{"pages":[{"id":1,"text":"Print terakhir 09 Maret 07\rP\rمقدمة\rالحمد لله الذي جعلنا من أهل السمع والطاعة ووفّقنا لاتّباع السنة وملازمة الجماعة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، شهادة هي أفضل زادٍ وخير بضاعة، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أوجب الله علينا اتّباعه. والصلاة والسلام على سيدنا محمد المخصوص بأعظم شفاعة، صلاة وسلاما يعمّان آله وأصحابه وأشياعه وأتباعه.\rأما بعد: فقد أمسينا اليوم على وشك من العصر الذي يزعمونه عصر التفتح العالميّ أو الانفتاح الدولي في كل الشئون وجميع جوانب الحياة، فيجب علينا معشر المسلمين أن نواجه هذه الطاهرة الخطيرة بكل احتياط واحتراس ولا بد علينا أن نبرز خصائصنا وشخصيّتنا المتميزة كأتباع ملة ودين حقّ جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء والمرسلين. ويجب على العلماء بيان حقائق الإسلام المتلقّاة عن هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - والتعريف بالسمات البارزة لتعاليمه الأصلية المسماة بـ (السنة) التي من تمسك بها فهو المتمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها الداخل في مسمّى (الجماعة). وها انا أختار لكم نصوص العلماء في هذا الصدد الجليل السامس وأرتبها حسب اجتهادي. تقبّل الله منّى هذا العمل ومن الجميع، آمين.\rخادم السنة وأهلها\rمحمد نجيح بن ميمون.\rفصل\rفي تاريخ نشأة فرقة أهل السنة التي هي السواد الأعظم من هذه الأمة","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"اعلم أن المسلمين حين إذ كان النبي بين ظهرانيهم كانوا أمة واحدة على طريقة واحدة وهي طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يختلف اثنان حينئذ في شيء من أمور الدين إذ كانوا أطوع خلق لله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -. ولم يزالوا كذلك إلى أن تتولّى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - الخلافة. فظهر في آخر خلافته - رضي الله عنه - اختلاف بين المسلمين حتى صاروا فرقتين؛ فرقة قالوا إن عثمان - رضي الله عنه - تولّى الخلافة بمبايعة المسلمين ومشورتهم، وقد سار بهم على المنهج السويّ والطريق الحق، وهذا القول هو القول الحق، وفرقة قالوا إنه كان كذلك لكنه تغيّر عمّا كان عليه وصار لا يستحق الإمامة، ولذلك طلبوا منه أن يعزل نفسه لكنه أبى ذلك فقتلوه - رضي الله عنه -.\rولما قتل عثمان افترق المسلمون على فرقتين؛ فرقة بايعوا عليّا - رضي الله عنه -، وفرقة أبوا مبايعته. وخرجت طائفة ممن بايعوه عن طاعته وناصبوه بالقتال. واختصت هذه الطائفة باسم الخوارج وإن كان كل من خرج عن طاعة الإمام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة يسمّى خارجا. وافترق هؤلاء الخوارج إلى ثماني فرق وافترقت هذه الفرق الثمانية إلى فرق شتّى.\rثم ظهرت من جماعة علي - رضي الله عنه - طائفة شايعوه على الخصوص وقالوا بإمامته وخلافته نصّا ووصيّة إمّا جليّا أو خفيّا واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده وإن خرجت فبظلم يكون من غيرهم أو بتقيّة من عندهم. وسميت هذه الطائفة بالشيعة وافترقوا إلى خمس فرق؛ كيسانيّة وزيديّة وإماميّة وغلاة وإسماعيليّة. وافترقت كل واحدة من هذه الفرق الخمس إلى فرق. ولم يزل ينفصل من جماعة المسلمين فرقة بعد أخرى.","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"وفي كل دور سمي من كان باقيا على عقائد وأعمال السلف الصالحين من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم بأهل السنة والجماعة. ولم يزل أمر المسلمين كذلك إلى أن ظهر في أواخر المائة الثالثة وأوائل المائة الرابعة من سني الهجرة الإمامان الجليلان أبو الحسن الأشعريّ وأبو منصور الماترديّ رضي الله عنهما. فقاما أحسن قيام للذبّ عن عقائد السلف من أهل السنة والجماعة ولم يكونا يبدعان مذهبا أو يشتقّان رأيا من عندهما بل كانا على مذهب من كان قبلهما من أئمة السلف. فالأول قام ذابّا عن نصوص الإمام الشافعي - رضي الله عنه - والثاني قام ذابّا عن نصوص الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - وزادا بيانا وتحريرا بما أقاماه من الحجج والبراهين. ولم يختلف هذان المذهبان إلا في مسائل معدودة من غير تبديع ولا تضليل من أحدهما للآخر. وناظر كل من الإمامين ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولّوا منهزمين. وصار المقتدي بكل منهما في تلك المسائل والدلائل التي قررها وحرّرها يسمّى أشعريّا وماتريديّا.","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"فلم يلبث أن صار المسلمون الذين كانوا على مذهب السلف من الصحابة والتابعين فرقتين: أشعريّة وماتريديّة وصارت كلمة أهل السنة والجماعة عَلما بالغلبة لكل منهما بحيث إذا أطلق أهل السنة والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتريديّة. وأهل المذاهب الأربعة لا يتعدّون هذين المذهبين فلا ترى مالكيّا ولا شافعيّا ولا حنفيّا ولا حنبليّا إلا أشعريّا أو ماتريديّا إلا من شذ منهم فلحق باعتزال أو تجسيم. وهذا في الحنابلة أكثر منه في غيرهم. وسبب كثرة التجسيم في الحنابلة أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قام في دفع المعتزلة وجرى كغيره من أئمة الحديث على منهاج السلف المتقدمين عليهم من أصحاب الحديث كالإمام مالك - رضي الله عنه - وغيره. وسلكوا طريق السلامة فقالوا: نؤمن بما ورد به الكتاب والسنّة ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعا أن الله عز وجل لا يشبه شيئا من المخلوقات وأن كل ما تمثل في الوهم فإنه خالقه ومقدّره. وكانوا يحترزون عن التشبه إلى غاية أن قالوا: من حرّك يده عند قراءة قوله تعالى: { خلقت بيديّ } أو أشار بأصبعيه عند روايته قوله: «قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن» وجب قطع يده وقلع أصبعيه.\rفصل في بيان حشويّة الحنابلة المشبّهين","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"وسمع من الإمام أحمد بن حنبل طائفة من الناس رذيلة جهّال ينتسبون إليه وهو مبرأ منهم كلمات ما فهموها فاعتقدوا الاعتقاد السيّء وصار المتأخّر منهم يتبع المتقدّم وأفسدوا اعتقاد جماعة شذوذ من الشافعية وغيرهم ولا سيّما من بعض المحدثين الذين نقصت عقولهم أو غلب عليها من أضلها فاعتقدوا أنهم يقولون بالحديث. وبيان ذلك أن الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - كان على مذهب السلف من عدم تأويل المتشابهات وتفويض علمها إلى الله تعالى من غير اعتقاد تشبيه ولا تعطيل. وقال: هذه الأحاديث تمرونها كما جاءت فهم هؤلاء الطائفة من هذا الكلام أن الإمام أحمد أمر باعتقاد ما دلت عليه ظواهر الأحاديث المتشابهات وإجراءها على ما يتعارف عند الناس في صفات الأجسام. فصرحوا بالتشبيه وقالوا: معبودنا على صورة ذات أعضاء وأبعاض إمّا روحانية وإما جسمانية ويجوز عليه الانتقال والنزول والصعود والاستقرار والتمكّن. وأجازوا على ربهم الملامسة والمصاحفة حتى قال بعضهم: اعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عما وراء ذلك، وقال: إن معبوده جسم ولحم وذم وله جوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس ولسان وعينين وأذنين وهو أجوف من أعلاه إلى صدره مصمت ما سوى ذلك وله وفرة سوداء وله شعر قطط. وما زالت هذه الطائفة من حين نبغوا مستذلين ليس لهم رأس ولا من يناظر وأنما في كل وقت لهم ثوارت ويتعلقون ببعض الدول. ولم يزل أمرهم كذلك إلى أن ظهر في أواخر المائة السابعة رجل له فضل ذكاء واطّلاع ولم يجد شيخا يهديه وهو على مذهبهم وهو جسور متجرّد لتقرير مذهبه ويجد أمورا بعيدة فبجسارته يلتزمها فقال بقيام الحوادث بذات الرب سبحانه وتعالى وإن الله تعالى ما زال فاعلا وإن التسلسل ليس بمحال فيما مضى كما هو فيما سيأتي.","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"وحكي عنه أنه خطب يوما في بعض الجوامع فلمّا روى في خطبته قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ينزل ربّنا في كل ليلة إلى سماء الدنيا ...إلخ» نزل عن المنبر وقال: كنزولي هذا. فشقّ العصا وشوّش عقائد المسلمين وأغرى بينهم. ولم يقتصر في العقائد في علم الكلام حتى تعدّى وقال: إن السفر لزيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - معصية وإن التوسّل إلى الله تعالى في الدعاء بالأنبياء والأولياء والعلماء العاملين إشراك. وقال: إن الطلاق الثلاث لا يقع وإن من حلف بطلاق امرأته وحنث لا يقع عليه طلاق. وذكر في عقيدته الحمويّة والواسطية اليد والقدم والساق والوجه فقال: إنها صفات حقيقيّة لله سبحانه وتعالى.\rوحكي عنه أنه قال في أبي بكر - رضي الله عنه - أسلم شيخا لا يدري ما يقول وعليّ أسلم صبيّا والصبي لا يصح إسلامه على قول. وشنّع عليّا - رضي الله عنه - في خطبته بنت أبي جهل وقال فيه: إنه كان مخذولا حيثما توجّه وإنه حاول الخلافة مرارا ولم ينلها وإنما قاتل للرياسة لا للديانة وإنه يحبّ الرياسة وقال في عثمان: كان يحبّ المال.\rومن شدة تعصبه لمذهبه وقع في الأشاعرة حتى إنه سبّ الإمام الغزالي، وبسبّ غلوّ أصحابه فيه أعجب بنفسه حتى زها على أبناء جنسه واستشعر أنه مجتهد فصار يردّ على العلماء صغيرهم وكبيرهم قديمهم وحديثهم حتى انتهى إلى عمر - رضي الله عنه - فخطّأه في شيء وقال في حق علي - رضي الله عنه -: أخطأ في سبعة عشر شيئا. وبجميع ما ذكر وغيره اتفق علماء وقته علىحبسه الحبس الطويل فحبسه السلطان ومنعه الكتابة في الحبس وأن لا يدخل عليه بدواة ومات في الحبس لعشرين ليلة خلت من رجب 872 من الهجرة. وهذا الرجل المشار إليه بما تقدم هو أحمد بن عبد الحليم المشهور بان تيميّة وهو حنبليّ المذهب ثم حدث من أصحابه من يشيّع عقائده ويعلّم مسائله ويلقي ذلك إلى الناس سرّا ويكتمه جهرا ويزعم أن عقائده عقائد أهل الحديث فعمّ بذلك الضرر.","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"فصل في بيان الطائفة الوهّابيّة الخبيثة\rثم ظهر ببلاد نجد في أوائل القرن الثاني عشر الهجريّ رجل يقال له محمد بن عبد الوهّاب وإليه تنسب الفرقة الوهّابيّة. كان على مذهب ابن تيميّة وزاده أمورا ترجع أصولها إلى عشرة:\rالأول: إثبات الوجه واليد والجهة للباري سبحانه وتعالى بمعنى أن هذه الألفاظ تحمل على مسمّياتها المعروفة للناس وجلعه سبحانه وتعالى جسما ينزل ويصعد.\rالثاني: تقديم النقل على العقل وعدم جواز الرجوع إليه في الأمور الدينية.\rالثالث: نفي الإجماع وإنكاره.\rالرابع: نفي القياس.\rالخامس: عدم جواز التقليد للمجتهدين من أئمة الدين وتكفير من قلّدهم(1).\rالسادس: تكفير من خالفهم من المسلمين.\rالسابع: النهي عن التوسّل إلى الله بالرسول أو بغيره من الأولياء والصالحين.\rالثامن: تحريم زيارة قبور الأنبياء والصالحين للتبرك بهم وندائهم.\rالتاسع: تكفير من حلف بغير الله تعالى وعدّه مشركا.\rالعاشر: تكفير من نذر لغير الله أو ذبح عند مراقد الأنبياء والصالحين.\rوزعم أنه أراد بذلك إعادة دين الإسلام إلى ما كان عليه في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم طاهرا من شوائب الخرافات. وساعده على نشر مذهبه محمد بن سعود أمير الدرعيّة وهو الذي نسب إليه الملوك السعوديّون الذين ملكوا الحجاز اليوم.\rفصل في الحركات الإسلامية الجديدة والمذاهب\r__________\r(1) . المشهور أنهم لا يكفرون المقلدين، بل هم أنفسهم يقلدون المذهب الحنبلي وإنما هم يكفرون الأشاعرة في تأويلاتهم النصوص الثابتة في صفات الله عز وجل.","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"ثم ظهر بمصر في أواسط القرن الثالث عشر الهجريّ رجل أفغانيّ(1) يقال جمال الدين. كان قد رأى في زمانه ضعف المسلمين عن مقاومة أعدائهم وتأخرهم عن الأمم الأوربيّة في عالم الحضارة. فبحث عن سبب ذلك فوجد في نفسه أن السبب هو ما طرأ على أهله من شوائب البدع والخرافات مع تقيّدهم في العقائد والأحكام بمذاهب رجال معيّنين هي غاية ما رأوه باجتهادهم مطابقا لما عليه أهل ذلك الوقت مع إمكان خطأهم في بعض ما أبدوه من الحكم في بعض المسائل ورأى أن ذلك قد صار داء عضالا للمسلمين ولا دواء عنده لهذا الداء إلا بترك آراء الرجال الذين مضوا مئات من السنين ورجوع المسلمين إلى الإسلام الصافي عن تلك الشوائب وذلك بالرجوع إلى القرآن والأحاديث الصحيحة. ومن أعظم تلاميذ جمال الدين الأفغاني الشيخ محمد عبده شيخ الجامع الأزهر ومفتي الديار المصريّة في وقته وأمير عليّ بالديار الهنديّة.\rوالشيخ محمد عبده أشهر من أمير عليّ، عاش ما بين سنة 1278 هـ إلى سنة 1334 هـ. كان كشيخه أبصر الخطر الذي أحدق بعقيدة المسلمين من جرّاء زحف العلوم الغربيّة وقد اشتدت في ذلك الوقت الحملة على الإسلام من خصومه أعني من قبل دول الاستعمار ودعاة النصرانيّة ومن ملاحدة المسلمين من الترك والإيرانيين والأفغانيين وغيرهم من الشعوب الإسلامية الذين سمتهم التربية الأفرنجية وأفسدتهم الآراء المادّية وخنثهم الإسراف في الشهوات البدنية كالأتراك الكماليين وأنصارهم الذين ستموا نبذ الشريعة الإسلامية إصلاحا.\r__________\r(1) . في دعواه، ويقال: إنه إيراني الأصل.","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"ورأى مع ذلك وقوع معظم الشعوب الإسلامية في قبضة الاستعمار الأوربيّ ورأى أن سببه تأخّر المسلمين وضعفهم عن مجاراة الأمم الغربيّة في عالم الحضارة بسبب فقرهم وإنكارهم للعلوم العصرية التي تتعلق بعالم الحضارة. وإن سبب ذلك تقيّدهم بمذاهب الرجال وبالإجماع الذي لم يتحقق ثبوته في أيّ عصر من العصور. فبسبب ذلك كله رأى أن الواجب على المسلمين فتح باب الاجتهاد على مصراعيه.\rوحكي عنه أنه قال: أمّا ما جاء في القرآن فعلى العين والرأس، وأما ما جاء في الحديث فعلى العين والرأس، وأما ما قاله الأئمة فهم رجال ونحن رجال. فنشط إلى إجراء تمييز ينقذ به مذهب أهل السنة والجماعة على زعمه وشرع في إلقاء دروس في الأزهر استجلبت الأنظار وأسس بمساعدة تلميذه المقدم السوريّ السيد محمد رشيد رضا طريقة إصلاحيّة لسان حالها مجلة شهريّة اسمها المنار. وهذه المجلّة وضع في خلالها تفسير القرآن العظيم على طريقة الشيخ محمد عبده الذي ألفه تلميذه محمد رشيد رضا. وربما جرّد هذا التفسير ويسمّى بالمنار أيضا. ولا يخلو في ذلك الوقت من مقاومة العلماء الذين كانوا على طريقة المتقدمين أعني طريقة التقيّد بأحد المذاهب الأربعة.\rفصل في طوائف الإلحاد وإنكار الإٍسلام\rوفي ذلك الوقت ظهر أيضا رجال يدعون الناس إلى الإلحاد على طرق شتّى. فافترق المسلمون إلى ثلاث فرق: فرقة عضّت بالنواجذ على التقيّد بأحد المذاهب الأربعة في الأحكام الفقهية وبأحد المذهبين الأشعريّ والماتريديّ في العقائد بحسب ما وجد في الكتب التي انتسب مؤلفوها إلى أحد المذاهب الأربعة. وفرقة حلّت ربقة المذهب على عنقها وفتحت باب الاجتهاد وشرعت توفّق بين الشريعة الإسلامية ومقتضيات العصر الحديث. وعلى رأس هذه الفرقة الشيخ محمد عبده وتلميذه السيد محمد رشيد رضا ومحمد أبو زيد وغيرهم.","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"قال أبو زيد: كل يوم نسمع ضجّة الناس وقولهم إن أحكام الدين لا تصلح لهذا الزمان يضربون لذلك مثلا أحكام المحاكم الشرعية إنها أوجدت كثيرا من المشاكل ولا تؤدّي المقصود من الإصلاح في الزوجيّة وإن الزواج والطلاق أصبح الأمر فيهما فوضى. وقد فات هؤلاء الصائحين أن الأحكام التي يرونها مخالفة لمصالحهم ليست من نصوص الدين وإنما هي آراء ومذاهب لبعض الذين سبقوا طبّقوها على زمانهم بقدر ما وصل اجتهادهم إليه من الفهم والاستنتاج. فمن هذه الأحكام ما هو غير صالح الآن لأن أصحابه فهموه واستنتجوه من أحاديث لم تصح وطنّوها صحيحة أو لأنهم أخطأوا في فهم المراد من الآيات أو في التطبيق على الحوادث. فالخطأ في الأحكام سببه بطلان الدليل أو بطلان الفهم أو التطبيق. وإنك لتجد كثيرا من الأحاديث التي تروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيها أحكام كانت خاصّة بزمنها ومكانها فلما نقلت فهم بعض الناس في مختلف العصور أنها يعمل بها ولم يفهموا أنها مؤقتة وأنها من سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في التطبيق الذي قد تنسخه الحوادث ويتغيّر بتغيّر الظروف والأحوال وليست من الأمور التعبّديّة الدائمة التي أمر الله الناس أن يتقيّدوا بها في كل زمان.\rولقد كان تقليد الناس بعضهم بعضا سببا كبيرا في الضلال والحيرة. فقد يفهم أحد الفقهاء فهما ويكون خطأ فيقلده الناس ويصير هذا الفهم دينا تمشي عليه التقاليد وتؤلف فيه الكتب وإنك لتجد كثيرا من المسائل التي اشتهرت وأجمع الناس عليها بالتقليد لا أصل لها في الدين إلا رواية ملفقة أو حديثا مكذوبا. وكثيرا مّا اندسّت روايات وأحاديث في تفسير القرآن وتحكمت فيه بحسن نيّة المفسرين حتى صارت قاعدة يطبقون القرآن عليها فما وافقها منه أخذوه وما عارضها أوّلوه أو نسخوه. اهـ. وإذا طالعت المنار وجدت فيه كثيرا مما يوافق ما قاله أبو زيد المذكور ولم نطوّل بنقله.","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"وهذه الفرقة افترقت إلى فرق شتى لأنها لما فتحت باب الاجتهاد ولم تضع حدّا محدودا لمن جاوز له الاجتهاد وصار كل واحد من أتباع هذه الفرقة يدّعي أنه مجتهد غير مقلد لأحد فاختلفت آراءهم حتى أن العامي منهم صاح بأنه غير مقلد ولا يدري هذا العامي المسكين أنه مقلد لغيره وإنما صاح بذلك لأنه لا يدري ما هو التقليد؟، ولا ما هو الاجتهاد؟، وفرقة دعت إلى الإلحاد وهم فرق شتى كما تقدم ذكره.\rوأزيد هنا على ما تقدم أنه منذ قامت حكومة مصطفى كمال في تركيا عملت على تشجيع الحركات الإلحاديّة فألفت هنا كتب كثيرة تهدف إلى التشكيك في حقائق الأديان كلها والدعوة إلى تركها. فقد نبذ الكماليّون الشريعة الإسلامية برمّتها من حكومتهم مهّدوا طريقا لمحو عقائد الإسلام وآدابه وعباداته من نابتة شعبهم بمنع اللغة العربيّة من جميع بلادهم وترجمة القرآن بما لا يؤدّي حقائق معانيه من لغتهم وكتابته كغيره بالحروف اللاتينيّة للإجهاز على ألفاظه وأساليبه المعجزة. وكان من ضمن القائمين بهذه الحركة الإلحادية إٍسماعيل أحمد أدهم وقابيل آدم وإسماعيل مظهر. قال إٍسماعيل مظهر في آخر كلام طويل: فوجدت أن كل معجزة ليست إلا خرافات وسخافات. ومنهم حسين محمود وعمر عنايت وكامل كيلاني. ومنهم طه حسين وعليّ عبد الرزاق وهو من أكابرهم ومحمود عزمي وآمين الخولي. ومنهم منصور فهمي الذي عاش بين سنة 1886 وسنة 1959 ميلاديّة فإنه كتب ما نصه: محمد يشرع لجميع الناس ويستثني نفسه، ومع أنه كان المشرّع الذي ينبغي أن يخضع لما يدعو إلى تطبيقه على الآخرين إلا أنه كان له ضعفه واختصّ نفسه ببعض المزايا إلى آخر ما قال. لكنه عاد أخيرا غلى حظيرة الإسلام. ومنهم قاسم آمين. ولم أطوّل بذكر ما قال هؤلاء في الدعوة إلى الإلحاد بنبذ الأحكام الإسلامية لأن ذلك مخرج عن المقصود.\rفصل في الحركات الحديثة الإسلامية بإندونيسيا","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"ولنتكلم الآن فيما حدث في بلادنا إندونيسيا. ففي أوائل القرن العشرين الميلاديّ دخلت أخلاط من تلك المذاهب الحديثة المختلفة البلاد الإندونيسية مع رجال حملوها من مصر وغيرها فتسارع العوام إلى اعتناقها لما رأوه من موافقتها وملاءمتها لأهوائهم وشهواتهم إلى أن كثر معتنقوها. فأسّسوا في 18 نوفيمبر 1912 الميلاديّة جمعيّة تسمّى بالمحمّدية برئاسة زعيمها الحاجّ دحلان بجوكجاكرتا. ثم بعد ذلك أسّست جمعية أخرى للعرب المقيمين بإندونيسيا تسمّى بالإرشاد برئاسة زعيمها أحمد سُوْركَتِيْ. وهاتان الجمعيّتان أسّسا للدعوة إلى ترك تقليد أحد المذاهب الأربعة والرجوع إلى القرآن والأحاديث وفتح باب الاجتهاد لاستنباط الأحكام الإسلامية الموافقة لأهل العصر بزعمهم ليكون ذلك سببا لدخول الناس كافّة في الإسلام لما رأوه فيه من السماحة بخلاف الأحكام التي اشتملت عليها كتب المذاهب الأربعة فإنها ثقيلة على أكثر الناس فلذلك نفروا عن الإسلام.\rولما دعا رؤساء تينك الجمعيّتين الناس إلى ترك التقليد وإلى استنباط الأحكام من القرآن والأحاديث من غير وضع حدّ معلم يميّز من جاز له الاستنباط ممن لا يجوز له ذلك لأنهم بنوا آراءهم على حرّية العقل والفكر، شرع أهلهما في الاستنباط وتسوّروا سور الاجتهاد من غير معرفة علوم القرآن والحديث بل ومن غير معرفة حقائق اللغة العربية وعلومها بل ولا قاعدة معلومة لديهم في ذلك.","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"فلذلك تباينت آراءهم، فتراهم تارة يوافقون الشيخ محمد عبده وتلامذته في منع زيارة القبور ومنع إهداء ثواب قراءة القرآن والأذكار إلى الموتى وفي إنكار الأولياء وكراماتهم وفي منع الأذانين للجمعة والسنة والقبليّة لها وغير ذلك. وتراهم تارة أخرى يخالفونهم ويوافقون ملاحدة الترك وملاحدة مصر فتراهم يمنعون الحجاب للنساء ويأمرونهن بترك ستر رؤوسهن ووجوههن بل وسائر أبدانهن ما عدا السوأتين. فترى نسائهن وفتياتهن ثيباتهن وأبكارهن لا يجدن غضاضة في أن يظهرن مفاتنهن ويكشفن عن صدورهن وظهورهن ويدهن بالمساحيق خدودهن وشفاههن ويظهرن على الشواطي بملابس البحر(1) ويبيحون لهن ان يختلطن بالرجال في المحافل والمجامع بل ويبيحون لهن أن يصافحن الرجال ويلامسنهن ويزاحمنهم في المجالس. وتراهن يلبسن لباسا لا تستر إلا ما بين صدورهن وأواسط أفخاذهن. وبالجملة أن الوازع الديني من هذه الناحية إن لم يكن انعدم تماما فهو في طريق الانعدام، وتراهم يبيحون ضرب جميع آلات الملاهي ويبيحون شرب المسكرات ويبيحون أكل الفيران. وبالجملة أنهم يكادون يسلكون مسلك الإباحة. ومع ذلك كله يدّعون أنهم على السنة وأنهم يقصدون بذلك إعادة دين الإسلام إلى ما كان عليه في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من الصفاء ويسمّون غيرهم مبتدعين.\r__________\r(1) . هذه مبالغة في ذمهم، وإلا أراها مطابقة للواقع.","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"وبعد ظهور تينك الجمعيّتين احترقت قلوب علماء المسلمين ممن بقوا على ما كان عليه متقدموهم من التقليد لأحد المذاهب الأربعة والتمسك بما أودعه الفقهاء في كتبهم فقصدوا إنقاذ مذهبهم وسيرة متقدميهم وأجمعوا على تأسيس جميّة مضادّة لتينك الجمعيّتين فأسّسوا في 16 رجب سنة 1344 من الهجرة أو 31 جانواري 1926 من الميلاد جمعيّة سمّوها «نهضة العلماء» برئاسة الشيخ محمد هاشم التبوإيرني الجمباني. وهذه الجمعيّة صرّحت في قانونها الأساسي بالتقيّد بأحد المذاهب الأربعة معتمدة في الأحكام على ما اشتملت عليه كتب المذاهب جارية على طريقة أهل السنة والجماعة.","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"ولم تزل هذه الجمعيّة سائرة على ما أسّست عليه حينئذ كان مديروها مؤسّسيها. فلما انقرضوا وخلف من بعدهم خلْف وطال عليهم الأمد ما ينيت لأجله وأٍسّست عليه وجعلوا معظم نظرهم في الأمور السياسيّة ولم يلفتوا النظر إلى أحكام الدين إلا الفينة بعد الفينة فساروا بأهلها على طريق غير طريق مؤسّسيها الأولين معللين في ذلك بأنهم ساروا على ما اقتضاه الزمان من الاهتمام بأمور السياسة والمسامحة في الأحكام الفقيّة مجاراة أو تأليفا للفرق غير الإسلامية أو للفرقة الإٍسلامية المحمديّة. فلم يفعل غيرهم شيئا إلا وهم يجارونه بمثله. فما زالت عرى المذهب تنحلّ من بينهم عروة عروة حتى صار الأمر اليوم أنه لا فرق بين أتباع النهضة وبين أتباع المحمديّة في رأي العين. وهذا الذي قلناه ليس دعوى مبنيّة على الحقد والغضب والحسد ولكنه مبنيّ على المشاهدة. ولنأت بشواهد من ذلك، منها: أن نهضة العلماء أوجبت في أول أمرها أن يضرب الحجاب بين الرجال والنساء في المجالس والمحافل والآن لا حجاب ولا ستر بينهما. ومنها: أنها نهت في أول أمرها النساء عن التبرج وإظهار مفاتنهن للرجال والآن فقد تبرجت نساءها شوابّها وعجائزها بل إذا كنا ركبن القطار أو السيارات رفعن ستور رؤوسهن. ومنها: أنها نهت في أول أمرها عن ضرب آلات الملاهي والآن فشا ضربها بين أتباعها. ومنها: أنها الآن عملت مشخصة فربما شخص أمورا دينية أو حكاية دينية هي عند كل من شح بدينه تعدّ إزراء بالملائكة أو بالصحابة أو بالأولياء والصالحين سخريّة بأمور الدين مع ما فيها من اختلاط الرجال والنساء وإبداء مفاتنهن. ولا حاجة بنا إلى التطويل بإتيان الشواهد فإن ذلك يخرجنا عن المقصود.","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"وإذا أنكر عليهم منكر فكأنما قامت عليهم القيامة ونبزوه بالجمود ومع ذلك لم ينكر عليهم علماءها بل وربما استحسنوا ما فعلوه. وإذا سئلوا عن ذلك أجابوا بأننا في وقت الدعوة والدعاية فوجب علينا المسامحة والملاينة. وكأنهم نسوا أن الملاينة عند وجود المنكر هي عين المداهنة التي جاء ذمّها في الأخبار الصحيحة.\rفصل في التفرقة بين أهل السنة وبين أهل البدعة\rاعلم أن كلمة (أهل) تطلق على العشرة وعلى الزوجة وذوي القربى وولاة الأمر وسكّان البيت ومن يدين بمذهب. وكلمة (السنة) تطلق لغة على الوجه وعلى حره ودائراته والصورة السيرة والطبيعة والطريقة المسلوكة، وشرعا حديثيا على ما نقل إلينا من أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وأحواله، وفقهيا على ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه. وكلمة (الجماعة) تطلق على ما اجتمع من الحيوانات من جنس واحد، وشرعا فقهيا سياسيّا على اجتماع من صحت بيعتهم في مبايعة إمام صحت إمامته، وفقهيا عباديا على اجتماع شخصين فأكثر في الصلاة وربط صلاتهم بعضهم ببعض. المراد بها هنا الصحابة وصلحاء التابعين والمتمسكون بما هم عليه من بعدهم.","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"وقد تقدم أن كلمة «أهل السنة والجماعة» صارت علما بالغلبة لأتباع الإمام أبي الحسن الأشعري والإمام أبي منصور الماتريديّ في العقائد. وعلى هذا فكل من خرج عن متابعتهما خرج عن هذا الاسم. والمراد بالعقائد أصولها، وهي التي قد تسمّى بأصول الدين لا مباحث علم الكلام. ثم إذا لفتنا النظر إلى ما قبل هذه الغلبة وجدنا أن كلمة «أهل السنة والجماعة» اسم لكل من كان على سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - موافقا لجماعة الصحابة اخذا بعقائدهم متمسّكا برأيهم. ووجدنا أن هذا الاسم لا يطلق إلا على من كان ذلك أغلب أحواله أو كان ذلك قد صار ملكة له إذ لا يقال إن زيدا أهل هذا العمل مثلا إلا إذا كان ذلك العمل أغلب أحواله أو صار ملكة له. ويشهد لهذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أكل طيّبا وعمل في نسة وأمن الناس بوائقه دخل الجنة». قالوا: يا رسول الله إن هذا في أمتك اليوم كثير. قال - صلى الله عليه وسلم -: «وسيكون في قوم بعدي». [رواه الحاكم]. فمعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وعمل في سنة» جعل السنة النبويّة ظرفا مستوعبا لعمله فلا يخرج دقيقة من عمله عن السنة بالابتداع قاله أبو سعيد الخادمي. قال المناوي: نكّرها أي السنة، لأن كل عمل يفتقر إلى معرفة سنة وردت فيه. اهـ.","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"وبهذا ظهر أن المعنيّ بالسنة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ...إلخ» هي اعتقادات وأفعال وتروك وأقوال غير عاديات كان عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاءه الراشدون من بعده ونقلت إلينا نقلا صحيحا. فمن تمسك بها ولازمها كان من أهل السنة والجماعة ولا يخرج المرء عن هذا الاسم إلا أن يكون أغلب أحواله المخالفة إلا في الاعتقاد فإنه ربما يخرج بالمخالفة في معتقد واحد. بل ربما يخرج بذلك عن الدين بالكلية. ولا بد في ذلك من تفصيل طويل لا يحتمله هذا الشرح وإذ قد فرغنا من الكلام على السنة وأهلها على سبيل الاختصار فلننتقل إلى الكلام على البدعة وأهلها فنقول: ليس المعنيّ في قوله - صلى الله عليه وسلم -: « وإياكم ومحدثاتُ الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» جميع تلك المعاني التي تقدم ذكرها أو بعضها غير المعنيّ بل المعنيّ بها معنى من معانيها معيّن وهو المبيّن بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» [رواه مسلمٍ]، وفي رواية له أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ». قال النووي في شرحه: قال أهل العربيّة: الرد هنا بمعنى المردود ومعناه: فهو باطل غير معتدّ به. قال النووي: وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه - صلى الله عليه وسلم - فإنه صرح في رد كل البدع والمخترعات. وفي الرواية الثانية زيادة وهي أنه قد يعاند بعض الفاعلين في بدعة سبق إليها. فإذا احتجّ عليه بالرواية الأولى يقول: أنا ما أحدثت شيئا فيحتجّ عليه بالثانية التي فيها التصريح بردّ كل المحدثات سواء أحدثها الفاعل أو سبق بإحداثها. وفي هذا الحديث دليل لمن يقول من الأصوليين: إن النهي يقتضي الفساد. ومن قال لا يقتضي الفساد يقول: هذا خبر واحد فلا يكفي في إثبات هذه القاعدة المهمّة. وهذا جواب فاسد. وهذا الحديث","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الإبطال به. اهـ.\rتعريف البدعة وأمثلتها من العوائد الاجتماعية\rفالبدعة التي هي ضلالة هي إحداث شيء ليس له عاضد ظاهر أو خفيّ ملفوظ أو مستنبط من الكتاب والسنة سواء كان ذلك الشيء اعتقادا أو قولا أو فعلا أو حالا وسواء كان ذلك زيادة أو نقصانا أو تغيير أو تحويل شيء عن وقته أو تخصيص مطلق أو إطلاق مخصوص لرجاء ثواب أو خوف عقاب. وذلك كإحداث صلاة مستقلة مخصوصة بوقت كصلاة الرغائب أو نقصان بعض الصلوات المفروضة وكاتخاذ طعام للميت عند موته أو لروح الميت في أيام مخصوصة معتادة عند الناس في هذا الزمان وغيقاد المصابيح في المقابر والجهر بالذكر أمام الجنازة والعروس ونحوها والبناء على القبر وتزيينه والبيتوتة عنده وكالجماعة في النفل الذي لم تشرع فيه الجماعة كصلاة التسبيح بالجماعة وكالتغنّي وسماع الغناء. ومنه اللحن في القرآن والأذكار والرقص والاضطراب وكالتصدّق على المسرف والسائل في المسجد واللاعب وكاتخاذ الطعام للرقص وختم القرآن وكاجتماع النساء وتوحيدهن بالجهر وخلوتهن في بيت أجنبيّ وخروجهن للتهنئة والتعزية والعياد وزيارة القبور وإجابة الدعوة إذا كانت للأجنبيّ وكقراءتهن مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - بحيث يسمع صوتهن الرجال من خارج البيت خصوصا لذوات الأزواج والشوابّ مع الزينة والطيب.","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"ذكر الشعراني في تنبيهه: أن ابن الحاجّ قال: ومن جملة ما أحدثوه من البدعة مع اعتقادهم أنه من أكبر العبادات ما يفعلونه من المولد وقد احتوى ذلك على بدع ومحرّمات، منها: استعمالهم المغاني والتغنّي وحضور المردان ورؤية النساء وغير ذلك من المفاسد. اهـ. وكذلك تخصيص يوم من أيام لزيارة قبر إنسان معيّن وقراءة القرآن والتهليل عنده يسمّونه بالحول مع ما في ذلك من المحرّمات والمكروهات كاختلاط الرجال والنساء وتبرّجهن بزينتهن والضحك والفرح واللعب في المقبرة. وكذلك قراءة الفاتحة عند عقد المجلس أو مفارقته وكذا القيام عند حكاية وصفه - صلى الله عليه وسلم - وكذا جمع الناس في يوم مخصوص لقراءة قرآن أو تهليل بقصد إهداء ثوابها للميت. ولو ذهبنا نعدّد ما أحدثه الناس باسم الدين لطال بنا الكلام. وفيما ذكرناه كفاية للتمثيل.\r\r-\rإشكال وجوابه\rوربما قال قائل: إن هذه الأمور المحدثة المذكورة من قبيل البدع الحسنة لصدورها من الصحابة والتابعين وسائر أئمة الدين، فمن أنكرها فهو ضالّ مضلّ قد ظنّ بالصحابة والتابعين وغيرهم من أئمة الدين سوءا أو ابتداعا، لأنها تندرج تحت ما هو مستحسن في الشرع ولا سيّما وقد جاء في الحديث: «إن ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن»، فتكون هذه الأمور حسنة وفاعلها مثاب حائز للخير وتاركها محروم عن الثواب الجزيل.\r(الجواب): إن هذا القول ناشئ عن الجهل بالتفرقة بين السنة والبدعة أو بين الحسنة وبين البدعة القبيحة. وذلك أنه لا يخفى على كل من له إلمام بالعلوم الشرعية أن تلك الأمور لا يوجد شيء منها في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا في زمان الصحابة والتابعين وأئمة السلف الصالحين فهم لم يعرفوا شيئا منها فكيف تنسب إليهم؟، فنسبتها إليهم محض افتراء عليهم.","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"والحديث المذكور لا ينهض دليلا على ما ادّعاه فإنه ليس بمرفوع بل هو موقوف على ابن مسعود - رضي الله عنه - كما قاله العلائي والحافظ السيوطي وهو بعض حديث موقوف رواه أحمد والبزار والطبراني ورواه أبو نعيم والطياليسي بلفظ: «إن الله نظر في قلوب العباد فاختار محمدا فبعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد فاختار له أصحابا فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيّه فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسنا، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح».\rفعلم أن اللام في المسلمين ليست لمطلق الجنس فيلزم أن كل مذهب من مذاهب فرق المسلمين حسن وذلك مخالف لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتقدم ذكره: «كلهم في النار إلا واحدة» لأنه لو كان كل مذهب حسنا لم يكن أهله في النار بل اللام في المسلمين الصحابة فقط أو لاستغراق خصائص الجنس فالمراد بالمسلمين أهل الاجتهاد الذين هم الكاملون في صلة الإسلام صرفا للمطلق إلى الكمال.\rفإذا عرفت ذلك فاعلم أنه لا يخرج عن عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» شيء مما أحدث باسم الدين بعد عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلا ما كان داخلا تحت إذن من الشارع قولا أو فعلا صريحا أو إشارة وليس مصادما لسنة ثابتة ولا يعوّل في الحكم بالدخول وعدمه إلا على من كان من أهل الاجتهاد بجيازة ما احتاج إليه الاجتهاد من العلوم ومن اجتهد وليس من أهل الاجتهاد أثم وأخطأ سبيل السداد وإن كان من الزهاد والعبّاد لأن غير المجتهد وإن كان عند العوامّ عالما في حكم العوام فلا يعتد بكلامه إلا أن يكون موافقا للأصول والكتب المعتبرة، وذلك بأن كثيرا من الناس لا يفرّقون بين الحسنة والسيئة فيظنون أن كل ما استحسنته نفوسهم ومالت إليه طباعهم يكون داخلا تحت إذن من الشارع فيكون حسنا فيعدّون السيئة من الحسنة.","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"ولننقل هنا ما يدل على أن تلك الأمور المذكورة من البدع المذمومة من كلمات العلماء الأعلام، فنقول:\rقال ابن الحجر الهيتمي في شرح الإرشاد: ويكره لأهله صنع طعام يجمعون الناس عليه قبل الدفن وبعده والذبح والعقر عند القبر مذموم للنهي عنه ويحرم صنع ذلك للنائحات.اهـ.\rوفي الروض وشرحه: ويحرم صنعه لمن ينوح لأنه إعانة على معصية ويكره لأهله أي الميت طعام أي صنع طعام يجمعون عليه الناس أخذ صاحب الأنوار الكراهة من تعبير الروضة والمجموع بأن ذلك بدعة غير مستحبّ، واستدل له في المجموع بقول جرير بن عبد الله: كنا نعدّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام بعد دفنه من النياحة. رواه الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح. وليس في رواية ابن ماجه: بعد دفنه. وهذا ظاهر في التحريم فضلا عن الكراهة والبدعة الصادقة بكل منهما.\rقال في المجموع: وأما الذبح والعقر عند القبر فمذموم لخبر: «لا عقر في الإسلام» [رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح]. قال الشهاب الرملي: لا خفاء في تحريمه أي صنع الطعام المذكور إن كان على الميت دين أو في الورثة محجور عليه أو غائب وصنع ذلك من التركة.اهـ.\rوقال البزّاري: يكره اتخاد الطعام في اليوم الأول والثالث وبعد الأسبوع ونقل الطعام إلى القبر في الموسم واتخاذ الدعوة بقراءة القرآن وجمع الصلحاء. وقال البرماوي: ومن البدع المنكرة المكروه فعلها ما يفعله الناس مما يسمّى بالكفّارة ومن الوحشة والجمع والأربعين ونحو ذلك بل كل ذلك حرام إن كان من مال محجور ولو من التركة أو من مال ميت عليه دين أو ترتب عليه ضرر أو نحو ذلك.اهـ.","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"وفي الإقناع ما نصّه: قال ابن الصبّاغ وغيره: أما إصلاح أهل الميت طعاما وجمع الناس عليه فبدعة غير مستحبة. اهـ. قال المحشي: بل هو حرام إن كان عليه دين ولو قليلا لأن التركة مرهونة به رهنا شرعيّا، وكذا إن كان في الورثة محجور عليه أو غائب ومحل الحرمة فيما ذكر لو صنعوا من التركة أما لو صنعوا من مال أنفسهم فبدعة غير محرّمة. ومثل الوحشة المذكورة ما يعمل للمقرئين من الأطعمة وغيرها كالسبع والجمع فهو حرام أيضا، وكذا الكفارة المعروفة. اهـ.\rوقال النووي رحمه الله في الأذكار: واعلم أن الصواب والمختار وما كان عليه السلف رضي الله عنهم السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك. والحكمة فيه ظاهرة وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال فهذا هو الحق ولا تغترنّ بكثرة من يخالفه فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض رضي الله تعالى عنه ما معناه: الزم طرق الهدى ولا يضرّك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين. وقد روينا في سنن البيهقي ما يقتضي ما قلته وأما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضوعه فحرام بإجماع العلماء وقد أوضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب آداب القراء والله المستعان. اهـ.\rوقال النووي في الأذكار أيضا: واختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن، فالمشهور من مذهب الشافعي وجماعه أنه لا يصل. اهـ. وقال ابن القطان: اختلف العلماء في ثواب القراءة للميت فذهب الأكثرون إلى المنع وهو المشهور من مذهبي الشافعي والمالك. اهـ. وقال السيوطي: اختلف في وصول ثواب القراءة للميت فجمهور السلف والأئمة الثلاثة على الوصول وخالف في ذلك إمامنا الشافعي - رضي الله عنه - مستدلا بقوله تعالى: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } اهـ.","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"فإن قلت: فقد قال بوصوله كثير من العلماء الشافعية كابن الرفعة والسبكيّ وغيرهما. قلنا: هؤلاء مقلّدون فإذا خالفوا إمامهم لم يجز الأخذ بقولهم لأن المقلد لا يجوز تقليده وكذلك لا يجوز الأخذ بالقول الغير المشهور في المذهب لأن ما ضعّفه المجتهد من أقواله لا يقلد فيه كما قاله ابن حجر في شرح الإرشاد على أن كثيرا من الناس يجعلون جمع الناس لقراءة القرآن والأذكار شريعة مطّردة بل يجعلون ذلك من أهمّ الواجبات بحيث لا يسمح أحد منهم تركه وإن تحمّل بسبب ذلك ديونا أثقلت ظهره بل وإن كان الذي أنفقه في ذلك من تركة الميت الذي كان ورثته أو بعضهم محجورا عليهم وذلك حرام باتفاق العلماء. وإذا اجتمع الحرام والفضيلة لو كان ذلك فضيلة غلب الحرام، وإن كان ذلك حراما كان فعله معصية، فأين الثواب فإنه لا ينال بالمعصية ؟.\rويكفي في ذلك كله أن ذلك العمل مما لم يعرفه النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه ولا تابعوهم. فالذي أنكرناه هو اتخاذ ذلك شعارا وشريعة. أما إذا قرأ أو ذكر بنفسه ودعا الله سبحانه وتعالى أن يعطي الميت مثل ثواب ذلك على أٍساس الرجاء من غير اتخاذ ذلك شعارا وشريعة فليس ذلك مما شددنا الإنكار عليه. والله وليّ التوفيق.\rوفعل النفل جماعة مع أن الجماعة لم تشرع فيه زيادة في الدين بعد إكماله فهي داخلة في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: الغناء ينبت النفاق في القلب. ورواه مرفوعا ابن أبي الدنيا وابن عدي والديلمي من حديث أبي هريرة والبيهقي من حديث جابر بلفظ: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع. وأباحه الغزالي في الإحياء بشروط عزّ في هذا الزمان وجودها وقال الشعراني في لواقح الأنوار: أخذ علينا الأخذ العامّ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا نتهاون بخروج نساءنا للحمامات والأعراس إلا لمرض أو حيض أو نفاس. اهـ.","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"قال: ويلحق بمنع النساء من الخروج للحمام خروجهن للأٍسواق والزيارات للأصحاب والأعراس التي لا انضباط فيها على القوانين الشرعية والعزومات والمتفرّجات التي يقع فيها اختلاط الرجال بالنساء. وقد كثرت خيانة هذا العهد من غالب الناس فكل موضع طلبته امرأة أحدهم أذن لها مع عدم التفتيش على الحاجة التي خرجت لها هل هي من الأمور التي ندب الشارع لها أو كرهها؟، ولا يخفى ما في ذلك من المفاسد وهو مناف لغيرة أهل الإيمان. اهـ.\rوقال الشعراني أيضا: أخذ علينا العهد العام من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا نمكن زوجتنا من خروجها للطريق متعطرة متزينة بما يميل النفوس الغويّة إليها حفظا لدينها ودين من تمر عليه من إخواننا المسلمين. اهـ.\rروى أبو داود والترمذي وغيرهما مرفوعا: «كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرّت بالمجلس فهي كذا وكذا يعني زانية». وروى ابن خزيمة وابن حبّان في صحيحيهما مرفوعا: «أيّما امرأة استعطرت فمرّت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية».\rوقال الشعراني أيضا في لواقح الأنوار: أخذ علينا العهد العامّ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا نمكّن عيالنا من الخروج مع جنازة ولا لزيارة قبور أولاد فضلا عن أولاد غيرهن. قال: وهذا العهد يقع في خيانته كثير من الناس حتى العلماء والصالحين وربّما تقول لأحدهم امرأته: إن فلانة لها على دين في ززيارتها لولدي لمّا مات ومرادي أن أكافئها وهي كاذبة ومراعاة غرض الشارع وهو عدم تمكينها من الزيارة أولى من مراعاة امرأة حكمها حكم المرتدة عن دينها بتركها الصلاة وكثرة سخطها على ربها. والله العليم الحكيم.","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"وقد روى الترمذي وقال: حديث حسن صحيح: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد - صلى الله عليه وسلم - في زيارة قبر أمّه فزوروها فإنها تذكّركم الآخرة». وفي رواية للطبراني: «ولا تكثروا زيارتها» يعني خوف عدم الاعتبار بها فإن كل شيء كثر هان، وقيل: لئلا يكتسب الإنسان موت القلب بمشاهدة الأموات، وقيل: غير ذلك. وقال الحافظ عبد العظيم رحمه الله: قد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن زيارة القبور نهيا عامّا للرجال والنساء ثم أذن للرجال في زيارتها واستمرّ النهي في حق النساء. وقيل: كانت رخصة عامّة. والله أعلم. وروى أبو داود والترمذي وحسّنه والنسائي وابن ماجه وابن حبّان في صحيحه مرفوعا: «لعن الله زوّارات القبور». وروى ابن ماجه وأبو يعلي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج فإذا نسوة جلوس، قال: «ما يجلسكن؟»، قلن: ننتظر الجنازة، قال: «هل تغسلن؟» قلن: لا، قال: «هل تحملن؟» قلن: لا، قال: «هل تدلين فيمن يدلي؟» قلن: لا، قال: «فارجعن مأزورات غير مأجورات». والله أعلم. اهـ.","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"فإذا علمت أن أهل السنة والجماعة اسم للذين لازموا ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وجماعة أصحابه من العقائد والأفعال والأحوال والتروك فلم يعتقدوا غير ما اعتقدوا ولم يفعلوا ما تركوه ولم يتركوا ما فعلوه إلا ما كان مأذونا من الشارع بإذن عامّ غير معارض ينهي خاصّ أو عامّ وكذا الذين كان أغلب أحوالهم ذلك من غير نظر إلى فرقة هم منتسبون إليها. وأما من لم يكن كذلك فإطلاق اسم أهل السنة عليه جاز. وإن المبتدع هو اسم لكل من أحدث في الدين شيئا لم يكن موجودا في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا داخلا في إذن خاصّ أو عامّ، فإن كان اعتقاديّا فقد يكفر المبتدع ببدعته وإن كانت واحدة وقد لا يكفر بها ولكنّه يفسق وإن كان عمليّا فلا يكفر بها إلا أن يكون معتقدا أنه منه وقد أجمع على نفيه منه معلوما من الدين بالضرورة. وهذا المقام يحتاج إلى كلام طويل تركناه خوفا من الملل.","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"ولنختم هذا المبحث بما قاله الشعراني في لواقح الأنوار: قال أخذ علينا العهد العامّ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا نتدين بفعل شيء من البدع المذمومة التي لا يشهد لها ظاهر كتاب ولا سنة وأن نجتنب العمل بكل رأي لم يظهر لنا وجه موافقته للكتاب والسنة إلا أن أجمع عليه ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى التبحر في معرفة الأحاديث والآثار والإحاطة بجميع أدلة المذاهب المندرسة والمستعملة حتى يكاد يعزب عن علمه من أدلتهم إلا النادر ولعله يخرج عن التقليد في أكثر الأحكام. وأما من لم يبلغ هذا المقام فيجب عليه التقليد لمذهب معيّن وإلا وقع في الضلال. وقد كان سيدي عليّ الخواص رحمه الله تعالى يعرف من طريق كشفه كل مسئلة لها دليل من كلام الشارع ويقول: لا يبلغ الرجل عندنا مقام الكمال حتى يعرف يقينا ما كان من كلام الشارع وما كان من كلام الصحابة وما كان من القياس وما كان رأيا خارجا عن موافقة ما ذكرناه. قال: ومثل هذا الرأي هو الذي يرمى به وليس لأحد أن يعمل به. قال: فكل من لم يبلغ مرتبة التبحّر في علوم الشريعة ومعرفة أدلة المذاهب فمن لازمه الوقوع في التديّن بالآراء التي لا يكاد يشهد لها كتاب ولا سنة. فتبحّر يا أخي في علوم الشريعة وأعط الجدّ من نفسك في المطالعة والحفظ لأحاديث الشريعة وكتب شرّاحها وحفظ مقالاتهم حتى تكون عارفا بجميع المذاهب لأنها بعينها هي مجموع الشريعة المطهرة وربما تدين مقلد في مذهب بقول إمامه من طريق الرأي فصحّت الأحاديث في مذهب آخر بضدّ ذلك الرأي فوقف مع مذهبه ففاته العمل بالأحاديث الصحيحة فأخطأ طريق السنة. قال: وقول بعض المقلدين: لولا أن لرأي إمامي دليلا ما قاله به جحود وقصور مع أن نفس إمامه قد تبرأ من العمل بالرأي وهى غيره عن اتباعه عليه. اهـ.","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"قال الشعراني: وكان أخي أفضل الدين يقول: محلّ العمل برأي الإمام الذي لا يعرف لقوله مستند ما إذا لم نطّلع على دليل يخالفه فهناك ينبغي لنا إحسان الظن بقوله ونقول: لولا أنه رأى لقوله دليلا ما قاله أما إذا اطلعنا على دليل فلنا تقديم العمل به على كلام المجتهد إذا كان مثلنا من أهل النظر الصحيح ويحمل ذلك الإمام على أنه لم يظفر بذلك الدليل ولو ظفر به لعمل به. اهـ. قال: وسمعت سيدي عليّا الخواصّ رحمه الله يقول: يحتاج من يريد التقيّد على العمل بالكتاب والسنة ويجتنب العمل بالرأي إلى التبحّر في علم العربية وعلم المعاني والبيان والتبحّر في لغة العرب حتى يعرف مواطن طرق الاستنباط ويعرف أقوال العرب ومجازاتها واستعاراتها ويعرف ما يقبل التأويل من الأدلة وما لا يقبله. اهـ. قال: وكل من لم يطلع على أدلة المذاهب كما ذكرنا فلا يعرف تمييز مسائل الرأي من النص وربما وقع في العقائد الزائغة وعمل بالمذاهب الباطلة إلا أن يحكم التقيّد بمذهب محرّر. اهـ. قال: وسمعت سيدي عليّا النبتيني - رضي الله عنه - يقول لفقيه: إياك يا ولدي أن تعمل برأي رأيته مخالفا لما صحّ في الأحاديث وتقول: هذا مذهب إمامي فإن الأئمة كلهم قد تبرّأوا من أقوالهم إذا خالفت صريح السنة وأنت مقلد لأحدهم بلا شكّ فمالك لا تقلدهم في هذا القول وتعمل بالدليل كما تقول بقول إمامك لاحتمال أن يكون له دليل لم تطلع عليه أنت وذلك حتى لا تعطّل العمل بواحد منهما، ثم إن المراد بالرأي المذموم حيث أطلق في كلام أهل السنة أن لا يوافق قواعد الشريعة المطهّرة وليس المراد به كل ما زاد على صريح السنة مطلقا حتى يشمل ما شهدت له قواعد الشريعة وأدلتها فإن ذلك لا يقول به عاقل ويلزم منه ردّ جميع أقوال المجتهدين التي لم تصرّح بها الشريعة ولا قائل بذلك.","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"وروى الإمام البيهقي في باب القضاء من السنن الكبرى: إن الرأي المذموم حيث أطلق فهو كل ما لا يكون مشبها بأصل، قال: وعلى ذلك يحمل كل ما ورد في ذمّ الرأي. اهـ. قال الشعراني: ومما رويناه من الأئمة المجتهدين في تبرئهم من القول بالرأي في دين الله أن ابن عباس وعطاء وتبعهما على ذلك الإمام مالك كانوا يقولون: كل أحد مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - يقول: حرام على من لا يعرف دليلي أن يفتي بكلامي. وكان إذا أفتى أحدا بفتوى يقول: هذا رأي أبي حنيفة وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب. وكان الإمام الشافعي - رضي الله عنه - يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وكان يقول: إذا رأيتم كلامي يخالف كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعملوا بكلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضربوا بكلامي عرض الحائط. وقال المزني حين قلده في مسئلة: لا تقلدني يا أبا إبراهيم في كل ما أقول، وانظر لنفسك فإنه دين. وكان يقول في المسألة إذا رأى دليلها ضعيفا: لو صح الحديث لقلنا به وكان أحبّ إلينا من القياس، وفي رواية: إذا ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمّي شيء لم يحلّ لنا تركه ولا حجة لأحد معه، وفي رواية: لا حجة لأحد مع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن كثروا لا في قياس ولا في شيء فإن الله تعالى لم يجعل لأحد معه كلاما وجعل قوله يقطع كل قول. اهـ. قال: وأما الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله فحاله معلوم في اتباع السنة حتى إنه اختفى أيام المحنة ثلاثة أيام ثم خرج فقيل له: إنهم الآن يطلبونك فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يمكث في الغار حين اختفى من الكفار أكثر من ثلاث وبلغنا أنه لم يدوّن له في الفقه كلاما قط خوفا أن يخالف رأيه كلام الشارع - صلى الله عليه وسلم - وكان يقول: أولأحد كلام مع الله ورسوله. وجميع","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"مذهبه ملفّق من صدور أصحابه. وكان يقول: لا يكاد أحد ينظر في كتب الرأي إلا وفي قلبه زغل. وكان يقول: إذا رأيتم في بلد صاحب حديث لا يدري صحيحه من سقيمه وهناك صاحب رأي فاسألوا من صاحب الحديث ولا تسألوا من صاحب الرأي. وكان يقول: لا تقلدوا في دينكم فإنه قبيح على من أعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلام. ولعله يشير به إلى العقل الذي جعله الله آلة يميّز بها بين الأمور ويستبصر بها في دينه. وكان يقول: لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الأوزعي ولا النخعي ولا غيرهم وخذوا الأحكام من حيث أخذوا. اهـ. قال: قلت: وهو محمول على من كان فيه قوة النظر وإلا فقد صرح العلماء بأن التقليد أولى لضعيف النظر. فاعلم ذلك والله أعلم.\rفصل في تفرّق المسلمين المعاصرين\rإلى المقلدة لأحد المذاهب الأربعة وإلى نابذة التقليد\rاعلم أن الناس في كل وقت منذ زمان الصحابة إلى وقتنا هذا لم يزالوا على قسمين؛ علماء وعوام. والعوام في زمان الصحابة والتابعين يستفتون في الوقائع والمسائل أيّ عالم شاءوا من غير تقيّد بواحد معيّن ولم يزل الناس كذلك إلى زمان الأئمة والمجتهدين. وكان الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وأنظارهم خلافا لا بدّ من وقوعه واتسع في الملة اتساعا عظيما لأسباب يطول ذكرها. وكان الناس حينئذ يستفتون ويقلدون من شاءوا منهم. ثم لما انتهى ذلك إلى الأئمة الأربعة وكانوا بمكان من حسن الظنّ اقتصر الناس على تقليدهم فأقيمت مذاهب هؤلاء الأئمة الأربعة أصولا للملة. ولم يدّع أحد من المسلمين بعد الأئمة الأربعة الاجتهاد إلا ابن جرير الطبريّ ولم يسلم له.","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"ولم يزل المسلمون على ذلك وكأنهم أجمعوا على عدم المجتهد المطلق بعد الأئمة الأربعة إلى أواسط المائة السادسة فظهر حينئذ علماء ببلاد المغرب كانوا لا يقلدون أحدا من أصحاب المذاهب المتبوعة، منهم أبو عمرو وأبو الخطاب ابنا دحية ومحي الدين بن عربيّ صاحب الفتوحات المكيّة والفصوص وعنقاء مغرب وغيرهم. وعلى هذه الطريقة يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب بلاد المغرب كان متمسكا بالشرع يأمر بالمعروف ويقيم الحدود حتى في أهل بيته كما يقيمها في الناس أجمعين وأمر برفض فروع الفقه وأن الفقهاء لا يفتون إلا بالكتاب العزيز والسنة النبوية ولا يقلدون أحدا وأن تكون أحكامهم بما يؤدّي إليه اجتهادهم من استنباطهم القضايا من الكتاب والحديث والإجماع والقياس. وتوفي سنة تسع أو عشر وستمائة كذا حكاه الدميري. ولم يزل أتباع هؤلاء شرذمة قليلة. وأكثر المسلمين في أقطار الدنيا على التمسّك بهؤلاء الأئمة الأربعة إلى أن ظهر ببلاد نجد في أوائل القرن الثاني عشر رجل يقال له محمد بن عبد الوهاب وفي مصر في أوائل القرن الثالث عشر الهجريّ رجل يقال له جمال الدين الأفغاني الملقّب بالمحرّك الأول. كانا يريان في زمانهما ما كان عليه المسلمون من الدين قد اختلط عندهما بخرافات وضلالات وبدع بعيدة عن السنة النبويّة تنشأ من أحداث جهلة الصوفيّة والشيعة الدجاجلة الذين يسميهم العوامّ علماء والزنادقة والملحدين الذين يريدون إذهاب الدين الإسلاميّ عن وجه الأرض بالكليّة، فأراد أن يعيدا المسلمين إلى ما كان عليه المسلمون في زمان الصحابة والتابعين من الدين الخالص من تلك الخرافات والضلالات والبدع وكانا يريان أنّ من أسباب ضعف المسلمين عن مقاومة أعداء الدين تفرقهم واختلافهم بسبب التعصّب للمذاهب والجمود على أقوال من لا تثبت عصمتهم ولا تعلم الحقيقة إصابتهم فكان مما ينبغي عندهما أن يترك المسلمون التعصّب والجمود إلى ما كان عليه المسلمون في زمان الصحابة من عدم","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"التقيّد بمذهب واحد معيّن ليكونوا أمة واحدة متحدة إذ الاتحاد كما لا يخفى من أسباب القوّة والشوكة.\rوللشيخ جمال الدين الأفغاني المذكور تلاميذ أكبرهم هو مفتي مصر في زمانه وشيخ الجامع الأزهر الشيخ محمد عبده الكائن فيما بين سنة 1229 الهجريّة وسنة 1325. كان على مذهب شيخه المذكور رأى ازدياد الخطر أحدق بعقيدة المسلمين من جرّاء زحف العلوم الغربيّة فنشط إلى إجراء تمييز ينقذ به مذهب السنة والجماعة على زعمه وشرع في إلقاء دروس في الجامع الأزهر تكون على ذلك المذهب ولا يخلو من مقاومة غيره ممن كان على طريقة أكثر العلماء حينئذ وممن كان في باطنه عدوّا للإسلام فتوقّفت دروسه بذلك.\rفعند ذلك أسّس بمساعدة تلميذه المقدّم السوريّ السيد محمد رشيد رضا طريقة لسان حالها مجلة شهريّة اسمها \"المنار\"، ولم يزل يسعى مستفرغا جهده في تحصيل مقصوده من غير استشعار بفتور عزم ولا انحلال بعيّ وكلال بمساعدة تلاميذه في أقطار بلاد المسلمين وبقيامهم بعده بتكميل ما حصل له من ذلك المقصود بنشر ذلك المذهب في سائر الأقطار حتى أصبح قويّا مقاوما لغيره وصار المسلمون في كل قطر من أقطار الأرض فرقتين؛ متمذهبة بأحد المذاهب الأربعة، وغير متمذهبة بأحدها. ولم يخطئ ذلك الأمر بلادنا الإندونيسية فإن المسلمين فيها اليوم صاروا فرقتين أيضا.\rوينبغي أن يعلم أن الفرقة غير المتمذهبة بأحد المذاهب الأربعة ليست على طريقة واحدة بل هم على طرق شتى. فمنهم من كان على طريقة الشيخ محمد عبده وتلاميذه وهي دعوة علماء الأمة إلى الاجتهاد في الأحكام وترك تقليد واحد معيّن من الأئمة الأربعة وغيرهم بل ينبغي لهم أن ينظروا في أقوالهم فما وافق منها الكتاب والسنة عندهم وافقوهم عليه وعملوا به، وما لم يوافقهما عندهم تركوا العمل به ولم يكونوا يأمرون بالعوامّ بالاجتهاد.","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"فقد رفعت إلى السيد محمد رشيد رضا مسألة ما هذا نصها: هل يجوز للعامي الذي لا يعرف نحوا ولا صرفا مطلقا أن يقرأ الكتب الدينيّة الإسلاميّة ككتب الفقه وفتاوى العلماء وغيرها لأجل أن يعمل بها وهو يلحن في القراءة أم لا ؟، تفضلوا بالجواب على صفحات مجلة المنار الأغرّ ليكون النفع عامّا ولكم الأجر والثواب. فأجاب بما نصه: قد سبق أن سئلنا هذا السؤال وأجبنا عنه وخلاصة ما يقال فيه إنه لا ينبغي للعامي أن يعتمد على فهمه قراءة كتب الفقه والعقائد بل عليه أن يتلقى ذلك عن العلماء ثم يطالع ما يسهل فهمه مع مراجعتهم فيما يشكل منه. اهـ. فإذا منع العامي عن الاعتماد على فهمه كتب الفقه والعقائد فمنعه له من الاجتهاد أولى.\rومنهم من دعا المسلمين علماءهم وعوامّهم جميعا إلى ترك تقليد أحد الأئمة الأربعة وحثهم جميعا على الاجتهاد وقبح التقليد للعوامّ حتى فشا ذلك وادّعوا أنهم متخلصون من التقليد والحال أنهم مقلدون لزعمائهم لأنهم لم يقدروا على أخذ الأحكام من أدلتها بل مما سطره زعماؤهم في الجرائد والمجلات فإذا رأوا فيها شيئا من الأحكام يخالف قول العلماء المتقدمين أفشوا ذلك بين الناس وزعموا أنهم بذلك منفكون عن التقليد.\rومنهم من دعا المسلمين إلى العمل بالقرآن والحديث وترك ما سواهما من أقوال العلماء بمعنى أن ما نص في القرآن والحديث الصحيح تحليله حللوه وأن ما نصّ فيهما تحريمه حرّموه وما لا نص فيها تحليلا وتحريما أبقوه على أصل الإباحة فقالوا: لما لم يوجد في القرآن والحديث نصّ في تحريم الفأرة، فهي حلال، ومنعوا القياس والاحتجاج بالمفهوم، فقالوا: إنما القضاء على من ترك الصلاة لنوم أو نسيان لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها». وأما من ترك الصلاة معتمدا فلا قضاء عليه ومنعوا العمل بما لم ينصّ في القرآن ولا في الحديث تصريحا وسمّوا العمل بذلك بدعة محرّمة.","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"ومنهم من كان على طريقة مصطفى كمال باشا التركيّ وعبد الرزّاق وأفندي محمود عزمي المصريّين فدعا الناس إلى نبذ الشريعة الإسلامية من الحكومة رأسا ومن الأمور الدنيويّة والاجتماعيّة.\rقال صاحب المجلة المنار: وإننا نرى ملاحدة بلدنا هذا طبقات بددا تسلك طرائق قددا؛\rالطبقة الأولى: المجاهرون بالكفر والصدّ عن الدين والطعن في عقائده وإلقاء\rالشكوك والشبهات فيها بما يكتبون في الجرائد والمجلات المختلفة. ومنهم: صاحب مجلة ومطبعة في مصر معروف. وفي حلب مجلة حديثة مثلها يظهر أن صاحبها مقلد ينقل أقوال أشهر الكتاب من ملاحدة مصر وقصائد شيخ ملاحدة العراق وأمثالها ويثني عليهم وينوّه بآرائهم ولكنه لا يتجرأ على التصريح بكل ما يصرّحون بإمضائه. ومنهم: أحد محرّري الجرائد اليوميّة المأجورين الذي كتب مقالات في تقبيح النص في الدستور المصريّ على جعل الدين الرسميّ للحكومة المصريّة الإسلام وطلب أن تكون حكومة معطّلة (لا دينية) ومقالات في سنّ قانون مدنيّ للأحوال الشخصيّة لا يتقيد فيه بشيء من الأحكام الشرعيّة الإسلاميّة.","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"الطبقة الثانية: الزنادقة الذين يظهرون الإسلام ويمتعضون إذا وصفوا بالزيغ والإلحاد وهم مع ذلك يطعنون في أصوله ويجحدون بعض ما هو مجمع عليه ومعلوم بالضرورة منه ويشككون في بعض آيات القرآن وهم لأفراد من الطبقة الأولى إخوان وأخدان وأعوان. ويسمّون الترك الكماليّين ومقلدتهم مصلحين ويدافعون عنهم بألسنتهم وأقلامهم أو أقلام أفراد الطبقة الأولى. ورأي هؤلاء في الدين أنه رابطة اجتماعيّة سياسيّة يجب أن يكفي في الاعتراف لأهلها به موافقتهم للجمهور في بعض الشعائر والمشخصات العامّة كالتجمّل والزيارات للأعياد وإن لم يصلّ صاحبها صلاة العيد واحتفال الجنائز ومآتمها وقراءة القرآن فيها وإن اشتمل ذلك على أمور مذمومة في الدين وكزيارات ليالي رمضان وطواف المسحرين فيها ولكنّ الصيام نفسه ليس ركنا من هذه الشعيرة ولا شرطا لها وكذلك الصلوات الخمس حتى الجمعة والزكاة لا تدخلون في هذا الدين الرسميّ من باب ولا طاق فإنها عندهم من الأمور الشخصيّة وتعدّ كاستباحة المسكر والقمار وغيرهما من المنكرات والفواحش مما تتناوله الحريّة الذاتية كما أن ما تقدّم من الطعن في الدين وخلفائه وأئمته مما تتناوله حريّة الأفكار ويباح الخوض فيه للألسنة والأقلام ونشره في الكتب والرسائل والمجلات والجرائد.","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"قال بعضهم ما معناه: إذا تكلمت بلسان الدين أقول: إن ما في القرآن من كذا وكذا صحيح مسلّم وإذا تكلمت بلسان العلم والعقل أقول: إنه غير صحيح وغير مسلّم، يعني أنّ هذا الذي يثبته القرآن صحيح في اعتقاد المسلمين ومسلّم عندهم بمحض التقليد ولكنه غير صحيح ولا ثابت بدليل عقليّ ولا علميّ بل ومما يبطله الدليل. ولولا أن قائل هذا زنديق ذو لسانين يسرّ الكفر بوحي الله وإن قال أحيانا: قال الله، قال رسول الله لما استباح التشكيك فيه بمثل هذا من قوله بل لكان إثبات كتاب الله تعالى للشيء أقوى برهان عنده على ثبوته في نفسه وإن لم يثبته أحد من خلقه بنظريات فكره وما وصلت إليه مباحث علمه فإن علم الله محيط بكل شيء من خلقه ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بإذنه أي بما وهبهم من أسباب كسبه من الحسّ والعقل. ومن المعلوم الذي لا مراء فيه أن كل ما ثبت عند البشر من هذين الطريقين الكسبيين لهم كان مجهولا قبل ذلك عندهم وذلك لا يقتضي عدم ثبوته في نفسه ولم يثبته الوحي الصحيح فكيف إذا أثبته؟.\rالطبقة الثالثة: الغماليج الامعون من مرضى القلوب المقلدين الذين يشايعون المؤمنين إذا كانوا معهم ويجارون الملحدين إذا وجدوا بينهم فلا يعرف لهم رأي ثابت مستقر ينصرونه ويردّون ما خالفه. وأما سيرتهم في العمل فهي ثابعة لتربيتهم في بيوتهم وحال عشرائهم من لداتهم وأترابهم ورفاقهم في المدارس وجيرانهم فتراهم يجمعون بين الكفر والإسلام. ومنهم من يصلّي الصلوات الخمس لأنه تربّى على ذلك ثم يقرّ ما هو كفر بإجماع المسلمين وينصر الملاحدة القائلين به فإسلامهم تقليديّ وإلحادهم تقليديّ والغالب على أمرهم من يكون أكثر معاشرة وارتباطا بهم ومساعدة لهم على أهوائهم ورغباتهم ومنهم منهوم المال ومفتون الجاه.\rوثمّ طبقات أخرى مدغم بعضها في بعض فيعسر الحكم بالقطع على تفاوت الأفراد فيها في العمل والفكرز انتهى ما قاله صاحب المنار.","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"فإذا تأملت ما ذكره صاحب المنار عرفت أن هؤلاء الطبقات تكون موجودة في بلادنا ولنرجع الآن إلى ما كنا بصدده من الخوض في الاجتهاد وفي الفرقتين المتمذهبة وغير المتمذهبة في وقتنا هذا وفي بلدنا هذا. أما الفرقة غير المتمذهبة فقالوا: نحن أهل السنة والجماعة وعلى ما كان عليه الصحابة والتابعون من عدم التقليد لواحد معيّن. ولنتكلم بينهما بالإنصاف فنقول: لا يخلو كل من الفرقتين من التفريط والإفراط. أما المتمذهبة فمن تفريطهم أنهم قالوا: نحن مقلدون لواحد من المذاهب الأربعة وهم مع ذلك لا يفون بشروط التقليد إذ من شروط التقليد أن لا يكون المقلد بكسر اللام مجتهدا مطلقا وأن يكون مقلده بفتح اللام مجتهدا مطلقا لأن المجتهد لا يجوز له التقليد وغير المجتهد لا يجوز تقليده.","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"ثم إنك ترى هؤلاء يقلد بعضهم بعضا يقولون مثلا: نحن على مذهب الشافعي ثم إنهم يقولون ما لم يقله الشافعي - رضي الله عنه - ويفعلون ما لا يجوز فعله على مذهب الشافعي بل وربما نسبوا إلى الشافعي ما لا يجوز فعله عنده. فإذا قيل لهم: كيف تقولون هذا ؟ أو كيف تفعلون هذا، وهو لا يجوز فعله في مذهبك؟، قالوا: وجدنا أشياخنا أو آباءنا كذلك يقولون أو كذلك يفعلون. وربما قالوا: إنا وجدنا في كتاب كذا قولا بجوازه أن ينظروا في هذا القول هل هو قول الشافعي أو غيره. فحينئذ قلنا لهم: أنتم على مذهب الشافعي أم على مذهب صاحب هذا القول؟، فقد ذكر العماد أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد العليّ السكري مدرّس منازل العزّ في كتابه الإرشاد إلى طريق الاجتهاد ما نصّه: إن رعاع الفقهاء وضعفة الطلبة يخيّل إليهم أن النظر في مسائل الشرع قد انسدّت طرقه وعميت مسائله وأن الغاية القصوى عندهم أن يسأل واحد منهم عن مسئلة فيقول: فيها وجهان أو قولان وقال الشافعي في القديم كذا وفي الجديد كذا وقال أبو حنيفة كذا أو مالك كذا ويرى أنه علم قد أبرزه وتراهم أبدا يقدحون في المجتهدين ويجادلون الطالبين ويحثّون على تحصيل الأم للشافعي أو لباب المحاملي أو غير ذلك من الكتب المبسوطة حتى إذا وقعت واقعة كشف الكتاب فإن رأى المسئلة مسطورة حكم بها وإن رأى مسئلة أخرى وزعم أنها تشابهها حكم بحكم تلك المسئلة فهم حشويّة الفروع كما أن المشبّهة حشويّة الأصول.","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"والعجب أنهم لا يقنعون بقصورهم حتى يضيفوا القصور إلى من سبق من الأئمة ويقول بعضهم: ما بقي بعد الشافعي مجتهد، ويقول: ما بقي بعد ابن سريج مجتهد. فانظروا إلى قدح هؤلاء في الأئمة المبرزين وأنهم يقدمون على ما لا يعلمون. فإن الأئمة ما زالوا في جميع الأقطار يراجعون في الفتاوى ويفتون باجتهادهم مع اختلاف أصنافهم كالمعروفين بنشر مذهب الشافعيّ كأبي إٍسحق صاحب المهذب، وأشياخه من أئمة العراق كلهم مبرزون مفتون وكذلك أئمة خراسان كإمام الحرمين وأشياخه وتلاميذه أبي حامد وإلكيا والخوفي وكذلك أتباعهم كمحمد بن يحيى ومن كان في درجته من أصحاب الغزالي وكلهم قد طبق فتاويهم وجه الأرض مع صريح من فقه الشافعي. ومن تأمل فتاويهم رأى ما ذكرناه وكذلك الأئمة المشهورين في مذهب مالك وأبي حنيفة لم يزالوا يفتون ويجتهدون في جميع الأقطار والمناكرة في ذلك مكابرة.\rثم قال صاحب المنار: واعلم أنه لا يجوز الكلام في أحكام الله تعالى بمحض الشهوة والرأي بل لا بد من طريق نصبها الشارع. وللشارع طريقان نصبهما؛ طريق في حق المجتهد، وطريق في حق العامي المقلد. وطريق المجتهد النظر في الأدلة الشرعيّة المنصوصة من قبل الشارع والتواصل بها إلى أحكام الله تعالى كما كان دأب الصحابة والتابعين. وطريق في حق العوامّ هو تقليد أرباب الاجتهاد كما كان في زمان الصحابة والتابعين. وهذان متفق علي نصبهما. ثم أطال العبارة وذكر مسائل مهمّة لا بد من معرفتها.\rومما ذرك عرفت إفراطهم أيضا فإنهم تعدّوا حدود التقليد وتسوّروا سور الاجتهاد ولكنهم إذا نسبوا إليه تمعروا وقالوا: ما لنا طاقة في الاجتهاد فإنه قد انغلقت أبوابه. وهم حتى عوامّهم مع ذلك يفتون الناس برأيهم. والله أعلم.","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"وأما الفرقة غير المتمذهبة فكذلك أيضا لا يخلون من التفريط والإفراط. فمن ذلك أنهم أنكروا التقليد رأسا وأوجبوا على كل أحد الاجتهاد حتى على العوام فتراهم يتكلمون في دين الله بما تشتهيه أنفسهم وبما يوافق أهواءهم ويحرّمون ويبيحون أمورا خالفوا فيها علماء السلف ويبدعون كل من خالفهم في ذلك ويطلقون الألسنة بذمّ أئمة السلف وعلماء الأمة في زمانهم وهم مع ذلك عاكفون على المنكرات ويرتعون في الشهوات لا يحجزهم عن ذلك حاجز من دين الله تعالى. والحق عندي أن يعرف كل من الفرقتين حدّه ولا يتعدى طوره. فمن اعترف بأنه مقلد فليلزم حدود التقليد ومن عرف من نفسه أنه يقدر على الاجتهاد فليجتهد ولكن لا يحمل غيره على تقليده ولا يطلق اللسان بذمّ من خالفه في الاجتهاد فإن كل مجتهد مصيب كما كان عليه الأئمة المجتهدون. وأما جواز الاجتهاد بعد الأئمة الأربعة فقد اختلف فيه العلماء المتقدمون فمنهم من جوّزه ومنهم من منعه كما بيّن ذلك في أصول الفقه. اهـ كلام الشيخ أبي الفضل بن عبد الشكور السنوري رحمه الله ونفعنا به في كتابيه الكواكب اللماعة والدرّ الفريد شرح جوهرة التوحيد.\rوقال شيخه الشيخ محمد هاشم أشعري في إحدى رسائله في بيان ابتداء ظهور البدع وانتشارها في أرض جاوى وبيان أنواع المبتدعين الموجودين في هذا الزمان وتفصيل الحكم عليهم: قد كان مسلمو الأقطار الجاوية في الأزمان السالفة الخالية متفقي الآراء والمذهب متحدي المأخذ والمشرب فكلهم في الفقه علىى المذهب النفيس مذهب الإمام محمد بن إدريس وفي أصول الدين على مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري وفي التصوّف على مذهب الإمام الغزالي والإمام أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنهم أجمعين.","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"ثم إنه حدث في عام ألف وثلاثمائة وثلاثين أحزاب متنوعة وآراء متدافعة وأقوال متضاربة ورجال متجاذبة فمنهم سلفيّون قائمون على ما عليه أسلافهم من التمذهب بالمذهب المعيّن والتمسّك بالكتب المعتبرة المتداولة ومحبّة أهل البيت والأولياء والصالحين والتبرّك بهم أحياء وأمواتا وزيارة القبور وتلقين الميت والصدقة عند واعتقاد الشفاعة ونفع الدعاء والتوسّل وغير ذلك.\rومنهم فرقة يتبعون رأي محمد عبده ورشيد رضا ويأخذون من بدعة محمد بن عبد الوهاب النجدي واحمد بن تيمية وتلميذيه ابن القيّم وابن عبد الهادي فحرّموا ما أجمع المسلمون على ندبه وهو السفر لزيارة قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخالفوهم فيما ذكر وغيره.\rقال ابن تيمية في فتاويه: وإذا سافر لاعتقاده أنها أي زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - طاعة كان ذلك محرّما بإجماع المسلمين فصار التحريم من الأمر المقطوع به. قال العلامة الشيخ محمد بخيت الحنفي المطيعي في رسالته المسمّاة تطهير الفؤاد من دنس الاعتقاد: وهذا الفريق قد ابتلي المسلمون بكثير منهم سلفا وخلفا فكانوا وصمة وثلمة في المسلمين وعضوا فاسدا يجب قطعه حتى لا يعدي الباقي فهو المجذوم يجب الفرار منه فإنهم فريق يلعبون بدينهم يذمّون العلماء سلفا وخلفا ويقولون: إنهم غير معصومين فلا ينبغي تقليدهم لا فرق في ذلك بين الأحياء والأموات ويطعنون عليهم ويلقون الشبهات ويذرونها في عيون بصائر الضعفاء لتعمى أبصارهم عن عيوب هؤلاء يقصدون بذلك إلقاء العداوة والبغضاء فيخلو لهم الجوّ ويسعون في الأرض فسادا يقولون على الله الكذب وهم يعلمون يزعمون أنهم قائمون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حاضّون الناس على اتباع الشرع واجتناب البدع والله يشهد إنهم لكاذبون، قلت: ولعل وجهه أنهم من أهل البدع والأهواء.","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"قال القاضي عياض في الشفا: وكان معظم فسادهم على الدين، وقد يدخل في أمور الدنيا بما يلقون بين المسلمين من العداوة الدينية التي تسري لدنياهم.\rقال العلامة ملا علي القاري في شرحه: وقد حرّم الله تعالى الخمر والميسر لهذه\rالعلة كما قال تعالى: { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر } .\rومنهم رافضون يسبّون سيدنا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ويكرهون الصحابة رضي الله عنهم ويبالغون هوى سيدنا عليّ وأهل بيته رضوان الله عليهم أجمعين.\rقال السيد محمد في شرح القاموس: وبعضهم يرتقي إلى الكفر والزندقة أعاذنا الله والمسلمين منها.\rقال القاضي عياض في الشفا: عن عبد الله بن مغفل - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا من بعدي فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه». وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسبّوا أصحابي فمن سبّهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا». وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسبّوا أصحابي فإنه يجيء قوم في آخر الزمان يسبّون أصحابي فلا تصلّوا عليهم ولا تصلّوا معهم ولا تناكحوهم ولا تجالسوهم وإن مرضوا فلا تعودوهم». وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «من سبّ أصحابي فاضربوه». وقد أعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن سبّهم وأذاهم يؤذيه، وأذى النبي - صلى الله عليه وسلم - حرام. فقال: «لا تؤذوني في أصحابي ومن آذاهم فقد آذاني»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تؤذوني في عائشة» وقال في فاطمة رضي الله عنها: «بضعة منّي يوذيني ما آذاها».","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"ومنهم إباحيّون يقولون: إن العبد إذا بلغ غاية المحبّة وصفا قلبه من الغفلة واختار الإيمان على الكفر والكفران سقط عنه الأمر والنهي ولا يدخله الله النار بارتكاب الكبائر. وبعضهم يقولون: إنه تسقط عنه العبادات الظاهرة وتكون عبادته التفكّر وتحسين الأخلاق الباطنة. قال السيد محمد في شرح الإحياء: وهذا كفر وزندقة وضلالة ولكن الإباحيون موجودون من قديم الزمان جهّال ضلاّل ليس لهم رأس يعلم العلم الشرعيّ كما ينبغي.\rومنهم من قال بتناسخ الأرواح وانتقالها أبد الآباد في الأشخاص تخرج من بدن الآخر من جنسه أو غيره وزعم هؤلاء أن تعذيبها وتنعيمها فيها بحسب زكائها وخبثها. قال الشهاب الخفاجي في شرحه على الشفا: وقد كفّرهم أهل الشرع لما فيه من تكذيب الله ورسوله وكتبه.\rومنهم من قال بالحلول والاتحاد وهم جهلة المتصوّفة يقولون: إنه تعالى الوجود المطلق وإن غيره لا يتصف بالوجود أصلا حتى إذا قالوا الإنسان موجود فمعناه أن له تعلقا بالوجود المطلق وهو الله تعالى. قال العلامة الأمير في حاشية عبد السلام: وهو كفر صريح ولا حلول ولا اتحاد فإن وقع من أكابر الأولياء ما يوهم ذلك أوّل بما يناسبه كما يقع منهم في وحدة الوجود كقول بعضهم: ما في الجبة إلا الله، أراد أن ما في الجبة بل والكون كله لا وجود له إلا بالله. وقال في لواقح الأنوار: من كمال العرفان شهود عبد ورب وكل عارف نفي شهود العبد في وقت مّا فليس بعارف وإنما هو في ذلك الوقت صاحب حال وصاحب الحال سكران لا تحقيق عنده فظهر مما ذكر أن المراد بوحدة الوجود والاتحاد في مذهب القوم ليس على الظاهر المتوهّم وإذا كانت عبدة الأوثان يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ولم يقولوا: هم الله كيف يظن ذلك بالعارفين وإنما المراد قول العارف:\rوعلمك أن كل الأمر أمري - هو المعني المسمّى باتحاد\rولا بد عند كل مسلم من حظ في هذا المقام وإن تفاوتوا.","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"وإنما أطلت الكلام على هذه الطائفة لأن ضررهم على المسلمين أكثر من ضرر جميع الكفرة والمبتدعين فإن كثيرا من الناس يعظّمونهم ويسمعون كلامهم مع جهلهم بأساليب الكلام العربي وقد روى الأصمعي عن الخليل عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: أكثر من تزندق بالعراق لجهلهم بالعربيّة وهم باعتقادهم الحلول والاتحاد كفرة.\rقال القاضي عياض في الشفا: إن كل مقالة صرّحت بنفي الربوبية أو الوحدانية أو عبادة غير الله أو مع الله فهي كفر كمقالة الدهريّة والنصارى والمجوس والذين أشركوا بعبادة الأوثان أو الملائكة أو الشياطين أو الشمس أو النجوم أو النار أو أحد غير الله وكذلك أصحاب الحلول والتناسخ وكذلك من اعترف بإلهيّة الله ووحدانيته ولكنه اعتقد أنه غير حيّ أو غير قديم أو أنه محدث أو مصوّر أو ادعى له ولدا أو صاحبة أو أنه متولد من شيء أو كائن عنه أو أن معه في الأزل شيئا قديما غيره أو أن ثمّ صانعا للعالم سواه أو مدبرا غيره فذلك كله كفر بإجماع المسلمين وكذلك من ادعى مجالسة الله تعالى والعروج إليه ومكالمته أو حلوله في أحد الأشخاص كقول بعض المتصوفة والباطنية والنصارى وكذلك نقطع على كفر من قال بقدم العالم أو بقائه أو قال بتناسخ الأرواح وانتقالها أبد الآباد في الأشخاص وتعذيبها وتنعيمها بحسب زكائها وخبثها وكذلك من اعترف بالإلهية والوحدانية ولكنه جحد النبوّة من أصلها عموما أو نبوة نبينا خصوصا أو أحدا من الأنبياء الذين نص الله عليهم بعد علمه بذلك فهو كافر بلا ريب وكذلك من قال إن نبينا ليس الذي كان بمكة والحجاز وكذلك من ادعى نبوة أحد مع نبينا - صلى الله عليه وسلم - أو بعده أو من ادعى النبوة لنفسه وكذلك من ادعى من غلاة المتصوّفة أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوة. قال في الأنوار: ويقطع بتكفير كل قائل قولا يتوصّل به إلى تضليل الأمة وتكفير الصحابة وكل فاعل فعلا لا يصدر إلا من كافر كالسجود للصليب أو النار أو المشي إلى الكنائس","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"مع أهلها بزيّهم من الزنانير وغيرها وكذا من أنكر مكة والكعبة أو المسجد الحرام إن كان ممن يظن به علم ذلك وممن خالط المسلمين.\rفصل في بيان خطّة السلف الصالح وبيان المراد بالسواد الأعظم\rوبيان أهمّيّة الاعتماد بأحد المذاهب الأربعة\rإذا فهمت ما ذكر، علمت أن الحق مع السلفيين الذين كانوا على خطة السلف الصالح فإنهم السواد الأعظم وهم الموافقون علماء الحرمين الشريفين وعلماء الأزهر الشريف الذين هم قدوة رهط أهل الحق وفيهم علماء لا يمكن استقصاء جميعهم مع انتشارهم في الأقطار والآفاق كما لا يمكن إحصاء نجوم السماء. وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة ويد الله مع الجماعة من شذّ شذّ إلى النار» [رواه الترمذي]، زاد ابن ماجه: «وإذا وقع الاختلاف فعليك بالسواد الأعظم مع الحق وأهله»، وفي الجامع الصغير: «إن الله قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة».\rوأكثرهم أهل المذاهب الأربعة فكان الإمام البخاري شافعيا أخذ عن الحميدي والزعفراني والكرابيسي وكذلك ابن خزيمة والنسائيي وكان الإمام الجنيد ثوريّا والشبلي مالكيّا والمحاسبي شافعيّا والجويري حنفيّا والجيلاني حنبليّا والشاذلي مالكيّا. فالتقيّد بمذهب معيّن أجمع للحقيقة وأقرب للتبصّر وأدعى للتحقيق وأسهل تناولا وعلى هذا درج الأسلاف الصالحون والشيوخ الماضون رضوان الله عليهم أجمعين.","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"فنحن نحضّ إخواننا عوامّ المسلمين أن يتقوا الله حق تقاته وأن لا يموتوا إلا وهم مسلمون وأن يصلحوا ذات البين منهم وأن يصلوا الأرحام وأن يحسنوا إلى الجيران والأقارب والإخوان وأن يعرفوا حق الأكابر وأن يرحموا الضعفاء والأصاغر وننهاهم عن التدابر والتباغض والتقاطع والتحاسد والافتراق والتلوّن في الدين ونحثهم أن يكونوا إخوانا وعلى الخير أعوانا وأن يعتصموا بحبل الله جميعا وأن لا يتفرقوا وأن يتبعوا الكتاب والسنة وما كان عليه علماء الأمة كالإمام أبي حنيفة ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهم أجمعين. فهم الذين قد انعقد الإجماع على امتناع الخروج عن مذاهبهم وأن يعرضوا عما أحدث من الجمعيّة المخالفة لما كان عليه الأسلاف الصالحون. فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من شذ شذ إلى النار» وأن يكونوا مع الجماعة التي على طريقة الأسلاف الصالحين. فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن؛ السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة، فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإٍسلام عن عنقه»، وقال عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه -: عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجاعة.\r-\rفصل في بيان وجوب التقليد لمن ليس أهلية الاجتهاد","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"يجب عند جمهور العلماء المحققين على كل من ليس له أهلية الاجتهاد المطلق وإن كان قد حصل بعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد تقليد قول المجتهدين والأخذ بفتواهم ليخرج عن عهدة التكليف بتقليد أيّهم شاء لقوله تعالى: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } فأوجب السؤال على من لم يعلم وذلك تقليد لعالم وهو عام لكل المخاطبين ويجب أن يكون عاما في السؤال عن كل ما لا يعلم للإجماع على أن العامة لم تزل في زمان الصحابة والتابعين قبل حدوث المخالفين يستفتون المجتهدين ويتبعونهم في الأحكام الشرعيّة والعلماء فإنهم يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير فكان إجماعا على اتباع العامي للمجتهد ولأن فهم العامي من الكتاب والسنة ساقط عن حيز الاعتبار إن لم يوافق أفهام علماء أهل الحق الأكابر الأخيار فإن كل مبتدع وضال يفهم أحكامه الباطلة من الكتاب والسنة ويأخذ منهما والحال أنه لا يغني من الحق شيئا. ولا يجب على العامي التزام مذهب في كل حادثة ولو التزم مذهبا معينا كمذهب الشافعي رحمه الله تعالى لا يجب عليه الاستمرار بل يجوز له الانتقال إلى مذهب غيره والعامي الذي لم يكن له نوع نظر واستدلال ولم يقرأ كتابا في فروع المذهب إذا قال: أنا شافعيّ لم يعتبر هذا كذلك بمجرد القول وقيل: إذا التزم العامي مذهبا معينا يلزمه الاستمرار عليه لأنه اعتقد أن المذهب الذي انتسب إليه هو الحق فعليه الوفاء بموجب اعتقاده. وللمقلد تقليد غير إمامه في حادثة فله أن يقلد إماما في صلاة الظهر مثلا ويقلد إماما آخر في صلاة العصر والتقليد بعد العمل جائز. ولو صلّى شافعيّ ظن صحة صلاته على مذهبه ثم تبين بطلانها في مذهبه وصحتها على مذهب غيره فله تقليده ويكتفي بتلك الصلاة. انتهى كلام الشيخ محمد هاشم أشعري رحمه الله تعالى في رسالته عن أهل السنة والجماعة وعن أشراط الساعة وهي من تآليفه القديممة قبل تأسيسه","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"لجمعيّة نهضة العلماء.\rقال العلامة الفقيه المفتي بديار الشام المحميّة الشيخ عبد القادر بن أحمد الدومي الدمشقي (1265-1346هـ) المعروف بابن بدران في كتابه [العقود الياقوتية في جيد الأسئلة الكويتيّة]:\rأما قول الفاضل (السائل: عبد الله بن خلف بن دحيان الحنبلي): ما يقول حضرة الأستاذ في تقسيم العلامة السفاريني أهل السنة إلى ثلاث فرق، هل يلتئم مع قوله في النظم أن المحقّة واحدة؟.\rفأقول: لا يتضح الجواب إيضاحا تامّا إلا بنظمه في ثلاثة عقود:\rالعقد الأول ... : في الكلام على الحديث الذي هو منشأ هذا التقسيم ومصدره.\rالعقد الثاني ... : في إيضاح ما يشير إليه العلامة السفاريني في كتابه «لوامع الأنوار البهيّة وسواطع الآثار الأثرية».\rالعقد الثالث ... : في بيان الفرقة الناجيّة، على القول الحق من غير تعصب ولا مماراة.\rالعقد الأول\rفي حديث افتراق الأمة\rاعلم أن العلماء قد اختلفوا في صحة الحديث المخبر بأن هذه الأمة ستفترق إلى ما يزيد عن السبعين فرقةً اختلافا عظيما حتى بالغ ابن حزم، فقال في كتابه «الفصل في الملل والأهواء والنحل» أثناء الكلام فيمن يكفر ولا يكفر، ما لفظه: «ذكروا حديثا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة، وحديثا آخر: تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة كلها في النار حاشا واحدة فهي في الجنة. (قال أبو محمد): هذان حديثان لا يصحان أصلا من طريق الإسناد، وما كان هكذا فليس حجة عند من يقول بخبر الواحد، فكيف من لا يقول به؟» انتهى.\rفأبوا محمد بن حزم نفى صحته من جهة الإسناد، ولم ينفه من جهة المعنى، إذ معناه ثابت على قوله. ثم إننا لا نقلد ابن حزم بهذه الدعوى، ولكننا نرويه بسنده، ثم نبين ما له وما عليه، ثم نرى رأينا فيه.","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"فنقول: قال الإمام أحمد في المسند: حدثنا أبو المغيرة(1)، قال حدثنا صفوان(2)، قال حدثني أزهر بن عبد الله الهوزني، (قال أبو المغيرة في موضع آخر: الحرازي(3)) عن أبي عامر عبد الله ابن لحي(4)، قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان فلما قدمنا مكة قام حين صلى صلاة الظهر، فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أهل الكتابيين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملةً يعني الأهواء، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارَى بهم تلك الأهواء كما يتجارَى الكلَب بصاحبه لا يبقى منه عِرق ولا مفصل إلا دخله» والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم - صلى الله عليه وسلم - لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به(5).\r__________\r(1) . أبو المغيرة هو عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي (...-212هـ) روى عن سعيد بن عبد العزيز وعفير بن معبد وغيرهما. روى عنه البخاري وعيسى بن عيسى وغيرهما. قال الدارقطني والعجلي وابن حبان: ثقة. (تهذيب التهذيب؛ 6/369).\r(2) . صفوان هو ابن عمرو السكسكي الحمصي (...-100هـ) روى عن عبد الله بن بسر الصحابي وجبير بن نفير وراشد بن سعد وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك وإسماعيل بن عياش. ذكره ابن حبان في الثقات. (تهذيب التهذيب: 4/428).\r(3) . أزهر بن عبد الله بن جميع الحرازي الحمصي (...-108هـ) روى عن النعمان بن بشير وغيره، قال البخاري: نسبوه مرة «المرادي» ومرة «الهوزني» ومرة «الحرازي» وهو واحد. روى له أبو داود والترمذي والنسائي. قال ابن حجر: صدوق.\r(4) . عبد الله بن لحيّ أبو عامر الهوزني الحميري الحمصي، من كبار التابعين. روى عن عمر وأبي عبيدة ومعاذ وغيرهم، روى عنه ابنه عامر، وراشد بن سعد وأزهر. وثّقه العجلي وابن حبان. (تهذيب التهذيب: 5/373).\r(5) . مسند أحمد: 4/102، ط: الميمنية.","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"وخرجه أبو داود في سننه(1) فقال: حدثنا وهب بن بقية عن خالد(2) عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، [تفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة] وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ». حدثنا أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى قالا: حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان (ح) وحدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا بقية، قال: حدثني صفوان نحوه قال: حدثني أزهر بن عبد الله الخرازي عن أبي عامر الهوزني عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام فقال: ألا إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام فينا فقال: « ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة » زاد ابن يحيى وعمرو في حديثهما: « وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجارَى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه (وقال عمرو: الكلب بصاحبه) لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله ».\r__________\r(1) . سنن أبي داود: 4/ 276، ط: محيي الدين.\r(2) . خالد هو ابن عبد الله بن حرملة المدلجي. روى عن الحارث بن خفاف وغيره. روى عنه محمد بن يحيى الأسلمي ومحمد بن عمرو بن علقمة. ذكره ابن حبان في الثقات، وقال البخاري أحاديثه مرسلة. (تهذيب التهذيب؛ 3/99).","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"فأما حديث الإمام أ؛مد ففيه أبو المغيرة واسمه عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي، روى عنه البخاري ووثّقه الدارقطني. وصفوان هو ابن عمرو السكسكي أبو عمرو الحمصي، وقال عمرو بن علي(1): هو ثبت ووثقه أبو حاتم. وأزهر بن عبد الله هو ابن جميع الخرازي الحميري، قال في تهذيب الكمال: كان من النواصب ولكنه صدوق اللهجة. وعبد الله بن لحي (بضم أوله وفتح المهملة) الحميري الهوزني (بفتح الهاء والزاي بينهما واو ساكنة) أبو عامر الحمصي وثقه العجلي وروى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. فهذا إسناد حديث الإمام أحمد وليس فيه رجل متفق على الطعن فيه أو على تركه.\r__________\r(1) . هو الإمام الفلاس من أئمة الجرح والتعديل والمتكلمين في علل الحديث.","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"وأما حديث أبي داود ففيه وهب بن بقية بن عثمان الواسطي روى له مسلم وأبو داود والنسائي ووثقه أبو زرعة وابن معين والخطيب البغدادي. وخالد هو ابن عبد الله بن حرملة المدلجي الحجازي، روى له مسلم ووثقه ابن حبان ومحمد بن عمرو(1) هو ابن أبي سلمة. وأبو سلمة الذي روى عنه هو والده وفي حديثه نظر كما ذكر صحب التهذيب وتبعه في التذهيب. ولما كان في سياق أبي داود لإسناد هذا الحديث نظر من جهة محمد بن عمرو قواه حيث رواه من طريق الإمام أحمد ومحمد بن يحيى. وعمرو بن عثمان هو ابن سعيد بن كثير الأموي مولاهم أبو حفص الحمصي وثقه أبو حاتم وخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه. وبقية هو ابن الوليد الكلاعي الحمصي أحد الأعلام، قال النسائي: إذا قال: حدثنا وأخبرنا فهو ثقة، وقال ابن عدي: إذا حدث عن أهل الشام فهو ثبت، وإذا روى عن غيرهم خلط. وقال الجوزجاني: إذا حدث عن الثقات فلا بأس به. وله في مسلم حديث واحد متابعة. قال أبو مسهر الغساني: (بقية) ليست أحاديثه نقيّة، فكن منها على تقيّة، قاله في التهذيب. وقد أوردت له في تهذيبي لتاريخ الحافظ ابن عساكر ترجمة مطولة(2).\r__________\r(1) . في الأصل «عمر» والصواب «عمرو» كما سبق. (تقريب التهذيب؛ 2/ 74 وغيره).\r(2) . تهذيب تاريخ ابن عساكر، للمؤلف (ابن بدران): 3/273.","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"وأنت إذا تأملت ما كتبناه علمت أن أمثل أسانيد هذا الحديث طريق الإمام أحمد في مسنده وهو وإن لم يرتق إلى درجة الصحيح فإنه حسن، وهذا هو مقصود أبي محمد بن حزم في كلامه المنقول عنه سابقا. وقال الحافظ عبد الرزاق الرسعني(1) الحنبلي في كتابه «مختصر الفرق بين الفرق»: حديث افتراق الأمة له أسانيد كثيرة وطرق متعددة، وقد رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عدة من الصحابة كأنس بن مالك وأبي هريرة وأبي الدرداء وجابر وأبي سعيد الخدري وأبيّ بن كعب وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي أمامة ووائلة بن الأسقع وغيرهم، وكلهم متفقون على رواية الحديث. ولفظ حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « ليأتين على أمتي ما أتى بني إسرائيل، تفرق بنو إسرائيل على ثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، تزيد عليهم ملة، كلهن في النار إلا ملة واحدة» قالوا: يا رسول الله، من الملة الواحدة؟، قال: « ما أنا عليه وأصحابي». وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذم القدرية وأنهم مجوس الأمة وذم المرجئة وذم المارقين وهم الخوارج (انتهى) وبهذا تبينت درجة هذا الحديث على وجه مختصر.\r__________\r(1) .الرسعني عبد الرزاق بن رزق الله بن أبي بكر (589-661هـ) منسوب إلى «رأس عين الخابور» ومولده بها وهي من أعمال الجزيرة بسورية. فقيه حنبلي متكلم، له تفسيران «رمور الكنوز» و «مطالع أنوار التنزيل» وله «مختصر الفرق بين الفرق» وشرح علي الخرقي، توفي بسنجار (ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب، وشذرات الذهب، كما في معجم المؤلفين: 5/217) وقد وقعت نسبته محرفة إلى «الرستغني» في الأصل مرارا، وكذلك جاء محرفا في «المدخل» للمؤلف صـ:208 وغيرها.","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"وأما معناه فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن كثيرا من أمته تتلاعب بهم البدع والأهواء فتفرقهم على بضع وسبعين فرقة، ولم يقصد النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك العدد الحصرَ، بل قصد به كثرة البدع التي تجعل أصحابها إلى ملل شتى وفِرق متعددة، وبين أن تلك الأهواء تخالط بشاشة قلوبهم حتى يعسر قلعها منها فيرجع الداء عضالا لا دواء له، وأنها تتجارى بالأقوام التي ارتكبوها كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله. والكلب (بفتح الكاف واللام) داء يعرض للإنسان من عض الكلب الكلب (بكسر اللام) فيصيبه شبه الجنون فلا يعض أحدا غلا كلب، ويعرض له أعراض رديئة ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشا، قاله ابن الأثير في «النهاية».","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"فالأهواء متى حلت بصاحبها أخذته عن الحق وجعلت الباطل ساريا في لحمه ودمه فإذا خالطه أحد حصلت له العدوى منه كما تحصل من عض الكلب الكلِب لمن عضه. ومن ثم قال الحسن، فيما رواه عنه محمد بن وضاح(1): « لا تجالس صاحب بدعة، فإنه يمرض قلبك ». وأخرج ابن وضاح عن عروة عن أبيه مرفوعا: « من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام » وقال يحيى بن أبي كثير(2): إذا لقيت صاحب بدعة في طريق فخذ في طريق آخر. وقال أبو قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون. وقال إبراهيم(3): لا تجالسوا أصحاب البدع ولا تكلموهم فإني أخاف أن ترتدأ قلوبكم. روى ذلك كله ابن وضاح(4) وكلام العلماء في ذلك مستفيض مشهور، وكله مأخوذ من قوله - صلى الله عليه وسلم -: « وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم الأهواء ..» الحديث.\r__________\r(1) . ابن وضاح هو محمد بن وضاح بن بزيع (199-287هـ) أصله من قرطبة، روى عن يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان وغيرهما، ورحل إلى المشرق مرتين، ونشر السنة بالأندلس وأكثر أعلامها ثلامذته، له كتاب « البدع والنهي عنها » حققه ونشره العلامة الشيخ محمد أحمد دهمان عام 1349هـ طبع مطبعة الاعتدال بدمشق.\r(2) . يحيى بن أبي كثير الطائي اليماني (...-129هـ) روى عن أنس سلمة بن عبد الرحمن وإسحاق بن عبد الله، روى عنه ابنه عبد الله ويحيى بن سعيد الأنصاري والأوزاعي، ذكره ابن حبان في الثقات (تهذيب: 11/ 268).\r(3) . إبراهيم هو النخعي إبراهيم بن يزيد أبو عمران (46-96هـ) من فقهاء التابعين وفقيه العراق، مات مختفيا من الحجاج (الأعلام للزركلي؛ 1/ 76).\r(4) . في «البدع والنهي عنها» صـ:47-48.","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"فالأهواء من أعظم الضرر على صاحبها، والسلامة إنما هي في اتباع ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - والتمسك بما جاء به وتبعه عليه أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، وهم الجماعة الذين بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن اتباعهم هو سبيل الهدى والرشد. وورد في بعض ألفاظ الحديث المتقدم من رواية ابن جرير الطبري في تفسيره عن أنس - رضي الله عنه - فقيل: يا رسول الله، وما هذه الواحدة؟، قال فقبض يده، وقال: « الجماعة، { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } »(1) فالجماعة هي المعتصمة بحبل الله المنضمة إليه. وفي رواية محمد بن وضاح(2) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قالوا: يا رسول الله، وأي ملة تنفلت من النار؟، قال: « ما أنا عليه وأصحابي ».\rفالذي كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه هو ما جاء به القرآن العظيم وصح من حديثه - صلى الله عليه وسلم -. وما سوى ذلك فهو من الأهواء التي حذر عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - والمتبعون لذلك هم المسمّون بالجماعة.\r__________\r(1) . سورة آل عمران: 103.\r(2) . البدع والنهي عنها؛ صـ: 49.","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا والمخالف كثيرا، لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم، ولا نظر لكثرة أهل الباطل بعدهم، ولذلك قال معاذ - رضي الله عنه - لما سأله عمرو بن ميمون عن الجماعة: يا عمرو، قد كنت أظنك من أفقه هذه القرية، تدري ما الجماعة؟، قلت: لا، قال: إن جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك. وفي رواية: فقال ابن مسعود، وضرب على فخذي: ويحك إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله تعالى. قال نعيم بن حماد: يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد. وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ أخرجه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب المدخل له، ويشهد لهذا رواية ابن جرير السابق حيث أردف النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: «الجماعة» بقوله تعالى: { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } وحبل الله تعالى هو كتابه المبين. ورواية ابن وضاح(1) بقوله - صلى الله عليه وسلم - « ما أنا عليه وأصحابي» فقيده باليوم، ولم يكن حينئذ يعرف التأويل الذي فشا بعد عصره - صلى الله عليه وسلم - ، ولا كانت تلك العقائد التي أحدثتها الفرق التي نبغت(2) من عبده مقلدة الأهواء التي جاء الدين الإسلامي بمحوها وإبطالها. إذا تقرر هذا فسيوضحه ما بعده.\rالعقد الثاني\rفي إيضاح ما أشار إليه السفاريني في عقيدته وشرحها(3)\rفنقول: قال رحمه الله تعالى في منظومته التي سماها « الدرة المضيّة »:\r__________\r(1) . البدع والنهي عنها؛ صـ:85.\r(2) . في الأصل «نبعت» واللفظ المستعمل في ظهور الفرق هو «نبغت».\r(3) . لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضيّة في عقد الفرقة المرضية للسفاريني 1/74 طبع دار الأصفهاني بجدة 1380 هـ.","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"( اعلم هديت أنه جاء الخبر\r( بأنّ ذي الأمة سوف تفترق\r( ما كان في نهج النبي المصطفى\r( وليس هذا النص جزما يعتبر\r\rعن النبي المقتفى خير البشر )\rبضعا وسبعين اعتقادا والمحق )\rوصحبه من غير زيغ وجفا )\rفي فرقة إلا على أهل الأثر )\r\rفصرح بأن هذه الأمة سوف تفترق إلى بضع وسبعين فرقة وأن المحق من هذه الفرق كلها إنما هو فرقة واحدة وهي أهل الأثر الذين كانوا في نهج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام، يثبتون النصوص بالتنزيه من غير تشبيه ولا تعطيل، وأنهم يمرون جميع ما جاء من الآيات، أو صح من الأخبار، على ظاهره ويكلون علم حقيقته إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يردّون ظاهر الآيات والأحاديث الصحيحة لأجل أنها لا تلائم العقول، وهذا تصريح منه رحمه الله بأن الفرقة الناجية واحدة ليس إلا.\rثم قال في شرحه للبيت الثالث من الأبيات التي ذكرناها: « قال بعض العلماء: هم، يعني الفرقة الناجية، أهل الحديث يعني الأثرية والأشعرية والماتريدية، قلت: ولفظ الحديث، يعني قوله: «إلا فرقة واحدة» ينافي التعدد(1) ثم أكد ذلك بقوله « وليس هذا النص...» إلى آخره ثم شرحه بما محصله: وليس هذا النص المذكور من جهة الجزم واليقين ينطبق على فرقة من الفرق إلا على فرقة أهل الأثر. وما عداهم من سائر الفرق قد حكّموا العقول، وخالفوا المنقول عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فأنَّى يصدق عليهم الخبر أو ينطبق عليهم الأثر ؟!\r__________\r(1) . لوامع الأنوار: 1/ 76 بالنص، أما بعده ففيه تصرف يسير.","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"وقد كرر هذا المعنى في كتابه وأشار إلى مقصده تارة تصريحا، ومرة تلويحا، بأن المحق إنما هو فرقة واحدة وهي الأثرية وأن ما عداها داخل تحت بقية الفرق. ومنه يعلم أنه لا تنافي بين شرحه ونظمه، وأن مدّعي انقسام الفرقة الناجية إلى ثلاثة ليس مما يقول به ولا يرتضيه ولا يحوم حوله كما علمت ذلك من قوله أن لفظ الحديث ينافي التعدد. هذا ما يظهر من كرام الفاضل السفاريني وبذلك اتضح جواب سؤال السائل.\rالعقد الثالث\rفي بيان الفرقة الناجية على القول الحق من غير تعصب ولا مماراة\rأقول: هذا المسلك سهل المأخذ صعب المرام لم يوفّق إليه إلا المعتصم بالله المؤيد بالتوفيق الرباني، يلوح نوره للقلوب ثم تستره ظلمات الشكوك والأوهام الكثيفة، ويظهر لقوم ثم يحجبه عنهم غطاء التقليد فيزجّهم في بحر لا يقدر على التخلص منه إلا الماهرون الموفقون. وإني سالك في هذا البيان مسلكا أرجو أن يكون مقبولا لدى المنصفين.\rوذلك أننا نعلم يقينا أن هذا العالَم موجود، وأن وجوده لا لذاته، غذ لو كان وجوده لذاته لورد عليه التخصيص في الزمان والمكان، يقال: هذا الشيء لِمَ وجد في وقت كذا ولم يوجد في وقت كذا؟ وهنا لا يخلو إما أن يقال إنه في الوقت الماضي لم يتكامل نموّه فلما مرت عليه الأدوار التي تكامل بها نموّه خصصت وجوده، قلنا: لقد أقررتم بأن له مخصصا خصصه وذلك يبطل القول بوجوده لذاته. ثم إننا ننقل الكلام إلى ذلك المخصص فنقول: هل كان وجوده لذاته أم وجد بنفسه؟، ويقال فيه مثل ما قيل في الأول.\rوهناك إما أن ترتقي سلسلة البحث إلى غير النهاية، وهو برهان التسلسل. وإما أن يجعل وجود الآخر علة لوجود الأول أو العكس، وهو برهان الدور. وكل من البرهانين الدوري والتسلسلي باطل عند العقلاء.","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"وإما أن يقال: إن هذه الأشياء إنما وجدت بطبيعتها، والطبيعة إنما هي جعل الشيء مستعدا للظهور بعد الخفاء وللوجود بعد العدم، فيقال: لو سلمنا ذلك لكم لنقلنا الكلام إلى الطبيعة فقلنا: هل وجدت هي بذاتها؟، أم لها موجد أوجدها؟، فإن قيل بالثاني نقلنا الكلام إلى الطبيعة الموجدة للطبيعة فيلزم حينئذ إما الدور وإما التسلسل، وكلاهما باطلان. وإن قيل بالأول، قلنا سلمنا أنها أوجدت ذاتها ثم كانت علة لوجود الأشياء ولكن نسألكم ما حقيقة تلك الطبيعة؟، وما هي أوصافها؟، وحينئذ إما أن يقولوا هي محدودة ولها حقيقة أو يقولوا ليس لها حد، فإن قالوا بالأول طلبناهم بحدّها وهنالك لا يمكنهم حدّها إلا بأن يأتوا بالجنس المشترك فيه المحدود وغيره ثم بالفصل المميز للمحدود عن غيره أو بعرضيات مشتركة تختص جملتها بحقيقة واحدة. وأيّا ما كان فالمحدود يشترك مع غيره إما في الجنس وإما في إفراد العرضيات ويكون نوعا لجنسه وجميع أنواع الجنس متساوية فيه، فما الذي يخصص الطبيعة حينئذ بأنها هي أوجدت ذاتها بذاتها دون بقية الأنواع المشاركة لها في جنسها.\rوإن قالوا: إن الطبيعة لا حدّ لها، قلنا لهم: لا يخلو الأمر حينئذ من أن تكون معدومة موهومة أو موجودة، فإن كان الأول ارتفع الجدال لأن المعدوم لا يكون علة للموجود وكذلك الموهوم، وإن كان الثاني قلنا الموجود لا يخلو إما أن يكون له حد وحقيقة يعرف بهما وإما أن لا يعرف إلا بصفاته(1). فإن قلتم بالحد فقد مر الكلام فيه، وإن قلتم إنها موجودة ولا تعرف إلا بصفاتها وإن من صفاتها –ضرورة- القدم والبقاء ومخالفة الحوادث والقدرة والإرادة إلى غير ذلك من الصفات اللائقة بالوحدة، قلنا لهم: قد قاربتم فأقررتم بوجود موجود هو علة لسائر الأشياء وسبب لوجودها لكنكم سميتموه الطبيعة ونحن سميناه ربا رحمانا رحيما فرجوعكم إلى الحق أحق ما يُتبع.\r__________\r(1) . في الأصل: « لصفاته ».","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"ولما كان من المعلوم بالبراهين القطعية أنه لا يمكن لعاقل أن يجحد وجود رب الأرباب وأن معرفته مركوزة في الفطرة، وأن المدعين الشركة له تعالى لا ينكرون وجوده، وأنه تعالى لا يمكن بحد ولا أن يرسم برسم كما علم مما سبق لزمنا بعد تقديم هذه المقدمة الوجيزة أن ننقل الكلام على صفاته تعالى:\rإن صفاته تعالى لا تخلو من أنها إما أن تعلم بطريق العقل أو بطريق النقل الصادق، فإن قلنا بالأول، وقفنا موقف الحائر لأننا نرى العقلاء قد اضطربوا اضطرابا شديدا في إثبات الصفات له تعالى، فبعضهم ادعى الجسمية، وبعضهم ادعى الاثنينية، وآخرون ادعوا التثليث، وقوم ادعوا الحلول. وكل هذا من أوصاف المخلوق ولا يليق بواحد منها أن يكون من أوصاف الخالق، ألا يُرى أن الأثنينية أو التثليث يقتضي كل منهما المشاركة في الفعل، ويقتضي أن يقال: هل وجدا أو وجدوا(1) معا أو كان وجود واحد منهم(2) سابقا على الآخر؟، فإن كان الأول لزم العجز عليهما أو عليهم لأنهما إما أن يتفقا فيلزم كل واحد أن يستعين بالآخر، وإما أن لا يتفقا فيلزم التنازع بينهما أو غلبة الواحد للآخر، وكل ذلك لا يليق بالألوهية أن تتصف به. وكذلك القول في الكلام والسمع والبصر، فإن العقل ربما ينكر اتصاف الخالق بهذه الصفات كما جرى للمعطّلة، وأما أن يثبتها على وفق ما هي للمخلوقين كما حصل للمجسّمة، وإما أن يتردد بين النفي والاثبات فيبقى حائرا لا يدري إلى أي طريق يذهب.\r__________\r(1) . في الأصل «أوجدوا» وصوبته «أو وجدوا».\r(2) . في الأصل «منها» فصوبته «منهم» بالرغم من أنه يعود إلى الآلهة المدعى وجودها، لأنه عبر عن ذلك قبل بضمير العاقل فناسب الالتزام به.","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"وإن قلنا بالثاني، كان هو المطلوب. ومن ثم ذهب جمهور المتكلمين إلى أن تسميته تعالى بالأسماء توقيفية بمعنى أنه يتوقف إطلاقها على الإذن فيه، ومن خالف في ذلك لم يخالف في أسماء الأعلام الموضوعة في اللغات ولكنه نازع في الأسماء المأخوذة من الصفات والأفعال، على أن الذين قالوا بجواز الإطلاق من غير توقيف اشترطوا أن لا يحصل منه نوع إيهام بما لا يصح في حقه تعالى، وأن يكون الوصف مشعرا بالتعظيم. ومن ثم منعوا اتصافه تعالى بالعارف، وعللوا ذلك بأن المعرفة قد يراد بها علم تسبقه غفلة، واتصافه تعالى بالعقل، لأن العقل علم مانع عن الإقدام على ما لا ينبغي، مأخوذ من العقال، وإنما يتصور هذا المعنى فيمن يدعوه الداعي إلى ما لا ينبغي، واتصافه تعالى بالفطن، لأن الفطنة سرعة إدراك ما يراد تعريضه على السامع، فتكون مسبوقة بالجهل، إلى غير ذلك مما لسنا بصدد بيانه.\rفقد ثبت بما قررناه آنفا أن ثبات(1) الصانع عز وجل إنما هو أمر مركوز في الفطرة كما أشار إليه الخليل عليه السلام بقوله (لا أحب الآفلين) (2) وذلك لأن تلك الكواكب من جملة المركب من الجواهر، وجميع العالم الجوهري المتحيز بالذات حادث، وكل حادث فلا بد له من محدث كما تشهد به بداهة العقل، فإن من رأى بناء رفيعا حادثا جزم بأن له بانيا ثم إن ذلك الباني لا بد(3) أن يكون غير مشابه للمبني من جميع الوجوه كما يشهد العقل بذلك، لأن صانع السيف لو كان حديدا لما أمكنه صنع السيف، وكذلك الباري تعالى لو كان مشابها لأحد من خلقه لما كان قادرا على إنشاء ذلك المشابه.\rفمن ثم كان كل ما سوى الله تعالى حادثا وكان من الواجب أن يكون تعالى مخالفا لجميع الحوادث.\r__________\r(1) . الأولى هنا استعمال «ثبوت» لأن «ثبات» غلب استعمالها في ضد الحركة.\r(2) . سورة الأنعام: 77.\r(3) . في الأصل «لا بد وأن» والواو لا محل لها.","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"ثم إن ذلك المنشئ للحوادث لا بد أن يتصف بأوصاف منها ما يرجع إلى ذاته، ومنها ما يرجع إلى صفاته. فما كان راجعا منها إلى صفاته كان معلوما من صنعه وأفعاله، ككونه خالقا رازقا محييا مميتا قاهرا بارئا مصورا إلى آخر صفاته العليا، وما كان راجعا إلى ذاته فلا بد له من الإذن منه تعالى في إطلاقه عليه وإلا كيف يمكن إطلاق وصف ذاتيّ على شيء لم تعلم حقيقته. وحيث أنه تعالى أطلق على ذاته أوصافا في كتابه العزيز من كونه متكلما سميعا بصيرا مستويا على العرش وجب علينا الإيمان بهذه الصفات وإمرارها كما جاءت معتقدين أنها لا تشبه صفات المحدثين، لأن حقيقته تعالى لما كانت غير ممكن إدراك معناها كان من اللازم اللازب(1) أن تكون صفات تلك الحقيقة غير معلومة لنا.\rفالاعتقاد المنجي(2) حينئذ أن يقال: أثبت تعالى لذاته صفة الكلام والسمع والبصر والاستواء، فنحن نؤمن بذلك ونكل حقيقته إليه سبحانه وتعالى وعلى هذا كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وتلك هي الفرقة التي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بنجاتها وسلك صراطها الأئمة المقتدى بهم من الفقهاء والمحدثين، وعلى ذلك الصراط السويّ سار الإمام الأشعري الذي يزعم المؤولة أنهم على مذهبه وعلى طريقته، كما نص على ذلك في كتابه المسمى بالإبانة، ونقل فصلا منها الشيخ عبد الباقي المواهبي في «العين والأثر».\r__________\r(1) . اللازب: الثابت، يقال: صار ضربة لازب، أي لازما ثابتا (القاموس).\r(2) . في الأصل «في الاعتقاد» والصواب المثبت.","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"وكثير من العلماء المحققين يضطرون أخيرا للرجوع إلى هذا المذهب، وممن صرح من الأشعرية بأن مذهب الإمام الأشعري هو مذهب السلف الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي في شرحه لعقيدته المشهورة فإنه قال عقب الكلام على كلامه تعالى: «وكنه هذه الصفات،أي صفة الكلام وسائر صفات الله جل وعز، محجوب عن العقل كالذات العلية فليس لأحد أن يخوض في الكنه بعدما يجب لذاته سبحانه ولصفاته. وما يوجد في الكتب من التمثيل بالكلام النفسيّ إنما هو للرد على المعتزلة حيث قالوا: إن الكلام لا يوجد من غير حرف ولا صوت فقال أهل السنة: إنا نجد لنا كلاما نفسيا بلا حرف ولا صوت، وفيه من كلام الفصحاء:\rإن الكلام لفي الفؤاد وإنما - جعل اللسان على الفؤاد دليلا(1)\rوما قصدوا إلا التمثيل من حيث الحرفُ والصوت فقط، أما الحقيقة فجلت صفات الله أن يماثلها شيء من صفات خلقه، فإن كلامنا النفسي فيه حروف متعاقبة تنعدم وتحدث ويوجد فيه تقديم وتأخير وترتيب وغير ذلك. فاعرف هذا فقد زلت هنا أقدام، لم تؤيد بنور من الملك العلام» انتهى كلامه. فقد نادى رحمه الله إلى الحق وأعلن بالصواب ولوّح أن ما في الكتب: منه ما يكون على سبيل إقناع الخصم والجري معه في ميدان الجدل، ومنه ما يكون إثباتا للحق، فالجامدون لا يفرقون بين القضيتين.\r__________\r(1) . هذا البيت للأخطل، كما في شرح شذور الذهب لابن هشام صـ:27 وليس البيت في ديوانه، كما أشار إلى ذلك الأستاذ عبد السلام هارون في تحقيقه للبيان والتبيين للجاحظ: 1/218 وقبله عند الجاحظ بيت آخر هو: « لا يعجبنّك من خطيب قوله - حتى يكون مع البيان أصيلا »","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"ومن هنا أخذ بعض المدّعين لاتباع الإمام الأشعري فأخذوا من كلامه ما ناقض به المعتزلة وأشباههم وجعلوه مذهبا له وعقيدة انتحلوها، ولو رآهم الإمام الأشعري لصرّح بالبراءة منهم وضحك من جهلهم وسوء فهمهم. وقد أوضحت هذا أيضا في الأجوبة القازانية هناك بما يكفي ويشفي، وإني ممثل لذلك أمثلة يتضح بها المراد ويعلم أن التسليم لا بد منه فأقول:\rأخبر تعالى عن نفسه بأنه متكلم وهناك لنا في فهم هذه الصفة ثلاثة مسالك:\rالأول: أن نطلق هذه الصفة على ظاهرها فإذا فعلنا ذلك لزمنا أن نثبت له تعالى مخارج ولسانا وشفة وغير ذلك من آلة الصوت، وهذا يؤدي إلى التجسيم. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.\rالثاني: أن نقول بالكلام النفسي وإذا قلنا بذلك نكون قد فررنا من ظل جدار مائل للسقوط إلى تحت سقف يريد الانتقاض، لأن الكلام النفسي عرض أيضا يحتاج إلى محل يقوم به ويحتاج إلى رويّة وفكر وتأمل، وفيه تعاقب حروف قطعا، وفي هذا اللفظ أيضا إطلاق النفس على ذاته تعالى فيحتاج تأويلهم إلى تأويلات ربما تتسلسل أو تدول فلم يبق لنا إلا اتباع.\rالمسلك الثالث: وهو التسليم على وفق ما أشير إليه سابقا.\rوكذلك تفسير الاستواء بالاستيلاء فإن هذا التأويل يحتاج إلى تأويل أيضا، لأن «استولى» معناه كما في الصحاح وغيره بلوغ الغاية، ومنه قول الذبياني:\r.............................. - سبق الجوادِ إذا استولى على الأمد(1)\r__________\r(1) . ديوان النابغة الذبياني؛ صـ:33، طبع صادر وصدره: (إلا لمثلك أو من أنت سابقه).","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"واستيلاؤه على الأمد أن يغلب عليه بسبقه إليه. ومن هذا يقال: استولى فلان على مالي أي غلبني عليه، ويقال: استبق الفارسان على فرسيهما إذا كانت غاية تسابقا إليها فاستولى أحدهما على الغاية إذا سبق الآخر، هذا كلام أهل اللغة في تفسير هذه الحرف وحينئذ نقول لمن فسر الاستواء بالاستيلاء: من كان مسابقا له تعالى إلى العرش حتى سبقه تعالى واستولى على عرشه دون ذلك المسابق؟، ثم أخذ يفتخر بقوله { الرحمن على العرش استوى } وأين كان محل ذلك المسابق؟، ويقال: من كان مالكا للعرش قبل الله تعالى حتى غلبه عليه تعالى وأخذه منه؟ن وإذا أذعنتم للحق فبأي شيء تؤولون «استولى» حتى تتخلصوا مما وقعتم به؟ن وما أخا لكم تؤولونه بتأويل إلا وقعتم في أدهى مما وقعتم به. فالصواب عندي أن ترجعوا إلى ما قاله الإمام مالك: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة».\rوكذلك تأويل اليد بالقدرة فإن القدرة لفظ مشترك يصح إطلاقها على الخالق والمخلوق فلا بد من فصل يميز بين القدرتين، وحينئذ فإما أن يلتزم المؤوّل الإتيان بالفصل على فرض كونه مميزا حقيقيا، وإما أن يرجع القهقري فيقول: صفة تليق بذاته تعالى، فنقول له: قل ذلك من أول الأمر واسترح مما جلبته على نفسك من العناء الذي ما أفادك شيئا. وما أجمل قول المظفر بن معرف الطبيب حيث يقول في أشباه هذه المباحث:\rوقالوا الطبيعة مبدا الكيان\rأقادرة طبعت نفسها\r\rفياليت شعري ما هي الطبيعه؟\rعلى ذاك أم ليس بالمستطيعه\r\rوقال أيضا:\rوقالوا الطبيعة معلومنا\rولم يعرفوا الآن ما قبلها\r\rونحن نبين ما حدّها\rفكيف يريدون ما بعدها","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"فعلم مما تقدم أن الفرقة الناجية هي فرقة واحدة وهي ما كان على نهج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام والتابعين لهم بإحسان، من إمرار آيات الصفات وأحاديثها على ما جاءت من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تأويل ولا تعطيل. وأن الإمام الأشعري وأبا منصور الماتريدي كانا على هذا المذهب وأن ما روي عنهما من خلافه فإنه كان في مقام الرد على أهل البدع. وقد قدمنا سابقا أن الإلزام غير الاعتقاد. وإلى هذا أشار الإمام أبو محمد بن حزم في كتابه «الفصل» حيث قال «وأهل السنة هم أهل الحق، ومن عداهم فأهل البدعة، فإنهم أهل الصحابة رضي الله عنهم وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين رحمة الله عليهم، ثم أصحاب الحديث ومن اتبعهم من الفقهاء جيلا فجيلا إلى يومنا هذا ومن اقتدى بهم من العوام(1) في شرق الأرض ومغربها رحمة الله عليهم». انتهى.\rهذا وقد أجملنا القول في هذا المقام حيث قصدنا جواب ما سأله ذلك السائل الفاضل، وأما استقصاؤه فله كتب مطوّلة ومختصرة ومفصّلة ومجملة ولعل فيما كتبناه مقنعا وبيانا للحق. والله الهادي للصراط المستقيم.\rوأخيرا ننقل لكم عبارات رائعة ومسائل بديعة من كلام المحدث العلامة الشيخ الإمام أحمد المعروف بشاه وليّ الله بن عبد الرحيم الدهلوي - رضي الله عنه - ونفعنا به في كتابه الجليل الجامع لأسرار الشريعة المسمّى بحجة الله البالغة وهي:\rوليست السنة اسما في الحقيقة لمذهب خاص من الكلام ولكن المسائل التي اختلف فيها أهل القبلة وصاروا لأجلها فرقا متفرقاة وأحزابا متحزبة بعد انقيادهم لضروريات الدين على قسمين:\r__________\r(1) . في الأصل «القوام» والمراد هنا أتباع الفقهاء وهم عامة الناس، والتصويب من الفصل 2/113، ط: المثنى.","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"قسم نطقت به الآيات وصحت به السنة وجرى عليه السلف من الصحابة والتابعين فلما ظهر إعجاب كل ذي رأي برأيه وتشعّبت بهم السبل اختار قوم ظاهر الكتاب والسنة وعضّوا بنواجذهم على عقائد السلف ولم يبالوا بموافقتها للأصول العقليّة ولا مخالفتها لها فإن تكلموا بمعقول فلإلزام الخصوم والردّ عليهم أو لزيادة الطمأنينة لا لاستفادة العقائد منها وهم أهل السنة. وذهب قوم إلى التأويل والصرف عن الظاهر حيث خالفت الأصول العقلية بزعمهم فتكلموا بالمعقول لتحقق الأمر وتبينه على ما هو عليه، فمن هذا القسم سؤال القبر ووزن الأعمال والمرور على الصراط والرؤية وكرمات الأولياء فهذا كله ظهر به الكتاب والسنة وجرى عليه السلف ولكن ضاق نطاق المعقول عنها بزعم قوم فأنكروها أو أوّلوها. وقال قوم منهم: آمنّا بذلك وإن لم ندر حقيقته ولم يشهد له المعقول عندنا ونحن نقول آمنّا بذلك كله على بينة من ربنا وشهد له المعقول عندنا.","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"وقسم لم ينطق به الكتاب ولم تستفض به السنة ولم يتكلم فيه الصحابة فهو مطويّ على غره فجاء ناس من أهل العلم فتكلموا فيه واختلفوا وكان خضوهم فيه إما استنباطا من الدلائل النقليّة كفضل الأنبياء على الملائكة وفضل عائشة على فاطمة رضي الله عنهما، وإما لتوقف الأصول الموافقة للسنة عليه وتعلقها به بزعمهم كمسائل الأمور العامبة وشيء من مباحث الجواهر والأعراض، فإن القول بحدوث العالم يتوقّف على إبطال الهيولي وإثبات الجزء الذي لا يتجزأ. والقول بخلق الله تعالى العالم بلا واسطة يتوقّف على إبطال القضيّة القائلة بأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد. والقول بالمعجزات يتوقّف على إنكار اللزوم العقليّ بين الأسباب ومسبّباتها. والقول بالمعاد الجسمانيّ يتوقّف على إمكان إعادة المعدوم إلى غير ذلك مما شحنوا به كتبهم. وإما تفصلا وتفسيرا لما تلقوه من الكتاب والسنة فاختلفوا في التفصيل والتفسير بعد الاتفاق على الأصل كما تفقوا على إثبات صفتي السمع والبصر ثم اختلفوا، فقال قوم: هما صفتان راجعتان إلى العلم بالمسموعات والمبصرات. وقال آخرون: هما صفتان على حدتهما. وكما اتفقوا على أن الله تعالى حيّ عليم مريد قدير متكلم ثم اختلفوا، فقال قوم: إنما المقصود إثبات غايات هذه المعاني من الآثار والأفعال وأن لا فرق بين هذه السبع وبين الرحمة والغضب والجود في هذا وأن الفرق لم تثبته السنة. وقال قوم: هي أمور موجودة قائمة بذات الواجب. واتفقوا على إثبات الاستواء على العرش والوجه والضحك على الجملة ثم اختلفوا فقال قوم: إنما المراد معان مناسبة فالاستواء هو الاستيلاء والوجه الذات. وطواها قوم على غرها وقالوا: لا ندري ماذا أريد بهذه الكلمات ولست استصحّ ترفّع إحدى الفرقتين على صاحبتها بأنها على السنة كيف وإن إريد قحّ (أي خالص) السنة فهو ترك الخوض في هذه المسائل رأسا كما لم يخض فيها السلف. اهـ. (حجة الله البالغة؛ جـ:1/ صـ:9-10).","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"خطّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطا ثم قال: «هذا سبيل الله» ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، وقال: «هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه فقرأ: { وأن هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله } ». (أقول): الفرقة الناجية هم الآخذون في العقيدة والعمل جميعا بما ظهر من الكتاب والسنة وجرى عليه جمهور الصحابة والتابعين وإن اختلفوا فيما بينهم فيما لم يشتهر فيه نصّ ولا ظهر من الصحابة اتفاق عليه استدلالا منهم ببعض ما هنالك أو تفسيرا لمجمله، وغير الناجية كل فرقة انتحلت عقيدة خلاف عقيدة السلف أو عملا دون أعمالهم. قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تجتمع هذه الأمة على الضلالة»، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة ما يجدّد لها دينها» وتفسيره في حديث آخر: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين».\rاعلم أن الناس لما اختلفوا في الدين وأفسدوا في الأرض قرع ذلك باب جود الحق فبعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأراد بذلك إقامة الملة العوجاء ثم لما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - صارت تلك العناية بعينها متوجّهة إلى حفظ علمه ورشده فيما بينهم فأورثت فيهم إلهامات وتقريبات ففي حظيرة القدس داعية لإقامة الهداية فيهم ما لم تقم الساعة فوجب لذلك أن يكون فيهم لا محالة أمة قائمة بأمر الله وأن لا يجتمعوا على الضلالة بأسرهم وأن يحفظ القرآن فيهم وأوجب اختلاف استعدادهم أن يلحق بما عندهم مع ذلك شيء مع التغيّر فانتظرت العناية لناس مستعدّين قضى لهم بالتنويه فأورثت في قلوبهم الرغبة في العلم ونفي تحريف الغالين وهو إشارة إلى التهاون وترك المأمور به بتأويل ضعيف. اهـ. (حجة الله البالغة؛ جـ:1/صـ:170)","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"قوله - صلى الله عليه وسلم -: «العلم ثلاثة؛ آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة وما كان سوى ذلك فهو فضل». (أقول): هذا ضبط وتحديد لما يجب عليهم بالكفاية فيجب معرفة القرآن لفظا ومعرفة محكمه بالبحث عن شرح غريبه وأسباب نزوله وتوجيه معضله وناسخه ومنسوخه. أما المتشابه فحكمه التوقّف أو الارجاع إلى المحكم. والسنة القائمة ما ثبت في العبادات والارتفاقات من الشرائع والسنن مما يشتمل عليه علم الفقه والقائمة ما لم ينسخ ولم يهجر ولم يشذّ راويه وجرى عليه جمهور الصحابة والتابعين أعلاها ما اتفق فقهاء المدنية والكوفة عليه وآيته أن يتفق على ذلك المذاهب الأربعة ثم ما كان فيه قولان لجمهور الصحابة أو ثلاثة، كل ذلك قد عمل به طائفة من أهل العلم وآية ذلك أن تظهر في مثل الموطأ وجامع عبد الرزاق رواياتهم، وما سوى ذلك فإنما هو استنباط بعض الفقهاء دون بعض تفسيرا وتخريجا واستدلالا واستنباطا وليس من القائمة. والفريضة العادلة الأنصباء للورثة، ويلحق به أبواب القضاء مما سبيله قطع المنازعة بين المسلمين بالعدل فهذه الثلاثة يحرم خلوّ البلد عن غالبها لتوقف الدين عليه وما سوى ذلك من باب الفضل والزيادة. اهـ (حجة الله البالغة؛ جـ:1/صـ:171-172). وقال أيضا:\rفصل","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"ومما يناسب هذا المقام التنبيه على مسائل ضلت في بواديها الأفهام وزلت الأقدام وطغت الأقلام منها أن هذه المذاهب الأربعة المدوّنة المحرّرة قد اجتمعت الأمة أو من يعتد به منها على جواز تقليدها إلى يومنا هذا وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى لا سيّما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم جدا وأشربت النفوس الهوى وأعجب كل ذي رأي برأيه فما ذهب إليه ابن حزم حيث قال: التقليد حرم ولا يحل لأحد أن يأخذ قول أحد غير رسول الله بلا برهان لقوله تعالى: { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء } وقوله تعالى: { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا } وقال مادحا لمن لم يقلد: { فبشّر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب } وقال تعالى: { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } فلم يبح الله تعالى الرد عند التنازع إلى أحد دون القرآن والسنة وحرّم بذلك الردّ عند التنازع إلى قول قائل لأنه غير القرآن والسنة وقد صح إجماع الصحابة كلهم أولهم عن آخرهم وإجماع التابعين أوّلهم عن آخرهم وإجماع تابعي التابعين أولهم عن آخرهم على الامتناع والمنع من أن يقصد منهم أحد إلى قول إنسان منهم أو ممن قبلهم فيأخذه كله. فليعلم من أخذ بجميع أقوال أبي حنيفة أو جميع أقوال مالك أو جميع أقوال الشافعي أو جميع أقوال أحمد رضي الله عنهم ولم يترك قول من اتبع منهم أو من غيرهم إلى قول غيره ولم يعتمد على ما جاء في القرآن والسنة غير صارف ذلك إلى قول إنسان بعينه أنه قد خالف إجماع الأمة كلها أولها عن آخرها بيقين لا إشكال فيه وأنه لا يجد لنفسه سلفا ولا إنسانا في جميع الأعصار المحمودة الثلاثة فقد اتبع غير سبيل المؤمنين نعوذ بالله من هذه المنزلة، وأيضا فإن هؤلاء الفقهاء كلهم قد نهوا عن تقليدهم وتقليد غيرهم فقد","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"خالفهم من قلدهم. وأيضا فما الذي جعل رجلا من هؤلاء أو من غيرهم أولى أن يقلد من عمر بن الخطاب أو عليّ بن أبي طالب أو ابن مسعود أو ابن عمر أو ابن عباس أو عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم، فلو ساغ التقليد لكان كل واحد من هؤلاء أحق بأن يتبع من غيره. اهـ.\rإنما يتم فيمن له ضرب من الاجتهاد ولو في مسألة واحدة وفيمن ظهر عليه ظهورا بيّنا أن النبي أمر بكذا ونهى عن كذا وأنه ليس بمنسوخ إما بأن يتتبع الأحاديث وأقوال المخالف والموافق في المسألة فلا يجد لها نسخا أو بأن يرى جمّا غفيرا من المتبحرين في العلم يذهبون إليه ويرى المخالف له لا يحتج إلا بقياس أو استنباط أو نحو ذلك فحينئذ لا سبب لمخالفة حديث النبي إلا نفاق خفيّ أو حمق جليّ وهذا هو الذي أشار إليه الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام حيث قال: ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعا وهو مع ذلك يقلده فيه ويترك من شهد الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبهم جمودا على تقليد إمامه بل يتخيل لدفع ظاهر الكتاب والسنة ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالا عن مقلده، وقال: لم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقيّد بمذهب ولا إنكار على أحد من السائلين إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصّبوها من المقلدين فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلدا له فيما قال كأنه نبي أرسل؛ وهذا نأي عن الحق وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولي الألباب، وقال الإمام أبو شامه؛ ينبغي لمن اشتغل بالفقه أن لا يقتصر على مذهب إمامه ويعتقد في كل مسألة صحّة ما كان أقرب إلى دلالة الكتاب والسنة والمحكمة وذلك سهل عليه إذا كان أتقن معظم العلوم المتقدمة وليجتنب التعصّب والنظر في طرائق الخلاف المتأخرة فإنه مضيعة للزمان ولصفوة مكدّرة فقد صح عن الشافعي أنه نهى عن تقليده وتقليد غيره. قال صاحبه المزني في أول مختصره: اختصرت","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله لأقرّ به على من أراد مع إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه أي مع إعلامي من\rأراد علم الشافعي نهي الشافعي عن تقليده وتقليد غيره. اهـ.\rوفيمن يكون عاميا ويقلد رجلا من الفقهاء بعينه يرى أنه يمتنع من مثله الخطأ وأن ما قاله هو الصواب ألبتة وأضمر في قلبه أن لا يترك تقليده وإن ظهر الدليل على خلافه وذلك ما رواه الترمذي عن عدي بن حاتم أنه قال: سمعته – يعني رسول الله – يقرأ { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } قال: إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلّوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرّموه. وفيمن لا يجوّز أن يستفتي الحنفي مثلا فقيها شافعيا أو بالعكس ولا يجوز أن يقتدي الحنفي بإمام شافعي مثلا فإن هذا قد خالف إجماع القرون الأولى وناقض الصحابة والتابعين. اهـ (حجة الله البالغة؛ جـ:1/ صـ:154-155) للشيخ المحدث الإمام أحمد بن عبد الرحيم المعروف بشاه وليّ الله الدهلوي - رضي الله عنه - وعن سائر أئمة أهل السنة الجماعة في كل زمان ومكان وجعلنا متمسكين بمبادئهم وطريقتهم السويّة اعتقادا وعملا وأخلاقا وأحوالا آمين يا رب العالمين بجاه إمامهم وقدوتهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجميعن سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.\rكتب ونقل هذه النصوص المختارة في قضيّة حقيقة الملقبين بأهل السنة والجماعة\rنفع الله بهذه النقول كما نفع بأصولها\rالفقير إلى عفو ربه\r« محمد نجيح بن ميمون »\rوفرغ من نقلها يوم الجمعة آخر شهر الله المحرم عام 1423 هـ\rبالمعهد الديني الأنوار سارانج جاوى الوسطى\rفهرس\rمقدمة ... 1\rتاريخ نشأة فرقة أهل السنة والجماعة ... 2\rحشويّة الحنابلة المشبّهين ... 4\rالطائفة الوهّابيّة الخبيثة ... 6\rالحركات الإسلاميّة الجديدة ... 7\rطوائف الإلحاد ... 9","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"الحركات الحديثة الإسلامية بإندونيسيا ... 12\rالتفرقة بين أهل السنة وأهل البدعة ... 15\rتعريف البدعة وأمثلتها ... 17\rإشكال وجوابه ... 19\rتفرق المسلمين المعاصرين ... 29\rبيان خطّة السلف الصالح ... 44\rبيان وجوب التقليد ... 46\rكلام عبد القادر بن أحمد الدومي ... 47\rكلام شاه وليّ الله الدهلويّ ... 66\r\rتم بحمد الله","part":1,"page":76}],"titles":[{"id":1,"title":"حقيقة أهل السنة والجماعة","lvl":1,"sub":0}]}