{"pages":[{"id":1,"text":"حقيقة الحوار\rمع\rالشيخ الجفري\r\rكتبه\r\rحبيب عبدالرحمن سلامي\rجميع الحقوق محفوظة\r1426هـ - 2005م","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\r{ إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب }ـ سورة هود، الآية 88 ـ\r\rعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»ـ رواه البخاري ـ .\r\rاللهم إني أشهدك أني لم أرد بكتابتي إلا بيان الحق، فإن أصبت فبفضلك، وإن أخطأت فبسبب تقصيري، فاغفر لي يا غفور","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"إهداء\rإلى كل شخص تربى على التشدد والتعصب بحكم البيئة التي نشأ فيها، ورمى المخالف له بالبدعة والضلال والشرك..\rو إلى كل من اكتفى بقراءة المطويات والكتيبات الصغيرة، أو سماع الأشرطة التي توزع بالمجان، وابتعد عن كتب الأئمة وفقهاء الأمة...\rو إلى كل من سمع شريط «حوار هادئ..» وتحير أمامه، أو أعجب به و صدق كل ما جاء فيه..\rو إلى الشيخ علي الجفري حفظه الله الذي جلست في حلقات درسه ووعظه، واستمعت إليه واستفدت منه، ردا للجميل و اعترافا بالفضل.\rو إلى أخي صاحب الحوار، مبديا له بعض الملاحظات على شريطه، ومعقبا عليه فيما رأيت أنه جانب الصواب فيه.\rإليكم جميعا هذه التعقيبات والملاحظات على شريط\r( حوار هادئ مع الشيخ الجفري )\rوذلك ليس من أجل الدفاع عن الشيخ علي الجفري فحسب، بل من أجل الدفاع عن منهج جمهور أهل السنة والجماعة","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"الفهرس\rالموضوع ... الصفحة\rالاهداء ... 2\rالمقدمة ... 3-19\rابتداء ظهور المنهج ... 4\rبيان أهلية صاحب المنهج ... 4\rمخالفة صاحب المنهج لأسلافه ... 4\rإنكار على أهله ... 5-6\rغلوهم في شيخهم ... 6-7\rحقيقة كتاب كشف الشبهات ... 7-8\rرأي الصنعاني فيه ... 8\rعرض وجيز لشواذه ... 9\rقصيدة للشيخ خليفة آل ضلفة ... 9-10\rعودة إلى الصنعاني ... 10-11\r- سبب ظهور هذا المنهج المتشدد ... 12-14\rالوسائل المتبعة لتسويق مذهبهم ... 12\r- السبب في اهتيار الشيخ علي الجعفري ... 15\r-بيان المسلك الذي سلكه المحاور ... 16-19\rمسائل غريبة تبناها المحاور ... 19\r- تتبع كلام المحاور في الوجه الأول من حواره\rتعليق المحاور ... 20\rمقطع من كلام الجفري ... 20\rتعقيب المصنف ... 20-21\r- دروس الجفري تفرق الأمة ... 22-25\rتعليق المحاور ... 200000\rمقطع من كلام الجفري ... 22\rعودة لتعليق المحاور ... 22-23\rتعقيب المصنف ... 23-25\r- مصير والدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ... 260000-36\rشذوذ حديث: أبي وأباك في النار ... 27-28\rالاعتراض الأول: فحالفة الحديث للقرآن ... 28\rتحقيق للحافظ السيوطي ... 29\rها كل حديث صحيح يحتج به ... 29\rالشروط المتوخاة من العامل بالحديث ... 29-30\rعودة إلى مسألة نجاة الأبوين الشريفين ... 30-31\rبيان شذوذ الحديث الدمي احتج به المحاور ... 31\rحديث خارج عن كوطن النزاع ... 32\rوالد النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل الفترة ... 33\rامتحان أهل الفترة يوم القيامة ... 33\rدخول الحديث في بوابة الاحتمال ... 34\rأحاديث عدم النجاة منسوخة ... 34\rأحاديث ضعيفة في الباب ... 35-36\rرأي جمهور الأمة المحمدية ... 36\r- نصوص بعض أهل العلم في نجاة الأبوين ... 37-42\rالخلاصة ... 41\r- التبرك بآثار النبي - صلى الله عليه وسلم - ... 42-47\rآثار نبوية محقت ... 42\rمسجد الإمام علي العريضي ... 43\rمسجد سيدنا أبي بكر الصديق ... 43\rمسجد البقيع ... 43-44\rلا ذرائع لهدك آثار النبوة ... 440000\rالوهابية والقرصنة ... 44-45\rالألباني يدعو لهدم مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - ... 45\rدعوة أخرى من قبل الوادعي بالهدم ... 45\rصدق مقالة الجفري ... 45\rمواضع يستحب زيارتها ... 45-46\rاستحباب زيارة مشاهد المدينة المنورة ... 46-47\r- هل الجفري أشعر المعتقد صوفي الطريقة ... 47-45\rتعليق المحاور ... 47\rتعقيب المصنف ... 47\rكلام مهم للتاج السبكي ... 47-48\rالأشاعرة هم جمهور أهل السنة والجماعة ... 48- 49\rالأشاعرة في ميزان علماء الإخوان ... 49-50\rهل تجوز الصلاة خلف الأشعري ... 50-51\rرأي السلفية في الإمام البنا ... 51-52\rرأي السلفية في الإمام البنا ... 51-52\rالمحاور يستشهد بكلام الأشاعرة والصوفية ... 52- 53\rالإمام أحمد بن حنبل والصوفية ... 53\rتعليق المحاور ... 54\rمقاطع من كلام الجفري ... 54\rتعقيب للمصنف ... 54\r- أبو بكر الجزائري وكتابه ... 55-69\rتعليق للمحاور ... 55\rأبو بكر الجزائري في الميزان ... 55-56\r-ادعاء الجزائري أن الصوفية عملاء الاستعمار ... 56\rموقف الصوففية من الجهاد في سبيل رنه ... 56-57\rأبطال الجهاد من هم ... 5700000-58\rالسلفية والاستعمار ... 58-59\rابن عبد الوهاب وجهاده ضد المسلمين ... 59-61\r- تعريف الجزائري في كتابه للتصوف ... 62000\r- إبطال ما قاله الجزائري عن الكشف ... 26000-69\rرأي ابن تيمية في الصوفية ... 63-65\rمنزلة الشيخ عبد القادر الجيلاني في كتب الحنابلة ... 65-66\rالكشف لدى ابن القيم ... 66-67\rالكشف عند ابن تيمية ... 67-68\rالكشف عند الصوفية ... 68\rالكشف عند الشوكاني ... 68-69\r- هل الجفري يطعن في الأموات ... 70-71\rتعليق المحاور ... 70\rمقطع من كلام الجفري ... 70\rتعقيب المصنف ... 70\rالسلفية والقرضاوي ... 70-71\r- المولد النبوي هل هو بدعة محرمة ... 72-80\rمقتطفات من كلام الجفري ... 72\rاعتراض للمحاور ... 72\rحول الاحتفال بالمولد ... 72-73\rعودة للمحاور ... 73\rتعقيب للمصنف ... 73\rجواب للحافظ ابن حجر عن المولد ... 73-74\rتعليق للمحاور ... 74\rالرد على المحاور ... 75-76\rمع ابن الحاج المالكي ... 77-78\rابن يتيمة في ميزان المطيعي ... 78-79\rتدليس قبيح من المحاور ... 79-80\r-رأي المحاور في مسألة التوسل ... 81-84\rتعليقات للمحاور ممزوجة بكلام للجفرة ... 81-82\r\rالمحاور يكفر المتوسلين ... 82000\rمن كتاب مغني المحتاج ... 82-83\rقصة العبثي ... 83-84\r- بيان مذهب الشافعية في التوسل المطابق لرأي الجفري ... 84-86\r- مذهب الحنابلة في التوسل ... 86-87\r- الصحابة وجمهور الأمة على جواز التوسل ... 87\rابن يتمية يعدل عن منع التوسل ... 88\rابن تيمية يستحسن النداء الذي أنكره المحاور ... 88-89\rمفهوم الحياة البرزفية ... 89-90\rابن تيمية ... 89-90\rابن تيمية ينقل حادثة سعيد بن المسيب ... 90\rالمحاور يخالف مذهب الجمهور ... 90-91\rمع ابن القيمة في كتابه الروح ... 91-92\r- هل العارفون يعلمون الغيب ... 92-96\rتعليق المحاور ... 92\rمن كلام الجفري ... 92\rتعقيب للمصنف ... 92\rابن تيمية والخوارق ... 92-93\rمعرفة الغيب ... 93-94\rعودة إلى ابن تيمية ... 94-95\rابن تيمية يعلم الغيب ... 95-96\rمعرفة الغيب في مفهوم ابن القيم ... 96\r- هل الولي يقول للشيء كن فيكون ... 97-101\rتعليق للمحاور ... 97\rتعقيب للمصنف ... 97\rالرد التفصيلي ... 97-98\rابن تيمية يرى ما عابه المحاور على الجفري ... 98\rكلام آخر لابن تيمية يعزز المعنى السابق ... 99-100\rابن تيمية في قفص الاتهام ... 101\r- هل فقراء الصوفية يعلمون الأجل ... 102-105\rتعليق للمحاور ... 102\rمن كلام الجفري ... 102\rتعقيب للمصنف ... 102-103\rقصة سارية ... 103-105\r- حياة الأنبياء في قبورهم ... 105-110\rتعليق المحاور ... 105\rتعقيب المصنف ... 105-106\rالأنبياء أحياء عند الله تعالى ... 106-107\rجواب لابن القيم ... 107\rعودة لتعقيب المصنف ... 108-109\rالحافظ السيوطي وحياة الأنبياء ... 109-110\r- الخلاصة ... 111","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rمقدمة\rالحمد لله الكريم الوهاب، الغفور التواب، الهادي إلى طريق الحق والصواب\rوالصلاة والسلام على الهادي البشير، والسراج المنير، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المخلصين المجاهدين، وعلى من اتبعهم من العلماء العاملين، والأولياء والصالحين، ومن سار على نهجهم وتمسك بهديهم وفقههم إلى يوم الدين.\rأما بعد :\rفقد ابتلينا في هذا العصر الأفحم، الذي قل خيره وكثر شره، وأطلت فتنه، بكثير من باطل الرأي ومدخول الفكر، حتى أصبح اللبيب حيرانا لا يدري النهج الذي يسلكه، والمنهج الذي يتبعه، وعشنا في فتن كقطع الليل المظلم، أخبرنا عنها نبينا صلى الله عليه وسلم فقال : «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي ». [متفق عليه]\rوإن من الفتن التي ابتلينا بها في زماننا ـ كما أرى ـ ظهور منهج جديد في التعامل مع علوم الشريعة وفهم النصوص، والحكم على المسائل بطريقة غريبة مبتدعة، لم نسمع مثلها في علمائنا الأولين السابقين، الذين مثلوا جمهور أهل السنة والجماعة على مر العصور.\rوالمؤسف أنه قد اغتر بهذا المنهج الجديد كثير من المسلمين وطلبة العلم في كثير من البلدان الإسلامية، وذلك بسبب الدعم المادي الذي يملكه أصحابه ودعاته لنشر أفكارهم، وترويج بضاعتهم.\r[ابتداء ظهور هذا المنهج]\rوهذا المنهج المبتدع الذي يقوم على التشدد والخروج على جمهور أهل السنة ومخالفة العلماء السابقين في الفقه والعقيدة، والتشدد في الإنكار على المخالفين قد ظهر بداية في نجد على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي رحمه الله، والذي أظهر دعوته سنة 1153 للهجرة، بعد وفاة والده الشيخ عبد الوهاب الحنبلي الذي كان قاضيا في منطقة العيينة من بلاد نجد.","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"ومحمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله وغفر له ـ بنى منهجه على الأخذ من الكتاب والسنة حسب فهمه، دون تقليد لمذهب من مذاهب جمهور أهل السنة والجماعة وعقيدتهم، وبما أن آلات الاجتهاد لم تكتمل عنده كما نص على ذلك أخوه سليمان بن عبد الوهاب في رده عليه، خرج بآراء شاذة مخالفة لما كان عليه جمهور الأمة الإسلامية في ذلك الوقت، وصار ينكر عليهم كثيرا من المسائل في الفقه والعقيدة.\rفاشتهر بسبب هذه المخالفة ، لأنه كما قيل : خالف تعرف.\r[بيان أهلية صاحب المنهج]\rوفي بيان عدم أهلية الشيخ محمد بن عبدالوهاب للاجتهاد في الأحكام الشرعية يقول أخوه الشيخ سليمان بن عبدالوهاب مشيرا إليه :\r« فإن اليوم ابتلي الناس بمن ينتسب إلى الكتاب والسنة، ويستنبط من علومهما، ولا يبالي بمن خالفه، وإذا طلبت منه أن يعرض كلامه على أهل العلم لم يفعل، بل يوجب على الناس الأخذ بقوله وبمفهومه، ومن خالفه فهو عنده كافر.\rهذا وهو لم يكن فيه خصلة واحدة من خصال الاجتهاد ، ولا والله عشر واحدة، ومع هذا راج كلامه على كثير من الجهال، فإنا لله وإنا إليه راجعون».\rـ الصواعق الإلهية، ص 5، للشيخ سليمان بن عبد الوهاب ـ\r[مخالفة صاحب المنهج لأسلافه]\rوفي بيان مخالفة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لمنهج أبيه وأخيه سليمان يقول الشيخ محمد بن عبدالله بن حميد النجدي في ترجمة الشيخ عبد الوهاب بن سليمان التميمي ما نصه :\r«.. توفي سنة 1153 هـ، وهو والد محمد صاحب الدعوة التي انتشر شررها في الآفاق، لكن بينهما تباين، مع أن محمدا لم يتظاهر بالدعوة إلا بعد موت والده، وأخبرني بعض من لقيته عن بعض أهل العلم عن من عاصر الشيخ عبد الوهاب هذا أنه كان غضبانا على ولده محمد، لكونه لم يرض أن يشتغل بالفقه كأسلافه وأهل جهته، ويتفرس فيه أن يحدث منه أمر.\rفكان يقول للناس : يا ما ترون من محمد من الشر.","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"فقدر الله أن صار ما صار. وكذلك ابنه سليمان أخو الشيخ محمد، كان منافيا له في دعوته، ورد عليه ردا جيدا بالآيات والآثار، لكون المردود عليه لا يقبل سواهما، ولا يلتفت إلى كلام عالم، متقدما أو متأخرا، كائنا من كان غير الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، فإنه يرى كلامهما نصا لا يقبل التأويل، ويصول به على الناس، وإن كان كلامهما على غير ما يفهم.\rوسمى الشيخ سليمان رده على أخيه (فصل الخطاب في الرد على محمد بن عبدالوهاب)..».\rـ نقلا من كتاب( السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة ) لابن حميد النجدي 2/680 ـ\r[إنكار على أهله وريمهم بالشرك]\rوفي بيان إنكار الشيخ محمد بن عبدالوهاب على أهل نجد يقول محمود شكري الآلوسي ـ رحمه الله ـ:\r« وكان الشيخ محمد في صغره كثير المطالعة لكتب التفسير والحديث والعقائد، فصار ينكر على أهل نجد كثيرا من الأمور، فلم يسعفه على ذلك أحد، وإن استحسن إنكاره بعض الناس.. ».\rثم قال الآلوسي مشيرا إلى مخالفة محمد بن عبد الوهاب لجمهور المسلمين في مسألة التوسل والاستغاثة بالنبي :\r« وأنكر الشيخ محمد استغاثة الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم عند قبره ».\rـ تاريخ نجد للآلوسي ص 106 وما بعدها ـ\rقلت : فالاستغاثة من جملة المسائل التي أنكرها محمد بن عبد الوهاب، وإلا فإن جمهور المسلمين كانوا يرون جواز الاستغاثة والتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد نص فقهاء المذاهب الأربعة على استحباب ذلك، وذكروا آدابا وشروطا على المسلم أن يلتزم بها عند زيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - والاستشفاع به، وكذلك زيارة الأولياء والصالحين.","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"وللأسف أن فئة من العوام لم تلتزم بهذه الآداب والشروط، فوقعوا في أخطاء فقهية، وأمور محرمة أو مكروهة عند أهل العلم، فكان على العلماء إرشادهم وتوجيههم، ولكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بالغ في الرد والإنكار عليهم حتى رماهم بالشرك والكفر، وكذلك خالف العلماء السابقين من أهل المذاهب المتبعة، وبالغ في الإنكار عليهم أيضا، فتبعه أناس وخالفه آخرون، وغلا أناس في محبته واتباعه إلى درجة صاروا ينكرون على جميع المذاهب والمناهج المخالفة أشد الإنكار، وهذا خطأ، لأنه إنما ينكر ما اتفق على إنكاره، أما المسائل التي جوزها بعض أهل العلم وأصحاب المذاهب، ولم يجوزها آخرون فلا ينكر على الشخص إذا كان متبعا في ذلك المعتمد في مذهبه.\rوهناك طائفة أخرى كثيرة من المخالفين لمنهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب قاموا بالرد عليه وبالغوا في ذلك أيضا إلى درجة تكفيره واتهامه بأمور لم يقم عليها دليل . وأرى أن كلا الطرفين لم يوفق للصواب.\r[غلوهم في شيخهم]\rوفي بيان محبة أتباع محمد بن عبد الوهاب له وغلوهم فيه يقول الآلوسي:\r« كانت طاعة أهل نجد للشيخ كطاعة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتفق لأحد من العلماء مثل ما اتفق من طاعة القوم وانقيادهم لأمره، وذلك من العجائب، وهو عندهم بمنزلة أحد الأئمة الأربعة إلى يومنا هذا، وإذا ذكره أحد بسوء قتلوه » . ـ تاريخ نجد لللآلوسي ص 113 ـ\rوقد قال الآلوسي قبل ذلك في الكتاب المذكور( ص 108) مبينا مخالفة ابن عبدالوهاب وإنكاره على أهل نجد ما نصه :\r« وأظهرـ محمد بن عبدالوهاب ـ الإنكار على أهل نجد في عقائدهم، فوقع بينه وبين أبيه منازعة وجدال، وكذلك وقع بينه وبين الناس في بلد حريملة جدال كثير، فأقام على ذلك مدة سنين حتى توفي أبوه الشيخ عبدالوهاب سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف.\rثم أعلن الشيخ محمد بالدعوة والإنكار على الناس، وتبعه أناس من أهل حريملة، واشتهر بذلك. ».","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"أقول : يتبين مما نقلناه من كلام الآلوسي في كتابه ( تاريخ نجد ) ـ وهو يعتبر أحد المدافعين عن هذه الحركة ـ أن محمد بن عبدالوهاب أظهر منهجا مخالفا لما كان عليه علماء نجد في ذلك الوقت، بل علماء المسلمين قاطبة، حيث قام بمخالفة جمهور المسلمين وشذ عنهم في مسائل كثيرة، من أشهرها مسألة التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، وخالف الجمهور أيضا في عقائدهم التي كانوا عليها، كما يفهم من كلام الآلوسي:\r«وأظهر الإنكار على أهل نجد في عقائدهم..».\rوعقائد أهل نجد في ذلك الوقت كانت كعقائد جمهور المسلمين في الدول الإسلامية .(1)\r[حقيقة كتاب كشف الشبهات]\rوكتب محمد بن عبد الوهاب في بيان منهجه ومذهبه مجموعة من الكتب والرسائل مثل ( كشف الشبهات) و(كتاب التوحيد) وغيرهما وهي ناطقة بتكفيره لجمهور المسلمين، فمثلا يقول في ( كشف الشبهات) ص 9 :\r«.. عرفت أن التوحيد الذي جحدوه ـ أي كفار قريش ـ هو ( توحيد العبادة )، الذي يسميه المشركون في زماننا (الاعتقاد) ».\rويقول أيضا في (كشف الشبهات) ـ ص 19 ـ معلما أتباعه كيفية النقاش و (الحوار) مع الكفار من علماء المسلمين:\r« وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جوابا لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا..»، ثم يعلمهم كيفية الرد على هؤلاء الكفار فيقول مرشدا أتباعه أن يقول الواحد منهم للمختلف معه هكذا: « وما ذكرت لي أيها المشرك من القرآن أو كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا أعرف معناه..».\r__________\r(1) يقول صاحب شريط ( حوار هادء مع الشيخ الجفري ) ـ والذي نحن بصدد التعقب عليه في هذا الكتاب ـ في رسالته التي كتبها في سيرة محمد بن عبدالوهاب عن نجد ما نصه :\r«..ذلك أن البيئة في نجد على الخصوص كما هو الحال في سائر البلاد الأخرى على العموم بيئة جاهلية، بيئة خرافة وبدعة، امتزجت بالنفوس فأصبحت جزءا من عقيدتها إن لم تكن هي عقيدتها ».\rـ الحركة الإصلاحية، ص 6 ـ","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"ـ راجع كشف الشبهات لمحمد بن عبدالوهاب ـ\rفيا ترى من هو ذاك المشرك الحذق الذي يستدل من القرآن والسنة، ويعيش في نجد(1) ؟؟!!\rإنه كل شخص خالف ابن عبد الوهاب في عقيدته وبعض المسائل الفقهية كالتوسل، وهم علماء نجد وجمهور المسلمين من أتباع المذاهب الأربعة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\r[رأي الصنعاني فيه]\rوقد أشار الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني أيضا إلى منهج محمد بن عبدالوهاب وتشدده فقال :\r«... وصل الشيخ العالم مربد بن أحمد وله نباهة، ووصل ببعض رسائل ابن عبدالوهاب التي جمعها في تكفير أهل الإيمان وقتلهم ونهبهم، وحقق لنا أقواله وأفعاله وأحواله، فرأينا أحواله أحوال رجل عرف من الشريعة شطرا، أو لم يمعن النظر، ولا قرأ على من يهديه نهج الهداية، ويدله على العلوم النافعة، ويفقهه فيها..».\rـ إرشاد ذوي الألباب إلى حقيقة أقوال ابن عبدالوهاب ـ\rفابن عبد الوهاب ـ رحمه الله وغفر له ـ عرف بتشدده، وبتكفيره لمخالفيه في بعض المسائل الفقهية والعقدية، وكتبه ورسائله خير شاهد على ذلك.\r__________\r(1) إنهم أهل نجد، الذي يرى ابن عبد الوهاب انتشار الشركيات فيهم، والمحاور نفسه يؤكد ذلك كما في رسالته (الحركة الإصلاحية ) صـ 12 حيث يقول :«.. بعدما شاهد ـ ابن عبدالوهاب ـ في نجد ـ وطنه ـ ما شاهد من المنكرات الأثيمة، والشركيات القبيحة الذميمة، القاتلة لمعنى الإنسانية ».\rويقول في صـ 16 واصفا اللقاء بين محمد بن عبدالوهاب والأمير محمد بن سعود :\r« فدعاه الشيخ إلى التوحيد، وأن التوحيد هو ما بعثت من أجله الرسل، وتلا عليه آيات من الذكر الحكيم، فيها البيان ببطلان عبادة غير الله، ولفت نظره إلى ما عليه أهل نجد من الشرك والجهل والفرقة...».","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"ونرى أن كثيرا من أتباعه والمغالين فيه إلى الآن يتبعون منهجه وأسلوبه في رمي المخالف بالبدعة والضلال والشرك ، وقد يظهرون لخصومهم أنهم يحترمونهم إلا أن عقيدتهم فيها خلل وأنهم كفار وأنهم ( يدعون مع الله إلها آخر ) و ( يستكبرون عن عبادته، وسيدخلون جهنم داخرين) !!\r[عرض وجيز لشواذه]\rولبيان المسألة أكثر ننتقل إلى كلام المؤرخ الشيخ إبراهيم فصيح صبغة الله الحيدري المتوفى سنة 1286 هـ ـ وقد كان أحد كبار علماء أهل السنة والمؤرخين في بغداد ـ حيث يقول في كتابه ( عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد ) في ترجمة ابن عبدالوهاب ما نصه :\r«أشهر علماء نجد الشيخ محمد بن عبدالوهاب بن سليمان.. التميمي النجدي، الذي تنتسب إليه الوهابية، والنسبة إنما هي إلى الشيخ محمد، لأنه الذي شيد أركان الوهابية دون أبيه، بل خالف أباه المذكور، ووقع بينهما جدال(1) ».\rثم قال: «.. الشيخ محمد لم يكن على طريقة أبيه الشيخ عبد الوهاب، وجده الشيخ سليمان، بل كان شديد التعصب، كثير الاعتراض على العلماء، وكان يجوز قتال من خالفه، بل يعتقد كفره، ويسمي قتال المسلمين المخالفين له جهادا في سبيل الله تعالى، ويجعل أموالهم كغنائم الكفار، ويمنع من قصد زيارة النبي صلى الله عليه وسلم، والاستغاثة و الاستشفاع به صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى، وسائر الأنبياء والأولياء، وغير ذلك، مما أطبق الجمهور على جوازه، إلا من شذ كأمثال ابن تيمية.\rوالمشهور عنه أنه كان يدعي الاجتهاد المطلق، والظاهر ما ذكرناه سابقا من أنه كان يفتي بأقوال ابن تيمية من الحنابلة، ولا يعتقد بخلاف أقواله.. ».\r__________\r(1) وفي بيان ذلك يقول المحاور في رسالته ( الحركة الإصلاحية ) صـ 14 : « فوقع بينه ـ محمد بن عبدالوهاب ـ وبين الناس نزاع وجدال، حتى مع والده العالم الجليل، لأنه كان مغترا بأقاويل المقلدين السالكين تلك الأفعال المنكرة في قوالب حب الصالحين ».","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"إلى أن قال : « وصار سببا لإظهار هذه البدع الواهية والفتن العظيمة».\rـ عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد صـ 235 وما بعدها ـ\rقلت: فمحمد بن عبد الوهاب للأسف خرج بأقوال شاذة، وتعصب لها، وخرق ما اتفق عليه جمهور الأمة الإسلامية، وقام بتكفير مخالفيه، ومن ثم قتالهم، وصار بذلك ـ من حيث لا يدري ـ عونا لقوى الاستعمار في ذلك الوقت ضد الخلافة العثمانية.\r[قصيدة للشيخ آل خليفة]\rوقد ذكر العلامة الشيخ محمد بن خليفة النبهاني أيضا منهج الوهابية في التكفير عرضا في كتابه (التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية) ص 84 في الفصل الذي كتبه لبيان نسب (آل خليفة الكرام)، فقال وهو يترجم للشيخ خليفة بن محمد بن خليفة الذي حكم الزبارة و المتوفى سنة 1197 هـ :\r« وكان رحمه الله من العلماء العاملين، والأتقياء الصالحين. وله منظومة في الرد على الوهابية نحو ( 54) بيتا، مطلعها :\rلك الحمد يا مولاي حمدا مؤبدا على نعم جلى وأعظمها الهدى\rإلى أن قال :\rويا بدعة ما قد سمعنا بمثلها تكفر كل الناس حتى الموحدا ».\r[عودة إلى الصنعاني]\rوكذلك من الذين أشاروا إلى هذا المنهج التكفيري وعاصروه ـ كما ذكرنا ـ الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني اليماني المتوفى سنة 1182 هـ ـ صاحب كتاب سبل السلام ـ وكان قد أعجب بمحمد بن عبدالوهاب في بداية دعوته وأنشد فيه قصيدة يمدحه فيها، ثم رجع عن رأيه فيه لما تأكد أن منهجه قائم على تكفير المخالف، فأنشد الصنعاني قصيدة أخرى في بيان ذلك، منها:\rرجعت عن القول الذي قلت في النجدي\rفقد صح لي عنه خلاف الذي عندي\rظننت به خيرا فقلت عسى عسى\rنجد ناصحا يهدي العباد ويستهدي\rلقد خاب فيه الظن لا خاب نصحنا\rوما كل ظن للحقائق لي يهدي\rوقد جاءنا من أرضه الشيخ مربد\rفحقق من أحواله كل ما يبدي\rوقد جاء من تأليفه برسائل\rيكفر أهل الأرض فيها على عمد\rولفق في تكفيرهم كل حجة\rتراها كبيت العنكبوت لدى النقد","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"ثم شرح الصنعاني قصيدته في كتاب سماه (إرشاد ذوي الألباب إلى حقيقة أقوال ابن عبد الوهاب)، وهذا الأمر يجهله كثير من أتباع ابن عبد الوهاب الآن. (1)\r__________\r(1) وهناك الكثير من أهل العلم الذين قاموا بالرد على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومنهجه قديما وحديثا، وبأساليب مختلفة ودرجات متفاوتة، ولكن ردودهم لم تنتشر في كثير من البلدان كما انتشرت مصنفات خصومهم لأسباب كثيرة، منها عدم وجود الدعم المادي الذي يملكه الخصم للنشر.\rوإليك أسماء بعض أهل العلم الذين خالفوا هذا المنهج وردوا عليه، فمنهم :\rوالده الشيخ عبدالوهاب، وأخوه الشيخ سليمان بن عبدالوهاب ، وألف في ذلك رسالة سميت بـ ( الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية ).\rومحمد بن إسماعيل الصنعاني صاحب كتاب (سبل السلام)، رد عليه في كتابه ( إرشاد ذوي الألباب إلى حقيقة أقوال ابن عبدالوهاب )\rومفتي الشافعية بمكة في وقته الشيخ أحمد زيني دحلان في كتابه ( الدرر السنية في الرد على الوهابية )، و ( خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام )، و( فتنة الوهابية ).\rوالشيخ حسن شطي الحنبلي في بعض رسائله، والشيخ إبراهيم بن عثمان السمنودي المصري في كتابه (سعادة الدارين في الرد على الفرقتين).\rوالشيخ محمد حسنين مخلوف في بعض رسائله، والشيخ العلامة يوسف الدجوي، والشيخ العلامة محمد بخيت المطيعي في بعض رسائله، منها (تطهير الفؤاد من دنس الاعتقاد).\rوالشيخ محمد زاهد الكوثري وكيل المشيخة العثمانية سابقا، في كثير من رسائله.\rوالشيخ عبدالله الحسيني في رسالته ( هذا صاروخ القرآن والسنة على قرن الشيطان ورؤوس الفتنة ).\rوأما من أشهر المعاصرين الذين قاموا بالرد على الشيخ محمد بن عبدالوهاب ومنهجه فهم: الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه ( السلفية، مرحلة زمنية مباركة، لا مذهب إسلامي)، و(اللامذهبية أخطر بدعة). والسيد عبدالله بن عبدالرحمن المكي في رسالته (السلفية المعاصرة، مناقشات وردود)، والسيد محمد علوي المالكي في كثير من رسائله، والسيد عبدالله الهرري، والدكتور عمر عبدالله كامل في كتابه ( كفى تفريقا للأمة باسم السلف )، والشيخ حسن السقاف في كثير من رسائله.\rوقد يكون من أحسن الردود والمناقشات ما كتبه الشيخ حسن فرحان المالكي في كتابه (داعية وليس نبيا)، حيث يتبع أسلوبا هادئا، ويتحلى بالإنصاف، ويتبع منهجا متزنا، والله أعلم.","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"سبب ظهور هذا المنهج المتشدد\rعلى يد الشيخ محمد بن عبدالوهاب وانتشاره\rلقد أشار السيد محمود شكري الآلوسي في كتابه: (عنوان المجد) إلى سبب تعصب محمد بن عبدالوهاب ومخالفته لجمهور أهل السنة وإظهاره هذا المنهج الجديد في فهم النصوص وتفسيرها فقال :\r« وأظن أن كثرة مطالعة الكتب بدون مراجعة العلماء الأسانيد، والأخذ عنهم هو الذي حمله على التعصب الذي شاع عنه، فإن العلم بالتلقي.\rوالاستقلال في الرأي يوقع في المهالك، ومخالفة الجمهور، وخرق الإجماع».\rـ عنوان المجد ص 235 ـ\rقلت: وما زال أتباعه يدعون اتباع (الكتاب والسنة)، ويقولون أن فقههم هو فقه (الكتاب السنة)، وأن مذهبهم هو (الكتاب والسنة).\rوالحقيقة أن هذا ما ينبغي أن يكون عليه المسلم، أي أن يتبع الكتاب والسنة، ولكن المشكلة أن كثيرا من هذه الفرقة يظهرون أنهم يتبعون الكتاب والسنة دون غيرهم، وكأن غيرهم من أهل العلم يتبعون شيئا آخر غير الكتاب والسنة، وهذا مخالف للحق والصواب، فهذه كتب علمائنا ومذاهب أهل السنة الفقهية نرى دائما أنهم يستدلون بالكتاب والسنة، حيث يذكرون المسألة الفقهية وحكمها ثم يتبعونه بقولهم: دليله من الكتاب كذا، و دليله من السنة كذا.\rولكن هذه الفرقة التي خرجت وظهرت في القرن الثاني عشر أظهرت أنها هي المتبعة للكتاب والسنة دون غيرها، فلا حول ولا قوة إلا بالله.\rقد تسميتم أهل الحديث وأنتم لا تكادون تفقهون حديثا\r[الوسائل المتبعة لتسويق مذهبهم]\rولقد انتشر منهج الشيخ محمد بن عبدالوهاب على يد أتباعه في كثير من الدول، خاصة مع الدعم المادي الذي يملكون، والأسلوب الملتوي في ردهم على خصومهم، حيث يظهرون أنفسهم في صورة المتمسك بالكتاب والسنة، بينما يظهرون خصومهم من أهل السنة في صورة المخالفين لنصوص الكتاب والسنة.\rولهذا تأثر بهم كثير من الناس، وأصبحوا يحملون أفكارهم، وينشرونها بدورهم، وربما عن حسن نية .","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"وإن من أهم الوسائل التي استخدموها لنشر دعوتهم ما يسمونه بـ ( الشريط الإسلامي ) أو (الشريط الدعوي)، وذلك لأن كثيرا من الناس، وخاصة العوام منهم، الذين لا يستطيعون القراءة، أو لا يملكون الوقت والرغبة للقراءة، يكون تأثرهم بالمسموع أقوى بكثير من المقروء، خاصة وأن الشريط المسموع يسهل حمله وتشغيله، ولا يأخذ وقتا طويلا من المستمع، إضافة إلى أنه يسهل إدخال مؤثرات صوتية فيه ليكون وقعه وتأثيره أقوى.\rو قد ظهر في هذه الآونة من جملة ما ظهر شريط بعنوان ( حوار هادئ مع الشيخ علي الجفري )، والمحاور فيه من الذين تلقوا المنهج الوهابي وتأثروا به، ثم أصبحو من دعاته.(1)\r__________\r(1) وللمحاور رسالة بعنوان ( الحركة الإصلاحية ) وقد نقلنا عنها سابقا في الهوامش، وقد ترجم فيها للشيخ محمد بن عبد الوهاب وحركته، وظهر من خلالها شدة تأثر المحاور بهذه الحركة، وإليك بعض ما جاء في هذه الرسالة من كلام المحاور ـ إضافة إلى ما سبق ـ :\rقال في مقدمة رسالته في الصفحة الأولى : «لقد أذن الله سبحانه وتعالى بظهور دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبدالوهاب في القرن الثاني (عشر ) الهجري، بعد أن أطبقت الجهالة على الأرض، وخيمت الظلمات على البلاد، وانتشر الشرك والضلال والابتداع في الدين، وانطمس نور الإسلام ..».\rوقال في ص 2 : 1« إن عبادة الآلهة من دون الله ما زالت قائمة، وإن تغيرت الأسماء وتباينت الألفاظ، فالقومية بدلا من اللات، والوطنية بدلا من هبل، والرأسمالية بدلا من العزى، وفي هذا الليل الذي أرخى سدوله وزادت ظلمته وتباعد فجره تفتقد الدولة إلى أمثال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب ». تعليق : هل الدعوة إلى الوطنية بإظهار حب الوطن وتعزيز الانتماء إليه والافتخار بذلك يعتبر عابدة لهبل ؟ وهل مجرد قيام الاقتصاد في بعض الدول على النظام الرأسمالي يعتبر عبادة للعزى ؟\rوجاء في ص 3 : «وإمامنا محمد بن عبد الوهاب أجزل الله له الثواب، تعددت الكتابات عنه، ولكنها سير في أثر..».\rوجاء في ص 8 : «كان الشيخ رحمه الله علما من الأعلام، ناصرا للسنة، وقامعا للبدعة، خبيرا مطلعا، وإمام في التفسير والحديث والفقه وأصوله، وعلوم الآلة كالنحو والصرف والبيان، عارفا بأصول عقائد الإسلام وفروعها، كشافا للمشكلات، حلالا للمعضلات، فصيح اللسان، قوي الحجة، مقتدرا على إبراز الأدلة وواضح البراهين، بأبلغ عبارة وأبينها، تلوح على محياه سيما الصلاح وحسن السير، وصفاء السريرة، يحب العباد، ويغدق عليهم من كرمه، ويصلهم ببره وإحسانه، ويخلص لله في النصح والإرشاد، كثير الاشتغال بالذكر والعبادة، قلما يفتر لسانه من ذكر الله....».","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"وقد انتخب المحاور مجموعة من محاضرات ودروس الشيخ الداعية الحبيب علي الجفري حفظه الله تعالى، واقتطع منها مقاطع تتعلق بمسائل قال بها جمهور أهل السنة والجماعة، فقام بالرد على هذه المقاطع التي تمثل بعض ما أنكره محمد بن عبد الوهاب من قبل على علماء زمانه وعلماء الأمة الإسلامية.\rوقد أظهر المحاور في شريطه ـ ولو من غير قصد ـ الشيخ علي الجفري وكأنه مخالف للكتاب والسنة، وأنه وقع في أخطاء جسيمة في المعتقد، لأنه أهمل قضية التوحيد، أي لم يقرأ (كشف الشبهات) و (الأصول الثلاثة) و ( نواقض الإسلام).\rوكذلك أظهره ـ ولو عن غير قصد ـ في صورة : المدلس، الجاهل، الكذاب، المخالف لجمهور العلماء، ـ وسيظهر من خلال هذا الرد المختصر أن المحاور ومن على منهجه هم المخالفون حقيقة لعلماء الأمة الإسلامية في فهمهم لدلالات الكتاب والسنة.\rومع هذا نقول إن الشريط فعلا أسلوبه هادئ نسبيا، وقد خاطب المحاور فيه الشيخ علي الجفري بـ( الأخ ) و( الشيخ )، وقد اعتذر له ولمحبيه، و أظهر حسن القصد في رده، إلا أنه مع ذلك لم يوفق في كثير مما انتقده على الشيخ ورده عليه، كما سيتبين من خلال هذه الرسالة.\rالسبب في اختيار الشيخ علي الجفري للرد عليه\rكان سبب اختيار المحاورـ كما أرى ـ للشيخ علي الجفري ليرد عليه لأن الشيخ اشتهر في هذه الآونة كداعية إسلامي، ولاقت محاضراته ودروسه الدعوية قبولا وانتشارا بين كثير من الناس، فأراد المحاور أن يظهر الشيخ في صورة المبتدع الجاهل حتى ينفر الناس من الاستماع له، ومن ثم عدم التأثر به وبآرائه، وللأسف فإن بعضا من الذين استمعوا لشريط المحاور أعجبهم كلامه وظنوه صدقا وحقا.\rوهذا يذكرنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: « سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة.\rقيل: وما الرويبضة ؟ قال: الرجل التافه في أمر العامة».","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"ـ أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة، وروى بعضه أحمد وأبو يعلى والبزار عن أنس بسند جيد ـ\rلذلك وجب التحذير من هؤلاء الذين خرجوا تحت راية (الكتاب والسنة) وهم يخالفون جمهور علماء المسلمين من غير أن يشعروا، أو شعروا وتعاموا، فشذوا وخالفوا، بل وخرقوا إجماع المسلمين في كثير من المسائل، ومع ذلك انتشرت أفكارهم الشاذة بسبب الدعم المادي الذي صرفوه في غير وجهه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\rولا نقول عنهم إلا إنهم إخواننا من المسلمين، اجتهدوا قبل أن يتأهلوا فضلوا الطريق، ودافعوا عما يرونه حقا، وتعصبوا لرأيهم، وتشددوا جدا مع مخالفيهم ـ من دون وجه حق ـ حتى رموهم بالفسق والبدعة، والضلال والشرك، فنسأل الله أن يهديهم صراطه، ويرجعهم إلى طريقه القويم وشرعه المستقيم.\rبيان المسلك الذي سلكه المحاور\rفي رده على الشيخ الجفري\rإن المنهج الذي انتهجه المحاور في رده على الشيخ و المسلك الذي سلكه لمسلك ينطوي على تدليس وبعد عن الإنصاف، وإن زعم خلاف ذلك أو لم يقصده، وإليك بيان ذلك :\r1 ـ لقد خالف المحاور منهجية الحوار المعروفة، حيث إن الحوار والمحاورة تكون بين طرفين، فيها أخذ ورد، كل طرف يطلع على قول خصمه، ويستطيع من ثم أن يرد عليه...\rوقد بين الله تعالى كيفية الحوار ومنهجه في سورة الكهف في قصة الرجلين الذين جعل الله لأحدهما جنتين فقال: « وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا»، ثم بين الله تعالى رد الآخر عليه فقال: « قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا».\rوهذا يعني أن الحوار يطلع كل طرف فيه على كلام صاحبه لكي يتسنى له الرد عليه.\rفهل اتبع المحاور هنا هذا الأسلوب ؟\rهل ذهب إلى الشيخ فواجهه وحاوره ؟\rأو هل كتب إليه رسالة يناقشه فيها لكي يستطيع الشيخ أن يدافع عن نفسه ؟؟","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"لا، بل ما فعله محاورنا غير حسن، حيث إنه لم يتجرأ على مواجهة الشيخ مع أن الشيخ علي الجفري قد زار البحرين أكثر من مرة، وألقى فيها العديد من الدروس والمحاضرات، وكثير من ذلك كان في الجوامع الكبيرة المعروفة بحيث كان يمكن للمحاور أن يطلب من الشيخ التحدث معه، خصوصا وأن الشيخ الجفري معروف للعام والخاص بكريم صفاته وخلقه، وسعة صدره، وطلاقة وبشاشة وجهه .\rفعمد المحاور إلى مجموعة من أشرطة الشيخ ومحاضراته التي قالها في مجالس مختلفة، وفي أحوال متفاوتة، وفي سنوات متباعدة، واختار منها مقتطفات ظن أنه يستطيع أن يرد عليها، ثم قام بمناقشتها، وسمى ذلك (حوارا).\r2 ـ سمى المحاور شريطه «حوار هادئ مع الشيخ علي الجفري».\rوإذا أمعنا النظر في قوله «مع الشيخ» رأينا تدليسا واضحا، فما معنى المعية هنا ؟؟ فإن الشيخ ليس مع المحاور في هذا الحوار المزعوم، بل لا علم له بذلك.\rفكيف يجوز أن يكون هذا حوارا ( معه ) ؟ !\r3 ـ أظهر المحاور أنه يحترم الشيخ في هذا الشريط، فدعاه بـ ( الأخ ) و بـ ( الشيخ ). واعتذر له في النهاية ولمحبيه.\rولكن هذا الاحترام المزعوم لا معنى له بعد أن قام المحاور بإظهار الشيخ علي الجفري في نظر القارئ ونظر محبيه بصورة الجاهل المدلس الكذاب، الذي وقع في أخطاء جسيمة في المعتقد، بل نزع إلى محاصرته بآيات قرآنية نزلت في الكفار الذين يعبدون الأصنام، فقام بحملها على المسائل التي يقول بها الشيخ علي الجفري.\rفيأتي المحاور بآية «وقال ربكم ادعوني أستجب لكم» ثم يأتي بمقطع يقصه من كلام الشيخ وهو يقول: (يا رسول الله) ثم يأتي مباشرة بآية «إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين»\rفهل يبقى بعد ذلك أي احترام وحرمة للشيخ إلا التصنع ؟\rوهل يكون لإطلاقه لفظ الأخ والشيخ ولاعتذاره أي اعتبار ؟؟","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"4 ـ لقد استخدم المحاور من أجل ترويج شريطه وجذب العامة والتأثير في المستمع بعض المؤثرات الصوتية المبتدعة، إضافة إلى إدخاله بعض الآيات القرآنية بصوت بعض القراء، و مقتطعات من بعض الأناشيد، وهذا ما يؤكد أنه كان هناك عمل مدروس و متقن لإخراج هذا الشريط ونشره، ولم يرد به مجرد نصيحة موجهة إلى الشيخ.\r5 ـ زعم المحاور أن ما يفعله إنما هو نصيحة للشيخ علي الجفري، (بعثت رسالة في طيها نصحي)، بينما النصيحة الصادقة لا تكون بهذه الطريقة، أي لا تكون بتسجيل مئات الألوف من النسخ ونشرها على عموم الناس، صغيرهم وكبيرهم، وتشويه صورة الجفري عندهم، في حين أن السيد الجفري لا علم له مطلقا بهذا الشريط عند نشره.\rفهل هكذا تكون النصيحة الصادقة التي يراد بها وجه الله تعالى ؟\rوطبعا ما هكذا تكون النصيحة المخلصة الصادقة، ورحم الله الإمام الشافعي حيث قال :\rتعمدني بنصحك في انفرادي وجنبني النصيحة في الجماعة\rفإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه\rوإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعط طاعة\rوعلى فرض أن ما قصده هو النصيحة، ألم يكن من الواجب على المحاور أن يتأكد بعد ذلك هل انتصح الشيخ ورجع عن المسائل التي كان يقول بها أم لا، فإذا كان قد انتصح وجب وقف نسخ هذا الشريط، أو التنبيه على ذلك.\rولكننا بالعكس علمنا أن الشريط نسخ بمئات الألوف، وأكثر من مرة، دون أن يعرف المحاور رد الشيخ علي الجفري عليه وموقفه تجاهه.\r6 ـ قام المحاور الناصح أيضا بالتدليس في شريطه، عند استشهاده ببعض المقاطع من كلام الأئمة دون إتمام النص، فمثلا جاء بنص للحافظ ابن حجر يقول فيه (أصل عمل المولد بدعة) موهما بذلك أن الحافظ يرى أن المولد بدعة مذمومة، والحق أن العكس هو الصحيح، حيث إن تكملة كلام الحافظ تفيد أن المولد بدعة حسنة وليس كما أوهم المحاور، وسيأتي مزيد بيان لذلك.","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"7 ـ كذلك نرى أن المحاور في شريطه قول الشيخ ـ في مواطن كثيرة ـ ما لم يقله، فمثلا جاء بمقطع من كلام الشيخ يذكر فيه قصة موت الإمام النووي. ثم قال المحاور : (يقول الجفري إن فقراء الصوفية يعلمون الغيب). بينما الجفري لم يقل ذلك بتاتا لا في القصة التي ذكرها، ولا في بقية محاضراته، ولكنه استنتاج المحاور نفسه، ثم يقوم هو بالرد على استنتاجه، مدعيا أن المردود عليه هو كلام الجفري.\r8 ـ يتبين من شريط المحاور أن هدفه لم يكن نصيحة الشيخ، بل غرضه الرد على جمهور علماء أهل السنة والجماعة في عقيدتهم وتصوفهم وفي بعض المسائل الفقهية التي قالوا بها. حيث إنه انتخب من كلام الشيخ بعض المسائل التي ليست هي من اجتهادات الشيخ وإنما هي اختيارات جمهور أهل السنة، وقام بالرد عليها، من خلال رده على الشيخ علي الجفري.\rويظهر ذلك جليا عندما يقول المحاور: «الشيخ علي الجفري أشعري المعتقد، صوفي الطريقة»، وبهذا يتبين أن اختياره الشيخ علي الجفري للرد عليه إنما جاء لأنه أشعري صوفي، ولأنه يتبع المذهب الشافعي في القول بجواز بعض المسائل التي يراها المحاور بدعة وضلالا.\r[مسائل غريبة تبناها المحاور]\rومن هذه المسائل التي أدخلها المحاور في الشريط ليرد عليها :\rمسألة نجاة والدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومسألة الاحتفال بالمولد، ومسألة التوسل، والاستغاثة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والتبرك بآثاره، وضرب الدف، وكرامات الأولياء، وحياة الأنبياء في قبورهم، وبناء المساجد على القبور، وسماع الموتى.\rوالغريب أن المحاور في معرض رده يستشهد بكلام جمع من العلماء كالحافظ ابن حجر و السيوطي وغيرهم ممن هم أشاعرة وصوفية، موهما أنهم معه، والواقع أنهم ليسوا كذلك.","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"ومن ذلك يتبين لك أيها القارئ المنصف ـ وبكل وضوح ـ المنهج الذي سلكه المحاور الناصح في هذا الشريط، وأنه مخالف للحق والإنصاف، ولذا فإن حكمي على الشريط هو حكم كل مسلم عاقل منصف أنه ساقط قبل الرد، زيف قبل النقد.\rولكن لما رأيت أن هذا الشريط مع ضعفه العلمي ومع ما فيه من زيف أصبح ينتشر بين الجهال والسذج وبعض الطلبة ومدعي العلم وهم مسلمون بما فيه ، لعدم معرفتهم ودرايتهم بالأمور، ولانخداعهم بالمؤثرات الصوتية، ولإعجابهم بمقاطع الأناشيد التي استخدمها المحاور كوسيلة للتأثير في المستمع، أردت ـ بتوفيق من الله وعون منه ـ أن أتتبع مقاطع من الشريط وبعض المسائل التي جاءت فيه مخالفة لمذهب أهل الحق بالرد عليها بأسلوب مختصر، وذلك خوفا على العامة من المستمعين.\rومع أننا لا نملك المؤثرات الصوتية ولا المالية التي يملكها الخصم للنشر والتوزيع، إلا أننا نفعل ما بوسعنا والله من وراء القصد وبه ثقتي وعليه اعتمادي.\rتتبع كلام المحاور\rفي الوجه الأول من حواره\r[تعليق للمحاور]\rقال المحاور : «الواقع أن المسلم ينبغي أن يعود نفسه على القراءة البصيرة الناقدة، فلا يرفض ولا يقبل إلا بعد تأمل ونظر ودراسة».\rقلت: وهذا ما سنفعله بإذن الله تعالى، حيث إننا لا نقبل كلامك إلا بعد تأمل صادق فيه، مع أن كلامك غير مسلم بعمومه، لأن المسلم لا يستطيع أن يواجه كل ما يقرؤه أو يسمعه بعين التأمل والنظر والدراسة والنقد حتى يقبله أو يرده، إنما عليه أن يفعل ذلك في كلام من لا يوثق به أو شخص مجهول، أو في كلام لا يتبادر إلى الذهن صدقه، أو يفعل ذلك من كان بصدد دراسة أو نقد لكتاب معين.\rأما أن يتأمل القارئ المسلم كل ما يقرؤه وينظر فيه ويدرسه دراسة متأنية فليس كل أحد لديه هذه القدرة، ولا الوقت لفعل ذلك، وإلا لزم أن يعتكف القارئ المسلم على كتيب صغير أياما أو شهورا حتى يقبل أو يرد ما فيه.\r[مقطع من كلام الجفري]…* * *","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"ثم استشهد المحاور على فعله الذي سماه (حوار هادئ) بكلام للشيخ علي الجفري قال فيه :\r«ونناديهم، طاولة البحث في الكتاب والسنة أمامنا، تعالوا يا من يتزعم فرق الهجوم والتكفير والتشريك.\rندعو أصحاب هذا التوجه المتشنج الذي يكفر ويفرق ونقول: تعالوا نجلس على مائدة الكتاب والسنة ونخرج للأمة بنتيجة نلم بها شتات الشباب الضائعين في المساجد، المتعادين المتصارعين في مرحلة نحن أحوج ما نكون إليها أن نكون صفا واحدا».\r[تعقيب للمصنف]\rقلت: رأى المحاور أن الشيخ يقصده بهذا الكلام، وكأنه ممن يتزعمون فرق الهجوم والتكفير والتشريك، فربما قصد الحبيب علي الجفري طائفة أخرى حيث إنه لم يسم الطائفة التي يرد عليها، ولكن كما قيل: كاد المريب أن يقول خذوني.\rفجاء المحاور ليناقشه، ولكن كيف كان مجيئه ؟\rهل جاء إلى الشيخ وجلس على مائدة الكتاب والسنة كما طلب الشيخ وواجهه؟\rلا، بل جاء إليه بشريط أعد له طويلا ـ فما وفق ـ، فاختار بعض المسائل من محاضرات ودروس للشيخ علي الجفري، وقام بالرد عليها دون علم الشيخ في غرفة ربما كانت مغلقة ومعدة للتسجيل مع أسلحة المؤثرات الصوتية المبتدعة، ثم سمى ذلك (حوار هادئ مع الشيخ علي الجفري) ثم قام بنشر شريطه على عامة الناس بمئات الألوف قبل أن يعرف الشيخ ذلك.\rومن العجب أن يسمى هذا الفعل نصيحة، فكيف تكون نصيحة والشيخ لا علم له بها ؟\rفالنصيحة كما نعرف توجه إلى المنصوح، وسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ـ الذي استشهد المحاور بكلامه في مقدمة شريطه ـ إنما ترحم على من يهدي إليه هو عيوبه، لا على من يفضحه على الملأ دون علمه.\r* * *\rهل دروس الشيخ ورده على مخالفيه تفرق الأمة ؟\rجاء المحاور بكلام للشيخ علي الجفري قاله في برنامج (الشريعة والحياة)، تكلم فيه الشيخ عن ضرورة اتحاد المسلمين مع بعضهم وإن كان هناك خلاف بينهم في بعض المسائل الفرعية، وذلك لمواجهة أعداء الإسلام المحتلين لبلادنا وقتالهم.","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"[تعليق للمحاور]\rثم قال المحاور بعد ذلك: «ولا أخفي عليكم إخواني بأنه شد انتباهي خطابه السمح اللين، الحريص على وحدة الأمة، ولكن هالني بعد ذلك ما سمعته في مجموعة من دروسه وجلساته الخاصة من العصبية والتحامل، وعدم إنصاف المخالف.\rفتعجبت حقيقة من حال الشيخ الذي يرفع لواء تهذيب النفوس وتربيتها في مجالسه العامة، لكن في مجالسه الخاصة وأمام أتباعه تظهر لنا صورة لم نكن نعهدها له من قبل.\rوالله الذي لا إله إلا هو لقد صدمت، ولا حول ولا قوة إلا بالله ».\rأقول: وستصدم أكثر، وكذلك سيصدم المعجبون بشريطك بعد أن يقفوا على هذا الرد ويعرفوا حقيقة الحوار المزعوم وما فيه من تدليس ومخالفة لعلماء الأمة الإسلامية، نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعا إلى سواء السبيل.\r[مقطع من كلام الجفري]\rثم جاء المحاور بمقطع من كلام الشيخ علي الجفري يقول فيه:\r«ومن العجائب التي نزلت بالأمة اليوم، أن الأمة وهي في حضيض حضيضها، وفي قمة انشغالها بذنوبها ومعاصيها، ودنياها، يوجد فيها من يتكلم من على المنبر أو في وسائل إعلامه باسم الدين، وباسم الشريعة، فيطرح في الأمة قضية (هل والدي النبي في الجنة أو في النار؟)، وكأنه قد دخل الجنة وتربع فيها واطمأن، ليتلفت بعد ذلك من في الجنة ومن في النار؟!\rإن من وراء هذا الكلام إعداد لفصل الأمة عن حقيقة سلفها بالنبي - صلى الله عليه وسلم -...»\r[عودة لتعليق المحاور]\rـ ثم ذكر الشيخ عدة مسائل أخرى من جملة المسائل التي أنكرها المخالفون ـ\rثم قال المحاور بعد هذا المقطع ـ مستعينا بجهاز الصدى الصوتي المبتدع ليكون وقع كلامه أقوى على المستمع ـ :\r« يا شيخ، هذا الخطاب لا يوحد الأمة، بل يفرقها.\rيا شيخ، هذا الخطاب لا يجمع الكلمة، بل يمزقها.\rيا شيخ، هذا الخطاب لا يزرع المحبة والألفة، بل يبعث الضغينة والفرقة.\rغفر الله لي ولك، وهداني وإياك سبيل الرشاد».\r[تعقيب المصنف]","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"أقول متعقبا عليه: لا يلزم من ذكر الشيخ بعض المسائل التي يخالف الخصم فيها، والرد عليه تشتيتا للأمة وتفريقا لها، وذلك لعدة أسباب:\rأولا: أن الخلاف في بعض المسائل الفقهية وغيرها، أمر موجود بين المسلمين منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وما بعده، ولا يلزم من ذلك تفرقهم وتشتتهم.\rفمع اختلافهم مع بعضهم كانوا يبقون متحابين متعاونين متماسكين، لا يعيبون على بعضهم ولا يرمون بعضهم ببدعة ولا فسق ولا كفر ولا شرك، إذ كانوا جميعا من أهل العلم.\rففي تذكرة الحفاظ للإمام الذهبي عن الإمام القاضي يحيى بن سعيد الأنصاري ـ أحد كبار التابعين من السلف ـ أنه قال: «أهل العلم أهل توسعة، وما برح المفتون يختلفون، فيحلل هذا ويحرم هذا، فلا يعيب هذا على هذا ولا هذا على هذا». ـ التذكرة جـ1 ص 139 ـ\rفكان السلف يعتبرون اختلاف علمائهم رحمة، ولم يكن العالم يجبر الناس على تقليده هو دون غيره ولا يعيب مخالفه.\rقال سفيان الثوري رضي الله عنه: «إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره : فلا تنهه » ـ الفقيه والمتفقه 2 / 135 للخطيب ـ\rبل إلزام الناس على اتباع مذهب ومنهج واحد والتعصب له و عدم احترام المذاهب الأخرى، والإنكار على المخالف هو الذي يبعث الضغينة ويفرق الكلمة، ويشتت الأمة، ويوقظ الفتنة.\rوفي ذلك يقول الشيخ حسن البنا رحمه الله:\r«... الخلاف في فروع الدين لا بد منه ضرورة، ولا يمكن أن نتحد في هذه الفروع والآراء والمذاهب لأسباب عدة :\rمنها اختلاف العقول......\rومنها سعة العلم وضيقه، وأن هذا بلغه ما لم يبلغ ذاك، والآخر شأنه كذلك. وقد قال مالك لأبي جعفر: إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تفرقوا في الأمصار، وعند كل قوم علم، فإذا حملتهم على رأي واحد تكون فتنة»\rـ دعوتنا، للإمام الشهيد، ص 25 ضمن مجموع الرسائل ـ","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"والذي نشاهده ـ ويشاهده كل منصف ـ أن المخالفين الذين يسمون أنفسهم (السلفية) نرى في المطويات والمنشورات التي يوزعونها لا يذكرون غالبا إلا رأيهم في المسألة، وكأنه لا وجود لرأي آخر فيها، ويلزمون الناس الأخذ برأيهم دون غيرهم، ويظهرون أنهم هم الذين يتبعون الكتاب والسنة، ويرمون المخالف بالبدعة والضلال، فهذا التعصب هو الذي يفرق الأمة كما هو الحال اليوم، بخلاف حالنا في السابق الذي كنا نعيش تحت ظل خلافة واحدة ودولة كبيرة قوية مع وجود مذاهب أربعة فيها تدرس تحت سقف واحد، فتنبهوا.\rثانيا: أن رد الشيخ علي الجفري على مخالفيه لم يكن في الفضائيات وفي دروس العامة، بل بين طلبته أو من على منهجه من أهل السنة، أفلا يحق للشيخ أن يصحح المسائل حسب ما يراه أكثر علماء الأمة ويرد على من خالف فيها ؟\rثالثا: أن الشيخ إنما يرد على فئة خرجت على جمهور الأمة الإسلامية وعلمائها، لأن الذين يقوم الشيخ بالرد عليهم فرقة نشأت في القرن الثاني عشر الهجري، وقد خرجت بمسائل كثيرة مخالفة لمن سبق من جمهور الأمة الإسلامية، والشيخ علي الجفري يريد برده عليهم إرجاع الناس إلى التمسك بما عليه جمهور أهل السنة، فلا يكون بذلك مفرقا ولا مشتتا.\rوكثير من كبار مدعي الفكر السلفي يقرون بأن جمهور الأمة وعلمائها كانوا أشاعرة ـ والجفري على منهجهم ـ، فهذا سفر الحوالي ـ وهو من المخالفين لعقيدة الأشاعرة ـ يقول في كتابه (منهج الأشاعرة في العقيدة) ص 7 :\r«وليكن معلوما أن هذا الرد الموعود ليس مقصودا به الصابوني، ولا غيره من الأشخاص، فالمسألة أكبر من ذلك وأخطر، إنها مسألة مذهب بدعي، له وجوده الواقعي الضخم في الفكر الإسلامي، حيث تمتلئ به كثير من كتب التفسير وشروح الحديث، وكتب اللغة، والبلاغة والأصول، فضلا عن كتب العقائد والفكر، كما أن له جامعاته الكبرى، ومعاهده المنتشرة في أكثر بلاد الإسلام من الفلبين إلى السنغال». انتهى","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"رابعا: لو كان الرد على المخالفين تشتيتا وتفريقا للأمة للزم أن لا يرد أهل الحق على أهل الباطل، ولزم ألا يرد أهل السنة على خصومهم، ولكننا نرى أن كتب أهل السنة مليئة بالرد على مخالفيهم.\rولذلك فإن رد الشيخ علي الجفري على خصومه في بعض المسائل حسب ما يراه جمهور أهل السنة لا يعتبر تفريقا وتشتيتا للأمة كما زعم المحاور.\r* * *\rمصير والدي النبي صلى الله عليه وسلم\rقال المحاور بعد ذلك :\r« ولتوضيح الحق أقول: لا أعرف أحدا من المسلمين أعطى مسألة مصير والدي الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الهالة التي ذكر الشيخ الجفري.\rوحاشا لنا أن نقول من عند أنفسنا أن والدي النبي صلى الله عليه وسلم في النار.\rأتدرون من القائل ؟ إنه المصطفى صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم، عندما زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال : «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي. فزوروا القبور فإنها تذكر الموت ».\rورواه أبو داود والنسائي، وعنون عليه ( باب زيارة قبر المشرك )، وروى مسلم في صحيحه أن رجلا قال : « يا رسول الله، أين أبي ؟ قال في النار. فلما قفى دعاه فقال : أبي وأباك في النار».\rقال الإمام النووي رحمه الله : فيه أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين. انتهى كلامه.\rفهذا هو كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم في مصير والديه، نقلناه لك ـ أخي الكريم ـ من أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، فسبحان الله ! كيف ألقى الجفري هذه الأحاديث الصحيحة وراء ظهره، وآثر اللمز والطعن بالعلماء المنضبطين بالنصوص، جراء غلوه فيما يظن حبا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والله المستعان ».\rأقول : حقا إن مطالعة الكتب دون مراجعة العلماء، والأخذ عنهم ، والاستقلال بالرأي يوقع في المهالك، ومخالفة الجمهور.","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"فإن غالب من وقفت على كلامهم من علماء أهل السنة والجماعة يصرحون بأن والدي النبي صلى الله عليه وسلم ناجيان وليسا في النار، وهذا ما ندين الله به، والشيخ الجفري يتبع في هذا جمهور علماء أهل السنة، فهو لم يبتدع القول بنجاة الأبوين من عند نفسه.\rكما نقول للمحاور إنه من الخطأ أن تستدل أنت بنفسك من غير أن تتأهل بحديث في هذه المسألة الخطيرة دون مراجعة كلام العلماء فيها، لأن حديث «أبي وأباك في النار» وإن كان في صحيح مسلم قد يكون شاذا، أو معارضا بمثله، أو غير ذلك مما لا يجعله حجة، فإننا وإن قلنا إن كل ما في الصحيحين صحيح فهذا لا يعني أن كل ما فيهما معمول به.\rوبناء على ذلك فلا يجوز للعامي أن يأخذ الأحاديث ويستدل بها بمجرد أنه قرأها في الصحيح.\r[شذوذ حديث: أبي وأباك في النار]\rولتوضيح المسألة أكثر نقول :\rنص كثير من علماء أهل السنة والجماعة على أن والدي النبي صلى الله عليه وسلم ناجيان، وأما حديث «أبي وأباك في النار» وغيره مما يوهم خلاف ذلك فهو من أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد متى خالفت القرآن، أو المتواتر، أو المقطوع به عقلا، أو القواعد الشرعية المتفق عليها أو الإجماع القطعي فإنها يترك ظاهرها، ولا يحتج بها في العقائد.\rوقد نص أهل العلم على هذه القاعدة، وإليك بيان ذلك :\r1 ـ قال الإمام النووي في شرح المهذب ( 4 / 342 ) : «ومتى خالف خبر الآحاد نص القرآن أو إجماعا وجب ترك ظاهره».\r2 ـ قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح ( 13 / 231 ) وهو ينقل كلام الكرماني مقرا له : «قال الكرماني : ليعلم إنما هو ـ أي خبر الآحاد ـ في العمليات، لا في الاعتقاديات».\r3 ـ قال ابن تيمية في ( منهاج السنة ) 2 / 133 مبينا أن خبر الآحاد غير مقبول في العقائد ما نصه : «الثاني : إن هذا من خبر الآحاد، فكيف يثبت به أصل الدين الذي لا يصح الإيمان إلا به».","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"4 ـ والإمام مالك رحمه الله مشهور عنه أنه لا يقبل أخبار الآحاد إذا خالفت عمل أهل المدينة، وكذلك شيخه ربيعة الرأي، وكذلك الإمام ابن مهدي، وقد نص على ذلك القاضي عياض في ترتيب المدارك.\r5 ـ قال إمام أهل الحديث في زمانه الخطيب البغدادي في كتابه ( الفقيه والمتفقه ) 1 / 132 ما نصه :\r«باب القول فيما يرد به خبر الواحد :\r.. وإذا روى الثقة المأمون خبرا متصل الإسناد رد بأمور :\rأحدها : أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه، لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول، وأما بخلاف العقول فلا.\rوالثاني : أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة، فيعلم أنه لا أصل له، أو منسوخ.\rوالثالث : أن يخالف الإجماع، فيستدل على أنه منسوخ، أو لا أصل له..\rوالرابع : أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على كافة الخلق علمه، فيدل ذلك على أنه لا يجوز أن يكون له أصل وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم.\rوالخامس : أن ينفرد برواية ما جرت العادة بأن ينقله أهل التواتر، فلا يقبل، لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذه بالرواية». انتهى كلام الخطيب.\rفيعترض على استدلال المحاور وكلامه ـ الذي تبع فيه غيره ممن هم على منهجه ـ بعدة اعتراضات من أئمة الشأن، وأدلة أخرى تؤكد نجاتهما، ألخصها فيما يأتي :\r( الاعتراض الأول ) : [مخالفة الحديث للقرآن الكريم]\rإن ما استدل به المحاور على عدم نجاة الأبوين من حديث الآحاد مخالف لنص القرآن الكريم : «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا»، وقوله «وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير»، وعلى هذا يترك ظاهر الحديث، ولا يحتج به.\rوكذلك يمكن تقوية هذا الاعتراض بمسألة مشابهة يصعب على الإنسان أن يسلك فيها مسلك المتشددين، وهي قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه أبوداود وغيره «الوائدة والموءودة في النار»، فكيف تكون الموءودة في النار من غير ذنب ويقول الله تعالى : «وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت»؟!","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"فهذا الحديث مخالف لنص القرآن في الظاهر، لذا لا يجوز أن يأتي شخص من المتفيهقين ويدعي أن ( الموءودة في النار ) لأن ظاهر الحديث كذلك.\rومثله ما ورد أن أطفال المشركين في النار.\r[تحقيق للمحافظ السيوطي]\rوفي ذلك يقول الحافظ السيوطي : [ وللمسألة ـ مسألة الأبوين ـ نظير صحيح، للناس فيها خلاف، وهي مسألة أطفال المشركين، فقد ورد في أحاديث كثيرة الجزم بأنهم في النار، وفي أحاديث قليلة أنهم في الجنة، وصحح الجمهور هذا، منهم النووي، وقال: إنه المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون لقوله تعالى :«وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا»، وإذا كان لا يعذب البالغ لكونه لم تبلغه الدعوة فغيره أولى، هذا كلام النووي، وذكر غيره أن أحاديث كونهم في النار منسوخة بأحاديث كونهم في الجنة».\rـ التعظيم والمنة للسيوطي ص 160 ضمن ( الرسائل التسع ) ـ\rوهكذا فإن كل حديث يخالف ظاهره القرآن الكريم أو الإجماع أو ما هو أقوى منه يلزم تأويله أو ترك ظاهره.\r[هل كل حديث صحيح يحتج به]\rفليس كل ما ورد من طريق صحيح يحتج به، وقد نص على ذلك الأئمة، فقال ابن عبد البر في كتاب (جامع بيان العلم وفضله) ـ 2 / 130 ـ عن الإمام ابن أبي ليلى رحمه الله أنه قال : «لا يفقه الرجل في الحديث حتى يأخذ منه ويدع».\rوأما أن تفتح كتب الحديث وتأخذ منها ما تشتهي دون أن تتهيأ، ودون الرجوع إلى أهل الفن، فهذا من باب لعب الأطفال، وراجع كلاما نفيسا لابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) في بيان ذلك.\rفالأخذ بالحديث والعمل به له ضوابط، وليس لكل من هب ودب أن يحتج بما يراه من الحديث حسب فهمه القاصر دون أن يحصل من العلم وطرق الاستدلال ما يؤهله لذلك.\r[الشروط المتوخاة في العامل بالحديث]\rوفي بيان ذلك يقول الإمام أبو عمرو بن الصلاح :\r«ليس كل فقيه يسوغ له أن يستقل بالعمل بما رآه حجة من الحديث».","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"وقال الإمام النووي رحمه رادا على من يريد الأخذ بالحديث الصحيح محتجا بكلام الشافعي ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) :\r«إنما هذا فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب، وشرطه أن يغلب على ظنه أن الشافعي لم يقف على هذا الحديث أو لم يعلم بصحته، وهذا إنما يكون بعد مطالعة كتب الشافعي كلها ونحوها من كتب الأصحاب الآخذين عنه وما أشبهها، وهذا شرط صعب قل من يتصف به، وإنما اشترطوا ما ذكرناه لأن الشافعي ترك العمل بظاهر أحاديث كثيرة رآها وعلمها، لكن قام الدليل عنده على طعن فيها أو نسخها أو تخصيصها أو تأويلها أو نحو ذلك »\rوقد نقل الإمام تقي الدين السبكي كلام ـ ابن الصلاح والنووي ـ السابق ثم قال:\r[وهذا الذي قالاه رضي الله عنهما ليس ردا لما قاله الشافعي، ولا لكونها فضيلة امتاز بها عن غيره، ولكنه تبيين لصعوبة هذا المقام حتى لا يغتر به كل أحد، والإفتاء في الدين كله كذلك، لابد من البحث والتفتيش عن الأدلة الشرعية حتى ينشرح الصدر للعمل بالدليل الذي يحصل عليه، فهو صعب، ليس بالهين، كما قالاه رضي الله عنهما، ومع ذلك ينبغي الحرص عليه وطلبه ].\rثم قال السبكي ناقلا كلام الإمام أبي شامة مقرا له :\r[ولا يتأتى النهوض بهذا إلا من عالم معلوم الاجتهاد، وهو الذي خاطبه الشافعي بقوله : إذا وجدتم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلاف قولي فخذوا به، ودعوا ما قلت.\rوليس هذا لكل أحد، فكم في السنة من حديث صحيح العمل على خلافه..].\rـ نقلا من كتاب التقي السبكي( معنى قول الإمام المطلبي : إذا صح الحديث فهو مذهبي ) ص 91 وما بعدها ـ\rهذا هو كلام أهل العلم، ولكننا نرى في زماننا أنه حتى الطلبة الصغار الذين يدعون العلم يحفظون حديثا ثم يستنتجون منه الأحكام بفهمهم القاصر زاعمين أن الشافعي وغيره من الأئمة قالوا : ( إذا صح الحديث فهو مذهبي )، والله المستعان على جرأة الناس وادعائهم العلم.\r[عودة إلى مسألة نجاة الأبوين الشريفين]","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"ونرجع إلى بيان مقصودنا وهو مسألة نجاة الأبوين الكريمين، وننقل للمجادلين المشاغبين في هذه المسألة كلاما نفيسا للإمام السيوطي في ( مسالك الحنفا ) ص 71 ضمن( الرسائل التسع ) حيث يقول :\r[ المجادلون في هذا الزمان كثير، خصوصا في هذه المسألة، وأكثرهم ليس لهم معرفة بطرق الاستدلال، فالكلام معهم ضائع...] إلى أن قال :\r[[ وإن كان المجادل ممن يكتب الحديث ولا فقه عنده يقال له : قد قالت الأقدمون : المحدث بلا فقه كعطار غير طبيب، فالأدوية حاصلة في دكانه ولا يدري لماذا تصلح، والفقيه بلا حديث كطبيب ليس بعطار، يعرف ما يصلح له الأدوية إلا أنه ليست عنده.\rوإني بحمد الله قد اجتمع عندي الحديث والفقه والأصول وسائر الآلات من العربية والمعاني والبيان وغير ذلك. فأنا أعرف كيف أتكلم، وكيف أقول، وكيف أستدل، وكيف أرجح. أما أنت يا أخي ـ وفقني الله وإياك ـ فلا يصلح لك ذلك، لأنك لا تدري الفقه، ولا الأصول، ولا شيئا من الآلات.\rوالكلام في الحديث والاستدلال به ليس بالهين، ولا يحل الإقدام على التكلم فيه لمن لم يجمع هذه العلوم، فاقتصر على ما آتاك الله، وهو أنك إذا سئلت عن حديث تقول : ورد أو لم يرد، وصححه الحفاظ أو حسنوه أو ضعفوه، لا يحل لك في الإفتاء سوى هذا القدر وخل ما عدا ذلك لأهله]. انتهى.\rوهذا كلام في غاية النفاسة من الإمام السيوطي رحمه الله نوجهه للمشاغبين المدعين الأخذ من الكتاب والسنة دون أن يتأهلوا، هداهم الله تعالى.\r( الاعتراض الثاني ) : [بيان شذوذ الحديث الذي احتج به المحاور]\rأن متن حديث «أبي وأباك في النار» شاذ، لأن البزار روى هذا الحديث من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه مرفوعا بلفظ : «حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار» بدلا من «أبي وأباك في النار»، كما في كشف الأستار عن زوائد البزار ( 1/ 65 )، وهو على شرط الشيخين، ورواه الطبراني والبيهقي أيضا.","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"والحديث الشاذ لا يحتج به كما هو معروف عند أهل الفن.\rوممن حكم على هذا الحديث بالشذوذ الإمام السيوطي والصالحي، وكذلك السيد عبدالله الغماري في كتابه ( الفوائد المقصودة في بيان الأحاديث الشاذة المردودة ).\rوقد بين الإمام السيوطي أن حديث «أبى وأباك في النار» فيه علتان، من حيث السند والمتن، وفصل ذلك في كتابه ( التعظيم والمنة في أن أبوي الرسول في الجنة )، وكان مما قاله فيه : [ هذا الحديث تفرد به مسلم عن البخاري، وفي أفراد مسلم أحاديث تكلم فيها، ولا شك أن يكون هذا منها].\rـ التعظيم والمنة صـ 171 ضمن ( الرسائل التسع ) ـ\r( الاعتراض الثالث ) : [حديث خارج عن موطن النزاع]\rأن حديث زيارة النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه وبكائه عنده، وعدم الإذن في الاستغفار لها لا يدل على أن والدته في النار، كيف ووالداه صلى الله عليه وسلم من أهل الفترة الذين لم يبعث إليهم رسول؟ وقد قال تعالى « لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون »، ولقوله : «لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون».\rو بكاؤه على والدته لا يدل على أنها من أهل النار، لأنه صلى الله عليه وسلم بكى على ابنه إبراهيم ـ رضي الله تعالى عنه ـ أيضا، فليس ثمة لزوم بين البكاء وعدم المغفرة ليحتج به.\rوكذلك فإن عدم الإذن بالاستغفار لها ليس لأنها من أهل النار، بل لأنها من أهل الفترة، أي أنها غير مكلفة بوجوب الإيمان، وغير المكلف لا يستغفر له لأنه غير مؤاخذ فلا إثم عليه حقيقة، ومثاله الاستغفار للجمادات، وكذا الاستغفار للملائكة، والاستغفار للمجنون وللصبي الصغير.. فهؤلاء غير مكلفين حتى يحتاجوا إلى الاستغفار، والاستغفار في غير محله المشروع عبث، والعبث في العبادة لا يجوز.","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"وكذلك فإن إذن الله تعالى لنبيه بزيارة قبر أمه يدل على أنها ليست كافرة من أهل النار، وذلك لأن الله تعالى نهاه أن يقوم على قبور الكفار والمنافقين بقوله : «ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون».\rأضف إلى ذلك أن حديث الزيارة الذي أورده المحاور ليس فيه أي تصريح بأن أمه في النار، ولم ينص صراحة أحد من أصحاب الشروح المعتمدة لصحيح مسلم ـ كشرح الأبي والنووي والمازري والسيوطي ـ على أن أم النبي صلى الله عليه وسلم السيدة آمنة في النار، فكيف تجرأ المحاور على التصريح بذلك؟؟!!\r( الاعتراض الرابع ): [والدا النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل الفترة]\rأن والدي النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة، وأهل الفترة ناجون على الراجح كما تقتضيه الآيات القرآنية، والأدلة العقلية.\rقال الحافظ السيوطي : [ حكم من لم تبلغه الدعوة باتفاق الأئمة الشافعية من الفقهاء، والأئمة الأشاعرة من أهل الكلام وأصول الفقه أنه يموت ناجيا ويدخل الجنة، وعلى ذلك الإمام الشافعي رحمه الله، وتبعه سائر أصحابه].\rـ نقلا من ( الدرج المنيفة ) للسيوطي، صـ 86 ضمن ( الرسائل التسع ) ـ\rوفي بيان ذلك يقول العلامة البيجوري في شرح البيت التاسع من الجوهرة :\r«إذا علمت أن أهل الفترة ناجون على الراجح، علمت أن أبويه - صلى الله عليه وسلم -ناجيان لكونهما من أهل الفترة، بل جميع آبائه صلى الله عليه وسلم وأمهاته ناجون ومحكوم بإيمانهم، لم يدخلهم كفر، ولا رجس، ولا عيب، ولا شيء مما كان عليه الجاهلية بأدلة نقلية كقوله تعالى : «وتقلبك في الساجدين»، وقوله صلى الله عليه وسلم : «لم أزل أنتقل من الأصلاب الطاهرات إلى الأرحام الزاكيات»، وغير ذلك من الأحاديث البالغة مبلغ التواتر».\r( الاعتراض الخامس ) : [امتحان أهل الفترة يوم القيامة]","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"أن الذين يموتون من أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة، وقد وردت الأحاديث بذلك، والظن أن والدي النبي صلى الله عليه وسلم يطيعون عند الامتحان.\rوقد سلك هذا المسلك أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني فقال : «الظن بآل بيته صلى الله عليه وسلم كلهم أن يطيعوا عند الامتحان».\rـ نقلا عن الحافظ السيوطي في الحاوي 2 / 207 ـ\r( الاعتراض السادس ) : [دخول الحديث في بوابة الاحتمال]\rيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بقوله ( أبي ) عمه أبا طالب، لأنه من الشائع في لغة العرب تسمية العم أبا، خاصة وهو الذي رباه، وقد ورد القرآن بذلك، حيث قال الله تعالى : «أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون ».\rفسمي إسماعيل من آباء يعقوب مع أنه عمه، فإذا صح ذلك وكان شائعا في لغة العرب احتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم -قصد بلفظ (أبي) عمه أبا طالب، حيث إن عمه هو الذي أدرك بعثته صلى الله عليه وسلم، وعرض عليه النطق بالشهادة فأبى.\rويقول الحافظ السيوطي في بيان هذا الرأي :\r«.. يرجحه هاهنا أمران :\rالأمر الأول : إن إطلاق ذلك على أبي طالب كان شائعا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا كانوا يقولون له : قل لابنك يرجع عن شتم آلهتنا. وقال لهم أبو طالب مرة ـ لما قالوا له : أعطنا ابنك نقتله وخذ هذا الولد مكانه ـ : أعطيكم ابني تقتلونه وآخذ ابنكم أكفله لكم !!\rولما سافر أبو طالب إلى الشام ومعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم نزل له بحيراء فقال له : ما هذا منك ؟ قال : هو ابني ؟ فقال : ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا. فكانت تسمية أبي طالب أبا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم شائعة عندهم لكونه عمه، وكونه رباه وكفله في صغره، وكان يحوطه ويحفظه وينصره، فكان مظنة السؤال عنه».","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"ـ نقلا من ( مسالك الحنفا ) للسيوطي صـ 68 ضمن ( الرسائل التسع ) ـ\r( الاعتراض السابع ): [أحاديث عدم النجاة منسوخة]\rأن الأحاديث الواردة في عدم نجاة أمه منسوخة بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع : «ذهبت لقبر أمي فسألت الله أن يحييها لي فأحياها فآمنت بي».\r[أحاديث ضعيفة في الباب]\rوكذلك ورد أن الله تعالى أحيا له أباه وأمه وآمنا به، ذكره السهيلي في ( الروض الأنف ) .\rوالحق أن أحاديث إحياء الأبوين ضعيفة جدا، بل حكم عليها جمع من أهل العلم بأنها موضوعة، ولكن مع ذلك فقد استشهد بها بعض العلماء الحفاظ وجعلوها ناسخا، وفي بيان من اختار هذا الرأي يقول السيوطي :\r«إن الله أحياهما له، فآمنا به، وذلك في حجة الوداع، لحديث ورد في ذلك عن عائشة رضي الله عنها ـ أخرجه الخطيب البغدادي في ( السابق واللاحق)، والدارقطني، وابن عساكر، كلاهما في ( غرائب مالك )، وابن شاهين في ( الناسخ والمنسوخ )، والمحب الطبري في سيرته، وأورده السهيلي في ( الروض الأنف ) من وجه آخر بلفظ آخر، وإسناده ضعيف، وقد مال إليه هؤلاء الثلاثة مع ضعفه.\rوهكذا القرطبي، وابن المنير، ونقله ابن سيد الناس عن بعض أهل العلم، وقال به الصلاح الصفدي في نظم له، والحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في أبيات له، وجعلوه ناسخا لما خالفه من الأحاديث المتأخرة، ولم يبالوا بضعفه، لأن الحديث الضعيف يعمل به في الفضائل والمناقب، وهذه منقبة».\rـ الدرج المنيفة في الآباء الشريفة صـ 90 ضمن ( الرسائل التسع ) ـ\rوقد قال الحافظ القرطبي في كتابه ( التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة)\rبعد أن أشار إلى أن أحاديث الإحياء ناسخة لما سواها، ما نصه :","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"«ليس إحياؤهما وإيمانهما بممتنع عقلا ولا شرعا، فقد ورد في الكتاب إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله، وكان عيسى عليه السلام يحيى الموتى، وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم أحيا الله تعالى على يديه جماعة من الموتى...».\rـ التذكرة ص 14 ـ\rوالحق كما أشرنا أن أحاديث الإحياء شديدة الضعف، ولا يصح أن يعمل بها مطلقا، ولا جعلها ناسخا، حسب قواعد مصطلح الحديث، وتغني عنها الأدلة الصحيحة و التي ذكرناها قبل هذا في نجاة الأبوين، ومع ذلك قال بالإحياء جمع كبير من العلماء، حتى عزا الملا علي القاري هذا الرأي إلى الجمهور كما في شرحه على الشفا، وسيأتي كلامه.\r[رأي جمهور الأمة المحمدية]\rونقول : بعد ذكر هذه الاعتراضات السابقة وما مرت من أدلة على نجاة الأبوين يسقط الاحتجاج بما أورده الأخ المحاور من أن والدي النبي صلى الله عليه وسلم في النار، بل هما ناجيان وفي الجنة إن شاء الله تعالى، كما نص على ذلك جمهور أهل السنة والجماعة من العلماء والفقهاء والحفاظ.\rوكان من الأفضل للمحاور أن يقول على أقل تقدير أن المسألة خلافية أو أن يتوقف في إصدار الحكم الخطير على أبو ي النبي صلى الله عليه وسلم، كما توقف مثلا الحافظ السخاوي، لا أن يخطئ الشيخ علي الجفري و يقطع بأن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم في النار.\rفالحبيب علي الجفري لم يبتدع القول بنجاة الأبوين، بل هذا هو رأي جمهور العلماء، كما تقتضيه الأدلة.\rفي ذكر بعض أهل العلم\rالذين نصوا على نجاة الأبوين\rوإليك أسماء بعض العلماء الذين نصوا على نجاة الأبوين حتى يتبين لكل ذي عينين من هو المخالف لجمهور علماء السنة في هذه المسألة ومن هو الموافق لهم .\rفمنهم :\rالإمام فخر الدين الرازي في تفسيره، حيث قال :","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"« مما يدل على أن آباء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ما كانوا مشركين قوله عليه السلام : «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات»، وقال تعالى : «إنما المشركون نجس»، فوجب الإيمان أن لا يكون أحد أجداده مشركا، قال : ومن ذلك قوله تعالى : «الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين»...».\rنقل هذا القول عنه الإمام السيوطي في كتابه ( الدرج المنيفة في الآباء الشريفة) ثم قال : وقد وافقه على الاستدلال بالآية الثانية بهذا المعنى الإمام الماوردي صاحب ( الحاوي الكبير ) من أئمة أصحابنا.\rـ نقلا من الدرج المنيفة ص 92 ضمن الرسائل التسع ـ\rوالإمام أبو بكر بن العربي المالكي، حيث يقول السيوطي عنه في ( الدرج المنيفة ) :\r«نقلت بخط الشيخ كمال الدين الشمني والد شيخنا الإمام تقي الدين رحمهما الله تعالى ما نصه :\rسئل القاضي أبو بكر بن العربي عن رجل قال: إن أبا النبي - صلى الله عليه وسلم - في النار، فأجاب بأنه ملعون، لأن الله تعالى قال : «إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا»، قال : لا أذى أعظم من أن يقال عن أبيه إنه في النار».\rـ ( الدرج المنيفة ) ص 103 ضمن ( الرسائل التسع ) ـ\rونقل القول بنجاتهما سبط ابن الجوزي في كتاب ( مرآة الزمان ) عن جماعة، ثم قال ما نصه : وقال قوم : قد قال الله تعالى : «وما كنا معذبين حنى نبعث رسولا»، والدعوة لم تبلغ أباه وأمه، فما ذنبهما ؟\rـ نقلا من ( مسالك الحنفا ) ص 14ضمن ( الرسائل التسع ) ـ\rوالصلاح الصفدي، وابن المنير، كما نقل عنهما السيوطي، وقد مر نقله.\rوالسهيلي في الروض الأنف، وقد مر كلامه.\rوالأبي في شرحه لمسلم.\rوالإمام ابن شاهين، أشار إلى ذلك في كتابه ( الناسخ والمنسوخ ) حيث أورد حديث الزيارة والنهي عن الاستغفار وجعله منسوخا.\rوتابعه القرطبي في ( التذكرة ) صـ 14، وقال :","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"«إن فضل النبي صلى الله عليه وسلم وخصائصه لم تزل تتوالى وتتتابع إلى مماته صلى الله عليه وسلم، فيكون هذا مما فضله الله تعالى به وأكرمه، وليس إحياؤهما وإيمانهما به ممتنعا عقلا، ولا شرعا..».\rوالحافظ فتح الدين بن سيد الناس في سيرته، اختار القول بنجاة الأبوين وإيمانهما.\rوالحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي، واختار أن الله أحيا الأبوين فآمنا بالرسول، وذلك في كتابه ( مورد الصادي في مولد الهادي )، وأنشد :\rحبا الله النبي مزيد فضل على فضل وكان به رؤوفا\rفأحيا أمه وكذا أباه لإيمان به فضلا لطيفا\rفسلم فالإله بذا قدير وإن كان الحديث به ضعيفا\rوالحافظ ابن حجر العسقلاني، وقد مر كلامه.\rوشيخ الإسلام شرف الدين المناوي، وقد نقل عنه السيوطي في ( مسالك الحنفا ) أنه سئل عن والد النبي صلى الله عليه وسلم : هل هو في النار ؟ فزأر السائل زأرة شديدة، فقال له السائل : هل ثبت إسلامه؟ فقال : إنه مات في الفترة، ولا تعذيب قبل البعثة.\rـ ( مسالك الحنفا ) صـ 14 ضمن ( الرسائل التسع ) ـ\rوالإمام الحافظ جلال الدين السيوطي، وله عدة رسائل أثبت فيها نجاة الأبوين الشريفين، بأدلة نقلية وعقلية كثيرة، وقال في رسالته ( التعظيم والمنة ) بعد أن أورد مجموعة من الأدلة على نجاتهما :\r«والعجب ممن يقطع بكون أبوي النبي صلى الله عليه وسلم في النار اعتمادا على قوله «أمي مع أمكما»، وقوله «أبي وأباك في النار»، ونحوهما ويلغي ما عارضهما بالكلية».\rوالرسائل التي ألفها السيوطي في إثبات نجاة الأبوين كثيرة، وهي :\r(التعظيم والمنة في أن أبوي رسول الله في الجنة )، و(مسالك الحنفا في والدي المصطفى)، و( الدرج المنيفة في الآباء الشريفة)، و ( المقامات السندسية في النسبة المصطفوية)، و ( نشر العلمين المنيفين في إحياء الأبوين الشريفين ).","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"وهذه الرسائل جميعها مطبوعة، وفيها من الأدلة العقلية والنقلية الكثير في إثبات نجاة الأبوين، وفيها نصوص جمع كبير من الأئمة على نجاتهما، ولكن الغريب أن الأخ المحاور مع كونه يستشهد بكلام الإمام الحافظ السيوطي الشاذلي في شريطه كثيرا، لم يعتبر كلامه في هذه المسألة، وكأنه لم يعلم ذلك، وقطع بأن الأبوين في النار دون أي اعتبار لأدلة جمهور السنة ورأيهم في هذه المسألة، فهل هذا العمل من المحاور هو بسبب عدم الاطلاع والمعرفة، أو بسبب اختيار المسائل بالتشهي والهوى ؟؟\rومن الذين نصوا على نجاة الأبوين أيضا الشيخ ملا علي القاري الحنفي، وقد كان يقول بعدم نجاتهما ثم رجع عن ذلك كما في شرحه على الشفا للقاضي عياض ( 1 / 601 )، حيث يقول :\r«وأما ما ذكروا من إحيائه عليه الصلاة والسلام أبويه فالأصح أنه وقع، على ما عليه الجمهور الثقات، كما قال السيوطي في رسائله الثلاث المؤلفات».\rـ شرح الشفا للملا علي القاري، ص 651 ـ\rوالحافظ محمد مرتضى الزبيدي الحنفي، وألف في ذلك كتابه (الانتصار لوالدي النبي المختار).\rوالعلامة البيجوري في شرحه للجوهرة ـ وقد مر كلامه ـ، وكذلك كل شراح الجوهرة.\rوعلامة اليمن القاضي محمد بن عمر بحرق الحضرمي الشافعي المتوفى سنة 930 هـ، كما في كتابه (حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار ) ص 113 .\rوالعلامة السيد محمد عبدالله الجرداني الشافعي، ويقول في كتابه ( فتح العلام بشرح مرشد الأنام ) : «مطلب في نجاة أبويه صلى الله عليه وسلم :\rوبما تقرر تعلم أن أبويه صلى الله عليه وسلم ناجيان لأنهما من أهل الفترة، بل جميع أصوله صلى الله عليه وسلم ناجون محكوم بإيمانهم، لم يدخلهم كفر ولا رجس ولا عيب، ولا شيء مما كان عليه الجاهلية، بأدلة نقلية وعقلية..»\rـ فتح العلام بشرح مرشد الأنام 1 / 39 ـ","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"والعلامة الشيخ محمد بخيت المطيعي (مفتي جمهورية مصر) رحمه الله تعالى، حيث جاء في كتاب (الفتاوى الإسلامية ) سؤال عن مسألة نجاة والدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أجاب عليه الشيخ المطيعي مؤكدا نجاتهما، وكان من جملة كلامه الذي جاء فيه بعد أن أورد بعض النقول في نجاتهما :\r«ومن ذلك يعلم أنه لا شك ولا شبهة في موت أبوي النبي صلى الله عليه وسلم على الإيمان»، إلى أن قال : «الذي قال بموت أبوي النبي - صلى الله عليه وسلم -على الكفر قد أخطأ خطأ بينا، يأثم ويدخل به فيمن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لا يحكم عليه بالكفر، لأن المسألة ليست من ضروريات الدين التي يجب على المكلف تفصيلها.\rهذا هو الحق الذي تقتضيه النصوص، وعليه المحققون، والله أعلم».\rـ الفتاوى الإسلامية من دار الإفتاء المصرية 4 / 1445 ـ\rومنهم الإمام الحافظ السيد عبدالله الغماري في كتابه (الفوائد المقصودة في بيان الأحاديث الشاذة المردودة)، وغيرهم كثير من علماء أهل السنة وحفاظها.\rتنبيه مهم :\rبقي أن نشير إلى أن الإمام النووي في شرحه لحديث «أبي وأباك في النار»لم ينص فيه على أن والد النبي عليه الصلاة والسلام في النار، إنما سكت عن ذلك.\rوقد نبه السيوطي على ذلك في كتابه (التعظيم والمنة) ص 171 ضمن (الرسائل التسع) فقال ما نصه:\r«الذي عندي أنه لا ينبغي أن يفهم من قول النووي في شرح مسلم في حديث «أن رجلا قال يا رسول الله : أين أبي... الخ» أنه أراد بذلك الحكم على أبي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل ينبغي أن يفهم أنه أراد الحكم على أبي السائل، وكلامه ساكت عن الحكم على الأب الشريف».","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"فهل يدعي المحاور أنه أقدر على فهم كلام النووي ومنهجه من الحافظ الجهبذ جلال الدين السيوطي، وهو الإمام الذي تعد كتبه مرجعا في علم اللغة العربية إضافة إلى علوم الحديث وسائر علوم الشريعة ـ وهو الذي اعتمد عليه المحاور ونقل عنه كثيرا في مسائل رأى أنه يوافقه فيها ـ ؟؟!!\rوالخلاصة:\rأن القول بنجاة الأبوين الشريفين له أدلة عقلية ونقلية، والأحاديث التي وردت بخلاف ذلك إما مؤولة أو مخالفة لما هو أقوى منها فيترك ظاهرها، كما هو مقرر في علم مصطلح الحديث.\rوبذلك عمل حفاظ الحديث والأئمة الفقهاء والمفسرون من مختلف المذاهب كالحافظ ابن حجر العسقلاني وابن العربي والزبيدي، وغيرهم كما مر كلامهم ونصوا على نجاة الأبوين في كتبهم وفي رسائل مستقلة كـ( الانتصار لوالدي النبي المختار ) للزبيدي وغيرها.\rولكن مع هذا كله يأتي المحاور الناصح ـ هداه الله تعالى ـ ويقول بملء فيه أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم في النار دون مراعاة للأدب، ولا حتى للخلاف الموجود ـ على أقل تقديرـ بين أهل السنة في هذه المسألة الخطيرة التي تمس أبوي النبي صلى الله عليه وسلم.\rويتبين مما مر أن الشيخ الحبيب علي الجفري لم يبتدع القول بنجاة الأبوين كما أوهمه كلام المحاور، بل هو قول جمع غفير من أئمة أهل السنة والجماعة بل أكثرهم.\rثم اعلم أيها القارئ أن ما نقلته هنا في هذه المسألة شيء مختصر جدا ـ وإن بدا خلاف ذلك ـ وغيض من فيض، وقليل من كثير، ولم أسهب في بسط الأدلة، فغرضنا هو إثبات أن الحبيب الجفري لم يخالف الحق والصواب وجمهور علماء السنة في هذه المسألة، وليس كما أوهمه المحاور في شريطه، وانخدع به المستمع البسيط.\rالتبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم\rقال المحاور بعد أن أورد كلاما للشيخ علي الجفري مفاده أن البعض يمنعون التبرك بالآثار النبوية ويعدونها شركا يجب تكسيرها قال ما نصه :","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"[أخبرني من القائل أن التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم شرك، وأنه يجب تكسيرها ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم].\r[آثار نبوية محقت]\rأقول : بل هو الحق المبين، وسأخبرك أيها المحاور عن ذلك فاستمع :\rلقد كان بالمدينة المنورة مسجد يسمى مسجد بني قريظة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد صلى بهذا الموضع أثناء محاصرته لبني قريظة.\rوقد ذكر ابن شبة، وابن النجار، والهيثمي وغيرهم موقعه، وقصة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع مشهورة كما في حديث أبي سعيد الخدري، وقد رواها البخاري ومسلم، وأفاد ابن شبة وابن النجار أن عمر بن عبدالعزيز بنى هذا المسجد أثناء ولايته على المدينة سنة ( 87 ـ 91 هـ ) في الموضع الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم أثناء غزوة بني قريظة.\rوقد بقي هذا المسجد عامرا بالصلاة طوال هذه القرون الطويلة، ومر بأطوار عدة وجدد مرات كثيرة حتى هدم في شهر ربيع الأول من عام 1422 هـ، هدمته إدارة الأوقاف بالمدينة المنورة.\r[مسجد الإمام علي العريضي]\rومثله مسجد العريضي، وقد كان هذا المسجد يقع في قرية تبعد عن المدينة 4 أميال، وقد سكن هذه القرية أبو الحسن علي بن جعفر الصادق بن محمد الباقر ( 148 ـ 210 هـ ) ـ والذي هو من أحفاد المصطفى صلى الله عليه وسلم وأثر من آثاره وبضعة منه ـ و كان من أئمة أهل السنة رحمه الله، وقد وصفه ابن العماد والذهبي واليافعي بالتقدم والإمامة في العلم، والزهد، والعبادة، والورع، والسخاء، والجود ـ وكان سيد قومه بني هاشم حتى لقب بأبي الأشراف، وقد كان مدفونا هناك.\rوقد تم هدم هذا المسجد، ونبشت قبور السيد علي العريضي ومن معه يوم الثلاثاء والأربعاء من شهر 6 / 1423 هـ.\r[مسجد الخليفة أبي بكر الصديق]","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"ومثله مسجد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو أحد المساجد المشهورة في منطقة غزوة الخندق في شعب جبل سلع، وقد نقل الأستاذ علي حافظ في ( فصول من تاريخ المدينة المنورة) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى به.\rوقد أورد خبر هذا المسجد مؤرخ المدينة المشهور ( ابن شبة )، وقد بقي هذا المسجد عامرا طوال قرون، من العهد الأموي إلى العهد العثماني ، ولكن الآن يوجد مكان هذا المسجد المبارك جهاز للصرف الآلي ؟؟\rففي أي فقه ـ غير فقه من يدعي التشبه بالسلف ـ يجوز أصلا هدم مسجد موقوف لله تعالى ليوضع مكانه جهاز للصرف ؟؟!!\r[مسجد البقيع]\rوكذلك مسجد البقيع أو مسجد أبي بن كعب، وقد كان هذا المسجد غربي قبر سيدنا عقيل وأمهات المؤمنين داخل سور البقيع، وقد روى ابن شبة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه كثيرا.\rويقول السيد أحمد الخياري ( المتوفى سنة 1380 هـ ) في كتابه ( تاريخ معالم المدينة ) ص145 :\r[مسجد البقيع أو مسجد أبي بن كعب أو مسجد بني جديلة :\rهذا المسجد غربي مشهد سيدنا عقيل وأمهات المؤمنين، داخل سور البقيع الشريف، روى عمر بن شبة عن يحيى بن سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختلف إلى مسجد أبي، وأنه صلى الله عليه وسلم صلى فيه كثيرا، وقال: لولا أن يميل الناس إليه لأكثرت الصلاة فيه.\rوكان هذا المسجد خربا، وكانت توضع فيه آلات الحفارين، فجددته الحكومة العثمانية، مع محرابه، وأحكمت بناءه.\rوهذا المسجد اليوم هو البناء الذي على يمين الداخل إلى البقيع، والله أعلم]. فأين هو الآن يا ترى، هل حجب عن أعيننا أم تم هدمه وإزالته ؟؟!!\r[لا ذرائع لادم آثار النبوة]","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"ومن يرجع إلى كتاب ( تاريخ معالم المدينة ) للسيد أحمد الخياري، أو كتاب ( فصول من تاريخ المدينة المنورة ) للأستاذ علي حافظ أو غيرهما من الكتب التي ألفت في تاريخ المدينة المنورة يجد فيها أسماء كثير من المساجد والدور ـ كدار أبي أيوب الأنصاري التي سكنها النبي صلى الله عليه وسلم عند مجيئه إلى المدينة ـ وغيرها من الأماكن الأثرية التي كانت موجودة إلى العهد العثماني، ولها احترامها ومكانتها، ولكن لا وجود لها الآن فهل اختفت أم هدمت أيها المحاور ؟\rلقد هدمت هذه المساجد وغيرها كثير من الدور وحذر من الاقتراب منها والتبرك بها بدعوى أن ذلك بدعة ووسيلة إلى الشرك، وكلامهم في ذلك مشهور في كثير من كتبهم، خاصة في كتبهم التي تصف كيفية الحج والعمرة.\rوقد تكلم عن ذلك بإسهاب الدكتور عمر عبدالله كامل ونقل كلامهم في كتابه ( لا ذرائع لهدم آثار النبوة ) طبعة 2004 م / دار المصطفى.\r[الوهابية والقرصنة]\rوتذكر لنا الباحثة مي محمد الخليفة في كتابه ( محمد بن خليفة ) شيئا من ذلك فتقول في الفصل الخامس من كتابها تحت عنوان ( الوهابيون والقرصنة ) :\r[.. كان عداء الوهابيين للأتراك سببا في اعتبار كل أثر في مكة والمدينة من مخلفاتهم ! وكانت دعوتهم إلى صفاء العقيدة والتجرد من كل مظاهر التجسيد بحجة التطابق مع روح الإسلام قد جعلتهم يعادون الآثار والحضارة والفنون!\rأما أسوأ ما طبقه الوهابيون فكان محوهم للآثار، أي ذاكرة الشعوب، بهدم القلاع والقضاء على التماثيل والصور بحجة الوثنية !\rوقد بدأ طمس معالم مكة والمدينة بهدم القباب، وانتهى بتغيير المعالم الجغرافية !\rفلو أدخلنا في الحساب الجبال أيضا ن لوجدنا جبل أبي قبيس حيث كان يقوم مسجد بلال قد تحول إلى مبان حديثة وأزيل المسجد !!\rإلى جانب كثير من المعالم والمشاهد التي تذكرها كتب الرحلات ولا يجرؤ أحد على السؤال أين هي اليوم ؟!].","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"ثم تنقل الباحثة بعد ذلك بعض النصوص في الحاشية، منها : [ يذكر الشيخ أحمد زيني دحلان في كتابه ( أمراء البيت الحرام ) : «إن الوهابيين بادروا بهدم المساجد ومآثر الصالحين، فهدموا أولا ما في المصلى من القبب، وكانت كثيرة، ثم هدموا قبة مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ومولد سيدنا أبي بكر ومولد سيدنا علي، وقبة خديجة، وتتبعوا جميع المواضع التي فيها آثار الصالحين فهدموها ))..].\rـ راجع كتاب ( محمد بن خليفة ) ص 194، 195، 196 ـ\r[الألباني يدعو لهدم مقام النبي - صلى الله عليه وسلم -]\rهذا وقد قال الألباني في كتابه ( مناسك الحج والعمرة ) الطبعة الرابعة ص 60ـ 61 أن من البدع الموجودة في المدينة المنورة ( إبقاء القبر النبوي في مسجده )، أي أنه لو خلى لهم الجو لنبشوا القبر الشريف أيضا.\rوكذلك دعا الألباني إلى هدم القبة الخضراء كما في كتابه ( تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد ).\r[دعوة أخرى من مقبل الوادعي بالهدم]\rويقول محدثهم مقبل بن هادي الوادعي : [.. وقد هم الإخوان رحمهم الله في زمن عبدالعزيز رحمه الله عند دخولهم المدينة أن يزيلوا هذه القبة، وليتهم فعلوا، ولكنهم خشوا رحمهم الله من قيام فتنة من القبوريين أعظم من إزالة القبة، فيؤدي إزالة المنكر إلى ما هو أنكر منه].\rـ رسالة ( حكم القبة ) ص 265، الملحق بكتاب ( رياض الجنة ) لمقبل بن هادي الوادعي ـ\r[صدق مقالة الجفري]\rوهذا يعني أن الجفري صدق عندما قال عن مخالفيه إنهم هدموا أو يهدمون كثيرا من الآثار النبوية، بينما نرى أن فقهاء الأمة الإسلامية كانوا يعتنون كثيرا بالآثار النبوية ويحثون على زيارتها بخلاف مدعي السلفية الآن، فيقول الإمام النووي في ذلك :\r[مواضع يستحب زيارتها]\r[ يستحب زيارة المواضع المشهورة بالفضل في مكة والحرم، وقد قيل إنها ثمانية عشر موضعا، منها : البيت الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو اليوم مسجد في زقاق يقال له زقاق المولد .","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"وذكر الأزرقي أنه لا خلاف فيه، ومنها بيت خديجة رضي الله عنها الذي كان يسكنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخديجة رضي الله عنها، وفيه ولدت أولادها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه توفيت خديجة رضي الله عنها، ولم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -مقيما به حتى هاجر، قاله الأزرقي.\rقال : ثم اشتراه معاوية وهو خليفة من عقيل بن أبي طالب فجعله مسجدا، ومنها مسجد دار الأرقم وهي التي يقال لها دار الخيزران، كان النبي- صلى الله عليه وسلم -مستترا به في أول الإسلام. قال الأزرقي : هو عند الصفا. قال: وفيه أسلم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.\rومنها الغار الذي بجبل حراء، كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعبد فيه، والغار الذي بجبل ثور، وهو المذكور في القرآن، قال الله عز وجل «إذ هما في الغار »....]. ـ الإيضاح للنووي ص 404 ـ\r[استحباب زيارة مشاهد المدينة المنورة]\rوقال النووي أيضا : [يستحب أن يأتي سائر المشاهد بالمدينة، وهي نحو ثلاثين موضعا، يعرفها أهل المدينة، فليقصد ما قدر عليه منها، وكذا يأتي الآبار التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ منها ويغتسل فيشرب ويتوضأ، وهي سبع آبار..] ـ الإيضاح، ص 458 ـ\rقلت : والمساجد التي ذكرها النووي أنها بنيت موضع تلك الأماكن المباركة كانت موجودة على مر العصور الإسلامية إلى زمن الخلافة العثمانية، وتم هدمها بعد ذلك، ونلاحظ كذلك أن هذه المواضع الأثرية التي رغبنا الإمام النووي وغيره من الفقهاء بزيارتها انقلب حكمها اليوم عند الكثيرين، فصاروا يحذرون من الاقتراب منها بدعوى الغلو أو لأنها من أشد البدع التي قد تؤدي إلى الشرك، والله المستعان.","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"بقي أن نشير أن فقهاءنا رضي الله عنهم لم يستحبوا التبرك بآثار النبي - صلى الله عليه وسلم -إلا لما قام عندهم من الأدلة الكثيرة على ذلك، ولا مجال لذكرها هنا لأن ذلك ليس من غرض هذه الرسالة، ولكن نكتفي بما ورد في صحيح البخاري الحديث رقم 425، وفيه أن عتبان بن مالك ـ وهو من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ممن شهد بدرا من الأنصارـ لما أنكر بصره قال للرسول - صلى الله عليه وسلم -: وددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى... الخ الحديث.\rقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري عند بيانه للفوائد المستفادة من هذا الحديث : [وفيه التبرك بالمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم، أو وطئها، ويستفاد أن من دعي من الصالحين للتبرك به أنه يجيب إذا أمن الفتنة..].\rـ فتح الباري، كتاب الصلاة / باب 46 / حديث 425 ـ\rهل يشين الشيخ علي الجفري كونه أشعريا صوفيا ؟\r[تعليق للمحاور]\rثم قال المحاور : ( الشيخ علي الجفري أشعري المعتقد، صوفي الطريقة، وفي دروسه ومحاضراته تكلم كثيرا عن عقيدته ومنهجه.. )\r[تعقيب للمصنف]\rقلت : وماذا في ذلك ؟ أيكون ذلك عيبا ؟\rفجمهور علماء أهل السنة وأئمتها وحفاظها أشاعرة صوفية.\rفلو رجعنا إلى طبقات الشافعية وتراجمهم رأينا أنهم أشاعرة صوفية، وكذلك لو رجعنا إلى تراجم المالكية مثل : ( ترتيب المدارك ) للقاضي عياض، وكذلك الأحناف في العقيدة يوافقون الأشاعرة، وأغلبهم صوفية، بل وكذلك كثير من الحنابلة، إذا رجعنا إلى كتب تراجمهم مثل ( السحب الوابلة ) وغيرها.\rوكذلك من نقل عنهم المحاور في شريطه مستشهدا بكلامهم كالحافظ ابن حجر العسقلاني، والإمام النووي، والحافظ السيوطي كلهم أشاعرة صوفية.\r[كلام مهم للتاج السبكي]\rوقد نص الحافظ الإمام تاج الدين السبكي ـ المتوفى سنة 771 هـ ـ في كتابه ( معيد النعم ومبيد النقم ) على أن جمهور أهل السنة أصحاب المذاهب الأربعة أشاعرة، فقال :","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"[وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة ـ ولله الحمد ـ في العقائد يد واحدة، كلهم على رأي أهل السنة والجماعة، يدينون الله تعالى بطريق شيخ السنة أبي الحسن الأشعري رحمه الله، لا يحيد عنها إلا رعاع من الحنفية والشافعية، لحقوا بأهل الاعتزال، ورعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم، وبرأ الله المالكية فلم نر مالكيا إلا أشعري العقيدة.\rوبالجملة عقيدة الأشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول، ورضوها عقيدة].\r[الأشاعرة هم جمهور أهل السنة والجماعة]\rوإليك بعض نصوص أهل العلم في بيان أن عقيدة الأشاعرة هي عقيدة أهل السنة والجماعة :\rقال الإمام عبدالقاهر البغدادي في كتاب ( أصول الدين صـ 309 ) وهو يذكر أئمة أهل السنة :\r«.. شيخ النظر وإمام الآفاق في الجدل والتحقيق : أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري... وقد ملأت الدنيا كتبه، وما رزق أحد من المتكلمين التبع ما قد رزق، لأن جميع أهل الحديث وكل من لم يتمعزل من أهل الرأي على مذهبه».\rوقال الإمام أبو إسحاق الشيرازي :\r«أبو الحسن الأشعري إمام أهل السنة، وعامة أصحاب الشافعي على مذهبه، ومذهبه مذهب أهل الحق».\rـ نقلا من طبقات الشافعية 3 / 376 ـ\rوللإمام أبي إسحاق الشيرازي كتاب في العقيدة على منهج الأشاعرة بعنوان ( الإشارة إلى مذهب أهل الحق ) طبع وزارة الأوقاف / جمهورية مصر ـ 1999م.\rويقول أيضا الإمام الجهبذ الحافظ ابن عساكر :","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"«وأكثر العلماء في جميع الأقطار عليه ـ يعني منهج الأشعري ـ، وأئمة الأمصار في سائر الأعصار يدعون إليه، ومنتحلوه هم الذين عليهم مدار الأحكام، وإليهم يرجع في معرفة الحلال والحرام، وهم الذين يفتون الناس في صعاب المسائل، ويعتمد عليهم الخلق في إيضاح المشكلات والنوازل، وهل من الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية إلا موافق له أو منتسب إليه، أو راض بحميد سعيه في دين الله أو مثن بكثرة العلم عليه، غير شرذمة يسيرة تضمر التشبيه، وتعادي كل موحد يعتقد التنزيه..».\rـ نقلا من ( تبيين كذب المفتري ) لابن عساكر، صـ 410 ـ\rويقول الإمام الزبيدي :\r«إذا أطلق أهل السنة والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية».\rـ الإتحاف 2 / 6 ـ\rويقول الشيخ محمد السفاريني الحنبلي في كتاب ( لوامع الأنوار البهية) ما نصه :\r«أهل السنة والجماعة ثلاث فرق : الأثرية وإمامهم أحمد بن حنبل - رضي الله عنه -. والأشعرية ، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله.والماتريدية، وإمامهم أبو منصور الماتريدي».\rـ لوامع الأنوار البهية 1 / 73 ـ\rويقول الإمام ابن حجر الهيتمي في كتاب ( الزواجر عن اقتراف الكبائرصـ82 ):\r«المراد بالسنة ما عليه إماما أهل السنة والجماعة : الشيخ أبو الحسن الأشعري، وأبو منصور الماتريدي، والبدعة ما عليه فرق المبتدعة المخالفة لاعتقاد هذين الإمامين وجميع أتباعهما».\r[الأشاعرة في ميزان علماء الإخوان]\rوقد نص كذلك جمع كبير من المعاصرين الأفاضل أن العقيدة التي تسمى عقيدة الأشعري هي عقيدة أهل السنة والجماعة، فيقول الأستاذ الفاضل سعيد حوى في الجولة الأولى ص22 من كتابه( جولات في الفقهين الكبير والأكبر) :\r«إن للمسلمين خلال العصور أئمتهم في الاعتقاد، وأئمتهم في الفقه، وأئمتهم في التصوف والسلوك إلى الله عز وجل، فأئمتهم في الاعتقاد كأبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي...","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"ومن ثم أجمعت الأمة على اعتماد أقوالهم وقبولها في خضم اتجاهات لا تعد ولا تحصى من الاتجاهات الباطلة الزائفة، منها الذي مات، ومنها الذي لا زال حيا]، وقال في الجولة الرابعة :\r«وسلمت الأمة في قضايا الاعتقاد لاثنين: أبي الحسن الأشعري، وأبي منصور الماتريدي».\rوقال الشيخ حسن أيوب في ( تبسيط العقائد الإسلامية صـ 299 ) :\r«أهل السنة والجماعة هم أبو الحسن الأشعري، وأبو منصور الماتريدي، ومن سلك طريقهما».\rفالعقيدة الأشعرية إذن هي عقيدة جمهور أهل السنة والجماعة كما نص على ذلك كثير من أهل الحق قديما وحديثا، وهم علماء الأمة وحفاظها وفقهاؤها وقراؤها ومفسروها وأولياؤها، وهم الذين أطلق عليهم اصطلاح ( أهل السنة) حتى عند المخالفين، وكتبهم هي التي عرفت بكتب أهل السنة في علوم التفسير والحديث والأصول والفقه...\r[هل تجوز الصلاة خلف الأشعرة]\rولكن من الغريب أن نرى الآن هذه الجماعة من أتباع محمد بن عبدالوهاب لا يعتبرون من سبقهم من جهابذة الأمة كالغزالي و القشيري وابن عساكر والعراقي والسبكي والنووي وابن حجر... من أهل السنة والجماعة، لأنهم في زعمهم ينتهجون المنهج الأشعري في العقيدة المخالف لمنهج ابن عبدالوهاب، وقد وصل بهم الحال إلى درجة صاروا يبحثون من جملة المسائل التي يبحثونها (هل تجوز الصلاة خلف الأشعري أو لا تجوز ؟ ) وبعبارة أخرى : هل تجوز الصلاة خلف الحافظ ابن حجر أو الإمام النووي والسيوطي.. أو لا تجوز ؟\rجاء في كتاب ( فتاوى إسلامية ) ج 1 ص 92 سؤال موجه إلى عبدالعزيز بن باز :\r«هل تجوز الصلاة خلف صاحب عقيدة مخالفة لأهل السنة والجماعة كالأشعري مثلا ؟\rجواب : الأقرب والله أعلم أن كل من نحكم بإسلامه يصح أن نصلي خلفه، ولا نكفره، هذا قول جماعة من أهل العلم، وهو الأصوب..».","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"فنرى أن أتباع الشيخ محمد بن عبدالوهاب ساروا على منهج شيخهم في الإنكار على معتقد جمهور أهل السنة والجماعة المتمثل في العقيدة التي اصطلح عليها عقيدة الأشاعرة، وقد كانت هي عقيدة جمهور الأمة الإسلامية الظاهرة التي تدرس إلى نهاية عهد الخلافة العثمانية، وهي العقيدة التي أنكرها محمد بن عبدالوهاب في القرن الثاني عشر الهجري ورمى أصحابها بالشرك، وقد مر كلام الآلوسي عنه في ترجمته في ( تاريخ نجد ) عندما قال:\r[وأظهر الإنكار على أهل نجد في عقائدهم..].\rوما زال أتباعه ينكرون هذه العقيدة، حتى وصل بهم الحال إلى أن يرموا أئمة الإسلام كالحافظ ابن حجر والنووي وغيرهم بالاضطراب والخلل في العقيدة، فتسمعهم ينصحون الطلبة أن يأخذوا كلام الحافظ ابن حجر والنووي في ( فتح الباري ) و ( شرح صحيح مسلم ) فيما عدا ما يتعلق بالعقائد، ويقولون إنهما وقعا في أخطاء كبيرة في التوحيد..\rوهذا يذكرنا بقول الشاعر :\rإذا وصف الطائي بالبخل مادر وعير قسا بالسفاهة باقل\rوقال السها للشمس : أنت ضئيلة وقال الدجى : يا صبح لونك حائل\rوفاخرت الأرض السماء سفاهة وطاولت النجم الحصى والجنادل\rفيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي، إن دهرك هازل\rوبقول الآخر :\rمضت دول العلوم الزهر قدما وقامت دولة الصفر الرقاق\rوأبرزت الخلاعة معصميها وبات الجهل ممدود الرواق\rفأصبح يدعي بالسبق جهلا زعانف يعجزون عن اللحاق\rإذا هلكت رجال الحي أضحى صبي القوم يحلف بالطلاق\r[رأي السلفية في الإمام البنا]\rوكذا رموا كثيرا من الفرق بالضلال والانحراف في المعتقد، ولم يسلم من كلامهم حتى الشيخ حسن البنا رحمه الله، الذي كان يعمل جاهدا من أجل استيعاب المخالف، فتراهم يؤلفون الكتب ضد عقيدته لأنه سلك مسلك (الأشاعرة ) جمهور علماء الأمة الإسلامية.","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"فمن الكتب التي ألفوها في الرد على الإمام الشهيد رحمه الله كتاب ( وقفات ) للكاتب محمد بن سيف العجمي، و كتاب : ( تحفة الإخوان في صفات الرحمن - إعداد : د. محمد محمد عبدالعليم ـ بمراجعة رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية ).\rوفيه رمى الإمام الشهيد ( بأخطاء جسيمة ) في المعتقد، وكان مما جاء فيه ص30 :\r«مفهوم كلام البنا من التأويل هنا هو : صرف الكلام عن ظاهره، وهو ما ذهب إليه المعتزلة و الجهمية، واتبعهم علماء الكلام وغيرهم من المتأخرين..».\rوفيه ص 28 : «في ذلك الرد القاطع على مدرسة الإمام البنا التي تبنت مذاهب الأشاعرة والمعطلة والنفاة والجهمية.. ».\rوفيه ص 81 : «ومن شديد ما يؤسف له تأثر الإمام البنا بمذهب الأشاعرة...».\rو رموه بالتناقض ومخالفة الإجماع حيث جاء في ص 113 : «فهو ـ الشيخ البنا ـ يناقض نفسه ويوقعها في الحرج، بل ويخرج على إجماع علماء الأمة وهو لا يدري..».\rوجاء في ص 124 : «عقيدة مدرسة الإخوان لا تصلح أن تكون منهجا للمسلمين في هذا الزمان، وأنه يجب عليهم أن يرجعوا عن ذلك إلى عقيدة أهل السنة وسلف الأمة..». إلى آخر ما جاء في هذا الكتاب المردود من تسفيه لعقيدة الشيخ الإمام حسن البنا رحمه الله تعالى.\rوالحق كما أشرنا أن عقيدة الإمام الشهيد هي العقيدة الصحيحة التي عليها جمهور علماء المسلمين، ومما يؤسف له حقا أن نرى كثيرا ممن يزعم أنه من أتباع الشيخ حسن البنا تأثر بفكر أتباع محمد بن عبدالوهاب، ورمى الأشاعرة بالبدعة والضلال.\r[المحاور يستشهد بكلام الأشاعرة والصوفية]\rوكذا علم التصوف، انتسب إليه غالب علماء الأمة الإسلامية، وقد استشهد الأخ المحاور في شريطه بكلام بعضهم مثل النووي وابن حجر العسقلاني والسيوطي والعز بن عبدالسلام وجميعهم أشاعرة وصوفية.\rفالنووي دونك شرحه على صحيح مسلم، وكتابه ( بستان العارفين ) ترى تصوفه وأشعريته.","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"وابن حجر دونك شرحه ( فتح الباري )، وترجمة تلميذه السخاوي له في ( الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر).\rوأما الحافظ جلال الدين السيوطي فإن كتبه ورسائله تنطق بأشعريته، ودونك كتابه ( تخريج أحاديث شرح المواقف في علم الكلام )، وكتبه في مسائل العقيدة معروفة، يدرسها الأشاعرة ويدرسونها.\rوقد كان السيوطي كذلك من كبار أئمة الصوفية، وله في التصوف ومسائله عدة رسائل، منها ( تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية )، وكذلك العز بن عبد السلام أشعري صوفي، وقد لبس الخرقة الصوفية كما في ترجمته في كتاب ( طبقات الشافعية الكبرى ) للحافظ تاج الدين السبكي، ومما قاله عنه السبكي في ترجمته :\r«.. وقد كانت للشيخ عز الدين اليد الطولى في التصوف، وتصانيفه قاضية بذلك».\rـ طبقات الشافعية للسبكي ج 8 ص 209 ـ\rومثلهم كذلك الشيخ محمد بخيت المطيعي ( مفتي مصر ) رحمه الله، والذي وصفه المحاور بـ ( العلامة )، ودونك (حاشية المطيعي على شرح الخريدة ) ترى تصوفه وأشعريته.\rكل هؤلاء استشهد بهم وبكلامهم الأخ المحاور كما في شريطه، فإذا كانوا أشاعرة وصوفية ـ وهم في نظر المحاور مبتدعة وأهل ضلال ـ كيف جوز لنفسه أن ينقل عنهم ويثق بهم، ولماذا لم يصرح عند النقل عنهم بأنهم أشاعرة وصوفية أيضا كالشيخ الجفري ؟؟ !!\r[الإمام أحمد بن حنبل والصوفية]\rفائدة :\rقال الشيخ منصور بن يونس البهوتي المتوفى سنة 1051 هـ في كتابه ( كشاف القناع عن متن الإقناع ) ـ وهو من الكتب المعتمدة في الفقه الحنبلي، ومؤلفه من كبار أئمة الحنابلة ـ :\r«نقل إبراهيم بن عبدالله القلانسي أن أحمد قال عن الصوفية : لا أعلم أقواما أفضل منهم، قيل إنهم يستمعون ويتواجدون، قال : دعوهم يفرحون مع الله ساعة، قيل : فمنهم من يموت، ومنهم من يغشى عليه ؟ فقال : «وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون».\rولعل مراده سماع القرآن، وعذرهم لقوة الوارد، قاله في (الفروع)].","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"ـ ( كشاف القناع ) للبهوتي جـ 7 ص 2539 ، الناشر مكتبة الباز ـ\r****\r[تعليق المحاور]\rثم قال المحاور : [السؤال المطروح : لماذا لا يترك الشيخ لمخالفيه حرية التعبير عن فكرهم واتجاههم وعقيدتهم ؟\rللأسف سلك الشيخ سياسة إلغاء الغير، واحتقار المخالف].\rثم جاء بعدة مقاطع من كلام الشيخ، أوردها متتالية، يقول فيها :\r«البعض من الجهلة في صورة العلم يروق لهم أن يكرروا (عبس وتولى أن جاءه الأعمى)».\r«تخلوا البلاد من العلماء العاملين شيئا فشيئا، فيأتي المدعون للعلم، الغرباء على العلم، المتسورون للعلم، المتطاولون على الأئمة، فيكفرون، ويرمون بالشرك والبدعة من تقدم ومن تأخر».\r«كفوا عن تجريح الأئمة، كفوا عن هدم بناء الأمة.\rالتوسل، زيارة قبور الصالحين ، الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعة بصوت مرتفع، مدح النبي صلى الله عليه وسلم، الاتصال بالتصوف، أمر موجود في الأمة من قبل أن تأتوا، ومن قبل أن يأتي المنهج الذي تتحدثون عنه، وتتكلمون به.\rمنهجكم برمته لم يتجاوز المائتين سنة الماضية في تاريخ الأمة.\rأقلعوا عن اعتقاد أن ما ذهبتم إليه هو الصواب الذي يكفر ويخرج عن الإسلام من خالفكم فيه، أنتم الآن معول هدم في مبنى الأمة ».\rثم قال المحاور : «إخواني، هل يليق مخاطبة المخالف بمثل هذا الكلام ؟»\r[تعقيب المنصف]\rأقول : بالطبع يليق أن يخاطب الشيخ علي الجفري المخالفين له هنا بأنهم ( معول هدم في مبنى الأمة )، لأن الشيخ يقول ذلك عن المخالفين الذين يكفرون أئمة الإسلام ويخرجونهم عن الملة،.. فهذه الفئة من المخالفين الذين ادعوا العلم ـ وهم غرباء عن العلم ـ وتطاولوا على الأئمة، وصاروا يكفرون ويرمون بالشرك والبدعة من تقدم ومن تأخر لا شك أنهم معول هدم في مبنى الأمة.","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"فالشيخ يقول لهؤلاء المخالفين بأنهم معول هدم، لأن تكفير أئمة الإسلام ورميهم بالشرك والضلال وتفريق الكلمة، والتمسك بالأقوال الشاذة تهدم حقيقة هذه الأمة الإسلامية العظيمة.\rولا أدري لماذا يعتقد المحاور أن مثل هؤلاء المخالفين لا ينبغي أن يقال أنهم ( معول هدم ) ؟؟!!\rأبو بكر الجزائري وكتابه..\r[تعليق للمحاور]\rقال المحاور : [ من منا لا يعرف الشيخ أبابكر الجزائري، الذي شرفه الله بوعظ الناس في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، العالم المفسر ؟\rلقد رماه الجفري بـ ( اللخبطة )، وأنه فاقد للأهلية وقواعد الاستنباط].\rثم جاء بمقطع من كلام الجفري كان فيه : [.. كتاب اللخبطة التي سواها الجزائري ( إلى التصوف يا عباد الله )... ].\r[أبو بكر الجزائري في الميزان]\rأقول : عجيب أن تأخذ المحاور الحمية لأبي بكر الجزائري ـ وهو مجرد واعظ ومحاضر ينتهج منهج مدعي السلفية ـ ولا تأخذه الحمية لعلماء الإسلام وحفاظها وفقهائها الصوفية، والذين منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني، والنووي، والسيوطي، وابن الجزري، والسبكي، والمناوي.. بل وحتى ابن تيمية وابن القيم، وقد رماهم الجزائري في كتابه بأنهم مبتدعة ضلال عندما حكم على التصوف بأنه من شر البدع.\rوهذا يدل على جهل فاضح وواضح من الجزائري، وتدريسه في المسجد النبوي لا يجعل منه عالما ومفسرا ـ خاصة في زمننا الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بفشو الجهل فيه ورفع العلم واتخاذ الناس رؤوسا جهالا ـ.\rفلم يخطئ الشيخ علي الجفري عندما قال عن كتاب الجزائري أنه ( لخبطة ) وأنه فاقد للأهلية والاستدلال.","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"وذلك لأن التصوف علم شامخ ظهر منذ القرن الثاني الهجري، وامتد خلال الأزمنة التي مرت بها الأمة الإسلامية، وعلماء الإسلام ينتسبون إليه، إلى أن جاءت هذه الفئة من أتباع محمد بن عبدالوهاب وضللت الصوفية جملة وتفصيلا، وإلى أن جاء الشيخ أبوبكر جابر الجزائري ـ هداه الله ـ بكتابه السقيم، وغير المستقيم حتى في عنوانه ( إلى التصوف يا عباد الله، فإن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين )، وإليكم بيان بعض ما جاء في كتابه والرد عليه.\rادعاء الجزائري أن الصوفية عملاء الاستعمار :\rادعى الجزائري في مقدمة كتابه الذي يدافع عنه المحاور أن الصوفية هم ( عملاء الاستعمار وجنوده المخلصين ).\rويقال له هنا : إذا لم تستح فاصنع ما شئت، فالصوفية عبر مختلف العصور اهتموا بالجهاد ضد أعداء الإسلام، بل كان لهم قدم السبق في ذلك، وقد جمع كثيرا من أخبارهم وبطولاتهم الشيخ أسعد الخطيب في كتابه الممتع المفيد ( البطولة والفداء عند الصوفية )، ننقل منه بعضا مما سيأتي مع ذكر المرجع الذي نقل منه، ومن خلاله يتبين أن الصوفية على مر العصور هم الذين كانوا يقفون في وجه أعداء الله ويدافعون عن حمى الشريعة الإسلامية وأرض المسلمين.\r[موقف الصوفية من الجهاد في سبيل الله]\rفهذا أبو يزيد البسطامي يقول : «أقامني الحق مع المجاهدين، أضرب بالسيوف في وجه أعدائه». ـ انظر ترجمته للشيخ عبدالحليم محمود ـ\rوهذا أبو حمزة الصوفي المتوفى سنة 269 هـ، يذكر الخطيب البغدادي عنه : «كان عالما بالقرآن، جالس أحمد بن حنبل، وبشر بن الحارث، وكان له مهر قد رباه، يحب الغزو عليه». ـ تاريخ بغداد للخطيب ـ\rوكذلك ذكر الخطيب في ( تاريخ بغداد ) عن السري السقطي الصوفي المتوفى سنة 253 هـ أنه كان من المجاهدين.\rوكذلك الجنيد البغدادي ـ الذي يسميه الصوفية وكذا ابن تيمية بـ( سيد الطائفة ) كان من كبار المجاهدين.","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"وهذا أبو محمد بن مرزوق الصاقري، «كان ذا فتوة، صحب أبا يعقوب النهرجوري المتوفى 330 هـ، وقتل بنواحي طرسوس شهيدا».\rـ معجم البلدان لياقوت ـ\rوهذا إبراهيم العتابي الصوري المتوفى 471 هـ يقول عنه ابن عساكر في تاريخه : «شيخ الصوفية بالثغر، كان ذا سمت حسن، وطريقة مستقيمة».\rـ النصوص السابقة نقلناها من كتاب ( البطولة والفداء عند الصوفية ) لأسعد الخطيب ـ\rوحسبك ما كتبه الشعراني في ( لواقح الأنوار القدسية ) في بيان مبادئ الصوفية في الجهاد.\r[أبطال الجهاد من هم]\rوهذا بطل الحروب الصليبية نور الدين محمود زنكي، وكذلك صلاح الدين الأيوبي، وغيرهما من المجاهدين الأبطال الذين قاموا بمحاربة الكفار ونشر الدين كالقائد قطز و بيبرس والسلطان العثماني محمد الفاتح، والشيخ عمر المختار السنوسي، وعز الدين القسام ، ومحمد إقبال، وسعيد النورسي، والمهدي... كلهم من أعلام التصوف.\rوكذلك الشيخ الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله تعالى الذي جاهد الاستعمار بقلمه ولسانه ومنهجه وإخوانه، صاحب طريقة صوفية ويقول عن دعوة الإخوان إنها ( حقيقة صوفية ).\rفكل هؤلاء الأبطال من رجال التصوف كما يعرف ذلك من له دراية بسيرهم وتراجمهم، أما ما يدعيه الجزائري فحقيق أن يقال عنه ( لخبطة ).\rوليت شعري كيف نسي صاحب هذا الكتاب أمير المجاهدين في الجزائر الشيخ عبد القادر الجزائري الصوفي شيخ المجاهدين ضد الاستعمار الفرنسي الذي ظل ما يقارب عشرين سنة في جهاد الفرنسيين، وقد ألف كتاب ( المواقف ) وفيه بيان تصوفه ، وكذلك ابنه الشيخ المجاهد الصوفي محيي الدين ابن عبدالقادر الجزائري.\rوكذلك الخطابي و الغماري في المغرب، وشيوخ الجهاد ضد الروس... وغيرهم الذين قضوا حياتهم في الجهاد ضد أعداء الإسلام ، كلهم يقول عنهم الجزائري ـ كما يفهم من لازم كلامه الصريح في كتابه المذكورـ أنهم (عملاء الاستعمار وجنوده المخلصين) .","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"والظاهر أن كل ما فعله صاحب كتاب ( إلى التصوف يا عباد الله ) أنه قرأ رسالة صغيرة في التصوف وأساء فهمها، فقام بكتابة كتابه الذي رد فيه على جهابذة الأمة، ودافع فيه عن الحركة التي تدعي السلفية وعن محمد بن عبدالوهاب بغلو بغيض، فقال في كتابه المذكور ص 5 :\r«الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى، فحسبه أن أثمرت دعوته المملكة العربية السعودية، هذه المملكة التي احتضنت دعوته السلفية، فبلغت بها من الكمال ما أصبحت به تحاكي دولة الراشدين من الصحابة والتابعين».\rولا عجب بعد هذا الإطراء أن يسمح له بالوعظ في المسجد النبوي كما ادعاه المحاور.\rفوالله عيب عليك يا جزائري أن ترمي الصوفية بأنهم عملاء الاستعمار، فما علمنا أن صلاح الدين الأيوبي الذي كان يبني الخانقاهات الصوفية عميلا للاستعمار، ولا الشيخ عمر المختار ـ صاحب الطريقة السنوسية ـ الذي قضى عمره في الجهاد ضد الإيطاليين حتى استشهد وعمره 73 سنة.\rوسيقف صاحب هذا الاتهام ـ هو وكل من اتبعه في رأيه ـ في يوم لا تخفى على الله خافية، وسيسأل عن اتهامه الخطير ورميه علماء الأمة وحفاظها وصالحيها بالبدعة والضلال، فليعد لذلك اليوم جوابا.\r[السلفية والاستعمار]","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"ثم إن الحركة التي ادعت السلفية منذ نشأتها على يد الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، هي التي استفاد منها الاستعمار للأسف الشديد ، فهم الذين فرقوا كلمة جمهور المسلمين من أهل السنة والجماعة، وخرجوا على الدولة العثمانية، فكان ذلك لصالح بريطانيا ـ علموا أو لم يعلموا ـ، وهم الذين أنكروا على المسلمين الآمنين في بلاد نجد وغيرها أشد الإنكار بسبب عقيدتهم وبعض المسائل الفقهية، ورموهم بالشرك، إلى أن قاموا بتحريم العمليات الاستشهادية في فلسطين على حسب اجتهادهم وفهمهم، وقالوا عن الشهداء في هذه العمليات بأنهم منتحرون ومصيرهم نار جهنم ـ والعياذ بالله ـ، وغير ذلك من الفتاوى التي تصب ولو عن غير قصد في مصلحة الكفار المستعمرين !!\rوأنا لا أقول إنهم فعلوا ذلك قصدا، ووقفوا مع الاستعمار عمدا، ولكنهم بأفعالهم هذه خدموا الاستعمار، فكانوا هم أولى بكلمة الجزائري ( عملاء الاستعمار وجنوده )، ومع ذلك فلسنا نحن ممن يطلق مثل هذه الكلمات ويتهم إخوانه المسلمين المؤمنين بهذه الاتهامات الخطيرة، ولا نقول إلا أنهم اجتهدوا فأخطؤوا في منهجهم، غفر الله لنا ولهم وهدانا وإياهم سواء السبيل.\rولنا أن نسأل صاحب هذه الرسالة ( إلى التصوف يا عباد الله.. )، الذي يتزعم الحركة الجهادية ضد إخوانه المسلمين : هل أمسك من تنتسب إليه يوما من الأيام سيفا أو عصا أو حصاة ضد المستعمرين ؟؟؟\r[ابن عبد الوهاب وجهاده ضد المسلمين]\rوأجيبك بنفسي عن ذلك فأقول : إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي نسبت إليه الحركة السلفية الإصلاحية الجهادية في كتابك، كان جهاده ـ كما أداه إليه اجتهاده ـ ضد إخوانه المسلمين للأسف الشديد، وقد أخطأ في ذلك غفر الله له، وذلك لأنه غلا في إنكاره على مخالفيه فرماهم بالشرك، ومن ثم رأى جواز قتالهم وجهادهم.\rوقد أخبرنا عن شيء من جهاده الآلوسي ـ وهو من المدافعين عن هذه الحركة ـ، حيث يقول في ( تاريخ نجد ) ص110 وما بعدها :","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"«فلما تحقق محمد بن سعود المصالح الدينية والدنيوية فيما ذكره الشيخ ـ محمد بن عبدالوهاب ـ قبل ذلك، وقال له : أيها الشيخ، إن هذا دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الذي لا شك فيه، فأبشر بالنصرة لما أمرت به، وبالجهاد مع من خالفك..»، إلى أن قال في ترجمته :\r«ثم أمر الشيخ أهل الدرعية بالمقاتلة معهم، فامتثلوا أمره، وقاتلوا أهل نجد، والإحساء، دفعات كثيرة، إلى أن أدخلوهم إلى طاعتهم، وحصلت إمارة بلاد نجد وقبائلها جميعا لآل سعود بالغلبة».\rـ تاريخ نجد / تأليف :محمود شكري الآلوسي / تحقيق : محمد بهجة الأثري ـ\rوقال عنه الشيخ فصيح صبغة الله الحيدري ـ وقد كان من أئمة أهل السنة في العراق ـ في كتابه ( عنوان المجد ) ص 242 :\r«وكان يجوز قتال من خالفه، بل ويعتقد كفره، ويسمي قتال المسلمين المخالفين له جهادا في سبيل الله تعالى، ويجعل أموالهم كغنائم الكفار(1)..».\rوكذلك يذكر لنا الآلوسي أن الشيخ محمد بن عبدالوهاب كان يعتبر أموال من يقاتلهم من أهل نجد غنائم حربية ، فيقول ص 113 من ( تاريخ نجد ) مبينا كرمه:\r«وكان الشيخ ـ محمد بن عبدالوهاب ـ كثير العطايا، بحيث كان يهب ما غنمه الجيش مع كثرته إلى رجلين أو ثلاثة، وكانت الغنائم تسلم بيده، ثم هو يضعها حيث شاء، ويعطيها إلى من يشاء..».\rبل ونص على ذلك عبدالعزيز بن باز حيث يقول في رسالته( الإمام محمد بن عبدالوهاب، دعوته وسيرته ) :\r__________\r(1) وهكذا يعتبر المحاور أن من قاتلهم محمد بن عبد الوهاب كانوا كفارا وأن أموالهم كانت غنائم حربية، فيقول في رسالته (الحركة الإصلاحية ) صـ 19 : «وبعد فتح الرياض واتساع ملكهم، وانقياد كل صعب لهم، فوض الشيخ أموال الناس وأموال الغنائم إلى عبدالعزيز بن محمد بن سعود الأمير، وتفرغ الشيخ للعلم وللعبادة وإلقاء الدروس..».","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"«... ثم بدأ ـ محمد بن عبدالوهاب ـ بالجهاد، وكاتب الناس إلى الدخول في هذا الميدان، وإزالة الشرك الذي في بلادهم، وبدأ بأهل نجد، وكاتب أمراءها وعلماءها، وكاتب علماء الرياض وأميرها دهام بن دواس، كاتب علماء الخرج وأمراءها، وعلماء بلاد الجنوب والقصيم وحائل، والوشم، وسدير، وغير ذلك.\rوهكذا علماء الإحساء، وعلماء الحرمين الشريفين، وهكذا علماء الخارج في مصر، والشام، والعراق، وهند، واليمن، وغير ذلك، ولم يزل يكاتب الناس ويقيم الحجج، ويذكر الناس ما وقع فيه أكثر الخلق من الشرك والبدع..» إلى أن قال: «ثم استمرت الدعوة مع الجهاد بالسيف»، وقال:\r«فالعاقل ذو الفطرة السليمة ينتفع بالبينة، ويقبل الحق بدليله، أما الظالم التابع لهواه فلا يردعه إلا السيف، فجد الشيخ رحمه الله في الدعوة والجهاد، وساعده أنصاره من آل سعود طيب الله ثراهم على ذلك، واستمروا في الجهاد والدعوة من عام 1158 هـ إلى أن توفي الشيخ في عام 1206 هـ، فاستمر الجهاد والدعوة قريبا من خمسين عاما...».(1)\rـ انظر ص 37، وص 42 من كتاب ( الإمام محمد بن عبدالوهاب ) للشيخ عبدالعزيز بن باز ـ\rفهكذا إذن كان جهاد من ينتسب إليه السلفية... يبالغ في الإنكار على مخالفيه، إلى أن يكفرهم، ثم يجاهدهم، ثم يجعل أموالهم غنائم حربية، يهبها لمن يشاء.\r__________\r(1) وقد أكد المحاور هذه الحركة الجهادية وأيدها في رسالته( الحركة الإصلاحية )، فنراه يقول كما في ص 18 من رسالته : «ثم أخذ ـ محمد بن عبد الوهاب ـ يراسل رؤساء البلدان النجدية وقضاتهم، ويطلب منهم الطاعة والانقياد، ونبذ الشرك والعناد، فمنهم من أطاعه، ومنهم من عصاه ..» إلى أن قال : «فلم ير الشيخ محمد والأمير بدا من الاستعانة بالسيف بجانب الدعوة الدينية، واستمرت الحروب الدينية سنين عديدة..».","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"ومن أراد معرفة المزيد عن هذا الجهاد فليراجع ما كتبه ابن غنام في تاريخ نجد أو ما كتبه الجاسوس الغربي ( بورك هارت ) الذي سمى نفسه الشيخ إبراهيم الشامي، وقد ترجم كتابه د. عبدالله صالح العثيمين بعنوان ( مواد لتاريخ الوهابيين )، والكتب الأخرى التي تتناول تاريخ نجد في تلك الفترة يرى كيفية جهاد الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأتباعه ضد مخالفيهم.\rوالمخالفون الذين رأى محمد بن عبدالوهاب جواز قتالهم لم يكونوا للأسف قوات الاستعمار من البريطانيين أو الفرنسيين أو الإيطاليين.. وإنما كانوا أهل نجد والإحساء والحرمين الشريفين الذين ينتهجون المنهج الأشعري في العقيدة، وينتسبون إلى التصوف، ويجوزون الاستغاثة والتوسل متبعين في ذلك جمهور المذاهب الأربعة وعلماء أهل السنة.\rفإذا كان أبو بكر الجزائري يقصد أن الصوفية بعيدون عن هذا النوع من الجهاد فقد صدق، فإن الصوفية لم يحملوا راية الجهاد ضد إخوانهم المسلمين، بل حملها صلاح الدين الأيوبي ضد الصليبيين، وحملها عمر المختار ضد الإيطاليين، وحملها عبدالقادر الجزائري ضد الفرنسيين، وحملها عزالدين القسام ـ شيخ الطريقة الشاذلية ـ ضد المغتصبين للأرض المحتلة، وحملها الشيخ أحمد الفاروقي السرهندي في الهند، والشيخ محمد عبد الكريم الخطابي والسيد عبدالله الغماري في المغرب، والمهدي في السودان،.. وغيرهم كثير قديما وحديثا في مشارق الأرض ومغاربها.\rومع ذلك نرى في كتاب الجزائري ـ الذي يدافع عنه المحاور ـ أن الصوفية هم عملاء الاستعمار، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rتعريف الجزائري في كتابه ( الملخبط ) للتصوف والرد عليه :\rولو جئنا إلى كتاب الجزائري أيضا لرأينا أنه يقول : «إن التصوف إما أن يكون هو الإسلام، أو يكون غيره، فإن كان غيره فلا حاجة لنا به، وإن كان هو الإسلام فحسبنا الإسلام، فإنه الذي تعبدنا الله به ».","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"وهذه سفسطة غريبة، واستدلال ( ملخبط ) وإلا لصح أن نقول مثل ذلك عن بقية العلوم الإسلامية، كالفقه، والتفسير، والعقيدة، والسيرة... فما التصوف إلا بيان وتفصيل للجانب الخلقي الذي جاء به الإسلام.\rوقال الجزائري في كتابه المذكور : «التعريف الصحيح للتصوف هو : أنه بدعة ضلالة، من شر البدع وأكثرها إضلالا، وأكبرها ضلالة ».\rهكذا عرف التصوف، وهو بذلك خالف حتى منهج ابن تيمية وابن القيم ونظرتهما إلى التصوف، كما يعرف من يرجع إلى المجلد الحادي عشر من فتاوى ابن تيمية، وإلى كتاب مدارج السالكين لابن القيم.\rفمثلا يقول ابن القيم في ( مدارج السالكين ) ما نصه :\r«.. إسبال الخلق على الخلق بسطا، وهذا حقيقة التصوف. فإنه كما قال أبوبكر الكتاني : التصوف خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف». ـ مدارج السالكين ج 1 ص374 طبعة دار الحديث ـ\rإبطال ما قاله الجزائري عن ( الكشف ) :\rثم تكلم الجزائري في رسالته أيضا عن بعض المسائل والمصطلحات بكلام يظهر جهله وعدم أهليته فيما تكلم فيه، فقال ص 37 من كتابه المذكور عن مصطلح ( الكشف ) مثلا :\r«إن الكشف وإن كان أحد أصول الطرق الصوفية، فهو في الواقع غاية لما يصبو إليه المريد، ومن أجله قبل الخلوة، وحشر نفسه فيها».\rوكلام الجزائري هنا دال على جهله بالتصوف الذي يزعم أنه يحذر الناس منه، بل هو كذب محض، فليس الكشف من أصول الطرق الصوفية، وليس هو أيضا غاية ما يصبو إليه المريد، وليس من أجل الكشف قبل المريد الخلوة.\rوهذه كتب الصوفية وأئمتهم المعتبرين ينقضون ما يقوله الجزائري، فلماذا التحامل والكذب على المخالف يا عباد الله ؟؟\rثم ينسب الجزائري في ص 39 كلاما إلى الشيخ عبدالقادر الجيلاني ثم يعلق عليه ويقول إن في ذلك: «ادعاء للربوبية صريح يكفر صاحبه، ولا يصح تأويله بغير الكفر أبدا» ثم يقول مشيرا إلى الشيخ عبدالقادر الجيلاني:","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"«والعجيب ممن يدعون التصوف اليوم أنهم إذا ذكروا هؤلاء الزنادقة الحلوليين يترضون عنهم ويترحمون عليهم، كأنهم لم يعلموا أن الرضا بالكفر كفر، وأن من يترحم على كافر فضلا عن أن يترضى عنه فقد ارتكب الجرائم، وجنى على نفسه أعظم جناية ».\rويقول الجزائري أيضا في نفس الصفحة :\r«دعوى الكشف والتجلي هي التي جرت القوم إلى القول بالحلول، ووحدة الوجود، ثم إلى ادعاء الربوبية المطلقة، والعياذ بالله تعالى من الحور بعد الكور، ومن الغواية بعد الهداية».\rهكذا من دون معرفة وأدب يتهم الجزائري الشيخ عبدالقادر الجيلاني بالكفر وادعاء الربوبية والزندقة و الحلول، بل ويمنع من الترحم عليه والترضي عنه، ويدعي أن ذلك بمثابة الرضا عن الكفر.. وهذا الذي يقوله الجزائري عن الكشف أيضا محض افتراء وهراء، وقد حشر نفسه في زاوية يصعب عليه الخروج منها، وذلك لأننا سنعارضه بكلام لمن يعتبره الجزائري من أئمته، وحامل راية السلفية، ومجدد الدعوة ـ كما قال عنه في رسالته ـ وهو الشيخ ابن تيمية رحمه الله، وسنورد كلامه عن الشيخ عبدالقادر الجيلاني وعن الكشف.\r[رأي ابن تيمية في الصوفية]\rفأما الشيخ عبدالقادر الجيلاني رحمه الله تعالى ورضي عنه، فنرى أن ابن تيمية يذكره وينقل عنه كثيرا في ( مجموع الفتاوى )، وخاصة في المجلد العاشر، ويترحم عليه ويترضى عنه، وإليكم بعض كلامه في المجلد العاشر فقط، فيقول ابن تيمية في ص 455 :","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"«قال الشيخ أبو محمد عبدالقادر في كتاب ( فتوح الغيب ).. »، وفي ص 458: «وكلام الشيخ قدس الله روحه يدور على هذا القطب.. »، وفي ص 463 : «وكلام الشيوخ الكبار كالشيخ عبدالقادر وغيره يشير إلى هذا السلوك..»، وفي ص 470: «وكلام الشيخ عبد القادر قدس الله روحه كثيرا ما يقع في هذا المقام... »، وفي ص 488: «والشيخ عبد القادر ونحوه من أعظم مشايخ زمانهم أمرا بالتزام الشرع، والأمر والنهي، وتقديمه على الذوق والقدر، ومن أعظم المشايخ أمرا بترك الهوى والإرادة النفسية..»، وفي ص 490: «قال الشيخ عبد القادر قدس الله روحه.. »، وفي ص 492: « والشيخ رحمه الله ذكر هنا التوكل دون الطاعة.. »، وفي ص 493: «قال الشيخ - رضي الله عنه - : وعلامة فناء إرادتك بفعل الله أنك لا تريد مرادا قط..»، وفي ص 516: «فأمر الشيخ عبد القادر وشيخه حماد الدباس وغيرهما من المشايخ أهل الاستقامة رضي الله عنهم..»، وفي ص516 ـ 517 أيضا يقول ابن تيمية: «فأما المستقيمون من السالكين، كجمهور مشايخ السلف، مثل الفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين. ومثل الشيخ عبدالقاد، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان وغيرهم من المتأخرين..».\rوهذا غيض من فيض في المجلد العاشر فقط من (مجموع الفتاوى) لابن تيمية، ونراه كيف يترحم على الشيخ عبدالقادر ويترضى عنه، ويقدس روحه، ويصفه بأنه من كبار المشايخ، وأعظم مشايخ زمانه، وأنه من أهل الاستقامة... بينما نرى الجزائري يرمي الشيخ عبدالقادر الجيلاني بالزندقة وادعاء الربوبية والكفر وبأنه حلولي، ويمنع من الترضي عنه والترحم عليه، ويقول كما مر :","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"«والعجيب ممن يدعون التصوف اليوم أنهم إذا ذكروا هؤلاء الزنادقة الحلوليين يترضون عنهم ويترحمون عليهم، كأنهم لم يعلموا أن الرضا بالكفر كفر، وأن من يترحم على كافر فضلا عن أن يترضى عنه فقد ارتكب الجرائم، وجنى على نفسه أعظم جناية».\rفما هو رأي الجزائري ومن على منهجه في الشيخ ابن تيمية الذي يترضى عن الشيخ عبدالقادر ويعده من كبار المشائخ ؟؟ !!\r[منزلة الشيخ القادر الجيلاني في كاتب الحنابلة]\rوالشيخ عبد القادر الجيلاني إمام من أئمة الحنابلة، وقد ترجمت له كتب الحنابلة، فأخباره في ( مناقب الإمام أحمد ) لابن الجوزي، و ( مختصر الذيل على طبقات الحنابلة ) لابن نصر الله، و( المقصد الأرشد )، و( المنهج الأحمد ) و ( الدر النضيد )... وغيرها، وقد ذكر ترجمته الإمام ابن رجب الحنبلي في ( الذيل على طبقات الحنابلة ) فقال كما في ج 2 / 187:\r«عبد القادر بن أبي صالح بن عبدالله بن جنكي دوست بن أبي عبدالله بن عبدالله الجيلي، ثم البغدادي، الزاهد، شيخ العصر، وقدوة العارفين، وسلطان المشايخ، وسيد أهل الطريقة في وقته، محيي الدين أبو محمد، صاحب المقامات والكرامات، والعلوم والمعارف، والأحوال المشهورة...\rوذكره ابن السمعاني فقال : إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح، دين، خير، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة.. الخ ».\rفرجل هكذا قدره عند علماء الحنابلة يقوم أبوبكر الجزائري في كتابه ( الملخبط ) ويرميه بالكفر والزندقة !!\rوأما بالنسبة للكشف فإننا سنعارض الجزائري أيضا بكلام ابن تيمية ليتبين للقارئ جهله وجرأته وتناقضه .\rأما جهله فلأنه جهل حقيقة قول الصوفية عن الكشف وادعى عليهم ما لا يقولونه، وكذا جهل ما يقوله ابن تيمية في مسألة الكشف .\rوأما جرأته فلأنه تكلم فيما لا يعرفه في أمور متعلقة بالدين، وفي رميه شيخا كالشيخ عبدالقادر الجيلاني بالكفر والزندقة.","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"وأما تناقضه فلأنه بالرغم من اعتباره التصوف من شر البدع، وعده من يترضى عن الشيخ عبدالقادر الجيلاني مجرما جانيا، راضيا بالكفر، والرضا عن الكفر كفر كما يقول، إلا أنه مع ذلك يعتبر ابن تيمية كما في ص 4 من كتابه ( إلى التصوف.. ) إماما جليلا مجددا للدعوة السلفية.\rوقد مر بيان رأي ابن تيمية في الشيخ عبدالقادر، وسيأتي الآن كلام ابن تيمية بالنسبة للكشف والمكاشفة.\r[الكشف لدى ابن القيم]\rوقبل ذلك نذكر كلام تلميذه ابن القيم وهو يحظى بمكانة خاصة عند من يدعون السلفية أيضا، فيقول ابن القيم عن الكشف كما في كتابه (مدارج السالكين) ج 3 ص178 :\r«..إذا بلغ العبد مقام المعرفة إلى حد كأنه يطالع ما اتصف به الرب سبحانه من صفات الكمال ونعوت الجلال، وأحست روحه بالقرب الخاص الذي ليس هو كقرب المحسوس من المحسوس، حتى يشاهد رفع الحجاب بين روحه وقلبه وبين ربه ـ فإنه حجاب نفسه ـ وقد رفع الله سبحانه عنه ذلك الحجاب بحوله وقوته، أفضى القلب والروح حينئذ إلى الرب، فصار يعبده كأنه يراه، فإذا تحقق بذلك وارتفع حجاب النفس وانقشع عنه ضبابها ودخانها، وكشطت عنه سحبها وغيومها، فهناك يقال له :\rبدا لك سر طال عنك اكتتامه ولاح صباح كنت أنت ظلامه\rفأنت حجاب القلب عن سر غيبه ولولاك لم يطبع عليك ختامه\rفإن غبت عنه حل فيه وطنبت على منكب الكشف المصون خيامه»\rوقال في ص 181: «الكشف الصحيح أن يعرف الحق الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، معاينة لقلبه، ويجرد إرادة القلب له، فيدور معه وجودا وعدما، هذا هو التحقيق الصحيح، وما خالفه فغرور قبيح».\rوهناك كشف جزئي رحماني قد يحصل لمن وصل إلى درجة الإحسان ـ أي الذي يعبد الله كأنه يراه ـ وفي ذلك يقول ابن القيم في ( مدارج السالكين ) ص 183 :","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"«والكشف الرحماني من هذا النوع، هو مثل كشف أبي بكر لما قال لعائشة رضي الله عنها أن امرأته حامل بأنثى، وكشف عمر - رضي الله عنه - لما قال: يا سارية الجبل، وأضعاف هذا من كشف أولياء الرحمن.\rوالمقصود أن مراد القوم بالكشف في هذا الباب أمر وراء ذلك، وأفضله وأجله أن يكشف للسالك عن طريق سلوكه ليستقيم عليها، وعن عيوب نفسه ليصلحها، وعن ذنوبه ليتوب عنها.\rفما أكرم الله الصادقين بكرامة أعظم من هذا الكشف، وجعلهم منقادين له، عاملين بمقتضاه، فإذا انضم هذا الكشف إلى كشف تلك الحجب المتقدمة عن قلوبهم سارت القلوب إلى ربها سيرالغيث إذا استدبرته الريح». انتهى كلام ابن القيم.\r[الكشف عند ابن تيمية]\rوأما ابن تيمية فيعتبر(الكشف) من جنس خوارق العادات، وطريقا لمعرفة بعض الأمور الغيبية أو حوادث مستقبلية، فجاء في مجموع الفتاوى ج 4 ص 253 ما نصه:\r«سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا هم العبد بالحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة» الحديث.\rفإذا كان الهم سرا بين العبد وبين ربه فكيف تطلع الملائكة عليه ؟\rفأجاب :\rالحمد لله : قد روي عن سفيان بن عيينة في جواب هذه المسألة، قال: إنه إذا هم بحسنة شم الملك رائحة طيبة، وإذا هم بسيئة شم رائحة خبيثة.\rوالتحقيق : أن الله قادر أن يعلم الملائكة بما في نفس العبد كيف شاء، كما هو قادر على أن يطلع بعض البشر على ما في الإنسان.\rفإذا كان بعض البشر قد يجعل الله له من الكشف ما يعلم به أحيانا ما في قلب الإنسان فالملك الموكل بالعبد أولى بأن يعرفه الله ذلك».\rوقال ابن تيمية أيضا : «خوارق العادات إما مكاشفة، وهي من جنس العلم الخارق، وإما تصرف وهي من جنس القدرة الخارقة».\rـ مجموع الفتاوى لابن تيمية، المجلد العاشر ص 548، ومثله في العقيدة الواسطية ـ\rوقال في المجلد الحادي عشر ص 65 من مجموع الفتاوى : «وأما خواص الناس فقد يعلمون عواقب أقوام بما كشف الله لهم..».","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"ونكتفي بهذا القدر من كلام الشيخ ابن تيمية في الكشف، ولدينا مزيد ولكن اللبيب يكفيه ما نقلناه ليعلم به قيمة كتاب أبي بكر الجزائري الذي يدافع عنه المحاور في شريطه.\r[الكشف عند الصوفية]\rفـ( الكشف) مصطلح عند أهل التصوف على ما ينكشف لبعض الصالحين عن حال نفسه أو حال غيره، أو عن بعض العوالم الأخرى الغيبية، كعالم الملائكة والأرواح، لأن كل هذه الأمور كانت محجوبة ثم أظهرها الله تعالى وكشفها للبعض فاصطلح عليه القوم وسموه (الكشف)، وهو نوع من أنواع الفراسة الدقيقة ، و أمر خارق للعادة ـ كما قال ابن تيمية رحمه الله ـ، وقد استدل عليه أهل العلم بأدلة كثيرة، منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله» ـ رواه الطبراني بإسناد حسن ـ وقد شرح الحديث الإمام المناوي في ( فيض القدير ) ج 1 ص 185 شرحا حسنا مستشهدا به على كشف الصالحين.\rوكذلك استشهدوا له بقوله صلى الله عليه وسلم : « لقد كان فيمن كان قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر»\rـ متفق عليه واللفظ للبخاري ـ\rونقل الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث عن أهل العلم أنهم قالوا:\r«المحدث بالفتح هو الرجل الصادق الظن، وهو من ألقي في روعه شيء من الملأ الأعلى، فيكون كالذي حدثه غيره به». ـ الفتح ( 7 / 46 ) .\r[الكشف عند الشوكاني]\rوسنزيد المحاور والجزائري ومن على منهجهما كلاما لأحد أئمتهم عن المكاشفة، وهو الشوكاني، حيث يقول في رسالته (قطر الولي على حديث الولي ) ص 249:\r«وليس لمنكر أن ينكر على أولياء الله ما يقع منهم من المكاشفات الصادقة الموافقة للواقع، فهذا باب قد فتحه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد منهم فعمر منهم ».\rوفي لفظ في الصحيح : «إن في هذه الأمة محدثين وإن منهم عمر» والمحدث: الصادق الظن المصيب الفراسة.","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"وحديث «اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله» أخرجه الترمذي وحسنه....] إلى أن قال :\r«ولا مستنكر أن تظهر على يده ـ الولي ـ من الكرامات التي لا تنافي الشريعة، والتصرفات في مخلوقات الله عز وجل الوسيعة، لأنه إذا دعاه أجابه، وإذا سأله أعطاه.\rولم يصب من جعل ما يظهر من كثير من الأولياء من قطع المسافات البعيدة، والمكاشفات المصيبة، والأفعال التي تعجز عنها غالب القوى البشرية من الأفعال الشيطانية والتصرفات الإبليسية».\rـ انتهى ما أردنا نقله من كلام الشوكاني ـ\rفالكشف إذن مصطلح وضع لمعنى صحيح، وقد وقع ـ وما زال ـ لكثير من الصالحين الذين أكرمهم الله تعالى بذلك، ويعرف ذلك كل من يرجع إلى كتب تراجم الصحابة والتابعين والعلماء الصالحين، وقد نقل ابن القيم أيضا قصصا كثيرة من هذا النوع عن مجموعة من الصحابة وغيرهم في كتابه( الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ) وغيره.\rوقد نقلت كلام ابن تيمية وابن القيم في الكشف ليعلم القارئ أن هذا الأمر متفق عليه عند جمهور علماء الأمة الإسلامية حتى ابن تيمية وابن القيم، ولم أر من خالف وعارض إلا هذه الفئة التي خرجت على الجمهور وخرقت الإجماع وادعت التمسك بالكتاب والسنة ولكن للأسف لم توفق في مدعاها ـ هداها الله بلطفه ـ.\rهل الجفري يطعن في الأموات ؟\r[تعليق للمحاور]\rثم قال المحاور : «بل حتى الأموات لم يسلموا من لسان الجفري.\rالشيخ إحسان إلهي ظهير، ذلك البطل الذي أمضى حياته في الدفاع عن معتقد أهل السنة والجماعة، بل قدم حياته رخيصة من أجل الدفاع عن أصحاب محمد وأزواج محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.\rثم ماذا ؟ يأتي الجفري ويرميه بالانحراف في مذهبه ».\r[مقطع من كلام الجفري]\rثم جاء بمقطع من كلام الجفري يقول فيه: «وأيضا أحد الباكستانيين أو الهنود، اسمه إحسان إلهي ظهير، هذا الرجل نختلف نحن معه في الرأي، ونختلف نحن معه في الاعتقاد، لأن مذهبه منحرف».\r[تعقيب للمصنف]","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"أقول: في هذا المقطع لم يقم الحبيب علي الجفري بتكفير الشيخ إحسان إلهي ظهير، ولم يرمه بالفسق والفجور، أو بالبدعة والشرك والخروج من الملة.. بل قال إن (هذا الرجل نختلف نحن معه في الرأي، ونختلف معه في الاعتقاد، لأن مذهبه منحرف).\rومعنى أن مذهبه منحرف أي أن مذهبه غير موافق في بعض المسائل لمذهب جمهور أهل السنة والجماعة الذي ينتمي إليه الجفري.\rولكن المحاور ـ غفر الله له ـ أراد أن يهول الأمر، ويبين أن الشيخ علي الجفري يرد على الأموات من العلماء ويقع فيهم، فلم يجد أكبر من هذه الكلمة مع طول بحثه في أشرطة الشيخ، فاقتطع كلامه هذا مستشهدا به، ولا ندري ماذا كان بقية كلام الشيخ.\r[السلفية والقرضاوي]\rولو رجع المحاور إلى الكتب التي كتبها من هم على منهجه وإلى أشرطة أهل نحلته لرأى كيفية الوقيعة في علماء الأمة الإسلامية وأئمتها وكبار حفاظها، فاستسهلوا الوقيعة في الغزالي وإمام الحرمين وأبي القاسم القشيري والنسفي والرازي والنووي وابن حجر العسقلاني والسبكي والسيوطي وأئمة الإسلام جملة وتفصيلا قديما وحديثا، ورموهم بالبدعة والضلال والفسق، بل بالكفر والشرك والتذبذب والخلل في العقيدة، وكلامهم في ذلك معروف مشهور في كتبهم ومحاضراتهم ودروسهم لا داعي لذكره، وقد كان أبشع عنوان وقفت عليه في رد بعض من يدعي التمسك بالكتاب والسنة على الشيخ يوسف القرضاوي بعنوان ( إسكات الكلب العاوي يوسف القرضاوي )، فهل يليق أن يخاطب مسلم بمثل ذلك ؟؟\rوالغريب أن مؤلف هذا الكتاب الذي وصف بأوصاف كبيرة، وعظم تعظيما بليغا، فكتب على غلاف الكتاب : ( الشيخ المحدث العلامة مقبل بن هادي الوادعي ، نشر وتوزيع مكتبة الإدريسي الإسلامية السلفية) يستدل على صحة عنوانه من الكتاب والسنة أيضا !!!!","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"وانظر أيضا كتاب( نشر الصحيفة ) لأبي عبدالرحمن مقبل بن هادي الوادعي وقد جمع أقوالا في كفر وزندقة الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه، وانظر أيضا كتاب ( الطنطاوي في الميزان )، و ( القرضاوي في الميزان )، كلاهما بقلم سليمان بن صالح الخراشي، و ( القطبية هي الفتنة فاعرفوها ) بقلم أبي إبراهيم بن سلطان العدناني، وكتاب ( زندقة الجيلي ) تأليف عبدالرحمن الوكيل، وكتاب ( حوار مع المالكي في رد منكراته وضلالته ) تأليف عبدالله بن سليمان بن منيع، و كتاب ( المنخل لغربلة خرافات ابن الحاج في المدخل ) و ( فتح المعبود في بيان الهفوات في كتاب بذل المجهود ) كلاهما تأليف محمد الخميس، و( الأخطاء الأساسية في العقيدة وتوحيد الألوهية من كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري ) جمع عبدالله بن سعدي الغامدي، وغيرها من الكتب التي يكتبها كثير من الذين يدعون التشبه بالسلف ويقومون من خلالها بالطعن في الأموات والأحياء من المسلمين ورميهم بالابتداع والضلال والكفر والشرك والخروج من الملة.\rبل صار أصحاب هذا المنهج المبتدع يقعون في بعضهم ويصنف بعضهم بعضا : أمن أهل الحق أم من أهل الضلال والبدعة ؟؟!!\rوهكذا يكون جزاء الوقيعة في علماء الأمة وصالحيها، مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري : «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب»، اللهم إنا نعوذ بك من الوقيعة في أوليائك والصالحين من عبادك.\rالمولد النبوي هل هو بدعة محرمة ؟\r[مقتطفات من كلام الجفري]\rجاء المحاور بمقطع من كلام الشيخ علي الجفري وهو يؤيد المولد ويقول :\r«المولد سنة مؤكدة، لا نقول مباح، بل سنة مؤكدة ».\r[اعتراض المحاور]\rثم اعترض المحاور كيف أن المولد سنة مؤكدة، مع أن السنة المؤكدة لا تقال إلا لما واظب عليها النبي - صلى الله عليه وسلم -.\r[حول الاحتفال بالمولد]\rفنقول في رد اعتراضه :","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"نص جمع كبير من كبار الأئمة أن المولد ـ والذي هو إظهار الفرح بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة.\rومجرد إظهار الفرح شكرا لله تعالى على نعمة ولادة النبي صلى الله عليه وسلم اصطلح كثير من أهل العلم على تسميته بـ ( المولد ).\rوقد سماه الجفري سنة مؤكدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم هذا اليوم ويواظب عليه، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين قال : «ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت فيه أو أنزل علي فيه ».\rقال الصنعاني في ( سبل السلام ) ج 2 ص 166 وهو يشرح هذا الحديث :\r«وعلل صلى الله عليه وسلم شرعية صوم يوم الاثنين بأنه ولد فيه وبعث فيه. وفيه دلالة على أنه ينبغي تعظيم اليوم الذي أحدث الله فيه على عبده نعمة بصومه والتقرب فيه».\rولهذا سمى الجفري المولد ـ والذي قد يكون بمجرد الصيام ـ أو بأي عمل آخر فيه طاعة ـ كقراءة القرآن والذكر والصلاة على الرسول ومدحه صلى الله عليه وسلم ـ سنة مؤكدة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم واظب على عبادة الصيام في هذا اليوم.\rومع ذلك نحن نقول إن الصيام في ذلك اليوم هو السنة المؤكدة، أما ما جاء مندوبا تحت التعليل فنقول بسنيته دون التأكيد، والذي أظنه أن الشيخ علي الجفري تسمح في إطلاق التأكيد عليه إلا إن غلب الصيام على باقي صور الفرح به صلى الله عليه وسلم ، وعلى فرض أن الحبيب علي الجفري أخطأ في التعبير فالأمر هين، خلافا لفعل المحاور حين قام بتحريم المولد وتابع من شذ في ذلك.\r[عودة للمحاور]\rثم قال المحاور في معرض الرد عليه :\r[بل صرح الأئمة الحفاظ كابن حجر وغيره بأن أصل عمل المولد بدعة لم ينقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة].\r[تعقيب للمصنف]","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"أقول : لقد قام المحاور هنا بالتدليس القبيح، حيث جاء بجزء من كلام الحافظ ابن حجر وحذف الباقي، وذلك لأن الحافظ ابن حجر ـ وكذلك غيره من أهل العلم ـ يقسمون البدع إلى حسنة وسيئة، ولو كان المحاور أتى بكلام الحافظ بتمامه لتبين لنا أنه يجوز عمل المولد الخالي من المنكرات ويعده من البدع الحسنة، بل ويستدل عليه من السنة.\rوها أنا أنقل نص كلام الحافظ ابن حجر كما نقله السيوطي في رسالته ( حسن المقصد في عمل المولد ) من غير تدليس :\rقال الحافظ السيوطي في رسالته ( حسن المقصد في عمل المولد ) وهي من جملة ( الحاوي للفتاوي ) ما نصه :\r[جواب الحافظ ابن حجر في المولد]\r«سئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل أحمد بن حجر عن عمل المولد فأجاب بما نصه :\rأصل عمل المولد بدعة، لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة، وإلا فلا.\rوقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم، فقالوا : هو يوم أغرق فيه فرعون، ونجى موسى، فنحن نصومه شكرا لله تعالى.\rفيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة، كالسجود، والصيام، والصدقة، والتلاوة.\rوأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي، نبي الرحمة في ذلك اليوم.\rوعلى هذا ينبغي أن يتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسع قوم فنقلوه إلى أي يوم من السنة وفيه ما فيه، فهذا أصل عمله.\rوأما ما يعمل فيه : فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم شكر الله تعالى من نحو ما تقدم من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة.","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال : ما كان من ذلك مباحا بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه، وما كان حراما أو مكروها فيمنع، وكذا خلاف الأولى».\rـ انتهى كلام الحافظ ابن حجر كما نقله السيوطي ـ\rفانظروا كيف أن المحاور الناصح أوهم أن الحافظ لا يجوز المولد، بينما علمنا مما مر أن الحافظ يعد الاحتفال بالمولد النبوي من البدع الحسنة ويستدل عليها أيضا.\r[تعليق المحاور]\rثم قال المحاور : [هل يعرف الجفري أن الإمام الفاكهاني قال ببدعية المولد النبوي ؟ هل يعرف الجفري أن ابن الحاج المالكي في (المدخل) قال ببدعية المولد النبوي ؟\rهل يعرف الجفري أن العلامة محمد بخيت المطيعي الحنفي مفتي جمهورية مصر أفتى ببدعية المولد النبوي؟\rهل يعرف الجفري أن علامة الهند شمس الحق العظيم آبادي قال ببدعية المولد النبوي ؟\rهل يعرف الجفري أن الشيخ بشير الدين قنوجي ألف كتابا في بدعية المولد النبوي ؟... ].\r[الرد على المحاور]\rو نرد على هذا الكلام من خلال عدة نقاط فنقول :\r1 ـ زعمت أيها المحاور أن الحافظ ابن حجر أيضا قال ببدعية المولد النبوي، ثم بعد التحقيق تبين أنه يقول أن المولد بدعة حسنة، إذن لا نستطيع أن نثق بكلامك بالنسبة لكل من نقلت عنهم، فربما دلست عليهم أيضا.\r2 ـ لو افترضنا أن من ذكرتهم قالوا فعلا بعدم جواز عمل المولد النبوي، فهذا لا يلزم الجفري الأخذ برأيهم، لأن الشيخ الجفري شافعي المذهب، وقد نص كبار علماء الشافعية على جواز عمل المولد، وأما من ذكرت أسماءهم فهم على غير مذهب الجفري، وعلى هذا فكان من الأفضل أن تقول أن المسألة خلافية، جوزها جمع كبير من العلماء، ولم يجوزها بعضهم.\rولكن المصيبة التي تثير الفتن هي أن الخصم دائما يريد أن يلزم الشيخ رأيا واحدا، ولا يعتبر خلاف أهل العلم في هذه المسائل الفرعية، أي يتبع سياسة ( إلغاء الغير ) وهذا هو التعصب المذموم.","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"3 ـ إن الذين أشاروا إلى جواز عمل المولد أكبر منزلة وأعلى درجة في العلم وأكثر عددا ممن ذكرت أسماءهم، فيكونون هم أولى بالاتباع ممن ذكرتهم.\rفهل تعلم أن الإمام أبا الخطاب ابن دحية جوز عمل المولد، وألف في ذلك كتاب( التنوير في مولد البشير النذير ) ؟\rوهل تعلم أن الإمام الحافظ العلامة شمس الدين السخاوي جوز عمل المولد ؟\rوهل تعلم أن إمام القراء شمس الدين ابن الجزري جوز عمل المولد وألف في ذلك كتابا سماه ( عرف التعريف بالمولد الشريف ) ؟\rوكذلك الحافظ تقي الدين السبكي، والحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي وألف في ذلك ( مورد الصادي في مولد الهادي )، والشيخ أبوالطيب محمد بن إبراهيم السبتي المالكي، والحافظ ابن جماعة، والحافظ السيوطي وعمل في جوازه كتابا سماه ( حسن المقصد في عمل المولد ) ، والحافظ محمد بن أبي بكر القيسي الدمشقي، وألف في جواز عمل المولد عدة رسائل، منها ( جامع الآثار في مولد النبي المختار )، و ( اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق ).\rوهل تعلم أن من الحفاظ الذين أجازوا عمل المولد الحافظ الكبير زين الدين العراقي، وألف فيه ( المورد الهني في المولد السني )، والشيخ ملا علي القاري، وألف رسالته ( المورد الروي في المولد النبوي )، والإمام أبو شامة شيخ الإمام النووي، والإمام شهاب الدين القسطلاني في كتابه ( المواهب اللدنية )، والعلامة ابن عابدين، والإمام ابن حجر الهيتمي، والفقيه السيد البكري، ومفتي الشافعية في مكة المكرمة الشيخ أحمد زيني دحلان ؟؟\rوقد بسطت الكلام على المولد وتاريخه، وأدلته، والمجوزين له في رسالة ( بسط الكلام في مولد خير الأنام ) يسر الله تعالى طبعه.\rوقد استدل القائلون بجواز عمل المولد بأدلة نقلية وعقلية كثيرة جدا، وحسبك الرجوع إلى ما كتبه السيوطي في رسالته (حسن المقصد في عمل المولد ).","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"فماذا يعيب الجفري إذا تبع هؤلاء الأئمة وخاصة علماء مذهبه من الشافعية في القول بجواز عمل المولد واستحبابه ؟\r4 ـ لقد نقل المحاور أسماء بعض أهل العلم وادعى أنهم قالوا عن المولد بأنه بدعة، والظاهر أنه نقل ذلك من رسالة الإمام السيوطي ( حسن المقصد في عمل المولد )، والسيوطي رحمه الله نقل كلام هؤلاء كالفاكهاني وابن الحاج المالكي ثم قام بالرد عليه أو توجيهه، فكان من الأجدر أن يقول المحاور على أقل تقدير عن المسألة إنها من المسائل الخلافية الفرعية، مع أن جمهور الأئمة الذين تكلموا في هذه المسألة أشاروا إلى جواز عمل المولد واستحبابه.\rثم إن ابن الحاج المالكي لم يذم جميع أصل المولد، بل ذم المولد الذي اشتمل على المحرمات والمنكرات، وقد بين السيوطي ذلك فقال: «وقد تكلم الإمام أبوعبدالله بن الحاج في كتابه (المدخل) على عمل المولد، فأتقن الكلام فيه جدا، و حاصله مدح ما كان فيه من إظهار شعار وشكر، وذم ما احتوى عليه من محرمات ومنكرات..»\rـ انظر ( الحاوي للفتاوي ) للإمام السيوطي ج 1 / 193 ـ\r[مع ابن الحاج المالكي]\rويجدر بنا أن نذكر أن ابن الحاج المالكي الذي اعتبره المحاور من جملة العلماء يعتبره كثير من مدعي السلفية كافرا أو ضالا، لأنه قبوري يجوز التوسل والاستغاثة بغير الله ـ على زعمهم ـ .\rوإليك بعض نصوصهم الدالة على ذلك :\rجاء في كتاب ( المنخل لغربلة خرافات ابن الحاج في المدخل ) تأليف د. محمد عبدالرحمن الخميس : «.. ولكنه ـ ابن الحاج ـ شحنه ـ أي شحن كتابه ـ ببدع أخرى، ولا سيما بدع القبورية وخرافاتهم، وشركياتهم، واستغاثاتهم بالأموات عند إلمام الملمات.. » ـ المنخل، ص 7 ـ\rوقال الخميس في ص 13 من كتابه :\r«قال صاحب المدخل :«ثم يتوسل بأهل تلك المقابر: أعني بالصالحين منهم في قضاء حوائجه، ومغفرة ذنوبه.. ».","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"قلت : زيارة القبور لأجل التوسل بأهل المقابر والاستغاثة بهم في قضاء الحوائج وغفران الذنوب هي عين الوثنية الجاهلية، ولا يمت ذلك بأي صلة للشرع السماوي ودين التوحيد..»\rوقال الخميس في ص 16 : «قال المصنف ( ابن الحاج ) : « فمن أراد حاجة فيذهب إليهم ويتوسل بهم، فإنهم الواسطة بين الله تعالى وخلقه».\rقلت : هذا شرك صراح لوجهين :\rالأول : هذه الواسطة هي بعينها عقيدة المشركين الأولين في الواسطة..] ثم قال : [فهذا من أعظم الشرك، الذي كفر الله به المشركين الأولين، فمن اعتقد هذا فهو كافر بدين الله، ومشرك بالله، يجب أن يستتاب، فإن تاب فبها ونعمت، وإلا فهو مرتد عن دين الله خارج عن الإسلام كافر حلال الدم يجب أن يقتل قتل المرتد...».\rوقال الخميس في ص 37 : «قول صاحب المدخل : «ويستغاث بهم ويطلب حوائجه منهم، ويجزم بالإجابة ببركتهم.. ».\rأقول : الآن تأكد أن ابن الحاج من أعظم دعاة القبورية، فإن الاستغاثة بالأحياء الغائبين أو الأموات، بل الأحياء الحاضرين فيما لا يقدر عليه إلا الله الشرك الأكبر والكفر الأصرح الأشد.. وهذا بعينه هو شرك الوثنية..».\rوويقول الخميس ص 41 من ( منخله ) : «بلغ المصنف النهاية في الدعوة إلى القبورية وتجرد في ذلك..».\rوقد ملأ محمد عبدالرحمن الخميس كتابه ( المنخل ) بما يدل على تضليله لابن الحاج وغيره من علماء الإسلام، وقد وقع في الإمام الغزالي والسيد البكري وغيرهم من أهل العلم، وهذا إن دلنا على شئ فإنما يدل على ما أكدناه في مقدمة هذه الرسالة على المنهج التكفيري المتطرف الذي ينتهجه كثير من دعاة السلفية اليوم.\r[ابن تيمية في ميزان المطيعي]","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"وأما نقل المحاور عن الشيخ محمد بخيت المطيعي، فنطالبه بنقل كلامه حتى يتبين الحق، ونشكره أنه وصف الشيخ محمد بخيت المطيعي بـ (العلامة)، وبما أنه علامة عنده فإننا سننقل له بعض كلام هذا العلامة ـ مع طوله ـ من كتابه (تطهير الفؤاد من دنس الاعتقاد) فليقرأه وليعتبر بكلام هذا العلامة :\rقال الشيخ محمد بخيت المطيعي رحمه الله في الكتاب المذكور ص 7 :\r«.. ومن الفريق الثاني الذي طمس الله على قلبه وطبع عليه : أهل البدع في العقائد والأعمال، الذين خالفوا الكتاب والسنة والإجماع، فضلوا وأضلوا كثيرا، قاتلهم الله أنى يؤفكون، ومأواهم جهنم وساءت مصيرا.\rوقد ابتلي المسلمون بكثير من هذا الفريق سلفا وخلفا، فكانوا وصمة وثلمة في المسلمين، وعضوا فاسدا يجب قطعه، حتى لا يعدي الباقي، فهو المجذوم الذي يجب الفرار منه.\rومنهم ابن تيمية الذي ألف كتابه المسمى بـ (الواسطة) وغيره، فقد ابتدع ما خرق به إجماع المسلمين، وخالف فيه الكتاب والسنة الصريحة، والسلف الصالح، واسترسل مع عقله الفاسد، وأضله الله على علم، فكان إلهه هواه ظنا منه أن ما قاله حق، وما هو بالحق، وإنما هو منكر من القول وزور».\rإلى أن قال :\r«ولما أن تظاهر قوم في هذا العصر بتقليد ابن تيمية في عقائده الكاسدة، وتعضيد أقواله الفاسدة، وبثها بين العامة والخاصة، استعانوا على ذلك بطبع كتابه المسمى بالواسطة، ونشره، وقد اشتمل هذا الكتاب على كثير مما ابتدعه ابن تيمية مخالفا في ذلك الكتاب والسنة، وجماعة المسلمين، فأيقظوا فتنة كانت نائمة.","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"فقياما بما يجب علينا، كنا عزمنا على جمع مؤلف في الرد على ذلك الكتاب حتى لا يقع المسلمون بواسطة ابن تيمية ومن هم على شاكلته في مهواة الضلال والهلاك الأبدية، غير أنا وجدنا كتاب الإمام الجليل والمجتهد الكبير تقي الدين أبي الحسن السبكي المسمى بـ ( شفاء السقام في زيارة خير الأنام ) أو ( شن الغارة على من أنكر فضل الزيارة ) وافيا بالغرض المقصود، آتيا على ما قاله ابن تيمية في ذلك الكتاب وغيره، مقوضا لبنيانه، مزعزعا لأركانه، ماحيا لآثاره، ماحقا لأباطيله، مظهرا لفساده، مبينا لعناده، فاكتفينا بطبعه ونشره بين المسلمين، ليطلعوا عليه ويعلموا سوء المقاصد، وباطل العقائد، فيسلكوا سبيل الرشاد والسداد، ويعرضوا عن طرق الغي والعناد، ويضربوا بما قاله ابن تيمية وأمثاله عرض الحائط، والله من ورائهم محيط»\rـ انتهى كلام العلامة الشيخ محمد بخيت المطيعي ـ\r[تدليس قبيح من المحاور]\rفتمعن أيها المحاور في كلام من وصفته بـ ( العلامة )، كيف أنه يرد على المنهج الذي ينتهجه كثير من مدعي السلفية.\rهذا وقد ادعى المحاور أن الشيخ العلامة المطيعي قال عن المولد إنه بدعة، وهذا تدليس قبيح من المحاور أيضا، إما قصدا وإما جهلا، وكلاهما مر.\rإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم\rفبعد الرجوع إلى كتاب الشيخ محمد بخيت المطيعي نرى أنه لم ينكر المولد، وإنما أنكر بعض المنكرات التي قد تقع في بعض الموالد، فارجعوا إلى كتابه ( أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام ) لتروا ذلك بأم أعينكم وتتأكدوا كيف أن بعض الذين يدعون التمسك بالكتاب والسنة يقلبون الحقائق ويقومون بالتدليس والتزوير من أجل الوصول إلى غايتهم، والخوف كل الخوف على القراء العوام المساكين الذين يقرؤون ويصدقون.\rوإليكم بعضا من كلام الشيخ المطيعي ( مفتي مصر ) في الكتاب المذكور، فيقول رحمه الله ص 30 :","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"«وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الصلاة والسلام عليه- صلى الله عليه وسلم -، ومن هذا القبيل أيضا الاجتماع للقراءة، واستماع نحو قصة المعراج، وفضائل ليلة النصف من شعبان، وليلة القدر، وقراءة قصة المولد في لياليها المشهورة....\rوقصة المولد هي عبارة عن بيان تاريخ ولادته، وما حصل له في ذلك الوقت من العجائب، وخوارق العادات، وإظهار الفرح والسرور بظهور سيد الكائنات، مما يدل على كمال المحبة لجنابه الأعظم».\rوقال أيضا بعد أن ذكر كلام الحافظ ابن حجر في جواز عمل المولد مقرا له ص 67 :\r«وعلى كل حال فالشرط في كون فعل شيء من الطاعات بدعة حسنة، أو فعل شيء من المباحات بدعة مباحة، أن يقتصر على ما هو طاعة وما هو مباح فقط، كما هو صريح قول ابن حجر «فمن تحرى في عمله المحاسن وتجنب ضدها كانت بدعة حسنة، ومن لا فلا»، وهذا هو الذي يقتضيه الدليل أيضا».\rفيتبين من كلام الشيخ المطيعي أنه يقر كلام الحافظ ابن حجر بأن عمل المولد الخالي من المنكر بدعة حسنة، يدل على كمال المحبة لجنابه الأعظم صلى الله عليه وسلم. ولكن المحاور أوهمنا أن العلامة المطيعي يقول بخلاف ذلك، فنعظم للمحاور أجره ونقول له كما قال هو في شريطه في غير محله :\r«إنا لله وإنا إليه راجعون، عظم الله أجورنا في الأمانة العلمية»\rرأي المحاور في مسألة التوسل والرد عليه\r[تعليقات للمحاور ممزوجة بكلام للجفري]\rبعد أن انتهى المحاور من كلامه حول المولد، أراد أن يبين أن التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وندائه كفر وشرك، وأن فاعل ذلك كأنه اتخذ إلها آخر دون الله سبحانه وتعالى. فقال ـ غفر الله له ـ :\r[قال الخطيب الشربيني الشافعي في شرحه لمتن أبي شجاع ـ بعد تعداد صور يكفر بها المسلم ـ قال : «وهذا باب لا ساحل له »].\rثم جاء بكلام مفاده أن من يقول ( يا رسول الله ) ويطلب منه أن يستغفر له كأنه يدعو إلها غير الله.","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"ثم جاء بمقاطع من كلام الشيخ الجفري ـ قصها كما أراد ـ وجعلها في محل المعارضة لبعض الآيات القرآنية.\rوإليكم بيان ذلك :\rقال المحاور الناصح : «القرآن الكريم يأمرنا بالتوجه إلى الله وحده بالدعاء، «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب»\rلكن الجفري يقول : ( يا رسول الله ).\r« فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون »».\rثم جاء مباشرة بمقطع من كلام الجفري يقول فيه: «ومحمد يقول أنا لها، هو غياثنا في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة ».\rثم أتبع كلام الشيخ بآية : «أإله مع الله بل هم قوم يعدلون».\rثم قال :\r«القرآن الكريم يأمرنا بالتوجه إلى الله وحده بالدعاء، «أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون»، لكن الجفري يقول: «حتى إذا وقف أمام الشباك استشعر رسول الله، واستشعر أن المصطفى أمامه، وأنه يسمعه، وأنه يجيبه - صلى الله عليه وسلم -وعلى آله، ويطلب من رسول الله أن يستغفر له الله تعالى، فإنه يسمع ».\r«وقال ربكم ادعوني أستجب لكم »\r«يا رسول الله » ـ مقطع من كلام الجفري ـ\r«إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين»».\rانتهى كلام المحاور، ويظهر فيه مدى احترامه للشيخ علي الجفري عندما يأتي بمقاطع من كلام الشيخ ثم يتبعه بقوله تعالى : «إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين»، فأي احترام هذا؟\r[المحاور يكفر المتوسلين]\rويظهر من كلام المحاور أيضا أنه يكفر من يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ويناديه، وإلا فما معنى اتباع قول الجفري «يا رسول الله» بقوله تعالى : «إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين»؟؟\rوهذا يعني أن الحبيب علي الجفري صدق عندما قال عن بعض خصومه إنهم معول هدم في هذه الأمة، لأنهم يكفرون غيرهم من أئمة الإسلام ـ الذين يجوزون التوسل والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم ـ.\rوأما في تفصيل الرد على المحاور فيما نقله وادعاه فنقول :","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"نقلت قول الخطيب الشربيني في أن صور الكفر ( باب لا ساحل له )، وقد أوهمت بذلك أن التوسل به صلى الله عليه وسلم ونداءه يدخل في ضمن هذه الصور، فيا ليتك نقلت قول الخطيب الشربيني عند كلامه في كيفية زيارة النبي صلى الله عليه وسلم.\rوسوف أنقل ـ لك ولجميع القراء ـ نص كلامه في كيفية زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ليتبين لنا هل الخطيب الشربيني عد التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ومخاطبته من صور الشرك أم لا ؟ فتدبر :\r[من كتاب مغني المحتاج]\rيقول الخطيب الشربيني وهو يشرح كلام النووي (تسن زيارة قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد فراغ الحج) في كتاب (مغني المحتاج): «.. ثم يأتي القبر الشريف فيستقبل رأسه، ويستدبر القبلة، ويبعد عنه نحو أربعة أذرع، ويقف ناظرا إلى أسفل ما يستقبله في مقام الهيبة والإجلال، فارغ القلب عن علائق الدنيا، ويسلم عليه صلى الله عليه وسلم لخبر «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام»، رواه أبو داود بإسناد صحيح.\rوأقل السلام عليه : السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rولا يرفع صوته تأدبا معه - صلى الله عليه وسلم -كما كان في حياته، ثم يتأخر إلى صوب يمينه قدر ذراع، فيسلم على أبي بكر رضي الله عنه، فإن رأسه عند منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يتأخر قدر ذراع آخر فيسلم على عمر رضي الله تعالى عنه، لما روى البيهقي أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان إذا قدم من سفره دخل المسجد ثم أتى القبر الشريف فقال : السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبابكر، السلام عليك يا أبتاه.\rثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجهه - صلى الله عليه وسلم -، ويتوسل به في حق نفسه، ويستشفع به إلى ربه..» إلى أن قال: «ومن أحسن ما يقوله الزائر بعد ذلك:\rيا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم\rروحي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"أنت الحبيب الذي ترجى شفاعته يوم الحساب إذا ما زلت القدم.. »\rـ انتهى النقل من كلام الخطيب الشربيني من المغني ج 1 ص 513 طبعة الحلبي ـ\rومن كلام الخطيب يتبين لنا أنه لم يعد التوسل والنداء من صور الشرك الذي سيدخل أصحابه نار جهنم، بل نراه رغب في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وندائه، وجعله من آداب الدعاء والزيارة.\rوما قاله الخطيب الشربيني هو مذهب الشافعية، وقد نص عليه الإمام النووي وغيره من أئمتنا.\r[قصة العتبي]\rوفي ذلك يقول الإمام النووي رحمه الله في كتابه ( الإيضاح ) وهو يشرح كيفية زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم :\r«.. ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويتوسل به في حق نفسه، ويتشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى.\rومن أحسن ما يقول ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحسنين له، قال: كنت جالسا عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول : «ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما»، وقد جئتك مستغفرا من ذنبي، مستشفعا بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول :\rيا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم\rنفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم\rأنت الشفيع الذي ترجى شفاعته على الصراط إذا ما زلت القدم\rوصاحباك فلا أنساهما أبدا مني السلام عليكم ما جرى القلم\rقال: ثم انصرف فغلبتني عيناي، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -في النوم فقال: «يا عتبي الحق الأعرابي وبشره بأن الله تعالى قد غفر له »».\rـ انتهى كلام النووي من ( الإيضاح ) ص 454، ومثله في كتاب ( المجموع ) و( الأذكار) ـ","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"وقد ذكر قصة العتبي وشعره على سبيل الاستحسان ومن غير إنكار ابن عاسكر في تاريخه، و ابن الجوزي في ( مثير الغرام )، وابن قدامة الحنبلي في ( المغني )، و الحافظ السخاوي في كتابه ( القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع ) ص 167، و ابن كثير في تفسيره في سورة النساء، وأيضا الإمام البهوتي الحنبلي في ( كشاف القناع عن متن الإقناع ) ج 4 ص 1201، وغيرهم كثير، وبعض أبيات العتبي مكتوبة إلى الآن بفضل الله فوق أبواب الغرفة النبوية الشريفة.\rونرجع إلى مقصودنا فنقول: القول بجواز التوسل واستحبابه هو قول جمهور علماء أهل السنة والجماعة، بل هو قول المسلمين بجميع فرقهم ومذاهبهم ـ إلا المذهب الذي ينتسب إليه مدعو السلفيةـ، وإليكم بعض نصوص العلماء ـ إضافة إلى ما سبق ـ في هذه المسألة :\rبيان مذهب الشافعية في التوسل\rـ وهو مذهب الشيخ الجفري ـ\rأما الشافعية فإنهم يستحبون التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، كما مر سابقا، ويقول أيضا الإمام أبو الحسين العمراني المتوفى سنة 558 هـ في كتابه (البيان) ج 2 ص 677 ما نصه:\r«ويستحب أن يستسقي بأهل الصلاح من أقرباء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لما روي أن عمر استسقى بالعباس بن عبد المطلب، وقال: اللهم إنا كنا إذا قحطنا.. توسلنا إليك بنبيك، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك، فاسقنا، فسقوا.\rفإن لم يكن هناك أحد من أهل الصلاح من أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم استسقى بأهل الصلاح من غيرهم، لما روي أن معاوية استسقى بيزيد بن الأسود، وقال : اللهم إنا نستسقي إليك بخيرنا وأفضلنا، اللهم وإنا نستسقي إليك بيزيد بن الأسود..».\rوكذلك قال الإمام النووي في (الأذكار) [باب الأذكار في صلاة الاستسقاء] حيث قال ص 220 :\r«ويستحب إذا كان فيهم رجل مشهور بالصلاح أن يستسقوا به فيقولوا :\r«اللهم إنا نستسقي ونتشفع إليك بعبدك فلان».","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"وروينا في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبدالمطلب، فقال : اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا صلى الله عليه وسلم، فاسقنا، فيسقون.\rوجاء الاستسقاء بأهل الصلاح عن معاوية وغيره».\rوأثر استسقاء معاوية بيزيد بن الأسود قال عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني: [ـ أخرجه ـ أبو زرعة الدمشقي في تاريخه بسند صحيح، ورواه أبو القاسم اللالكائي في (السنة) في ( كرامات الأولياء )].\rـ ( تلخيص الحبير) لابن حجر ج 2 ص 106 كتاب (صلاة الاستسقاء) ـ\rو يقول إمام القراء شمس الدين ابن الجزري الشافعي في كتابه (الحصن الحصين) في (آداب الدعاء):\r«وأن يتوسل إلى الله بأنبيائه والصالحين من عباده»، ويقول أيضا:\r«فصل في أماكن الإجابة، وهي المواضع المباركة..\rوعند قبور الأنبياء عليهم السلام، ولا يصح قبر نبي بعينه سوى قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالإجماع فقط، وقبر إبراهيم عليه السلام داخل السور من غير تعيين، وجرب استجابة الدعاء عند قبور الصالحين بشروط معروفة».\rفهذا إمام القراء يعد التوسل بالأنبياء والصالحين من آداب الدعاء، وهو بذلك يكون ـ في فهم مدعي السلفية ـ قد أمر الناس أن يدعوا ويتخذوا إلها غير الله تعالى، فالعجب كيف أنه يستأمن ويؤخذ منه علوم القرآن وأحكام التجويد ؟؟!!\rوكذلك بقية أئمة الشافعية أشاروا إلى جواز التوسل واستحبابه في كتبهم، ولم يعدوه من أنواع الشرك، والشيخ علي الجفري شافعي المذهب فلا عجب أن يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم.\rثم إننا نرى أن الفقهاء يتعرضون لمسألة التوسل في كتبهم الفقهية أثناء كلامهم على صلاة الاستسقاء أو كلامهم حول زيارة النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من مناسك الحج والعمرة.\rوهذا يعني أن التوسل عندهم من الفروع والمسائل الفقهية وليس من مسائل العقيدة، وفي ذلك يقول الشيخ حسن البنا :","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"«والدعاء إذا قرن بالتوسل إلى الله بأحد من خلقه خلاف فرعي في كيفية الدعاء، وليس من مسائل العقيدة».\rـ ( رسالة التعاليم ) للشيخ حسن البنا، ص 358 ضمن مجموع الرسائل ـ\rولكن المحاور الناصح ـ ومن على منهجه ـ للأسف لم يتبع فقهاء الأمة الإسلامية في هذه المسألة، بل رأيناه اعتبر ذلك من أهم مسائل العقيدة، وأن من يفعل ذلك يستحق أن ينزل عليه قوله تعالى «إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين»، وإذا كان كذلك فإن جهنم ـ والعياذ بالله ـ ستمتلئ بعلماء الأمة الإسلامية وحفاظها وفقهائها وقرائها، لأن جلهم قالوا بجواز التوسل.\rمذهب الحنابلة في التوسل\rوكذلك الحنابلة يجوزون التوسل، بل يرون استحبابه في المعتمد في المذهب، وفي ذلك يقول الإمام ابن مفلح الحنبلي المتوفى سنة 884 هـ في كتابه (المبدع في شرح المقنع) ج 2 ص 204 ما نصه :\r«فائدة: يستحب الاستسقاء بمن ظهر صلاحه، لأنه أقرب إلى الإجابة.\rوقد استسقى عمر بالعباس، ومعاوية بيزيد بن الأسود، واستسقى به الضحاك بن قيس مرة أخرى، ذكره المؤلف، وقال السامري وصاحب (التلخيص): لا بأس بالتوسل في الاستسقاء بالشيوخ، والعلماء المتقين.\rوقال في (المذهب): ويجوز أن يستشفع إلى الله برجل صالح، وقيل: يستحب.\rقال أحمد في (منسكه) الذي كتبه للمروزي: إنه يتوسل بالنبي- صلى الله عليه وسلم - في دعائه، وجزم به في ( المستوعب ) وغيره».\rالصحابة و جمهور الأمة على جواز التوسل\rوكذلك بقية المذاهب الإسلامية يجوزون التوسل، وفي ذلك يقول المناوي في (فيض القدير) ج 2 ص 170 :\r«قال السبكي : ويحسن التوسل والاستعانة والتشفع بالنبي إلى ربه، ولم ينكر ذلك أحد من السلف ولا من الخلف، حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك، وعدل عن الصراط المستقيم، وابتدع ما لم يقله عالم قبله، وصار بين أهل الإسلام مثلة ».\rو يقول الشوكاني في كتابه (تحفة الذاكرين) ص 162 بعد أن ذكر حديث عثمان بن حنيف في جواز التوسل:","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"«وفي هذا الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الله عز وجل، مع اعتقاد أن الفاعل هو الله سبحانه وتعالى، وأنه المعطي المانع، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن».\rويقول أيضا في رسالته (الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد):\r«لا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به صلى الله عليه وسلم في حياته، وثبت التوسل بغيره بعد موته بإجماع الصحابة إجماعا سكوتيا، لعدم إنكار أحد منهم على عمر - رضي الله عنه - في توسله بالعباس رضي الله عنه».\rوالشوكاني ـ رحمه الله ـ كان زيديا ثم طلب رتبة الاجتهاد، ويحظى بمكانة خاصة عند من يدعون السلفية ومع ذلك فإنه كما سبق يجوز التوسل، وينقل إجماع الصحابة على جوازه.\r[ابن تيمية يعدل عن منع التوسل]\rبل إن ابن كثير ينقل عن ابن تيمية رجوعه إلى جواز التوسل كما في (البداية والنهاية) ج 14 ص 45 ، وكذلك ممن أشار إلى رجوع ابن تيمية إلى جواز التوسل ابن رجب الحنبلي في (ذيل طبقات الحنابلة) 4/515، وابن عبدالهادي في (العقود الدرية).\rولا أدري بعد هذا لماذا ينكر المحاور على الشيخ علي الجفري قوله بجواز التوسل والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم ؟\rبل يجب الإنكار على من يقول بخلاف ذلك، فسبحان الله كيف انقلبت الحال حتى عد المعروف منكرا، والمنكر معروفا !!\rثم ما هذه الجرأة من المحاور على قص كلام الشيخ علي الجفري ( يا رسول الله ) ووضعه بين قوله تعالى : «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب» وبين قوله «أإله مع الله» و «إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين»، أيريد أن يضطره إلى الكفر اضطرارا ؟؟ !!\rهل قول الشيخ علي الجفري (يا رسول الله) أو (يا محمد) يستلزم أنه اتخذ إلها مع الله وأنه استكبر عن عبادته ؟؟!!\r[ابن تيمية يستحسن النداء الذي أنكره المحاور]\rفماذا تقول أيها المحاور إذا علمت أن ابن تيمية استحسن هذا النداء ؟\rيقول ابن تيمية في كتابه ( الكلم الطيب ) :","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"«فصل في الرجل إذا خدرت رجله :\rعن الهيثم بن حنش قال: كنا عند عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، فخدرت رجله، فقال له رجل: اذكر أحب الناس إليك، فقال: ( يا محمد)، فكأنما نشط من عقال».\rوهذا الأثر مع أنه ضعيف إلا أن ابن تيمية ـ خلافا لمدعي السلفية ـ أورده هنا في باب الفضائل وعده من (الكلم الطيب)، فهو بذلك يرشدنا إلى أن نقول: ( يا محمد) في بعض الحالات، فهل يكون ابن تيمية بذلك دعانا إلى عبادة غير الله ؟؟!!\rوذكر الحديث أيضا الإمام البخاري في كتاب (الأدب المفرد)، والنووي في كتاب (الأذكار) في (باب ما يقوله إذا خدرت رجله)، والإمام ابن السني في (عمل اليوم والليلة)، وذكره باختصار الإمام ابن الجزري في (الحصن الحصين )، والسخاوي في ( القول البديع )، وبسط الكلام عليه الشوكاني في (تحفة الذاكرين) وكان مما قاله:\r«قد يكون مرجع مثل هذا التجريب، والمحبوب الأعظم لكل مسلم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فينبغي ذكره عند ذلك..»\rـ راجع تحفة الذاكرين ( باب ما يقوله من خدرت رجله ) ـ\rفهؤلاء العلماء وغيرهم بل جمهورهم لم يروا في قول القائل ( يا محمد)، أو يا (رسول الله) أي إشكال، وأي غلو. بل ذكروه في الكلم الطيب، الذي ينبغي على المسلم أن يذكره.\r[مفهوم الحياة البرزفية]\rثم ماذا في قول الجفري ( يا رسول الله ) مع اعتقاده أن النبي يسمع بقدرة الله تعالى ؟ أيكون ذلك كفرا يستوجب الدخول في النار ؟\rألم يأت في الصحيحين أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه ؟؟ ألم يأت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى بدر فألقوا في قليب ثم جاء حتى وقف عليهم وناداهم بأسمائهم : يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا.\rفقال له عمر : يا رسول الله، ما تخاطب من أقوام قد جيفوا ؟ فقال : «والذي بعثني بالحق ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون جوابا».","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"وإذا كان الكافر يسمع بعد موته، فهل اعتقادنا أن النبي صلى الله عليه وسلم يسمع النداء بقدرة الله تعالى شرك ؟؟!! إن هذا لشيء عجيب.\rونزيد المحاور ونقول له إننا نجوز أيضا سماع بعض الأحياء أصوات الأموات بقدرة الله تعالى، وفي بيان ذلك يقول ابن القيم في كتاب (الروح ) ص 103:\r«عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ضرب رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هي المانعة المنجية، تنجيه من عذاب القبر» قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب».\r[ابن تيمية ينقل حادثة سعيد بن المسيب]\rويقول ابن تيمية في كتابه (الفرقان) ص 78 : [وكان سعيد بن المسيب في أيام الحرة يسمع الأذان من قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أوقات الصلوات، وكان المسجد قد خلا فلم يبق غيره ].\rومن أراد أن يعرف المزيد عن سماع الأموات فليراجع ما كتبه أهل العلم في ذلك في كتبهم، مثل كتاب (من عاش بعد الموت) للحافظ ابن أبي الدنيا، و(التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة) للقرطبي، و (الروح) لابن القيم، و(شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور) للحافظ السيوطي، و (أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور) لابن رجب الحنبلي، ليتبين له أن القول بجواز سماع الأموات ليس قول الجفري فقط بل هو قول جمهور أهل السنة والجماعة، وإذا كان الميت يسمع فيجوز عند ذلك مخاطبته ونداؤه، كما علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم عند الذهاب إلى المقابر أن نخاطب أهل القبور فنقول لهم : «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، ويرحم الله المستقدمين و المستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ».\rـ أخرجه مسلم وغيره ـ","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"[المحاور يخالف مذهب الجمهور]\rولكن المشكلة أن المحاور خالف جمهور علماء المسلمين و زعم أن الموتى لا يسمعون كما في الوجه الثاني من شريطه، وقد استدل على ذلك ببعض الآيات القرآنية التي لم يفهم معناها، فأظهر أن الشيخ علي الجفري خالف القرآن الكريم أيضا، ولكن القول بأن (الميت لا يسمع) خلاف الأدلة وخلاف رأي الجمهور، وخلاف الأحاديث الصحيحة التي مرت بعضها، والقارئ المنصف إذا رجع إلى أي كتاب من الكتب السابقة التي ذكرناها تبين له الحق.\rفخطأ المحاور واضح عندما أنكر سماع الموتى، واعتبر قول القائل أن الميت يسمع جاء بسبب إهمال قضية التوحيد، وأن ذلك يعتبر من الأخطاء الجسيمة في المعتقد ولا يجدر بطالب علم أن تظهر منه أمثالها.\rوكان مما قاله المحاور في معرض الرد على الجفري في الوجه الثاني من شريطه :\r«إن الذي يقول بأن الحي مثل الميت، يسمع ويجيب فكأنه يقول إن الأعمى كالبصير، و الظلمات كالنور، والظل كالحرور، والكفر كالإيمان، والتوحيد كالإشراك.\rثم قال الله : «إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور» فهل بعد كلام الله كلام .. ».\rوإذا أمعنا النظر في عبارته السابقة وجدنا أنه أخطأ في التعبير، حيث كان من المفترض أن يقول : إن الذي يقول بأن الميت مثل الحي، يسمع ويجيب فكأنه يقول إن الأعمى كالبصير... الخ.\rوإلا فإنه بكلامه السابق يثبت سماع الموتى وينكر سماع الأحياء، وهذا خلاف مقصوده. فالأولى أن يعيد صياغة عبارته السابقة إن أراد نشر الشريط من جديد.\r[مع ابن القيم في كتابه الروح]\rولا أريد هنا أن أبسط الرد عليه في هذه المسألة، لأنها تتعلق بالوجه الثاني من شريطه، ومع ذلك سأدع ابن القيم رحمه الله يرد عليه فيما استدل به، فيقول في كتاب ( الروح ) ص 59 :","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"«قوله تعالى «وما أنت بمسمع من في القبور» فسياق الآية يدل على أن المراد منها الكافر الميت القلب لا تقدر على إسماعه إسماعا ينتفع به، كما أن من في القبور لا تقدر على إسماعهم إسماعا ينتفعون به، ولم يرد سبحانه أن أصحاب القبور لا يسمعون شيئا البتة، كيف وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يسمعون خفق نعال المشيعين، وأخبر أن قتلى بدر سمعوا كلامه وخطابه، وشرع السلام عليهم بصيغة الخطاب للحاضر الذي يسمع، وأخبر أن من سلم على أخيه المؤمن رد عليه السلام .. ».\rفهل ترى أيها الأخ المحاور أن ابن القيم أيضا وقع في هذا الخطأ الجسيم في المعتقد ـ في رأيك ـ والذي لا يجدر بطالب علم أن يظهر منه نتيجة إهماله لقضية التوحيد أيضا، أم أنك أنت ومن تبعك بسبب سوء فهمكم وقعتم في هذه الأخطاء ؟\rوإذا يسر الله أن أكتب في التعقب على الوجه الثاني فسننقل أدلة أخرى وأقوالا كثيرة من كلام جمهور أهل العلم في هذه المسألة في تأييد الشيخ الجفري.\rهل العارفون يعلمون الغيب ؟\r[تعليق للمحاور]\rانتقل المحاور الناصح بعد كلامه عن التوسل ـ الذي لم يوفق فيه ـ إلى علم الغيب، وأراد أن يثبت أن الشيخ علي الجفري يخالف نص القرآن الكريم في هذه المسألة، فقال :\r[القرآن الكريم يخبرنا أن الغيب لا يعلمه إلا الله، «قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله »، لكن الجفري يقول بأن العارفين يعرفون الغيب].\r[من كلام الجفري]\rثم جاء بمقطع من كلام الشيخ علي الجفري يقول فيه :\r«لكن صاحب الغيب المطلق يطلع من شاء على القدر الذي يشاؤه مما هو غيب مقيد في ذهن الناس. هذا النوع من الغيب يطلع الله عز وجل من شاء من عباده عليه».\r[تعقيب للمصنف]\rأقول :\rلم يكن في المقطع الذي جاء به المحاور بأن (العارفين يعرفون الغيب).\rأي أن المحاور الناصح لم يصدق في مدعاه، لأن الشيخ قال: إن الله يطلع من شاء من عباده على شيء من الغيب، ولم يقل (العارفون يعرفون الغيب).","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"وهذا الذي قاله الجفري موافق للقرآن وليس مخالفا له، فقد قال تعالى : «عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول»، ويقول ابن كثير في تفسير هذه الآية : [.. أنه لا يطلع أحدا من خلقه على شيء من علمه إلا مما أطلعه الله تعالى عليه..] ثم قال : [وهذا يعم الرسول الملكي والبشري]. ـ تفسير ابن كثير ج 6 ص 284 ـ\r[ابن تيمية والخوارق]\rومعنى هذا الكلام أن الخلق لا يستطيعون أن يطلعوا على الغيب من عند أنفسهم، بل يطلعون على شيء منه إذا أراد الله ذلك، وقد يطلعهم الله تعالى على شيء من الغيب عن طريق الوحي أو الفراسة أو الرؤيا الصالحة، يراها الرجل أو ترى له، أو عن طريق الكرامة ـ التي قد يسميها البعض بالمكاشفة ـ\rوفي ذلك يقول ابن تيمية:\r«خوارق العادات إما مكاشفة، وهي من جنس العلم الخارق، وإما تصرف وهي من جنس القدرة الخارقة».\rـ مجموع الفتاوى 10 / 548، وراجع العقيدة الواسطية أيضا عند كلامه عن الأولياء ـ\rوقال في المجلد الحادي عشر ص 65 من مجموع الفتاوى : «وأما خواص الناس فقد يعلمون عواقب أقوام بما كشف الله لهم..».\r[معرفة الغيب]\rوإليك بعض المواقف التي أطلع الله تعالى نبيه على شيء من الغيب :\rروى الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قبرين فقال: «إنهما ليعذبان، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس». ـ حديث رقم 6052 ـ\rوهذا معناه أن الرسول اطلع بقدرة الله على أمر غيبي، لأن عذاب القبر غير مشاهد للبشر عادة.\rوكذلك روى البخاري عن أسماء رضي الله عنها قالت: كسفت الشمس فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال :\r«ما من شئ لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار».\rـ حديث رقم 86 من صحيح البخاري ـ","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"وكذلك روى مسلم عن أبي هريرة قال : «شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا، فقال لرجل ـ ممن يدعى بالإسلام ـ هذا من أهل النار.\rفلما حضرنا القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة، فقيل : يا رسول الله، الرجل الذي قلت آنفا إنه من أهل النار، فإنه قاتل اليوم قتالا شديدا، وقد مات.\rفقال صلى الله عليه وسلم : إلى النار.\rفكاد بعض المسلمين يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ قيل أنه لم يمت، ولكن به جراحا شديدا، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه.\rفأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال: الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله..». ـ أخرجه مسلم في كتاب الإيمان / باب 47 ـ\rوفي هذا الحديث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بمصير الرجل قبل أن يقاتل، وهذا إخبار عن الغيب بإعلام الله إياه.\rوكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر كثيرا من الصحابة بأنهم من أهل الجنة كما في حديث العشرة المبشرين، وهذا كله من علم الغيب.\rومن يرجع إلى كتب السيرة ككتاب (الشفا) للقاضي عياض، وكتاب (سبل الهدى والرشاد) للصالحي يجد أن من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - إخباره بكثير من الأمور الغيبية.\rثم إن الحبيب علي الجفري ذكر أن الله تعالى عالم الغيب المطلق، وأن الله قد يطلع من شاء من عباده على شيء من الغيب المقيد في أذهان الناس.\rوالعبد إذا اطلع على شيء من الغيب بقدرة الله ثم أخبر غيره بذلك، فإنه يكون قد أخبر بما هو غيب في ذهن غيره، لأنه لم يعد بالنسبة له غيبا، لأن الله تعالى أطلعه عليه وأظهره له.\r[عودة إلى ابن تيمية]\rوبمثل هذا الكلام أيضا يقول ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى ج 16 ص 110) حيث يقول ما نصه:\r«.. وهذا هو الغيب المطلق عن جميع المخلوقين، الذي قال فيه « فلا يظهر على غيبه أحدا».\rوالغيب المقيد: ما علمه بعض المخلوقات من الملائكة أو الجن أو الإنس وشهدوه، فإنما هو غيب عمن غاب عنه، ليس هو غيبا عمن شهده.","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"والناس كلهم قد يغيب عن هذا ما يشهده هذا، فيكون غيبا مقيدا ـ أي غيبا عمن غاب عنه من المخلوقين، لا عمن شهده ـ ليس غيبا مطلقا غاب عن المخلوقين قاطبة ». انتهى.\r[ابن تيمية يعلم الغيب]\rوإليكم أيضا نص كلام ابن القيم في إخبار شيخه ابن تيمية بالغيب، فيقول في الجزء االثاني من كتابه (مدارج السالكين) أثناء كلامه عن الفراسة ص393:\r«ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أمورا عجيبة.\rوما لم أشاهده منها أعظم وأعظم، ووقائع فراسته تستدعي سفرا ضخما.\rأخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمائة، وأن جيوش المسلمين تكسر، وأن دمشق لا يكون بها قتل عام، ولا سبي عام، وأن كلب الجيش وحدته في الأموال. وهذا قبل أن يهم التتار بالحركة.\rثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام : أن الدائرة والهزيمة عليهم، وأن الظفر والنصر للمسلمين، وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا، فيقال له : قل إن شاء الله، فيقول : إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا.\rوسمعته يقول ذلك. قال : فلما أكثروا علي، قلت : لا تكثروا، كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ أنهم مهزومون في هذه الكرة، وأن النصر لجيوش الإسلام.\rقال : وأطعمت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو..».\rثم ذكر ابن القيم أنواعا أخرى من فراسة ابن تيمية إلى أن قال عنه:\r«وأخبرني غير مرة بأمور باطنة تختص بي مما عزمت عليه، ولم ينطق به لساني.\rوأخبرني ببعض حوادث كبار تجري في المستقبل، ولم يعين أوقاتها، وقد رأيت بعضها، وأنا أنتظر بقيتها، وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعاف أضعاف ما شاهدته، والله أعلم». انتهى كلام ابن القيم.\rفهذا ابن تيمية يخبر بما هو مكتوب في اللوح المحفوظ وبما سيحدث في المستقبل وبما في باطن ابن القيم..، فماذا تقول فيه أيها المحاور؟\rأيكون ابن تيمية بذلك خالف نص القرآن، وادعى علم الغيب ؟","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"أم تقول ـ كما يقول الجفري ـ إن الله أطلعه على بعض الأمور من باب خرق العادات ؟\rولو كان ما نقله ابن القيم عن ابن تيمية منقولا عن الشيخ الجفري أو عن غيره ممن ينتسب إلى علم التصوف لحكم عليه خصومه بالكفر وادعاء الربوبية وحملوا عليه الآيات التي وردت في فرعون ونمرود..، وليس هذا ببعيد عندما يعارضون الجفري بقوله تعالى «إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين» لمجرد أنه جوز التوسل ومخاطبة النبي- صلى الله عليه وسلم - وقال ( يا رسول الله)، ولكن إذا علموا أن ابن تيمية يقول أيضا بمثل قول الجفري كان الأمر هينا، وظل شيخ الإسلام وحجة الأنام !!\rأليس هذا غريبا ؟\rيا إخواني نريد الإنصاف، فالإنصاف من صفات المؤمنين، ولكنه عزيز الوجود في هذا الزمان، والله المستعان.\r[معرفة الغيب في مفهوم ابن القيم]\rونرجع ونقول إن الحق هو كما قال الشيخ الجفري بأن علم الغيب عند الله وحده، ولكنه ربما يطلع من شاء من عباده على شيء من ذلك، عن طريق معجزة، أو كرامة، أو رؤيا، أو يكشف لهم ذلك يقظة كما اطلع عمر بن الخطاب على سارية وجيشه،وناداه فسمع صوته، وهذا الأمر الخارق اصطلح عليه أهل السلوك وسموه (الكشف)، وقد مر الكلام عليه.\rوربما يقع هذا الكشف لغير المؤمن ، ولغير الصالح، كما يقول ابن القيم في (مدارج السالكين) ج 1 ص 111 :\r«وعلى حسب قوة البصيرة وضعفها تكون الفراسة، وهي نوعان :\rفراسة علوية شريفة، مختصة بأهل الإيمان.\rوفراسة سفلية دنيئة مشتركة بين المؤمن والكاف، وهي فراسة أهل الرياضة والجوع والسهر والخلوة، وتجريد الباطن من أنواع الشواغل.\rفهؤلاء لهم فراسة كشف الصور، والإخبار ببعض المغيبات السفلية».\rهل الولي يقول للشيء كن فيكون ؟\r[تعليق للمحاور]\rقال المحاور الناصح :","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"«القرآن الكريم يخبرنا بأن الله إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، «بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون»، لكن الجفري يقول بأن الأولياء إذا قالوا للشيء كن فيكون».\rثم جاء بمقطع من كلام الجفري يقول فيه:\r«فأطعني عبدي أهبك أن تقول للشيء كن فيكون».\r[تعقيب للمصنف]\rأقول: إن قطع كلام الشيخ الجفري بهذا الشكل الذي يفعله المحاور ثم جعله معارضا لنصوص القرآن الكريم أمر لا يجوز عند العقلاء المنصفين إضافة إلى العلماء المخلصين، لأن الشيخ الجفري ربما ينقل هذا الكلام عن شخص، أو يرده وينكره، أو يفسره، أو ينقله كأثر مروي... فبتر الكلام يسقط المؤاخذة به، خصوصا إن كان ناقله أخطأ في بعض ما نقل سابقا وقام بالتدليس ـ ولوعن غير قصد ـ.\rوإذا أردنا أن نتبع سياسة (القص واللصق) فليعلم المحاور أن الشيخ ابن تيمية رحمه الله يقول أيضا: «أطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون» ـ الفتاوى ج 4 ص 377 ـ\rفهل سيكون بذلك كفر وخرج عن الملة وعارض نص القرآن الكريم ؟؟\rأفتونا مأجورين جزيتم خيرا.\r[الرد التفصيلي]\rأما الرد التفصيلي على ما أورده المحاور فنقول:\rإن من يعتقد أن بعض الأولياء قد يصلون ـ بتوفيق الله تعالى لهم ـ إلى درجة يقولون للشيء كن فيكون إذا أراد الله ذلك، فإن هذا الأمر ليس معارضا للقرآن الكريم، لأن الله تعالى لم يقل إن الأولياء لا يصلون إلى هذه الدرجة، ثم إن الولي إذا قال ذلك فحدث فهذا بقدرة الله تعالى، أي أن المكون الحقيقي هو الله تعالى، وإنما أجرى ذلك على يد بعض عباده كرامة له من باب خوارق العادات.\rفتوضيح الأمر على هذا الشكل لا إشكال فيه، ولكن المشكلة أن المحاور يقطع بعض كلام الشيخ علي الجفري مستشهدا به دون أن نعرف حقيقة رأي الشيخ فيما يقوله، ثم يقوم هو ويستنتج منه ما يخالف القرآن في زعمه ثم يلزم الشيخ أنه يخالف نص القرآن، وذلك إما لتدليسه وعدم إتيانه بكلام الشيخ كما ينبغي أو بسبب سوء فهمه.","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"وكم من عائب قولا سليما وآفته من الفهم السقيم\r[ابن تيمية يرى ما عابه المحاور على الجفري]\rويحسن بنا هنا أن ننقل كلام من يعتد به المحاور في بيان هذه المسألة، وهو ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث يقول في بيان تفضيل الإنسان وقوته والدرجة التي قد يصل إليها على درجة وقوة الملائكة :\r«زعم بعضهم أن الملك أقوى وأقدر، وذكر قصة جبرائيل بأنه شديد القوى، وأنه حمل قرية قوم لوط على ريشة من جناحه.\rفقد آتى الله بعض عباده أعظم من ذلك، فأغرق جميع أهل الأرض بدعوة نوح، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره »و «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره»، وهذا عام في كل الأشياء.\rوجاء تفسير ذلك في آثار: إن من عباد الله من لو أقسم على الله أن يزيل جبلا، أو الجبال عن أماكنها لأزالها، وأن لا يقيم القيامة لما أقامها. وهذا مبالغة.\rولا يقال: إن ذلك يفضل بقوة خلقت فيه، وهذا بدعوة يدعوها، لأنهما في الحقيقة يؤولان إلى واحد، هو مقصود القدرة ومطلوب القوة، وما من أجله يفضل القوي على الضعيف.\rثم هب أن هذا في الدنيا، فكيف تصنعون في الآخرة وقد جاء في الأثر :«يا عبدي، أنا أقول للشيء كن فيكون، أطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون، يا عبدي أنا الحي الذي لا يموت، أطعني أجعلك حيا لا تموت»، وفي أثر: «أن المؤمن تأتيه التحف من الله، من الحي الذي لا يموت إلى الحي الذي لا يموت»، فهذه غاية ليس وراءها مرمى، كيف لا وهو بالله يسمع، وبه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشي ؟ فلا يقوم لقوته قوة».\rـ انتهى كلام ابن تيمية من ( مجموع الفتاوى 4 / 376 ـ 377 ) ـ\r[كلام آخر لابن تيمية يعزز المعنى السابق]\rوإليكم نصا آخر أيضا من كلام ابن تيمية في بيان المعنى السابق، فيقول رحمه الله في المجلد العاشر من فتاواه ص 549 :","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"«حدثني أبي عن محيي الدين بن النحاس، وأظني سمعتها منه: أنه رأى الشيخ عبد القادر في منامه وهو يقول إخبارا عن الحق تعالى: ( من جاءنا تلقيناه من البعيد، ومن تصرف بحولنا ألنا له الحديد، ومن اتبع مرادنا أردنا ما يريد، ومن ترك من أجلنا أعطيناه فوق المزيد).\rقلت : هذا من جهة الرب تبارك وتعالى.\rفالأولتان العبادة والاستعانة، والآخرتان الطاعة والمعصية.\rفالذهاب إلى الله هي عبادته وحده، كما قال تعالى: «من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة».\rوالتقرب بحوله هو الاستعانة والتوكل عليه، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله.\rوفي الأثر«من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله».\rوعن سعيد بن جبير: «التوكل جماع الإيمان»، وقال تعالى: «ومن يتوكل على الله فهو حسبه»، وقال: «إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم».\rوهذا على أصح القولين أيضا سبب لجلب المنافع ودفع المضار، فإنه يفيد قوة العبد وتصريف الكون، ولهذا هو الغالب على ذوي الأحوال متشرعهم وغير متشرعهم، وبه يتصرفون ويؤثرون، تارة بما يوافق الأمر، وتارة بما يخالفه.\rوقوله (من اتبع مرادنا) يعني المراد الشرعي، كقوله: «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر»، وقوله: «يريد الله أن يخفف عنكم »، وقوله: «ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم »، هذا هو طاعة أمره.\rوقد جاء في الحديث: «وأنت يا عمر لو أطعت الله لأطاعك »(1)\r__________\r(1) في هذا الحديث ما يأتي :\rأولا : وقع فيه تصحيف، وأغلب الظن أنه ليس من الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى، بل من الناسخ أو من جامع الفتاوى، وقد تصحف لفظ ( عم ) إلى ( عمر )، فقد روى أحمد في فضائل الصحابة (2 / 675 ) حديث رقم ( 1152 )، والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد ( 2 / 300 )، والحاكم في المستدرك (1 / 727 ) حديث رقم (1990)، والخطيب في تاريخ بغداد ( 8 / 377 )، كلهم من طريق : الهيثم بن جماز البكاء عن ثابت عن سيدنا أنس رضي الله تعالى عنه قال: إن أبا طالب مرض فثقل فعاده النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا ابن أخي ادع ربك الذي بعثك أن يعافيني ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم اشف عمي»، فقام كأنما نشط من عقال.\rفقال أبو طالب: إن ربك الذي بعثك ليطيعك. قال: «وأنت يا عم إن أطعت الله ليطيعنك». ا هـ لفظ الحاكم.\rولفظ أحمد : «وأنت يا عم إن أطعت الله عز وجل أطاعك»، ولفظ الطبراني : «وأنت يا عم إن أطعت الله ليطيعك »، ولفظ الخطيب : « وأنت يا عماه إن أطعت الله ليطيعنك».\rوثانيا : هذا الحديث الذي استدل به الشيخ ابن تيمية وصدره على حديث البخاري، الواقع أنه على أحسن أحواله وعلى أكثر وجوه التساهل الممكنة يكون ضعيفا.\rوأما على ميزان العدالة فهو حديث شديد الضعف، لأنه من رواية الهيثم بن جماز البكاء وهو كما في ( لسان الميزان ) رقم ( 8299) : [قال ابن معين: كان قاصا بالبصرة، ضعيف. وقال مرة : ليس بذاك. وقال أحمد : ترك حديثه. وقال النسائي : متروك الحديث ]\rوثالثا : لو أن أحد الأئمة الصوفية كالإمام الغزالي أو غيره ذكر هذا الحديث لأقام أناس الدنيا ولم يقعدوها، وقالوا : إن فلانا يستدل بالأحاديث الضعيفة، ولم يقبلوا له عذرا.\rفما يقول أولئك الناس حين يستدل الشيخ ابن تيمية بالأحاديث الشديدة الضعف ؟\rوكم له ولتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى من مثل هذا النوع، ولكن الإنصاف عزيز، ولا سيما في زماننا هذا الذي غلب فيه الهوى على كثير من النفوس المنتسبة إلى العلم.","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"، وفي الحديث الصحيح : «ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه »..].\r[ابن تيمية في قفص الاتهام]\rوالمنصف الذي ينظر في كلام ابن تيمية يجد أنه يوافق الشيخ علي الجفري، فلماذا يا ترى نرى المخالفين والمحاورين يحاكمون ما يقوله الشيخ علي الجفري ويضعونه في قفص الاتهام بينما نراهم يمرون على ما قاله ابن تيمية مرور الكرام ؟؟ أيكون حراما على الجفري وحلالا لابن تيمية ؟؟\rإنها نفس الكلمات، ولكنها تضع من قدر الجفري وتجعله ـ في عيون المحاور ومن على منهجه ـ صاحب عقيدة فاسدة، بينما لا تؤثر في مكانة ابن تيمية وتجعله شيخ الإسلام وحجة الأنام ؟؟ !!\rأهي محاباة، أم جهل، أم تعصب، أم غلو، أم شيء آخر؟ الله أعلم.\rوالحق كما تقدم أن الولي إذا قال للشيء كن فكان، فإنما حدث ذلك بقدرة الله تعالى وبإذنه على سبيل الكرامة لهذا الولي، والفاعل الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، وإنما يمكن إسناد الفعل إلى العبد من باب المجاز حيث يسند فيه الفعل إلى غير فاعله مع وجود قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي، وهذا أمر يعلمه من درس علوم البلاغة، أو له معرفة الأسلوب العربي.\rفإننا نعتقد أن التدبير والتأثير الحقيقي لله وحده، ولا يستطيع أي مخلوق لا ملك ولا نبي ولا ولي ولا غيرهم التأثير والتدبير من غير إذن الله سبحانه وتعالى.\rفإنا لله وإنا إليه راجعون على ضياع العلم.\rهل فقراء الصوفية يعلمون الأجل ؟\r[تعليق للمحاور]\rقال المحاور الناصح : [القرآن الكريم يخبرنا أن أجل الإنسان لا يعلمه إلا الله، «وما تدري نفس بأي أرض تموت * إن الله عليم خبير »، لكن الجفري يقول أن فقراء الصوفية يعلمون الأجل].\r[من كلام الجفري]\rثم جاء بمقطع من كلام الشيخ ـ على سياسة القص ـ يقول فيه :\r[الإمام النووي في آخر عمره وقد كان في دمشق يدرس في دار الحديث، جاءه أحد فقراء الصوفية وقال له: يا إمام، إن أحببت فارتحل إلى نوى فقد دنى الأجل].\r[تعقيب للمصنف]","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"قلت: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى (إذا لم تستح فاصنع ما شئت).\rأخبروني أيها المنصفون أين قال الشيخ علي الجفري في المقطع الذي جاء به المحاور ( إن فقراء الصوفية يعلمون الأجل ). فإنني اتهمت سمعي في البداية عندما استمعت إلى المقطع الذي جاء به المحاور في شريطه من كلام الشيخ حتى يثبت مدعاه من أن الجفري يقول ( إن فقراء الصوفية يعلمون الأجل )، فهل يوجد هذا القول من الجفري في المقطع السابق ؟\rوإذا كان موجودا وحجب عني فليعلمني أحد بذلك حتى لا أظلم المحاور الناصح.\rففي هذا المقطع ـ المقطوع ـ نرى أن الشيخ علي الجفري ينقل قصة في ترجمة الإمام النووي أنه جاءه أحد فقراء الصوفية وقال له :( يا إمام، إن أحببت فارتحل إلى نوى فقد دنى الأجل ). و ( دنى ) أي اقترب، ولم يحدد له متى أجله وفي أي يوم سيموت، وبأي أرض سيقبض.\rفهذا الفقير ربما ظن دنو أجل الإمام النووي بسبب علامات مرضية ظهرت على النووي رحمه الله، وربما أن هذا الفقير كان من الأولياء الصالحين وأعلمه الله سبحانه وتعالى بدنو أجل الإمام النووي عن طريق رؤيا أو ( مكاشفة، وهي من جنس العلم الخارق ) فذهب وأخبره بذلك.\rوربما ألهم هذا الفقير بدنو أجل الإمام النووي فذهب وأخبره بذلك، وفي الترمذي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» ثم قرأ : «إن في ذلك لآيات للمتوسمين ».\rوقال عمر بن الخطاب : اقتربوا من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون، فإنه تتجلى لهم أمور صادقة. وقد ثبت في الصحيح قول الله تعالى: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي ».","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"وكثير من أهل الكشف يلقى في قلبه أن هذا الطعام حرام، أو أن هذا الرجل كافر وفاسق، من غير دليل ظاهر.. فربما ألقى الله تعالى أيضا في قلب ذلك الفقير الصوفي أنه قد دنى أجل الإمام النووي، فذهب وأخبره بذلك.\rوهذا الأمر ليس فيه مخالفة للقرآن الكريم، فالأجل لا يعلمه أحد من البشر يقينا إلا إذا أطلعه الله تعالى على ذلك، سواء عن طريق المكاشفة (كما يقول به ابن تيمية) أو عن طريق الفراسة (كما يقول به ابن القيم)، أو عن طريق بعض العلامات الظاهرة، كالإصابة ببعض الأمراض الفتاكة، أو قطع عضو لا يعيش معه الإنسان غالبا، فهذه علامات على دنو الأجل.\r[قصة سارية]\rوإن الذي أطلع سيدنا عمر بن الخطاب على موقع سارية وحالته فقال: ( يا سارية الجبل ) وليس في ذلك مخالفة لقوله تعالى : «قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله» قادر أن يطلع من شاء من عباده على دنو أجله أو أجل غيره.\rثم إن القصة التي ذكرها الشيخ علي الجفري ـ ولم نعلم حقيقة رأيه فيها ـ موجودة في ترجمة الإمام النووي، وقد نقلها السيوطي في كتابه (المنهاج السوي في ترجمة الإمام النووي) عن ابن العطار ـ تلميذ الإمام النووي ـ وكان مشاهدا للواقعة، وفيها بعض الاختلاف، فكأن الجفري ذكرها بالمعنى.\rوعلى فرض أن الجفري قال إن البعض يعلمون الأجل بإعلام الله إياهم ذلك، فليس في هذا القول مخالفة للقرآن الكريم والسنة، كما مر بيانه.\rألم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بأجله عندما قال إنه اختار الرفيق الأعلى، وأن عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وكان يقصد بذلك نفسه صلى الله عليه وسلم، كما في الأحاديث الصحيحة.\rوهذا عثمان بن عفان يقول قبل موته بيوم : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم البارحة في المنام، ورأيت أبابكر وعمر، وأنهم قالوا : اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة.","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"وهذا علي بن أبي طالب لما خرج إلى المسجد لصلاة الفجر ـ في اليوم الذي ضربه ابن ملجم ـ كان ينشد ويقول في طريقه قبل دخوله إلى المسجد :\rاشدد حيازيمك للموت فإن الموت آتيك\rولا تجزع من الموت إذا حل بواديك\rوهذا بلال رضي الله عنه استشعر دنو أجله فكان يقول: غدا نلق الأحبة محمدا وحزبه.\rوهذا عمار بن ياسر - رضي الله عنه - يقول في اليوم الذي مات فيه: (اليوم ألق الأحبة، محمدا وحزبه).\rوالغريب أن المحاور نفسه في شريط له بعنوان ( ريحانة المصطفى ) يذكر أن ابن عمر قال للحسين رضي الله عنهما وهو ذاهب إلى العراق : ( أستودعك الله من قتيل ). وهذا يعني أن ابن عمر علم أن الحسين سيقتل في العراق، أما طريق علمه فإما بسبب فراسته وما ظهر له من العلامات، أو لأن الله أطلعه على ذلك.\rوكذلك فإن من يقرأ تراجم الصحابة والتابعين وتابعيهم، وغيرهم من أئمة الإسلام والصالحين كما في ( تاريخ بغداد ) و ( طبقات ابن سعد ) و ( طبقات الشافعية ) و ( صفة الصفوة ) وغيرها يجد أن كثيرا من المؤمنين استشعروا أو علموا بدنو أجلهم وبوقته، وهذا لا يعني أنهم علموا بذلك من عند أنفسهم، بل لأن الله أعلمهم بذلك.\rوقد ألف الإمام الحافظ ابن الجوزي كتابا عظيما في هذا المعنى سماه ( الثبات عند الممات ) ينبغي للمحاور الرجوع إليه.\rحياة الأنبياء في قبورهم\r[تعليق للمحاور]\rقال المحاور :\r«القرآن الكريم يخبرنا بموت محمد صلى الله عليه وسلم، «إنك ميت وإنهم ميتون»، لكن الجفري يقول: »قالت يا بني، هل رأيت نبيك قط ؟\rقال : يا أماه، وكيف أرى نبيي وقد مات ؟ قالت : لا تقل هكذا يا بني، فليس من الأدب أن تخاطب نبيك بهذا، نبيك موته حياة، فهو حي في قبره»».\r[تعقيب للمصنف]","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"أقول : أراد المحاور بكلامه أن يبين أن الشيخ الجفري يخالف نص القرآن مرة أخرى بذكره لهذه القصة، ونرى أن المحاور لم يوفق في فهمه هنا أيضا، لأنه لم ينقل رأي الشيخ الجفري، إنما نقل روايته لقصة، ولم نعرف حقيقة كلامه هو، فربما يشرح هذه القصة بعد ذلك، أو يعلق عليها.\rولهذا أكرر أنه لا يجوز نقل كلام الخصم هكذا مقتطعا للرد عليه، وأن هذه الطريقة ـ قص واقطع ما يعجبك ـ من البدع السيئة التي على العاقل المنصف أن يتجنبها أثناء النقاش العلمي.\rثم ماذا في هذه القصة حتى ينكر على الشيخ إيرادها ؟؟\rإنما فيها أن امرأة علمت ابنها ما تراه من الأدب في تحدثه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rفالنبي - صلى الله عليه وسلم - وإن مات ـ بمعنى أنه ذاق الموت المكتوب على البشر ـ إلا أنه حي حياة أخرى برزخية، كباقي الأنبياء.\rوالأدلة على ذلك كثيرة، أما من القرآن فقد قال تعالى: «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون»، وقال : «ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون».\rووجه الدلالة أن الله سبحانه وتعالى يقول عن الشهيد إنه حي، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم أعظم مكانة من الشهيد، فيكون أولى بذلك ـ والأولوية حجة كما في علم الأصول ـ فهل ينكر إذا قلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حي بالمعنى الثاني ؟؟\r[الأنبياء أحياء عند الله تعالى]\rوأما من السنة فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي في معراجه بعض الأنبياء كسيدنا آدم وموسى وإبراهيم وغيرهم، وهؤلاء ماتوا بالنسبة إلينا، ولكنهم أحياء عند الله، أي حياة أخرى، وقد رآهم النبي صلى الله عليه وسلم وتكلم معهم، وصلى بهم.\rوقال - صلى الله عليه وسلم -في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره :\r«مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره». قال الإمام المناوي في شرح الحديث نقلا عن القرطبي:","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"«الحديث بظاهره يدل على أنه رآه رؤية حقيقية في اليقظة، وأنه حي في قبره، يصلي الصلاة التي يصليها في الحياة..». ـ فيض القدير 5/ 663 ـ\rوعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:\r«الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون»، رواه أبو يعلى و البزار و البيهقي.\rقال الحافظ الهيثمي في (مجمع الزوائد): «رواه أبو يعلى و البزار، ورجال أبي يعلى ثقات» (8 / 211) وقال الإمام المناوي في فيض القدير : «رواه أبو يعلى عن أنس بن مالك وهو حديث صحيح»(3 / 184).\rوالأدلة كثيرة جدا على ذلك وقد ألف بعض الأئمة في إثبات ذلك رسائل مستقلة، منها ( إنباه الأذكياء في حياة الأنبياء ) للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي.\rوفي القصة التي ذكرها الشيخ الجفري علمت المرأة ابنها أن يتحدث عن نبينا صلى الله عليه وسلم مع مراعاة الأدب، وأن لا يظن أنه إذا مات انعدم وجوده وشعوره.\rولكن الظاهر أن البعض يعتقد أن الموت عدم محض، ولهذا قد يشكل عليه كيف أن القرآن يقول «إنك ميت وإنهم ميتون» ثم يأتي الجفري لينقل لنا قصة في مقام الأدب فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره.\rونترك جواب هذا الإشكال لابن القيم رحمه الله، فيقول كما في كتابه (الروح) ـ ص 47 طبعة مؤسسة التاريخ العربي ـ ما نصه :\r«والذي يزيح هذا الإشكال ـ إن شاء الله تعالى ـ أن الموت ليس بعدم محض، وإنما انتقال من حال إلى حال ، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين مستبشرين، وهذه صفة الأحياء في الدنيا.","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى، مع أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم : «أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء»، وأنه صلى الله عليه وسلم اجتمع بالأنبياء في بيت المقدس، وفي السماء، وخصوصا بموسى، وقد أخبر بأنه ما من مسلم يسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام، إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة، فإنهم أحياء موجودون ولا نراهم.\rوإذا تقرر أنهم أحياء، فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق صعق كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله، فأما صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء فالأظهر أنه غشية». ـ انتهى ما أردنا نقله من كلام ابن القيم ـ\r[عودة لتعقيب المصنف]\rوما أجمل قول ابن القيم أيضا وهو يصف كيفية زيارة النبي صلى الله عليه وسلم فيقول في ( الكافية الشافية ) :\rفنقوم دون القبر وقفة خاضع متذلل في السر والإعلان\rفكأنه في القبر حي ناطق فالواقفون نواكس الأذقان\rفهل جاز لابن القيم أن يصف النبي صلى الله عليه وسلم وبقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأنهم أحياء، وحرم ذلك على الجفري ؟؟!!\rأم أن القضية هي أن المحاور ومن على منهجه ـ للأسف ـ خالفوا جمهور الأمة الإسلامية وشذوا عن علماء الأمة في كثير من المسائل، وجهلوها، بل وجهلوا حتى ما هو موجود في كتب ابن تيمية وابن القيم ـ وقد تعمدنا كثرة النقل عنهما في هذه الرسالة لأنهما في زعم مدعي السلفية من أئمتهم الذين يغالون في حبهما كثيرا، ولكنهم مع ذلك يجهلون كثيرا مما في كتبهما، وذلك لقلة اطلاعهم ولسوء فهمهم واكتفائهم بقراءة المطويات والكتيبات وسماع الأشرطة، ثم يخرجون لنا بعد ذلك بثياب العلماء، فيحاضرون ويخطبون ويدرسون ويؤلفون، وينخدع بهم كثير من الناس ؟؟ ـ","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"فبهذا تبين أن هؤلاء خالفوا حتى ابن تيمية وابن القيم في كثير من مسائلهم، فمن هو الأولى بالاتباع : ابن تيمية وابن القيم أم محمد بن عبد الوهاب وأتباعه أم جمهور علماء الأمة الإسلامية في فهمهم للكتاب والسنة ؟؟\rوالجواب على هذا السؤال هو أن فهم جمهور أهل السنة والجماعة للكتاب والسنة أولى بالاتباع من فهم غيرهم.\rوالحبيب علي الجفري حفظه الله يتبع في المسائل التي يأتي بها جمهور أهل السنة والجماعة، وخاصة فقهاء المذهب الشافعي الذي يسير على منهجهم فلا إنكار عليه، لأنه كما تقرر إنما ينكر ما اتفق على إنكاره، أما أن تشدد النكير على شخص يتبع مذهبا من مذاهب أهل السنة وأنت ترى خلافه فلا ينبغي الإنكار عليه وإلزامه بما تراه ورميه بالجهل ومخالفة القرآن، كيف وغالب ما يقوله الشيخ الجفري هو الذي اتفق جمهور المذاهب الأربعة عليه ؟؟\rوأنقل هنا للقارئ الكريم قول الداعية الشيخ حسن البنا وهو يقول :\r«الخلاف في فروع الدين أمر لا بد منه ضرورة، ولا يمكن أن نتحد في هذه الفروع والآراء والمذاهب لأسباب عدة..».\rـ ( دعوتنا ) للشيخ حسن البنا ص 25، ضمن مجموع الرسائل ـ\r[الحافظ السيوطي وحياة الانبياء]\rوبما أن المحاور نقل في ( حواره الهادئ ) كثيرا عن الحافظ السيوطي فإنني سأنقل له كلام هذا الإمام حول مسألة حياة الأنبياء في قبورهم، فيقول الحافظ السيوطي في رسالته ( إنباه الأذكياء في حياة الأنبياء ) ـ ص 1 ـ ما نصه :\r«حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قبره هو وسائر الأنبياء معلومة عندنا علما قطعيا، لما قام عندنا من الأدلة في ذلك، وتواترت به الأخبار، وقد ألف الإمام البيهقي رحمه الله جزءا في حياة الأنبياء عليهم السلام في قبورهم.\rفمن الأخبار الدالة على ذلك ما أخرجه مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ليلة أسري به مر بموسى عليه السلام وهو يصلي في قبره.","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مر بقبر موسى عليه السلام وهو قائم يصلي فيه.\rوأخرج أبو يعلى في مسنده، والبيهقي في كتاب (حياة الأنبياء) عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال :\r«الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون».. الخ».\rفلماذا لا تأخذ أيها المحاور بكلام السيوطي هنا، كما أوهمت أنك أخذت به في غير هذا الموضع في مؤاخذة الجفري ؟؟\rوالقول بحياة الأنبياء هو قول علماء أهل السنة والجماعة، وقد أشاروا إلى ذلك في كثير من كتبهم، منها :\r( التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة) للإمام القرطبي، ورسالة (إنباه الأذكياء في حياة الأنبياء ) و( شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور ) و ( بشرى الكئيب بلقاء الحبيب) جميعها للسيوطي، وكتاب ( أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور) للحافظ ابن رجب الحنبلي، و كتاب ( الروح ) لابن القيم، ورسالة ( الجوهر المنظم في زيارة القبر النبوي المكرم ) و ( دافعة الشقاق والخلاف في حياة الأنبياء في قبورهم ) كلاهما للفقيه الإمام ابن حجر الهيتمي، ومع الرسالة الثانية شرح الشيخ حبيب الله الشنقيطي أيضا.\rويقول الإمام الحافظ السخاوي في كتابه (القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع ) بعد أن ذكر جملة من الأحاديث في بيان أن النبي عليه الصلاة والسلام يرد على من يسلم عليه ما نصه :\r«يؤخذ من هذه الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم حي على الدوام، وذلك أنه محال عادة أن يخلو الوجود كله من واحد يسلم عليه في ليل أو نهار، ونحن نؤمن ونصدق بأنه صلى الله عليه وسلم حي يرزق في قبره، وأن جسده الشريف لا تأكله الأرض، والإجماع على هذا..».\rـ ( القول البديع ) ص 335 ـ\rونختم هذا المبحث بما قاله ابن حجر الهيتمي نظما في رسالته (دافعة الشقاق والخلاف):\rتواترت الأدلة و النقول فما يحصي المصنف ما يقول","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"بأن المصطفى حي طري ( وبدر) ليس يطرقه أفول\rوأن الجسم منه بقاع لحد كورد لا يدنسه الذبول\rالخلاصة\rتبين لنا ولجميع المنصفين مما سبق بيانه حقيقة الحوار مع الحبيب علي الجفري حفظه الله تعالى، وأن المحاور المزعوم أخطأ للأسف في فهم منهيجة الحوار، وأن حواره اشتمل على مغالطات كثيرة جدا، وعلى تدليسات واضحة وفاضحة، وأن مذهب الجفري إنما هو مذهب جمهور أهل السنة والجماعة عامة، ومذهب الشافعية خاصة، وتبين أيضا أن كثيرا مما يقول به الجفري يقول بمثله حتى ابن تيمية وابن القيم، ولكن صاحب الحوار غفل أو تغافل عن ذلك.\rوكان الأولى له عدم الإنكار على الجفري في كثير من المسائل التي قال بها، والتي سبقت مناقشتها، وذلك لأن الجفري متبع ومقلد مذهب جمهور أهل السنة والجماعة سواء في الفقه أو في العقيدة، والرد عليه في المسائل السابقة يعني الرد على مذهب جمهورأهل السنة والجماعة والخروج عنهم أو اتباع من شذ منهم في بعض المسائل.\rوبهذا ننهي الرد على المحاور الناصح في الوجه الأول من شريطه ( حوار هادئ مع الشيخ الجفري ) ونكتفي بهذا القدر حاليًَا.\rغفر الله لنا وله ولجميع المسلمين وأدخلنا فسيح جناته بلطفه وكرمه، وجمعنا عنده إخوانا على سرر متقابلين.\rوصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.","part":1,"page":109}],"titles":[{"id":1,"title":"لا دفاعا عن الجفري ولكن دفاعا عن جمهور أهل السنة والجماعة","lvl":1,"sub":0}]}