{"pages":[{"id":1,"text":"تقريب البعيد إلى جوهرة التوحيد\rتأليف\rالشيخ علي بن محمد التميمي المؤخر الصفاقسي\r(كان حياً سنة 1118هـ)\rتحقيق\rالشيخ الحبيب بن طاهر","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"التعريف بـ\rـ الإمام إبراهيم اللقّاني، صاحب \"جوهرة التوحيد\".\rـ الشيخ علي التميمي المؤخّر، شارح \"جوهرة التوحيد\".\rإبراهيم اللقاني (1)\r(تـ 1041هـ/1632م)\rاسمه:\rإبراهيم بن إبراهيم بن حسن بن علي بن عبد القدوس بن الولي الشهير محمد بن هارون اللقّاني المالكي، المصري. لقبه : برهان الدين، وكنيته: أبو الأمداد، وأبو إسحاق.\rوله اتصال هو وقبيلته المنحدر منها بالنسب الشريف. وكان لا يظهره تواضعا منه.\rو\"اللقاني\" نسبة إلى لقانة، قرية من قرى مصر.\rشيوخه ومكانته العلمية والتربوية\rلا يعرف عن إبراهيم اللقاني شيئا فيما يتعلّق بمكان ولادته ونشأته وحياته الشخصية؛ فيبدأ المترجمون له بذكر العلماء الذين أخذ عنهم العلوم الدينية. وأبرز هؤلاء: صدر الدين المناوي، وعبد الكريم البرموني، وسالم السنهوري الذي أكثر الأخذ عنه، ويحيى القرافي. وفي مجال التربية والسلوك، فقد صحب شيخ التربية أبا العباس الشرنوبي وانتفع به.\rوبعد طول المراس مع العلوم الشرعية وصحبة العلماء عرفه الناس أحد العلماء الأعلام وأئمّة الإسلام، المشار إليهم بسعة الاطلاع والرسوخ في العلوم الشرعية، حتى أصبح مرجع العلماء في المشكلات والفتاوى في وقته. ولعلّ مؤلّفاته الآتي ذكرها كفيلة بأن تعطي صورة عن العلوم التي كان هذا الإمام متبحّرا فيها.\r__________\r(1) ترجمته في: الأعلام، للزركلي:1/28؛ التقاط الدرر، للقادري؛ خلاصة الأثر، للمحبّي:1/6-9؛ شجرة النور الزكية، لمخلوف:291؛ الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، للحجوي:2/277-278؛ معجم المؤلفين، لكحالة:1/2؛ معجم المطبوعات العربية والمعرّبة:2/1592.","part":1,"page":1},{"id":3,"text":"ويضاف إلى هذا الجانب العلمي، أنّه كان متأثّرا بما أخذه عن شيخه الشرنوبي من سلوك مسلك التصوّف؛ مع ما كان يحمله في تكوينه التربوي من تراث جدّه الأعلى محمد بن هارون الذي ترجم له الشعراني في كتابه \" طبقات الأولياء \"؛ إذ لم يكن التعليم الديني في ذلك العصر تعليما نظريا بحتا، فقد دخل التصوّف المعاهد الدينية، وشاع بين طلبتها الانتساب إلى طريقة من الطرق الصوفية، تهتمّ قبل كلّ شيء بالتربية العملية والروحية، بتعميق حبّ العبادة والذكر والأخلاق الدينية، والمراقبة الدائمة لله تعالى.\rوقد جمع اللقاني في تكوينه بين هذين الرافدين، ما جعله فيما بعد جامعا بين الإمامة في علم الشريعة والإمامة في علم الحقيقة ـ على مصطلح أهل التصوف ـ، وأن يكون معدودا في سلك الصالحين من هذه الأمّة.\rوقد طبعت كلّ من مكانته العلمية الصادقة ومكانته التربوية المخلصة سيرته بمظاهر من قوة العزيمة والاعتداد بالنفس وعظمة الشخصية، ما جعله منافسا لرجال الدولة في زعامتهم على الناس، وفارضا عليهم قبول شفاعته وتدخّلاته في تظلّمات الناس وقضاء مصالحهم، ويفعل ذلك دون التردّد عليهم.\rوكان همّه الأكبر أن يصرف وقته في الدرس والإفادة.\rتلاميذه:\rبلغ تلاميذ الإمام اللقاني عددا كبيرا، شأنه في ذلك شأن كلّ من كان في عصره إماما، متميّزا بغزارة علمه، وتعدد اختصاصاته، وثقة علماء عصره فيه وفي علمه. وفي تلاميذه من ورث عنه الرئاسة العلمية، ومن أشهرهم:\rـ ابنه أبو محمد عبد السلام اللقاني: الإمام، المحقق، المتقن,، المحدّث، الأصولي، المتكلّم. شيخ المالكية في وقته (تـ1078هـ/ 1668م)(1).\rـ أبو عبد الله محمد الخرشي: الفقيه، العلامة. شيخ المالكية في عصره(تـ1101هـ/1690م)(2).\rـ أبو محمد عبد الباقي الزرقاني: الفقيه، الإمام، العلامة، المحقق، مرجع المالكية(تـ 1099هـ/1688م)(3).\r__________\r(1) شجرة النور الزكية:ص304.\r(2) شجرة النور الزكية:ص317.\r(3) شجرة النور الزكية:ص304.","part":1,"page":2},{"id":4,"text":"ـ أبو إسحاق إبراهيم الشبرخيتي: الفقيه، الإمام، المحقق، القدوة، العالم، العامل. (تـ1106هـ/1695م)(1).\rوغيرهم كثير، حتى قالوا: \" لم يكن أحد من علماء عصره أكثر تلامذة منه \". وهؤلاء الذين ذكرناهم لهم مؤلّفات تدلّ على علوّ مكانتهم العلمية، شأن إمامهم اللقاني الذي أخذوا عنه.\rمؤلّفاته\rتنوعت مؤلفات الإمام اللقاني بين الفقه، والفتوى، والحديث، والعقيدة، واللغة. وهي الآتي ذكرها:\rفي الفقه:\rـ حاشية على مختصر خليل.\rـ منار أصول الفتوى وقواعد الإفتاء بالأقوى.\rـ عقد الجمّان في مسائل الضمان.\rـ نصيحة الإخوان باجتناب الدخان.\rفي أصول الفقه:\rـ البدور اللوامع من خدور جمع الجوامع. وهو حاشية على جمع\rالجوامع (لم يكمل).\rفي الحديث:\rـ قضاء الوطر من نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، للحافظ ابن حجر (في مصطلح الحديث).\r…ـ إجمال الوسائل وبهجة المحافل بالتعريف برواة الشمائل.\r…ـ تحفة درّية على البهلول بأسانيد جوامع أحاديث الرسول.\rفي اللغة:\r………ـ خلاصة التعريف بدقائق التصريف(لم يكمل).\r…ـ توضيح ألفاظ الأجرومية.\rفي التراجم:\r…………ـ نثر المآثر فيمن أدركتهم من علماء القرن العاشر(لم يكمل).\rفي العقيدة:\r………ـ تعليق الفوائد على شرح العقائد للسعد التفتزاني (لم يكمل).\r…ـ الأقوال الجليلة على الوسيلة.\r…ـ جوهرة التوحيد (نظم). وشروحه الثلاثة عليها. وسيأتي ذكرها.\rوفاته\rسافر الإمام اللقاني لأداء فريضة الحج، وعند رجوعه لبّى داعي ربّه، فتوفّي بالقرب من مدينة \"أيلة\" بطريق الركب المصري، ودفن بمكان وفاته، وذلك سنة 1041هـ/1632م. رحمه الله تعالى وأجزل ثوابه.\r__________\r(1) شجرة النور الزكية:ص317.","part":1,"page":3},{"id":5,"text":"الشيخ علي التميمي المؤخّر (1)\r(كان حيّا سنة 1118هـ/1706م)\rعلي بن محمّد بن محمّد التميمي الملقّب بالمقدّم، الشهير بالمؤخّر، الصفاقسي. كذا ورد اسمه كاملا بخطّ يده في خاتمة نظم له في العقيدة. واكتفى في شرحي الجوهرة والعقيدة النورية بذكر لقب الشهرة.\rوكنيته أبو الحسن.\rالإمام، عالم القراءات، المتكلّم، النحوي، الفلكي.\rلازم الشيخ علي النوري، وأخذ عنه علوم العربية والشريعة والميقات والحساب. وهو يعدّ أكبر تلاميذه سنّا. كما درس على الشيخ عبد العزيز الفراتي(تـ1131هـ/1719م)، الذي رجع إلى صفاقس من رحلته العلمية بمصر والحجاز، بعد رجوع الشيخ النوري بأربعة عشر عاما.\rولم تذكر مصادر ترجمته أنّ له رحلة لطلب العلم خارج صفاقس، ومع ذلك فقد حصل عن طريق شيخيه ـ وخاصّة الشيخ النوري ـ على ما يمكن أن يحصّله كل طالب علم لكي يصبح عالما مفيدا بعلمه، تعليما وتأليفا؛ ممّا يدلّ على المستوى العلمي الرفيع الذي كانت تؤهّل به المدرسة النورية طلبتها، بحيث تجعلهم مكتفين بها عن غيرها. فمنها تخصّص الشيخ المؤخّر في علوم الدين وخاصّة علوم القراءات والكلام والنحو والفلك، وقد وصفه مقديش بالمحقق، ووصفه مخلوف بالإمام العالم المتفنّن، والمؤلّف المتقن.\r__________\r(1) مصادر ترجمته: خوجة, حسين. ذيل بشائر أهل الإيمان, ص:189؛ محفوظ, محمد. تراجم المؤلفين التونسيين:4/414-419؛ مخلوف, محمد, شجرة النور الزكية, 1/345؛ مقديش, محمود. نزهة الأنظار, 2/369؛ ابن ناصر الدرعي, أحمد بن محمد. الرحلة, 2/164","part":1,"page":4},{"id":6,"text":"وإن لم تتوسّع المصادر في التعريف بمختلف أنشطة هذا العالم، لكن الذي يفهم من ملازمته لشيخه النوري أنّه كان على طريق شيخه في توجّهه الروحي وإقباله على تقوى الله تعالى ومراقبته ومداومة العبادة والذكر وتلاوة القرآن؛ وأنّه كان مشاركا له في مجمل أنشطته التعليمية والتربوية والعملية، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد وغير ذلك. وقد يكون تعرّض للاضطهاد في محنة شيخه، إمّا بالسجن أو بالنهب أو بالفرار والتشريد(1).\rوكان الشيخ النوري يرسله في بعض المهمّات نيابة عنه، فقد ورد أنّه لما علم بمرور ابن شيخه الدرعي الشيخ أحمد بن محمد بن ناصر الدرعي بمدينة قابس عند رجوعه من الحرمين الشريفين، أرسله مع ابنيه وبعض الطلبة لملاقاته والسلام عليه وطلب الإجازة منه، وذلك سنة1110هـ/1699م، فأجازهم الشيخ الدرعي في الحديث ومصطلحه، والتفسير، والفقه وأصوله، والتوحيد، والنحو، والصرف، وعلم البيان، والمنطق، والعروض، والميقات، والرسم، والفرائض وغيرها من العلوم(2).\rومعلوم أنّ الإجازة شهادة من العالم المجيز لمن أجازه على أهليته بتدريس ما أجازه فيه؛ وهذا يدلّ على سبق معرفته بمكانته العلمية، إمّا بمعرفته الشخصية له، أو باشتهاره ووصول خبره إليه، وهو شأن الشيخ المؤخّر.\r__________\r(1) انظر التعريف بالإمام علي النوري الصفاقسي وبحركته الإصلاحية, في الدراسة التي قدّم بها كتاب \"مبلغ الطالب إلى معرفة المطالب\" وهو شرح الشيخ المؤخر على العقيدة النورية.\r(2) العالم الصالح المصلح علي النوري, محمد محفوظ: 20, نقلا عن رحلة أحمد بن ناصر الدرعي2/164.","part":1,"page":5},{"id":7,"text":"وقد ضمّن الشيخ الدرعي في إجازته للشيخ المؤخر شهادة له بأنّه من أجلّ تلاميذ الشيخ النوري، وأنّه نبيه في النجابة والفكر(1). كما مدحه أحمد بن قاسم العصفوري التونسي(تـ1199هـ/1715م) وأثنى على شرحه للعقيدة النورية، وذلك في مقدمة شرحه عليها المسمّى بـ« الفوائد العصفورية على العقائد النورية»(2).\rوقد ذكر صاحب \" نزهة الأنظار\" أنّه كان يقيم بصحن ضريح الإمام أبي الحسن اللخمي مع عياله، وأنّه تولّى الإمامة والتدريس في المسجد الملاصق للضريح. وقد زاره فيه الشيخ عبد الله السوسي السكتاني المغربي، عند توجّهه إلى جربة للقراءة على الشيخ إبراهيم الجمني؛ وكان قصده زيارة الشيخ علي النوري، إلاّ أنّه أخبر بوفاته، فسأل عن أكبر تلاميذه، فأرشد للشيخ المؤخّر، فزاره في المسجد المذكور، وذكر أنّه مبتلى بفقد إحدى كريمتيه ـ عينيه ـ.\rولا يعرف هل تولّى الشيخ المؤخّر الإمامة والتدريس بالمسجد المذكور قبل وفاة شيخه النوري أم بعد وفاته.\rكان الشيخ المؤخر ينظم الشعر، وقد أورد له الشيخ أحمد الدرعي مقاطع منه في رحلته، تتضمّن اعتذار الشيخ النوري عن عدم حضوره لزيارته، وطلب الإجازة له ولابني الشيخ وبعض تلاميذه(3).\rتوفّي الشيخ المؤخّر ـ رحمه الله تعالى ـ ودفن بتربة شيخه، ومع إخوانه تلاميذ الشيخ النوري، بحسب وصية هذا الأخير بذلك.\rمؤلّفاته\r1 ـ تقييد في بعض قواعد من أصول القراءات(4).\r2 ـ شرح \"ألفية السيوطي\" في النحو(5).\r__________\r(1) نفس المصدر.\r(2) مخطوط بدار الكتب الوطنية بتونس, رقمه:19955, وعدد أواراقه4.\r(3) \" العالم الصالح المصلح علي النوري \", محمد محفوظ: 20, نقلا عن رحلة أحمد بن ناصر الدرعي.\r(4) مخطوط توجد منه قطعة بدار الكتب الوطنية.\r(5) مخطوط توجد منه قطعة مسوّدة بخطّة بدار الكتب الوطنية.","part":1,"page":6},{"id":8,"text":"3 ـ رسالة في \"العمل بالربع المجيّب\". واختصرها في رسالة أخرى بهذا الاسم، وتمتاز عنها برسم الأشكال الهندسية(1).\r4 ـ لامية في حروف المعاني، من البحر البسيط. نظمها استجابة لرغبة علي بن سليمان المهدوي، المعروف بابن سلامة، ولخّص فيها ما في \"المغني\" لابن هشام(2). وهي في 75 بيتا.\r5 ـ شرح على لاميته في حروف المعاني. ينقل عن \"المغني\" ويناقشه ويستعين بقواعد القراءات. ومن أنفس ما فيه الكلام على \"كلاّ\" ومعانيها في القرآن، وحكم الوقف عليها(3).\r6 ـ فرائد القلائد في صحّة الإيمان والعقائد. وهو منظومة فرغ منها يوم الجمعة صدر شعبان سنة1111هـ/1700م(4). وهي في 217 بيتا.\r7 ـ تقريب البعيد إلى جوهرة التوحيد. وهو شرح على \"جوهرة التوحيد\" للإمام إبراهيم اللقاني. وهو مناسب للمبتدئين(5).\r8 ـ مبلّغ الطالب إلى معرفة المطالب. وهو شرح على عقيدة شيخه علي النوري. ألفه في حياة شيخه، كما يستفاد من ديباجة الشرح. وألّفه بعد \"تقريب البعيد\" استجابة لرغبة بعض الإخوان. واعتمد فيه على شرحين، أحدهما للشيخ أحمد الفيومي الغرقاوي المصري(تـ1101هـ/1690م)، واسمه: \"الخلع البهية على العقيدة النورية\"، ورمز له بحرف \"ح\"؛ والثاني لأحمد الحريشي الفاسي(تـ1143هـ/1730م), واسمه: \"المواهب الربّانية على العقيدة النورية\"، ورمز له بحرف \"ف\". والمؤخّر ألّف شرحه في حياة الأخير منهما، وفي حياة شيخه النوري.\r__________\r(1) مخطوط بخط الشيخ محمود السيالة, بدار الكتب الوطنية.\r(2) مخطوط في ثلاث ورقات, بدار الكتب الوطنية.\r(3) مخطوط مسوّدة بخطّه, بدار الكتب الوطنية.\r(4) مخطوط بخطّ المؤلف, في ستّ ورقات, بدار الكتب الوطنية رقم 19958.\r(5) مخطوط, يوجد قطعة منه بخطّ المؤلّف بدار الكتب الوطنية.","part":1,"page":7},{"id":9,"text":"التعريف بـ «جوهرة التوحيد»\rاشتهر الإمام اللقاني وعرف بتأليفه «جوهرة التوحيد» أكثر من تآليفه الأخرى.\rوهي منظومة في العقائد، ضمّنها العقائد الإسلامية على منهج الأشاعرة، وهو المنهج الذي تبنّاه أهل السنّة منذ تأسيسه على يد الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى واقتدوا به في ذلك وانتصروا له؛ لأنّهم «رأوا في منهجه امتدادا لمنهج سلف الأمّة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، من حيث الانتصار لما جاء به القرآن الكريم والسنّة النبوية من العقائد والاحتجاج لها وذلك بزيادة تأييدها بالبراهين العقلية، وهو ما لم يكن علماء السلف قد فعلوه، وإنّما كانوا يكتفون بإيراد الأدلّة النقلية لا غير، ممّا جعل من جاء بعدهم من علماء أهل السنة يقعون في الحرج، لظهورهم في مظهر العاجز عن الدفاع عن العقائد التي نصّ عليها القرآن والسنّة النبوية، أمام المذاهب الإسلامية الأخرى، وخاصّة المعتزلة الذين تعسّفوا في تأويل بعض الآيات القرآنية وفي ردّ بعض الأحاديث النبوية المتواترة؛ وكذلك أمام شبهات المقيمين بين ظهراني المسلمين من اليهود والنصارى والمجوس والمتفلسفة وتشكيكاتهم. حتى جاء الأشعري وتكشّف لعلماء أهل السنّة حقيقة منهجه، وأنّ هدفه نصرة عقائد أهل السنّة بالأدلّة العقلية بنفس سلاح المغالين في استعمال العقل وكذلك بنفس سلاح المشكّكين. وبذلك وجد أهل السنّة في آراء الإمام الأشعري ومنهجه ما يحفظ عليهم عقائدهم المنصوص عليها من جهة، وينصرها ويقطع حجج المخالفين من جهة أخرى. وظلّ هذا المنهج يجد الاستحسان والقبول لدى علماء أهل السنّة، ويخضعونه للنقد والتمحيص والمراجعة والتصحيح، حتى أصبح بذلك ممثّلا ومعبّرا عن عقيدة أهل السنّة قرونا متطاولة من عهد مؤسسه في أوّل القرن الرابع الهجري»(1) إلى أن نشأ في أحضانه إبراهيم اللقاني\r__________\r(1) انظر مقدمة تحقيق \" مبلّغ الطالب في شرح المطالب \" للشيخ علي المؤخّر على العقيدة النورية.","part":1,"page":8},{"id":10,"text":"وتمكّن من قواعده وأصبح إماما فيه، في القرن الحادي عشر الهجري.\rوقد ألّف الإمام اللقاني هذه العقيدة على شكل نظم، وهي طريقة دأب عليها علماء الإسلام في شتّى العلوم، حتى الطبّية، في وضع مختصرات للعلوم حين يتوجّهون بالتأليف للمبتدئين؛ وذلك للتيسير عليهم حفظ أصول العلوم وقواعدها؛ لما للنّظْم من تميّز في صياغته بإيقاعاته الموسيقية، وخفّة عباراته، وسلاسة معانيه وسهولة تلفّظ اللسان به؛ ممّا يجعل الطفل يردّده بترنّم ينسجم مع روحه الصافية وعقله الخالي من الهموم.\rثمّ تأتي مرحلة ثانية، يقوم فيها صاحب النظم أو غيره من العلماء بوضع شرح عليه، يبسط مسائله ويتوسّع في مادّته بحسب المستوى الموجّه إليه هذا الشرح؛ وذلك للارتقاء بطالب العلم من مرحلة الاختصار إلى مرحلة التحليل والتعليل والتعمّق.\rوقد لقيت الجوهرة قبولاً حسناً من العلماء، وذاعت في مراكز العلم بالمغرب عن طريق الطلبة الذين درسوا بالأزهر في عهد مؤلفها ثمّ رجعوا إلى أوطانهم؛ وأصبحت بذلك مادّة للتدريس، فأقبل طلبة العلم على حفظها وفهمها.\rوقد ورد أنّ مؤلّفها أنشأها في ليلة واحدة بإشارة من شيخه أبي العباس الشرنوبي.","part":1,"page":9},{"id":11,"text":"شروح \" الجوهرة \"\rأوّل من قام بشرح الجوهرة هو صاحبها الإمام اللقّاني، فقد وضع عليها ثلاثة شروح، وهي:\r1 ـ عمدة المريد لجوهرة التوحيد\r2 ـ تلخيص التجريد\r3 ـ هداية المريد لجوهرة التوحيد.\rوقد ذكر اللقاني نفسه هذه الشروح التي وضعها على «الجوهرة»، وذلك في مقدمة «هداية المريد»، فقد جاء فيه: «فإنّ أفضل العلوم علم دين الله وشرائعه، فإن به حفظ الإيمان والإسلام الذين هما من أجلّ ودائعه، وأفضله علم العقائد الدينية، فإن به يهتدي المكلف إلى المسالك السُّنية ويرتقي إلى المراتب السَّنية، وقد وضعت فيه منظومتي المسماة بـ «جوهرة التوحيد» لأنها حوت من بدائعه ما هو كالفريدة في العقد الفريد من الجيد، وشرحتها قبل هذا شرحين جليلين، أحدهما:«عمدة المريد»، وثانيهما:«تلخيص التجريد»، ثم أدركتني رحمة الضعفاء فثنى عنان القلم إليهم حب الإسعاف حين طلب مني جماعة من الإخوان وجلة من الخلان شرحا لها لا يكون قاصرا عن إفادة القاصرين، خاليا عن الإسهاب والإطناب وعما يصعب فهمه من الإيجاز على المبتدئين وغير الممارسين؛ ليعم نفعه العباد، ويتفرغ له العُبّاد، ويتعاطاه الحضري والباد. فأجبتهم إلى ذلك، واثقا بأقدار الكريم المالك، مسميا له بـ«هداية المريد لجوهرة التوحيد».\rثمّ قام بشرحها ابنه عبد السلام اللقّاني، وسمّاه: «إتحاف المريد بجوهرة التوحيد».\rولم نقف ـ من خلال بعض كتب التراجم ـ على من قام بشرحها بعدهما سوى سعيد بن إبراهيم قدورة الذي اقتصر على شرح خطبتها(1)؛ لذلك يعتبر الشيخ المؤخّر ثالث شارح لها. وقد بيّن سبب قيامه بهذا الشرح في مقدّمته.\r__________\r(1) شجرة النور الزكية:ص309.","part":1,"page":10},{"id":12,"text":"ثم توالت الشروح عليها، من ذلك:\rـ «تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد» للشيخ إبراهيم بن محمد البجوري، شيخ جامع الأزهر، المتوفى سنة 1277هـ. طبع دار الكتب العلمية, بيروت,1403هـ/1983م.\rـ «المنهج السديد في شرح جوهرة التوحيد» للشيخ محمد الحنيفي الحلبي, المتوفى سنة 1342 هـ. طبع دار ابن حزم، بيروت، لبنان.\rـ «بغية المريد لجوهرة التوحيد» للأستاذ الشيخ إبراهيم المارغني، المفتي المالكي بالمجلس الشرعي بالديار التونسية، المتوفى سنة 1349هـ. طبع المطبعة التونسية، نهج سوق البلاط، 1357هـ/1938م.\r***\rالنسخ المعتمدة في التحقيق\rتمّ الاعتماد في التحقيق على ثلاث نسخ، وهي:\rالنسخة الأولى: رقمها20347 وطنية، وأصلها من مكتبة الشيخ علي النوري بصفاقس.\rعدد الأوراق:38\rالمسطرة:23\rالناسخ: هو المؤلف نفسه، وعليها تم الاعتماد في الترجيح. إلاّ أنها ناقصة ورقة واحدة من أولها، وخمسة ورقات من آخرها.\rالنسخة الثانية: رقمها: 2820 وطنية\rعدد الأوراق:59\rالمسطرة:20\rالناسخ: علي بن سعيد النموشي.\rتاريخ الانتهاء من النسخ: السبت، ربيع الثاني 1260هـ.\rالنسخة الثالثة: رقمها:1648 وطنية.\rعدد الأوراق:46\rالمسطرة:23\rالناسخ: محمد بن الحاج موسى الجزيزي.\rتاريخ الانتهاء من النسخ: السبت 23 ذو الحجة 1251هـ.\rورمزنا إلى النسخة الأولى بحرف( أ )، وإلى الثانية بحرف( ب )، وإلى الثالثة بحرف (ج). ولما كان اعتمادنا على النسخة الأولى لأنها بخط المؤلف لم نحتج ولم نر حاجة إلى إثبات الاختلافات، لأنها غير ذات قيمة.","part":1,"page":11},{"id":13,"text":"تقريب البعيد\rإلى\rجوهرة التوحيد","part":1,"page":12},{"id":14,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rوصلى الله علي سيدنا ومولانا محمد وسلم\rقال الشيخ الفقير، المضطرّ إلى رحمة ربه القدير، الطامع في عفوه وفضله: علي بن محمد، التميمي أصلا، المؤخَّر لقبا، الصفاقسي بلداً، عفا الله عنه. نفعنا الله به وبعلومه بجاه سيّد الأولين والآخرين:\rالحمد لله الذي اختص بصفات الألوهية والتوحيد، وجعل أشرف العلوم وأنفعها علم العقائد والتوحيد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث بالهداية والتأييد، وعلى آله وأصحابه أولي النجابة والتسديد، ما خطّت أقلام الأعلام، بالثناء على الملك العلام.\rأما بعد؛\rفلمّا رأيت كثيرا من الطلبة حريصا على الأرجوزة المسماة بـ:\"جوهرة التوحيد\"، المنسوبة للشيخ الكامل والعالم الفاضل: أبي إسحاق إبراهيم اللقاني، ثم المصري، ورأيت شدة حاجتهم إلى شرح لها، وعدم قدرتهم على تحصيل شراحها لطولها، وقلّة وجدانها ببلدنا، عزمت على تأليف شرح لها قصير مفيد، سالكا سبيل الاختصار، تاركا الإطالة والإكثار، مسمّيا له بـ:\"تقريب البعيد إلى جوهرة التوحيد\"، طالبا من مولاي التوفيق والتسديد.","part":1,"page":12},{"id":15,"text":"[ شرح مقدّمة النّاظم ]\rبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\r1- الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى صِلاَتِهِ ثُمَّ سَلاَمُ اللَّهِ مَعْ صَلاَتِهِ\r2- عَلَى نَبِيِّ جَاءَ بِالتوْحِيدِ وَقَدْ عَرَا الدِّينُ مِنَ التَّوْحِيدِ\r3- فَأَرْشَدَ الخَلْقَ لِدِينِ الحَقِّ بِسَيْفِهِ وَهَدْيِهِ لِلْحَقِّ\r4- مُحَمَّدِ العَاقِبْ لِرُسْلِ رَبِّهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَحِزْبِهِ\r[البسملة]\rقال رحمه الله تعالى وعفا عنه: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).\rابتدأ بالبسملة لِمَا عُلم من فضلها، ولابتداء الله تعالى كتبه بها، ولفعل النبي لها وأمره بها.\rوقال: \"بسم الله\" ولم يقل بالله، لأن التبرك والاستعانة تقع بجميع أسمائه تعالى، وللفرق بين اليمين والتيمُّن؛ لأن بالله يمين، وبسم الله تيمُّن - أي تبرّك -، والمراد هنا الثاني لا اليمين.\rو\"الرحمن الرحيم\": صفتان لله تعالى، وهما من أسمائه تعالى.\r[الحمدلة، والفرق بين الحمد والشكر]\r(الحَمْدُ لِلَّهِ)، الحمد: هو الثناء الذي يجب لذاته العلية ولصفاته الثبوتية. وبدأ به أيضا لأن الجمْع بينهما أفضل، وإن كان أحدهما كافيا في تحصيل البركة، إلا أنّ الاقتصار على البسملة أولى من الاقتصار على الحمدلة.\rوالحمد يقع على السرّاء في النعمة، كما يقع على الضراء، ولذلك اقتصر عليه دون الشكر، ولو جمع بينهما لكان أولى؛ لأن الحمد ولو كان يقع على النعمة أيضا لكنه باللسان فقط، والشكر يكون به وبغيره من القلب والأركان، فتحصّل أنّ الحمد أعمّ سببا؛ إذ سببه النعمة وغيرها، وأخص محلاًّ؛ إذ لا يكون إلا بآلة اللسان.\rوالشكر بالعكس، أي أخص سببا؛ إذ لا يكون إلا في مقابَلة النعمة، وأعم محلا؛ لأنّه يكون باللسان وغيره.\rنعم، الحمد إذا كان في مقابلة النعمة فهو كالشكر.\rوينقسم الحمد من حيث هو إلى أربعة أقسام: قسمان قديمان، وقسمان حادثان؛ لأن الحمد إمّا:\r- من قديم(1) إلى قديم كقوله تعالى: { نعم القادرون } [المرسلات: 23].\r-…أو من قديم إلى حادث(2) كقوله تعالى: { نعم العبد إنه أواب } [ص: 30].\rأو من حادث إلى حادث كـ:« نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه »(3).\rأو من حادث إلى قديم، كقولنا: يا نعم المولى و يا نعم النصير.\r(عَلَى صِلاَتِهِ): جمع صِلة بكسر الصاد فيها، أي نعمته وهِباته الواصلة إلينا والفائضة علينا.\r[معنى الصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم -]\r(ثُمَّ سَلاَمُ اللهِ) أي تحيته وإكرامه، وفضله وإنعامه. وهو معطوف على \"الحمد لله\".\r(مَعْ صَلاَتِهِ) بفتح الصاد: رحمته ومزيد نعمته.\rوبين قوله \"صِلاته\" و\"صَلاته\" نوع من أنواع البديع، وهو الجناس الخطي.\r[التوحيد رسالة الأنبياء]\r(عَلَى نَبِيٍّ) متعلق بـ\"سلام الله\"، كما تعلَّق \"على صِلاته\" بـ\"الحمد\" لأنه تكفي فيه رائحة الفعل.\r__________\r(1) القديم: هو الموجود الذي لا ابتداء لوجوده، وليس ذلك إلا الله تعالى.\r(2) الحادث: هو ما لم يكن ثم كان، وهو ما كان وجودُه مسبوقا بعدم.\r(3) بعضهم يجعله من حديث عمر - رضي الله عنه - وبعضهم يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يروى بدون إسناد ولا أصل له في كتب السنة. (كشف الخفاء ومزيل الالباس: 2/446. الأسرار المرفوعة 172)","part":1,"page":13},{"id":16,"text":"والنبي: إنسان أوحي إليه، ولم يُؤمر بالتبليغ. والمراد به المرسَل لقوله: (جَاءَ) من عند الله إلى الناس كافة (بِالتَّوْحِيدِ) لله وإبطال عبادة الأوثان والإقبال على عبادة الرحمن.\r(وَقَدْ عَرَا): أي خلا (الدِّينُ)، من دان يدين: أذعن وانقاد. و\"الـ\" فيه يحتمل أن يكون للحقيقة أو للعهد، والمراد - والله أعلم - دينُ من قبله - صلى الله عليه وسلم - من الأنبياء كعيسى عليه السلام.\r(مِنَ) اعتقاد (التَّوْحِيدِ) متعلِّق بـ\"عرا\". ولم يظهر لي فرق بين لفظتي التوحيد في كلام الناظم، اللّهم إلا أن يُقدَّر في الأوّل بكلمة التوحيد وهي: \"لا إله إلا الله محمد رسول الله\"، وفي الثاني: عن اعتقاد التوحيد.\r[معنى الإرشاد وموضوعه]\r(فَأَرْشَدَ) أي دلّ، من الإرشاد، وهو الدِّلالة بتثليث الدال، والفتح أفصح.\r(الخَلْقَ) أي المخلوقات من الإنس والجن (لِدِينِ الحَقّ)، أي دين الله الحق الثابت وجوده أزلا وأبدا، وهو دين الإسلام؛ قال الله تعالى: { إنّ الدين عند الله الإسلام } [آل عمران:19].\r(بِسَيْفِهِ) أي بقتاله - صلى الله عليه وسلم -، فهو من تسمية الشيء باسم آلته فيكون مجازا مُرسَلا، أي بجهاده (وَهَدْيِهِ) أي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهو من إضافة المصدر إلى فاعله، أي إرشاده (لِلْحَقّ)، وهو التوحيد وعبادة الله وحده، وامتثال أمره، واجتناب نهيه، فمنهم من أسلم فسلِم ونجا، ومنهم من عاند فهلك وتردّى.\r[اسم النبي - صلى الله عليه وسلم - ونسبه]\r(مُحَمَّد)، بترك التنوين للوزن، بدل من \"نبي\" بعد وصفه بقوله: \"جاء بالتوحيد\"، وقوله \"وقد عرا\" إلخ معترض بين البدل والمبدل منه. وسمي - صلى الله عليه وسلم - بـ\"محمد\" لكثرة خصاله الحميدة، ورجاء أن يحمده من في السماء والأرض، كما روي أنه لمّا قيل لجده عبد المطلب: لم سميت ابنك محمدا ؟ قال: رجاء أن يحمده أهل السماء والأرض، فحقق الله رجاءه.","part":1,"page":14},{"id":17,"text":"وهو - صلى الله عليه وسلم -: محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي، بن كلاب، بن مرة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فِهْر، بن مالك، بن النضْر، بن كِنانة، بن خزيمة، بن مُدرِكة، بن إلياس، بن مضَر، بن نزار، بن مَعَدّ، بن عدنان.\rهذا المجمع عليه من أجداده - صلى الله عليه وسلم -، فمن الجفاء وقلة الاهتمام عدم الاعتناء بنسبه الزكي ومعرفته إلى عدنان، وهم واحد وعشرون.\rوصرح المصنف باسم المصلّى عليه للاستلذاذ به والاعتناء بشأنه والتبرك به.\rفصرّح بمن تهوى ودعني من الكنى فلا خير في اللذات من دونها ستر\rواغتناما لما ورد في الحديث، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: « من صلى عليّ في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب »(1) والذي يظهر أن المراد بالكتاب ما هو أعم من المتعارف من لفظ كتاب حتى يشمل اللوح ونحوه.\r(العَاقِبْ) بإسكان الباء لضرورة الوزن، وهو من أسمائه - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في الحديث(2) ، ومعناه: الذي يُحشر الناسُ على عَقِبه؛ إذ هو الخاتم (لِرُسلِ رَبِّه).\rورسل، جمع رسول بضم السين، وقد تسكن كما هنا. وقد قرئ به في رسلنا ورسلكم ورسلهم.\rوالرسول: إنسان أوحي إليه بشرع، وأُمِر بتبليغه.\r\r__________\r(1) أخرجه الطبراني في الأوسط، وفيه بشر بن عبيد الدارسي كذاب (مجمع الزوائد 1/136). وذكره ابن كثير وقال ليس بصحيح ونقل عن الذهبي قوله: أحسبه موضوعا.( تفسير القرآن العظيم 3/676)\r(2) عن جبير بن مطعم قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد ». البخاري في المناقب باب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لي خمسة أسماء؛ ومسلم في الفضائل باب في أسمائه - صلى الله عليه وسلم -.","part":1,"page":15},{"id":18,"text":"[تعريف الآل والصحابي]\rوقوله: (وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَحِزْبِه)، معطوف على \"محمد\"، وأصل آله: أهله على المشهور بدليل تصغيره على أهيل، لأن التصغير كالتكسير يرد الأشياء إلى أصولها.\rلمّا صلّى المؤلف أوّلا على النبي - صلى الله عليه وسلم -، صلّى على آله وأصحابه، إذ تجوز الصلاة على غير الأنبياء تبعا، وتكره استقلالا على المشهور.\rوآل الرجل لغة: عشيرته المنسوبون إليه، وهم أولاده - ذكورا كانوا أو إناثا - وأولاد أولادِه الذكور خاصة، ولا يدخل أولاد البنات عدا أولاد فاطمة رضي الله عنها بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: « إن ابني هذا سيد ».(1)\rوالمراد بآل النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا أُمَّة الإجابة؛ لأن مقام الدعاء المطلوبُ فيه التعميم، وهذا القول اختاره جماعة، وقيّده بعضهم بالأتقياء منهم لقوله تعالى: { إن أولياؤه إلا المتقون } [الأنفال: 34]. وآل النبي الذين هم أقاربه مؤمنو بني هاشم على المشهور.\rوالصَّحْبُ جمع صاحِب، كرَكْبٍ جمع راكِب، والصاحب لغة: قرينك، من بينك وبينه مواصلة ومداخلة، والمراد به هنا في مقام الدعاءِ الصحابيُّ: وهو من اجتمع بالنبي - صلى الله عليه وسلم - من العقلاء - ولو جنيّا مؤمنا- ومات على الإيمان، ولو لم يرَه، ولو لم يَرْوِ عنه، ولو لم تطُل صحبته، فدخل الأعمى ومن اجتمع به في ظلمة ولو قليلا من الزمان.\rوحزب الرجل: أتباعه وأنصاره، ومراد المصنف به: التابعون وتابعوهم بإحسان، ويحتمل أن يكون عطف عام على خاص.\r__________\r(1) عن أبي بكرة قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: «إنّ ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين».البخاري في الصلح، باب قول النبي للحسن ابن علي.","part":1,"page":16},{"id":19,"text":"[الكلام على الأرجوزة وموضوعها]\r5- وَبَعْدُ فَالعِلْمُ بِأَصْلِ الدِّينِ مُحَتَّمٌ يَحْتَاجُ لِلتَّبْيِينِ\r6- لَكِنْ مِنَ التَّطْوِيلِ كَلَّتِ الهِمَمْ فَصَارَ فِيهِ الاختصار مُلْتَزَمْ\r7- فَهَذِهِ أُرْجُوزَةٌ لَقَّبْتُهَا جَوْهَرَةَ التَّوْحِيدِ قَدْ هَذَّبْتُهَا\r8- وَاللَّهَ أَرْجُو فِي القَبُول نَافِعَا بِهَا مُرِيدًا فِي الثَّوَابِ طَامِعَا\r[مبحث حول \"وبعد\"]\r(وَبَعْدُ) أي: أمّا بعد، فحذفت \"أمّا\" لكثرة الاستعمال، أو لدلالة الفاء التي في جوابها عليها، وعوض عنها الواو، ومن هنا لا يجمع بينهما. وأمّا ما يوجد في عبارة بعضهم \"وأمّا بعد\"، فقالوا: الواو فيه عاطفة قصةً على قصة.\rوأصل \"أمّا بعد\": مهما يكن من شيء بعد البسملة والحمدلة مثلا، فنابت \"أمّا\" عن أداة الشرط وعن فعل الشرط، وبقيت الفاء دليلا على ذلك المحذوف لأن الفاء لازمة للشرط غالبا.\rو\"بعد\": من الظروف المبنِية على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى كما هو مشهور، وهي صالحة للزمان والمكان، وتجوز إرادتهما معا هنا، والناصب له \"أمّا\" لنيابتها عن فعل الشرط، أو فعل الشرط الذي نابت \"أمّا\" عنه.\rوالحاصل أنها كلمة يفصل بها بين المقامين من الكلام وينتقل بها من غرض إلى آخر، فهي فصل الخطاب، وقيل قوله- صلى الله عليه وسلم -: « البينة على المدعي واليمين على المدّعى عليه » رواه البخاري(1).\rوكان - صلى الله عليه وسلم - يأتي بها في خطبه وكتبه ورسائله، فيستحب الإتيان بها اقتداء به - صلى الله عليه وسلم -، والكلام عليها كثير يخرجنا عن شرط الاختصار.\r\r__________\r(1) أخرجه بهذا اللفظ الدارقطني في الأقضية والأحكام، والبيهقي في الأحكام باب البينة على المدعي. وأصله في البخاري، فعن ابن عباس «أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى أنّ اليمين على المدعى عليه» أخرجه البخاري في الرهن، باب إذا اختلف الراهن والمرتهن. وعن الأشعث بن قيس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأحد رجلين متخاصمين: « شاهداك أو يمينه» أخرجه في الشهادات، باب.","part":1,"page":17},{"id":20,"text":"[المراد بأصل الدّين]\r(فَالعِلْمُ) جواب \"وبعد\"، وهو مبتدأ (بِأَصْلِ الدِّين) يعني علم التوحيد، وسمي علم أصول الدين لأنه أساس الشرائع والأحكام، وعليه ينبني الدين.\r(مُحَتَّمٌ) أي واجب - خبر المبتدأ - على كل مُكلَّف، لكنّه (يَحْتَاجُ) أي يفتقر (لِلتَّبْيِين)، للتوضيح بالتحقيق، والبيان: إخراج الشيء من حَيِّزِ الإشكال إلى حيِّز التجلي والإيضاح.\r(لَكِن مِنَ التَّطوِيلِ) بجَلْبِ المذاهب وإيراد الشُّبَهِ ودفعها بالأدلة (كَلَّت) أي عَيَتْ وسئمت وملَّت (الهِمَم) جمع همّة: أي النفوس، (فَصَارَ فِيهِ) أي علم أصول الدين (الاخْتِصَارُ) وهو التعبير على المعنى الكثير باللفظ القليل، أو أداء المقصود بأقل من عبارة المتعارف من غير إخلال، كما عند البيانيين، (مُلتَزَم) لينشط من كلّت هِمَّته وسئمت نفسه.\r[تعريف أرجوزة المصنّف]\r(فهذه) إشارة إلى أشياء موجودة في ذهنه، أو قاله بعد فراغه من التأليف؛ إذ الإشارة تقتضي مشاراً إليه، إما محسوسا أو معقولا.\r(أرجوزة) قصيدة منظومة في بحر الرَّجُز، وأبياتها مائة وأربع وأربعون. (لقبتها) سميتها (جوهرة التوحيد) لاشتمالها على نفائس علم التوحيد وقواعده.\rوالجوهر في اللغة هو الشيء النفيس من الحوادث جسما كان أو عَرَضًا، وفي الاصطلاح: عبارة عما يشغل فراغا بحيث يمنع أن يحِلَّ غيرُه حيث حلَّ، وهو معنى المُتحيِّز، فإن كان الجوهر يقبل الانقسام فهو المسمى بالجسم، وإن كان لا يقبل الانقسام بوجه بحيث لا يمكن انقسامه لا ذهنا ولا خارجا فهو المسمّى بالجوهر الفرد.\r[المراد بالتوحيد]\rوالتوحيد: أن تُثبِت ذاتًا موصوفة بالصفات، منزهة عن النقائص، مخالِفة للحوادث.\rقال بعض الحكماء: أصول التوحيد أربعة:\rأوّلها: العلم بوحدانية الله تعالى.\rوالثاني: أن تعلم أنه منزَّه عن الكيفية.\rوالثالث: أن تعلم أنه متعال عن الكمية.\rوالرابع: أن تعلم أنه متعال عن الأينية.","part":1,"page":18},{"id":21,"text":"(قد هذّبتها) نقّحتها وخلّصتها ممّا يعيبها، وهو باعتبار المعنى كذلك، أمّا باعتبار النظم ففيها كثير من الأبيات ما يخلو عن شيء.\r(واللهَ) لا غيره (أرجو في القبول) لها ليثيبني عليها، أو يُكسيها حلَّة القبول ليكثر النفع بها، ويحتمل أنّ الناظم أرادهما معا، أي: أرجوه أن يتقبلها مني، ويحبِّبها إلى خَلقه.\r(نافعا) حال من الإسم الكريم، أو من فاعل \"أرجو\"، أي قاصد النفع (بها) أي بالأرجوزة (مريداً) لها حفظاً أو فهماً أو لهما معاً، و\"مريدا\" مفعول بـ \"نافعا\"، وقوله (في الثواب) يتعلق بقوله (طامعا)، أي: طامعا في نواله تعالى وإحسانه.\r[ما يجب شرعا على المكلَّف معرفته]\r9 - فَكُلُّ مَنْ كُلِّفَ شَرْعًا وَجَبَا عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ مَا قَدْ وَجَبَا\r10- لِلِّهِ وَالجَائِزَ وَالمُمْتَنِعَا وَمِثْلُ ذَا لِرُسْلِه فَاسْتَمِعَا\r[التكليف بوجوب المعرفة وشروطه]\r(فكلّ من) أي عبد أو شخص (كُلِّف) أي أُلزِم ما فيه كلفة، وهو باعتبار المصدوق: البالغُ العاقلُ الذي بلغته الدعوة.\r(شرعا) يرجع لقوله (وجبا) أي بالشرع أو من جهة الشرع، والشرع إمّا الله أو النبي، أي الشارع أو الشريعة.\r(عليه) أي على من كُلِّف (أن يعرف) أي معرفة، فاعل \"وجبا\"، وهي الجزمُ المطابِق عن دليل.\r[أقسام الحكم العقلي]\r(ما) أي شيئا (قد وجبا) أي ثبت (لله) تعالى. أي يعرف بعقله الواجب لله تعالى شرعاً. والواجب العقلي: ما لا يمكن في العقل نفيه.\r(و) أن يعرف في حقّه تعالى (الجائز) : وهو ما يصحّ في العقل نفيه وثبوته.\r(و) كذا (الممتنعا) أي المستحيل عقلا: وهو ما لا يمكن في العقل ثبوته.","part":1,"page":19},{"id":22,"text":"ومعرفة هذه الأقسام الثلاثة – أي الواجب والمستحيل والجائز وهي أقسام الحكم العقلي – لا بدّ منها لمن أراد الدخول في هذا العلم، وهي استمداده وأصله، ولذا قال الإمام(1): إنّ تصوّر معاني هذه الأقسام هو نفس العقل.\r(ومثل ذا) التقسيم يجب أن تجعله (لرسله) تعالى عليهم الصلاة والسلام.\r(فاستمعا) تكميل للبيت، والألف فيه بدل من نون التوكيد الخفيفة، أي يجب أيضا بالشرع على كلّ مكلَّف أن يعرف مثل هذه الأقسام في حقّ الرسل عليهم الصلاة والسلام، وسيأتي بيان ذلك في النبويات إن شاء الله تعالى.\r[حكم التقليد في العقائد]\r11– إِذْ كُلُّ مَنْ قَلَّدَ فِي التَّوْحِيدِ إِيمَانُهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ تَرْدِيدِ\r12– فَفِيهِ بَعْضُ القَوْمِ يَحْكِي الخُلْفَا وَبَعْضُهُمْ حَقَّقَّ فِيهِ الكَشْفَا\r13– فَقَالَ: إِنْ يَجْزِمْ بِقَولِ الغَيْرِ كَفَى وَإِلاَّ لَمْ يَزَلْ فِي الضَّيْرِ\r[تعليل وجوب المعرفة]\r(إذ) تعليل لوجوب المعرفة (كلّ من قلّد) غيره (في) عقائد (التوحيد) المطلوب فيها المعرفة، (إيمانه) أي المقلِّد (لم يخل) لم يسلم (من ترديد)، أي تزحزح ولو بتشكيك مشكِّك، والواجبُ الجزمُ واليقينُ(2)، ولا يحصل ذلك إلا بالدليل، فتعيَّنت المعرفة.\r[أقوال العلماء في إيمان المقلِّد]\r__________\r(1) هو: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين. ولد سنة 429، وتوفي سنة 478هـ. من مصنفاته في أصول الدين: \"الشامل في أصول الدين، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد (الأعلام 4/160).\r(2) اليقين في اللغة: العلمُ الذي لا شك معه، وفي الاصطلاح: اعتقادُ الشيء بأنه كذا، مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا، مطابقا للواقع غير ممكن الزوال.(كتاب التعريفات للشريف الجرجاني ص 363)","part":1,"page":20},{"id":23,"text":"(ففيه) أي المقلِّد، أي في إيمانه (بعض القوم) أي العلماء بفنّ الكلام (يحكي الخلفا) أي الخلاف، وهو هل هو مؤمنٌ عاصٍ بترك النظر مع القدرة، أو غير عاص بتركه، أو كافر – ورجحه السنوسي ونسبه للمحققين – ؟ ثلاثة أقوال(1).\rثم قال: (وبعضهم) أي العلماء كالشيخ أبي العباس الجزائري(2) (حقَّق) أي أتقن (فيه) أي المقلد في إيمانه (الكشفا) أي البيان.\r__________\r(1) التقليد نوعان: تقليد رديء، وتقليد حسن؛ فالأول هو متابعة الغير لأجل الحمية والتعصب من غير طلب للحق، وعنه نشأ الكفر الصريح المجمع عليه، كتقليد الجاهلية لآبائهم في الشرك وعبادة الأصنام، وكتقليد عامة اليهود وعامة النصارى لأحبارهم في إنكار نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك من كل تقليد في كفر صريح. والتقليد الرديء منه ما هو مختلف في كفر صاحبه، كتقليد عامة المعتزلة والمرجئة والمجسمة لقدمائهم فيما أتوا به من آراء عقدية منافية لحقائق الأمور، والأرجح عدم كفرهم لمخالفتهم في أمور نظرية ليست معلومة من الدين بالضرورة، تحتاج إلى أنظار دقيقة في بعض الأحيان، وإن بدت إلى البعض أنها من حكم الضروري، ولقد أحسن العز بن عبد السلام حين أفتى بعدم تكفير ملتزم الجهة على الله تعالى. وأما التقليد الحسن، فالذي لا اختلاف فيه هو تقليد عامة المؤمنين لعلمائهم في الفروع الفقهية، وأما المختلف فيه، فهو تقليد عامة المؤمنين لعلماء أهل السنة في أصول الدين، والراجح عند الجمهور صحته إذا وقع منهم التصميم على الحق، لا سيما في حق من يعسر عليهم فهم الأدلة. والله أعلم.\r(2) وهو أحمد بن عبد الله الجزائري الزواوي: فاضل، مالكي، من قبيلة زواوة. ولد سنة 800، وتوفي سنة 884هـ. له منظومة لامية في أصول الدين اسمها: \"كفاية المريد في علم التوحيد\" انظر الأعلام ( 1/160)","part":1,"page":21},{"id":24,"text":"(فقال) أي البعض (إن يجزم) المقلِّد، أي يقطع (بقول الغير) الذي قلَّده في عقائد إيمانه (كفى) تقليده إياه – وهذا هو محل الخلاف –، وأمّا إذا كان مهمَا دارَ مقلَّدُه – بفتح اللام – دار معه فهذا لا جزم عنده ولا ثبات على إيمان كما أشار إليه بقوله: (وإلاّ) يجزم بقول الغير (لم يزل) واقعا (في الضير)، أي الضرر الذي لا يأمن معه من فساد إيمانه.\r[أقسام الجزم في عقائد الدين]\rتنبيه: الجزم على قسمين :\rالأول: غير مطابق لما في نفس الأمر، وهذا لا خلاف في كفر صاحبه, سواء قلد أو لم يقلد، كجزم اليهود وسائر الكفرة ويسمّى الجهل المركب والاعتقاد الفاسد.\rوالثاني: مطابق لما في نفس الأمر, وهو قسمان:\r- جزم عن دليل، وهذا لا خلاف في إيمان صاحبه, وأنّه ينتفع به في الآخرة إن تمَّم الله عليه بحسن الخاتمة.\r- وجزم مطابق لا عن دليل، وهذا هو الذي فيه الخلاف الذي عرفت، وهو جزم المقلِّد.\r[معرفة الله أوّل الواجبات الشرعية]\r14– وَاجْزِمْ بِأَنَّ أَوَّلاً مِمَّا يَجِبْ مَعْرِفَةٌ وَفِيهِ خُلْفٌ مُنْتَصِبْ\r[المراد بالمعرفة]\rلمّا فرغ الناظم رحمه الله من الكلام على المقلِّد، وهل يكفي التقليد في عقائد التوحيد أو لا، أخذ يتكلم على أوّل واجبٍ على المكلَّف فقال :\r(واجزم) أي اقطع (بأنّ أوّلا ممّا يجب) عليك أيها المكلف (معرفة) وهي الجزم المطابق عن دليل.\rفخرج بـ \"الجزم\" ثلاثة: ـ الظن ـ والشك ـ والوهم.\rوخرج بـ \"المطابق\": غير المطابق.","part":1,"page":22},{"id":25,"text":"وخرج بقولنا \"عن دليل\": الجزمُ المطابق لا عن دليل، فلا يسمى المقلِّد عارفا، ولو كان جازماً وجَزمُه مطابقًا(1).\rفائدة: الصحيح أن معرفة الله تعالى لا تحتاج إلى نيّة ولا يثاب عليها، فهي مستثناة من قاعدة أن الواجب ما يثاب على فعله. نعم يترتب على الأول الذي هو حديث النفس التابع للمعرفة – لا المعرفة على الأصح – وعلى النظر الموصِل.\r[أقوال العلماء في أوّل الواجبات الشرعية]\r__________\r(1) حكمُ الإنسان على الأشياء، وهو المصطلح عليه بالحكم الحادث، ينشأ عن أمور خمسة: علم، واعتقاد، وظن، وشك، ووهم. وبيان انحصاره فيها أن الحاكم بأمر على أمر ثبوتا أو نفيا إما أن يجد في نفسه الجزم بذلك الحكم بحيث لا يقبل الشك لا بالفعل ولا بالقوة أو لا، والحكم الغير الجازم إما أن يكون راجحا على مقابله أو مرجوحا أو مساويا. فأقسام الحكم الجازم اثنان، وغير الجازم ثلاثة. ويسمى الأول من قسمي الجزم علما ومعرفة ويقينا، والثاني اعتقادا. ويسمى الأول من أقسام غير الجزم ـ وهو الراجح ـ ظنا، والثاني ـ وهو المرجوح ـ وهمًا، والثالث ـ المتساوي ـ شكا. وإذا عرف هذا التقسيم، فالإيمان المطلوب شرعا إن حصل عن أقسام غير الجزم الثلاثة فالإجماع على بطلانه، وإن حصل عن القسم الأول من قسمي الجزم وهو العلم فالإجماع على صحته، وصاحبه يسمى عارفا. وأما القسم الثاني من أقسام الجزم وهو الاعتقاد، فينقسم قسمين: جزم مطابق لما في نفس الأمر ويسمى الاعتقاد الصحيح، وهو اعتقاد بعض عامة المؤمنين، وجزم غير مطابق ويسمى الاعتقاد الفاسد والجهل المركب، وذلك كاعتقاد الكفار، وصاحب هذا الاعتقاد مجمع على كفره وأنه آثم غير معذور مخلد في النار اجتهد أو قلد، وذلك نظرا لصحة وسهولة أدلة صحة دين الإسلام وحقيته.","part":1,"page":23},{"id":26,"text":"(وفيه) أي أوّل واجب (خُلْف) أي خلاف بين العلماء (منتصب) أي ظاهر، والأقوال في أوّل واجب كثيرة أنهاها بعضهم إلى اثني عشر، واقتصر سيدي محمد السنوسي(1) في \"شرح الكبرى\" على ستة منها، واختار القول بأنّ أول واجب: النظر، قال: «وإنما اخترت من هذه الأقوال القول بأنّ أوّل واجب النظر, لتكرر الحثّ على النظر في الكتاب والسنة حتى كأنّه مقصد، بخلاف ما قبله من الوسائل» انتهى.\rوقال قبل هذا بقليل:«وقيل أوّل واجب المعرفة، ويُعزَى للشيخ الأشعري(2) أيضا، وهو في الحقيقة غير مخالِف لما قبله, لأنه نظر إلى أوّل ما يجب مقصداً، وغيره نظر إلى أوّل ما يجب امتثالا وأداءً» انتهى المراد منه.\r[النظر: وسيلة المعرفة]\r15– فَانْظُرْ إِلَى نَفْسِكَ ثُمَّ انْتَقِلِ لِلْعَالَمِ العُلْوُيِّ ثُمَّ السُّفْلِي\r16– تَجِدْ بِهِ صُنْعًا بَدِيعَ الحِكَمِ لَكِنْ بِهِ قَامَ دَلِيلُ العَدَمِ\r17– وَكُلُّ مَا جَازَ عَلَيهِ العَدَمُ عَلَيْهِ قَطْعًا يَسْتَحِيلُ القِدَمُ\r[النظر في النفس]\rولمّا ذكر المصنف أنّ أوّل واجب المعرفة، وكان النظر وسيلة يتوصل به إليها، فقال آمرا للمكلف: (فانظر) يا أيها المكلَّف نظر اعتبار وتدبر واستبصار، لتصل بذلك إلى معرفة الواحد القهار.\r__________\r(1) هو: محمد بن يوسف بن عمر بن شعيب السنوسي الحسني: عالم تلمسان في عصره وصالحها. ولد سنة 832، وتوفي سنة 895هـ. من تصانيفه في أصول الدين: العقيدة الكبرى وشرحها المسمى: \"عمدة أهل التوفيق والتسديد في شرح عقيدة أهل التوحيد\"، والعقيدة الصغرى المسماة بـ\"أم البراهين\" وشرحها. الأعلام (7/154)\r(2) هو علي بن إسماعيل بن إسحاق، أبو الحسن، من نسل الصحابي أبي موسى الأشعري: مؤسس مذهب الأشاعرة. كان من الأئمة المتكلمين المجتهدين. ولد سنة 260 وتوفي سنة 324هـ. بلغت مصنفاته ثلاثمائة كتاب، منها: مقالات الإسلاميين، الإبانة عن أصول الديانة، استحسان الخوض في علم الكلام. (الأعلام 4/263)","part":1,"page":24},{"id":27,"text":"والنظر: الفكر في حال الشيء المنظور فيه، كما إذا نظرت (إلى نفسك) أي ذاتك التي هي أقرب الأشياء إليك، فتجدها جِرمًا(1) تلازمُه أعراض حادثة لا تنفك عنها، فتعلم على الضرورة أنك لم تكن شيئا، ثم وُجِدت وصِرت شيئا، فتعلم أن لك مُوجدًا أوجدك؛ لاستحالة أن توجد نفسك؛ لإحساسك بالعجز من نفسك، فيتعين أن يكون لك موجد واجب لذاته قادر أوجدك بقدرته؛ لاستحالة وجود الشيء من غير مُوجِدٍ؛ لِما يلزم عليه من ترجيح أحد المتساويين على مساويه بلا مرجح، وهو محال.\rمثاله في الشاهد: كفتا الميزان إذا نظرت إليها متساويتين، ثم أعدت النظر إليهما فرأيت إحداهما نازلة راجحة على الأخرى، فمن المعلوم أن العقل يحكم بالبديهة أنه لا بد من سبب اقتضى ذلك، فكذا نفسك وجميع ما ماثلك من العالَم حيث كانت عدمًا فترجّح وجودها على عدمها. قال الله جل ذكره: { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } [الذاريات: 21] أي: آيات أفلا تبصرون إليها فتستدلون بها على الصانع الحكيم !؟\r[النظر في العالم]\r(ثم) بعد نظرك في نفسك – وهي العالَم الأصغر – (انتقل) بفكرك للنظر في العالم الأكبر، وانظر (للعالَم) بفتح اللاّم (العُلوي) تجده من غريب صنع الله, دالاًّ على وجوب وجوده, وكمال قدرته, وباهر علمه وحكمته.\rومعنى العالَم:\r– أمّا في اللغة، فهو عبارة عن كلّ موجود حادِث, فيه علامة يمتاز بها عن غيره من أنواع الموجودات، كقولنا مثلا: عالَم الطير، عالَم السحاب...\r– وأمّا في الاصطلاح، فهو كل ما سِوى مولانا جلّ وعز.\rتنبيه: سُمي العالَم عالَماً لما يستفيد الناظر فيه – نظرا صحيحا – من العلم بالصانع، ولأنه علامةٌ دالة على وجود الصانع.\r__________\r(1) الجرم: هو كل ما ملأ قدراً من الفراغ.","part":1,"page":25},{"id":28,"text":"(ثم) انتقل للعالم (السفلي) والمراد بالعالم السفلي الأرض وما اتصل بالأرض, من نبات ومن حيوان وغير ذلك. والمراد بالعلوي ما عدا ذلك، فيدخل فيه السحاب والرعد, وجميع ما خلق الله في الجوّ؛ وكل ما فوق السموات والعرش من العالم العلوي .\rويحتمل أنّ تقديم المصنف العالَم العلوي لشرفه على السفلي، ولما فيه من زيادة العجائب، إلا أنه يقيَّد بما عدا البقعة التي ضمّت أعضاءه عليه الصلاة والسلام.\r[نتيجة النظر الصحيح]\r(تَجِدْ) بالجزم في جواب الأمر (به) أي العالَم بالمعنى الاصطلاحي الذي هو كلّ ما سوى الله تعالى، فيدخل العالَم الأصغر، وإلا لقال: تجد بها، ففي كلامه نوع استخدام، والباء في \"به\" زائدة، أي تجده (صنعا) عظيما كثير العجائب، كلّه دالّ على وجوده وعظيم قدرته تعالى؛ إذ كلّ مصنوع لا بد له من صانع.\r(بديع الحكم) أي: مبدَع من غير مثال سبق، كما قال تعالى: { بديع السموات والأرض } [البقرة: 117]. والحِكَم جمع حِكمَة، من الإحكام وهو الإتقان.\r(لكن) العالَم حادِث لأجل أنّه (به) أي العالَم، أي أجْرامُه دون الأعراض وإلا لاتّحد الدليل – وهو الأعراض – والمدلول – وهو الأجرام –، ففيه شبه استخدام.","part":1,"page":26},{"id":29,"text":"(قام دليل) وجواز (العدم) لملازمته للأعراض المشاهَد حدوثها لتغيّرها من عدم إلى وجود وبالعكس، وكلّ ما لازم الحادث يجب أن يكون حادثا؛ إذ لو كانت الأجرام قديمةً موجودةً في الأزل للزِم عُروُّها عن الأعراض الملازمة لها، وهو محال لاستحالة عروِّ الجِرْمِ عن الحركة والسكون مثلا(1).\rوإذا ثبت أنّ العالَم جائز العدم، لزم أن يكون مستحيل القِدم؛ لأنّ طُرُوَّ العدم على الشيء دليل على أنه مسبوق بالعدم؛ لاستحالة عدم القديم، إذ كلّ ما ثبت قدمه استحال عدمه، وهو معنى قوله: (وكلّ ما جاز عليه العدمُ، عليه قطعا يستحيل القِدم) لِما عرفت من استحالة عدم القديم، وإذا استحال قِدم العالَم وجب حدوثه؛ إذ لا واسطة بين القِدم والحدوث، وإذا وجب حدوثه لزم احتياجه إلى محدِث – بكسر الدال – أي موجِدٍ أحدثه وأوجده لاستحالة حدوث الشيء لنفسه من غير فاعل.\r[الإيمان والإسلام]\r18– وَفُسِّرَ الإِيمَانُ بِالتَّصْدِيقِ وَالنُّطْقُ فِيهِ الخُلْفُ بِالتَّحْقِيقِ\r__________\r(1) لخص الشارح في كلمات قليلة برهان المتكلمين على حدوث العالم المنحصر في الأجرام (الذوات) والأعراض (الصفات) القائمة بها، ومبنى الاستدلال هو أن لتلك الأجرام صفات زائدة عليها يُستدَل بحدوثها على حدوث موصوفها. وهذا الدليل ينبني عند المتكلمين على إثبات سبعة أصول، الأول: إثبات زائد تتصف به الأجرام، والثاني: إبطال استحالة قيام ذلك الزائد (المسمى بالعرض) بنفسه، والثالث: إبطال انتقاله من جِرم إلى آخر، والرابع: إبطال كمونه وظهوره في نفس الوقت في جرم واحد لكون ذلك يؤدي إلى اجتماع الضدين في المحل الواحد، والخامس: إثبات استحالة انتفاء وعدم القديم، والسادس: إثبات كون الأجرام لا تنفك عن ذلك الزائد ولا تعقل عارية عنه، والسابع: إثبات استحالة دخول حوادث لا أول لها إلى الوجود. وقد بسطت أدلة هذه المسائل في مطولات كتب الكلام.","part":1,"page":27},{"id":30,"text":"19– فَقِيلَ شَرْطٌ كَالْعَمَلْ وَقِيلَ بَلْ شَطْرٌ وَالإّسْلاَمَ اشْرَحَنَّ بِالْعَمَلْ\r20– مِثَالُ هَذَا الحَجُّ وَالصَّلاَةُ كَذَا الصِّيَامُ فَادْرِ وَالزَّكَاةُ\r[مفهوم الإيمان]\rولمّا فرغ من الكلام على المعرفة والنظر المحصِّل لها، أخذ يتكلم على الإيمان – الذي هو حديث النفس التابع لها – فقال:\r(وفُسّر الإيمان) لغة بمطلق (التصديق)، وفي الشرع: التصديق بما عُلِم بالضرورة(1) من دين سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء، أي إذعان القلب لذلك واستعلامه، هذا مذهب جمهور العلماء.\rوعند جمهور المحدّثين والمعتزلة والخوارج مجموع ثلاثة أمور: اعتقاد الحق، والإقرار به، والعمل بمقتضاه.\rفمن أخلّ بالاعتقاد دون الإقرار، فهو منافق في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - زنديق فيما بعد. ومن أخلّ بالإقرار مع التمكن منه فهو كافر، أي مجاهر بكفره، وإلا فالمنافق كافر بلا نزاع، بل هو أخبث الكفرة. ومن أخلّ بالعمل ففاسق عند أهل السنة رضي الله عنهم – وهو الحق – ، وعند الخوارج كافر، وعند المعتزلة خارج عن الإيمان غير داخل في الكفر.\r__________\r(1) المراد من المعلوم من الدين بالضرورة: هو ما اشتهر كونه من الدين بحيث يعلمه العامة من غير افتقار إلى نظر واستدلال وإن كان في أصله نظريا، ومثال ذلك: وحدة الله تعالى، ووجوب الصلاة، وحرمة الخمر ونحو ذلك. وتكفي المعرفة الإجمالية بذلك فيما يلاحظ إجمالا، كالإيمان بغالب الأنبياء والملائكة، ويشترط التفصيل فيما يلاحظ تفصيلا، كالإيمان بجمع من الأنبياء مثل آدم ومحمد صلى الله عليه وسلم، وجمع من الملائكة كجبريل وعزرائيل.","part":1,"page":28},{"id":31,"text":"والمعتمدُ أنه التصديق(1)؛ قال بعضهم : \"والإيمان عبارة عن التصديق؛ قال تعالى: { وما أنت بمؤمن لنا } [يوسف: 17 ] أي بمُصدِّق لنا، فمن صدَّق الرسول فيما جاء به من عند الله فهو مؤمنٌ فيما بينه وبين الله تعالى، والإقرار شرط إجراء الأحكام.\rوالأعمال ليست من الإيمان(2)\r__________\r(1) ليس المراد من التصديق هنا أن يقع في القلب نسبة الصدق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعان وتسليم وقبول لما وقع فيه، وإلا لزم أن يكون كل من صدّق بمحمد عليه الصلاة والسلام مؤمنا، وظاهر أنه ليس كذلك؛ فإن كثيرا من الكفار كانوا عالمين بصدقه صلى الله عليه وسلم كما يشهد لذلك قوله الله تعالى: ? يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ? وقوله: ? وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ?، بل المراد بالتصديق ـ الذي هو أصل الإيمان الشرعي ـ الإذعانُ والقبول لما وقع في القلب، والانقياد له وسكون النفس إليه واطمئنانها به، وقبولها يكون بترك العناد والتكبر، ثم بناء الأعمال الشرعية على ذلك الاعتقاد.\r(2) الأعمال ليست ركنا من أركان الإيمان داخلة في قوام حقيقته حتى يلزم من عدمِها عدمُه، وليست ساقطة بالكلية حتى لا يضر المؤمن معصية؛ إذ من الأول يلزم إقفال باب التوبة والإفضاء إلى اليأس والقنوط، وأن لا يوجَد من العالَم مؤمن إلا نبي معصوم، وأن لا يطلق اسم المؤمن على أحد إلا بعد استجماع خصال الخير عملا، ومن الثاني يلزم انفتاح باب الإباحة، فيرتفع معظم التكاليف الشرعية. والمختار عند المحققين من العلماء أن الأعمال الصالحة شرط لكمال الإيمان، فالتارك لها أو لبعضها من غير استحلال ولا عناد ولا شك في مشروعيتها مؤمنٌ فوَّت على نفسه الكمال، والآتي بها ممتثلا محصِّل لأكمل الإيمان.","part":1,"page":29},{"id":32,"text":"كما قال أهل الحديث لأنها عُطفت على الإيمان في غير موضع، والمعطوف غير المعطوف عليه، ولأنه شرط لصحة الأعمال؛ قال الله تعالى: { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن } [طه: 112] والشرط يغاير المشروط\". انتهى المراد منه\rوقوله: \"ولأنه شرط لصحة الأعمال لقوله تعالى: { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن } \" إلخ يعني أنّ جملة \"وهو مؤمن\" حال من فاعل \"يعمل\"، أي: ومن يعمل من الصالحات والحال أنه مؤمن.\r[حكم النطق بالشهادتين]\r(والنطق) أي الإقرار بالشهادتين، فمن صدق بقلبه واعترف بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - ولم يمتنع من الإقرار، وإنما اتفق له أنه لم ينطق بالشهادة حتى اخترمته المنية (فيه الخلف) أي الاختلاف (بالتحقيق).\r(فقيل): الإقرار (شرطٌ) في قبول إيمان من صدَّق وكان متمكِّنا من الإقرار ولم يمنعه مانع كخرس وضيق وقت لموت (كالعمل) أي مثل ما قيل: إن النطق شرط، قيل: إن العمل – أي الطاعات – شرط، ومراد المصنف باشتراط العمل شرطُ الكمال.\r(وقيل): ليس النطق شرطا خارجا عن حقيقة الإيمان، (بل شطر) – أي جزء منه – أي إنّ الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب والنطق باللسان، إلا أنّ التصديق ركن لا يحتمل السقوط بحال، والإقرار قد يحتمل السقوط كما في حق الأخرس وغير المتمكن لأجل مانع. وعلى هذا القول، فمن صدق بقلبه وكانت له قدرة على النطق ولم يقع منه النطق بالشهادتين فهو كافر حتى في الآخرة.","part":1,"page":30},{"id":33,"text":"تنبيه: مذهب جمهور المحققين أنّ الإيمان هو التصديق بالقلب، وأمّا الإقرار فإنما هو شرط إجراء الأحكام في الدنيا, لأن التصديق أمر باطن فلا بد له من علامة تدل عليه، حتى إن من صدق بقلبه ولم يُقِرَّ بلسانه فهو مؤمن عند الله، وإن لم يكن مؤمنا باعتبار أحكام الدنيا؛ ومن أقرَّ بلسانه ولم يؤمن بقلبه – كالمنافق – فبالعكس، أي تجري عليه أحكام المؤمنين في الدنيا وهو في الآخرة أخبث الكفرة. انتهى ملخصا من شرح العقائد للمحقق التفتازاني(1).\r[مفهوم الإسلام وأركانه]\rوقوله: (والإسلام) مفعول (اشرَحَنّ) أي فسِّره (بالعمل) الصالح، فالإسلام اسم لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسم لما بطن من الاعتقاد، وهما متلازمان(2).\r__________\r(1) هو مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، سعد الدين: من أئمة العربية والبيان والمنطق. ولد سنة 712 وتوفي سنة 793هـ. من كتبه: \"شرح العقائد النسفية\"، وكتاب \"المقاصد الدينية\" وشرحه. (الأعلام 7/219)\r(2) معنى التلازم أنه لا يصح شرعا أن يحكم على أحد بأنه مؤمن وهو ليس بمسلم، ولا مسلم وهو ليس بمؤمن، فالمراد من التلازم الاتحاد والتساوي خارجا بالنظر إلى الحكم الشرعي الظاهري، لا مفهوما لأن مفهوم الإيمان هو التصديق بالله تعالى فيما أخبر من أوامره ونواهيه، والإسلام هو الانقياد والخضوع لألوهيته، وهذا الأخير لا يتحقق إلا بقبول الأمر والنهي، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكما فلا يتغايران من هذه الحيثية، لا مفهوما. والله أعلم.","part":1,"page":31},{"id":34,"text":"ثم مثّل الإسلام فقال: (مثال هذا) أي الإسلام، أو العمل ليكون مقيدا للعمل المطلق: النطق بالشهادتين، (الحج) إلى بيت الله لمن استطاع الوصول إليه، (والصلاة) أي الصلوات الخمس، (كذا الصيام) لشهر رمضان، (فادر) حشو (والزكاة). وأشار به إلى ما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: « بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال فأخبرني عن الإيمان؛ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق. فلبث مليا ثم قال لي: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم ».(1)\rفالنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الإسلام في هذا الحديث الشريف اسما لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، والله أعلم.\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان","part":1,"page":32},{"id":35,"text":"فائدة: قيل لبعض العارفين: ما الفرق بين الإيمان والتوحيد والمعرفة والإسلام فقال: إقرارك بوحدانية الواحد إيمان، وعلمك بفردانيته توحيد، ومعرفتك للوَاحد بالوَحدانية معرفة، وعبادتك للواحد بالإخلاص إسلام. انتهى\r[زيادة الإيمان ونقصه]\r21– وَرُجِّحَتْ زِيَادَةُ الإِيمَانِ بِمَا تَزِيدُ طَاعَةُ الإِنْسَانِ\r22– وَنَقْصُهُ بِنَقْصِهَا وَقِيلَ لاَ وَقِيلَ: لاَ خُلْفَ، كَذَا قَدْ نُقِلاَ\rقال المصنف: (ورُجِّحَت زيادة الإيمان)، أي رُجح القول بزيادة الإيمان، وهو مذهب معظم السلف والمحدثين، وهو للأشاعرة، وطائفة من المتكلمين، وأحد قولي مالك، وقول الشافعي. واستدلوا بآيات كثيرة منها قوله تعالى: { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } [الأنفال:2] { ويزداد الذين آمنوا إيمانا } [المدثر: 31] إلى غير ذلك (بما تزيد طاعة الإنسان) أي بسبب زيادة طاعة المؤمن.\r(ونقصه) أي الإيمان (بنقصها) أي الطاعة، (وقيل): إن الإيمان (لا) يزيد ولا ينقص؛ إذ هو التصديق الجازم مع الإذعان، فلا يتصور فيه زيادة ولا نقصان، وهو لأبي حنيفة وطائفة، واختاره إمام الحرمين.\r(وقيل لا خلف) ومن قال بزيادته عنى بذلك زيادة الأعمال، ومن قال بعدم الزيادة أراد التصديق. نعم، زيادة ظاهرة على قول من يجعل الأعمال من الإيمان. (كذا قد نقلا) بألف الإطلاق.\r[الصفات الواجبة في حق الله تعالى]\r23– فَوَاجِبٌ لَهُ الوُجُودُ وَالقِدَمْ كَذَا بَقَاءٌ لاَ يُشَابُ بِالْعَدَمْ\r24– وَأَنَّهُ لِمَا يَنَالُ الْعَدَمُ مُخَالِفٌ، بُرْهَانُ هَذَا: القِدَمُ\r25– قِيَامُهُ بِالنَّفْسِ وَحْدَانِيَّهْ مُنَزَّهًا أَوْصَافُهُ سَنِيَّهْ\r26– عَنْ ضِدٍّ أَوْ شِبْهٍ شَرِيكٍ مُطْلَقًا وَوَالِدٍ كَذَا الْوَلَدْ وَالْأََصْدِقَا","part":1,"page":33},{"id":36,"text":"ولمّا تقدم في كلام الناظم أنه يجب على المكلَّف أن يعرف ما يجب لله تعالى وما يستحيل عليه جل وعلا وما يجوز في حقه، استشعر كأنّ سائلا سأل: ما هو الواجب؟ إلى آخره، فلذا أتى الناظم بالفاء في قوله:\r(فواجب) أي: إن سألت عمَّا يجب، فواجبٌ له تعالى (الوجود) الذاتي، وقدَّمه على سائر المطالب لأنه إذا ثبت الوجودُ ترتَّب عليه ما بعده من المطالب.\r[أقسام الصفات]\rواعلم أن الصفات على ما اختاره السنوسي ومن تبعه عشرون، وهي أربعة أقسام:\r– نفسيّة(1): وهي الوجود\r– وسلبية(2): وهي خمس: القِدم، والبقاء، والمخالَفة للحوادث، والقيام بالنفس، والوحدانية.\r– ومعانٍ(3): وهي سبع: الحياة، والعلم، والإرادة، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام.\r– ومعنوية(4) منسوبة للمعنى، وهي لازمة للمعاني ولذلك كانت مثلها سبعا، وهي كونه تعالى حياًّ، وعالِماً، ومريداً، وقادراً، وسميعاً، وبصيراً، ومتكلماً.\rوعليها يتكلم المصنّف في نظمه، لكنها مجردة عن البراهين مع أنه لا بد منها، ونحن إن شاء الله نذكر برهان كل صفة مضافا إليها.\rوزاد بعضهم قسمين آخرين وهما:\r__________\r(1) الصفة النفسية: هي الصفة الواجبة للذات مدّة وجودها، وهي غير معلَّلة بصفة أخرى قائمة بالذات. وذلك مثلا كتحيّزنا وأخذنا قدرا من الفراغ، فإنه واجب لنا مدة وجودنا، وليس ثبوته لنا معلَّلا بعلّة.\r(2) الصفة السلبية: هي كل صفة مدلولها عدم أمر لا يليق بالله سبحانه وتعالى.\r(3) صفات المعاني: هذا مصطلح للصفات الثبوتية، وهي كل صفة موجودة في حدّ ذاتها، حادثة كانت كبياض الجسم وسواده، أو قديمة كعلم الله تعالى وقدرته.\r(4) الصفات المعنوية: هي فرع الصفات الثبوتية لملازمتها إياها، فإن اتصاف محل ما من المحالّ بكونه عالما قادرا مثلا إنما يصح عند قيام العلم والقدرة به. وهذا القسم من الصفات هو المعبّر عنه بالأحوال، وهي معتبرة عند من يثبتها.","part":1,"page":34},{"id":37,"text":"– الصفات الجامعة(1): كالعظمة.\r– وصفات الأفعال(2): كالإحياء والإماتة ونحو ذلك.\r[الصفة النفسيّة: الوجود]\rثم إن الوجود صفة نفسية كما تقدّم، وحقيقة الصفة النفسية: الحال(3) الواجبة للذات ما دامت الذات غير مُعلَّلَة بعِلَّة.\rفقولهم: \"الحال\" يخرج به السّلوب والمعاني\rوقولهم: \"غير معللة بعلة\" تخرج به الحال المعنوية فإنها معللة بالمعاني، كالقادرية والعالمية مثلا، فإنهما معللتان بقيام القدرة والعلم بالذات.\r__________\r(1) الصفات الجامعة: وهي عبارة عن كل صفة تدل على معنى يندرج فيه سائر أقسام الصفات، كعزة الله وجلاله وعظمته وكبريائه وألوهيته. وإنما كانت هذه جامعة لأنك تقول مثلا: جل بكذا وعن كذا، فيدخل في الأول جميع الكمالات من المعاني والمعنوية وصفات الأفعال؛ فكما جل بقدرته وبعلمه وبكونه عالما قادرا مثلا، كذلك جل بخلقه بدائع المصنوعات وإحيائه الأموات. ويدخل في الثاني جميع السلبيات، إذ يقال جلَّ عن الشريك وجل عن الصاحبة والولد، وكذا يقال عظم بكذا وعن كذا، فلمَّا كان لفظ الجلال والعظمة ونحو ذلك محتملا للتحليات والتنزيهات سمي جامعا.\r(2) صفة الفعل: وهي صدور الآثار عن قدرته تعالى وإرادته، المعبَّر عنها بالتعلق التنجيزي الحادث، كالخلق والرزق.\r(3) من قال بالحال عرّفها بأنها صفة غير موجودة ولا معدومة في نفسها قائمة بموجود.فقولهم صفة احتراز عن الذات، فإن الذات ليست بحال؛ وقولهم غير موجودة بنفسها احتراز عن الصفات الموجودة في نفسها كالعلم والقدرة؛ وقولهم لا معدومة احتراز عن الصفات العدمية التي ليس لها أدنى ثبوت في الخارج كالصفات السلبية. وجمهور المحققين على نفي الحال.","part":1,"page":35},{"id":38,"text":"وأما برهان وجوب الوجود، فقد تقدم في صدر الكتاب، فلا نطيل بإعادته(1).\r[الصفات السلبية وبراهينها]\r[صفة القدم]\r(والقِدم) هو صفة سَلْبِيَّة تَسلِب عن مولانا نقيصة الحدوث، وهو أوّل الخمس. وسمّيت سلبية لأن معنى كل واحدة منها سلبت نقصاً عن مولانا لا يليق به تعالى. واعلم أن القِدم يطلق تارة:\r– على ما طالت مدّته وتعاقب عليه الجديدان الليل والنهار. والقِدم بهذا المعنى مستحيل على مولانا جل وعز، إذ يتعالى ربنا أن يكون وجوده زمانيا، إذ الزمان والمكان من صفات الحوادث المحبوسين في سجن العالم، وأيضا الزمان(2) والمكان حادثان مخلوقان فلا يتصف الباري بهما، إذ يستحيل على مولانا أن يتصف بالحوادث.\r__________\r(1) تذكيرا به نقول: إن الوجود الذاتي لله تعالى معناه أنه تعالى وُجد لذاته لا لعلة، ودليل ذلك ما مر من وجوب افتقار العالم وكل جزء من أجزائه إليه تعالى، وكل من وجب افتقارُ العالم إليه لا يكون وجوده إلا واجبا قديما، ولا جائز أن يكون حادثا، وإلا لزم الدور أو التسلسل المستحيلان على ما سيبينه الشارح. ولهذا اتفق على وجوب وجود الله تعالى في الجملة جميع الملل مؤمنها وكافرها، خلا شرذمة قليلة من جهلة الفلاسفة زعمت أن حدوث العالم أمر اتفاقي بغير فاعل. ويكفي في الرد عليهم أن صرف قلوبهم عن إدراك وجود الصانع مع ظهور دليل ذلك من أدل دليل على وجوب وجوده تعالى..\r(2) إذا قدِّر الزمان بكونه أمرا وجوديا هو مقدار حركات الأفلاك من دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس إلى آخر ذلك، فلا شك في انعدامه بهذا المعنى في الأزل؛ إذ لا فلَك فيه ولا حركة لما ثبت بالبرهان من حدوث كل ما سوى الله عز وجل، وكل ما لم يكن في الأزل فهو حادث. وإذا فُسِّر بكونه أمرا وهميا، وهو ليس إلا مقارنةُ متجدِّدٍ لمتجدد، فحدوثه واضح لحدوث كل المتجدِّدات.","part":1,"page":36},{"id":39,"text":"– ويطلق ويراد به عدمُ الأوَّلِيَّة للوجود، ونفي سبْقِ العدمِ على الوجود، والقِدم بهذا المعنى هو الذي يجب لمولانا جلّ وعزّ.\rوعطْفُ القِدم – كالبقاء – على الوجود من عَطف اللازم على الملزوم؛ لأن وجوب الوجود دل على حالٍ واجب للذات أزلا وأبدا بالمطابقة(1)، ودلّ على نفي العدم السابق – الذي هو معنى القِدم – وعلى نفي العدم اللاحق – الذي هو معنى البقاء – بالالتزام(2).\rوأمّا برهان وجوب القِدم لمولانا جلّ وعزّ، فإنه لمّا ثبت وجوب الوجود لمولانا تعالى بوجوب افتقار جميع الكائنات إليه وجب أن يكون قديماً، إذ لو لم يكن قديما لكان حادثا، إذ لا واسطة بينهما لوجوب انحصار كل موجود في القِدم والحدوث، فمتى ثبت أحدهما تعين انتفاء الآخر لأنهما ضدان، والضدان لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ فإذن لو انتفى عن مولانا القِدم – تعالى عن ذلك علوا كبيرا – لثبت له ضده وهو الحدوث.\r__________\r(1) دلالة المطابقة: دلالة اللفظ على تمام ما وُضع له، كدلالة الإنسان على مجموع الحيوان الناطق، وسميت \"دلالة المطابقة\" لمطابقة الفهم للوضع اللغوي، لأن الواضع وضع اللفظ ليدل على معنى بتمامه، وقد فهمناه بتمامه. (إيضاح المبهم في معاني السلم للدمنهوري، ص: 40)\r(2) دلالة الالتزام: دلالة اللفظ على أمر خارج عن المعنى لازم له، كدلالة الإنسان على قبول العلم وصنعة الكتابة. وسميت دلالة التزام لأن المفهوم خارج عن المعنى لازم له ذهنا وإن لم يكن في الخارج. (المصدر السابق)","part":1,"page":37},{"id":40,"text":"ولو كان حادثا لافتقر إلى محدِث, لوجوب افتقارِ كلّ حادثٍ إلى محدِث, كما تقدم في برهان الوجود، وننقل الكلام إلى ذلك المحدِث فيلزم فيه ما لزم الأوّل الذي قبله من الافتقار إلى محدِث وهلمّ جرا. ثم إن كان العدد غير محصور، وكان قبل كل محدِث محدِث لزم التسلسل، وهو محال لما يلزم عليه من الفراغ وعدم النهاية(1)،\rوحوادث لا أوّل لها محال لا يعقل؛ لأنّ معنى قولنا حوادث هو أنّ لها أوّلا، إذ حقيقة الحادث هو المسبوق بعدم فيكون له أول، فإذا قلت لا أول له جاء التناقض وهو محال.\rوإن كان العدد محصورا لزم الدور، وهو أيضا مستحيل لما يلزم عليه من تقدم الشيء على نفسه ومن تأخّره على نفسه أيضا:\r– أما لزوم تقدّمه على نفسه, فلأن صانعه أثر له، فيجب أن يتقدم على صانعِه لوجوب سَبْقِ المؤثِّر على الأثَر، ولكن هو أيضا أثرٌ لصانعه، فيجب أن يتقدم صانعُه عليه.\r– وأما لزوم تأخره على نفسه، فلأنه أثر لصانعِه فيتأخر عنه، وصانعُه أثر له فيتأخر عنه.\rوالحاصل أنّ الدور يلزم فيه أن يتقدم حصولُ الشيء على حصول نفسه بمرتبتين، وأن يتأخر حصولُه عن حصول نفسه بمرتبتين. انتهى من شرح الكبرى.\r[صفة البقاء]\r(كذا بقاء)، أي وممّا هو واجب له تعالى: البقاءُ، وتقدم أنه صفة سلبية، وأن عطفَه على الوجود من عطْف اللازم على الملزوم، وكذا عطفُه على القدم من عطف اللازم على الملزوم لأنّ كل من ثبت قدمه استحال عدمه.\r__________\r(1) قال الشيخ السنوسي في شرح الكبرى: يلزم على وجود حوادث لا أول لها أن يكون دَخلَ في الوجود وفرَغَ من حركات الأفلاك وأشخاص الحيوان ونحوها على الترتيب واحدًا بعد واحد عَدَدٌ لا نهاية له، والجمع بين الفراغ وعدم النهاية جمع بين متناقضين، فيكون محالا على الضرورة، ويلزم عليه أن يكون وجودُنا ووجود سائر الحوادث الآن محالاً لتوقُّفِه على المحال، وهو فراغ ما لا نهاية له. (عمدة أهل التوفيق والتسديد في شرح عقيدة أهل التوحيد للسنوسي، ص: 37)","part":1,"page":38},{"id":41,"text":"وإنما لم يكتف المصنف بوجوب الوجود عن ذكر القدم والبقاء مع أنّهما يؤخذان منه التزاما لأنّ المطلوب في هذا العلم البيان والتوضيح بقدر الإمكان؛ وأيضا فليس كلّ أحد يفهم اللوازم من الملزومات ويستخرج الجزئيات من الكليات.\rومعنى البقاء في حقه تعالى: نفي الآخريّة ونفي العدم اللاحق، كما أن معنى القِدم: نفي الأولية ونفي العدم السابق كما تقدم؛ قال الله تعالى: { هو الأوَّلُ والآخِرُ والظاهِر والباطِن } [الحديد: 3]؛\rفـ \"الأوّل\": القديم من غير بداية\rو\"الآخر\": الباقي من غير نهاية\rو\"الظاهر\": المعروف بالأدلة، أي الذي أظهر أدلة معرفته بما أبدع من صنعته\rو\"الباطن\": الذي لا يُحَدُّ ولا يُكَيَّفُ.\rوقوله: (لا يشاب بالعدم)، في موضع الصفة لبقاء، أي وكما يجب له تعالى الوجود والقدم كذا يجب له بقاء لا يشوبه – أي لا يخالطه – عدم، بل لا نهاية له, لما عرفت من أنّ كلّ من ثبت قدمه استحال عدمه.\rوبرهان وجوب البقاء لمولانا جل وعلا أنه تعالى لو لم يجب له البقاء لكان يقبَل الوجودَ والعدمَ، وكل من يقبل الوجود والعدم وجوده جائزٌ لا واجب، وكل من وجوده جائز فهو حادِث فيفتقر إلى من يُرَجِّح وجودَهُ على عدمه، فلو لم يكن تعالى باقيا لكان حادثا، وقد سبق قريبا استحالة الحدوث عليه تعالى ووجوب القدم له جل وعلا، فيلزم أن يكون باقيا لوجوب قدمه؛ إذ كل من ثبت قدمه استحال عدمه ووجب بقاؤه.\r[صفة المخالَفة للحوادث]\r(وأنه) تعالى (لما) أي للذي (ينال) ينالُه بمعنى يلحقُه (العدم) وهو الحوادث (مخالِفٌ) خبر \"أنه\". يعني أنه تعالى مخالِفٌ لجميع الحوادث، فقوله: \"لِمَا\" يتعلق بـ \"مُخَالِفٌ\".","part":1,"page":39},{"id":42,"text":"ومعني المخالَفة للحوادث, نفي الجِرْمِيَّة والعَرَضِيَّة عنه تعالى؛ أي ليس هو تعالى جِرْماً ولا عَرَضًا(1) قائماً بالجرم، ولا يوصف تعالى بحركة ولا سكون، ولا بمكان ولا بزمان، ولا جهة من الجهات الست وهي: أمام، وخلف، ويمين، وشمال، وفوق، وتحت. فليس له تعالى جهة، ولا هو كائن في جهة من الجهات.\rوينزّه مولانا عن الكيف، وعن الكِبر والصغر، وعن القرب والبعد بالمسافة ـ وأما بالعلم والسمع والبصر فهو { أقرب إليه من حبل الوريد } [ق: 16] ـ لأن جميع ذلك من صفات الحوادث، ومولانا منزه عن مشابهة الحوادث.\rقال الإمام الجنيد - رضي الله عنه -: التوحيد الأكبر هو قول الصديق: \"سبحان من جعل العجز عن إدراكه هو عين معرفته\"(2). وقال تعالى: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } [الشورى: 11]، فأفادت هذه الآية الشريفة نَفْيَ المماثلة لشيء عن ذاته وعن صفاته؛ لأنّ أوّلها تنزيه وعَجُزها إثبات.\r__________\r(1) العَرَضُ في اللغة: عبارة عما يَعْرِضُ ويزول ولا يبقى، ومنه قوله تعالى: { تريدون عَرَضَ الحياة الدنيا والله يريد الآخرة } [الأنفال: 8]، وأما في اصطلاح علماء العقيدة فهو يدل على ما لا يقوم بذاته، أو المفتقر إلى ذات يقوم بها، وذلك كالألوان والروائح والحركة والسكون إلخ\r(2) والمنقول أيضا عن أبي بكر - رضي الله عنه - قوله: \"العجزُ عن درْكِ الإدراك إدراكٌ\"، والدَّرْكُ: أقصى قعر الشيء كالبحر ونحوه، وعلى هذا يكون المراد بدرك الإدراك: أقصى مراتب الإدراك، وهو إدراكه تعالى بالكُنْه. وقيل في تفسيره: إن عجْزَ العقول عن درْكِ كُنْهِ الواجب تعالى وامتناع حصوله لها، إدراكٌ لها إياهُ تعالى بعنوان تمايُزِه بهذا العنوان عن جميع ما سواه، وهو أن يمتنع إدراكُ كُنْهِهِ، بخلاف ما سواه.","part":1,"page":40},{"id":43,"text":"وحكمة تقديم السلب على الإثبات في الآية – وإن كان الكثير عكسه وهو تقديم الإثبات على السلب – نفيُ أن يسبِق إلى الوهم أنّ صفاته تعالى وسمعه وبصره كسمع الحوادث وبصرهم، أي خشية أن يسبق للذهن ابتداءً أن سمْعه بأذن وبصره بحدقة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.\rوكذا مما يدل على تنزيه مولانا عن مماثلة الحوادث, سورة الإخلاص؛ إذ فيها ثبوت الوحدانية لمولانا في الألوهية، ونفي أن يكون له كفؤا ونظيرا، فقد روي أن المشركين قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : انعت لنا ربك أو صفه لنا، فنزلت: { قل } يا محمد للمشركين { هو الله } الواجب الوجود، الحي المعبود، الموصوف بصفات الألوهية، المختص بها، التي لا يشاركه فيها غيره، { هل تعلم له سميا } [مريم: 65] { أحد } : واحد في الذات والصفات والأفعال، { الله الصمد } : المقصود في جميع المهمات، المحتاج إليه ابتداءً ودواما، { لم يلد } : ليس له ولد { أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة } [الأنعام: 101] { ولم يولد } : ليس له والِد، بل وجوده من ذاته لا من غيره، { ولم يكن له كفؤا أحد } أي ليس له نظير في الألوهية(1). ورحم الله من قال: التوحيد إثبات ذات غير مشبّهة بالذوات ولا معطلة عن الصفات.\rوبرهان وجوب مخالَفته تعالى للحوادث أنه لو ماثل شيئا منها لكان حادثا مثلها، والحدوث عليه تعالى محال كما تقدم بالبرهان. واعلم أن صفة المخالَفة تحصّل لمن أتقنها غالب مطالب علم الكلام.\r__________\r(1) الحديث أخرجه الترمذي في التفسير، باب سورة الإخلاص. عن أبي بن كعب أنّ المشركين قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنسب لنا ربك؛ فأنزل الله: { قل هو الله أحد الله الصمد } فالصمد الذي { لم يلد ولم يولد } لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، ولا شيء يموت إلا سيورث، وإنّ الله لا يموت ولا يورث. { ولم يكن له كفؤا أحد } قال: لم يكن له شبيه ولا عِدل وليس كمثله شيء.","part":1,"page":41},{"id":44,"text":"وقوله: (برهان هذا) المطلب، وهو المخالفة للحوادث (القدمُ) يعني أن الدليل القاطع أو الواضح على أنه تعالى مخالِف للحوادث: وجوبُ القِدم لذاته العلية وصفاته الثبوتية؛ إذ القدم والحدوث ضدّان لا يجتمعان، فإذا ثبت أحدهما انتفى الآخر، فثبت كونه تعالى مخالِفا للحوادث لوجوب قدمه.\r[صفة القيام بالنفس]\rوالصفة الرابعة من الصفات السلبية: (قيامه) تعالى (بالنفس)، أي استغناؤه عن الذات وعن الفاعل.\rوالدليل على استغنائه تعالى عن الذات, أنه تعالى لو احتاج إلى ذاتٍ للزم أن يكون صفَةً؛ إذ لا يحتاج إلى الذات إلا الصفات، ولو كان تعالى صفة لانتفى اتصافُه بصفات المعاني والمعنوية لبطلان قيام الصفة بالصفة؛ ونفي اتصافه تعالى بصفات المعاني والمعنوية محال, لقيام البرهان على وجوبهما له تعالى؛ إذ الواجب هو الذي لا يمكن في العقل نفيه، فيلزم أن يكون تعالى ذاتًا عليَّةً ليصح اتصافه بصفات المعاني والمعنوية؛ إذ الصفات لا بدّ لها من ذات تقوم بها.\rوالدليل على استغنائه تعالى عن المخصِّصِ – بكسر الصاد أي الفاعِل –, أنه لو احتاج تعالى إلى فاعل لكان حادثا تعالى عن ذلك. كيف وقد تقدم بالبرهان القاطع استحالة الحدوث عليه تعالى؟\rفخرج لك من هذا أن الله تعالى قائمٌ بنفسه – أي بذاته – غنيٌّ عن غيره.\rوقد شهد بذلك لنفسه تعالى في كتابه فقال: { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد } [فاطر: 15] وقال جل من قائل: { والله الغنيّ وأنتم الفقراء } [محمد: 38] و { هو الغني الحميد } [لقمان: 26].\r[صفة الوحدانية]\r(وحدانية): هذه الصفة السادسة من صفاته تعالى العشرين، وهي الخامسة من السلبية، وهي آخرها، وهي واجبة لمولانا في الذات والصفات والأفعال.\rفأمّا وحدانية الذات, فهي عبارة عن نفي الكمِّ المتَّصِل والكم المنْفَصِل.\rومعنى الكم المتصل: أن تكون ذاته مركَّبة من أجزاء – تعالى الله عن ذلك –.","part":1,"page":42},{"id":45,"text":"والكم المنفصل: عبارة عن وجود نظيرٍ له تعالى في ذاته أو صفاته أو في أفعاله.\rفالوحدة في حقه تعالى عبارة عن نفي الكثرة في الذات والصفات والأفعال:\rفنفي الكثرة في الذات يستلزم أن لا يكون جسماً يقبل الانقسام، ويستلزم نفي نظير له في الألوهية.\rونفي الكثرة في الصفات يستلزم نفي النظير فيها، أي نفي أن يكون أحدٌ متصفا بمثل القدرة والإرادة ونحوهما من صفات الألوهية.\rونفي الكثرة في الأفعال يستلزم انفراده تعالى بها، فلا قسيم له فيها.\rومن هنا تعلم أن لا تأثير لشيء من العاديَّات ممّا جرت عادة الإله وسُنَّتُه أن يخلق عندها الشيء مقترِنا بها؛ كإيجاده تعالى الرّي عند الشرب، والشبع عند الأكل، والقطع عند اقتران السكين بالمقطوع أو المذبوح، واحتراق الشيء عند ملاقاة النار له، فهذه الأشياء وما ماثلها لا تأثير لها فيما قارنَته البتة بدليل انفراده تعالى بالفعل؛ { ألا له الخلق والأمر } [الأعراف: 54]، وبصحة تخلُّفِه كما وقع وشوهد، شاهدٌ على ذلك: { الله خالق كل شيء } [الزمر: 62] و { هل من خالق غير الله } [فاطر: 3].\r[أقسام الأدلة في إثبات العقائد]\rواختلف هل يصح أن يُستدَل على الوحدانية بالدليل السمعي أو لا؟ ولا خلاف بينهم أن الدليل العقلي فيها قطعي وأنه يكفي الاستدلال به.\rواعلم أن الصفات تنقسم بحسب الاستدلال عليها إلى ثلاثة أقسام:","part":1,"page":43},{"id":46,"text":"– قسم لا يكفي فيه إلا الدليل العقلي: وهو ما تتوقف عليه دلالة المعجزة، كوجوب الوجود له تعالى، والقدرة، والإرادة، مما يتوقف عليه الفعل؛ فإن المعجزة فعلٌ من أفعاله تعالى، ولا تَثبت رسالة الرسول عموما إلا بالمعجزة، فإذا كانت القدرة مثلا لا تثبت إلا بقول الرسول – الذي هو الدليل الشرعي –، ولا يُقبَل قولُه إلا بظهور المعجزة الدالة على صدقه وعلى ثبوت رسالته، وظهور المعجزة متوقِّف على اتصاف المرسِل بالقدرة مثلا، فقد توقّفت القدرة على ظهور المعجزة، وتوقّفت المعجزةُ على اتصاف مظهرها بالقدرة، فحصل الدَّورُ، فلم يصح أن يستدل على ذلك بالشرع. والحاصل أنه لا تصح رسالة الرسول حتى يتّصف مرسله بالقدرة، ولا تثبت له القدرة حتى تصح رسالة الرسول، وهو دور كما تقدم.\r– وقسم يكفي فيه الدليل الشرعي: وهو ما لا يتوقف عليه دلالة المعجزة، كسمعه تعالى، وبصره، وكلامه، والإدراك – على القول به – ،والبعث وأحوال الآخرة.\r– وقسم اختلف فيه – وهو الوحدانية – هل هو كالقسم الأول، فلا يصح أن يعلم إلا بالدليل العقلي، أو يستدل عليه بالدليل السمعي أيضا كالقسم الثاني؟ فقال بعض: يصح أن يستدل عليه بالدليل الشرعي – وهو رأي إمام الحرمين والفخر – وقال بعض المحققين: لا يكفي فيها الدليل السمعي، وهو مختار السنوسي.\r[برهان الوحدانية]\rأما برهان وحدانيته بمعنى نفي التركيب – وهو المراد بالكم المتصل كما تقدم –، فلأنه لو كانت ذاته العلية مركَّبة للزم أن يكون جسماً – تعالى عن ذلك –، ولو كان جسما لكان حادثا، وقد تقدم وجوب القِدم له تعالى، فلا يكون حادثاً لئلا يجتمع الضدان.","part":1,"page":44},{"id":47,"text":"وأما برهان وحدانيته تعالى بمعنى نفي النظير في ذاته وصفاته وأفعاله – وهو المراد بالكم المنفصل– فلأنه تعالى لو كان معه ثان في الألوهية لما وُجِد شيء من الحوادث؛ إذ قادران على مقدور غير جلي، فلا يدخل المقدور الواحد تحت قدرتين؛ وذلك أنه لو فرض شريك له – سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا – فلا يخلو إما أن يتَّفِقا أو يختلفا:\r– فإن اختلفا لزم العجز لاستحالة نفوذ قدرتهما؛ لأنّه إذا كان أحدهما يقول بإيجاد شيء والآخر يقول بإعدامه، فلا يمكن أن تنفذ إرادة كل منهما، وهو واضح.\r– وأمّا إن اتفقا فيلزم العجز أيضا؛ أمّا الذي لم تنفذ إرادته فعجزه واضح لأنه ترَك الفعلَ لمثله، وأمّا الذي نَفذَت إرادته فعاجز أيضا لأنهما فُرِضا مثلين، فحيث وجب العجزُ لأحدهما وجب للآخر. فتبين وجوب الوحدانية له تعالى والله تعالى أعلم.\r(منزها) أي مقدسا ومُطهَّرا عما لا يليق بجلاله وكبريائه، منصوب بفعل مقدر (أوصافه) أي صفاته تعالى (سَنيَّة) رفيعة القدر، منزَّهة عن كلّ نقص. جملة معترضة بين قوله \"منزها\" ومتعلقه، وهو قوله: (عن ضد) أي نظير في الذات أو في الصفات أو الأفعال، (أو) عن (شبه)، أي ليس له شبيه في شيء منها، و\"أو\"، بمعنى الواو.\rوكذا ينزه تعالى عن (شريك) في الألوهية (مطلقا) في الذات والصفات والأفعال.\r(و) يُنزَّه تعالى عن (والد) لأن وجوده تعالى واجب من ذاته فلا يفتقر إلى سبب، و(كذا) يُنزَّه الواحد جل وعلا عن (الولد) لاستحالته عليه تعالى، { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله } [المؤمنون: 91] وفيه ردٌّ على النصارى أهلكهم الله تعالى.\r(و) كذا ينزه تعالى عن (الأصدقا) – بالقصر للوزن، جمع صديق – لاستغنائه تعالى عن غيره، ولاستحالة الأغراض عليه جل وعلا.","part":1,"page":45},{"id":48,"text":"ويؤخذ من كلام الناظم رحمه الله استحالة الكم المتصل والمنفصل؛ أما المنفصل فواضح، وأما المتصل فمن قوله \"أو شبه\" لأنه ينفي أن يكون تعالى جسما مركبا من أجزاء(1).\r[صفات المعاني وبراهينها]\r27– وَقُدْرَةٌ إِرَادَةٌ وَغَايَرَتْ أَمْرًا وَعِلْمًا وَالرِّضَا كَمَا ثَبَتْ\r28– وَعِلْمُهُ وَلاَ يُقَالُ مُكْتَسَبْ فَاتْبَعْ سَبِيلَ الْحَقِّ وَاطْرَحِ الرِّيَبْ\r29– حَيَاتُهُ كَذَا الْكَلاَمُ السَّمْعُ ثُمَّ البَصَرْ بِذَا أَتَانَا السَّمْعُ\r30– فَهَلْ لُهُ إِدْرَاكٌ أَوْ لاَ خُلْفُ وَعِنْدَ قَوْمٍ صَحَّ فِيهِ الْوَقْفُ\r__________\r(1) درج العلماء في كتب العقيدة على تقديم مباحث التنزيهات، أي سلب النقائص عن الباري تعالى، وهم في ذلك المنهج مقتدون بقوله تعالى: ? ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ?، فصدرهذه الآية تنزيه يرد على المجسمة تجسيما صريحا أو التزاما، وعجزها إثبات يرد على المعطلة من الفلاسفة والمعتزلة والشيعة النافين للصفات الثبوتية وزيادتها على الذات الإلهية. وتقديم السلب على الإيجاب من باب تقديم التخلية على التحلية. وتأتي أهمية مباحث التنزيه السابقة من حيث كونها نافية لأصول الكفر الثمانية عن الله عز وجل، وهي الكثرة في الذات متصلا ومنفصلا، والنقص، والعلة، والعلية، والمعلولية، والشبيه والنظير. وإضافة إلى نفي جميعها عنه تعالى بالبراهين العقلية، فسورة الإخلاص قد تكفلت بذلك أيضا، فقوله تعالى: ? قل هو الله أحد ? نفي للكثرة في الذات متصلا ومنفصلا، وقوله ? الله الصمد ? نفي للنقص والعلة، وقوله: ? لم يلد ? نفي لعليته لغيره، وقوله ? ولم يولد ? نفي لمعلوليته عن غيره، وقوله ? ولم يكن له كفؤا أحد ? نفي للشبيه والنظير. وفي هذا خير دليل على تطابق براهين العقل الصحيحة ومحكم آيات القرآن العظيم.","part":1,"page":46},{"id":49,"text":"ولمّا فرغ الناظم من الكلام على صفات السُّلوب، شرع في صفات المعاني السبع، وبدأ بالقدرة منها، وإن كان الأولى تقديم الحياة لأنها شرط في الجميع، يلزم من عدمها عدم جميع صفات المعاني، ولا يلزم من وجودها وجودٌ ولا عدمٌ كما هو حقيقة الشرط. إلا أنّ هذا التوقف توقف مَعِيَّةٍ لا توقف تقَدُّمٍ؛ إذ صفات الباري تعالى كلّها قديمة يستحيل تقدم بعضها على بعض(1).\rوقدَّم المعاني على المعنوية لأنها أصل والمعنوية فرع، ولأن المعاني وجودية والمعنوية أحوال. والمعاني: هي الصفات الحقيقية الوجودية القائمة بالذات العلية الموجبة لها أحكاما.\r[صفة القدرة]\rفقال:(وقدرة) أي واجب له تعالى قدرة عظيمة, عامة التعلق بجميع الممكنات, إيجادا وإعداما وتأثيرا فيها، قديمة أزلية قائمة بالذات العلية، منزَّهة عن الكيفية.\rوبرهان وجوب اتصافه تعالى بالقدرة, أنه لو لم يتصف بها لاتصف بالعجز، وهو محال لما يلزم عليه من عدم وجود الحوادث، وهو خلاف المشاهد.\r[صفة الإرادة]\r__________\r(1) يمكننا القول أن الناظم قدّم صفة القدرة لأن أعظم الأدلة على وجود الله تعالى حدوثُ العالَم، وحدوثه وإن كان متوقفا على جميع صفات الفعل من القدرة والإرادة والعلم والحياة، إلا أن أظهرها دلالةً على ذلك القدرة؛ إذ بها التأثير مباشرة، فكأنه لم يكن إلا بها. ثم إذا ثبت عند الناظر وجوب صفة القدرة لله تعالى، انتقل منها لإثبات باقي الصفات التي يتوقف التأثير عليها، وذلك لأنه يتوقف على التخصيص بالإرادة، المتوقف على الانكشاف بالعلم، المتوقف على الحياة، فالتأثير بالقدرة نتيجة ما قبله، إلا أنه لما كان المنظور إليه أوَّلا – وهو العالم – هو المباشَر تعلُّقاً، كانت القدرة أقرب استدلالا.","part":1,"page":47},{"id":50,"text":"وكذا (إرادة)، غير أنّ تعلقها بالممكنات تعلُّق تخصيص، وهي صفة يتأتّى بها تخصيص الممكن(1) بأحد الأمرين الجائزين عليه. ويرادف الإرادة المشيئة.\r[الفرق بين الإرادة والرضا]\r(وغايرت) الإرادةُ (أمراً) يعني أنه لا تلازم بين الأمر والإرادة, إذ قد:\rـ يأمر تعالى ولا يريد، فلا يقع، كأمره تعالى أبا جهل وأبا لهب بالإيمان مع عدم إرادته له.\rـ ويريد ولا يأمر، ككفر الكافر وعصيان العاصي.\rـ ويريد ويأمر, كإيمان أبي بكر رضي الله عنه ونحوه من المؤمنين\rـ ولا يريد ولا يأمر، كالذي علم الله أنه لا يوجد.\r(و) غايرت أيضا (علما)، (و) غايرت (الرضا) وهو عبارة عن الإرادة من غير اعتراض. ويرادف الرضا المحبة.\rفعُلم أنّ الإرادة والمشيئة غير الرضا والمحبة؛ لأنّ معنى الإرادة والمشيئة المترادفين أعمّ من معنى الرضا والمحبة المترادفين (كما ثبت) ذلك وشاع واشتهر بين السلف والخلف من أهل السنة وأن « ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن »(2).\rوبرهان وجوب اتصافه تعالى بالإرادة, أنه لو انتفى عنه القصد إلى تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه – الذي هو معنى الإرادة – لم توجد الحوادث وبقيت على عدمها، والمشاهَدةُ شاهِدةٌ بمنْع عدم وجود الحوادث.\rوإرادته تعالى عامة التعلق بجميع الممكنات، فلا يقع شيء إلا بإرادته تعالى.\rفائدة:\r__________\r(1) الممكن في الإصطلاح: هو ما لا يقتضي وجودا ولا عدما لذاته، وهو ما يحتاج في وجوده إلى غيره، وهو كذلك ما استوى في حقه أمور متقابلة كالعدم والوجود، والأزمنة، والأمكنة، والمقادير، والصفات، والجهات، فالعقل يجوّز أن تكون الممكنات على هذه الحالة أو على مقابلها في كل أمرٍ من هذه الأمور، والله تعالى يرجِّح ويخصِّص بإرادته أحد هذه المتقابلات.\r(2) أخرجه أبو داود في الأدب، باب ما يقول إذا أصبح.","part":1,"page":48},{"id":51,"text":"روي أن رجلا قال لابن عباس رضي الله عنهما: أأنت الذي تزعم أن الله تعالى أراد أن يعصى؟ فقال: نعم، فقال الرّجل: ما أراد الله أن يعصى! فقال ابن عباس: ويحك! فمن حال بين الله وبين ما أراد !؟ انتهى.\rفلو كانت المعاصي غير مُرادَة لمولانا عز وجل – وإنما وقعت على كره منه تعالى – لكانت إرادة الحوادث أنفذ من إرادته تعالى.\rفائدة أخرى:\rعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: « سمعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال: أخبرك بتفسيرها؟ قلت بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فقال: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله ».(1)\rفالطاعة بقضاء الله وقدَره وإرادته وأمره ورضاه، والمعصية بقضاء الله وقدره وإرادته ولا يرضاها؛ قال الله تعالى: { ولا يرضى لعباده الكفر } [الزمر: 7]، ولا يأمر بها { إن الله لا يأمر بالفحشاء } [الأعراف: 28]. انتهى\rنعم، لا ينبغي أن يقال: مريدُ الكفر والمعاصي, – مع أن المعتقَد كذلك – أدبًا مع الفاعل المختار. أرأيت لو طلع أحد على بعض الملوك الحوادث فجعل يقول: مولانا الملك سفَك الدماء وسجن وفعل كذا وكذا، فلا شك أن ما قاله سوء أدب وإن كان السلطان قد فعل جميع ما قال. وبهذا يتبين لك معنى ما ورد في الحديث: « والشر ليس إليك »(2).\r[صفة العلم]\r__________\r(1) ورد الحديث في مجمع الزوائد، وكنز العمال، وتاريخ بغداد. (موسوعة أطراف الحديث النبوي: 7/242)\r(2) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، عن علي بن أبي طالب ونحوه.","part":1,"page":49},{"id":52,"text":"(وعلمه) تعالى القديم الأزلي، المتعلِّق بجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات؛ قال تعالى: { أحاط بكل شيء علما } [الطلاق: 12] { وأحصى كل شيء عدداً } [الجنّ: 28] { وهو بكل شيء عليم } [الحديد: 3]. وإنما تعلَّق بالواجبات والمستحيلات لأنه ليس من صفات التأثير، إذ الصفة يجب لها عموم التعلق بكل ما صلحت له.\rهذا، والدليل القطعي أنه تعالى لو لم يتصف بالعلم لاتصف بضده، وهو محال لما يلزم عليه من عدم وجود الحوادث؛ إذ لو انتفى العلم لانتفت الإرادة، ولو انتفت الإرادة لانتفت القدرة فلا يوجد شيء من الحوادث. كيف وهو الذي خلق السموات والأرض؟ { ألا يعلم من خلق } [الملك: 14].\rوالعلم: صفة أزلية قديمة, لها تعلق بالشيء على وجه الإحاطة به, على ما هو عليه دون سبق خفاء. هكذا عرَّفه بعضهم، وقوله \"بالشيء\" أي اللغوي، فلا يرِد أنّ الشيء هو الموجود.\r(ولا يقال) فيه أنّه (مكتسَب) ولا ضروري؛ لما يلزم على الأوّل من سبق الجهل المستحيل عليه تعالى؛ إذ المكتسب هو الحاصل بعد النظر، فيكون عِلمُه تعالى حادثا، وتقدم استحالته.","part":1,"page":50},{"id":53,"text":"وأما استحالة كون علمه تعالى ضروريا، فلأنه إما أن تقارنه حاجة أو ضرر، وهو محال لاستحالة الحاجة والضرر عليه سبحانه؛ وإمّا أن يحصل بغير طلب ولا نظر، فاتصاف علمه بهذا صحيح، لكنّه لا يجوز إطلاقه شرعا لما يوهِمه اللفظ من الضرر والإلجاء(1).\rويفهم من نفي الناظم أن يكون علمه تعالى مكتسبا نفي الجهل بالطريق الأولى.\rوكذا ينزه تعالى عن كل ما في معنى الجهل كالظن، والشك، والوهم، والنسيان، والغفلة، والنوم، والسنة؛ «إنّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام »(2) { لا تأخذه سنة ولا نوم } [البقرة: 255].\r__________\r(1) لفظ الضروري يطلق على أربعة معان، أحدها: ما ليس بمقدور بالقدرة الحادثة، ونقيضه المكتسب، وهو المقدور بها. وهذا المعنى لا يختص بالعلم، بل يقال: حركة ضرورية أي غير مقدورة بالقدرة الحادثة. وثانيها: ما علم بغير دليل. وثالثها: ما علم من غير تقدم نظر. وهذان المعنيان مختصان بالعلوم. ورابعها: ما قارن ضرورة وحاجة كعلم الإنسان بجوعه وألمه. والممتنع عقلا اتصاف علم الله تعالى به من هذه الأقسام هو الأخير منها، دون الثلاثة الأول منها لعدم استحالة مدلولاتها عليه تعالى. وأما إطلاق لفظ الضروري على علمه تعالى فممتنع مطلقا لإيهامه المعنى الرابع منها. وأما العلم البديهي فهو ما لا يقترن بضرر ولا حاجة، وهو بهذا الاعتبار لا يمتنع اتصاف علمه تعالى به، لكن امتنع إطلاق لفظ البديهي على علم الله تعالى لإشعاره بالحدوث؛ إذ يقال: بده النفسَ الأمرُ، إذا أتاها بغتة بغير سابقة شعور. والحاصل أن العلم الحادث ينقسم ثلاثة أقسام: ضروري، وبديهي، وكسبي. ولا يطلق واحد منها على علمه تعالى.\r(2) أخرجه مسلم في الإيمان، باب في قوله عليه السلام: «إنّ الله لا ينام» عن أبي موسى","part":1,"page":51},{"id":54,"text":"(فاسلك سبيل) أي طريق (الحق) الذي عليه أهل السنة والجماعة رضي الله عنهم (واطرح) أي دَع واترك (الرِّيَب)، جمع ريبة من الرَّيْب وهو الشك, وفي الحديث « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك »(1),\r[صفة الحياة]\r(حياته) أي ومن صفاته تعالى الواجبة له تعالى: الحياة القديمة. وهي لا تَعلُّقَ لها كما يأتي إن شاء الله عند قول الناظم \"ثم الحياة ما بشيء تعلقت\".\rوالحياة: صفة أزلية تصحح لمن قامت به أن يتصف بالعلم والإرادة والقدرة.\rوالدليل على اتصافه تعالى بالحياة: اتصافه تعالى بالصفات التي لا يمكن أن تقوم إلا بالحي؛ من العلم، والقدرة، والإرادة وغيرها، وأنه لو لم يكن حيا لم يوجد شيء من الحوادث، وهو خلاف المشاهَد، وقال تعالى: { الحي القيوم } [البقرة: 255].\r[صفة الكلام]\rو(كذا) من صفات المعاني الواجبة لله: (الكلام) النفسي الأزلي القائم بذاته العلية، المنزَّه عن الحروف، والأصوات، واللحن، والإعراب، والتقديم، والتأخير، والسكوت, وكلّ آفة ممّا هو من خواص الحوادث الذين كلامهم على حسب ما يساعد آلة اللسان من الترتيب. بل كلام مولانا تعالى صفةٌ من صفات ذاته دائمة لا تنقطع أبد الآباد، وإنّما لم نسمعه لما ضرب علينا من الحجاب، وإذا أراد تعالى إسماع كلامه لأحد من أولياءه في الآخرة, أو لبعض خواص أنبيائه في الدنيا أزال عنه الحجاب حتى يسمع كلاماً ليس له نظير ولا شبيه ولا يكيَّف.\rويتعلق بكل ما يتعلق به العلم من الواجبات والمستحيلات والجائزات، إلا أن تعلُّقَ العلم تعلّق انكشافٍ كما تقدم، وتعلق الكلام تعلق دلالة كما يأتي.\rوالدليل القاطع على اتصافه تعالى بصفة الكلام:\r__________\r(1) علقه البخاري من قول حسان بن أبي سنان، في البيوع باب تفسير المشبهات. وأخرجه مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: الترمذي في صفة القيام، باب. عن الحسن بن علي رضي الله عنهما. والنسائي في الأشربة، باب الحث على ترك الشبهات.","part":1,"page":52},{"id":55,"text":"– الكتاب: قال تعالى: { وكلم الله موسى تكليما } [النساء: 164]، { إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } [الأعراف: 144].\r– والسنّة: أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\r– وإجماع أهل السنّة.\r– ولو لم يتصف تعالى بالكلام لاتصف بضده، وهو نقص، والنقص على المتصِف بصفات الجلال والكمال محال.\r[صفتا السمع والبصر]\rوكذا من صفاته تعالى (السمع) الذي ليس بأذن ولا جارحة، بل صفة قديمة أزليّة قائمة بالذات العليّة. (ثم) من صفاته تعالى (البصرْ) بالسكون للوزن. وهو أيضا صفة أزلية قائمة بالذات العلية منزَّهة عن الكيفية، وتتعلق كالسمع بكل موجود، قديماً كان أو حادثاً.\r(بذا) أي بهذه الصفات الثلاثة: السمع، والبصر، والكلام (أتانا) أي جاءنا (السمع) أي دليل الشرع من الكتاب والسنّة والإجماع:\r– قال جل من قائل: { وهو السميع البصير } [الشورى: 11].\r– وقد مرّ - صلى الله عليه وسلم - على قوم يدعون وهم يرفعون أصواتهم فقال - صلى الله عليه وسلم -: « أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولكن تدعون سميعا بصيرا »(1) أو كما قال - صلى الله عليه وسلم -.\r– وفي الخبر أنه مكتوب في التوراة: أنا الله لا إله إلا أنا، أرى دبيب النمل على الصفا، وأسمع خفق الطير في الهوا، وأعلم ما في القلب والكلا، وأعطي العبد ما نوى. انتهى\r– وفي البخاري عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: « يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا، إنه سميع قريب ».(2)\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الجهاد والسير ، باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير. وفي التوحيد باب { وكان الله سميعا بصيرا } ؛ وفي الدعوات باب الدعاء إذا علا عقبة. ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة، باب استحباب خفض الصوت بالذكر.\r(2) انظر التخريج السابق","part":1,"page":53},{"id":56,"text":"– وأمّا الإجماع، فقد اجتمعت الأمّة أنه تعالى يسمع ويبصر دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء.\rوفي الكلام: { وكلم الله موسى تكليما } [النساء: 164] ونحوه من الآيات والأحاديث، وإجماع أهل السنة على أنه تعالى متصف بالكلام النفسي الذي هو صفة ذاته، والسمع والبصر.\r[ الأقوال في صفة الإدراك]\rولمّا فرغ الناظم من صفات المعاني المتفق علي اتصافه تعالى بها عند أهل الحق، وكانت ثَمَّ صفة ثامنة اختلف في ثبوتها له جل وعلا، ذكرها الناظم مع الخلاف الواقع فيها, فقال مستخبراً شخصا جرَّده للخطاب:\r(فهل له) تعالى صفة أخرى عدا السبع المتقدمة، وهي (إدراك) للطعوم والروائح كما هو رأي القاضي وإمام الحرمين ومن وافقهما، لكن على ما يليق به من نفي الاتصال بالأجرام ونفي الكيفية من اللذَّات والآلام، (أوْ لا) إدراك لعدم ورود السمع بها، فيستغنى عنه بالعلم ؟\rوجوابه في ذلك: (خلف) أي اختلاف مبني على صحة الاكتفاء في الصفات الثلاث بدليل الشرع أو العقل، والمعتمَد فيها على دليل السمع، ولم يرد سمع بصفة هي الإدراك، فالأسلم أن لا يقطع بثبوتها ولا نفيها، ولذا قال: (وعند قوم) من العلماء كالمقترح(1) (صح فيه) أي في الإدراك (الوقف) أي التوقف، بمعنى لا ندري هل الإدراك ثابت له تعالى زائد على العلم أو لا؟ محل توقف. فيترك الجزم بأحد الأمرين لعدم وجود الدليل.\rوالحاصل: أنه اختلف في ثبوت صفة تتعلق بالمشمومات والمذوقات والملموسات على ثلاثة أقوال؛ فقيل: هو ثابت، ودليله أن ثبوته كمال ونفيه نقص، وكل كمال واجب له تعالى، وكل نقص محال عليه، وقيل: لا، أي: والعلم يغني عنه، وقيل بالوقف.\r__________\r(1) هو مظفر بن عبد الله بن علي بن الحسين، أبو الفتح، تقي الدين، المعروف بالمقترح: فقيه شافعي مصري، برع في أصول الدين والخلاف. ولد سنة 560 وتوفي سنة 612هـ. من كتبه: \"كفاية طالب علم الكلام في شرح الإرشاد للإمام\". (الأعلام 7/256)","part":1,"page":54},{"id":57,"text":"[الصفات المعنوية]\r31– حَيٌّ عَلِيمٌ قَادِرٌ مُرِيدُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ مَا يَشَا يُرِيدُ\r32– مُتَكَلِّمٌ ثُمَّ صِفَاتُ الذَّاتِ لَيْسَتْ بِغَيْرِ أَوْ بِعَيْنِ الذَّات\r…\rثم ذكر الناظم السبع المعنوية الملازمة للسبع الأولى، ولذلك كانت مثلها سبعا، وقد اختلف هل هي عبارة عن قيام المعاني بالذات، أو هي أسماء لصفات ثبوتية غير المعاني لا موجودة ولا معدومة – وهي الأحوال عند من يثبت الحال – ، واختار الشيخ السنوسي أنها أحوال معنوية، ولذلك كانت الصفات عشرين. فقال:","part":1,"page":55},{"id":58,"text":"(حي) بحياة، (عليم)، أي عالم بعلم وهو لازم للعلم، (قادر) بقدرة وهو ملازم للقدرة، (مريد) بإرادة(1) وهو يلازم الإرادة، (سميع) أي سميع بسمع وهو ملازم لقيام السمع بذاته تعالى، (بصير) ملازم لقيام البصر بذاته، (ما يشا يريد) لأنه فاعل مختار؛ { وربك يخلق ما يشاء ويختار } [النمل: ] { لا يسأل عما يفعل } [الأنبياء: 23] وتقدم أنّ المشيئة مرادفة للإرادة والرضا مرادف للمحبة، (متكلم) بكلام أزلي نفسي، وهو ملازم لصفة الكلام. ودليل هذه الصفات المعنوية يعلم مما تقدم في المعاني.\rتنبيه:\r__________\r(1) مما يجب لله تعالى اتصاف ذاته بالإرادة المتقدم بيانها، وقد اتفق جميع المتكلمين والفلاسفة وجميع الفرق على إطلاق القول بأنه تعالى مريد، وشاع ذلك في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، إلا أن الخلاف قائم في معنى الإرادة التي أثبتها الجميع، فعند أهل السنة من الأشاعرة، وبعد ما ثبت عندهم بالبراهين كونه تعالى فاعلا مختارا ، فإرادته تعالى عندهم صفة قديمة زائدة على ذاته قائمة به على ما هو شأن سائر الصفات الحقيقية، ودليلهم هو أن تخصيص بعض الأضداد بالوقوع دون البعض، وفي بعض الأوقات دون البعض، مع استواء نسبة الذات على الكل، لا بد أن يكون لصفة شأنها التخصيص؛ وذلك لامتناع التخصيص بلا مخصص، ولامتناع احتياج الله تعالى في فاعليته إلى أمر منفصل لكون ذلك يستلزم الافتقار، وتلك الصفة هي المسماة بالإرادة، وهو معنى واضح عند العقل، مغاير للعلم والقدرة وسائر الصفات، شأن ذلك المعنى التخصيص والترجيح لأحد طرفي المقدور من الفعل والترك على الآخر.","part":1,"page":56},{"id":59,"text":"إنما تعدّ هذه من الصفات على القول بثبوت الأحوال، وأمّا على قول من لا يثبتها فالصفات عنده ثلاثة عشر. والإجماع على أن معناها ثابت لمولانا تعالى، أي بحيث لا يصح أن يقال ليس بقادر – تعالى عن ذلك – بل من رام ذلك فهو كافر، وإنّما الخلاف هل هي أسماء لصفات سوى المعاني، أو هي عبارة عن قيام المعاني بالذات؟ ذهب الشيخ الأشعري إلى الثاني، وذهب القاضي وإمام الحرمين ومن أثبت الحال إلى الأوّل.\r[صفات الله ليست عين ذاته ولا غيرها]\r(ثم صفات الذات) وهي:\r– صفات دلَّ عليها فعلُه وصنعه لتوقف الفعل عليها وهي: القدرة، والإرادة، والحياة والعلم.\r– وصفات دلَّ عليها التنزيه له تعالى عن النقص وهي: السمع، والبصر، والكلام والبقاء.\rوأمّا صفات الأفعال، فهي صفات دلّت على تأثيره، قال الشيخ السنوسي: \"صفات الأفعال عبارة عن صدور الأفعال عن قدرته وإرادته\". وأيضا صفات الذات قديمة، وصفات الأفعال حادثة عند الأشعرية.\r(ليست) هذه الصفات (بغير) الذات، (أو) ليست (بعين الذات). و\"أو\" بمعنى الواو.\rفإن قيل: الحكم بأنها ليست غير الذات وليست عين الذات ترافع!\rقلنا: المراد بكونها ليست عين الذات واضح لأنّ الصفة غير الموصوف، والمراد بكونها ليست غير الذات بمعنى عدم انفكاكها عن الذات العلية أزلا وأبدا، لا أنها نفسها، ولذلك قال بعض المحققين: \"الغيرية تعتقد ولا تطلق\". وفي منظومة بدء الآمالي:\rصفات الله ليست عينَ ذاتٍ ولا غيراً سواه ذا انفصال\rفأزال الإشكال بقوله: \"سواه ذا انفصال\"، أي إنّ الصفات لا انفصال لها عن الذات ولا انفكاك أصلا.\rقال بعضهم: \"ذهب الشيخ الأشعري وعامّة الأصحاب إلى أن من الصفات ما هو:\r– عين الموصوف، كالوجود.\r– ومنها ما هو غيره، وهو كلّ صفة أمكن مفارقتها عن الموصوف كصفات الأفعال من كونه تعالى خالقاً ورازقاً ونحو ذلك.","part":1,"page":57},{"id":60,"text":"– ومنها ما لا يقال له عين ولا غير، وهو ما يمتنع انفكاكه عن الموصوف بوجه من الوجوه كالعلم والقدرة والإرادة\". انتهى المراد منه.\r[تعلقات الصفات]\r33– فَقُدْرَةٌ بِمُمْكِنٍ تََعَلَّقَتْ بِلاَ تَنَاهِي مَا بِهِ تَعَلَّقَتْ\r34– وَوَحْدَةً أَوْجِبْ لَهَا وَمِثْلُ ذِي إِرَادَةٌ وَالْعِلْمُ لَكِنْ عَمَّ ذِي\r35– وَعَمَّ أَيْضًا وَاجِبًا وَالْمُمْتَنِعْ وَمِثْلُ ذَا كَلاَمُهُ فَلْنَتَّبِعْ\r36– وَكُلُّ مَوْجُودٍ أَنِطْ لِلسَّمْعِ بِهْ كَذَا البَصَرْ إِدْرَاكُهُ إِنْ قِيلَ بِهْ\r37– وَغَيْرُ عِلْمٍ هَذِهِ كَمَا ثَبَتْ ثُمَّ الْحَيَاةُ مَا بِشَيْ تَعَلَّقَتْ\rولمّا كان من الصفات ما له تعلُّق، ومنها ما لا تعلق له، ذكر الناظم فقال: (فقدرة بممكن) وجودُه وعدمُه (تعلَّقَتْ)، تعلُّقًا صُلوحيّا قديما، وتعلقا تنجيزياً حادثاً. ومعنى الصُّلوحي أنّها صالحة في الأزل للإيجاد والإعدام عند تعلق الإرادة الأزلية بهما فيما لا يزال.","part":1,"page":58},{"id":61,"text":"يعني أن القدرة القديمة تتعلق بجميع الممكنات؛ إذ لو اختصت ببعض الممكنات دون بعض للزم أن يكون هذا البعض الذي لم تتعلق به واجبا أو مستحيلا، وهو قلب للحقائق؛ وإلاّ احتيج إلى مخصِّصٍ، والكلّ محال(1).\rوالتعلق التنجيزي: وهو التعلق الحادث المقارن لتعلق الإرادة بالحدوث، وهو عبارة عن وقوع الممكنات عن قدرته تعالى و إرادته.\r(بلا تناهي ما به تعلقت) تلك القدرة، و\"ما\" اسم موصول في محل رفع بالابتداء، و\"به\" يتعلق بـ\"تعلقت \" وهو صلة الموصول، و\"بلا تناهي\" في موضع الخبر. يعني أنّ الذي تتعلق به القدرة لا نهاية له لأنها لم تزل صالحة للإيجاد والإعدام.\r(ووحدة) مفعول (أوجب لها)، أي للقدرة، يعني أنّ القدرة تجب لها الوحدانية, بمعنى أنها ليست متعددة، ولا يتصف بها سوى مولانا أحد.\r(ومثل ذي) القدرة في عموم التعلق بالممكنات ووجوب الوحدة (إرادة)، إلاّ أن تعلّق القدرة تعلق تأثيرٍ، وتعلق الإرادة تعلق تخصيصٍ كما مرّ.\r__________\r(1) يقرر الشارح هنا مسألة عموم تعلق قدرة الله تعالى بجميع الممكنات إيجادا وإعداما وغير ذلك، ودليله أن القدرة أو أي صفة من صفاته تعالى المتعلقة، لو اختصت ببعض ما تصلح للتعلق به لانقلب الجائز مستحيلا، ولمّا بطل انقلاب الحقائق بطل الاختصاص؛ وبيانه أن البعض الذي يفرض عدم تعلق تلك الصفة به ـ مع صلاحية تعلقها به ـ هي في صحة تعلقها به مثل البعض الذي تعلقت به، فقصر تعلق الصفة به على غيره منع لما علمت صحته، وتخصيص تعلق الصفات ببعض ما جاز أن تتعلق به يوجب افتقارها إلى مخصص مختار لاستواء الجميع بالنسبة إليها، وذلك يوجب حدوثها لما تقرر من أن كل مفتقر إلى المخصص ممكن، والممكن لا يكون صادرا إلا الفاعل المختار فلا يكون إلا حادثا، وكل ذلك مستحيل عقلا لما تقرر من البراهين القطعية على وجوب البقاء والقدم لذات الله تعالى وجميع صفاته، ونقلا لقوله تعالى: ? والله على كل شيء قدير ? أي على كل ممكن قدير.","part":1,"page":59},{"id":62,"text":"وكذا (العلم) الأزلي يتعلق كالقدرة والإرادة بجميع الممكنات، ويزيد أنه يتعلق ببقية أقسام الحكم العقلي؛ أي ينكشف له تعالى بالعلم جميع الواجبات والجائزات والمستحيلات من غير سبْق خفاء، ولذا قال: (لكن عمّ) العلم تعلقاً (ذي) الممكنات.\r(وعمَّ أيضا واجبا) كذاته وصفاته وأسمائه الواجبة القديمة، فهي منكشفة له ويعلم أنها واجبة له أزلا وأبدا.\r(و) عمَّ أيضا (الممتنع) أي المستحيل، فيعلم تعالى أنّ الشريك والنقائص عليه محال ممتنع لا يتصور وجوده.\r(ومثل ذا) العلم العام التعلق، (كلامه) تعالى النفسي الأزلي القائم بذاته، فيتعلق كلامه تعالى بأقسام الحكم العقلي الثلاثة كالعلم، غير أنّ تعلق العلم تعلق كشف، وتعلق الكلام تعلق دلالة؛ فمثال دلالة كلامه تعالى على الواجب قوله تعالى: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } [طه: 14]، وعلى الجائز: { و يوم نسير الجبال } [الكهف: 47]، وعلى المستحيل: { أنّى يكون له وَلَدٌ ولم تكن له صاحبة } [الأنعام: 101] ونحو ذلك (فلنتبع) الحق فيه النجاة.\r(وكلّ موجودٍ) قديماً كان أو حادثاً (أنط للسمع به)، يعني أنّ سمْعَه تعالى يتعلق تعلقا تنجيزيّا بكلّ موجود، واجبا كذاته وصفاته وأسمائه، أو ممكنا كمخلوقاته.\r(كذا) – أيضا– يتعلق بجميع الموجودات تنجيزًا (البصرْ) بالسكون لضرورة الوزن.\rوكذا (إدراكه) تعالى (إن قيل به) وأنّه صفة ثامنة،أي فيتعلق الإدراك على القول به بكل موجود كالسمع والبصر، وأشار بـ \"إن\" التي للشك إلى أنّ الأولى في هذه الصفة التوقُّف كما تقدم.\r(وغير علم هذه) الصفات الثلاثة، أي السمع والبصر والإدراك على القول به، بل هي صفات زائدة على العلم, لا أنها أنواع من العلم؛ لمجيء الشرع بثبوت كلّ من السمع والبصر والعلم، فوجب الإيمان بها على التفصيل.","part":1,"page":60},{"id":63,"text":"…والحاصل أنّها صفات ثلاث لا صفة واحدة، والإدراك على القول به صفة أخرى، وكلّ ما تعلق به السمع والبصر تعلق به العلم، وليس كلّ ما تعلق به العلم يتعلق به السمع والبصر بل بعض، والمنكشف بالسمع والبصر منكشف بالعلم أيضا (كما ثبت) ذلك شرعا.\r(ثم) صفة (الحياة ما بشيْ) بالسكون للضرورة (تعلّقت)، أي لا تعلُّقَ لها أصلا، أي لا تقتضي أمراً زائداً على القيام بمحلها. وبما قررنا يظهر أن ليس المراد بالشيء في كلام الناظم الموجودُ كما هو المصطلح, لأن الحياة لا تعلق لها البتة، لا بموجود ولا بمعدوم، وإنما هي شرط في صحة الاتصاف بسائر الصفات.\r[أسماء الله تعالى وصفاته قديمة]\r38– وَعِنْدَنَا أَسْمَاؤُهُ الْعَظِيمَهْ كَذَا صِفَاتُ ذَاتِهِ قَدِيمَهْ\r39– وَاخْتِيرَ أَنَّ أَسْمَاهُ تَوْقِيفِيَّهْ كَذَا الصِّفَاتُ فَاحْفَظِ السَّمْعِيَّهْ\r(وعندنا) معشر أهل السنة (أسماؤه) تعالى التسعة والتسعون التي في الحديث, كما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدًا. من أحصاها دخل الجنة »(1) وهي:\r__________\r(1) الحديث إلى هنا أخرجه البخاري في التوحيد، باب إنّ لله مائة إسم إلا واحدا. ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة، باب أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها.","part":1,"page":61},{"id":64,"text":"هو الله الذي لا إله إلاّ هو الرحمن. الرحيم. الملك. القدوس. السلام. المؤمن. المهيمن. العزيز. الجبار. المتكبر. الخالق. البارئ. المصور. الغفار. القهار. الوهاب. الرزاق. الفتاح. العليم. القابض. الباسط. الخافض. الرافع. المعز. المذل. السميع. البصير. الحكم. العدل. اللطيف. الخبير. الحليم. العظيم. الغفور. الشكور. العلي. الكبير. الحفيظ. المقيت. الحسيب. الجليل. الكريم. الرقيب. المجيب. الواسع. الحكيم. الودود. المجيد. الباعث. الشهيد. الحق. الوكيل. القوي. المتين. الولي. الحميد. المحصي. المبدئ. المعيد. المحيي. المميت. الحي. القيوم. الواجد. الماجد. الواحد. الصمد. القادر. المقتدر. المقدم. المؤخر. الأول. الآخر. الظاهر. الباطن. الوالي. المتعالي. البر. التواب. المنتقم. العفو. الرؤوف. مالك الملك. ذو الجلال والإكرام. المقسط. الجامع. الغني. المغني. المانع. الضار. النافع. النور. الهادي. البديع. الباقي. الوارث. الرشيد. الصبور.(1) أو غيرها(2). إذ أسماؤه تعالى ليست محصورة في التسعة والتسعين اسما.\rتنبيه:\rمن أسمائه تعالى: القديم؛ لأنه ثبت بالإجماع، وهو من الأدلة الشرعية.\r(العظيمة) القدر، و (كذا صفات ذاته) الواجبة لها أزلا وأبدا كالإرادة والكلام (قديمة) أزلية ليس لها أوّليَّة، وباقية؛ إذ كل ما ثبت قدمُه استحال عدمُه، خلافا للمعتزلة أهلكهم الله وطهّر منهم الأرض؛ فإنّهم قالوا بحدوث أسمائه، وإنّه كان بلا أسماء في الأزل، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوًّا كبيرا.\r[أسماء الله تعالى وصفاته توقيفيّة]\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الدعوات, باب؛ والحاكم في الإيمان 1/62.\r(2) يقصد الشارح بغيرها ما جاء في روايات أخرى للحديث من أسماء: الأحد, المعطي, المغيث وغيرها.(انظر الحاكم 1/62, وابن حبان:1/193)","part":1,"page":62},{"id":65,"text":"(واختير) القول بـ (أنّ أسماه) – بالقصر للوزن – تعالى (توقيفية)، أي متوقِّفة على الإذن من الشرع، فلا يسمّى مولانا إلا بما سمّى به نفسه في كتابه، أو سمّاه به نبيه، أو ثبت بالإجماع كالقديم كما تقدم. وقيل: يطلق كلّ ما يشعر بالكمال بلا إيهام ما لا يليق. والأول الحق فاسلك طريقه تصل.\rفائدة: نقل الفخر(1) عن بعض كتب التذكير: \"إن لله تعالى أربعة آلاف إسم، ألف في القرآن والأخبار الصحيحة، وألف في التوراة، وألف في الإنجيل، وألف في الزبور، ونقول: ألف أخرى في اللوح المحفوظ ولم تصل إلى عالم البشر\". اهـ. وعلى هذا، فأسماء الله متناهية. انتهى.\rو (كذا الصفات)، أي واختير القول أيضا بأنها توقيفية كالأسماء، في أن إطلاقها عليه تعالى متوقف على الإذن من الشرع.\r(فاحفظ) واعتقد الصفات والأسماء (السمعية) التي ورد بها دليل من الشرع، ولا تتجاوزها إلى غيرها ولو لم يكن مُوهِمًا.\r[الحكم في ما أوهم التشبيه في القرآن والسّنة]\r40– وَكُلُّ نَصٍّ أَوْهَمَ التَّشْبِيهَا أَوِّلْهُ أَوْ فَوِّضْ وَرُمْ تَنْزِيهَا\r(وكلّ نصّ) من كتاب أو سنّة (أوهَم) باعتبار ظاهر دلالته، أي أوقع في الوهم (التشبيها) له تعالى بالحوادث، المستحيل على من ثبت مخالَفتُه للحوادث في ذاته وفي صفاته، فيجب تنزيه الباري تعالى عن ذلك الظاهر المستحيل عقلاً وشرعاً، ولذا قال: (أوِّله)، أي اصرفه عن ظاهره وجوباً، ثم أنت مخيّر في:\r__________\r(1) هو محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، أبو عبد الله، فخر الدين الرازي: الإمام المفسر. أوحد زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الأوائل. ولد سنة 544 وتوفي سنة 606هـ. من أهم كتبه في أصول الدين: كتاب الأربعين، محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من الفلاسفة والمتكلمين، معالم أصول الدين وغيرها. (الأعلام 6/313)","part":1,"page":63},{"id":66,"text":"أن تؤوّله بتأويل(1) خاصٍّ يليق بالجناب الرفيع؛ كتأويل اليد بالقدرة أو النعمة الذي هو معناها المجازي، في نحو قوله تعالى: { لما خلقْتُ بيدي } [ص: 75]؛ وتأويل الوجه بالوجود والذات في نحو قوله تعالى: { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } [الرحمن: 27] ؛ وتأويل العين في نحو قوله تعالى: { تجري بأعيننا } [القمر: 14] بالحفظ والرعاية؛ وكتأويل الاستواء في قوله تعالى: { ثم استوى على العرش } [الأعراف: 54] بالإستيلاء؛ فإن الإستواء لفظ له معنيان:\rقريب: وهو الاستقرار، ويتعالى مولانا عنه.\rوبعيد: وهو الإستيلاء والقهر والغلبة، وهو المراد من الآية ونحوها؛ إذ هو اللائق بالمولى تعالى كما في قول الشاعر:\rقد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق\rفيكون من باب التَّوْرِية(2)، وهي من بديع البلاغة. هذا مذهب الخلف وهو أعلم وأحكم.\r__________\r(1) من معاني التأويل أنه: توجيه لفظ متوجِّه إلى معانٍ مختلفة إلى واحد منها بما ظهر من الأدلة. (كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي 3/425). وهو المعنى المقصود هنا.\r(2) التَّوْرِيَة: هي أن يريد المتكلم بكلامه خِلاف ظاهره. (كتاب التعريفات؛ ص:134)","part":1,"page":64},{"id":67,"text":"(أو) أوّله إجمالا لا تفصيلا، و(فوّض) الأمر في المراد منها تفصيلا إلى الله العليم الحكيم. وهذا مذهب السلف وهو أسلم لسلامته من التجاسر على تأويل المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله.(1)\r__________\r(1) يؤخذ من كلام المتن والشرح اتفاق السلف والخلف على تنزيه الله تعالى عن المعنى الظاهر للنصوص الموهم للتشبيه، غير أن السلف طريقهم التأويل الإجمالي، فينزهون عن الظاهر ويفوضون علم معانيها مفصلة إلى الله تعالى، وذلك لتجنبهم تعيين معنى بالظن ولو كان صحيحا، وهذا هو رأي من يقف على ? الله ? من قوله تعالى: ? وما يعلم تأويله إلا الله ? ؛ والخلف طريقهم التنزيه مع التعرض للتأويل التفصيلي وذلك بتعيين معنى صحيح من المعاني التي يحتملها النص بقرينة ما، وهذا رأي من يقف في قوله تعالى على: ? والراسخون في العلم ?. وأما اعتقاد أن تلك الظواهر هي المرادة، فهو مؤدّ إلى التجسيم، إما صراحة كما وقع لبعض الفرق، أو التزاما كما وقع لآخرين وإن تستروا بنفي كيفية تلك الظواهر. ومن علق في ذهنه شيء من ذلك فعليه أن يحرر عقله من التقليد وينظر نظر المسترشد؛ فالتأويل الإجمالي الذي اتفق عليه السلف والخلف الحامل عليه هو أن المتشابه لا يعارض المحكم، فيحمل المتشابه على ما يوافق المحكم الذي هو أصل الكتاب الذي يرجع إليه متشابهه؛ وأيضا، فإن الذين اعتمدوا النظر العقلي الصحيح في تقرير العقائد كما أمرهم بذلك القرآن، خلصوا إلى أن الأدلة النقلية لا تعارض القواطع العقلية التي لا تقبل التأويل، فردوا النقلية إلى ما يوافق العقلية لأن العقلية أصل للنقلية؛ وذلك لتوقف إثبات حجية النقل على ما يتوقف إثباته بالعقل، من معرفة وجود الله تعالى وكونه فاعلا مختارا مرسلا للرسل ومعرفة المعجزة ووجه تصديقها للنبي؛ إذ لو رجحت الظواهر النقلية بأن تصدق رغم معارضتها للعقل، لزم تكذيب هذا الأخير، ولما كان تصديق العقل أصل لتصديق النقل، استلزم تكذيب العقل تكذيب النقل، فيؤدي ذلك إلى الجمع بين النقيضين، وهو تصديق النقل وتكذيبه، وهو محال. وظواهر النصوص التي تمسك بها المجسمة والمشبهة كثيرة جدا، وقد استوفى العلماء الرد عليهم في المطولات.","part":1,"page":65},{"id":68,"text":"وقال الشيخ الأشعري: هي أسماء لصفات لائقة معجوز عن تكييفها، لكن مع الإجماع على إحالة الظاهر المستحيل شرعا وعقلا كما يعلم مما سبق، ولذا قال الناظم رحمه الله: (وَرُمْ)، أي أقصُدْ (تنزيها) له جلّ وعلا عن ما لا يليق بكبريائه تعالى.\r[تنزيه القرآن عن الحدوث]\r41– وَنَزِّهِ القُرْآنَ أَيْ كَلاَمَهْ عَنِ الْحُدُوثِ وَاحْذَرِ انْتِقَامَهْ\r42– فَكُلُّ نَصٍّ لِلْحُدُوثِ دَلاَّ احْمِلْ عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي قَدْ دَلاَّ\r(ونزِّه القرآن أي كلامه) إذ إن القرآن يطلق على القائم بالذات العلية، كما يطلق على اللفظ الدال عليه المنزَّل على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - للإعجاز بسورة منه (عن الحدوث) ولوازم الحدوث، كالسكوت، وكونه بالحروف والأصوات.\r(واحذر) أي باعِد وخف (انتقامه) تعالى أن تقول بحدوث كلامه القائم بذاته؛ إذ يتعالى ربُّنا عن أن تكون ذاته محلا للحوادث.\rوإذا ورد ما يوهِمُ الحدوث، فأوِّله كما قال: (فكلّ نصّ) أي ظاهر من الكتاب أو السنّة (للحدوث) أي على الحدوث (دلاّ) بظاهره، أو أدّى للحدوث – ليبعد عن الإيطاء– كقوله تعالى: { وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدَث } [الأنبياء: 2] و { إنّا أنزلناه في ليلة مباركة } [الدخان: 3] وما أشبه ذلك.\rنعم، يمنع إطلاق الحدوث أيضا على اللفظ حذرا من الإيهام والوقوع في الاشتباه، فلا يقال لما في المصحف هذا حادث لأنه مُوهِم.\r(احمل) ذلك وجوبا (على اللفظ) الكريم (الذي) قد (دلاّ) على الكلام النفسي القديم القائم بالذات. يعني: حيث عرفت قِدم كلام مولانا وتنزّهه عن الحدوث وعن أن يكون مخلوقا أو قائما بمخلوق، فمهما وجدت ما يوهم ذلك فيجب عليك أن تؤوِّله بأن تحمله على اللفظ الدال على الكلام الذي ليس كمثله شيء.\rتنبيه:","part":1,"page":66},{"id":69,"text":"كما يطلق كلام الله على النفسي القائم بالذات الأقدس يطلق أيضا على اللفظ الدال عليه، لكن جهة الإضافة مختلفة؛ فإذا قلت كلام الله وأردت اللفظ فمعناه: تأليف الله ونظمه المنزل على رسوله، المعجز به أرباب الفصاحة؛ وإذا أطلقت كلام الله وأردت القائم بالذات فمعناه: صفته القديمة القائمة بذاته، المنزه عن الحروف والأصوات وما في معناها.\r[المستحيل في حقّ الله تعالى]\r43 – وَيَسْتَحِيلُ ضِدُّ ذِي الصِّفَاتِ فِي حَقِّهِ كَالْكَوْنِ فِي الْجِهَاتِ\rثم أشار إلى القسم الثاني من أقسام الحكم العقلي، وهو ما يستحيل عليه تعالى فقال:\r(و) يجب عليك أن تعتقد أنه (يستحيل) عليه سبحانه كل ما ينافي صفات الجلال والكمال إجمالا، ويجب عليك أن تعتقد أنه يستحيل عليه تعالى (ضدّ ذي) أي هذه (الصفات) العشرين المتقدم بيانها تفصيلا، بأن تعتقد أنه تعالى منزه عن:\r– طروّ العدم المنافي للوجود.\r– والحدوث المنافي للقدم.\r– والفناء المنافي للبقاء.\r– والمماثلة للحوادث التي هي ضدّ المخالفة.\r– والافتقار للذات والفاعل المنافي للقيام بالنفس.\r– والتعدد في الذات والصفات، أو يكون له تعالى شريك في فعل ما من أفعاله؛ المنافي لوجوب الوحدانية للذات والصفات والأفعال.\r– وأنه منزه عن العجز, الذي هو ضد القدرة.\r– وعن وقوع شيء بغير إرادته, المنافي للإرادة العامّة التعلق.\r– والجهل وما في معناه, المنافي للعلم.\r– والموت المنافي للحياة القديمة.\r– والصمم المنافي للسمع.\r– والعمى المنافي لصفة البصر.\r– والبكم المنافي لصفة الكلام.\rوكذا أضداد المعنوية، ككونه تعالى ميتا، وجاهلا، ومكرَها، وعاجزا، وأصم، وأعمى، وأبكم وغير ذلك من المستحيلات (في حقه) تعالى (كالكون) أي الحلول (في) جهة من (الجهات) الست وهي: فوق، وتحت، ويمين، وشمال، وأمام، وخَلف، بغير خلاف فيما عدا جهة فوق.","part":1,"page":67},{"id":70,"text":"وخالفت المجسّمة، فاعتقدوا أنه تعالى فوق السموات، وهو اعتقاد اليهود والأغبياء من عوام المسلمين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقد مرّ بالبرهان القاطع أنه تعالى مخالِف للحوادث ولجميع صفاتها، غنيٌّ عن كلّ ما سواه، حتى الأزمنة والأمكنة.\r[الجائز في حقّ الله تعالى]\r44– وَجَائِزٌ فِي حَقِّهِ مَا أَمْكَنَا إِيجَادًا إِعْدَامًا كَرَزْقِهِ الغِنَى\r(و) أمّا القسم الثالث من الإلهيات الذي هو (جائز في حقه) تعالى فهو كلّ (ما)، أي شيء (أمكنا إيجادًا) و (إعدامًا) نصب على التمييز المحمول عن الفاعل.\rيعني أن الجائز في حقه تعالى هو كلّ شيء أمكن إيجاده وإعدامه، أي لم يلْزَم على إيجاده ولا إعدامه مُحالٌ، وذلك (كرَزقه) تعالى – بفتح الراء – (الغِنى) لمن أراد أن يكون غنيا، ورَزقه العلم لمن أراد أن يكون عالِما، والإيمان لمن أراد أن يكون مؤمنا، والتوفيق لمن أراد أن يكون موفَّقا، وأضداد ذلك وأشباه ذلك.\r[خلق أفعال العباد]\r45– فَخَالِقٌ لِعَبْدِهِ وَمَا عَِملْ مُوَفِّقٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِلْ\r46– وَخَاذِلٌ لِمَنْ أَرَادَ بُعْدَهُ وُمُنْجِزٌ لِمَنْ أَرَادَ وَعْدَهُ\r47– فَوْزُ السَّعِيدِ عِنْدَهُ فِي الأَزَلِ كَذَا الشَّقِيُّ ثُمَّ لَمْ يَنْتَقِلِ\r48– وَعِنْدَنَا لِلْعَبْدِ كَسْبٌ كُلِّفَا وَلَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرًا فَلْتَعْلَمَا\r49– فَلَيْسَ مَجْبُورًا وَلاَ اخْتِيَارًا وَلَيْسَ كُلاًّ يَفْعَلُ اخْتِيَارًا\r50– فَإِنْ يُثِبْنَا فَبِمَحْضِ الْفَضْلِ وَإِنْ يُعَذِّبْ فَبِمَحْضِ الْعَدْلِ\rثم أشار الناظم إلى مسألة وقع فيها الخلاف بين أهل الحق وغيرهم، وهي مسألة خلق الأفعال الاختيارية، فمذهب أهل السنة رضي الله عنهم أن الخالق لها هو الله تعالى، لا أثر للقدرة الحادثة في اختراعها وإخراجها من العدم إلى الوجود البتّة ولا في غيرها؛ قال تعالى: { والله خلقكم وما تعملون } [الصافات: 96] أي: وعملكم.","part":1,"page":68},{"id":71,"text":"وذهبت المعتزلة إلى أنّ الأفعال الاختيارية للعبد أثرٌ للقدرة الحادثة، وهو باطل لوجوب انفراده تعالى بالخلق والتأثير.\rفقال: (فخالق)، أي إذا عرفت أنّه منفرِد بالخلق والاختراع – لوجوب وحدانيته تعالى – وجب أن يكون هو الخالق (لعبده)، ومراده بالعبد كلّ مخلوقٍ يقوم به الفعل، عاقلا كان كبني آدم والجن والملائكة، أو غير عاقل كالبهائم.\r(و) خالق لكلّ (ما عمل)، أي وعمله من طاعة ومعصية. يعني أن العباد وأفعالهم الاختيارية كلّها مخلوقة لله تعالى؛ { الله خالق كلّ شيء } [الزمر: 62]، وأمّا الاضطرارية فمنفرد بإيجادها باتفاق أهل الحق وغيرهم.\r[التوفيق والخذلان]\rوممّا يجب اعتقاده أيضا أنه تعالى هو الخالق للتوفيق في العبد، أي الموجد لقدرة الطاعة في العبد – الذي هو معنى التوفيق – كما أشار إليه بقوله: (موفِّق لمن أراد أن يصل) إلى مرضاته، وقيل ثوابه.\r(وخاذل): الخذلان هو ضد التوفيق، أي وخالق القدرة على المعصية (لمن أراد بُعدَه) أي إبعاده وطرده من رحمته والاشتغال بعبادته. وأشار بهذا إلى نحو قوله تعالى: { يضل من يشاء ويهدي من يشاء } [فاطر: 8].","part":1,"page":69},{"id":72,"text":"وأشار بقوله: (ومنجز) أي معطي بسرعة (لمن أراد) به خيرا (وعدَه)، مفعول بـ\"منجِز\" – إلى مسألة الوعد والوعيد التي وقع فيها الخلاف، فذهب الماتريدية إلى أنه لا يجوز الخلف في الوعيد كالوعد، والأشاعرة إلى جواز الخلف في الوعيد؛ لأنّه كرَم يتمدح به وتركُ عقوبة المستحق، يعني أنه تعالى لا يجوز الخلف في وعده لأن الخلف في الوعد نقص يجب تنزيه مولانا عنه؛ قال تعالى: { إن الله لا يخلف الميعاد } [آل عمران: 9]، وأمّا الوعيد فيجوز إخلافه لأنه كرم وعفو وكمال(1)\r__________\r(1) اعترض على رأي الأشاعرة في جواز الخلف في الوعيد بأنه يلزم عليه مفاسد كثيرة، منها الكذب الذي قام الإجماع على تنزيه الله تعالى عنه، ومنها تبديل القول، وقد قال تعالى: ? لا يبدل القول لدي ?، ومنها تجويز عدم خلود الكفار في النار، وقد قامت القواطع على خلودهم إلى غير ذلك من المفاسد. ومن بعض إجابات الأشاعرة على ذلك، بعد الاتفاق على أنه لا يجوز الخلف في وعيد المشركين، أن الكريم إذا أخبر بالوعيد، فاللائق بكرمه أن يبني إخباره به على المشيئة وإن لم يصرح بها، بخلاف الوعد، فإن اللائق بكرمه أن يبني إخباره به على الجزم وعدم التعليق، فلا يلزم الكذب ولا التبديل؛ فإذا قال الكريم مثلا: \"لا عذبت زيدا\" مثلا، فنيته ومراده: \"إن لم اعف عنه، أو أسامحه، أو أتكرم عليه\". وهذا القيد مستقرئ من عادة العرب في إيعاداتها. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقد أخرج البيهقي في البعث والنشور من رواية أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه له، ومن أوعده على عمل عقابا فهو بالخيار، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له\". ومن الأجوبة كذلك أن تخلف الوعيد إنما هو لانتفاء سببه المرتب عليه، وانتفاء السبب يوجب انتفاء المسبب، مثلا قوله تعالى: ? ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ? إلخ، معناه أن هذا الجزاء سببه القتل ما دام القتل جريمة، ومن الجائز غفرانه بالتوبة عملا بقوله تعالى: ? إلا من تاب وآمن ? إلخ، أو بدونها عملا بقوله تعالى: ? إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ?، ? إن الله يغفر الذنوب جميعا ?، وحينئذ فلا جريمة فلا جزاء.","part":1,"page":70},{"id":73,"text":".\rوالوعد إذا أطلق يصرف للخير، والوعيد للشر. قال الشاعر:\rوإنّي إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\r[السعادة والشقاء]\rثم أشار إلى مسألة أخرى مختلَف فيها أيضا، وهي أن (فوز السعيد)، أي ظفَره بحسن الخاتمة ودخول الجنة، (عنده) أي (في الأزل)، يعني أنه أزلي لا يتبدل ولا يتغير.\rوالأزل عبارة عن نفي الأولية؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: « السعيد من سعد في بطن أمه » أي ولو كفَر، ولو تناول المعاصي، فلا يضُرُّه مع سلامة المآل لأن اللاحقة تابعة للسابقة، فمن سبق له في الأزل أنه سعيد يموت على الإيمان.\rو(كذا الشقي) أي شقاؤه سابق في الأزل لا يتبدل؛ قال عليه الصلاة والسلام: « والشقي من شقِي في بطن أمه »(1) ولو أسلم وأطاع لأن اللاحقة تتبع السابقة؛ بأن يختم له بسوء الختام. أعاذنا الله وحفظ علينا الإيمان إلى أن نلقاه وهو راض عنا، آمين، بجاه أفضل العالمين سيدنا ومولانا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.\rولذا قال: (ثم لم ينتقل) كل منهما لاستحالة التبدُّلِ على العلم القديم.\r__________\r(1) أخرجه مسلم عن ابن مسعود في القدر، باب كيفية الخلق الآدمي. ولفظه عنده: \"الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره\". وجملة: \"والسعيد من سعد في بطن أمه\" أخرجها الطبراني في الصغير، وإتحاف السادة المتقين للزبيدي، والدرر المنتثرة للسيوطي، والشهاب في مسنده. (موسوعة أطراف الحديث النبوي: 5/272)","part":1,"page":71},{"id":74,"text":"وذهبت الماتريدية إلى أن السعيد قد يشقى، والشقي قد يسعد؛ بأن يكون الأوَّل على حالة ترضي ظاهرا فيتحول، والثاني على حالة لا ترضي فيختم له بالخير، والخلف لفظي(1).\r[كسب العباد لأفعالهم]\rثم ذكر الناظم مسألة الكسب التي وقع فيها الخلاف بين أهل الحق والجَبْرية والمعتزلة فقال: (وعندنا) معشر أهل الحق (للعبد كَسْبٌ) أي قدرة حادثة تقارن المقدور فقط ولا تؤثر فيه، ويعبَّر عنها بالاستطاعة أيضا، وهي عرَضٌ يخلقه الله للعبد عند إرادة الاكتساب، وهي شرط لأداء الفعل، وفي التكليف، ولذا قال: (كُلِّفَا) العبد به، يعني أن تلك القدرة الحادثة بها وقع التكليف الشرعي من الله تعالى للعبد.\rوبهذا يظهر بطلان مذهب الجبرية القائلين بأن لا قدرة ولا كسب ولا اختيار، وأن العبد مجبور على كلّ حال، لا فرق عندهم بين حركة الاضطرار – كالمرتعش – وحركة الاختيار، ومذهبهم فاسد ظاهرُ الفساد لما فيه من إنكار المحسوس وإبطال الشرع, لأن العبد على مذهبهم لا كَسْبَ له أصلا ولا وُسْعَ، وقد قال الله تعالى: { لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا } [البقرة: 286].\r__________\r(1) السعادة والشقاوة أزليتان عند الأشاعرة، بمعنى أنهما مقدّرتان في الأزل لا تتغيران ولا تتبدلان؛ وذلك لاستحالة التبدل والتغير على علم الله تعالى القديم؛ فالسعيد من مات على الإيمان، والشقي من مات على الكفر. أما عند الماتريدية فالسعيد هو المسلم، والشقي هو الكافر، وعلى هذا يتصور أن السعيد قد يشقى بأن يرتدّ بعد الإيمان، والشقي قد يسعد بأن يؤمن بعد الكفر، فالسعادة والشقاوة عندهم غير أزليتين بل تتغيران. ومن هنا كان الخلاف لفظيا لأن الأشاعرة لا يحيلون ارتداد المسلم ولا إسلام الكافر، والماتريدية لا يجوّزون على من علم الله موته على الإسلام الارتداد عنه، ولا على من علم الله موته على الكفر إسلامه.","part":1,"page":72},{"id":75,"text":"وهذا الكسب الذي أثبته أهل السنة لا تأثير له كما أشار إليه الناظم بقوله: (ولم يكن) ذلك العبد (مؤثِّراً) بذلك الكسب الذي كُلِّف به في المقدور تأثير اختراع وخلق وإيجاد له؛ لقيام البرهان على انفراد الباري تعالى بالتأثير، لا مؤثر سواه في شيء ما عموما(1)؛ { الله خالق كل شيء } [الزمر: 62] { هل من خالق غير الله } [فاطر: 3] { والله خلقكم وما تعملون } [الصافات: 96].\r__________\r(1) هذا هو معتقد أهل السنة من الأشاعرة، وهو انفراد الباري تعالى بالخلق والإيجاد لكل الممكنات التي من جملتها أفعال العباد، وقد قامت على حقيته البراهين العقلية وصرحت بإثباته الأدلة النقلية، فمن العقليات أن العبد لو كان خالقا وموجدا لأفعاله لكان عالما بتفاصيلها، ولما بطل أن يكون عالما بتفاصيلها بطل أن تكون أفعاله من خلقه واختراعه؛ بيان ذلك أن الإتيان بالأزيد والأنقص وغير ذلك من المتقابلات في أفعال العباد ممكن، فلا بد لرجحان بروز أحدها إلى الوجود على الآخر من مخصص، وهو القصد إليه، ولا يتصور ذلك القصد إلا بعد الإحاطة العلمية التامة بكل المتقابلات والحقائق المختلفات، وليس ذلك إلا للعلم الإلهي القديم، ومن هنا استدل على عالمية الله تعالى بفاعليته الاختيارية للعالم. أما الإنسان، فالماشي مثلا يقطع مسافة معينة في زمان معين من غير شعور له بتفاصيل الأجزاء والأحياز التي بين المبتدأ والمنتهى، ولا بالآنات التي منها يتألف ذلك الزمان ولا بالسكنات التي يتخللها، والكاتب لصورة الحروف والكلمات متحرك الأنامل من غير شعور له بما لعظام وأعصاب وعضلات أنامله من تفاصيل حركاتها وأوضاعها التي بها تأتي تلك الصورة والنقوش، وغير ذلك من الأمثلة، وليس هذا ذهولا عن العلم، بل لو سئل أو تكلف ضبط ذلك على التفصيل لما استطاع، فبطل أن يكون الإنسان هو المؤثر فيها تأثير إخراج من العدم إلى الوجود.","part":1,"page":73},{"id":76,"text":"وبهذا يتبين بطلان مذهب القدرية مجوس هذه الأمة، القائلين بأنّ القدرة الحادثة تؤثِّر فيما تقارنه، فأثبتوا التأثير لغير القدرة القديمة، وجعلوا القدرة الحادثة أنفذ من القدرة القديمة فيما تعلقت به، وإرادة العبد أنفذ من إرادة خالقه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ومذهبهم أيضا واضح البطلان، وهم أسوأ حالا من الجبرية.\rوالحق: مذهب أهل السنة رضي الله عنهم من أن للعبد كسبا، أي قدرة حادثة تقارن المقدور الحادث ولا تؤثر فيه، وإنما مولانا جل وعلا يخلق بقدرته عند ذلك الاقتران ما شاء.(1)\r(فَلْتَعْلَما) أيها السنيُّ ذلك المذهب الحق الخارج من بين المذهبين الفاسدين, خروج لبنٍ خالص سائغ للشاربين, لتتبعه وتنبذ ما سواه من الأباطيل.\r__________\r(1) استطاع الأشاعرة بنظرية الكسب التوسط في الاعتقاد، وبلوغ المراد من إثبات أن للعبد أفعالا اختيارية صادرة عن قصده وإرادته، والتي بها مناط التكليف، ومن الحفاظ على موجبات ألوهية الله تعالى من الانفراد بخلق الأفعال وإيجادها، فبعد أن ثبت بالبرهان أن لا خالق إلا الله تعالى، وثبت بالضرورة أن لقدرة العبد وإرادته مدخلا في بعض الأفعال الاختيارية، دون البعض كالأفعال الاضطرارية، أثبتوا لله تعالى خلقا وللعبد كسبا، وبيانه هو أن صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل المعين كسب، وإيجاد الله تعالى ذلك الفعل عقب ذلك خلق، والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين بجهتين مختلفتين، قدرة الله تعالى بجهة الخلق، وقدرة العبد بجهة الكسب. وهذا القدر من المعنى ضروري، والكسب على هذا ليس أمرا وهميا أو عدميا، أما عدم الاقتدار عن الإفصاح عن حقيقته بأكثر مما قيل، فلأنه من أسرار القدر، ومن الأمور الغائبة عن العقول، وهذا لا يضر ما دامت التفرقة قائمة بين الأفعال الاختيارية والاضطرارية، وما دامت النظريات المخالفة لنظرية الكسب باطلة لاستلزامها محالات عديدة.","part":1,"page":74},{"id":77,"text":"وما شرحنا عليه هو ما شرح عليه ابن الناظم، قال: وهذه النسخة هي التي أصلحها أستاذنا رحمه الله تعالى في المبيضة بيده، وهي أحسن من المتداول بين أيدي الناس. قال: وما منعني أن أشرح عليها إلا غيبة الأصل عني، كما نبه عليه بطُرَّة أصله. ومراده بالمتداول قوله: \"به ولكن لا يؤثر فاعرفا\".\r[بطلان الجبر والاختيار]\rوقد فهم مما تقدم ردّ مذهب القدرية والجبرية، لكن لمّا كان لا بُدَّ عندهم في ردِّ المذاهب من التصريح أشار إلى رد المذهبين الفاسدين بالتصريح، فقال ردًّا على الجبرية: (فليس) العبد (مجبورا) جَبْرا يذهب معه الكسْبُ بالكلِّية وينتفي معه التكليف الشرعي، (ولا اختيارا) له في أفعاله بحيث يكون مؤثرا فيها، بل هو مجبور في قالب مختار(1)\r__________\r(1) ظاهر هذه العبارة غامض، وربما تكون موهمة بإثبات الجبر المطلق، إلا أنه ليس كذلك؛ فالجبر نوعان: جبر مطلق: وهو الجبر الحسي الذي نفاه الأشاعرة وقال به الحمقى من الجبرية. وجبر مقيّد: وهو الجبر العقلي. وهذا لازم على جميع الفرق حتى على المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعال نفسه؛ لأنهم وإن أسندوها لقدرته الحادثة، إلا أنهم يعقلون أن تلك القدرة مخلوقة لله تعالى وليست من خلقه أو كسبه البتة، وحينئذ كل الفرق جبرية في المعنى، إلا أن الفرق بين الجبرين، أن الجبر الذي قال به أهل الحق في الأفعال الاختيارية إنما يدركه العقل فقط دون الحس، والجبر الذي قال به الفرقة الملقبة بالجبرية مقتضى أصولهم أنه يدرك بالحس والعقل في الأفعال الاختيارية والاضطرارية، وقد علم بطلانه بالضرورة. وقد واجه الأشاعرة إلزامات من خصومهم تؤدي إلى نفي معنى الكسب الذي أثبتوه، وبالتالي التزام الجبر في الأفعال ونفي الاختيار فيها مطلقا، ومنها أنهم لما عمموا علم الله تعالى وإرادته تعلقا، ورد عليهم أن الجبر لازم قطعا لأن علم الله وإرادته إما أن يتعلقا بوجود فعل العبد فيجب حينئذ وجوده، أو بعدمه فيمتنع وجوده، ولا اختيار مع الوجوب والامتناع؛ فدفعوه بأن قالوا: إن الله تعالى يعلم ويريد أن العبد يفعل الفعل أو يتركه باختياره، فلا إشكال آنذاك. ووجوب اختياره الفعل أو الترك على ذلك التقدير لا ينافي الاختيار، بل يحققه. والله تعالى أعلم.","part":1,"page":75},{"id":78,"text":"، والفعل ينسب للعبد كسبا، والباري خلقاً واختراعاً، ولا محذور في دخول المقدور تحت قدرتين إذا اختلفت الحيثية.\rوالفرق بين الكسب الذي أثبته أهل السنة، والاختراع الذي نسبه المعتزلة للعبد أن الكسب بآلة، والخلق بغير آلة.\rثم قال: (وليس كلا يفعل اختيارا)، يعني: أن العبد لا يخلق شيئا من أفعاله الاختيارية، ولا يؤثر في شيء منها – خلافا للقدرية أهلكهم الله تعالى– ، إذ لا مؤثر ولا خالق سوى مولانا جل وعلا.\rواعلم أنّ من اعتقد أن القدرة الحادثة وجميع ما جرت عادة الإله أن يوجد معه الشيء مقترنا به يؤثر بطبعه فهو كافر إجماعا. ومن اعتقد أنها أثرت بقوَّةٍ جعلها الله فيها، ولو سَلَبها تلك القوة لم تؤثر، فهذا لا خلاف في فسقه وابتداعه، وفي كفره قولان. ومن اعتقد أنها أسباب مخلوقة لله تعالى، تقترن بالشيء ولا تؤثر فيه البتة، وإنما مولانا يخلق عندها ما يشاء، فهو مؤمن مُوَحِّدٌ محقق مُحِقّ.\r[الثواب والعقاب]\rولمّا قدّم الناظم أن الله تعالى هو الخالق لجميع أفعال العباد خيرا كانت أو شرا، أشار إلى أن إثابته للعبد محض فضل، وعقوبته محض عدل فقال: (فإن يثبنا) تعالى بالنعيم المقيم في جنات النعيم وبغير ذلك (فبمحض الفضل) أي فإثابته لنا بخالص الفضل والكرم؛ إذ لا حَقَّ لمخلوق على خالقه وخالق أعماله، فلا على الله حق، بل يكون له حق التفضل.\r(وإن يعذب) أي يعاقب أحدا فتعذيبه له بخالص العدل الذي لا يشوبه جور، (فبمحض العدل) لاستحالة الظلم عليه تعالى؛ { ولا يظلم ربك أحدا } [الكهف: 49] { وما ربك بظلام للعبيد } [فصلت: 46]، ولأنّ من تصرف فيما يملك لا يصحّ أن ينسب إليه ظلم، والله تبارك وتعالى كلّ ما سواه ملْك له وعبيده وخلقه، فلا يتصور إذا منه ظلم.\r[لا يجب على الله مراعاة الصلاح للعباد]\r51– وَقَوْلُهُمْ \"إِنَّ الصَّلاَحَ وَاجِبُ عَلَيْهِ\" زُورٌ، مَا عَلَيْهِ وَاجِبُ","part":1,"page":76},{"id":79,"text":"52– أَلَمْ يَرَوْا إِيلاَمَهُ الأَطْفَالاَ وَشِبْهَهَا فَحَاذِرِ المُحَالاَ\rثم ذكر الناظم مسألة الصلاح والأصلح التي وقع النزاع فيها بين أهل الحق والمبتدعة فقال:\r(وقولهم) أي المعتزلة (إنّ) مراعاة (الصلاح) والأصلح للعباد (واجب عليه) تعالى (زور) – خبر المبتدأ الذي هو \"قولهم\" – أي باطل؛ إذ لو وجب عليه تعالى مراعاة ذلك لما وقعت بليَّة ولا أذيَّة، ولا مرض ولا موت ولا رزية، بل ولَما وقع تكليف العبيد، بل لو وجب عليه ذلك لأوجدهم في الجنة، ولَما خلق الكافر الفقير المعذَّب في الدنيا بالكفر والفقر، وفي الآخرة بالعذاب الدائم.\rفالحق ما عليه أهل الحق من أنه تعالى (ما عليه) شيء (واجب)، ومن أوجبه عليه { وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة } !؟[القصص: 68].\rثم بين فساد هذا المذهب الفاسد بقوله موبِّخا لأهله: (ألم يروا) أي هؤلاء الأغبياء (إيلامه) تعالى بإيجاعه وتعذيبه بالمرض وغيره (الأطفالا) جمع طفل: وهو كل من لم يبلغ الحلُم، (وشبهها) كالدواب، إذ لا صلاح لهما في نزول الأمراض بهم.\r(فحاذر)، أي احذر وجانب (المحالا) من وجوب مراعاة الصلاح والأصلح للخلق، فلا يجب عليه تعالى فعل شيء ولا ترك شيء من الأشياء؛ إذ لو وجب عليه شيء لما كان فاعلا مختارا لأن الفاعل المختار هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك، ولا يُسأل عما يفعل، وأمّا إذا كان لا بدّ أن يفعل ولا بدّ أن يترك فليس بمختار، وهو محال.\r[خلق الخير والشر]\r53– وَجَائِزٌ عَلَيْهِ خَلْقُ الشَّرِّ وَالْخَيْرَ كَالإِسْلاَمِ وَجَهْلُ الكُفْرِ\rثم ردّ على المعتزلة أيضا قولهم: \"إنّ الله يستحيل عليه إرادة الشرور والمعاصي\"، فقال:\r(وجائز عليه) أي في حقه تعالى إرادة (خلق) أي إيجاد (الشر)؛ لوجوب عموم إرادته تعالى تعلُّقا بجميع الممكنات خيرها وشرها.\r(و) جائز عليه تعالى إرادة خلق (الخير)، وهذا متفق عليه.","part":1,"page":77},{"id":80,"text":"ثم مثّل للخير بقوله: (كالإسلام)، أي كإرادته خلق الإسلام فيمن شاء إسلامه، وخلق الطاعة والتوفيق فيمن أراد توفيقه. ثم مثل للشرّ بقوله: (وجهل الكفر)، أي وإرادته جَهْل الجاهل وكُفْرَ الكافر. ولا يخفى ما في عجز هذا البيت من القلق لفظاً ومعنىً.\r[ وجوب الإيمان بالقضاء والقدر]\r54– وَوَاجِبٌ إِيمَانُنَا بِالْقَدَرِ وَبِالْقَضَا كَمَا أَتَى فِي الْخَبَرِ\rوممّا يجب الإيمان به: القضاء والقدَر(1)، كما قال:\r(وواجب) شرعا (إيماننا) معاشر المكلَّفين (بالقدَر) أي بأن جميع الكائنات، خيرا كانت أو شرا، واقعة بإرادة الله وقدرته على حسب ما سبَق به علمُه القديم.\r__________\r(1) القدر ، بتحريك الدال وتسكينها، مصدر قدَرت الشيء، بفتح الدال وتخفيفها، إذا أحطت بمقداره. وتقدير الله الأمور هو تحديده تعالى أزلا كل مخلوق بحده الذي يوجد به من حسن وقبح، ونفع وضر، وما يحويه من زمان ومكان، وما يترتب عليه من طاعة وعصيان، وثواب وعقاب وغفران.\rوالمراد كذلك من القدر أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث فهو صادر عن علمه وقدره وإرادته، وهذا ما هو معلوم من الدين بالبراهين القطعية كما أشار الشارح لبعض منها. فإن قال قائل: إذا كانت الأمور مقدرة أزلا كانت واجبة الوقوع، فيكون الكافر مجبورا في كفره والفاسق في فسقه، فلا يصح تكليفهما بالإيمان والطاعة. فالجواب أن كثيرا من الناس يحسبون أن معنى القضاء والقدر إجبار الله سبحانه العبد وقهره على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمونه، بل معناه أنه تعالى أراد منهما الكفر والفسق باختيارهما، فلا جبر، كما أنه تعالى علم منهما الكفر والفسق باختيارهما، ولم يلزم على ذلك تكليف المحال. وقد أشرنا إلى هذا في التعليق على مبحث خلق الأفعال.","part":1,"page":78},{"id":81,"text":"(و) واجب إيماننا (بالقضا)، أي الأشياء المسطورة في اللوح المحفوظ. قال ابن زكري:(1)\rفي اللوح قد تجمعت أشياء يدعونها لذلك القضاء\rوهو مرادف للقدر على رأي بعضهم. ويجب الرضا بالقضاء، لا بالمقضي إن كان شرّا.\rوكذا بالقدر (كما أتى في الخبر) أي في الحديث الذي أجاب به النبيُ - صلى الله عليه وسلم - جبريلَ لمَّا سأله ما الإيمان؟ وفيه: « وبالقدر خيره وشره، حلوه ومره»(2) وقوله عليه الصلاة والسلام إخبارا عن ربه عز وجل: « من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليخرج من تحت سمائي ويطلب ربا سواي »(3) أو كما قال، وغير ذلك.\r[رؤية الله تعالى وحصولها للمؤمنين في الآخرة]\r55– وَمِنْهُ أَنْ يُنْظَرَ بِالأَبْصَارِ لَكِنْ بِلاَ كَيْفٍ وَلاَ انْحِصَارِ\r56– لِلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بِجَائِزٍ عُلِّقَتْ هَذَا وَلِلْمُخْتَارِ دُنْيَا ثَبَتَتْ\r(ومنه)، أي وممّا يجب الإيمان به، وهو جائز في حقه تعالى (أن يُنظَر) الله تعالى (بالأبصار) أي يراه المؤمنون في الجنة, من غير جهة, ولا مقابَلة, ولا انبعاث أشعَّة من عين الرائي إلى المرئي، بل على ما يليق به جل وعلا؛ بأن يخلق لهم الإدراك فيرونه من غير تكييف ولا تشبيه. قامت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة.\r__________\r(1) هو أحمد بن محمد بن زكري: فقيه أصولي بياني، من أهل تلمسان. توفي سنة 899هـ. من مصنفاته في أصول الدين: منظومة تزيد أبياتها عن 1500 بيت وهي: محصل المقاصد مما به تعتبر العقائد. (الأعلام 1/231)\r(2) الحديث بلفظ حلوه ومرّه أخرجه ابن حبان في فرض الإيمان، باب ذكر الأخبار عن وصف الإسلام والإيمان، بهذا اللفظ كذلك عزاه الهيتمي للطبراني في الكبير، قال: ورجاله موثوقون. (مجمع الزوائد 1/41)\r(3) ورد في إتحاف السادة المتقين للزبيدي، وتذكرة الموضوعات للقيسراني. (موسوعة أطراف الحديث: 8/546)","part":1,"page":79},{"id":82,"text":"– كقوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة } [القيامة: 22] أي: حسان، { إلى ربها ناظرة } [القيام: 23] أي: باصرة.\r– ولسؤال موسى عليه السلام لها؛ إذ لو لم تجُزْ قط لم يرغب ولم يسأل, لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزّهون عن الجهل، فيستحيل عليهم سؤال المستحيل، لا سيّما الجهل بما يتعلق بالربوبية، فسؤاله عليه السلام الرؤية من الله دليل قاطع على جوازها.\r– ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: « إنكم سترون ربَّكم كما ترَون القمر ليلة البدر، لا تضامون ولا تضارون في الرؤية(1) » ومعنى التشبيه أنهم يرونه من غير أن يضارَّ بعضهم بعضا، كما أشار إلى ذلك في الحديث، كما أن من رأى القمر لا يتضارون ولا يزدحمون، فالمراد تشبيه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي.\r– وإجماع السلف الصالح على جوازها وتضرعهم إلى الله تعالى في طلبها، وهي أدلة واضحة على ثبوت الرؤية ووقوعها في الآخرة.\r(لكن) نراه تعالى (بلا كيف)، أي من غير تكييف ولا جهة لاستحالة ذلك عليه تعالى، (ولا انحصار)، أي من غير إحاطة به تعالى لقوله: { لا تدركه الأبصار } [الأنعام: 103] لاستحالة الحدود والنهايات عليه تعالى.\rوقد أحالت المعتزلة الرؤية، ولا حجة لهم على ذلك ولا دليل، وأقوى الشُّبَهِ التي استدلوا بها على نفي الرؤية قوله تعالى: { لا تدركه الأبصار } [الأنعام: 103] وجوابه أنّ الإدراك أخص من مطلق الرؤية، فالمنفي في الآية الرؤية على وجه الإحاطة بالمرئي، وقد سبق أنه تعالى يرى بلا كيف ولا انحصار.\r(للمؤمنين) يتعلق بقوله \"أن يُنظَر\" بتضمينه معنى ينكشف لهم. يعني أن الرؤية حاصلة للمؤمنين من هذه الأمّة ومن الأمم السابقة والملائكة ومؤمني الجنِّ في الجنة وفي عرصات القيامة.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المواقيت، باب فضل صلاة العصر. ومسلم في المساجد، باب فضل صلاتي الصبح والعصر. ولفظ \"تضارون\" ورد في مسند أحمد عن جرير بن عبد الله.","part":1,"page":80},{"id":83,"text":"ثم أشار إلى بعض أدلة جواز الرؤية فقال: (إذ بجائز عُلِّقت) أي الرؤية، والمعلَّق على الأمر الجائز يكون جائزا. أشار إلى قوله تعالى في سؤال الكليم الرؤية: { لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني } [الأعراف: 143] فعلَّق حصول الرؤية على استقرار الجبل مكانه، وهو ممكن، فلو كانت الرؤية ممتنعة لعلَّقها بالممتنع كما في قوله تعالى في الكفار: { ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط } [الأعراف: 40] فعلّق ولوج الجنة على ولوج الجمل على هيئته في سمّ الخياط على هيئته، فامتنع الدخول لامتناع الولوج.\r(هذا) الذي عرفت، (و) رؤيته تعالى (للمختار) من جميع العالمين وهو نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - (دنيا) أي في الدنيا (ثبتت) أي وقعت له - صلى الله عليه وسلم - خاصة دون غيره – حتى موسى الكليم - عليه السلام - – ليلة الإسراء، إذ الراجح عند جمهور العلماء أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى الله تعالى بعيني رأسه، وهذا دليل واضح على جواز الرؤية.\r[وجوب الإيمان بإرسال الرسل]\r57– وَمِنْهُ إِرْسَالُ جَمِيعِ الرُّسْلِ فَلاَ وُجُوبَ بَلْ بِمَحْضِ الْفَضْلِ\r58– لَكٍنْ بِذَا إِيمَانُنَا قَدْ وَجَبَا فَدَعْ هَوَى قَوْمٍ بِهِمْ قَدْ لَعِبَا\r(ومنه) أي ومما يجب اعتقاده، وهو جائز في حقه تعالى (إرسال جميع الرسل) للخلق { مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة } [النساء: 165]، وليرشدوهم إلى مصالحهم الدينية والدنيوية، فضلا منه تعالى ومِنَّة، لا يجب عليه ذلك ولا يستحيل، بل هو جائز كسائر أفعاله تعالى، ولذا قال الناظم رحمه الله تعالى: (فلا وجوب) عليه تعالى، (بل) إرساله إيّاهم (بمحض الفضل) أي بخالص الإحسان والكرم والجود.\rوأوجبها المعتزلة والحكماء – يعني البعثة والإرسال – بناءً على أصلهم الفاسد من وجوب مراعاة الصلاح والأصلح للخلق، وقد عرفت بطلانه.","part":1,"page":81},{"id":84,"text":"(لكن بذا) الجائز العقلي (إيماننا قد وجبا) علينا، لأنه لا يلزم من كونه جائزا في نفسه أن يكون الإيمان به كذلك؛ قال الله تعالى: { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه } الآية[البقرة: 285]. فيجب الإيمان بجميع رسل الله ما عرفناه وما لم نعرفه، فنؤمن بما عرفنا منهم تفصيلا، وبما لم نعرفه إجمالا، لا نُفرِّق بين أحد من رسله.\rوالأوْلى ألا نتعرض لعددهم لقوله تعالى: { منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك } [غافر: 78] وإن ورد في الحديث: « الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، والرسل ثلاث مائة وثلاثة عشر »(1) .\rوإذا عرفت أنّ إرسال الرسل جائز في حقه تعالى والإيمان به واجب (فدع) أي اترك (هوى قوم) اتبعوا أهواءهم وسوّل لهم الشيطان آراءهم، (بهم قد لعبا) الهوى فأوقعهم في البدع والكفران لقولهم بوجوب الإرسال، أو نفيهم له.\r[الواجب في حق الأنبياء]\r59– وَوَاجِبٌ فِي حَقِّهِمُ الأَمَانَهْ وَصِدْقُهُمْ وَضِفْ لَهُ الفَطَانَهْ\r__________\r(1) اختلفت الروايات في عدد الأنبياء والرسل، فأخرج أحمد في مسنده 5/266 عن أبي أمامة قال، قلت: يا نبي الله كم وفى عدة الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا؛ الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر، جمّا غفيرا. وأخرج الحاكم في المستدرك 2/288 من الحديث عدد الرسل، عن أبي أمامة قال: قالوا يا رسول الله كم كانت الرسل؟ قال: ثلاثة مائة وخمس عشرة، جمّا غفيرا. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر قال، قلت يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وعشرون ألفا. قلت: يا رسول الله كم الرسل من ذلك؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر، جمّا غفيرا.","part":1,"page":82},{"id":85,"text":"ثم شرع في بيان النبويّات التي سبقت الإشارة إليها في قول: \"ومثل ذا لرسله\"، مقدما الواجب منها لشرفه فقال: (وواجب في حقهم)، أي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (الأمانة) أي العِصْمة من كلّ فعل أو قول منهي عنه، نهيَ تحريم أو نهي كراهة؛ بل ومن خلاف الأولى من فعل المباح لمجرد الشهوة؛ بل لا يصدر منهم شيء إلا وهو قربة يثابون عليها بنياتهم الصالحة؛ إذ هم أصفياء الله، ونخبته من خلقه، والعارفون به حق معرفته.\rوالعصمة: أن لا يخلق الله في المكلّف الذنب، مع بقاء قدرته واختياره. وقال بعضهم:« العصمة المنعُ من الذنب، مع عدم جواز الوقوع، وهي للأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام. وأمّا الحفظ فهو المنع من الذنب مع جواز الوقوع. ومن هنا تعرف الفرق بين العصمة والحفظ – وهو للأولياء – فالأنبياء معصومون، والأولياء محفوظون». انتهى ببعض تصرف للإيضاح.\rوالدليل على وجوب العصمة لهم عليهم الصلاة والسلام:\r– الإجماع.\r– ولو وقع منهم منهيٌّ عنه لكنّا مأمورين بالإقتداء بهم فيه، وكوننا مأمورين بالمحرَّمات والمكروهات لا يصح شرعا؛ قال الله تعالى: { إنّ الله لا يأمر بالفحشاء } [الأعراف: 28].\rوالدليل على أننا مأمورون بالإقتداء بهم – سوى ما ثبت اختصاصهم به – قوله تعالى في حق أفضلهم: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } [آل عمران: 31].\r(و) كذا مما يجب في حقهم (صدقهم) أي مطابقة كل ما يخبرون به للواقع.\rوالدليل على صدقهم أنّهم لو لم يصدُقوا للزم كذب الله الذي صدّقهم بالمعجزات القائمة مقام قوله تعالى صدَقَ عبدي في كل ما يبلّغ عنّي، ومن صدَّق الكاذب مع علمه بأنه كاذب فهو أيضا كاذب، والكذب على الله محال لأنّ خبره تعالى موافق لعلمه، وعلمُه تعالى لا يتبدّل ولا يتغير بحال من الأحوال، فوجب صدق الرسل.","part":1,"page":83},{"id":86,"text":"(وضِف) أي ضمّ (له) أي للواجب في حقهم (الفطانة) أي قوة الفهم والحذاقة وزيادة الذّكاء؛ لأنّه اللائق برتبتهم العلية ودرجتهم السنيّة. ومن هنا تعرف استحالة السهو والذهول والغفلة والنسيان عليهم قبل التبليغ، وأمّا بعده فيجوز عليهم النسيان، لكن لا يُقَرُّون عليه.\r(ومثل ذا) الواجب العقلي المتقدم (تبليغهم) عليهم الصلاة والسلام، أي توصيلهم (لما أتوا) أي جاءوا به، أي أمروا بتبليغه للخلق، فيجب عليهم تبليغه، ويجب اعتقاد أنهم بلَّغوه ولم يتركوا شيئا من ذلك، لا عمدا ولا نسيانا.\rوقد شهد الله تعالى بكمال التبليغ لنبينا - صلى الله عليه وسلم - فقال: { اليوم أكملت لكم دينكم } [المائدة: 3] الآية. ولعصمتهم من كل منهي عنه لقوله تعالى: { يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } [المائدة: 67].\rولو كان - صلى الله عليه وسلم - كاتما شيئا – وحاشاه الله من ذلك – لكتم قوله تعالى: { وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } [الأحزاب: 37] وآية \"عبس\"، لكنه - صلى الله عليه وسلم - معصوم من ذلك فلا يجوز عليه الكتمان ولا غيره من المنهيات.\r[المستحيل في حق الأنبياء]\r60– وَمِثْلُ ذَا تَبْلِيغُهُمْ لِمَا أَتَوْا وَيَسْتَحِيلُ ضِدُّهَا كَمَا رَوَوْا\rثم أشار إلى ما يستحيل في حقهم بقوله: (ويستحيل) أي يمتنع عقلا وشرعا في حقّ الرسل وكذا الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام (ضدُّها)، أي أضداد الصفات الأربعة الواجبة المتقدمة وهي:\r– الخيانة بفعل منهي, الذي هو ضد الأمانة، أي العصمة.\r– والكذب الذي هو ضد الصدق.\r– والبلاهة والغفلة الذي هو ضد الفَطانة.\r– والكتمان لشيء ممّا أُمِروا بتبليغه وهو ضد التبليغ.\rفهذه كلّها مستحيلة في حقهم (كما روَوْا). وكأنّه أشار بهذا إلى أن المعتمد عليه في امتناع ما ذكر إنما هو الدليل السمعي لا العقلي.\r[الجائز في حق الأنبياء]","part":1,"page":84},{"id":87,"text":"61– وَجَائِزٌ فِي حَقِّهِمْ كَالْأَكْلِ وَكَالْجِمَاعِ لِلنِّسَا فِي الحِلِّ\rثم أشار إلى القسم الثالث من الأقسام الثلاثة المتعلقة بالرسل, وهو الجائز في حقهم, فقال: (وجائز) عقلا وشرعا (في حقهم) أي بالنسبة إليهم عليهم الصلاة والسلام ما هو من الأعراض البشرية التي لا تُخِلُّ بمراتبهم العلية وأحوالهم القُدسية، وذلك (كالأكل) والشرب والنوم ونحو ذلك من المباحات، إلا أنهم تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، لذلك كانوا لا يحتلمون، ولأن الشيطان لا يقرب ساحتهم.\rأما ما يقتضي الإخلال بمنصبهم الرفيع وجنابِهم المنيع، مثل الأمراض المنفرّة والعمى، فلا يجوز في حقهم، وما يقال أنّ شعيبا كان ضريرا لم يثبت، وكذا يعقوب، وإنما حصلت له غشاوة وزالت.\r(وكالجماع للنسا في الحلّ) لا في حال الحرمة، كالحائضات والنُّفَساء والمعتكفات والمحرمات بحج أو عمرة.\rوالحاصل أنّهم عليهم الصلاة والسلام باعتبار ظواهرهم تنالهم الأعراض البشرية التي لا تؤدّي إلى نقص، وأمّا بواطنهم فهي متعلقة بالملإ الأعلى، والمقام الأسنى، والأسرار الإلهية، والمواهب الربانية، والمعارف اللّدنية دائما، فظواهرهم بشرية وبواطنهم ملكية.\r[تضمن الشهادتين جميع عقائد الإيمان]\r62 وَجَامِعٌ مَعْنَى الَّذِي تَقَرَّرَا شَهَادَتَا الإِسْلاَمِ فَاطْرَحِ المِرَا\rولمّا ذكر عقائد الإيمان من الإلهيات والنبويات تفصيلا، أشار إلى تلك العقائد كلّها داخلة تحت قولنا: لا اله إلا الله محمد رسول الله. فقال: (وجامع معنى الذي تقررا) لك من الإلهيات والنبويات (شهادتا الإسلام) اللّتين لا يُقبل من أحد الإيمان ولا يحصل الإسلام إلا بهما:\rإذ الجملة الأولى تتضمن الإلهيات: ما يجب له تعالى وما يستحيل في حقه تعالى وما يجوز، لأنّ معنى \"لا إله إلا الله\" أنّه تعالى مُستغنٍ عن كل ما سواه، ومفتقر إليه كل ما عداه","part":1,"page":85},{"id":88,"text":"والجملة الثانية – أعني \"محمد رسول الله\" – تتضمن النبويّات: أي ما يجب للأنبياء وما يستحيل وما يجوز، وفيها إثبات الكتب والشرع والبعث والجزاء.\rوإن أردت أكثر من هذا، ووجه أخذ جميع عقائد الإيمان من كلمتي الشهادة فعليك بشرح ذات البراهين للإمام السّنوسي، فإن فيه شفاء الغليل، فإنّ الإطناب لا يليق بنا سيّما وقد التزمنا الاختصار.\rتنبيه: يجب النطق بالشهادين مرة في العمر ناوِيًا بهما الوجوب، ولا بد من فهم معناهما ولو إجمالا، وإلا لم ينتفع بهما في الخلاص من الخلود في النار.\rوإذا عرفت أن الشهادتين تشتملان على جميع عقائد الإيمان (فاطرح) أي ارْمِ وألقِ عنك (المرا)، أي الخصام في صحة اشتمالها على ذلك.\r[النبوّة فضل من الله]\r63 وَلَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ مُكْتَسَبَهْ وَلَوْ رَقَا فِي الْخَيْرِ أَعْلَى دَرَجَهْ\r64 بَلْ ذَاكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ لِمَنْ يَشَاءُ جَلَّ اللَّهُ وَاهِبُ المِنَنْ\rولمّا قالت الفلاسفة إن النبوّة يجوز اكتسابها بملازمة المجاهدة بالخلوة والجوع وأكل الحلال، ردَّ عليهم الناظم رحمه الله فقال: (ولم تكن نبوّة) وهي إيحاء الله تعالى لإنسان, عاقل, حرٍّ, ذكر, بحكم شرعي تكليفي؛ سواء أمَرَه بتبليغه أم لا، كان معه كتاب أم لا، كان له شرع مجدّد أم لا، كان له نسْخ لشرع من قبله أو بعضه أم لا. انتهى. قاله ابن الناظم في شرحه.","part":1,"page":86},{"id":89,"text":"(مكتسبة) أي إن النبوة فَضْلٌ من الله تعالى يخصّ به من يشاء ويصطفي بها من أراد اصطفاءه بها؛ { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس } [الحج: 75]، لا تدرَكُ برياضة(1) ولا بعبادة ولا بجدّ ولا باجتهاد، أي إنها لا تحصل بمجرد ذلك (ولو رَقَا في الخير) أي صعد العبد في العبادات الشاقة والطاعات الفاضلة (أعلى) أي أقصى (عقبة) أي ولو بلغ العبد في اكتساب الطاعات أعلى مرتبة لا ينالها. وإنما شبَّه بلوغ الطاعات برُقِيّ العقبة لصعوبتها ومشقتها على النفس.\r(بل ذاك) أي اصطفاء الله من شاء للنبوّة وتخصيصه بالرسالة (فضل الله) أي أثر جوده وإنعامه. والفضل إعطاء الشيء من غير عِوَض، لا عاجل ولا آجل، ولا لغرض، ولذا لا يكون لغيره تعالى. (يؤتيه) أي يعطيه تعالى بمحض اختياره (لمن يشاء) إيتاءه (جلّ الله) تعظم وتنزه عن أن ينال أحدٌ شيئا لم يُرِد عطيته، إذ هو تعالى (واهب المنن) جمع منة وهي العطية، لا واهب سواه لنبوة ولا غيرها.\r[محمد - صلى الله عليه وسلم - أفضل الخلق على الإطلاق]\r65– وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ عَلَى الإِطْلاَقِ نَبِيُّنَا فَمِلْ عَنِ الشِّقَاقِ\r(وأفضل الخلق) أي المخلوقات جميعا إنسِيِّها وجِنِّيها، عُلوِيِّها وسُفلِيِّها، ولذا قال: (على الإطلاق)، أي مطلقا من غير تقييد، هو (نبينا) وسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله، فهو سيد أهل الدنيا والآخرة، وإليه يهرعون في عرصات القيامة.\r(فمِلْ) أي حِدْ (عن الشقاق)، أي الخلاف والنزاع فيما ذكر من أفضليته على سائر الخلق. أي ومما يجب اعتقاده أن نبينا - صلى الله عليه وسلم - أفضل الخلق أجمعين.\r[مراتب الخلق في الفضل]\r66– وَالأَنْبِيَا يَلُونَهُ فِي الْفَضْلِ وَبَعْدَهُمْ مَلاَئِكَة ذِي الفَضْلِ\r__________\r(1) الرياضة الروحية هي عبارة عن ملازمة العزلة والخلوة والجوع وتناول الحلال والتقلّل من الدنيا على سبيل الزهد فيها ومداومة التعبد والفكر والذكر.","part":1,"page":87},{"id":90,"text":"67– هَذَا وَقَوْمٌ فَصَّلُوا إِذْ فَضَّلُوا وَبَعْضُ كُلٍّ بَعْضَهُ قَدْ يَفْضُلُ\r(والأنبيا) عليهم الصلاة والسلام يجب أن يعتقد أنهم (يلونه) أي يقْفُونه، أي يتبعون نبينا - صلى الله عليه وسلم - (في الفضل) أي في سائر خصال الخير ومراتب الكمال. فرتبتهم عليهم السلام بعد رتبته - صلى الله عليه وسلم -، وهُمْ متفاوتون في الدرجات فيما بينهم.\r(وبعدهم) أي الأنبياء في الفضيلة (ملائكة) الله تعالى (ذي الفضل) والكرم. فمرتبة الملائكة تلي مرتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الجملة، فالملائكة – ولو غير رسل – أفضل من الأولياء من البشر. وأمّا على التفصيل، فالذي يلي الأنبياء من الملائكة إنما هم أعيانهم كجبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل عليهم الصلاة والسلام. هذا قول جمهور الأشاعرة.\r(هذا) الذي ذكر من تفضيل الأنبياء على الملائكة، والملائكة على غير الأنبياء من البشر من غير تفصيل طريق الأشاعرة، وأمّا الطريق الثانية فأشار إليها بقوله: (وقوْمٌ) من الماتريدية لم يقولوا بأن جملة الأنبياء أفضل من جملة الملائكة، وجملة الملائكة أفضل من جملة سائر البشر، بل (فصَّلوا) القول (إذ فضَّلوا) أي وقت تعرضهم للتفضيل، فقالوا: رسل البشر كموسى أفضل من رسل الملائكة كجبريل، ورسل الملائكة كإسرافيل أفضل من أولياء البشر كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وأولياء البشر أفضل من عامة الملائكة، وهم غير الرسل منهم.\r(وبعضُ كلٍّ) من الأنبياء والملائكة (بعضَه) الآخر (قد يَفضُل) أي مما يجب اعتقاده أنّ بعض الأنبياء كأولي العزم أفضل من غيرهم، وبعض أولي العزم كسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - أفضل من غيره منهم كإبراهيم عليه السلام وهو أفضل أولي العزم غير نبينا - صلى الله عليه وسلم -، وأن بعض الملائكة كالرسل منهم أفضل من غيرهم منهم، وبعض رسل الملائكة أفضل من بعض كجبريل.","part":1,"page":88},{"id":91,"text":"والحاصل: أن الأفضل من خلق الله هو سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم نوح، ثم بقية الرسل، ثم الأنبياء غير الرسل، ثم هم متفاضلون فيما بينهم، والملائكة فيما بينهم متفاضلون كالرسل. وأكثر شرح هذا الكلام من كلام ابن الناظم لصعوبة هذا المقام علي، ولعدم قدرتي على عبارة أوضح من عبارته.\r…\r[حقيقة المعجزة]\r68– بِالْمُعْجِزَاتِ أُيِّدُوا تَكَرُّمًا وَعِصْمَةُ الْبَارِي لِكُلٍ حَتِّمَا\rثم أشار الناظم إلى دليل صدق الأنبياء في دعواهم الرسالة فقال:\r(بالمعجزات) أي بخوارق العادات التي يعجز غيرهم عن الإتيان بمثلها، وهو يتعلق بقوله: (أُيِّدوا) أي إن الله أيّدهم وصدقهم في دعواهم وأثبت نبوَّتهم بظهور الخارق على أيديهم، إذ لولا إظهاره لما صدَّقهم من أُرسِلوا إليهم.\rوالمعجزة عرفا: أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة.\r(تكرما) أي تفضلا منه تعالى بلا وجوب، بل بالاختيار. وأشار بذلك للرد على من قال بوجوب المعجزات كالإرسال.\r(وعصمة الباري) أي منعه (لكُلٍّ) من الأنبياء والملائكة (حتِّما).\r[خاتم النبيين وعموم بعثته]\r69– وَخُصَّ خَيْرُ الْخَلْقِ أَنْ قَدْ تَمَّمَا بِهِ الْجَمِيعَ رَبُّنَا وَعَمَّمَا\r70– بَعْثَتُهُ فَشَرْعُهُ لاَ يُنْسَخُ بِغَيْرِهِ حَتَّى الزَّمَانُ يُنْسَخُ\r(وَخُصَّ خَيْرُ الْخَلْقِ) دون غيره (أن) أي بأن (قد تمما) أي ختم (به الجميع) أي جميع الأنبياء والمرسلين، فلا نبي بعده لقوله تعالى: { وخاتم النبيين } [الأحزاب: 40]، وقوله - صلى الله عليه وسلم - « أنا العاقب لا نبي بعدي »(1) (ربُّنا) فاعل \"تمّما\".\r(و) خصّ أيضا خير الخلق - صلى الله عليه وسلم - بأن قد (عمَّما) الله (بعثته) إلى جميع المكلفين من الإنس والجن، ويأجوج ومأجوج، وإلى الأمم قبله وإلى نفسه.\r[عدم قبول الشريعة الإسلامية النسخ من غيرها]\r__________\r(1) سبق تخريجه","part":1,"page":89},{"id":92,"text":"ولمّا ذكر أنّه - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين رتَّب عليه قوله: (فشَرْعُه) عليه الصلاة والسلام، أي الأحكام المشروعة (لا يُنْسَخ) أي لا يُرفع (بغيره) من الشرائع، بل هو مؤبّد على مرّ الأعصار ولا يتبدل ولا يتغير بحال (حتى الزمانَ ينسخ) أي ينقرض.\rيعني أن شرعه - صلى الله عليه وسلم - تقوم عليه الساعة؛ إذ لا نبي بعده، فلا شرع بعده، فلا نسخ لشرعه بغيره؛ قال تعالى: { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } [آل عمران: 85]. قال الوليّ ابن العراقي:\rالسيرة له شرعته قد أبّدت ونسخت كل الشرائع التي قبل خلت\r[نسخ الشريعة الإسلامية لغيرها من الشرائع السابقة]\r71– وَنَسْخُهُ لِشَرْعِ غَيْرِهِ وَقَعْ حَتْمًا أَذَلَّ اللَّهُ مَنْ لَهُ مَنَعْ\r(ونسخه) أي شرع سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - (لشرع) من له شرعٌ من الأنبياء (غيره) - صلى الله عليه وسلم - (وقع حتما) أي وقوعا حتما لا يخالِف فيه إلا من طبع الله على قلبه وتحققت شقاوته كصنف اليهود؛ فالنسخ جائز عقلا واقع شرعا.\rوهذا ممّا لا خلاف فيه بين المسلمين، ولذا دعا على من خالف في ذلك بقوله: (أذلّ الله من له) أي لشرع نبينا - صلى الله عليه وسلم - ولنسخ شرع النبي - صلى الله عليه وسلم - لغيره (منع). أي ضرب الله عليه الذِّلَّةَ والهَوانَ لمخالفته الحقّ الذي لا مِرية فيه.\r[وقوع نسخ بعض الشريعة الإسلامية ببعضها]\r72– وَنَسْخُ بَعْضِ شَرْعِهِ بِالْبَعْضِ أَجِزْ وَمَا فِي ذَا لَهُ مِنْ غَضِّ\r(ونسخ بعض) أحكام (شرعه) العزيز - صلى الله عليه وسلم - (بالبعض) الآخر، سواء لنسخ الكتاب بالكتاب، أو السنّة بالسنّة، أو السنّة بالكتاب، أو الكتاب بالسنّة (أجِزْ) ، أي اعتقد أنه جائز واقع. وإنما قال لبعضٍ بالبعضِ لأن نسخ الجميع غير واقع بالإجماع.","part":1,"page":90},{"id":93,"text":"(وما في ذا) النسخ البعضي (له) أي لشرعه - صلى الله عليه وسلم - (من غَضّ) أي نقص، يعني أنّ نسخ بعض شرع نبينا عليه الصلاة والسلام بالبعض لا يلزم عليه نقْصٌ فيه؛ لأن الله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت لحِكمٍ يعلمها تعالى، قال تعالى: { ما ننسخ من آية أو ننسها } الآية [البقرة: 106].\r[معجزات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأعظمها القرآن]\r73 – وَمُعْجِزَاتُهُ كَثِيرَةٌ غُرَرْ مِنْهَا كَلاَمُ اللَّهِ مُعْجِزُ البَشَرْ\r74 – وَاجْزِمْ بِمِعْرَاجِ النَّبِيِّ كَمَا رَوَوْا وَبَرِّئَنْ لِعَائِشَة مِمَّا رَمَوْا","part":1,"page":91},{"id":94,"text":"ولمّا قدَّم الناظم رحمه الله أنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أُيِّدوا بظهور المعجزة على أيدِيهم، نبَّه هنا على أن نبينا - صلى الله عليه وسلم - أكثر الأنبياء معجزة فقال:(ومعجزاته) - صلى الله عليه وسلم - الظاهرة على يديه تأييدا للرسالة وتقريرا لصِدْقه (كثيرةٌ) جدًّا، لا يمكن الإحاطة بها لمخلوق، (غُرَرْ) أي واضحات وضوحا بينا، كانشقاق القمر(1)، ونبع الماء المنهمر من بين أصابعه(2)، وحنين الجذع الذي كان يخطب عنده لفراقه حين جُعل له المنبر(3)، وتسبيح الحصى في كفّه، وردِّ عين قتادة لمّا أن سالت على خدِّه فكانت أحسن عينيه وأحدّ نظرا من الأخرى، وبُرْء عيني عليّ -\r__________\r(1) عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اشهدوا !» أخرجه البخاري في تفسير القرآن، باب { وانشق القمر } ؛ ومسلم في صفة القيامة، باب انشقاق القمر، عن عبد الله بن مسعود.\r(2) عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوضوء، فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الإناء يده وأمر الناس أن يتوضئوا به. قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه حتى توضئوا من عند آخرهم. أخرجه البخاري في الوضوء، باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة؛ ومسلم في الفضائل، باب في معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم -.\r(3) عن جابر بن عبد الله قال: «كان المسجد مسقوفا على جذوع من نخل، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلمّا صُنع له المنبر فكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العِشار، حتى جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضع يده عليها فسكنت». أخرجه البخاري في المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام. وفي حنين الجذع روايات كثيرة وصحيحة.","part":1,"page":92},{"id":95,"text":"رضي الله عنه - لمّا أن تفل في عينيه يوم خيبر(1) وهلم جرّا.\r(منها) أي من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - (كلامُ الله) القرآن الذي تحدَّى به أكابر الفصحاء ومصاقع البلغاء، على أن يأتوا بشيء من مثله فعجزوا.\r(معجز البشر) أي الخلق أجمعين، وإنما خص البشر بالذكر لأنهم الذين بصدد المعارضة، ولأنه إذا كان معجزا للبشر فالجن عجزهم من باب أولى؛ لأنهم(2) أوفَر عقلا وأقعَد ذهنا وأكثر فهما، والملائكة معصومون، وعلى تقدير لو عارضوا لعجزوا جميعا لقوله تعالى: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } [الإسراء: 88] أي معينا، فالقرآن العظيم أعظم معجزات نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهي معجزة باقية دائمة إلى قيام الساعة.\rووجه إعجاز القرآن كونه في أعلى درجات الفصاحة، وأرقى طبقات البلاغة، مع ما اشتمل عليه من النظم العجيب، والترتيب الغريب، والإخبار بالمغيبات الماضية والآتية.\r__________\r(1) عن سهل بن سعد أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول يوم خيبر «لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يديه» فقاموا يرجون لذلك أيّهم يعطى، وغدوا وكلهم يرجو أن يعطى، فقال: «أين علي» فقيل يشتكي عينيه، فأمر، فدعي له فبصق في عينيه فبرأ مكانه حتى كأنه لم يكن به شيء. أخرجه البخاري في الجهاد والسير، باب دعاء النبي الناس إلى الإسلام والنبوة؛ ومسلم في فضائل الصحابة رضي الله عنهم، باب من فضائل على بن أبي طالب.\r(2) أي البشر","part":1,"page":93},{"id":96,"text":"وممّا يجب الإيمان به ما وقع له - صلى الله عليه وسلم - من الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى على البُراق، ومن العروج – أي الصعود – من صخرة بيت المقدس إلى أن جاوز السموات السبع وسدرة المنتهى, ووصل إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام، حتى رأى الرب جل وعلا على ما يليق بكبريائه وجلاله(1) كما أشار إلى ذلك بقوله: (واجزم) اعتقادك إيمانا وتصديقا (بمعراج النبي) - صلى الله عليه وسلم - (كما روَوا)، أي كما رواه أصحاب الحديث والتفسير.\r[براءة السيدة عائشة معجزة للنبي وكرامة لها]\r(وبرِّئنْ) أي نزّهن أمّ المؤمنين (لعائشة) الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها (مما رموا) أي من الإفك الذي رماها به المنافقون. وكان الذي تولى كِبْرَه عبد الله بن أبيّ المنافق الكبير لعنه الله، فبرّأها الله مما قالوا فيها بنزول الوحي القرآني(2) على النبي - صلى الله عليه وسلم -. وإنما ذكره الناظم في خلال المعجزات لأنه من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - لما فيه من تنزيه الجناب الرفيع وصوْن حرمته وإهانة أعدائه - صلى الله عليه وسلم - ، فهي معجزة له - صلى الله عليه وسلم - وكرامة لها ولأبويها.\r[فضل الصحابة والتابعين، ومراتبهم في الفضل]\r75 – وَصَحْبُهُ خَيْرُ القُرُونِ فَاسْتَمِعْ فَتَابِعِي فَتَابِعٌ لِمَنْ تَبِعْ\r76 – وَخَيْرُهُمْ مَنْ وُلِّيَ الخِلاَفَهْ وَأَمْرُهُمْ فِي الْفَضْلِ كَالْخِلاَفَهْ\r__________\r(1) حديث الإسراء والمعراج أخرجه البخاري في بدء الخلق ، باب ذكر الملائكة؛ وفي المناقب، باب حديث الإسراء ، وباب المعراج؛ ومسلم في الإيمان، باب الإسراء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.\r(2) براءة السيدة عائشة رضي الله عنها وردت في سورة النور من الآية 11 إلى 20. وحديث الإفك أخرجه البخاري في المغازي، باب حديث الإفك وقبول توبة القاذف؛ ومسلم في التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف","part":1,"page":94},{"id":97,"text":"وممّا يجب الإيمان به أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل الخلق ما عدى الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، كما قال: (وصحبه) أي أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - (خير القرون) أي أفضل من جميع أهل القرون المتأخرة عن بعثته والمتقدمة عنها سِوى الأنبياء والمرسلين (فاستمع) سماع قبول واعتقده فإنّه الحق.\r(فتابعي) أي فبعد رتبة الصحابة رتبة التابعين في الفضيلة (فتابع لمن تبع) أي وبعد التابعين تابع التابعين، أي الذي يلي رتبة التابعين في الفضيلة هم تابع التابعين لقوله - صلى الله عليه وسلم - « خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم »(1).\rولمّا قرر أن الصحابة أفضل ممن عداهم، ويليهم التابعون، ويلي التابعين تابع التابعين، تكلم على أفضل الصحابة فقال: (وخيرهم) أي أفضل الصحابة (من وُلِّي) أي النفر الذين وُلُّوا (الخلافة) بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نيابة عنه - صلى الله عليه وسلم - لحماية الدين ومراعاة مصالح المسلمين، يعني أن أفضل الصحابة رضي الله عنهم أجمعين الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي.\r(وأمرهم في الفضل كالخلافة) أي ترتيبهم في المفاضلة بينهم كترتيبهم في الخلافة؛ فالأسبق في الخلافة هو الأفضل، فمن بعده؛ فأفضل الخلفاء رضي الله عنهم: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.\r77 – يَلِيهِمْ قَوْمٌ كِرَامٌ بَرَرَهْ عِدَّتُهُمْ سِتٌّ تَمَامُ العَشَرَهْ\r78 – فَأَهْلُ بَدْرٍ العَظِيمُ الشَّانِ فَأَهْلُ أُحُدٍ فَبَيْعَةُ الرِّضْوَانِ\r(يليهم) أي آخر الأربعة في الفضيلة (قوم كرام) على الله, لكثرة أوصافهم الجميلة وخصالهم الحميدة، (بررة) جمع بار: وهو الكثير خصال الخير.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الرقائق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا؛ وفي الشهادات، باب لا يشهد على جور؛ وفي الأيمان والنذور، باب إثم من لا يفي بالنذر؛ ومسلم في الفضائل، باب فضل الصحابة.","part":1,"page":95},{"id":98,"text":"(عدتهم ست تمام العشرة) المشهود لكل واحد منهم بالجنة. وباقي العشرة: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمان بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين.\r(فأهل) غزوة (بدر) الكبرى (العظيم الشان)، الذي نصَر الله به نبيه والمسلمين على أعدائهم، فقتلوا من الكفار سبعين وأسروا سبعين، وكان الصحابة رضي الله عنهم ثلاثة مائة وثلاثة عشر، وحضر فيها الملائكة مقاتلين. فرتبة أهل بدر تلي رتبة الستة بقية العشرة في الفضيلة، وكذا الملائكة البدريون أفضل من غيرهم.\r(فأهل) غزوة (أحد)، وهو جبل معروف بقرب المدينة، وكان أهل أُحُد ألفا بالثلاثمائة من المنافقين. فرتبة أهل أحُد تلي رتبة بقية البدريين في الفضيلة. والمراد بأهل بدْر وأحُد من حضرهما لنصر الدين، سواء استشهد أم لا.\r(فبيعة الرضوان) أي فأهل بيعة الرضوان رتبتهم تلي رتبة أهل أحد، وأهل بيعة الرضوان كانوا ألفا وخمسمائة، كلُّهم بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الموت أو على أن لا يفروا, لمّا صدّهُ المشركون عن زيارة بيت الله، وأرسل لهم عثمان - رضي الله عنه - وشاع أنهم قتلوه ولم يكن مات. ولم يبق منهم إلا رجل واحد يقال له الجد بن قيس، فاختبأ تحت بطن بعيره، فلما ظهر أن عثمان لم يمت صالحهم النبي - صلى الله عليه وسلم -. وسميت بيعة الرضوان لأن الله تعالى رضي عن أهلها فقال: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } [الفتح: 18].\r79 – وَالسَّابِقُونَ فَضْلُهُمْ نَصًّا عُرِفْ هَذَا وَفِي تَعْيِينِهِمْ قَدْ اخْتُلِفْ\r80 – وَأَوِّلِ التَّشَاجَرَ الَّذِي وَرَدْ إِنْ خُضْتَ فِيهِ وَاجْتَنِبْ دَاءَ الحَسَدْ","part":1,"page":96},{"id":99,"text":"(والسابقون) من الصحابة إلى الإسلام (فضلهم) رضي الله عنهم (نصّا عرف) أي عرف بنص القرآن؛ قال تعالى: { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار } [التوبة: 100] { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل } [الحديد: 10].\rواختلف في السابقين من هُمْ ؟ فقيل: هم من صلّى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى القبلتين، وقيل أهل بدر، وقيل أهل بيعة الرضوان، ولذا قال الناظم رحمه الله: (هذا وفي تعيينهم قد اختلف) أي وقع الخلاف بين العلماء في تعيين السابقين من الصحابة، والمحكوم له بالفضل في المراتب المتقدمة إنما هو الجملة على الجملة دون الأفراد، وربما جمع البعض جميع هذه المراتب، ربما يكون بدريا أحديا رِضوانيا كأبي بكر - رضي الله عنه - .\r[تأويل ما وقع بين الصحابة من التشاجر]\r(وأوِّل التشاجر) أي التخاصم الواقع بين الصحابة رضي الله عنهم (الذي ورد) عنهم مرويا، متواترا كان أو مشهورا، وأمّا ما لم يصح فلا يُقبل حتى يحتاج إلى التأويل.","part":1,"page":97},{"id":100,"text":"والمراد بتأويل ما ورد أن يحمل على محامل حسنة فيها، ليأمن من الطعن في أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين قال فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « الله الله في أصحابي لاتتخذوهم غرضا من بعدي، من آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه »(1) وفي رواية: « لا تسبُّوا أصحابي ومن سبَّهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منهم صرفا – أي فرضا – ولا عدلا – أي نفلا ».(2)\rوهذا (إن خضت فيه) أي فيما شجر بينهم فيجب عليك التأويل، وحينئذ احمِلْ أحسن المحامل؛ فإنهم مبرَّئون من الأغراض النفسانية، (واجتنب داء الحسد) فإنه مهلِك قاتِل يحرق الحسنات ويمحق البركات أعاذنا الله منه. وإنما ذيل الناظم الكلام بهذا لأنّ كل ذي نعمة محسود.\r[فضل أئمة الإسلام]\r81 – وَمَالِكٌ وَسَائِرُ الأَئِمَّهْ كَذَا أَبُو الْقَاسِمْ هُدَاةُ الأُمَّهْ\r(ومالك) بن أنس إمام دار الهجرة، (وسائر) أي باقي (الأئمه) المجتهدين كالإمام محمد بن إدريس الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وكالإمام الأشعري شيخ أهل السنة وغيرهم من المجتهدين.\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في المناقب، باب في من سبّ أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ وأحمد في المسند، عن عبد الله بن مغفل المزني. ولفظه عندهما: « الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تبارك وتعالى، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه ».\r(2) ورد بهذا اللفظ في كنز العمال، والكامل في الضعفاء، وتاريخ بغداد (موسوعة أطراف الحديث: 7/124). وأصله في البخاري في المناقب، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: \"لو كنت متخذا خليلا؛ ومسلم في الفضائل، باب تحريم سب الصحابة بلفظ: \"لا تسبوا أصحاب فلو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه\".","part":1,"page":98},{"id":101,"text":"و(كذا) إمام الطريقة(1) والحقيقة شيخ جماعة الصوفية وإمامهم: (أبو القاسم) الجُنَيْد رضي الله تعالى عنه، كلّهم (هداة) جمع هاد كغزاة ورماة، هذه (الأمَّه) التي هي خير أمة، ورتبتهم تلي رتبة من تقدم ذكره من الصحابة ومن تبعهم.\r[وجوب التقليد في فروع الشريعة]\r82 – فَوَاجِبٌ تَقْلِيدُ حِبْرٍ مِنْهُمُ كَذَا حَكَى القَوْمُ بِلَفْظٍ يُفْهَمُ\rوإذا كان هؤلاء الأئمّة هداة الأمّة (فواجب) على كل من لم يبلُغ رُتبَتهم في الاجتهاد (تقليدُ) أي الأخذ بمذهب (حبر) بفتح الحاء وكسرها، أي عالم مجتهد (منهم) في الفروع، فمن قلَّد واحدا منهم فقد خرج من التكليف، ولا فرق في الذي يُقلَّد بين كونه حيّا أو ميّتا؛ لأنّ العلم لا يموت بموت صاحبه.\r__________\r(1) الطريقة اصطلاح صوفي، والمراد به تزكية النفس والباطن من الأخلاق الذميمة، وتحليتها بالأخلاق الفاضلة. وهي أيضا السّيْرة المختصة بالسالكين إلى الله تعالى من قطع المنازل والترقي في المقامات. انظر كشاف التهانوي (3/160)؛ وتعريفات الجرجاني (ص: 215).","part":1,"page":99},{"id":102,"text":"والدليل على وجوب التقليد في الفروع(1) قوله تعالى: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } [النحل: 43]. ولا بد أن يعتقد المقلد أرجحية مذهب من أراد أن يقلده.\rوأمّا التقليد في أصول الدين، فقد عرفت أنّه لا يجوز للمتمكّن من النظر.\r(كذا حكى) وجوب التقليد في الفروع لعالِم ممن ذُكر (القومُ)، أي علماء الأصول، (بلفظ) أي بقول واضح (يفهم).\r[تعريف الكرامة وإثباتها للأولياء]\r83 – وَأَثْبِتَنْ لِلأَوْلِيَا الْكَرَامَهْ وَمَنْ نَفَاهَا فَانْبِذَنْ كَلاَمَهْ\rثم أشار إلى إثبات كرامات الأولياء – كما هو مذهب أهل السنة – فقال:\r__________\r(1) الاقتداء بأحد الأئمة المجتهدين إنما يكون لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد لقوله تعالى: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } ، فمن ليس في وسعه استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة يجب عليه تقليد أحد الأئمة المجتهدين؛ لأن في تكليفه بالاستنباط مع عدم قدرته عليه تكليفٌ بما ليس في الوسع، وقد قال تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } . وعليه فمن لم يقدر على الاجتهاد المطلق وقلَّد أحد المجتهدين فقد فعل ما أوجبه الله تعالى عليه، حيث اعتقد أن ذلك المجتهد شارح للكتاب والسنة، ومعنى قولنا مثلا مذهب مالك كذا أن ذلك هو الحكم الشرعي في فهم مالك، لا أنه مشرّع لشريعة من عند نفسه، خلافا لأحبار أهل الكتاب ورهبانهم الذين ذم الله مقلديهم بقوله: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } ، حيث شرّعوا لمقلديهم أحكاما من غير استناد إلى ما جاء بطريق الوحي للرسل عليهم السلام. وأما أئمة المسلمين شكر الله سعيهم كلامهم في الحِل والحرمة مستند إلى القرآن والسنة، مضبوط بالأدلة، صادر بعد إمعان النظر في طرق الاستنباط.","part":1,"page":100},{"id":103,"text":"(وأثبتن للأوليا) السادة من هذه الأمة أو غيرها (الكرامه) وهي أمر خارق للعادة, غير مقرون بدعوى النبوة، ولا إرهاص(1) لها. والوليُّ(2) هو العالِم العامِل بعلمه على وجه الإخلاص. أي اعتقد جوازها ووقوعها بدليل الكتاب والسنة:\rـ أما الكتاب، فكقصة مريم مع عيسى وزكريا { كلّما دخل عليها زكرياء المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنّى لك هذا قالت هو من عند الله } [آل عمران: 37]، وقصة آصف بن برخيا مع سليمان في إتيانه بعرش بلقيس قبل ارتداد الطرف، وقصّة أصحاب الكهف.\rـ وأما السنة، فكقصة جريج الراهب(3) وغير ذلك.\r(ومن نفاها) أي الكرامة بأن لم يقبل ثبوتها كالمعتزلة، (فانبذن) أي اطرحن (كلامه) ولا تعتقده، إذ ليس فيها التباس النبي بغيره؛ لأنّ المعجزة مقرونة بدعوى النبوّة والتحدي، والكرامة ليست كذلك.\r[فضل الدعاء وآدابه]\r__________\r(1) الإرهاص: إحداث أمر خارق للعادة دالٍّ على بعثة نبي قبل بعثته. (التعريفات، ص: 74)\r(2) ذكر بعض أهل السنة أن للولي أربعة شروط، وحاصلها: الأول أن يكون عارفا بأصول الدين حتى يفرّق بين الخلق والخالق وبين النبي والمتنبي، الثاني: أن يكون عالما بأحكام الشريعة نقلا وفهما ليكتفي بنظره عن التقليد في الأحكام الشرعية كما اكتفى بذلك في أصول التوحيد؛ فلو أذهب الله علماء أهل الأرض لوُجد عنده ما كان عندهم، ولأقام قواعد الإسلام من أولها إلى آخرها، فإنه لا يفهم من قولنا ولي الله إلا الناصر لدين الله، وذلك ممتنع في حق من لا يحيط علما بدين الله وقواعده وأصوله وفروعه، الثالث: أن يتخلَّق بالخُلُق المحمود الذي يدل عليه الشرع والعقل، والرابع: أن يلازمه الخوف أبدا سرمدا ولا يجد لطمأنينة النفس سبيلا؛ فإنه لا يحيط علما بأنه من فريق السعادة في الأزل أو من فريق الشقاوة.\r(3) قصة جريج أخرجها البخاري في المظالم، باب إذا هدم حائط فليبن مثله؛ ومسلم في البر والصلة والأدب، باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة.","part":1,"page":101},{"id":104,"text":"84 – وَعِنْدَنَا أَنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ كَمَا مِنَ القُرْآنِ وَعْدًا يُسْمَعُ\rثم لمّا كان مذهب أهل السنة أن الدعاء ينفع أشار إلى ذلك بقوله:\r(وعندنا) معشر أهل السنة (أن الدعاء) وهو رفع الحاجات إلى مستجيب الدعوات وكاشف البلوات (ينفعُ) ممّا حلَّ بالداعي أو المدعوِّ له وممّا لم يحلّ، وينفع الأحياء والأموات إن كان بخير، ويضرّ إن كان بشرّ. أي إنّ الله يمنح المدعوَّ له ويمنع المدعوَّ عليه, لأن الله طلب من عباده أن يتضرّعوا إليه ويدعوه تضرعا وخيفة كقوله تعالى: { ادعوني أستجب لكم } [غافر: 60] و { أجيب دعوة الداع إذا دعان } [البقرة: 186].\rوللدعاء آداب منها:\r– الطهارة.\r– وتقديم التوبة.\r– والاستغفار.\r– والصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - أوّله وأثناءه وآخره.\rوأن لا يعجل بأن يقول دعوت فلم يستجب لي، وإلاّ لم يقبل كما في الحديث: « يستجاب لأحدكم ما لم يعجل »(1).\r– والإخلاص.\r– وافتتاحه بالثناء على الله تعالى.\r– واستقبال القبلة.\r– وكونه في محالّ مظنّة الإجابة.\rفيجيب تعالى دعاء الداعين (كما من القرآن) العظيم (وعدا) من الله الكريم (يُسمَع) مَتلُوًّا، فعليك بالدعاء فإنه مخّ العبادة ومفتاح السعادة، وليكُن الأهمُّ المقصود من دعائك التذلل للعلِيِّ الأعلى، والتّطراح على أبواب فضل المولى، ولا يكون غرضك قضاء الوطر، فإنه من قصور النظر. ويرحم الله القائل حيث يقول:\rقالوا اشتكوا إليه ما ليس يخفى عليه\rقلت رب ويرضى ذل العبيد لديه\rوالدعاء إمّا مستجاب في الدنيا، إن عاجلا أو آجلا، أو مُدَّخر ليوم القيامة. والمستجاب فيه إمّا عين المدعو به، أو غيره ممّا فيه صلاح صاحب الدعاء.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الدعوات، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل؛ ومسلم في الذكر والدعاء، باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل، عن أبي هريرة ولفظه: \"يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: دعوت فلم يستجب لي\".","part":1,"page":102},{"id":105,"text":"[الملائكة الحافظون والكاتبون]\r85 – بِكُلِّ عَبْدٍ حَافِظُونَ وُكِّلُوا وَكَاتِبُونَ خِيرَةٌ لَنْ يُهْمِلُوا\r86 – من أمره شيئا فعل ولو ذهل حتى الأنين في المرض كما نقل\rثم أشار إلى مسألة يجب اعتقادها بقوله:\r(بكل عبد) مكلَّفٍ مؤمنا كان أو كافرا، حرا أو رقيقا، ذكرا أو أنثى ملائكةٌ (حافظون) لجميع ما يصدر منه، (وُكِّلوا) أي وكّلهم الله على جميع المكلفين لا يفارقونهم إلا في ثلاث حالات:\r– حالة قضاء الحاجة.\r– وحالة الجماع.\r– وحالة الغسل، كما جاء في الحديث(1) عن بن عباس رضي الله عنهما. ثم عطف على \"حافظون\" قوله: (وكاتبون خيرة)، عطفُ خاصٍّ على عامٍّ، لأن الملائكة الموَكَّلين بالإنسان عشرة بالليل وعشرة بالنهار كما رواه عثمان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. « واحد عن يمينه، وآخر عن شماله، واثنان بين يديه ومن خلفه، واثنان على جبينه، وواحد قابض على ناصيته، فإن تواضع رفعه وإن تكبر وضعه، واثنان على شفتيه ليس يحفظان عليه إلا الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، والعاشر يحرسه من الحية أن تدخل فاه »(2).\rفأخذ من الحديث أنّ كل عبد وُكِّل به جمْعٌ من الحفظة، والكاتبون داخلون فيهم لأنّ قوله \"واحد عن يمينه وواحد عن شماله\" ظاهر في أنهما الحافظان, لقوله تعالى: { عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } [ق:17،18] فصحّ قولنا عطف \"الكاتبون\" على \"الحافظون\" عطف خاص على عام.\r__________\r(1) عن ابن عمر أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « إيّاكم والتعرّي؛ فإنّ معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم ». أخرجه الترمذي في الاستئذان والآداب، باب ما جاء في الاستتار عند الجماع.\r(2) عزا ابن كثير إخراجه إلى ابن جرير الطبري عن كنانة العدوي، ولم يعلق عليه ( تفسير ابن كثير: 2/655).","part":1,"page":103},{"id":106,"text":"والكتب حقيقة على بابه بقلم وقرطاس ومداد؛ ففي الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « إن الله لطف الملكين الحافظين حتى أجلسهما على الناجذين وجعل لسانه قلمهما وريقه مدادهما »(1) والمراد بالناجذين آخر الأضراس من اليمين واليسار.\rوملك الحسنات من جهة اليمين أمير على ملك الشمال الذي يكتب السيئات, فلا يُكتب منها شيء إلا بإذن منه، فإذا مرت على العبد ست ساعات ولم يتب ولم يستغفر تركه يكتب.\rفإن مشى كان أحدهما أمامه والآخر وراءه، وإن قعد كان أحدهما على يمينه والآخر على يساره، وإن رقد كان أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه – كما روي عن مجاهد – وهما ملازمان له ما دام حيا.\rفإذا مات، فإن كان من أهل الخير يقولان فيه: نعم القرين، كم من مجلس خير أحضرنا، وكم من كلام طيب أسمعنا، فيقول الله تعالى لهما: اذهبا إلى قبره اعبدا عليه وعبادتكما له إلى يوم القيامة، وإن كان من أهل الشر أعاذنا الله منه فيقولان: الحمد لله الذي أراحنا منه، كم من مجلس سوء أحضرنا، وكم من كلام فاحش أسمعنا.\rوقيل إن لكل يوم وليلة ملكين يتعاقبان عند صلاة العصر وصلاة الصبح(2)، يؤرّخون ما يكتبون من أعمال العباد بالأيام والجمع والأعوام والأماكن.\r__________\r(1) الحديث ورد في كنز العمال والدر المنثور وجمع الجوامع (موسوعة أطراف الحديث: 3/180)\r(2) الحديث ولفظه عند البخاري، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: \"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج اللذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون\". رواه البخاري في صحيحه في مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر؛ ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي العصر والصبح.","part":1,"page":104},{"id":107,"text":"(لن يهملوا) أي لا يتركون (من أمره شيئا فعل) فِعْلَ الجوارح والقلب واللسان، فتدخل النية والاعتقاد، ويعرفون ذلك بعلامة كرائحة كما جاء في الحديث عن ابن عمر: « إذا كذب العبد كذبة تباعد عنه الملك ميلا من نتن ما جاء به(1) ».\r(ولو ذهل) أي يكتبون ما يصدر عنه ولو في حال الذهول, لأنه ليس المقصود من الكتْب الإثابة أو المعاقبة؛ ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } [ق: 18] قال: يكتب كل ما يتكلم به من خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت، حتى إذا كان يوم الخميس عُرِض قوله وعمله فأُقِرَّ منه ما كان منه من خير أو شر وألقي سائره(2).\rتنبيه:\rيجب اعتقاد أنّ هذه الكتابة ليست لحاجة إليها، بل لحِكَمٍ يعلمها سبحانه، ويحتمل أن يكون حِكمتها أن العبد إذا علم أن أعماله جميعا مكتوبة محصيَّة استحيى من تناول المعصية، وتركها لأنهم يكتبون عنه (حتى الأنين) الصادر عن طبيعته (في) حالة (المرض) ونحوه (كما نقل)، أي كما نقله الأئمة وقالوا به ومنهم إمامنا مالك، واستدلوا بقول الله تعالى: { ما يلفظ من قول } [ق: 18] الآية، لأنّ مثل هذا لا يقال عن رأي. والأنين: مصدر أنّ، إذا تضجر من وجع، وهذا ممّا يجب الإيمان به(3).\r__________\r(1) أخرجه الترمذي عن ابن عمر في البر والصلة، باب ما جاء في الصدق والصلة. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\r(2) ذكره ابن كثير نقلا عن علي بن أبي طلحة (تفسير القرآن العظيم 2/284)\r(3) ذكر عن الإمام أحمد أنه كان يئِنُّ في مرضه، فبلغه عن طاوس أنه قال: يكتب الملك كل شيء حتى الأنين، فلم يئن أحمد حتى مات رحمه الله تعالى. (تفسير القرآن العظيم 2/284)","part":1,"page":105},{"id":108,"text":"قال ابن الناظم: ينبغي أن يحمل قوله: \"حتى الأنين\" إلخ على معنى أنّه يكتب له خيرات وطاعات كما في حديث أنس رضي الله عنه قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « إذا ابتلى الله العبد ببلاء في جسده قال الله للملك: اكتب له صالح عمله الذي كان يعمل، فإن شفاه غسله وطهره، وإن قبضه غفر له ورحمه »(1) انتهى.\rهذا إذا كان أنينه ليس جزعا ولا سخطا للقضاء، وكان يصلي بقدر ما يطيق، والله أعلم.\r[الحث على محاسبة النفس]\r87 – فَحَاسِبِ النَّفْسَ وَقَلِّل الأمَلاَ فَرُبَّ مَنْ جَدَّ لِأَمْرٍ وَصَلاَ\rوإذا علمت أنّ عليك حافظين وكراما كاتبين يكتبون جميع ما يصدر منك (فحاسِب النفس) أي نفسك بأن تراعيها في كلّ فعل أو قول قبل القدوم عليه حتى لا تفعله, إلاّ إذا كان فعله لا يسخط الله عليك، فإن من حاسب نفسه في الدنيا هان عليه حساب الآخرة.\r(وقلل) أي أقصر (الأملا) في الدنيا، وهو ما تحبه النّفس, كطول العمر، وزيادة الغِنى ونحو ذلك؛ فإنها ليست دار إقامة حتى يُرغب فيها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعدّ نفسك من أهل القبور »(2).\rفاجتهد في الطاعات وما يقرِّبك من الله، (فربَّ من جد) أي اجتهد (لأمر)، أي لأجل تحصيل أمر من أمور الآخرة أو الدنيا (وصلا) إليه بمشيئة الله لذلك.\r[وجوب الإيمان بالموت]\r88 – وَوَاجِبٌ إِيمَانُنَا بِالمَوْتِ وَيَقْبِضُ الرُّوحَ رَسُولُ المَوتِ\r89 – وَمَيِّتٌ بِعُمْرِهِ مَنْ يُقْتَلُ وَغَيْرُ هَذَا بَاطِلٌ لاَ يُقْبَلُ\r__________\r(1) أخرجه أحمد في مسنده عن أنس، وأوله: إذا ابتلى الله العبد المسلم. (3/258 )\r(2) أخرجه بهذا اللفظ الترمذي في الزهد، باب ما جاء في قصر الأمل، عن ابن عمر. وأخرجه البخاري في الرقائق، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - \"كن في الدنيا كأنك غريب\" بدون جملة \"وعد نفسك من أهل القبور\".","part":1,"page":106},{"id":109,"text":"90 – وَفِي فَنَا النَّفْسِ لَدَى النَّفْخِ اخْتُلِفْ وَاسْتَظْهَرَ السُّبْكِي بَقَاهَا اللَّذْ عُرِفْ\r91 – عَجْبُ الذَّنَبِ كَالرُّوحِ لَكِنْ صَحَّحَا الْمُزْنِيُّ لِلْبِلَى وَوَضَّحَا\r92 – وَكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ قَدْ خَصَّصُوا عُمُومَهُ فَاطْلُبْ لِمَا قَدْ لَخَّصُوا\r(وواجب) خبر مقدّم (إيماننا) أي تصديقنا – مبتدأ مؤخر– (بالموت) وحلوله بكل حي حادث لقوله تعالى: { إنّك ميّت وإنّهم ميتون } [الزمر: 30] وقوله: { كل نفس ذائقة الموت } [آل عمران: 185]. والموت: كيفية يخلقها الله في الحيوان تضادُّ الحياة، فلا اجتماع بينهما في الجسد ولا انفكاك له عنهما كما هو شأن الضدّين.\r…(و) واجب إيماننا بأنه (يقبض الروح) أي يُخرجها ويأخذها بإذن ربه (رسول الموت) عزرائيل عليه الصلاة والسلام, ومعناه عبد الجبار. وهو ملك عظيم هائل المنظر مفزع، رأسه في السماء العليا، ورجلاه في تخوم الأرض السفلى، ووجهه مقابل اللوح المحفوظ، والخلق بين عينيه، وله أعوان بقدر من يموت، يترفق بالمؤمن ويأتيه في صورة حسنة، بخلاف غير المؤمن. والأصل في هذا قوله تعالى: { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكّل بكم } [السجدة: 11].\r…وأمّا قوله تعالى: { الله يتوفى الأنفس } [الزمر: 42] فلأنه الخالق والموجد لذلك حقيقة، وأمّا ملك الموت فلأنه يباشر ذلك، كمثل إسناد التوفي إلى أعوانه في قوله تعالى: { توفّته رسلنا } [الأنعام: 61] لأنّهم يعالجون الروح.\r[الموت يكون بانتهاء الأجل]","part":1,"page":107},{"id":110,"text":"ولمّا كان الأجل متَّحِدا لا يُزاد فيه ولا ينقص منه – كما هو مذهب أهل الحق – أشار إليه بقوله: (وميت) (بعمره) أي عند انقضاء أجله (من يقتل) مبتدأ خبره ما قبله. يعني أن كل ميت إنما يموت عند انتهاء أجله لقوله تعالى: { ولكل أمّة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } [يونس: 49] وهذا ممّا يجب اعتقاده، (وغير هذا) من مذاهب الزائغين (باطل) غير مطابق للواقع (لا يقبل) أي لا تحكم بصحته العقول حتى يقبل.\r[فناء الروح أو بقاؤها عند النفخ]\rولمّا وقع الاختلاف هل الروح تفنى عند النفخة الأولى أو تبقى؟ على قولين، والخلاف إنما هو عند النفخ، أمّا قبله أو بعده فمحلُّ اتفاق. وعلى أنّها تفنى أشار إلى ذلك بقوله:\r(وفي فنا النفس) أي بقائها وإعدامها (لدى) أي عند (النفخ) الأول الذي يموت به كلّ حي حين ينفخ إسرافيل في الصور، وهو القرن الذي يجمع الله فيه جميع الأرواح، وفيه ثقب على عدد أرواح الخلق، (اختُلِف) أي اختلف العلماء في ذلك؛ فذهبت طائفة إلى أنها تفنى عند النفخة الأولى لقوله تعالى: { كل من عليها فان } [الرحمان: 26]، أمّا قبل النفخ وبعده فلا خلاف أنّها تبقى، منعَّمة إن كانت مؤمنة، أو معذَّبة إن كانت كافرة.\rوذهبت طائفة إلى القول ببقائها عند النفخة الأولى؛ قال الناظم: (واستظهر) الإمام تقي الدين علي بن عبد الكافي (السبكي)(1) من الخلاف (بقاها) بالقصر، أي أنّها لم تفنَ البتّة، (اللذ عرف) أي الذي عهد سابقا.\r__________\r(1) هو: علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي الأنصاري الخزرجي، أبو الحسن، تقي الدين: شيخ الإسلام في عصره، وأحد الحفاظ المفسرين المناظرين. ولد سنة 683، وتوفي سنة 765هـ. (الأعلام 4/302)","part":1,"page":108},{"id":111,"text":"قال السبكي: \"لأنهم اتفقوا على بقائها بعد الموت لسؤالها في القبر وجوابها وتعذيبها أو تنعيمها فيه، والأصل في كل باق استمراره حتى يظهر ما يصرف عنه\". واختياره هو المختار عند أهل الحق، فيكون من المستثنى بقوله تعالى: { إلا من شاء الله } [الزمر: 68].\r[فناء عَجْب الذَّنَب أو بقاؤه عند النفخ]\rوممّا اختلف فيه أيضا: (عَجْب الذَّنَب)، فإنّه اختلف في بقائه وفنائه (كالروح) أي كما اختلف في الروح على قولين؛ فقيل إنه لا يفنى لما في الصحيحين: « ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظما واحدًا وهو عَجْبُ الذَّنَب، منه يُركَّب الخلق يوم القيامة(1) »، وعند مسلم: « كل ابن آدم يأكله التراب إلاّ عجب الذنب منه خلق الخلق ومنه يركب(2) ». وهو عظم كالخردلة آخر سلسة الظهر كمغرز الذنب للدابة. والتشبيه لا بقيد وقت النفخة.\r(لكن صححا) إسماعيل بن يحيى (المزني)(3) نسبة لمزينة قبيلة من كلب (للبلى)، أي الفناء أخذا بظاهر قوله تعالى: { كل من عليها فان } [الرحمان: 26] ولأن فناء الكل يستلزم فناء الجزء. (ووضحا) أي بين المزني صحّة ما ذهب إليه.\rولمّا كان القول ببقاء الروح وعجب الذنب هو الراجح أشار إلى الجواب عما يرد عليه بقوله:\r(وكل شيء هالك) إلا وجهه، ونحوه (قد خصصوا عمومه) أي قصروا استغراقه على بعض أفراد العام، هذا مذهب المتقدمين، (فاطلب) أي اقصد (لما قد لخّصوا) أي العلماء. وقال محققو المتأخرين: معنى هالك أي قابل للهلاك من حيث الإمكان والافتقار.\r[حقيقة الروح]\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، باب { يوم ينفخ في الصور } ؛ ومسلم في الفتن وأشراط الساعة، باب ما بين النفختين.\r(2) أخرجه مسلم في الفتن وأشراط الساعة، باب ما بين النفختين.\r(3) هو: إسماعيل بن يحيي بن إسماعيل، أبو إبراهيم المزني: صاحب الإمام الشافعي. من أهل مصر. كان زاهدا عالما مجتهدا قوي الحجة. ولد سنة 175، وتوفي سنة 264هـ. (الأعلام 1/329)","part":1,"page":109},{"id":112,"text":"93 – وَلاَ نَخُضْ فِي الرُّوحِ إِذْ مَا وَرَدَا نَصٌّ عَنِ الشَّارِعِ لَكِنْ وُجِدَا\r94 – لِمَالِك هِيَ صُورَةٌ كَالْجَسَدِ فَحَسْبُكَ بِهَذَا السَّنَدِ\rولمّا كان الخلاف واقعا أيضا في الروح بالإمساك عن التعرض لحقيقتها والخوض فيها، وكان المختار والراجح الإمساك، صدَّر الناظم به جازما فقال:\r(ولا نخض) معشر جمهور المحققين (في) بيان حقيقة (الروح) لا بجنس ولا بفصل, لأن ذلك متعذِّر، ولعدم ورود السمع بذلك، فليس من الأدب أن يتعرض لتفسيرها ولذا قال: (إذ ما وردا) أي لأنه لم يَرد (نصٌّ) أي دليل (عن الشارع) - صلى الله عليه وسلم - ببيان حقيقتها، فالأولى أن لا يتعرض لذلك.\r(لكن وجدا) النص (لمالك) أي عن مالك إمام دار الهجرة، و (هي) أنها (صورة) إنسانية (كالجسد) الذي هو مركبها وبها قوَامُه عادة، وعلى هذا فهي جِرم.\r(فحسبك)، أي يكفيك النص الثابت (بهذا السند) المتميز أكمل تمييز لشهرة ناقله بالحفظ والإتقان.\r[حقيقة العقل]\r95 – وَالعَقْلُ كَالرُّوحِ وَلَكِنْ قَرَّرُوا فِيهِ خِلاَفًا فَانْظُرَنْ مَا فَسَّرُوا\r(والعقل) الذي محلُّه الدماغ, وله نور متصل بالقلب. وقيل محلُّه القلب, وله نور متصل بالرأس (كالرّوح) أي بالأولى أن لا تتعرض لحقيقته. (ولكن قرروا) أي العلماء (فيه) أي العقل (خلافا) من جهات شتى منها:\r– هل له حقيقة تدرك أو لا؟ قولان.\r– وعلى أنّ له حقيقة, هل هو جوهر أو عرض؟ قولان.\r– وهل محله الرأس أو القلب؟ قولان.\r– وهل العقول متفاوتة أو متساوية؟ قولان.\r– وهل هو اسم جنس أو جنس أو نوع؟ ثلاثة أقوال. فهذه أحد عشر قولا.","part":1,"page":110},{"id":113,"text":"ثم القائلون بالجوهرية والعرضية اختلفوا في رسمه على أقوال شتى أعدلها قولان. فعلى ما قاله أصحاب العرض هو ملكة في النفس بها تستعد للعلوم والإدراكات؛ وعلى ما قاله أصحاب الجوهر هو جوهر لطيف تُدْرَك به الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدات. انتهى المراد منه، قاله الشيخ العلامة أحمد الغرقاوي(1)، ثم المصري، ثم المالكي في شرحه على عقيدة شيخنا قدس الله سرّه وأطال للمسلمين عمره. وأطال النقل في الكلام على العقل فانظره إن شئت. فرحمه الله وأثابه وجعل الجنة مآبه وإيّانا آمين.\rوالكلام على العقل للعلماء طويل جدا، ولذا أحاله الناظم على النظر في ذلك فقال: (فانظرن) إن خضت في العقل (ما فسروا) من الأقوال على ما تقدم.\r[سؤال القبر، عذابه ونعيمه]\r96 – سُؤَالُنَا ثُمَّ عَذَابُ القَبْرِ نَعِيمُهُ وَاجِبْ كَبَعْثِ الحَشْرِ\rثم ذكر مسائل واجبة الاعتقاد من الأمور المغيبات التي يجب الإيمان بها فقال:\r(سؤالنا) في القبر أيها المكلفون – مبتدأ – (ثم عذاب القبر) لأهل الشر أو (نعيمه)، أي القبر، أي صاحبه إن كان من أهل الخير (واجب) – خبر– أي ثابت بالكتاب والسنّة وإجماع أهل السنّة:\rأمّا الكتاب، فقوله تعالى: { النار يعرضون عليها غدوّا وعشيّا } [غافر: 46] بدليل: { ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب } [غافر: 46] وقوله تعالى: { ممّا خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا } [نوح: 25] لأنّ الفاء للتعقيب. إلى غير ذلك.\r__________\r(1) هو أحمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد الفيومي الغرقاوي المالكي المتوفى سنة 1101هـ. وشرحه على عقيدة الشيخ علي النوري يسمى: الخلع البهية على العقيدة النورية. انظر هدية العارفين ( 5/162)، وكتاب العمر (1/196)","part":1,"page":111},{"id":114,"text":"وأمّا السنّة، فكقوله - صلى الله عليه وسلم - : « القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار»(1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في القبرين اللذين مرّ بهما فقال - صلى الله عليه وسلم - : « إنّ هذين يعذبان » أي صاحباهما الحديث(2). وما رواه البخاري عن ابن عمر قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « إذا مات أحدكم فإنه يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، فإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار »(3) والأحاديث في إثبات عذاب القبر ونعيمه كثيرة يخرجنا جلبها عن قصد الاختصار.\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في صفة القيامة، باب عن أبي سعيد. وقال حديث حسن غريب.\r(2) عن ابن عباس قال: مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقبرين فقال: \"إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير؛ أمّا أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأمّا الآخر فكان يمشي بالنميمة\". أخرجه البخاري في الوضوء، باب ما جاء في غسل البول؛ ومسلم في الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول.\r(3) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة.","part":1,"page":112},{"id":115,"text":"وأمّا الدليل على سؤال الملكين، فالحديث المشهور الذي رواه عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال له: « كيف بك يا عمر إذا أتاك منكر ونكير ». وفيه أنه قال له عمر: أمعي عقلي على ما أنا عليه الآن؟ قال - صلى الله عليه وسلم - نعم، فقال له عمر - رضي الله عنه - إذن أكفيكهما، فقال - صلى الله عليه وسلم - إن عمر لموفّق(1). ولما شاع من استعاذته - صلى الله عليه وسلم - من عذاب القبر. ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : « إن المؤمن إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه ويقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فأمّا المؤمن الموفق فيقول: هذا محمد جاءنا بالبيّنة والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا، وأمّا الكافر والمرتاب فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. فيقال له: لا دريت ولا تليت فيضرب بمقمعة من حديد يسمعها كل شيء إلا الثقلين».(2)\r__________\r(1) مسند الحارث: 1/397. إتحاف السادة المتقين للزبيدي؛ وتذكرة الموضوعات للقيسراني (موسوعة أطراف الحديث النبوي: 6/517)\r(2) عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: \"إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه – وإنه ليسمع قرع نعالهم – أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد - صلى الله عليه وسلم -. فأمّا المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما جميعا. وأمّا المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيقال له: لا دريت ولا تليت. ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين\". أخرجه البخاري في الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر؛ ومسلم في الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار.","part":1,"page":113},{"id":116,"text":"وهل لكل واحد منكر ونكير؟ أو هذان الملكان موكلان بجميع الخلق؟ قولان. وهل يسأل الصبيان كما يسأل البالغون؟ قولان.\rوقوله في الحديث: ما تقول في هذا الرجل؟ قال العارف ابن أبي جمرة: قوله هذا يدل على أنّ الميت يسأل والنبي - صلى الله عليه وسلم - حاضر لأنّ الإشارة موضوعة للحاضر. انتهى بالمعنى. وعلى هذا ينبغي أن يعتني العاقل بنعوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصفاته على ما ذكر في السِّير وعسى أن ينفعه الله بذلك، وإن كان المعتبر صالح العمل.\rثم شبّه في الوجوب فقال: (كبعث الحشر) أي كبعث الله جميع الخلائق من قبورهم للحشر والحساب. يعني أنه مما يجب الإيمان به البعث والحشر بأن يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد بحيث يُسمِعهم الداعي ويُنفِذهم البصرَ، فيسألهم تعالى عن أعمالهم – وهو العالم بجميع أحوالهم – ويحاسبهم عليها ولا يظلم ربك أحدا.\rبعد اشتداد الأمر والتجاء الخلق واضطرارهم وعظم الأهوال وخطرها، تدنو الشمس من رؤوسهم حتى لو تناولها أحد لنالها، ويكثر العرق ويشتد الزحام وتبلغ القلوب الحناجر من شدة الكروب وعظم الخطوب، حتى إن بعض أهل المحشر يقول: يا ربنا أرحنا ولو إلى النار. فيترددون على الأنبياء للشفاعة فكل واحد يمتنع ويعتذر حتى يأتوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - فيقول: أنا لها، أنا لها. فيأتي تحت العرش فيسجد سجدة فيسمع النداء: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، واشفع تشفع واسأل تعطى. فيشفع - صلى الله عليه وسلم - في أهل المحشر جميعا وهذه هي الشفاعة العظمى لإراحة الخلق، وهو المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون(1).\r[كيفية إعادة الأجسام بعد الموت]\r97 – وَقُلْ يُعَادُ الجِسْمُ بِالتَّحْقِيقِ عَنْ عَدَمٍ وَقِيلَ عَنْ تَفْرِيقِ\r__________\r(1) حديث الشفاعة أخرجه البخاري في مواضع منها: كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: { وجوه يومئذ } ؛ ومسلم في الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.","part":1,"page":114},{"id":117,"text":"98 – مَحْضَيْنِ لَكِنْ ذَا الخِلاَفُ خُصَّا بِالأَنْبِيَا وَمَنْ عَلَيْهِمْ نُصَّا\rثم قال: (وقل) جازما لاعتقادك (يعاد الجسم) بجميع أجزائه (بالتحقيق) الذي لا ريب فيه، دلّ على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الملل؛ قال تعالى: { كما بدأنا أول خلق نعيده } [الأنبياء: 104]، { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } [الروم: 27]، والكل عليه تعالى هيّن.\rلكن اختُلف في كيفية الميعاد، فقيل: الإعادة لعين هذا الجسم الذي كان يطيع ويعصي تكون (عن عدم) محض، (وقيل عن تفريق محضين)، أي يعيد ما تفرق من أجزاء البدن يجمعها القادر وتصير جسما كما كان ويُردّ إليه روحه { وكان الله على كل شيء قديرا } [الأحزاب: 27].\rوقال سعد الدين: والحقّ الوقف، ففي المسألة ثلاثة أقوال، وعلى الثلاثة فلا بدّ من الإعادة لعين هذا الجسد لتُجزى كل نفس بما كسبت.\r(لكن ذا الخلاف) الواقع في إعادة الجسم هل هو عن محض العدم أو بجمع أجزاء تفرقت، (خصا) عمومه (بالأنبيا) أي الرسل عليهم الصلاة والسلام (ومن عليهم نصا) وهم العلماء العاملون، والمؤذنون المحتسبون، والشهداء، فإن هؤلاء لا تأكل أجسادهم الأرض، فإن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجسادهم فلا يدخل الخلاف المذكور في هذه الأصناف الكريمة. جعلنا الله منهم بفضله آمين.\r[إعادة الأعراض والأزمان]\r99 – وَفِي إِعَادَةِ العَرَضِ قَوْلاَنِ وَرُجِّحَتْ إِعَادَةُ الأَعْيَانِ\r100– وَفِي الزَّمَنِ قَوْلاَنِ وَالحِسَابُ حَقٌّ وَمَا فِي حَقّ ارْتِيَابُ\r(و) اختُلف (في إعادة العَرَض) هل يعاد مع الجسم أو لا؟ (قولان). فقيل: يعاد الجسم بجميع أعراضه من حركاته وسكناته وجميع صفاته، وقيل لا تعاد الأعراض، ورُجِّح. ولذا قال الناظم: (ورجحت إعادة الأعيان) أي الجواهر دون أعراضها.\r(وفي الزمن) أي في الزمان أيضا (قولان)، فيعاد كل أحد بزمانه ليشهد له أو عليه.\r[إثبات الحساب يوم القيامة]","part":1,"page":115},{"id":118,"text":"ثم قال: (والحساب حق) ثابت بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة وانعقد عليه الإجماع. وهو على أهل اليمين يسير قصير؛ قال تعالى: { فأمّا من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا } [الانشقاق: 8]. وعلى غيرهم طويل عسير؛ قال تعالى: { وأمّا من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلّى سعيرا } [الإنشقاق: 12]. فهو على المؤمن كحلب ناقة، أو مقدار صلاة مكتوبة كما ورد في الحديث، وعلى الكافر أطول من خمسين ألف سنة.\r(وما في حق ارتياب) أي لا ترتَب في وقوع الحساب فإنّه حقّ، أو إنّه لوضوح الأدلة عليه لا ينبغي أن يرتاب فيه عاقل، أو نَزِّل ريب المرتابين منزلة العدم لوجود الدلائل التي تزيل الرِّيب.\r[جزاء الحسنات والسيئات]\r101– فَالسَّيِّئَاتُ عِنْدَهُ بِالمِثْلِ وَالْحَسَنَاتُ ضُوعِفَتْ بِالفَضْلِ\rثم أجاب عن سؤال استشعره، وهو: إذا ثبت أنّ الحساب حقّ لا ريب فيه، فكيف يكون جزاء الأعمال؟\r(فالسيئات عنده) تعالى جزاؤها (بالمثل) أي بمثلها، (و) أمّا (الحسنات) فليس جزاؤها كالسيئات، بل (ضوعفت) بعشر أو بأكثر إلى سبعمائة ضعف أو بغير حساب؛ قال تعالى: { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون } [الأنعام: 160] وقال: { ومثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } [البقرة: 261] وقال: { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } [الزمر: 10].\r(بالفضل) أي: بلا وجوب عليه؛ إذ لا يجب على مولانا شيء، ولو كان صلاحا أو أصلح.\r[تكفير صغائر الذنوب باجتناب الكبائر]\r102– وَبِاجْتِنَابٍ لِلْكَبَائِرِ تُغْفَرُ صَغَائِرٌ وَجَا الوُضُو يُكَفِّرُ","part":1,"page":116},{"id":119,"text":"ثم أخبر بحكم آخر ورد به السمع أيضا فقال: (وباجتناب للكبائر) جمع كبيرة، واختلف في معناها؛ قال البيضاوي: والأقرب أنّ الكبائر كلّ ذنب رتب عليه الشارع حدًّا أو صرح بالوعيد فيه، وقيل: ما عُلم حرمته بقاطع، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها سبع: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والربا، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين(1)، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الكبائر إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع. وقيل: أراد بها هاهنا أنواع الشرك، لقوله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } .\r__________\r(1) الرواية التي جمعت هذه الكبائر رواها أبو بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: \"وإنّ أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة: الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم\". أخرجه ابن حبان، باب كتب النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ والبيهقي في الزكاة، باب كيف فرض الصدقة؛ وأخرجه بلفظ \"السحر\" عوضا عن عقوق الوالدين البخاري في الوصايا، باب قول الله تعالى { إن الذين يأكلون أموال اليتامى } ؛ ومسلم في الإيمان، باب الكبائر","part":1,"page":117},{"id":120,"text":"وقيل: صغر الذنوب وكبرها بالنسبة إلى ما فوقها وإلى ما تحتها، فأكبر الكبائر الشرك وأصغر الصغائر حديث النفس، وما بينهما وسائط يصدق عليها الأمران؛ فمن عنّ – أي عرَضَ – له أمران منها ودعت نفسه إليهما بحيث لا يتمالك فكفها عن أكبرهما كفّر عنه ما ارتكبه لما استحق من الثواب على اجتناب الأكبر. ولعل هذا ممّا يتفاوت باعتبار الأشخاص والأحوال، ألا ترى أنّه تعالى عاتب نبيه في كثير من خطراته التي لم تعدّ على غيره خطيئة فضلا أن يؤاخذه عليها. انتهى(1).\r(تغفر)، أي تمحى أو تستر (صغائر) كنظرة وقبلة.\rوالتكفير من الصلاة إلى الصلاة, ومن الجمعة إلى الجمعة, ومن رمضان إلى رمضان؛ ففي الحديث عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: « الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر(2) ».\r(وجا) في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن (الوضو يكفِّر) الصغائر؛ فعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « أخبرني جبريل عليه السلام: من توضأ فأسبغ وضوءه غفر له كلّ ذنب ما بين الوضوء إلى الوضوء الآخر وإن كان مثل زبد البحر ».\rوعن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :« إذا توضأ الرجل المسلم خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه. فإن قعد قعد مغفورا له ».\rوعن سعيد بن عمير عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « الوضوء يحرق الخطايا كما تحرق النار الحشيش ».\r__________\r(1) من تفسير البيضاوي المسمى بأنوار التنزيل وأسرار التأويل. (1/212).\r(2) أخرجه مسلم في الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة مكفرات لما بينهن.","part":1,"page":118},{"id":121,"text":"وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « إذا توضأ العبد المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء، فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يده مع الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب ».(1)\r[اليوم الآخر وأحوال الناس فيه]\r103– وَالْيَوْمُ الآخِرُ ثُمَّ هَوْلُ المَوقِفِ حَقٌّ فَخَفِّفْ يَا رَحِيمُ وَاسْعِفِ\r104– وَوَاجِبٌ أَخْذُ العِبَادِ الصُّحُفَا كَمَا مِنَ القُرْآنِ نَصًّا عُرِفَا\r105– وَمِثْلُ هَذَا الوَزْنُ وَالمِيزَانُ فَتُوزَنُ الكُتْبُ أَوِ الأَعْيَانُ\r106– كَذَا الصِّرَاطُ فَالعِبَادُ مُخْتَلِفْ مُرُورُهُمْ فَسَالِمٌ وَمُنْتَلِفْ\r(واليوم الآخر) وهو يوم القيامة، والمراد باليوم الآخر: من وقت الحشر إلى ما لا نهاية له، أو إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار, لأنه آخر الأوقات المحدودة؛ حق فيجب الإيمان به، وهو من قواعد الإيمان. وسمي اليوم الآخر، لأنه آخر يوم بالنسبة إلى أيام الدنيا.\r(ثم هول الموقف) حيث يشتد الأمر ويضيق الذرع ويقول بعض أهل الموقف: اللهم أرحنا ولو إلى النار؛ لما يقع من شدة الازدحام, وإلجام العرق, ودنوّ الشمس من رؤوسهم حتى لو أراد أحد أن يتناولها لتناولها. (حق) ثابت بالأدلة فيجب الإيمان به والعمل الصالح له.\rولأجل تفاقم حال يوم القيامة وما احتوى عليه من الأهوال، سأل الناظم الرؤوفَ الرحيم التخفيف والاستجابة للتضرع فقال: (فخفف) عنا ما بين أيدينا من الأهوال (يا رحيم واسعف) أي ساعد عبدك الفقير المحتاج وأجب دعاءه.\r[أخذ العباد صحف أعمالهم]\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الطهارة، باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء.","part":1,"page":119},{"id":122,"text":"(وواجب أخذ العباد الصحفا) \"واجب\": خبر مقدم، \"أخذ\": مبتدأ مؤخر، وهو مصدر ومضاف إلى فاعله، و\"الصّحفا\" مفعول بالمصدر وهو جمع صحيفة. أي: ومما يجب الإيمان به أخذُ جميع العباد صحف أعمالهم، فيأخذ المؤمن صحيفته بيمينه بيضاء بكتابة بيضاء فيقرؤها فيبيضّ وجهه؛ ويأخذ الفاجر صحيفته بشماله سوداء بكتابة سوداء فيقرأها فيسودّ وجهه. نسأل الله العافية. والظاهر أن الفاسق المؤمن يأخذها بيمينه.\rواختلف في هذه الصحف:\rقيل: هي التي يكتب فيها الملَك أعمال العباد في الدنيا.\rوقيل: صحف تحت العرش، فإذا كان الموقف هبت ريح طيرتها بالأيمان والشمائل أول خط منها: { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } [الإسراء: 14]، فيقرأ كل واحد كتابه وإن لم يكن يقرأ في الدنيا.\rوقيل: صحف يكتبها العبد في قبره يأتيه ملك يخل بين خلال المقابر يقول: يا عبد الله اكتب عملك، فيقول ليس معي دواة ولا قرطاس، فيقول الملك: هيهات هيهات، كفنك قرطاسك ومدادك ريقك وقلمك إصبعك. فيقطع له قطعة من كفنه فيكتب – وإن كان غير كاتب في الدنيا – ويذكر حسناته وسيئاته كيوم واحد. ثم يطوي الملك تلك الرقعة ويجعلها في عنقه. ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه } [الإسراء: 13] الآية. الحديث بطوله رواه البزار بن ناجي.\rالمؤمن الطائع يأخذ كتابه بيمينه إجماعا، والأكثر على أن العاصي مثله، وتوقف فيه بعضهم. والكافر تغل يمناه إلى عنقه ويأخذ كتابه بشماله، وقيل يثقب صدره ويأخذ كتابه من وراء ظهره. انتهى من المواهب الربانية شرح الشيخ الصالح العامل العالم سيدي علي الحريشي الفاسي(1) لعقيدة شيخنا، ببعض تصرف لمناسبة كلام الناظم.\r__________\r(1) هو علي بن أحمد بن محمد المالكي المغربي الحريشي: فقيه، من الفضلاء. ولد بفاس سنة: 1042 هـ وتوفي بالمدينة سنة: 1143هـ. من كتبه: شرح المطأ. ( الأعلام 4/259)","part":1,"page":120},{"id":123,"text":"والدليل على أخذ صحف الأعمال: القرآن كما أشار إليه بقوله: (كما من القرآن نصا عرفا) كقوله تعالى: { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه } [الإسراء: 13] الآية. والسنّة كما تقدم.\r[وزن أعمال العباد]\r(ومثل هذا)، أي أخذ الصحف في الثبوت ووجوب الإيمان به: (الوزن) للأعمال (والميزان) الذي توزن به هو ميزان له لسان وكفتان, كل واحد منهما كأطباق السموات والأرض، فتوضع الحسنات في كفة النور والسيئات في كفة الظلمة. فقيل هو عكس ميزان الدنيا الثقيل يرتفع والخفيف ينزل، وقيل كميزان الدنيا وهو ميزان واحد لجميع الخلق. وهو مذهب الجمهور.\rواختلف فيما يوزن هل الأعمال نفسها بأن يجسدها الله تعالى، أو الكتب كما أشار إليه بقوله: (فتوزن الكتب) المكتوب فيها أعمال العباد، (أو) توزن (الأعيان) بعد ما يجعلها الله صورا متجسدة؟ خلاف وحقيقة العلم عند الله تعالى. واختلف في أعمال الكفار، ومن قال توزن أعمالهم يجيب عن قوله تعالى { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا } [الكهف: 105] بأن يقول: أي نافعا.\r[المرور على الصراط يوم القيامة]\r(كذا الصراط) المضروب على متن جهنم أعاذنا الله منها. أي ممّا يجب الإيمان به: وجود الصراط للمرور عليه. وهو جسر فيه عقبات وكلاليب وحسكات يجوزه الناس على قدر أعمالهم، فمنهم من يمرّ عليه كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح العاصف، ومنهم كالجواد السرعان، ومنهم من يمشي عليه رويدا، ومنهم من يمشي على وجهه إلى غير ذلك من الحالات. وإلى هذا أشار بقوله: (فالعباد) في صفة السير عليه (مختلف مرورهم)، أي مشيهم عليه؛ (فسالم) فيخلص إلى الجنة، (ومنتلف) فيهوي إلى النار أو تخطفه الكلاليب. أعاذنا الله من الزلل.\r[الإيمان بوجود العرش والكرسي والقلم والكاتبين واللوح]\r107– وَالعَرْشُ وَالكُرْسِيُّ ثُمَّ القَلَمُ وَالكَاتِبُونَ اللَّوحُ كُلٌّ حِكَمُ\r108– لاَ لاِحْتِيَاجٍ وَبِهَا الإِيمَانُ يَجِبْ عَلَيْكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ","part":1,"page":121},{"id":124,"text":"(والعرش) الذي هو أعظم مخلوقاته تعالى وأعجبها، (والكرسي) الذي السموات والأرض بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في فلاة، وهو غير العرش (ثم القلم) أي واللوح (و) الملائكة (الكاتبون) (اللوح) مفعول \"الكاتبون\"، أو مفعول \"الكاتبون\" محذوف للتعميم مع الاختصار. و\"اللوح\" معطوف بالرفع بحذف العاطف.\r(كل) أي كلهم (حِكَم) إلهية وأسرار ربانية دالة على انفراده تعالى بالوحدانية، (لا) أنها مخلوقة (لاحتياج) إليها، إذ قد قام البرهان على وجوب استغنائه تعالى عن كل ما سواه.\r(وبها) أي بهذه الأشياء الأربعة، أو بها وبما قبلها (الإيمان) أي التصديق بوجودها (يجب) بالسكون للوزن (عليك) يا (أيها الإنسان) أي المكلف.\rوالإنسان مأخوذ من أنس لأنه يستأنس بأمثاله. قال: وما سمي الإنسان إلا لإنسه، وما القلب إلا أنه يتقلب. أو مأخوذ من آنس – أي بالمد – لأنه ظاهر مبصر، كقوله تعالى: { آنس من جانب الطور نارا } [القصص: 29] ولذلك سمي بشرا لظهوره كما سمي الجن جنا لاجتنانهم واختفائهم عن الناس. وإنما خص الناظم الإنسان بالخطاب بالوجوب – وإن كان الجانّ كذلك – لأنّ كلامه معهم وتأليفه لأجلهم.\r[الإيمان بوجود الجنة والنار الآن]\r109– وَالنَّارُ حَقٌّ أُوجِدَتْ كَالجَنَّهْ فَلاَ تَمِلْ لِجَاحِدٍ ذِي جِنَّهْ\r110– دَارُ خُلُودٍ لِلسَّعِيدِ وَالشَّقِي مُعَذَّبٌ مُنَعَّمٌ مَهْمَا بَقِي\r(والنار) التي هي دار الجزاء والنكال – أعاذنا الله منها – (حق) ثابت يجب الإيمان به (أوجدت) يعني أنها موجودة الآن بدليل قوله تعالى: { أعدت للكافرين } [البقرة: 24] ونحوها من الآيات، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: « ودنت مني النار حين رأيتموني تكعكعت » خلافا للمعتزلة.","part":1,"page":122},{"id":125,"text":"(كالجَنَّه) أي كوجود الجنة التي هي دار البقاء والنعيم – جعلنا الله من أهلها – بدليل قوله تعالى: { أعدّت للمتقين } [آل عمران: 133] إذ لا يقال معدا إلا لما هو موجود حقيقة، وقضية أبينا آدم وهبوطه منها هو وحواء، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث: « دنت مني الجنة فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا(1) » إلى غير ذلك من الأدلة.\rوخالفت المعتزلة، والآيات والأحاديث الصحيحة ترد عليهم، (فلا تمل لجاحد) أي منكر وجودهما الآن (ذي جُنَّه) بضم الجيم أي صاحب غطاء وغشاء بينه وبين الحق. يعني أنّ ممّا يجب الإيمان به: الجنة والنار وأنهما موجودتان الآن, لأن الوعد والوعيد بما هو موجود أبلغ في الرجاء والخوف بخلافه بما سيوجد.\rفالجنة (دار خلود) وتأبيد (للسعيد) وهو من مات على الإيمان، (و) النار دار خلود لمن مات على الكفر (الشقي). جعلنا الله من السعداء، وكتبنا في ديوان الشهداء، بمنّه وكرمه آمين.\rفالشقي (معذب) دائما، والسعيد (منعّم) في الجنة دائما (مهما بقي) كل منهما. واستعمل الناظم مهما في الزمان وهو قول ابن مالك(2) وأنشد على ذلك قول حاتم الطائي:\rوإنك مهما تعط بطنك سؤله وفرجك نال منتهى الذم أجمعا\r__________\r(1) عن ابن عباس من حديث الخسوف، قالوا يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت فقال: \"إني رأيت الجنة أو أريت الجنة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا. ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرا قط\". أخرجه البخاري في النكاح، باب كفران العشير؛ ومسلم في الكسوف، باب ما عرض على النبي في صلاة الكسوف؛ ومالك في صلاة الكسوف، باب العمل في صلاة الكسوف.\r(2) هو: محمد بن عبد الله بن مالك الطائي، أبو عبد الله، جمال الدين. أحد الأئمة في علوم العربية. توفي بدمشق سنة 672 هـ، ومن مصنفاته: الألفية في النحو والصرف، وتسهيل الفوائد. (الأعلام: 6/233)","part":1,"page":123},{"id":126,"text":"وفي كلام الناظم لفٌّ ونشر غير مرتب.\r[الإيمان بحوض النبي - صلى الله عليه وسلم -]\r111– إِيمَانُنَا بِحَوْضِ خَيْرِ الرُّسُلِ حَتْمٌ كَمَا قَدْ جَاءَنَا فِي النَّقْلِ\r112– يَنَالُ شُرْبًا مِنْهُ أَقْوَامٌ وَفُوْا بِعَهْدِهِمْ وَقُلْ يُذَادُ مَنْ طَغَوْا\r(إيماننا) معاشر المكلَّفين (بحوض) سيدنا ومولانا محمد (خير) أي أفضل (الرسل) أجمعين من بني آدم والملائكة، (حتم) أي واجب شرعا (كما قد جاءنا) على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - (في النقل)، أي الكتاب والسنة؛ قال تعالى: { إنا أعطيناك الكوثر } [الكوثر: 1]، وفي صحيح مسلم: «حوضي مسيرة شهر, وزواياه سواء, وماؤه أبيض من اللبن, وريحه أطيب من المسك، كيزانه عدد نجوم السماء. فمن شرب منه شربة لم يضمأ بعدها أبدا(1) » وفي رواية: « يشخب فيه ميزابان من الجنة, أحدهما من ذهب والآخر من ورِق(2) » إلى غير ذلك من الأحاديث. وأنكرته المعتزلة، ولا وجه لإنكارهم.\rواختلف، هل الحوض قبل الصراط أو بعده؟ على قولين. ومن قال قبله يقول: من دخل النار من عصاة المؤمنين يعذب بغير العطش لقوله في الحديث: « فمن شرب منه شربة ليس يضمأ بعدها أبدا ».\rوهل هو حوض واحد خاص بنبينا - صلى الله عليه وسلم - أو لكل نبي حوض – إلا صالحا، فحوضه ضرع ناقته – ؟ اختلف في ذلك أيضا.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الرقائق، باب الحوض؛ ومسلم في الفضائل، باب إثبات حوض نبينا وصفاته.\r(2) أخرجه مسلم في الفضائل، باب إثبات حوض نبينا وصفاته.","part":1,"page":124},{"id":127,"text":"(ينال) أي يصيب (شربا) مفعول ينال (منه) أي من الحوض (أقوام) فاعل ينال (وفوا) صفة أقوام (بعهدهم) الذي أخذ عليهم يوم { ألست بربكم قالوا بلى } [الأعراف: 172]، أو بالعهد الذي عهد لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو التمسك بالكتاب والسنة حيث قال: « تركت فيكم الثقلين، لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما, كتاب الله وسنّتي »(1).\r(وقل) معتقدا الوجوب: (يذاد)، أي يُردّ ويُصدّ عن الحوض (من طغوا)، تعدوا وجاوزوا الحدود, بأن بدلوا وغيروا؛ كما روي عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - يناديهم: أصحابي أصحابي، فيقال ما تدري ما فعلوا بعدك، إنهم بدلوا وغيروا. فيقول سحقا سحقا(2).\r[إثبات الشفاعة]\r113– وَوَاجِبٌ شَفَاعَةُ المُشَفَّعِ مُحَمَّدٍ مُقَدََّمًا لاَ تَمْنَعِ\r114– وَغَيْرُهُ مِنْ مُرْتَضَى الأخْيَارِ يَشْفَعْ كَمَا قَدْ جَاءَ فِي الأخْبَارِ\r(وواجب) خبر مقدم (شفاعة) الشفيع (المشفَّع) في جميع العالمين – مبتدأ مؤخر – (محمد) - صلى الله عليه وسلم - بدل من المشفّع (مقدما) على غيره من الأنبياء والمرسلين ومن الملائكة والمقربين. وبهذه الشفاعة يقع الخلاص من هول الموقف حيث يضيق الأمر غاية الضيق. وهذه الشفاعة هي الشفاعة العظمى لجميع أهل الموقف حتى الكفار يتخلصون بها من ذلك الضيق إلى عذاب الحريق, والملائكة قد أحاطت بهم وألجأتهم إلى أن صار بعضهم على بعض من شدة الازدحام، (لا تمنع).\r__________\r(1) أخرجه مالك في القدر، باب النهي عن القول بالقدر. ولفظه عنده: \"تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما مسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه\"\r(2) انظر الحديث بهذه الألفاظ في الموطأ في الطهارة، باب جامع الوضوء؛ والبخاري في أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: { واتخذ الله إبراهيم خليلا } ؛ وفي الرقائق، باب في الحوض؛ ومسلم في الفضائل، باب إثبات حوض نبينا وصفاته. وفي الطهار، باب استحباب الغرة والتحجيل في الوضوء.","part":1,"page":125},{"id":128,"text":"(وغيره) - صلى الله عليه وسلم - (من مرتضى الأخيار) من بقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء والملائكة، (يشفع) ذلك الغير – إن أذن الله له في الشفاعة – فيمن شاء الله (كما قد جاء) ورد (في الأخبار) المأثورة والأحاديث المشهورة.\r[جواز غفران الذنوب عدا الكفر]\r115– إِذْ جَائِزٌ غُفْرَانُ غَيْرِ الكُفْرِ فَلاَ نُكَفِّرْ مُؤْمِنًا بِالْوِزْرِ\r116– وَمَنْ يَمُتْ وَلَمْ يَتُبْ مِنْ ذَنْبِهِ فَأَمْرُهُ مُفَوَّضٌ لِرَبِّهِ\r117– وَوَاجِبٌ تَعْذِيبُ بَعْضٍ ارْتَكَبْ كَبِيرَةً ثُمَّ الخُلُودُ مُجْتَنَبْ\r(إذ جائز) في حقه تعالى (غفران)، أي ستر الذنوب (غير الكفر) أعاذنا الله منه، فإنه لا مغفرة فيه لقوله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [النساء: 48].\r(فلا نكفر) معاشر أهل الحق (مؤمنا) مصدقا جازما لاعتقاده (بالوزر) أي بالذنب غير الكفر، خلافا للخوارج – قبحهم الله تعالى – في قولهم: \" إن فاعل الكبيرة إذا مات مصرّا كافر\". بل الحق الذي عليه أهل السنة رضي الله عنهم, أنّ العفو عن مرتكب الكبيرة لغير التائب منها جائز, كما أشار إليه الناظم بقوله.\r[أمر مرتكب الكبيرة]\r(ومن يمت ولم يتب) إلى الله (من ذنبه، فأمره) في ذنوبه (مفوّض) أي موكل (لربه) إن شاء عذبه بعدله وإن شاء عفا عنه بفضله، فلا يتحتّم العذاب للعاصي عقلا كما لا يتحتم إثابة المطيع. هذا، ولا بدّ من نفوذ الوعيد في طائفة غير معينة من أهل الكبائر بدخول النار من غير خلود ولا تأبيد كما قال:\r(وواجب) شرعا (تعذيب بعض) من العصاة الذي (ارتكب) أي فعل (كبيرة) كعقوق الوالدين، بأن يعذب بقدر جريمته في جهنم. (ثم الخلود) أي المكث دائما في النار (مجتنب) لمن مات على الإيمان.\rوهل من كل أهل نوع من أنواع المعاصي طائفة، أو طائفة من المجموع؟ قولان.\r[حياة الشهيد]","part":1,"page":126},{"id":129,"text":"118– وَصِفْ شَهِيدَ الحَرْبِ بِالْحَيَاةِ وَرَزْقِهِ مِنْ مُشْتَهَى الجَنَّاتِ\r(وصِف) جازما لاعتقادك (شهيد الحرب)، أي الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله. وسمي شهيدا – أي مشهودا – لأن الملائكة تحضره أو مشهودا له بالجنة، (بالحياة) الآن في الجنة. دل على ذلك الكتاب والسنّة؛ قال تعالى: { ولا تحسبن اللذين قتلوا في سبيل الله أمواتا } [آل عمران: 169].\r(ورَزقه من مشتهى الجنات). وفي الحديث أن « أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح في الجنة تأكل من ثمارها وتشرب من أنهارها، ثم تأوي إلى قناديل من ذهب معلقة بالعرش. فبين ما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال لهم سلوني، فقالوا: يا ربنا كيف نسألك ونحن نسرح في الجنة حيث نشاء. فلمّا رأوا أن لا يتركوا من أن يسألوا شيئا قالوا: نسألك أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا في الدنيا فنقتل في سبيلك. قال: فلمّا رأى أنهم لا يسألون إلا هذا تركوا »(1). وقد ورد أيضا في الحديث أن الله تعالى يقول لهم: قد سبق في علمي أنهم لا يرجعون(2).\r[حقيقة الرزق]\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة وأنهم أحياء، عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: { ولا تحسبن اللذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: \"أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم إطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أيّ شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا. ففعل ذلك بهم ثلاث مرات؛ فلما رأوا أنهم لا يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى. فلمّا رأى أن ليس لهم حاجة تركوا\"..\r(2) الترمذي في تفسير القرآن، باب ومن سورة آل عمران؛ وابن ماجه في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية.","part":1,"page":127},{"id":130,"text":"119– وَالرِّزْقُ عِنْدَ القَوْمِ مَا بِهِ انْتُفِعْ وَقِيلَ لاَ بَلْ مَا مُلِكْ وَمَا اتُّبِعْ\r120– فَيَرْزُقُ اللهُ الحَلاَلَ فَاعْلَمَا وَيَرْزُقُ المَكْرُوهَ وَالمُحَرَّمَا\rثم ذكر مسألة واجبة الاعتقاد فقال: (والرزق) حقيقته (عند القوم) أي جماعة أهل السنة رضي الله عنهم (ما به انتفع)، أي ما انتفع به آخذه، ولو غصبا أو محرّما أو مكروها، لا ما مُلك. هذا مذهب أهل الحق.\r(وقيل)، أي وقالت المعتزلة (لا) أي ليس معنى الرزق ما قلتم، (بل) هو كل (ما ملك) انتفع به أم لا، حتى أن من غصب شيئا من مأكل أو ملبس أو غير ذلك وانتفع به لا يسمى رزقا له عند المعتزلة، وإنما هو رزق المغصوب منه أخذه الغاصب قهرا. وهذا المذهب ظاهر الفساد, لأنه يؤدي إلى أن كثيرا من الناس كالظلمة والمكاسين ممن يستغرق غالب عمره في الحرام لا رزق له. وهو مصادم لعموم قوله تعالى: { وما من دابّة في الأرض إلا على الله رزقها } [هود: 6]، بل الحق ما قاله أهل السنة من أن الرزق ما يقع به الانتفاع. ولذا قال الناظم ردا على المعتزلة: (وما اتبع)، أي ليس ما قالوه بحق فلم يُتبع.\rوإذا عرفت حقيقة الرزق على مذهب أهل الحق، (فيرزق الله) من أحب (الحلال فاعلما ويرزق المكروه و) يرزق (المحرّما) لمن شاء، وكله رِزق مقدر من الله تعالى.\r[الإكتساب لا ينافي التوكل]\r121– فِي الاكتساب وَالتَّوَكُّلِ اخْتُلِفْ وَالرَّاجِح التَّفْصِيلُ حَسْبَمَا عُرِفْ\rثم ذكر مسألة اختلف فيها فقال: (في الاكتساب) أي تعاطي الأسباب المقتضية لتحصيل الدنيا، (والتوكل) على الله والثقة بما في ضمان الله، (اختلف) في أرجحيّة أحدهما على الآخر؛ فقال بعض: التوكل أفضل، وقال بعض: الاكتساب أفضل.","part":1,"page":128},{"id":131,"text":"(والراجح التفصيل) باعتبار الأشخاص والتيسير وقلة التعب في الطلب؛ فمن أقامه الله في الكسب بلا مشقة ولا تعسير وعوّده الله بفتح الباب فيه من غير كلفة فهو دليل على أنه الأولى له، ومن وجد العبادة والراحة للقلب والقالب مع ترك الاكتساب، ومهما حاول الاكتساب تعسر عليه فالتوكل أولى له، كما قال ابن عطاء الله(1) - رضي الله عنه -: إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إيّاك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية.\rوأمّا إذا تيسّر عليه هذا وهذا بلا تعب ولا مشقة من الجانبين، فالذي اختاره بعض العلماء التوكل, قال: والشغل – دون الكسب – بالعبادة محض التوكل. ورأي السّادة على أن الاكتساب لا ينافي التوكل إذا كان ممتثلا للشرع مراعيا للأدب.\rوالكلام على هذه المسألة كثير, ولذا أحال الناظم على ما تقرر في مواضعه فقال: (حسبما) أي مثلما (عرف) من حاله.\r[حقيقة الشيء]\r122– وَعِنْدَنَا الشَّيْءُ هُوَ المَوْجُودُ وَثَابِتٌ فِي الخَارِجِ المَوجُودُ\r123– وُجُودُ شَيْءٍ عَيْنُهُ وَالجَوْهَرُ الفَرْدُ حَادِثٌ عِنْدَنَا لاَ يُنْكَرُ\r(وعندنا) معاشر أهل السنة (الشيء) حيث أطلقناه (هو الموجود) خارجا، لا المعدوم خلافا للمبتدعة (وثابت) خبر مقدم (في الخارج) عن الذهن (الموجود) مبتدأ مؤخر.\rيعني أن مذهب أهل السنة أنّ الشيء هو الموجود، لا المعدوم خلافا للمعتزلة، وأنّ الموجود هو الثابت في الخارج.\r[هل وجود الشيء عين ذاته؟]\r__________\r(1) هو: أحمد بن محمد بن عبد الكريم، أبو الفضل، تاج الدين، ابن عطاء الله السكندري: متصوف شاذلي، صاحب الحكم العطائية. توفي سنة 709هـ. وكتابه المذكور هو التنوير في إسقاط التدبير. الأعلام (1/221)","part":1,"page":129},{"id":132,"text":"(وجودُ) كل (شيء) واجبا كان أو ممكنا (عينُه)، أي عين ذاته. وهذا مذهب الشيخ الأشعري. وقيل: ليس وجود الشيء عين ذاته، بل زائد عليها. وقيل: عينه في الواجب وليس عينه في الممكن. وقيل: لا عينه ولا غيره، وهو لمثبتي الأحوال.\r[إثبات انقسام الأجسام إلى الجزء الذي لا يتجزأ]\r(والجوهر الفرد): وهو الجزء الذي لا يتجزأ، ولا يقبل الانقسام لا فعلاً ولا وهماً ولا فرضاً، (حادث) لقيام البرهان على اختصاصه تعالى بالقدم وحده، ولأنّ ذاته العلية لا تقبل الصغر ولا الكبر. وقوله: (عندنا) يتعلق بقوله: (لا ينكر)، أو بـ\"حادث\"، أو تنازعاه.\rوعند الفلاسفة لا وجود للجوهر الفرد، وتركب الأجسام إنما هو من الهيولى والصورة.\rوالدليل على وجود الجوهر الفرد كما قاله السعد التفتازاني: أنه لو وضع كرة حقيقية على سطح حقيقي لم تماسّه إلا بجزء غير منقسم، إذ لو ماسته بجزأين لكان فيها خط بالفعل، فلم تكن كرة حقيقية. انتهى.\r[أقسام الذنوب، والتوبة من الكبائر]\r124– ثُمَّ الذُّنُوبُ عِنْدَنَا قِسْمَانِ صَغِيرَةٌ كَبِيرَةٌ فَالثَّانِي\r125– مِنْهُ المَتَابُ وَاجِبٌ فِي الحَالِ وَلاَ انْتِقَاضَ إِنْ يَعُدْ لِلْحَالِ\r126– لَكِنْ يُجَدِّدْ تَوْبَةً لِمَا اقْتَرَفْ وَفِي الْقَبُولِ رَأْيُهُمْ قَدْ اخْتَلَفْ\r(ثم الذنوب) التي نهى الله ورسوله عنها (عندنا قسمان): إمّا (صغيرة) وهي كلّ ذنب لم يرتّب عليه الشرع حدًّا أو لم يصرح بالوعيد عليه؛ وإمّا (كبيرة) وهي ما ليس كذلك، أي ما رتّب عليه حدًّا أو صرّح بالوعيد عليه.","part":1,"page":130},{"id":133,"text":"(فالثاني) وهو ما كان كبيرة فلا يكفره إلا التوبة والاستغفار ولذا قال: (منه المتاب)، أي الندم كما قال عليه الصلاة والسلام: « الندم توبة »(1). وهو يستلزم نية عدم العود والإقلاع. وبهذا تعرف أنّ من حمله من العلماء على معظم التوبة كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - « الحج عرفات »(2) غير محتاج إليه لاستلزام الندم جميع ما زادوا من الشروط، بخلاف: « الحج عرفات »، فيتعيّن حمله على معنى ركنه الأعظم.\r(واجب) على الفور (في الحال) بلا تراخ ولا تسويف, لأن تأخير المتاب من الذنب ذنبٌ آخر يجب التوبة منه، وهكذا كلما أخر فتأخيره ذنب مضاف إلى ما سلف.\rويجب على المكلف التوبة كلما اقترف ذنبا, ولو عاد في اليوم مرات كثيرة، ولا تنتقض توبته بسبب عوده كما نبه عليه بقوله: (ولا انتقاض) أي ولا بطلان لتوبته (إن يعد) أي يرجع للذنب الذي تاب منه أو غيره (للحال) الأول من المعصية، بل تصح توبته الأولى ويجدد توبة أخرى تمحو ما اقترفه ثانيا، كما قال: (لكن يجدد) هذا العائد للذنب (توبة) صادقة (لما اقترف)، أي اقتحم من الذنب.\rهذا، وإن الموفَّق من داوم على الأعمال الصالحة إلى الممات. ويرحم الله القائل: ويمكن وصل الحبل بعد انقطاعه ولكنه تبقى به علة الربط.\rوقد قطع بقبول توبة الكافر إذا آمن وتاب من كفره.\r__________\r(1) أخرجه ابن ماجه في الزهد، باب ذكر التوبة، عن ابن مسعود.\r(2) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة؛ والنسائي في مناسك الحج، باب فرض الوقوف بعرفة؛ وأبي داود في المناسك، باب من لم يدرك عرفة.","part":1,"page":131},{"id":134,"text":"(وفي القبول)، أي وفي القطع بقبول التوبة من العاصي وعدم القطع بقبولها (رأيهم)، أي العلماء، أي قولهم (قد اختلف) فبعضهم قال مقطوع بقبول توبة العاصي، بمعنى أن الله تعالى وعد التائب من الذنب توبة صادقة وعده الذي لا يخلف, أنه يقبل توبته ويبدل سيئاته حسنات، ومنهم من قال لا يقطع بقبولها وإنما هو غلبة ظن ولعل الله لا يقبل منه, وهو خلاف قوله: { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات } [الشورى: 25].\r[الكليات الستّ]\r127– وَحِفْظُ دِين ثُمَّ نَفْسٍ مَالٍ نَسَبْ وَمِثْلُهَا عَقْلٌ وَعِرْضٌ قَدْ وَجَبْ\rقوله: (وحفظ دين) أي الذي دان به الأنبياء من التوحيد، مبتدأ، (ثم) حفظ (نفس) و(مال) و(نسب) معطوفون عليه، وقوله: (ومثلها عقل وعِرْض) جملة معترضة بين المبتدأ وخبره وهو جملة:(قد وجب) في جميع الملل والشرائع.\rيعني أن هذه الأشياء الستة مجمع على وجوب حفظها عند جميع الأنبياء والرسل، ولم تختلف فيها الشرائع، ولم يقع في شيء منها نسخ.\rأولها: التدين بالتوحيد الذي هو: إثبات ذات غير مشبهة للذوات, ولا معطلة عن الصفات, مما لم يُختلف فيه في شريعة من الشرائع، حتى لو ألف أبونا آدم كتابا في علم الكلام لكان يقرأ ويقرر في زماننا ومن قبلنا كذلك.\rثانيها: حفظ النفس مما هو واجب في جميع الملل. وأمّا الجهاد فليس من إتلاف النفس في شيء بل سبب لحياتها دنيا وأخرى؛ فقد ذكر أن خمسة أشياء تزيد في العمر: بر الوالدين، وصلة الرحم، وإعطاء الصدقة، ودوام الوضوء، والجهاد في سبيل الله.\rوثالثها: العقل. فإن حفظه وصيانته مما يفسده واجب. وهو زينة الإنسان, وهو عقاله, وهو ضابطه ورئيسه وملاك الأمور كلها؛ منّ الله علينا بالعقل الذي يعصمنا من مخالفة موهبه لنا ويدلنا على طاعة ربنا.\rورابعها: حفظ الأنساب فإنه مجمع عليه أيضا. فالزنا مجمع على تحريمه؛ لأنه ذريعة إلى اختلاط الأنساب.","part":1,"page":132},{"id":135,"text":"وخامسها: حفظ العِرْض، فلا يحل الاستهانة به ولا يجوز عدم مراعاته. مثاله: من يدخل على حريم وليس معه غيره، ولم تلحقه حمية الدين وغيرة المسلمين. وكذا من تكشف عورته ولا يتغير كله من عدم المروءة وعدم حفظ العرض.\rوسادسها: حفظ المال، فإنه مجمع على وجوب حفظه، وقد قال تعالى: { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما } [النساء: 5]، وفي الحديث: « أنهاكم عن قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال »(1).\r[حكم من أنكر معلوما من الدين بالضرورة]\r128– وَمَنْ لِمَعْلُومٍ ضَرُورَةً جَحَدْ مِنْ دِينِنَا يُقْتَلُ كُفْرًا لَيْسَ حَدّْ\r129– وَمِثْلُ هَذَا مَنْ نَفَى لِمُجْمَعِ أَوْ اسْتَبَاحَ كَالزِّنَا فَلْتَسْمَعِ\r(ومن) اسم موصول في محل رفع بالابتداء (لمعلوم ضرورة) متعلق بقوله (جحد) صلة الموصول، و(من ديننا) يتعلق هو و\"ضرورة\" بـ \"معلوم\"، و(يقتل كفرا) الخبر (ليس حد)، أي لا حدّا، ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة.\rيعني أنّ من نفى شيئا من الدين قد علم منه بالضرورة، واجبا كان كجحد الصلاة أو ركن منها، أو محرما كإنكار تحريم الزّنا؛ فإنّه يقتل محكوما عليه بالكفر، فلا يصلّى عليه ولا يفعل به مثل ما يفعل بجنائز المسلمين إلا مواراته. بخلاف من أقر بالوجوب وامتنع من الفعل, فهذا يقتل أيضا لكن حدًّا لا كفرًا، فيصلى عليه – غير أولي الفضل – ويغسل ويدفن في مقابر المسلمين ويرثه ورثته.\rثم مثّل ذلك بقوله: (ومثل هذا) الذي نفى ما علم من الدين ضرورة (من نفى لمجمع) على وجوبه كالصلاة والزكاة، (أو) نفى تحريم ما أجمع على تحريمه كمن (استباح) المحرّمات المعلوم تحريمها ضرورة (كالزنا) وشرب الخمر، (فلتسمع).\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الزكاة، باب قول الله تعالى: { لا يسألون الناس إلحافا } ؛ ومسلم في الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، بلفظ :\"إنّ الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال\" عن المغيرة بن شعبة.","part":1,"page":133},{"id":136,"text":"وأمّا نفي شيء من الأحكام الشرعية التي لم يعلم وجوبها أو تحريمها بالضرورة فلا يحكم بكفر من نفاها عند كثير من المحققين.\r[حكم نصب إمام للمسلمين]\r130– وَوَاجِبٌ نَصْبُ إِمَامٍ عَدْلِ بِالشَّرْعِ فَاعْلَمْ لاَ بِحُكْمِ العَقْلِ\r131– فَلَيْسَ رُكْنًا يُعْتَقَدْ فِي الدِّينِ وَلاَ تَزِغْ عَنْ أَمْرِهِ المُبِينِ\r132– إِلاَّ بِكُفْرٍ فَانْبُذَنَّ عَهْدَهُ فَاللهُ يَكْفِينَا أَذَاهُ وحْدَهُ\r133– بِغَيْرِ هَذَا لاَ يُبَاحُ صَرْفُهُ وَلَيْسَ يُعْزَلْ إِنْ أُزِيلَ وَصْفُهُ\r(وواجب) شرعا على المسلمين (نصب)، أي إقامة وتوقيف (إمام) أي أمير على المسلمين, لاجتماع كلمتهم، وحماية بيْعتهم، وإصلاح حالهم، وترتيب نظامهم، وسد ثغورهم، وإقامة حدودهم، وقهر البغاة، وردّ اللصوص والعداة، وإقامة الجمعة والأعياد، ورفع المنازعات الواقعة بين العباد, إلى غير ذلك من المصالح العامة.\rلو لا الخلافة لم تأمن لنا سبل وكان أضعفنا نهبا لأقوانا\r(عدل) حرّ, ذكر, مجتهد, شجاع, ذي رأي وكفاية، فطن, سميع, بصير, ناطق, قرشي. فإن لم يوجد من هو مستوفى الشروط فلا بد من تولية غيره من المسلمين. ولا يشترط فيه العصمة كما قاله الإمامية، واحتجوا بقوله تعالى: { لا ينال عهدي الظالمين } [البقرة: 124] وأجيب بأن الظالم: المرتكب الكبيرة أو الكافر، لا غير المعصوم كما توهموه.\rوتنعقد الإمامة:\rـ ببيعة أهل الحل والعقد، من العلماء والرؤساء ووجوه الناس، من غير اشتراط عدد.\rـ وباستخلاف الإمام له وعهده، كما فعل أبو بكر.\rـ وبجعله شورى، كما فعل عمر.\rـ وتنعقد أيضا بالقهر والاستيلاء.\rولا يجوز نصب إمامين في وقت واحد.\rوإذا ثبتت الإمامة بالقهر، وجاء آخر فقهره، انعزل وصار القاهر إماما.\rويمتنع خلع الإمام بلا سبب، ولو عزل لم تنعقد بيعة غيره.\rوتنحلّ بيعته بـ: رِدّة، أو جنون مطبق، وعمى، وصمم، وخرس، وأسرٍ بحيث لا يرجى فكُّه.","part":1,"page":134},{"id":137,"text":"وفي عزله بالفسق قولان، إلا أن يترك الصلاة فيعزل، ويستخلف غيره.\r(بالشرع فاعلم) متعلق بـ \"واجب\". يعني أن وجوب نصب الإمام بحكم الشرع (لا بحكم العقل) خلافا للمعتزلة في قولهم إنها تجب بالعقل.\r(فليس) نصب الإمام (ركنا) أي عقيدة من عقائد الإيمان بحيث (يعتقد في) أصول (الدين) وإن ذكر فيه. نعم هو ركن لكل مصلحة متوقف عليه صلاح العباد والبلاد، ولذلك ذكره أهل أصول الدين وأهل الفقه وغيرهم.\r(ولا تزغ)، أي ولا تمل (عن أمره) أي أمر الإمام الذي عقدت له البيعة (المبين إلاّ بكفر) يظهر منه بسبب ردّة أو غيرها، فتجوز مخالفته ونقض بيعته وعزله كما أشار إلى ذلك بقوله:(فانبذن) فاطرحن (عهده) الذي عاهدته بالبيعة، (فالله يكفينا) يدفع عنا (أذاه) شره (وحده).\r(بغير هذا) أي الكفر (لا يباح) أي لا يجوز، يُمنع (صرفه) أي عزله. فلو طرأ الفسق بعد البيعة باستيفاء الشروط لا يعزل إلا أن يترك الصلاة كما أشار إليه بقوله:(وليس يعزل) الإمام إذا وقعت له البيعة (إن أزيل) أي لأجل زوال (وصفه) الذي استحق به الإمامة قبل.\r[الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشروطه]\r134– وَأْمُرْ بِعُرْفٍ وَاجْتَنِبْ نَمِيمَهْ وَغَيْبَةً وَخَصْلَةً ذَمِيمَهْ\r135– كَالْعُجْبِ وَالكِبْرِ وَدَاءُ الحَسَدِ وَكَالمِرَاءِ وَالْجَدَلْ فَاعْتَمِدْ\rثم أرشد إلى حكم له تعلق بالإمامة, وهو الأمر بالمعروف، وإلى بعض ما يجب على المكلف اجتنابه بقوله:(وأمُر) أيها الإمام, أو من ولاه, أو يا من يتأتى منه الأمر بالمعروف, (بعُرف) أي بمعروف, وانه عن منكر؛ فإنهما واجبان من فروض الكفاية، وإذا لم يقم بهما أحد عصوا جميعا. ويشترط في الآمر والناهي:\rأن يكون عالما بما أمر به ونهى عنه.\rولا يؤدي إلى منكر أعظم منه، وجوبا.\rوأن يكون المأمور ممن يقبل، استحبابا.","part":1,"page":135},{"id":138,"text":"والتغيير يكون باليد واللسان والقلب؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: « إذا رأى أحدكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » أو كما قال - صلى الله عليه وسلم -(1).\r(واجتنب نميمة) وهي أن تجري بين المسلمين بالإفساد، وقيل هي إفشاء السر. (و) اجتنب (غيبة) وهي ذكرك أخاك بما يكره لو سمع ما قلت، ولو كان فيه. وهذان ذنبان كبيران – عافانا الله من جميع المخالفات– ولو لم يكن في ذم الغيبة والتنفير منها إلا قوله تعالى: { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه } [الحجرات: 12] وفي النميمة إلا قوله: { ويل لكل همزة لمزة } [الهمزة: 1] وفي الكِبْر: { سأصرف عن آياتي } [الأعراف: 146] الآية. وفي الحسد: { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله } [النساء: 54] لكان كافيا.\rواجتنب (خصلة ذميمة) أي مذمومة على لسان الشرع, سواء كانت من جرائم اللسان أو غيره وذلك (كالعجب) المهلك صاحبه، (والكبر) القاصم من تخلق به، (وداء الحسد) القاتل صاحبه غما أو فعلا؛ ففي الحديث: « ثلاث مهلكات: شح مطاع, وهوى متبع, وإعجاب المرء بنفسه » وفيه عن الله تعالى: « الكبرياء ردائي, والعظمة إزاري, فمن نازعني في واحد منهما قصمته »(2).\rوحكي أن شخصا حسد شخصا وبلغ منه مبلغا كبيرا، فدخل الحاسد دار المحسود وذبح نفسه ليدخل الغم على المحسود. فكتب قلم القدرة على الجدار بدمه:\rانظر إلى الحسد كيما أعدله دام بصاحبه حتى قتله\r(وكالمراء والجدل) المحرّمان (فاعتمد) على حكم الشرع، فامتثل ما أمر به، واجتنب ما نهى عنه.\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب: بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان.\r(2) أخرجه أبو داود في اللباس، باب: ما جاء في الكبر. ولفظه عنده: \"الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني في واحد منهما قذفته في النار\"؛ وبلفظ \"قصمته\" أخرجه الحاكم في المستدرك في الإيمان، باب: أهل الجنة المغلوبون الضعفاء.","part":1,"page":136},{"id":139,"text":"[الإقتداء بخير الخلق - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين]\r136– وَكُنْ كَمَا كَانَ خِيَارُ الخَلْقِ حَلِيفَ حِلْمٍ تَابِعًا لِلْحَقِّ\r137– فَكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ\r138– وَكُلُّ هَدْيٍ لِلنَّبِيِّ قَدْ رَجَحْ فَمَا أُبِيحَ افْعَلْ وَدَعْ مَا لَمْ يُبَحْ\r139– فَتَابِعِ الصَّالِحَ مِمَّنْ سَلَفَا وَجَانِبِ الْبِدْعَةَ مِمَّنْ خَلَفَا\r(وكن كما كان خيار الخلق) - صلى الله عليه وسلم - حسبما علم منه من مكارم الأخلاق, ومزيد الإشفاق, واتباع الحق, والحلم, والرحمة بالخلق، كما قال الناظم: (حليف حلم) أي حليما على من جهل عليك, حتى يصير خلقا غالبا على الغضب، (تابعا للحق) أينما كان قابلا له من كل أحد, رفيعا كان أو وضيعا، وإياك أن تكره الحق أو تأبى قبوله من أحد, فإنه تليفة كل مؤمن.\r(فكل خير) دنيوي أو أخروي كائن (في اتباع من سلف) أي في الإقتداء بمن تقدم من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: « خيركم قرني, ثم اللذين يلونهم, ثم اللذين يلونهم » الحديث(1).\r(وكل شر في ابتداع) أي في إحداث (من خلف) أي تأخر.\r(وكل هدي للنبي قد رجح) على هدي غيره مما ابتدعه من خلف. بل لا يسمى ذلك هديا إذا لم يكن له أصل في الشرع, بل هو بدعة.\rوإذا علمت أن الهدي الذي ينبغي إتباعه هو هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - (فما أبيح) أي أجيز وأذن فيه على لسان الشرع (افعل ودع) أي اترك ممتثلا (ما) أي الذي (لم يبح) فعله.\r(فتابع) السلف (الصالح ممن سلفا) فإن السلامة والخير في إتباعهم، (وجانب البدعة ممن خلفا) فإن السلامة في مجانبتها واجتنابها.\r[شرح خاتمة الناظم]\r140– هَذَا وَأَرْجُو اللهَ فِي الإِخْلاَصِ مِنَ الرِّياءِ ثُمَّ فِي الْخَلاَصِ\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة الزور؛ ومسلم في فضائل الصحابة، باب: فضل الصحابة.","part":1,"page":137},{"id":140,"text":"141– مِنَ الرَّجِيمِ ثُمَّ نَفْسِي وَالْهَوَى فَمَنْ يَمِلْ لِهَؤُلاَءِ قَدْ غَوَى\r142– هَذَا وَأَرْجُو اللهَ أَنْ يَمْنَحَنَا عِنْدَ السُّؤَالِ مُطْلَقًا حُجَّتَنَا\r143– ثُمَّ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ الدَّائِمُ عَلَى نَبِيٍّ دَأْبُهُ المَرَاحِمُ\r144– مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَعِتْرَتِهْ وَتَابِعٍ لِنَهْجِهِ مِنْ أُمَّتِهْ\r(هذا) أشار إلى ما أرشد إليه في قوله \"وأمر بعرف\" إلى هنا، أو في جميع الكتاب، وهو مبتدأ وحذف خبره. والتقدير: هذا حق، أو هذا الواجب. وعلى الثاني: هذا الذي قصدنا جمعه قد تم.\rوأنا (أرجو الله) الذي لا يخيب من رجاه (في) نوال (الإخلاص) في هذه المنظومة وفي غيرها من الأعمال (من الرياء) وهو التصنع للناس والعمل لأجل الناس، فإنه الشرك الأصغر أعاذنا الله من ذلك.\r(ثم) أرجوه تعالى (في الخلاص) أي السلامة والحفظ (من) الشيطان (الرجيم) المرجوم الملعون المطرود، (ثم) من (نفسي) الأمارة.\rوالأنفس ثلاثة: أمّارة وهي التي استجار المصنف من شرها، ولوامة، ومطمئنة. وقد ورد القرآن بالثلاثة في قوله تعالى: { إن النفس لأمارة بالسوء } [يوسف: 53] و { لا أقسم بالنفس اللوّامة } [القيامة: 2] و { يا أيتها النفس المطمئنة } [الفجر: 27].\r(و) من (الهوى) بالقصر، وهو الميل إلى الشهوات وكل ما تهواه النفس. (فمن يمل) يطع ويركن (لهؤلاء) الثلاثة (قد غوى). أي فقد ضل أو خسر أو انخدع.\r(هذا) كرره للتنبيه على عظم مقام الدعاء والاهتمام بشأنه، (وأرجو الله) الجواد الكريم (أن يمنحنا) يعطينا (عند) هول (السؤال) من الملكين (مطلِقا) بكسر اللام (حجتنا) مفعول بـ \"يمنحنا\" أو بـ \"مطلقا\" على التنازع.\r(ثم الصلاة) الدائمة (والسلام الدائم) من الله ومن الملائكة والمؤمنين (على نبي) كريم حليم (دأبه) عادته وخلقه (المراحم) لعباد الله، (محمّد) بدل (و) على (آله) أقاربه (وعترته) أتباعه (وتابع) بإحسان (لنهجه من أمته) المكرمة به.","part":1,"page":138},{"id":141,"text":"وختم الكتاب بالصلاة والسلام كالابتداء تحصيلا لكمال البركة ورجاء للقبول؛ لأن الكلام إذا ابتدئ وختم بالصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أقرب للقبول؛ لأنه ورد أن الدعاء إذا ابتدئ وختم بالصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مقبولا؛ لأن الكريم إذا قبل الطرفين قبل ما بينهما.\rوصلى الله على سيدنا محمد أكمل العالمين وأشرفهما، وعلى آله وأصحابه زينة السموات والأرض وما بينهما، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\r[خاتمة الشارح]\rوقد انتهى ما ألهم الجواد الكريم, الذي يتفضل على من يستحق ومن لا يستحق بفضله العميم.\rفيا أيها الواقف على هذه المنحة الإلهية والعطية الربانية, يطلب منك الفقير المعترف بالعجز والتقصير, والمقر بالخطأ وعدم التحرير، أن تنظره بعين الرضا والإنصاف، وأن تسد عنه باب الإعتساف, بإصلاح الخطأ باعتذار، والتنبيه على الخلل على جهة التذكار، وأن لا تسلّ سيف لسان الاعتراض, وأن تدع الملامة والأغراض، فإنّ الحامل لي على هذا مع قلة اطلاعي وقصر باعي، وقلة المادة وعدم سلوك طريق الجادة، سيما ولم يتيسر لي شرح من شراحها أعتمد عليه إلا كراريس في بعض الأحيان؛ هو [خبر \"فإنّ\"] إظهار الخير الباقي في هذه الأمة إلى يوم القيامة, تصديقا لخبر العالمين في عرصات القيامة.\rنسأل الله الكريم, رب العرش العظيم, بنبيه الكريم, أن يغفر لي ولوالدي ولشيخي ولأهلي ولجميع إخواننا جميع الذنوب والخطايا، وأن يستر لنا الفواحش والجنايا، وأن يجزل لنا المواهب والعطايا، وأن يجعل القرآن الكريم والعلم العظيم حجة لنا لا علينا, وأن يتفضل بالإحسان إلينا وأن يسامحنا ويتوب علينا.","part":1,"page":139},{"id":142,"text":"اللهم يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين: نسألك بسيدنا ومولانا وملجئنا ومنجانا وملاذنا ومأوانا، أفضل المرسلين وإمام المتقين, نبيك ورسولك؛ أن تختم لنا ولجميع أهلينا وأحبتنا بحسن الختام، وأن تتوفانا أجمعين على أكمل حالات الإيمان والإسلام، وأن ترزقنا حلاوة العبادة, وأن تسلك بنا طريق أهل السعادة، وأن تضمّنا في سلك الذين أحسنوا الحسنى وزيادة.\rاللهم يا حي يا قيوم, انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا وزدنا علما.\rالحمد لله على كل حال, ونعوذ بالله من حال أهل النار.\rاللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري, وما أنت أعلم به مني.\rاللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي.\rاللهم رحمتك أرجو, فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين, وأصلح لي شأني كله, لا إله إلا أنت.\rاللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت, فاغفر لي مغفرة من عندك, وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.\rاللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي.\rاللهم ثبت قلوبنا على دينك, وأقدامنا في سبيلك. اللّهم ارزقني العلم مع الحلم والعمل مع العلم.\rاللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا, وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. رب توفني مسلما وألحقني بالصالحين. آمين آمين آمين. وصلى الله على سيدنا محمد النبي المصطفى الكريم، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.\rانتهى ما وجد مقيدا من خط خط خط مسودة مؤلفها. وكان الفراغ من نسخ هذا الشارح المبارك في يوم السبت بعد العصر, على يد كاتبه العبد الفقير لربه, محمد بن الحاج موسى الجزيزي, لنفسه ولمن شاء الله من بعده من ذريته. غفر الله له ولوالديه ولأشياخه ولمن قرأ فيه ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات. يا أرحم الراحمين يا رب العالمين. سنة 1251هـ في شهر ذي الحجة بعد ما مضى منه 23 يوما. تمت بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه.\r…","part":1,"page":140}],"titles":[{"id":1,"title":"تقريب البعيد إلى جوهرة التوحيد - علي بن محمد الصفاقسي","lvl":1,"sub":0},{"id":2,"title":"إبراهيم اللقاني","lvl":1,"sub":1},{"id":5,"title":"الشيخ علي التميمي المؤخر","lvl":1,"sub":1},{"id":9,"title":"التعريف بـ «جوهرة التوحيد»","lvl":1,"sub":0},{"id":11,"title":"شروح \" الجوهرة \"","lvl":1,"sub":0},{"id":12,"title":"النسخ المعتمدة في التحقيق","lvl":1,"sub":0},{"id":13,"title":"تقريب البعيد إلى جوهرة التوحيد","lvl":1,"sub":0},{"id":15,"title":"[ شرح مقدمة الناظم ]","lvl":1,"sub":0}]}