{"pages":[{"id":1,"text":"مفاهيم يجب أن تصحح\rلسليل بيت العلم والتقى\rالدكتور محمد علوي المالكي الحسني\rخادم العلم الشريف بالبلد الحرام\rالناشر: دار جوامع الكلم للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة\rتليفون : 5898029","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين .\rفي بلد الله الحرام مكة المكرمة وفي حرم بيت الله الحرام التقيت مع فضيلة الإمام الداعية الشيخ محمد بن علوي المالكي صلة لرحم الصداقة والمودة والعلم مع والدي الشيخ صالح الجعفري إمام الجامع الأزهر وفي جلسة أمتعنا فيها من غزير علمه وحسن بيانه وقوة حجته فاستأذنته في طباعة كتابه (مفاهيم يجب أن تصحح) لما في الكتاب من عظيم الفائدة خاصة في الرد على المنكرين والجاحدين بما وهبه الله من علم أوقفه للدعوة لله والزود عن نبيه وأهل بيته والأولياء والصالحين والعلماء العاملين بدعوة كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما فتح الله به عليه من صدق الكلمة وأصالة الحجة ومنطق الحق – فوافق الشيخ مشكوراً على طباعته مدداً لرسالته ودعوته وإنه لشرف عظيم أن تحظى – دار جوامع الكلم – بموافقة الشيخ وتكريمه لها بطباعة هذه الحجة البالغة النادرة.\rوالدعاء إلى الله عز وجل أن يديم على الشيخ الداعية ثوب الصحة ويكرمه بالتوفيق والنصر والتأييد إن شاء الله تعالى.\rعبد الغني صالح الجعفري\rصاحب دار جوامع الكلم\rللطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة\r17 شارع الشيخ صالح الجعفري\r- الدراسة - القاهرة\rملاحظة:\rنظراً للأهمية البالغة لهذا الكتاب الذي بين أيدينا وتعطش الكثير من طلبة العلم وعشاق الحقيقة للاطلاع على محتوى هذا الكتاب فقد قام العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى بطباعة هذا الكتاب باستخدام تقنية الحاسب الآلي ساعياً لنشره عبر الشبكة المعلوماتية (الإنترنت) مبتغياً وجه الله تعالى راجياً عفوه ومغفرته ورحمته وثوابه واجتناب عقابه وراجياً من الله تعالى أن ينال القبول وأن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم وأن يجعله في ميزان حسناته وفي ميزان حسنات كل من يساهم في نشره.\rولي حق على قارئي هذا الكتاب ألا ينسوني من دعائهم وأن يغفروا لي ما قد يكون وقع في طباعته من سهو أو خطأ في النقل والله من وراء القصد.\rتنبيه:\rلمعرفة المزيد عن مؤلف الكتاب الشيخ الدكتور محمد بن علوي المالكي الحسني سليل بيت النبوة وللاطلاع على مؤلفاته وبعض من كتاباته يمكنكم زيارة الموقع الخاص بالشيخ على العنوان التالي:\rwww.mohamadalawi.com","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"{ بسم الله الرحمن الرحيم }\rتمهيد\rالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\rأما بعد …\rفإن الله سبحانه وتعالى أنعم علينا بنعم كثيرة ، أجلها وأعظمها نعمة الإسلام ، أكرم بها من نعمة ، ومنها نعمة الأمن التي نتمتع فيها بالأمان والسكينة والاطمئنان في ربوع هذه البلاد ، ومنها نعمة تطبيق الشريعة الإسلامية بإقامة الحدود والتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك بفضل الله ثم بفضل الحكام الذين جعلهم الله حماة لهذه البلاد بلاد الحرمين الشريفين ، والذين وفقهم الله لخدمة هذين الحرمين وشرفهم بالقيام بأمانة الحراسة والرعاية والحفظ لهما فبذلوا جهدهم في سبيل ذلك.\r\rووجدوا بحمد الله العون في أبناء هذا الشعب المخلص الوفي الذي أعطى البيعة بصدق ، وحفظ العهد بحق ورعى الذمة في الحضور والغيبة ، فنحن على ذلك العهد قائمون وبتلك الذمة موفون انطلاقاً من إيماننا الصافي ، وعقيدتنا السلفية ومنهجنا النبوي ، لأن هذه البلاد بفضل الله طاهرة من كل رجس سالمة من كل شرك بإخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ قال:\r(( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب )) ..\rوقال:\r(( إن الشيطان قد أيس أن يعبد في جزيرتكم )) - جزيرة العرب ..\rوقال:\r(( اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد )) ..\r( ودعاؤه مستجاب ) .. وقال:\r(( إن أخوف ما أتخوف على أمتي الإشراك بالله .. أما أني لست أقول يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً ، ولكن أعمالاً لغير الله وشهوة خفية )) ..\rرواه ابن ماجه في كتاب الزهد.\rخصوصاً وقد أخبر أن هذه البلاد معقل الإيمان ومرجع أهله وملاذ حملته إذ قال: (( أن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها )) .. وفي رواية إن الإيمان ليأرز إلى الحجاز.","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"ولقد عمل أئمة هذه البلاد وحكامها منذ بداية عهدهم على ترسيخ هذه المعاني وتثبيت ذلك في قلوب الناس ابتداء من جلالة المرحوم الملك عبد العزيز الذي وحد الجزيرة وجمع الكلمة وأزال الفوارق العصبية وهدم الحواجز العنصرية فعاش الناس متحابين يجمعهم مبدأ واحد وتلم شعثهم راية واحدة ، راية لا إله إلا الله محمد رسول الله. عاشوا على هذا المبدأ وإن اختلفت آراؤهم أو تنوعت مشاربهم. فالأصل واحد والولاء واحد ، والعهد صادق ، والوفاء لازم ، ولكن بعض المتطفلين من الدخلاء والعملاء الأجانب يحبون أن يصيدوا في الماء العكر فيشوهون الصورة ويشيعون الفتنة ويلبسون البرآء الذين لا يعرفون النفاق ثوب السوء وإرادة الشر وهم بهذا يفتحون باباً آخر نحن في غنى عنه ويوجهون الأنظار إلى ما هي غافلة عنه ، ولكن لا بأس ؛ فإن الثقة في الله وحسن الظن في حكامنا أهل العقل والنظر يبعث الطمأنينة في النفوس بأن لا يأخذوا بأقوال الوشاة ودعاة الفتنة من الذين لا هم لهم إلا تفريق كلمة المسلمين.","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"خصوصاً وأننا في ظل هذه الدولة السنية التي تحمي العقيدة الصحيحة الصافية وتبذل جهدها لنشرها والدعوة إليها في ظل دولة التوحيد التي تنصر العلم وحملته والدعاة إليه وتشجع على البحث العلمي النزيه النظيف في أي مجال كان وعلى أي ميدان ومن أي جهة ، وتكرم في سبيل ذلك أهله ، وتقدم لهم الجوائز السخية ، والأوسمة الرفيعة ، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين ، سعوديين أم غير سعوديين على حد سواء في مجال الدعوة الإسلامية أو البحوث العلمية والتطبيقية لأن المقياس هو العلم والعلم وحده ، والبحث وحده ، وهي بهذا الموقف تعمل على صقل العقول ، وتنوير البصائر ، وتلاقي الأفكار المعبرة عن المفاهيم التي تجيش في خواطر العلماء والباحثين وتفيض على قلوبهم ، وتتواجد في نفوسهم ، فيجدون السبيل ميسراً للتعبير بالكلمة، ولا شك أن هذا أقوى سبيل لإظهار الحق وإثباته لأن الوضوح والجلاء هو الأساس في بناء المجتمع ، وتلاحم أبنائه ، ولا يتم هذا إلا بالتعبير عن المفاهيم التي يحس بها الإنسان ويراها بالنسبة لأي قضية إسلامية واجتماعية.\rوهذه القاعدة هي من أجل الأصول التي ينبغي أن تتبع في الدعوة إلى الإسلام ، لقد أعطى الإسلام الفرصة لأعدائه للنظر والتبصر فقال :\r{ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ } .\rوأعطى الفرصة لإبداء أي اعتراض أو مفهوم أو برهان في نفس المعارض المعاند فقال :\r{ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .\rوطلب من المشركين أن ينظروا ويتفكروا في أمر الدين تارة منفردين وتارة مجتمعين ، وذلك بعقد المجالس والندوات للتشاور في حقيقة الدين وحقيقة الداعي محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال: { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ } .","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"بل وأعظم من هذا وذلك أنه أعطى الثقة للمعاند ليتقدم ويتكلم ويحس بنفسه وبموقعه وبأنه كائن حي له عقله فلابد أن يعقل وله فهمه فلابد أن يفهم ، وبعد هذا التعقل والتفهم لابد أن نسمع منه ثمرة عقله وثمرة فهمه فقال تعالى: { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } .\rهكذا أمر الله تعالى نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - أن يقول للمشركين المبطلين الضالين الذين لا دين لهم صحيح ولا عقيدة معتبرة عند الجدال والمناقشة ، إما أن أكون أنا على هدى أو أنتم ، وإما أن أكون أنا على ضلال أو أنتم.\rومن هذا المنطلق أقدم هذه المفاهيم عن بعض القضايا الإسلامية المختلف فيها بين العلماء والتي لا يستطيع أحد أن يقول إنه اتفقت آراء العلماء فيها على كلمة واحدة.\rولابد من إظهارها ووضعها بين يدي العلماء والباحثين للدراسة والنظر ، فإن كانت صواباً فالحمد لله وذلك من توفيق الله وتسديده وإن كانت خطأ فإنه مني وباجتهادي. وذلك لبيان الحقيقة وتصحيح المفاهيم العامة وليس لنا من وراء ذلك إلا الإصلاح وتوخي الصواب لأننا بشر نصيب ونخطئ وكل منا يؤخذ منه ويرد عليه إلا السيد المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. وكل كتاب قابل للزيادة والنقصان والتغيير والتبديل والإصلاح والتهذيب إلا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ومن ادعى سوى ذلك فهو مفتر ممتر.\rونحن نعوذ بالله من أن نكون ممن يتعلم العلم للمماراة أو للمجادلة كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يكابر به العلماء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار ). رواه الترمذي.","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"وكتابنا هذا كغيره من الكتب ، قابل للإصلاح والمراجعة ، وأنا بفضل الله أعترف في كل كتاب أؤلفه بذلك ، وأقول في آخر ما أكتب : إني أسأل الله التوفيق والسداد فيما كتبته فإن كان صواباً فمن الله ، وإن كان خطأ فمن نفسي واجتهادي. وأرجو ممن يطلع عليه أن يرشدني وأن يدلني على أخطائي.\rوالعلماء لا يزالون يراجع بعضهم بعضاً فيما يكتبون ، فإذا حصل الإقناع والرضا لا يتوقف عن الأخذ به إلا مستكبر ، إلا إذا كان له في ذلك تأويل أو وجهة نظر أو دليل أو شبهة دليل ، فإنه إن لم يلتمس له العذر فأقل ما في الأمر أن يسكت عنه ، والحوار بين العلماء بصورة خاصة يتميز بالموضوعية وروح التفاهم والورع وتقوى الله عز وجل لأن رائدهم جميعاً التوعية والتوجيه والذود عن محارم الله عز وجل والأخذ بيد الناس لكل ما فيه الخير ، فهم ورثة الأنبياء. وإني أسأل الله عز وجل أن يجنبنا مصادر الزلل وأن يهدينا سواء السبيل.\rإنه سميع مجيب وبالله التوفيق ..\rمحمد بن علوي المالكي الحسني\rمنهج الكتاب\rهذا وقد جعلنا هذا الكتاب على ثلاثة أبواب كالآتي:\rالباب الأول:\rمباحث في العقيدة وفيها بيان فساد مقاييس التفكير والتضليل اليوم.\rالباب الثاني:\rمباحث نبوية . وفيها خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - وحقيقة النبوة وحقيقة البشرية ومفهوم التبرك بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وآثاره .\rالباب الثالث:\rمباحث مختلفة وفيها بيان الحياة البرزخية ومشروعية الزيارة النبوية وما يتعلق بها من الآثار والمشاهد والمناسبات الدينية .\rXXX\rالباب الأول\rمباحث في العقيدة\rوفيها بيان فساد مقاييس التكفير والتضليل اليوم\rالتحذير من المجازفة بالتكفير","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"يخطئ كثير من الناس – أصلحهم الله – في فهم حقيقة الأسباب التي تخرج صاحبها عن دائرة الإسلام وتوجب عليه الحكم بالكفر ، فتراهم يسارعون إلى الحكم على المسلم بالكفر لمجرد المخالفة حتى لم يبق من المسلمين على وجه الأرض إلا القليل ، ونحن نلتمس لهؤلاء العذر تحسيناً للظن ، ونقول لعل نيتهم حسنة من دافع واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن فاتهم أن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابد في أدائه من الحكمة والموعظة الحسنة وإذ اقتضى الأمر المجادلة يجب أن تكون بالتي هي أحسن كما قال تعالى : { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } .. وذلك أدعى إلى القبول وأقرب للحصول على المأمول ومخالفته خطأ وحماقة .\rفإذا دعوت مسلماً يصلي ، ويؤدي فرائض الله ، ويجتنب محارمه وينشر دعوته ، ويشيد مساجده ، ويقيم معاهده ، إلى أمر تراه حقاً ويراه هو على خلافك والرأي فيه بين العلماء مختلف قديماً إقراراً وإنكاراً فلم يطاوعك في رأيك فرميته بالكفر لمجرد مخالفته لرأيك فقد قارفت عظيمة نكراء ، وأتيت أمراً إدّاً نهاك عنه الله ودعاك إلى الأخذ فيه بالحكمة والحسنى.\rقال العلامة الإمام السيد أحمد مشهور الحداد : وقد انعقد الإجماع على منع تكفير أحد من أهل القبلة إلا بما فيه نفي الصانع القادر جل وعلا أو شرك جلي لا يحتمل التأويل أو إنكار النبوة أو إنكار ما علم من الدين بالضرورة أو إنكار متواتر أو مجمع عليه ضرورة من الدين .\rوالمعلوم من الدين ضرورة كالتوحيد والنبوات وختم الرسالة بمحمد صلى الله عليه وسلم والبعث في اليوم الآخر والحساب والجزاء والجنة والنار يكفر جاحده ، ولا يعذر أحد من المسلمين بالجهل به إلا من كان حديث عهد في الإسلام فإنه يعذر إلى أن يتعلمه فإنه لا يعذر بعده.","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"والمتواتر الخبر الذي يرويه جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب عن جمع مثلهم إما من حيث الإسناد كحديث :\r(( من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار )) ..\rوإما من حيث الطبقة كتواتر القرآن فإنه تواتر على البسيطة شرقاً وغرباً درساً وتلاوة وحفظاً وتلقاه الكافة عن الكافة طبقة عن طبقة فلا يحتاج إلى إسناد.\rوقد يكون تواتر عمل وتوارث كتواتر العمل على شيء من عصر النبوة إلى الآن ، أو تواتر علم كتواتر المعجزات فإن مفرداتها وإن كان بعضها آحاداً لكن القدر المشترك منها متواتر قطعاً في علم كل إنسان مسلم .\rوإن الحكم على المسلم بالكفر في غير هذه المواطن التي بيناها أمر خطير ، وفي الحديث (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) .\rرواه البخاري عن أبي هريرة .\rولا يصح صدوره إلا ممن عرف بنور الشريعة مداخل الكفر ومخارجه والحدود الفاصلة بين الكفر والإيمان في حكم الشريعة الغراء .\rفلا يجوز لأي إنسان الركض في هذا الميدان والتكفير بالأوهام والمظان دون تثبت ويقين وعلم متين وإلا اختلط سيلها بالأبطح ولم يبق مسلم على وجه الأرض إلا القليل .\rكما لا يجوز التكفير بارتكاب المعاصي مع الإيمان والإقرار بالشهادتين ، وفي الحديث عن أنس رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم :\r(( ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال : لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه عن الإسلام بالعمل ، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان بالأقدار )) .. (أخرجه أبو داود) ..\rوكان إمام الحرمين يقول : لو قيل لنا : فصِّلُوا ما يقتضي التكفير من العبارات مما لا يقتضي ، لقلنا : هذا طمع في غير مطمع فإن هذا بعيد المدرك وعر المسلك يستمد من أصول التوحيد ومن لم يحظ بنهايات الحقائق لم يتحصل من دلائل التكفير على وثائق .","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"لذلك نحذر كل التحذير من المجازفة بالتكفير في غير المواطن السابق بيانها لأنه جد خطير والله الهادي إلى سواء السبيل وإليه المصير .\rموقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب\rوقد وقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في هذا الميدان موقفاً عظيماً ، قد يستنكره كثير ممن يدعي أنه منسوب إليه ومحسوب عليه ، ثم يكيل الحكم بالتكفير جزافاً لكل من خالف طريقته ونبذ فكرته ، وها هو الشيخ محمد ابن عبد الوهاب ينكر كل ما ينسب إليه من هذه التفاهات والسفاهات والافتراءات فيقول ضمن عقيدته في رسالته الموجهة لأهل القصيم قال :\rثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم ، والله يعلم أن الرجل افترى عليَّ أموراً لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي .\rفمنها : قوله : إني مبطل كتب المذاهب الأربعة ، وإني أقول : إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء ، وإني أدعي الاجتهاد ، وإني خارج عن التقليد ، وإني أقول : إن اختلاف العلماء نقمة ، وإني أكفر من توسل بالصالحين ، وإني أكفر البوصيري لقوله : يا أكرم الخلق ، وإني أقول : لو أقدر على هدم قبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهدمتها ، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب ، وإني أحرم زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما ، وإني أكفر من حلف بغير الله ، وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي ، وإني أحرق دلائل الخيرات وروض الرياحين ، وأسميه روض الشياطين .","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"جوابي عن هذه المسائل : أن أقول : { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } ، وقبله من بهت محمداً صلى الله عليه وسلم أنه يسب عيسى بن مريم ، ويسب الصالحين ، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب ، وقول زور . قال تعالى : { إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ } الآية ، بهتوه صلى الله عليه وسلم بأنه يقول : إن الملائكة وعيسى وعزيراً في النار ، فأنزل الله في ذلك : { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } .\rأنظر الرسالة الأولى من الرسائل الشخصية ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب المنشورة باهتمام جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية .\r(القسم الخامس ص )\rرسالة مهمة أخرى للشيخ في الموضع\rهذه رسالة أرسلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى السويدي عالم من أهل العراق ، وكان قد أرسل له كتاباً وسأله عما يقول الناس فيه ، فأجابه بهذه الرسالة : قال فيها :\rإن إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه فضلاً عن أن يفتريه مما قلتم : أنني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني ، ويا عجباً كيف يدخل هذا في عقل عاقل ، وهل يقول هذا مسلم ؟ .\rوما قلتم : لو أنني أقدر على هدم قبة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهدمتها ، وفي دلائل الخيرات وحرمته ، وأنهى عن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بأي النظم كان ، فهذا من البهتان ، والمسلم لا يظن من قلبه أجلّ من كتاب الله .\rوفي صحيفة 64 من نفس الكتاب قال رحمه الله : وما قلتم : أنني أكفر من توسل بالصالحين ، وأكفر البوصيري لقوله : يا أكرم الخلق ، وأنكر زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأنكر زيارة قبور الوالدين وغيرهم ، وأكفر من حلف بغير الله .\rجوابي على ذلك أقول : سبحانك هذا بهتان عظيم .\rأنظر القسم الخامس – الرسائل الشخصية ص37 من مجموعة مؤلفات الشيخ -.\rسباب المسلم فسوق وقتاله كفر","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"إعلم أنّ كراهة المسلمين ومقاطعتهم ومدابرتهم محرّمة وكان سباب المسلم فسوقاً وقتاله كفراً إذا استحل .\rوكفى رادعاً في هذا الباب حديث خالد بن الوليد رضي الله عنه في سريته إلى بني جذيمة يدعوهم إلى الإسلام ، فلما انتهى إليهم تلقوه ، فقال لهم : أسلموا ، فقالوا : نحن قوم مسلمون ، قال : فألقوا سلاحكم وانزلوا ، قالوا : لا والله ما بعد وضع السلاح إلا القتل ما نحن بآمنين لك ولا لمن معك ، قال خالد فلا أمان لكم إلا أن تنزلوا فنزلت فرقة منهم وتفرقت بقية القوم .\rوفي رواية انتهى خالد إلى القوم فتلقوه ، فقال لهم ما أنتم أي : أمسلمون ؟ أم كفار ؟ قالوا : مسلمون قد صلينا وصدقنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبنينا المساجد في ساحتنا وأذنا فيها ، وفي لفظه لم يحسنوا أن يقولوا : أسلمنا ، فقالوا: صبأنا صبأنا ، قال فما بال السلاح عليكم ؟ قالوا : إن بيننا وبين قوم من العرب عداوة فخفنا أن تكونوا هم فأخذنا السلاح ، قال : فضعوا السلاح فوضعوا ، فقال : استأسروا فأمر بعضهم فكتف بعضاً وفرقهم في أصحابه فلما كان السحر نادى منادي خالد : من كان معه أسير فليقتله ، فقتل بنو سليم من كان معهم وامتنع المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم ، وأرسلوا أسراهم فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل خالد ، قال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ، قال ذلك مرتين .\rوقد يقال أن خالداً فهم أنهم قالوا ذلك على سبيل الأنفة وعدم الانقياد إلى الإسلام وإنما أنكر عليه صلى الله عليه وآله وسلم العجلة وعدم التثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا ، وقد قال عليه الصلاة والسلام نعم عبد الله أخو العشيرة خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله الله على الكافرين والمنافقين .","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"وكذلك قصة أسامة بن زيد حب رسول الله وابن حبه فيما رواه عنه البخاري عن أبي ظبيان قال : سمعت أسامة بن زيد يقول : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة ، فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ، فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله ، فكف الأنصاري عنه وطعنته برمحي حتى قتلته ، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : يا أسامة ! أقتلته بعدما قال : لا إله إلا الله ، قلت : كان متعوذاً ، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت ذلك اليوم ، وفي رواية أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : ألا شققت على قلبه ، فتعلم أصادق أم كاذب قال أسامة : لا أقاتل أحداً يشهد أن لا إله إلا الله .\rوقد سئل علي – رضي الله عنه – عن المخالفين له من الفرق أكفار هم ؟ قال : لا ، إنهم من الكفر فروا ، فقيل : أمنافقون هم ؟ فقال : لا ، إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً ، وهؤلاء يذكرون الله كثيراً ، فقيل : أي شيء هم ؟ قال : قوم أصابتهم الفتنة فعموا وصمُّوا .\rc c c\rمقام الخالق ومقام المخلوق\rإن الفرق بين مقام الخالق والمخلوق هو الحد الفاصل بين الكفر والإيمان ، ونعتقد أن من خلط بين المقامين فقد كفر والعياذ بالله .\rولكل مقام حقوقه الخاصة ، ولكن هناك أموراً ترد في هذا الباب وخصوصاً فيما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم وخصائصه التي تميزه عن غيره من البشر وترفعه عليهم هذه الأمور قد تشتبه على بعض الناس لقصر عقولهم وضعف تفكيرهم وضيق نظرهم وسوء فهمهم ، فيبادرون إلى الحكم بالكفر على أصحابها وإخراجهم عن دائرة الإسلام ظناً منهم أن في ذلك تخليطاً بين مقام الخالق والمخلوق ، ورفعاً لمقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى مقام الألوهية ، وإننا نبرأ إلى الله سبحانه وتعالى من ذلك .","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"وإننا بفضل الله تعالى نعرف ما يجب لله تعالى ، وما يجب لرسوله صلى الله عليه وسلم ، ونعرف ما هو محض حق لله تعالى وما هو محض حق لرسوله صلى الله عليه وسلم من غير غلو ولا إطراء يصل إلى حد وصفه بخصائص الربوبية والألوهية في المنع والعطاء والنفع والضر الاستقلالي [دون الله تعالى] والسلطة الكاملة والهيمنة الشاملة والخلق والملك والتدبير والتفرد بالكمال ، والجلال والتقديس والتفرد بالعبادة بمختلف أنواعها وأحوالها ومراتبها .\rأما الغلو الذي يعني التغالي في محبته وطاعته والتعلق به ، فهذا محبوب ومطلوب كما جاء في الحديث :\r((لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم)) ..\rوالمعنى أن إطراءه والتغالي فيه والثناء عليه بما سوى ذلك هو محمود ، ولو كان معناه غير ذلك لكان المراد هو النهي عن إطرائه ومدحه أصلاً ومعلوم أن هذا لا يقوله أجهل جاهل في المسلمين ، فإن الله تعالى عظم النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن بأعلى أنواع التعظيم ، فيجب علينا أن نعظم من عظمه الله تعالى وأمر بتعظيمه .. نعم يجب علينا أن لا نصفه بشيء من صفات الربوبية ورحم الله القائل حيث قال :\rدع ما ادعته النصارى في نبيهم :: واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم\rفليس في تعظيمه صلى الله عليه وسلم بغير صفات الربوبية شيء من الكفر والإشراك ، بل ذلك من أعظم الطاعات والقربات ، وهكذا كل من عظمهم الله تعالى كالأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، وكالملائكة والصديقين والشهداء والصالحين ، قال الله تعالى : { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ } ، وقال تعالى : { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ } .","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"ومن ذلك الكعبة المعظمة والحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه السلام ، فإنها أحجار وأمرنا الله تعالى بتعظيمها بالطواف بالبيت ومس الركن اليماني وتقبيل الحجر الأسود وبالصلاة خلف المقام ، وبالوقوف للدعاء عند المستجار وباب الكعبة والملتزم ، ونحن في ذلك كله لم نعبد إلا الله تعالى ، ولم نعتقد تأثيراً لغيره ولا نفعاً ولا ضراً فلا يثبت شيء من ذلك لأحد سوى الله تعالى .\r] ] ]\rمقام المخلوق\rأما هو صلى الله عليه وسلم فإننا نعتقد أنه صلى الله عليه وسلم بشر يجوز عليه ما يجوز على غيره من البشر من حصول الأعراض والأمراض التي لا توجب النقص والتنفير كما قال صاحب العقيدة :\rوجائز في حقهم من عرض :: بغير نقص كخفيف المرض\rوأنه صلى الله عليه وسلم عبد لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً إلا ما شاء الله ، قال تعالى : { قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } الأعراف : 188.\rوأنه صلى الله عليه وسلم قد أدى الرسالة وبلغ الأمانة ونصح الأمة\rوكشف الغمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين ، فانتقل إلى جوار ربه راضياً مرضياً كما قال تعالى : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ } .\rوقال : { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ } .","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"والعبودية هي أشرف صفاته صلى الله عليه وسلم ، ولذلك فإنه يفتخر بها ويقول : [ إنما أنا عبد ] ووصفه الله بها في أعلى مقام { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } ، وقال : { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } . والبشرية هي عين إعجازه فهو بشر من جنس البشر لكنه متميز عنهم بما لا يلحقه به أحد منهم أو يساويه كما قال صلى الله عليه وسلم عن نفسه في الحديث الصحيح : ((إني لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني))..\rوبهذا ظهر أن وصفه صلى الله عليه وسلم بالبشرية يجب أن يقترن بما يميزه عن عامة البشر من ذكر خصائصه الفريدة ومناقبه الحميدة ، وهذا ليس خاصاً به صلى الله عليه وسلم ، بل هو عام في حق جميع رسل الله سبحانه وتعالى لتكون نظرتنا إليهم لائقة بمقامهم ، وذلك لأن ملاحظة البشرية العادية المجردة فيهم دون غيرها هي نظرة جاهلية شركية ، وفي القرآن شواهد كثيرة على ذلك ، فمن ذلك قول قوم نوح في حقه فيما حكاه الله عنهم إذ قال : { فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا } سورة هود : 27 .\rومن ذلك قول قوم موسى وهارون في حقهما فيما حكاه الله عنهم إذ قال : { فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ } المؤمنون : 47 .\rومن ذلك قول ثمود لنبيهم صالح فيما حكاه الله عنهم بقوله : { مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } سورة الشعراء : 154 .\rومن ذلك قول أصحاب الأيكة لنبيهم شعيب فيما حكاه الله عنهم بقوله : { قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ } سورة الشعراء : 186 .\rومن ذلك قول المشركين في حق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد رأوه","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"بعين البشرية المجردة فيما حكاه الله عنهم بقوله : { وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ } ، ولقد تحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه حديث الصدق بما أكرمه الله تعالى به من عظيم الصفات وخوارق العادات التي تميز بها عن سائر أنواع البشر ([1]).\rفمن ذلك ما جاء في الحديث الصحيح أنه قال :\r(( تنام عيناي ولا ينام قلبي )) .\rوجاء في الصحيح أنه قال :\r(( إني أراكم من وراء ظهري كما أراكم من أمامي )) ..\rوجاء في الصحيح أنه قال :\r(( أوتيت مفاتيح خزائن الأرض )) .\rوهو صلى الله عليه وسلم وإن كان قد مات إلا أنه حي حياة برزخية كاملة يسمع الكلام ويرد السلام وتبلغه صلاة من يصلي عليه وتعرض عليه أعمال الأمة فيفرح بعمل المحسنين ويستغفر للمسيئين وأن الله حرم على الأرض أن تأكل جسده فهو محفوظ من الآفات والعوارض الأرضية .\rوعن أوس بن أوس رضي الله عنه قال :\r((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أفضل أيامكم يوم الجمعة : فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة ، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه ، فإن صلاتكم معروضة عليَّ)) . قالوا : يا رسول الله ! وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت يعني بليت ؟ فقال : ((إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)) ..\rرواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه.\rوفي ذلك رسالة خاصة للحافظ جلال الدين السيوطي أسماها ((إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء)) .\rعن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :\r(( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً لكم تعرض عليَّ أعمالكم فإن رأيت خيراً حمدت الله وإن رأيت شراً استغفرت لكم)) .\rقال الهيثمي : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح .\rوعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"((ما من أحد يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام)) .\rرواه أحمد وأبو داود . قال بعض العلماء : رد عليَّ روحي أي نطقي ، وعن عمار بن يسار رضي الله عنه قال :\r((قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله وكّل بقبري ملكاً أعطاه الله أسماء الخلائق ، فلا يصلي عليَّ أحد إلى يوم القيامة إلا أبلغني باسمه واسم أبيه ، هذا فلان بن فلان قد صلى عليك)) .\rرواه البزار وأبو الشيخ ابن حبان ولفظه : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((إن لله تبارك وتعالى ملكاً أعطاه أسماء الخلائق فهو قائم على قبري إذا مت ، فليس أحد يصلي عليَّ إلا قال : يا محمد ! صلى عليك فلان بن فلان ، قال : فيصلي الرب تبارك وتعالى على ذلك الرجل بكل واحدة عشراً)) ..\rرواه الطبراني في الكبير بنحوه ([2]) .\rوهو صلى الله عليه وسلم وإن كان قد مات إلا أن فضله ومقامه وجاهه عند ربه باق لا شك في ذلك ولا ريب عند أهل الإيمان ، ولذلك فإن التوسل به إلى الله سبحانه وتعالى إنما يرجع في الحقيقة إلى اعتقاد وجود تلك المعاني واعتقاد محبته وكرامته عند ربه وإلى الإيمان به وبرسالته ، وليس هو عبادة له ، بل إنه مهما عظمت درجته وعلت رتبته فهو مخلوق لا يضر ولا ينفع من دون الله إلا بإذنه .\rقال تعالى : { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } .\r] ] ]\rأمور مشتركة بين المقامين\rلا تنافي التنزيه\rوقد أخطأ كثير من الناس في فهم بعض الأمور المشتركة بين المقامين ( مقام الخالق ومقام المخلوق ) فظن أن نسبتها إلى مقام المخلوق شرك بالله تعالى .","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"ومن ذلك بعض الخصائص النبوية مثلاً ([3]) ، التي يخطئ بعضهم في فهمها فيقيسونها بمقياس البشرية ، ولذلك يستكثرونها ويستعظمونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويرون أن وصفه بها معناه وصفه ببعض صفات الألوهية ، وهذا جهل محض لأنه سبحانه وتعالى يعطي من يشاء وكما يشاء بلا موجب ملزم وإنما هو تفضل على من أراد إكرامه ورفع مقامه وإظهار فضله على غيره من البشر وليس في ذلك انتزاع لحقوق الربوبية وصفات الألوهية ، فهي محفوظة بما يناسب مقام الحق سبحانه وتعالى : وإذا اتصف المخلوق بشيء منها فيكون بما يناسب البشرية من كونها محدودة مكتسبة بإذن الله وفضله وإرادته لا بقوة المخلوق ولا تدبيره ولا أمره إذ هو عاجز ضعيف لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، وكم من أمور جاء ما يدل على أنها حق لله سبحانه وتعالى ، ولكنه سبحانه وتعالى منَّ بها على نبيه صلى الله عليه وسلم وغيره .\rوحينئذ فلا يرفعه وصفه بها إلى مقام الألوهية أو يجعله شريكاً لله سبحانه وتعالى.\rفمنها : الشفاعة ، فهي لله ، قال الله تعالى : { قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ } ، وهي ثابتة للرسول صلى الله عليه وسلم ولغيره من الشفعاء بإذن الله كما جاء في الحديث : ((أوتيت الشفاعة)) ..\rوحديث : ((أنا أول شافع ومشفع)) ..\rومنها : علم الغيب ، فهو لله سبحانه وتعالى : { قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ } ، وقد ثبت أن الله تعالى علّم نبيه من الغيب ما علّمه وأعطاه ما أعطاه { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً {26} إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } .","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"ومنها : الهداية فهي خاصة بالله تعالى ، قال الله تعالى : { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ } ، وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم له شيء من ذلك فقال : { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ، والهداية الأولى غير الهداية الثانية ، وهذا إنما يفهمه العقلاء من المؤمنين الذين يعلمون الفرق بين الخالق والمخلوق ، ولولا ذلك لاحتاج أن يقول : وإنك لتهدي هداية إرشاد ، أو أن يقول وإنك لتهدي هداية غير هدايتنا ، ولكن كل ذلك لم يحصل ، بل أثبت له هداية مطلقة بلا قيد ولا شرط ، لأن الموحد منا معشر المخاطبين من أهل الإسلام يفهم معاني الألفاظ ويدرك اختلاف مدلولاتها بالنسبة لما أضيف إلى الله ، وبالنسبة لما أضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونظير هذا ما جاء في القرآن من وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرأفة والرحمة إذ يقول : { بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } ، ووصف الله سبحانه وتعالى نفسه بذلك أيضاً في أكثر من موضع ، فهو سبحانه وتعالى { رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } ، ومعلوم أن الرأفة والرحمة الثانية غير الأولى ، ولما وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك الوصف وصفه به بالإطلاق بلا قيد ولا شرط ، لأن المخاطب وهو موحد مؤمن بالله يعلم الفرق بين الخالق والمخلوق ، ولولا ذلك لاحتاج أن يقول في وصفه صلى الله عليه وسلم : رؤوف برأفة غير رأفتنا ، ورحيم برحمة غير رحمتنا أو أن يقول : رؤوف برأفة خاصة أو رحيم برحمة خاصة ، أو أن يقول : رؤوف برأفة بشرية ورحيم برحمة بشرية ، ولكن كل ذلك لم يحصل ، بل أثبت له رأفة مطلقة ورحمة مطلقة بلا قيد ولا شرط،فقال: { بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } .\r] ] ]\rالمجاز العقلي واستعماله","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"ولا شك أن المجاز العقلي مستعمل في الكتاب والسنة ، فمن ذلك قوله تعالى : { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً } ، فإسناد الزيادة إلى الآيات مجاز عقلي لأنها سبب في الزيادة ، والذي يزيد حقيقة هو الله تعالى وحده .\rوقوله تعالى : { يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً } ، فإسناد الجعل إلى اليوم مجاز عقلي ، لأن اليوم محل جعلهم شيباً فالجعل المذكور واقع في اليوم ، والجاعل حقيقة هو الله تعالى ، وقوله تعالى : { وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً } ، فإن إسناد الإضلال إلى الأصنام مجاز عقلي لأنها سبب في حدوث الإضلال ، والهادي والمضل هو الله تعالى وحده . وقوله تعالى حكاية عن فرعون : { يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً } ، فإسناد البناء إلى هامان مجاز عقلي لأنه سبب فهو آمر يأمر ولا يبني بنفسه ، والباني إنما هم الفعلة ((من العمال)) .\rوأما الأحاديث ففيها شيء كثير يعرفه من وقف عليها ، وكان ممن يعرف الفرق بين الإسناد الحقيقي والمجازي فلا حاجة إلى الإطالة بنقلها ، وقال العلماء : إن صدور ذلك الإسناد من موحد كاف في جعله إسناداً مجازياً لأن الاعتقاد الصحيح هو اعتقاد أن الخالق للعباد وأفعالهم هو الله وحده فهو الخالق للعباد وأفعالهم لا تأثير لأحد سواه لا لحي ولا لميت فهذا الاعتقاد هو التوحيد المحض ، بخلاف ما لو اعتقد غير هذا فإنه يقع في الإشراك .\r] ] ]\rضرورة ملاحظة النسبة المجازية\rفي مقياس الكفر والإيمان","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"وقد تمسكت طوائف من أهل الضلالات بذيل شبهة ظواهر الألفاظ دون نظر إلى القرائن والمقاصد وبدون نظر إلى الجمع بما لا يؤدي إلى التعارض بين الوارد كالقائلين بخلق القرآن تمسكوا بنحو قوله تعالى : { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً } ، والقائلين بالقدر تمسكوا بنحو قوله تعالى : { فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } ، و { بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } إلى غير ذلك ، والقائلين بالجبر تمسكوا بنحو قوله تعالى : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } ، { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى } .\rوكشف الغطاء عن ذلك أن جميع الأمة غير القدرية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } ، وقوله تعالى : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى } ، وإن كان يجوز أن يوصف بها العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنه بالاكتساب كما في قوله تعالى : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } ، وقوله تعالى : { فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } إلى غير ذلك من الآيات المصرحة بإضافة الكسب إلى العبد ، وليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون بالاختراع فقط لأن قدرة الله تعالى في الأزل كانت متعلقة بالعالم قبل اختراعه تعالى لوجوده ، وهي عند اختراعه متعلقة به بنوع آخر من التعلق .\rحقيقة نسبة الأفعال للعباد :","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"ومن هذا يظهر أن تعلق القدرة ليس مخصوصاً بحصول المقدور بها . وأفعال العباد نسبتها إليهم على طريق الكسب لا الاختراع لأن الله تعالى هو المخترع لها ، والمقدر لها ، والمريد لها ، ولا يرد أنه كيف يريد ما نهى عنه ، لأن الأمر يغاير الإرادة بدليل أمره جميع الناس بالإيمان ، ولم يرده من أكثرهم لقوله تعالى : { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } ، فنسبة الأفعال إلى العباد من نسبة المسبب إلى السبب أو الواسطة ، وهذا لا منافاة فيه ، لأن مسبب الأسباب هو الذي خلق الواسطة وخلق فيها معنى الوساطة ولولا ذلك الذي أودع الله تعالى فيها لم تصلح أن تكون واسطة وسواء كانت مما لم يودع العقل كالجماد والأفلاك والمطر والنار ، أو كانت عاقلة نم ملك أو إنسي أو جني .\rاختلاف المعنى باختلاف النسبة اللفظية :\rولعلك تقول : لا تعقل نسبة الفعل الواحد إلى فاعلين لاستحالة اجتماع مؤثرين على أثر واحد ، فنقول : نعم ، هو كما قلتم لكن محله إذا لم يكن الفاعل إلا معنى واحد في الاستعمال .","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"أما إذا كان له معنيان فيكون الاسم مجملاً متردداً بينهما في الاستعمال ، وحينئذ لا يمتنع إطلاقه على كل منهما كما هو المعلوم من الاستعمال في الأسماء المشتركة أو في الحقيقة والمجاز كما يقال : قتل الأمير فلاناً ، ويقال : قتله السياف ، فإطلاق القتل على الأمير بمعنى غير المعنى الذي أطلق به على السياف ، فقولنا : إن الله تعالى فاعل بمعنى أنه المخترع الموجد ، وقولنا : إن المخلوق فاعل فمعناه أنه المحل الذي خلق الله تعالى فيه القدرة بعد أن خلق فيه الإرادة بعد أن خلق فيه العلم ، فارتباط القدرة بالإرادة والحركة بالقدرة ارتباط المعلول بالعلة وارتباط المخترع بالمخترع هذا إذا كان المحل عاقلاً وإلا فهو من ترتيب المسببات على أسبابها ، فصح أن يسمى كل ما له ارتباط بقدرة فاعلاً كيفما كان الارتباط ، كما يسمى السياف قاتلاً باعتبار ، والأمير قاتلاً باعتبار ، لأن القتل ارتبط بكليهما ، وإن كان ارتباطه على وجهين مختلفين ساغ تسمية كل منهما فاعلاً ، فمثل ذلك اعتبار المقدورات بالقدرتين ، والدليل على جواز هذه النسبة وتطابقها نسبة الله تعالى الأفعال إلى الملائكة تارة وتارة إلى غيرهم من العباد ، ومرة أخرى نسبها بعينها إلى نفسه ، فقال تعالى : { قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ } ، وقال تعالى : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا } ، وقال تعالى : { أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ } بالإضافة إلينا ، ثم قال تعالى : { أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً } الآيات ، وقال تعالى : { فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً } ، ثم قال تعالى : { فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } ، والنافخ جبريل عليه السلام ، وقال تعالى : { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } ، والقارئ الذي يسمع النبي قراءته","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"جبريل ، وقال تعالى : { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ } .. { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى } ، فنفى عنهم القتل وأثبته لنفسه ، ونفى عنه الرمي وأثبته لنفسه ، وليس المراد نفي الحس من قتلهم الكفار ورميه لهم عليه السلام بالحصباء ولكن المعنى أنهم ما قتلوهم ولا رموهم بالمعنى الذي يكون الرب به قتلهم ورماهم وهو الاختراع والتقدير إذ هما معنيان مختلفان ، وتارة ينسب الفعل إليهما معاً كقوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ } .\rوروت عائشة – رضي الله عنها - : أن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يخلق الجنين يبعث ملكاً فيدخل الرحم فيأخذ النطفة بيده ثم يصورها جسداً ، فيقول : يا رب ! أذكر أم أنثى ؟ أسوي أم معوج ؟ فيقول تعالى ما شاء ، ويخلق الملك ، وفي لفظ آخر : فيصور الملك ثم ينفخ فيه الروح بالسعادة أو بالشقاوة .\rفإذا فهمت هذا اتضح لك أن الفعل يستعمل على وجوه مختلفة ولا تناقض بينهما ، ولذلك الفعل ينسب تارة للجماد كما في قوله تعالى : { تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } ، فالشجرة لا يتأتى منها الإتيان بثمرها ، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم للذي ناوله تمرة : خذها لو لم تأتها لأتتك .. كما في الطبراني وابن حبان ، فإضافة الإتيان تختلف إلى الرجل وإلى التمرة ، فمعنى إتيان التمرة غير معنى إتيان الرجل ، فالإتيان منهما مجازان مختلفان في الاعتبار ، فمجاز إطلاق الإتيان على الرجل بمعنى أن الله خلق فيه القدرة والإرادة للإتيان بها .","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"وإتيان التمرة بمعنى أن الله يسبب من يأتي بها ، والحقيقة إنما هي إضافة الإتيان إلى الله تعالى في كل منهما ، ولأجل اختلاف الاعتبار في الوسائط تارة تكون ملاحظة الوسائط في الأفعال كفراً كما في جواب قارون لموسى عليه السلام بقوله : { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي } ، وكما في حديث : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب ، وهذا الكفر باعتبار أن الواسطة مؤثرة ومخترعة ، قال النووي : اختلف العلماء في كفر من قال : مطرنا بنوء كذا على قولين :\rأحدهما\rهو كفر بالله تعالى سالب لأصل الإيمان مخرج من ملة الإسلام ، قالوا : وهذا فيمن قال ذلك معتقداً أن الكوكب فاعل مدبر منشئ للمطر كما كان بعض أهل الجاهلية يزعم ، ومن اعتقد هذا فلا شك في كفره ، وهذا القول هو الذي ذهب إليه جماهير العلماء ، والشافعي منهم وهو ظاهر في الحديث ، قالوا : وعلى هذا لو قال : مطرنا بنوء كذا معتقداً أنه من الله تعالى وبرحمته وأن النوء ميقات له\rوعلامة اعتباراً بالعادة ، فكأنه قال : مطرنا في وقت كذا ، فهذا لا يكفر .\rواختلفوا في كراهته لكنها كراهة تنزيه لا إثم فيها ، وسبب الكراهة أنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره ، فيساء الظن بصاحبها ولأنها شعار الجاهلية ، ومن سلك مسلكهم .\rوالقول الثاني :\rفي أصل تأويل الحديث : أن المراد كفر نعمة الله تعالى لاقتصاره على إضافة الغيث إلى الكوكب ، وهذا فيمن لا يعتقد تدبير الكوكب ، ويؤيد هذا التأويل الرواية الأخيرة في الباب : أصبح من الناس شاكر وكافر ، وفي الرواية الأخرى : ما أنزل الله تعالى من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين . فقوله : بها يدل على أنه كفر النعمة ، والله أعلم اهـ .","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"فأنت تراه قال باتفاق العلماء على أن من نسب الفعل إلى الواسطة لا يكفر إلا إذا اعتقد أنها هي الفاعلة المدبرة المخترعة ، وإذا لم تكن ملاحظة الواسطة بهذا الاعتبار بحيث أن الواسطة علامة أو ظرف الخلق المقدور فيها فلا كفر ، بل تارة يندب الشرع إلى ملاحظتها كقول النبي صلى الله عليه وسلم :\r(( من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تستطيعوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه )) .\rوقوله صلى الله عليه وسلم :\r((من لم يشكر الناس لم يشكر الله)) ..\rوذلك لأن ملاحظة الواسطة بهذا الاعتبار لا ينافي رؤية المنة لله سبحانه وتعالى ، وقد أثنى الله عز وجل على عباده في مواضع على أعمالهم بل وأثابهم عليها وهو الباعث لإرادتهم لها . والخالق لقدرتهم عليها كقوله تعالى : { نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، وقوله تعالى : { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } ، وقال تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا } الآية .\rوإذا ظهر لك أن الفعل يستعمل على وجوه مختلفة فلا تتناقض هذه المعاني إذا فهمت الفهم الصحيح السليم .","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"فالمعاني أوسع من العبارات ، والصدور أوسع من الكتب المؤلفات ، ولو وقفنا مع حقيقة اللفظ دون المجاز ، لم نجد إلى الجمع بين النصوص أو التفرقة من جواز ، ألا ترى إلى ما أخبر الله تعالى به عن إبراهيم عليه السلام من قوله : { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ } ، أترى أن إبراهيم يشرك مع الله تعالى الجماد وهو القائل : { أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } ، والأمر الجامع في ذلك أن من أشرك مع الله جل جلاله غيره في الاختراع والتأثير فهو مشرك سواء كان الملحوظ معه جماداً أو آدمياً نبياً أو غيره ، ومن اعتقد السببية في شيء من ذلك اطردت أو لم تطرد ، فجعل الله تعالى لها سبباً لحصول مسبباتها ، وأن الفاعل هو الله وحده لا شريك له فهو مؤمن ، ولو أخطأ في ظنه ما ليس بسبب سبباً لأن خطأه في السبب لا في المسبب الخالق المدبر جل جلاله وعظم شأنه .\r] ] ]\rالتعظيم بين العبادة والأدب\rيخطئ كثير من الناس في فهم حقيقة التعظيم وحقيقة العبادة ، فيخلطون بينهما خلطاً بيناً ويعتبرون أن أي نوع من أنواع التعظيم هو عبادة للمعظم فالقيام وتقبيل اليد وتعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - بسيدنا ومولانا ، والوقوف أمامه في الزيارة بأدب ووقار وخضوع ، كل ذلك غلو عندهم يؤدي إلى العبادة لغير الله تعالى ، وهذا في الحقيقة جهل وتعنت لا يرضاه الله ولا رسوله وتكلف تأباه روح الشريعة الإسلامية .","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"فهذا آدم أول الجنس الإنساني ، وأول عباد الله الصالحين من هذا الجنس أمر الله تعالى الملائكة بالسجود له إكراماً وتعظيماً لما آتاه من علمه وإعلاماً لهم باصطفائه من بين سائر مخلوقاته ، قال تعالى : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ } إلى آخر الآية . وفي آية أخرى قال : { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } .. وفي آية أخرى : { فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ } .. فالملائكة عليهم السلام عظموا من عظمه الله ، وإبليس تكبر أن يسجد لمن خلق من طين ، فهو أول من قاس الدين برأيه وقال : أنا خير منه ، وعلل ذلك بعلة خلقه من نار وخلق آدم من طين وأنف من تكرمته عليه واستنكف من السجود له ، فهو أول المتكبرين ولم يعظم من عظمه الله ، فطرد من رحمة الله لتكبره على هذا العبد الصالح وهو عين التكبر على الله لأن السجود إنما هو لله إذ هو بأمره ، وإنما جعل السجود له تشريفاً وتكريماً له عليهم وكان من الموحدين فلم ينفعه توحيده.\rومما جاء في تعظيم الصالحين قال الله تعالى في حق يوسف عليه السلام : { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً } تحية وتكريماً وتشريفاً وتعظيماً له عليهم، والسجود من إخوته له إلى الأرض يدل عليه قوله تعالى : وخروا . ولعله كان جائزاً في شرعهم ، أو كسجود الملائكة لآدم عليه السلام تشريفاً وتعظيماً وامتثالاً لأمر الله تأويلاً لرؤيا يوسف إذ رؤيا الأنبياء وحي .","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"أما نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد قال الله تعالى في حقه : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ } ، وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } ، وقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ } الآيات الثلاث . وقال تعالى : { لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً } ، ونهى عن التقدم بين يديه بالقول وسوء الأدب بسبقه بالكلام ، قال سهل بن عبد الله : لا تقولوا قبل أن يقول ، أي لا تتكلموا قبله ، وإذا قال فاستمعوا له وأنصتوا ، ونهوا عن التقدم والتعجل بقضاء أمر قبل قضائه فيه ، وأن يفتوا بشيء في ذلك من قتال أو غيره من أمر دينهم إلا بأمره ، ولا يسبقوه به ، ثم وعظهم وحذرهم من مخالفة ذلك فقال : { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ، قال السلمي : اتقوا الله في إهمال حقه وتضييع حرمته ، إنه سميع لقولكم ، عليم بفعلكم ، ثم نهاهم عن رفع الصوت فوق صوته والجهر له بالقول كما يجهر بعضهم لبعض ويرفع صوته ،وقيل: كما ينادي بعضهم بعضاً باسمه ، قال أبو محمد مكي : أي لا تسابقوه بالكلام وتغلظوا له بالخطاب ولا تنادوه باسمه نداء بعضكم لبعض ولكن عظموه ووقروه ونادوه بأشرف ما يحب أن ينادى به يا رسول الله ، يا نبي الله ، وهذا كقوله في الآية الأخرى : { لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً } ، وقال غيره : لا تخاطبوه إلا مستفهمين ، ثم خوفهم الله تعالى بحبوط أعمالهم إن هم فعلوا ذلك وحذرهم منه .. والآية نزلت في جماعة أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فنادوه يا محمد أخرج إلينا ، فذمهم الله تعالى بالجهل ووصفهم بأن أكثرهم لا يعقلون .","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"يقول عمرو بن العاص رضي الله عنه ، وما كان أحد أحب إليَّ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أجل في عيني منه ، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له ، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه . رواه مسلم في الصحيح ، كتاب الإيمان ، (باب كون الإسلام يهدم ما قبله) .\rوروى الترمذي عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس ، فيهم أبو بكر وعمر ، فلا يرفع أحد منهم إليه بصره إلا أبو بكر وعمر، فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ، ويبتسمان إليه ويبتسم لهما .\rوروى أسامة بن شريك قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حوله كأنما على رؤوسهم الطير ، وفي صفته إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، وقال عروة بن مسعود حين وجهته قريش عام القضية إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورأى من تعظيم أصحابه له ما رأى وأنه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه وكانوا يقتتلون عليه ولا يبصق بصاقاً ، ولا يتنخم نخامة إلا تلقوها بأكفهم فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم ، ولا تسقط منه شعره إلا ابتدروها وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيماً له ، فلما رجع إلى قريش قال : يا معشر قريش إني جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه ، وإني والله ما رأيت ملكاً في قوم قط مثل محمد في أصحابه ، وفي رواية : إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم محمداً أصحابه ، وقد رأيت قوماً لا يسلمونه أبداً.\rوأخرج الطبراني وابن حبان في صحيحه عن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال:","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"((كنا جلوساً عند النبي - صلى الله عليه وسلم - كأنما على رؤوسنا الطير ، ما يتكلم منا متكلم ، إذ جاءه أناس فقالوا : من أحب عباد الله إلى الله تعالى ؟ قال : أحسنهم خلقاً)) .. كذا في الترغيب (ج4 ص187) ، وقال : رواه الطبراني برجال محتج بهم في الصحيح .\rوأخرج أبو يعلى وصححه عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال :\r((لقد كنت أريد أن أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأمر ، فأؤخره سنتين من هيبته)) .. وأخرج البيهقي عن الزهري قال :\r((حدثني من لا أتهم من الأنصار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا توضأ أو تنخم ابتدروا نخامته فمسحوا بها وجوههم وجلودهم،فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لم تفعلون هذا ؟ قالوا : نلتمس به البركة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أحب أن يحبه الله ورسوله فليصدق الحديث وليؤد الأمانة ولا يؤذ جاره)) ..\rكذا في الكنز (ج8 ص228).\rوالحاصل أن هنا أمرين عظيمين لابد من ملاحظتهما ، أحدهما : وجوب تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - ورفع رتبته عن سائر الخلق ، والثاني إفراد الربوبية واعتقاد أن الله تبارك وتعالى منفرد بذاته وصفاته وأفعاله عن جميع خلقه ، فمن اعتقد في مخلوق مشاركة الباري سبحانه وتعالى في شيء من ذلك فقد أشرك – كالمشركين الذين كانوا يعتقدون الألوهية للأصنام واستحقاقها العبادة ، ومن قصر بالرسول - صلى الله عليه وسلم - عن شيء من مرتبته فقد عصى أو كفر .\rوأما من بالغ في تعظيمه - صلى الله عليه وسلم - بأنواع التعظيم ، ولم يصفه بشيء من صفات الباري عز وجل فقد أصاب الحق وحافظ على جناب الربوبية والرسالة جميعاً ، وذلك هو القول الذي لا إفراط فيه ولا تفريط .\rوإذا وجد في كلام المؤمنين إسناد شيء لغير الله تعالى يجب حمله على المجاز العقلي ، ولا سبيل إلى تكفيرهم ، إذ المجاز العقلي مستعمل في الكتاب والسنة .\r] ] ]\rالواسطة الشركية","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"يخطئ كثير من الناس في فهم حقيقة الواسطة فيطلقون الحكم هكذا جزافاً بأن الواسطة شرك ، وأن من اتخذ واسطة بأي كيفية كانت فقد أشرك بالله ، وأن شأنه في هذا شأن المشركين القائلين : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } ، وهذا كلام مردود ، والاستدلال بالآية في غير محله ، وذلك لأن هذه الآية الكريمة صريحة في الإنكار على المشركين عبادتهم للأصنام واتخاذها آلهة من دونه تعالى وإشراكهم إياها في دعوى الربوبية على أن عبادتهم لها تقربهم إلى الله زلفى ، فكفرهم وإشراكهم من حيث عبادتهم لها ومن حيث اعتقادهم أنها أرباب من دون الله .\rوهنا مهمة لابد من بيانها وهي أن هذه الآية تشهد بأن أولئك المشركين ما كانوا جادين فيما يحكي ربنا عنهم من قولهم مسوغين عبادة الأصنام : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، فإنهم لو كانوا صادقين في ذلك لكان الله أجل عندهم من تلك الأصنام ، فلم يعبدوا غيره ، وقد نهى الله المسلمين من سب أصنامهم بقوله تعالى : { وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } .","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"روى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه أنه قال : (( كان المسلمون يسبون أصنام الكفار فيسب الكفار الله عز وجل ، فأنزل الله : { وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } ، هذا سبب نزول هذه الآية . فهي إذن تنهى المؤمنين نهي تحريم شديد أن يقولوا كلمة نقص في الحجارة التي كان يعبدها الوثنيون بمكة المشرفة ، لأن قول تلك الكلمة يتسبب عنه غضب أولئك الوثنيين غيرة على تلك الأحجار التي كانوا يعتقدون من صميم قلوبهم أنها آلهة تنفع وتضر ، وإذا غضبوا قابلوا المسلمين بالمثل فيسبون ربهم الذي يعبدونه ، وهو رب العالمين ، ويرمونه بالنقائص وهو المنزه عن كل نقص ، ولو كانوا صادقين بأن عبادتهم لأصنامهم تقربهم إلى الله زلفى ما اجترؤا أن يسبوه انتقاماً ممن يسبون آلهتهم فإن ذلك واضح جداً في أن الله تعالى في نفوسهم أقل من تلك الحجارة .","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"وقل ذلك أيضاً في قوله تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } ، فإنهم لو كانوا يعتقدون حقاً أن الله تعالى الخالق وحده وأن أصنامهم لا تخلق ، لكانت عبادتهم لله وحده دونها أو لكان على الأقل احترامهم له تعالى فوق احترامهم لتلك الحجارة ، وهل هذا يتفق مع شتمهم له عز وجل غيرة على حجارتهم وانتقاماً لها منه سبحانه وتعالى ؟ إن البداهة تحكم أنه لا يتفق أبداً ، وليست الآية التي معنا وحدها تدل على أن الله تعالى أقل عند أولئك المشركين من حجارتهم بل لها أمثال ! منها قوله تعالى: { وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ } ، فلولا أن الله تعالى أقل في نفوسهم من تلك الحجارة ما رجحوها عليه هذا الترجيح الذي تحكيه هذه الآية واستحقوا عليه حكم الله عليهم بقوله : { سَاء مَا يَحْكُمُونَ } .\rومن هذا القبيل قول أبي سفيان رضي الله عنه قبل إسلامه : ((أعْلُ هُبل)) كما رواه البخاري ينادي صنمهم المسمى بهُبل أن يعلو في تلك الشدة رب السماوات والأرض ويقهره ليغلب هو وجيشه جيش المؤمنين الذي يريد أن يغلب آلهتهم ، هذا مقدار ما كان عليه أولئك المشركون مع تلك الأوثان ومع الله رب العالمين .\rفليعرف هذا حق المعرفة فإن كثيراً من الناس لا يفهمونه ويبنون عليه ما يبنون .\rألا ترى أن الله لما أمر المسلمين باستقبال الكعبة في صلاتهم توجهوا بعبادتهم إليها واتخذوها قبلة ؟ وليست العبادة لها وتقبيل الحجر الأسود إنما هو عبودية لله تعالى ، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، ولو أن أحداً من المسلمين نوى العبادة لهما لكان مشركاً كعبدة الأوثان .","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"فالواسطة لابد منها وهي ليست شركاً وليس كل من اتخذ بينه وبين الله\rواسطة يعتبر مشركاً وإلا لكان البشر كلهم مشركين بالله لأن أمورهم جميعاً تنبني على الواسطة ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - تلقى القرآن بواسطة جبريل ، فجبريل واسطة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو - صلى الله عليه وسلم - الواسطة العظمى للصحابة رضي الله تعالى عنهم ، فقد كانوا يفزعون إليه في الشدائد فيشكون إليه حالهم ويتوسلون به إلى الله ويطلبون منه الدعاء فما كان يقول لهم أشركتم وكفرتم فإنه لا يجوز الشكوى إليَّ ولا الطلب مني بل عليكم أن تذهبوا وتدعوا وتسألوا بأنفسكم فإن الله أقرب إليكم مني ، لا بل يقف ويسأل مع أنهم يعلمون كل العلم أن المعطي حقيقة هو الله وأن المانع والباسط والرازق هو الله ، وأنه - صلى الله عليه وسلم - يعطي بإذن الله وفضله ، وهو الذي يقول : ((إنما أنا قاسم والله معط)) ، وبذلك يظهر أنه يجوز وصف أي بشر عادي بأنه فرج الكربة وقضى الحاجة أي كان واسطة فيها فكيف بالسيد الكريم والنبي العظيم أشرف الكونين وسيد الثقلين وأفضل خلق الله على الإطلاق ؟ ألم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في الصحيح :\r((من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا)) الخ ؟\rفالمؤمن مفرج الكربات .\rألم يقل صلى الله عليه وسلم :\r((من قضى لأخيه حاجة كنت واقفاً عند ميزانه فإن رجح وإلا شفعت له))؟\rفالمؤمن قاض للحاجات .\rألم يقل في الصحيح :\r((من ستر مسلماً)) .. الحديث ؟\rألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم :\r((أن لله عز وجل خلقاً يفزع إليهم في الحوائج)) ؟.\rألم يقل في الصحيح :\r((والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه)) ؟.\rألم يقل في الحديث :\r((من أغاث ملهوفاً كتب الله له ثلاثاً وتسعين حسنة)) ؟ رواه أبو يعلى والبزار والبيهقي .","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"فالمؤمن هنا فرج وأعان وأغاث وقضى وستر وفزع إليه مع أن المفرج والقاضي والستار والمعين حقيقة هو الله عز وجل ، لكنه لما كان واسطة في ذلك صح نسبة الفعل إليه .\rوقد جاء في الأحاديث النبوية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث كثيرة تفيد أن الله سبحانه وتعالى يدفع العذاب عن أهل الأرض بالمستغفرين وعمار المساجد وأن الله سبحانه وتعالى يرزق بهم أهل الأرض وينصرهم ويصرف عنهم البلاء والغرق .\rروى الطبراني في الكبير والبيهقي في السنن عن مانع الديلمي رضي الله تعالى عنه أنه قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :\r((لولا عباد لله ركع وصبية رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صباً ثم رضّ رضا)) ..\rوروى البخاري عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)) ..\rوروى الترمذي وصححه والحاكم عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :\r((لعلك ترزق به)) ..\rوعن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :\r((إن لله عز وجل خلقاً خلقهم لحوائج الناس يفزع إليهم الناس في حوائجهم أولئك الآمنون من عذاب الله تعالى)) ..\rرواه الطبراني في الكبير وأبو نعيم والقضاعي وهو حسن .\rوعن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله ولا يزالون في حفظ الله عز وجل ما دام فيهم)) .\rوعن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه بلاء)) ..\rثم قرأ ابن عمر : { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ } رواه الطبراني . وعن ثوبان رفع الحديث قال :\r((لا يزال فيكم سبعة بهم تنصرون وبهم تمطرون وبهم ترزقون حتى يأتي أمر الله)) ..","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"وعن عبادة بن الصامت قال : قال - صلى الله عليه وسلم - :\r((الأبدال في أمتي ثلاثون ، بهم ترزقون وبهم تمطرون وبهم تنصرون)) . قال قتادة : إني لأرجو أن يكون الحسن منهم .. رواه الطبراني .\rذكر هذه الأحاديث الأربعة الحافظ ابن كثير في التفسير عند قوله تعالى : { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ } – في سورة البقرة – وهي صالحة للاحتجاج ، ومن مجموعها يصير الخبر صحيحاً .\rوعن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((لن تخلو الأرض من أربعين رجلاً مثل خليل الرحمن ، فبهم تسقون وبهم تنصرون ما مات منهم أحد إلا أبدل الله مكانه آخر)) .. رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن . (كذا في مجمع الزوائد ج10/62) .\rالواسطة العظمى :\rوفي يوم المحشر الأعظم الذي هو يوم التوحيد ويوم الإيمان يوم يبرز العرش ، يظهر فضل الواسطة العظمى صاحب اللواء المعقود والمقام المحمود والحوض المورود الشافع المشفع الذي لا ترد شفاعته ولا تضيع ضمانته عند من وعده بأن لا يخيب ظنه ولا يخزيه أبداً ولا يحزنه ولا يسوؤه في أمته حيث يتوجه الخلق إليه ويستشفعون به فيقوم فلا يرجع إلا بخلعة الإحسان وتاج الكرامة المتمثل في قول الله له : يا محمد إرفع رأسك واشفع تشفع وسل تعط .\r] ] ]\rثوب الزور\rالأدعياء والمتطفلون على بساط الحقيقة كثيرون ، والحقيقة بريئة منهم ولا تعترف لهم بصحة نسبتهم إليها .\rوكل يدعي وصلاً بليلى :: وليلى لا تقر لهم بذاكا\rهذا بالإضافة إلى أنهم يشوهون الصورة ويسيئون السمعة وهؤلاء الأدعياء يصدق عليهم الوصف النبوي الدقيق الذي يقول :\r((المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)) ..\rولقد بلينا معشر المسلمين بكثر من هؤلاء ، يعكرون صفو الأمة ويفرقون بين الجماعات ويورثون العداوة بين الأخ وأخيه والولد وأبيه .","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"ويدخلون إلى تصحيح مفاهيم الإسلام من باب العقوق ويسلكون في التمسك بآثار السلف سبيل الجحود ويستبدلون الحكمة والموعظة الحسنة والرأفة والرحمة بالغلظة والجفوة وسوء الأدب وقلة الذوق . إن من الأدعياء أولئك الذين ينسبون أنفسهم إلى التصوف وهم أبعد الناس عن حقيقته وجوهره فشوهوا صورته ودنسوا كرامته وأفسدوا سيرته وجروا إليه وإلى أئمته من السادة العارفين والأساتذة المربين الانتقاد اللاذع .\rإننا لا نعرف التصوف خرافات وأباطيل ودجلاً وشعوذة .\rإننا لا نعرف التصوف نظريات فلسفية أو أفكاراً أجنبية أو عقائد شركية حلولية أو اتحادية .\rإننا نبرأ إلى الله من هذا كله ونعتبر أن كل ما يخالف الكتاب والسنة ولا يقبل التأويل هو مكذوب دخيل وملصق بأيد آثمة ونفوس ضعيفة .\rإننا نعرف التصوف مدارس علمية ومعارف فكرية وهي كلها بمناهجها وبرامجها وطرقها تمثل الأفق الأعلى للفكرة الإسلامية والوجه الأكمل لآدابنا ومثالياتنا ، تمثل الكمال في الإيمان والكمال في كل شأن من شؤون الحياة ، تمثل الخلاصة الزكية لكل دعوة ربانية إنه الصدق والأمانة والوفاء والإيثار والنجدة والكرم ونصرة الضعيف وإغاثة الملهوف والتعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر\rوالتسابق إلى فعل الخير التي تمثل الخلق القويم الصحيح .\rوبهذه السيرة العاطرة والخلق الزكي ظهرت بطولات الصدر الأول ورجاله وأئمته وأبطاله فبرزت لنا الشخصية الإسلامية في أبهى حلة وأكمل صفة وأعلى وأطهر نموذج ، وروى لنا عنها التاريخ حديث المجد والفخر والسيادة والعزة والجهاد والنضال ودروس الحضارة الإسلامية .\rومن هنا ندرك بيقين أن النهضات الكبرى لا تنبني إلا على رسالات الروح وإلهامات الإيمان ، ولا تقوم إلا على الأخلاق الصاعدة القوية التي تستمد مثلها من العقائد المقدسة .","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"إن الصفات الخلقية والنفسية والروحية هي رأس مال الشعوب وهي المدخرات العظمى التي تصنع الأمم وتدفع بالركب البشري إلى غاياته العليا ، والناظر في سير السلف الصالحين والسادات العارفين من القوم يرى كيف أن هذه المثل والمبادئ كانت سبباً مباشراً لانتفاضات صريحة مشهودة مشهورة في التاريخ الإسلامي ، ولم يكن لهم من النفوذ والقوة إلا إيمان هو أعلى صور الإيمان ، إيمان حار متقد حي يرتكز على الشوق والمحبة ، إنه إيمان يطلق في قلوب أتباعه الشعلة المتوهجة المتطلعة دائماً إلى الله ، ويرى كيف أن الرجل منهم يعيش دائماً في مقام الإحسان يرى الله في كل شيء ، ويراقبه في كل حركة من حركاته ، بل يراقبه مع كل نفس من أنفاسه من غير حلول ولا اتحاد ولا إلحاد إنه إيمان يبعث اليقظة الشاملة في الحياة ، ويضفي عليها الإحساس العميق بالربانية السارية في الكون ، والتي تعيش في أعماقها وتعلم خواطر القلب وهمسات النجوى وخائنة العين وما تخفي الصدور .\rبين نعمت البدعة وبئست البدعة\rوإن من الأدعياء أولئك الذين ينسبون أنفسهم إلى السلف الصالح فقاموا يدعون إلى السلفية في همجية جهلاء وعصبية عمياء وبعقول عقيمة وأفهام سقيمة وصدور ضيقة تحارب كل جديد وتنكر كل مخترع مفيد بدعوى أنه بدعة وأن كل بدعة ضلالة دون التفريق بين أنواع البدعة مع أن روح الشريعة الإسلامية توجب علينا أن نميز بين أنواع البدعة وأن نقول : إن منها البدعة الحسنة ومنها البدعة السيئة ، وهذا ما يقتضيه العقل النير والنظر الثاقب .\rوهذا ما حققه علماء الأصول من سلف هذه الأمة رضي الله عنهم كالإمام العز ابن عبد السلام والنووي والسيوطي والمحلى وابن حجر .\rوالأحاديث النبوية يفسر بعضها بعضاً ويكمل بعضها بعضاً ، ولابد من النظر إليها نظرة واحدة متكاملة ، ولابد من تفسيرها بروح الشريعة ومفهومها المتفق عليه بين أهل النظر .","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"ولذا نجد كثيراً من الأحاديث الشريفة تحتاج في تفسيرها إلى عقل عاقل وفكر ثاقب وفهم لائق وقلب ذائق يستمد من بحر الشريعة الغراء ويراعي أحوال الأمة وحاجتها ويسايرها في حدود القواعد الشرعية والنصوص القرآنية النبوية التي لا يجوز الخروج عنها .\rومن أمثلة ذلك هذا الحديث : كل بدعة ضلالة – فلابد من القول : أن المراد بذلك البدعة السيئة التي لا تدخل تحت أصل شرعي .\rوهذا التقييد وارد في غير هذا الحديث كحديث :\r((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)) ..\rفهذا الحديث مع أنه يفيد الحصر في نفي صلاة جار المسجد إلا أن عمومات الأحاديث تفيد تقييده بأن لا صلاة كاملة .\rوكحديث :\r((لا صلاة بحضرة الطعام)) .. قالوا : أي صلاة كاملة .\rوكحديث :\r((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) ..\rقالوا : أي إيماناً كاملاً .\rوكحديث :\r((والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ، قيل : من يا رسول الله ؟ قال : من لم يأمن جاره بوائقه)) .\rوكحديث :\r((لا يدخل الجنة قتات)) .. ((ولا يدخل الجنة قاطع رحم)) ..\r((وعاق لوالديه)) ..\rفالعلماء قالوا : إنه لا يدخل دخولاً أولياً أو لا يدخل إذا كان مستحلاً لذلك الفعل .\rالحاصل أنهم لم يجروه على ظاهره وإنما أولوه بأنواع التأويل .\rوحديث البدعة هذا من هذا الباب فعمومات الأحاديث وأحوال الصحابة تفيد أن المقصود به البدعة السيئة التي لا تندرج تحت أصل كلي .\rوفي الحديث :\r((من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)) .\rوفي الحديث :\r((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)) ..\rويقول عمر في صلاة التراويح : نعمت البدعة هذه .\rهذا وبالله التوفيق ..\rتفريق ضروري بين البدعة الشرعية واللغوية","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"ينتقد بعضهم تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة ، وينكر على من يقول ذلك أشد الإنكار ، بل ومنهم من يرميه بالفسق والضلال ، وذلك لمخالفة صريح قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : [كل بدعة ضلالة] . وهذا اللفظ صريح في العموم وصريح في وصف البدعة بالضلالة ، ومن هنا تراه يقول : فهل يصح بعد قول المشرع صاحب الرسالة : أن كل بدعة ضلالة يأتي مجتهد أو فقيه مهما كانت رتبته فيقول : لا – لا – ليست كل بدعة ضلالة ، بل بعضها ضلالة وبعضها حسنة وبعضها سيئة ، وبهذا المدخل يغترّ كثير من الناس فيصيح مع الصائحين وينكر مع المنكرين ويكثّر سواد هؤلاء الذين لم يفهموا مقاصد الشريعة ، ولم يذوقوا روح الدّين الإسلامي .\rثم لا يلبث إلا يسيراً حتى يضطر إلى إيجاد مخرج يحل له المشاكل التي تصادمه ، ويفسر له الواقع الذي يعيشه ، إنه يضطر إلى اللجوء إلى اختراع وسيلة أخرى ، لولاها لما يستطيع أن يأكل ولا يشرب ولا يسكن ، بل ولا يلبس ولا يتنفس ولا يتزوج ولا يتعامل مع نفسه ولا أهله ولا إخوانه ولا مجتمعه ، هذه الوسيلة هي أن يقول باللفظ الصريح : إن البدعة تنقسم إلى بدعة دينية ودنيوية ، يا سبحان الله – لقد أجاز هذا المتلاعب لنفسه أن يخترع هذا التقسيم أو على الأقل أن يخترع هذه التسمية ولو سلّمنا أن هذا المعنى كان موجوداً منذ عهد النبوة لكن هذه التسمية : دينية ودنيوية لم تكن موجودة قطعاً في عهد التشريع النبوي فمن أين جاء هذا التقسيم ؟ ومن أين جاءت هذه التسمية المبتدعة ؟ .\rفمن قال : إن تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة لم يأت من الشارع نقول له : وكذا تقسيم البدعة إلى دينية غير مقبولة ، ودنيوية مقبولة هو عين الابتداع والاختراع .\rفالشارع بقول : (كل بدعة ضلالة)هكذا بالإطلاق ، وهذا يقول : لا – لا ليست كل بدعة ضلالة بالإطلاق ، بل إن البدعة تنقسم إلى قسمين : دينية وهي الضلالة ، ودنيوية وهي التي لا شيء فيها .","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"ولذا لابد أن نوضح هنا مسألة مهمة وبها ينجلي كثير من الإشكال ، ويزول اللبس إن شاء الله .\rوهو أن المتكلم هنا هو الشارع الحكيم ، فلسانه هو لسان الشرع ، فلابد من فهم كلامه على الميزان الشرعي الذي جاء به ، وإذا علمت أن البدعة في الأصل هي : كل ما أحدث واخترع على غير مثال فلا يغيب عن ذهنك أن الزيادة أو الاختراع المذموم هنا هو الزيادة في أمر الدين ليصير من أمر الدين ، والزيادة في الشريعة ليأخذ صبغة الشريعة ، فيصير شريعة متبعة منسوبة لصاحب الشريعة ، وهذا هو الذي حذر منه سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، فالحد الفاصل في الموضوع هو قوله : (في أمرنا هذا). ولذلك فإن تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة في مفهومنا ليس إلا للبدعة اللغوية التي هي مجرد الاختراع والإحداث ، ولا نشك جميعاً في أن البدعة بالمعنى الشرعي ليست إلا ضلالة وفتنة مذمومة مردودة مبغوضة ، ولو فهم أولئك المنكرون هذا المعنى لظهر لهم أن محل الاجتماع قريب وموطن النزاع بعيد .","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"وزيادة في التقريب بين الأفهام أرى أن منكري التقسيم إنما ينكرون تقسيم البدعة الشرعية بدليل تقسيمهم البدعة إلى دينية ودنيوية ، واعتبارهم ذلك ضرورة . وأن القائلين بالتقسيم إلى حسنة وسيئة يرون أن هذا إنما هو بالنسبة للبدعة اللغوية لأنهم يقولون : إن الزيادة في الدين والشريعة ضلالة وسيئة كبيرة ، ولا شك في ذلك عندهم فالخلاف شكلي ، غير أني أرى أن إخواننا المنكرين لتقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة ، والقائلين بتقسيمها إلى دينية ودنيوية لم يحالفهم الحظ في دقة التعبير ، وذلك لأنهم لما حكموا بأن البدعة الدينية ضلالة – وهذا حق – وحكموا بأن البدعة الدنيوية لا شيء فيها قد أساءوا الحكم لأنهم بهذا قد حكموا على كل بدعة دنيوية بالإباحة ، وفي هذا خطر عظيم ، وتقع به فتنة ومصيبة ، ولا بد حينئذ من تفصيل واجب وضروري للقضية ، وهو أن يقولوا : إن هذه البدعة الدنيوية منها ما هو خير ومنها ما هو شر كما هو الواقع المشاهد الذي لا ينكره إلا أعمى جاهل ، وهذه الزيادة لابد منها ، ويكفي في تحقيق هذا المعنى بدقة قول من قال : بأن البدعة تنقسم إلى حسنة وسيئة ، ومعلوم أن المراد بها اللغوية كما تقدم ، وهي التي عبر عنها المنكرون بالدنيوية ، وهذا القول في غاية الدقة والاحتياط ، وهو ينادي على كل جديد بالانضباط والانصياع لحكم الشرع وقواعد الدين ، ويلزم المسلمين أن يعرضوا كل ما جد لهم وأحدث من أمورهم الدنيوية العامة والخاصة على الشريعة الإسلامية ليرى حكم الإسلام فيها مهما كانت تلك البدعة ، وهذه لا يتحقق إلا بالتقسيم الرائع المعتبر عن أئمة الأصول ، فرضي الله عن أئمة الأصول وعن تحريرهم للألفاظ الصحيحة المجزئة المؤدية إلى المعاني السليمة دون نقص أو تحريف أو تأويل .\rدعوة أئمة التصوف إلى العمل بالشريعة","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"التصوف ذلك المظلوم المتهم ، قليل من ينصفه بل بلغت الجراءة والوقاحة ببعضهم إنه جعله من صفات الذم والقدح التي تسقط بها الشهادة وتزول بها العدالة فيقول : فلان ليس بثقة ولا يقبل خبره لماذا ؟ لأنه صوفي .\rوالعجيب الغريب أننا نرى بعض هؤلاء الذين يذمون التصوف ويحاربون أهله ويناصبونهم العداء ، نرى بعض هؤلاء المنكرين يفعل ما يفعل ، ويقول ما يقول عن التصوف ، ثم لا يستحي على وجهه حينما ينقل كلام هؤلاء الأئمة من الصوفية في خطبه وكلامه على منابر الجمعة وكراسي الدروس ، فيقول بكل بجاحة ووقاحة : قال الفضيل بن عياض ، وقال الجنيد ، وقال الحسن البصري ، وقال سهل التستري ، وقال المحاسبي ، وقال بشر الحافي .\rوهؤلاء هم أئمة التصوف وأقطابه وأركانه وقواعده وبنيانه ، وكتب التصوف مشحونة بأقوالهم وأخبارهم ومناقبهم وشمائلهم ، فلا أدري أهو جهل أم تجاهل ؟ وعمي أو تعامي ؟ .\rوقد أحببت أن أنقل كلام أئمة الدين الذين هم أركان التصوف ورجاله ، أردت أن أنقل كلامهم عن الشريعة الإسلامية لنعرف موقفهم الحقيقي ، لأن الواجب أن نعرف الشخص عن الشخص نفسه ، فالإنسان هو خير من يتحدث عن رأيه وأوثق من يظهر ما يضمر .\rقال الإمام الجنيد رضي الله عنه : الطرق كلها مسدودة عن الخلق إلا من اقتفى أثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتبع سنته ولزم طريقته ، لأن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه ، وعلى المقتفين أثره والمتابعين .\rوجاء أن أبا يزيد البسطامي قدس سره قال ذات يوم لأصحابه : قوموا بنا حتى ننظر إلى ذلك الذي قد شهر نفسه بالولاية ، قال : فمضينا ، فإذا بالرجل قد قصد المسجد فرمى بزاقه نحو القبلة فانصرف أبو يزيد ولم يسلم عليه .\rوقال : هذا ليس بمأمون على أدب من آداب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكيف يكون مأموناً على ما يدعيه من مقامات الأولياء والصديقين .","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"قال ذو النون المصري : مدار الكلام أربع : حب الجليل وبغض القليل واتباع التنزيل وخوف التحويل . من علامات المحب لله عز وجل متابعة حبيب الله - صلى الله عليه وسلم - في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه .\rقال السري السقطي : التصوف اسم لثلاثة معان : وهو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ، ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب والسنة ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله .\rقال أبو نصر بشر بن الحارث الحافي : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، فقال لي : يا بشر ! أتدري لم رفعك الله بين أقرانك ؟ قلت : لا يا رسول الله ، قال : باتباعك لسنتي وخدمتك للصالحين ، ونصيحتك لإخوانك ومحبتك لأصحابي وأهل بيتي – هذا هو الذي بلغك منازل الأبرار .\rقال أبو يزيد بن طيفور بن عيسى البسطامي : لقد هممت أن أسأل الله تعالى أن يكفيني مؤنة الأكل ، ومؤنة النساء ، ثم قلت : كيف يجوز لي أن أسأل الله هذا ، ولم يسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياه ، فلم أسأله ثم إن الله سبحانه وتعالى كفاني مؤنة النساء حتى لا أبالي استقبلتني امرأة أو حائط ، وقال أيضاً : لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء ، فلا تغتروا به ، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي ، وحفظ الحدود ، وأداء الشريعة .\rقال سليمان عبد الرحمن بن عطية الداراني : ربما وقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياماً ، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عادلين : الكتاب والسنة ، وقوله : منه أي من قلبي .\rقال أبو الحسن أحمد بن أبي الحوارى : من عمل عملاً بلا اتباع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فباطل .\rقال أبو حفص عمر بن سلمة الحداد : من لم يزن أفعاله في كل وقت بالكتاب والسنة ، ولم يتهم خواطره ، فلا تعده في ديوان الرجال .\rقال أبو القاسم الجنيد بن محمد : نم لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر ، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة .","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"وقال أيضاً : مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة ، علمنا هذا مشيد بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rقال أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيرى : ولما تغير على أبي عثمان الحال مزق ابنه أبو بكر قميصاً على نفسه ففتح أبو عثمان عينيه ، وقال : السنة يا بني في الظاهر علامة كمال في الباطن .\rوقال أيضاً : الصحبة مع الله بحسن الأدب ، ودوام الهيبة ، والصحبة مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - باتباع سنته ولزوم ظاهر العلم ، والصحبة مع أولياء الله تعالى بالاحترام والخدمة .\rوالصحبة مع الأهل بحسن الخلق – والصحبة مع الإخوان بدوام البشر ما لم يكن إثماً – والصحبة مع الجهال بالدعاء والرحمة .\rقال أيضاً : من أمَّر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة ، ومن أمَّر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة ، قال تعالى : { وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا } .\rقال أبو الحسن بن محمد النوري : من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حدِّ العلم الشرعي فلا تقربن منه .\rقال أبو الفوارس شاه بن شجاع الكرماني : من غض بصره عن المحارم ، وأمسك نفسه عن الشهوات ، وعمر باطنه بدوام المراقبة ، وظاهره باتباع السنة ، وعود نفسه أكل الحلال لم يخطئ له فراسته .\rقال أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الأدمى : من ألزم نفسه آداب الشريعة نوَّر الله قلبه بنور المعرفة ، وأعطى به مقام متابعة الحبيب - صلى الله عليه وسلم - في أوامره ، وأفعاله ، وأخلاقه .\rوقال أيضاً : كل ما سئلت عنه فاطلبه في مفزة العلم ، فإن لم تجده ، ففي ميدان الحكمة ، فإن لم تجده فزنه بالتوحيد ، فإن لم تجده في هذه المواضع الثلاثة فاضرب به وجه الشيطان .\rقال أبو حمزة البغدادي البزاز : من علم طريق الحق تعالى سهل عليه سلوكه ، ولا دليل على الطريق إلى الله تعالى إلا متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، في أحواله ، وأفعاله ، وأقواله .","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"قال أبو إسحاق إبراهيم بن داود الرقي : علامة محبة الله : إيثار طاعته ومتابعة نبيه - صلى الله عليه وسلم - .\rقال ممشاد الدينوري : أدب المريد في التزام حرمات المشايخ ، وخدمة الإخوان ، والخروج عن الأسباب وحفظ آداب الشرع على نفسه .\rقال أبو محمد عبد الله بن منازل : لم يضيِّع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلاه الله تعالى بتضييع السنن ، ولم يبتَل أحد بتضييع السنن إلا أوشك أن يبتلى بالبدع .\r] ] ]\rــــــــــــــــ\r(1) هذا وقد ألف العلامة الفاضل الشيخ عبد الحفيظ المكي رسالة قيمة وهي (موقف أئمة الحركة السلفية من التصوف والصوفية) ، جمع فيها أقوال وآراء الإمام أحمد بن حنبل ، والشيخ ابن تيمية ، وابن القيم ، والذهبي وابن كثير ، وابن رجب ومحمد بن عبد الوهاب ، وموقفهم المؤيّد للتصوف ، ومدحهم وثناءهم على مشايخ السادة الصوفية .\rحقيقة الأشاعرة:\rيجهل كثير من أبناء المسلمين مذهب الأشاعرة ، ولا يعرفون من هم الأشاعرة ولا طريقتهم في أمر العقيدة .. ولا يتورع البعض أن ينسبهم إلى الضلال أو يرميهم بالمروق من الدين والإلحاد في صفات الله .\rوهذا الجهل بمذهب الأشاعرة سبب تمزق وحدة [أهل السنة] وشتت شملهم حتى غدا البعض يسلك [الأشاعرة] ضمن طوائف أهل الضلال ، ولست أدري كيف يقرن بين أهل الإيمان وأهل الضلال ؟ وكيف يساوى بين أهل السنة وبين غلاة المعتزلة وهم الجهمية ؟ .\r{ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } ؟ ..\rالأشاعرة : هم أئمة أعلام الهدى من علماء المسلمين .. الذين ملأ علمهم مشارق الأرض ومغاربها وأطبق الناس على فضلهم وعلمهم ودينهم هم جهابذة علماء أهل السنة وأعلام علمائها الأفاضل الذين وقفوا في طغيان المعتزلة .\rهم الذين قال عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية : [والعلماء أنصار علوم الدين والأشاعرة أنصار أصول الدين] الفتاوى الجزء الرابع .","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"إنهم طوائف المحدثين والفقهاء والمفسرين من الأئمة الأعلام شيخ الإسلام [أحمد بن حجر العسقلاني] شيخ المحدثين بلا مراء صاحب كتاب [فتح الباري على شرح البخاري] أشعري المذهب وكتابه لا يستغني عنه أحد من العلماء .\rوشيخ علماء أهل السنة [الإمام النووي] صاحب شرح صحيح مسلم وصاحب المصنفات الشهيرة أشعري المذهب .\rوشيخ المفسرين الإمام القرطبي صاحب تفسير [الجامع لأحكام القرآن] أشعري المذهب .\rوشيخ الإسلام [ابن حجر الهيتمي] صاحب كتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر) أشعري المذهب .\rوشيخ الفقه والحديث الإمام الحجة الثبت [ زكريا الأنصاري ] أشعري المذهب .\rوالإمام [أبو بكر الباقلاني] والإمام العسقلاني والإمام النسفي والإمام الشربيني ، وأبو حيان النحوي صاحب تفسير [البحر المحيط] ، والإمام ابن جزي صاحب (التسهيل في علوم التنزيل) الخ … كل هؤلاء من أئمة الأشاعرة .\rولو أردنا أن نعدد هؤلاء الأعلام من المحدثين والمفسرين والفقهاء ، من أئمة الأشاعرة لضاق بنا الحال واحتجنا إلى مجلدات في سرد أولئك العلماء الأفاضل الذين ملأ علمهم مشارق الأرض ومغاربها .. إن من الواجب أن نرد الجميل لأصحابه وأن نعرف الفضل لأهل العلم والفضل الذين خدموا شريعة سيد المرسلين من العلماء الأعلام .\rوأي خير يرجى فينا إن رمينا علماءنا الأعلام وأسلافنا الصالحين بالزيغ والضلال ؟ .\rوكيف يفتح الله علينا لنستفيد من علومهم إذا كنا نعتقد فيها الانحراف والزيغ عن طريق الإسلام .\rإنني أقول : هل يوجد بين علماء العصر من [ الدكاترة ] والعباقرة من يقوم بما قام به شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني والإمام النووي ، من خدمة السنة النبوية المطهرة كما فعل هذان الإمامان الجليلان تغمدهما الله بالرحمة والرضوان ؟ فكيف نرميهما – وسائر الأشاعرة –بالضلالة ونحن بحاجة إلى علوم هؤلاء .","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"وكيف نأخذ العلوم عنهم إذا كانوا على ضلال ، وقد قال الإمام الزهري رحمه الله : [ إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ] .\rأفما كان يكفي أن يقول المعارض : إنهم رحمهم الله اجتهدوا فأخطأوا في تأويل الصفات ، وكان الأولى أن لا يسلكوا هذا المسلك ، بدل أن نرميهم بالزيغ والضلال ، ونغضب على من عدهم من أهل السنة والجماعة .\rوإذا لم يكن الإمام النووي والعسقلاني والقرطبي والباقلاني والفخر الرازي والهيتمي وزكريا الأنصاري وغيرهم من جهابذة العلماء ، وفطاحل النبغاء إذا لم يكونوا من أهل السنة والجماعة فمن هم أهل السنة إذن ؟ .\rإنني أدعو مخلصاً كل الدعاة وكل العاملين في حقل الدعوة الإسلامية أن يتقوا الله في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وبخاصة في أجلة علمائها وأخيار فقهائها ، فأمة محمد بخير إلى قيام الساعة ولا خير فينا إذا لم نعرف لعلمائنا قدرهم وفضلهم([4]) .\r] ] ]\rحقائق تموت بالبحث\rيجري البحث بين العلماء في حقائق كثيرة من مسائل العقيدة مما لم يكلفنا به الله تعالى ، وأنا أرى ذلك البحث يذهب بَهاءَ تلك الحقائق وجلالها ، وذلك مثلاً كاختلاف العلماء في رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لله سبحانه وتعالى كيف كانت ، والخلاف الطويل العريض الدائر بينهم في ذلك الباب ، فمن قائل رآه بقلبه ومن قائل رآه بعينه ، وكل يورد دليله ويستنصر له بما لا طائل تحته ، والذي أراه أن كل ذلك عبث لا فائدة فيه ، بل ضرره أكبر من نفعه خصوصاً إذا سمع هذا العوام فإنه يُدخل التشكيك في قلوبهم لا محالة ، ولو أننا ألغينا البحث عن هذا واكتفينا بإيراد هذه الحقيقة كما جاءت لبقيت مكرمة معظمة في النفوس بأن نقول إنه - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه ونقتصر على هذه الحقيقة ونترك الباقي له هو .\rوكلم الله موسى تكليما :","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"ومن ذلك أيضاً ما يجري بين العلماء من البحث في حقيقة كلام الله تعالى والخلاف الكبير الدائر في هذا الباب ، فمن قائل إن كلامه سبحانه وتعالى كلام نفسي ، ومن قائل إن كلامه سبحانه وتعالى بحرف وصوت ، وأنا أعتقد أن كلا الطرفين يطلب حقيقة التنزيه لله سبحانه وتعالى ويبعد عن الشرك بكل أنواعه.\rومسألة الكلام حقيقة ثابتة لا مجال لإنكارها إذ هو ينافي الكمال الإلهي هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أن صفاته سبحانه وتعالى الواردة في القرآن يجب الإيمان بها وإثباتها لأنه لا يعرف الله إلا الله .\rوالذي أراه وأدعو إليه هو إثبات هذه الحقيقة دون الغوص في كيفيتها وشكلها ، فنثبت لله سبحانه وتعالى الكلام ونقول هذا كلام الله ونقول إنه سبحانه وتعالى متكلم ، ونصرف النظر عما بعد ذلك من الباطل من كونه كلاماً نفسياً وغير نفسي بحرف وصوت أو بلا حرف ولا صوت ، وكل هذا تنطع لم يتكلم فيه الذي جاء بالتوحيد وهو المصطفى صلى الله عليه وسلم،\rفلم الزيادة على ما جاء به ؟ أليس هذا من أقبح البدع ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.\rهو صلى الله عليه وسلم يحدثنا عنه يوم نجتمع به عند الله سبحانه وتعالى. نحن ندعو إلى أن يكون حديثنا دائماً عن هذه الحقيقة وأمثالها مجرداً عن الغوص في كيفياتها وصورها وأشكالها .\rإني أراكم من خلفي :\rومن ذلك أيضاً ما يجري بين العلماء من البحث في حقيقة قوله - صلى الله عليه وسلم - :[ إني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي ] . فمن قائل : إن الله تعالى يجعل لنبيه - صلى الله عليه وسلم - عينين من الخلف ، ومن قائل : إن الله سبحانه وتعالى يجعل لعينيه الأماميتين قوة نفاذة ترى بها ما خلفهما ، ومن قائل : إن الله سبحانه وتعالى يعكس له - صلى الله عليه وسلم - ما خلفه حتى تكون صورته أمامه بين عينيه ، وكل هذا تنطع يخرج هذه الحقيقة عن جمالها ورونقها ، ويضعف هيبتها وجلالها في القلوب .","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"أما كونه - صلى الله عليه وسلم - يرى من خلفه كما يرى من أمامه فهي حقيقة ثابتة أخبر بها بنفسه فيما صح عنه فلا مجال لإنكارها ، ولكن الذي ندعو إليه ونراه هو أن نثبت هذه الحقيقة هكذا مجردة كما وردت دون الدخول في كيفيتها وشكلها يجب علينا أن نعتقد إمكان ذلك وثمرته بأن نشهد بخارق من الخوارق التي تضمحل عندها الأسباب وتتلاشى لتظهر قدرة الواحد القهار ومنقبة النبي المختار - صلى الله عليه وسلم - .\rجبريل يتمثل رجلاً :\rومن ذلك أيضاً اختلاف العلماء في كيفية تشكل جبريل عليه السلام إذا جاء بالوحي على صورة رجل مع هول خلقه .\rفمن قائل : إن الله يفني الزائد من خلقه ، ومن قائل : إنه ينضم بعضه إلى بعض حتى يصير صغيراً ، والذي أراه أن كل ذلك عبث ، وأن البحث فيه تعب لا فائدة منه فنحن نعتقد أن الله سبحانه وتعالى قادر على ذلك ، وأن هذا واقع ومشاهد ، فقد رآه كثير من الصحابة على تلك الصورة ونحن لا يهمنا معرفة الطريقة التي يتم بها تمثل الملك بصورة رجل ، وندعو إخواننا من طلاب العلم إلى إيراد هذه الحقيقة دون التعرض لما وراءها من خلافات لتبقى جليلة عظيمة في النفوس .\rمفهوم التوسل\rيخطئ كثير من الناس في فهم حقيقة التوسل ، ولذا فإننا سنبين مفهوم التوسل الصحيح في نظرنا وقبل ذلك لابد أن نبين هذه الحقائق :\rأولاً :\rأن التوسل هو أحد طرق الدعاء وباب من أبواب التوجه إلى الله سبحانه وتعالى ، فالمقصود الأصلي الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى ، والمتوسَّل به إنما هو واسطة ووسيلة للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى ومن اعتقد غير ذلك فقد أشرك .\rثانياً :\rأن المتوسل ما توسل بهذه الواسطة إلا لمحبته لها واعتقاده أن الله سبحانه وتعالى يحبها ، ولو ظهر خلاف ذلك لكان أبعد الناس عنها وأشد الناس كراهة لها .\rثالثاً :\rأن المتوسل لو اعتقد أن من توسل به إلى الله ينفع ويضر بنفسه مثل الله أو دونه فقد أشرك .\rرابعاً :","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"أن التوسل ليس أمراً لازماً أو ضرورياً وليست الإجابة متوقفة عليه بل الأصل دعاء الله تعالى مطلقاً ، كما قال تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } . وكما قال تعالى : { قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى } .\r] ] ]\rالمتفق عليه من التوسل\rلم يختلف أحد من المسلمين في مشروعية التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالأعمال الصالحة ، فمن صام أو صلى أو قرأ القرآن أو تصدق فإنه يتوسل بصيامه وصلاته وقراءته وصدقته بل هو أرجى في القبول وأعظم في نيل المطلوب لا يختلف في ذلك اثنان ، والدليل على هذا حديث الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار فتوسل أحدهم إلى الله ببره لوالديه ، وتوسل الثاني بابتعاده عن الفاحشة بعد تمكنه من أسبابها ، وتوسل الثالث بأمانته وحفظه لمال غيره وأدائه له كاملاً ، وفرج الله عنهم ما هم فيه ، وهذا النوع من التوسل قد فصله وبين أدلته وحقق مسائله الشيخ ابن تيمية رحمه الله في كتبه وخصوصاً في رسالته ( قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ) .\rمحل الخلاف :\rومحل الخلاف في مسألة التوسل هو التوسل بغير عمل المتوسل ، كالتوسل بالذوات والأشخاص بأن يقول : اللهم إني أتوسل إليك بنبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - أو أتوسل إليك بأبي بكر الصديق أو بعمر بن الخطاب أو بعثمان أو بعلي رضي الله عنهم ، فهذا هو الممنوع عند بعضهم .\rونحن نرى أن الخلاف شكلي وليس بجوهري ، لأن التوسل بالذات يرجع في الحقيقة إلى توسل الإنسان بعمله وهو المتفق على جوازه ، ولو نظر المانع المتعنت في المسألة بعين البصيرة لانجلى له الأمر وانحل الإشكال وزالت الفتنة التي وقع بسببها من وقع فحكم على المسلمين بالشرك والضلال .\rوسأبين كيف أن المتوسل بغيره هو في الحقيقة متوسل بعمله المنسوب إليه والذي هو من كسبه .","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"فأقول : إعلم أن من توسل بشخص ما فهو لأنه يحبه إذ يعتقد صلاحه وولايته وفضله تحسيناً للظن به ، أو لأنه يعتقد أن هذا الشخص محب لله سبحانه وتعالى يجاهد في سبيله ، أو لأنه يعتقد أن الله تعالى يحبه كما قال تعالى : { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } ، أو لاعتقاد هذه الأمور كلها في الشخص المتوسل به .\rوإذا تدبرت الأمر وجدت أن هذه المحبة وذلك الاعتقاد من عمل المتوسل لأنه اعتقاده الذي انعقد عليه قلبه فهو منسوب إليه ومسئول عنه ومثاب عليه،\rوكأنه يقول : يا رب إني أحب فلاناً وأعتقد أنه يحبك وهو مخلص لك ويجاهد في سبيلك ، وأعتقد أنك تحبه وأنت راض عنه فأتوسل إليك بمحبتي له وباعتقادي فيه أن تفعل كذا وكذا ، ولكن أكثر المتوسلين يتسامحون في التصريح بهذا الأمر مكتفين بعلم من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .\rفمن قال : اللهم إني أتوسل إليك بنبيك . هو ومن قال : اللهم إني أتوسل إليك بمحبتي لنبيك – سواء ، لأن الأول ما أقدم على هذا إلا لمحبته وإيمانه بنبيه ، ولولا المحبة له والإيمان به ما توسل به ، وهكذا يقال في حق غيره من أولياء الأمة .\rوبهذا ظهر أن الخلاف في الحقيقة شكلي ولا يقتضي هذا التفرق والعداء بالحكم بالكفر على المتوسلين وإخراجهم عن دائرة الإسلام { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } .\r] ] ]\rأدلة ما عليه المسلمون من التوسل\rقال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } . والوسيلة : كل ما جعله الله سبباً في الزلفى عنده ووصلة إلى قضاء الحوائج منه والمدار فيها على أن يكون للوسيلة قدر وحرمة عند المتوسل إليه .\rولفظ الوسيلة عام في الآية كما ترى فهو شامل للتوسل بالذوات الفاضلة من الأنبياء والصالحين في الحياة وبعد الممات وبالإتيان بالأعمال الصالحة على الوجه المأمور به وللتوسل بها بعد وقوعها .","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"وفيما ستسمع من الأحاديث والآثار ما يجلي لك هذا العموم واضحاً ، فألق السمع وأنت شهيد لترى أنه قد ثبت التوسل به - صلى الله عليه وسلم - قبل وجوده وبعد وجوده في الدنيا وبعد موته في مدة البرزخ وبعد البعث في عرصات القيامة .\r] ] ]\rالتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل وجوده\rتوسل آدم به :\rوقد جاء في الحديث أن آدم توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، قال الحاكم في المستدرك : حدثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بم منصور العدل حدثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي حدثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري حدثنا إسماعيل بن مسلمة أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر – رضي الله عنه – قال :\r((قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لما اقترف آدم الخطيئة قال : يارب ! أسألك بحق محمد لما غفرت لي ، فقال الله: ياآدم ! وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه ؟ قال : يارب ! لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك ، فقال الله : صدقت يا آدم ، إنه لأحب الخلق إليَّ ، أدعني بحقه فقد غفرت لك ، ولولا محمد ما خلقتك)) .\rأخرجه الحاكم في المستدرك وصححه [ج2 ص615]([5]) ، ورواه الحافظ السيوطي في الخصائص النبوية وصححه (2) ، ورواه البيهقي في دلائل النبوة وهو لا يروي الموضوعات ، كما صرح بذلك في مقدمة كتابه (3) ، وصححه أيضاً القسطلاني والزرقاني في المواهب اللدنية [ج1 ص62](4) ، والسبكي في شفاء السقام ، قال الحافظ الهيثمي : رواه الطبراني في الأوسط وفيه من لم أعرفهم (مجمع الزوائد ج8 ص253) .","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"وجاء من طريق آخر عن ابن عباس بلفظ : فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار . رواه الحاكم في المستدرك ( ج2 ص615 ) وقال : صحيح الإسناد ، وصححه شيخ الإسلام البلقيني في فتاويه ، ورواه أيضاً الشيخ ابن الجوزي في الوفا في أول كتابه ونقله ابن كثير في البداية ( ج1 ص180 ) .\rوقد خالف في ذلك بعض العلماء فتكلم في درجة الحديث ورده وحكم بوضعه كالذهبي وغيره ، وبعضهم حكم بضعفه ، وبعضهم حكم بنكارته – وبهذا يظهر أنه لم تتفق كلمتهم على حكم واحد ، وعليه فالمسألة يدور البحث فيها بين الإثبات والنفي والرد والقبول والتوقف بناء على اختلافهم في درجة الحديث(5)[6] وهذا من ناحية السند وثبوت الحديث ، أما من ناحية المعنى فلنترك المجال لشيخ الإسلام ابن تيمية ليحدثنا عنه .\rشواهد لحديث توسل آدم\rروى ابن تيمية حديثين في هذا الموضوع وأوردهما مستشهداً بهما ، فقال : روى أبو الفرج ابن الجوزي بسنده إلى ميسرة قال : قلت : يا رسول الله ! متى كنتَ نبياً ؟ قال :\r((لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ، وخلق العرش كتب على ساق العرش محمد رسول الله خاتم الأنبياء ، وخلق الله الجنة التي أسكنها آدم وحواء فكتب اسمي على الأبواب والأوراق والقباب والخيام ، وآدم بين الروح والجسد ، فلما أحياه الله تعالى نظر إلى العرش فرأى اسمي فأخبره الله إنه سيد ولدك ، فلما غرهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه)) .\rوروى أبو نعيم الحافظ في كتاب دلائل النبوة ومن طريق الشيخ أبي الفرج حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا أحمد بن رشيد حدثنا أحمد بن سعيد الفهري حدثنا عبد الله بن إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"((لما أصاب آدم الخطيئة رفع رأسه فقال : يارب ! بحق محمد إلا غفرت لي ، فأوحى إليه : وما محمد ومن محمد ؟ فقال : يا رب ! إنك لما أتممت خلقي رفعت رأسي إلى عرشك فإذا عليه مكتوب : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فعلمت أنه أكرم خلقك عليك إذ قرنت اسمه مع اسمك ، فقال : نعم ، قد غفرت لك ، وهو آخر الأنبياء من ذريتك ، ولولاه ما خلقتك)) ..\rفهذا الحديث يؤيد الذي قبله ، وهما كالتفسير للأحاديث الصحيحة [ اهـ من الفتاوى ج2 ص150 ] .\rقلت : فهذا يدل على أن الحديث عند ابن تيمية صالح للاستشهاد والاعتبار لأن الموضوع أو الباطل لا يستشهد به عند المحدثين ، وأنت ترى أن الشيخ استشهد به هنا على التفسير(6).\rتصحيح ابن تيمية لمعنى هذه الخصوصية\rتكلم الشيخ ابن تيمية عن هذه المسألة كلاماً جيداً نفيساً يدل على عقل وبصيرة واتزان كبير ، فهو وإن كان قد نفى وجود حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى [ وهذا حسب علمه في ذلك الوقت ] إلا أنه رجع فأيد المعنى وفسره تفسيراً معقولاً وأثبت فيه صحة القول وهو بهذا يرد رداً واضحاً على من زعم أن ذلك شرك أو كفر وعلى من زعم أن المعنى فاسد وباطل وعلى من زعم أن فيه قدحاً في مقام التوحيد والتنزيه ، وما هو إلا الهوى والعمى وسوء الفهم وضيق العقل فالله ينور بصائرنا ويرشدنا إلى الحق والصواب وهو الهادي إلى سواء السبيل .\rقال الشيخ الإمام ابن تيمية في الفتاوى (ج11 ص96) :","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"ومحمد سيد ولد آدم وأفضل الخلق وأكرمهم عليه ومن هنا قال من قال : إن الله خلق من أجله العالم أو أنه لولاه لما خلق عرشاً ولا كرسياً ولا سماء ولا أرضاً ولا شمساً ولا قمراً ، لكن ليس هذا حديثاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا صحيحاً ولا ضعيفاً ، ولم ينقله أحد من أهل العلم بالحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بل ولا يعرف عن الصحابة بل هو كلام لا يدرى قائله ، ويمكن أن يفسر بوجه صحيح كقوله تعالى { سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } ، وقوله تعالى : { وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا } ، وأمثال ذلك من الآيات التي يبين فيها أنه خلق المخلوقات لبني آدم ، ومعلوم أن لله فيها حكماً عظيمة غير ذلك وأعظم من ذلك ، ولكن يبين لبني آدم ما فيها من المنفعة وما أسبغ عليهم من النعمة\rفإذا قيل : فعل كذا لكذا لم يقتض أن لا يكون فيه حكمة أخرى ، وكذلك قول القائل : لولا كذا ما خلق كذا لا يقتضي ألا يكون فيه حكم أخرى عظيمة ، بل يقتضي إذا كان أفضل صالحي بني آدم محمد ، وكانت خلقته غاية مطلوبة وحكمة بالغة مقصودة [ أعظم ] من غيره صار تمام الخلق ونهاية الكمال حصل بمحمد صلى الله عليه وسلم . ( اهـ من الفتاوى ) .\rتحليل مهم لرأي ابن تيمية غاب عن عقول أتباعه\rفانظر هداك الله إلى كلام الشيخ ابن تيمية وبعد نظره ، وسعة فهمه في تفسير هذه الخصوصية التي انتشرت واشتهرت ، وجاء فيها حديث توسل آدم الذي رواه الحاكم ، والذي صححه من صححه ، وحسنه من حسنه ، وقبله من قبله ممن تقدم ذكرهم من أئمة الحديث .","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"وها هو الشيخ ابن تيمية هنا يقول : إن هذا الكلام له وجه صحيح فأين هذا القول من قول من أقعد الدنيا وأقامها ، وأخرج القائلين بذلك عن دائرة الإسلام ، ووصفهم بالضلال والشرك ، أو بالبدعة والتخريف ، ثم يدعي زوراً وبهتاناً أنه سلفي تيمي ، وهو بعيد كل البعد عن ابن تيمية ، وعن السلفية ، وليس هذا الصنيع منه في هذه المسألة فقط ، بل الملاحظ أنه مع ابن تيمية في كل مسألة إلا فيما فيه تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو تأييد كرامته وعظمته ومكانته ، فإنه يتوقف فيها ويفكر وينظر ، وهنا فقط تظهر عنده حماية مقام التوحيد أو حمية التوحيد ، سبحانك هذا بهتان عظيم .\rالشاهد الثالث لحديث توسل آدم :","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"الشاهد الثالث لحديث توسل آدم هو ما أخرجه ابن المنذر في تفسيره عن محمد بن علي بن حسين بن علي عليهم السلام قال : لما أصاب آدم الخطيئة عظم كربه واشتد ندمه فجاءه جبريل عليه السلام فقال : ((يا آدم ! هل أدلك على باب توبتك الذي يتوب الله عليك منه ؟ قال : بلى يا جبريل ، قال : قم في مقامك الذي تناجي فيه ربك فمجده وامدح ، فليس شيء أحب إلى الله من المدح ، قال : فأقول ماذا يا جبريل ؟ قال : فقل : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير ، ثم تبوء بخطيئتك فتقول : سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت رب إني ظلمت نفسي وعملت السوء فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، اللهم إني أسألك بجاه محمد عبدك وكرامته عليك أن تغفر لي خطيئتي)). قال : ففعل آدم ، فقال الله : يا آدم ! من علّمك هذا ؟ فقال : يا رب ! إنك لما نفخت فيَّ الروح فقمت بشراً سوياً أسمع وأبصر وأعقل وأنظر رأيت على ساق عرشك مكتوباً بسم الله الرحمن الرحيم ، لا إله إلا وحده لا شريك له محمد رسول الله ، فلما لم أر على أثر اسمك اسم ملك مقرب ، ولا نبي مرسل غير اسمه علمت أنه أكرم خلقك عليك ، قال : صدقت ، وقد تبت عليك وغفرت لك . (كذا في الدر المنثور للسيوطي ج1 ص146) .\rومحمد بن علي بن الحسين هو أبو جعفر الباقر من ثقات التابعين وساداتهم خرّج له الستة ، روى عن جابر وأبي سعيد وابن عمر وغيرهم .\rالشاهد الرابع لحديث توسل آدم :","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"الشاهد الرابع ما رواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة قال : حدثنا هارون بن يوسف التاجر قال : حدثنا أبو مروان العثماني قال : حدثني أبو عثمان بن خالد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أنه قال : من الكلمات التي تاب الله بها على آدم قال : اللهم إني أسألك بحق محمد عليك ، قال الله تعالى : وما يدريك ما محمد ؟ قال : يارب ! رفعت رأسي فرأيت مكتوباً على عرشك لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فعلمت أنه أكرم خلقك .\rفانضمام هذا الأثر إلى حديث عبد الرحمن بن زيد يفيده قوة كما لا يخفى .\rالجنة حرام على الأنبياء حتى يدخلها محمد - صلى الله عليه وسلم -\rومن أمثال هذا التفضل الإلهي على حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ما جاء في الحديث من كون الجنة حراماً على الأنبياء حتى يدخلها نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :\r((الجنة حرمت على الأنبياء وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي)) .. ( رواه الطبراني في الأوسط ، وقال الهيثمي : إسناده حسن ) .. [مجمع الزوائد ج10 ص69].\rارتباط الكون باسمه صلى الله عليه وسلم","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"ومن أمثال هذا التفضل الإلهي ما جاء في الآثار من انتشار اسمه محمد في الملأ الأعلى ، قال كعب الأحبار : إن الله أنزل على آدم عصياً بعدد الأنبياء والمرسلين ، ثم أقبل على ابنه شيث فقال : ابني أنت خليفتي من بعدي فخذها بعمارة التقوى والعروة الوثقى ، وكلما ذكرت الله فاذكر إلى جنبه اسم محمد فإني رأيت اسمه مكتوباً على ساق العرش وأنا بين الروح والطين ، ثم إني طفت السماوات فلم أر في السماوات موضعاً إلا رأيت اسم محمد مكتوباً عليه ، وإن ربي أسكنني الجنة فلم أر في الجنة قصراً ولا غرفة إلا اسم محمد مكتوباً عليه ، ولقد رأيت اسم محمد مكتوباً على نحور الحور العين وعلى ورق قصب آجام الجنة وعلى ورق شجرة طوبى ، وعلى ورق سدرة المنتهى ، وعلى أطراف الحجب وبين أعين الملائكة ، فأكثروا ذكره فإن الملائكة تذكره في كل ساعاتها . اهـ (المواهب اللدنية ج1 ص186) .\rقال الزرقاني في شرحه : رواه ابن عساكر .\rقلت : وقد ذكر نحو هذا الخبر الشيخ ابن تيمية ، فقال : وقد روى أن الله كتب اسمه على العرش وعلى ما في الجنة من الأبواب والقباب والأوراق ، وروى في ذلك عدة آثار توافق هذه الأحاديث الثابتة التي تبين التنويه باسمه وإعلاء ذكره حينئذ .\rوفي رواية لابن الجوزي عن ميسرة قال : قلت : يا رسول الله ! متى كنت نبياً ؟\rقال :\r((لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ، وخلق العرش كتب على ساق العرش محمد رسول الله خاتم الأنبياء ، وخلق الله الجنة التي أسكنها آدم وحواء فكتب اسمي على الأبواب والأوراق والقباب والخيام ، وآدم بين الروح والجسد ، فلما أحياه الله تعالى نظر إلى العرش فرأى اسمي فأخبره الله إنه سيد ولدك ، فلما غرهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه)) .\rاهـ (الفتاوى ج2 ص150 ) .\rفوائد مهمة من حديث توسل آدم :","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"وفي الحديث التوسل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يتشرف العالم بوجوده فيه وأن المدار في صحة التوسل على أن يكون للمتوسل به القدر الرفيع عند ربه عز وجل وأنه لا يشترط كونه حياً في دار الدنيا .\rومنه يعلم أن القول بأن التوسل لا يصح بأحد إلا وقت حياته في دار الدنيا قول من اتبع هواه بغير هدى من الله .\rحاصل البحث في درجة الحديث :\rوالحاصل أن هذا الحديث صححه بشواهده(7)[7]ونقله جماعة من فحول العلماء وأئمة الحديث وحفاظه الذين لهم مقامهم المعروف ومكانتهم العالية وهم الأمناء على السنة النبوية فمنهم الحاكم والسيوطي والسبكي والبلقيني .\rونقله البيهقي في كتابه الذي شرط فيه أن لا يخرج الموضوعات ، والذي قال فيه الذهبي : عليك به فإنه كله هدى ونور . [كذا في شرح المواهب وغيره] .\rوذكره ابن كثير في البداية واستشهد به ابن تيمية في الفتاوى ، وكون العلماء اختلفوا فيه فرده بعضهم وقبله البعض ليس بغريب لأن كثيراً من الأحاديث النبوية جرى فيها الخلاف بأكثر من هذا وانتقدها النقاد بأعظم من هذا .\rوبسبب ذلك ظهرت هذه المؤلفات العظيمة ، وفيها الاستدلالات والتعقبات والمراجعات والمؤاخذات ، ولم يصل ذلك إلى الرمي بالشرك والكفر والضلال والخروج عن دائرة الإيمان لأجل الاختلافات في درجة حديث من الأحاديث ، وهذا الحديث من جملة تلك الأحاديث(8) .\rتوسل اليهود به - صلى الله عليه وسلم -\rقال تعالى : { وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ } .","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"قال القرطبي قوله تعالى : ولما جاءهم – يعني اليهود – كتاب – يعني القرآن – من عند الله مصدق – نعت لكتاب ويجوز في غير القرآن نصبه على الحال وكذلك هو في مصحف أبي بالنصب فيما روى – لما معهم – يعني التوراة والإنجيل يخبرهم بما فيها – وكانوا من قبل يستفتحون – أي يستنصرون ، والاستفتاح : الاستنصار استفتحت استنصرت ، وفي الحديث كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفتح بصعاليك المهاجرين أي يستنصر بدعائهم وصلاتهم . ومنه :\rفعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ، والنصر فتح شيء مغلق فهو يرجع إلى قولهم : فتحت الباب .\rوروى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :\r((إنما نصر الله هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم)) ..\rوروى النسائي أيضاً عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول :\r((أبغوني الضعيف فإنكم إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم)) ..\rقال ابن عباس : كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت يهود فدعت يهود بهذا الدعاء ، وقالوا : إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان أن تنصرنا عليهم ، قال : فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان ، فلما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - كفروا ، فأنزل الله تعالى : { وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ } أي بك يا محمد إلى قوله : { فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ } . تفسير القرطبي (ج2 ص26 و27)(9) .\r] ] ]\rالتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته وبعد وفاته\rعن عثمان بن حنيف رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاءه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره ، فقال : يا رسول الله ! ليس لي قائد وقد شق عليَّ ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"((ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قال اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - نبي الرحمة يامحمد إني أتوجه بك إلى ربك فيجلي لي عن بصري ، اللهم شفعه فيَّ وشفعني في نفسي ، قال عثمان : فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل وكأنه لم يكن به ضر)) ..\rقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .\rوقال الذهبي عن الحديث : أنه صحيح (ج1 ص519) .\rوقال الترمذي في أبواب الدعوات آخر السنن : هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي .\rقلت : والصواب أن أبا جعفر هو الخطمي المدني كما جاء مصرحاً به في روايات الطبراني والحاكم والبيهقي ، وزاد الطبراني في المعجم الصغير أن اسمه عمير ابن يزيد وأنه ثقة ، قال العلامة المحدث الغماري في رسالته ((اتحاف الأذكياء)) : وليس من المعقول أن يجمع الحفاظ على تصحيح حديث في سنده مجهول خصوصاً الذهبي والمنذري والحافظ .\rقال المنذري : ورواه أيضاً النسائي وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه . (كذا في الترغيب كتاب النوافل باب الترغيب في صلاة الحاجة (ج1 ص438) .\rوليس هذا خاصاً بحياته - صلى الله عليه وسلم - بل قد استعمل بعض الصحابة هذه الصيغة من التوسل بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - فقد روى الطبراني هذا الحديث وذكر في أوله قصة وهي أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له ، وكان عثمان رضي الله عنه لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته ، فلقى الرجل عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه ، فقال له عثمان بن حنيف : ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل :\rاللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - نبي الرحمة ، يامحمد ! إني أتوجه بك إلى ربك فيقضي حاجتي . وتذكر حاجتك ..","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"فانطلق الرجل فصنع ما قال له ، ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان فأجلسه معه على الطنفسة وقال : ما حاجتك ؟ فذكر حاجته فقضاها له ، ثم قال : ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة ثم قال : ما كانت لك حاجة فائتنا ، ثم إن الرجل لما خرج من عنده لقى عثمان بن حنيف وقال له : جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلمته فيَّ ، فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمته ، ولكن شهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - :\rأو تصبر ؟ فقال : يارسول الله ! ليس لي قائد ، وقد شق عليَّ ، فقال له النبي :\r((إئت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات ، فقال عثمان ابن حنيف : فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط)) ..\rقال المنذري : رواه الطبراني ، وقال بعد ذكره : والحديث صحيح . (كذا في الترغيب ، [ج1 ص440 وكذا في مجمع الزوائد ج2 ص279] .\rوقال الشيخ ابن تيمية : قال الطبراني روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر واسمه عمر بن يزيد وهو ثقة تفرد به عثمان بن عمر عن شعبة ، قال أبو عبد الله المقدسي : والحديث صحيح .\rقلت : قال الشيخ ابن تيمية : ذكر تفرده بمبلغ علمه ولم تبلغه رواية روح ابن عبادة عن شعبة ، وذلك إسناد صحيح يبين أنه لم ينفرد به عثمان بن عمر (اهـ . التوسل والوسيلة ص 101) .\rوبهذا ظهر أن هذه القصة صححها الحافظ الطبراني والحافظ أبو عبد الله المقدسي ، ونقل ذلك التصحيح الحافظ المنذري والحافظ نور الدين الهيثمي والشيخ ابن تيمية(10)[8] .\rوحاصل القصة أن عثمان بن حنيف الراوي للحديث المشاهد للقصة","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"علم من شكا إليه إبطاء الخليفة عن قضاء حاجته هذا الدعاء الذي فيه التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والنداء له مستغيثاً به بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - ، ولما ظن الرجل أن حاجته قضيت بسبب كلام عثمان مع الخليفة ، بادر ابن حنيف بنفي ذلك الظن وحدثه بالحديث الذي سمعه وشهده ليثبت له أن حاجته إنما قضيت بتوسله به - صلى الله عليه وسلم - وندائه له واستغاثته به ، وأكد ذلك له بالحلف أنه ما كلم الخليفة في شأنه .\rاستعمال آخر وتأييد ابن تيميّة له\rروى ابن أبي الدنيا في كتاب مجابي الدعاء قال : حدثنا أبو هاشم سمعت كثير بن محمد بن كثير بن رفاعة يقول : جاء رجل إلى عبد الملك بن سعيد ابن أبجر فجس بطنه فقال : بك داء لا يبرأ ، قال : ما هو ؟ قال : الدُّبَيْلَة ، وهي خرّاج ودمل كبير تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالباً ، قال : فتحول الرجل فقال : الله الله ، الله ربي لا أشرك به شيئاً ، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد نبيّ الرحمة - صلى الله عليه وسلم - ، يامحمد إني أتوجه بك إلى ربك وربّي يرحمني ممّا بي . قال : فجس بطنه فقال : قد برئت ، ما بك علة .\rقال الشيخ ابن تيمية : قلت : فهذا الدعاء ونحوه قد روي أنه دعا به السّلف. اهـ [رواه الشيخ ابن تيمية في قاعدة جليلة ص94] .\rومعلوم أن ابن تيمية أورد هذا الخبر ليبين به مقصوده ويوجهه كما يريد ، ولكن الذي يهمنا هنا هو أنه أثبت استعمال السلف لذلك وحصول الشفاء به ، وهذا القدر من المسألة هو الذي يهمنا ، أما تعليقه عليه فهذا رأيه هو ، ونحن لا يهمنا إلا ثبوت النص فقط لنستدل به على ما نريد ، وهو له أن يستدل به كما يريد .\r[ محاولات يائسة ]","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"وقد طنطن ودندن بعضهم حول حديث توسل آدم وعثمان بن حنيف وغيره ، وبذل جهده في ردّها بكل ما أوتي من قوة ، وحاول وحاور وجادل وقام وقعد وأرغى وأزبد في هذا الموضوع ، وكل ذلك لا فائدة منه لأنه مهما حاول ردّ الأحاديث الواردة في هذا الباب فقد قال ساداته من العلماء الكبار كلمتهم وهم أوفر منه عقلاً وأوسع علماً وأطول باعاً وأعمق فهماً وأكثر نوراً وتقوى وإخلاصاً ، مثل الإمام أحمد بن حنبل ، وهو يقول بالتوسل كما نقله عنه ابن تيمية والعز ابن عبد السلام ، وابن تيمية نفسه في قول له بالتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة ، ثم نهاية المطاف عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي أنكر على من نسب القول إليه بتكفير المتوسلين ، بل وصرح في فتاواه بأن التوسل من الفروع ، لا من الأصول وكل ذلك سيأتي مفصلاً إن شاء الله في هذا الكتاب .\rهذا وقد صنف الشيخ العلامة المحدث عبد الله الغماري رسالة خاصة في الكلام عن هذا الحديث سماها ((مصباح الزجاجة في صلاة الحاجة)) ، أجاد فيها وأفاد وأتى بما يشفي ويكفي ويغني ، جزاه الله خير الجزاء .\rالتوسل به - صلى الله عليه وسلم - في عرصات يوم القيامة\rأما التوسل بع في عرصات يوم القيامة فلا حاجة للإطالة فيه فإن أحاديث الشفاعة بلغت مبلغ التواتر وكل ذلك فيه النصوص الصريحة التي تفيد بأن أهل الموقف إذا طال عليهم الوقوف واشتد الكرب استغاثوا في تفريج كربتهم بالأنبياء فيستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى فيحيلهم على سيد المرسلين حتى إذا استغاثوا به - صلى الله عليه وسلم - ، سارع إلى إغاثتهم وأسعف طلبتهم ، وقال : أنا لها أنا لها ، ثم يخر ساجداً ولا يزال كذلك حتى ينادي أن ارفع رأسك واشفع تشفع .\rفهذا إجماع من الأنبياء والمرسلين وسائر المؤمنين وتقرير من رب العالمين بأن الاستغاثة عند الشدائد بأكابر المقربين من أعظم مفاتيح الفرج ومن موجبات رضى رب العالمين .","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"مشروعية التوسل على طريقة الشيخ ابن تيمية\rيقول الشيخ ابن تيمية في كتابه [ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ] عند الكلام على قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } ، فابتغاء الوسيلة إلى الله سبحانه وتعالى إنما يكون لمن توسل إلى الله بالإيمان بمحمد واتباعه ، وهذا التوسل بالإيمان به وبطاعته فرض على كل أحد في كل حال باطناً وظاهراً في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد موته في مشهده ومغيبه لا يسقط التوسل بالإيمان به وبطاعته عن أحد من الخلق في حال من الأحوال بعد قيام الحجة عليه ولا يعذر من الأعذار ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من هوانه وعذابه إلا بالتوسل به وبطاعته وهو صلى الله عليه وسلم شفيع الخلائق ، صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون فهو أعظم الشفعاء قدراً وأعلاهم جاهاً عند الله ، وقال تعالى عن موسى : { وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً } ، وقال عن المسيح : { وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } ، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - أعظم جاهاً من الأنبياء والمرسلين ، ولكن شفاعته ودعاؤه إنما ينتفع به من شفع له الرسول ودعا له فمن دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه كما كان أصحابه يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله تعالى بدعائه وشفاعته صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً .\rوفي الفتاوى الكبرى : سئل شيخ الإسلام رحمه الله هل يجوز التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله ، أما التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته والصلاة والسلام عليه وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك مما هو من أفعاله وأفعال العباد المأمور بها في حقه فهو مشروع باتفاق المسلمين .\r[ الفتاوى الكبرى ج1 ص140 ] .\rقلت : فيستفاد من كلام الشيخ ابن تيمية أمران :\rالأول :","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"أن المسلم المطيع المحب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتبع له\rالمصدق بشفاعته يشرع له أن يتوسل بطاعته ومحبته وتصديقه ذلك .\rوإننا إذا توسلنا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فالله يشهد أننا إنما نتوسل بالإيمان به وبمحبته وبفضله وشرفه فهذا هو المقصود الأصلي من التوسل ولا يتصور أن يتوسل أحد بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لغير هذا المعنى ، ولا يمكن أن يكون سوى ذلك من جميع المسلمين المتوسلين ، غير أن المتوسل قد يصرح به وقد لا يصرح اعتماداً على المقصود الأصلي من التوسل الذي هو الإيمان بالنبي ومحبته صلى الله عليه وآله وسلم لا غير .\rالثاني :\rمما يستفاد من كلام الشيخ ابن تيمية أن من دعا له الرسول - صلى الله عليه وسلم - صح له أن يتوسل إلى الله بدعائه - صلى الله عليه وسلم - له ، وقد جاء أنه - صلى الله عليه وسلم - قد دعا لأمته كما ثبت ذلك في أحاديث كثيرة .\rمنها : عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لما رأيت من النبي - صلى الله عليه وسلم - طيب النفس ، قلت : يارسول الله ! أدع الله لي ، فقال :\r((اللهم اغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخر وما أسرت وما أعلنت فضحكت عائشة حتى سقط رأسها في حجرها من الضحك ، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيسرك دعائي ، فقالت : وما لي لا يسرني دعاؤك ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : إنها لدعائي لأمتي في كل صلاة)) .","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن منصور الرمادي وهو ثقة ، ( كذا في مجمع الزوائد ) ، لذا فإنه يصح لكل مسلم أن يتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بذلك فيقول : اللهم إن نبيك محمداً - صلى الله عليه وسلم - قد دعا لأمته وأنا من أفراد هذه الأمة فأتوسل إليك بهذا الدعاء أن تغفر لي وأن ترحمني إلى آخر ما يريد ، فإذا قال ذلك لم يخرج عن الأمر المتفق عليه بين كافة علماء المسلمين ، فإن قال : اللهم إني أتوسل إليك بنبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد فاته التصريح بما ينويه وبيان ما ينعقد عليه قلبه وهو مقصود كل مسلم ومراده لا يخرج عن هذا الحد لأن المتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقصد بذلك إلا تلك المعاني المتعلقة بذاته - صلى الله عليه وسلم - من محبة وقربة وجاه ورتبة وفضل ودعاء وشفاعة ، خصوصاً وأنه صلى الله عليه وسلم في برزخه\rيسمع الصلاة والسلام ويرد على ذلك بما يليق ويناسب من سلام واستغفار لما قد جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - :\r((حياتي خير لكم ومماتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ، تعرض أعمالكم عليَّ فإن وجدتُّ خيراً حمدت الله ، وإن وجدت شراً استغفرت الله لكم)).\rرواه الحافظ إسماعيل القاضي في جزء الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وصححه بقوله : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح كما سيأتي.\rوهذا صريح بأنه صلى الله عليه وسلم يستغفر للأمة في برزخه والاستغفار دعاء والأمة تنتفع بذلك\rوجاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :\r((ما من أحد يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد السلام)) ..\rرواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال النووي : إسناده صحيح . فهذا صريح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرد السلام على المسلم ، والسلام هو الأمان فهو دعاء بالأمان للمسلم وهو ينتفع بذلك .\r] ] ]","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"مشروعية التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة عند الإمام\rأحمد بن حنبل وابن تيمية\rعلى أن الشيخ ابن تيمية في بعض المواضع من كتبه أثبت جواز التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - دون تفريق أو تفصيل بين حياته وموته وحضوره وغيابه ، ونقل عن الإمام أحمد والعز بن عبد السلام جواز ذلك في الفتاوى الكبرى .\rقال الشيخ : وكذلك مما يشرع التوسل به صلى الله عليه وسلم في الدعاء\rكما في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه :\r((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم شخصاً أن يقول : اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك فيجلي حاجتي ليقضيها فشفعه فيَّ)) ..\rفهذا التوسل به حسن . اهـ ( الفتاوى ج3 ص276 ) .\rوقال أيضاً : والتوسل إلى الله بغير نبينا - صلى الله عليه وسلم - سواء سمي استغاثة أو لم يسم لا نعلم أحداً من السلف فعله ولا روى فيه آثاراً ولا نعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ من المنع ، وأما التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ففيه حديث في السنن ، رواه النسائي والترمذي وغيرهما : أن أعرابياً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يارسول الله ! إني أصبت في بصري فادع الله لي ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - :\r((توضأ وصل ركعتين ، ثم قل : اللهم أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد يامحمد إني أتشفع بك في رد بصري اللهم شفع نبيك فيَّ ، وقال : فإن كانت لك حاجة فمثل ذلك . فرد الله بصره)) ..\rفلأجل هذا الحديث استثنى الشيخ التوسل به . اهـ\r( الفتاوى ج1 ص105 )\rوقال الشيخ ابن تيمية أيضاً في موضع آخر :\rولذلك قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروزي صاحبه : أنه يتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في دعائه ، ولكن غير أحمد قال : إن هذا إقسام على الله به ، ولا يقسم على الله بمخلوق ، وأحمد في إحدى الروايتين قد جوَّز القسم به ، فلذلك جوَّز التوسل به .","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"( ج1 ص140 من الفتاوى )\r] ] ]\rجواز التوسل عند الإمام الشوكاني\rقال الإمام المحدث السلفي الشيخ محمد بن علي الشوكاني في رسالته (الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ) : أما التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بأحد من خلقه في مطلب يطلب العبد من ربه فقد قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام : إنه لا يجوز التوسل إلى الله تعالى إلا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إن صح الحديث فيه . ولعله يشير إلى الحديث الذي أخرجه النسائي في سننه والترمذي وصححه ابن ماجة وغيرهم أن أعمى أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث ، قال : وللناس في معنى هذا قولان : أحدهما أن التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب لما قال : كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا هو في صحيح البخاري وغيره ، فقد ذكر عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته في الاستسقاء ثم توسل بعمه العباس بعد موته وتوسلهم هو استسقاؤهم بحيث يدعو ويدعون معه فيكون هو وسيلتهم إلى الله تعالى والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان في مثل هذا شافعاً وداعياً لهم .\rوالقول الثاني : أن التوسل به - صلى الله عليه وسلم - يكون في حياته وبعد موته وفي حضرته ومغيبه ، ولا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به - صلى الله عليه وسلم - في حياته ، وثبت التوسل بغيره بعد موته بإجماع الصحابة إجماعاً سكوتياً لعدم إنكار أحد منهم على عمر رضي الله عنه في توسله بالعباس رضي الله عنه ، وعندي أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - كما زعمه الشيخ عز الدين بن عبد السلام لأمرين :\rالأول : ما عرفناك به من إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم .","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"والثاني : أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة إذ لا يكون فاضلاً إلا بأعماله ، فإذا قال القائل : اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني فهو باعتبار ما قام به من العلم ، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة ، فلو كان التوسل بالأعمال الفاضلة غير جائز أو كان شركاً كما زعمه المتشددون في هذا الباب كابن عبد السلام ، ومن قال بقوله من أتباعه لم تحصل الإجابة لهم ولا سكت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم ، وبهذا تعلم أن ما يورده المانعون من التوسل بالأنبياء والصلحاء من نحو قوله تعالى : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } ، ونحو قوله تعالى : { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً } ، ونحو قوله تعالى : { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ } . ليس بوارد بل هو من الاستدلال على محل النزاع بما هو أجنبي عنه ، فإن قولهم : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، مصرح بأنهم عبدوهم لذلك ، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يعبده بل علم أن له مزية عند الله بحمله العلم فتوسل به لذلك ، وكذلك قوله : { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً } فإنه نهى عن أن يدعى مع الله غيره كأن يقول بالله وبفلان ، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله فإنما وقع منه التوسل عليه بعمل صالح عمله بعض عباده كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم ، وكذلك قوله : { وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } الآية .","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم ، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله ولم يدع غيره دونه ولا دعاء غيره معه ، فإذا عرفت هذا لم يخف عليك دفع ما يورده المانعون للتوسل من الأدلة الخارجة عن محل النزاع خروجاً زائداً على ما ذكرناه كاستدلالهم بقوله تعالى : { وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } . فإن هذه الآية الشريفة ليست فيها دلالة إلا أنه تعالى هو المنفرد بالأمر في يوم الدين وأنه ليس لغيره من الأمر شيء ، والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم من العلماء هو لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله جل جلاله في أمر يوم الدين ، ومن اعتقد هذا لعبد من العباد سواء كان نبياً أو غير نبي فهو في ضلال مبين ، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ } ، { قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً } فإن هاتين الآيتين مصرحتان بأنه ليس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أمر الله شيء وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فكيف يملك لغيره ، وليس فيهما منع التوسل به وبغيره من الأنبياء أو الأولياء أو العلماء ، وقد جعل الله لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - المقام المحمود مقام الشفاعة العظمى وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه ، وقال له : سل تعطه واشفع تشفع ، وقيل ذلك في كتابه العزيز بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه ولا تكون إلا لمن ارتضى ، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله - صلى الله عليه وسلم - لما نزل قوله تعالى : { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } : يا فلان بن فلان لا أملك لك من الله شيئاً ، يا فلانة بنت فلان لا أملك لك من الله شيئاً ، فإن هذا ليس فيها إلا التصريح بأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يستطيع نفع من","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"أراد الله ضره ولا ضر من أراد الله تعالى نفعه ، وأنه لا يملك لأحد من قرابته فضلاً عن غيرهم شيئاً من الله ، وهذا معلوم لكل مسلم ، وليس فيه أنه لا يتوسل به إلى الله فإن ذلك هو طلب الأمر ممن له الأمر والنهي وإنما أراد الطالب أن يقدم بين يدي طلبه ما يكون سبباً للإجابة ممن هو المنفرد بالعطاء والمنع وهو مالك يوم الدين . انتهى كلام الشوكاني .\r] ] ]\rالشيخ محمد بن عبد الوهاب يقول بجواز التوسل\rسئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن قولهم في الاستسقاء : [ ( لا بأس بالتوسل بالصالحين ) وقول أحمد : ( يتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة ) مع قولهم : إنه لا يستغاث بمخلوق ] ؟\rفقال: فالفرق ظاهر جداً ، وليس الكلام مما نحن فيه ، فكون بعض يرخص بالتوسل بالصالحين ، وبعضهم يخصه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه ، فهذه المسألة من مسائل الفقه ، وإن كان الصواب عندنا قول الجمهور من أنه مكروه ، فلا ننكر على من فعله ، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد ، ولكن إنكارنا على من دعا لمخلوق أعظم مما يدعو الله تعالى ويقصد القبر يتضرع عند ضريح الشيخ عبد القادر أو غيره يطلب فيه تفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإعطاء الرغبات ، فأين هذا ممن يدعو الله مخلصاً له الدين لا يدعو مع الله أحداً ولكن يقول في دعائه : أسألك بنبيك أو بالمرسلين أو بعبادك الصالحين،\rأو يقصد قبراً معروفاً أو غيره يدعو عنده ، لكن لا يدعو إلا الله مخلصاً له الدين فأين هذا مما نحن فيه .\r( انتهى من فتاوى الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في مجموعة المؤلفات القسم الثالث ص68 التي نشرتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ) .\rوهذا يدل على جواز التوسل عنده غاية ما يرى أنه مكروه في رأيه عند الجمهور ، والمكروه ليس بحرام فضلاً عن أن يكون بدعة أو شركاً .\rالشيخ محمد بن عبد الوهاب يتبرأ عمّن يكفر المتوسلين","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"وقد جاء عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته الموجهة لأهل القصيم الاستنكار الشديد على من نسب إليه تكفير المتوسل بالصالحين ، وقال : إن سليمان بن سحيم افترى عليَّ أموراً لم أقلها ، ولم يأت أكثرها على بالي ، فمنها : أني أكفر من توسل بالصالحين ، وأني أكفر البوصيري لقوله : يا أكرم الخلق ، وأني أحرق دلائل الخيرات .\rوجوابي عن هذه المسائل : أني أقول سبحانك هذا بهتان عظيم .\rوجاء أيضاً تأييد قوله هذا في رسالة أخرى له بعثها إلى أهل المجمعة يقول فيها : إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها ، منها ما هو من البهتان الظاهر ، وهو قوله : أني أكفر من توسل بالصالحين ، وأني أكفر البوصيري إلى آخر ما قال ، ثم قال : وجوابي فيها أن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم .\r[أنظر الرسالة الأولى والحادية عشرة من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب القسم الخامس 12 وص64] .\r] ] ]\rالتوسل بآثاره - صلى الله عليه وسلم -\rثبت أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتبركون بآثاره - صلى الله عليه وسلم - وهذا التبرك ليس له إلا معنى واحد ألا وهو التوسل بآثاره إلى الله تعالى لأن التوسل يقع على وجوه كثيرة لا على وجه واحد .\rأفتراهم يتوسلون بآثاره ولا يتوسلون به ؟\rهل يصح أن يتوسل بالفرع ولا يصح بالأصل ؟ .\rهل يصح أن يتوسل بالأثر الذي ما شرف ولا عظم وكرم إلا بسبب صاحبه محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ثم يقول قائل : إنه لا يصح أن يتوسل به ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم ! .","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"والنصوص الواردة في هذا الباب كثيرة جداً نقتصر على أشهرها ، فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يحرص كل الحرص على أن يدفن بقرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما حضرته الوفاة فيبعث ولده عبد الله ليستأذن السيدة عائشة في ذلك وإذا بالسيدة عائشة تعلن أنها كانت تريد هذا المكان لنفسها ، فتقول كنت أريده لنفسي ولأوثرنه على نفسي فيذهب عبد الله ويبشر أباه بهذه البشارة العظيمة وإذا بعمر يقول : الحمد لله ما كان شيء أهم إليَّ نم ذلك . وانظر تفصيل القصة في البخاري فما معنى هذا الحرص من عمر ومن عائشة ؟ .\rولماذا كان الدفن بقرب رسول الله أهم شيء وأحب شيء إلى عمر ؟ ليس لذلك تفسير إلا التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته بالتبرك بالقرب منه .\rوهذه أم سليم تقطع فم القربة التي شرب منها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول أنس فهو عندنا .\rوهؤلاء الصحابة يتسابقون لأخذ شعرة واحدة من شعر رأسه لما حلقه .\rوهذه أسماء بنت ابي بكر تحتفظ بجبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول : فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها .\rوهذا خاتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحتفظ به بعده أبو بكر وعمر وعثمان ثم يسقط منه في البئر .\rوكل هذه الأحاديث ثابتة وصحيحة كما ذكرناه في مبحث التبرك والذي نريد أن نقوله هو أننا نتساءل لماذا هذه المحافظة منهم رضي الله تعالى عنهم على آثار النبي صلى الله عليه وسلم .\r[ فم القربة ، الشعر ، العرق ، الجبة ، الخاتم ، المصلى ] فما مقصودهم من ذلك أهي الذكرى مجرد الذكرى أم هي المحافظة على الآثار التاريخية لوضعها في المتحف ، فإن كانت الأولى فلماذا يعتنون بها عند الدعاء والتوجه إلى الله إذا أصابهم البلاء أو المرض ، وإذا كانت الثانية فأين هذا المتحف ومن أين جاءتهم هذه الفكرة المبتدعة ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم .","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"لم يبق إلا التبرك بآثاره - صلى الله عليه وسلم - للتوسل بها إلى الله في الدعاء لأن الله هو المعطي وهو المسؤول والكل عبيده وتحت أمره لا يملكون شيئاً لأنفسهم فضلاً عن غيرهم إلا بإذن الله سبحانه وتعالى .\r] ] ]\rالتوسل بآثار الأنبياء\rقال تعالى : { وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } الآية من سورة البقرة .\rقال الحافظ ابن كثير في التاريخ : قال ابن جرير عن هذا التابوت : وكانوا إذا قاتلوا أحداً من الأعداء يكون معهم تابوت الميثاق الذي كان في قبة الزمان كما تقدم ذكره ، فكانوا ينصرون ببركته وبما جعل الله فيه من السكينة والبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ، فلما كان في بعض حروبهم مع أهل غزة وعسقلان غلبوهم وقهروهم على أخذه فانتزعوه من أيديهم اهـ .\rقال ابن كثير : وقد كانوا ينصرون على أعدائهم بسببه ، وكان فيه طست من ذهب كان يغسل فيه صدور الأنبياء اهـ (البداية ج2 ص8) .\rوقال ابن كثير في التفسير : كان فيه عصا موسى وعصا هارون ولوحان من التوراة وثياب هارون ومنهم من قال : العصا والنعلان اهـ .\r[تفسير ابن كثير ج1 ص313] .\rوقال القرطبي : والتابوت كان من شأنه فيما ذكر أنه أنزله الله على آدم عليه السلام فكان عنده إلى أن وصل إلى يعقوب عليه السلام فكان في بني إسرائيل يغلبون به من قاتلهم حتى عصوا فغلبوا على التابوت غلبهم عليه العمالقة وسلبوا التابوت منهم . اهـ . (تفسير القرطبي ج3 ص247) .","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"وهذا في الحقيقة ليس إلا توسلاً بآثار أولئك الأنبياء إذ لا معنى لتقديمهم التابوت بين أيديهم في حروبهم إلا ذلك والله سبحانه وتعالى راض عن ذلك بدليل أنه رده إليهم وجعله علامة وآية على صحة ملك طالوت ولم ينكر عليهم ذلك الفعل .\r] ] ]\rتوسل النبي - صلى الله عليه وسلم - بحقه وحق الأنبياء والصالحين\rجاء في مناقب فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب إنها لما ماتت حفر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحدها بيده وأخرج ترابه بيده فلما فرغ دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاضطجع فيه فقال :\r((الله الذي يحي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين . وكبر عليها أربعاً وأدخلوها اللحد هو والعباس وأبو بكر الصديق رضي الله عنهم)) .. رواه الطبراني في الكبير والأوسط . وفيه روح بن صلاح وثقه ابن حبان والحاكم ، وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح .\r[ كذا بمجمع الزوائد ج9 ص257 ] .\rواختلف بعضهم في [روح بن صلاح] أحد رواته ، ولكن ابن حبان ذكره في الثقات ، وقال الحاكم : ثقة مأمون ، وكلا الحافظين صحح الحديث ، وهكذا الهيثمي في [مجمع الزوائد] ورجاله رجال الصحيح(11)[9].\rورواه كذلك ابن عبد البر عن ابن عباس ، وابن أبي شيبة عن جابر ، وأخرجه الديلمي وأبو نعيم ، فطرقه يشد بعضه بعضاً بقوة وتحقيق(12) .\rقال الشيخ الحافظ الغماري في إتحاف الأذكياء ص20 : وروح هذا ضعفه خفيف عند من ضعفه كما يستفاد من عباراتهم ، ولذا عبر الحافظ الهيثمي بما يفيد خفة الضعف كما لا يخفى على من مارس كتب الفن . فالحديث لا يقل عن رتبة الحسن بل هو على شرط ابن حبان صحيح .\rونلاحظ هنا أيضاً أن الأنبياء الذين توسل النبي - صلى الله عليه وسلم - بحقهم على الله في هذا الحديث وغيره قد ماتوا فثبت جواز التوسل إلى الله [بالحق] وبأهل الحق أحياء وموتى .","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"توسل النبي - صلى الله عليه وسلم - بحق السائلين\rعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من خرج من بيته إلى الصلاة ، فقال : اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة ، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك ، فأسألك أن تعيذني من النار ، وأن تغفر لي ذنوبي ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، أقبل الله بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك .\rقال المنذري في الترغيب والترهيب ج3 ص119 : رواه ابن ماجه بإسناد فيه مقال ، وحسنه شيخنا الحافظ أبو الحسن .\rوقال الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار ج1 ص272 : هذا حديث حسن ، أخرجه أحمد وابن خزيمة في كتاب التوحيد ، وأبو نعيم وابن السني .\rوقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ج1 ص323 عن الحديث : بأنه حسن.\rوقال الحافظ البوصيري في زوائد ابن ماجه المسمى ((بمصباح الزجاجة)) ج1 ص98 : رواه ابن خزيمة في صحيحه .\rوقال الحافظ شرف الدين الدمياطي في المتجر الرابع ص471 : إسناده حسن إن شاء الله .\rوذكر العلامة المحقق المحدث السيد علي بن يحي العلوي في رسالته اللطيفة هداية المتخبطين : أن الحافظ عبد الغني المقدسي حسّن الحديث ، وقبله ابن أبي حاتم، وبهذا يتبين لك أن هذا الحديث صححه وحسنه ثمانية من كبار حفاظ الحديث وأئمته ، وهم : ابن خزيمة والمنذري وشيخه أبو الحسن والعراقي والبوصيري وابن حجر وشرف الدين الدمياطي وعبد الغني المقدسي وابن أبي حاتم ، وهؤلاء منهم\rفهل يبقى بعد قول هؤلاء كلام المتكلم ، وهل يصح من عاقل أن يترك حكم هؤلاء الفحول من الرجال الحفاظ المتقنين إلى قول المتطفلين على موائد الحديث. { أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ } . { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } .","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"التوسل بقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإرشاد السيدة عائشة\rقال الإمام الحافظ الدارمي في كتابه السنن [باب ما أكرم الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بعد موته] : حدثنا أبو النعمان حدثنا سعيد بن زيد حدثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال : قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة، فقالت : أنظروا قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فاجعلوا منه كوا إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ، قال : ففعلوا ، فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل (تفتقت من الشحم فسمى عام الفتق ، ومعنى كوا أي نافذة). اهـ سنن الدارمي ج1 ص43 .\rفهذا توسل بقبره - صلى الله عليه وسلم - لا من حيث كونه قبراً ، بل من حيث كونه ضم جسد أشرف المخلوقين وحبيب رب العالمين ، فتشرف بهذه المجاورة العظيمة واستحق بذلك المنقبة الكريمة .\rتخريج الحديث :\rأما أبو النعمان فهو محمد بن الفضل الملقب بعارم شيخ البخاري ، قال الحافظ في التقريب عنه : - ثقة ثبت – تغير في آخر عمره .\rقلت : وهذا لا يضره ولا يقدح في روايته لأن البخاري روى له في صحيحه أكثر من مائة حديث وبعد اختلاطه لم تحمل عنه رواية ، قاله الدارقطني ، ولا ينبّئك مثل خبير .\rوقد ردّ الذهبي على ابن حبان قوله: (بأنه وقع له أحاديث منكرة) فقال: ولم يقدر ابن حبان أن يسوق له حديثاً منكراً فأين ما زعم؟(كذا في ميزان الاعتدال ج4 ص8).\rوأما سعيد بن زيد فهو صدوق له أوهام ، وكذلك حال عمرو بن مالك النكرى كما قال الحافظ ابن حجر عنهما في التقريب .\rوقد قرر العلماء بأن هذه الصيغة وهي – صدوق يهم – من صيغ التوثيق لا من صيغ التضعيف (كذا في تدريب الراوي) .\rوأما أبو الجوزاء فهو أوس بن عبد الله الربعي وهو ثقة من رجال الصحيحين فهذا سند لا بأس به ، بل هو جيّد عندي ، فقد قبل العلماء واستشهدوا بكثير من أمثاله وبمن هم أقل حالاً من رجاله .","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"السيدة عائشة وموقفها من قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - :\rأما قول بعضهم : بأن هذا الأثر موقوف على عائشة وهي صحابية ، وعمل الصحابة ليس بحجة ، فالجواب هو أنه وإن كان رأياً لعائشة إلا أنها رضي الله عنها معروفة بغزارة العلم ، وفعلت ذلك في المدينة بين علماء الصحابة . ويكفينا من هذه القصة أنها دليل على أن عائشة أم المؤمنين تعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا زال بعد وفاته رحيماً وشافعاً لأمته وأن من زاره واستشفع به شفع له ، كما فعلت أم المؤمنين ، وليس هو من قبيل الشرك أو من وسائل الشرك كما يلغط به هؤلاء المكفرون المضللون ، فإن عائشة ومن شهدها لم يكونوا ممن يجهلون الشرك ولا ما يمت إليه .\rفالقصة تدمغ هؤلاء وتثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يهتم بأمته في قبره حتى بعد وفاته ، وقد ثبت أن أم المؤمنين عائشة قالت : كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأضع ثيابي ، وأقول إنما هو زوجي وأبي ، فلما دفن عمر معهما فوالله ما دخلت إلا وأنا مشدودة حياء من عمر . (رواه أحمد) .\rقال الحافظ الهيثمي : رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ج8 ص26) ورواه الحاكم في المستدرك ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يعترضه الذهبي بشيء (ج4 ص7) .\rولم تعمل عائشة هذا باطلاً بل هي تعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه يعلمان من هو عند قبورهم .","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ لما أرسله لليمن : فلعلك تمر بقبري ومسجدي . (رواه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات إلا يزيد لم يسمع من معاذ ((كذا في مجمع الزوائد ج10 ص55)) ) فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاء معاذ إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - باكياً . وشاهده عمر بن الخطاب على هذا الحال وجرت بينهما هذه المحادثة كما رواها زيد ابن أسلم عن أبيه قال : خرج عمر إلى المسجد فوجد معاذ بن جبل عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - يبكي ، قال : ما يبكيك ؟ قال : حديث سمعته عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((اليسير من الرياء شرك)) . قال الحاكم : صحيح ولا يعرف له علة ، ووافقه الذهبي فقال : صحيح ولا علة له . (كذا في المستدرك ج1 ص4) .\rوقال المنذري في الترغيب والترهيب : رواه ابن ماجه والبيهقي والحاكم وقال : صحيح لا علة له ، وأقره أعني المنذري (ج1 ص32) .\rالتوسل بقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في خلافة عمر رضي الله عنه\rوقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو نصر بن قتادة وأبو بكر الفارسي قالا : حدثنا أبو عمر بن مطر حدثنا إبراهيم بن علي الذهلي حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن مالك قال : أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا ، فأتاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقال :\r((ائت عمر فأقرئه مني السلام وأخبرهم أنهم مسقون ، وقل له : عليك بالكيس الكيس)) ..\rفأتى الرجل فأخبر عمر ، فقال : يارب ! ما آلو إلا ما عجزت عنه . وهذا إسناد صحيح .\r[كذا قال الحافظ ابن كثير في البداية (ج1 ص91) في حوادث عام ثمانية عشر] .","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الداري – وكان خازن عمر – قال : ((أصاب الناس قحط في زمن عمر رضي الله عنه فجاء رجل إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يارسول الله ! استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتى الرجل في المنام فقيل له : ائت عمر ، الحديث .\rوقد روى سيف في الفتوح : أن الذي رأى في المنام المذكور هو بلال ابن الحارث المزني أحد الصحابة . قال ابن حجر : إسناده صحيح اهـ .\r(صحيح البخاري كتاب الاستسقاء) ، [ فتح الباري ص415 ج2 ](14) [10].\rولم يقل أحد من الأئمة الذين رووا الحديث ولا من بعدهم ممن مر بتصانيفهم من الأئمة أنه كفر وضلال ولا طعن أحد في متن الحديث به ، وقد أورد هذا الحديث ابن حجر العسقلاني وصحح سنده كما تقدم ، وهو من هو في علمه وفضله ووزنه بين حفاظ الحديث مما لا يحتاج إلى بيان وتفصيل .\rتوسل المسلمين به يوم اليمامة\rذكر الحافظ ابن كثير إن شعار المسلمين في موقعة اليمامة كان : [ محمداه ] ..\rقال ما نصه :\rوحمل خالد بن الوليد حتى جاوزهم وسار لجبال مسيلمة وجعل يترقب أن يصل إليه فيقتله ثم رجع ثم وقف بين الصفين ودعا البراز وقال : أنا ابن الوليد العود أنا ابن عامر وزيد ، ثم نادى بشعار المسلمين ، وكان شعارهم يومئذ [يا محمداه](15) [11]..\r[ البداية والنهاية ج6 ص324]\rالتوسل به في المرض والشدائد\rعن الهيثم بن خنس قال : كنا عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فخدرت رجله فقال له رجل : أذكر أحب الناس إليك ، فقال : يا محمد ، فكأنما نشط من عقال .\rوعن مجاهد قال : خدرت رِجْل رَجُل عند ابن عباس رضي الله عنهما ، فقال له ابن عباس : أذكر أحب الناس إليك ، فقال : محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فذهب خدره. [ذكره الشيخ ابن تيمية في الكلم الطيب في الفصل السابع والأربعين ص165].\rفهذا توسل في صورة النداء .\rالتوسل بغير النبي - صلى الله عليه وسلم -","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"عن عتبة بن غزوان عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال :\r((إذا أضل أحدكم شيئاً أو أراد عوناً وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل : يا عباد الله أعينوني ، فإن لله عباداً لا نراهم . وقد جرب ذلك)) ..\rرواه الطبراني ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم إلا أن يزيد بن علي لم يدرك عتبة .\rوعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :\r((إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر ، فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد أعينوني يا عباد الله)) ..\rرواه الطبراني ورجاله ثقات .\rوعن عبد الله بن مسعود أنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد : يا عباد الله احبسوا. يا عباد الله احبسوا ، فإن لله حاضراً في الأرض سيحبسه)) ..\rرواه أبو يعلى والطبراني وزاد سيحبسه عليكم ، وفيه معروف بن حسان وهو ضعيف . اهـ . من مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للحافظ نور الدين علي ابن أبي بكر الهيثمي (ج10 ص132) .\rفهذا توسل في صورة النداء أيضاً .\rوجاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول بعد ركعتي الفجر :\r((اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل ومحمد النبي - صلى الله عليه وسلم - أعوذ بك من النار)) .\rقال النووي في الأذكار : رواه ابن السني ، وقال الحافظ بعد تخريجه : هو حديث حسن . (شرح الأذكار لابن علان ج2 ص139) .\rوتخصيص هؤلاء بالذكر في معنى التوسل بهم ، فكأنه يقول :\rاللهم إني أسألك وأتوسل إليك بجبريل إلخ ..\rوقد أشار ابن علان إلى هذا في الشرح ، فقال : التوسل إلى الله بربوبية هذه الأرواح العظيمة . وقد صرح ابن علان في شرح الأذكار ج2 ص29 بمشروعية التوسل فقال معلقاً على حديث ((اللهم إني أسألك بحق السائلين)) : فيه التوسل بحق أرباب الخير على سبيل العموم من السائلين ومثلهم بالأولى الأنبياء والمرسلون .\rمعنى توسل عمر بالعباس","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"أخرج البخاري في صحيحه عن أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه – كانوا إذا قحطوا – استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال : [ اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ] .\rوأخرج الزبير بن بكار في الأنساب من طريق غيره هذه القصة بأبسط من هذا\rوتلخيصها : عن عبد الله بن عمر قال : استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة [بفتح الراء وتخفيف الميم] سميت بذلك لكثرة تطاير الرماد لاحتباس المطر بالعباس ابن عبد المطلب ، فخطب الناس فقال : ياأيها الناس إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد – فاقتدوا أيها الناس برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عمه العباس ، واتخذوه وسيلة إلى الله : أدع يا عباس فكان من دعائه رضي الله عنه : اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة – وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث واحفظ اللهم نبيك في عمه ، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس وأقبل الناس على العباس يتمسحون به ، ويقولون له : هنيئاً لك يا ساقي الحرمين ، وقال عمر – رضي الله عنه – ذلك : هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه – وفي ذلك أنشد عباس بن عتبة ابن أخيه أبياتاً منها :\rبعمي سقى الله الحجاز وأهله :: عشية يستسقى بشيبته عمر\rوقال ابن عبد البر : وفي بعض الروايات فارخت السماء عزاليها فجاءت بأمثال الجبال حتى استوت الحفر بالآكام وأخصبت الأرض وعاش الناس ، فقال عمر رضي الله عنه : هذا والله الوسيلة إلى الله عز وجل ، والمكان منه .\rوقال حسان بن ثابت :\rسأل الإمام وقد تتابع جدبنا فسقى الغمام بغرة العباس\rعم النبي وصنو والده الذي ورث النبي بذاك دون الناس\rأحيا الإله به البلاد فأصبحت مخضرة الأجناب بعد الياس\rوقال الفضل بن عباس بن عتبة :","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"بعمي سقى الله الحجاز وأهله عشية يستسقى بشيبته عمر\rتوجه بالعباس في الجدب راغباً فماكر حتى جاء بالديمة المطر\rوفي رواية: وطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه ويقولون: هنيئاً لك ساقي الحرمين. كذا في الاستيعاب لابن عبد البر في ترجمة العباس .\rوكان الحق لعمر في أن يؤم الناس مستسقياً لهم لكنه تأخر عن حقه وقدم العباس للاستسقاء تعظيماً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتفخيماً لأهله وتقديماً لعمه صلى الله عليه وآله وسلم على نفسه مبالغة في التوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما استطاع ، وحث الناس على اتخاذ الناس لعباس وسيلة إلى الله جل شأنه وكذلك اتخذه هو وسيلة بتقديمه ليدعو ليقيمه بذلك مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين كان حياً فاستسقى لهم بالمصلى ليكون أبلغ في تعظيمه والإشادة بفضل أهل بيته.\rوبين عمر ذلك في دعائه حيث قال : [اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا] .. يعني كنا نتوسل إليك بخروجه بالناس إلى المصلى ودعائه لهم وصلاته بهم ، وإذ قد تعذر ذلك علينا بوفاته عليه الصلاة والسلام فإني أقدم من هو من أهل بيته ليكون الدعاء أرجى للقبول وأرجى للإجابة .\rولما دعا العباس توسل برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال :\rوقد تقرب القوم بي لمكاني من نبيك أي لقرابتي منه فاحفظ اللهم نبيك في عمه ، يعني اقبل دعائي لأجل نبيك .","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"فالقضية في الاستسقاء ولا صلة لها بالتوسل الذي نحن بصدد الكلام عنه والذي وقع فيه الخلاف وهذا أمر يعرفه كل ذي عينين لأن القصة تدل على هذا بوضوح فقد أصابهم القحط واحتاجوا إلى إقامة الاستغاثة بصلاة الاستسقاء وهذا يحتاج إلى إمام يصلي بهم ويدعو لهم ويقيم هذه الشعيرة الإسلامية التي كان يقيمها النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان في دار التكليف كغيرها من شعائر الدين من إمامة وجمعة وخطبة فهي وظائف تكليفية لا يقوم بها أهل البرزخ لانقطاع التكليف عنهم واشتغالهم بما هو أعظم من ذلك .\rومن فهم من كلام أمير المؤمنين أنه إنما توسل بالعباس – ولم يتوسل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن العباس حي والنبي ميت – فقد مات فهمه وغلب عليه وهمه ونادى على نفسه بحالة ظاهرة – أو عصبية لرأيه قاهرة ، فإنما عمر لم يتوسل بالعباس إلا لقرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلمح ذلك في قوله وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا – وهو بذلك قد توسل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبلغ الوجوه .\rوقد بعد عن الصواب كل البعد من رمى المسلمين بالشرك بسبب ذلك مع قوله بجواز التوسل بالحي ، فإن التوسل لو كان شركاً ما جاز بالحي ولا الميت – ألا ترى أن اعتقاد الربوبية واستحقاق العبادة لغير الله من نبي أو ملك أو ولي هو شرك وكفر لا يجوز هنا في حياته الدنيا ولا الآخرة .\rفهل سمعت من يقول : إن اعتقاد الربوبية لغير الله جائز إذا كان حياً أما بعد وفاته فشرك .\rوقد عرفت أن اتخاذ المعظم وسيلة إلى الله تعالى لا يكون عبادة للوسيلة إلا إذا اعتقد انه رب كما كان ذلك شأن عباد الأوثان مع أوثانهم فإذا لم يعتقد ذلك فيه وكان مأموراً منه عز وجل باتخاذه وسيلة كان ذلك الاتخاذ عبادة للآمر سبحانه .\r] ] ]\rقصة العتبى في التوسل\rقال الإمام الحافظ عماد الدين ابن كثير :","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه الشامل (( الحكاية المشهورة )) عن العتبى قال : كنت جالساً عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء أعرابي فقال السلام عليك يارسول الله سمعت الله يقول : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشد يقول :\rيا خير من دفنت بالقاع أعظمه :: فطاب من طيبهن القاع والأكم\rنفسي الفداء لقبر أنت ساكنه :: فيه العفاف وفيه الجود والكرم\rثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم فقال : [إلحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له] .\rفهذه القصة رواها الإمام النووي في كتابه المعروف بالإيضاح في الباب السادس ص498 ، ورواها أيضاً الحافظ عماد الدين ابن كثير في تفسيره الشهير عند قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } .. الآية .\rورواها أيضاً الشيخ أبو محمد ابن قدامة في كتابه المغني (ج3 ص556)، ونقلها أيضاً الشيخ أبو الفرج ابن قدامة في كتابه الشرح الكبير (ج3 ص495)، ونقلها أيضاً الشيخ منصور بن يونس البهوتي في كتابه المعروف بكشاف القناع من أشهر كتب المذهب الحنبلي (ج5 ص30)(16)[12].","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"وذكر الإمام القرطبي عمدة المفسرين قصة تشبهها في تفسيره المعروف بالجامع قال: روى أبو صادق عن علي قال : قدم علينا أعرابي بعد ما دفنَّا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحثا على رأسه من ترابه فقال : قلت يارسول الله فسمعنا قولك ، ووعيت عن الله فوعينا عنك وكان فيما أنزل الله عليك { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } .. الآية ، وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر : إنه قد غفر لك .[تفسير القرطبي ج5 ص265] .\rهذه قصة العتبى وهؤلاء هم الذين نقلوها وسواء أكانت صحيحة أم ضعيفة من ناحية السند الذي يعتمد عليه المحدثون في الحكم على أي خبر فإننا نتساءل ونقول هل نقل هؤلاء الكفر والضلال ؟ .. أو نقلوا ما يدعو إلى الوثنية وعبادة القبور ؟ .\rإذا كان الأمر كذلك فأي ثقة فيهم أو في كتبهم ؟؟ سبحانك هذا بهتان عظيم .\rأبيات العتبي على شباك النبي - صلى الله عليه وسلم -\rتقدم ذكر البيتين الذين أنشدهما الأعرابي عند زيارته للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، ورواها العتبى وهي :\rيا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم\rنفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم\rوهذه الأبيات مكتوبة بفضل الله على المواجهة النبوية الشريفة في العامود الذي بين شباك الحجرة النبوية يراها القاصي والداني منذ مئات السنين حتى في عهد المرحوم الملك عبد العزيز ، فالملك سعود فالملك فيصل فالملك خالد رحمهم الله تعالى ، فالملك فهد خادم الحرمين الشريفين حفظه الله ، وستبقى بإذن الله بناء على توجيهات خادم الحرمين بالمحافظة على كل ما في المسجد النبوي الشريف وعدم إزالة أي أثر قديم .\r] ] ]\rالخلاصة :","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"والخلاصة أنه مما لا شك فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - له عند الله قدر علِيّ ومرتبة رفيعة ، وجاه عظيم ، فأي مانع شرعي أو عقلي يمنع التوسل به فضلاً عن الأدلة التي تثبته في الدنيا والآخرة – ولسنا في ذلك سائلين غير الله تعالى ولا داعين إلا إياه فنحن ندعوه بما أحب أياً كان ، تارة نسأله بأعمالنا الصالحة لأنه يحبها وتارة نسأله بمن يحبه من خلقه كما في حديث آدم السابق ، وكما في حديث فاطمة بنت أسد الذي ذكرناه ، وكما في حديث عثمان بن حنيف المتقدم ، وتارة نسأله بأسمائه الحسنى كما في قوله - - صلى الله عليه وسلم -- [أسألك بأنك أنت الله] أو بصفته أو فعله كما في قوله في الحديث الآخر : [أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك] ، وليس مقصوراً على تلك الدائرة الضيقة التي يظنها المتعنتون .\rوسر ذلك أن كل ما أحبه الله صح التوسل به ، وكذا كل من أحبه من نبي أو وليّ ، وهو واضح لدى كل ذي فطرة سليمة ولا يمنع منه عقل ولا نقل بل تضافر العقل والنقل على جوازه والمسؤول في ذلك كله الله وحده لا شريك له ، لا النبي ولا الولي ولا الحي ولا الميت ، { قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً } .\rوإذا جاز السؤال بالأعمال فبالنبي - صلى الله عليه وسلم - أولى لأنه أفضل المخلوقات والأعمال منها والله أعظم حبَّاً له - - صلى الله عليه وسلم - - من الأعمال وغيرها – وليت شعري ما المانع من ذلك ، واللفظ لا يفيد شيئاً أكثر من أن للنبي قدراً عند الله ، والمتوسل لا يريد غير هذا المعنى ، ومن ينكر قدره عند الله فهو كافر كما قلنا .","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"وبعد : فمسألة التوسل تدل على عظمة المسؤول به ومحبته ، فالسؤال بالنبي إنما هو لعظمته عند الله أو لمحبته إياه وذلك مما لاشك فيه على أن التوسل بالأعمال متفق عليه ، فلماذا لا نقول : إن من يتوسل بالأنبياء أو الصالحين هو متوسل بأعمالهم التي يحبها الله ، وقد ورد حديث أصحاب الغار فيكون من محل الاتفاق ؟ .\rولا شك أن المتوسل بالصالحين إنما يتوسل بهم من حيث أنهم صالحون فيرجع الأمر إلى الأعمال الصالحة المتفق على جواز التوسل بها ، كما قلنا في صدر هذا البحث .\r] ] ]\rشبهة مردودة\rفهذه الأحاديث والآثار كلها تثبت التوسل وتؤيده ، فإن قيل : إن ذلك خاص بحياته - صلى الله عليه وسلم - .\rفالجواب : أن هذا التخصيص لا دليل عليه خصوصاً وأن الروح باقية وهي التي يكون بها الإحساس والإدراك والشعور .\rومذهب أهل السنة والجماعة أن الميت يسمع ويحس ويشعر وأنه ينتفع بالخير ويفرح ويتأذى بالشر ويحزن ، وهذا بالنسبة لكل إنسان ، ولذا نادى - صلى الله عليه وسلم - أهل القليب من كفار قريش يوم بدر فقال: يا عتبة يا شيبة يا ربيعة ، فقيل له: كيف تناديهم وقد جيفوا ؟ فقال : ما أنتم بأسمع منهم لكنهم لا يستطيعون الجواب .\rفإذا كان هذا عاماً لكل إنسان فكيف بأفضل البشر وأكرمهم وأجلهم ، لا شك أنه أكمل إحساساً وأتم إدراكاً وأقوى شعوراً على أنه قد جاء التصريح في الأحاديث الكثيرة بأنه يسمع الكلام ويرد السلام وتعرض عليه أعمال الأمة وأنه يستغفر لسيئاتهم ويحمد الله على حسناتهم .\rوقيمة الإنسان في الحقيقة إنما هي بمقدار شعوره وإحساسه وإدراكه لا بحياته ، ولذلك نرى كثيراً من الأحياء قد حرمهم الله تعالى الإحساس والشعور الإنساني مع بلادة الطبع وقلة الذوق ولكنهم لا ينتفع بهم بل هم في صفوف الأموات والعياذ بالله .\r] ] ]\rزعم بعض الجهلة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يسمعنا\rولا يرانا ولا يعرفنا","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"ومن هؤلاء الموتى من زعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يسمع ولا يرى ولا يعرف عنا ولا يدعو الله تعالى لنا ، فأي جراءة أعظم من هذا ؟ وأي جهل أقبح من هذا ؟ إضافة إلى سوء الأدب والانتقاص لقدر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولقد تضافرت الأحاديث والآثار التي تثبت أن الميت يسمع ويحس ويعرف سواء أكان مؤمناً أم كافراً .\rقال ابن القيم في كتاب الروح : والسلف مجمعون على هذا وقد تواترت الآثار عنهم .\rوقد سئل الشيخ ابن تيمية عن هذه المسألة فأفتى بما يؤيد ذلك (أنظر الفتاوى ج24 ص331 وص362) .\rفإذا كان هذا في حق عامة البشر فما بالك بعامة المؤمنين بل بخاصة عباد الله الصالحين بل بسيد الأولين والآخرين سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وقد فصلنا هذه المسألة في مبحث خاص بها في كتابنا هذا بعنوان : (( الحياة البرزخية حياة حقيقية )) بعنوان (( حياة خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - )) .\r] ] ]\rبيان أسماء المتوسلين من أئمة المسلمين(17)[13]\rونذكر هنا أسماء أشهر من يقول بالتوسل ، أو ممن نقل أدلته – من كبار الأئمة وحفاظ السنة .\r1 – فمنهم الإمام الحافظ أبو عبد الله الحاكم في كتابه [المستدرك] على الصحيحين ، فقد ذكر حديث توسل آدم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وصححه .\r2 – ومنهم الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه [دلائل النبوة] ، فقد ذكر حديث آدم وغيره ، وقد التزم أن لا يخرج الموضوعات .\r3 – ومنهم الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه [الخصائص الكبرى] فقد ذكر حديث توسل آدم .\r4 – ومنهم الإمام الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه (الوفاء) ، فقد ذكر الحديث وغيره .\r5 – ومنهم الإمام الحافظ القاضي عياض في كتابه (( الشفا في التعريف بحقوق المصطفى)) ، فقد ذكر في باب الزيارة وباب فضل النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيراً من ذلك .","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"6 – ومنهم الإمام الشيخ نور الدين القاري المعروف بملا علي قاري في شرحه على الشفا في المواطن السابقة .\r7 – ومنهم العلامة أحمد شهاب الدين الخفاجي في شرحه على الشفا المسمى ((بنسيم الرياض)) ، في المواطن السابقة .\r8 – ومنهم الإمام الحافظ القسطلاني في كتابه [المواهب اللدنية] في المقصد الأول من الكتاب .\r9 – ومنهم العلامة الشيخ محمد عبد الباقي الزرقاني في شرحه على المواهب (ج1 ص44).\r10 – ومنهم الإمام شيخ الإسلام أبو زكريا يحيى النووي في كتابه الإيضاح [في الباب السادس ص498] .\r11 – ومنهم العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشيته على الإيضاح ص499 ، وله رسالة خاصة في هذا الباب تسمى بـ[الجوهر المنظم] .\r12 – ومنهم الحافظ شهاب الدين محمد بن محمد بن الجوزي الدمشقي في كتابه [عدة الحصن الحصين] في فضل آداب الدعاء .\r13 – ومنهم العلامة الإمام محمد بن علي الشوكاني في كتابه [تحفة الذاكرين] ص161 .\r14 – ومنهم العلامة الإمام المحدث علي بن عبد الكافي السبكي في كتابه [شفاء السقام في زيارة خير الأنام] .\r15 – ومنهم الحافظ عماد الدين ابن كثير في تفسير قوله تعالى { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } .. فقد ذكر قصة العتبي مع الأعرابي الذي جاء زائراً قاصداً مستشفعاً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يعترض عليها بشيئ ، وذكر قصة توسل آدم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في [البداية والنهاية] ولم يحكم بوضعها (ج1 ص180) .\rوذكر قصة الرجل الذي جاء إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوسل به وقال : إن إسنادها صحيح (ج1 ص91) .\r- وذكر أن شعار المسلمين يامحمداه (ج6 ص324) .\r16 – ومنهم الإمام الحافظ ابن حجر الذي ذكر قصة الرجل الذي جاء إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوسل به وصحح سندها في فتح الباري (ج2 ص495) .","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"17 – ومنهم الإمام المفسر أبو عبد الله القرطبي في تفسير قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } (ج5 ص265) .\r] ] ]\rالصحابة يطلبون من النبي - صلى الله عليه وسلم - الشفاعة\rزعم بعضهم أنه لا يجوز أن تطلب الشفاعة من النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا بل ذهب البعض الآخر من المتعنتين إلى أن ذلك شرك وضلال ويستدلون على ذلك بقوله تعالى : { قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً } وهذا الاستدلال باطل ولا يدل على فهمهم الفاسد وذلك من وجهين .\rأولاً :\rأنه لم يرد نص لا في الكتاب ولا في السنة ينهى عن طلب الشفاعة من النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا .\rثانياً :","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"أن هذه الآية لا تدل على ذلك بل شأنها شأن غيرها من الآيات التي جاءت لبيان اختصاص الله سبحانه وتعالى بما هو ملك له دون غيره بمعنى أنه هو المتصرف فيه ، وهذا لا ينفي أنه يعطيه من يشاء إذا أراد فهو مالك الملك يعطي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ، ونظير هذا قوله عز وجل { لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ } ، ووصف نفسه أنه مالك الملك مع قوله سبحانه وتعالى : { تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء } ، وقوله تعالى : { مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً } مع قوله عز وجل : { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } ، وكذلك في الشفاعة قال : { قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً } .. مع قوله تعالى : { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً } ، وقوله عز وجل : { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ، فكما أنه سبحانه وتعالى أعطى من شاء ما شاء – وجعل من العزة التي هي له ما شاء لرسوله والمؤمنين – كذلك الشفاعة كلها له وقد أعطاها للأنبياء وعباده الصالحين بل وكثير من عامة المؤمنين كما نطقت به صحاح الأحاديث المتواترة معنوياً .\rوأي حرج في أن يطلب الإنسان من المالك بعض ما يملكه لا سيما إذا\rكان المسئول كريماً والسائل في أشد الحاجة إلى ما سأله ، وهل الشفاعة إلا الدعاء والدعاء مأذون فيه ، مقدور عليه ، مقبول لا سيما الأنبياء والصالحين في الحياة وبعد الوفاة في القبر ويوم القيامة فالشفاعة معطاة لمن اتخذ عند الله عهداً ، ومقبولة لديه عز وجل في كل من مات على التوحيد .\rوقد ثبت أن بعض الصحابة سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - الشفاعة ، ولم يقل - صلى الله عليه وسلم - : إن طلبك الشفاعة مني شرك فاطلبها من الله ولا تشرك بربك أحداً .","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"هذا أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : يا نبي الله اشفع لي يوم القيامة فيقول له - صلى الله عليه وسلم - :\r((أنا فاعل إن شاء الله)) ..\rرواه الترمذي في السنن وحسنه في باب ما جاء في صفة الصراط ، وكذلك سأل الشفاعة غير أنس .\rفهذا سواد بن قارب يقول بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\rوأشهد أن الله لا رب غيره :: وأنك مأمون على كل غائب\rوأنك أدنى المرسلين وسيلة :: إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب\rإلى أن يقول :\rفكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة :: سواك مغن عن سواد بن قارب\rرواه البيهقي في دلائل النبوة ، ورواه أيضاً ابن عبد البر في الاستيعاب ، وأقره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر طلب الشفاعة منه .\rوطلب الشفاعة منه أيضاً مازن بن العضوب لما جاء مسلماً وأنشد يقول :\rإليك رسول الله خبت مطيتي :: تجوب الفيافي من عمان إلى العرج\rلتشفع لي يا خير من وطئ الحصا :: فيغفر لي ربي فأرجع بالفلج\r(رواه أبو نعيم في دلائل النبوة ص77)\rوطلب الشفاعة منه عكاشة بن محصن حين ذكر - صلى الله عليه وسلم - السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، فقال عكاشة : أدع الله أن يجعلني منهم ، فقال مباشرة وبلا مراجعة : (أنت منهم) .\rومعلوم أنه لا ينال أحد كائناً من كان هذه الأسبقية إلا بعد شفاعته الكبرى - صلى الله عليه وسلم - في أهل الموقف كما هو ثابت في الأحاديث المتواترة ، فهذا في معنى طلب الشفاعة .","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"ونظائر هذا كثيرة في كتب السنة المشرفة وهي كلها تدل على جواز طلب الشفاعة منه - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا ، منهم من طلبها بالتعيين بقوله : إشفع لي أو طلب دخول الجنة أو طلب أن يكون من السابقين ، أو طلب أن يكون من أهل الحوض أو طلب مرافقته في الجنة كما حصل من ربيعة الأسلمي إذ قال : أسألك مرافقتك في الجنة فأرشده النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطريق بقوله : أعنّي على نفسك بكثرة السجود ، ولم يقل له ولا لغيره ممن طلب الجنة أو طلب المعية أو تمنى أن يكون من أهل الجنة ، أو أن يكون من أهل الحوض ، أو أن يكون من المغفور لهم : إن هذا حرام ، ولا يجوز أن يطلب الآن ، وأن وقته لم يأت ، وانتظر حتى يأذن الله في الشفاعة ، أو في دخول الجنة ، أو في الشرب من الحوض مع أن هذه الأمور المطلوبة كلها لا تكون إلا بعد الشفاعة العظمى فهي في معنى طلب الشفاعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - بشرهم بذلك ووعدهم بما جبر خواطرهم وأقر أعينهم ، وحاشا أن يكون ذلك ممنوعاً ثم لا يبين لهم حكمه مجاملة أو مداراة وهو الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم ، وإنما يجبر الخواطر ويرضي النفوس بما هو دائر في فلك الحق ونابع من أصل الدين وبعيد عن كل باطل أو نفاق .\rوإذا صح طلب الشفاعة منه في الدنيا قبل الآخرة فإن معنى ذلك أنه سينالها حقيقة في محلها يوم القيامة وبعد أن يأذن الله تعالى للشفعاء بالشفاعة ، لا أنه ينالها هنا قبل وقتها .\rوهذا في الحقيقة نظير بشارته بالجنة لكثير من المؤمنين فإن معناه أنهم سيدخلون الجنة يوم القيامة وبعد أن يأذن الله تعالى بالدخول في الوقت المعلوم ،\rلا أنه سيدخلها هنا في الدنيا أو البرزخ ، ولا أظن أن عاقلاً من عوام المسلمين يعتقد خلاف ذلك .","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"وإذا صح طلب الشفاعة منه في الدنيا في حياته فإننا نقول : لا بأس بطلبها منه أيضاً بعد موته بناء على ما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة من حياة الأنبياء الحياة البرزخية ، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم أكملهم وأعظمهم في ذلك إذ يسمع الكلام وتعرض عليه أعمال الأمة ويستغفر الله لهم ويحمد الله ، وتبلغه صلاة من يصلي عليه ولو كان في أقصى المعمورة ، كما جاء في الحديث الذي صححه جمع من الحفاظ وهو : حياتي خير لكم تحدثون وتحدث لكم ، ومماتي خير لكم تعرض أعمالكم عليَّ فإن وجدت خيراً حمدت الله ، وإن وجدت شراً استغفرت الله لكم .\rوهذا الحديث صححه من الحفاظ ، العراقي والهيثمي والقسطلاني والسيوطي وإسماعيل القاضي ، وقد فصلنا تخريجه في غير هذا الموضع .\rفلو طلبت منه الشفاعة فإنه قادر على أن يدعو الله ويسأله ، كما كان يفعل في حياته ، ثم ينالها العبد في محلها بعد أن يأذن الله تعالى ، كما تحصل الجنة لمن بشّر بها في الدنيا ، فإنه ينالها في وقتها بعد أن يأذن الله بدخول الجنة ، فهذه وتلك سواء .\rهذا ما نعتقده ونعقد عليه قلوبنا .\r] ] ]\rتفسير ابن تيمية لآيات الشفاعة\rويستفاد منه جواز طلب الشفاعة من النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا\rذكر الشيخ ابن تيمية في الفتاوى تحليلاً نفيساً للآيات الواردة في منع الشفاعة وعدم الانتفاع بها والنهي عن طلبها مع أن هذه الآيات هي التي يستدل بها بعضهم على منع طلب الشفاعة من النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا .\rويظهر من كلام الشيخ ابن تيمية في معنى تلك الآيات أن الاستدلال بها على ما يزعمون في غير محله وتحريف لها عن مواضعها . قال الشيخ :","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى : { وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } وبقوله : { وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ } ، وبقوله : { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ } ، وبقوله : { فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ } .\rوجواب أهل السنة أن هذا يراد به شيئان :\rأحدهما :\rأنها لا تنفع المشركين ، كما قال تعالى في نعتهم : { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ {42} قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ {43} وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ {44} وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ {45} وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ {46} حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ {47} فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ } فهؤلاء نفى عنهم نفع شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفارا .\rوالثاني :\rأنه يراد بذلك نفي الشفاعة التي يثبتها أهل الشرك ومن شابههم من أهل البدعة من أهل الكتاب والمسلمين الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه ، كما يشفع الناس بعضهم عند بعض ، فيقبل المشفوع إليه شفاعة شافع لحاجته إليه رغبة ورهبة ، وكما يعامل المخلوق المخلوق بالمعاوضة .\rفالمشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء والصالحين ، ويصورون تماثيلهم فيتشفعون بها ويقولون : هؤلاء خواص الله .\rقلت هذا كلام الشيخ ابن تيمية بلفظه ، ومنه يظهر جلياً حقيقة هذه الآيات التي يستدل بها المنكرون لطلب الشفاعة من النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا ، أو القائلون بأنها شرك وضلال .","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"وخلاصة كلامه هو أن المراد بذلك هو أن الشفاعة لا تنفع المشركين . فالآيات واردة في هذه القضية ، أو أن المراد بذلك هو نفي الشفاعة التي يثبتها أهل الشرك وهي أن يعتقد أن الشافع يملك ذلك بغير إذن الله سبحانه وتعالى ، وهذا الذي ذكره الشيخ هو ما نعتقده بفضل الله ، ونقول : إن طالب الشفاعة منه - صلى الله عليه وسلم - إن اعتقد أو ظن أنه - صلى الله عليه وسلم - يشفع بغير إذن الله فهذا شرك أو ضلال لا نشك في ذلك ولا نرتاب – ولكنه حاشا وكلا ثم حاشا وكلا ثم حاشا وكلا أن نعتقد ذلك أو نظنه ونبرأ إلى الله من ذلك .\rوإننا حين نطلب الشفاعة فإننا نعتقد تمام الاعتقاد أنه لا يشفع أحد إلا بإذنه سبحانه وتعالى ، ولا يقع شيء إلا برضاه وتأييده .\rوإنما هذا كطلب دخول الجنة وطلب الشرب من الحوض المورود وطلب النجاة على الصراط ، فكلها لا تحصل إلا بإذن الله وفي وقتها الذي قدره الله تعالى لها ، وهل يشك في ذلك عاقل أو يخفى على من له أدنى معرفة أو قراءة في كتب السلف من أصغر طلاب العلم الشريف .\rاللهم افتح مسامع قلوبنا ونور أبصارنا .\r] ] ]\rإياك نعبد وإياك نستعين\rإننا نعتقد اعتقاداً جازماً لازماً لا شك فيه ولا ريب أن الأصل في الاستعانة والاستغاثة والطلب والنداء ، والسؤال هو أن يكون لله سبحانه وتعالى فهو المعين والمغيث والمجيب .","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"قال الله تعالى : { وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ{106} وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ } ، وقال : { فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ } ، وقال : { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ } الآيتين ، وقال : { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ } فالعبادة بجميع أنواعها لابد أن تصرف لله وحده ولا يجوز صرف شيء منها لغير الله كائناً من كان { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } .\rفلا نذر إلا لله ولا دعاء إلا له ولا ذبح إلا له ولا استغاثة ولا استعاذة ولا استعانة ولا حلف إلا بالله ولا توكل إلا عليه سبحانه وتعالى عما يشرك به المشركون علواً كبيراً .\rونحن نعتقد أن الله هو الخالق للعباد وأفعالهم لا تأثير لأحد سواه لا لحي ولا ميت ، وليس لأحد مع الله فعل أو ترك أو رزق أو إحياء أو إماتة ، وليس أحد من الخلق قادراً على الفعل أو الترك بنفسه استقلالاً دون الله أو بالمشاركة مع الله أو أدنى من ذلك .\rفالمتصرف في الكون هو الله سبحانه وتعالى ولا يملك أحد شيئاً إلا إذا ملكه الله ذلك وأذن له في التصرف فيه ، ولا يملك أحد لنفسه فضلاً عن غيره نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا نشوراً إلا ما شاء الله بإذن الله فالنفع والضر حينئذ محدود بهذا الحد ومقيد بهذا القيد ونسبته إلى الخلق على سبيل التسبب والتكسب لا على سبيل الخلق أو الإيجاد أو التأثير أو العلة أو القوة والنسبة في الحقيقة مجازية","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"ليست حقيقية ، ولكن الناس يختلفون في التعبير عن هذه الحقائق([14]) ، فمنهم من يسرف في استعمال المجاز إسرافاً شديداً حتى يقع في شبه لفظية هو منها برئ وقلبه سليم منعقد على كمال التوحيد والتنزيه لله سبحانه وتعالى .\rومنهم من يتمسك بالحقيقة تمسكاً زائداً عن حد الاعتدال فيصل به إلى التعنت والتشدد والإساءة إلى الناس بمعاملتهم على خلاف معتقدهم وحملهم على ما لا يقصدون وإلزامهم بما لا يريدون والحكم عليهم بما هم عنه بريئون والواجب الاعتدال والبعد عن كل ذلك فهو أسلم للدين وأحوط في حماية مقام التوحيد . والله أعلم .\rوقد ذكر الشيخ ابن تيمية خلاصة موجزة مفيدة في بيان ما يختص بالحق سبحانه وتعالى وهو عين ما نعتقده وندين الله تعالى به .. لأن عقيدتنا سلفية بفضل الله وطريقتنا محمدية ونقول بهذا الذي يقول به ابن تيمية .\rقال الشيخ ابن تيمية والله قد جعل له حقاً لا يشركه فيه مخلوق فلا تصلح العبادة إلا له ، ولا الدعاء إلا له ، ولا التوكل إلا عليه ، ولا الرغبة إلا إليه ، ولا الرهبة إلا منه ، ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه ، ولا يأتي بالحسنات إلا هو ، ولا يذهب السيئات إلا هو ، ولا حول ولا قوة إلا به ، { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } ، { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } .","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"{ إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً {93} لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً {94} وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً } ،وقال تعالى: { وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } فجعل الطاعة لله وللرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده ، وكذلك في قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ } ،فالإيتاء لله والرسول، وأما التوكل فعلى الله وحده ، والرغبة إلى الله وحده.\r(كذا في الفتاوى ج11 ص98 )\r] ] ]\rالاستعانة والتوجه بالطلب للنبي - صلى الله عليه وسلم -\rذكرنا فيما تقدم أننا نعتقد اعتقاداً جازماً لا شك فيه ولا ريب أن الأصل في الاستعانة والاستغاثة والطلب والنداء والسؤال هو أن يكون لله سبحانه وتعالى فهو المعين والمغيث والمجيب ، يقول الله عز وجل : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } فمن استعان بمخلوق أو استغاث به أو ناداه أو سأله أو طلبه سواء كان حياً أو ميتاً معتقداً أنه ينفع أو يضر بنفسه استقلالاً دون الله فقد أشرك ، لكن الله أجاز للخلق أن يستعين بعضهم ببعض وأن يستغيث بعضهم ببعض ، وأمر من استعين أن يعين ، ومن استغيث أن يغيث ومن نودي أن يجيب ، والأحاديث على هذا كثيرة جداً كلها تدل على إغاثة الملهوف وإعانة المحتاج وتفريج الكربات والنبي - صلى الله عليه وسلم - أعظم من يستغاث به إلى الله سبحانه وتعالى في كشف الكربات وقضاء الحاجات .","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"فأي شدة أكبر من شدة يوم القيامة حين تطول الوقفة وتشتد الزحمة ويتضاعف الحر ويلجم العرق من شاء الله ومع عظم هذه الشدة وبلوغها الغاية فإن الناس يستغيثون إلى الله بخيرة خلقه كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : وبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ، الحديث ، وقد عبر فيه - صلى الله عليه وسلم - بلفظ الاستغاثة ، وهو بهذا اللفظ في صحيح البخاري .\rوقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يستعينون به - صلى الله عليه وسلم - ويستغيثون ويطلبون منه الشفاعة ويشكون حالهم إليه من الفقر والمرض والبلاء والدين والعجز ويفزعون إليه عند الشدائد ويطلبون منه ويسألونه معتقدين أنه ليس إلا واسطة وسبباً في النفع والضر والفاعل حقيقة هو ( الله ) .\r] ] ]\rأبو هريرة يشكو النسيان\rأخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم النسيان لما يسمعه من حديثه الشريف وهو يريد أن يزول عنه ذلك – فقال رضي الله عنه : يا رسول الله ! [إني أسمع منك حديثاً كثيراً فأنساه فأحب أن لا أنسى فقال - صلى الله عليه وسلم - :\r((ابسط رداءك)) فبسطه فقذف بيده الشريفة من الهواء في الرداء ثم قال : ضمه فضمه ، قال أبو هريرة : فما نسيت شيئاً بعد .\rرواه البخاري في كتاب العلم باب حفظ العلم [رقم الحديث 119] .\rفها هو أبو هريرة يطلب منه عليه الصلاة والسلام عدم نسيان شيء وهو مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل – فلم ينكره ولم يرمه بشرك ، لما يعلم كل أحد أن الموحد إذا طلب شيئاً من ذوي الجاه عند الله فلا يريد منهم أن يخلقوا شيئاً ولا هو معتقد فيهم شيئاً من ذلك وإنما يريد أن يتسببوا له بما أقدرهم الله عليه من دعاء وما شاء الله من تصرف .","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"وها أنت ذا ترى أنه عليه الصلاة والسلام أجابه إلى مطلبه ، ولم يرد أنه دعا له في هذه القصة ، وإنما غرف له من الهواء ، وألقاه في الرداء وأمره فضمه إلى صدره فجعل الله ذلك تفضلاً سبباً لقضاء حاجته .\rوكذلك لم يقل له عليه الصلاة والسلام : مالك تسألني والله أقرب إليك مني ؟ لما هو معلوم عند كل أحد أن المعول عليه في قضاء الحوائج من بيده مقاليد الأمور إنما هو أقربية الطالب منه عز وجل وكمال مكانته عنده .\rقتادة يستغيث به لإصلاح عينه :\rوقد ثبت أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه فسالت حدقته على وجنته فأرادوا أن يقطعوها ، فقال : لا حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستأمره ، فقال : لا ، ثم وضع راحته على حدقته ثم غمزها فعادت كما كانت فكانت أصح عينيه .\rرواه البغوي وأبو يعلى وأخرجه الدارقطني وابن شاهين والبيهقي في الدلائل ، ونقلها الحافظ ابن حجر في الإصابة (ج3 ص225) ، والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (ج4 ص297) ، والحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى .\rوآخر يستعين به في زوال سلعته :\rعن محمد بن عقبة بن شرحبيل عن جده عبد الرحمن عن أبيه قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبكفي سلعة فقلت : يا نبي الله ! هذه السلعة قد أورمتني لتحول بيني وبين قائم السيف أن أقبض عليه وعن عنان الدابة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :\r((أدن مني)) ..\rقال : فدنوت ففتحها فنفث في كفي ثم وضع يده على السلعة فما زال يطحنها بكفه حتى رفع عنها وما أرى أثرها .\rرواه الطبراني وذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (ج8 ص298) .\rوالسلعة (دمل) تظهر تحت الجلد .\rمعاذ يطلب منه إصلاح يده :\rوفي يوم بدر ضرب عكرمة بن أبي جهل معاذ بن عمرو بن الجموح على عاتقه أثناء القتال يقول معاذ : فضرب يدي فتعلقت بجلدة من جنبي وأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت عليها حتى طرحتها .","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"قال في المواهب : وجاء معاذ بن عمرو يحمل يده ، وضربه عليها عكرمة ، إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كما ذكر القاضي عياض عن ابن وهب ، فبصق عليه الصلاة والسلام عليها فلصقت .\rذكر هذه القصة الزرقاني وأسندها إلى ابن إسحاق ومن طريقه الحاكم .\rالاستعانة والاستغاثة به إلى الله في البلاء :\rوقد استفاضت النصوص الصحيحة التي تنطق بأنهم كانوا إذا أصابهم القحط وانقطع عنهم المطر فزعوا إليه مستشفعين متوسلين طالبين مستغيثين به إلى الله فيعرضون عليه حالهم ويشكون ما نزل بهم من البلاء والشر .\rفهذا أعرابي يناديه وهو صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ويقول :\r(( يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا فدعا الله وجاء المطر إلى الجمعة الثانية ، فجاء وقال : يا رسول الله تهدمت البيوت وتقطعت السبل وهلكت المواشي .. يعني من كثرة المطر فدعا - صلى الله عليه وسلم - فانجاب السحاب وصار المطر حول المدينة)) ..\r(رواه البخاري في كتاب الاستسقاء باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا) .\rوروى أبو داود بسند جيد عن عائشة رضي الله عنها قالت شكا الناس إلى رسول الله قحوط المطر .\rرواه أبو داود في كتاب الصلاة أبواب الإستسقاء .\rوأخرج البيهقي في دلائل النبوة عن أنس ، بسند ليس فيه متهم بالوضع وانظر فتح الباري (ج2 ص495) .\rعن أنس بن مالك أن أعرابياً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ! أتيناك ومالنا بعير يئط ، ولا صبي يغط ، ثم أنشد :\rأتيناك والعذراء يدمى لبانها\rوقد شغلت أم الصبي عن الطفل\rوألقى بكفيه الفتى استكانة\rمن الجوع ضعفاً ما يمر ولا يحلى\rولا شيء مما يأكل الناس عندنا\rسوى الحنظل العامي والعلهز الغسل\rوليس لنا إلا إليك فرارنا\rوأين فرار الناس إلا إلى الرسل\rفقام يجر رداءه حتى صعد المنبر فرفع يديه فقال :","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"((اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً مريعاً غدقاً طبقاً نافعاً غير ضار عاجلاً غير رائث تملأ به الضرع ، وتنبت به الزرع ، وتحيي به الأرض بعد موتها . قال فما رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه حتى ألقت السماء بأردافها ، وجاء الناس يضجون الغرق ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : حوالينا ولا علينا)) ..\rفانجاب السحاب عن المدينة .\rفانظر كيف أسند - صلى الله عليه وسلم - الإغاثة والنفع ونحوهما – إلى الغيث على سبيل المجاز في الإسناد ، وكيف أقر الشاعر على قوله وليس لنا إلا إليك فرارنا – البيت ولم يعده مشركاً – لأن القصر فيه إضافي ، وهل كان يخفى عليه - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى : { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ } ، وقد أنزلت عليه .\rوالمعنى أن الفرار المرجو نفعه المؤكد – إليك لا إلى من دونك ، وإلى الرسل لا إلى من دونهم – فإن المرسلين أعلى من بهم يتوسل إلى الله عز وجل ، وأعظم من يقضي الله الحوائج على أيديهم للملتجئين إليهم والمستغيثين وتأمل جيداً – تأثره الشديد - صلى الله عليه وسلم - بما أنشده هذا الشاعر ، وشدة سرعته إلى نجدتهم وإغاثتهم حيث قام إلى المنبر يجر رداءه – ولم يتمهل حتى يصلحه استعجالاً لإجابة داعيه ، وإسراعاً إلى إغاثة مناديه ، عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام .\r] ] ]\rالنبي - صلى الله عليه وسلم - هو ركننا وعصمتنا وملاذنا\rولقد ناداه حسان بن ثابت ووصفه بأنه الركن الذي يعتمد عليه والعصمة الذي يلجأ إليه ، فقال :\rيا ركن معتمد وعصمة لائذ\rوملاذ منتجع وجار مجاور\rيا من تخيره الإله لخلقه\rفحباه بالخلق الزكي الطاهر\rأنت النبي وخير عصبة آدم\rيا من يجود كفيض بحر زاخر\rميكال معك وجبرئيل كلاهما\rمدد لنصرك من عزيز قادر\rأنظر الإصابة : (1/264) والروض الأنف : (2/91) .\rحمزة فاعل الخيرات وكاشف الكربات","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"عند ابن شاذان من حديث ابن مسعود : ما رأينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باكياً قط أشد من بكائه على حمزة بن عبد المطلب وضعه في القبلة ثم وقف على جنازته وانتحب حتى نشغ من البكاء يقول : يا حمزة يا عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأسد الله وأسد رسوله يا حمزة يا فاعل الخيرات يا حمزة يا كاشف الكربات يا ذاب عن وجه رسول الله – من المواهب اللدنية (ج1 ص212) .\rلا فرق بين الحياة والموت :\rفإن قال قائل : إن الاستغاثة به - صلى الله عليه وسلم - وشكوى الحال إليه وطلب الشفاعة والعون منه وكل ما يكون في هذا الباب إنما يصح في حياته ، أما بعد موته فهو كفر وربما تسامح فقال : (غير مشروع) أو قال : (لا يجوز) .\rفنقول : إن الاستغاثة والتوسل إن كان المصحح لطلبها هو الحياة كما يقولون فالأنبياء أحياء في قبورهم وغيرهم من عباد الله المرضيين .\rولو لم يكن للفقيه من الدليل على صحة التوسل والاستغاثة به - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته إلا قياسه على التوسل والاستغاثة به في حياته الدنيا لكفى فإنه حيي الدارين دائم العناية بأمته ، متصرف بإذن الله في شؤونها خبير بأحوالها تعرض عليه صلوات المصلين عليه من أمته ويبلغه سلامهم على كثرتهم .\rومن اتسع علمه بشئون الأرواح وما جعلها الله عليه من الخصائص لا سيما العالية منها اتسع قلبه للإيمان بذلك فكيف بروح الأرواح ونور الأنوار نبينا عليه الصلاة والسلام .\rولو كان طلب الشفاعة أو الاستغاثة أو التوسل به عليه الصلاة والسلام شركاً وكفراً – كما توهموه – لما جاز في حال من الأحوال لا في الحياة الدنيا ولا في الحياة الأخرى لا يوم القيامة ولا قبلها فإن الشرك ممقوت عند الله في كل حال .\r] ] ]\rدعوى باطلة","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"أما دعوى أن الميت لا يقدر على شيء فهي باطلة لأنه إن كان ذلك لكونهم يعتقدون أن الميت صار تراباً فهذا عين الجهل بما ورد عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - بل عن ربنا جل جلاله من ثبوت حياة الأرواح وبقائها بعد مفارقة الأجسام ومناداة النبي - صلى الله عليه وسلم - - لها يوم بدر :\r((يا عمرو بن هشام ويا عتبة بن ربيعة ويا فلان ابن فلان إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً)) ..\rفقيل له : ما ذلك ؟ فقال :\r((ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)) ..\rومن ذلك تسليمه على أهل القبور ومناداته لهم بقوله :\r((السلام عليكم يا أهل الديار)) ..\rومن ذلك عذاب القبر ونعيمه ، وإثبات المجئ والذهاب إلى الأرواح إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة التي جاء بها الإسلام وأثبتتها الفلسفة قديماً وحديثاً .\rولنقتصر هنا على هذا السؤال :\rأيعتقدون أن الشهداء أحياء عند ربهم كما نطق القرآن بذلك أم لا ؟ فإن لم يعتقدوا فلا كلام لنا معهم لأنهم كذبوا القرآن حيث يقول : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } .. { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } .\rوإن اعتقدوا ذلك فنقول لهم : إن الأنبياء وكثيراً من صالحي المسلمين الذين ليسوا بشهداء كأكابر الصحابة أفضل من الشهداء بلا شك ولا مرية فإذا ثبتت الحياة للشهداء فثبوتها لمن هو أفضل منهم أولى على أن حياة الأنبياء مصرح بها في الأحاديث الصحيحة .\rفإذن نقول : حيث ثبتت حياة الأرواح بالأدلة القطعية فلا يسعنا بعد\rثبوت الحياة إلا إثبات خصائصها فإن ثبوت الملزوم يوجب ثبوت اللازم كما إن نفي اللازم يوجب نفي الملزوم كما هو معروف .","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"وأي مانع عقلاً من الاستغاثة إلى الله بها والاستمداد منها كما يستعين الرجل بالملائكة في قضاء حوائجه أو كما يستعين الرجل بالرجل [وأنت بالروح لا بالجسم إنسان] .\rوتصرفات الأرواح على نحو تصرفات الملائكة لا تحتاج إلى مماسة ولا آلة ، فليست على نحو ما تعرف من قوانين التصرفات عندنا فإنها من عالم آخر ، { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } ، وماذا يفهمون من تصرف الملائكة أو الجن في هذا العالم ؟\rولا شك أن الأرواح لها من الاطلاق والحرية ما يمكنها من أن تجيب من يناديها وتغيث من يستغيث بها كالأحياء سواء بسواء بل أشد وأعظم .\rفإن كانوا لا يعرفون إلا المحسوسات ولا يعترفون إلا بالمشاهدات فهذا هو شأن الطبيعيين لا المؤمنين على أننا نتنزل معهم ونسلم لهم أن الأرواح بعد مفارقة الأجساد لا تستطيع أن تعمل شيئاً ولكن نقول لهم : إذا فرضنا ذلك وسلمنا جدلاً فلنا أن نقرر أنه ليست مساعدة الأنبياء والأولياء للمستغيثين بهم من باب تصرف الأرواح في هذا العالم ، بل مساعدتهم لمن يزورهم أو يستغيث بهم بالدعاء لهم كما يدعو الرجل الصالح لغيره ، فيكون من دعاء الفاضل للمفضول ، أو على الأقل من دعاء الأخ لأخيه ، وقد علمت أنهم أحياء يشعرون ويحسون ويعلمون ، بل الشعور أتم والعلم أعم بعد مفارقة الجسد لزوال الحجب الترابية وعدم منازعات الشهوات البشرية .\rوقد جاء في الحديث ([15]) : أن أعمالنا تعرض عليه - - صلى الله عليه وسلم - - فإن وجد خيراً حمد الله وإن وجد غير ذلك استغفر لنا ، ولنا أن نقول : إن المستغاث به والمطلوب منه الإغاثة هو الله تعالى ، ولكن السائل يسأل متوسلاً إلى الله بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في أنه يقضي حاجته ، فالفاعل هو الله ، ولكن أراد السائل أن يسأله تعالى","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"ببعض المقربين لديه الأكرمين عليه ، فكأنه يقول : أنا من محبيه [أو محسوبيه] فارحمني لأجله وسيرحم الله كثيراً من الناس لأجل النبي - صلى الله عليه وسلم - - وغيره من الأنبياء والأولياء والعلماء .\rوبالجملة فإكرام الله لبعض أحباب النبي - صلى الله عليه وسلم - لأجل نبيه بل بعض العباد لبعض ، أمر معروف غير مجهول ، ومن ذلك الذين يصلون على الميت ويطلبون من الله أن يكرمه ويعفو عنه لأجلهم بقولهم : وقد جئناك شفعاء فشفعنا .\r] ] ]\rهل طلب ما لا يقدر عليه إلا الله شرك ؟\rومن جملة الدعاوى الباطلة التي يستمسك بها هؤلاء المكفرون لمن يتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أو يطلب منه هو قولهم: إن الناس يطلبون من الأنبياء والصالحين الميتين ما لا يقدر عليه إلا الله وذلك الطلب شرك .\rوجوابه أن هذا سوء فهم لما عليه المسلمون في قديم الدهر وحديثه فإن الناس إنما يطلبون منهم أن يتسببوا عند ربهم في قضاء ما طلبوه من الله عز وجل بأن يخلقه سبحانه بسبب تشفعهم ودعائهم وتوجههم كما صح ذلك في الضرير وغيره ممن جاء طالباً مستغيثاً متوسلاً به إلى الله وقد أجابهم إلى طلبهم وجبر خواطرهم وحقق مرادهم بإذن الله ولم يقل - صلى الله عليه وسلم - لواحد منهم : أشركت ، وهكذا كل ما طلب منه من خوارق العادات كشفاء الداء العضال بلا دواء وإنزال المطر من السماء حين الحاجة إليه ولا سحاب ، وقلب الأعيان ونبع الماء من الأصابع ، وتكثير الطعام وغير ذلك فهو مما لا يدخل تحت قدرة البشر عادة وكان يجيب إليه ولا يقول عليه الصلاة والسلام لهم : إنكم أشركتم فجددوا إسلامكم فإنكم طلبتم مني ما لا يقدر عليه إلا الله .\rأفيكون هؤلاء أعلم بالتوحيد وبما يخرج عن التوحيد من رسول الله وأصحابه ، هذا ما لا يتصوره جاهل فضلاً عن عالم .","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"وحكى القرآن المجيد قول نبي الله سليمان لأهل مجلسه من الجن والإنس : { يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } .. فهو يطلب منهم الإتيان بالعرش العظيم من اليمن إلى موضعه بالشام على طريقة خارقة للعادة ليكون ذلك آية لصاحبته داعية إلى إيمانها .\rولما قال عفريت من الجن : { أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ } ، يعني في ساعات قليلة ، قال نبي الله عليه الصلاة والسلام : أريد أعجل من ذلك ، فقال الذي عنده علم من الكتاب وهو أحد الصديقين من أهل مجلسه من الإنس : { أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } يعني قبل أن يرجع إليك طرفك إذا أرسلته ، فقال عليه الصلاة والسلام : ذلك أريد فدعا الرجل فإذا بالعرش بين يديه .\rفالإتيان بالعرش على هذه الطريقة هو مما لا يقدر عليه إلا الله وليس داخلاً تحت مقدور الإنس ولا الجن عادة وقد طلبه سليمان من أهل مجلسه ، وقال ذلك الصديق له : أنا أفعل ذلك ، أفكفر نبي الله سليمان بذلك الطلب وأشرك وليّ الله بهذا الجواب حاشاهما من ذلك ، وإنما إسناد الفعل في الكلامين على طريقة المجاز العقلي ، وهو سائغ بل شائع .\rوكشف الخفاء عن هذا اللبس إن كان ثم خفاء هو أن الناس إنما يطلبون منهم التشفع إلى الله في ذلك وهو مما أقدرهم الله عليه ، وملكهم إياهم ، فالقائل يا نبي الله إشفني أو اقض ديني ، فإنما يريد إشفع لي في الشفاء وادع لي بقضاء ديني وتوجه إلى الله في شأني فهم ما طلبوا منه إلا ما أقدرهم الله عليه وملكهم إياه من الدعاء والتشفع .","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"وهذا هو الذي نعتقده فيمن قال ذلك وندين الله على هذا فالإسناد في كلام الناس من المجاز العقلي الذي لا خطر فيه على من نطق به كقوله سبحانه وتعالى : { سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ } ، وقوله عليه الصلاة والسلام : ((إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم)) ..\rوهو في كلام الله ورسوله والخاصة والعامة كثير جداً وليس فيه محذور فإن صدوره من الموحدين قرينة على مرادهم وليس فيه شيء من سوء الأدب ، وقد فصلنا هذه الحقيقة في مبحث خاص بها من هذا الكتاب .\rإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله\r[هذا طرف من الحديث المشهور الذي رواه الترمذي وصححه عن ابن عباس مرفوعاً] .\rوهذا الحديث يخطئ كثير من الناس في فهمه ، إذ يستدل به على أنه لا سؤال ولا استعانة مطلقاً من كل وجه وبأي طريق إلا بالله ويجعل السؤال والاستعانة بغير الله من الشرك المخرج من الملة ، وهو بهذا ينفي الأخذ بالأسباب والاستعانة بها ويهدم كثيراً من النصوص الواردة في هذا الباب .\rوالحق أن هذا الحديث الشريف ليس المقصود به النهي عن السؤال والاستعانة بما سوى الله كما يفيده ظاهر لفظه ، وإنما المقصود به النهي عن الغفلة عن أن ما كان من الخير على يد الأسباب فهو من الله ، والأمر بالانتباه إلى أن ما كان من نعمة على يد المخلوقات فهو من الله وبالله ، فالمعنى : وإذا أردت الاستعانة بأحد من المخلوقين ، ولابد لك منها فاجعل كل اعتمادك على الله وحده ولا تحجبنك الأسباب عن رؤية المسبب جل جلاله ، ولا تكن ممن يعلمون ظاهراً من هذه الارتباطات والعلاقات بين الأشياء المترتب بعضها على بعض ، وهم عن الذي ربط بينها غافلون .","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"وقد أومأ هذا الحديث نفسه إلى هذا المعنى ، وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام عقب هذه الجملة الشريفة : ((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)) فأثبت لهم كما نرى نفعاً وضراً بما كتبه الله للعبد أو عليه .\rفهذا منه - صلى الله عليه وسلم - يوضح مراده .\rوكيف ننكر الاستعانة بغيره ، وقد جاء الأمر بها في مواضع كثيرة من الكتاب والسنة ، قال تعالى : { وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ } ، وقال : { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ } .\rوحكي عن العبد الصالح ذي القرنين قوله : { فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ } ، وفي مشروعية صلاة الخوف الثابتة بالكتاب والسنة مشروعية استعانة بعض الخلق ببعض ، وكذا في أمره تعالى المؤمنين بأن يأخذوا حذرهم من عدوهم .\rوكذا في ترغيبه عليه الصلاة والسلام للمؤمنين في قضاء حوائج بعضهم بعضاً ، والتيسير على المعسر والتفريج عن المكروب ، وفي ترهيبه من إهمال ذلك ، وهو في السنة كثير ، روى الشيخان : من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته .\rوروى مسلم وأبو داود وغيرهما عنه عليه الصلاة والسلام : ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)) . وقال - صلى الله عليه وسلم - :\r((إن لله خلقاً خلقهم لحوائج الناس يفزع الناس إليهم في حوائجهم ، أولئك الآمنون من عذاب الله)) .\rفانظر إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - :\r((يفزع إليهم في حوائجهم)) ولم يجعلهم مشركين بل ولا عاصين ..\rوروي أيضاً مرفوعاً :\r((إن لله عند أقوام نعما أقرها عندهم ما كانوا في حوائج المسلمين ما لم يملوهم ، فإذا ملوهم نقلها إلى غيرهم)) ..\rوروى هو وابن أبي الدنيا عنه - صلى الله عليه وسلم - :\r((إن لله أقواماً اختصهم بالنعم لمنافع العباد ، يقرهم فيها ما بذلوها فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم)) ..","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"قال الحافظ المنذري : ولو قيل بتحسين سنده لكان ممكناً . وقال - صلى الله عليه وسلم - :\r((لأن يمشي أحدكم مع أخيه في قضاء حاجته – وأشار باصبعه – أفضل من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرين)) ..\rرواه الحاكم وقال : صحيح الإسناد .\r] ] ]\rوإذا سألت فاسأل الله\rأما قوله صلى الله عليه وسلم :\r((وإذا سألت فاسأل الله)) ..\rفإنه لا مستمسك فيه ولا دليل لمنع السؤال أو التوسل ، ومن فهم من ظاهره منع السؤال من الغير مطلقاً أو منع التوسل بالغير على الإطلاق فقد أخطأ الطريق وغالط نفسه كل المغالطة وذلك لأن من اتخذ الأنبياء والصالحين وسيلة إلى الله ، لجلب خير منه عز وجل أو دفع خير كذلك ، فهو ليس إلا سائلاً الله وحده أن ييسر له ما طلب أو يصرف عنه ما شاء متوسلاً إليه بمن توسل به ، وهو في ذلك آخذ بالسبب الذي وضعه الله لينجح العبيد في قضاء حوائجهم منه عز وجل ، ومن أخذ بالسبب الذي أمر الله بسلوكه لنيل جوده فما سأل السبب بل سأل واضعه فقول القائل : يا رسول الله أريد أن ترد عيني أو يزول عنا البلاء أو أن يذهب مرضي ، فمعنى ذلك طلب هذه الأشياء من الله بواسطة شفاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو كقوله : ادع لي بكذا واشفع لي في كذا ، لا فرق بينهما إلا أن هذه أصرح في المراد من ذلك ، ومثلهما في ذلك أوضح قول المتوسل : اللهم إني أسألك بنبيك تيسير كذا مما ينفع أو دفع كذا من الشر ، فالمتوسل في ذلك كله ما سأل في حاجته إلا الله عز وجل .\rوبهذا تعلم أن الاحتجاج على منع التوسل بقوله عليه الصلاة والسلام :\r((إذا سألت فاسأل الله)) ..","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"هو مغالطة في حمل الحديث على ما هو ظاهر الفساد ، من أنه لا يصح لأحد أن يسأل غير الله شيئاً ، فإن من فهم هذا من الحديث فقد أخطأ الخطأ كله ويكفي في بيان الخطأ ، أن الحديث نفسه ، إنما هو جواب منه عليه الصلاة والسلام لسؤال ابن عباس راوي الحديث بعد تشويق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسأله فإنه قال : يا غلام ! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ، فأي تحريض على السؤال أجمل من هذا ؟\rقال ابن عباس : بلى ، فأجابه عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث الذي منه هذه الجملة .\rولو جرينا على هذا الوهم ، ما صح على مقتضاه ، أن يسأل جاهل عالماً ، ولا واقع في مهلكة غوثاً ، ممن تتوقف نجاته على إغاثته ، ولا دائن مديناً قضاء ما عليه ، ولا مستقرض قرضاً ، ولما صح للناس يوم القيامة أن يسألوا النبيين الشفاعة ولا صح لنبي الله عيسى أن يأمرهم بسؤالها سيد المرسلين عليه وعليهم الصلاة والسلام ، فإن الدليل على هذا الوهم الذي توهموه عام ، يشمل عدم صحة ما ذكرناه وما لم نذكره .\rفإن قالوا : إن الممنوع إنما هو سؤال الأنبياء والصالحين من أهل القبور في برازخهم لأنهم غير قادرين ، وقد سبق رد هذا الوهم مبسوطاً ، وإجماله : إنهم أحياء قادرون على الشفاعة والدعاء ، وحياتهم حياة برزخية لائقة بمقامهم يصح بها نفعهم بالدعاء والاستغفار ، والمنكر لذلك أخف أحواله أنه جاهل بما كاد يلحق بالتواتر من سنته عليه الصلاة والسلام ، الدال على أن موتى المؤمنين لهم في حياتهم البرزخية العلم والسماع والقدرة على الدعاء وما شاء الله من التصرفات فما الظن بأكابر أهل البرزخ من النبيين وسائر الصالحين .","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"وفي حديث الإسراء الصحيح بل المشهور – ما فعل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع خيرهم محمد - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة خلفه والخطب بين يديه – والدعاء له في السماوات – حتى أن الأمة ما ظفرت بتخفيف خمسين صلاة – إلى خمس في كل يوم وليلة بشفاعته - صلى الله عليه وسلم - المتعددة – إلا بعد إشارة كليم الله موسى بن عمران بها عليه ، صلى الله عليهما وسلم .\rوبهذا يتبين أن المقصود من الحديث – ليس ما توهموه فإنه فاسد واضح الفساد كما تبين ، وإنما المقصود منه الترهيب من سؤال الناس أموالهم بلا حاجة طمعاً فيها ، والقناعة بما يسر الله ولو كان قليلاً ، والتعفف عما لا تدعو إليه الحاجة مما بأيدي الناس ، وأن يستغني بسؤال الله من فضله فإنه يحب الملحين في الدعاء – والناس على العكس .\rالله يغضب إن تركت سؤاله :: وبني آدم حين يسأل يغضب\rفالمعنى – إنك إذا رأيت في يد أحد من المال ما أعجبك وطمحت إليه نفسك فلا تسأله ما في يده واستعن بسؤال الله من فضله – عن سؤال عبده فالحديث إرشاد إلى القناعة ، والتنزه عن الطمح ، وأين هذا من سؤال الله بأنبيائه وأوليائه أو سؤال أنبيائه الشفاعة للسائلين فيما جعل الله شفاعتهم فيه الذي هو من أقوى الأسباب في النجاح ، ولكن الإنسان إذا ركب الهوى شط به في مجال الأوهام ، وخرج به عن جادة الأفهام .\r} { } { } { } {\r} { } { } {\r} { } {\r} {\r?\r?\rإنه لا يستغاث بي\rجاء في الحديث إنه كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - منافق يؤذي المؤمنين ، فقال أبو بكر الصديق : قوموا بنا لنستغيث برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا المنافق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :\r((إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله))..\rرواه الطبراني في معجمه الكبير .","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"وهذا الحديث قد يستدل به من يقول بمنع الاستغاثة به - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا استدلال باطل من أصله وذلك لأنه لو أجراه على ظاهره لكان المقصود به منع الاستغاثة به - صلى الله عليه وسلم - مطلقاً ، كما هو ظاهر اللفظ ، وهذا منقوض بفعل الصحابة معه - صلى الله عليه وسلم - إذ كانوا يستغيثون ويستسقون به ويطلبون منه الدعاء وهو يستجيب لذلك بفرح وسرور وحينئذ فلابد من تأويله بما يناسب عمومات الأحاديث لينتظم شمل النصوص فنقول : إن المراد بقوله ذلك هو إثبات حقيقة التوحيد في أصل الاعتقاد وهو أن المغيث حقيقة هو الله تعالى والعبد ما هو إلا واسطة في ذلك أو أنه أراد أن يعلمهم أنه لا يطلب من العبد ما لا يقدر عليه كالفوز بالجنة والنجاة من النار والهداية التي هي العصمة من الغواية وضمان الختم على السعادة .\rوالحديث لا يدل على تخصيص الاستعانة والإغاثة بالحي دون الميت ولا يمت بصلة إلى هذا التفريق بل إن ظاهره يمنع الاستغاثة أبداً بما سوى الله دون تفريق بين حي وميت وهذا غير مقصود لما قدمناه .\rوقد أشار الشيخ ابن تيمية في الفتاوى إلى نحو هذا المعنى حيث قال : قد يكون في كلام الله ورسوله عبارة لها معنى صحيح لكن بعض الناس يفهم من تلك غير مراد الله ورسوله فهذا يرد عليه فهمه ، كما روى الطبراني في معجمه الكبير أنه كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - منافق يؤذي المؤمنين ، فقال أبو بكر الصديق : قوموا بنا لنستغيث برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا المنافق ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :\r((إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله)) ..","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"فهذا إنما أراد به النبي - صلى الله عليه وسلم - المعنى الثاني وهو أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله ، وإلا فالصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء ويستسقون به كما في صحيح البخاري عن ابن عمر قال : ربما تذكرت الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - يستسقى فما ينزل حتى يجيش له ميزاب :\rوأبيض يستسقى الغمام بوجهه :: ثمال اليتامى عصمة للأرامل\rألفاظ مستعملة وردت في هذا الباب\rوقد وردت ألفاظ في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - حصل بسببها اللبس عند بعضهم فحكم بالكفر على قائليها وذلك كقولهم : ليس لنا ملاذ سوى النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rولا جاء إلا هو ..\rوأنا مستجير به ..\rوإليه يفزع في المصائب\rوإن توقفت فمن أسأل\rومقصودهم ليس لنا ملاذ أي من الخلق ، ولا رجاء أي من البشر ، وإليه يفزع في المصائب أي من سائر الخلق لكرامته عند مولاه وليقوم هو بالتوجه إلى الله والطلب منه وإن توقفت فمن أسال أي من عباد الله .\rومع أننا في دعائنا وتوسلنا لا نستعمل مثل هذه الألفاظ ولا ندعو إليها ولا نحث عليها دفعاً للإيهام وابتعاداً عن الألفاظ المختلف فيها وتمسكاً بالظاهر الذي لا خلاف فيه إلا أننا نرى أن الحكم على قائليها بالكفر تسرع ليس بمحمود وتصرف لا حكمة فيه وذلك لأنه لابد من أن نأخذ في الاعتبار أن قائليها هم من الموحدين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيمون الصلاة ويصدقون بجميع أركان الدين ويؤمنون بالله رباً وبمحمد نبياً وبالإسلام ديناً وبذلك صارت لهم ذمة أهل الدين وحرمة الإسلام ، فعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :\r((من صلى صلاتنا وأسلم واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته)) ..\rرواه البخاري .","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"ومن هنا فإن الواجب علينا أننا إذا وجدنا في كلام المؤمنين إسناد شيء لغير الله سبحانه وتعالى فإنه يجب حمله على المجاز العقلي ولا سبيل إلى تكفيرهم إذ المجاز العقلي مستعمل في الكتاب والسنة فصدور ذلك الإسناد من موحد كاف في جعله إسناداً مجازياً لأن الاعتقاد الصحيح هو اعتقاد أن الله هو الخالق للعباد وأفعالهم لا تأثير لأحد سواه لا لحي ولا لميت فهذا الاعتقاد هو التوحيد بخلاف من اعتقد غير هذا فإنه يقع في الإشراك وليس في المسلمين إطلاقاً من يعتقد لأحد مع الله فعل أو ترك أو رزق أو إحياء أو إماتة وما جاء من الألفاظ الموهمة فإن مقصود أصحابها هو الاستشفاع إلى الله بتلك الوسيلة فالمقصود هو الله سبحانه وتعالى وليس من المسلمين رجل واحد يعتقد فيمن يطلبه أو يسأله أنه قادر على الفعل والترك دون التفات إلى الله تعالى من قريب أو بعيد أو مع التفات هو أدنى إلى الشرك بالله ونعوذ بالله أن نرمي مسلماً بشرك أو كفر من أجل خطأ أو جهل أو نسيان أو اجتهاد([16]) .\rونحن نقول : إن كان كثير من هؤلاء يخطئون في التعبير بطلب المغفرة والجنة والشفاء والنجاح وسؤالهم ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مباشرة فإنه لا يخطئهم التوحيد ، لأن المقصود هو الاستشفاع إلى الله بتلك الوسيلة فكأنه يقول : يا رسول الله ! اسأل الله أن يغفر لي وأن يرحمني ، وأنا أتوسل بك إليه في قضاء حاجتي وتفريج كربتي وتحقيق رغبتي .\rوقد كان الصحابة رضي الله عنهم يستعينون به صلى الله عليه وسلم ويستغيثون ويطلبون منه الشفاعة ويشكون حالهم إليه من الفقر والمرض والبلاء والدين والعجز ، كما ذكرناه .\rومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يفعل ذلك بنفسه استقلاًلاً بذاته أو بقوته ، وإنما هو بإذن الله وأمره وقدرته وهو عبد مأمور له مقامه وجاهه عند ربه ، وله كرامته التي يدخل بها على الله عامة البشر ممن يؤمنون به ويصدقون برسالته ويعتقدون فضله وكرامته .","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"ونحن نعتقد أن من اعتقد خلاف هذا فقد أشرك بلا خلاف .\rولذلك تراه صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان ينبه على هذا إذا ظهر له بطريق الوحي أو الحال أن السائل أو السامع ناقص الاعتقاد ففي موقف يخبر أنه سيد ولد آدم ، وفي موقف آخر ينبههم على أن السيد هو الله ، وفي موقف يستغيثون به ويعلمهم أن يتوسلوا به ، وفي موقف يقول لهم : إنما يستغاث بالله ولا يستغاث بي ، وفي موقف يسألونه ويستغيثون به فيجيبهم إلى طلبهم ، بل ويخيرهم بين أمرين ، الصبر على البلاء مع ضمانة الجنة أو كشف البلاء سريعاً كما خير الأعمى وخير المرأة التي تصرع ، وخير قتادة الذي ذهبت عينه ، وفي موقف يقول : من فرج عن مؤمن كربة .. وفي موقف يقول : لا يأتي بالخيرات إلا الله .\rوبهذا يظهر لك أن عقيدتنا بحمد الله أصفى عقيدة وأطهر ، فالعبد لا يفعل شيئاً بنفسه مهما كانت رتبته أو درجته حتى أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم ، إنما يعطي ويمنع ويضر وينفع ويجيب ويعين بالله سبحانه وتعالى .\rفإذا استغيث به أو استعين أو طلب فإنما يتوجه إلى المولى جل شأنه سبحانه وتعالى ، فيطلب ويدعو ويسأل ويشفع فيجاب ويشفع .\rوما كان يقول لهم : لا تطلبوا مني شيئاً ولا تسألوني ولا تشكوا حالكم إليَّ بل توجهوا إلى الله واسألوه فبابه مفتوح وهو قريب مجيب لا يحتاج إلى أحد ، وليس بينه وبين خلقه حجاب ولا بواب .\r] ] ]\rموقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب من هذه الألفاظ التي زعموا أنها شرك أو ضلال","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"وللشيخ محمد بن عبد الوهاب موقف عظيم ورأي حكيم في هذا الباب وخصوصاً بالنسبة لبعض الألفاظ المشتهرة على الألسنة ، والتي زعم من يدعي حماية التوحيد والغيرة عليه أنه شرك ، وإن قائلها مشرك – وها هو إمام التوحيد ورأس الموحدين يقول : كلمته السديدة بحكمته الرشيدة التي بسببها انتشرت دعوته بين الأنام واشتهرت طريقته عند الخاص والعام ، استمع إلى قوله رحمه الله في عقيدته ضمن رسالته رحمه الله إلى عبد الله بن سحيم مطوع أهل المجمعة :\rإذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها منها : ما هو من البهتان الظاهر ، وهي قوله : إني مبطل كتب المذاهب ، وقوله : إني أقول : إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء ، وقوله : إني أدعي الاجتهاد ، وقوله إني خارج عن التقليد ، وقوله : إني أقول : إن اختلاف العلماء نقمة ، وقوله : إني أكفر من توسل بالصالحين ، وقوله : إني أكفر البوصيري لقوله : ياأكرم الخلق ، وقوله : إني أكفر من توسل بالصالحين ، وقوله : إني أقول : لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب، وقوله : إني أنكر زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقوله : إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم ، وإني أكفر من يحلف بغير الله ، فهذه اثنتا عشرة مسألة ، جوابي فيها أن أقول : { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } ، ولكن قبله من بهت النبي محمداً - صلى الله عليه وسلم - أنه يسب عيسى ابن مريم ، ويسب الصالحين ، { تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ } .\rكذا في الرسالة الحادية عشرة من رسائل الشيخ ضمن مجموعة مؤلفاته القسم الخامس ص 61 .\rوقد نشرتها جامعة محمد بن سعود الإسلامية في أسبوع الشيخ محمد ابن عبد الوهاب .\rالخلاصة","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"والحاصل أنه لا يكفر المستغيث إلا إذا اعتقد الخلق والإيجاد لغير الله تعالى ، والتفرقة بين الأحياء والأموات لا معنى لها فإنه من اعتقد الإيجاد لغير الله كفر على خلاف للمعتزلة في خلق الأفعال ، وإن اعتقد التسبب والاكتساب لم يكفر .\rوأنت تعلم أن غاية ما يعتقد الناس في الأموات هو أنهم متسببون ومكتسبون كالأحياء لا أنهم خالقون موجدون كالإله إذ لا يعقل أن يعتقد فيهم الناس أكثر من الأحياء وهم لا يعتقدون في الأحياء إلا الكسب والتسبب ، فإذا كان هناك غلط فليكن في اعتقاد التسبب والاكتساب لأن هذا هو غاية ما يعتقده المؤمن في المخلوق وإلا لم يكن مؤمناً والغلط في ذلك ليس كفراً ولا شركاً .\rولا نزال نكرر على مسامعك أنه لا يعقل أن يعتقد في الميت أكثر مما يعتقد في الحي فيثبت الأفعال للحي على سبيل التسبب ، ويثبتها للميت على سبيل التأثير الذاتي والإيجاد الحقيقي فإنه لا شك أن هذا مما لا يعقل .\rفغاية أمر هذا المستغيث بالميت – بعد كل تنزل – أن يكون كمن يطلب العون من المقعد غير عالم أنه مقعد ، ومن يستطيع أن يقول : إن ذلك شرك ؟ على أن التسبب مقدور للميت وفي إمكانه أن يكتسبه كالحي بالدعاء لنا فإن الأرواح تدعوا لأقاربهم .\rوجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إن أعمالكم تعرض على أقاربكم من الأموات فإن كان خيراً استبشروا به وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم لا تمتهم حتى تهديهم إلى ما هديتنا ، أخرجه أحمد وله طرق يشد بعضها بعضاً ، أنظر الفتح الرباني ترتيب المسند ج7 ص89 وشرح الصدور للسيوطي .\rوجاء عن ابن المبارك بسنده إلى أبي أيوب ، قال : تعرض أعمال الأحياء على الموتى ، فإذا رأوا حسناً فرحوا واستبشروا ، وإن رأوا سوءاً قالوا : اللهم راجع بهم . (أنظر كتاب الروح لابن القيم) .\rالباب الثاني\rمبَاحث نبويّة\rوفيها بيان خصائص النبيّ صلى الله عليه وسَلم\rوحقيقة النبوّة وحقيقة البشرية وحقيقة الحياة البرزخية","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"الخصائص المحمدية وموقف العلماء منها\rاعتنى العلماء بالخصائص النبوية اعتناء عظيماً بالتأليف والشرح والجمع والإفراد بالبحث وأشهرها وأجمعها ((الخصائص الكبرى)) للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي .\rوهذه الخصائص كثيرة جداً منها ما صح سنده ومنها ما لم يصح ومنها ما هو مختلف فيه بين العلماء إذ يرى بعضهم أنه صحيح ويرى الآخرون خلاف ذلك فهي مسائل خلافية .\rوالكلام فيها دائر بين العلماء من قديم بين الصواب والخطأ والصحة والبطلان ، لا بين الكفر والإيمان ، والعلماء يختلفون في كثير من الأحاديث ويرد بعضهم على بعض في تصحيحها وتضعيفها أو ردها لاختلاف أنظارهم في تقييم أسانيدها ونقد رجالها ، فمن صحح منها الضعيف أو ضعف الصحيح أو أثبت المردود أو رد الثابت بحجة أو تأويل أو شبهة دليل فقد سلك مسلك العلماء في البحث والنظر ، وذلك من حقه كإنسان له عقله وفهمه والمجال مفتوح والميدان فسيح والعلم مشاع بين الجميع .\rوقد شجع عليه إمام العقلاء وسيد العلماء النبي الأعظم والرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم إذ جعل للمجتهد المصيب أجرين وللمجتهد المخطئ أجراً .","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"ولم يزل العلماء يتسامحون في نقل الخصائص النبوية وينظرون إليها على أنها داخلة في فضائل الأعمال ولا تتعلق بالحلال والحرام وعلى هذا بنى العلماء قاعدتهم في العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ما دام أنه ليس موضوعاً ولا باطلاً بشروطهم المعتبرة في هذا الباب ولا يشترطون فيها الصحيح بالمعنى المصطلح عليه ، ولو ذهبنا إلى اشتراط هذا الشرط الشاذ لما أمكن لنا ذكر شيء من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعد البعثة مع أنك تجد كتب الحفاظ الذين عليهم العمدة وعلى صنيعهم المعول ، والذين منهم عرفنا ما يجوز وما لا يجوز ذكره من الحديث الضعيف نجد كتبهم مملوءة بالمقطوعات والمراسيل وما أخذ عن الكهان وأشباههم في خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ذلك مما يجوز ذكره في هذا المقام .\rكتب السلف والخصائص :\rولو رجعنا إلى كتب السلف لوجدنا كثيراً من علماء الأمة وأئمة الفقه يذكرون في كتبهم جملة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وينقلون من هذه الخصائص عجائب وغرائب ولو توقف الباحث في قبولها على صحة سندها لما صفا له من ذلك إلا نزر يسير بالنسبة لمقدار ما نقوله منها ، وهذا كله اعتماداً على ما هو معروف من قواعد العلماء وأصولهم المقررة في هذا الباب .\r] ] ]\rابن تيمية والخصائص النبوية","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"أما الشيخ ابن تيمية وهو معروف بتشدده فقد نقل في كتبه بعض الأقوال في هذا الموضوع التي لم يصح سندها واستشهد بها في كثير من المسائل واعتبرها معتمدة في بيان أو تأييد ما يفسره من الحديث ، ومن ذلك على سبيل المثال قوله في الفتاوى الكبرى : قد روي أن الله كتب اسمه أي النبي - صلى الله عليه وسلم - على العرش وعلى ما في الجنة من الأبواب والقباب والأوراق ، وروى في ذلك عدة آثار توافق هذه الأحاديث الثابتة التي تبين التنويه باسمه وإعلاء ذكره حين قال : وقد تقدم لفظ الحديث الذي في المسند عن ميسرة الفجر لما قيل له : متى كنت نبياً ؟ قال : وآدم بين الروح والجسد ، وقد رواه أبو الحسين بن بشران من طريق الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي في الوفا بفضل المصطفى - صلى الله عليه وسلم - : حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو وحدثنا أحمد بن إسحاق ابن صالح حدثنا محمد بن صالح حدثنا محمد بن سنان العوفى حدثنا إبراهيم بن طهمان عن يزيد بن ميسرة عن عبد الله بن سفيان عن ميسرة قال : قلت : يا رسول الله ! متى كنت نبياً ؟ قال :\r((لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وخلق العرش كتب على ساق العرش محمد رسول الله خاتم الأنبياء ، وخلق الجنة التي أسكنها آدم وحواء فكتب اسمي على الأبواب والأوراق والقباب والخيام وآدم بين الروح والجسد ، فلما أحياه الله تعالى نظر إلى العرش فرأى اسمي فأخبره الله أنه سيد ولدك ، فلما غرهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه)) .. اهـ .\r(الفتاوى ج2 ص151)\rابن تيمية والكرامات :\rوالخصائص والكرامات من جنس واحد من ناحية الحكم عليها ونقلها وعدم التشدد فيها مكا نتشدد في نقل الأحكام من الحلال والحرام فهي كلها تدور في فلك المناقب والفضائل .\rومن هنا كان موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من كرامات الأولياء نفس موقفه من خصائص الأنبياء .\rوقد نقل في كتبه جملة صالحة من الكرامات وخوارق العادات التي وقعت في الصدر الأول .","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"ولو بحثنا عن درجاتها وأسانيدها وطريق ثبوتها لوجدنا أن منها الصحيح ومنها الحسن ومنها الضعيف ومنها المقبول ومنها المردود ومنها المنكر ومنها الشاذ .\rوكل ذلك في هذا الباب مقبول وعن العلماء محمول ومنقول فمن ذلك قوله في كرامات لبعض الصحابة – رضي الله عنهم :\r1- خرجت أم أيمن مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت من العطش فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة سمعت حساً على رأسها فرفعته فإذا دلو معلق فشربت منه حتى رويت وما عطشت بقية عمرها .\r2- وهذا سفينة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبر الأسد بأنه رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمشى معه الأسد حتى أوصله مقصده .\r3- وهذا البراء بن مالك كان إذا أقسم على الله تعالى أبر قسمه وكانت الحرب إذا اشتدت على المسلمين في الجهاد يقولون : يا براء ! اقسم على ربك ، فيقول : يا رب ! أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم فهزم العدو ، فلما كان يوم القادسية قال : أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وجعلتني أول شهيد ، فمنحوا أكتافهم ، وقتل البراء شهيداً.\r4- وهذا خالد بن الوليد حاصر حصناً منيعاً فقالوا : لا نسلم حتى تشرب السم فشربه فلم يضره .\r5- وهذا عمر بن الخطاب لما أرسل جيشاً أمر عليهم رجلاً يسمى سارية فبينما عمر يخطب فجعل يصيح على المنبر يا سارية الجبل يا سارية الجبل ، فقدم رسول الجيش فسأل فقال : يا أمير المؤمنين لقينا عدو فهزمونا فإذا بصائح : يا سارية الجبل ، فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله .","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"6- وهذا العلاء بن الحضرمي كان عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على البحرين وكان يقول في دعائه : يا عليم ، يا حليم ، يا علي ، يا عظيم فيستجاب له ، ودعا الله بأن يسقوا ويتوضوا لما عدموا الماء والاسقاء لما بعدهم فأجيب ، ودعا الله لما اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم فمروا على الماء ما ابتلت سروج خيولهم ودعا الله أن لا يروا جسده إذا مات ، فلم يجدوه في اللحد .\r7- وجرى مثل ذلك لأبي مسلم الخولاني الذي ألقي في النار ، فإنه مشى هو ومن معه من العسكر على دجلة وهي ترمى بالخشب من مدها ثم التفت إلى أصحابه فقال : هل تفقدون من متاعكم شيئاً حتى أدعو الله عز وجل فيه ؟ فقال بعضهم : فقدت مخلاة ، فقال : اتبعني فتبعه فوجدها قد تعلقت بشيء فأخذها وطلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : ما أسمع ، قال : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم ، فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه قائماً يصلي فيها وقد صارت عليه برداً وسلاماً ، وقدم المدينة بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر الصديق – رضي الله عنهما ، وقال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله ، ووضعت له جارية السم في طعامه فلم يضره وخببت([17]) امرأة عليه زوجته فدعا عليها فعميت ، وجاءت وتابت فدعا لها الله فرد عليها بصرها .\r8- وكان سعيد بن المسيب في أيام الحرة يسمع الأذان من قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوقات الصلوات ، وكان المسجد قد خلا فلم يبق غيره .\r9- وكان عمرو بن عقبة بن فرقد يصلي يوماً في شدة الحر فأظلته غمامة وكان السبع يحميه وهو يرعى ركاب أصحابه لأنه كان يشترط على أصحابه في الغزو أنه يخدمهم.","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"10- وكان مطرف بن عبد الله بن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه آنيته ، وكان هو وصاحب له يسيران في ظلمة فأضاء لهما طرف السوط . اهـ .\r(من الفتاوى الكبرى للشيخ ابن تيمية ج11 ص281)\rالشيخ ابن القيم وجلوس النبي - صلى الله عليه وسلم - على العرش(8[18])\rوقد نقل الإمام العلامة شيخ الإسلام ابن القيم خصوصية عجيبة غريبة وعزاها إلى كثير من أئمة السلف رضي الله عنهم – وهي قوله :\r[ فائدة ] قال القاضي صنف المروزي كتاباً في فضيلة النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر فيه إقعاده على العرش قال القاضي : وهو قول أبي داود وأحمد بن أصرم ويحيى ابن أبي طالب وابي بكر بن حماد وأبي جعفر الدمشقي وعياش الدوري وأسحاق ابن راهويه وعبد الوهاب الوراق وإبراهيم الأصبهاني وإبراهيم الحربي وهارون ابن معروف ومحمد بن إسماعيل السلمي ومحمد بن مصعب العابد وأبي بكر بن صدقة ومحمد بن بشر ابن شريك وأبي قلابة وعلي ابن سهل وأبي عبد الله بن عبد النور وأبي عبيد والحسن ابن فضل وهارون بن العباس الهاشمي وإسماعيل بن إبراهيم الهاشمي ومحمد بن عمران الفارسي الزاهد ومحمد بن يونس البصري وعبد الله بن الإمام أحمد المروزي وبشر الحافي ، انتهى ، قال الشيخ ابن القيم : [ قلت ] : وهو قول ابن جرير الطبري وإمام هؤلاء كلهم مجاهد إمام التفسير وهو قول أبي الحسن الدارقطني ومن شعره فيه :\rحديث الشفاعة عن أحمد إلى أحمد المصطفى مسنده\rوجاء حديث بإقعاده على العرش أيضاً فلا نجحده\rأمرّوا الحديث على وجهه ولا تدخلوا فيه ما يفسده\rولا تنكروا أنه قاعد ولا تنكروا أنه يُقعده\rاهـ (بدائع الفوائد للشيخ ابن القيم ج4 ص40).\rكشاف القناع وخصائص عجيبة\rذكر الفقيه العلامة الشيخ منصور بن يونس البهوتي في كتابه ((كشاف القناع)) جملة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم قد يستغربها كثير ممن يقصر عقله عن فهم هذه الأصول واستيعاب تلك القواعد .","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"فمنها قوله : والنجس منا طاهر منه - صلى الله عليه وسلم - ومن سائر الأنبياء صلى الله عليهم وسلم ، ويجوز أن يستشفى ببوله ودمه لما رواه الدارقطني أن أم أيمن شربت بوله ، فقال : [إذن لا تلج النار بطنك] ، لكنه ضعيف ، ولما رواه ابن حبان في الضعفاء [إن غلاماً حجم النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما فرغ من حجامته شرب دمه ، فقال : ويحك ما صنعت بالدم ؟ قال : غيبته في بطني ، قال : [اذهب فقد أحرزت نفسك من النار] . قال الحافظ ابن حجر : وكان السر في ذلك ما صنعه الملكان من غسلهما جوفه .\rومنها قوله : ولم يكن له - صلى الله عليه وسلم - [فيء] أي ظل [في الشمس والقمر لأنه نوراني والظل نوع ظلمة] . ذكره ابن عقيل وغيره ، ويشهد له أنه سأل الله أن يجعل في جميع أعضائه وجهاته نوراً وختم بقوله واجعلني نوراً ، [وكانت الأرض تجتذب أثقاله] للأخبار.\rومنها قوله : المقام المحمود جلوسه - صلى الله عليه وسلم - على العرش ، وعن عبد الله بن سلام على الكرسي ذكرهما البغوي .\rوقوله : إنه كان لا يتثاءب .\rوأنه عرض عليه الخلق من آدم إلى من بعده كما علم آدم أسماء كل شيء لحديث الديلمي : [مثلت لي الدنيا بالماء والطين فعلمت الأشياء كلها] ، وعرض عليه أمته بأسرهم حتى رآهم لحديث الطبراني : [عرضت عليَّ أمتي البارحة لدى هذه الحجرة أولها وآخرها صُوِّروا لي بالماء والطين حتى إني لأعرف بالإنسان منهم من أحدكم بصاحبه] ، وعرض عليه أيضاً ما هو كائن في أمته حتى تقوم الساعة لحديث أحمد وغيره [أدريت ما تلقى أمتي بعدي وسفك بعضهم دماء بعض] .\rومنها قوله : [وزيارة قبره مستحبة للرجال والنساء] لعموم ما روى الدارقطني عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [من حج وزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي] اهـ (كشاف القناع ج5 ص30) طبع بأمر الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود – رحمه الله .","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"فهذه الخصائص التي ذكروها ونقلوها منها ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف ومنها ما لادليل له أصلاً .\rفلا أدري ماذا يقول المعترض في هذه الخصائص التي نقلها كبار الأئمة من أهل السنة ولم يعترضوا عليها بشيء وسلموها وتسامحوا في نقلها اعتماداً على قاعدة التسامح في نقل الفضائل مع أن في هذه الخصائص من الأقوال ما لو سمعه المعترض أو المنكر لحكم على قائله بما هو أعظم من الكفر وأين ما نقلناه بجانب من قال : إن سيدنا محمداً - صلى الله عليه وسلم - يجلسه الله يوم القيامة على عرشه كما نقله الإمام الشيخ ابن القيم عن كبار أئمة السلف في كتابه المعروف [ بدائع الفوائد ] بلا برهان ولا دليل صحيح من كتاب ولا سنة ، وأين ما نقلناه من الخصائص بجانب ما جاء في كشاف القناع من أن النبي نور وأنه لا ظل له وأن ما يخرج منه من الغائط تبتلعه الأرض فلا يبقى شيء منه على وجه الأرض ، وأين ما نقلناه من الخصائص بجانب ما نقله الشيخ ابن تيمية من الخصائص كقوله : إن اسمه - صلى الله عليه وسلم - مكتوب على ساق العرش وعلى أوراق الجنة وأشجارها وأبوابها وثمارها وقبابها ، فأين المعلقون والمحققون كيف فاتت عليهم هذه المسائل دون نقد وتمحيص .\r] ] ]\rالجنة تحت أقدام الأمهات فكيف لا تكون تحت\rأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"ومن الخصائص النبوية التي جرى فيها البحث بين أهل العلم ما جاء من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقطع أرض الجنة ، وقد ذكر هذه الخصوصية الحافظ السيوطي والقسطلاني والزرقاني في شرحه على المواهب اللدنيّة ، ومعلوم أن هذا الإقطاع لا يكون إلا لمن يستحقه من أهل التوحيد وبإذن من الله سبحانه وتعالى إما من طريق الوحي أو الإلهام أو التفويض من الله سبحانه وتعالى ، وقد أشار إلى ذلك - صلى الله عليه وسلم - بقوله : إنما أنا قاسم والله معطي . وإذا صح التعبير بأن الجنة تحت أقدام الأمهات ، فكيف لا يصح التعبير أن الجنة تحت أمره - صلى الله عليه وسلم - بل تحت قدمه ، والمعنى واحد ومعروف عند أدنى طلاب العلم معرفة فهو تعبير مجازي المقصود منه أن الوصول إلى الجنة هو من طريق بر الوالدين وخدمتهما وخصوصاً الأم ، وهو بالنسبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - من حيث طاعته ومحبته وموالاته .\rولهذه الخصوصية أمثال كثيرة تشهد لصحتها سنذكر أهمها .\rالنبي - صلى الله عليه وسلم - يضمن الجنة :\rويأتي في معنى إقطاع أرض الجنة ضمانة النبي - صلى الله عليه وسلم - الجنة لبعضهم ، وهذا ما حصل لأهل بيعة العقبة ، فعن عبادة بن الصامت قال : كنت ممن حضر العقبة الأولى وفيه فبايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان عظيم نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف ، قال : فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر. ذكره ابن كثير في باب بدء إسلام الأنصار (السيرة ج2 ص176).","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"وجاء في الصحيح التصريح بأن تلك البيعة مشروطة بالجنة ، قال عبادة ابن الصامت : إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ننهب بالجنة إن فعلنا ذلك([19]). رواه البخاري في كتاب ( مناقب الأنصار باب بيعة العقبة ) . وفي رواية : إنه - صلى الله عليه وسلم - قال : فمن وفى فله الجنة . كذا في البداية (ج3 ص150) .\rوعن قتادة أنهم قالوا : يا رسول الله ! فما لنا بذلك إن وفينا ؟ قال : الجنة اهـ\r(البداية ج3 ص162)\rوعن ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :\r((فإذا فعلتم ذلك فلكم على الله الجنة وعليّ)) ..\rرواه الطبراني أنظر (كنز العمال ج1 ص63) ومجمع الزوائد (ج6 ص47).\rوعن عتبة بن عمرو الأنصاري أنه - صلى الله عليه وسلم - قال :\r((فإذا فعلتم ذلك فلكم على الله الجنة وعليّ)) ..\rرواه ابن أبي شيبة وابن عساكر – أنظر كنز العمال (ج1 ص67) .\rوعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :\r((إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطاه نعليه ، فقال له : اذهب فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله فبشره بالجنة)) ..\rرواه مسلم في كتاب الإيمان .\rصكوك لدخول الجنة بيده - صلى الله عليه وسلم -\rوروي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال :","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"((قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يوضع للأنبياء منابر من نور يجلسون عليها ويبقى منبري لا أجلس عليه ، أو قال : لا أقعد عليه ، قائماً بين يدي ربي مخافة أن يبعث بي إلى الجنة وتبقى أمتي بعد ، فأقول : يا رب ! أمتي أمتي ، فيقول الله عز وجل : يا محمد ! ما تريد أن أصنع بأمتك ؟ فأقول : يا رب عجل حسابهم ، فيدعى بهم فيحاسبون ، فمنهم من يدخل الجنة برحمته ، ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي ، فما أزال أشفع حتى أعطى صكاكاً برجال قد بعث بهم إلى النار حتى إن مالكاً خازن النار ليقول : يا محمد ! ما تركت لغضب ربك في أمتك من نقمة)) ..\rرواه الطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي في البعث . قال المنذري : وليس في رواته متروك .\rالنبي صلى الله عليه وسلم يعطي الجنة :\rجاء في رواية عن جابر رضي الله عنه إنه قال : فقلنا فعلام نبايعك ؟ فقال :\r((على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكم الجنة)) .. الحديث .\rقال الحافظ ابن حجر : ولأحمد من وجه آخر عن جابر قال : كان العباس آخذاً بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما فرغنا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((أخذت وأعطيت)) .. اهـ (فتح الباري ج7 ص223) ، رواه أحمد [مجمع الزوائد ج6 ص48] أي أخذت البيعة وأعطيت الجنة .\rقلت : وقد جاء في رواية أخرى التصريح بما هو أبلغ من ذلك قال جابر : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : تبايعوني على السمع والطاعة إلى أن قال : ولكم الجنة ، قال : فقالوا : والله لا ندع هذه البيعة أبداً ولا نسلبها أبداً فبايعناه فأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة . قال الهيثمي روى أصحاب السنن طرفاً منه ، رواه أحمد والبزار ، ورجال أحمد رجال الصحيح اهـ . (مجمع الزوائد ج6 ص46) .\rالنبي - صلى الله عليه وسلم - يبيع الجنة وعثمان يشتريها :","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : اشترى عثمان الجنة من النبي صلى الله عليه وسلم مرتين بيع الحق حيث حفر بئر معونة وحيث جهز جيش العسرة . رواه الحاكم في مستدركه (ج3 ص107) وصححه .\rوكل عاقل يدري أن الجنة لله سبحانه وتعالى لا يملكها أحد ولا يتصرف فيها أحد مهما كانت قيمته ودرجته لا ملك ولا نبي ولا رسول ولكن الله يمن على رسله ويعطيهم من المنح التي تميزهم عن غيرهم وذلك لكرامتهم عنده وعلو مقامهم لديه ، فتنسب إليهم تلك العطايا وتضاف إليهم تلك التصرفات على جهة التكريم والتعظيم والاحترام والتقديم ، ومن هذا المنطلق جاء التعبير في خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - من أنه يقطع أرض الجنة أو يضمن الجنة أو يبيع الجنة أو يبشر بالجنة مع أن الجنة لله سبحانه وتعالى لا يشك في ذلك ولا يرتاب إلا جاهل ليس عنده أدنى معرفة بأبسط مسائل العلم .\rاللهم نور بصائرنا وافتح مسامع قلوبنا وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه .\rما هو المقصود بليلة المولد المفضلة :","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"ذكر بعض العلماء في الخصائص النبوية أن ليلة المولد النبوي أفضل من ليلة القدر وعقد مقارنة في هذا الموضوع بين الليلتين ، والذي نحب أن نذكره هنا هو أن المقصود بهذه الليلة هي الليلة التي وقع فيها الميلاد النبوي حقيقة وهي قد مضت منذ مئات السنين وهي كانت قبل أن تعرف أو تظهر ليلة القدر بلا شك وليس المقصود بذلك ليلة المولد المتكررة كل عام ، والتي هي نظائر ليلة الميلاد الحقيقي ، والحق أن البحث في هذه المسألة ليس بكبير فائدة ولا يترتب على إنكاره أو الإقرار به ضرر أو خطر ولا يعارض ذلك شيئاً من أصول العقيدة ، وقد بحث العلماء في مسائل حقيرة وألفوا فيها رسائل خاصة وهي لا تساوي شيئاً أمام هذه المسألة ، والحاصل أننا نعتقد أن هذه المفاضلة هي بين ليلة المولد الحقيقي ، وبين ليلة القدر ، وأن الليلة التي وقع فيها المولد النبوي والتي جرى فيها بحث المفاضلة والمقارنة قد مضت وانتهت ولا وجود لها اليوم ، أما ليلة القدر فهي موجودة ومتكررة في كل عام ولذلك فهي أفضل الليالي لقوله تعالى : { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ {1} وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ {2} لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } .\rوالبحث في هذه المسألة وأمثالها جرى بين أئمة العلم وتكلم فيه كبار السلف ، فهذا الشيخ الإمام ابن تيمية يتكلم عن مسألة المقارنة بين ليلة القدر وليلة الإسراء ويبحث فيها بدقة وإتقان مع أنه لم يثبت أنه بحث فيها أو تكلم عنها أحد قبله من أئمة السلف وأهل القرون الأولى فضلاً عن الصحابة فضلاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم .\rفتوى ابن تيمية في الموضوع :","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"قال الإمام الشيخ ابن القيم : سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن رجل قال : ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر ، وقال آخر : بل ليلة القدر أفضل ، فأيهما مصيب ؟ فأجاب الحمد لله ، أما القائل بأن ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر فإن أراد به أن تكون الليلة التي أسري فيها بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ونظائرها من كل عام أفضل لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من ليلة القدر بحيث يكون قيامها والدعاء فيها أفضل منه في ليلة القدر فهذا باطل لم يقله أحد من المسلمين وهو معلوم الفساد بالإطراد من دين الإسلام ، وإن أراد الليلة المعينة التي أسري فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - وحصل له فيها ما لم يحصل له في غيرها من غير أن يشرع تخصيصها بقيام ولا عبادة فهذا صحيح .\r(انظر مقدمة زاد المعاد لابن القيم) .\r] ] ]\rلا تطروني\rفهم بعض الناس من قوله - صلى الله عليه وسلم - : لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم . النهي عن مدحه - صلى الله عليه وسلم - واعتبار ذلك من الإطراء والغلو المذموم المؤدي إلى الشرك وأن كل من مدحه - صلى الله عليه وسلم - ورفعه عن غيره من عامة البشر وأثنى عليه ووصفه بما يميزه عن غيره فقد ابتدع في الدين وخالف سنة سيد المرسلين .\rوهذا فهم سيء ويدل على قصر نظر صاحبه وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يطرى كما أطرت النصارى ابن مريم إذ قالوا : ابن الله .\rومعنى ذلك أن من أطراه - صلى الله عليه وسلم - ووصفه بما وصف به النصارى نبيهم فقد صار مثلهم .\rأما من مدحه ووصفه بما لا يخرجه عن حقيقة البشرية معتقداً أنه عبد الله ورسوله مبتعداً عن معتقد النصارى فإنه ولا شك من أكمل الناس توحيداً .\rدع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم\rفإن فضل رسول الله ليس له حد فيعرب عنه ناطق بفم\rفمبلغ العلم فيه أنه بشر وأنه خير خلق الله كلهم","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"لقد تولى الله سبحانه وتعالى بنفسه مدح نبيه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فقال : { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } وأمر بالأدب معه في الخطاب والجواب ، فقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ } ، ونهانا أن نعامله كما يعامل بعضنا بعضاً ، أو أن نناديه كما ينادي بعضنا بعضاً ، فقال :\r{ لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً } ..\rوذم الذين يسوّون بينه وبين غيره في المعاملة والأسلوب فقال : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } .\rوقد كان الصحابة الكرام يمتدحون النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فهذا حسان بن ثابت يقول :\rأغرّ عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهد\rوضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد\rوشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد\rنبي أتانا بعد يأس وفترة من الرسل والأوثان في الأرض تعبد\rفأمسى سراجاً مستنيراً وهادياً يلوح كما لاح الصقيل المهند\rفأنذرنا ناراً وبشر جنة وعلمنا الإسلام فلله نحمد\rويقول أيضاً :\rيا ركن معتمد وعصمة لائذ وملاذ منتجع وجار مجاور\rيا من تخيّره الإله لخلقه فحباه بالخلق الزكي الطاهر\rأنت النبي وخير عصبة آدم يا من يجود كفيض بحر زاخر\rميكال معك وجبرئيل كلاهما مدد لنصرك من عزيز قادر\rوهذه صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\rألا يا رسول الله كنت رجاءنا وكنت بنا براً ولم تك جافيا\rوكنت رحيماً هادياً ومعلماً ليبك عليك اليوم من كان باكيا\rصدقت وبلغت الرسالة صادقاً رمت صليب العود أبلج صافيا\rفدىً لرسول الله أمي وخالتي وعمي وآبائي ونفسي وماليا\rلعمرك ما أبكي النبي لفقده ولكن لما أخشى من الهرج آتيا\rكأن على قلبي لذكر محمد وما خفت بعد النبي مطاوياً","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"فلو أن رب الناس أبقى نبينا سعدنا ولكن أمره كان ماضياً\rعليك من الله السلام تحية وادخلت جنات من العدن راضيا\rأفاطم صلى الله رب محمد على جدث أمسى بطيبة ثاوياً\rوهذا كعب بن زهير يمدح النبي - صلى الله عليه وسلم - بقصيدته المعروفة التي مطلعها :\rبانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول\rقال :\rأنبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول\rإن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول\rفي عصبة من قريش قال قائلهم ببطن مكة لما أسلموا زولوا\rيمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ضرب إذا عود السود التنابيل\rوفي رواية أبي بكر ابن الأنباري أنه لما وصل إلى قوله :\rإن الرسول لنور يستضاء به :: مهند من سيوف الله مسلول\rرمى – عليه الصلاة والسلام – إليه بردة كانت عليه ، وأن معاوية بذل له فيها عشرة آلاف ، فقال : ما كنت لأوثر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحداً ، فلما مات كعب بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفاً فأخذها منهم .\rوها هو - صلى الله عليه وسلم - يمدح نفسه بنفسه قال :\rأنا خير أصحاب اليمين .\rأنا خير السابقين .\rأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر .\r(رواها الطبراني والبيهقي في الدلائل)\rوقال : أنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر\r(رواه الترمذي والدارمي)\rوقال : ((لم يلتق أبواي على سفاح قط)) .\r(رواه ابن عمر العدني في مسنده)\rويقول جبريل عليه السلام: ((قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر رجلاً أفضل من محمد ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم)) .\r(رواه البيهقي وأبو نعيم والطبراني عن عائشة رضي الله عنها)\rوعن أنس رضي الله عنه :\r((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى بالبراق ليلة أسري به فاستصعب عليه ، فقال له جبريل: بمحمد تفعل هذا ؟ فما ركبك أحد أكرم على الله منه فارفضّ عرقاً)) ..\r(رواه الشيخان)\rوفي حديث أبي سعيد قال :","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"((قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد ولا فخر ، وما من نبي يومئذ – آدم فمن سواه – إلا تحت لوائي ، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر)) ..\r(رواه الترمذي وقال : حسن صحيح)\rوعن أنس قال :\rقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا ، وأنا قائدهم إذا وفدوا ، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا ، وأنا شفيعهم إذا حبسوا ، وأنا مبشرهم إذا يئسوا ، الكرامة والمفاتيح يومئذ بيدي ولواء الحمد يومئذ)) ..\r((وأنا أكرم ولد آدم على ربي يطوف على ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور)) ..\r(رواه الترمذي والدارمي)\rوعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :\rأنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم على يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري)) ..\r(رواه الترمذي وقال : حسن صحيح)\r] ] ]\rالأنبياء بشر ولكن ..\rيظن بعض الناس أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يساوون غيرهم من البشر في كل أحوالهم وأعراضهم ، وهذا خطأ واضح وجهل فاضح ترده الأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة .\rوهم وإن كانوا يشتركون مع جميع بني آدم في حقيقة الأصل التي هي البشرية من قوله جل ذكره : { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } إلا أنهم يختلفون عنهم في كثير من الصفات والعوارض وإلا فما هي مزيتهم ؟ وكيف تظهر ثمرة اصطفائهم على غيرهم واجتبائهم على من سواهم .\rوسنذكر في هذا المبحث شيئاً من صفاتهم في الدنيا وخصائصهم في البرزخ التي ثبتت لهم بنص الكتاب والسنة .\rالأنبياء سادة البشر :","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"الأنبياء هم الصفوة المختارة من عباد الله شرّفهم الله بالنبوة وأعطاهم الحكمة ورزقهم قوة العقل وسداد الرأي واصطفاهم ليكونوا وسطاء بينه وبين خلقه يبلغونهم أوامر الله عز وجل ويحذرونهم غضبه وعقابه ويرشدونهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة ، وقد اقتضت حكمة الله أن يكونوا من البشر ليتمكن الناس من الاجتماع بهم والأخذ عنهم والاتباع لهم في سلوكهم وأخلاقهم ، والبشرية هي عين إعجازهم فهم بشر من جنس البشر لكنهم متميزون عنهم بما لا يلحقهم به أحد ، ومن هنا كانت ملاحظة البشرية العادية المجردة فيهم دون غيرها هي نظرة جاهلية شركية .\rفمن ذلك قول قوم نوح في حقه فيما حكاه الله عنهم إذ قال : { فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا } سورة هود : 27 ، ومن ذلك قول قوم موسى وعيسى في حقهما فيما حكاه الله عنهم إذ قال : { فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ } المؤمنون : 47 .\rومن ذلك قول أصحاب ثمود له فيما حكاه الله عنه بقووله : { مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } الشعراء : 154 .\rومن ذلك قول أصحاب الأيكة لنبيهم شعيب فيما حكاه الله عنهم بقوله : { قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ{185}وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ }\rالشعراء : 185،186.\rومن ذلك قول المشركين في حق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد رأوه بعين البشرية المجردة فيما حكاه الله عنهم بقوله : { وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ } .\rصفات الأنبياء :","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"والأنبياء صلوات الله عليهم وإن كانوا من البشر يأكلون ويشربون ويصحون ويمرضون وينكحون النساء ويمشون في الأسواق وتعتريهم العوارض التي تمر على البشر من ضعف وشيخوخة وموت إلا أنهم يمتازون بخصائص ويتصفون بأوصاف عظيمة جليلة هي بالنسبة لهم من ألزم اللوازم ومن أهم الضروريات وهذه الصفات نلخصها فيما يلي :\r1- الصدق .\r2- التبليغ .\r3- الأمانة .\r4- الفطانة .\r5- السلامة من العيوب المنفرة .\r6- العصمة .\rوليس هذا محل تفصيل هذه الصفات فقد تكفلت بها كتب التوحيد وسنذكر هنا بعض الصفات التي يتميز بها سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم عن عامة البشر .\rيرى من خلفه كما يرى من أمامه :\rأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :\r((هل ترون قبلتي هاهنا ؟ فوالله ما يخفى عليَّ ركوعكم ولا سجودكم إني لأراكم من وراء ظهري)) ..\rوأخرج مسلم عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :\r((أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود فإني أراكم من أمامي ومن خلفي)) ..\rوأخرج عبد الرزاق في جامعه والحاكم وأبو نعيم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :\r((إني لأنظر إلى ما ورائي كما أنظر إلى ما بين يدي)) ..\rوأخرج أبو نعيم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((إني أراكم من وراء ظهري)) ..\rيرى ما لا نرى ويسمع ما لا نسمع :\rعن أبي ذر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون ، أطت السماء وحق لها أن تئط ، والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجد لله ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ، وما تلذذتم بالنساء على الفرشات ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله)) .\rقال أبو ذر : يا ليتني كنت شجرة تعضد . رواه أحمد والترمذي وابن ماجه .\rإبطه الشريف صلى الله عليه وسلم :","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"أخرج الشيخان عن أنس قال : ((رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه)) .\rوأخرج ابن سعد عن جابر قال : ((كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد يرى بياض إبطيه)). وقد ورد ذكر بياض إبطيه - صلى الله عليه وسلم - في عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة.\rقال المحب الطبري : من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - أن الإبط من جميع الناس متغير اللون غيره . وذكر القرطبي مثل ذلك وزاد وأنه لا شعر فيه .\rحفظه صلى الله عليه وسلم من التثاؤب :\rأخرج البخاري في التاريخ وابن أبي شيبة في المصنف وابن سعد عن يزيد ابن الأصم قال : [ما تثاءب النبي - صلى الله عليه وسلم - قط] .\rوأخرج ابن أبي شيبة عن مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال : [ما تثاءب نبي قط] .\rعرقه الشريف صلى الله عليه وسلم :\rأخرج مسلم عن أنس قال : [دخل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال([20]) عندنا فعرق وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فاستيقظ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا أم سليم ! ما هذا الذي تصنعين ؟ قالت : عرق نجعله لطيبنا وهو أطيب الطيب].\rوأخرج من وجه آخر عن أنس [أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأتي أم سليم فيقيل(1) عندها فتبسط له نطعاً فيقيل عليه وكان كثير العرق فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطيب والقوارير ، فقال : [يا أم سليم ! ما هذا] ؟ قالت : عرقك أدوف به طيبي].\rطوله صلى الله عليه وسلم :","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"أخرج ابن خثيمة في تاريخه والبيهقي وابن عساكر عن عائشة قالت : [لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد ، وكان ينسب إلى الربعة إذا مشى وحده ، ولم يكن على حال يماشيه أحد من الناس ينسب إلى الطول إلا طاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما ، فإذا فارقاه نسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الربعة – وذكر ابن سبع في الخصائص ذلك وزاد – أنه كان إذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين] .\rظله صلى الله عليه وسلم :\rأخرج الحكيم الترمذي عن ذكوان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له ظل في شمس ولا قمر ، قال ابن سبع : من خصائصه أن الظل كان لا يقع على الأرض ، وأنه كان نوراً إذا مشى في الشمس أو القمر لا ينظر له ظل ، قال بعضهم : ويشهد له حديث قوله - صلى الله عليه وسلم - في دعائه :\r((واجعلني نورا)) ..\rوذكر القاضي عياض في الشفاء والعزفيُّ في مولده : أن من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان لا ينزل عليه الذباب ، وذكره ابن سبع في الخصائص بلفظ : أنه لم يقع على ثيابه ذباب قط ، وزاد أن من خصائصه أن القمل لم يكن يؤذيه .\rدمه صلى الله عليه وسلم :\rأخرج البزار وأبو يعلى والطبراني والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن الزبير أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يحتجم فلما فرغ ، قال : [يا عبد الله ! إذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد فشربه ، فلما رجع قال : يا عبد الله ! ما صنعت ؟ قال : جعلته في أخفى مكان علمت أنه مخفي عن الناس ، قال : لعلك شربته ؟ قلت : نعم ، قال : [ويل للناس منك وويل لك من الناس ، فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم] .\rنومه صلى الله عليه وسلم :\rأخرج الشيخان عن عائشة قالت : يا رسول الله ! أتنام قبل أن توتر ؟ قال :\r((يا عائشة ! إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي)) ..","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"وأخرج الشيخان عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((تنام عيني ولا ينام قلبي)) ..\rوقال - صلى الله عليه وسلم - :\r((الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم)) ..\rجماعه صلى الله عليه وسلم :\rأخرج البخاري من طريق قتادة عن أنس قال : [كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة ، قلت لأنس : أو كان يطيقه ؟ قال : كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين] .\rحفظه - صلى الله عليه وسلم - من الاحتلام :\rأخرج الطبراني من طريق عكرمة عن أنس وابن عباس والدينوري في [المجالسة] من طريق مجاهد عن ابن عباس قال :\r((ما احتلم نبي قط وإنما الاحتلام من الشيطان)) ..\rبوله صلى الله عليه وسلم :\rأخرج الحسن بن سفيان في مسنده وأبو يعلى والحاكم والدارقطني وأبو نعيم عن أم أيمن قالت : قام النبي - صلى الله عليه وسلم - من الليل إلى فخارة في جانب البيت ، فبال فيها ، فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها فلما أصبح أخبرته فضحك وقال :\r((إنك لن تشتكي بطنك بعد يومك هذا أبداً)) ..\rوأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال : أخبرت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبول في قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره ، فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء ، فقال لامرأة يقال لها : بركة كانت تخدم أم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة: أين البول الذي كان في القدح ؟ قالت : شربته ، قال : صحة يا أم يوسف ، وكانت تكنى أم يوسف ، فما مرضت قط حتى كان مرضها الذي ماتت فيه . قال ابن دحية : هذه قضية أخرى غير قضية أم أيمن ، وبركة أم يوسف غير بركة أم أيمن([21]).\rخلاصة مفيدة :\rوقد نظم بعضهم جملة من الخصائص التي تميز بها صلى الله عليه وسلم عن غيره من جهة الصفات البشرية العادية فقال :\rخص نبينا بعشرة خصال لم يحتلم قط وما له ظلال\rوالأرض ما يخرج منه تبتلع كذلك الذباب عنه ممتنع","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"تنام عيناه وقلب لا ينام من خلفه يرى كما يرى أمام\rلم يتثاءب قط وهي السابعة ولد مختوناً إليها تابعة\rتعرفه الدواب حين يركب تأتي إليه سرعة لا تهرب\rيعلو جلوسه جلوس الجلسا صلى عليه الله صبحا ومسا\rوقد ذكرنا في (مباحث نبوية) من الباب الثاني بعض الخصائص النبوية وخلاصة ما نراه في ذلك ، وهو أن هذه الخصائص كثيرة جداً ، منها ما صح سنده ، ومنها ما لم يصح ، ومنها ما هو مختلف فيه بين العلماء إذ يرى بعضهم أنه صحيح ، ويرى الآخرون خلاف ذلك ، فهي مسائل خلافية .\rوالكلام فيها دائر بين العلماء من قديم بين الصواب والخطأ ، والصحة والبطلان ، لا بين الكفر والإيمان ، وقد نقلنا جملة نم هذه الخصائص التي منها ما هو صحيح ، ومنها ما هو ليس بصحيح ، ومنها المقبول ، ومنها غير ذلك .\rنقلناها لتكون شواهد على ما ذكرناه من تسامح بعض أئمة الحديث في نقل ذلك دون تحقيق أو نقد ، وليس المقصود من ذلك الكلام حول صحتها وعدم صحتها ، أو ثبوتها وعدم ثبوتها . فتدبّر .\r] ] ]\rمفهوم التبرك\rيخطئ كثير من الناس في فهم حقيقة التبرك بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وآثاره وآل بيته ووراثه من العلماء والأولياء رضي الله عنهم ، فيصفون كل من يسلك ذلك المسلك بالشرك والضلال كما هي عادتهم في كل جديد يضيق عنه نظرهم ويقصر عن إدراكه تفكيرهم .\rوقبل أن نبين الأدلة والشواهد الناطقة بجواز ذلك ، بل بمشروعيته ينبغي أن نعلم أن التبرك ليس هو إلا توسلاً إلى الله سبحانه وتعالى بذلك المتبرَّك به سواء أكان أثراً أو مكاناً أو شخصاً .\rأما الأعيان فلاعتقاد فضلها وقربها من الله سبحانه وتعالى مع اعتقاد عجزها عن جلب خير أو دفع شر إلا بإذن الله .\rوأما الآثار فلأنها منسوبة إلى تلك الأعيان فهي مشرفة بشرفها ومكرمة ومعظمة ومحبوبة لأجلها .","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"وأما الأمكنة فلا فضل لها لذاتها من حيث هي أمكنة وإنما لما يحل فيها ويقع من خير وبر كالصلاة والصيام وجميع أنواع العبادات مما يقوم به عباد الله الصالحون ، إذ تتنزل فيها الرحمات وتحضرها الملائكة وتغشاها السكينة وهذه هي البركة التي تطلب من الله في الأماكن المقصود لذلك .\rوهذه البركة تطلب بالتعرض لها في أماكنها بالتوجه إلى الله تعالى ودعائه واستغفاره وتذكر ما وقع في تلك الأماكن من حوادث عظيمة ومناسبات كريمة تحرك النفوس وتبعث فيها الهمة والنشاط للتشبه بأهلها أهل الفلاح والصلاح ، وإليك هذه النصوص المقتبسة من رسالتنا الخاصة في موضوع البركة .\rالتبرك بشعره وفضل وضوءه وبصاقه وعرقه :\r1- عن جعفر بن عبد الله بن الحكم أن خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك ، فقال : أطلبوها ، فلم يجدوها – فقال : أطلبوها فوجدوها ، فإذا هي قلنسوة خلقة – أي ليست بجديدة ، فقال خالد : اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحلق رأسه فابتدر الناس جوانب شعره – فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة ، فلم أشهد قتالاً وهي معي إلا رزقت النصر .\rقال الحافظ الهيثمي : رواه الطبراني وأبو يعلى بنحوه ، ورجالهما رجال الصحيح ، وجعفر سمع من جماعة من الصحابة فلا أدري سمع من خالد أم لا (9/349) ، وذكره ابن حجر في المطالب العالية (ج4 ص90) ، وفيه يقول خالد : (فما وجهت في جهة إلا فتح لي) .\r2- وعن مالك بن حمزة بن أبي أسيد الساعدي الخزرجي عن أبيه عن جده أبي أسيد وله بئر بالمدينة يقال لها : بئر بضاعة ، قد بصق فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو يشربها ويتيمن بها . رواه الطبراني ورجاله ثقات .\rوصف عروة بن مسعود حال الصحابة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - :","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"3- قال الإمام البخاري بسنده : ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعينه قال : فوالله ما تنخم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له ، فرجع عروة إلى أصحابه ، فقال : أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله إن رأيت([22]) ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - محمداً ، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له. رواه البخاري في كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد. (فتح الباري ج5 ص330).\rتعليق الحافظ ابن حجر على هذه القصة :\rوفيه طهارة النخامة والشعر المنفصل والتبرك بفضلات الصالحين الطاهرة\rولعل الصحابة فعلوا ذلك بحضرة عروة وبالغوا في ذلك إشارة منهم إلى الرد على ما خشيه من فرارهم ، وكأنهم قالوا بلسان الحال : من يحب إمامه هذه المحبة ويعظمه هذا التعظيم كيف يظن به أنه يفر عنه ويسلمه لعدوه ؟ بل هم أشد اغتباطاً به وبدينه وبنصره من القبائل التي يراعي بعضها بعضاً بمجرد الرحم ، فيستفاد منه جواز التوصل إلى المقصود بكل طريق سائغ .\r(كذا في فتح الباري ج5 ص341)\rالنبي - صلى الله عليه وسلم - يرشد إلى المحافظة على بقية وضوئه :","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"4- عن طلق بن علي قال : خرجنا وفداً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبايعناه وصلينا معه وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا فاستوهبناه من فضل طهوره ، فدعا بماء فتوضأ وتمضمض ثم صبه لنا في إداوة وأمرنا فقال لنا : [اخرجوا فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم وانضحوا مكانها بهذا الماء واتخذوها مسجداً] ، قلنا : إن البلد بعيد والحر شديد والماء ينشف ، فقال : [مدّوه من الماء فإنه لا يزيده إلا طيباً] .\rرواه النسائي كذا في المشكاة (رقم 716) . وهذا الحديث من الأصول المعتبرة المشتهرة الدالة على مشروعية التبرك به وبآثاره وبكل ما هو منسوب إليه فإنه - صلى الله عليه وسلم - أخذ وضوءه ثم جعله في إناء ثم أمرهم أن يأخذوه معهم إجابة لطلبهم وتحقيقاً لمرادهم ، فلابد أن هناك سراً قوياً متمكناً في نفوسهم دفعهم إلى طلب هذا الماء بخصوصه ، والمدينة مملوءة بالمياه ، بل وبلادهم مملوءة بالماء فلم هذا التعب والتكلف في حمل قليل من الماء من بلد إلى بلد مع بعد المسافة وطول السفر وحرارة الشمس ؟ .\rنعم كل ذلك لم يهمهم لأن المعنى الذي يحمله هذا الماء يهون عليهم كل مشقة ألا وهو التبرك به وبآثاره وبكل ما هو منسوب إليه وهو لا يوجد في بلدهم ولا يتوافر على كل حال عندهم ، بل ويتأكد تأييده لهم - صلى الله عليه وسلم - ورضاه عن فعلهم بجوابه لهم لما قالوا : إن الماء ينشف لشدة الحر إذ قال لهم : [مدوه من الماء] ، فبين لهم أن بركته التي حلت في الماء لا تزال باقية مهما زادوا فيه فهي مستمرة متصلة.\rالتبرك بشعره - صلى الله عليه وسلم - بعد موته :\r5- عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال : أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها مخضبة قال : فاطلعت في الجلجل فرأيت شعرات حمراء . رواه البخاري في كتاب اللباس باب ما يذكر في الشيب .","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"قال الإمام الحافظ ابن حجر في الفتح : وقد بينه وكيع في مصنفه فقال : كان جلجلاً من فضة صيغ صوانا لشعرات النبي - صلى الله عليه وسلم - التي كانت عند أم سلمة والجلجل – هو شبه الجرس يتخذ من الفضة أو الصفر أو النحاس ، وقد تنزع منه الحصاة التي تتحرك فيه فيوضع فيه ما يحتاج إلى صيانته .\rكذا في فتح الباري (ج10 ص353) .\rقال الإمام العيني : وبيان ذلك على التحرير : أن أم سلمة كان عندها شعرات من شعر النبي - صلى الله عليه وسلم - حمر في شيء مثل الجلجل ، وكان الناس عند مرضهم يتبركون بها ، ويستشفون من بركتها ، ويأخذون من شعره ويجعلونه في قدح من الماء ، فيشربون الماء الذي فيه الشعر ، فيحصل لهم الشفاء ، وكان أهل عثمان أخذوا منها شيئاً وجعلوه في قدح من فضة ، فشربوا الماء الذي فيه ، فحصل لهم الشفاء ، ثم أرسلوا عثمان بذلك القدح إلى أم سلمة ، فأخذته أم سلمة ، ووضعته في الجلجل ، فاطلع عثمان في الجلجل ، فرأى فيه شعرات حمراء .\r(قوله : وكان إذا أصاب الإنسان إلى آخره) كلام عثمان بن عبد الله بن موهب : أي كان أهلي كذا فسره الكرماني .\rوقال بعضهم : وكان أي الناس إذا أصاب الإنسان : أي منهم ، والذي قاله الكرماني أصوب يبين به أن الإنسان إذا أصابه عين أو شيء من الأمراض بعث أهله إليها : أي إلى أم سلمة ، مخضبة – بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الضاد المعجمة والباء الموحدة – وهي الإجانة ، ويجعل فيها ماء وشيء من الشعر المبارك ، ويجلس فيها ، فيحصل له الشفاء ، ثم يرد الشعر إلى الجلجل .\r(عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج18 ص79) .\rالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقسم شعره بين الناس :\rروى مسلم من حديث أنس :\r((أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها ، ثم أتى منزله بمنى ونحر ، وقال للحلاق : خذ ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ، ثم جعل يعطيه الناس)) ..","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"وروى الترمذي من حديث أنس أيضاً قال : (لما رمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمرة نحر نسكه ثم ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه ، فأعطاه أبا طلحة ، ثم ناوله شقه الأيسر فحلقه ، فقال : اقسم بين الناس) .\rثم ظاهر رواية الترمذي : أن الشعر الذي أمر أبا طلحة بقسمته بين الناس هو شعر الشق الأيسر ، وهكذا رواية مسلم من طريق ابن عيينة ، وأما رواية حفص بن غياث وعبد الأعلى ففيهما : أن الشق الذي قسمه بين الناس هو الأيمن وكلا الروايتين عند مسلم .\rتوزيع شعره صلى الله عليه وسلم شعرة شعرة :\rوقد جاء في رواية حفص عند مسلم أيضاً بلفظ : (فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس ، ثم قال بالأيسر فصنع به مثل ذلك) .\rوقال أبو بكر في روايته عن حفص : (قال للحلاق : هاء ، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن هكذا ، فقسم شعره بين من يليه ، قال : ثم أشار إشارة إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه فأعطاه أم سليم) .\rالناس يتهافتون على شعره - صلى الله عليه وسلم - :\rوفي رواية أحمد في المسند ما يقتضي أنه أرسل شعر الشق الأيمن مع أنس إلى أمه – أم سليم – امرأة أبي طلحة – فإنه قال فيها : (لما حلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه بمنى أخذ شق رأسه الأيمن بيده ، فلما فرغ ناولني فقال : ياأنس! انطلق بهذا إلى أم سليم ، قال فلما رأى الناس ما خصنا به تنافسوا في الشق الآخر ، هذا يأخذ الشيء وهذا يأخذ الشيء) .\rتحقيق الكلام في الموضوع :\rوقد اختلفت الروايات في هذا الموضوع كما ترى ، ففي بعضها أن الذي\rأعطاه لأبي طلحة هو الشق الأيمن ، والذي قسمه بين الناس هو الأيسر ، وفي بعضها العكس ، وفي بعضها أنه أعطى الأيسر لأم سليم .","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"ويجمع بين هذه الروايات بما جاء عن صاحب المفهم إذ قال : [إن قوله : لما حلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شق رأسه الأيمن أعطاه أبا طلحة] ليس مناقضاً لما في الرواية الثانية : أنه قسم شعر الجانب الأيمن بين الناس وشعر الجانب الأيسر أعطاه أم سليم ، وهي امرأة أبي طلحة وهي أم أنس – رضي الله عنها – قال : وحصل من مجموع هذه الروايات : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حلق الشق الأيمن ناوله أبا طلحة ليقسمه بين الناس ، ففعله أبو طلحة ، وناول شعر الشق الأيسر ليكون عند أبي طلحة ، فصحت نسبة كل ذلك إلى من نسب إليه والله أعلم .\rوقد جمع المحب الطبري في موضع إمكان جمعه ، ورجح في مكان تعذره فقال : والصحيح أن الذي وزعه على الناس الشق الأيمن ، وأعطى الأيسر أبا طلحة وأم سليم ، ولا تضاد بين الروايتين لأن أم سليم امرأة أبي طلحة ، فأعطاه - صلى الله عليه وسلم - لهما فنسب العطية تارة إليه وتارة إليها . انتهى .\rوفيه التبرك بشعره - صلى الله عليه وسلم - وغير ذلك من آثاره بأبي وأمي ونفسي هو ، وقد روى أحمد في مسنده إلى ابن سيرين أنه قال : فحدثنيه عبيدة السلماني ، يريد هذا الحديث فقال : لأن يكون عندي شعرة منه أحب إليَّ من كل بيضاء وصفراء على وجه الأرض وفي بطنها ، وقد ذكر غير واحد أن خالد بن الوليد – رضي الله عنه – كان في قلنسوته شعرات من شعره - صلى الله عليه وسلم - ، فلذلك كان لا يقدم على وجه إلا فتح له ، ويؤيد ذلك ما ذكره الملا في السيرة أن خالداً سأل أبا طلحة حين فرق شعره - صلى الله عليه وسلم - بين الناس أن يعطيه شعر ناصيته ، فأعطاه إياه فكان مقدم ناصيته مناسباً لفتح كل ما أقدم عليه . انتهى عمدة القاري شرح البخاري (ج8 ص230-231) .\rالتبرك بعرقه :\r6- عن عثمان عن أنس أن أم سليم كانت تبسط للنبي - صلى الله عليه وسلم - نطعاً فيقيل عندها على ذلك النطع ، قال : فإذا نام النبي صلى الله عليه وسلم أخذت من عرقه","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"وشعره فجمعته في قارورة ثم جمعته في سُكّ وهو نائم ، قال : فلما حضر أنس ابن مالك الوفاة أوصى إلى أن يجعل في حنوطه من السك قال : فجعل في حنوطه . رواه البخاري في كتاب الاستئذان باب من زار قوماً فقال عندهم .\r7- وفي رواية عند مسلم دخل علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال عندنا فعرق ، فجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها فاستيقظ فقال : يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين ؟ قالت : هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب .\r8- وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة [عرق فاستنقع عرقه على قطعة أديم عتيدة فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها فأفاق ، فقال : ما تصنعين ؟ قالت : نرجو بركته لصبياننا ، فقال : أصبت .\rووفي رواية أبي قلابة [فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطيب والقوارير فقال : ما هذا ؟ قالت : عرقك أذوف به طيبي] .\rويستفاد من هذه الروايات إطلاع النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعل أم سليم وتصويبه ولا معارضة بين قولها إنها كانت تجمعه لأجل طيبه وبين قولها للبركة ، بل يحمل على أنها كانت تفعل ذلك للأمرين معاً . انتهى. (فتح الباري الجزء الحادي عشر ص72).\rالتبرك بمس جلده صلى الله عليه وسلم :\rعن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال : كان أسيد بن حضير رضي الله عنه رجلاً صالحاً ضاحكاً مليحاً ، فبينما هو عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدث القوم ويضحكهم ، فطعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خاصرته ، فقال : أوجعتني قال - صلى الله عليه وسلم - : اقتص قال : يا رسول الله ! إن عليك قميصاً ولم يكن عليَّ قميص ، قال : فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قميصه فاحتضنه ثم جعل يقبل كشحه ، فقال : بأبي أنت وأمي يارسول الله ! أردت هذا .\rقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي فقال : صحيح.","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"وأخرجه ابن عساكر عن أبي ليلى رضي الله عنه مثله كما في الكنز (ج7 ص701) قلت: والحديث عند أبي داود والطبراني عن أسيد بن حضير نحوه كما في الكنز (ج4 ص43) .\rوأخرج ابن إسحاق عن حبان بن واسع عن أشياخ من قومه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عدل صفوف أصحابه يوم بدر ، وفي يده قدح يعدل به القوم ، فمر بسواد ابن غزية رضي الله عنه – حليف بني عدي بن النجار ، وهو مستنصل من الصف أي خارج – فطعنه في بطنه بالقدح وقال : إستو يا سواد ، فقال : يارسول الله ! أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني ، فكشف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بدنه ، فقال : استقد ، فاعتنقه ، فقبل بطنه فقال : ما حملك على هذا يا سواد ؟ قال : يارسول الله ! حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك ، فدعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخير . وقاله كذا في البداية (ج3 ص271) .\rوأخرج عبد الرزاق عن الحسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقى رجلاً مختضباً بصفرة وفي يد النبي - صلى الله عليه وسلم - جريدة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : خط ورس ، فطعن بالجريدة بطن الرجل وقال : ألم أنهك عن هذا ؟ فأثر في بطنه دماً أدماه ، فقال : القود يارسول الله ! فقال الناس : أمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقتص ؟ فقال : ما لبشرة أحد فضل على بشرتي ، فكشف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بطنه ثم قال : اقتص ، فقبل الرجل بطن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : أدعها لك أن تشفع لي يوم القيامة([23]). كذا في الكنز (ج15 ص91) .\rوأخرج ابن سعد (ج3 ص72) عن الحسن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى سواد بن عمرو هكذا قال إسماعيل : متلحفاً ، فقال : خط خط ورس ورس ، ثم طعن بعود أو سواك في بطنه فماد في بطنه فأثر في بطنه فذكر نحوه .","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"وأخرج عبد الرزاق أيضاً كما في الكنز (ج15 ص19) عن الحسن قال : كان رجل من الأنصار يقال له : سوادة بن عمر رضي الله عنه يتخلق كأنه عرجون ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رآه نغض له فجاء يوماً وهو متخلق فأهوى له النبي - صلى الله عليه وسلم - بعود كان في يده فجرحه ، فقال له : القصاص يارسول الله ! فأعطاه العود وكان على النبي - صلى الله عليه وسلم - قميصان فجعل يرفعهما فنهره الناس وكف عنه حتى إذا انتهى إلى المكان الذي جرحه رمى بالقضيب وأخذ يقبله وقال : يانبي الله ! بل أدعها لك تشفع لي بها يوم القيامة .\rوأخرج البغوي نحوه كما في الإصابة (ج2 ص96) .\r] ] ]\r((خبر زاهر)) :\rوكان - صلى الله عليه وسلم - يقول : زاهر باديتنا ونحن حاضرته وكان - صلى الله عليه وسلم - يحبه فمشى - صلى الله عليه وسلم - يوماً إلى السوق فوجده قائماً فجاء من قبل ظهره وضمه بيده إلى صدره فأحس زاهر بأنه رسول الله .. قال : فجعلت أمسح ظهري في صدره رجاء بركته .\rوفي رواية الترمذي في الشمائل : فاحتضنه من خلفه ولا يبصره فقال : أرسلني ، من هذا ؟ فالتفت فعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي - صلى الله عليه وسلم - حين عرفه فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من يشتري العبد ، فقال له زاهر : يارسول الله ! إذا تجدني كاسداً ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : أنت عند الله غال .\rوفي رواية للترمذي أيضاً : لكن عند الله لست بكاسد أو قال : أنت عند الله غال . اهـ (المواهب اللدنية ج1 ص297) .\r] ] ]\rالتبرك بدم النبي - صلى الله عليه وسلم -\rخبر عبد الله بن الزبير :\rعن عامر بن عبد الله بن الزبير – رضي الله عنهما – أن أباه حدثه أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يحتجم ، فلما فرغ قال :","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"((يا عبدالله ! اذهب بهذا الدم فاهرقه حيث لا يراك أحد ، فلما برز عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عدل إلى الدم فشربه ، فلما رجع قال : يا عبد الله ! ما صنعت بالدم ؟ قال : جعلته في أخفى مكان علمت أنه يخفى عن الناس ، قال : لعلك شربته ؟ قال : نعم ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ولم شربت الدم ؟ ويل للناس منك وويل لك من الناس)) ..\rقال أبو موسى : قال أبو عاصم : فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم ، كذا في الإصابة (ج2 ص310) . وأخرجه الحاكم (ج3 ص554) والطبراني نحوه ، قال الهيثمي (ج8 ص270): رواه الطبراني والبزار باختصار ، ورجال البزار رجال الصحيح غير هنيد بن القاسم وهو ثقة انتهى .\rوأخرجه أيضاً ابن عساكر نحوه كما في الكنز (ج7 ص57) مع ذكر قول أبي عاصم، وفي رواية : قال أبو سلمة : فيرون أن القوة التي كانت في ابن الزبير – رضي الله عنهما – من قوة دم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوعند أبي نعيم في الحلية (ج1 ص33) عن كيسان مولى عبد الله ابن الزبير – رضي الله عنهما – قال :\r(( دخل سلمان – رضي الله عنه – على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإذا عبد الله ابن الزبير معه طست يشرب ما فيها ، فدخل عبد الله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له : فرغت ؟ قال : نعم ، قال سلمان : ما ذاك يا رسول الله ؟ قال : أعطيته غسالة محاجمي يهريق ما فيها ، قال سلمان : ذاك شربه والذي بعثك بالحق ، قال : شربته ؟ قال : نعم ، قال : لم ؟ قال : أحببت أن يكون دم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جوفي ، فقام وربت بيده على رأس ابن الزبير ، وقال : ويل لك من الناس وويل للناس منك ، لا تمسك النار إلا قسم اليمين)) ..\rوأخرجه ابن عساكر عن سلمان نحوه مختصراً ، ورجاله ثقات ، كذا في الكنز (ج7 ص56) ، وروى نحوه الدارقطني في سننه .","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"وفي رواية أن ابن الزبير لما شرب دم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له - صلى الله عليه وسلم - : فما حملك على ذلك ؟ قال : علمت أن دمك لا تصيبه نار جهنم فشربته لذلك ، فقال : ويل لك من الناس . وعند الدارقطني من حديث أسماء بنت أبي بكر نحوه وفيه: ولا تمسك النار . وفي كتاب الجوهر المكنون في ذكر القبائل والبطون أنه لما شرب أي عبد الله بن الزبير دمه تضوع فمه مسكاً وبقيت رائحته موجودة في فمه إلى أن صلب رضي الله عنه . (كذا في المواهب للحافظ القسطلاني) .\rخبر سفينة مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - :\rوأخرج الطبراني عن سفينة – رضي الله عنه – قال :\r((احتجم النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : خذ هذا الدم فادفنه من الدواب والطير والناس ، فتغيبت فشربته ، ثم ذكرت ذلك له فضحك)) .\rقال الهيثمي (ج8 ص280) : رجال الطبراني ثقات .\rخبر مالك بن سنان :\rوفي سنن سعيد بن منصور من طريق عمرو بن السائب أنه بلغه أن مالك ابن سنان والد أبي سعيد الخدري لما جرح النبي - صلى الله عليه وسلم - في وجهه الشريف يوم أحد مص جرحه حتى أنقاه ولاح – أي ظهر – محل الجرح بعد المص أبيض ، فقال له - صلى الله عليه وسلم - : مجه ، فقال : ولا أمجه أبداً ، ثم ازدرده – أي ابتلعه – فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :\r((من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا فاستشهد بأحد)) ..\rرواه الطبراني أيضاً ، وفيه :\r((قال - صلى الله عليه وسلم - : من خالط دمي دمه لا تمسه النار)) ..\rقال الهيثمي : لم أر في إسناده من أجمع على ضعفه اهـ .\rوروى سعيد بن منصور أيضاً أنه - صلى الله عليه وسلم - قال :\r((من سره أن ينظر إلى رجل خالط دمي دمه فلينظر إلى مالك بن سنان)) .\r((حجام آخر يشرب دمه - صلى الله عليه وسلم -)) :","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"روى ابن حبان في الضعفاء عن ابن عباس قال : حجم النبي - صلى الله عليه وسلم - غلام لبعض قريش فلما فرغ من حجامته أخذ الدم فذهب به من وراء الحائط فنظر يميناً وشمالاً فلم ير أحداً فحسا دمه حتى فرغ ثم أقبل فنظر في وجهه فقال : ويحك ما صنعت بالدم ؟ قلت : غيبته من وراء الحائط ، قال : أين غيبته ؟ قلت : يا رسول الله ! نفست على دمك أن أهريقه في الأرض فهو في بطني ، فقال : اذهب فقد أحرزت نفسك من النار . (ذكره الحافظ القسطلاني في المواهب اللدنية).\r((خبر بركة خادم أم حبيبة)) :\rقال الحافظ ابن حجر روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال : (أخبرت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبول في قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء ، فقال لامرأة يقال لها : بركة كانت تخدم أم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة : أين البول الذي كان في القدح ؟ قالت : شربته ، قال : صحة يا أم يوسف ، وكانت تكنى أم يوسف ، فما مرضت قط حتى مرضها الذي ماتت فيه . (كذا في التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ج1 ص32).\rقلت : وقد رواه أبو داود والنسائي مختصراً ، قال الحافظ السيوطي : وقد أتمه ابن عبد البر في الاستيعاب وفيه أنه سألها عن البول الذي كان في القدح ، فقالت : شربته يا رسول الله ، وذكر الحديث . (كذا في شرح السيوطي على سنن النسائي ج1 ص32) .\r((خبر أم أيمن)) :\rقال الإمام الحافظ القسطلاني في المواهب : أخرج الحسن بن سفيان في مسنده والحاكم والدارقطني والطبراني وأبو نعيم من حديث أبي مالك النخعي عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن أم أيمن قالت : قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الليل إلى فخارة في جانب البيت فبال ، فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"ما فيها وأنا لا أشعر ، فلما أصبح النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يا أم أيمن ! قومي فأهريقي ما في تلك الفخارة ، فقلت : قد والله شربت ما فيها ، قالت : فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه ، ثم قال : أما والله لا يجعنّ بطنك أبداً .\rقال الحافظ ابن حجر في التلخيص : وصحح ابن دحية أنهما قضيتان وقعتا لامرأتين وهو واضح من اختلاف السياق وواضح أن بركة أم يوسف غير بركة أم أيمن مولاته .\r( فائدة ) : وقع في رواية سلمى امرأة أبي رافع أنها شربت بعض ماء غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لها : ((حرم الله بدنك على النار)) . أخرجه الطبراني في الأوسط من حديثها ، وفي السند ضعف – كذا في التلخيص (ج1 ص32).\rقال القسطلاني : وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام البلقيني ، وفي هذه الأحاديث دلالة على طهارة بوله ودمه - صلى الله عليه وسلم - .\rخبر سرة خادم أم سلمة رضي الله عنها :\rوأخرج الطبراني عن حكيمة بنت أميمة عن أمها قالت :\r((كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت سريره ، فقام فطلبه فلم يجده ، فسأل فقال : أين القدح ؟ قالوا : شربته سرة خادم لأم سلمة التي قدمت معها من أرض الحبشة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لقد احتظرت من النار بحظار)) ..\rقال الهيثمي (ج8 ص271) : رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد ابن حنبل ، وحكيمة وكلاهما ثقات .\r] ] ]\rأقوال العلماء في هذا الموضوع","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"قال الإمام محي الدين النووي في شرح المهذب : واستدل من قال بطهارتهما بالحديثين المعروفين أن أبا طيبة الحجام حجمه - صلى الله عليه وسلم - وشرب دمه ولم ينكر عليه ، وأن امرأة شربت بوله - صلى الله عليه وسلم - فلم ينكر عليها . وحديث أبي طيبة ضعيف ، وحديث شرب البول صحيح رواه الدارقطني ، وقال : هو حديث حسن صحيح ، وذلك كاف في الاحتجاج لكل الفضلات قياساً ، ثم قال : إن القاضي حسيناً قال : الأصح القطع بطهارة الجميع . ثم قال في الجواب : عن أنه كان يتنزه منها بأن ذلك على الاستحباب اهـ . (من شرح المهذب ج1 ص233) .","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"وقال الإمام العلامة بدر الدين العيني شارح البخاري في كتابه المعروف عمدة القاري ج2 ص35 : فأما شعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو مكرم معظم خارج عن هذا ، قلت : قول الماوردي : وأما شعر النبي - صلى الله عليه وسلم - فالمذهب الصحيح القطع بطهارته يدل على أن لهم قولاً بغير ذلك ، فنعوذ بالله من ذلك القول ، وقد اخترق بعض الشافعية وكاد أن يخرج عن دائرة الإسلام حيث قال : وفي شعر النبي - صلى الله عليه وسلم - وجهان : وحاشا شعر النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك وكيف قال هذا ، وقد قيل بطهارة فضلاته فضلاً عن شعره الكريم ، ثم قال العيني : وقد وردت أحاديث كثيرة أن جماعة شربوا دم النبي عليه الصلاة والسلام منهم أبو طيبة الحجام وغلام من قريش حجم النبي - صلى الله عليه وسلم - وعبد الله بن الزبير شرب دم النبي - صلى الله عليه وسلم - رواه البزار والطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم في الحلية ، ويروى عن علي رضي الله تعالى عنه أنه شرب دم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وروى أيضاً أن أم أيمن شربت بول النبي - صلى الله عليه وسلم - رواه الحاكم والدارقطني والطبراني وأبو نعيم ، وأخرج الطبراني في الأوسط في رواية سلمى امرأة أبي رافع أنها شربت بعض ما غسل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال لها : حرم الله بدنك على النار .\rقال الحافظ القسطلاني في المواهب تعليقاً على قول النووي عن القاضي حسين : أن الأصح القطع بطهارة جميع الفضلات ، وبهذا قال أبو حنيفة كما قاله\rالعيني ، وقال شيخ الإسلام ابن حجر : قد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته - صلى الله عليه وسلم - ، وعد الأئمة ذلك في خصائصه . انتهى .\rالتبرك بالمكان الذي صلى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - :","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"عن نافع أن عبد الله بن عمر حدثه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى حيث المسجد الصغير الذي دون المسجد الذي بشرف الروحاء ، وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي صلى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ثم عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي ، وذلك المسجد على حافة الطريق اليمنى وأنت ذاهب إلى مكة بينه وبين المسجد الأكبر رمية بحجر أو نحو ذلك . رواه البخاري .\rالتبرك بموضع لامسه فم النبي - صلى الله عليه وسلم - :\rروى الإمام أحمد وغيره عن أنس – رضي الله عنه – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على أم سليم وفي البيت قربة معلقة فشرب من فيها – أي من فم القربة – وهو نائم قال أنس : فقطعت أم سليم فم القربة فهو عندنا .\rوالمعنى : أن أم سليم قطعت فم القربة الذي هو موضع شربه - صلى الله عليه وسلم - واحتفظت به في بيتها للتبرك بأثر النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rورواه الطبراني وفيه البراء بن زيد ولم يضعفه أحمد وبقية رجاله رجال الصحيح .\r] ] ]\rالتبرك بتقبيل يد من مس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -\rعن يحي بن الحارث الذماري قال : لقيت واثلة بن الأسقع رضي الله عنه فقلت : بايعت بيدك هذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : نعم قلت : أعطني يدك أقبلها ، فأعطانيها فقبلتها . قال الهيثمي (ج8 ص42) : وفيه عبد الملك القاري ولم أعرفه ، وبقية رجاله ثقات . انتهى .\rوعند أبي نعيم في الحلية (ج9 ص306) عن يونس بن ميسرة قال : دخلنا على يزيد بن الأسود عائدين فدخل عليه واثلة بن الأسقع رضي الله عنه ، فلما نظر إليه مد يده فأخذ يده فمسح بها وجهه وصدره لأنه بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له : يا يزيد ! كيف ظنك بربك ؟ فقال : حسن ، فقال : فأبشر فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن الله تعالى يقول : ((أنا عند ظن عبدي بي)) ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر .","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"وأخرج البخاري في الأدب المفرد ص144 عن عبد الرحمن بن رزين قال : مررنا بالرّبذة فقيل لنا : ههنا سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ، فأتينا فسلمنا عليه فأخرج يديه فقال : بايعت بهاتين نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخرج له كفاً له ضخمة كأنها كف بعير ، فقمنا إليها فقبلناها .\rوأخرج ابن سعد (ج4 ص39) عن عبد الرحمن بن زيد العراقي نحوه .\rوأخرج البخاري أيضاً في الأدب ص144 عن ابن جدعان قال ثابت لأنس رضي الله عنه : أمسست النبي - صلى الله عليه وسلم - بيدك ؟ قال : نعم ، فقبلها .\rوأخرج البخاري أيضاً في الأدب عن صهيب قال : رأيت علياً رضي الله عنه يقبل يد العباس رضي الله عنه ورجليه .\rعن ثابت قال : كنت إذا أتيت أنساً يخبر بمكاني فأدخل عليه وآخذ يديه وأقبلهما وأقول : بأبي هاتين اليدين اللتين مستا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل عينيه وأقول : بأبي هاتين (العينين) اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (ج2 ص111)، وقال الهيثمي : رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أبي بكر المقدمي وهو ثقة ، وسكت عنه البوصيري . اهـ . (كذا في مجمع الزوائد 9/325) .\r] ] ]\rالتبرك بجبته صلى الله عليه وسلم\rعن أسماء بنت أبي بكر : أنها أخرجت جبة طيالسة كسروانية لها لبنة([24]) ديباج وفرجيها مكفوفين بالديباج ، وقالت : هذه جبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت عند عائشة فلما قبضت قبضتها ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبسها ، فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها . رواه مسلم . (كتاب اللباس والزينة ج3 ص140) .\r] ] ]\rالتبرك بما مسته يده - صلى الله عليه وسلم -\rعن صفية بنت مجزأة أن أبا محذورة كانت له قصة في مقدم رأسه إذا قعد أرسلها فتبلغ الأرض فقالوا له : ألا تحلقها ؟ فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسح عليها بيده فلم أكن لأحلقها حتى أموت .","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"رواه الطبراني وفيه أيوب بن ثابت المكي ، قال أبو حاتم : لا يُحمد حديثه ، كذا في مجمع الزوائد (ج5 ص165) .\rوعن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة عن أبيه عن جده قال : قلت : يا رسول الله ! علمني سنة الأذان ، قال فمسح مقدم رأسي قال :\r((تقول : الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر ترفع بها صوتك)) الحديث ..\rوفي رواية : فكان أبو محذورة لا يجز ناصيته ولا يفرقها لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح عليها . أخرجه البيهقي والدارقطني وأحمد وابن حبان والنسائي بمعناه .\r] ] ]\rالتبرك بقدح النبي - صلى الله عليه وسلم - ومسجد صلى فيه\rعن أبي بردة قال : قدمت المدينة فلقيني عبد الله بن سلام ، فقال لي : انطلق إلى المنزل فأسقيك في قدح شرب فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتصلي في مسجد صلى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فانطلقت معه فسقاني وأطعمني تمراً وصليت في مسجده . رواه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة .\r] ] ]\rالتبرك بموضع قدم النبي - صلى الله عليه وسلم -\rجاء في الحديث عن أبي مجلز أن أبا موسى كان بين مكة والمدينة فصلى العشاء ركعتين ثم قام فصلى ركعة أوتر بها فقرأ فيها بمائة آية من النساء ثم قال : ما ألوت أن أضع قدمي حيث وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدميه وأنا أقرأ بما قرأ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . (رواه النسائي 3/243) .\r] ] ]\rالتبرك بدار مباركة","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"عن محمد بن سوقة عن أبيه قال : لما بنى عمرو بن حريث داره أتيته لأستأجر منه فقال : ما تصنع به ؟ فقلت : أريد أن أجلس فيه وأشتري وأبيع ، قال : قلت : لأحدثك في هذه الدار بحديث إن هذه الدار مباركة على من سكن فيها مباركة على من باع فيها واشترى ، وذلك أني أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعنده مال موضوع فتناول بكفه منه دراهم فدفعها إليَّ وقال : هاك يا عمرو هذه الدراهم حتى تنظر في أي شيء تضعها فإنها دراهم أعطانيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذتها ثم مكثنا ما شاء الله حتى قدمنا الكوفة فأردت شراء دار ، فقالت لي أمي : يا بني ! إذا اشتريت داراً وهيأت مالها فأخبرني ، ففعلت ، ثم جئتها فدعوتها فجاءت والمال موضوع فأخرجت شيئاً معها فطرحته في الدراهم ثم خلطتها بيدها ، فقلت ، فقلت يا أمه أي شيء هذه ؟ قالت : يا بني ! هذه الدراهم التي جئتني بها فزعمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطاكها بيده فأنا أعلم أن هذه الدار مباركة لمن جلس فيها ، مباركة لمن باع فيها واشترى .\rرواه الطبراني في الكبير وأبو يعلى (ج4 ص111 مجمع الزوائد) .\r] ] ]\rالتبرك بمنبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(9[25])\rقال القاضي عياض : رؤي ابن عمر رضي الله عنهما واضعاً يده على مقعد النبي - صلى الله عليه وسلم - من المنبر ثم وضعها على وجهه .\rوعن أبي قسيط والعتبي كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا خلا المسجد حسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامينهم ثم يستقبلون القبلة يدعون . اهـ (من الشفا للقاضي عياض) .\rقال الملا علي قاري شارح الشفا: رواه ابن سعد عن عبد الرحمن بن عبد القاري (ج3 ص518) .\rوروى ذلك الشيخ ابن تيمية أيضاً عن الإمام أحمد أنه رخص في التمسح بالمنبر والرمانة ، وذكر أن ابن عمر وسعيد بن المسيب ويحي بن سعيد من فقهاء المدينة كانوا يفعلون ذلك . اهـ . (اقتضاء الصراط المستقيم ص367) .\r] ] ]\rالتبرك بقبره الشريف","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"لما حضرت الوفاة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لابنه عبد الله : انطلق إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، فقل : يقرأ عليك عمر السلام ، ولا تقل : أمير المؤمنين ، فإني لست اليوم بأمير المؤمنين ، وقل : يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه ، قال : فاستأذن وسلم ، ثم دخل عليها وهي تبكي ، فقال : يقرأ عليك عمر السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه ، فقالت : كنت أريده لنفسي ولأوثرنه اليوم على نفسي فلما أقبل قيل : هذا عبد الله بن عمر قد جاء ، فقال : ارفعوني فأسنده رجل إليه ، فقال : ما لديك ؟ قال : الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت ، فقال الحمد لله ما كان شيء أهم إليَّ من ذلك ، فإذا أنا قبضت فاحملوني ، ثم سلم وقل : يستأذن عمر فإن أذنت لي فأدخلوني ، وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين .\rأخرجه بطوله البخاري في كتاب الجنائز باب ما جاء في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفي كتاب فضائل الصحابة باب قصة البيعة .\r] ] ]\rالتبرك بآثار الصالحين والأنبياء السابقين\rعن نافع أن عبد الله بن عمر أخبرنا أن الناس نزلوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا للإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة .\rرواه مسلم في كتاب الزهد باب النهي عن الدخول على أهل الحجر .\rقال النووي في الشرح ج8 ص118 : وفي هذا الحديث من الفوائد التبرك بآثار الصالحين .\r] ] ]\rالتبرك بالتابوت\rذكر الله تعالى في القرآن فضيلة التابوت فقال :\r{ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ } .","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"وخلاصة القصة : أن هذا التابوت كان عند بني إسرائيل وكانوا يستنصرون به ويتوسلون إلى الله تعالى بما فيه من آثار وهذا هو التبرك بعينه الذي نريده ونقصده ، وقد بين الله جل جلاله محتويات التابوت فقال :\r{ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ } ، وهذه البقية مما تركه آل موسى وهارون هي عصا موسى وشيء من ثيابه وثياب هارون ونعلاه وألواح من التوراة وطست كما ذكره المفسرون والمؤرخون كابن كثير والقرطبي والسيوطي والطبري ، فارجع إليهم ، وهو يدل على معان كثيرة منها التوسل بآثار الصالحين ، ومنها المحافظة عليها ومنها التبرك بها .\rالتبرك بمسجد العشار\rعن صالح بن درهم يقول : انطلقنا حاجين ، فإذا رجل فقال لنا : إلى جنبكم قرية يقال لها : الأبلة ، قلنا : نعم ، قال : من يضمن لي منكم أن يصلي لي في مسجد العشار ركعتين أو أربعاً ، ويقول هذه لأبي هريرة : سمعت خليلي أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - يقول :\r((إن الله عز وجل يبعث من مسجد العشار يوم القيامة شهداء ، لا يقوم مع شهداء بدر غيرهم)) .. (رواه أبو داود) .\rوقال : هذا المسجد مما يلي النهر اهـ (مشكاة المصابيح ج3 ص1496).\rقال العلامة المحدث الكبير الشيخ خليل أحمد السهارنفوري في كتابه ((بذل المجهود شرح سنن أبي داود)) : وفي الحديث دلالة على أن الطاعات البدنية توصل إلى الغير أجرها، وأن مآثر الأولياء والمقربين تزار ويتبرك بها. (بذل المجهود ج17 ص225).\rوقال العلامة المحدث الشيخ أبو الطيب صاحب عون المعبود : مسجد العشار مسجد مشهور يتبرك بالصلاة فيه (عون المعبود ج11 ص422) .\r] ] ]\rنحن في بركة الرسول - صلى الله عليه وسلم -","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"نسمع كثيراً من الناس يقولون : نحن في بركة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، أو معنا بركته - صلى الله عليه وسلم - وسئل عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال : وأما قول القائل : نحن في بركة فلان أو من وقت حلوله عندنا حلت البركة ، فهذا الكلام صحيح باعتبار ، باطل باعتبار ، فأما الصحيح : فأن يراد به أنه هدانا وعلمنا وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر ، فببركة اتباعه وطاعته حصل لنا من الخير ما حصل ، فهذا كلام صحيح ، كما كان أهل المدينة لما قدم عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في بركته لما آمنوا به وأطاعوه ، فببركة ذلك حصل لهم سعادة الدنيا والآخرة ، بل كل مؤمن آمن بالرسول وأطاعه حصل له من بركة الرسول بسبب إيمانه وطاعته من خير الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله .\rوأيضاً : إذا أريد بذلك إنه ببركة دعائه وصلاحه دفع الله الشر وحصل لنا رزق ونصر فهذا حق ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :\r((وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم)).\rوقد يدفع العذاب عن الكفار والفجار لئلا يصيب من بينهم من المؤمنين ممن لا يستحق العذاب ، ومنه قوله تعالى : { وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ – إلى قوله : لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } .\rفلولا الضعفاء المؤمنون الذين كانوا بمكة بين ظهراني الكفار لعذب الله الكفار.\rوكذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :\r((لولا ما في البيوت من النساء والذراري لأمرت بالصلاة فتقام ، ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة معنا فأحرق عليهم بيوتهم)) ..","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"وكذلك ترك رجم الحامل حتى تضع جنينها ، وقد قال المسيح عليه السلام : { وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ } ، فبركات أولياء الله الصالحين باعتبار نفعهم للخلق بدعائهم إلى طاعة الله ، وبدعائهم للخلق وبما ينزل الله من الرحمة ويدفع من العذاب بسببهم حق موجود ، فمن أراد بالبركة هذا ، وكان صادقاً فقوله حق .\rوأما ((المعنى الباطل)) فمثل أن يريد الإشراك بالخلق : مثل أن يكون رجل مقبور بمكان فيظن أن الله يتولاهم لأجله ، وإن لم يقوموا بطاعة الله ورسوله ، فهذا جهل ، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيد ولد آدم مدفون بالمدينة عام الحرة ، وقد أصاب أهل المدينة من القتل والنهب والخوف ما لا يعلمه إلا الله ، وكان ذلك لأنهم بعد الخلفاء الراشدين أحدثوا أعمالاً أوجبت ذلك ، وكان على عهد الخلفاء يدفع الله عنهم بإيمانهم وتقواهم ، لأن الخلفاء الراشدين كانوا يدفعونهم إلى ذلك ، وكان ببركة طاعتهم للخلفاء الراشدين ، وببركة عمل الخلفاء معهم ينصرهم الله ويؤيدهم ، وكذلك الخليل - صلى الله عليه وسلم - مدفون بالشام وقد استولى النصارى على تلك البلاد قريباً من مائة سنة ، وكان أهلها في شر ، فمن ظن أن الميت يدفع عن الحي مع كون الحي عاملاً بمعصية الله فهو غالط .\rوكذلك إذا ظن أن بركة الشخص تعود على من أشرك به وخرج عن طاعة الله ورسوله ، مثل أن يظن أن بركة السجود لغيره ، وتقبيل الأرض عنده ، ونحو ذلك يحصل له السعادة ، وإن لم يعمل بطاعة الله ورسوله ، وكذلك إذا اعتقد أن ذلك الشخص يشفع له ، ويدخله الجنة بمجرد محبته ، وانتسابه إليه ، فهذه الأمور ونحوها مما فيه مخالفة الكتاب والسنة ، فهو من أحوال المشركين وأهل البدع باطل لا يجوز اعتقاده ولا اعتماده .\rكذا في الفتاوى (ج11 ص113)\r] ] ]\rالإمام أحمد يتبرك والحافظ الذهبي يؤيده","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"قال عبد الله بن أحمد : رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيضعها على فيه يقبّلها ، وأحسِب أني رأيته يضعها على عينه ، ويغمسها في الماء ويشربه ويستشفي به .\rورأيته أخذ قصعة النبي - صلى الله عليه وسلم - فغسلها في حُبّ الماء ثم شرب فيها ، ورأيته يشرب من ماء زمزم يستشفي به ويمسح به يديه ووجهه .\rقلت : أين المتنطّع المنكر على أحمد ، وقد ثبت أن عبد الله سأل أباه عمّن يلمَس رمانة منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ويمَسّ الحجرة النبوية ، فقال : لا أرى بذلك بأساً . أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع. (سير أعلام النبلاء ج11 ص212).\rالخلاصة\rوالحاصل من هذه الآثار والأحاديث هو أن التبرك به - صلى الله عليه وسلم - وبآثاره وبكل ما هو منسوب إليه سنة مرفوعة وطريقة محمودة مشروعة ، ويكفي في إثبات ذلك فعل خيار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، وتأييد النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك بل وأمره مرة وإشارته أخرى إلى فعل ذلك ، وبالنصوص التي نقلناها يظهر كذب من زعم أن ذلك ما كان يعتني به ويهتم بفعله أحد من الصحابة إلا ابن عمر وأن ابن عمر ما كان يوافقه على ذلك أحد من أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - .\rوهذا جهل أو كذب أو تلبيس ، فقد كان كثير غيره يفعل ذلك ويهتم به ومنهم الخلفاء الراشدون رضي اله عنهم وأم سلمة وخالد بن الوليد وواثلة بن الأسقع وسلمة بن الأكوع وأنس بن مالك وأم سليم وأسيد بن خضير وسواد بن غزية وسواد بن عمرو وعبد الله بن سلام وأبو موسى وعبد الله بن الزبير وسفينة مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - وسرة خادم أم سلمة ومالك بن سنان وأسماء بنت أبي بكر وأبو محذورة ومالك بن أنس وأشياخه من أهل المدينة كسعيد بن المسيب ويحي بن سعيد.\r] ] ]\rالباب الثالث\rمباحث مختلفة\rوفيها بيان مشروعية الزيارة النبويّة وما يتعلق\rبها مِنَ الآثار والمشاهد والمناسَبات\rالحياة البرزخية حياة حقيقية","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"الحياة البرزخية حياة حقيقية ، وهذا ما دلت عليه الآيات البينات والأحاديث المشهورة الصحيحة .\rوهذه الحياة الحقيقية لا تعارض وصفهم بالموت كما جاء ذلك في كتاب الله العزيز إذ يقول : { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ } ، ويقول : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ } ، إن معنى قولنا عن الحياة البرزخية بأنها حقيقية أي ليست خيالية أو مثالية كما يتصورها بعض الملاحدة ممن لا تتسع عقولهم للإيمان إلا بالمشاهد المحسوس دون الغيب الذي لا يطيق العقل البشري تصوره ولا تسليم كيفيته لقدرة الله جل جلاله . إن وقفة تأمل قصيرة عند قولنا عن الحياة البرزخية بأنها حقيقية لا تبقي من الإشكال أدنى ذرة حتى عند من يقصر فهمه وذوقه عن تعقل المعاني فكلمة [حقيقية] ليست إلا لنفي الباطل وطرد الوهم ونفي الخيال الذي قد يقع في ذهن الإنسان المتشكك المرتاب في أحوال عالم البرزخ وعالم الآخرة وغيرهما من العوالم الأخرى كالنشر والبعث والحشر والحساب .\rوهذا المعنى يدركه الإنسان العربي البسيط الذي يعرف أن كلمة [ حقيقية ] تعني حقيقة وهي ما يقابل الوهم والخيال والمثال ، فحقيقية أي ليست بوهمية وهذا هو المقصود بعينه ، وهذا هو مفهومنا وتصورنا لهذه القضية ، ولقد تضافرت الأحاديث والآثار التي تثبت بأن الميت يسمع ويحس ويعرف سواء كان مؤمنا أم كافرا .\rفمنها حديث القليب وهو ثابت في الصحيحين من وجوه متعددة عن أبي طلحة وعمر وابنه عبد الله :","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش فألقوا في طوى من اطواء بدر فناداهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسماهم ((يا أبا جهل بن هشام يا أمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة يا فلان ابن فلان ! أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا)) .. فقال عمر : يارسول الله ! ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها ، فقال عليه الصلاة والسلام : ((والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يجيبون)) ..\rهكذا رواه الشيخان من حديث ابن عمر والبخاري من حديث أنس عن أبي طلحة ومسلم من حديث أنس عن عمر ، ورواه الطبراني من حديث ابن مسعود بإسناد صحيح ومن حديث عبد الله بن سيدان نحوه وفيه :\rقالوا : يارسول الله ! وهل يسمعون ؟ قال : ((يسمعون كما تسمعون ولكن لا يجيبون)) ..\rومنها ما رواه البزار وصححه ابن حبان من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن السدي عن أبيه عن أبي هريرة :\rعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((إن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين)) ..\rوأخرج ابن حبان أيضا من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه في حديث طويل .\rوقال البخاري في صحيحه : ((باب الميت يسمع خفق النعال)) ، ثم روى عن أنس\rعن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ((العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه حتى أنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه)) ..\rوذكر الحديث في سؤال القبر ، ورواه مسلم أيضاً وسماع الميت خفق النعال وارد في عدة أحاديث ، منها الأحاديث الواردة في سؤال القبور وهي كثيرة منتشرة ، وفيها التصريح بسؤال الملكين له وجوابه بما يطابق حاله من سعادة أو شقاء ، ومنها ما شرعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمته من السلام على أهل القبور ومخاطبتهم بلفظ : السلام عليكم دار قوم مؤمنين .","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"قال ابن القيم : وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد ، والسلف مجمعون على هذا ، وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به ، ثم ذكر جملة منها في ((كتاب الروح)) .. فليراجع .\rقلت : وقد روى عبد الرزاق في هذا الباب حديثاً عن زيد بن أسلم قال : مر أبو هريرة وصاحب له على قبر ، فقال أبو هريرة : سَلِّم ، فقال الرجل :\rأسلِّمُ على القبر ؟ فقال أبو هريرة : إن كان رآك في الدنيا يوماً قط إنه ليعرفك الآن.\rرواه عبد الرزاق في المصنف (ج3 ص577) .\rوهذا الذي نقلناه هو عقيدة السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين وهم أهل السنة والجماعة فلا أدري كيف يغفل هؤلاء الذين يدعون أنهم على مذهب السلف عن هذه الحقيقة .\rوقد أفاض الشيخ ابن القيم في كتاب الروح بما يشفي ويكفي وننقل هنا فتوى عظيمة لشيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في هذا الموضوع كما جاء في الفتاوى الكبرى.\rسئل الشيخ عن الأحياء إذا زاروا الأموات هل يعلمون بزيارتهم ؟ وهل يعلمون بالميت إذا مات من قرابتهم أو غيره ؟\rفأجاب : الحمد لله ، نعم جاءت الآثار بتلاقيهم وتساؤلهم وعرض أعمال الأحياء على الأموات ، كما روى ابن المبارك عن أبي أيوب الأنصاري قال :\r[إذا قبضت نفس المؤمن تلقاها الرحمة من عباد الله كما يتلقون البشير في الدنيا فيقبلون عليه ويسألونه فيقول بعضهم لبعض : أنظروا أخاكم يستريح فإنه كان في كرب شديد ، قال : فيقبلون عليه ويسألونه ما فعل فلان وما فعلت فلانة هل تزوجت] الحديث .\rوأما علم الميت بالحي إذا زاره وسلم عليه ففي حديث ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام)) ..","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"قال ابن المبارك : ثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصححه عبد الحق صاحب الأحكام . اهـ . (مجموع فتاوى الشيخ ابن تيمية ج24 ص331) .\rوجاء في موضع آخر أيضاً سئل الشيخ ابن تيمية : هل الميت يسمع كلام زائره ويرى شخصه ؟ وهل تعاد روحه إلى جسده في ذلك الوقت أم تكون ترفرف على قبره في ذلك الوقت وغيره ؟ وهل تجمع روحه مع أرواح أهله وأقاربه الذين ماتوا قبله ؟\rفأجاب : الحمد لله رب العالمين ، نعم ! يسمع الميت في الجملة كما ثبت في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال :\r((يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه)) ..\rثم ساق أحاديث متعددة في هذا المعنى ، ثم قال : فهذه النصوص وأمثالها تبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي ولا يجب أن يكون السمع له دائماً بل قد يسمع في حال دون حال ، كما قد يعرض للحي فإنه قد يسمع أحياناً خطاب من يخاطبه ، وقد لا يسمع لعارض يعرض له ، وهذا السمع سمع إدراك ليس يترتب عليه جزاء ولا هو السمع المنفي بقوله : { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى } ، فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال ، فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه وكالبهائم التي تسمع الصوت ولا تفقه المعنى ، فالميت وإن سمع الكلام وفقه المعنى فإنه لا يمكنه إجابة الداعي ولا امتثال ما أمر به ونهى عنه فلا ينتفع بالأمر والنهي ، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي وإن سمع الخطاب وفهم المعنى ، كما قال تعالى : { وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ } ، وأما رؤية الميت فقد روي في ذلك آثار عن عائشة وغيرها .\rوأما قول القائل : هل تعاد روحه إلى بدنه ذلك الوقت أم تكون ترفرف على قبره في ذلك الوقت وغيره ؟ . فإن روحه تعاد إلى البدن في ذلك الوقت كما جاء في الحديث وتعاد أيضاً في غير ذلك .\rومع ذلك فتتصل بالبدن متى شاء الله وذلك في اللحظة بمنزلة نزول الملك وظهور الشعاع في الأرض وانتباه النائم .","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"وهذا جاء في عدة آثار أن الأرواح تكون في أفنية القبور ، قال مجاهد : الأرواح تكون في أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا تفارقه ، فهذا يكون أحياناً وقال مالك بن أنس : بلغني أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت والله أعلم . اهـ . مجموع فتاوى الشيخ ابن تيمية (ج24 ص362) .\rوقال الشيخ ابن تيمية في موضع آخر : أما ما أخبر الله من حياة الشهيد ورزقه وما جاء في الحديث الصحيح من دخول أرواحهم الجنة فذهبت طوائف إلى أن ذلك مختص بهم دون الصديقين وغيرهم ، والصحيح الذي عليه الأئمة وجماهير أهل السنة أن الحياة والرزق ودخول الأرواح الجنة ليس مختصاً بالشهيد ، كما دلت على ذلك النصوص الثابتة ويختص الشهيد بالذكر لكون الظان يظن أنه يموت فينكل عن الجهاد فأخبر بذلك ليزول المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة مكا نهى عن قتل الأولاد خشية الإملاق لأنه هو الواقع وإن كان قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الإملاق اهـ. (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج24 ص332).\rلا تؤذ الميت لئلا يؤذيك :\rرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً قد اتكأ على قبر فقال له :\r((لا تؤذ صاحب القبر)) ..\rذكره المجد ابن تيمية في المنتقى (ج2 ص104) وعزاه لأحمد في المسند وكذا الحافظ ابن حجر في الفتح (ج3 ص178) وقال : إسناده صحيح .\rوأخرجه الطحاوي في معاني الآثار (ج1 ص296) من حديث ابن عمرو ابن حزم بلفظ : رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قبر ، فقال :\r((انزل عن القبر لا تؤذ صاحب القبر ولا يؤذيك)) .. اهـ .\r(مجمع الزوائد ج3 ص61) .\rمعنى الحياة البرزخية :\rوينبغي أن نبين للناس معنى تلك الحياة وأنها حياة برزخية وأنها ليست كحياتنا هذه بل هي حياة خاصة لائقة بهم وبالعالم الذي هم فيه لكن لابد أن نبين لهم أيضاً أنها ليست كحياتنا لأن حياتنا أقل وأحقر وأضيق وأضعف .","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"فالإنسان فيها بين عبادة وعادة وطاعة ومعصية وواجبات مختلفة لنفسه وأهله ولربه وأنه تارة يكون طاهراً وتارة يكون على ضد ذلك ، وتارة يكون في المسجد وتارة يكون في الحمام وأنه لا يدري بم يختم له ؟؟ فقد يكون بينه وبين الجنة ذراع ثم ينقلب الأمر رأساً على عقب فيصير من أهل النار وبالعكس ، أما في البرزخ فإنه إن كان من أهل الإيمان فإنه قد جاوز قنطرة الامتحان التي لا يثبت عندها إلا أهل السعادة ، ثم إنه قد انقطع عنه التكليف وأصبح روحاً مشرقة طاهرة مفكرة سياحة سباحة جوالة في ملكوت الله وملكه سبحانه وتعالى ، لا هم ولا حزن ولا بأس ولا قلق لأنه لا دنيا ولا عقار ولا ذهب ولا فضة فلا حسد ولا بغي ولا حقد .\rوإن كان غير ذلك ففي عكس ذلك .\r] ] ]\rخصائص الأنبياء البرزخية\rوللأنبياء عليهم الصلاة والسلام في البرزخ خصائص انفردوا بها دون غيرهم من البشر ولو شاركهم غيرهم في بعضها فهو على وجه الإلحاق النسبي وتبقى الخصوصية للأنبياء من جهتين :\rالأولى : من جهة الأصالة .\rالثانية : من جهة الكمال .\rوهذه بعض تلك الخصائص :\rكمال حياتهم :\rذكرنا فيما تقدم أن الحياة البرزخية حياة حقيقية وأن الميت يسمع ويحس ويعرف سواء أكان مؤمناً أم كافراً ، وأن الحياة والرزق ودخول الأرواح الجنة ليس مختصاً بالشهيد كما دلت على ذلك النصوص الثابتة ، وهذا هو الصحيح الذي عليه الأئمة وجماهير أهل السنة ، ومن هنا فإن القول بحياة الأنبياء من فضول القول وهو أمر ظاهر كالشمس لا يحتاج إلى إثبات بل إن الصواب هو أن نقرر بأن حياتهم أكمل وأجل وأتم وأعظم ، وهكذا حياة الناس على ظهر الأرض في الدنيا فإنها درجات ومقامات ومراتب متفاوتة فمنهم أموات في صورة أحياء ، قال فيهم المولى جل شأنه :","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"{ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } .\rومنهم الذين قال فيهم : { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } .\rومنهم من قال فيهم : { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } إلى قوله: { أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ } ، ومنهم من قال فيهم: { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ{16}كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ {17} وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } (سورة الذاريات : 16-18) .\rوهكذا الحياة البرزخية درجات ومراتب ومقامات متفاوتة { وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً } .\rأما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإن حياتهم ورزقهم ومعرفتهم وسماعهم وإدراكهم وشعورهم وإحساسهم أكمل وأتم وأرفع من غيرهم ، والدليل هو قوله تعالى في حق الشهداء :\r{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } .\rوإذا كانت الحياة معناها هو بقاء الروح فلا تفنى ولا تبلى فلا مزية للشهيد يستحق أن تذكر وتشهر إذ أرواح جميع بني آدم باقية لا تفنى ولا تبلى وهو الصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم كما حققه الشيخ ابن القيم في كتاب الروح ، فلابد من وجود مزية ظاهرة يزيد بها الشهداء على من سواهم وإلا كان ذكر حياتهم عبثاً لا فائدة منه خصوصاً وأن الله تعالى نهى أن نقول عنهم أموات فقال : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } .","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"وحينئذ نقول إنه لابد من أن تكون حياتهم أكمل من غيرهم وأشرف ، وهذا ما يؤيده ظاهر النصوص فأرواحهم مرزوقة ترد أنهار الجنة وتأكل ثمارها كما قال تعالى : { عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } ، ثم إحساسهم بذلك الطعام والشراب والنعيم إحساس كامل بشعور تام وتلذذ تام وتمتع حقيقي كما جاء في الحديث : فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا : يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا . (قال ابن كثير رواه أحمد) .\rوأرواحهم لها تصرف أكبر من غيرها وأوسع فهي تتجول وتسرح في الجنة حيث تشاء ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش . (كذا في الصحيح) .\rوهم يسمعون الكلام ويفهمون الخطاب ، فقد جاء في الصحيح : أن الله تعالى يقول لهم : ما تشتهون ؟ فيقولون : كذا وكذا ، ويعود السؤال ويعود الجواب، ثم يطلبون أن يعودوا إلى الدنيا للجهاد ، ثم يطلبون أن يبلغ الله عنهم رسالة منهم\rإلى إخوانهم بالدنيا فيها بيان ما أكرمهم الله به ، فيقول الله : أنا أبلغ عنكم .\rفإذا ثبت هذا في حق الشهداء ثبت في حق الأنبياء من وجهين :\rالأول : أن هذه رتبة شريفة أعطيت للشهيد كرامة له ولا رتبة أعلى من رتبة الأنبياء ، ولا شك أن حال الأنبياء أعلى وأكمل من حال جميع الشهداء فيستحيل أن يحصل كمال للشهداء ولا يحصل للأنبياء لا سيما هذا الكمال الذي يوجب زيادة القربى والزلفى والنعيم والأنس بالعلي الأعلى .\rالثاني : أن هذه الرتبة حصلت للشهداء أجراً على جهادهم وبذلهم أنفسهم لله تعالى ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي سن لنا ذلك ودعانا إليه وهدانا له بإذن الله تعالى وتوفيقه ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - :\r((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)) .\rوقال صلى الله عليه وسلم :","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من يتبعه لا ينقصه ذلك من أجورهم شيئاً ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه لا ينقصه ذلك من آثامهم شيئاً)) ..\rوالأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة مشهورة فكل أجر حصل للشهيد حصل للنبي - صلى الله عليه وسلم - لسعيه مثله والحياة أجر فيحصل للنبي - صلى الله عليه وسلم - مثلها .\rإن حياة الأنبياء البرزخية الحقيقية وخصوصاً نبينا - صلى الله عليه وسلم - هي أرفع وأكمل من أن يتصور جاهل أو أحمق أننا نعني بها أن يعيشوا كما نعيش فيأكلون ويشربون محتاجين إلى الأكل والشرب ويبولون ويتغوطون مضطرين إلى ذلك ويخرجون من قبورهم لحضور مجالس الذكر ومجامع القرآن ولمشاركة الأمة في أفراحها وأحزانها وأعيادها ومواسمها ثم يرجعون إلى قبورهم تحت الأرض في تلك الحفرة الضيقة وفوقهم التراب ، ليس في هذا أدنى كرامة أو منقبة بل هو عين الإهانة التي لا يرضاها الإنسان لتابع أو خادم له فضلاً عن أن يمن الله تعالى بذلك على خير خلقه وأجل عبيده حاشا وكلا وألف حاشا وكلا .\rإن الحياة البرزخية الحقيقية هي الشعور التام والإدراك الكامل والمعرفة الصادقة ، إنها حياة طيبة صالحة دعاء وتسبيح وتهليل وتحميد وصلاة .\rصلاة الأنبياء في قبورهم وعبادات أخرى\rومن ثمرات تلك الحياة البرزخية صلاتهم في قبورهم صلاة حقيقية ليست خيالية ولا مثالية ، وقد جاءت أحاديث في هذا الموضوع ، فمنها : عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)) ..\rرواه أبو يعلى والبزار ورجال أبي يعلى ثقات ، كذا في مجمع الزوائد (ج8 ص211) ، قال الإمام الحافظ البيهقي في الجزء الخاص بهذه المسألة .\rوفي رواية عن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :\r((إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ، ولكنهم يصلون بين يدي الله تعالى حتى ينفخ في الصور)) ..","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"قال البيهقي : إن صح بهذا اللفظ فالمراد به – والله أعلم – لا يتركون لا يصلون إلا هذا المقدار ، ثم يكونون مصلين بين يدي الله تعالى ، قال البيهقي : ولحياة الأنبياء بعد موتهم شواهد من الأحاديث الصحيحة .\rثم ذكر البيهقي بأسانيده حديث :\r((مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره)) ..\rوحديث :\r((قد رأيتني في جماعة من الأنبياء ، فإذا موسى قائم يصلي وإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود الثقفي ، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم – يعني نفسه – فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة قال قائل لي : يا محمد ! هذا مالك صاحب النار فسلم عليه ، فالتفت إليه فبدأني بالسلام)) .\rقلت : أخرجه مسلم عن أنس (ج2 ص268) ، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (ج3 ص577) .\rوقوله : ضرب ، أي خفيف اللحم الممشوق المستدق .\rوقال البيهقي في دلائل النبوة : وفي الحديث الصحيح عن سليمان التيمي وثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :\r((أتيت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره)) ..\rقلت : وهو صحيح أخرجه مسلم (ج2 ص268) .\rوقد ثبت بما لا يقبل الشك أن السبب في تخفيف الصلاة علينا من خمسين إلى خمس صلوات هو موسى عليه السلام وهو ميت قد أدى رسالة ربه وانتقل إلى جواره في الرفيق الأعلى ولكنه هو السبب في إيصال أعظم خير إلى الأمة المحمدية حينما طلب من نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - مراجعة ربه وقال له : سل ربك التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فهل هذه المراجعة حقيقية أو خيالية وهل في اليقظة أو في المنام وهل هي صحيحة أم مكذوبة وهل موسى مات أم لا يزال حياً حتى وقت تلك المراجعة ؟\rأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما :","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر على ثنية فقال : ما هذه ؟ قالوا : ثنية كذا وكذا ، قال : كأني أنظر إلى يونس على ناقة خطامها ليف وعليه جبة من صوف وهو يقول : لبيك اللهم لبيك)) .. اهـ . الدر المنثور (ج4 ص334) .\rوفي حديث آخر :\r((أراني ليلة عند الكعبة فرأيت رجلاً آدم كأحسن ما أنت راء من الرجال من آدم الرجال ، له لمة كأحسن ما أنت راء من اللمم قد رجلها فهي تقطر ماء متكئاً على رجلين أو على عواتق رجلين يطوف بالبيت فسألت من هذا ؟ فقيل : هذا المسيح ابن مريم)) ..\rوفي حديث آخر :\r((إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بوادي الأزرق ، فقال : كأني أنظر إلى موسى هابطاً من الثنية ، وله جؤار إلى الله بالتلبية ثم أتى على ثنية هرشي فقال : كأني أنظر إلى يونس بن متى على ناقة حمراء جعدة عليه جبة من صوف خطام ناقته خلبة وهو يلبي)) ..\rوفي حديث آخر :\r((كأني أنظر إلى موسى واضعاً اصبعيه في أذنيه)) ..\rوهذه الأحاديث كلها في الصحيح وقد تقدم في موسى وعيسى ، وكذلك صلاتهم قياماً وإمامة النبي - صلى الله عليه وسلم - بهم ، ولا يقال : إن ذلك رؤيا منام ، وإن قوله أراني فيه إشارة إلى النوم لأن الإسراء وما اتفق فيه كان يقظة على الصحيح الذي عليه جمهور السلف والخلف ، ولو قيل بأنه نوم فرؤيا الأنبياء حق ، وقوله : أراني لا دلالة فيه على المنام بدليل قوله : رأيتني في الحجر ، وكان ذلك في اليقظة كما يدل عليه بقية الكلام .\rبقاء أجسادهم :\rجاء في الحديث عن أوس بن أوس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((أفضل أيامكم الجمعة فيه خلق آدم ، وفيه قبض ، وفيه النفخة ، وفيه الصعقة فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه ، فإن صلاتكم معروضة عليَّ ، قالوا : وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت – يقولون بليت – فقال : إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)) ..","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"هذا الحديث أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد في مسنده وابن عاصم في الصلاة له وأبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم والطبراني في معجمه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم في صحاحهم والبيهقي في حياة الأنبياء وشعب الإيمان وغيرهما من تصانيفه .\rواعلم بأن حديث: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء . ورد من طرق كثيرة جمعها الحافظ المنذري في جزء مخصوص وقال في الترغيب والترهيب رواه ابن ماجه بإسناد جيد ورواه أحمد وأبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه ، وقال ابن القيم في كتاب الروح نقلاً عن أبي عبد الله القرطبي : صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء ، وأنه - صلى الله عليه وسلم - اجتمع مع الأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس ، وفي السماء خصوصاً موسى وقد أخبر :\r((ما من مسلم يسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام)) ..\rإلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أنهم غيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء ، وذلك كالحال في الملائكة فإنهم أحياء موجودون ولا نراهم ، وقد نقل كلام القرطبي وأقره أيضاً الشيخ محمد السفاريني الحنبلي في شرح عقيدة أهل السنة ونصه : قال أبو عبد الله القرطبي : قال شيخنا أحمد بن عمر القرطبي صاحب المفهم في شرح مسلم : والذي يزيح هذا الإشكال أن الموت ليس بعدم محض وإنما هو انتقال من حال إلى حال ويدل على ذلك أن الشهداء بعد موتهم وقتلهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين .","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"وهذه صفة الأحياء في الدنيا ، وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى . وذكر القرطبي أن أجساد الشهداء لا تبلى ، وقد صح عن جابر أن أباه وعمرو بن الجموح رضي الله تعالى عنهم وهما ممن استشهد بأحد ودفنا في قبر واحد حفر السيل قبرهما فوجدا لم يتغيرا ، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك ، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين ذلك وبين أحد ست وأربعون سنة ، ولما أجرى معاوية العين التي استنبطها بالمدينة وذلك بعد أحد بنحو من خمسين سنة ، ونقل الموتى أصابت المسحاة قدم حمزة رضي الله عنه فسال منه الدم ووجد عبد الله بن حرام كأنما دفن بالأمس ، وروى كافة أهل المدينة أن جدار النبي - صلى الله عليه وسلم - لما انهدم أيام الوليد بدت لهم قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان قد قتل شهيداً .\rوقد ذكر الشيخ ابن تيمية أنه لما حصل الهدم بدت لهم قدم بساق وركبة ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز فأتاه عروة ، فقال : هذه ساق عمر وركبته فسرى عن عمر بن عبد العزيز . اهـ (اقتضاء الصراط المستقيم 365) .\rوقد ألف في هذا الموضوع الإمام الحجة أبو بكر بن الحسين البيهقي رسالة خاصة جمع فيها جملة من الأحاديث التي تدل على حياة الأنبياء وبقاء أجسادهم ، وكذلك ألف الحافظ جلال الدين السيوطي رسالة خاصة بذلك .\r] ] ]\rحياة خاصة بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -\rوقد ثبت لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - حياة برزخية أكمل وأعظم من غيره تحدث عنها بنفسه تثبت اتصاله بالأمة المحمدية ومعرفته بأحوالها واطلاعه على أعمالها وسماعه لكلامهم وردّه لسلامهم ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة .\rفمنها عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:\r((إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام)) ..\rقال المنذري : رواه النسائي وابن حبان في صحيحه اهـ . من الترغيب والترهيب (ج2 ص498) .","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"قلت : ورواه إسماعيل القاضي وغيره من طرق مختلفة بأسانيد صحيحة لا ريب فيها إلى سفيان الثوري عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله ابن مسعود وصرَّح الثوري بالسماع فقال : حدثني عبد الله بن السائب . هكذا في كتاب القاضي إسماعيل وعبد الله بن السائب وزاذان روى لهما مسلم . ووثقهما ابن معين فالإسناد إذن صحيح .\rومنها : عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :\r((حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ، ووفاتي خير لكم تعرض أعمالكم عليَّ فما رأيت من خير حمدت الله ، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم)) ..\rقال الحافظ العراقي في كتاب الجنائز من طرح التثريب في شرح التقريب : إسناده جيد(20)[26].\rوقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (ج9 ص24) : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ، وصححه الحافظ السيوطي في المعجزات والخصائص ، وكذا القسطلاني شارح البخاري ، ونص المناوي في فيض القدير (ج3 ص401) :\rبأنه صحيح ، وكذا الزرقاني في شرح المواهب للقسطلاني ، وكذا الشهاب الخفاجى في شرح الشفا (ج1 ص102) .\rوكذا الملا علي قاري في شرح الشفا (ج1 ص102) وقال : رواه أيضاً الحارث بن أسامة في مسنده بسند صحيح .\rوذكره ابن حجر في المطالب العالية (ج4 ص22) ، وجاء هذا الحديث من طريق آخر مرسلاً عن بكر بن عبد الله المزني ، ورواه الحافظ إسماعيل القاضي في جزء الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال فيه الشيخ الألباني : مرسل صحيح .\rوصححه الحافظ ابن عبد الهادي مع تعنته وتشدده في كتابه الصارم المنكي .","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"فالحديث صحيح لا مطعن فيه وهو يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم أعمالنا بعرضها عليه ويستغفر الله لنا على ما فعلنا من سيء وقبيح ، وإذا كان كذلك فإنه يجوز لنا أن نتوسل به إلى الله ونستشفع به لديه لأنه يعلم بذلك فيشفع فينا ويدعو لنا وهو الشفيع المشفع صلى الله عليه وآله وسلم ، وزاده تشريفاً وتكريماً ، وقد أخبر الله في القرآن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شهيد على أمته وذلك يقتضي أن تعرض أعمالهم عليه ليشهد على ما رأى وعلم ، قال ابن المبارك : أخبرنا رجل من الأنصار عن المنهال بن عمرو أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : ليس من يوم إلا يعرض فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته غدوة وعشياً فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم ، يقول الله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً } .\rومنها : عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :\r((إن الله وكل بقبري ملكاً أعطاه الله أسماء الخلائق ، فلا يصلي عليَّ أحد إلى يوم القيامة إلا أبلغني باسمه واسم أبيه هذا فلان ابن فلان قد صلى عليك)).\rرواه البزار وأبو الشيخ ابن حبان ولفظه : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((إن الله تبارك وتعالى وكل ملكاً أعطاه أسماء الخلائق فهو قائم على قبري إذا مت، فليس أحد يصلي عليَّ صلاة إلا قال: يا محمد! صلى عليك فلان ابن فلان قال : فيصلي الرب تبارك وتعالى على ذلك الرجل بكل واحدة عشراً)) ..\r(رواه الطبراني في الكبير بنحوه) اهـ . من الترغيب (ج2 ص500) .\rومنها عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسيّ عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"((أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة وإن أحداً لن يصلي عليَّ إلا عرضت عليَّ صلاته حتى يفرغ منها)) .. قال : قلت : وبعد الموت ؟ قال : ((وبعد الموت ، إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء فنبي الله حي يرزق)) ..\rرواه ابن ماجه في السنن ، وفي الزوائد هذا الحديث صحيح إلا أنه منقطع في موضعين ، لأن عبادة روايته عن أبي الدرداء مرسلة ، قاله العلاء . وزيد بن أيمن عن عبادة مرسلة قاله البخاري . انتهى من سنن ابن ماجه (ص524) .\rومنها عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:\r((ما من أحد يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أردّ عليه السلام)) ..\rرواه أبو داود كذا في الترغيب (ج2 ص499) .\rقال الشيخ ابن تيمية : هذا الحديث على شرط مسلم ، وقال : وفي مسند ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((من صلى عليَّ سمعته ، ومن صلى عليَّ نائياً بلغته)) ..\rرواه الدارقطني .\rوفي النسائي وغيره عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :\r((إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام)) ..\rإلى أحاديث أخر في هذا الباب متعددة اهـ . (اقتضاء الصراط المستقيم ص324) .\r] ] ]\rالنبي - صلى الله عليه وسلم - يجيب من ناداه\rالنبي - صلى الله عليه وسلم - يجيب من ناداه قائلاً : يا محمد ..\rفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أبي يعلى في ذكر عيسى : [ولئن قام على قبري فقال : يا محمد لأجيبنه] ..\rذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية 4/ص23 بعنوان حياته - صلى الله عليه وسلم - في قبره .\r] ] ]\rإرسال السلام بالبريد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -\rعن يزيد المهدي قال : لما ودعت عمر بن عبد العزيز قال : إن لي إليك حاجة ، قلت : يا أمير المؤمنين ! كيف ترى حاجتك عندي ؟ قال : إني أراك إذا أتيت المدينة سترى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فاقرئه مني السلام .","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"وعن حاتم بن وردان قال : كان عمر بن عبد العزيز يوجه البريد قاصداً من الشام إلى المدينة ليقرئ عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم السلام .\rذكره القاضي عياض في الشفا في باب الزيارة (ج2 ص83) .\rوذكر الخفاجي والملا علي قاري في شرح الشفا أنه رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب ، وقال الخفاجي : كان من دأب السلف أنهم يرسلون السلام إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان ابن عمر يفعله ويرسل له عليه الصلاة والسلام ولأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن كان يبلغه سلام من سلم عليه وإن كان بعيداً عنه لكن في هذا فضيلة خطابه عنده ورده عليه السلام بنفسه . اهـ .\rمن نسيم الرياض للخفاجي (ج3 ص516) .\rوذكره الفيروز آبادي في الصّلات والبشر ص153 .\rصوت وسلام وآذان يسمع من القبر النبوي\rروى الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله الدارمي في كتابه السنن الذي يعتبر من كتب الأصول الحديثية الستة ، قال : أخبرنا مروان بن محمد عن سعيد ابن عبد العزيز قال : لما كان أيام الحرة لم يؤذن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ، ولم يقم ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد ، وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر معناه . اهـ .\rمن سنن الدارمي (ج1 ص44) ، ونقله الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أحكام تمني الموت من مجموعة مؤلفاته ج3 ص47 .\rونقل هذه الرواية الإمام مجد الدين الفيروز آبادي صاحب القاموس في الصلات والبشر ص154 . وقال إبراهيم بن شيبان : حججت فجئت المدينة فتقدمت إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فسلمت عليه فسمعت من داخل الحجرة : وعليك السلام .\rتأييد ابن تيمية لهذه الوقائع","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"ذكر الشيخ ابن تيمية هذه الوقائع في معرض كلامه عن اتخاذ القبر مسجداً أو وثناً يعبد ، ثم قال : ولا يدخل في هذا الباب ما يروى من أن قوماً سمعوا رد السلام من قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أو قبور غيره من الصالحين ، وأن سعيد ابن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة ونحو ذلك اهـ .\r(اقتضاء الصراط المستقيم ص373)(20).\rثم قال في موضع آخر : وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين مثل نزول الأنوار والملائكة عندها وتوقي الشياطين والبهائم لها واندفاع النار عنها وعمن جاورها وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى واستحباب الإندفان عند بعضهم وحصول الأنس والسكينة عندها ونزول العذاب بمن استهان بها فجنس هذا حق ليس مما نحن فيه ، وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته ، وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق ، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك . اهـ .\r(من اقتضاء الصراط المستقيم ص374)\r] ] ]\r((ثبوت بعض هذه الكرامات لغير الأنبياء))\rوقد روى أهل العلم شيئاً من هذه الكرامات لبعض السلف الصالح رضي الله عنهم حصلت لهم بعد وفاتهم ، ونقلها عنهم الثقات عن الثقات الذين رأوها بأعينهم وسننقل هنا بعض ذلك عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، قال في كتاب أحكام تمني الموت ضمن مجموعة مؤلفاته التي نشرتها جامعة الإمام محمد بن سعود :\rالصلاة في القبر :\rولأحمد عن عفان عن حماد عن ثابت أنه قال : اللهم إن كنت أعطيت أحداً الصلاة في قبره ، فأعطني الصلاة في قبري .\rولأبي نعيم عن جبير قال : أنا – والله الذي لا إله إلا هو – أدخلت ثابتاً البناني في لحده ، ومعي حميد الطويل ، فلما سوينا عليه اللبن ، سقطت لبنة ، فإذا أنا به يصلي في قبره .\rقراءة القرآن :","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"وله ولابن جرير عن إبراهيم بن المهلبي قال : حدثني الذين كانوا يمرون بالجص بالأسحار ، قالوا : كنا إذا مررنا بجبانة قبر ثابت البناني سمعنا قراءة القرآن .\rوللترمذي وحسنه عن ابن عباس قال : ضرب بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خباءه على قبر ، وهو لا يحسب أنه قبر ، فإذا فيه إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [هي المانعة ، هي المنجية ، تنجيه من عذاب القبر] .\rوللنسائي والحاكم عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [نمت فرأيتني في الجنة – ولفظ النسائي : دخلت الجنة – فسمعت صوت قارئ يقرأ ، فقلت : من هذا ؟ قالوا : حارثة بن النعمان] ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [كذاك البر ، كذاك البر ، كذاك البر] وكان أبر الناس بأمه .\rولابن أبي الدنيا عن الحسن قال : بلغني أن المؤمن إذا مات ولم يحفظ القرآن أمر حفظته أن يعلّموه القرآن في قبره حتى يبعثه الله يوم القيامة مع أهله .\rوله عن يزيد الرقاشي نحوه ، وروى السلفي معناه من مراسيل عطية العوفي .\rتزاور أهل القبور :\rولابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال : كان يحب حسن الكفن ، ويقول : إنهم يتزاورون في أكفانهم ، ومعناه في مسند ابن أبي أسامة عن جابر مرفوعاً ، وفيه ويتباهون ويتزاورون في قبورهم .\rولمسلم من حديثه : [إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه] .\rوللترمذي وابن ماجه ومحمد بن يحي الهمداني في صحيحه عن أبي قتادة مرفوعاً : [إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه ، فإنهم يتزاورون في قبورهم] .\rرسالة من الدنيا إلى البرزخ مع ميت :","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"وأخرج ابن أبي الدنيا بسند لا بأس به عن راشد بن سعد : أن رجلاً توفيت امرأته ، فرأى نساء في المنام ، ولم ير امرأته معهن ، فسألهن عنها ، فقلن : إنكم قصرتم في كفنها ، فهي تستحي أن تخرج معنا ، فأتى الرجل النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : [أنظر هل إلى ثقة من سبيل ؟] فأتى رجلاً من الأنصار قد حضرته الوفاة ، فأخبره ، فقال الأنصاري : إن كان أحد يبلغ الموتى بلغت ، فتوفي الأنصاري ، فجاء بثوبين مزودين بالزعفران ، فجعلهما في كفن الأنصاري ، فلما كان الليل رأى النسوة ، ومعهن امرأته ، وعليها الثوبان الأصفران.\rوروى ابن الجوزي عن محمد بن يوسف الفريابي : قصة المرأة التي رأت أمها في المنام ، تشكو إليها الكفن ، فقصوا على محمد وسألوه ، وفيه : أن أمها قالت لها : اشتروا لي كفناً ، وابعثوه مع فلانة ، قال الفريابي : فذكر الحديث : أنهم يتزاورون في أكفانهم ، فقلت : اشتروا لها كفناً ، فماتت المرأة في اليوم الذي ذكرت ، ووضعوه معها .\rالنور على القبور :\rولابن أبي الدنيا عن أبي غالب – صاحب أبي أمامة – أن فتى بالشام حضره الموت ، فقال لعمه : أرأيت لو أن الله تعالى دفعني إلى والدتي ما كانت صانعة بي ؟ قال : إذاً والله كانت تدخلك الجنة ، قال : فوالله الله أرحم بي من والدتي ، فقبض الفتى ، فدخلت القبر مع عمه ، فقلنا : باللبن ، فسويناه عليه ، فسقطت منها لبنة ، فوثب عمه فتأخر ، فقلت : ما شأنك ؟ فقال : مليء قبره نوراً ، وفسح له مدّ بصره .\rولأبي داود وغيره عن عائشة قالت : لما مات النجاشي ، كنّا نحدث : أنه لا يزال يرى على قبره نور .\rوفي تاريخ ابن عساكر عن عبد الرحمن بن عمارة قال : حضرت جنازة الأحنف بن قيس ، فكنت فيمن نزل قبره ، فلما سويته رأيته قد فسح له مدّ بصري ، فأخبرت بذلك أصحابي ، فلم يروا ما رأيت .","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"وعن إبراهيم الحنفي قال : لما صلب ماهان الحنفي على بابه ، كنا نرى الضوء عنده في الليل .\rانظر أحكام تمني الموت المصحح على النسخة المصورة / 771 /86 بالمكتبة السعودية بالرياض تحقيق الشيخ عبد الرحمن السدحان والشيخ عبد الله الجبرين ، مجلد الفقه القسم الثاني .\rوقد ذكروا في أول المجموعة توثيق هذه النسخ وتصحيح نسبتها إلى الشيخ ، وقد قامت جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض بنشر هذه المجموعة كاملة بعد تحقيقها تحت إشرافها بمناسبة أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب .\rلا تشد الرحال\rيخطئ كثير من الناس في فهم حديث :\r((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى)) ..\rفيستدلون به على تحريم شد الرحل لزيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويعتبرون أن السفر بذلك سفر معصية ، وهذا الاستدلال مردود ، لأنه مبني على فهم باطل ، فالحديث كما سترى في باب ، والاستدلال في باب آخر ، وبيان ذلك هو أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد . جاء على الأسلوب المعروف عند اللغويين بأسلوب الاستثناء ، وهذا يقتضي وجود مستثنى ومستثنى منه ، فالمستثنى هو ما كان بعد إلا ، والمستثنى منه هو ما كان قبلها ، ولابد من الأمرين ، إما وجوداً أو تقديراً ، وهذا مقرر ومعروف في أبسط كتب النحو .\rوإذا نظرنا إلى هذا الحديث وجدنا أنه قد جاء فيه التصريح بذكر المستثنى وهو قوله : (إلى ثلاثة مساجد) وهو ما بعد ((إلا)) ولم يأت ذكر المستثنى منه وهو ما قبل ((إلا)) فلابد إذن من تقديره .","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"فإن فرضنا أن المستثنى منه [قبر] كان اللفظ المنسوب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تشد الرحال إلى قبر إلا إلى ثلاثة مساجد . وهذا السياق ظاهر في عدم الانتظام وغير لائق بالبلاغة النبوية ، فالمستثنى غير داخل ضمن المستثنى منه ، والأصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ، ولا يطمئن قلب عالم يتحرج من نسبة كلام للمصطفى - صلى الله عليه وسلم - لم يقله إلى نسبة هذه اللفظة [قبر] وهي لا تتفق مع الأصل في الاستثناء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا تصلح أن تكون هي المستثنى منه ، فلنفرض أنها لفظ [مكان] فيكون السياق المنسوب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذا الفرض ، لا تشد الرحال إلى مكان إلا إلى ثلاثة مساجد ، ومعنى هذا ألا تسافر إلى تجارة أو علم أو خير ، وهذا ضرب من الهوس ظاهر البطلان .\rفالحديث اشتمل على ذكر المستثنى وليس فيه ذكر المستثنى منه ، ولذلك فلابد من تقديره باتفاق أهل اللغة ، وتقديره لا يحتمل إلا ثلاثة وجوه لا رابع لها الوجه الأول : أن يكون تقديره بلفظ [ قبر] فيكون اللفظ المقدر : لا تشد الرحال إلى قبر إلا إلى ثلاثة مساجد .\rوهذا التقدير مبني على رأي من يستدل بالحديث على منع السفر للزيارة ، وأنت ترى أنه تقدير بارد ممجوج لا يستسيغه من عنده أدنى إلمام بالعربية ، وهو لا تليق نسبته إلى أفصح من نطق بالضاد صلوات الله وسلامه عليه ، فحاشا أن يرضى بمثل هذا الأسلوب الساقط .\rالوجه الثاني : أن يكون تقدير المستثنى منه في الحديث بلفظ عام وهو لفظ [ مكان ] وهذا باطل كما تقدم بلا خلاف ولا قائل به .","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"الوجه الثالث : أن يكون تقدير المستثنى منه في الحديث بلفظ [ مسجد ] فيكون سياق الحديث بلفظ : لا تشد الرحال إلى مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد . فنرى أن الكلام قد انتظم وجرى على الأسلوب اللغوي الفصيح ، واختفى التهافت الواضح في الصورتين المتقدمتين وأشرقت فيه روح النبوة . ويطمئن القلب التقي إلى نسبته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا بفرض أنه لا توجد رواية أخرى مصرحة بالمستثنى منه فإذا وجدت هذه الرواية فلا يحل لمن له دين أن يعدل عنها إلى محض فرض لا يستند إلى فصيح اللغة .\rوقد وجدنا بحمد الله في السنة النبوية من طريق الروايات المعتبرة ما فيه التصريح بالمستثنى منه ، فمنها : ما أخرجه الإمام أحمد من شهر بن حوشب قال : سمعت أبا سعيد وذكرت عنده الصلاة والسلام في الطور فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :\r((لا ينبغي للمطي أن يشد رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي)) ..\rقال الحافظ ابن حجر : وشهر حسن الحديث وإن كان فيه بعض ضعف .\r(فتح الباري ج3 ص65) .\rوفي لفظ آخر :\r((لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا)) ..\rقال الحافظ الهيثمي : وفيه شهر ، فيه كلام وحديثه حسن .\r(مجمع الزوائد ج4 ص3)\rومنها ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((أنا خاتم النبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء أحق المساجد أن يزار وتشد إليه الرواحل : المسجد الحرام ومسجدي ، صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام)) ..\rرواه البزار . (مجمع الزوائد ج4 ص3)","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"فكلامه - صلى الله عليه وسلم - في المساجد ليبين للأمة أن ما عدا هذه المساجد الثلاثة متساو في الفضل ، فلا فائدة في التعب بالسفر إلى غيرها ، أما هي فلها مزيد فضل ، ولا دخل للمقابر في هذا الحديث فإقحامها في هذا الحديث يعتبر ضرباً من الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، هذا مع أن الزيارة مطلوبة بل وكثير من العلماء يذكرونها في كتب المناسك على أنها من المستحبات ، ويؤيد هذا أحاديث كثيرة ، نذكر جملة منها .\rعن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :\r((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) ..\rرواه البزار وفيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري وهو ضعيف ، ونقله الشيخ ابن تيمية ، وقال : إنه ضعيف ولم يحكم بوضعه أو كذبه اهـ . (الفتاوى ج27 ص30) في هذا الموضع ، فإن ثبت غير هذا عنه في موضع آخر فمعناه أنه متردد في الحكم عليه ، أو أنه اختلف رأيه فيه ولم نعلم المتقدم من المتأخر فلا يوثق بواحدة حينئذ .\rعن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((من جاءني زائراً لا يعلم له حاجة إلا زيارتي كان حقاً عليَّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)) ..\rرواه الطبراني في الأوسط والكبير ، وفيه مسلمة بن سالم وهو ضعيف .\r(كذا في المجمع ج4 ص2) .\rوقال الحافظ العراقي : صححه ابن السكن (المغني ج1 ص265) .\rعن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :\r((من حج فزار قبري في مماتي كان مكن زارني في حياتي)) ..\rرواه الطبراني في الكبير والأوسط ، وفيه حفص بن أبي داود القارئ وثقه أحمد ، وضعفه جماعة من الأئمة .\rعن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي)) ..\rقال الهيثمي : رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه عائشة بنت يونس ، ولم أجد من ترجمها (كذا في مجمع الزوائد 4/2) .","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"والحاصل أن أحاديث الزيارة لها طرق كثيرة يقوي بعضها بعضاً ، كما نقله المناوي عن الحافظ الذهبي في فيض القدير (ج6 ص140) خصوصاً وإن بعض العلماء صححها أو نقل تصحيحها كالسبكي وابن السكن والعراقي والقاضي عياض في الشفا ، والملا علي قاري شارحه والخفاجي كذلك في نسيم الرياض (ج3 ص511) ، وكلهم من حفاظ الحديث وأئمته المعتمدين ، ويكفي أن الأئمة الأربعة رضي الله عنهم وغيرهم من فحول العلماء وأركان الدين قالوا بمشروعية زيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما نقله عنهم أصحابهم في كتب فقههم المعتمدة ، وهذا كاف منهم في تصحيح أحاديث الزيارة وقبولها لأن الحديث الضعيف يتأيد بالعمل والفتوى ، كما هو معروف من قواعد الأصوليين والمحدثين .\r] ] ]\rزيارة القبر هي زيارة المسجد\rفي اعتبار الشيخ ابن تيمية\rللشيخ ابن تيمية رأي نفيس جاء ضمن كلامه عن الزيارة ، فبعد أن تكلم عن بدعية شد الرحل للقبر النبوي المحمدي وحده دون المسجد رجع فقال :\rوهذا المعترض وأمثاله جعلوا السفر إلى قبور الأنبياء نوعاً من القربة ثم لما رأوا ما ذكره العلماء من استحباب زيارة قبر نبينا ظنوا أن سائر القبور يسافر إليها كما يسافر إليه ، فضلوا من وجوه :\rأحدهما : أن السفر إليه إنما هو سفر إلى مسجده وهو مستحب بالنص والإجماع .\rالثاني : أن هذا السفر هو للمسجد في حياة الرسول وبعد دفنه وقبل دخول الحجرة وبعد دخول الحجرة فيه ، فهو سفر إلى المسجد سواء كان القبر هناك أو لم يكن ، فلا يجوز أن يشبه به السفر إلى قبر مجرد ……………\rثم قال : السادس : أن السفر إلى مسجده – الذي يسمى السفر لزيارة قبره – هو ما أجمع عليه المسلمون جيلاً بعد جيل ، وأما السفر إلى سائر القبور فلا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان بل ولا عن أتباع التابعين .","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"ثم قال : والمقصود أن المسلمين ما زالوا يسافرون إلى مسجده ولا يسافرون إلى قبور الأنبياء كقبر موسى وقبر الخليل عليهما السلام ، ولم يعرف عن أحد من الصحابة أنه سافر إلى قبر الخليل مع كثرة مجيئهم إلى الشام وبيت المقدس ، فكيف يجعل السفر إلى مسجد الرسول الذي يسميه بعض الناس زيارة لقبره مثل السفر إلى قبور الأنبياء ؟\rفيستفاد من كلام الشيخ ابن تيمية فائدة مهمة جداً وهي أنه لا يتصور أبداً أن يشد الزائر رحله قاصداً زيارة القبر وحده ، ثم لا يدخل إلى المسجد ويصلي فيه ليستفيد من بركاته ومضاعفة صلاته ، وروضة الجنة التي فيه ويقابله أنه لا يعقل أبداً أن يشد الزائر رحله قاصداً زيارة المسجد وحده ثم لا يتوجه إلى الزيارة ولا يقف بالقبر الشريف للسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه رضي الله عنهما .\rولذلك ترى الشيخ يشير في عبارته إلى هذا المعنى بقوله مثلاً : (فكيف يجعل السفر إلى مسجد الرسول الذي يسميه بعض الناس زيارة) ؟ .\rوبقوله : (إن السفر إليه إنما هو سفر إلى مسجده) .\rوبقوله : (إن السفر إلى مسجده الذي يسمى السفر لزيارة قبره هو ما أجمع عليه المسلمون) .\rفهذا الرأي الجيد النفيس يحل مشكلة كبرى فرقت بيننا معشر المسلمين وبسببها كفر بعضنا بعضاً وأخرجه عن دائرة الإسلام ، ولو سلك من ادعى أنه متبع للسلف مسلك ابن تيمية إمام السلف في عصره والتمس للناس العذر في مقاصدهم وحسن الظن بهم لسلم جمع غفير من دخول النار وفازوا بالجنة دار القرار .","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"وهذا هو الحق الذي ندين الله به ونعتقده بكل صدق سواء صرحنا به أو لم نصرح ، فلو قال الواحد منا : أنا مسافر لزيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو قبره فهو قاصد في الجملة مسجده الشريف ، ولو قال : أنا مسافر لزيارة المسجد ، فهو قاصد في الجملة القبر ، غاية ما في الأمر أنه فاته التصريح بكل ما يقصده وينويه للارتباط الوثيق بين المسجد والقبر الذي هو في الحقيقة عبارة عن قصد النبي ذاته - صلى الله عليه وسلم - ، لأن المسافر لزيارة القبر إنما هو مسافر في الحقيقة إلى النبي نفسه - صلى الله عليه وسلم - .\rأما القبر حقيقة فلا يقصده ولا يتوجه إليه مسافر ، ونحن إنما نتوجه إليه - صلى الله عليه وسلم - ونشد رحالنا لزيارته هو ونتقرب إلى الله بتلك الزيارة ، ولذلك فالواجب على المسلمين الزائرين أن يصححوا ألفاظهم ابتعاداً عن الشبهة ، ويقولوا : نحن نزور رسول الله ونشد الرحل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومن هنا قال مالك : أكره للرجل أن يقول : زرت قبر الرسول .\rوفسره العلماء من أئمة المالكية بأن ذلك من الأدب في التعبير اللفظي ،\rولو كان المسافر لزيارة القبر لا يقصد إلا زيارة القبر فقط لما رأيت هذا الازدحام الشديد على الروضة المشرفة .\rولما رأيت الناس يتسابقون ويتدافعون عند فتح أبواب المسجد النبوي حتى ليكاد يقتل بعضهم بعضاً ، وهؤلاء الذين يحرصون على الصلاة في المسجد والمسابقة إلى الروضة هم الذين جاءوا لزيارة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، وشدوا رحلهم إليه .\r] ] ]\rتحقيق مفيد\rتحقيق العلامة الشيخ عطية محمد سالم صاحب تكملة أضواء البيان\rوقد ذكر هذه المسألة العلامة الشيخ عطية محمد سالم القاضي بالمدينة المنورة في كتابه الذي تمم به التفسير المشهور المسمى بأضواء البيان للعلامة المفسر الشيخ محمد أمين الشنقيطي فقال :","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"وأعتقد أن هذه المسألة لولا نزاع معاصري شيخ الإسلام معه في غيرها لما كان لها محل ولا مجال .\rولكنهم وجدوها حساسة ولها مساس بالعاطفة ومحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأثاروها وحكموا عليه بالالتزام أي بلازم كلامه حينما قال :\rلا يكون شد الرحال لمجرد الزيارة ، بل تكون للمسجد من أجل الزيارة عملاً بنص الحديث ، فتقولوا عليه ما لم يقله صراحة ، لو حمل كلامه على النفي بدل من النهي لكان موافقاً أي لا يتأتى ذلك لأنه رحمه الله لم يمنع زيارته - صلى الله عليه وسلم - ولا السلام عليه ، بل يجعلها من الفضائل والقربات ، وإنما يلتزم بنص الحديث في جعل شد الرحال إلى المسجد ولكل شيء ، ومنه السلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما صرح بذلك في كتبه . اهـ كلام الشيخ عطية في أضواء البيان (ج8 ص586).\rثم نقل من نصوص كلام ابن تيمية ما نقلناه عنه ثم قال :\rفدل كلامه رحمه الله أن زيارة القبر والصلاة في المسجد مرتبطان ، ومن ادعى انفكاكهما عملياً فقد خالف الواقع ، وإذا ثبتت الرابطة بينهما انتفى الخلاف وزال موجب النزاع والحمد لله رب العالمين ، وصرح في موضع آخر ص346 في قصر الصلاة في السفر لزيارة قبور الصالحين عن أصحاب أحمد أربعة أقوال ، الثالث منها : تقصر إلى قبر نبينا عليه الصلاة والسلام .\r(أضواء البيان ج8 ص590) ، ثم قال الشيخ عطية :\rوهذا غاية في التصريح منه رحمه الله أنه لا انفكاك من حيث الواقع بين الزيارة والصلاة في المسجد عند عامة العلماء .\rثم قال في حق الجاهل : وأما من لم يعرف هذا فقد لا يقصد إلا السفر إلى القبر ، ثم إنه لابد أن يصلي في مسجده فيثاب على ذلك ، وما فعله وهو منهي عنه ولم يعلم أنه منهي عنه لا يعاقب فيحصل له أجر ولا يكون عليه وزر .\r(أنظر أضواء البيان ج8 ص590) .","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"وبه يظهر لك أن قاصد القبر على كل حال ليس بمحروم من الأجر والثواب فهل يقال في حقه : أنه مبتدع أو ضال أو مشرك ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم .\r] ] ]\rالإمام مالك والزيارة\rالإمام مالك هو من أشد الناس تعظيماً للجناب النبوي وهو الذي كان لا يمشي في المدينة المنورة متنعلاً ولا راكباً ولا يقضي فيها حاجته احتراماً وتعظيماً وتكريماً لتراب المدينة الذي مشى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وها هو يخاطب أمير المؤمنين المهدي لما جاء إلى المدينة في هذا الموضوع ويقول له : إنك تدخل الآن المدينة فتمر بقوم عن يمينك ويسارك وهم أولاد المهاجرين والأنصار فسلم عليهم فإنه ما على وجه الأرض قوم خير من أهل المدينة ، ولا خير من المدينة . فقال له : ومن أين قلت ذلك يا أبا عبد الله ؟ قال : لأنه لا يعرف قبر نبي اليوم على وجه الأرض غير قبر محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ومن قبر محمد عندهم فينبغي أن يعلم فضلهم .\r(كذا في المدارك للقاضي عياض).\rومن شدة تعظيمه للمدينة أنه كره أن يقال : زرنا قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكأنه أراد أن يقول القائل زرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة دون لفظ القبر ، لأن القبر مهجور بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - : صلوا في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً .\rقال الحافظ ابن حجر : إنه إنما كره اللفظ أدباً لا أصل الزيارة فإنها من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال ، وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع . (فتح الباري شرح صحيح البخاري ج3 ص66) .\rوقال الإمام الحافظ ابن عبد البر : إنما كره مالك أن يقال : طواف الزيارة وزرنا قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - لاستعمال الناس ذلك بعضهم لبعض ، أي فيما بينهم فكره تسوية النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مع الناس أي عمومهم بهذا اللفظ ، وأحب أن يخص بأن يقال : سلمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - .","part":1,"page":201},{"id":202,"text":"وأيضاً فإن الزيارة مباحة بين الناس وواجب شد المطي إلى قبره - صلى الله عليه وسلم - يريد بالوجوب هنا وجوب ندب وترغيب وتأكيد لا وجوب فرض ، والأولى عندي أن منعه وكراهة مالك له لإضافته إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه لو قال : زرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكرهه لقوله - صلى الله عليه وسلم - :\r((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد بعدي ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ..\rفحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبيه بفعل أولئك قطعاً للذريعة وحسماً للباب .\rقلت : ولو كان المقصود كراهية الزيارة لقال مالك : أكره للرجل أن يزور قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لكن ظاهر قوله : (أكره للرجل أن يقول الخ ..) على أن المقصود هو كراهة التعبير بهذا اللفظ فقط .\r] ] ]\rاستحباب زيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الحنابلة وغيرهم\rزيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - مشروعة وقد ذكرها كثير من علماء الأمة وأئمة السلف ، وتخصيص الحنابلة بالذكر المقصود منه رد فرية من زعم أن أئمة الحنابلة لا يقولون بذلك ، فاقتضى الأمر تخصيصهم بالذكر لرد هذه الفرية ، وإلا فإن كتب فقه المذاهب الإسلامية جميعها مشحونة ومملوءة بهذه المسألة فانظر إن شئت كتب الفقه الحنفي ، وانظر إن شئت كتب الفقه المالكي ، وكتب الفقه الشافعي والحنبلي ، وكتب الفقه الزيدي والإباضي والجعفري ، فإنك تجدهم قد عقدوا باباً مخصوصاً في الزيارة بعد أبواب المناسك .\r] ] ]\rكلام أئمة السلف في مشروعية زيارة\rسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشد الرحل إلى قبره\r1 – القاضي عياض :\rنذكر هنا كلام القاضي عياض في مشروعية الزيارة النبوية عند السلف ، في شرحه للحديث الذي رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :\r((إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها)) ..","part":1,"page":202},{"id":203,"text":"قال القاضي عياض : وقوله - صلى الله عليه وسلم - : وهو يأرز إلى المدينة معناه : أن الإيمان أولاً وآخراً بهذه الصفة ، لأنه في أول الإسلام كان كل من خلص إيمانه وصح إسلامه أتى المدينة إما مهاجراً مستوطناً وإما متشوقاً إلى رؤية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومتعلماً منه ومتقرباً ، ثم بعده هكذا في زمن الخلفاء كذلك ولأخذ سيرة العدل منهم والاقتداء بجمهور الصحابة رضوان الله عليهم فيها ، ثم من بعدهم من العلماء الذين كانوا سرج الوقتوأئمة الهدى لأخذ السنن المنتشرة بها عنهم ، فكان كل ثابت الإيمان منشرح الصدر به يرحل إليها ثم بعد ذلك في كل وقت إلى زماننا لزيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - والتبرك بمشاهده وآثار أصحابه الكرام ، فلا يأتيها إلا مؤمن .\rهذا كلام القاضي عياض ، والله أعلم بالصواب اهـ . شرح صحيح مسلم للنووي ص177 .\r2- الإمام النووي :\rعقد الإمام الحافظ شرف الدين النووي صاحب شرح صحيح مسلم في كتابه المعروف في المناسك المسمى بالإيضاح ، عقد فصلاً خاصاً عن الزيارة النبوية ، قال فيه : إذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة فليتوجهوا إلى مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لزيارة تربته - صلى الله عليه وسلم - فإنها من أهم القربات وأنجح المساعي .\r(وانظر كلامه أيضاً في شرح صحيح مسلم عند الكلام على حديث لا تشد الرحال (ج9 ص106) .\r3- الإمام ابن حجر الهيثمي :\rقال الحافظ ابن حجر الهيثمي في حاشيته على الإيضاح للنووي معلقاً على قوله : (وقد روى البزار والدارقطني بإسنادهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) ..\rقال : رواه أيضاً ابن خزيمة في صحيحه وصححه جماعة كعبد الحق والتقي السبكي ، ولا ينافي ذلك قول الذهبي : طرقها كلها لينة ، يقوي بعضها بعضاً.\rورواه الدارقطني أيضاً والطبراني وابن السبكي وصححه بلفظ :","part":1,"page":203},{"id":204,"text":"((من جاءني زائراً لا تحمله حاجة إلا زيارتي كان حقاً عليَّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)) ..\rوفي رواية :\r((كان له حقاً على الله عز وجل أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)) ..\rوالمراد بقوله : لا تحمله حاجة إلا زيارتي ، اجتناب قصد ما لا تعلق له بالزيارة . أما ما يتعلق بها من نحو قصد الاعتكاف في المسجد النبوي ، وكثرة العبادة فيه ، وزيارة الصحابة وغير ذلك مما يندب للزائر فعله ، فلا يضر قصده في حصول الشفاعة له ، فقد قال أصحابنا وغيرهم : يسن أن ينوي مع التقرب بالزيارة التقرب بشد الرحل للمسجد النبوي والصلاة فيه كما ذكره المصنف .\rثم الحديث يشمل زيارته - صلى الله عليه وسلم - حياً وميتاً ، ويشمل الذكر والأنثى الآتي من قرب أو بعد ، فيستدل به على فضيلة شد الرحال لذلك ، وندب السفر للزيارة إذ للوسائل حكم المقاصد .\rوقد أخرج أبو داود بسند صحيح :\r((ما من أحد يسلم عليَّ إلا ردّ الله عليَّ روحي ، حتى أرد عليه السلام)).\rفتأمل هذه الفضيلة العظيمة وهي رده - صلى الله عليه وسلم - على المسلم عليه إذ هو - صلى الله عليه وسلم - حي في قبره كسائر الأنبياء لما ورد مرفوعاً : الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ، ومعنى رد روحه الشريفة ، رد القوة النطقية في ذلك الحين للرد عليه . اهـ .\r(من الإيضاح ص488)\r4- الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني :","part":1,"page":204},{"id":205,"text":"قال ابن حجر في شرحه على البخاري عند قوله : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) . قوله : إلا إلى ثلاثة مساجد المستثنى منه محذوف ، فإما أن يقدر عاماً فيصير : لا تشد الرحال إلى مكان في أي أمر كان إلا لثلاثة . أو أخص من ذلك ، لا سبيل إلى الأول لإفضائه إلى سد باب السفر للتجارة وصلة الرحم وطلب العلم وغيرها ، فتعين الثاني ، والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة وهو : لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلا إلى الثلاثة ، فيبطل بذلك قول من منع شد الرحال إلى زيارة القبر الشريف وغيره من قبور الصالحين ، والله أعلم .\rوقال السبكي الكبير : وقد التبس ذلك على بعضهم فزعم أن شد الرحال إلى الزيارة لمن في غير الثلاثة داخل في المنع ، وهو خطأ ، لأن الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه ، فمعنى الحديث : لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد أو إلى مكان من الأمكنة لأجل ذلك المكان إلا إلى الثلاثة المذكورة ، وشد الرحال إلى زيارة أو طلب علم ليس إلى المكان بل إلى من في ذلك المكان ، والله أعلم\rاهـ . (فتح الباري ج3 ص66) .\r5- الإمام الشيخ الكرماني شارح البخاري :\rقال الشيخ الكرماني في شرحه على البخاري عند قوله : (إلا إلى ثلاثة مساجد) : ولاستثناء مفرغ ، فإن قلت : فتقدير الكلام لا تشد الرحال إلى موضع أو مكان فيلزم أن لا يجوز السفر إلى مكان غير المستثنى ، حتى لا يجوز السفر لزيارة إبراهيم الخليل عليه السلام ونحوه ، لأن المستثنى منه في المفرغ لابد أن يقدر أعم العام .","part":1,"page":205},{"id":206,"text":"قلت : المراد بأعم العام ما يناسب المستثنى نوعاً ووصفاً كما إذا قلت : ما رأيت إلا زيداً ، كان تقديره : ما رأيت رجلاً أو أحداً إلا زيداً ، لا ما رأيت شيئاً أو حيواناً إلا زيداً ، فههنا تقديره : لا تشد إلى مسجد إلا إلى ثلاثة ، وقد وقع في هذه المسألة في عصرنا مناظرات كثيرة في البلاد الشامية ، وصنف فيها رسائل من الطرفين لسنا الآن لبيانها . اهـ . شرح الكرماني (ج7 ص12) .\r6- الشيخ الإمام بدر الدين العيني :\rقال الشيخ العيني في شرح البخاري : وحكى الرافعي عن القاضي ابن كج أنه قال : إذا نذر أن يزور قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فعندي أنه يلزمه الوفاء وجهاً واحداً ، قال : ولو نذر أن يزور قبر غيره ففيه وجهان عندي . وقال القاضي عياض ، وأبو محمد الجويني من الشافعية : أنه يحرم شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة لمقتضى النهي . وقال النووي : وهو غلط ، والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره . وقال الخطابي : لا تشد لفظه خبر ومعناه الإيجاب فيما نذره الإنسان من الصلاة في البقاع التي يتبرك بها أي لا يلزم الوفاء بشيء من ذلك حتى يشد الرحل له ويقطع المسافة إليه غير هذه الثلاثة التي هي مساجد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فأما إذا نذر الصلاة في غيرها من البقاع فإن له الخيار في أن يأتيها أو يصليها في موضعه ولا يرحل إليها .\rوقال شيخنا زين الدين : من أحسن محامل هذا الحديث أن المراد منه","part":1,"page":206},{"id":207,"text":"حكم المساجد فقط وأنه لا يشد الرحل إلى مسجد من المساجد غير هذه الثلاثة فأما قصد غير المساجد من الرحلة في طلب العلم وفي التجارة والتنزه وزيارة الصالحين والمشاهد وزيارة الإخوان ونحو ذلك فليس داخلاً في النهي ، وقد ورد ذلك مصرحاً به في بعض طرق الحديث في مسند أحمد : حدثنا هاشم حدثنا عبد الحميد حدثني شهر سمعت أبا الخدري رضي الله عنه وذكر عند صلاة في الطور ، فقال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا)) ..\rوإسناده حسن ، وشهر بن حوشب وثقه جماعة من الأئمة اهـ . (عمدة القاري ج7 ص254) .\r7- الشيخ أبو محمد ابن قدامة إمام الحنابلة صاحب كتاب المغني :\rقال الشيخ أبو محمد موفق الدين عبد الله ابن قدامة : ويستحب زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي)) ..\rوفي رواية :\r((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) ..\rرواه باللفظ الأول سعيد حدثنا حفص بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر ، وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :\r((ما من أحد يسلم عليَّ عند قبري إلا رد الله عليَّ روحي حتى أردّ عليه السلام)) ..","part":1,"page":207},{"id":208,"text":"وإذا حج الذي لم يحج قط يعني من غير طريق الشام لا يأخذ على طريق المدينة لأني أخاف أن يحدث به حدث فينبغي أن يقصد مكة من أقصد الطرق ولا يتشاغل بغيره ، ويروى عن العتبي قال : كنت جالساً عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء أعرابي فقال : السلام عليك يا رسول الله ! سمعت الله يقول : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ، ثم أنشد يقول :\rيا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم\rنفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم\rثم انصرف الأعرابي فحملتني عيني فنمت فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم فقال : يا عتبي إلحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له . اهـ\r(المغني لابن قدامة ج3 ص556) .\r8- الشيخ أبو الفرج بن قدامة إمام الحنابلة وصاحب الشرح الكبير :\rقال الشيخ شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة الحنبلي في كتابه الشرح الكبير :\r[ مسألة ] : فإذا فرغ من الحج استحب زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبر صاحبيه رضي الله عنهما .\rثم ذكر الشيخ ابن قدامة صيغة تقال عند السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيها أن يقول : (اللهم إنك قلت وقولك الحق : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } وقد أتيتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربي فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته ، اللهم اجعله أول الشافعين وأنجح السائلين وأكرم الأولين والآخرين برحمتك يا أرحم الراحمين) .","part":1,"page":208},{"id":209,"text":"ثم قال : ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا تقبيله ، قال أحمد رحمه الله : ما أعرف هذا ، قال الأثرم : رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، يقومون من ناحية فيسلمون ، قال أبو عبد الله : وهكذا كان ابن عمر رضي الله عنهما يفعل ، قال : أما المنبر فقد جاء فيه ما رواه إبراهيم ابن عبد الله بن عبد القارئ إنه نظر إلى ابن عمر وهو يضع يده على مقعد النبي - صلى الله عليه وسلم - من المنبر ثم يضعها على وجهه . اهـ . (الشرح الكبير ج3 ص495) .\r9- الشيخ منصور بن يونس البهوتي الحنبلي :\rقال الشيخ منصور بن يونس البهوتي في كتابه ((كشاف القناع عن متن الإقناع)) : فصل وإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لحديث الدارقطني عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r((من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي)) ..\rوفي رواية :\r((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) ..\rرواه باللفظ الأول سعيد .\r( تنبيه ) :\rقال ابن نصر الله : لازم استحباب زيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - استحباب شد الرحال إليها ، لأن زيارته للحاج بعد حجه لا تمكن بدون شد الرحال ، فهذا كالتصريح باستحباب شد الرحل لزيارته - صلى الله عليه وسلم - . اهـ (كشاف القناع ج2 ص598) .\r10- شيخ الإسلام محمد تقي الدين الفتوحي الحنبلي :\rقال الشيخ الفتوحي : وسن زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبر صاحبيه رضي الله تعالى عنهما ، فيسلم عليه مستقبلاً له ، ثم يستقبل القبلة ، ويجعل الحجرة عن يساره ، ويدعو ، ويحرم الطواف بها ، ويكره التمسح ورفع الصوت عندها .\r11- الشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي :","part":1,"page":209},{"id":210,"text":"قال الشيخ مرعي بن يوسف في كتابه دليل الطالب : وسن زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبر صاحبيه رضوان الله عليهما ، وتستحب الصلاة في مسجده - صلى الله عليه وسلم - وهي بألف صلاة ، وفي المسجد الحرام بمائة ألف ، وفي المسجد الأقصى بخمسمائة . اهـ (دليل الطالب ص88) .\r12- الإمام شيخ الإسلام مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي صاحب القاموس قال في كتابه : [الصلات والبشر] :\rاعلم أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند قبره آكد فيستحب إعمال المطي لإدراك الفوز بهذا الشرف العظيم والمنصب الكريم ، قال القاضي ابن كج : [هو القاضي يوسف بن أحمد بن كج] فيما حكاه الرافعي : إذا نذر أن يزور قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فعندي أن يلزمه الوفاء وجهاً واحداً ، ولو نذر أن يزور قبر غيره ففيه وجهان عندي ، وقد علم أنه لا يلزمه بالنذر إلا العبادات .\rومن صرح باستحبابها وكونها سنة من أصحابنا الرافعي في أواخر باب أعمال الحج ، والغزالي في الإحياء والبغوي في التهذيب والشيخ عز الدين ابن عبد السلام في مناسكه وأبو عمرو بن الصلاح ، وأبو زكريا النووي رحمهم الله تعالى .\rومن الحنابلة : الشيخ موفق الدين ، والإمام أبو الفرج البغدادي وغيرهما .\rومن الحنفية : صاحب الاختيار في شرح المختار له ، عقد لها فصلاً وعدها من أفضل المندوبات المستحبات .","part":1,"page":210},{"id":211,"text":"وأما المالكية : فقد حكى القاضي عياض منهم الإجماع على ذلك ، وفي كتاب تهذيب المطالب لعبد الحق الصقلي عن الشيخ أبي عمران المالكي أن زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - واجبة ، قال عبد الحق : يعني من السنن الواجبة ، وفي كلام العبدي المالكي في شرح الرسالة : أن المشي إلى المدينة لزيارة قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس ، وأكثر عبارات الفقهاء أصحاب المذاهب تقتضي السفر للزيارة لأنهم استحبوا للحاج بعد الفراغ من الحج الزيارة ، ومن ضرورتها:السفر،وأما نفس الزيارة فالأدلة عليها كثيرة منها: قوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } .\rولا شك أنه صلى الله عليه وسلم حي ، وأن أعمال أمته معروضة عليه\rثم ذكر الشيخ جملة من أحاديث الزيارة . انتهى من كتاب ((الصلات والبشر في الصلاة على خير البشر)) تأليف شيخ الإسلام مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي (ص147) .\r13- الإمام الشيخ محمد بن علان الصديقي الشافعي شارح الأذكار :\rقال معلقاً على قول النووي [فإن زيارته أفضل القربات وأنجح المساعي] : وكيف لا وقد وعد الزائر بوجوب شفاعته - صلى الله عليه وسلم - وهي لا تجب إلا لأهل الإيمان ففي ذلك التبشير بالموت على الإيمان مع ما ينضم إلى ذلك بسماعه - صلى الله عليه وسلم - سلام الزائر من غير واسطة . أخرج أبو الشيخ : من صلى عليَّ عند قبري سمعته ، ومن صلى عليَّ بعيداً أعلمته . قال الحافظ : وينظر في سنده ، وأخرج أبو داود وغيره عن أبي هريرة عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال :\r((ما من أحد يسلم عليّ إلا ردّ الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام)) ..","part":1,"page":211},{"id":212,"text":"قال الحافظ : حديث حسن أخرجه أحمد والبيهقي وغيرهما وأنبئت عن الشيخ السبكي في شفاء السقام قال : اعتمد جماعة من الأئمة على هذا الحديث في استحباب زيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - وهو اعتماد صحيح لأن الزائر إذا سلم عليه وقع الرد عليه من قرب وتلك فضيلة مطلوبة اهـ .\rأقول ورده عليه كذلك بنفسه ولو لم يكن للزائر من القرى إلا هذا الخطاب لكان فيه الغنى ، كيف وفيه الشفاعة العظمى ومضاعفة الصلاة في ذلك الحرم الأسنى ، وقد أورد جملة من الأحاديث في ذلك التقي السبكي في شفاء السقام ، وابن حجر الهيثمي في الدر المنظم ، وتلميذه الفاكهي في حسن الاستشارة في آداب الزيارة . اهـ من الفتوحات الربانية على الأذكار النووية (ج5 ص31) .\r] ] ]\rالزيارة النبوية السلفية\rومعلوم أن المقصود بالزيارة هو الزيارة الشرعية وهي التي بينت السنة النبوية آدابها وما ينبغي أن يفعله الزائر .","part":1,"page":212},{"id":213,"text":"قال الشيخ ابن تيمية مبينا الفرق بين زيارة أهل التوحيد وبين زيارة أهل الشرك : (فزيارة أهل التوحيد لقبور المسلمين تتضمن السلام عليهم والدعاء لهم ، وهو مثل الصلاة على جنائزهم ، وزيارة أهل الشرك تتضمن أنهم يشبهون المخلوق بالخالق ، ينذرون له ويسجدون له ويدعونه ويحبونه مثل ما يحبون الخالق ، فيكونون قد جعلوه لله نداً وسووه برب العالمين ، وقد نهى الله أن يشرك به الملائكة والأنبياء وغيرهم ، فقال تعالى (آل عمران آيتي : 79،80) : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ {79} وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } . وقال تعالى (الإسراء آيتي : 56،57) : { قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً {56} أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً } . قالت طائفة من السلف : كان أقوام يدعون الأنبياء كالمسيح وعزير ويدعون الملائكة فأخبرهم تعالى أن هؤلاء عبيده يرجون رحمته ويخافون عذابه ويتقربون إليه بالأعمال . اهـ (الجواب الباهر في زوار المقابر لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية ص21) .\rقلت : وهل زيارتنا لنبينا - صلى الله عليه وسلم - إلا على هذا المنهج وبهذا الطريق السوي والصراط المستقيم ؟ .","part":1,"page":213},{"id":214,"text":"فالله يشهد وملائكته وحملة عرشه وأهل السماوات والأرض أننا في زيارتنا لسيدنا ومولانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نعتقد إلا أنه - صلى الله عليه وسلم - بشر يوحى إليه ، من خيار عبيد الله يرجو رحمة ربه ويخاف عذابه ويتقرب إليه بالأعمال ، بل هو أشد الناس حرصاً على ذلك ، فهو أتقانا لله وأخوفنا من الله وأعلمنا بالله وأعرفنا به ، لا نشبهه بالخالق ولا ننذر له ولا نسجد له ولا ندعوه ولا نجعله لله نداً ولا نسويه برب العالمين ، ونحبه كما أمر أكثر كم النفس والمال والولد .\r] ] ]\rالشيخ ابن القيم والزيارة النبوية\rوقد ذكر الشيخ ابن القيم في قصيدته المعروفة بالنونية كيف تكون الزيارة وما هي الآداب المطلوبة فيها ، وكيف ينبغي أن يكون شعور الزائر وهو واقف أمام المواجهة الشريفة ، وما ذا ينبغي أن يحس به تجاه صاحب القبر وذكر في آخر تلك الأبيات أن الزيارة بهذا الإحساس والشعور وبتلك الكيفية هي من أفضل الأعمال فقال :\rفإذا أتينا المسجد النبوي صلـ ـينا التحية أولاً ثنتان\rبتمام أركان لها وخشوعها وحضور قلب فعل ذي الإحسان\rثم انثنينا للزيارة نقصد الـ ـقبر الشريف ولو على الأجفان\rفنقوم دون القبر وقفة خاضع متذلل في السر والإعلان\rفكأنه في القبر حي ناطق فالواقفون نواكس الأذقان\rملكتهم تلك المهابة فاعترت تلك القوائم كثرة الرجفان\rوتفجرت تلك العيون بمائها ولطالما غاضت على الأزمان\rوأتى المسلم بالسلام بهيبة ووقار ذي علم وذي إيمان\rلم يرفع الأصوات حول ضريحه كلا ولم يسجد على الأذقان\rكلا ولم ير طائفاً بالقبر أسـ ـبوعاً كأن القبر بيت ثان\rثم انثنى بدعائه متوجهاً لله نحو البيت ذي الأركان\rهذي زيارة من غدا متماسكاً بشريعة الإسلام والإيمان\rمن أفضل الأعمال هاتيك الزيا رة وهي يوم الحشر في الميزان\r(انظر النونية المشهورة لابن القيم) .","part":1,"page":214},{"id":215,"text":"وتدبر قوله رحمه الله : (من أفضل الأعمال هاتيك الزيارة) فقد أعمى الله بصيرة بعض من القراء عن قراءتها فأنكرها .\rالقبر النبوي الشريف\rإن بعض الناس أصلحهم الله وهداهم إلى الصراط المستقيم ينظر إلى القبر النبوي المكرم من الزاوية القبورية فقط ولهذا فإنه لا غرابة في كل ما يقع في ذهنه من تصورات فاسدة ولا غرابة في كل ما يقع في قلبه من ظنون سيئة بالمسلمين والزائرين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والقاصدين إليه والداعين عند قبره فتراه يقول : لا تشد الرحال إلى قبره - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يجوز الدعاء عند قبره ، بل قد يصل به العنت إلى أن يقول : إن الدعاء عند قبره شرك أو كفر ، وإن استقبال القبر بدعة أو ضلال ، وإن إكثار الوقوف والتردد على القبر شرك أو بدعة أو أن من قال : إن القبر أفضل البقاع وبما فيها الكعبة فقد أشرك أو ضل . وهذا التكفير والتضليل هكذا بالكيل الجزاف دون تبصر أو تعقل مخالف لما عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين .\rونحن حينما نتكلم عن القبر أو عن زيارة القبر أو عن تفضيل القبر أو شد الرحال إلى القبر أو دعاء الله وسؤاله أمام القبر فإن المقصود الذي لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان إنما هو ساكن القبر وصاحباه ، ألا وهو سيد المرسلين والآخرين وأفضل مخلوقات الله أجمعين النبي الأعظم والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وما هي قيمة القبر بدونه بل ما هي قيمة المسجد بدونه بل ما هي قيمة المدينة المنورة بدونه بل ما هي قيمة المسلمين كلهم بدونه ، فإنهم لولاه ولولا رسالته والإيمان به ومحبته والإقرار بالشهادة التي لا تصح إلا به ما كانوا ولا قاموا ولا فازوا ولا نجوا .","part":1,"page":215},{"id":216,"text":"ومن هنا فإن ابن عقيل الحنبلي لما سئل عن المفاضلة بين الحجرة والكعبة فقال : إن أردت مجرد الحجرة فالكعبة أفضل ، وإن أردت وهو - صلى الله عليه وسلم - فيها فلا والله لا العرش وحملته ولا جنة عدن ولا الأفلاك الدائرة ، لأن بالحجرة جسداً لو وزن بالكونين لرجح . (كذا في بدائع الفوائد لابن القيم) .\rهذا هو المقصود بالقبر وتفضيله وزيارته وشد الرحال إليه .\rومن هنا أيضاً قال العلماء : إنه لا ينبغي أن يقول : زرت القبر وإنما\rزرت النبي - صلى الله عليه وسلم - ([27]) ، وهذا ما قرره العلماء في تفسير قول الإمام مالك رحمه الله : أكره للرجل أن يقول : زرنا قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك لأنه إنما يزور من يسمعه ويراه ويحس به ويعرفه ويرد عليه ، فالقضية ليست قضية قبر بل هي أكبر من ذلك وأجل وأرفع من أن ينظر إليها من الزاوية القبورية ، فإذا نظرنا إلى القبر فقط دون النظر إلى من فيه وجدنا الأرواح الطاهرة التي تحف به من كل جانب ووجدنا جسراً ملائكياً متصلاً ممتداً من الملأ الأعلى إلى قبر محمد - صلى الله عليه وسلم - مواكب متصلة لا تنقطع أعدادها وأمدادها لا يحصيها إلا الحق جل جلاله .\rروى الدارمي في سننه : حدثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني خالد هو ابن يزيد عن سعيد هو ابن أبي هلال عن نبيه بن وهب : أن كعباً دخل على عائشة فذكروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال كعب : ما من يوم يطلع إلا نزل سبعون ألفاً من الملائكة حتى يحفوا بقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يضربون بأجنحتهم ويصلون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفاً من الملائكة يزفونه . كذا في سنن الدارمي ج1 ص44) .\rقلت : وروى هذا الأثر أيضاً الحافظ إسماعيل القاضي بسنده وهو جيد في المتابعات والشواهد والمناقب وفضائل الأعمال .","part":1,"page":216},{"id":217,"text":"وإذا نظرنا ما حول القبر من الروضة التي هي قطعة من الجنة والمنبر الذي نال الشرف الأعلى بالحبيب - صلى الله عليه وسلم - وسيكون يوم القيامة على حوضه العظيم وإلى الجذع الذي حن إليه حنين الثكلى وسيكون يوم القيامة في جنة الخلد وسط أشجارها ، وقد قيل : إنه دفن في موضعه بالمسجد فلا أظن أن عاقلاً حريصاً على الخير يتوقف عن الدعاء في هذه المواضع .\rالقبر النبوي – والدعاء\rذكر العلماء رضي الله عنهم : أنه يستحب لمن زار النبي صلى الله عليه وسلم أن يقف للدعاء فيسأل الله تعالى ما يشاء من الخير والفضل ولا يلزمه أن يتوجه إلى القبلة ولا يكون في وقوفه ذلك مبتدعاً أو ضالاً أو مشركاً ، وقد نص العلماء على هذا الأمر ، بل قد ذهب بعضهم إلى القول بالاستحباب .\rوالأصل في هذا الباب هو ما جاء عن الإمام مالك بن أنس لما ناظره أبو جعفر المنصور في المسجد النبوي ، فقال له مالك : يا أمير المؤمنين ! لا ترفع صوتك في هذا المسجد ، فإن الله تعالى أدب قوماً فقال : { لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ } الآية . وقد مدح قوماً فقال : { إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ } الآية . وذم قوماً فقال : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ } الآية . وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً ، فاستكان لها أبو جعفر وقال : يا أبا عبد الله ! أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة ؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله ، قال الله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } الآية .\rوهذه القصة رواها القاضي عياض بسنده في كتابه المعروف بـ ((الشفا في التعريف بحقوق المصطفى))في باب من أبواب الزيارة ، وقد صرح كثير من العلماء بهذا .","part":1,"page":217},{"id":218,"text":"قال الشيخ ابن تيمية : قال ابن وهب فيما يرويه عن مالك : إذا سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ويدعو ولا يمس القبر بيده . اهـ (من اقتضاء الصراط المستقيم ص396) .\rوصرح النووي رحمه الله في كتابه المعروف بالأذكار في أبواب الزيارة ، وكذلك في الإيضاح في باب الزيارة ، وكذلك في المجموع (ج8 ص272) .\rقال الخفاجي شارح الشفا : قال السبكي : صرح أصحابنا بأنه يستحب أن يأتي القبر ويستقبله ويستدبر القبلة ثم يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم على الشيخين ثم يرجع إلى موقفه الأول ويقف فيدعو . اهـ شرح الشفا للخفاجي (ج3 ص398) .\r] ] ]\rرأي الشيخ ابن تيمية :\rقال الشيخ ابن تيمية بعد نقل أقوال العلماء في هذا الموضوع : [فاتفقوا في استقبال القبلة وتنازعوا في تولية القبر ظهره وقت الدعاء ] .\rهذه خلاصة ما يراه الشيخ ابن تيمية في هذا الموضوع وهو يدل دلالة واضحة على أن من وقف أمام القبر يدعو الله تعالى ويسأله من فضله كما شرع هو على أساس متين معتبر مؤيد بأقوال أئمة من السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين ، ولو تأمل المنصف العاقل قول الشيخ ابن تيمية : [وتنازعوا في تولية القبر ظهره وقت الدعاء] لفهم منها ما يطمئن قلبه ويقر عينه ويبشره بأن هؤلاء الذين يقفون بعد السلام على الرسول - صلى الله عليه وسلم - للدعاء عند قبره ما زالوا على التوحيد ، ومن أهل الإيمان ، ولأن هذه المسألة متنازع فيها بين السلف والكلام مختلف بينهم بين الاستحباب وغيره ، فهل يصل الحال إلى القول بالشرك والضلال ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم .\r] ] ]\rتحليل كلام الشيخ ابن تيمية :","part":1,"page":218},{"id":219,"text":"والمفهوم من كلام الشيخ ابن تيمية هو أن المنهي عنه حقيقة هو تحري الدعاء عند القبور أو قصد القبور للدعاء عندها ورجاء الإجابة بالدعاء هناك ، أو تستشعر أن الدعاء عند القبر أجوب من غيره ، أما أن يدعو الله تعالى في طريقه ويتفق أن يمر بالقبور فيدعو عندها أو أن يزور قبراً فيسلم على صاحبه ثم يدعو في مكانه ذلك فلا يلزمه أن يتحول إلى القبلة ولا يقال في حقه : إنه مشرك أو مبتدع. وإليك نصوص كلام الشيخ في هذا الموضوع . قال في اقتضاء الصراط المستقيم في صفحة 336 : فمما يدخل في هذا قصد القبور للدعاء عندها أو لها فإن الدعاء عند القبور وغيرها من الأماكن ينقسم إلى نوعين :\rأحدهما : أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق لا لقصد الدعاء فيها ، كمن يدعو الله تعالى في طريقه ويتفق أن يمر بالقبور أو من يزورها فيسلم عليها\rويسأل الله العافية له وللموتى كما جاءت به السنة فهذا ونحوه لا بأس به .\rالثاني: أن يتحرى الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه في غيره ، فهذا النوع منهي عنه : غما نهي تحريم أو تنزيه وهو إلى التحريم أقرب والفرق بين البابين ظاهر .\rولو تحرى الدعاء عند صنم أو صليب أو كنيسة يرجو الإجابة بالدعاء في تلك البقعة لكان هذا من العظائم بل لو قصد بيتاً أو حانوتاً في السوق ، أو بعض عواميد الطرقات يدعو عندها يرجو الإجابة بالدعاء عندها لكان هذا من المنكرات المحرمة إذ ليس للدعاء عندها فضل .\rفقصد القبور للدعاء عندها من هذا الباب بل هو أشد من بعضه لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن اتخاذها مساجد وعن اتخاذها عيداً وعن الصلاة عندها بخلاف كثير من هذه المواضع .","part":1,"page":219},{"id":220,"text":"ثم قال في صفحة 338 : إن قصد القبور للدعاء عندها ورجاء الإجابة بالدعاء هناك رجاء أكثر نم رجائها في غير ذلك الموطن أمر لم يشرعه الله ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أئمة المسلمين ، ولا ذكره أحد من العلماء الصالحين المتقدمين .\rثم قال في صفحة 339 : ومن تأمل كتب الآثار وعرف حال السلف تيقن قطعاً أن القوم ما كانوا يستغيثون عند القبور ولا يتحرون الدعاء عندها أصلاً بل كانوا ينهون عن ذلك من يفعله من جهالهم كما ذكرنا بعضه . اهـ (من اقتضاء الصراط المستقيم ص339) .\r] ] ]\rرأي الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الدعاء عند القبر\rالدعاء عند القبر ليس بدعة ولا شركاً\rسئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن قولهم في الاستسقاء : (لا بأس بالتوسل بالصالحين) وقول أحمد: [يتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة] مع قولهم: (إنه لا يستغاث بمخلوق) .\rفقال : فالفرق ظاهر جداً وليس الكلام مما نحن فيه ، فكون بعض يرخص بالتوسل بالصالحين وبعضهم يخصه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه ، فهذه المسألة من مسائل الفقه وإن كان الصواب عندنا قول الجمهور :\rإنه مكروه ، فلا ننكر على من فعله ولا إنكار في مسائل الاجتهاد ، لكن إنكارنا على من دعا لمخلوق أعظم مما يدعو الله تعالى ويقصد القبر يتضرع عند ضريح الشيخ عبد القادر أو غيره يطلب فيه تفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإعطاء الرغبات ، فأين هذا ممن يدعو الله مخلصاً له الدين لا يدعو مع الله أحداً ، ولكن يقول في دعائه : أسألك بنبيك أو بالمرسلين أو بعبادك الصالحين ، أو يقصد قبر معروف أو غيره يدعو عنده لكن لا يدعو إلا الله مخلصاً له الدين ، فأين هذا مما نحن فيه . (انتهى من فتاوى الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في مجموع المؤلفات القسم الثالث ص68 التي نشرتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب) .\r] ] ]","part":1,"page":220},{"id":221,"text":"القبر النبوي والتبرك بالتمسح به أو الشباك وتقبيله\rاعلم أنه ينبغي للزائر أن لا يقبل القبر الشريف ولا يمسحه بيديه ولا يلصق بطنه وظهره بجداره أو بالحاجز المستور بالكسوة أو الشباك فإن كل ذلك مكروه لما فيه من استعمال خلاف الأدب في حضرته - صلى الله عليه وسلم - ، وقصد التبرك لا ينفي الكراهة لأنه جهل بما يليق من الأدب ولا اغترار بما يفعله أكثر العوام فإن الصواب الذي قاله العلماء وأطبقوا على خلافه كما صرح به النووي في إيضاحه .\rوأطال ابن حجر في المنح والجوهر في ترجيحه ، قال في الإحياء : مسّ المشاهد وتقبيلها عادة اليهود والنصارى اهـ .\rوقال الفضيل بن عياض رحمه الله ما معناه : اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين ، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين ، ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته ، لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وكيف ينبغي الفضل في مخالفة الصواب . اهـ .\r(من المجموع ج8 ص275).\rرأي الإمام أحمد بن حنبل\rوقد جاءت روايات عن الإمام أحمد في هذا الموضوع بعضها يفيد جواز ذلك وبعضها يفيد التوقف في الحكم ، وبعضها يفيد التفريق بين المنبر النبوي وبين القبر ، وذلك بجواز الأول والتوقف في الثاني أو الإباحة ومهما كان ذلك الاختلاف فإنه لا يصل الحال بالحكم على فاعله بالكفر أو الضلال أو الخروج عن الملة أو الابتداع في الدين غاية ما في الأمر أنه فعل ما هو مختلف فيه ، أو ما هو مكروه ، والمقصود هو ألا يتخذ ذلك عادة حتى يغتر به العوام ويظنونه من مستلزمات الزيارة وآدابها ، وإليك كلام الإمام أحمد :\rقال في خلاصة الوفا ما نصه : وفي كتاب العلل والسؤالات لعبد الله ابن أحمد ابن حنبل قال : سألت أبي عن الرجل يمس قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - يتبرك بمسه وتقبيله ويفعل بالمنبر مثل ذلك رجاء ثواب الله تعالى ، فقال : لا بأس به .","part":1,"page":221},{"id":222,"text":"قال أبو بكر الأثرم : قلت لأبي عبد الله – يعني أحمد بن حنبل – قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - يمس ويتمسح به ؟ فقال : ما أعرف هذا ، قلت له : فالمنبر ؟ فقال : أما المنبر فنعم ، فقد جاء فيه ، قال أبو عبد الله : شيء يروونه عن ابن فديك عن أبي ذئب عن ابن عمر [ أنه مسح على المنبر ] قال : ويروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة ، قلت : ويروون عن يحيى بن سعيد : أنه حين أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا فرأيته استحسنه ، ثم قال : لعله عند الضرورة والشيء ، قيل لأبي عبد الله : إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر ، وقلت له : رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه ويقومون ناحية فيسلمون ، فقال أبو عبد الله : نعم وهكذا كان ابن عمر يفعل ، ثم قال أبو عبد الله : بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم - .\rقال الشيخ ابن تيمية :\rفقد روى أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة التي هي موضع مقعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ويده ، ولم يرخصوا في التمسح بقبره ، وقد حكى بعض أصحابنا رواية في مسح قبره لأن أحمد شيع بعض الموتى فوضع يده على قبره يدعو له والفرق بين الموضعين ظاهر . اهـ اقتضاء الصراط المستقيم (ص367) ، ونقله ابن مفلح عن الإمام أحمد في الفروع (ج3/ ص524) .\r] ] ]\rالقبر النبوي محفوظ من الشرك والوثنية\rوقد حفظ الله تعالى هذا القبر المشرف بالحبيب الأعظم والنبي الأكرم - صلى الله عليه وسلم - فلا يقع عنده شرك ولا شيء من أنواع العبادة التي لا يجوز صرفها إلا لله ، ولا يقع في ذهن أحد أنه وثن يعبد أو قبلة يتوجه إليها بالعبادة وذلك ببركة دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث دعا بذلك فاستجاب الله دعاءه وحقق مطلوبه ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وفي موطأ مالك رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال :\r((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ..","part":1,"page":222},{"id":223,"text":"وقد استجاب الله دعوته فلم يتخذ – ولله الحمد – وثناً كما اتخذ قبر غيره بل ولا يتمكن أحد من الدخول إلى حجرته بعد أن بنيت الحجرة ، وقبل ذلك ما كانوا يمكنون أحداً من أن يدخل إليه ليدعو عنده ، ولا يصلي عنده ولا غير ذلك مما يفعل عند قبر غيره ، لكن من الجهال من يصلي إلى حجرته أو يرفع صوته أو يتكلم بكلام منهي عنه ، وهذا إنما يفعل خارجاً عن حجرته لا عند قبره وإلا فهو ولله الحمد استجاب الله دعوته فلم يمكن أحد قط أن يدخل إلى قبره فيصلى عنده أو يدعو أو يشرك به كما فعل بغيره اتخذ قبره وثناً ، فإنه في حياة عائشة رضي الله عنها ما كان أحد يدخل إلا لأجلها ، ولم تكن تمكن أحداً أن يفعل عند قبره شيئاً مما نهى عنه ، وبعدها كانت مغلقة إلى أن أدخلت في المسجد فسد بابها وبنى عليها حائط آخر ، كل ذلك صيانة له أن يتخذ بيته عيداً وقبره وثناً ، وإلا فمعلوم أن أهل المدينة كلهم مسلمون ولا يأتي إلى ما هناك إلا مسلم وكلهم معظمون للرسول صلى الله عليه وسلم وقبور آحاد أمته في البلاد معظمة ، فما فعلوا ذلك ليستهان بالقبر المكرم ، بل فعلوه لئلا يتخذ وثناً يعبد ، ولا يتخذ بيته عيداً ، ولئلا يفعل به كما فعل أهل الكتاب بقبور أنبيائهم ، والقبر المكرم في الحجرة إنما عليه بطحاء وهو الرمل الغليظ ليس عليه حجارة ولا خشب ، ولا هو مطين كما فعل بقبور غيره وهو - صلى الله عليه وسلم - إنما نهى عن ذلك سداً للذريعة ، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها لئلا يفضي ذلك إلى الشرك ، ودعا الله عز وجل أن لا يتخذ قبره وثناً يعبد فاستجاب الله دعاءه - صلى الله عليه وسلم - ، فلم يكن مثل الذين اتخذت قبورهم مساجد فإن أحداً لا يدخل عند قبره البتة ، فإن من كان قبله من الأنبياء إذا ابتدع أممهم بدعة بعث الله نبياً ينهى عنها وهو - صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء لا نبي بعده فعصم الله أمته أن تجتمع على ضلالة وعصم قبره المكرم أن يتخذ","part":1,"page":223},{"id":224,"text":"وثناً فإن ذلك والعياذ بالله لو فعل لم يكن بعده نبي ينهى عن ذلك وكان الذين يفعلون ذلك قد غلبوا الأمة وهو - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر أنه لا تزال طائفة من أمته ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى يوم القيامة ، فلم يكن لأهل البدع سبيل أن يفعلوا بقبره المكرم كما فعل بقبور غيره - صلى الله عليه وسلم - . اهـ .\r(من الجواب الباهر في زوار المقابر ، ص13 للشيخ ابن تيمية) .\r] ] ]\rالتردد على الآثار النبوية والمشاهد الدينية\rوالتبرك بزيارتها\rكتب في هذا الموضوع الشيخ ابن تيمية كلاماً نفيساً جداً ، ونحن ننقل منه هذه الفوائد المهمة .\rفأما مقامات الأنبياء والصالحين وهي الأمكنة التي قاموا عليها أو أقاموا أو عبدوا الله سبحانه وتعالى فيها لكنهم لم يتخذوها مساجد .\rفالذي بلغني في ذلك قولان عن العلماء المشهورين :\rأحدهما : النهي عن ذلك وكراهته ، وأنه لا يستحب قصد بقعة للعبادة إلا أن يكون قصدها للعبادة مما جاء به الشرع مثل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قصدها للعبادة كما قصد الصلاة في مقام إبراهيم وكما كان يتحرى الصلاة عند الاستطوانة.\rوكما يقصد المساجد للصلاة ويقصد الصف الأول ونحو ذلك .\rوالقول الثاني : أنه لا بأس باليسير من ذلك كما نقل عن ابن عمر [أنه كان يتحرى قصد المواضع التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سلكها اتفاقاً لا قصداً] .\rقال سندي الخواتيمي : سألنا أبا عبد الله عن الرجل يأتي هذه المشاهد يذهب إليها ترى ذلك ؟ قال : أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى ، وعلى ما كان يفعله ابن عمر يتتبع مواضع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأثره فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا وأكثروا فيه .","part":1,"page":224},{"id":225,"text":"وكذلك نقل عنه أحمد بن القاسم : أنه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة المنورة وغيرها يذهب إليها ؟ فقال : أما على حديث ابن أم مكتوم (أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجداً)، أو على ما كان يفعل ابن عمر : كان يتتبع مواضع سير النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أنه رؤي يصب في موضع ماء ، فسئل عن ذلك ، فقال : (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصب هاهنا ماء) . قال : أما على هذا فلا بأس . قال : ورخص فيه ثم قال : ولكن قد أفرط الناس جداً وأكثروا في هذا المعنى ، فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده .\rرواهما الخلال في كتاب الأدب .\rقال الشيخ ابن تيمية :\rفقد فصل أبو عبد الله في المشاهد وهي الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء والصالحين من غير أن تكون مساجد لهم كمواضع بالمدينة بين القليل الذي لا يتخذونه عيداً أو الكثير الذي يتخذونه عيداً كما تقدم .\rوهذا التفصيل جمع فيه بين الآثار وأقوال الصحابة ، فإنه قد روى البخاري في صحيحه عن موسى بن عقبة قال : رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق ويصلي فيها ، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها وأنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في تلك الأمكنة ، قال موسى : وحدثني نافع أن ابن عمر كان يصلي في تلك الأمكنة] .\rفهذا ما رخص فيه أحمد رضي الله عنه .\rوأما ما كرهه فروى سعيد بن منصور في سننه : حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن عمر رضي الله عنه قال : (خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر بـ { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ } ، و { لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ } في الثانية ، فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد فقال : ما هذا ؟ قالوا مسجد صلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال :","part":1,"page":225},{"id":226,"text":"((هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم : اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً من عرضت له منكم الصلاة فيه فليصل ومن لم تعرض له الصلاة فليمض)) ..\rفقد كره عمر رضي الله عنه اتخاذ مصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - عيداً ، وبين أن أهل الكتاب إنما هلكوا بمثل هذا .\rقال الشيخ ابن تيمية : قد اختلف العلماء رضي الله عنهم في إتيان المشاهد .\rفقال محمد بن وضاح : كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة ما عدا قباء وأحداً ، ودخل سفيان الثوري بيت المقدس وصلى فيه ، ولم يتتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها .\rفهؤلاء كرهوها مطلقاً لحديث عمر رضي الله عنه هذا ولأن ذلك يشبه الصلاة عند المقابر إذ هو ذريعة إلى اتخاذها أعياداً وإلى التشبه بأهل الكتاب ، ولأن ما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة ، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا عن غيرهم من المهاجرين والأنصار أن أحداً منهم كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي - صلى الله عليه وسلم - ([28]2).\rثم قال : واستحب آخرون من العلماء المتأخرين إتيانها وذكر طائفة من المصنفين من أصحابنا وغيرهم في المناسك استحباب زيارة هذه المشاهد وعدوا منها مواضع وسموها .\rوأما أحمد : فرخص منها فيما جاء به الأثر من ذلك إلا إذا اتخذت عيداً مثل أن تنتاب لذلك ويجتمع عندها في وقت معلوم كما يرخص في صلاة النساء في المساجد جماعات وإن كانت بيوتهن خيراً لهن إلا إذا تبرجن ، وجمع بذلك بين الآثار واحتج بحديث ابن أم مكتوم . اهـ اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم (ص387) .\rوالحاصل الظاهر من كلام الإمام أحمد أنه يجيز التردد على الآثار والمشاهد والأماكن المنسوبة إلى الأنبياء والصالحين ويرى أن تتبع ذلك والاعتناء به له أصل في السنة النبوية وهو ليس ببدعة ولا ضلالة فضلاً عن أن يكون شركاً أو كفراً ، لكنه انتقد الإفراط في ذلك والاشتغال به بصورة زائدة .","part":1,"page":226},{"id":227,"text":"هذه خلاصة رأيه رضي الله تعالى عنه .\rأما الشيخ ابن تيمية فقد فهم نم كلام أحمد التفصيل في هذا الأمر بين القليل والكثير ، وفهم أن الكثير من ذلك هو المكروه عند أحمد وحكم عليه بأنه مكروه فقط ولم يزد على القول بالكراهة شيئاً وقد بين ابن تيمية القدر الكثير الذي يصير به هذا التردد والتتبع للآثار النبوية مكروهاً ، وهو أن تتخذ تلك الأماكن والآثار عيداً يجتمعون عليه عندها ويحتفلون بها في أوقات مخصوصة .\rويفهم من كلام الشيخ ابن تيمية أيضأً أن الآثار التي ثبت أن الأنبياء اتخذوها مسجداً أو صلوا فيها فإنها خارجة عن هذا التفصيل ، وينبني عليه أن الأماكن والآثار التي ثبت أن الأنبياء صلوا فيها لها ميزة على غيرها وأنها تقصد للعبادة والصلاة ، وهذا صريح كلامه حين قال في أول البحث : [لكنهم لم يتخذوها مساجد] ، وحين قال : (فقد فصل أبو عبد الله في المشاهد وهي الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء والصالحين من غير أن تكون مساجد لهم كمواضع بالمدينة بين القليل الذي لا يتخذونه عيداً والكثير الذي يتخذونه عيداً كما تقدم) . اهـ (من اقتضاء الصراط ص385) .\rمعنى العيد المنهي عنه في الحديث :\rوقد حدد الشيخ ابن تيمية معنى العيد المنهي عنه في الحديث بقوله - صلى الله عليه وسلم - :\r((لا تتخذوا قبري عيداً)) ..\rفقال :\rوفي الجملة هذا الذي يفعل عند هذه القبور هو بعينه الذي نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله :\r((لا تتخذوا قبري عيداً)) ..\rفإن اعتياد قصد المكان المعين في وقت معين عائداً بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع هو بعينه معنى العيد ثم ينهى عن دق ذلك وجله وهذا هو الذي تقدم عن الإمام أحمد إنكاره قال : وقد أفرط الناس في هذا جداً وأكثروا ، وذكر ما يفعل عند قبر الحسين .","part":1,"page":227},{"id":228,"text":"وقال في موضع آخر : فأما اتخاذ قبورهم أعياداً فهو مما حرمه الله ورسوله واعتياد قصد هذه القبور في وقت معين والاجتماع العام عندها في وقت معين هو اتخاذها عيداً كما تقدم ولا أعلم بين المسلمين من أهل العلم في ذلك خلافاً ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة ، فإن هذا من التشبه بأهل الكتابين الذي أخبرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كائن في هذه الأمة . اهـ اقتضاء الصراط المستقيم (ص377) .\rعقيدة المؤلف :\rوهذا الذي ذكره الشيخ ابن تيمية هو عين ما نعتقده في هذا الموضوع بفضل الله سبحانه وتعالى وهو ما ندعو إليه ونحث الناس عليه في كل مجال وفي كل مناسبة إننا ننهاهم أن يتخذوا قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أو الآثار والمشاهد عيداً وننهاهم أن يخصوها بشيء من أنواع العبادات التي لا يجوز صرفها إلا لله سبحانه وتعالى ، وننهاهم أن يخصصوا لها يوماً يجتمعون فيه ويحتفلون به ، هذا ما نعتقده وندين الله به ، لا من اليوم ولا من الأمس بل خلف عن سلف وأبناء عن آباء ، بفضل الله سبحانه وتعالى .","part":1,"page":228},{"id":229,"text":"فالواجب علينا أن نلاحظ بعين الاعتبار هذه الأقوال والتحليلات العلمية الدقيقة التي تدل على حسن الفهم في تذوق العلم وأن لا نبادر إلى تكفير المسلمين أو الحكم عليهم بالضلال والبدعة لمجرد تتبعهم للآثار النبوية واهتمامهم بالمقامات والمشاهد والأماكن المنسوبة إلى الأنبياء والصالحين ، وأن نحسن الظن بهم وأن نعلم أن المقصود الأصلي هو الله سبحانه وتعالى ، وهذه كلها أسباب ووسائل تزيد في النفس الإيمان والاعتبار والادكار والارتباط بأصحابها وتاريخهم ، وهم القدوة الحسنة للبشر مع ما في ذلك من التعرض للنفحات والبركات المتنزلة في أماكن الخير ومواطن الهدى لأن الأماكن التي كانت معمورة بأهل الخير والصلاح لا تزال هي محل الرضا والرضوان ، والأماكن التي كانت معمورة بأهل الشر والفساد هي محل السخط والغضب ، ولذلك أمر - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن لا يدخلوا ديار ثمود إلا وهم باكون ، وأن لا يشربوا من مائها ، بل أمرهم أن يهريقوا ما أخذوه ، وأن لا يأكلوا ما طبخوه بها ، وكذلك أمرهم بالإسراع في المشي إذا دخلوا وادي محسر المعروف بوادي النار .\rوقد فصلنا هذا الموضوع بعينه في مبحث خاص : بالتبرك بالآثار النبوية .\rالاعتناء بالآثار والمشاهد\rالمحافظة على الآثار النبوية أصل عظيم وتراث كريم وتاريخ ، إنه تاريخ الأمة الذي تفخر به والذي يظهر به شرفها وشرف رجالها وأئمتها الذين بنوا مجدها وأقاموا عزها وصنعوا منها أمة قائدة رائدة في كل مجال ، ولذلك فإن إهمال هذه الآثار إهدار لشواهد الحضارة الإسلامية الواقعية ومسخ لأصول طبيعية باقية من تراثنا الإسلامي وجناية على أعز ما تملكه الأمة في هذا المجال ، إنه هو وصمة في الجبين وقذاة في العين يعكر صفو الرؤية ويشوه الصورة ويفوت علينا خيراً عظيماً لا يعوض ولا يدرك لأنه ستتغير معالمه وتنطمس رسومه ثم لا يبقى منه شيء ثم لا يبقى من يعرف منه شيئاً .","part":1,"page":229},{"id":230,"text":"فإن قيل إن بعض الناس يتخذها عيداً ويشرك بالله عندها بعبادتها دون الله أو بالطواف حولها وربط الحبال وإلقاء الأوراق أو الذبح لها .\rفنقول : إن ذلك كله لا نرضاه ولا نوافق عليه بل وننهى عنه ونحذر الناس منه وهو من الجهل الذي يجب محاربته لأن هؤلاء يؤمنون بالله ويقرون له بالتوحيد ويشهدون أنه لا إله إلا هو ولكنهم يخطئون العمل ويجهلون الصواب ، فالواجب تعليمهم وإرشادهم ولكن ذلك كله لا يدعو إلى إهمالها أو إزالتها ومحوها من الوجود والاعتذار بتلك الحجج اعتذار بارد وتعليل عليل ليس بمقبول عند العلماء والعقلاء إذ يمكن إزالة تلك العوارض إذا وجدت بالمنع والمراقبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والخلق الحسن مع بقاء آثارنا والمحافظة عليها والاعتناء بها حفظاً لأصالة الأمة ووفاء للتاريخ وأداء للأمانة التي في أعناقنا والتي هي جزء أصيل من تاريخنا المجيد وتاريخ نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، والمفكرون اليوم يحافظون على آثار بائدة لأمم ملعونة مسخوطة معذبة ممن سبقنا كقوم ثمود وعاد ، فهل يصح أن نحافظ على تلك الآثار ونعتني بها ونجاهد في سبيل بقائها ونضيع آثار أشرف خلق الله الذي تشرفت به البلاد والعباد وأعز الله به الأمة ورفعها وجعل لها المكانة العالية والرتبة السامية التي ما نالها نائل ولا وصل إليها واصل إلا بسبب الانتماء إلى الحظ السعيد والمجد التليد محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -.\rاعتناء القرآن بآثار الأنبياء السابقين :\rذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز قصة تابوت بني إسرائيل الذي جعله علامة صحة ملك طالوت عليهم فقال :","part":1,"page":230},{"id":231,"text":"{ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } .\rهذا التابوت شأنه عظيم ومقامه كريم وكان عندهم يقدمونه بين أيديهم في حروبهم فيحصل لهم النصر ببركة التوسل إلى الله تعالى به وبما فيه ، فلا يقاتلون أحداً من أعدائهم إلا ويكون معهم هذا التابوت ، وقد أخبر الله تعالى في الآية عن محتوياته بأنه فيه سكينة إلهية وآثار نبوية وهي التي قال عنها : { وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ } ، وهذه البقية من تركة آل هارون هي عصا موسى وعصا هارون وثيابه والنعلان ولوحان من التوراة . كذا في تفسير ابن كثير (ج1 ص313) ، وفيه أيضاً طست من ذهب كان يغسل فيه صدور الأنبياء . انتهى من البداية والنهاية (ج2 ص8) .\rوبسبب هذه الآثار العظيمة المنسوبة إلى أولئك المصطفين الأخيار من عباد الله عظم الله قدر هذا التابوت ورفع شأنه وحفظه ورعاه برعايته الخاصة لما غلبوا بسبب معاصيهم ومخالفتهم إذ لم تتحقق أهليتهم للاحتفاظ به فعاقبهم الله تعالى بأخذه وسلبه منهم ثم حفظه الله تعالى ثم رده إليهم ليكون علامة على صحة ملك طالوت عليهم ، وقد رده إليهم بالتعزيز والتكريم والتقدير إذ جاءت به الملائكة تحمله إليهم .\rفأي عناية أعظم من هذه العناية بالآثار والاهتمام بها والمحافظة عليها وتنبيه العقول والأفهام إلى أهمية ذلك الأمر وجلالته وقيمته التاريخية والدينية والحضارية .\r] ] ]\rمحافظة الخلفاء الراشدين على خاتم النبي - صلى الله عليه وسلم -","part":1,"page":231},{"id":232,"text":"روى الإمام البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : اتخذ رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم خاتماً من ورق وكان في يده ثم كان بعد في يد أبي بكر ثم كان بعد في يد عثمان حتى وقع بعد في بئر أريس نقشه محمد رسول الله .\rرواه البخاري في الصحيح في كتاب اللباس باب خاتم الفضة ، قال الحافظ ابن حجر : جاء في رواية النسائي : أنه التمس فلم يوجد ، وجاء في رواية ابن سعد : أنه كان في يد عثمان ست سنين . اهـ (فتح الباري ج10 ص313) .\rقال العيني : وبئر أريس حديقة بقرب مسجد قباء . اهـ عمدة القاري (ج22 ص31) . قلت : وهذه البئر صارت معروفة اليوم ببئر الخاتم وهو خاتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي سقط فيها أيام خلافة عثمان وقد اجتهد ثلاثة أيام في استخراجه بكا ما وجد سبيلاً فلم يلقه . (أنظر المغانم المطابة في معالم طابة للفيروز آبادي ص26) .\r] ] ]\rمحافظة الخلفاء الراشدين على حربة كانت عند النبي - صلى الله عليه وسلم -\rروى الإمام البخاري بسنده إلى الزبير رضي الله تعالى عنه قال : لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج لا يرى منه إلا عيناه وهو يكنى أبا ذات الكرش فقال : أنا أبو ذات الكرش فحملت عليه بالعنزة فطعنته في عينه فمات ، قال هشام : فأخبرت أن الزبير قال : لقد وضعت رجلي عليه ثم تمطأت فكان الجهد أن نزعتها وقد انثنى طرفاها ، قال عروة : فسأله إياها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعطاه ، فلما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذها ثم طلبها أبو بكر فأعطاه إياها ، فلما قبض أبو بكر سأله إياها عمر ، فأعطاه إياها ، فلما قبض عمر أخذها ، ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها ، فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد الله\rابن الزبير ، فكانت عنده حتى قتل .\rرواه البخاري في كتاب المغازي باب شهود الملائكة بدراً ، وقوله فحملت عليه بالعنزة . العنزة بفتح النون هي كالحربة ، وقال بعضهم : هي شبه العكاز .","part":1,"page":232},{"id":233,"text":"وحاصل القصة هو أن الزبير قتل عبيدة بن سعيد بن العاص يوم بدر طعنه في عينه بالعنزة فمات ، ثم طلب النبي - صلى الله عليه وسلم - منه تلك العنزة عارية فأعطاه ، فلما قبض - صلى الله عليه وسلم - أخذها الزبير ثم طلبها أبو بكر من الزبير عارية فأعطاه وبقيت عنده إلى أن مات ثم رجعت إلى الزبير صاحبها الأول ثم طلبها عمر من الزبير فأعطاه وبقيت عنده مدة حياته ثم رجعت إلى الزبير صاحبها الأول ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها فلما قتل عثمان وقعت عند عليّ فطلبها الزبير صاحبها الأول فكانت عنده حتى قتل. أنظر (الفتح ج7 ص314 ، وعمدة القاري ج17 ص107) .\rونحن نتساءل لماذا هذا الحرص العظيم والاهتمام بهذه الحربة والحراب كثيرة ، ولعل هناك ما هو أحسن منها وأجود وممن هذا الحرص ؟ إنه من الخلفاء الأربعة الراشدين المهتدين أئمة الدين وأركان التوحيد وأمناء الدين .\r] ] ]\rمحافظة عمر بن الخطاب على ميزاب العباس\rلأنه وضعه - صلى الله عليه وسلم -\rعن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – قال : كان للعباس ميزاب على طريق عمر – رضي الله عنه – فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة وقد كان ذبح للعباس فرخان ، فلما وافى الميزاب صب فيه من دم الفرخين فأصاب عمر فأمر عمر بقلعه ثم رجع فطرح ثيابه ولبس غيرها ، ثم جاء فصلى بالناس فأتاه العباس فقال : والله إنه الموضع الذي وضعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال عمر للعباس : عزمت عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففعل ذلك العباس . كذا في الكنز (ج7 ص66) .\rوقال الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة في كتابه المغني :\rفصل : ولا يجوز إخراج الميازيب إلى الطريق الأعظم ولا يجوز إخراجها إلى درب نافذ إلا بإذن أهله .","part":1,"page":233},{"id":234,"text":"وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي : يجوز إخراجها إلى الطريق لأن عمر – رضي الله عنه – اجتاز على دار العباس وقد نصب ميزاباً إلى الطريق فقلعه ، فقال العباس : تقلعه وقد نصبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده ؟ فقال : والله لا نصبته إلا على ظهري وانحنى حتى صعد على ظهره فنصبه . اهـ من المغني لابن قدامة (4/554) .\rابن عمر لم يكن وحده مع الآثار\rاشتهر ابن عمر رضي الله عنهما بتتبعه للآثار واعتنائه بها ومحافظته عليها ، قال الشيخ ابن تيمية : سئل الإمام أحمد بن حنبل عن الرجل يأتي هذه المشاهد ، فأجاب وذكر في جوابه : أن ابن عمر كان يتتبع مواضع سير النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أنه رؤي يصب في موضع ماء ، فسئل عن ذلك ، فقال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصب هاهنا ماء .\rوروى البخاري في صحيحه عن موسى بن عقبة قال : رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق ويصلي فيها ويحدث أن أباه كان يصلي فيها وأنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في تلك الأمكنة ، قال موسى : وحدثني نافع أن ابن عمر كان يصلي في تلك الأمكنة اهـ . اقتضاء الصراط المستقيم (ص385) .\rولكن لم ينفرد ابن عمر بهذا الأمر بل شاركه كثير من الصحابة رضي الله عنهم في التتبع للآثار والمحافظة عليها والاهتمام بها ، وقد ذكرنا ما يؤيد هذا من قبل من فعل الخلفاء الراشدين والأئمة المهدين الذين جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلهم سنة متبعة مستمدة من سنته وهديه وأمر بالتمسك بها والرجوع إليها ، ومعلوم أن سنتهم هي سنته لأنهم لا كلام ولا اجتهاد ولا نظر أمام كلامه الذي صح وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - .","part":1,"page":234},{"id":235,"text":"وذكرنا في مبحث التبرك بالآثار جملة صالحة من النصوص التي لها اتصال وثيق بهذا المبحث وبها ينجلي ويتضح كيف كان الصحابة رضي الله عنهم يتبركون بآثاره وفيهم ابن عمر وغيره ، والحق أن هذا البحث وذاك متصلان ونابعان من أصل واحد لأن التبرك بالآثار هو فرع المحافظة عليها والاعتناء بها إلا أن الثانية ألصق بالتاريخ والحضارة الاجتماعية والأولى أنسب للإيمان والمحبة والتعلق .\rابن عباس والآثار القديمة\rلما أراد عبد الله بن الزبير هدم الكعبة جمع الصحابة فاستشارهم في ذلك فاقترح عليه ابن عباس أن لا يهدمها كلها وأن يصلح المواضع التي تحتاج إلى إصلاح فقط ليبقى الصالح على ما هو عليه محافظة على الحجارة القديمة التي كانت في العهد الأول عهد الإسلام عهد البعثة عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rعن عطاء قال : لما احترق البيت (زمن يزيد بن معاوية) حين غزاها أهل الشام فكان من أمره ما كان . تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يجرّئهم (أو يَحْربهم) على أهل الشام . فلما صدر الناس قال : يا أيها الناس ! أشيروا عليَّ في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وهي منها ؟ قال ابن عباس: فإني قد فُرق لي رأي فيها أرى أن تصلح ما وهي منها وتدع بيتاً أسلم الناس عليه وأحجاراً أسلم الناس عليها وبُعث عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - .\r(صحيح مسلم كتاب الحج باب نقض الكعبة وبنائها شرح النووي ص92/94 ج9).\r] ] ]\rغيرة عمر على الآثار النبوية","part":1,"page":235},{"id":236,"text":"وقد كان سيدنا عمر رضي الله عنه شديد الغيرة على الآثار النبوية عظيم العناية بها والحماية لها ، ولذلك لما رأى الناس مجتمعين على شجرة زعموا أنها شجرة الرضوان التي حصلت عندها بيعة الرضوان وذكرها الله تعالى في كتابه بقوله { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ } ، إذ كان رضي الله عنه يعرف حق المعرفة أن الشجرة غير معروفة ولا أحد يعلم مكانها فضلاً عن عينها وأن أصحابها الذين حضروها وشهدوها وبايعوا تحتها هم بأنفسهم لا يعرفونها فكيف بغيرهم بل قد صرحوا بذلك كما جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما إنه جاء في العام التالي لعام بيعة الرضوان ، قال : فبحثنا عن الشجرة فلم يقع عليها رجلان .\rقال المسيب والد سعيد : لقد رأيت الشجرة ثم أنسيتها بعد فلم أعرفها ، وقول طارق بن عبد الرحمن : طلعت حاجاً فمررت بقوم يصلون فقلت : ما هذا المسجد ؟ قالوا : هذه الشجرة حيث بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيعة الرضوان فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته ، فقال : حدثني أبي أنه كان فيمن بايع تحت الشجرة قال : فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم . وفي رواية أنه قال : فعميت علينا . أنظر صحيح البخاري كتاب المغازي ، باب غزوة الحديبية ، وصحيح مسلم كتاب الإمارة باب استحباب متابعة الإمام .\rأي لم يتفق رأي رجلين على شجرة واحدة بالتعيين ، فإذا كان هذا في خلال سنة واحدة في عهد واحد ومع توافر وجود أصحاب الرضوان الذين حضروا عندها وبايعوا تحتها فما بالك بشجرة ظهرت في زمن عمر بعد سنوات عديدة .","part":1,"page":236},{"id":237,"text":"اختلف العهد ومات أكثر من حضر الموقف ، واختلف الناس في تعيين الشجرة المباركة التي تشرفت بالبيعة المحمدية ، وحصل عندها أعظم موقف من مواقف التضحية والجهاد اهتزت له السموات والأرض ، وشهدته الملائكة الكرام وسجله القرآن بقوله : { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } الآية .\rثم كان عند هذه الشجرة المباركة الميمونة إعلان منقبة من أعظم مناقب وخصائص النبي الأعظم والرسول الأكرم - صلى الله عليه وسلم - سجّلها القرآن بقوله : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } الآية .\rفعمر رضي الله عنه لم يقطعها ليمنع التبرك بالآثار أو لأنه لا يرى ذلك ولم يقع ذلك المعنى في قلبه أصلا ولم يخطر على باله أبداً بدليل أنه رضي الله عنه ثبت عنه التبرك وطلب التبرك بالآثار ونحوها كطلبه من أبي بكر العنزة التي كانت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومحافظته على خاتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغير ذلك ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد استعار تلك العنزة من الزبير كما في البخاري في باب شهود الملائكة بدراً اهـ من المغازي . وفي نسخة القسطلاني (ج6 ص264) .\r] ] ]\rالاهتمام بالنعال النبوية والقيام بدراسة علمية لها\rومن الآثار النبوية التي نالت اهتمام العلماء وعنايتهم النعال النبوية ، بل حظيت بدراسة عميقة ودقيقة عن صفتها ومثالها ولونها ، فكتبوا عنها البحوث المتخصصة وألفوا فيها الرسائل المستقلة .\rوالمقصود من ذلك كله هو صاحب النعال ، ألا وهو النبي الأعظم والرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم .","part":1,"page":237},{"id":238,"text":"وإذا كنا نهتم بآثار العظماء وملابسهم وثيابهم ومتاعهم ونبذل في حصيلها الغالي والرخيص ونقيم لها المتاحف الخاصة والخبراء المتخصصين فإنه - صلى الله عليه وسلم - نفسي له الفداء أولى وأحق ، فلو بذلت المهج وحر الأموال في سبيل ذلك لكان رخيصاً لأجله صلى الله عليه وسلم .\r] ] ]\rاهتمام المملكة بالآثار\rولقد وفق الله حكومتنا السنية إلى العناية بالآثار عناية عظيمة ، حرصاً على تراثنا المجيد ، وحفظاً لمعالم الحضارة الإسلامية التاريخية ، فجعلت لها دائرة خاصة تعتني وتهتم بها تسمى ( إدارة الآثار ) وأصدرت لها نظاماً خاصاً معتمداً بالمرسوم الملكي رقم م/26 /وتاريخ 23/1396 هـ([29]).\rوأنشأت مجلساً خاصاً للنظر فيما يتعلق بهذا الموضوع يسمى ( المجلس الأعلى للآثار ) وصدر قرار مجلس الوزارة رقم 235 وتاريخ 21/2/1398 هـ ، بتكوين أعضائه برئاسة وزير المعارف وعضوية مندوبين عن الداخلية والمالية والحج والأوقاف والإعلام والآثار .\rوبين النظام أن الهدف من إنشاء المجلس الأعلى للآثار هو تجميع أكبر قدر من الخبرات لضمان وصول دائرة الآثار إلى غايتها المرجوة .\rالمحافظة على الآثار :\rجاء في المادة ( 6 ) من النظام : تتولى دائرة الآثار بالتعاون مع الأجهزة الأخرى في الدولة – كل في اختصاصه – المحافظة على الآثار والمواقع الأثرية كما تتولى تقرير أثرية الأشياء والمباني التاريخية والمواقع وما يجب تسجيله من آثار ويعني تسجيل أثر ما إقرار الدولة بأهميته التاريخية أو الفنية وعملها على صيانته ودراسته وإظهاره بالمظهر اللائق وفقاً لأحكام هذا النظام .\r] ] ]\rالمساجد وأماكن العبادة من أهم الآثار\rوجاء في المادة ( 7 ) : الآثار نوعان : آثار ثابتة وآثار منقولة :","part":1,"page":238},{"id":239,"text":"( أ ) الآثار الثابتة هي الآثار المتصلة بالأرض مثل الكهوف الطبيعية أو المحفورة التي كانت مخصصة لحاجات الإنسان القديم ، والصخور التي رسم أو حفر عليها الإنسان صوراً أو نقوشاً أو كتابات وكذلك أطلال المدن والمنشآت المطمورة في بطون التلال المتراكمة والأبنية التاريخية المنشأة لغايات مختلفة كالمساجد وأماكن العبادة الأخرى والقصور والبيوت في المشافي والقلاع والحصون والأسوار والملاعب والحمامات والمدافن والقنوات المشيدة والسدود وأطلال تلك المباني وما تصل بها كالأبواب والنوافذ والأعمدة والشرفات والسلالم والسقوف والأفاريز والتيجان وما شابه ذلك .\r( ب ) الآثار المنقولة هي التي صنعت لتكون بطبيعتها منفصلة عن الأرض أو عن المباني التاريخية والتي يمكن تغيير مكانها كالمنحوتات والمسكوكات والمنقوش والمخطوطات والمنسوجات والمصنوعات مهما كانت مادتها والغرض من صنعها ووجوه استعمالها .\rالآثار ومشاريع الهدم والتخطيط :\rجاء في النظام : التحذير من تغيير الآثار سواء من الأهالي أم من تخطيط المدن تقول المادة ( 11 ) : يحظر اتلاف الآثار المنقولة أو الثابتة أو تحويرها أو إلحاق الضرر بها أو تشويهها بالكتابة والنقش عليها أو تغيير معالمهما كما يحظر على الأهالي إلصاق الإعلانات أو وضع اللافتات في المناطق الأثرية وعلى الأبنية التاريخية المسجلة .\rوتقول المادة ( 12 ) : يتعين عند وضع مشروعات تخطيط المدن والقرى أو توسيعها أو تجميلها المحافظة على المناطق والمعالم الأثرية فيها ، ولا يجوز إقرار مشروعات التخطيط التي يوجد في نطاقها آثار ، إلا بعد اخذ موافقة دائرة الآثار عليها ، وعلى دائرة الآثار تحديد الأماكن التي يوجد فيها معالم أثرية وإحاطة جهاز تخطيط المدن علماً بذلك .","part":1,"page":239},{"id":240,"text":"ومعلوم أن الآثار التي نص النظام على أن منها المساجد وأماكن العبادة تشمل بالدرجة الأولى الآثار الدينية المنسوبة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أصحابه الكرام بل هذه هي الآثار التي تستحق التكريم والتقديم ، وهي التي يفخر بها المؤمن ويعتز ، وهي التي تذكر الأبناء بالآباء والخلف بالسلف .\rالحجرة النبوية والمسجد الشريف\rوقد أراد بعض المفتنين تغيير وضع الحجرة النبوية بإخراج القبر الشريف المكرم من المسجد ، فلما سمع بذلك المرحوم الملك خالد بن عبد العزيز غضب غضباً شديداً وثارت فيه الحمية الدينية وتكلم كلاماً رادعاً لصاحب ذلك الاقتراح الأثيم سمعه من كان حاضراً في المجلس ولعل بعضهم لا زال على قيد الحياة ، رحم الله ذلك الملك الصالح وجعل موقفه هذا ذخيرة له عند الله ويداً بيضاء عند رسوله سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ينال به إن شاء الله شفاعته يوم القيامة .\rوبارك في خليفته الملك فهد ونصر به الدين وحفظ به الديار والآثار والعباد والبلاد آمين يا رب العالمين .\r] ] ]\rفتوى الشيخ محمد بن عبد الوهاب\rفي شان الحجرة النبوية","part":1,"page":240},{"id":241,"text":"وقد نسب بعض أهل الفتنة والسوء إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب القول بإخراج الحجرة النبوية من المسجد ، فأنكر ذلك وتبرأ منه ، ومن قائله كما جاء في رسالته لأهل المجمعة التي يقول فيها : إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها منها : ما هو من البهتان الظاهر وهي قوله : إني مبطل كتب المذاهب ، وقوله : إني أقول : إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء ، وقوله : إني أدّعي الاجتهاد ، وقوله : إني خارج عن التقليد ، وقوله : إني أقول : إن اختلاف العلماء نقمة ، وقوله : إني أكفر من توسل بالصالحين ، وقوله : إني أكفر البوصيري لقوله : ياأكرم الخلق ، وقوله : إني أقول : لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها ، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب ، وقوله : إني أنكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقوله : إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم ، وإني أكفر من يحلف بغير الله ، فهذه اثنتا عشرة مسألة ، جوابي فيها أن أقول : { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } . انتهى من الرسائل الشخصية القسم الخامس ص63 ، والدرر السنية ج1 ص52 .\rالقبة الخضراء في رأي الشيخ محمد بن عبد الوهاب\rأما القبة الخضراء فقد نسب بعضهم إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب القول بإزالتها وهدمها ، ولكن الشيخ رحمه الله نفى ذلك بكل قوة وتبرأ منه واستنكر هذا القول أشد الإنكار في عدة مواضع من رسائله الموضع الأول في رسالته لأهل القصيم التي يقول فيها :\rفهذه عقيدة وجيزة حررتها وأنا مشتغل البال لتطلعوا على ما عندي والله على ما نقول وكيل .\rثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم ، والله يعلم أن الرجل افترى عليَّ أموراً لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي .","part":1,"page":241},{"id":242,"text":"((فمنها)) قوله : إني مبطل كتب المذاهب الأربعة ، وإني أقول : إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء ، وإني أدعي الاجتهاد ، وإني خارج عن التقليد ، وإني أقول : إن اختلاف العلماء نقمة ، وإني أكفر من توسل بالصالحين ، وإني أكفر البوصيري لقوله : يا أكرم الخلق ، وإني أقول : لو أقدر على هدم قبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهدمتها ، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب ، وإني أحرم زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما ، وإني أكفر من حلف بغير الله ، وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي ، وإني أحرق دلائل الخيرات وروض الرياحين ، وأسميه روض الشياطين ، جوابي عن هذه المسائل أن أقول : { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } .\r[مجموعة مؤلفات الشيخ القسم الخامس الرسالة الأولى من الرسائل الشخصية ص12 ، وهو في الدرر السنية الجزء الأول ص28] .\rالموضع الثاني في رسالته إلى أهل العراق وهي رسالة أرسلها إلى السويدي عالم من أهل العراق وكان قد أرسل له كتاباً وسأله عما يقوله الناس فيه ، فأجابه بهذه الرسالة ، وفيها يقول في رد ما نسب إليه وتكذيبه منها : إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه فضلاً عن أن يفتريه ومنها ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني ، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة ، ويا عجباً كيف يدخل هذا في عقل عاقل هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون ، وكذلك قولهم : إنه يقول : لو أقدر أهدم قبة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهدمتها ، وأما [دلائل الخيرات] فله سبب وذلك أني أشرت على من قبِل نصيحتي من إخواني أن لا يصير في قلبه أجلّ من كتاب الله ويظن أن القراءة فيه أجلّ من قراءة القرآن ، وأما إحراقه والنهي عن الصّلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بأي لفظ كان فهذا بهتان .","part":1,"page":242},{"id":243,"text":"[مجموعة مؤلفات الشيخ القسم الخامس في الرسائل الشخصية ص37 ، الرسالة الخامسة وهو في الدّرر السنية الجزء الأول ص54] .\rهذا الموقف من الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو عين الحكمة والصوّاب ، وهو السّياسة الشرعية التي يجب أن يتحلّى بها العلماء والمرشدون والمشائخ في أمرهم ونهيهم ووعظهم وإرشادهم .\rوقد كان الشيخ رحمه الله حريصاً كل الحرص على نفي زعم المفترين وردّ قول المفتنين الذين ألصقوا به هذا القول الشنيع ونسبوا إليه ذلك الرأي الفظيع فتراه أنكرها في عدة مواطن لخطر المسالة ولما ينبني عليها من السوء والفتنة والشر الذي يجرّ إلى مصائب وبلايا ، نحن عنها في غنى فأين هذا ممّن ضاقت العلوم في عينيه ولم يجد مسألة يكتب عنها أو بحثاً يقدمه إلا قضية القبّة الخضراء ، فما أتفه عقلاً هذا منتهاه ، وما أسفه علماً ذلك مؤداه .\rولنا بحث خاص عن هذا الموضوع نسأل الله أن ييسر إتمامه ونشره بعونه وفضله .\rالمحافظة على الآثار النبوية من رسالة\rجلالة الملك فهد بن عبد العزيز\rوهنا موقف عظيم يستحق التسجيل للأمانة والتاريخ وهو أن جلالة الملك فهد بن عبد العزيز لما اطلع على المخططات المرسومة لبناء توسعة مسجد قباء ورأى أن معالم المسجد الحالي القديمة ستزول داخل التوسعة الجديدة ، أمر جلالته حفظه الله بإلغاء المخطط الموضوع وإعداد مخطط جديد يبقي على المنبر والمحراب والمعالم القديمة ، بحيث تمتد التوسعة من جانبي المسجد ومن خلفه ليتعرف المسلمون جيلاً بعد جيل على الأماكن الأصلية والآثار النبوية الشريفة ، وقال جلالته : من الخير أن نزيد في مساجد الله ولا نزيل .\rوكان لهذه اللفتة السامية الكريمة من جلالته أعمق الأثر في نفوسنا بما فيها من دلالة الحفاظ على معالم التراث الإسلامي وتخليده .\rوقد نشرت الجرائد السعودية بالتفصيل هذه المقابلة والحديث في الأعداد الصادرة يوم السبت 17 صفر 1405هـ مثل جريدة ((المدينة)) و ((الندوة)) .\r] ] ]","part":1,"page":243},{"id":244,"text":"مفهوم الاجتماع\rجرت عادتنا أن نجتمع لإحياء جملة من المناسبات التاريخية كالمولد النبوي وذكرى الإسراء والمعراج وليلة النصف من شعبان والهجرة النبوية وذكرى نزول القرآن وذكرى غزوة بدر ، وفي اعتبارنا أن هذا الأمر عادي لا صلة له بالدين فلا يوصف بأنه مشروع أو سنة كما أنه ليس معارضاً لأصل من أصول الدين لأن الخطر هو في اعتقاد مشروعية شيء ليس بمشروع ، وعندي أن أمثال هذه الأمور العادية العرفية لا يقال فيها أكثر من أنها محبوبة للشارع أو مبغوضة وأظن أن هذا القدر متفق عليه ، ويدعي البعض أن هذه المناسبات التي يجتمع الناس لإحيائها ينقصها التوقيت المضبوط المتفق عليه ، فيقول : إن الناس تعودوا أن يجتمعوا ليلة السابع والعشرين لإحياء ذكرى الإسراء والمعراج ، وأن يجتمعوا ليلة الاثني عشر من ربيع الأول لإحياء ذكرى المولد النبوي مع أن العلماء اختلفوا في تعيين وقت هاتين الحادثتين بالضبط ، وأنا أقول : إن عدم الاتفاق على تعيين الوقت لا يؤثر لأننا لا نعتقد مشروعية تحديد الاجتماع بوقت مخصوص بل الأمر عادي كما أسلفنا والذي يهمنا هو اغتنام فرصة الاجتماع وكسب ذلك لتوجيهه إلى الخير فهذه الليلة قد اجتمع الناس فيها بشكل فظيع وعظيم وسواء أخطأوا التوقيت أم أصابوا ، فإن مجرد اجتماعهم هذا على ذكر الله ومحبة رسول الله كاف في استجلاب رحمة الله وفضله .","part":1,"page":244},{"id":245,"text":"إني أعتقد تمام الاعتقاد أن اجتماع هؤلاء الناس ما دام أنه لله وفي الله فإنه مقبول عند الله ولو أخطأوا في التوقيت ، وأضرب لذلك مثلاً لتقريب القضية للأذهان برجل دعا إلى وليمة في يوم معين فجاء بعض المدعوين في غير وقت الدعوة ظناً منهم أنه هو الوقت فهل ترى أن صاحب الوليمة يطردهم ويردهم بجفوة وغلظة ويصد عنهم ويقول لهم : ارجعوا وانصرفوا عني فليس هذا هو وقت الوليمة الذي دعوتكم إليه وحددته لكم ، أو ترى أنه يقابلهم بالحسنى ويشكرهم على قدومهم ويفتح لهم بابه ويطلب منهم الدخول ثم يطلب منهم الرجوع مرة أخرى في الوقت المحدد ؟ هذا الذي أتصوره وهو اللائق بفضل الله وكرمه .\rونحن إذا اجتمعنا للإسراء والمعراج أو للمولد النبوي ولأي ذكرى من الذكريات التاريخية لا يهمنا تعيين الوقت بالضبط لأنه إن كان موافقاً للصواب في الواقع ونفس الأمر فالحمد لله ، وإن كان غير ذلك فإن الله لا يردنا ولا يغلق بابه عنا .\rفاغتنام فرصة الاجتماع بالدعاء والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى والتعرض لنفحاته وخيراته وبركاته هو أجل من فائدة الذكرى نفسها عندي ، واغتنام اجتماع الناس بتذكيرهم وإرشادهم ونصحهم وتوجيههم إلى الخير هو أولى من صدهم وردهم والإنكار على اجتماعهم بما لا طائل تحته إذ المشاهد أن ذلك لا ينفع ولا يفيد وأن الناس يزيد إقبالهم ويعم تمسكهم كلما زاد الإنكار عليهم أو اشتد حتى كان الناهي لهم عن ذلك آمر لهم بفعله من حيث لا يشعر .\rإن العقلاء من أرباب الفكر والدعوة يتمنون بكل قلوبهم أن يجدوا مكاناً يجتمع فيه الناس ليبثوا فيهم آراءهم ويكسبوهم إلى صفهم ، ولذلك تراهم يرتادون الحدائق والنوادي والأماكن العامة التي يكثر فيها اجتماع الناس ليصنعوا بهم ما يريدون ، ونحن نرى الأمة تجتمع في مناسبات متعددة برغبة وهمة وحرص فما هو الواجب علينا نحوهم ؟ .","part":1,"page":245},{"id":246,"text":"إن الاشتغال بالإنكار والأخذ والرد في حكم اجتماعهم وما إلى ذلك هو عبث بل وحمق وجهالة لأننا نضيع كنزاً عظيماً ونفوت فرصة لا يمكن أن يجود الزمان بها إلا في مثل هذه المناسبات .\rفلنغتنم هذه المجامع الكبرى .\r] ] ]\rمفهوم المولد النبوي\rيخطئ كثير من الناس في فهمهم لحقيقة المولد النبوي الذي ندعو إليه ونشجع عليه فيتصورون تصورات فاسدة يبنون عليها مسائل طويلة ومناقشات عريضة يضيعون بها أوقاتهم وأوقات القراء وهي كلها هباء لأنها مبنية على تصورات كما قلنا فاسدة .\rوقد كتبنا عن المولد النبوي كثيراً وتحدثنا عنه في الإذاعة والمجامع العامة مراراً بما يظهر معه وضوح مفهومنا عن المولد الشريف .\rإننا نقول وقد قلنا من قبل : إن الاجتماع لأجل المولد النبوي الشريف ما هو إلا أمر عادي وليس من العبادة في شيء وهذا ما نعتقده وندين الله تعالى به .\rوليتصور من شاء ما يتصور لأن الإنسان هو المصدق فيما يقوله عن نفسه وحقيقة معتقده لا غيره .\rونحن نقول في كل محفل ومجمع ومناسبة : إن هذا الاجتماع بهذه الكيفية أمر عادي ليس من العبادة في شيء فهل يبقى بعد هذا إنكار لمنكر واعتراض لمعترض لكن المصيبة الكبرى في عدم الفهم ولهذا يقول الإمام الشافعي :","part":1,"page":246},{"id":247,"text":"ما جادلت عالماً إلا غلبته ولا جادلت جاهلاً إلا غلبني . إن أقل الطلاب علماً يعلم الفرق بين العادة والعبادة وحقيقة هذه وتلك فإذا قال القائل : هذه عبادة مشروعة بكيفيتها نقول له : أين الدليل ؟ وإذا قال : هذه عادة نقول له : إصنع ما تشاء لأن الخطر كل الخطر والبلاء الذي نخشاه كلنا هو أن يلبس ثوب العبادة لفعل مبتدع غير مشرع بل من اجتهاد البشر ، وهذا ما لا نرضاه بل نحاربه ونحذر منه ، والحاصل أن الاجتماع لأجل المولد النبوي أمر عادي ولكنه من العادات الخيرة الصالحة التي تشتمل على منافع كثيرة وفوائد تعود على الناس بفضل وفير لأنها مطلوبة شرعاً بأفرادها ، ومن التصورات الفاسدة التي تقع في أذهان بعض الناس هي أنهم يظنون أننا ندعو إلى الاحتفال بالمولد في ليلة مخصوصة دون سائر العام وما درى هذا المغفل أن الاجتماعات تعقد لأجل المولد النبوي في مكة والمدينة بشكل منقطع النظير في كل أيام العام وفي كل مناسبة تحدث يفرح بها صاحبها ولا يكاد يمر يوم أو ليلة بمكة والمدينة إلا ويحصل فيه اجتماع للمولد النبوي علم هذا من علمه وجهله من جهله ، فمن زعم أننا نذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في ليلة واحدة فقط ونهجره ونغفل عنه ثلاثمائة وتسعة وخمسين ليلة فقد افترى إثماً عظيماً وكذب كذباً مبيناً ، وهذه مجالس المولد النبوي تنعقد بفضل الله تعالى في جميع ليالي السنة ولا يكاد يمر يوم أو ليلة إلا وهنا مجلس وهناك محفل ، ونحن ننادي بأن تخصيص الاجتماع بليلة واحدة دون غيرها هو الجفوة الكبرى للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولذلك فإن الناس بحمد الله يستجيبون لهذا النداء بكل إقبال ورغبة .","part":1,"page":247},{"id":248,"text":"ومن زعم بأننا نخصص الاحتفال به - صلى الله عليه وسلم - في المدينة المنورة فهو جاهل أو متجاهل عن الحقيقة ، وما لنا إلا أن ندعو الله له بأن ينور بصيرته ويكشف عنه حجاب الجهل ليرى أن ذلك ليس خاصاً بالمدينة المنورة ولا بليلة مخصوصة في شهر مخصوص ، بل هو عام في الزمان والمكان .\rوليس يصح في الأذهان شيء :: إذا احتاج النهار إلى دليل\rوالحاصل أننا لا نقول بسنية الاحتفال بالمولد المذكور في ليلة مخصوصة بل من اعتقد ذلك فقد ابتدع في الدين لأن ذكره - صلى الله عليه وسلم - والتعلق به يجب أن يكون في كل حين ويجب أن تملأ به النفوس ، فنعم : إن في شهر ولادته يكون الداعي أقوى لإقبال لإقبال الناس واجتماعهم وشعورهم الفياض بارتباط الزمان بعضه ببعض، فيتذكرون بالحاضر الماضي وينتقلون من الشاهد إلى الغائب .\rوإن هذه الاجتماعات ، هي وسيلة كبرى للدعوة إلى الله وهي فرصة ذهبية ينبغي أن لا تفوت ، بل يجب على الدعاة والعلماء أن يذكروا الأمة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بأخلاقه وآدابه وأحواله وسيرته ومعاملته وعباداته ، وأن ينصحوهم ويرشدوهم إلى الخير والفلاح ويحذروهم من البلاء والبدع والشر والفتن .\rوإننا دائماً بفضل الله ندعو إلى ذلك ونشارك في ذلك ونقول للناس : ليس المقصود من هذه الاجتماعات مجرد الاجتماعات والمظاهر بل إن هذه وسيلة شريفة إلى غاية شريفة وهي كذا وكذا ومن لم يستفد شيئاً لدينه فهو محروم من خيرات المولد الشريف ، ولا نحب أن نطيل بذكر الأدلة والمسوغات التي استنبطناها في هذا الموضوع ، إذ لنا رسالة خاصة لذلك بعنوان : حول الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ، غير أننا سنخص قصة عتق ثويبة بالذكر لكثرة الكلام حولها :\r] ] ]\rقصة عتق ثويبة","part":1,"page":248},{"id":249,"text":"يذكر العلماء في كتب الحديث والسيرة قصة عتق أبي لهب لجاريته ثويبة لما أخبرته بولادة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن العباس بن عبد المطلب رأى أبا لهب في النوم بعد وفاته فسأله عن حاله فقال : لم ألق خيراً بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة وإنه ليخفف عليَّ في كل يوم الاثنين .\rقلت : هذا الخبر رواه جملة من أئمة الحديث والسير مثل الإمام عبد الرزاق الصنعاني والإمام البخاري والحافظ ابن حجر والحافظ ابن كثير والحافظ البيهقي وابن هشام والسهيلي والحافظ البغوي وابن الديبع والأشخر والعامري ، وسأبين ذلك بالتفصيل .\rفأما الإمام عبد الرزاق الصنعاني فقد رواه في المصنف (ج7 ص478) ، وأما الإمام البخاري فقد رواه في صحيحه بإسناده إلى عروة بن الزبير مرسلاً في كتاب النكاح باب { وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ } ، وأما ابن حجر فقد ذكره في الفتح وقال : إنه رواه الاسماعيلي من طريق الذهلي عن أبي اليمان ، ورواه عبد الرزاق عن معمر وقال : وفي الحديث دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة ، لكنه مخالف لظاهر القرآن ، قال الله تعالى : { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } ، وأجيب أولاً بأن الخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به ، وعلى تقدير أن يكون موصولاً فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه ، ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد فلا يحتج به ، وسلم مخصوصاً من ذلك دليل قصة أبي طالب كما تقدم أنه خفف عنه فنقل من الغمرات إلى الضحضاح ، وقال البيهقي : ما ورد من بطلان الخير للكفار فمعناه أنهم لا يكون لهم التخلص من النار ولا دخول الجنة ، ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر بما عملوه من الخيرات .","part":1,"page":249},{"id":250,"text":"وأما عياض فقال : انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب ، وإن كان بعضهم أشد عذاباً من بعض . قلت : وهذا لا يرد الاحتمال الذي ذكره البيهقي ، فإن جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلق بذنب الكفر ، وأما ذنب غير الكفر فما المانع من تخفيفه ؟ وقال القرطبي : هذا التخفيف خاص بهذا وبمن ورد النص فيه ، وقال ابن المنير في الحاشية : هنا قضيتان : إحداهما محال وهي اعتبار طاعة الكافر مع كفره ، لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح ، وهذا مفقود من الكافر .\rالثانية : إثابة الكافر على بعض الأعمال تفضلاً من الله تعالى وهذا لا يحيله العقل ، فإذا تقرر ذلك لم يكن عتق أبي لهب لثويبة قربة معتبرة ، ويجوز أن يتفضل الله عليه بما شاء كما تفضل على أبي طالب ، والمتبع في ذلك التوقيف نفياً وإثباتاً .\rقلت : وتتمة هذا أن يقع التفضيل المذكور إكراماً لمن وقع من الكافر البر له ونحو ذلك . والله أعلم . اهـ (فتح الباري ج9 ص145) .\rوأما الحافظ ابن كثير فقد رواه في البداية والنهاية ، وقال معلقاً : لأنه لما بشرته ثويبة بميلاد ابن أخيه محمد بن عبد الله أعتقها من ساعته ، فجوزي بذلك لذلك . اهـ من السيرة النبوية لابن كثير (ج1 ص224) .\rوأما الحافظ عبد الرحمن بن الديبع الشيباني صاحب جامع الأصول فقد رواه في سيرته وقال معلقاً : ((قلت : فتخفيف العذاب عنه إنما هو كرامة للنبي - صلى الله عليه وسلم - كما خفف عن أبي طالب لا لأجل العتق ، لقوله تعالى : { وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } . اهـ من حدائق الأنوار في السيرة (ج1 ص134) .\rوأما الحافظ البغوي فقد رواه في شرح السنة (ج9 ص76) .","part":1,"page":250},{"id":251,"text":"وأما الإمام الأشخر فقد رواه في بهجة المحافل ، وقال شارحه العامري : قيل : هذا خاص به إكراماً له - صلى الله عليه وسلم - كما خفف عن أبي طالب بسببه ، وقيل : لا مانع من تخفيف العذاب عن كل كافر عمل خيراً . اهـ من شرح البهجة (ج1 ص41) .\rوأما السهيلي فقد رواه في الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام وقال بعد نقل الخبر : فنفعه ذلك وهو في النار كما نفع أخاه أبا طالب ذبه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو أهون أهل النار عذاباً ، وقد تقدم في باب أبي طالب أن هذا النفع إنما هو نقصان من العذاب ، وإلا فعمل الكافر كله محبط بلا خلاف أي : لا يجده في ميزانه ولا يدخل به جنة . اهـ الروض الأنف (ج5 ص192) .\r] ] ]\rحاصل البحث\rوالحاصل أن هذه القصة مشهورة في كتب الأحاديث وفي كتب السير ، ونقلها حفاظ معتبرون معتمدون ، ويكفي في توثيقها كون البخاري نقلها في صحيحه المتفق على جلالته ومكانته ، وكل ما فيه من المسند صحيح بلا كلام .\rحتى المعلقات والمرسلات فإنها لا تخرج عن دائرة المقبول ولا تصل إلى المردود وهذا يعرفه أهل العلم المشتغلون بالحديث والمصطلح والذين يعرفون معنى المعلق والمرسل ويعرفون حكمها إذا جاءت في الصحيح .\rفانظر إن شئت ذلك في كتب المصطلح كألفية السيوطي والعراقي وشروحها وتدريب الراوي فإنهم تعرضوا لهذه المسألة وبينوا قيمة ما في الصحيح من المعلق والمرسل وأن ذلك مقبول عند المحققين .","part":1,"page":251},{"id":252,"text":"ثم إن هذه المسألة من المناقب والفضائل والكرامات التي يذكرها العلماء في كتب الخصائص والسير ويتساهلون في نقلها ولا يشترطون فيها الصحيح بالمعنى المصطلح عليه ، ولو ذهبنا إلى اشتراط هذا الشرط الشاذ لما أمكن لنا ذكر شيء من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة وبعد البعثة مع أنك تجد كتب الحفاظ الذين عليهم العمدة وعلى صنيعهم المعول ، والذين منهم عرفنا ما يجوز وما لا يجوز ذكره من الحديث الضعيف نجد كتبهم مملوءة بالمقطوعات والمراسيل وما أخذ عن الكهان وأشباههم في خصائص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن ذلك مما يجوز ذكره في هذا المقام .\rأما قول من قال : إن هذا الخبر يعارض قوله تعالى { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } فهذا قول مردود بما قاله العلماء ونقلناه عنهم سابقاً .\rوتحرير الكلام في هذا المقام هو أن الآية تدل على أن أعمال الكفار لا ينظر إليها وليس فيها أنهم سواء في العذاب ، وأنه لا يخفف عن بعضهم العذاب كما هو مقرر عند العلماء .\rوكذلك الإجماع الذي حكاه عياض ، فإنه في عموم الكفار وليس فيه أن الله تعالى لا يخفف العذاب عن بعضهم لأجل عمل عملوه ولهذا جعل الله تعالى جهنم دركات ، والمنافقون في الدرك الأسفل منها .\rثم إن هذا الإجماع يرده النص الصحيح ، ولا يصح إجماع مع مخالفة النص كما هو معلوم للطلبة .\rوذلك إنه ثبت في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل: هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويدافع عنك ؟ فقال : وجدته في غمرات من النار ، فأخرجته إلى ضحضاح منها ، الحديث .\rفها هو أبو طالب قد نفعه دفاعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخرجه النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجل ذلك من غمرات النار إلى ضحضاح منها .","part":1,"page":252},{"id":253,"text":"فالتخفيف عن أبي لهب من هذا الباب أيضا لا منكر فيه ، والحديث يدل على أن الآية المذكورة فيمن لم يكن لهم عمل يوجب التخفيف . وكذلك الإجماع.\rوفي حديث أبي طالب المذكور دلالة وأي دلالة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يتصرف الآن وقبل يوم القيامة في أمور الآخرة ويشفع لمن تعلق به ودافع عنه .\rوأما قول من قال : إن هذا الخبر رؤيا منام لا يثبت بها حكم ، فإن هذا القائل - هداه الله للصواب - لا يفرق بين الأحكام الشرعية وغيرها .\rأما الأحكام الشرعية فإن الخلاف واقع بين الفقهاء : هل يجوز أخذ الأحكام وتصحيح الأخبار برؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام أم لا ؟ .\rوأما غيرها فإن الاعتماد على الرؤيا في هذا الباب لا شيء فيه مطلقاً . وقد اعتمد عليها الحفاظ وذكروا ما جاء في رؤيا أهل الجاهلية قبل بعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المنذرة بظهوره ، وأنه سيقضي على الشرك وما هم عليه من فساد . وكتب السنة مملوءة بهذا .\rوفي مقدمتها كتاب دلائل النبوة وعدوها من الإرهاصات التي لا مانع من الاستدلال في شأنها بالرؤيا ، ولولا ذلك لما ذكروها .\rفقول القائل في شأن رؤيا العباس : إنها ليست بحجة ولا يثبت بها حكم ولا خبر ، خروج عن عمل الأئمة من الحفاظ وغيرهم ، والمراد به التهويل لا غير ، وما هكذا يكون شان الباحث عن الحق والأمر لله .","part":1,"page":253},{"id":254,"text":"وأما من قال : إن الرائي والمخبر هو العباس في حال الكفر ، والكفار لا تسمع شهادتهم ولا تقبل أخبارهم فإن هذا قول مردود ، لا رائحة للعلم فيه ، وهو باطل ، ذلك لأنه لم يقل أحد أن الرؤيا من باب الشهادة مطلقاً ، وإنما هي بشارة لا غير فلا يشترط فيها دين ولا إيمان ، بل ذكر الله تعالى في القرآن معجزة يوسف عليه السلام عن رؤيا ملك مصر وهو وثني لا يعرف ديناً سماوياً مطلقاً ، ومع ذلك جعل الله تعالى رؤيته المنامية من دلائل نبوة يوسف عليه السلام وفضله وقرنها بقصته ، ولو كان ذلك لا يدل على شيء لما ذكرها الله تعالى لأنها رؤيا مشرك وثني لا فائدة فيها لا في التأييد ولا في الإنكار .\rولهذا ذكر العلماء أن الكافر يرى الله تعالى في المنام ويرى في ذلك ما فيه إنذار له وتوبيخ وتقريع .\rوالعجب كل العجب من قول القائل : إن العباس رأى ذلك في حال كفره ، والكفار لا تسمع شهادتهم ولا تقبل أخبارهم ، فإن هذا القول يدل على عدم المعرفة بعلم الحديث إذ المقرر في المصطلح أن الصحابي أو غيره إذا تحمل الحديث في حال كفره ثم روى ذلك بعد إسلامه أخذ ذلك عنه ، وعمل به .\rوانظر أمثلة ذلك في كتب المصطلح لتعرف بعد صاحب هذا القول عن العلم . وإنما الهوى هو الذي حمل المعترض على الدخول فيما لا يتقنه .\r] ] ]\rالخاتمة\rوبعد فهذا ما تيسر لنا كتابته عن هذه المسائل التي أحببنا أن نبين مفهومنا الذي نراه فيها .\rفإن كان ذلك صواباً فالحمد لله ، وإن كان غير ذلك فإنني بشر أصيب وأخطئ ، وكل منا يؤخذ منه ويرد عليه إلا السيد المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى . وأعوذ بالله من المراء والجدال والخصام ، وأعوذ بالله من علم لا ينفع ودعاء لا يسمع وقلب لا يخشع ، وأعوذ بالله من كل سوء وشر وبلاء وشرك وبدعة ، وأبرأ مما تبرأ منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأقر بما أقر به .","part":1,"page":254},{"id":255,"text":"وأسأل الله أن يثبتني عليه حتى أموت عليه مسلماً موحداً مؤمناً بالله في بلاد الله وبين المؤمنين الموحدين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله محمد رسول الله منذ أن جاء بها محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - ، وسار على ذلك أصحابه وأتباعه وأتباعهم من أئمة السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين ، في ظل أئمة التوحيد ودعاة الخير من حكامنا الأماجد وفقهم الله لنصرة الحق وأخذ بأيديهم إلى خير البلاد والعباد ، والحمد لله رب العالمين .\rوصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .\rوكتب ذلك بقلمه وقاله بفمه محمد بن علوي بن عباس المالكي مذهباً ، السلفي عقيدة المكي موطناً ، الحسني نسباً عفا الله عنه ، خادم العلم بالحرمين الشريفين . تحريراً بمكة المكرمة في ربيع أول سنة 1404 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم .\rتم بحمد الله تعالى ..\r] ] ]\rمحتوى الكتاب\rالموضوع الصفحة\rتمهيد..... 5\rمنهج الكتاب....................... 11\rالباب الأول مباحث في العقيدة........................... 13\rالتحذير من المجازفة بالتكفير.... 15\rموقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب....................... 17\rسباب المسلم فسوق وقتاله كفر........................... 19\rمقام الخالق ومقام المخلوق...... 21\rأمور مشتركة بين المقامين لا تنافي التنزيه................. 26\rالمجاز العقلي واستعماله........... 28","part":1,"page":255},{"id":256,"text":"ضرورة ملاحظة النسبة المجازية في مقياس الكفر والإيمان..................... 28\rالتعظيم بين العبادة والأدب..... 34\rالواسطة الشركية................. 38\rثوب الزور.......................... 43\rبين نعمت البدعة وبئست البدعة.......................... 45\rتفريق ضروري بين البدعة الشرعية واللغوية.................... 47\rدعوة أئمة التصوف إلى العمل بالشرعية................. 50\rحقيقة الأشاعرة.................... 54\rحقائق تموت بالبحث............. 57\rمفهوم التوسل...................... 59\rالمتفق عليه من التوسل........... 59\rأدلة ما عليه المسلمون من التوسل......................... 61\rالتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل وجوده... 62\rشواهد لحديث توسل آدم....... 63\rتصحيح ابن تيمية لمعنى هذه الخصوصية.......................... 64\rتحليل مهم لرأي ابن تيمية غاب عن عقول أتباعه............................ 65\rالموضوع الصفحة","part":1,"page":256},{"id":257,"text":"توسل اليهود به - صلى الله عليه وسلم -............... 69\rالتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته وبعد وفاته..................... 70\rالتوسل به - صلى الله عليه وسلم - في عرصات يوم القيامة..................... 73\rمشروعية التوسل على طريق الشيخ ابن تيمية................... 74\rمشروعية التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة\rعند الإمام أحمد بن حنبل وابن تيمية 76\rجواز التوسل عند الإمام الشوكاني........................ 78\rالشيخ محمد بن عبد الوهاب يقول بجواز التوسل............................ 80\rالشيخ محمد بن عبد الوهاب يتبرأ عمن يكفر المتوسلين....................... 81\rالتوسل بآثاره - صلى الله عليه وسلم -..................... 82\rالتوسل بآثار الأنبياء.............. 84\rتوسل النبي - صلى الله عليه وسلم - بحقه وحق الأنبياء والصالحين..................... 85\rتوسل النبي - صلى الله عليه وسلم - بحق السائلين.... 86\rالتوسل بقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإرشاد السيدة عائشة................. 87\rالتوسل بقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في خلافة عمر رضي الله عنه..... 89","part":1,"page":257},{"id":258,"text":"توسل المسلمين به - - صلى الله عليه وسلم - - يوم اليمامة 90\rمعنى توسل عمر بالعباس – رضي الله عنهما . 91\rقصة العتبي في التوسل................ 95\rأبيات العتبي على شباك النبي - صلى الله عليه وسلم -............................ 96\rالخلا صة...................... 97\rشبهة مردودة....................... 98\rزعم بعض الجهلة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يسمعنا ولا يرانا ولا يعرفنا.................. 99\rبيان أسماء المتوسلين من أئمة المسلمين..................... 100\rالصحابة يطلبون من النبي - صلى الله عليه وسلم - الشفاعة.................... 102\rتفسير ابن تيمية لآيات الشفاعة الخ....................... 106\rإياك نعبد وإياك نستعين.......... 108\rالاستعانة والتوجه بالطلب للنبي - صلى الله عليه وسلم -........................ 110\rالموضوع الصفحة\rأبو هريرة – رضي الله عنه – يشكو النسيان.......... 110\rالنبي - صلى الله عليه وسلم - هو ركننا وعصمتنا وملاذنا....................... 114\rحمزة فاعل الخيرات وكاشف الكربات.................... 115","part":1,"page":258},{"id":259,"text":"دعوى باطلة........................ 116\rهل طلب ما لا يقدر عليه إلا الله شرك ؟................ 118\rإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله........ 120\rوإذا سألت فاسأل الله............ 122\rإنه لا يستغاث بي.................. 125\rألفاظ مستعملة وردت في هذا الكتاب................... 126\rموقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب من هذه الألفاظ التي زعموا أنها\rشرك أو ضلال..................... 129\rالباب الثاني مباحث نبوية وفيها بيان خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - وحقيقة\rالنبوة وحقيقة البشرية وحقيقة الحياة البرزخية......... 131\rالخصائص المحمدية وموقف العلماء منها.................. 132\rابن تيمية والخصائص النبوية... 134\rالشيخ ابن القيم وجلوس النبي - صلى الله عليه وسلم - على العرش......... 137\rكشاف القناع وخصائص عجيبة........................... 138\rالجنة تحت أقدام الأمهات فكيف لا تكون تحت أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ 140\rصكوك لدخول الجنة بيده - صلى الله عليه وسلم - . 141\rلا تطروني............................ 145","part":1,"page":259},{"id":260,"text":"الأنبياء بشر ولكن .. – عليهم الصلاة والسلام....... 149\rمفهوم التبرك....................... 156\rخبر زاهر – رضي الله عنه - . 164\rالتبرك بدم النبي - صلى الله عليه وسلم -............... 165\rأقوال العلماء في هذا الموضوع 169\rالتبرك بتقبيل يد من مس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -................... 171\rالتبرك بجبته - صلى الله عليه وسلم -..................... 172\rالموضوع الصفحة\rالتبرك بما مسته يده - صلى الله عليه وسلم -........... 172\rالتبرك بقدح النبي - صلى الله عليه وسلم - ومسجد صلى فيه..................... 173\rالتبرك بموضع قدم النبي - صلى الله عليه وسلم -...... 173\rالتبرك بدار مباركة................ 173\rالتبرك بمنبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -........ 174\rالتبرك بقبره الشريف - - صلى الله عليه وسلم -..... 175\rالتبرك بآثار الصالحين والأنبياء السابقين.................. 175\rنحن في بركة الرسول - صلى الله عليه وسلم -......... 177","part":1,"page":260},{"id":261,"text":"الإمام أحمد يتبرك والحافظ الذهبي يؤيده.................. 178\rالخلاصة........................ 179\rالباب الثالث مباحث مختلفة وفيها بيان مشروعية الزيارة النبوية الخ..... 180\rالحياة البرزخية حياة حقيقية..... 181\rخصائص الأنبياء البرزخية....... 187\rصلاة الأنبياء في قبورهم وعبادات أخرى................ 190\rحياة خاصة بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -....... 194\rتأييد ابن تيمية لهذه الوقائع..... 198\rثبوت بعض هذه الكرامات لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام............................ 199\rلا تشد الرحال................. 202\rزيارة القبر هي زيارة المسجد في اعتبار الشيخ ابن تيمية.......................... 206\rتحقيق مفيد ، تحقيق العلامة الشيخ عطية محمد سالم\rصاحب تكملة أضواء البيان.... 208\rالإمام مالك والزيارة............. 210\rاستحباب زيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الحنابلة وغيرهم........... 212\rالزيارة النبوية السلفية........... 221\rالشيخ ابن القيم والزيارة النبوية........................... 222\rالقبر النبوي الشريف............ 223\rرأي الشيخ ابن تيمية............ 226","part":1,"page":261},{"id":262,"text":"الموضوع الصفحة\rرأي الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الدعاء عند القبر......... 228\rرأي الإمام أحمد بن حنبل....... 229\rالقبر النبوي محفوظ من الشرك والوثنية.................. 230\rالتردد على الآثار النبوية والمشاهد الدينية والتبرك بزيارتها... 232\rاعتناء القرآن بآثار الأنبياء السابقين - عليهم الصلاة والسلام... 238\rمحافظة الخلفاء الراشدين على خاتم النبي صلى الله عليه وسلم ... 239\rمحافظة الخلفاء الراشدين على حربة كانت عند النبي - صلى الله عليه وسلم -....... 239\rمحافظة عمر بن الخطاب على ميزاب العباس لأنه وضعه - صلى الله عليه وسلم -... 240\rابن عمر لم يكن وحده مع الآثار............................ 241\rابن عباس والآثار القديمة........ 242\rغيرة عمر على الآثار النبوية.... 243\rالاهتمام بالنعال النبوية والقيام بدراسة علمية لها................ 244\rاهتمام المملكة بالآثار............. 245\rالآثار ومشاريع الهدم والتخطيط............................ 246","part":1,"page":262},{"id":263,"text":"الحجرة النبوية والمسجد الشريف......................... 247\rفتوى الشيخ محمد بن عبد الوهاب في شأن الحجرة النبوية..... 247\rالقبة الخضراء في رأي الشيخ محمد بن عبد الوهاب........ 248\rالمحافظة على الآثار النبوية من رسالة جلالة الملك فهد بن عبد العزيز............ 250\rمفهوم المولد النبوي..... 253\rقصة عتق ثويبة........ 255\rحاصل البحث........ 258\rالخاتمة.......................... 261\rمحتوى الكتاب.. 263","part":1,"page":263},{"id":264,"text":"الهوامش:\r---\r([1]) سيأتي بحث خاص في هذا الموضوع بعنوان (( الأنبياء بشر ولكن )) .\r([2]) كثير من هذه الأحاديث سيأتي مفصلاً في مباحث أخرى من هذه الرسالة لمناسبة أخرى ، والحديث الواحد يستدل به العلماء على أكثر من مسألة في أكثر من موضع واحد .\r([3]) سيأتي في هذه الرسالة بحث خاص عن الخصائص المحمدية وموقف العلماء منها ، وما نذكره هنا هو من باب التنظير .\r([4]) أنظر ما كتبه شيخنا العلامة الشيخ محمد علي الصابوني في مسألة الأشاعرة من بحوث طويلة ومهمة.\r([5]-2-3-4) أنظر هذه الأرقام في الملحق بآخر الكتاب .\r(5-6) انظر في الملحق بآخر الكتاب تعليقاً مهماً على هذه المسألة .\r(7 -8) انظر الملحق آخر الكتاب رقم 7/8 .\r[8] أنظر الملحق في آخر الكتاب رقم 10 .\r(11 - 12) أنظر الملحق آخر الكتاب رقم 11/12 .\r(13) أنظر الملحق آخر الكتاب رقم 13 .\r(15) أنظر الملحق آخر الكتاب رقم 15 .\r(16) أنظر الملحق رقم 16 آخر الكتاب .\r(17) أنظر الملحق آخر الكتاب رقم 17 .\r([14]) هذه النقطة مفصلة في مبحث خاص بها بعنوان : (المجاز العقلي واستعماله) .\r([15]) ذكرنا هذا الحديث في غير موضع من هذا الكتاب مع تخريجه .\r([16]) تكرر إيراد هذه الحقيقة في كتابنا هذا لتعدد المناسبات ، وقد عقدنا لها مبحثاً خاصاً بعنوان : ((المجاز العقلي)) وبه ينجلي كثير من الأشكال وسوء الفهم .\r([17]) الخب : الخداع .\r([18]) أنظر الملحق آخر الكتاب رقم 18 .\r([19]) أي بايعناه بالجنة على فعل ذلك ، يعني اشترطوا عليه ضمانة الجنة لهم ، فأعطاهم .\r([20]) من القيلولة\r([21]) سيأتي مزيد تفصيل لهذه الوقائع في مفهوم التبرك .\r([22]) أي ما رأيت .\r([23]) وقوله : أدعها لك أي أترك المقاصة .\r([24]) بكسر اللام وسكون الباء : رقعة في جيب القميص .\r(9[25]) أنظر الملحق آخر الكتاب رقم 19 .\r(20)[26] انظر الملحق آخر الكتاب رقم 20 .\r([27]) أنظر الشفا للقاضي عياض .\r([28]2) أنظر تعليق رقم 21 في الملحق آخر الكتاب .\r([29]) أنظر المذكرة الخاصة بنظام الآثار الصادرة عن وزارة المالية والاقتصاد الوطني سنة 1399 .","part":1,"page":264}],"titles":[{"id":1,"title":"مفاهيم يجب أن تصحح","lvl":1,"sub":0}]}