم في لَبسٍ من خلق جديد)؛ لأن أجزاء الدهر والزمان لا يتكرر، فكذا ما بهما يتعيَّن ويتجدد، وعليه مبنى قول الشيخ الكبير رضي الله عنه:\rإنما الكون خيال ... وهو حق في الحقيقة\rكل من يعرف هذا ... حاز أسرار الطريقة\rتأنيسه من بعض الوجوه: إن الاثنين لا يتحدان، وكذا المثلان لا يجتمعان؛ لأن الحقيقة المتحدة إن خَلَعت إحدى الصورتين فلا اثنينية، وإلا فما به تعددهما ينافي الاتحاد والاجتماع المراد. [مصباح الأنس بين المعقول والمشهود - محمد بن حمزة الفناري - 834 هـ، تصحيح وتقديم: محمد خواجوي|الأولى|1416 - 1374 انتشارات مولى - طهران - ايران||مع تعليقات لميرزا هاشم الأشكوري والآية الله الخميني وسيد محمد القمي وآقا محمد رضا قمشئي والأستاذ حسن زاده آملي وفتح المفتاح، ص 98 - 99].","part":1,"page":114},{"id":163,"text":"حكاية\rقال السيِّد المحقق: قد اجتمعت مع صُوفِيٍّ سَلَك طريق التوحيد دائمًا (¬1)، فقلت له: إذا طَلَع الشَّمسُ، يتغلَّب ضوؤها على البَصرِ بحيثُ لا يُرى كوكبٌ، مع أنَّ الكواكبَ موجودةٌ فَوقَ الأُفق. فلمَ لا يجوزُ أنْ يَغلِبَ النُّورُ الإلهيُّ على بصيرةِ أحدٍ، بحيثُ لا يَرى شيئًا من المخلوقاتِ، مع كونهم موجودين في الحقيقة، لا بطريق التوهم والخيال (¬2)؟\r¬__________\r(¬1) هذه الحكاية يحاور فيها السيد المحقق أحد القائلين بالوحدة الوجودية، ويفرض له احتمالاً مخالفاً لما يقولون به، ليرى ما يكون جوابه. وهي تدلُّ على أن السيد المحقق كما يظهر من سياقها لا يمشي على طريقتهم كما يزعم بعضهم، ولكنه يريد تحقيق قولهم، وإظهار ما يعتمدون عليه؛ لكي يبين حقيقته، لا لكي يؤكد صحته.\r(¬2) حاصل السؤال: إنكم يا أهلَ وحدة الوجود تزعمون أنَّ ما نراه مما يظهر لنا في العالم من أشياءَ موجودة، ونعتقد أنها موجودةٌ حقيقةً، وأنتم تزعمون أنَّ ما نعتقده حقيقةً، فهو مجرَّدُ خيال في نفس الأمر، وليس له وجودٌ، وتزعمون أنَّ كون هذا العالم خيالاً في خيالٍ هو الحقُّ، فأنتم تقولون إنَّ الأمر قد انقلب علينا، فجعلنا الخيال الظلَّ حقيقة له وجود! فلمَ لا يكون الأمر بخلاف ذلك؟ أي: لم لا تكونون أنتم من انقلب عليه الأمر، فظنَّ الواقع والحقيقة خيالاً ووهماً. والسبب في انقلاب هذا الأمر عليكم أنَّكم لما تعمقتم في الرياضة غِبتم عن العالم المشاهَد، واندرجت أنفسكم فيما ظَهَر لكم من وجدان نفسيٍّ، وذوق روحي، فعكستم هذا الأمرَ على العالم الحقيقيّ، وحكمتم على الحقيقة بما انقدح في أنفسكم من حضور الإله، ففناؤكم عن العالم الموجود في موجِد العالم، جعلكم تقلبون الأمور، فتوهمتم أن العالم المرئيَّ ليس بموجود، =","part":1,"page":115},{"id":164,"text":"فقال: مَا ذَكرتَه احتمالٌ عقليٌّ، ومَوجُه في مَرتبةِ العَقْلِ (¬1).\rلكن قد تحقَّق لنا بطريق المكاشفة والمشاهدة أنْ: ليس لغير الحقِّ وجودٌ إلا بطريق التخيُّل والمجاز، فلا اعتبارَ لهذا الاحتمالِ عندنا (¬2).\r¬__________\r= بل الموجود فقط هو الله تعالى، وأنَّ هذا العالم والمخلوقات التي فيه ما هي إلا خيال ووهم، ولا وجود لها في نفس الأمر.\rفصار حاصل الأمر عندكم: أنكم لما غبتم عن حالة الشهود وفنيتم في حال الغيبة، ظننتم وهماً أنَّ كل ما تشاهدونه مجردُ وهمٍ وخيال، فحكمتم بحالكم على حال العالم.\r(¬1) فلنتأمل جواب هذا الصوفي القائل بوحدة الوجود. إنه يقول: إنني أسلِّم لك أيها السائل المحقِّق ما تقولُ لو كان الأمر باعتبارِ العقل ومرتبة الإدراك المعتبرة عندكم. فلو كنَّا نحتكم إلى هذه المرتبة لما أمكننا أن نخالف ما احتملته، بل لسلمنا لما تقرِّره، واعترفنا أنه الحق. ولكنا نعتقد أن هذه المرتبة العقلية والإدراك الحسي ما هو إلا مجرد خيال في خيال، ووهم في وهمٍ، وأنَّ الحق لا يمكن دركه بمجرَّد هذه الأسباب، بل هي متلبسةٌ بالوهم، لا تقدر على درك الحق ونفس الأمر، وحاقِّ الحقيقة. ونعتقد أنَّ المرجع في الإدراك المطابق إنما هو إلى الكشف والمشاهدة، وهذا الطريق الكشفيُّ أعطانا غير ما نراه في العقل والحسّ، فكيف نرجِّح ما أعطانا إياه العقل ونترك المشاهدة والكشف الذي نعتقد أنه يقينيٌّ لا يخيب ولا يخطيء؟\rفالكشف أعطانا أنَّ ما ترونه حقيقةً وواقعًا متحقِّقًا في نفس الأمر، ما هو إلا خيال ووهمٌ، وصورةٌ مِنْ صور واجب الوجود المطلق، يتجلَّى بأحكامها، ويتلبَّس ملبسها آناً بعد آنٍ، فلا وجودَ لهذا العالم، بل الموجود مجرَّدُ أحكامه وصوره الظاهرة بالحقِّ الواجبِ الوجودِ المطلَقِ عن كلِّ قيدٍ في نفسه، حتى عن التقيُّد بالقيد، ولذلك يجوز أن يظهر بكل القيود، وتبقى له مرتبة الإطلاق.\r(¬2) يعني إنهم يقولون: إن الحسَّ والعقل وإن أفادَا أنَّ العالم والمخلوقات لها وجودٌ خاصٌّ ممكنٌ محتاجٌ، يتوقف في وجوده وبقائه على إيجاد الله تعالى، إلا أنَّ هذا كلَّه لا يعتبر في نظرهم؛ لأنَّهم يعتمدون على الكشف والإلهام، والكشفُ أعطاهم أنَّ هذا الذي تقولُه العقول والحواس كلُّه خيالٌ ووهمٌ، لا قيمةَ له في العلم واليقين. ولذلك فإنهم إن أطلقوا اسم الوجود على المخلوقات فإنَّما يطلقونه بطريق المجاز، والمجاز هنا يُراد به أن المخلوقات لا وجودَ لها، والموجودُ إنما =","part":1,"page":116},{"id":165,"text":"والحقُّ في ذلك ما قال بعض المحققين من العارفين (¬1):\rوكلُّ الذي شاهدته فعلُ واحِدٍ (¬2) ... بمفردِه لكن محجب الأكنّة\rإذا ما زال السِّتر لم تدرِ غيرَه ... ولم يبقَ بالأَشكال إشكالٌ بريبة\r¬__________\r= هو صورها وتجلِّيَات الله تعالى بها وبأحكامها، أمَّا هي في أنفسها فلم تزل معدومةً ولن تزال؛ إذ لا تقبلُ الوجود، فالوجود حقيقة الواجب الوجود. ولذلك فإنَّ إطلاق اسم الوجود على ما لا يقبل الوجود إنما هو من باب لحاظ أنَّ أحكام هذا العين الثابت ثبتت لمن له الوجودُ الحق، وهو الله تعالى. فإذا أطلقنا اسم الوجود على المخلوقات فليس لأنَّ لها وجودًا خاصًّا، بل لأنَّ الحق تجلَّى بأحكامها، فصار لها نسبة ما إلى الحق تعالى، ولذلك أُطلقَ اسم الوجود عليها مجازاً لا حقيقة.\r(¬1) وهذا العارف هو ابن الفارض، وما أورده المصنف من تائيته، قال:\rوكلُّ الذي شاهدته فعلُ واحِدٍ ... بمفردِه لكن محجب الأكنّة\rإذا ما زال السِّتر لم تدرِ غيرَه ... ولم يبقَ بالأَشكال إشكالٌ بريبةِ\rويجمعنا في المظهرينِ تشابهٌ ... وليستْ لحالي حالُه بشبيهةِ\rفأشكالُه كانت مظاهرَ فعلِه ... بسترٍ تلاشت إذ تجلَّى وولتِ\rوكانت له بالفعل نفسي شبيهةً ... وحسي كالأشكال واللبسُ سترت\r(¬2) قال ابن عربي: (ليس في حقائقِ ما سوى الله ما يعطي ذلك المشهد، فلا فعلَ لأحد سوى الله، ولا فعلَ عن اختيارٍ واقعٍ في الوجود، فالاختيارات المعلومةُ في العالم من عين الجبرِ، فهُم المجبورون في اختيارهم، والفعل الحقيقي لا جبرَ فيه ولا اختيارَ؛ لأنَّ الذات تقتضيه، فتحقق ذلك. فلمباشرةِ الوجودِ المطلَقِ الأعيانَ الثابتةَ لظهور الوجود المقيَّد سُمي الوجودُ المقيَّد بشرًا، واختُصَّ به الإنسانُ؛ لأنه أكمل الموجودات خلقًا، وكلُّ نوعٍ من الموجودات ليس له ذلك الكمال في الوجود، فالإنسان أتمُّ المظاهر، فاستحق اسم البشر دون غيره من الأعيان). [الفتوحات المكية - ابن العربي - دار صادر - بيروت - لبنان- ج 2 - ص 70].","part":1,"page":117},{"id":166,"text":"وقال: أسرارُ التوحيدِ لا تَسَعُ في العبارة كما هي، والعقلُ عاجزٌ عن إدراكِها، فإنْ ذُكِرَ رمزٌ منها فيجبُ أن يكونَ موافقًا لظاهر الشَّرعِ حتى لا يُنكرَ عليه أهلُ الظاهر، ولا يتنفَّرُ عنه الطَّالبُ القابلُ، ويزداد رغبتُه في السُّلوكِ وخدمة الشيخ.\rوقوله صلَّى الله عليه وسلم: (كلِّم الناسَ على قدر عقولهم) يُرْشِدُ إلى هذا الطريقِ (¬1).\r___________\r(¬1) في جامع الأصول لابن الأثير برقم [5844] (علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: قال: (حَدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّبَ الله ورسولُهُ؟). أخرجه البخاري). [معجم جامع الأصول في أحاديث الرسول، المبارك بن محمد ابن الأثير الجزري هـ: 544. (8/ 16)].\rوروى الإمام البيهقي عن أبي الطفيل قال: سمعت عليًّا -عليه السلام- يقول: أيها الناس أتريدون أن يكذب الله ورسوله، حدِّثوا الناس بما يعرفون، ودَعوا ما ينكرون. أخرجه البخاري في الترجمة عن عبيد الله بن موسى. [المدخل إلى السنن الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي البيهقي أبو بكرت: 458، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت - 1404، ت: د. محمد ضياء االرحمن الأعظمي، (1/ 362)] ورواه غيره عن ابن مسعود.\rفي صحيح الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: (ما أنت بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة). [صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري ت: 261، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، 1/ 11)].\rوروي هذا المعنى مرفوعًا عن ابن عباس، عند الإمام البيهقي في المدخل إلى السنن (1/ 362).\rقال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: حديث: (نحن معاشر الأنبياء أُمرنا أن ننزل الناس منازلهم، ونكلِّمَهم على قَدرِ عقولهم)، رويناه في جزءٍ من حديث أبي بكر بن الشِّخِّير من حديث عُمر أخصر منه، وعند أبي داود من حديث عائشة أنزلوا الناس منازلهم). [تخريج العراقي، على هامش إحياء علوم الدين، محمد بن محمد الغزالي أبو حامد ت: 505 هـ، دار االمعرفة - بيروت، (1/ 57)].","part":1,"page":118},{"id":167,"text":"وما قاله أهل التحقيق من أنَّ إفشاء سرِّ الرُّبوبية كفرٌ، دليلٌ واضحٌ على وجوبِ كتمان سرِّ التوحيد (¬1).\r¬__________\r(¬1) قال العلامة المناوي في فيض القدير (5/ 404) في الحديث الذي أخرجه الترمذي عن فضالة بن عبيد قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى بالناس خَرَّ رجالٌ من قامتِهم في الصلاة من الخَصَاصة، أي الجوع، وهم أصحاب الصُّفَّة، حتى يقول الأعراب: هؤلاء مجانين! فإذا صلى انصرف إليهم فقال: (لو تعلمون ما لكم عند الله من الخير) يا أهل الصفة (لأحببتم أن تزدادوا فاقةً وحاجة). [قال الترمذي: حسن صحيح]: (قاله لأهل الصفة لما رأى خَصَاصتهم وفَقرهم. قال بعض العارفين: ينبغي للعاقل أن يحمدَ الله على ما زوي عنه من الدنيا، كما يحمده على ما أعطاه، وأين يقع ما أعطاه والحساب يأتي عليه إلى ما عافاه، ولم يبتله به فيشغلَ قلبَه ويتعبَ جوارحه ويكثر همَّه. وفي الحديث وما قبله وبعده إشعارٌ بأنَّ إفشاء سر الربوبية قبيح؛ إذ لو جاز إفشاء كلِّ سرٍّ لذَكرَ لهم ما ادُّخِر لهم، ولذكَّرَهم حتى يبكون ولا يضحكون. وفيه تفضيل الفقر على الغنى، قالوا: بَشَّر الفقراء الصابرين بما لم يبشر به الأغنياءَ المؤمنين، وكفى به فضلاً).\rويُشير بقوله: (ما قبله) إلى حديث العرباض بن سارية قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرجُ إلينا في الصُّفَّة وعلينا الحوتكية ويقول لنا: (لو تعلمون ما ادُّخِرَ لكم ما حزنتم على ما زوي عنكم)، تمامه عند مخرجه أحمد: (ولتفتحن عليكم فارس والروم)، رواه الحاكم، وقال الهيثمي: رجاله وثِّقوا. ورمز السيوطي له بالصحة.\rوأشار بقوله: (وما بعده) إلى ما رواه عروة بن الزبير مرسلاً عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لو تعلمون من الدنيا ما أعلم لاستراحت أنفسكم منها)، فإنَّ الرسل إنما بعثوا بالدعوة إلى النعيم المقيم، والمُلك الكبير، والإعلام بحقارة الدنيا وسرعة زوالها، فمن أجابهم إلى ما دَعوا إليه استراحت نفسه بالزهد فيها، فكان عيشه فيها أطيب من عيش الملوك، إذ الزهد فيها مُلكٌ حاضرٌ، والشيطان يحسد المؤمن عليه أعظم حسد، فيحرص كل الحرص على أن لا يصل إليه. [انظر: فيض القدير، تصحيح أحمد عبد السلام، ط 1 - 1415 - 1994 م، دار الكتب العلمية - بيروت] =","part":1,"page":119},{"id":168,"text":"__________________\r=\rوقال الإمام الغزالي (505 هـ) في إحياء علوم الدين (1/ 100): (وقال صلى الله عليه وسلم: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا) [قال الحافظ العراقي: أخرجاه من حديث عائشة وأنس]\r(فليتَ شِعري، إن لم يكن ذلك سرًّا مُنِع من إفشائه لقصور الأفهام عن إدراكِه أو لمعنى آخر، فلمَ لم يذكره لهم! ولا شك أنهم كانوا يصدقونه لو ذكره لهم.\rوقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن): لو ذكرت تفسيره لرجمتموني، وفي لفظ آخر: لقلتم إنه كافر.\rوقال أبو هريرة رضي الله عنه: حفظتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين: أمَّا أحدهما فبثثتُه، وأمَّا الآخرُ لو بثثته لقطع هذا الحلقوم!\rوقال صلى الله عليه وسلم: (ما فضلكم أبو بكر بكثرةِ صيام ولا صلاة، ولكن بسِرٍّ وَقَرَ في صدره) رضي الله عنه، ولا شك في أنَّ ذلك السِّرَّ كان متعلِّقًا بقواعد الدين، غير خارج منها، وما كان من قواعد الدين لم يكن خافيًا بظواهره على غيره.\rوقال سهل التستري رضي الله عنه: للعالم ثلاثةُ علوم: علمٍ ظاهر يبذُلُه لأهل الظاهر، وعلمٍ باطنٍ لا يسعه إظهارُه إلا لأهله، وعلمٍ هو بينه وبين الله تعالى لا يظهره لأحد.\rوقال بعض العارفين: إفشاءُ سرِّ الربوبية كفر. وقال بعضهم: للربوبية سِرٌّ لو أُظْهِرَ لبطلت النبوة، وللنبوة سِرٌّ لو كُشفَ لبطل العلم، وللعلماء بالله سِرٌّ لو أظهروه لبطلت الأحكام. وهذا القائل إن لم يرد بذلك بطلان النبوة في حقِّ الضعفاء لقصور فهمهم، فما ذكره ليس بحق، بل الصحيح أنه لا تناقص فيه، وأن الكامل مَن لا يطفي نُورُ معرفته نورَ ورعِه، وملاك الورع النبوة.\rمسألة: فإن قلتَ: هذه الآيات والأخبار يتطرق إليها تأويلات، فبين لنا كيفية اختلاف الظاهر والباطن، فإنَّ الباطن إن كان مناقضًا للظاهر ففيه إبطال الشرع، وهو قول من قال: إن الحقيقةَ خلافُ الشريعة، وهو كفر؛ لأنَّ الشريعة عبارة عن الظاهر، والحقيقة عبارة عن الباطن. وإن كان لا يناقضه ولا يخالفه فهو هو، فيزول به الانقسام ولا يكون للشرع سِرٌّ لا يُفشى، بل يكون الخفيُّ والجليُّ واحدًا.\rفاعلم أن هذا السؤال يحرِّك خطبًا عظيمًا، وينجرُّ إلى علوم المكاشفة، ويخرج عن مقصود علم المعاملة، وهو غرض هذه الكتب، فإن العقائد التي ذكرناها من أعمال القلوب، وقد تُعبِّدنَا =","part":1,"page":120},{"id":169,"text":"___________________\r= بتلقينها بالقبول والتصديق بعقد القلب عليها، لا بأن يتوصل إلى أن ينكشف لنا حقائقها، فإنَّ ذلك لم يكلَّف به كافَّةُ الخلق، ولولا أنَّه من الأعمال لما أوردناه في هذا الكتاب، ولولا أنه عمل ظاهر القلب لا عمل باطنه، لما أوردناه في الشطر الأول من الكتاب. وإنما الكشف الحقيقي هو صفة سِرِّ القلب وباطنه، ولكن إذا انجر الكلام إلى تحريك خيالٍ في مناقضة الظاهر للباطن، فلا بدَّ من كلام وجيزٍ في حَلِّه.\rفمن قال: إنَّ الحقيقةَ تخالف الشريعة أو الباطنَ يناقض الظاهر فهو إلى الكفر أقربُ منه إلى الإيمان، بل الأسرارُ التي يختصُّ بها المقربون بدركها، ولا يشاركهم الأكثرون في علمها، ويمتنعون عن إفشائها إليهم ترجع إلى خمسة أقسام:\rالقسم الأول: أن يكون الشيءُ في نفسه دقيقًا، تكلُّ أكثرُ الأفهام عن دَركه، فيختص بدَرْكِه الخواصُّ، وعليهم أن لا يفشوه إلى غير أهله، فيصيرُ ذلك فتنةً عليهم حيث تقْصُرُ أفهامهم عن الدرك. وإخفاء سر الروح، وكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيانه من هذا القسم؛ فإنَّ حقيقته مما تكلُّ الأفهام عن دركه وتقصر الأوهام عن تصور كنهه. ولا تظنن أن ذلك لم يكن مكشوفًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن من لم يعرف الروح فكأنه لم يَعرفْ نفسه، ومن لم يعرف نفسه، فكيف يعرف ربه سبحانه؟! ولا يبعد أن يكون ذلك مكشوفًا لبعض الأولياء والعلماء وإن لم يكونوا أنبياء، ولكنهم يتأدبون بآداب الشرع، فيسكتون عما سكتَ عنه. بل في صفات الله عزَّ وجل من الخفايا ما تقصُر أفهام الجماهير عن دركه، ولم يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم منها إلا الظواهر للأفهام: من العلم والقدرة وغيرهما، حتى فهمها الخلقُ بنوع مناسبة توهموها إلى علمهم وقدرتهم، إذ كان لهم من الأوصاف ما يسمى علمًا وقدرةً، فيتوهمون ذلك بنوع مقايسة، ولو ذكر من صفاته ما ليس للخلق مما يناسبه بعض المناسبة شيءٌ لم يفهموه، بل لذَّة الجماع إذا ذكرت للصبي أو العنِّين لم يفهمها إلا بمناسبةٍ إلى لذة المطعوم الذي يدركه، ولا يكون ذلك فهمًا على التحقيق، والمخالفة بين علم الله تعالى وقدرته، وعلمِ الخلق وقدرتهم، أكثرُ من المخالفة بين لذة الجماع والأكل. وبالجملة فلا يدركُ الإنسانُ إلا نفسه وصفات نفسه، مما هي حاضرةٌ له في الحال، أو مما كانت له من قبلُ، ثم بالمقايسة إليه يفهم ذلك لغيره. ثمَّ قد يصدِّق بأن بينهما تفاوتًا في الشرف والكمال، فليس في قوة البشر إلا أن يثبت لله تعالى ما هو ثابتٌ =","part":1,"page":121},{"id":170,"text":"_____________________\r= لنفسه من الفعل والعلم والقدرة وغيرها من الصفات، مع التصديق بأن ذلك أكمل وأشرف، فيكون معظمُ تحريمه على صفات نفسه، لا على ما اختص الرب تعالى به من الجلال. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، وليس المعنى أني أعجز عن التعبير عما أدركتُه، بل هو اعتراف بالقصور عن إدراك كنه جلاله، ولذلك قال بعضهم: (ما عرف الله بالحقيقة سوى الله عز وجل)، وقال الصديق رضي الله عنه: (الحمد لله الذي لم يجعل للخلق سبيلاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته). [دار المعرفة-بيروت]\r[حديث كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيان الروح أخرجه الشيخان من حديث ابن مسعود حين سأله اليهود عن الروح قال فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئا الحديث، وحديث: (لا أحصي ... الخ) أخرجه مسلم من حديث عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك في سجوده]. [تخريج العراقي، على هامش إحياء علوم الدين، محمد بن محمد الغزالي أبو حامد ت: 505 هـ، دار المعرفة - بيروت، (1/ 57)].\rثم ذكر الإمام الغزالي الأمور الأربعة الأخرى فلنذكر ما يدلُّ على ما أراده من كلامه:\rالقسم الثاني: من الخفيات التي تمتنعُ الأنبياء والصديقون عن ذكرِها ما هُو مفهومٌ في نفسه، لا يكلُّ الفهمُ عنه، لكنَّ ذكره يضرُّ بأكثر المستمعين، ولا يضر بالأنبياء والصديقين. وسِرُّ القدرِ الذي مُنِع أهلُ العلم من إفشائه من هذا القسم، فلا يبعد أن يكون ذكرُ بعض الحقائق مضرًّا ببعض الخلق، كما يضرُّ نورُ الشمس بأبصار الخفافيش، وكما تضرُّ رياحُ الوَرد بالجُعَل، وكيف يبعد هذا! وقولنا: إنَّ الكفر والزنا والمعاصي والشرور كلُّه بقضاء الله تعالى وإرادته ومشيئته، حقٌّ في نفسه، وقد أضرَّ سماعه بقوله؛ إذ أوهم ذلك عندهم أنه دلالة على السفه ونقيض الحكمة والرضا بالقبيح والظلم!!\rالقسم الثالث: أن يكون الشيءُ بحيث لو ذكر صريحًا لفُهم ولم يكن فيه ضَررٌ، ولكن يكنى عنه على سبيل الاستعارة والرمز؛ ليكونَ وقعُه في قلب المستمع أغلب، وله مصلحةٌ في أن يعظم وقت ذلك الأمر في قلبه، كما لو قال قائل: رأيتُ فلانًا يقلِّد الدرَّ في أعناق الخنازير، فكنى به عن إفشاء العلم وبثِّ الحكمة إلى غير أهلها، فالمستمع قد يسبقُ إلى فهمه ظاهرُ اللفظ، والمحقِّقُ إذا =","part":1,"page":122},{"id":171,"text":"____________________\r= نظر وعَلم أن ذلك الإنسان لم يكن معه دُرٌّ، ولا كان في موضعه خنزير، تفطَّن لدرك السِّرِّ والباطن، فيتفاوت الناس في ذلك ومن هذا قال الشاعر:\rرجلان خياطٌ وآخرُ حائك ... متقابلان على السماك الأعزل\rلا زال ينسج ذاك خرقةَ مدبرٍ ... ويخيط صاحبه ثياب المقبل\r\rفإنه عبَّر عن سببٍ سماويٍّ في الإقبال والإدبار برجلين صانعين.\rوهذا النوع يرجع إلى التعبير عن المعنى بالصورة التي تتضمن عين المعنى أو مثله.\rومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (أمَّا يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوَّل رأسُه رأسَ حمار).\r[حديث أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام الحديث\". [أخرجاه، من حديث أبي هريرة تخريج العراقي، على هامش إحياء علوم الدين، محمد بن محمد الغزالي أبو حامد ت: 505 هـ، دار المعرفة- بيروت، (1/ 57)]\rوذلك من حيث الصورة لم يكن قطُّ ولا يكون، ولكن من حيث المعنى هو كائنٌ؛ إذ رأس الحمار لم يكن بحقيقته لكونه وشكله، بل بخاصيته، وهي البلادة والحمق، ومَنْ رفع رأسَه قبل الإمام، فقد صار رأسُه رأسَ حمار في معنى البلادة والحمق، وهو المقصود دون الشكل الذي هو قالب المعنى، إذ من غاية الحمق أن يجمع بين الاقتداء وبين التقدم فإنهما متناقضان، وإنما يعرف أن هذا السر على خلاف الظاهر إما بدليل عقلي أو شرعي.\rالقسم الرابع: أن يدركَ الإنسانُ الشيء جملةً ثم يدركه تفصيلاً بالتحقيق والذوق، بأن يصير حالَاً ملابسًا له، فيتفاوت العلمان، ويكون الأول كالقشر والثاني كاللباب، والأول كالظاهر والثاني كالباطن، وذلك كما يتمثل للإنسان في عينِه شخصٌ في الظلمة أو على البُعد، فيحصل له نوع علم فإذا رآه بالقرب، أو بعد زوال الظلام، أدْركَ تفرقةً بينهما، ولا يكون الأخير ضدَّ الأول، بل هو استكمالٌ له. فكذلك العلمُ والإيمان والتصديق، إذ قد يصدِّق الإنسان بوجود العشق والمرض والموت قبل وقوعه، ولكن تحققه به عند الوقوع أكملُ من تحققه قبل الوقوع، بل للإنسان في الشهوة والعشق وسائر الأحوال ثلاثة أحوال متفاوتة وإدراكات متباينة: الأول: تصديقه بوجوده قبل وقوعه، والثاني: عند وقوعه، والثالث: بعد تصرفه. فإنَّ تحققك =","part":1,"page":123},{"id":172,"text":"_________________\r= بالجوع بعد زواله، يخالف التحقيق قبل الزوال، وكذلك من علوم الدين ما يصير ذوقًا فيكمل، فيكون ذلك كالباطن بالإضافة إلى ما قبل ذلك، ففرق بين علم المريض بالصحة، وبين علم الصحيح بها.\rففي هذه الأقسام الأربعة تتفاوت الخلق، وليس في شيء منها باطنٌ يناقض الظاهرَ، بل يتمّمُه ويكمّله كما يتمم اللبُّ القشرَ، والسلام.\rالخامس: أن يعبر بلسان المقال عن لسان الحال، فالقاصرُ الفهمِ يقف على الظاهر ويعتقده نطقًا، والبصيرُ بالحقائق يدرك السِّرَّ فيه، وهذا كقول القائل: قال الجدار للوتد لم تشقني؟ قال: سَلْ من يدقني! فلم يتركني ورائي الحجر الذي ورائي. فهذا تعبير عن لسان الحال بلسان المقال.\rومن هذا قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فقال لها وللأرض: ائتيا طوعًا أو كرهًا، قالتا: أتينا طائعين)، فالبليد يفتقر في فهمه إلى أن يقدِّر لهما حياةً وعقلاً وفهمًا للخطاب، وخطابا هو صوت وحرف، تسمعه السماء والأرض، فتجيبان بحرف وصوت، وتقولان: أتينا طائعين. والبصيرُ يعلم أنَّ ذلك لسانُ الحال، وأنَّه إنباء عن كونهما مسخرتين بالضرورة ومضطرتين إلى التسخير.\rومن هذا قوله تعالى: (وإن من شيءٍ إلا يسبِّحُ بحمده)، فالبليدُ يفتقرُ فيه إلى أن يقدِّر للجمادات حياةً وعقلاً، ونطقًا بصوت وحرف، حتى يقول: سبحان الله! ليتحقق تسبيحه. والبصير: يعلمُ أنَّه ما أريد به نطق اللسان، بل كونه مسبِّحًا بوجوده، ومقدسًا بذاته، وشاهدًا بوحدانية الله سبحانه كما يقال: وفي كلِّ شيء له آية تدل على أنه الواحد. [انظر: إحياء علوم الدين، دار المعرفة، (1/ 101 - 103)].\rقال صاحب الكشكول: (قولهم: إفشاءُ سرِّ الربوبية كفرٌ، له محملان أيضاً: فعلى محمل الأول يراد بالكفر ما يقابل الإسلام، وعلى المحمل الثاني يراد بالكفر ما يقابل الإظهار؛ إذ الكفر في اللغة الستر، فيكون معنى الكلام: إنَّ كلما يقال في كشف الحقيقة، فهو سببٌ لإخفائها وسترٌ لها في الحقيقة). [الكشكول، الشيخ: بهاء الدين محمد بن حسين العاملي (1031 هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1418 هـ -1998 م، ط 1،ت: محمد عبد الكريم النمري، (2/ 225)].","part":1,"page":124},{"id":173,"text":"وما أحسن ما قيل (شعر):\rإني لأكتمُ من عِلمي جَواهِرَه ... كيلا يَرى الحقَّ ذو جهلٍ فيفتَتِنَا\rوقد تقدَّم في هذا أبو حَسنٍ ... إلى الحسينِ ووصَّى قبلَه الحَسَنا\rيا رُبَّ جوهرِ علمٍ لو أبُوحُ به ... لقيلَ لي: أنتَ ممَّن يعبدُ الوثنا\rولاستحلَّ رجالٌ مسلمون دَمي ... يرونَ أقبحَ ما يأتونَه حَسنا (¬1)\r_______________________\r(¬1) ذكر الألوسي في تفسيره (15/ 124 - 125) أنَّ هذه الأبيات تُنسَبُ إلى زين العابدين، فقال: (ومما ينسبونه إلى زين العابدين رضي الله تعالى عنه ويزعمون أنه مُشيرٌ إلى مدَّعاهم قوله: إنِّي لأكتم من علمي ... إلخ، قالوا: إنَّه رضي الله تعالى عنه عنى بهذا الجوهر الذي لو باح به لقيل له: أنت ممن يعبد الوثنَ، علمَ الوحدة؛ إذ منه يعلم أنَّ الوثنَ وكذا غيره مظهرٌ له جلَّ وعلا، وليس في الدار غيره ديَّار، وقد مرَّ عن قُربٍ ما نقل عن الحلاج، ومثلُه كثيرٌ للشيخ الأكبر قدِّس سره، ولغيره عربًا وعَجَما، وهو [أي الشيخ الأكبر]-عفا الله تعالى عنه- قد فتح بابًا في هذا المطلب لا يُسَدُّ إلى أن يأتي أمر الله عزَّ وجل. وكأنه أوصى إليه بأن يبوح وينثر هاتيك الجواهر بين الأصاغر والأكابر، كما أوصى إلى الحسنين بأن يكتما من ذلك ما عَلِما. وفي بعض كتبه قدس سره ما هو صريح في أنه مأمور، فإنْ صحَّ ذلك فهو معذورٌ، وأنا لا أرى عذرًا لمن يقفو أثره في المقال مع مباينته له في الحال، فإن هذا المطلب أجلُّ من أن يحصل لغريق الشهوات وأسير المألوفات ورهين العادات).\rونسبه الألوسي مرة أخرى في (6/ 190) إلى زين العابدين ثم قال: (ومن ذلك علمُ وحدة الوجود، وقد نصُّوا على أنه طورُ ما وراء طور العقل، وقالوا: إنه مما تعلُمه الروحُ بدون واسطة العقل، ومن هنا قالوا بالعلم الباطن، على معنى أنه باطن بالنسبة إلى أرباب الأفكار، وذوي العقول المنغمسين في أوحال العوائق والعلائق، لا المتجردين العارجين إلى حضائر القدس ورياض الأنوار. وقد ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني روَّح الله تعالى روحه في كتابه (الدُّرَر المنثورة في بيان زبد العلوم المشهورة) ما نصه: وأمَّا زبدة علم التصوف الذي وضع =","part":1,"page":125},{"id":175,"text":"وفي كلام أمير المؤمنين علي: إنَّ بين جنبتي علمًا جمّاً: لو أبحتُ لكم به لاضطَربتُم اضطرابَ الأَرْشِيَةِ في الطَّوِيِّ البعيدة (¬1).\r¬__________\r= القوم فيه رسائلهم فهو نتيجةُ العمل بالكتاب والسنة، فمَنْ عملَ بما عَلِمَ تكلَّم كما تكلموا، وصار جميع ما قالوه بعض ما عنده؛ لأنه كلما ترقى العبد في باب الأدب مع الله تعالى دقَّ كلامه على الأفهام حتى قال بعضهم لشيخه: إنَّ كلام أخي فلان يدقُّ على فهمي، فقال: لأنَّ لك قميصين، وله قميص واحد فهو أعلى مرتبة منك، وهذا هو الذي دعا الفقهاء ونحوهم من أهل الحجاب إلى تسمية علم الصوفية بعلم الباطن، وليس ذلك بباطن، إذ الباطن إنما هو علم الله تعالى، وأمَّا جميع ما علمه الخلق على اختلاف طبقاتهم فهو من علم الظاهر، لأنه ظهر للخلق، فاعلم ذلك انتهى).\rوعزاه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (11/ 222) إلى الحلاج فقال: (وقال الحسين بن منصور الحلاج: إني لأكتم من علمي جواهره ... إلخ). [محمد أبو الفضل إبراهيم ||1961 م|| دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي وشركاه].\r(¬1) قال الإمام علي رضي الله عنه في خطبة له: (أمَا لو أقول ما أعلمُ لتداخلت أضلاعٌ تداخلَ دوارة الرحا، وإن أسكت يقولوا جزع ابنُ أبي طالب من الموت! هيهات هيهات بعد اللتيا والتي، والله لعلي آنس بالموت من الطِّفل بثدي أمه، ولكني أدمجت على مكنون علمٍ لو بحتُ به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة)، ثم نهض وفرقهم. [نثر الدر في المحاضرات، أبو سعد منصور بن الحسين الآبي (421 هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت /لبنان - 1424 هـ - 2004 م، ط 1، ت: خالد عبد الغني محفوط، (1/ 277)].\rوفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد أن عليًّا رضي الله تعالى عنه قال: (هيهات بعد اللّتيا والتي، والله لابنُ أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، بل اندمجت على مكنون علمٍ لو بحتُ به لاضطربتم اضطراب الأَرشِيَة في الطَّوِيِّ البعيدة):\rهيهات، استبعاداً لظنهم فيه الجزع. ثم قال: اللتيا والتي، أي: أبعدَ اللتيا والتي أجزعُ! أبعدَ أن قاسيتُ الأهوال الكبار والصغار، ومُنِّيت بكلِّ داهية عظيمة وصغيرة! فاللتيا للصغيرة والتي =","part":1,"page":126},{"id":176,"text":"ونقل عن بعض الصحابة (¬1) أنه قال: حفظتُ وعاءين من الحديثِ، وقلتُ بأحدهما، ولو قلتُ بالآخر لَقُطِعَتْ هذا الحلقوم والبلعوم (¬2).\r___________________________\r= للكبيرة. ذَكر أن أُنسَه بالموت كأنسِ الطفل بثدي أمه. وأنَّه انطوى على علمٍ هو ممتنعٌ لموجبه من المنازعة، وأن ذلك العلم لا يباحُ به، ولو باح به لاضطرب سامعوه كاضطراب الأرشية -وهي الحبال- في البئر البعيدة القعر، وهذا إشارة إلى الوصية التي خصَّ بها عليه السلام، إنه قد كان من جملتها الأمرُ بترك النزاع في مبدأ الاختلاف عليه). [شرح نهج البلاغة، أبو حامد عز الدين بن هبة الله بن محمد بن محمد بن أبي الحديد المدائني (655 هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1418 هـ - 1998 م، ط 1، ت: محمد عبد الكريم النمري، (1/ 133)].\rالطَّوِيُّ: بمعنى المطويّ: البئر المطوية بالحجارة.\r(¬1) في الحاشية: المراد به أبو هريرة ولو صرح به لكان أحسن.\r(¬2 روى الإمام البخاري في صحيحه (1/ 56) برقم [120] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حفظتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، فأما أحدُهما فبثثتُه، وأمَّا الآخرُ فلو بثثته قطع هذا البُلعوم. [ت: مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير بيروت - 1407 - 1987، ط 3]\rوفي شرح صحيح البخاري لابن بطال: (في باب حفظ العلم: أبو هريرة: إن الناس يقولون: أكثرَ أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدَّثتُ حديثًا، ثم يتلو: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم)، إن إخواننا من المهاجرين كان شغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان شَغَلَهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرةَ كان يلزمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لشِبَع بطنه، ويحضرُ ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون.\rوفيه: أبو هريرة، قلت: يا رسول الله، إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه، قال ابسط رداءك، فبسطته، فغرف بيديه، ثم قال: ضمه، فضممته فما نسيتُ شيئًا بعده. =","part":1,"page":127},{"id":177,"text":"________________\r=\rوفيه: أبو هريرة، قال: حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم وعاءين، فأمَّا أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم.\rقال أبو الزناد: فيه حفظ العلم والدُّءوب عليه، والمواظبة على طلبه، وهى فضيلة لأبي هريرة، فضله صلى الله عليه وسلم بها بأن قال له: ابسط رداءك، ثم قال: ضمه، فما نسي شيئًا بعد ... قال المهلب، وأبو الزناد: يعني أنها كانت أحاديثُ أشراط الساعة، وما عَرَّف به صلى الله عليه وسلم من فساد الدين، وتغيّر الأحوال، والتضييع لحقوق الله تعالى، كقوله صلى الله عليه وسلم: (يكون فساد هذا الدين على يدي أغيلمة سفهاء من قريش)، وكان أبو هريرة يقول: لو شئتُ أن أسميهم بأسمائهم، فخشي على نفسه، فلم يُصَرِّح). [شرح صحيح البخاري، أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي (449 هـ)، مكتبة الرشد - السعودية / الرياض - 1423 هـ - 2003 م، ط 2، ت: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، (1/ 194 - 195)] قال ابن الجوزي بعدما ذكر هذا الخبر عن أبي هريرة: (ولقائل أن يقول: كيف استجازَ كتمَ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال: (بلغوا عني)؟ وكيف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما إذا ذُكِرَ قُتل راويه؟ وكيف يستجيز المسلمون من الصحابة الأخيار والتابعين قتلَ من يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فالجواب: أنَّ هذا الذي كتمه ليس من أمر الشريعة؛ فإنه لا يجوز كتمانها، وقد كان أبو هريرة يقول: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم، وهي قوله: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) فكيف يُظنُّ به أن يكتم شيئًا من الشريعة بعد هذه الآية، وبعد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ يبلغ عنه، وقد كان يقول لهم: (ليبلغ الشاهد منكم الغائب)؟ وإنما هذا المكتومُ مثل أن يقول: فلان منافق، وستقتلون عثمان، و (هلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش) بنو فلان، فلو صرَّح بأسمائهم لكذبوه وقتلوه). [كشف المشكل من حديث الصحيحين، أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي (597 هـ)، دار الوطن - الرياض - 1418 هـ - 1997 م.، ت: علي حسين البواب، (3/ 534)]\rوقال القرطبي: (قال علماؤنا: وهذا الذي لم يبثَّه أبو هريرة وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو مما يتعلَّق بأمر الفتن، والنصِّ على أعيان المرتدين والمنافقين ونحو هذا مما لا يتعلَّق =","part":1,"page":128},{"id":178,"text":"_____________\r= بالبينات والهدى والله تعالى). [الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (671 هـ)، دار الشعب - القاهرة، (2/ 186)]\rوعلله الملا القاري فقال: (لأن أسرار حقيقة التوحيد مما يعسُر التعبير عنه على وجه المراد، ولذا كلُّ من نطق به وقع في توهيم الحلول والاتحاد، إذ فهم العوام قاصرٌ عن إدراك المرام. ومن كلام الصوفية صدور الأحرار قبور الأسرار). [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، علي بن سلطان محمد القاري (1014 هـ)، دار الكتب العلمية - لبنان/ بيروت - 1422 هـ - 2001 م، ط 1، ت: جمال عيتاني، (1/ 479)].\rقال طاهر الجزائري: (قالوا: أرادَ بالوعاء الأول الأحاديث التي لم يَرَ ضررًا في بثِّها فبثَّها، وأراد بالوعاء الثاني الأحاديث المتعلقة ببيان أمراء الجَور وذمهم، فقد روي عنه أنه قال: (لو شئت أن أسميهم بأسمائهم)، وكان لا يصرِّح بذلك خوفًا على نفسه منهم. وقال بعض الصوفية: أراد به الأحاديث المتعلقة بالأسرار الربانية التي لا يدركها إلا أرباب القلوب! وفي كون المراد به هذا فيه نظر؛ لأنه لو كان كذلك لما وسع أبا هريرة كتمانَه من جميع الناس، بل كان أظهره لبعض الخواص منهم. على أنَّ الذي كتمه أبو هريرة لو كان مما يتعلق بالدِّين لكان غايته أن يكون بمنزلة المتشابه، والمتشابه موجود في الكتاب العزيز وهو يُتلى على الناس كلهم في كل حين، وقد روى أبو هريرة كثيرًا من الأحاديث المتشابهة.\rأخرج مسلم عنه في باب صلاة الليل أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: مَن يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟) وأخرج عنه في باب رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة أنه قال: إنَّ ناسًا قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: (هل تضارون في القمر ليلة البدر؟) قالوا: لا يا رسول الله، قال: (هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟) قالوا: لا، قال: (فإنكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئًا فليَتْبعه، فيتبع من كان يعبد الشمسَ الشمسَ، ويتبع من كان يعبد القمرَ القمرَ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في صورة غير الصورة =","part":1,"page":129},{"id":179,"text":"والعاقلُ يكفيه الإشارَةُ.\rوفي هذين الكلامين إشارةٌ إلى عدم جوازِ إفشَاءِ الأسْرَار (¬1).\r¬__________\r= التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه. فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه .. ) الحديث. وأخرجَ عنه في كتاب الجنَّة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله عز وجل آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا، فلما خلقة قال: اذهب، فسلَّم على أولئك النفر، وهم نفر من الملائكة جلوس، فاستمعْ ما يحيونك به، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، قال: فذهب فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه (ورحمة الله)، قال: فكلُّ من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن).\rوروى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما قَضى اللهُ الخلقَ كتب عنده فوق عرشه: (إن رحمتي سبقت غضبي) اهـ). [توجيه النظر إلى أصول الأثر، طاهر الجزائري الدمشقي (1338 هـ)، مكتبة المطبوعات الإسلامية - حلب - 1416 هـ - 1995 م، ط 1، ت: عبد الفتاح أبو غدة، (1/ 63)\r(¬1) يريدُ أهل الوحدة الوجودية من الاستشهاد بهذه الأحاديث والآثار أنَّها تشيرُ إلى ما يزعمون من العقائد المخالقة لظاهر الشريعة، ولكن قد تحقق لنا من النقولات السابقة عن أكابر العلماء والحفاظ أنَّها لا يجوز أن تحمل على ذلك، نقلاً وعقلاً، وتبيَّن لنا المحمل التي تحمل عليه.\rوبناءًا على طريقتهم في عدم جواز إفشاء الأسرار تولَّد عندهم بالممارسة ومرِّ الأزمان ما يشبه طريقة الظاهر والباطن عند بعض الفرق المنحرفة الشهيرة، مع اعتمادهم إيَّاها ركنًا في الدين، وطريقةً واجبةً. وربما ينعكس هذا النحوُ من التعامل على التعامل مع غيرهم من البشر، فيولد أخلاقًا رذيلةً كالنفاق والرياء وإظهار ما لا يعتقدونه، يحسبونها شيئًا، ولا يعدونها رذيلة بل مكرمة ومنقبة! وهي في نفسها ليست بشيء، ويعتبرون من يخالفهم فيها محجوبًا قاصرَ الفهم عن أحوال الناس، وأمور الدنيا، وهذا مما يوجب الحذر والتنبه.","part":1,"page":130},{"id":180,"text":"ولهذا مَنْ صرَّحَ بها على الأَفْواه (¬1) صارَ مَردُوداً (¬2).\rوقال: هذا آخر الحكاية التي جرت بيني وبين الصوفي الموحد.\rوحينئذ نرجع إلى أهل كلام مَن سلك طريق النظر من المتقدمين، فإنهم اعترضوا (¬3) على قول الصوفية الموحِّدين، وقالوا: إنْ كان واجبُ الوجودِ عينَ حقيقة الوجود، وهي تجلَّت في جميع الأشياء على ما قلتم، وظهرت فيها، يلزم من ذلك انقسامُ حقيقةِ الوجودِ وتكثُّرِها، وملابستها للأشياء الخسيسة والقاذورات،\r¬__________\r(¬1) ضبطت في المخطوطة: الأَفْوُه، ولعلها كما أثبتناها. وأفواهٌ جمع فُوْه: وهو الفَمُ.\rجاء في لسان العرب لابن منظور مادة (فوه): (فوه: الليث: الفوه أصل بناء تأسيس الفم. قال أبو منصور: مما يدلُّك على الأصل في أن فم، و فو، و فا و في هاء حذفت من آخرها قولهم للرجل الكثير الأكل: فَيِّهٌ، وامرأة فَيِّهة. ورجل أَفْوَه: عظيم الفم طويل الأسنان. ومَحالة فَوْهاء إذا طالت أسنانها التي يجري الرشاء فيها. ابن سيده: الفاه و الفوه و الفيه والفم سواء، والجمع أفواه). [دار صادر - بيروت، ط 1 (13/ 525)] والمُفَوَّهُ: مِنطيقٌ قادرٌ على المنطق والكلام.\r(¬2) وكتمُ حقيقةِ الاعتقاد الذي يسرُّه أهل الوحدة الوجودية في نفوسهم، أصلٌ مشى عليه كثيرون منهم، بل هو قاعدة مطَّرِدَةٌ عندهم، لا يذيعون أسرار الطريقة بالمعنى الذي يريدون إلا لمن هو من أهلهم، ولمن لا يعاندهم، ويرضى بطريقتهم. ويعتبرون ذلك من الدين لا كذبًا ولا نِفَاقَاً، ولذلك ترى كثيراً منهم يعلِنُ عن هذه الطريقة ولا يلِّوح بها. وهذا الأمر منشأ اضطراب كثيرٍ من أعلام المسلمين في المراد من كلامهم؛ لأنهم يرونهم أحيانًا يطلقون القول بأنَّ عقيدتهم هي عقيدة أهل السنة والجماعة نفسها، وتارةً يرونهم يصرِّحون بخلاف ذلك أو يلوِّحون، فيحمل بعض كلامهم -إحسانًا للظنِّ بهم- على ما يوافق عقيدةَ أهل الحق، ويفسر غيره إمَّا بحمله على غير المراد أو بدعوى أنَّه مدسوسٌ عليهم، أو أنه نتيجةُ حالٍ لا يقلَّدون فيها ولا يتَابعون عليها، وهم معذورون لغلبة حكم الحال!\r(¬3) في الحاشية: من أراد تفصيل الاعتراضات فعليه بشرح المقاصد للتفتازاني.","part":1,"page":131},{"id":181,"text":"وكيف يجوِّزُ عاقلٌ هذا الأمر بالنسبة إلى حقيقة الواجب المنزَّه عن ذلك (¬1)؟!\r_______________\r(¬4) نورد هنا ما قرَّره الإمامُ التفتازانيُّ من اعتراضاته على مذهب وحدة الوجود، وذلك في كتابه شرح المقاصد؛ لما لها من أهمية. وسنوردُ بعد ذلك ما اعترضَ به الفناري في مصباح الأنس على كلام السعد التفتازاني، ليحسن المقارنة من البَاحِثين بين الكلامين والطريقتين.\rقال الإمام السَّعدُ التفتازاني: (قد اشتهر فيما بين جمعٍ من المتفلسفة والمتصوِّفة أنَّ حقيقةَ الواجب هو الوجودُ المطلَق؛ تمسكًا بأنه: لا يجوز أن يكون عدمًا أو معدومًا، وهو ظاهر. ولا ماهيةً موجودةً أو مع الوجود؛ لما في ذلك من الاحتياج والتركيب، فتعيَّنَ أن يكون وجودًا. وليس هو الوجودُ الخاص؛ لأنه إنْ أخذ مع المطلَق فمركَّبٌ، أو مجرد المعروض فمحتاجٌ، ضرورةَ احتياج المقيَّد إلى المطلَق، وضرورة أنَّه لو ارتفع المطلَق، لارتفع كل وجود.\rوحين أُورِد عليهم أنَّ الوجود المطلَق مفهومٌ كليٌّ لا تحققَ له في الخارج، وله أفرادٌ كثيرةٌ لا تكاد تتناهى، والواجب موجود واحد، لا تكثر فيه، أجابوا بأنه: واحدٌ شخصيٌّ موجودٌ بوجودٍ هو نفسه، وإنما التكثُّر في الموجُودات فبواسطة الإضافات، لا بواسطة تكثُّر وجوداتها؛ فإنه إذا نُسِبَ إلى الإنسان حصَلَ موجودٌ، وإلى الفرس فموجودٌ آخر، وهكذا، وعلى هذا فمعنى قولنا: الواجبُ موجودٌ أنه وجودٌ، ومعنى قولنا: الإنسان أو الفرس أو غيره موجودٌ أنه ذو وجود، بمعنى أنَّ له نسبة إلى الواجب.\rوهذا احترازٌ عن شناعةِ التصريح بأنَّ الواجبَ ليس بموجود، وأنَّ كلَّ وجودٍ حتى وجود القاذورات واجبٌ، تعالى اللهُ عمَّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\rوإلا فتكثُّر الوجوداتِ وكونُ الوجودِ المطلق مفهومًا كليًّا لا تحقُّق له إلا في الذِّهن ضروريٌّ.\rوما توهموا من احتياجِ الخاصِّ إلى العام باطلٌ، بل الأمر بالعكس؛ إذ لا تحقُّقَ للعام إلا في ضمن الخاص، نعم، إذا كان العام ذاتيًّا للخاص يفتقِرُ هو إليه في تعقله، وأمَّا إذا كان عارضًا فلا.\rوما ذكروا من أنَّه لو ارتفع لارتفع كلُّ وجودٍ حتى الواجب، فيمتنع ارتفاعُه، أي عدمه، فيكون واجبًا، فمغالطة. وإنما يلزم الوجوب لو كان امتناع العدم لذاته، وهو ممنوع، بل لأن ارتفاعه بالكلية يستلزم ارتفاعَ بعض أفراده الذي هو الواجب، كسائر لوازم الواجب، مثل الماهية والعِليَّة والقابلية وغير ذلك. =","part":1,"page":132},{"id":182,"text":"_________________\r=\rفإن قيل: بل يمتنعُ لذاته؛ لامتناع اتصاف الشيء بنقيضه.\rقلنا: الممتنع اتصافُ الشيء بنقيضه، بمعنى حملِه عليه بالمواطأة، مثل قولنا: الوجودُ عدمٌ، لا بالاشتقاق مثل قولنا: الوجود معدوم. كيف وقد اتفق الحكماء على أن الوجود المطلَق من المعقولات الثانية والأمورِ الاعتباريةِ التي لا تحقق لها في الأعيان؟!\rثم ادعى القائلون بكون الواجب هو الوجودُ المطلَق أنَّ في مواضع من كلام الحكماء رمزًا إلى هذا المعنى: -منها قولُهم: الواجب هو الوجود البحتُ والوجودُ بشرط لا، أي الوجودُ الصرف الذي لا تقييد فيه أصلاً.\rومنها قولُهم: الوجودُ خيرٌ محض؛ لأنَّ الشرَّ في نفسه إنما هو عدمُ وجودٍ أو عدمُ كمال الموجودِ من حيث إنَّ ذلك العدم غيرُ لائق به، أو غير مؤثر عنده، فالوجود بالقياس إلى الشيء العادم كماله قد يكون شرًّا، لكن لا لذاته، بل لكونه مؤديًّا إلى ذلك العدم، فحيث لا عدم لا شرَّ قطعًا، فالوجودُ البحت خيرٌ محض.\rمنها قولهم: الوجود لا يُعقَلُ له ضِدٌّ ولا مثلٌ: أمَّا الضدُّ فلأنه يقال -عند الجمهور- لموجودٍ مساوٍ في القوة لموجود آخر، ممانعٍ له، والوجود وإن فرضنا كونه موجودًا بمعنى المعروضية للوجود، فلا يتصور أن يمانعه شيءٌ من الموجودات. وعند الخاص لما شارك شيئًا آخر في الموضوع مع امتناع اجتماعهما فيه، والموضوع هو المحلُّ المستغنى في قوامه عن الحال، ولا يتصور ذلك للوجود؛ إذ لا تقوم لشيء بدونه، ولو سلِّم فلا يتصور وجوديٌّ يعاقبه ولا يجامعه.\rومنها قولهم: الوجودُ ليس له جنسٌ ولا فصلٌ؛ لأنه بسيطٌ لا جزء له عينًا ولا ذهنًا، وإلا لزمَ تقدُّمه على نفسه، ضرورةَ تقدُّم وجودِ الجزء على وجود الكل في الخارج، إن كان التركُّب خارجيًا، وفي الذهن إن كان ذهنيًّا. ولأنَّ جزءه إن كان وجودًا أو موجودًا لزم تقدُّمُ الشيء على نفسه، وإن كان عدمًا أو معدومًا لزم تقدم الشيء بنقيضه. ولأنَّ الجنس يجب أن يكون أعمَّ، ولا أعمَّ من الوجود؛ إذ ما من شيء إلا وله وجود.\rوفي بعض المقدمات ضعفٌ لا يخفى. ولو سلِّم، فغاية الأمر اتصافُ كلٍّ من الوجود والواجب بهذه المعاني، ولا إنتاج عن الموجبتين في الشكل الثاني.\rوتحقيقه: أنَّ لزوم هذه الأمور للوجود، لا يوجبُ كونَه الواجبَ ما لم نتبين مساواتها للملزوم. =","part":1,"page":133},{"id":183,"text":"_______________\r=\rثم القول بكون الواجبِ هو الوجودُ المطلَق، ينافي تصريحهم بأمور:\rمنها أنَّ الوجود المطلَق من المحمولات العقلية، أي الأمور التي يمتنع استغناؤها عن المحلِّ عقلاً، ويمتنعُ حصولها فيه بحسب الخارج كالإمكان والماهية، بخلاف مثل الإنسان فإنه مستغنٍ عن المحلِّ، ومثل البياض فإنَّ قيامه بالمحل خارجيّ.\rومنها أنَّه من المعقولات الثانية، أي العوارض التي تلحَق المعقولات الأولى، من حيث لا يحاذي بها أمرٌ في الخارج كالكلية والجزئية والذاتية والعرضية؛ لأنها أمور تلحق حقائق الأشياء عند حصولها في العقل، وليس في الأعيان شيءٌ هو الوجود أو الذاتية أو العرضية مثلاً، وإنما في الأعيان الإنسان والسواد مثلاً.\rوههنا نظر من جهة أنَّ ما انساق إليه البيانُ هو أن وجودات الأشياء، من المحمولات العقلية والمعقولات الثانية، وكان الكلامُ في الوجود المطلق.\rومنها أنَّه ينقسم إلى الواجب والممكن؛ لأنه إن كان مفتقرًا إلى سببٍ فممكن، وإلا فواجبٌ. وإلى القديم والحادث؛ لأنَّه إن كان مسبوقًا بالغير أو بالعدم فحادثٌ، وإلا فقديم.\rومنها أنَّه يتكثَّر بتكثر الموضوعاتِ الشخصيةِ كوجود زيد وعمرو، والنوعيةِ كوجود الإنسان والفرس، والجنسيةِ: كوجود الحيوان والنبات.\rفإن قيل: الموضوعُ هو المحلُّ المستغني في قوامه عن الحالّ، ولا يتصور ذلك للوجود.\rقلنا: المراد ههنا ما يقابل المحمول، وهو الذي يحملُ عليه الوجود بالاشتقاق، ولو سلِّم فالقيامُ ههنا عقليٌّ، والماهية تُلاحظُ دون الوجود، وهذا معنى استغنائه عن العارض، وإن كان لا ينفكُّ عن وجود عقليٍّ.\rوظاهر هذا الكلام أنَّ وجودات الممكنات، إنما هي نفس الوجود المطلق، تكثَّرت بالإضافة إلى المحلِّ، وليست أمورًا متكثِّرة متحصصة، بأنفسها معروضةً له، وكان المرادُ أنَّ الوجود المطلق يتكثُّر ما صدقَ هو عليه من الوجودات الخاصة بتكثُّر الموضوعات.\rومنها أنَّه مقولٌ على الوجودات بالتشكيك كما سبق.\rوجميع ذلك مما يستحيل في حق الواجب تعالى وتقدس.\rوبالجملة فالقول: بكون الواجب هو الوجود المطلقُ مبنيٌّ على أصول فاسدة مثل كونِه -أي الوجود، سعيد- واحدًا بالشخص، موجودًا في الخارج، ممتنعَ العدمِ لذاته. =","part":1,"page":134},{"id":184,"text":"_____________\r=\rومستلزمٌ لبطلان أمور اتفق العقلاء عليها مثل: كونه أعرفَ الأشياء، مشتركًا بين الوجودات مقولاً عليها بالتشكيك، معدودًا في ثواني المعقولات.\rوكونِ الواجب مبدأ لوجود الممكنات متصفًا بالعلم والقدرة والإرادة والحياة، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وغير ذلك مما وردت به الشريعة).\rثم تعجب الإمام السعد من اختلاف العقلاء في حال الوجود فقال: (وما أعجبَ حال الوجود أطبقوا على أنه بديهيّ لا أعرف منه، ثم اختلفوا في أنه جزئيّ أو كليّ .. إلخ)، وعلَّق على ذلك فقال شارحًا كلام نفسه: (يتعجب من اختلافات العقلاء في أحوال الوجود، ومع اتفاقهم على أنه أعرف الأشياء، مع أنَّ الغالب من حال الشيء أن تتبع ذاته في الجلاء والخفاء، فمنها اختلافُهم في أنه جزئيٌّ أو كليٌ؟ فقيل: جزئيٌ حقيقي لا تعدُّد فيه أصلاً، وإنما التعددُ في الموجودات بواسطة الإضافات، حتى أن قولنا: وجودُ زيد أو وجودُ عمرو بمنزلة قولنا: إلهُ زيد وإلهُ عمرو. والحقُّ أنه كليٌّ، والوجودات أفرادُه.\rومنها اختلافُهم في أنه واجبٌ أو ممكن، فقد ذهبَ جمعٌ كثير من المتأخرين إلى أنه واجبٌ على ما ذكرنا، وذلك هو الضلال البعيد.\rومنها اختلافهم في أنه عَرَضٌ أو جوهر، أو ليس بعرض ولا جوهر، لكونهما من أقسام الممكن الموجود، وهذا هو الحق. وفي كلام الإمام ما يشعر بأنه عَرض، وبه صرَّح جمعٌ كثيرٌ من المتكلمين، وهو بعيدٌ جدًّا؛ لأن العرض ما لا يتقوم بنفسه بل بمحله المستغني عنه في تقومه، ولا يتصور استغناء شيء في تقومه وتحققه عن الوجود.\rومنها اختلافُهم في أنه موجود أو لا؟ فقيل: موجود بوجود هو نفسه، فلا يتسلسل. وقيل: بل اعتباريٌ محض، لا تحقق له في الأعيان:\rإذ لو وجد: فإمَّا أن يوجد بوجود زائد فيتسلسل، أو بوجود هو نفسه، فلا يكون إطلاق الموجود على الوجود، وعلى سائر الأشياء بمعنى واحد؛ لأن معناه في الوجود: أنه الوجود، وفي غيره، أنه: ذو الوجود.\rولأنه: إمَّا أن يكون جوهرًا، فلا يقع صفة للأشياء، أو عرضًا، فيتقوَّم المحل دونه، والتقوُّم بدون الوجود، محال. =","part":1,"page":135},{"id":185,"text":"وهم أجابوا (¬1): بأنَّ لزومَ الانقسامِ والتَّكثُّرِ والمخالطةِ ممنوعٌ، ألا يُرى أنَّ شعاعَ الشَّمس حين وقوعِه على وجه الأرض ليس مُنقَسمًا ومتكثِّرًا قطْعاً، بل الانقسامُ والتكثُّر لازمٌ لوجهِ الأرضِ، فإنَّك إذا اعتبرتَ الشُّعاع وحدَها مع قَطعِ النَّظر عن المحلِّ وملاحظةِ وجه الأرض، لا يتصوَّرُ فيه تعددٌ ولا انقسامٌ أصلاً (¬2).\r¬__________\r=\rولأنَّ ما ذكر في زيادة الوجود على الماهية من أنَّا نعقل الماهية ونشك في وجودها، جاز بعينه في وجود الوجود، فإنا نعقل الوجود ونشكُّ في وجوده، فلو وجد لكان وجوده زائدًا، وتسلسل.\rوبهذا يتبين بطلان ما ذهب إليه الفلاسفة، من أنَّ ماهية الواجب نفس الوجود المجرد، وذلك لأنَّا بعدما نتصور الوجود المجرَّد، نطلب بالبرهان وجودَه في الأعيان، فيكون وجودُه زائدًا، ويتسلسل، ولا محيص إلا بأنَّ الوجود المقول على الوجودات اعتبارٌ عقليٌّ، كما سبق.\rوقيل: الوجود ليس بموجود ولا معدوم بل واسطة على ما سيأتي.\rومنها اختلافهم في أنَّ الوجودات الخاصة نفس الماهيات أو زائدة عليها، كما سبق.\rومنها اختلافهم في أنَّ لفظ الوجود مشترَكٌ بين مفهومات مختلفة، على ما نقل عن الأشعري، أو متواطئ، يقع على الوجودات بمعنى واحد، لا تفاوت فيه أصلاً، أو مشكَّك يقع عليها بمعنى واحد، هو مفهوم الكون لكن لا على السواء، وهو الحق).\r[شرح المقاصد في علم الكلام-سعد الدين التفتازاني، ط 1، 1401 - 1981 م، باكستان - دار المعارف النعمانية، دار المعارف النعمانية (1/ 73 - 76)].\r(¬1) في الحاشية: من أراد الاطلاع على تفصيل الأجوبة فعليه بشرح مفتاح الغيب للفناري.\rأقول: وسنورد قريباً ما قاله الفناري في الكتاب المذكور مع بعض تعليقات.\r(¬2) من البيِّن أن هذا الكلام في عدم انقسام الضوء بيِّنُ الضعف، بل هو باطلٌ، وهيهات أن يثبت أنَّ الضوء واحدٌ، بل ما نراه من الضوء إنما هو أجزاء صغيرة من الأمور الموجودة، ومجرَّد سقوطها على أجزاء متكاثرة من الأرض والمواد كافٍ للدلالة على تجزئها في أنفسها، أو كونها في أنفسها أجزاء متجزئة. وإلا لما صحَّ أنْ تقع أمورٌ ليس لها أجزاءٌ على أمور لها أجزاء بحيث يكون =","part":1,"page":136},{"id":186,"text":"وجواب المخالطة أيضًا يُعلمُ من هذا المثال، فلا يخفى على عاقلٍ أنَّ نور الشمس يقع على الأشياء النجسة ولا يتنجَّس ذلك النورُ ولا يتطرق إليه نقصٌ بواسطة خِسَّةِ المحلِّ، كما أنَّه يقع على الأشياءِ الشريفةِ ولا يزيدُ شرفُه بواسطة شَرَفِ المحَلِّ، بل النورُ في كلا الحالين على حالِهِ، وشَرَفه (¬1). فتوهُّمُ النَّقصِ والشرفِ راجعٌ إلى المحلِّ.\r¬__________\r= هناك تماسٌّ بين الأمرين وتكيُّف بكيفية ما له أجزاء، ومع ذلك يقال: إنَّ الواقعَ ليس له أجزاء، ولا هو بمنقسم ولا متكثرٍ.\r(¬1) وهذا الكلام لا يخرُج ُعن طور الخطابة والشِّعر، الذي يقصد به التأثير في العاطفة، ولا ينبغي أن يؤخذ على قدرٍ أعظمَ من ذلك؛ لأن الضوء ما دام له جزء، وهو منقسم، فلو فرضناه قد سقط على ما هو نجس، لتنجس بالضرورة الحسية، ولكن قد يعفى عنه لصغر حجمه أو لتعذر الانفكاك عنه عادة. ولا بدّ من القول بأنَّ الحكم على الضوء بأنه متنجس إن كان حكمًا شرعيًّا، فلا دليل على نجاسته شرعاً، أو إن كان نجسًا فهو من المعفوات عنه. وإن كان الحكم به بلحاظ الوجود والمماسة للنجاسات بلا اعتبار تنجسه بحكم الشرع، وقلنا بأن الضوء يمس النجاسات فعلاً من حيث هي نجاسة، فلا محيص عن القول بأنه يتنجس إلا إذا أمكن البرهان على أن الضوء وإن مسَّ النجاسة فإنه لا يعلَق به منها شيء أبداً. والتحقيق المبني على العلم، أنك لو سلطت ضوءًا على نجاسة زمانًا معيَّنًا، لرأيت أن درجة حرارة تلك النجاسة قد بدأ في الارتفاع تدريجيًّا. وهذا دليل تفاعل النجاسة مع الضوء واختلاطه بها بالفعل، كغيرها من المواد.\rوهناك نظرٌ آخر لا بدَّ من التنبه إليه، وهو: أنَّ الضوء لما كان جزئيات دقيقة الحجم، ولما كان ما يسمى نجسًا في عرف الشريعة ليس هو مجرد ذرات المادة التي تتألف منها النجاسات مثل البول والبراز والخنزير وخمر ونحوها مما يعتبر نجاسات شرعاً، فإنَّ ما يلاقيه الضوء من تلك النجاسات الشرعية هل هو عين ما يحكم عليه بالنجاسة، أم هو أجزاؤها الصغيرة الدقيقة التي لا علاقة لها بالنجاسة؟ فإن كان الأول، فجوابنا هو الأول، وإن كان الثاني، فقد انحل الإشكال من أساسه.","part":1,"page":137},{"id":187,"text":"ولو لم يقع نورُها على الأشياء الخسيسة لما كان فيضُه عامًّا كاملاً، بل ناقصًا (¬1).\r¬__________\r(¬1) سنورد هنا ما وعدنا به من رُدود العلامة الفناري على ما قدَّمه الإمام المحقق السعد التفتازاني في مسألة وحدة الوجود. وهذا الكلام وإن كان طويلاً، فقد حرصتُ على نقله كاملاً بلا اختصار؛ ليكون محل استفادة طلاب العلم، فإن الكتاب المذكور عزيزُ الوجود، ولتكون هذه الرسالة مع الحواشي التي نعلقها عليها مرجعاً مفيداً في الباب.\rالرد على احتجاجات الإمام السعد من كلام الفناري وغيره:\rسنورد ههنا الردَّ على الأدلة التي ساقها الإمام السعد التفتازاني بإيراد كلام العلامة الفناري في كتاب مصباح الأنس على طوله، لتكثير الفائدة لطلاب العلم، وليجدوا بين أيديهم قسماً مهماً من كلام أهل العلم في أهم ما قيل في الأخذ والردّ في هذه المسألة الخطيرة، ليتمكنوا من إعادة النظر والتأنِّي قبل التقرير والترجيح بأي وجه كان الترجيح.\rقال الفناري في ص [159 - 164] من كتابه المذكور: (واعلم أنَّ المنكرين أنَّ حقيقة الحق هي الوجودُ المطلق من أهل النظر والمتكلمين لهم شبهٌ جمعها في شرح المقاصد وارتضاها. ولا بد من دفعها، رفعًا لتردد الضعفاء، وتنبيهًا لمن يزعم -بعد التباهي بها- التناهي في رئاسة الحكماء والعلماء، أنه لم يكد يحوم حول معرفة حقائق الأشياء، فعياذًا بالله من الجهل المركب فضلاً عن المباهاة باللفظ المرتب، اللهم عفوًا وغفرًا، ولا تكلنا إلى أنفسنا كشفًا وسترًا، ولا تبتَلِنا بما لا ترضاه سرًّا وجهرًا، وأصلح لنا شأننا فكرًا وذكرًا.\rالشبهة الأولى: أنَّ المطلَق لا تحقق له إلا في الذهن، والواجب من يجب وجوده في الخارج.\rجوابها: ما مرَّ في الأمهات: أن الحقَّ وجودُ الكليُّ الطبيعي في الخارج؛ لوجودِ أحد قسميه وهو المخلُوط، وقد اندفع ثمة شبه منكريه).\rوعلَّق الخميني على ذلك فقال: (قوله: لوجود أحد قسميه وهو المخلوط، إثباتُ وجود الطبيعي بوجود المخلوط ظاهر الفساد - وإن أصرَّ عليه بعضُ المحققين من أهل النظر في كتبه-، فإن تقسيم الماهية إلى الأقسام الثلاثة من الاعتبارات العقلية التي لا وجودَ لها على التحقيق، فالمخلوط =","part":1,"page":138},{"id":188,"text":"______________\r=\rلا وجودَ له ألبتة وإن كان الطبيعي له وجودٌ. والطريق الصحيح لإثباته هو من طريقِ حملِ الطبيعي على الأفراد الخارجية، والحمل يقتضي الاتحاد إما مفهومًا فليس، وإما وجودًا فهو المدعى، وللمقام تفصيل وتحقيق ليس مجال ذكره - والله العالم).\rقال الفناري: (فإن قالوا: الموجود هو الهُويَّة لا الماهيات الكلية.\rقلنا: الهوية هي الماهية مع التشَخُّص، والتشخص نسبةٌ اعتبارية، فلم يبق متحققًا إلا معروضُه.\rلا يقال: الموجود ما به التشخص، إذ الهوية الموجودة هي الانضمامات؛ لأنَّا نقول: ما به التشخص له ماهية والفرض أنها غير موجودة، فبقى تشخصه والانضمامات نسبٌ اعتبارية، فليست عين الهوية الموجودة، بل لها مدخل في ذلك. والتحقيق أنَّ الوجود للموجود بحسب مرتبته والماهيات والهويات نسبةٌ، وصفاته التنزلية من الكلية والجزئية).\rوعلَّق الخميني على هذه الشبهة وجوابها، فقال: (قوله: الشبهة الأولى ... إلى آخره، هذه الشبهة وجوابها في غاية السقوط، أما الشبهة فلأنَّها ناشئة من اشتباه المفهوم الذهني بالحقيقة الخارجية، فالإطلاق الذي نحن بصدد إثباته للحق تعالى هو عينُ الوجود الصريح الخارجي الذي لا تعيُّن له ولا ماهية، بل هو نورٌ محضٌ وحقيقة خالصة لا سبيل للبطلان إليه، ولا طريق للبوار الذي هو التعين أو اللازم له إليه. وأمَّا الإطلاق المفهومي فهو خارج عن حقيقة الحقِّ عند الكل، وليس أحدٌ يتفوه به. وبهذا يظهر سقوط الجواب أيضًا؛ فإن الحقَّ في الجواب ما عرفتَ، وهو لا يبتنى على وجود الطبيعي. وليس نسبةُ الحقيقة الحقة الإلهية الإطلاقية مع مفهوم الوجود المطلق نسبةَ الماهية مع أفرادها - كما هو أظهرُ مِن أن يخفى على أولي النهى).\rقال الفناري: (الشبهة الثانية: أن لا تحقق للعام إلا في ضمن الخاص، فلا يتحقق إلا في ضمن غيره وهو محال.\rجوابها: بعد أن يدفع ورود السؤال الأول، ما مرَّ أن الموقوفَ تحققُّه على تخصيص وتقييد بخصوصية ما، هو الذي له ماهية أو هوية غير الوجود، فلا يتحقق إلا بمقارنة ماهيته أو هويته بوجوده، أمَّا الذي وجوده عينه فوجوده ذاتيه وواجب له، وعدمه سلبُ الشيء عن نفسه، وقد ظهر امتناعه، فكيف يتوقف ذات مثل هذا على شيء ولو على التعين الأول الأحدي الجامع =","part":1,"page":139},{"id":189,"text":"________________\r= بالنسبة إلى الحق؟ نعم قد يمكن أن يتوقف هويته من حيث كمالاته الأسمائية على المظاهر، ولكن بالشرطية لا بالعلية.\rوجملة الكلام فيه: أنَّ الحق أنَّ الذات المطلق إما أن يتوقف على تحقق صفاتها وأحوالها المشخَّصة بدون عكسه أو بالعكس كذلك، أو لا توقُّف من الطرفين، أو لكل توقف على الآخر من وجه. فالأول بيِّن الاستحالة؛ لأن توقف تحقق الذات على تحقق أحوالها دورٌ، ويقتضي أن يكون الذات والحال على عكس المفروض.\rوالثاني يقتضى أن يتعين الماهية قبلها تعيُّنًا شخصيًّا فلا يكون كلية، هذا خلفٌ.\rوالثالث محالٌ؛ لأن الوصف والحال ما يكون تبعًا في الوجود، وسرُّه: أن عدم التوقف من الطرفين -بل من أحدهما- يمنع سريان سرِّ الجمع الأحدى الإلهي، فلا يوجد.\rفالحق هو الرابع، وهو أن يتوقف الأحوال على الذات في انتساب الوجود، والماهية على الأحوال في التعين).\rوعلَّق الخميني على كلامه فقال: (قوله: وجملة الكلام: لولا هذه الجملة التي زعمَ أنها تحقيق لكان صدرُ كلامه موافقًا للتحقيق، ولكنه على زعمي أخذ صدر كلامه من غيره كالقونوي وأترابه ولم يطلع على حقيقته. وبالجملة ففي قوله: والثاني يقتضي أن يتعين الماهية قبلها ... إلى آخره، نظرٌ واضح، فإنَّ الكلية التي سَلبها متحاشيًا إن كانت المفهومية، فالحقُّ سلبها، وإن كانت بمعنى سعة الوجود وإحاطته، كما في تعبير كثيرٍ من أهل المعرفة فلا يكون تاليًا لما ذكر. والحق أن في كلام هذا الشارح القاضي في كثير من المواضع أغلاطٌ غريبة، ومن لم يجعل الله له نورًا فماله من نور).\rثم شرع الفناري في إيراد الإشكالات الواردة على دليله والرد عليها، فقال: (لا يقال: فتوجد الماهية قبل التعيُّن.\rلأنَّا نقول: نعم قَد، في ما وجودها عينها، أما في غيره، فإنما يلزم لو لم يكن أحد التعينات لازمه، وتقدم الذات فيه تقدم بالذات، كتقدم حركة الإصبع على حركة الخاتم. ولا يلزم من عدم وجود الملزوم بدون لازمه توقفه عليه، كالثلاثة بدون الفردية والجسم بدون التحيز. وهذه النسبة هي السارية فيما بين الهيولي والصورة والجوهر والعرض في الشخص، فإنها سِرُّ سريان =","part":1,"page":140},{"id":190,"text":"_________________\r= وجود الحق في المظاهر، فإن تقيُّدَه الذي تنزل به من كماله الذاتي الإطلاقي إلى الحقائق العلمية التي هي بالنسبة إلى ذاته عينه المجعولة حسب استعداداتها صورًا وأعيانًا- ظاهرةٌ يتوقف بوجهِ الشرطية على نسبة الأسمائية، فالتوقف ولو بالشرطية إنما هو لبعض أسمائه وصفاته على البعض، لا لذاته المطلقة الغنية عن العالمين، فافهم تسلم عن ورطتي مجرد التشبيه والتنزيه).\rوعلًق الخميني فقال: (قوله: فإنها سر سريان وجود الحق ... إلى آخره، هذا وأمثاله من لوازم الماهية والنقص، وليس من أسرار سريان الحق، فإنَّ الكمالات برمتها منه ومن أثر ظهوره في الخلق، وأمَّا النواقص فمن نفس الماهيات، فهو تعالى نورُ السماوات والأرض، وأما الظلمات اللازمة للتعينات فمن الكلمة الخبيثة. وإن قلنا بأنَّ الكل من عند الله فهو بنحو العرضية واللازمية كما هو ظاهر).\rقال الفناري: (الشبهة الثالثة: لو كان الوجودُ المطلقُ واجبًا لكان كلُّ وجود واجبًا، حتى وجود القاذورات والخنازير والحيات، تعالى الله عما لا يليق به.\rجوابها: ما مرَّ أن الوجود الإضافي لحقائق الممكنات بمعنى الموجودية، أي نسبة خاصة إلى الوجود الحق لا عينه، ولا يلزمُ من وجوب الشيء في ذاته وجوبُ انتسابه إلى شيء مخصوص. فلا يرد أن الوجوب إذا كان مقتضى الذات كان لازمه، فأينما وجد وجد معه؛ لأنَّ مقتضى الذات تحققه في نفسه أو في الجملة، لا تحققه من حيث النسبة المخصوصة، كما أنَّ حقيقة الجسم يقتضى تجسمًا ما وتميزًا ما، فهما لازماه، لا المخصوصان.\rفالتحقيق: أنَّ المتعدد حسب تعدد الماهية الجنسية أو النوعية أو الشخصية أو العرضية هي الموجودات، مجالي نسب الوجود، لا نفس الوجود. ثم النسب الأسمائية منها جمالية لطفية، متعلَّقاتها مستحسنة بالنسبة إلينا، ومنها جلالية قهرية متعلَّقاتها مستكرهة في نظرنا القاصر؛ لكونها مهلكة أو مؤذية أو غير ملائمة. والكلُّ بالنسبة إلى حيطة قدرته وحكمته وسعة علمه وقوته كمال كما مرَّ في الفصل العاشر.\rألا ترى أنَّهم أسندوا خلق مثل الحيات والخنازير والقاذورات إليه في الواقع، وإن احترزوا عن سوء الأدب في التصريح بذلك؟ فمثله بعينه الانتساب الذي عندنا إلى أسمائه التي هي مثل =","part":1,"page":141},{"id":191,"text":"_______________\r= القاهر والضار والمنتقم والمذِلّ وغيرها من الأسماء الجلالية، فلا ريب أن بمجموع الجلال والجمال يتحقق الكمال).\rوعلَّق الخميني على هذه الشبهة فقال: (قوله: الشبهة الثالثة ... إلى آخره، هذه الشبهة كأمثالها أيضًا، واهية ساقطة ناشئة من عدم الفرق بين الوجود المطلق، أي الغير المتعين المجرد عن كافة الماهيات والتعلقات، وبين مطلقِ الوجود المحكوم في كلِّ وجود بحكمه. ولا يحتاج إلى تحقيقات الشارح التي هي منظور فيها في نفسها. وإن شئت بلسان أهل المعرفة فقل: إن الوجود مطلقًا كمالٌ وجمال، والنقص ناشئ من التعينات والماهيات، لا أصل الوجود. وهذا أيضًا غيرُ مربوط بما نحن بصدده من إثبات الوجود المطلق للبارئ جلَّ ذكره، بل راجعٌ إلى أن ظهوره في مجالي الأنوار كمال ونور وهو نور السماوات والأرض).\rقال الفناري: (الشبهة الرابعة: أنَّ الوجود ليس بموجود، كما أنَّ الكتابة ليست بكاتب والسواد ليس بأسود، حتى قيل: مبدأ المحمول من أفراد نقيضه، إلا أن يريدوا بقولهم: الوجود موجود، أن الوجود وجودٌ، لا أنه ذو وجود. لكن المراد بقولنا: الواجب موجود، هو الثاني لا الأول.\rفإن قلت: لو لم يكن الوجود موجودًا لكان معدومًا، ولزم اتصاف الشيء بنقيضه.\rقالوا في جوابه: إن الممتنع اتصاف الشيء بنقيضه، بمعنى حمله عليه بالمواطاة، نحو: الوجود عدم، لا بالاشتقاق نحو: الوجود معدوم، إذ هو كقولنا: الكتابة ليست بكاتبته. ولذا قالت الفلاسفة: الوجود المطلَقُ من المعقولات الثانية. وقال مثبتو الحال من المتكلمين إنه من الأحوال.\rوجوابها: ما مرَّ أنَّ الموجودَ ما له الوجود، لا من صدر عنه كالكاتب، بل التحقيق أنَّ معنى الكاتب أيضًا من له الكتابة لا مَنْ صدر عنه، وإلا كان كلُّ اسم فاعل كذلك، وليس كذلك، كالمائت والمتقدم، وقولنا: ماله الوجود أعم مما له الوجود الزائد وغيره أو الخارجي والعقلي، والوجود ما له الوجود الغير الزائد؛ لامتناع سلب الشيء عن نفسه، فيجب إثباته له، ولذا قالت الفلاسفة: إن وجود واجب الوجود عينه، وكذا الأشاعرة في كلِّ موجود، فهم وأكثر العقلاء معترفون بأن الوجود موجود بالشكل الأول، القائل: إن الوجود عين الماهية الموجودة، وكل ما هو عين الموجود موجود، وكذا الكاتب بمعنى مَن له الكتابة، ولو غير زائدة، صدق =","part":1,"page":142},{"id":192,"text":"_______________\r=\rعلى الكتاب بحسب المفهوم الوصفي. غير أنَّ العرف اشتهر بإطلاقه على أحد قسميه، وهو ما له الكتابة الزائدة، فلا ينافي عموم الحقيقة اللغوية القسمين، فظهر فساد القول بأن الوجود حال أو معقول ثان، تعالى الله عن ذلك. اللهم إلا أن يريدوا انتساب الوجود إلى الماهية، فإنه من الأمور العقلية، وبه يقول المحقق).\rقال الخميني: (قوله: الشبهة الرابعة ... إلى آخره، هذه الشبهة غيرُ مرتبطة بما نحن بصدده من أنَّ الحق وجود مطلَق، بل راجعةٌ إلى أصل تحقق الوجود، ففي الحقيقة هذه المرحلة قبل المرحلة التي الآن الكلام فيها، فتدبر).\rقال الفناري: (الشبهة الخامسة: أن الوجود المطلَق ينقسم إلى الواجب والممكن والقديم والحادث، والمنقسم إلى شيء وغيره لا يكون عينُه فضلاً عن أن يكون المنقسم إلى الممكن واجبًا وإلى الحادث قديمًا.\rوجوابها: أنَّ الوجوب والإمكان والقدم والحدوث أسماءُ نسب الوجود، أعني الموجودات، وليست من الأسماء الذاتية، أعني التي نسبتُها إلى المتقابلات سواسية، فالتقسيم في الحقيقة لنسبه لا لنفسه).\rقال الخميني: (هذه الشبهة أيضًا من باب اشتباه الوجودِ المطلَق مع مطلق الوجود، فالوجود المطلق واجبٌ ليس إلا، ومطلَق الوجود مفهومٌ عامٌّ بديهيٌّ لازمٌ للحقائق الوجودية وصادق عليها صدقًا عرضيًّا).\rقال الفناري: (الشبهة السادسة: أن الوجود يتكثَّر بتكثر المجالي، والمتكثر لا يكون واجبًا؛ إذ يجب وحدته.\rوجوابها: أنَّ المتكثرَ والمتعدِّدَ نسبُه وشئونه لا عينه؛ لما قيل: إن الوجود عند انضمامه إلى الماهيات لا يكون غير الوجود، بل هو هو أبدًا، لكن سمي بواسطة الانضمام غيرًا، فيكون هو في حدِّ ذاته مع جميع التعينات واحدًا بالشخص كائنًا في كل آن في شأن، بل شؤون، بواسطة تغيرات التعينات. فاللازم من تعدد التعينات تعددُ الموجودات والموجوديات، أعني نسب الوجود لا تعدد نفس الوجود.\rلا يقال: فلا يكون مطلقًا وكليًّا ومشتركًا كما هو شأنُ الواحد بالشخص، حتى لو التزم كليته =","part":1,"page":143},{"id":193,"text":"__________________\r=\rلا يكون موجودًا في الخارج، فلم يكن واجبًا؛ لأنا نقول: أجاب البهشتي عنه بأن كونه شخصًا بحسب الخارج، والكلية إنما تعرض له في الذهن فلا منافاة بينهما.\rقال: وبهذا يندفع أيضًا ما يقال: لو كان كليًّا كان الواجب واحدًا بالنوع لا بالشخص، وذلك لجواز أن يكون شخصًا في الخارج، واحدًا بالنوع في الذهن، وفيه تأمل؛ لأن تعين الوجود الواجبي في نفسه عينه، فإن كان المتعين بذلك التعين شخصًا لا يتصور كليته ونوعيته ذهنًا - كتعين زيد-، وإن كان ذلك التعين نوعيًّا كليًّا لا يكون شخصًا. نعم قد تعين حقيقة الجزئي غير تعين ذاته، ولذا كان الأول كليًّا والآخر جزئيًّا، وليس للوجود الواجبي في نفسه إلا تعين واحد هو عينه.\rفالجواب: الحقُّ ما مر أن تعيُّن ما عدا الوجود إنما هو بمقارنة الوجود لماهيةٍ أو هويةٍ وتخصصه بها، أما الوجود المطلَق فتعيُّنه عينُ وحدته، ووحدتُه عينُ حقيقته، وما بالذات لا ينفك ولا يزول، فلا يتصور التعدد والاشتراك إلا في نسبه الجزئية أو الكلية، ونفسه كما هو هو في كل الأحوال. فوحدته في أقصى الكمال حتى لا يتصور في مقابلته كثرة، بل وحدته -لأنها عين حقيقته- يكون عين الكثرة إذا تحققت، والتي ينقسم إلى الجنسية والنوعية والشخصية هي الوحدة العددية المتصورة في مقابلة الكثرات، ووحدة الحق في ذاته بمعزلٍ عنها، فلا يوصف من حيث هو بالكلية والجزئية ولا بالنوعية والشخصية، بل هذه أحوال نِسَبه العِلمية، ولذا لم يكن تعينات سائر الحقائق إلا بأحدها. اللهم إلا أن يراد بالوحدة الشخصية وحدةٌ ذاتية ممتنع الاشتراك في عين تعيُّن موضوعها، كالتعين الأول لذات الحق فيتناول أحدية الحق.\rيدل عليه ما قال الشيخ قدَّس سره في النصوص: إن اطلاق اسم الذات لا يصدُق على الحق إلا باعتبار تعينه الذي يلي -في تعقل الخلق غير الكمل- الإطلاقَ المجهول النعت، وهو التعين الأول وأنه بالذات مشتملٌ على الأسماء الذاتية التي هي مفاتيح الغيب، والأحدية وصف التعيُّن لا وصف المطلَق المعين؛ إذ لا اسم للمطلق ولا وصف. ومن حيثية هذه الأسماء -من حيث عدم مغايرة الذات لها- نقول: إنَّ الحق مؤثر بالذات. هذا كلامه.\rوانما قال في تعقل الخلق غير الكمل؛ لأنَّ التعين الأول في تعقل الكمَّل مطلقٌ بالنسبة إلى كلِّ تعقل، لما قال الشيخ قدس سره في موضع آخر منه: وهذا التعقل التعيني وإن كان يلي الإطلاق =","part":1,"page":144},{"id":194,"text":"_________________\r=\rالمشار إليه فإنه بالنسبة إلى تعين الحق في تعقل كلِّ متعقل مطلَقٌ، وإنه أوسع التعينات، وهو مشهود الكمَّل. وهو التجلي الذاتي وله مقام التوحيد الأعلى، ومبدئية الحق يلي هذا التعين، والمبدأ هو مبدأ الاعتبارات الظاهرة والباطنة، والمقولُ فيه إنه وجودٌ مطلقٌ واجبٌ واحدٌ- عبارةٌ عن تعين النسبة العلمية الذاتية الإلهية، والحق من هذه النسبة يسمى عند المحقق بالمبدأ، لا من نسبة غيرها. تم كلامه).\rقال ميرزا هاشم الأشكوري: (والتقييد بتعقُّل الخلق غير الكمَّل، للإشارة إلى أنَّ هذا التعين وإن كان يلي الإطلاق ولكن له الإطلاق بالنسبة إلى تعين الحق في تعقُل كلِّ متعقِّل، وبالنسبة إلى تعين كل شيء في كل عالم على ما يتعقل الكمَّل. وأمَّا في تعقل غير الكمَّل فليس له الإطلاق؛ لعدم تعقلهم إياه على الحقيقة وعلى ما هو عليه، وصرَّح بهذا المعنى في التوجيه الفاضل المحقق شارح مفتاح غيب الجمع والوجود حيث قال بعد نقل هذا الكلام: وإنما قال في تعقُّل الخلق غير الكمل؛ لأن التعين الأول في تعقل الكمَّل مطلقٌ بالنسبة إلى كلِّ تعقل، لِما قال الشيخ قدس سره في موضع آخر من النصوص: وهذا التعقل التعيني وإن كان يلي الإطلاق المشار إليه، فإنه بالنسبة إلى تعين الحق في تعقل كلِّ متعقل مطلق، وإنه أوسع التعينات، وهو مشهود الكمل، وهو التجليّ الذاتي، وله مقام التوحيد الأعلى ومبدئية الحق يلي هذا التعين. ويمكن أن يقال: إن غرض الشيخ الإشارةُ إلى أن التعين الذي يلي الإطلاق في تعقل الكمل هو أحدية الجمع والوحدة الحقيقية الجامعة، وأمَّا في تعقل غير الكمل هو الأحدية الصرفة المقابلة للواحدية، ولا شك أنه وصف سلبيٌّ. فيظهر من كلامه أن أول المراتب والتعينات بعد إطلاقه اللاتعيني عند الجمهور هو الأحدية الصّرفة، وأمَّا عند الكمل هو أحدية الجمع والوحدة المطلقة الحقيقية الجامعة، ولا يخفى عليك أنه يستفاد من كلامه على التوجهين أن إطلاق اسم الذات إنما يكون على الأحدية الصرفة التي هي وصف سلبي. تدبر تفهم).\rقال الفناري: (الشبهة السابعة: أنه -أي الوجود- مقولٌ على الموجودات بالتشكيك، فإنه في العلّة أقوى وأقدم وأولى منه في المعلول، ويمتنع أن يكون الواجب مقولاً على غيره بالتشكيكـ؛ لأن المشكك يكون زائدًا، والزائد على حصص الوجود - لا يكون عينها.\rوجوابها: أن المقولية نسبة الوجود، فكما لم يكن التعدد إلا فيها، لم يقع التشكيك إلا فيها، بناءًا على اختلاف قابليات المتعلقات أو الاختلاف بذاتية الوجود وعرضيته.=","part":1,"page":145},{"id":195,"text":"=\rقال الشيخ قدس سره في الرسالة الهادية: ما يقال من أنَّ الحقيقة المطلقة تختلف بكونها في شيء أقوى أو أقدم أو أولي، فكلُّ ذلك عند المحققِ راجعٌ إلى الظهور بحسب استعدادات قوابلها، فالحقيقةُ واحدة في الكلِّ، والتفاوتُ واقعٌ بين ظهوراتها بحسب المقتضى تعين تلك الحقيقة).\rقال الخميني: (قوله: الشبهة السابعة .. ، هذه الشبهة أيضًا غير مرتبط بما نحن بصدده كما لا يخفى، إلا إنه لازمه كأمثاله، بل هي شبهةٌ في مقابل من يقول: إن الوجودَ في كلِّ موجودٍ عينُ في الخارج، والجواب عنها كما في محله: إنَّ التشكيك الخاصّ الذي يكون ما به الاشتراك فيه عينُ ما به الامتياز لا يقتضى الزيادة، بل بأن يكون للحقيقة عرض عريض فلها مراتب كاملة وناقصة، والكمالُ عين الحقيقة، والنقصُ خارج عنها، والهويات بسيطة - فراجع إلى مكانه كالأسفار وغيره).\rقال الفناري: (الشبهة الثامنة: اشتراك الوجود معنويًّا بين الواجب والممكنات قد ثبت بالبرهان النيِّر كما مرَّ. فلو وجد الوجود فإما بوجودٍ زائد أو بوجودٍ هو نفسه، وأيًّا ما كان فليس إطلاقُه على جميع الموجودات بذلك المعنى، فلم يكن مشتركًا معنويًّا، هذا خلف.\rوجوابها: أن الاشتراك لمطلق النسبة الكلية، وإلا فذاتها غنيةٌ عن العالمين. على أنَّا لمَّا فسرنا الموجود بما له الوجود أعمّ من أن يكون زائدًا أو نفسه، فقد حصل معنىً يصح مشتركًا به بين الكل).\rقال الخميني: (والجواب عنها أن الاشتراك المعنوي الذي هو روح وحدة الوجود، لا ينافي أن يكون للوجود مراتب، بل كون الحقيقة ذات المراتب يؤكد الوحدة الحقيقية، ولا يخفى أن هذه الشبهة أيضًا غير مربوطة بما نحن فيه).\rقال الفناري: (الشبهة التاسعة: أن دليلهم في إثبات زيادة الوجود على الماهية بأنَّا نعقلها ونشك في وجودها، فالمعقول غير، غير المعقول جار في وجود الوجود، فثبت بذلك أنه ليس عينه.\rالشبهة العاشرة: أن مفهوم الوجود وهو الكونُ العام، معلومٌ لكل أحد، حتى قيل ببداهته، وحقيقة الواجب غير معلومة، فلا يكون هو إياها).\rقال الخميني: (هاتان الشبهتان كبعض الشبهات السابقة غير راجعةٍ إلى ما نحن فيه ابتداء، بل باعتبار أن الوجود إذا كان عين الماهية في الواجب فلازمه أن يكون وجودًا مطلقًا، فنفي العينية يلازم نفي الإطلاقي). =","part":1,"page":146},{"id":196,"text":"=\rقال الفناري: (وجوابهما: منع تعقل كنه ماهية الوجود فضلاً عن بداهته، ولو سلِّم البداهة، فقد قيل: تلك في تعقل الوجود نفسه. ثم الكون عبارة عن نسبته إلى الكائنات من مجاليه ومظاهره، لا عن حقيقته، بل سيجيء في مفتاح الغيب أن قولنا: هو الوجود للتفهيم، لا أن ذلك اسمٌ حقيقي له.\rقال الشيخ قدس سره في تفسير الفاتحة: ولا خلاف في استحالة معرفة ذاته سبحانه من حيث حقيقتها، لا باعتبار اسم أو حكم أو نسبة أو مرتبة.\rثم قال: والتحقيق الأتم أفاد أنه متى شمَّ أحدٌ من معرفتها رائحة فذلك بعد فناء رسمه وانحاء [كذا في المطبوع ص 168، ولعلها: وانمحاء] حكمه وتعينه واسمه واستهلاكه تحت سطوات أنوار الحق وسبحات وجهه الكريم، فيكون حينئذ العالم والمتعلم والعلم في حضرة وحدانيته، رفعت الأشباه والاشتباه وحققت معرفة سر: لا إله إلا الله العزيز الغفار.\rفإن قلت: المنفي هنا معرفته بوجه يختصُّ به سبحانه من الإحاطة وغيرها، وإلا فينافيه ما صرَّح به في مواضعَ من أنَّ الكمَّل الواصلين يحصل لهم العلم بما في الحضرة العلمية من الحقائق على نحو تعينها في علم الله، ومن جملة تلك الحقائق حقيقةُ الحق سبحانه، فالواصل بالإرث المحمدي إلى مرتبة كشف الذات ينبغي له أن يحصل له معرفته على صورة علمه تعالى بنفسه. يدلُّ عليه ما حكيناه قبل من الشيخ قدس سرُّه من صورة علمه تعالى بنفسه.\rقلتُ: لو حصل ذلك يكون من جملة الصور المخصوصة بالحالة المذكورة في التحقيق الأتم فلا ينافيه، والله أعلم).\rقال الخميني: (قوله: والتحقيق الأتم ... إلى آخره، وهذا هو المشاهدة الحضورية الحاصلة للأولياء والعرفاء الكمَّل بعد الرياضات المعنوية، وهي أعلى وأجلُّ من كل عرفان واكتناه، فإن الاكتناه بقدم الفِكر وهو غير معقول في الوجود، وفيما يجوز هو أيضًا علمٌ ناقصٌ حاصلٌ من الفكر الذي هو ترتيب أمور لتحصيل أخر، فهو في الحقيقة مثار الكثرة والغيرية، والغير لا يعرف الغير، بخلاف العلم الشهودي والمعرفة الحضورية فإنه مثار الوحدة والهوهوية ونفي الغيرية، حتى رسوم التعينات الماهوية).\r[مصباح الأنس بين المعقول والمشهود - محمد بن حمزة الفناري - ص 159 - 169]","part":1,"page":147},{"id":198,"text":"حكاية\rاجتمع عالمٌ يسلُك طريقَ أهلِ النَّظر والكلامِ، في مجلسٍ مع عارفٍ يسلُك طريقَ أهل التصوف والتوحيد، ووقع المناظرة بينهما في مسألة التوحيد.\rفقال العالم: إني بريءٌ من الإله الذي يَظهر في الكلب والقِطِّ.\rوقال العارف: إني بريء من الإله الذي لا يَظهر فيهما.\rفأهل المجلس جزموا بأنَّ أحدهما كافرٌ قطعاً.\rقال بعض الأزكياء في توجيه كلامهما (¬1): إنَّ العالِمَ اعتقد أنَّ الكلب والقطَّ في غاية الخسةِ، والمخالطةُ والملابسةُ معهما نقصٌ جدًّا. فمقصودُه من هذا القول: إني بريء من الإله الذي يكون ناقصًا.\rوالعارف اعتقدَ أن في المخالطة والملابسة بالوجه الذي ذُكرَ في نور الشمس ليس نقصًا ونقيصةً، ولو لم يقع نورُ وجوده تعالى وتقدس على الأشياء الخسيسة، لما كان فيضه عامًّا تامًّا (¬2). فمقصوده: أنا بريءٌ من الإله الذي يكون ناقصًا، ولا شكَّ أن الناقص لا يصلح للإلهية.\r_____________________\r(¬1) في المخطوطة: كلاهما.\r(¬2) في هذا الكلام المشتمل على توجيه قول العارف أي القائل بوحدة الوجود، دليل ظاهر على أنَّ هذا المذهب قائل بملابسة الخلق للحق، وظهور الحق بصور الخلق، وأن وجود الحق (نوره) يقع على الخلق من حيث هم هم.","part":1,"page":148},{"id":199,"text":"فلا يكون براءتُهما من الله الموصوف بصفات الكمال (¬1)، ولا يلزم تكفيرُ أحدهما.\rوالسَّلام على من ابتغى الهدى، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين\rتمت الرسالة للسيد الشريف الجرجاني\rسنة 1135 هـ\r*******\r¬__________\r(¬1) قد يقول قائل: نلاحظ هنا أنَّ العلامة السيد المحقق دار في تفسير كلامهما بحسب ما نقله عن بعض الأزكياء على أنَّ كلا منهما يزعم أنَّ ما يقرره لا ينافي كمال الله تعالى، ولا يستلزم النقص، وبناءًا على ذلك فإنَّ السيد الشريف يقرر أنه لا يلزم كفر واحدٍ منهما ما دام يعتقد أنَّ قوله لا ينافي كمال الله تعالى. ولكن لو صحَّ ذلك للزم عدم كفر أيِّ معتقدٍ؛ فإن أهل التثليث يعتقدون أن التثليث كمالٌ لله تعالى، وأهلَ الشرك والأوثان لا يقولون إن شركهم واعتقادهم بتكثر الآلهة يستلزم النقص، بل يزعمون أنه عينُ الكمال، وكذلك الصابئة النافين للنبوات يعتقدون تنزه الله تعالى عن إرسال رسول من الجسمانيات، وهكذا كل صاحب اعتقاد يعتقد أن ما يقرره هو الكمال الملائم للإله. فلو كان مجرَّدُ اعتقادهم الكمال فيما يقررون يستلزمُ عدم التكفير للزم عدم تكفير جميع هؤلاء.\rوقد يجاب عن ذلك بأنَّ التكفير لا يلزم إلا بدليل شرعي، فمادام لم يأت دليلٌ يكفر به القائل بالوحدة، فلا يقال بتكفيره، بخلاف أصحاب الأوثان وغيرهم ممن جاء الكتاب والسنة بكفرهم.\rولكن ذلك إن سلمناه، لا يستلزم القولَ بصواب القائل بالوحدة الوجودية ونحوهم. فيبقى المدار على أنَّ أحد الفريقين مخطئ بالضرورة في تقرير الاعتقاد المطابق للحق؛ لاستحالة تحقق المطابقة من الاعتقادين المختلفين المتضادين لنفس الأمر، فأحدهما مبطل والآخر مصيب.","part":1,"page":149},{"id":200,"text":" ","part":1,"page":150},{"id":201,"text":"فهرست\rمقدمة الأستاذ سعيد ........................................................ ... 7\rبيان السيد الشريف الجرجاني لمعنى وحدة الوجود ........................... ... 11\rكلام مهم للعلامة السندي والإمام عضد الدين الإيجي ...................... ... 12\rوحدة الشهود .............................................................. ... 17\rترجمة السيد الشريف الجرجاني .............................................. ... 21\rمتن رسالة الإمام الشريف .................................................. ... 29\rبداية رسالة الإمام الشريف مع تعليقات العلامة سعيد فودة ................. ... 41","part":1,"page":151}],"titles":[{"id":1,"title":"تعليقات على رسالة السيد الشريف","lvl":1,"sub":0},{"id":48,"title":"مقدمة","lvl":1,"sub":0},{"id":52,"title":"بيان السَّيِّدِ الشَّريف الجُرْجَاني لمعنى وحدة الوجود","lvl":1,"sub":0},{"id":54,"title":"كلام مهم للعلامة السِّندي والإمام العضد الإيجي","lvl":1,"sub":0},{"id":60,"title":"بيان معنى وحدة الشهود","lvl":1,"sub":0},{"id":63,"title":"ترجمة السيد الشريف الجرجاني","lvl":1,"sub":0},{"id":67,"title":"محاوراته مع الإمام العلم المحقِّق السعد التفتازاني","lvl":1,"sub":0},{"id":67,"title":"مكانته في العلم والتحقيق","lvl":1,"sub":1},{"id":69,"title":"نص الرسالة الشريف الجرجاني في وحدة الوجودد","lvl":1,"sub":0},{"id":87,"title":"فتح الودود بشرح الرسالة الشريف الجرجاني في وحدة الوجود","lvl":1,"sub":0}]}