{"pages":[{"id":1,"text":"الجزء الأول\rمقدمة المؤلف\rبسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله الذي تفرد بجلال ملكوته، وتوحد بجمال جبروته وتعزز بعلو أحديته، وتقدس بسمو صمديته، وتكبر في ذاته عن مضارعة كل نظير، وتنزه في صفائه عن كل تناه وقصور، له الصفات المختصة بحقه، واليات الناطقة بأنه غير مشبه بخلقه.\rفسبحانه من عزيز، لا حد يناله، ولا عد يحتاله، ولا أمد يحصره، ولا أحد ينصره، ولا ولد يشفعه، ولا عدد يجمع، ولا مكان يمسكه، ولا زمان يدركه، ولا فهم يقدره، ولا وهم يصوره.\rتعالى عن أن يقال: كيف هو؟ أو أين هو؟ أو اكتسب بصنعه الزين، أو دفع بفعله النقص والشين؛ إذ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ولا يغلبه حي، وهو الخبير القدير.\rأحمده على ما يولى ويصنع، وأشكره على ما يزوى ويدفع، وأتوكل عليه وأقنع، وأرضى بما يعطي ويمنع.\rوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة موقن بتوحيده، مستجير بحسن تأييده.\rوأشهد أن سيدنا محمداً عبده المصطفى، وأمينه المجتبي ورسوله المبعوث إلى كافة الورى صلى الله عليه وعلى آله مصابيح الدجى، وعلى أصحابه مفاتيح الهدى، وسمل تسليماً كثيراً.\rهذه رسالة كتبها الفقير إلى الله تعالى عبد الكريم بن هوازن القشيري، إلى جماعة الصوفية ببلدان الإسلام، في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة.\rأما بعد: رضي الله عنكم فقد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضلهم على الكافة من عباده، بعد رسله وأنبيائه، صلوات الله وسلامه عليهم، وجعل قلوبهم معادن أسراره، واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره.\rفهم الغياث للخلق، والدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق.\rصفاهم من كدورات البشرية، ورقاهم إلى محال المشاهدات بما تجلى لهم من حقائق الأحدية. ووفقهم للقيام بآداب العبودية، وأشهد مجارى أحكام الربوبية.\rفقاموا بأداء ما عليهم من واجبات تكليف، وتحققوا بما منه سبحانه لهم من التقليب والتصريف.\rثم رجعوا إلى الله، سبحانه وتعالى، بصدق الافتقار، ونعت الانكسار، ولم يتكلوا على ما حصل منهم من الأعمال، أو صفا لهم من الأحوال. علماً منهم بأنه جل وعلا يفعل ما يريد، ويختار من يشاء من العبيد. لا يحكم عليه خلق. ولا يتوجه عليه مخلوق حق، ثوابه: إبتداء فضل. وعذابه: حكم بعدل. وأمره قضاء فصل. ثم اعلموا، رحمكم الله، أن المحققين من هذه الطائفة انقرض أكثرهم ولم يبق في زماننا من هذه الطائفة إلا أثرهم، كما قيل:\rأما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها\rحصلت الفترة في هذه الطريقة..، لا، بل إندرست الطريقة بالحقيقة: مضى الشيوخ الذين كان بهم اهتداء، وقل الشباب الذين كان لهم بسيرتهم وسنتهم اقتداء، وزال الورع وطوى بساطه، واشتد الطمع وقوى رباطه.\rوارتحل عن القلوب حرمة الشريعة، فعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام. ودانوا بترك الإحترام.\rوطرح الاحتشام، واستخفوا بأداء العبادات، واستهانوا بالصوم والصلاة، وركضوا في ميدان الغفلات وركنوا إلى انباع الشهوات، وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات، والارتفاق بما يأخذونه من السوقة، والنسوان، وأصحاب السلطان.\rثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال، وادعوا أنهم تحروا من رق الأغلال وتحققوا بحقائق الوصال وأنهم قائمون بالحق، تجري عليهم أحكامه، وهم محو، وليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتب ولا لوم، وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية، واختطفوا عنهم بالكلية، وزالت عنهم أحكامه للبشرية. وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدية، والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا، والنائب عنهم سواهم فيما تصرفوا، بل صرفوا.\rولما طال الابتلاء فيما نحن ف يه من الزمان بما لوحت ببعضه من هذه القصة وكنت لا أبسط إلى هذه الغاية لسان الإنكار، غبرة على هذه الطريقة أن يذكر أهلها بسوء، أو بجد مخالف لثلبهم مساغاً، إذ البلوى في هذه الديار بالمخالفين لهذه الطريقة والمنكرين لعيها شديدة.\rولما كنت أؤمل من مادة هذه الفترة أن تنحسم، ولعل الله سبحانه يجود بلطفه في التنيه لمن حاد عن السنة المثلى في تضييع آداب هذه الطريقة.","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"ولما أبى الوقت إلا استصعاباً. وأكثر أهل العصر بهذه الديار إلا تمادياً فيما اعتادوه واغتراراً بما ارتادوه.\rأشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر على هذه الجملة بنى قواعده. وعلى هذا النحو سار سلفه.\rفعلقت هذه الرسالة إليكم، أكرمكم الله. وذكرت فيها بعض سير شيوخ هذه الطريقة في آدابهم، وأخلاقهم، ومعاملاتهم، وعقائدهم بقلوبهم، وما أشاروا إليه من مواجيدهم، وكيفية ترقيهم من بدايتهم إلى نهايتهم؛ لتكون لمريدي هذه الطريقة قوة، ومنكم لي بتصحيح شهادة، ولي في نشر هذه الشكوى سلوة، ومن الكريم فضلاً ومثوبة وأستعين بالله سبحانه فيما أذكره؛ وأستكفيه؛ وأستعصمه من الخط فيه، وأستغفره وأستعينه. وهو بالفضل جدير، وعلى ما يشاء قدير.\rالفصل الأول\rبيان اعتقاد هذه الطائفة في مسائل الأصول\rإعلموا، رحمكم الله، أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد، صانوا بها عقائدهم عن البدع ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل، وعرفوا ما هو حق القدم. وتحققوا بما هو نعت الموجود عن العدم.\rولذلك قال سيد هذه الطريقة الجنيد، رحمه الله: \" التوحيد إفراد للقدم من الحدث \" .\rوأحكموا أصول العقائد بواضح الدلائل، ولائح الشواهد.\rكما قال أبو محمد الجريري، رحمه الله: \" أن لم يقف على علم التوحيد بشاهد من شواهده زلت به قدم الغرور في مهواة من التلف \" يريد بذلك: أن من ركن إلى التقليد، ولم يتأمل دلائل الوحيد؛ سقط عن سنن النجاة؛ ووقع في أسر الهلاك.\rومن تأمل ألفاظهم، وتصفح كلامهم، وجد في مجموع أقويلهم ومتفرقاتها ما يثق - بتأمله - بأن القوم لم يقصروا في التحقيق عن شأو، ولم يعرجوا في الطلب على تقصير.\rونحن نذكر في هذا الفصل جملا من متفرقات كلامهم فيما يتعلق بمسائل الأصول.\rثم نحرر على الترتيب بعدها ما يشتمل على ما يحتاج إليه في الاعتقاد، على وجه الإيجاز والاختصار، إن شاء الله تعالى.\rمعرفة الله\rسمعت: الشيخ أبا عبد الرحمن محمد بن الحسين السمي، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الله بن موسى السلامي يقول: سمعت أبا بكر الشبلي يقول: \" الواحد: المعروف قبل الحدود وقبل الحروف \" وهذا صريح من الشبلي أن القديم - سبحانه - لا حدَّ لذاته، ولا حروف لكلامه.\rسمعت أبا حاتم الصوفي، يقول: سمعت أبا نصر الطوسي يقول: سئل رُويم عن أول فرض افترضه الله عزَّ وجلَّ على خلقه ما هو؟ فقال: المعرفة؛ لقوله جلَّ ذكره: \" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون \" . قال ابن عباس: إلا ليعرفون.\rوقال الجنيد: إن أول ما يحتاج إليه العبد من الحكمة: معرفة المصنوع صانعه، و المحدث كيف كان إحداثه، فيعرف صفة الخالق من المخلوق، و صفة القديم من المحدث، ويذل لدعوته، ويعترف بوجوب طاعته؛ فإن من لم يعرف مالكه لم يعترف بالملك لمن استوجبه.\rأخبرنى محمد بن الحسين، قال: سمعت محمد بن عبد الله الرازى يقول: سمعت أبا الطيب المراغى يقول: للعقل دلالة، و للحكمة إشارة، وللمعرفة شهادة؛ فالعقل يدل. والحكمة تشير. والمعرفة تشهد: أن صفاء العبادات لاينال بصفاء التوحيد.\rوسئل الجنيد عن الوحيد، فقال: إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته: أنه الواحد، الذي لم يلد، ولم يولد. بنفي الأضداد، والأنداد، والأشباه، بلا تشبيه. ولا تكييف، ولا تصوير ولا تمثيل \" ليس كمثله شيء وهو السميع البصير \" .\rأخبرنا محمد بن يحيى الصوفي، قال: أخبرنا عبد الله بن علي التميمي الوصفي، يحكى عن الحسين بن علي الدامغاني، قال: سئل أبو بكر الزاهر اباذي عن المعرفة، فقال: المعرفة: اسم، ومعناه وجود تعظيم في القلب يمنعك عن التعطيل والتشبيه.\rصفاته\rوقال أبو الحسن البوشنجي، رحمه الله، التوحيد: أن تعلم أنه غير مشبه للذوات، ولا منفيٍّ الصفات.","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، رحمه الله تعالى، قال: سمعت محمد بن محمد بن غالب. قال: سمعت أبا نصر أحمد بن سعيد الأسفنجاني يقول، قال: الحسين بن منصور: ألزِم الكلَّ الحدث، لأنَّ القدم له. فالذي بالجسم ظهوره فالعرَض يلزمه، والذي بالأداة اجتماعه فقواها تمسكه والذي يؤلِّفه وقت يفرقه وقت، والذي يقيمه غيره فالضرورة تمسه. والذي الوهم يظفر به فالتصوير يرتقي إليه؛ ومن آواه محل أدركه أين، ومن كان له جنس طالبه مكيِّف.\rإنه سبحانه لا يظله فوق، ولا يقله تحت، ولا يقابله حد ولا يزاحمه عند، ولا يأخذه خلْف، ولا يحدُّه أمام، ولم يظهره قبل ولم يفنه بعد. ولم يجمعه كلُّ ولم يوجده كان، ولم يفقده ليس.\rوصفه: لا صفة له. وفعله: لا علة له؛ وكونه: لا أمد له تنزَّه عن أ؛وال خلقه. ليس له من خلقه مزاج، ولا في فعله علاج بانيهم بقدمه، كما باينوه بحدوثهم.\rإن قلت: متى، فقد سبق الوقتّ كونه. وإن قلت: هو، فالهاء والواو خلْقه. وإن قلت: أي، فقد تقدَّم المكانّ وجوده.\rفالحروف آياته. ووجوده إثباته ومعرفته توحيده. وتوحيده تمييزه من خلقه. ما تُصوِّر في الأوهام فهو بخلافه، كيف يحلُّ به ما منه بدأه؟ أو يعود إليه ما هو أنشأه؟ لا نماقة العيون، ولا تقابله الظنون. قربه كرامته، وبُعده إهانته، علوُّه من غير توقُّل ومجيئه من غير تنقُّل.\rهو: الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، القريب البعيد، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر الطوسيِّ السرَّاجي يحكى عن يوسف بن الحسين، قال: قام رجل بين يدي ذي النون المصري، فقال: أخبرني عن التوحيد: ما هو؟ فقال هو: أن تعلم قدرة الله تعالى في الأشياء بلا مزاج، وصنعه للأشياء بلا علاج، وعلَّة كل شيء صنعه، ولا علَّة لصنعه. وليس في السموات العلا، ولا في الأرضين السفلى مدبِّر غير الله، وكل ما تصوّر في وهمك فالله بخلاف ذلك.\rوقال الجنيد: التوحيد: علمك وإقرارك بأن الله فرد في أزليته الثاني معه ولا شيء يفعل فعله.\rالإيمان\rوقال أبو عبد الله بن خفيف: الإيمان: تصديق القلوب بما أعلمه الحق من الغيوب.\rوقال أبو العباس السياري: عطاؤه على نوعين: كرامة، واستدراج من الغيوب.\rوقال أبو العباس السياري: عطاؤه على نوعين: كرامة، واستدراج. فما أبقاه عليه فهو كرامة، وما أزاله عنك فهو استدراج، فقل: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى. وأبو العباس السياري كان شيخ وقته.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدَّقاق، رحمه الله، يقول: غمزّ رَجلٌ رِجل أبي العباس السياري: فقال: تغمز رِجلا ما نَقلتها قط في معصية الله عزَّ وجلَّ!! وقال أبو بكر الواسطي: من قال \" أنا مؤمن بالله حقاً \" قيل له: الحقيقة تشير إلى إشراف، وإطلاع، وإحاطة، فمن فقده بطل دعواه فيها.\rيريد بذلك ما قاله أهل السنَّة: إن المؤمن الحقيقي: من كان محكوما له بالجنة فمن لم يعلم ذلك من سرِّ حكمة الله تعالى، فدعواه: بأنه مؤمن حقاً غير صحيحة.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا الحسن العنبري يقول: سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول: ينظر إليه، تعالى، المؤمنون بالأبصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية.\rوقال أبو الحسين النوري: شاهد الحقُّ القلوبَ، فلم ير قلباً أشوق إليه من قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فأكرمه بالمعراج، تعجيلاً للرؤية والمكالمة.\rسمعت الإمام أبا بكر محمد بن الحسن بن فورك، رحمه الله تعالى، يقول: سمعت محمد بن المحبوب - خادم أبي عثمان المغربي - قول: قال لي أبو عثمان المغربي يوماً: يا محمد، لو قال لك أحد: أين معبودك؟ إيش تقول؟ قال: قلت: أقول حيث لم يزل.\rقال: فإن قال: أين كان في الأزل؟ إبش تقول؟ قال: قلت: أقول حيث هو الآن، يعني: أنه كما كان ولا مكان فهو الآن كما كان.قال: فارتضى مني ذلك، ونزع قميصه وأعطانيه.\rسمعت الإمام أبا بكر بن فورك، رحمه الله تعالى، يقول: سمعت أبا عثمان المغربي، يقول: كنت أعتقد شيئاً من حديث الجهة، فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي، فكتبت إلي أصحابنا بمكة: أنى أسلمت الآن إسلاماً جديداً.","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"سمعت محمد بن الحسين السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول، وقد سئل عن الخلق، فقال: قوالب وأشباح تجري عليهم أحكام القدرة.\rالأرزاق\rوقال الواسطي: لما كان الأرواح والأجساد قامتا بالله، وظهرتا به لا بذواتها، كذلك قامت الخطرات والحركات بالله لابذواتها، إذ الحركات والخطرات فروع الأجساد والأرواح. صرَّح بهذا الكلام أن أكساب العباد مخالوقة لله تعالى، وكما أنه لا خالف للجواهر إلا الله تعالى، فكذلك لا خالق للأَعراض إلا الله تعالى.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد ابن عبد الله يقول: سمعت أبا جعفر الصيدلاني يقول: سمعت أبا سعيد الخراز يقول: من ظنَّ أنه ببذل الجهد يصل إلى مطلوبه فمتَنٍ، ومن ظن أنه بغير الجهد يصل فمتمنٍ.\rوقال الواسطني: المقامات أقسام قُسِّمت، ونعوت أجريت، كيف تُستجلب بحركات، أو تنال بسعايات؟.\rالكفر\rوسئل الواسطي عن الكفر بالله أو الله، فقال: الكفر والإيمان، والدنيا الآخرة: من الله، وإلى الله، وبالله، ولله: من الله إبتداء وإنشاء، وإلى الله مرجعاً وانتهاء، وبالله بقاء وفناء، ولله ملكا وخلقاً.\rوقال الجنيد: سئل بعض العلماء عن التوحيد، فقال: هو اليقين.\rفقال السائل: بّين لي ما هو؟ فقال: هو: معرفتك،أن حركات الخلق وسكونهم، فعل الله عزَّ وجلَّ، وحده، لا شريك له فإذا فعلت ذلك فقد وحَّدته.\rسمعت محمد بن الحسين رحمه الله، يقول: سمعت عبد الواحد بن علي، يقول: سمعت القساسم بن القاسم يقول: سمعت محمد بن موسى الواسطي يقول: سمعت محمد بن الحسين الجوهري يقول: سمعت ذا النون المصري يقول، وقد جاءه رجل فقال: ادع الله لي فقال.\rإن كنت قد أُيدت في علم الغيب بصدق التوحيد، فكم من دعوة مجابة قد سبقت لك، وإلا فإن النداء لا يُنقذ الغرقي.\rوقال الواسطي: ادَّعى فرعون الربوبية على الكشف، وادَّعت المعتزلة على الستر، نقول: ماشئت فعلت.\rوقال أبو الحسين النوري: التوحيد: كلُّ خاطر يشير إلى الله تعالى، بعد أن لا نزاحمه خواطر التشبيه.\rوأخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، رحمه الله تعالى، قال: سمعت عبد الواحد بن بكر، يقول: سمعت هلال بن أحمد يقول: سئل أبو علي الروذباري عن التوحيد، فقال: التوحيد: إستقامة القلب بإثبات مفارقة التعطيل، وإنكار التشبيه، والتوحيد في كلمة واحدة: كل ما صوَّره الأوهام والأفكار فالله سبحانه بخلافه، لقوله تعالى: \" ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير \" .\rوقال أبو القاسم النصراباذي: الجنة باقية بإبقائه. وذكرُه لك، ورحمته، ومحبته لك باق ببقائه. فشتان بين ما هو باق ببقائه، وبين ما هو باقٍ بإبقائه.\rرحم الذي قاله الشيخ أبو القاسم النصراباذي، هو غاية في التحقيق؛ فإن أهل الحق قالوا صفات ذات القديم سبحانه: باقيات ببقائه تعالى. فنبه على هذه المسألة وبين أن الباقي باقٍ ببقائه. بخلاف ما قاله مخالفو أهل الحق فخالفوا الحق.\rأخبرنا محمد بن الحسين؛ قال: سمعت النصراباذي يقول: أنت متردد بين صفات الفعل وصفات الذات، وكلاهما صفته تعالى،على الحقيقة، فإذا هيمَّك في مقام التفرقة قرّنك بصفات فعله، وإذا بلَّغك إلى مقام الجمع قرنك بصفات ذاته. وأبو القاسم النصراباذي كان شيخ وقته.\rسمعت الإمام أبا اسحق الاسفرايني، رحمه الله، يقول: لما قدمت من بغداد كنت أدرس في جامع نيسابور مسألة الروح، وأشرح القول في أنها مخلوقة، وكان أبو القاسم النصراباذي قاعداً متباعداً عنا؛ يصغي إلى كلامي، فاجتاز بنا بعد ذلك يوماً - بأيام قلائل، فقال لمحمد الفراء: أشهد أني أسلمت جديداً على يد هذا الرجل، وأشار إليَّ.\rسمعت محمد بن الحسين السلمي، يقول: سمعت أبا حسين الفارسي يقول: سمعت إبراهيم بن فاتك يقول: سمعت الجنيد يقول: متى يتصل من لا شبيه له ولا نظير له بمن له شبيه ونظير؟! هيهات، هذا ظن عجيب إلا بما لطف اللطيف من حيث لا درك، ولا وهّم، ولا إحاطة إلا إشارة اليقين وتحقيق الإيمان.\rأخبرنا محمد بن الحسين، رحمه الله تعالى، قال: سمعت عبد الواحد ابن بكر يقول: حدثني أحمد بن محمد بن علي البرعي، قال: حدثنا طاهر بن إسماعيل الرازي، قال: قيل ليحيى بن معاذ: أخبرني عن الله عزَّ وجلَّ.\rفقال: اله واحد.\rفقيل له: كيف هو؟ فقال: ملك قادر.","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"فقيل: أين هو؟ فقال: هو بالمرصاد.\rفقال السائل: لم أسألك عن هذا!! فقال السائل: لم أسألك عن هذا!! فقال: ما كان غير هذا كان صفةَ المخلوق. فأما صفته فما أخبرتك عنه وأخبرنا محمد بن الحسين، قال: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: كل ما توهمه متوهم بالجهل أنه كذلك، فالعقل يدل على أنه بخلافه.\rوسأل ابن شاهين الجنيدَ عن معنى: مع.\rفقال مع، على معنيين: مع الأنبياء بالنصرة والكلاءة، قال الله تعالى: \" إنني معكما أسمع وأرى \" .\rومع العامة بالعلم والإحاطة، قال تعالى: \" ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم \" .\rفقال ابن شاهين: مثلك يصلح أن يكون دالاَّ للأمة على الله.\rالعرش\rوسئل ذو النون المصري عن قوله تعالى: \" الرحمن على العرش استوى \" .\rفقال: أثبتّ ذاته ونفى مكانه، فهو موجود بذاته، والأشياء موجودة بحكمه، كما شاء سبحانه.\rوسئل الشبلي عن قوله تعالى: \" الرحمن على العرش استوى \" . فقال: الرحمن لم يزل، والعرش محدث والعرش بالرحمن استوي. وسئل جعفر بن نصير عن قوله تعالى: \" الرحمن على العرش استوي \" فقال: استوى علمه بكل شيء فليس شيء اقرب إليه من شيء وقال جعفر الصادق: من زعم أن الله في شيء، أو من شيء، أو على شيء، فقد أشرك؛ إذ لو كان على شيء لكان محمولا، ولو كان في شيء لكان محصوراً، ولو كان من شيء لكان محدثاً.\rوقال جعفر الصادق أيضاً في قوله:ثم دنا فتدلّى: من توهم أنه بنفسه دنا جعل ثّمَّ مسافة، إنما التدني أنه كلما قرب منه بَعَّده عن أنواع المعارف إذ لا دنوَّ ولا بُعد.\rورأيت بخط الأستاذ أبي عليٍّ أنه قيل لصوفيِّ: أين الله؟ فقال: أسحقك الله!! تطلب مع العين أين؟! أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا العباس ابن الخشاب البغداي يقول: سمعت أبا القاسم بن موسى يقول: سمعت محمد بن أحمد يقول: سمعت الأنصاري يقول: سمعت الخراز يقول: حقيقة القرب: فقد حِسِّ الأشياء من القلب وهدوء الضمير إلى الله تعالى.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن علي الحافظ يقول: سمعت أبا معاذ القزويني يقول: سمعت أبا عليٍّ الدلال يقول: سمعت أبا عبد الله بن قهرمان يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: إنتهيت إلى رجل، وقد صرعه الشيطان، فجعلت أؤذن في أذنه، فناداني الشيطان من جوفه: عني أقتله؛ فإنه يقول القرآن مخلوق.\rوقال ابن عطاء: إن الله تعالى لما خلق الأحرف جعلها سراً له، فلما خلق آدم عليه السلام بث فيه ذلك السر، ولم يبث ذلك السر في أحد من ملائكته، فجرت الأحرف على لسان آدم عليه السلام بفنون الجريان وفنون اللغات، فجعلها الله صوراً لها صرح ابن عطاء القول بأن الحروف مخلوقة.\rوقال سهل بن عبد الله: إن الحروف لسان فعل، لا لسان ذاته؛ لأنها فعل في مفعول.\rقال: وهذا أيضاً تصريح بأن الحروف مخلوقة.\rوقال الجنيد في جوابات مسائل الشاميين: التوكل عمل القلب، والوحيد قول القلب، قال: هذا قول أهل الأصول، إن الكلام: هو المعنى الذي قام بالقلب من معنى الأمر والنهي، والخبر، والاستخبار.\rقوال الجنيد في جوابات مسائل الشاميين أيضاً: تفرد الحق بعلم الغيوب، فعلم ما كان، وما يكون، ومالا يكون: أن لو كان كيف كان يكون.\rوقال الحسين بن منصور: من عرف الحقيقة في التوحيد سقط عنه: لِمَ وكيف.\rأخبرنا محمد بن الحسين، قال: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: قال الجنيد: أشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة في ميدان الوحيد.\rوقال الواسطي: ما احدث الله شيئاً أكرم من الروح. صرَّح بأن الروح مخلوقة.\rقال الأستاذ الإمام زين الإسلام أبو القاسم، رحمه الله: دلَّت هذه الحكايات على أن عقائد مشايخ الصوفية توافق أقاويل أهل الحق في مسائل الأصول.\rوقد اقتصرنا على هذا المقدار خشية خروجنا عما أثرناه من الإيجاز والاختصار.\rالحق سبحانه\rفصل قال الأستاذ زين الإسلام أبو القاسم، أدام الله عزَّه: وهذه فصول تشتمل على بيان عقائدهم في مسائل التوحيد ذكرناها على وجه الترتيب.\rقال شيوخ هذه الطريقة، على ما يدلُ عليه متفرقات كلامهم، ومجموعاتهم، ومصنفاتهم في التوحيد:","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"إن الحق، سبحانه وتعالى: موجود، قديم، واحد، حكيم، قادر، عليم، قاهر، رحيم، مريد، سميع، مجيد، رفيع، متكلم، بصير متكبر، قدير، حيُّ أحد، باق، صمد.\rوأنه عالم بِعِلم، قادر بقدرة؛ مريد بإرادة؛ سميع بسمع؛ بصير ببصر؛ متكلم بكلام؛ حيُّ بحياة؛ باقٍ ببقاء.\rوله يدان هما صفتان؛ يخلق بهما ما يشاء، سبحانه، على التخصيص.\rوله الوجه. وصفات ذاته مختصة بذاته، لا يقال هي هو، ولا هي غيار له، بل هي صفات أزلية، ونعوت سرمدية، وأنه إحدىُّ الذات، ليس يشبه شيئاً من المصنوعات، ولا يشبهه شيء من المخلوفات، ليس بجسم، ولا جوهر ولا عرّض، ولا صفاته أعراض، ولا يتصوَّر في الأوهام، ولا يتقدَّر في العقول، ولا له جهة ولا مكان، ولا يجري عليه وقت وزمان، ولا يجوز في وصفه زيادة ولا نقصان، ولا يخصُّه هيئة وقدُّ، ولا يقطعه نهاية وحدُّ، ولا يحله حادث، ولا يحمله على الفعل باعث، ولا يجوز عليه لون ولا كوْن، ولا ينصره مدد ولا عون؛ ولا يخرج عن قدرته مقدور؛ ولا ينفك عن حكمه مفطور؛ ولا يعزب عن علمه معلوم؛ ولا هو على فعله كيف يصنع وما يصنع ملوم؛ لايقال له: أي؛ ولا حيث؛ ولا كيف؛ ولايُستفتح له وجود: فيقال: متى كان: ولا ينتهي له بقاء: فيقال إستوفى الأجل والزمان، ولا يقال: لِمَ فعل ما فعل؛ إذ لا علَّة لأفعاله؛ ولا يقال ما هو؛ إذ لا جنس له فيتميز بأمارة عن أشكاله. يُرى لا عن مماقلة، ويصنع لا عن مباشرة ومزاولة. له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، يَفعل ما يريد، ويذل لحكمه العبيد، لايجري في سلطانه إلا ما يشاء، ولا يحصل في ملكه غير ما سبق به القضاء، ما علم أنه يكون من الحادثات أراد أن يكون. وما علم أنه لا يكون. مما جاز أن يكون: أراد أن لا يكون. خالق إكساب العباد: خيرها وشرِّها. ومبدع ما في العالم من الأعيان والآثار: قُلُّها وكُثْرها. ومرسل الرسل إلى الأمم من غير وجوب عليه.\rومتعبَّد الأنام على لسان الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام؛ بما لا سبيل لأحد باللوم والاعتراض عليه، ومؤيد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بالمعجزات الظاهرة، والآيات الباهرة، بما أزاح به العذر، وأوضح به اليقين والنكر، وحافظ بيضة الإسلام بعد وفاته،صلى الله عليه وسلم، بخلفائه الراشدين، ثم حارس الحق وناصره بما يوضحه من حجج الدين على ألسنة أوليائه، عصم الأمة الحنفية عن الاجتماع على الضلالة، وحسم مادة الباطل بما نصب من الدلالة، وأنجز ما وعد من نصرة الدين بقوله: \" ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون \" .\r؟؟\rأصول المشايخ\rفهذه: فصول تشير إلى أصول المشايخ على وجه الإيجاز، وباللّه التوفيق.\rفي ذكر مشايخ هذه الطريقة وما يدلّ من سيرهم وأقوالهم على تعظيم الشريعة إعلموا، رحمكم اللّه تعلى، أن المسلمين بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: لم يتسمّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم، سوى صحبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، إذ لا فضيلة فوقها، فقيل لهم: الصحابة.\rولمَّا أدركهم أهل العصر الثاني سمى من صخب الصحابة: التابعين ورأوا في ذلك أشرف سِمة. ثم قيل لمن بعدهم: أتباع التابعين.\rثم اختلف الناس، وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس مِمَّن لهم شدة عناية بأمر الدين: الزّهاد والعُباد.\rثم ظهرت البدع، وحصل التداعي بين الفرق، فكل فريق ادَّعوا أن فيهم زهاداً.\rفانفرد خواصُّ أهل السُّنة المراعون أنفسهم مع الله تعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الفعلة باسم التصوف.\rواشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة.\rونحن نذكر في هذا الباب أسامي جماعة من شيوخ هذه الطريقة، من الطبقة الأولى إلى وقت المتأخرين منهم، ونذكر جُملاً من سِيَرهم، وأقاويلهم، بما يكون فيه تنبيه على أصولهم، وآدابهم إن شاء الله تعالى.\rفمنهم:\rإبراهيم بن أدهم\rأبو إسحق إبراهيم بن أدهم بن منصور من كُورة بلخ، رضي الله تعالى عنه.\rكان من أبناء الملوك، فخرج يوماً متصيِّداً، فأثار ثعلباً أو أربناً وهو في طلبه، فهتف به هاتف: يا إبراهيم، ألهذا خُلقتَ، أم بهذا أمُرت؟.\rثم هتف به أيضاً من قربوس سرجه: والله ما لهذا خُلقت، ولا بهذا أُمرت.\rفنزل عن دابته.","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"وصادف راعياً لأبيه، فأخذ جُبَّةً للراعي من صوف، ولبسها وأعطاه فرسه وما معه، ثم إنه دخل البادية، ثم دخل مكة، وصحب بها سفيان الثوري.\rوالفضيل بن عياض، ودخل الشام ومات بها.\rوكان يأكل من عمل يده، مثل: الحصاد، وحفظ البساتين، وغير ذلك.\rوأنه رأى في البادية رجلاً علَّمه اسم الله الأعظم فدعا به بعده، فرأى الخضر عليه السلام، وقال له: إنما علَّمك أخي داود اسم الله الأعظم.\rأخبرنا بذلك الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن الخشاب قال: حدثنا أبو الحسن علي بن محمد المصري، قال: حدثنا أبو سعيد الخراز قال: حدثنا إبراهيم بن بشَّار قال: صحبت إبراهيم ابن أدهم، فقلت: خبّرني عن بدء أمرك فذكر هذا.\rوكان إبراهيم بن أدهم كبير الشأن في باب الورع، ويحكى عنه أنه قال: أطب مطعمك، ولا حرج عليك أن لا تقوم الليل ولا نصوم النهار.\rوقيل: كان عامة دعائه: \" اللهم انقلني من ذلِّ معصيتك إلى عزِّ طاعتك \" وقيل لإبراهيم بن أدهم: إن اللحم قد غلا!!.\rفقال: أرخصوه أي: لاتشتروه وأنشد في ذلك:\rوإذا غلا شيء عليَّ تركته ... فيكون أرخص ما يكون إذا غلا \"\rأخبرنا محمد بن الحسين، رحمه الله تعالى، قال: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت محمد بن حامد يقول: سمعت أحمد بن خضرويه يقول: قال إبراهيم بن أدْهم لرجل في الطواف: أعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حتى تجوز ست عقبات: أولاها: تغلق باب النعمة، وتفتح باب الشدَّة.\rوالثانية: تغلق باب العزِّ، وتفتح باب الذلِّ.\rوالثالثة: تغلق باب الراحة، وتفتح باب الجهد.\rوالرابعة: تغلق باب النوم؛ وتفتح باب السهر.\rوالخامسة: تغلق باب الغنى، وتفتح باب الفقر.\rوالسادسة: تغلق باب الأمل، وتفتح باب الاستعداد للموت.\rوكان إبراهيم بن أدهم يحفظ كَرْماً، فمرَّ به جندي، فقال: أعطنا من هذا العنب فقال: ما أمرني به صاحبُه.\rفأخذ يضربه بسوطه، فطأطأ رأسه وقال: إضرب رأساً طالما عصى الله. فأعجز الرجل ومضى.\rقال سهل بن إبراهيم: صحبت إبراهيم بن أدهم، فمرضت، فأنفق عليَّ نفقته فاشتهيت شهوة، فباع حماره وأنفق عليَّ ثمنه. فلما تماثلت، قلت: ياإبراهيم، أين الحمار؟ فقال: بعناه، فقلت: فعلى ماذا أركب؟ فقال: يا أخي على عنقي. فحملني ثلاث منازل.\rومنهم:\rذو النون المصري\rأبو الفيض ذو النون المصري وإسمه: ثوبان بن إبراهيم، وقيل الفيض بن إبراهيم، وأبوه كان نوبياً.\rتُوفي سنة: خمس وأربعين ومائتين. فائق في هذا الشأن، وأوحد وقته علماً، وورعاً، وحالاً، وأدباً.\rسعَوا به إلى المتوكِّل، فاستحضره من مصر، فلما دخل عليه وعظّه فبكى المتوكِّل وردَّه إلى مصر مكرَّماً، وكان المتوكل إذا ذُكر بين يديه أهل الورع يبكي ويقول: إذا ذكر أهل الورع فجهلاً بذي النون.\rوكان رجلاً نحيفاً، تعلوهُ حمرة، ليس بأبيض اللحية.\rسمعت أحمد بن محمد يقول: سمعت سعيد بن عثمان يقول: سمعت ذا النون يقول: مدار الكلام على أربع: حبُّ الجليل، وبغض القليل، واتِّباع التنزيل، وخوف التحويل.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله؛ يقول: سمعت سعيد بن أحمد ابن جعفر يقول: سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول: سمعت سعيد ابن عثمان يقول: سمعت ذا النون المصري يقول: من علامات المحبِّ لله عزَّ وجلَّ: متابعة حبيب الله، صلى الله عليه وسلم، في أخلاقه، وأفعاله، وأوامره، وسننه.\rوسئل ذو النون عن السِّفلة فقال: من لا يعرف الطريق إلى الله، ولا يتعَرَّفه.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: حضرت مجلس ذي النون يوماً؛ وجاء، سالم المغربي، فقال له: يا أبا الفيض، ما كان سبب توبتك؟ قال: عجب لا تطيقه. قال: بمعبودك إلا أخبرتني.\rفقال ذو النون: أردت الخروج من مصر إلى بعض القرى، فنمت في الطريق في بعض الصحارى، ففتحت عيني، فإذا أنا بقنبرة عمياء سقطت من وكرها على الأرض، فانشقت الأرض، فخرج منها سكرجتان: إحداهما ذهب، والأخرى فضة وفي إحداهما سمسم، وفي الأخرى ماء، فجعلت تأكل من هذا، وتشرب من هذا.\rفقلت: حسبي، قد تبت، ولزمت الباب إلى أن قبلني الله عز وجل.","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"سمعت محمد بن الحسين يقول. سمعت على بِّن عمر الحافظ يقول: سمعت ابن رشيف: يقول سمعت أبا دجانة يقول: سمعت ذا النون يقول: لا تسكن الحكمة معدة مُلئت طعاماً.\rوسئل ذو النون عن التوبة فقال: توبة العوام تكون من الذنوب، وتوبة الخواصِّ تكون من الغفلة.\rومنهم:\rأبو علي الفضيل بن عياض\rخرساني، من ناحية مرو.\rوقيل إنه وُلد بسمرقند، ونشأ بأبيَورد مات بمكة في المحرم سنة: سبع وثمانين ومائة.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر قال: حدثنا الحسن بن عبد الله العسكري، قال: حدثنا ابن أخي أبي زرعة، قال: حدثنا محمد بن إسحق بن راهويه قال: حدثنا أبو عمار، عن الفضل بن موسى، قال: كان الفضيل شاطراً: يقطع الطريق بين ابيورد وسرخس وكان سبب توبته: أنه عشق جارية، فبينما هو يرتقي الجدران إليها سمع تالياً يتلو: \" ألمي أن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله \" فقال: يارب قد آن.\rفرجع.. فآراه الليل إلى خرِبة، فإذا فيها رُفقة، فقال بعضهم: ترتحل، وقال قوم: حتى نصبح، فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا.\rفتاب الفضيل وأمَّنهم. وجاور الحرم حتى مات.\rوقال الفضيل بن عياض: إذا أحبَّ الله عبداً أكثر غمَّه، وإذا أبغض عبداً وسَّع عليه دنياه.\rوقال ابن المبارك: إذا مات الفضيل ارتفع الحزن.\rوقال الفضيل: لو أن الدنيا بحذافيرها عُرضت علىَّ ولا أحاسب بها لكنت أتقذرها، كما يَتقّذَر أحدكم الجيفة إذا مرَّ بها أن تصيب ثوبه.\rوقال الفضيل: لو حلفت أنِّي مُراء أحبُّ إليَّ من أن أحلف أنيِّ لست بمراء.\rوقال الفضيل: ترك العمل لأجل الناس هو الرياءُ، والعمل لأجل الناس هو الشرك.\rوقال أبو عليِّ الرازي: صحبت الفضيل ثلاثين سنة ما رأيته ضاحكاً، ولا متبسما، إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك، فقال: إن الله أحبَّ أمراً فأحببت ذلك.\rوقال الفضيل: إني لأعصى الله، فأعرف ذلك في خُلق حماري وخادمي.\rومنهم:\rمعروف بن فيروز الكرخي\rأبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي كان من المشايخ الكبار، مجاب الدعوة، يستشفي بقبره.\rوهو من موالى عليٍّ بن موسى الرضا، رضي الله عنه، مات سنة مائتين: وقيل: سنة إحدى ومائتين. وكان أستاذ السري السقطى، وقد قال له يوما: إذا كانت لك حاجه إلى الله فأقسم عليه بي.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدَّقاق، رحمه الله تعالى، يقول: كان معروف الكرخى أبواه نصرانيان، فسلَّموا معروفاً إلى مؤدبهم، وهو صبي،فكان المؤدب يقول له :قل ثالث ثلاث . فيقول:بل هو واحد.فضربه المعلم يوماًضرباًمبرحا،فهرب معروف، فكان أبواه يقولان : ليته يرجع إلينا على أي دين يشاء،فنوافقه عليه .\rثم أنه اسلم على يدي علي بن موسى الرضا..ورجع إلى منزله..ودق الباب .فقيل: من بالباب؟فقال: معروف. فقالوا: على أي دين جئت؟ فقال: على الدين الحنيفي. فأسلم أبواه.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا بكر الحربي يقول: سمعت سريا السقطي يقول: رأيت معروفا الكرخى في النوم كأنه تحت العرش، فيقول الله عز وجل لملائكته: من هذا؟ فيقولون: أنت أعلم يا رب.\rفيقول: هذا معروف الكرخى، سكر من حبي، فلا يفيق إلا بلقائي.\rوقال معروف: قال لي بعض أصحاب داود الطائي: إياك أن تترك العمل،فإن ذلك الذي يقرّبك إلى رضا مولاك.فقلت: وما ذلك العمل؟ فقال:دوام طاعة ربك،وخدمة المسلمين، والنصيحة لهم.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعي محمد بن عبد الله الرازي يقول: سمعت على بن محمد الدلال يقول:سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبي يقول: رأيت معروفًا الكرجي في النوم،بعد موته،فقلت له:ماذا فعل الله بك؟ فقال: غفر لى.\rفقلت بزهدك وورعك ؟ فقال:لا، بقبولي موعظة ابن السماك،ولزوم الفقر،ومحبتي للفقراء.\rوموعظة ابن السماك:ما قاله معروف: كنت ماراً بالكوفة.فوقفت على رجل يقال له:ابن السماك وهو يعظ الناس.\rفقال في خلال كلامه:من أعرض عنا لله بكلتيه أعرض الله عنه جملة..ومن أقبل على الله بقلبه أقبل الله برحمته إليه ، وأقبل بجميع وجوه الخلق إليه، ومن كان مرة و مرة فالله يرحمه وقتاً ما.فوقع كلامه في قلبي، فأقبلت على الله تعالى ، وتركت جميع ما كنت عليه، إلا خدمة مولاي على بن موسى الرضا.","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"وذكرت هذا الكلام لمولاي، فقال: يكفيك بهذا موعظة إن اتعظت؟ أخبرني بهذه الحكاية محمد بن الحسين،قال: سمعت على بن عيسى يقول: سمعت سريا السقطى يقول: سمعت معروفاً يقول ذلك.\rوقيل لمعروف في مرض موته: أوصِ.\rفقال: إذا متُّ فتصدُّقوا بقميصي؛ فإني أريد أن أخرج من الدنيا عرياناً كما دخلتها عرياناً.\rومرَّ معروف بسقَّاء يقول: رحم الله من يشرب، وكان صائماً، فتقدمَ فشرب، فقيل له ألم تكون صائماً؟ فقال: بلى، ولكني رجوت دعاءه.\rومنهم:\rسري بن المغلس السقطي\rأبو الحسن سري بن المغلس السقطي خال الجنيد، وأستاذه.\rوكان تلميذ معروف الكرخي؛ كان أوحد زمانه في الورع، وأحوال السنة وعلوم التوحيد: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الله بن علي الطوسي يقول: سمعت أبا عمرو بن علوان يقول: سمعت أبا العباس بن مسروق يقول: بلغني أن السريَّ السقطي كان يتَّجر في السوق، وهو من أصحاب معروف الكرخي، فجاءه معروف يوماً، ومعه صبي يتيم، فقال: اكسِ هذا اليتيم. قال سري: فكسوته، ففرح به معروف، وقال: بغَّض الله إليك الدنيا، وأَراحك مما أَنت فيه.\rفقمت من الحانوت وليس شيء أبغض إليَّ من الدنيا.\rوكل ما أنا فيه من بركات معروف.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا عمر الأنماطي يقول: سمعت الجنيد يقول: ما رأيت أعبدَ من السري: أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رؤى مضطجعاً إلا في علة الموت.\rويحكى عن السري أنه قال: التصوُّف: أسم لثلاث معان: وهو الذي لا يطفىء نورُ معرفته نورَ ورعه.\rولا يتكلَّم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب أو السنة.\rولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله.\rمات السري سنة: سبع وخمسين ومائتين.\rسمعت الأستاذ أبا عليَّ الدَّقاق يحكى عن الجنيد، رحمه الله، أنه قال: سألني السري يوماً عن المحبَّة، فقلت: قال قوم: هي الموافقة، وقال قوم: الإيثار، وقال قوم: كذا.. وكذا..، فأخذ السري جلدة ذراعه، ومدها، فلم تمتدَّ، ثم قال: وعزَّته تعالى، لو قلت: إن هذه الجلدة يبستْ على هذا العظم من محبته لصدقت.\rثم غشى عليه، فدار وجهه كأنه قمر مشرق، وكان السريُّ به أُدمة.\rويحكى عن السريِّ أنه قال: منذ ثلاثين سنة أنا في الاستغفار من قولي: الحمد لله مرّة.\rقيل: وكيف ذلك؟ فقال: وقع ببغداد حريق، فاستقبلني رجل، فقال لي: نجا حانوتك.\rفقلت: الحمد لله. فمنذ ثلاثين سنة أنا نادم على ما قلت، حيث أردت لنفسي خيراً مما حصل للمسلمين!!.\rأخبرني به عبد الله بن يوسف قال: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا بكر الحربي يقول: سمعت السريَّ يقول ذلك.\rويحكى عن السريِّ أنه قال: أنا أنظر في أنفي في اليوم كذا.. وكذا مرَّة، مخافة أن يكون قد اسودَّ، خوفاً من الله أن يسوِّد صورتي لِما أتعاطاه.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن الحسن ابن الخشاب يقول: سمعت جعفر بن نصير يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت السريَّ يقول: أعرف طريقاً مختصراً قصداً إلى الجنة: فقلت له: ما هو؟.\rفقال: لا تسأل من أحد شيئاً، ولا تأخذ من أحد شيئاً، ولا يكن معك شيء تعطى منه أحداً.\rسمعت عبد الله بن يوسف الأصبهاني يقول: سمعت أبا نصر السرَّاج الطوسي يقول: سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول: سمعت الجنيد ابن محمد يقول: سمعت السري يقول: أشتهي أن أموت ببلد غير بغداد، فقيل له: ولم ذلك؟ فقال: أخاف ألا يقبلني قبري فافتضح.\rسمعت عبد الله بن يوسف الاصبهاني يقول: سمعت أبا الحسن بن عبد الله المغوطي الطرسوسي يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت السريَّ يقول: اللهم مهما عذبتني بشيء فلا تعذبني بذلِّ الحجاب.\rسمعت عبد الله بن يوسف الأصبهاني يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت الجريري يقول: سمعت الجنيد يقول: دخلت يوماً على السريِّ السقطي وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: جائتني البارحة الصبيَّة، فقالت: يا أبتي، هذه ليلة حارَّةٌ، وهذا الكوز أُعلّقه ها هنا.\rثم إني حملتني عيناي فنمت، فرأيت جارية من أحسن الخلق قد نزلت من السماء، فقلت: لمن أنت؟ فقالت: لمن لا يشرب الماء المبرَّج في الكيزان.\rفتناولت الكوز فضربت به الأرض فكسرته.","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"قال الجنيد: فرأيت الخزف لم يرفعه ولم يمسَّه، حتى عفا عليه التراب.\rومنهم:\rبشر بن الحارث الحافي\rأبو نصر بشر بن الحارث الحافي أصله من مرو وسكن بغداد، ومات به، وهو ابن أخت عليٍّ بن خشرم. مات سنة سبع وعشرين ومائتين. وكان كبير الشأن.\rوكان سبب توبته: أنه أصاب في الطريق كاغدة مكتوباً فيها أسم الله رجلَ قد وطئتها الأقدامُ، فأخذها واشترى بدورهم كان معه غالية، فطيِّب بها الكاغدة، وجعلها في شق حائط فرأى فيها التأ كأن قائلاً يقول له: يا بشر، طيَّبت اسمى، لأطيبنَّ في الدنيا والآخرة.سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: مرَّ بشر ببعض الناس، فقالوا: هذا الرجل لا ينام الليل كلَّه، ولا يفطر إلا في كل ثلاثة أيام مرة؛ فبكى بشر، فقيل له في ذلك فقال: إني لا أذكر أني سهرت ليلة كاملة، ولا أني صمت يوماً لم أفطر من ليلته، ولكن الله سبحانه وتعالى يلقي في القلوب أكثرً مما يفعله العبد لطفاً منه، سبحانه، وكرماً.. ثم ذكر إبتداء أَمره: كيف كان علي ما ذكرناه.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، يقول: سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: سمعت عبد الرحمن بن أبي حاتم يقول: بلغني أن بشر بن الحارث الحافي قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا بشر، أتدري لم رفعك الله من بين أقرانك؟ قلت: لا، يا رسول الله.\rقال: باتِّباعك لسنَّتي، وخدمتك للصالحين، ونصيحتك لا خوانك، ومحبتك لأصحابي، وأهل بيتي: وهو الذي بلَّغك منازل الأبرار.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: سمعت بلالا الخواص يقول: منت في تيه بني إسرائيل، فإذا رجل يماشيني، فتعجبت منه، ثم أُلهمت أنه الخضر عليه السلام، فقلت له: بحقِّ الحقِّ من أنت؟ فقال: أخوك الخضر؛ فقلت له: أُريد أن أسألك، فقال: سل. فقلت: ما تقول في الشافعي رحمه الله؟ فقال: هو من الأوتاد.\rفقلت: ما تقول في أحمد بن حنبل رضي الله عنه؟ قال رجل صدِّيق.\rقال: فما تقول في بشر بن الحارث الحافي؟ قال: لم يخلق بعده مثله.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله تعالى، يقول: أتى بشر الحافي باب المعافي بن عمران، فدقَّ الحافي عليه الباب، فقيل: من؟ فقال: بشر الحافي.\rفقالت لهُ بنيةٌ من داخل الدار: لو اشتريت لك نعلا بدانقين لذهب عنك اسم الحافي.\rأخبرني بهذه الحكاية محمد بن عبد الله الشيرازي، قال: حدثنا عبد العزيز بن الفضل قال: حدثني محمد بن سعيد، قال: حدثني محمد بن عبد الله قال: سمعت عبد الله المغازلي يقول: سمعت بشراً الحافي يذكر هذه الحكاية.\rوسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا الحسين الحجاجي يقول: سمعت المحاملي يقول: سمعت الحسن المسوحي يقول: سمعت بشر بن الحارث يحكي هذه الحكاية.\rوسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا الفضل العطَّار يقول: سمعت أحمد بن علي الدمشقي يقول: قال لي أبو عبد الله بن الجلاء: رأيت ذا النون، وكانت له العبارة، ورأيت سهلاً، وكانت له الإشارة، ورأيت بشر بن الحارث، وكان له الورع.\rفقيل له: فإلى من كنت تميل؟ فقال: لبشر بن الحارث أستاذنا.\rوقيل: إنه اشتهى الباقلاء سنين، فلم يأكله، فرؤى في المنام بعد وفاته فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: عَفر لي، وقال: كُلْ يا من لم يأكل، واشرب يا مَنْ لم يشرب.\rأخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، قال: أخبرنا عبيد الله ابن عثمان بن يحيى قال: حدثنا أبو عمرو بن السماك قال: حدثنا محمد ابن العباس قال: حدثنا أبو بكر بن بنت معاوية قال: سمعت أبا بكر بن عفان يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: إني لأشتهي الشِّواء منذ أربعين سنة ما صفا لي ثمنه؟؟ وقيل لبشر: بأيِّ شيء تأكل الخبز؟ فقال أَذكر العافية وأجعلها إداماً.\rأخبرنا به محمد بن الحسين، رحمه الله، قال: أخبرنا عبيد الله بن عثمان قال: أخبرنا أبو عمرو بن السماك قال: حدثنا عمر بن سعيد قال: حدثنا ابن أبي الدنيا قال: قال رجل لبشر الحكاية المذكورة.\rوقال بشر: لا يحتمل الحلالُ السَّرف.\rورؤي بشر في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وأباح لي نصف الجنة، وقال لي: يا بشر، لو سجدتّ لي على الجمر ما أديتَ شكرً ما جعلت لك في قلوب عبادي.","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"وقال بشر: لا يجدُ حلاوة الآخرة رجل يُحِبُّ أن يعرفه الناس.\rومنهم:\rأبو عبد الله المحاسبي\rالحارث بن أسد المحاسبي عديم النظير في زمانه علماً، وورعاً، ومعاملة، وحالاً.\rبصرىُّ الأصل، مات ببغداد سنة ثلاث وأربعين ومائتين.\rقيل: إنه ورث من أبيه سبعين ألف درهم فلم يأخذ منها شيئاً. قيل، لأن أباه كان يقول بالقدر، فرأى من الورع أن لا يأخذ من ميراثه شيئاً، وقال: صحَّت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: \" لا يتوارث أهل ملَّتين شيئاً \" .\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت الحسين بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول: سمعت محمد بن مسروق يقول: مات الحارث ابن أسد المحاسبي وهو محتاج إلى جرهم، وخلف أبوه ضِياعاً وعقاراً، فلم يأخذ منه شيئاً.\rسمعت الأستاذ أبا عليِّ الدقاق، رحمه الله تعالى، يقول: كان الحارث المحاسبي إذا مدَّ يده إلى طعام فيه شبهة تحرَّك على أصبحه عِرق، فكان يمتنع منه.\rوقال أبو عبد الله بن خفيف: اقتدوا بخمسة من شيوخنا، والباقون سلِّموا لهم حالهم: الحارث بن أسد المحاسبي، والجنيد بن محمد، وأبو محمد رُويم، وأبو العباس ابن عطاء، وعمرو بن عثمان المكيِّ؛ لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الله علي الطوسي يقول: سمعت جعفراً الخلدي يقول: سمعت أبا عثمان البلدي يقول: قال الحارث المحاسبي: من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص زين الله ظاهره بالمجاهدة واتِّباع السنَّة.\rويحكى عن الجنيد أنه قال: مرَّ بي يوماً الحارث المحاسبي، فرأيت فيه أثر الجوع، فقلت: يا عم، تدخل الدار وتتناول شيئاً؟ فقال: نعم.\rفدخلت الدار وطلبت شيئاً أقدِّمه إليه، فكان في البيت شيء من طعام حمل إليَّ من عرس قوم، فقدَّمته إليه، فأخذ لقمة وأدارها في فمه مرات، ثم إنه قام وألقاها في الدهليز، ومرَّ.\rفلما رأيته بعد ذلك بأيام قلت له في ذلك، فقال: إني كنت جائعاً، وأردت أن أَسرَّك بأكلي وأحفظ قلبك، ولكن بيني وبين الله، سبحانه، علامة: أن لا يسوغني طعاماً فيه شبهة، فلم يمكنّي إبتلاعه، فمن أين كان لك ذلك الطعام؟.\rفقلت: إنه حُمل إليَّ من دار قريب لي من العرس، ثم قلت: تدخل اليوم؟ فقال: نعم. فقدمت إليه كِسراً يابسة كانت لنا، فأكل وقال: إذا قدمتَّ إلي فقير شيئاً فقدِّم إليه مثل هذا.\rومنهم:\rداود بن نصير الطائي\rأبو سليمان داود بن نصير الطائي وكان كبير الشأَن. أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السملي، رحمه الله، قال: أخبرنا أبو عمرو بن مطر قال: حدثنا محمد بن المسيَّب قال: حدثنا ابن خُبيق قال، قال يوسف بن سباط: ورث داود الطائي عشرين ديناراً فأكلها في عشرين سنة.\rسمعت الأستاذ أبا عليِّ الدقاق، رحمه الله، يقول: كان سبب زهد داود الطائي: أنه كان يمرُّ ببغداد، فمرَّ يوماً، فنحّاه المطرقون بين يدي حميد الطوسي، فالتفت داود فرأي حميداً، فقال داود: أُفِّ لدنيا سبقك بها حميد.\rولزم البيت وأخذ في الجهد والعبادة.\rوسمعت ببغداد بعض الفقراء يقول: إن سبب زهده أنه سمع نائحة تنوح وتقول:\rبأيِّ خديك تبدي البلى ... وأي عينيك إذاً سالا\rوقيل: كان سبب زهده: أنه كان يجالس أبا حنيفة، رضي الله عنه، فقال له أبو حنيفة يوماً: يا أبا سليمان: أمَّا الأداة فقد أحكمناها فقال له داود: فأي شيء بقي؟ فقال: العمل به.\rقال داود: فنازعتني نفسي إلى العُزلة، فقلت لنفسي: حتى تجالسهم ولا تتكلم في مسألة.\rقال: فجالستهم سنة لا أتكلم في مسألة، وكانت المسألة تمرُّ بي، وأنا إلى الكلام فيها أشد نزاعاً من العطشان إلى الماء البارد ولا أتكلَّم به.\rثم صار أمره إلى ما صار.\rوقيل: حجم جنيدُ الحجام داود الطائي، فأعطاه ديناراً، فقيل له: هذا إسراف.\rفقال: لا عبادة لمن لا مروءة له.\rوكان يقول بالليل: الهي همُّك عطَّل عليَّ الهموم الدنيوية، وحلل بين وبين الرقاد.\rسمعت محمد بن عبد الله الصوفيِّ يقول: حدثنا محمد بن يوسف قال: حدثنا سعيد بن عمرو قال: حدثنا عليٌّ بن حرب الموصلي قال: حدثنا إسماعيل ابن زيا الطائيّ قال: قالت دايةُ داود الطائي له.\rأما تشتهي الخبز؟ فقال: بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءةُ خمسين آية.","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"ولما تُوفي داود رآه بعض الصالحين في المنام وهو يعدو فقيل له: مالك؟ فقال: الساعة تخلَّصت من السجن.\rفاستيقظ الرجل من منامه، فارتفع الصياح بقول الناس: مات داود الطائي.\rوقال له رجل: وسني. فقال له: عسكرُ الموتِ ينتظرونك.\rودخل بعضهم عليه، فرأى جرَّة ماء انبسطت عليها الشمس، فقال له: ألا تحوِّلها إلى الظل؟ فقال: حين وضعتها لم يكن شمس، وأنا أستحي أن يراني الله أَمشي لما فيه حظُّ نفسي.\rودخل عليه بعضهم، فجعل ينظر إليه، فقال: أما علمت أنهم كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام؟ أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصفهانيّ قال: أخبرنا أبو اسحق إبراهيم ابن محمد بن يحيى المزكي: قال: حدثنا قاسم بن أحمد، قال: سمعت ميموناً الغزالي قال: قال أبو الربيع الواسطي: قلت لداود الطائي: أوصني.\rفقال: صُمْ عن الدنيا، واجعل فطرك الموت، وفرَّ من الناس كفرارك من السبع.\rومنهم:\rشقيق بن إبراهيم البلخي\rأبو علي شقيق بن إبراهيم البلخي من مشايخ خراسان. له لسان في التوكُّل، وكان أستاذ حاتم الأصم.\rقيل: كان سبب توبته: أنه كان من أبناء الأغنياء، خرج للتجارة إلى أرض الترك، وهو حدث. فدخل بيتاً للأصنام، فرأَى خادماً للأصنام فيه؛ قد حلق رأسه ولحيته، ولبس ثياباً أُرجوانية. فقال شقيق للخادم: إنَّ لك صانعاً حيًّا، عالماً، قادراً، فاعبده.. ولا تعيد هذه الأصنام التي لا تضرُّ ولا تنفع!!.\rفقال: إن كان كما تقول، فهو قادر على أَن يرزقك ببلدك، فلم تعنَّيت إلى هاهنا للتجارة؟ فانتبه شقيق.. وأخذ في طريق الزهد.\rوقيل: كان سبب زهده: أنه رأى مملوكاً يلعب ويمرح في زمان قحط، وكان الناس مهتمين به، فقال شقيق: ما هذا النشاط الذي فيك؟ أما ترى ما فيه الناس من الجدب والقحط؟.\rفقال ذلك المملوك: وما عليَّ من ذلك، ولمولاي قريةٌ خالصة يدخل له منها ما يحتاج نحن إليه، فانتبه شقيق، وقال: إن كان لمولاه قرية، ومولاه مخلوق فقير، ثم إنه ليس يهتم لرزقه، فكيف ينبغي أن يهتم المسلم لرزقه ومولاه غني؟! سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله ، يقول: سمعت أبا الحسين بن أحمد العطار البلخي يقول: سمعت أحمد بن محمد البخاري يقول: قال حاتم الأصم: كان شقيق بن إبراهيم موسراً، وكان يفتي ويعاشر الفتيان، وكان عليُّ بن عيسى بن ماهان أميرَ بلخ، وكان يحب كلاب الصيد، ففقد كلباً من كلابه، فسعى برجل أنه عنده، وكان الرجل في جوار شقيق، فطلب الرجل، فهرب... فدخل دار شقيق مستجيراً، فمضى شقيق إلى الأمير، وقال: خلوا سبيله، فإن الكلب عنيد أرده إليكم إلى ثلاثة أيام.\rفخلوا سبيله، وانصرف شقيق مهتما لما صنع. فلما كان اليوم الثالث كان رجل من أصدقاء شقيق غائباً من بلخ فرجع إليها، فوجد في الطريق كلباً عليه قلادة، فأخذه، وقال: أهديه إلى شقيق، فإنه يشتغل بالتفَّتى.\rفحمله إليه، فنظر شقيق فإذا هو كل الأمر، فسرَّ به وحمله إلى الأمير وتخلّص من الضمان فرزقه الله الانتباه، وتاب مما كان فيه. وسلك طريق الزهد.\rوحكى أنا حاتماً الأصمَّ قال: كنا مع شقيق في مصاف نحارب الترك في يوم لا نري فيه إلا رءوساً تندر، ورماحاً تنقصف، وسيوفاً تنقطع، فقال لي شقيق: كي ترى نفسك يا حاتم في هذا اليوم؟ تراه مثل ما كنت في الليلة التي زفّت إليك امرأتك؟ فقال: لا والله.\rقال: لكنّي والله أرى نفسي في هذا اليوم مثلَ ما كنتُ تلك الليلة.\rثم نام بين الصفَّين ودرقته تحت رأسه حتى سمعت غطيطه.\rوقال شقيق: إذا أَردت أن تعرف الرجل فانظر لى ما وعده الله ووعده الناس، فبأيهما يكون قلبه أوثق؟ وقال شقيق: تُعرف تقوى الرجل في ثلاثة أشياء: في أخذِه، ومنعِه، وكلامِه.\rومنهم:\rأبو يزيد البسطامي\rأبو يزيد بن طيفور بن عيسى البسطامي وكان جدُّه مجوسياً أسلم.\rوكانوا ثلاثة إخوة: آدم، وطيفور، وعليّ. وكلهم كانوا زهَّاداً عبَّاداً وأبو يزيد كان أجلَّهم حالاً.\rقيل مات سنة: إحدى وستين ومئتين، وقيل: أربع وثلاثين ومائتين؟ سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أبا الحسين الفارسي، يقول: سمعت الحسن بن عليّ يقول: سئل أبو يزيد: بأي شيء وجدتّ هذه المعرفة؟ فقال: ببطن جائع، وبدن عار.","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت عمي البسطامي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا يزيد يقول: عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئاً أشدَّ عليَّ من العمل ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لبقيت، واختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد.\rوقيل. لم يخرج أبو يزيد من الدنيا حتى استظهر القرآن كلَّه.\rحدثنا أبو حاتم السجستاني قال: أخبرنا أبو نصر السرَّاج، قال: سمعت طيفور البسطامي يقول: سمعت المعروف بعمِّي البسطامي يقول: سمعت أبي يقول: قال لي أبو يزيد: قم بنا حتى ننظر إلى هذا الرجل الذي قد شهر نفسه بالولاية، وكان رجلاً مقصوداً مشهوراً بالزهر، فمضينا إليه؛ فلما خرج من بيته، ودخل المسجد رمى ببصاقه تجاه القبلة، فانصرف أبو يزيد ولم سلم عليه، وقال: هذا غيرُ مأمون على أدب من آداب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكيف يكون مأموناً على ما يدَّعيه؟ وبهذا الإسناد قال أبو يزيد: لقد هممت أن أسأل الله تعالى أن يكفيني مؤنة الأكل ومؤنة النساء، ثم قلت: كيف يجوز لي أن أسأل هذا ولم يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه؟ فلم أسأله. ثم إن الله سبحانه وتعالى كفاني مؤنة النساء؛ حتى لا أُبالي استقبلتني امرأة أو حائط.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت الحسن ابن علي يقول: سمعت عمي البسطامي يقول: سمعت أبي يقول: سألت أبا يزيد عن ابتدائه وزهده، فقال: ليس للزهد منزلة. فقلت: لماذا؟ فقال: لأني كنت ثلاثة أيام في الزهد.\rفلما كان اليومُ الرابع خرجت منه: اليوم الأول: زهدت في الدنيا وما فيه، واليوم الثاني: زهدت في الآخرة وما فيها، واليوم الثالث: زهدت فيما سوى الله، فلما كان اليوم الرابع لم يبق سوى الله.. فهمْتُ، فسمعت، هاتفاً يقول: يا أبا يزيد لا تقوى معنا. فقلت. هذا الذي أريده.\rفسمعت قائلاً يقول: وَجدتَ، وجدت.\rوقيل لأبي يزيد: ما أشد ما لقيتَ في سبيل الله؟ فقال: لا يمكن وصفه.\rفقيل له: ما أهون ما لقيَت نفسُك منك؟ فقال: أمَّ هذا فنعم، دعوتها إلى شيء من الطاعات فلم تجبني، فمتعتها الماءَ سنة.\rوقال أبو يزيد: منذ ثلاثين سنة أصلِّي، واعتقادي في نفسي عند كل صلاة أصلها: كأني مجوسي أريد أن أقطع زُنّاري.\rسمعت محمد بن الحسين رحمه الله يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت موسى بن عيسى يقول، قال لي أبي: قال أبو يزيد: لو نظرتم إلى رجل أُعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء، فلا تغتروا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الشريعة.\rوحكى عميِّ البسطامي عن أبيه أنه قال: ذهب أبو يزيد ليلة إلى الرباط، ليذكر الله، سبحانه، على سور الرباط، فبقي إلى الصباح لم يذكر، فقلت له في ذلك، فقال: تذكَّرتُ كلمة جرت على لساني في حال صباي، فاحتشمت أن أذْكره سبحانه وتعالى.\rومنهم:\rأبو محمد التستري\rسهل بن عبد الله التستري أحد أئمة القوم، لم يكن له في وقته نظير في المعاملات والورع.\rوكان صاحب كرامات، لقي ذا النون المصري بمكة سنى خروجه إلى الحج.\rتُوفي، كما قيل، سنة: ثلاث وثمانين ومائتين، وقيل: ثلاث وسبعين ومائتين.\rوقال سهل: كنت ابن ثلاث سنين، وكنت أقوم بالليل أنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار، وكان يقولم بالليل، فربما كان يقول لي: يا سهل، إذهب فنمْ فقد شغلتَ قلبي.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله يقول: سمعت أبا الفتح يوسف ابن عمر الزاهر يقول: سمعت عبد الله بن عبد الحميد يقول: سمعت عبيد الله ابن لؤلؤ يقول: سمعت عمر بن واصل البصري يحكي عن سهل بن عبد الله قال: قال لي خالي يوماً: ألا تذكر الله الذي خلقك؟ فقلت: كيف أذكره؟ فقال لي: قل بقلبك عند تقلُّبك في ثيابك ثلاث مرات. من غير أن تحرِّك به لسانك: الله معي، الله ناظرٌ إليَّ، الله شاهد عليَّ.\rفقلت ذلك ثلاث ليال، ثم أعلمته، فقال لي: قل في كل ليلة سبع مرات. فقلت ذلك ثم أعلمت، فقال: قل في كل ليلة إحدى عشرةَ مرَّة، فقلت ذلك، فوقع في قلبي له حلاوة.\rفلما كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علَّمتك، ودُم عليه إلى أن ندخل القبر، فإِنه ينفعك في الدنيا والآخرة.\rفلم أزل على ذلك سنين، فوجدت لها حلاوة في سرِّي.","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"ثم قال لي خالي يوماً: يا سهل، من كان الله معه، وهو ناظر إليه، وشاهدُه، أيعصيه؟ إيَّاك والمعصيةً.\rفكنت أخلو، فبعثوني إلى الكتَّاب، فقلت: إني لأخشى أن يتفرق عليَّ همِّي، ولكن شارطوا المعلِّم: أني أذهب إليه ساعة، فأَتعلّم، ثم أرجع.\rفمضيت إلىالكتَّاب، وحفظتُ القرآن، وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين، وكنت أصوم الدهر، وقوتي خبز الشعير، إلى أن بلغت إثنتي عشرة سنة، فوقعت لي مسألة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، فسألت أهلي أن يبعثوني إلى البصرة أسأل عنها، فجئت البصرة وسألت علماءها فلم يشف أحد منهم عني شيئاً!! فخرجت إلى عبادان، إلى رجل يُعرف بأبي حبيب حمزة بن عبد الله العباداني، فسألته عنها فأجابني. وأقمت عنده مدَّة أنتفع بكلامه وأتأدب بآدابه، ثم رجعت لي تستر فجعلت قوتي اقتصاراً على أن يشتري لي بدرهم من الشعير الفرْق فيطحن ويخبز لي، فأفطر عند السحر كلَّ ليلة على أوقية واحدة بحتاً، بغير ملح ولا إدام فكان يكفيني ذلك الدرهم سنة.\rثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليل، ثم أفطر ليلة، ثم خمساً، ثم سبعاً، ثم خمساً وعشرين ليلة. وكنت عليه عشرين سنة. ثم خرجتُ أسيح في الأرض سنين، ثم رجعت إلى تستر وكنت أقوم الليل كله.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت إبراهيم بن فراس يقول: سمعت نصر بن أحمد يقول: قال سهل ابن عبد الله: كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء، طاعة كان أو معصية، فهو عيش النفس، وكلُّ فعل يفعله بالاقتداء فهو عذابُّ على النفس.\rومنهم:\rأبو سليمان الداراني\rعبد الرحمن بن عطية الداراني وداران قرية من قرى دمشق. مات: سنة خمس عشرة ومائتين.\rسمعت محمد الحسين يقول: سمعت عبد الله بن محمد الرازيّ يقول: أخبرنا إسحق بن إبراهيم بن أبي حسان يقول: سمعت أحمد ابن أبي الحواري يقول: سمعت أبا سليمان يقول: مَن أحسن في نهاره كوفىء في ليله، ومن أحسن في ليله كوفىء في نهاره.ومن صدّق في ترك شهوة ذهب الله بها من قلبه، والله تعالى كرم من أن يعذِّب قلباً بشهوة تُركت له.\rوبهذا الإسناد قال: إذا سكنت الدنيا القلب ترحَّلت منه الآخرة.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت الحسين ابن يحيى يقول: سمعت جعفر بن محمد بن نصير، يقول: سمعت الجنيد يقول: قال أبو سليمان الداراني: ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياماً، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب، والسنَّة.\rوقال أبو سليمان: أفضل الأعمال: خلاف هوى النفس.\rوقال: لكلِّ شيء عَلَم، وعَلَمُ الخذلان ترك البكاء.\rوقال: لكل شيء صدأ، وصدأ نور القلب شبَعُ البطن.\rوقال: كلُّ ما شغلك عن الله تعالى من أهل، أو مال، أو ولد فهو عليك مشئوم.\rوقال أبو سليمان: كنت ليلة باردة في المحراب، فأقلقني البرد: فخبَّأت إحدى يدي من البرد، وبقيت الأخرى ممدودة، فغلبتني عيناي فهتف بي هتف: يا أبا سليمان، وقد وضعنا في هذه ما أصابها، ولو كانت الأخرى لوضعنا فيها.\rفآليت على نفسي أن لا أدعو إلا ويداي خارجتان، حرًّا كان الزمن أو برداً.\rوقال أبو سليمان: نمت عن وردي، فذا أنا بحوراء تقول لي: تنام وأنا أربي لك في الخدور منذ خمسمائة عام!! أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني، قال: أخبرنا أبو عمرو الجولستي، قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: دخلت علي أبي سليمان يوماً وهو يبكي. فقلت له ما يبكيك؟ فقال: يا أحمد، ولم لا أبكي، وإذا جنَّ الليل، ونامت العيون، وخلا كلُّ حبيب بحبيبه، وافترض أهل المحبة أقدمهم، وجرت دموعهم على خدودهم، وتقّطرت في محاريبهم، وأشرف الجليل؛ سبحانه وتعالى؛ فنادي: من تلذَّذ بكلامي واستراح إلى ذكرى، وإني المطَّلع عليهم في خلواتهم.. أسمع أنينهم.. وأرى بكاءهم، فلم لا تنادي فيهم يا جبريل: ما هذا البكاء؟! هل رأيتم حبيباً يعذِّب أحباءه؟ أم كيف يجمل بي أن آخذ قوماً إذا جنّهم الليل تملّقوا لي فإني حلفت: أنهم إذا وردوا عليَّ يوم القيامة لأكشف، لهم عن وجهي الكريم، حتى ينظروا إليَّ وأنظر إليهم.\rومنهم:\rأبو عبد الرحمن حاتم بن علوان\rويقال حاتم بن يوسف الأصم، من أكابر مشايخ خراسان.\rوكان تلميذ شقيق، وأستاذ أحمد بن خضرويه.","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"قيل: لم يكن أصمَّ، وإنما تصامم مرَّة فسُمّي به.\rسمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق، رحمه الله، يقول: جاءت امرأة فسألت حاتماً عن مسألة، فاتفق أنه خرج منها في تلك الحالة صوت، فخجلت، فقال حاتم: ارفعي صوتك. فأَرى من نفسه: أنه أصمُّ، فسرَّت المرأة بذلك، وقالت: إنه لم يسمع الصوت، فغلب عليه اسم الصمم.\rأخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، قال: سمعت أبا عليّ سعيد بن أحمد يقول: سمعت أبي يقول: سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت خالي محمد بن الليث يقول: سمعت حامداً اللقاف يقول: سمعت حاتماً الأصمَّ يقول: ما من صباح إلا والشيطان يقول لي: ماذا تأكل؟ وماذا تلبس؟ وأين تسكن؟ فأقول له، آكل الموت، وألبس الكفن، وأسكن القبر.\rوبإسناده قيل له: ألا تشتهي؟ فقال: أشتهي عافية يوم إلى الليل.\rفقيل له: أليست الأيام كلها عافية؟ فقال: إن عافية يومي، أن لا أعصي الله فيه.\rوحكي عن حاتم الأصمَّ، أنه قال: كنت في بعض الغزوات، فأخذني شخص فأضجعني للذبح فلم يشتغل به قلبي، بل كنت أنظر ماذا يحكم الله تعالى فيَّ.\rفبينما هو يطلب السكين من حقِّه أصابه سهم غرْب. فقتله، وطرحه عني فقمتً.\rسمعت بعد الله بن يوسف الأصبحاني يقول: سمعت أبا نصر منصور ابن محمد بن إبراهيم الفقي يقول: سمعت أبا محمد جعفر بن محمد بن نصير يقول: روي عن حاتم أنه قال: من دخل في مذهبنا هذا فليجعل في نفسه أربع خصال من الموت: موتاً أبيض، وهو الجوع.\rوموتاً أسود، وهو: إحتمال الأذى من الخلق.\rوموتاً أحمر، وهو: العمل الخالص من الشوْب في مخالفة الهوى.\rوموتاً أخضر، وهو: طرح الرقاع بعضها على بعض.\rومنهم:\rأبو زكريا الرازي الواعظ\rأبو زكريا يحيى بن معاذ الرازي الواعظ نسيج وحدّه في وقته، له لسان في الرجاء خصوصاً، وكلام في المعرفة. خرج إلى بلخ، وأَقام بها مدَّة.\rورجع إلى نيسابور ومات بها سنة: ثمان وخمسين ومائتين.\rسمعت محمد بن الحسين رحمه الله، يقول: سمعت عبد الله بن محمد ابن أحمد بن حمدان الكعبري يقول: سمعت أحمد بن محمد بن السرَّي يقول: سمعت أحمد بن عيسى يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: كيف يكون زاهداً من لا وَرع له؟! تورّع عما ليس لك، ثم ازهد فيما لك.\rوبهذا الإسناد قال: جوع التوَّابين تجربة، وجوع الزاهدين سياسة، وجوع الصدِّيقين تكرمة.\rوقال يحيى: الفوت أشد من الموت؛ لأن الفوت انقطاع عن الحق، والموت انقطاع عن الخلق.\rوقال يحيى: الزهد ثلاثة أشياء، القلَّة، والخلوة، والجوع.\rوقال يحيى: لا تربح على نفسك بشيء أجلّ من أن تشغلها في كل وقت بما هو أولى بها.\rوقيل: إن يحيى بن معاذ تكلم ببلخ في تفضيل الغنى على الفقر، فأعطي ثلاثين ألف درهم، فقال بعض المشايخ: لا بارك الله له في هذ المال فخرج إلى نيسابور، فوقع عليه اللص وأخذ ذلك المال منه.\rأخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني قال: أبنأنا أبو القاسم عبد الله ابن الحسين بن بالويه الصوفي قال: سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: سمعت الحسين بن علويه يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: من خان الله في السرِّ هتك الله ستره في العلانية.\rسمعت عبد الله بن يوسف يقول: سمعت أبا الحسين محمد بن عبد العزيز المؤذَّن يقول: سمعت محمد بن محمد الجرجاني يقول: سمعت عليّ بن محمد يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: تزكية الأشرار لك هُجْنة بك، وحبُّهم لك عيب عليك، وهانَ عليك من إحتاج إليك.\rومنهم:\rأبو حامد بن خضرويه البلخي\rأبو حامد أحمد بن خضرويه البلخي من كبار مشايخ خراسان، صحب أبا تراب التخشبي.\rقدم نيسابور، وزار أبا حفص، وخرج إلى بسطام في زيارة أبي يزيد البسطامي وكان كبيراً في الفتوَّة.\rوقال أبو حفص: ما رأيت أحداً أكبر همَّة، ولا أصدق حالاً من أحمد بن خضرويه.\rوكان أبو يزيد يقول: أستاذنا أحمد.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت محمد بن حامد يقول: كنت جالساً عند أحمد بن خضرويه، وهو في النزع، وكان قد أتي عليه خمس وتسعون سنة.\rفسأله بعض أصحابه عن مسألة؛ فدمعت عيناه، وقال: يا بني، بابٌ كنت أدقه منذ خمس وتسعين سنة، وهو ذا يُفتح لي الساعة لا أدري أباب السعادة يُفتح أم بالشقاوت؟ أنَّي لي أوان الجواب؟","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"قال: وكان عليه سبمعمائة دينار، وغرماؤه عنده، فنظر إليهم. وقال: اللهم إنك جعلت الرهون وثيقة لأرباب الأموال، وأنت تأخذ عنهم وثيقَتَهم فأدّعنيِّ.\rقال: فدّق داقٌّ الباب وقال: أين غرماء أحمد؟ فقضي عنه.\rثم خرجت روحه، ومات، رحمه الله، سنة أربعين ومائتين.\rوقال أحمد بن خضرويه: لا نوم أثقل من الغفلة ولا رق أملك من الشهوة، ولولا ثقل الغفلة عليك لما ظفرت بك الشهوة.\rومنهم:\rأبو الحسين بن أبي الحواري\rأبو الحسين أحمد بن أبي الحواري من أهل دمشق، صحب أبا سليمان الداراني وغيره، مات سنة: ثلاثين ومائتين. وكان الجنيد يقول: أحمد بن أبي الحواري: ريحانة الشام.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا أحمد الحافظ يقول: سمعت سعيد بن عبد العزيز الحلبي يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: من نظر إلى الدنيا نظرة إرادة وحبّ لها أخرج الله نور اليقين والزهد من قلبه. وبهذا الإسناد يقول: من عمل عملا بلا اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فباطل عمله.\rوبهذا الإسناد قال أحمد بن أبي الحواري: أفضل البكاء: بكاء العبد على ما فاته من أوقاته على غير الموافقةَ.\rوقال أحمد: ما ابتلي الله عبداً بشيء أشد من الغفلة والقسوة.\rومنهم:\rأبو حفص الحداد\rأبو حفص عمر بن مسلمة الحداد من قرية يقال لها كورداباذ على باب مدينة نيسابور، على طريق بخارى.\rكان أحد الأئمة والسادة. مات سنة نيِّف وستين ومائتين.\rقال أبو حفص: المعاصي يريد الكفر، كما أن الحمَّى يريد الموت.\rوقال أبو حفص: إذا رأيت المريد يحب السماع فأعلم أن فيه بقية من البطالة.\rوقال: حُسن أدب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن.\rوقال: الفتوَّة: أداءالإنصاف، وترك مطالبة الإنصاف.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا الحسن محمد بن موسى يقول: سمعت أبا علي الثقفي يقول: كان أبو حفص، يقول: من لم يزن أفعاله وأَحواله في كل وقت بالكتاب والسنَّة، ولم يتهم خواطره، فلا نعُده في ديوان الرجال.\rومنهم:\rأبو تراب النخشبي\rأبو تراب عسكر بن حصين النخشبي صاحب حاتماً الأصمَّ، وأبا حاتم العَّار المصري.\rمات سنة: خمس وأربعين ومائتين.قيل: مات بالبادية نهسته السباع.\rوقال ابن الجلاء: صحبت ستمائة شيخ، مالقيت فيهم مثل أربعة: أوَّلهم: أبو تراب النخشبي.\rقال أبو تراب: الفقير قُوتُه: ما وجده، ولباسه: ماستره، ومسكنه: حيث نزل.\rوقال أبو تراب: إذا صدق العبد في العمل وجد حلاوته قبل أن يعمله، فإذا أخلص فيه وجد حلاوته ولذَّته وقت مباشرة الفعل.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت جدِّي إسماعيل بن نجيد يقول: كان أبو تراب النخشبي إذا رأى من أصحابه ما يكره زاد في اجتهاده وجدَّد توبته ويقول: بشؤمي دفعوا إلى ما دُفعوا إليه، لأن الله عز وجل يقول: إن الله لا يغيِّر ما بقوم حتى يغِّيروا ما بأنفسهم قال: وسمعته يقول أيضاً لأصحابه: من لبس منكم مُرَقعة فقد سأل، ومن قعد في خانقاه أو مسجد فقد سأل، ومن قرأ القرآنِ من مصحف، أو كيما يسمع الناس فقد سأل.\rقال: وسمعته يقول: كان أبو تراب يقول: بيني وبين الله عهد أن لا أمد يدي إلى حرام إلا قصرت يدي عنه.\rونظر أبو تراب يوماً إلى صوفيِّ من تلامذته قد مدَّ يده إلى قشر بطيخ، قد طوى ثلاثة أيام، فقال له أبو تراب: تمد يدك إلى قشر البطيخ؟ أنت لا يصلح لك التصوف، الزم السوق.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت أبا عبد الله القارسي يقول: سمعت أبا الحسين الرازي يقول: سمعت يوسف ابن الحسين يقول: سمعت أبا تراب النخشبي يقول: ما تمنت نفسي عليّ شيئاً قط، إلا مرة واحدة: تمنت عليَّ خبزاً وبيضاً، وأنا في سفري، فعدلت عن الطريق إلى قرية، فوثب رجل وتعلق بي وقال: كان هذا مع اللصوص، فبطحوني وضربوني سبعين خشبة. قال: فوقف علينا رجل صوفي، فصرخ وقال: ويحكم هذا أبو تراب النخشبي، فخلوني واعتذروا إليَّ وأدخلني الرجل منزله، وقدَّم إليَّ خبزاً وبيضاَ، فقلت: كلْها بعد سبعين جلدة.\rوحكى ابن الجلاء قال: دخل أبو تراب مكة طيِّب النفس، فقلت: أين أكلت أيُّها الأستاذ؟ فقال: أكلة بالبصرة، وأكلة بالنباج، وأكلة هاهنا.\rومنهم:\rأبو محمد عبد الله بن خبيق","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"من زهَّاد المتصوِّفة، صحب يوسف بن أَسباط.\rكان كوفيَّ الأصل. ولكنه سكن أَنطاكية.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا الفرج الورثاني يقول: سمعت أبا الأزهر الميافارقيني يقول: سمعت فتح بن شخرف يقول: حدثني عبد الله ابن حبيق أول ما لقيته فقال لي: يا خراساني، إنما هي أربع لا غير: عينك، ولسانك، وقلبك، وهواك.. فانظر عينك، لا تنظر بها إلى ما لايحل، وأنظر لسانك، لا تقل به شيئاً يعلم الله تعالى خلافه من قلبك؛ وانظر قلبك، لا يكن فيه غلٌّ ولا حقد على أحد من المسلمين، وانظر هواك لا تهوي به شيئاً من الشرِّ، فإذا لم يكن فيك هده الأربع من الخصال، فاجعل الرماد على رأسك؛ فقد شقيت.\rوقال ابن خُبيق: لا نعتَمّ إلا من شيء يضرك غداً، ولا تفرح إلا بشيء يسرُّك غداً.\rوقال ابن خبيق: وحشة العباد عن الحق، أو حشتْ منهم القلوب، ولو أنهم أنسوا بربِّهم لأنس بهم كل أحد.\rوقال: أنفع الخوف ما حجزك عن المعاصي، وأطال منك الحزن على ما فاتك، وألزمك الفكرة في بقية عمرك. وأنفع الرجاء: ما سهَّل عليك العمل.\rوقال: طول الاستماع إلى الباطل يطفىء حلاوة الطاعة من القلب.\rومنهم:\rأبو علي الأنطاكي\rأبو علي أحمد بن عاصم الأنطاكي من أقران بشر بن الحارث، والسريِّ السقطي، والحارث المحاسبيّ.\rوكان ابو سليمان الداراني يسميه: جاسوس القلب، لحدة فراسته.\rوقال أحمد بن عاصم: إذا طلبت صلاح قلبك فاستعن عليه بحفظ لسانك.\rوقال أحمد بن عاصم: قال الله تعالى: \" إنما أموالكم وأولادكم فتنة \" ونحن نستزيد من الفتنة.\rومنهم:\rأبو السري منصور بن عمار\rمن أهل مرو، من قرية يقال لها: يرانقان.\rوقيل إنه من بوشنج أقام بالبصرة: وكان من الواعظين الأكابر.\rوقال منصور بن عمار: من جزع من مصائب الدنيا تحوَّلت مصيبته في دينه.\rوقال منصور بن عمار: أحسن لباس العبد: التواضع، والانكسار، وأحسن لباس العارفين: التقوي، قال الله تعالى: \" ولباس التقوى ذلك خير \" .\rوقيل: إن سبب توبته أنه وجد في الطريق رقعة مكتوباً عليها \" بسم الله الرحمن الرحيم \" ، فرفعها، فلم يجد لها موضعاً فأكلها، فرأى في المنام كأن قائلا قال له: فتح الله عليك باب الحكمة؛ باحترامك لتلك الرقعة.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا العباس القاصّ يقول: سمعت أبا الحسن الشعراني يقول: رأيت منصور بن عمار في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال قال لي: أنت منصور بن عمار؟ فقلت: بلى يا رب.\rقال: أنت الذي كنتّ تزهدِّ الناس في الدنيا وترغب فيها؟ قلت: قد كان ذلك يا رب، ولكني ما اتخذت مجلساً إلا بدأت بالثناء عليك وثنَّيت بالصلاة على نبيك؛ صلى الله عليه وسلم، وثلَّثت بالنصيحة لعبادك.\rفقال: صدق، ضعوا له كرسياً، يمجدني في سمائي بين ملائكتي، كما كان يمجِّدني في أرضي بين عبادي.\rومنهم:\rأبو صالح القصار\rأبو صالح حمدون بن أحمد بن عمارة القصار نيسابوري، منه انتشر مذهب الملامتية بنيسابور صحب سلمان الباروسي، وأبا تراب النخشبي.\rمات: سنة إحدى وسبعين ومائتين.\rسئل حمدون: متى يجوز للرجل أن يتكلم على الناس؟ فقال: إن تعين عليه أداء فرض من فرائض الله تعالى في علمه، أو خاف هلاك إنسان في بدعة، وهو يرجو أن ينجيه الله تعالى منها.\rوقال: من ظن أن نفسه خير من نفس فرعون، فقد أظهر الكبر.\rوقال: مذ علمت أن للسلطان فراسة في الأشرار، ما خرج خوف السلطان من قلبي.\rوقال: إذا رأيت سكرناً فتمايل؛ لئلا تبغي عليه، فتبتلي بمثل ذلك.\rوقال عبد الله بن منازل: قلت لأبي صالح: أوصني.\rفقال: \" إن استطعت أن لا تغضب لشيء من الدنيا، فافعل \" .\rومات صديق له، وهو عند رأسه، فلما مات أطفأ حمدون السراج. فقالوا له: في مثل هذا الوقت يزاد في السراج الدهنُ.\rفقال لهم: إلى هذا الوقت كان الدهن له ومن هذا الوقت صار الجهن للورثة.\rوقال حمدون: من نظر في سير السلف عرف تقصيره وتخلفه عن درك درجات الرجال.\rوقال: لا تفش على أحد ما تحب أن يكون مستوراً منك.\rومنهم:\rأبو القاسم الجنيد بن محمد\rسيد هذه الطائفة وإمامهم.\rأصله من نهاوند. ومنشؤه بالعراق. وأبوه كان يبيع الزجاج؛ فلذلك يقال له: القواريري.","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"وكان فقيهاً على مذهب أبي ثور وكان يفتي في حلقته بحضرته وهو ابن عشرين سنة. صحب خاله السري، والحارث المحاسبي ومحمد بن علي القصاب.\rمات سنة: سبع وتسعين ومائتين.\rسمعت محمد بن الحسين؛ رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن الحسين البغدادي يقول: سمعت الفراغاني يقول: سمعت الجنيد؛ وقد سئل: من العارف؟ قال: من نطق عن سرَّك وأنت ساكت.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد ابن عبد الله الرازي يقول: سمعت أبا محمد الجريري يقول: سمعت الجنيد يقول: ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، لكن عن الجوع؛ وترك الدنيا، وقطع المألوفات والمستحسنات.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا محمد الجريري يقول: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا نصر الأصبهاني يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: سمعت الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة وقال: أهل المعرفة بالله: يصلون إلى ترك الحركات من باب البرِّ والتقربُّ إلى الله عزَّ وجلَّ.\rفقال الجنيدِّ: إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال، وهو عندي عظيمة، والذي يسرق ويزني أحسن حالاً من الذي يقول هذا، فإن العارفين بالله تعالى أخذوا الأعمال عن الله تعالى، وإليه رجعوا فيها، ولو بقيتُ ألف عام لم أنقص من أعمال البرِّ ذرَّة إلا أن يحال بي دونها.\rوقال الجنيد: إن أمكنك أن لا تكون آلة بينك إلا خزفاً، فأفعل.\rوقال الجنيد: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من أقتفى أثر الرسول عليه الصلاة والسلام.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا عمر الأنماطي يقول سمعت الجنيد يقول: لو أقبل صادق على الله ألف ألف سنة، ثم أعرض عنه لحظة، كان ما فاته أكثر مما ناله.\rوقال الجنيد: من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث لا يُقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا هذا مقيَّد بالكتاب والسنَّة.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا نصر الأصبهاني يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول عن الجنيد: مذهبنا هذا: مقيَّد بأصول الكتاب والسنَّة.\rوقال الجنيد: علمنا هذا مشيّد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rأنبأنا محمد بن الحسين رحمه الله، قال: سمعت أبا الحسين بن فارس يقول: سمعت أبا الحسين علي بن إبراهيم الحداد يقول: حضرت مجلس القاضي أبي العباس بن شريح، فتكلَّم في الفروع والأصول بكلام حسن عجبت منه، فلما رأي إعجابي قال: أتدري من أين هذا؟ قلت: يقول به القاضي.\rفقال: هذا ببركة مجالسة أبي القاسم الجنيد.\rوقيل للجنيد: من أين استفدت هذا العلم؟ فقال: من جلوسي بين يدي الله ثلاثين سنة تحت تلك الدرجة. وأومأ إلى درجة في داره.\rسمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق، رحمه الله، يحكي ذلك، وسمعته يقول: رؤى في يده سبحة، فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة؟! فقال: طريق به وصلت إلى ربي لا أفارقه.\rسمعت الآستاذ أبا عليّ، رحمه الله يقول: كان الجني يدخل كل يوم حانوته، ويسبل الستر، ويصلي أربعمائة ركعة، ثم يعود إلى بيته.\rوقال أبو بكر العطوي: كنت عند الجنيد حين مات، فرأيته ختم القرآن.. ثم ابتدأ من البقرة. وقرأ سبعين آية ثم مات رحمه الله.\rومنهم:\rأبو عثمان الجبري\rأبو عثمان سعيد بن إسماعيل الجبري المقيم بنيسابور. وكان من الري صحب شاه الكرماني، ويحيى ابن معاذ الرازي ثم ورد نيسابور، مع شاه الكرماني؛ على أبي حفص الحداد وأقام عنده، وتخرَّج به، وزوجه أبو حفص ابنته.\rمات سنة ثمان وتسعين ومائتين، وعاش بعد أبي حفص نيفا وثلاثين سنة.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أبا عمر بن حمدان يقول: سمعت أبا عثمان يقول: لا يكمل إيمان الرجل حتى يستوي في قلبه أربعة أشياء: المنع، والإعطاء، والعزّ، والذلُّ.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله يقول: سمعت بعض أصحاب أبي عثمان قول: سمعت أبا عثمان، يقول: صحبت أبا حفص مدَّة، وأنا شاب، فطردني مرَّة، وقال: لا تجلس عندي.\rفقمت، ولم أوَله ظهري، وانصرفت إلى ورائي، ووجهي إلى وجهه.. حتى غبت عن عينيه، وجعلت على نفسي: أن أحفر على بابه حفرة لا أخرج منها إلا بأمره.\rفلما رأي ذلك أدناني، وجعلني من خواصِّ أصحابه.","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"قال: وكان يقول في الدنيا ثلاثة لا رابع لهم: أبو عثمان: بِنيسَابور، والجنيد ببغداد، وأبو عبد الله بن الجلاء بالشام.\rوقال أبو عثمان: منذ أربعين سنة ما أقامني الله تعالى في حال فكرهته، ولا نقلني إلى غيره فسخته.\rسمعت الشيخ أبا الرحمن السلمي، رحمه الله يقول: سمعت عبد الله ابن محمد الشعراني يقول: سمعت أبا عثمان يقول ذلك.\rولما تغيَّر على أبي عثمان الحال مزّق ابنه أبو بكر قميصاً على نفسه، ففتح أبو عثمان عينيه وقال: خلاف السُّنة يا بني في الظاهر، علامة رياء في الباطن.\rسمعت محمد بن الحسين، يقول: سمعت محمد بن أحمد الملامتي يقول: سمعت أبا الحسين الوَّراق يقول: سمعت أبا عثمان يقول: الصحبة مع الله: بحسن الأدب؛ ودوام الهيبة، والمراقبة.\rوالصحبة مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم باتِّباع سنَّته، ولزوم ظاهر العلم.\rوالصحبة مع أولياء الله تعالى بالاحترام والخدمة.\rوالصحبة مع الأهل: بحسن الخلق.\rوالصحبة مع الأخوان: بدوام البشر ما لم يكن إثما.\rوالصحبة مع الجهَّال: بالدعاء لهم والرحمة عليهم.\rسمعت عبد الله بن يوسف الأصبهاني رحمه الله يقول: سمعت أبا عمرو بن نجيد يقول: سمعت أبا عثمان يقول: من أمَّر السنَّة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمَّر الهوي على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة، قال الله تعالى: ون تطيعوه تهتدوا.\rومنهم:\rأبو الحسين النوري\rأبو الحسين أحمد بن محمد النوري بغدادي المولد والمنشأ، بغوي الأصل.\rصحب السريَّ السقطي، وابن أبي الحواري. وكان من أقران الجنيد رحمه الله.\rمات سنة: خمس وتسعين ومائتين. وكان كبير الشأن، حسن المعاملة واللسان.\rقال النوري، رحمه الله: التصوُّف: ترك كل حظ للنفس.\rوقال النوري: أعزُ الأشياء في زماننا شيئان: عالم يعمل بعلمه، وعارف ينطق عن حقيقة.\rسمعت أبا عبد الله الصوفي، رحمه الله، يقول: سمعت أحمد بن محمد البرذعي يقول: سمعت المرتعش يقول: سمعت النوري يقول: من رأيته يدَّعي مع الله حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربنَّ منه.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت الفرغاتي يقول: سمعت الجنيد يقول: منذ مات النوري لم يخْبِر عن حقيقة الصدق أحد.\rوقال أبو أحمد المغازلي: مارأيت أعبد من النوري، قيل: ولا الجنيد. قال: ولا الجنيد.\rوقال النوري: كانت المواقع غطاءً على الدرِّ، فصارت اليوم مزابل على جيّف.\rوقيل: كان يخرج كلَّ يوم من داره، ويحمل الخبز معه. ثم يتصدَّق به في الطريق، ويدخل مسجداً يصِّلي فيه إلى قريب من الظهر؛ ثم يخرج منه ويفتح باب حانوته، ويصوم.\rفكان أهله يتوهَّمون أنه يأكل في السوق، وأهل السوق يتوهَّمون أنه يأكل في بيته.\rوبقي على هذا في ابتدائه عشرين سنة.\rومنهم:\rأبو عبد الله الجلاء\rأبو عبد الله أحمد بن يحيى الجلاء بغداديُّ الأصل، أقام بالرملة ودمشق. من أكابر مشايخ الشام.\rصحب أبا تراب، وذا النون، وأبا عبيد اليُسري؛ وأباه يحيى الجلاَّء.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن عبد العزيز الطبري يقول: سمعت أبا عمر الدمشقي، يقول: سمعت ابن الجلاَّء يقول: قلت لأبي وأمي: أحبُّ أن تهباني لله عزَّ وجل. فقالا: قد وهبناك لله عز وجلَّ.\rفغبت عنهما مدَّة، فلما رجعت كانت ليلة مطيرة، فدققت الباب، فقال لي أبي: من ذا؟ قلت: ولدك أحمد.\rفقال: كان لنا ولد، فوهبناه لله تعالى، ونحن من العرب لا نسترجع ما وهبناه. ولم يفتح لي الباب.\rوقال ابن الجلاَّء: من استوى عنده المدح والذم، فهو زاهد. ومن حافظ على الفرائض في أول موافيتها فهو عابد، ومن رأى الأفعال كلها من الله، فهو مُوحِّد لا يرى إلا وَاحداً.\rولما مات ابن الجلاَّء نظروا إليه، وهو يضحك: فقال الطبيب: إنه حي.\rثم نظر إلى مجسَّته فقال: إنه ميت. ثم كشف عن وجهه، فقال: لا أدري أهو ميت أم حي!! وكان في داخل جلده عِرق على شكل الله.\rوقال ابن الجلاَّء، رحمه الله، كنت أمشي مع أستاذي، فرأيت حدثاً جميلاً فقلت: يا أستاذي، تُرى يعذِّب الله هذه الصورة؟ فقال: أوَ نظرت إليهّّ سترى غبَّه.\rقال: فنسيت القرآن بعده بعشرين سنة.\rومنهم:","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"أبو محمد رويم بن أحمد\rبغداديُّ، من أجلَّة المشايخ. مات: سنة ثلاثة وثمانمائة.\rوكان مقرئاً، وفقيها على مذهب داود.\rقال رويم: من حِكم الحكيم، أن يوسِّع على إخوانه في الأحكام، ويضيِّق على نفسه فيها، فإن للتوسعة عليهم اتباع العلم، والتضييق على نفسه من حكم الورع.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الواحد ابن بكر يقول: سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول: سألت رويما، فقلت: أوصني.\rفقال: ما هذا الأمر، إلا ببذل الروح، فإن أمكنك الدخول فيه مع هذا، وإلا فلا تشتغل بترَّهات الصوفية.\rوقال رويم: قعودك مع كل طبقة من الناس أسلم من قعودك مع الصوفية، فإن كل الخَلق قعدوا على الرسوم، وقعدت هذه الطائفة على الحقائق وطالب الخلق كلهم أنفسهم بظواهر الشرع، وطالب هؤلاء أنفسَهم بحقيقة الورع، ومداومة الصدق، فمن قعد معهم وخالفهم في شيء مما يتحققون به نزع الله نورَ الإيمان من قلبه.\rوقال رويم: اجتزت ببغداد وقت الهاجرة ببعض السكك، وأنا عطشان، فاستقيت من دار، ففتحت صبيَّة بابها، ومعها كوز، فلما رأتني قالت: صوفيُّ يشرب بالنهار!! فما أفطرتُ بعد ذلك اليوم قط.\rوقال رويم: إذا رزقك الله المقال، والفعال، فأخذ منك المقال وأبقى عليك الفعال فإنها نعمة، وإذا أخذ منك الفعال، وأبقى عليك المقال، فإنها مصيبة، وإذا أخذ منك كليهما فهي نقمة وعقوبة.\rومنهم:\rأبو عبد الله البلخي\rأبو عبد الله محمد بن الفضل البلخي ساكن سمرقند: بلخي الأصل، أخرج منها، فدخل سمرقند، ومات بها.\rوصحب أحمد بن خَضْرويه، وغيره، وكان أبو عثمان الحيري يميل إليه جداً. مات سنة: تسع عشرة وثلاثمائة.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أحمد ابن محمد القرَّاء، يقول: سمعت أبا بكر بن عثمان يقول: كتب أبو عثمان الحيري إلى محمد بن الفضل يسأله: ما علامة الشقاوة؟ فقال: ثلاثة أشياء: يُرزق العلم ويحرم العمل، ويرزق العمل ويحرم الإخلاص، ويرزق صحبة الصالحين ولا يحترمُ لهم.\rوكان أبو عثمان الحيري يقول: محمد بن الفضل سمسار الرجال.\rسمعت محمد الحسين يقول: سمعت عبد الله الرازي يقول: سمعت محمد ابن الفضل يقول: الراحة في السِّجن من أماني النفوس.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت محمد بن الفضل يقول: ذهاب الإسلام من أربعة: لا يعملون بما يعلمون، ويعملون بما لا يعلمون، ولا يتعلمون مالا يعلمون، ويمنعون الناس من التعلم.\rوبهذا الإسناد، قال: العجب ممن يقطع المفاوز ليصل إلى بيته، فيرى آثار النبوة، كيف لا يقطع نفسه وهواه، ليصل إلى قلبه فيرى آثار رِّبه عزَّ وجلّ؟ وقال: إذا رأيت المريد يستزيد من الدنيا، فذلك من علامات إدباره.\rوسئل عن الزهد، فقال: النظر إلى الدنيا بعين النقص والإعراض عنها تعزُّزاً، وتظرفاً، وتشرفاً.\rومنهم:\rأبو بكر الزقاق الكبير\rأبو بكر أحمد بن نصر الزقاق الكبير كان من أقران الجنيد. من أكابر مصر.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت الحسين بن أحمد يقول: سمعت الكتاني يقول: لما مات الزَّقاق انقطعت حُجَّةِ الفقراء في دخولهم مصر.\rوقال الزقاق: من لم يصحبه التقّي في فقر أكل الحرام المحض.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد ابن عبد الله بن عبد العزيز يقول: سمعت الزقَّاق يقول: تهت في تيه بني إسرائيل مقدار خمسة عشر يوماً، فلما وقعتُ على الطريق استقبلني إنسان جندي، فسقاني شربة من ماء، فعادت قسوتها على قلبي ثلاثين سنة.\rومنهم:\rأبو عبد الله المكي\rأبو عبد الله عمرو بن عثمان المكي لقي أبا عبد الله النباجي، وصحب أبا سعيد الخرَّاز وغيره.\rشيخ القوم، وإمام الطائفة في الأصول والطريقة.\rمات ببغداد سنة: إحدى وتسعين ومائتين.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن عبد الله ابن شاذان، يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد يقول: سمعت عمرو ابن عثمان المكي يقول:","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"كل ما توهمه قلبك، أو رسخ في مجاري فكرتك، أو خطر في معارضات قلبك من حسن، أو بهاء، أو أنس، أو جمال، أو ضياء، أو شبح، أو نور، أو شخص، أو خيال، فالله تعالى بعيد من ذلك، ألا تسمع إلى قوله تعالى: \" ليس كمثله شيء؛ وهو السميع البصير \" وقال: \" لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد \" .\rوبهذا الإسناد قال: العلم قائد، والخوف سائق، والنفس حَرون بين ذلك، جَموح، خدَّاعة، مراوغة، فأحذرها بسياسة العلم، وسقها بتهديد الخوف يتم لك ما تريد.\rوقال: لا تقع على الواجد عبارة، لأنه سر الله عند المؤمنين.\rومنهم:\rسمنون بن حمزة\rوكنيته: أبو الحسن، ويقال: أبو القاسم.\rصحب السرَّي، وأبا أحمد القلانسي، ومحمد بن علي القصَّار؛ وغيرهم. قيل إنه أنشد:\rوليس لي في سواك حظ ... فكيفما شئت فاختبرني\rفأخذه الأَسر من ساعته فكان يدور على المكاتب، ويقول: ادعوا لعمِّكم الكذَّاب.\rوقيل: إنه أنشد هذه الأبيات، فقال بعض أصحابه لبعض: سمعت البارحة، وكنت في الرُستاق صوت أستاذنا سمنون يدعو الله، ويتضَرَّع إليه، ويسأله الشفاء.\rفقال آخر: وأنا أيضاً، كنت سمعت هذا البارحة، وكنت بالموضع الفلاني.\rفقال ثالث، ورابع، مثل هذا، فأخبر سمنون، وكان قد امتُحن بعلّة الأسر، وكان يصبر ولا يجزع، فلما سمعهم يقولون هذا؛ ولم يكن هو دعا؛ ولا نطق بشيء من ذلك، علم أن المقصود منه إظهار الجزع تأدُّباً بالعبودية، وستراً لحاله، فأخذ يطوف على المكاتب ويقول: ادعوا لعمَّكم الكذَّاب.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أبا العباس محمد ابن الحسن البغدادي يقول: سمعت جعفراً الخلدي يقول: قال لي أبو أحمد المغازلي.\rكان ببغداد رجل فرق على الفقراء أربعين ألف درهم، فقال لي سمنون: يا أبا أحمد، ألا ترى ما قد أنفق هذا، وما قد عمله؟ ونحن ما نجد شيئاً!! فامض بنا إلى موضع نصلِّ فيه بكل درهم أنفقه ركعة.\rفمضينا إلى المدائن، فصلّينا أربعين ألف صلاة.\rوكان سمنون ظريف الخلُق، أكثر كلامه في المحبَّة. وكان كبير الشأن مات قبل الجنيد، كما قيل.\rومنهم:\rأبو عبيد البسري\rمن قدماء المشايخ صحب أبا تراب النخشَبي.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الله بن عليٍّ يقول: سمعت الدُّقي يقول: سمعت ابن الجلاَّء يقول: لقيت ستمائة شيخ فما رأيت مثل أربعة: ذي النون المصري، وأبي، وأبي تراب، وأبي عبيد البُسري.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أحمد بن محمد البَغوي يقول: سمعت محمد بن معمر يقول: سمعت أبا زرعة الحسني يقول: كان أبو عبيد البسري يوماً على جرجر يدرس قمحاً له. وبينه وبين الحج ثلاثة أيام؛ إذ أتاه رجلان، فقالا: يا أبا عبيد، تنشط للحج؟ فقال: لا.\rثم إلتفت إليّ وقال: شيخك على هذا أقدر منهما. يعني نفسه.\rومنهم:\rأبو الفوارس الكرماني\rأبو الفوارس شاه بن شجاع الكرماني كان من أولاد الملوك.\rصحب أبا تراب النَخْشَبيّ، وأبا عُبيد البُسْري، وأولئك الطبقة.\rوكان أحد الفتيان كبير الشأن، مات قبل الثلاثمائة.\rوقال شاه: علامة التقوى الورع، وعلامة الورع الوقوف عند الشبهات.\rوكان يقول لأصحابه: اجتنبوا الكذب، والخيانة، والغيبة، ثم اصنعوا ما بدالكم.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت جدِّي ابن نجيد يقول: قال شاه الكرماني: من غَضَّ بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشهوات وعمر باطنه بدوام المراقبة، وظاهره باتِّباع السنة، وعوّد نفسه أكل الحلال لم تخطىء له فراسة.\rومنهم:\rيوسف بن الحسين\rشيخ الرَيِّ والجبال في وقته.\rوكان نسيج وحَده في إسقاط التصنُّع.\rوكان عالما أديباً، صحب ذا النون المصري، وأبا تراب النخشبي، ورافق أبا سعيد الخرَّاز مات سنة: أربع وثلاثمائة.\rقال يوسف بن الحسين: لأن ألقي الله تعالى بجميع المعاصي أحبُّ إلى من أن ألقاه بذرَّةٍ من التصنّع.\rوقال يوسف بن الحسين: إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص، فاعلم أنه لا يجيء منه شيء.\rوكتب إلى الجنيد: لا أذانك لله طعم نفسك فإنك إن ذقتها لم تذق بعدها خيراً أبداً.\rوقال يوسف بن الحسين: رأيت آفات الصوفية في صحبة الأحداث، ومعاشرة الأضداد، ورِفق النسوان.\rومنهم:","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"أبو عبد الله الترمذي\rأبو عبد الله محمد بن علي الترمذي من كبار الشيوخ، وله تصانيف في علوم القوم.\rصحب أبا تراب النَّخشبي، وأحمد بن خضرويه؛ وابن الجلاّء، وغيرهم.\rسئل محمد بن عليَّ: عن صفة الخَلْق، فقال: ضعف ظاهر، ودعوى عريضة.\rوقال محمد بن عليٍّ: ما صَّنفت حرفاً عن تدبير، ولا لينسب إلىَّ شيء منه ولكن كان إذا اشتّد عليَّ وقتي أتسلى به.\rومنهم:\rأبو بكر الوراق الترمذي\rأبو بكر محمد بن عمر الوراق الترمذي أقام ببلخ.\rوصحب أحمد بن خضرويه، وغيره، وله تصانيف في الرياضيات سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن يقول: سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن محمد البلخي يقول: سمعت أبا بكر الورَّاق يقول: من أرضي الجوارح بالشهوات غرس في قلبه شجر الندامات.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، يقول: سمعت أبا بكر البلخي يقول: سمعت أبا بكر الورّاق يقول: لو قيل للطمع من أبوك؟ قال: الشك في المقدور.\rولو قيل: ما حرفتك؟ قال: اكتساب الذلِّ.\rولو قيل: ما غايتك؟ قال: الحرمان.\rوكان أبو بكر الورّاق يمنع أصحابه عن الأسفار والسياحات ويقول: مفتاح كل بركة الصبر في موضع إرادتك إلى أن تصحَّ لك الإرادة، فإن صَحت لك الإرادة، فقد ظهرت عليك أوائل البركة.\rومنهم:\rأبو سعيد الخراز\rأبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز من أهل بغداد.\rصاحب ذا النون المصري، والنباجي، وأبا عبيد البسريَّ، والسري، وبشراً، وغيرهم.. مات سنة: سبع وسبعين ومائتين.\rقال أبو سعيد الخرّاز: كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا عبد الله الرازي يقول: سمعت أبا العباس الصياد يقول: سمعت أبا سعيد الخرّاز يقول: رأيت إبليس في النوم، وهو يمرّ عني ناحية، فقلت له: تعال، مالك؟ فقال: إيش أعمل بكم، وأنتم طرحتم عن نفوسكم ما أخادع به الناس!! فقلت: وما هو؟ قال: الدنيا.\rفلما ولى عني، التفت إليّ، وقال: غير أن لي فيكم لطيفة.\rفقلت: وما هي؟ قال: صحبة الأحداث.\rوقال أبو سعيد الخرَّاز: صحبت الصوفية ما صحبت، فما وقع بيني وبينهم خلاف.\rقالوا: لِمَ؟ قال: لأني كنت معهم على نفسي.\rومنهم:\rأبو عبد الله المغربي\rأبو عبد الله محمد بن إسماعيل المغربي أستاذ إبراهيم بن شيبان، وتلميذ عليّ بن رزين.\rعاش مائة وعشرين سنة. ومات سنة: تسع وتسعين ومائتين.\rكان عجيب الشأن، لم يأكل مما وصلت إليه يد بني آدم سنين كثيرة، وكان يتناول من أصول الحشيش أشياء تعوّد أكلها.\rوقال أبو عبد الله المغربي: أفضل الأعمال عمارة الأوقات بالموافقات.\rوقال: أعظم الناس ذلا فقير داهن غنياً، أو تواضع له. وأعظم الخلق عزا غنيّ نذلل للفقراء، وحفظ حرمتهم.\rومنهم:\rأبو الحسن الأصبهاني\rأبو الحسن علي بن سهل الأصبهاني من أقران الجنيد.\rقصده عمرو بن عثمان المكيِّ في ديْن ركبه، فقضاه عنه، وهو ثلاثون ألف درهم.\rلقي أبا تراب النخشبي والطبقة.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر محمد ابن عبد الله الطبري يقول: سمعت عليَّ بن سهل يقول: المبادرة إلى الطاعة من علامة التوفيق..\rوالتقاعد عن المخالفات من علامات التيقظ..\rوإظهار الدعاوي من رعونات البشري. ومن لم تصح مبادىء إرادته لا يسلم في منتهى عواقبه.\rومنهم:\rأبو محمد الجريري\rأبو محمد بن محمد بن الحسين الجريري من كبار أصحاب الجنيد. وصحب سهل بن عبد الله. أُقعد بعد الجنيد في مكانه وكان عالماً بعلوم هذه الطائفة. كبير الحال. مات سنة: إحدى عشرة وثلاثمائة.\rسمعت أبا عبد الل الشيرازي، يقول: سمعت أحمد بن عطاء الروذباري يقول: مات الجريري سنه الهبير، فجزت به بعد سنة، فذا هو مستند جالس وركبته إلى صدره، وهومشير إلى الله بأصبعه.\rمن استولت عليه النفس صار أسيراً في حكم الشهوات، محصوراً في سجن الهوى، وحرّم الله على قلبه الفوائد، فلا يستلذُّ بكلام الحق تعالى؛ ولا يستحيله ون كثر ترداده على لسانه؛ لقوله تعالى: \" سأصرف عن آياتي الذين يتكبَّرون في الأرض بغير الحق \" .\rوقال الحريري:","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"رؤية الأصول باستعمال الفروع، وتصحيح الفروع بمعارضة الأصول، ولا سبيل إلى مقام مشاهدة الأصول إلا بتعظيم ما عظَّم الله من الوسائط والفروع.\rومنهم:\rأبو العباس بن عطاء الآدمي\rأبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الآدمي من كبار مشايخ الصوفية وعلمائهم، كان الخرّاز يعظِّم شأنه.وهو من أقران الجنيد، وصحب إبراهيم المارستاني. مات سنة: تسع وثلاثمائة.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا سعيد القرشي يقول: سمعت ابن عطاء يقول: من ألزم نفسه آداب الشريعة نوَّر الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب صلى الله عليه وسلم، في أوامره؛ وأفعاله، وأخلاقه.\rوقال ابن عطاء: أعظم الغفلة غفلة العبد عن ربِّه عز وجلّ، وغفلته عن أوامره ونواهيه، وغفلته عن آداب معاملته.\rسمعت أبا عبد الله الشيرازي، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الرحمن ابن أحمد الصوفيَّ يقول: سمعت أحمد بن عطاء يقول: كل ما سئلتَ عنه فاطلبه في مفازة العِلم، فإن لم تجده، ففي ميدان الحكمة، فإن لم تجده فزِنه بالتوحيد، فإن لم تجده في هذه المواضع الثلاثة فاضرب به وجه الشيطان.\rومنهم:\rأبو إسحق الخواص\rأبو إسحق إبراهيم بن أحمد الخواص من أقران الجنيد والنُّوري، وله في التوكل والرياضات حظُّ كبير.\rمات بالري سنة: إحدى وتسعين ومائتين.\rكان مبطوناً؛ فكان كلما قام توضأ، وعاد إلى المسجد، وصلى ركعتين، فدخل مرَّة الماء فمات. رحمه الله.\rسمعت محمد بن الحسين، يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت الخوّاص يقول: ليس العلم بكثرة الرواية، نما العالم من أتَّبع العلم واستعمله؛ واقتدى بالسنن وإن كان قليل العلم.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أحمد بن علي ابن جعفر يقول: سمعت الأزديَّ يقول: سمعت الخوّاص يقول: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل؛ والتضرع عند السَحر، ومجالسة الصالحين.\rومنهم:\rأبو محمد الخراز\rأبو محمد عبد الله بن محمد الخراز من أهل الريِّ. جاور بمكة.\rصحب أبا حفص، وأبا عمران الكبير.\rوكان من المتورعين. مات قبل العشرة والثلاثمائة.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، يقول: سمعت أبا نصر الطوسي يقول: سمعت الدقي يقول: دخلت على عبد الله الخرَّاز، ولي أربعة أيام لم آكل، فقال: يجوع أحدكم أربعة أيام فيصبح ينادي عليه الجوع.\rثم قال: إيش يكون لو أن كلَّ نفس منفوسة تلفت فيم تؤمِّله عند الله ترى يكون ذلك كثيراً.\rوقال أبو محمد عبد الله الخرَّاز: الجوع طعام الزاهين، والذكر طعام العارفين.\rومنهم:\rأبو الحسن الحمال\rأبو الحسن بنان بن محمد الحمال واسطي الأصل.\rأقام بمصر، ومات بها سنة: ست عشرة وثلاثمائة.\rكبير الشأن، صاحب الكرامات.\rسئل بُنان عن أجلِّ أحوال الصوفية، فقال: الثقة بالمضمون؛ والقيام بالأوامر، ومراعاة السر، والتخلي من الكوفيين.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت الحسن بن أحمد الرازي، يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: ألقي بنان الحمال بين يدي السبع، فجعل السبع يشمه ولا يضره.\rفلما أخرج، قيل: ما الذي كان في قلبك حيث شمَّك السبع؟ قالوا: كنت أفكر في اختلاف العلماء في سؤر السبع.\rومنهم:\rأبو حمزة البغدادي البزاز\rمات قبل الجنيد، وكان من أقرانه. صحب السريَّ، والحسن المسوحي.\rوكان عالماً بالقراءات، فقيهاً.\rوكان من أولاد عيسى بن أبان، وكان أحمد بن حنبل يقول له في المسائل.\rما تقول فيها يا صوفي؟ قيل: كان يتكلم في مجلسه يوم جمعة فتغير عليه الحل، فسقط عن كرسيه: ومات في الجمعة التالية.\rوقيل: مات سنة تسع وثمانين مائتين.\rقال أبو حمزة: من علم طريق الحق تعالى سهل عليه سلوكه، ولا دليل على الطريق إلى الله تعالى إلا متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أحواله، وأفعاله وأقواله.\rوقال أبو حمزة: من رُزق ثلاثة أشياء، فقد نجا من الآفات: بطن خال من قلب قانع، وفقر دائم معه زهد حاضر، وصبر كامل معه ذكر دائم.\rومنهم:\rأبو بكر الواسطي\rأبو بكر محمد بن موسى الواسطي خراسني الأصل. من فرغانة. صحب الجنيد والنوري.","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"عالم كبير الشأن. أقام بمرو، ومات بها بعد العشرين والثلاثمائة.\rقال الواسطي: الخوف والرجاء زمامان يمنعان العبد من سوء الأدب.\rوقال: الواسطي: إذا أراد الله هوان عبد القاه لى الأنتان والجيف، يريد به صحة الأحداث.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر محمد ابن عبد العزيز المروزي، يقول: سمعت الواسطي يقول: جعلوا سوء أدبهم إخلاصاً، وشره نفوسهم انبساطاً؛ ودناءة الهمم جلادة، فعموا عن الطريق، وسلكوا فيه المضيق، فلا حياة تنموا في شواهدهم، ولا عبادة تزكوا في محاضرتهم، إن نطقوا فبالغصب وإن خاطبوا فبالكبر، وثب أنفسهم ينبىء عن خبث ضمائرهم، وشرهم في المأكول يظهر ما في سويداء أسرارهم. قاتلهم الله أنى يؤفكون.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقَّاق، رحمه الله، يقول: سمع بعض المراوزة إنساناً صيدلانياً، يقول: اجتاز الواسطيُّ يوم جمعة بباب حانوتي، قاصداً إلى الجامع. فانقطع شسع نعله، فقلت: أيها الشيخ، أتأذن لي أن أصلح نعلك؟ فقال: أصلح.\rفأصلحت شسعه، فقال: أتدري لم أنقطع شسع نعلي؟ فقلت: حتى تقول.\rقال: لأني ما اغتسلت للجمعة!! فقلت له: ياسيدي، هاهنا حمام تدخله؟ فقال: نعم. فأدخلته الحمَّام فاغتسل.\rومنهم:\rأبو الحسن بن الصائغ\rواسمه: علي بن محمد بن سهل الدَّينوري.\rأقام بمصر، ومت به، وكان من كبار المشايخ.\rقال أبو عثمان المغربي: ما رأيت من المشايخ أنور من أبي يعقوب النهرجوري، ولا أكثر هيبة من أبي الحسن بن الصائغ.\rمات سنة: ثلاثين وثلاثمائة سئل ابن الصائغ عن الاستدلال بالشاهد على الغائب، فقال: كيف يستدل بصفات من له مثل ونظير على من لا مثل له ولا نظير؟! وسئل عن صفة المريد، فقال: ما قال الله عز وجل: \" وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم \" الآية.\rوقال: الأحوال كالبروق، فإذا ثبتت فهو حديث النفس وملازمة الطبع.\rومنهم:\rأبو إسحق الرقي\rأبو إسحق إبراهيم بن داود الرقي من كبار مشايخ الشّام.\rمن أقران الجنيد، وابن الجلاَّء.\rوقد عمر، وعاش إلى سنة: ست وعشرين وثلاثمائة.\rوقال إبراهيم الرقي: المعرفة: إثبت الحق على ما هو، خارجا عن كل ما هو موهوم.\rوقال: القدرة ظاهرة، والأعين مفتوحة. ولكن أنوار البصائر قد ضعفت.\rوقال: أضعفَ الخلق: من ضعف عن ردّ شهواته، وأقوى الخلق: من قوي على ردِّها.\rوقال: علامة محبة الله: إيثار طاعته، ومتابعة نبيه صلى الله عليه وسلم.\rومنهم:\rممشاد الدينوري\rمن كبار مشايخهم. مات سنة: تسع وتسعين ومائتين.\rقال ممشاد.\rأدب المريد في التزام حُرمات المشايخ، وخدمة الإخوان، والخروج عن الأسباب، وحفظ آداب الشرع على نفسه.\rوقال ممشاد: ما دخلت قط على أحد من شيوخي، إلا وأنا خال من جميع مالي أنتظر بركات ما يَرد عليّ من رؤيته وكلامه، فإن من دخل على شيخ بحظه انقطع عن بركات رؤيته ومجالسته، وكلامه.\rومنهم: خير النساج صحب أبا حمزة البغداديَّ، ولقي السري، وكان من أقران أبي الحسن النوري إلا أنه عمرَّ عمراً طويلاً. وعاش، كما قيل، مائة وعشرين سنة.\rوتاب في مجلسه: الشبلي، والخوَّاص. وكان أستاذ الجماعة.\rوقيل: كان اسمه محمد بن إسماعيل، من سامرة، وإنما سُمي خير النسْاج، لأنه خرج إلى الحج، فأخذ رجل على باب الكوفة وقال: أنت عبدي، واسمك خير.\rوكان أسود - فلم يخالفه. واستعمله الرجل في نسج الخز، فكان يقول له: يا خير فيقول: لبَّيك.\rثم قال له الرجل بعد سنين: غلطت، لا أنت عبدي ولا أسمك خير فمضى وتركه، وقال: لا أغيرِّ اسماً صماني به رجل مسلم.\rوقال: الخوف سوط الله يقوّم به أنفساً قد تعودت سوء الأدب.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا الحسن القزويني يقول: سمعت أبا الحسين المالكي، يقول: سألت من حضرَ موت خير النساج عن أمره؟ فقال: لما حضرت صلاةُ المغرب غشى عليه، ثم فتح عينيه، وأومأ في ناحية البيت وقال: قف، عافاك الله، فإنما أنت عبد مأمور وأنا عبدٌ مأمور.\rوما أُمرت به لا يفوتك وما أمرت به يفوتني.\rودعا بماء فتوضأ للصلاة، ثم تمدّد. وغمض عينيه، وتشهَّد، ومات فرؤى في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"فقال لسائله: لا تسألني عن هذا، ولكن استرحت من دنياكم الوضرة!! ومنهم:\rأبو حمزة الخراساني\rبنيسابور، أصله من محَّلة ملقاباذ. من أقران الجنيد، والخرَّاز وأبي تراب النخشبي. وكان ورعاً، ديِّناً.\rقال أبو حمزة: من استشعر ذكر الموت حبب الله إليه كل باق، وبغّض إليه كل فان: وقال: العارف بالله يدافع عيشَه يوماً بيوم، ويأخذ عيشه يوما ليوم.\rوقال له رجل: أوصني.\rفقال: هيىء زادك للسفر الذي بين يديك.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أبا الطيب العكي يقول: سمعت أبا الحسن المصري يقول: سمعت أبا حمزة الخراساني، يقول: كنت قد بقيت محرماً في عباء، أسافر كل سنة ألف فرسخ تطلع الشمس علي وتغرب، كلما حللت أحرمت.\rتوفي سنة: تسعين ومائتين.\rومنهم:\rأبو بكر بن جحدر الشبلي\rبغداديُّ المولد والمنشأ. واصله من أُسرٌ وشنْة.\rصحب الجنيد ومن في عصره، وكان شيخ وقته: حالاً، وظرفاً، وعلماً.\rمالكي المذهب. عاش سبعاً وثمانين سنة، ومات سنة: أربع وثلاثين وثلاثمائة. وقبره ببغداد.\rولما تاب الشبلي في مجلس خير النسَّاج أتى دماوند، وقال: كنت وإلى بلدكم، فاجعلوني في حل.\rوكانت مجاهداته في بدايته فوق الحدّ.\rسمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق؛ رحمه الله، يقول: بلغني أنه اكتحل بكذا. وكذا.. ومن الملح؛ ليعتاد السهر، ولا يأخذه النوم ولو لم يكن من تعظيمه للشرع إلا ما حكاه بكران الدينوري في آخر عمره لكان كثيراً.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: كان الشبلي، رحمه الله، يقول في آخر أيامه:\rوكم من موضع لو مت فيه ... لكنت به نكالا في العشيرة\rوكان الشبلي إذا دخل شهر رمضان جد فوق جدّ من عاصره، ويقول: هذا شهر عظمه ربي، فأنا أوَّل من يعظِّمه.\rسمعت الأستاذ أبا عليِّ يحكي ذلك عنه.\rومنهم:\rأبو محمد المرتعش\rأبو محمد عبد الله بن محمد المرتعش نيسابوري، من محَّلة الحيرة. وقيل: من ملقاباذ.\rصحب أبا حفص، وأبا عثمان، ولقي الجنيد، وكان كبير الشأن.\rوكان يقيم في مسجد الشُّونزيّه. مات ببغداد سنة: سمان وعشرين وثلاثمائة.\rقال المرتعش: الإرادة: حبس النفس عن مراداتها، والإقبال على أوامر الله تعالى، والرضا بموارد القضاء عليه.\rوقيل له: إن فلاناً يمشي على الماء.\rفقال: عندي أنَّ من مكَّنه الله تعالى من مخالفة هواه فهو أعظم من المشي في الهواء.\rومنهم:\rأبو علي الروذباري\rأبو علي أحمد بن محمد الروذباري بغداديُّ، أقام بمصر. ومات بها سنة: اثنتين وعشرين وثلاثمائة.\rصحب الجنيد، والنوري، وابن الجلاء، والطبقة.\rأظرف المشايخ وأعلمهم بالطريقة.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله يقول: سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول: سئل أبو علي الروذباري عمن يسمع الملاهي ويقول: هي لي حلال، لأني وصلت إلى درجة لا تؤثِّر في اختلاف الأحوال.\rفقال: نعم، قد وصل، ولكن إلى سقر!! وسئل عن التصوف، فقال: هذا مذهب كله جدُّ، فلا تخلطوه بشيء من الهزل.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: من علامة الاغترار أن تسيء فيحسن الله إليك، فتترك الأنابة والتوبة، وهما أنك تسامَح في الهفوات، وترى أن ذلك من بسط الحق لك..\rوقال: كان أستاذي في التصُّوف: الجنيد. وفي الفقه: أبو العباس ابن شريح، وفي الأدب: ثعلب، وفي الحديث: إبراهيم الحربي.\rومنهم:\rأبو محمد عبد الله بن منازل\rشيخ الملامتية، وأوحد وقته. صحب حمدون القصّار.\rوكان عالماً وكتب الحديث الكثير.\rمات بنيسابور سنة: تسع وعشرين، أو ثلاثين وثلاثمائة.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الله المعلم يقول: سمعت عبد الله بن منازل يقول: لم يضيّع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلاه الله تعالى بتضييع السنن، لم يْبلَ أحد بتصنيع السنن إلا وشك أن يبتلي بالبدع.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، يقول: سمعت أبا أحمد بن عيسى يقول: سمعت عبد الله بن منازل يقول: أفضل أوقاتك: وقت تسلم فيه من هواجس نفسك، ووقت تسلم فيه من سوء ظنِّك.\rومنهم:\rأبو علي الثقفي","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"أبو علي محمد بن عبد الوهاب الثقفي إمام الوقت. صحب أبا حفص، وحمدون القصَّار.\rوبه ظهر التصُّوف بنيسابور: مات سنة: ثمان وعشرين وثلاثمائة.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا علي الثقفي يقول: لو أني رجلاً جمع العلوم كلها، وصحب طوائف الناس لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة: من شيخ، أو إمام، أو مؤدِّب ناصح. ومن لم يأخذ أدبه من أستاذ يريَه عيوب أعماله، ورعونات نفسه، لايجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات.\rوقال أبو علي رحمه الله: يأتي على هذه الأمة زمان لا تطيب المعيشة فيه المؤمن إلا بعد إستناده إلى منافق.\rوقال: أف من أشال الدنيا إذا أقبلت، وأف من حسراتها إذا أدبرت، والعاقل من لا يركن إلى شيء إذا أقبل كان شغلاً، وإذا أدبر كان حسرة.\rومنهم:\rأبو الخير الأقطع\rمغربيُّ الأصل، سكن تينَات.\rوله كرامات، وفراسة حادَّة.\rكان كبير الشأن، مات سنة: نيف وأربعين وثلاثمائة.\rقال أبو الخير: ما بَلغ أحد إلى حالة شريفة إلاَّ بملازمة الموافقة، ومعانقة الأدب، وأداء الفرائض، وصحبة الصالحين.\rومنهم:\rأبو بكر الكتاني\rأبو بكر محمد بن علي الكتاني بغدادي الأصل.\rصحب الجنيد، والخراز، والنوري.\rوجاور بمكة إلى أن مات سنة: اثنتين وعشرين وثلاثمائة.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: نظر الكتَّاني إلى شيخ أبيض الرأس واللحية يسأل الناس، فقال: هذا رجل أضاع حق الله في صِغره، فضيعَّه الله في كبره.\rوقال الكتَّاني الشهوة زمام الشيطان، فمن أخذ بزمامه كان عبده.\rومنهم:؟ أبو يعقوب اسحق بن محمد النهرجوري صحب أبا عمرو المكيَّ، وأبا يعقوب السوسي، والجنيد، وغيرهم.\rمات بمكة مجاوراً بها، سنة: ثلاثمائة.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا الحسين أحمد بن علي يقول: سمعت النهرجوري، يقول: الدنيا بحر، والآخرة ساحل، والمركب التقوي، والناس سفْرَ.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا بكر الرازيَّ يقول: سمعت النهرجوري يقول رأيت رجلاً في الطواف بفردعين، يقول أعوذ بك منك.\rفقلت: ما هذا الدعاء؟ فقال: نظرت يوماً إلى شخص فاستحسنته، وإذا لطمة وقعت على بصري، فألست عيني، فسمعت هاتفاً يقول: لكمة بنظرة.. ولو زدت لزدناك.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أحمد بن عليٍّ يقول: سمعت النهرجوري يقول: أفضل الأحوال ما قارن العلم.\rومنهم: ؟أبو الحسن علي بن محمد المزين من أهل بغداد، من أصحاب سهل بن عبد الله، والجنيد، والطبقة.\rمات بمكة مجاوراً سنة: ثمان وعشرين وثلاثمائة.\rوكان ورعاً كبيراً.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت المزِّين يقول: الذنب بعد الذنب عقوبة الذنب الأوَّل، والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة الأولى.\rوسئل المزين عن التوحيد، فقال: أن تعلم أن أوصافه تعالى بائنة لأوصاف خلق، بَاينَهم بصفاته قدْماً كما باينوه بصفاتهم حدثاً.\rوقال: من لم يستغن بالله أحوجه الله إلى الخلق، ومن استغنى بالله أحوج الله الخلق إليه.\rومنهم:\rأبو علي بن الكاتب\rواسمه الحسن بن أحمد. صحب أبا علي الروذباري، وأبا بكر المصري، وغيرهما.\rكان كبيراً في حاله.\rمات سنة: نيف وأربعين وثلاثمائة.\rقال ابن الكاتب: إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان إلا بما يعنيه.\rوقال ابن الكاتب: العتزلة تزهوا الله تعالى من حيث العقل فأخطأوا، والصوفية نزَّهوه من حيث العلم فأصابوا.\rومنهم:\rمظفر القرمسيني\rمن أشياخ الجبل. صحب عبد الله الخرَّاز، وغيره.\rقال مظفر الفرمسيني: الصوم على ثلاثة أوجه: صوم الروحِ بقصر الأمل، وصوم العقل بخلاف الهوى، وصوم النفس بالإمساك عن الطعام والمحارِم.\rوقال مظفر: أخَسُّ الإرفاق: أرفاق النسوان، على أيِّ وجه كان.\rوقال: الجوع إذا ساعدته القَشاعة فهو مزرعة الفِكرة، وينبوع الحكمة، وحياة الفطنة، ومصباحُ القلب.\rوقال: أفضل أعمال العبيد: حفظُ أوقاتهم الحاضرة، وهو أن لا يقصروا في أمر، ولا يتجاوزوا عن حدِّ.\rوقال: من لم يأخذ الأدب عن حكيم لم يتأدَّب به مريد.\rومنهم:\rأبو بكر الأبهري\rأبو بكر عبد الله بن طاهر الأبهري","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"من أقران الشبليِّ. من مشايخ الجبل.\rعالم وَرع، صحب يوسف بن الحسين، وغيره.\rمات بقرب من الثلاثين والثلاثمائة.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله، يقول: سمعت أبا بكر بن طاهر يقول: من حُكم الفقير أن لا يكون له رغبة، فإن كان ولابد، فلا تجاوز رغبتَه كفايتُه يعني المحتاج إليه.\rوبهذا الإسناد قال: إذا أحببت أخاً في الله، فاقلل مخالطته في الدنيا.\rومنهم:\rأبو الحسين بن بنان\rينتمي إلى أبي سعيد الخرَّاز. من كبار مشايخ مصر.\rقال ابن بُنان: كل صوفيِّ كان همٌّ الرزق قائماً في قلبه فلزومُ العمل أقرب إليه.\rوعلامة سكون القلب إلى الله: أن يكون بما في يد الله أوثقُ منه بما في يده.\rوقال: اجتنبوا دناءة الأخلاق كما تجتنبون الحرام.\rومنهم:\rأبو إسحق القرمسيني\rأبو اسحق إبراهيم بن شيبان القرمسيني شيخ وقته. وصحب أبا عبد الله المغربيَّ، والخوَّاص، وغيرهما.\rسمعت محمد بن الحسين، يقول: سمعت أبا يزيد المروزي الفقيه يقول سمعت إبراهيم بن شيبان يقول: من أراد أن يتعطَّل أو يتبطل فليلزم الرُّخص.\rوبهذا الإسناد قال: عِلم الفناء والبقاء يدور على إخلاص الوحدانية، وصحةِ العبودية وما كان غير هذا، فهو المغاليط والزندقة.\rوقال إبرهيم: السِّفلة من يعي الله عزّ وجلَّ.\rومنهم:\rأبو بكر بن يزدانيار\rأبو بكر الحسين بن علي بن يزدانيار من أرمينية. له طريقة يختص بها في التصوف.\rوكان عالماً ورعاً، وكان ينكر على بعض العارفين في إطلاقات وألفاظ لهم.\rقال ابن يزدانيار: إيَّاك أن تطمع في الانس بالله وأنت تحب الأنس بالناس.\rوإيَّاك أن تطمع في حبِّ الله وأنت تحب الفضول.\rوإيَّاك أن تطمع في المنزلة عند الله وأنت تحب المنزلة عند الناس.\rومنهم:\rأبو سعيد بن الأعرابي\rواسمه: أحمد بن محمد بن زياد البصريِّ.\rجاور الحرم، ومات به سنة: إحدى وأربعين وثلاثمائة.\rصحب الجنيد، وعمرو بن عثمان المكيِّ، والنوري، وغيرهم.\rقال ابن الأعرابي: أخْسَر الأخسرين من أبدي للناس صالح أعماله، وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد.\rومنهم:\rأبو عمرو الزجاجي النيسابوري\rأبو عمرو محمد بن إبراهيم الزجاجي النيسابوري جاور بمكة سنين كثيرة ومات بها.\rصحب الجنيد، وأبا عثمان، والنوريَّ، والخوَّاص، ورويماً.\rمات سنة: ثمان وأربعين وثلاثمائة.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت جدِّي أبا عمرو بن نجيد يقول: سئل أبو عمرو الزجاجي: ما بالك تتغير عند التكبيرة الأولى في الفرائض؟ فقال: لأني أخشى أن أفتتح فريضتي بخلاف الصدق، فمن يقول: الله أكبر، وفي قلبه شيء أكبر منه، أو قد كبرَّ شيئاً سواءه على مرور الأوقات، وفقد كذّب نفسه على لسانه.\rوقال: من تكلم عن حالٍ لم يصل إليها كان كلامه فتنة لمن يسمعه، ودعوى تتولد في قلبه، وحرَمه الله الوصول إلى تلك الحال.\rوقد جاور بمكة سنين كثيرة لم يتطهرَّ في الحرم، بل كان يخرج إلى الحلِّ ويتطهرَّ فيه.\rومنهم:\rأبو محمد بن نصير\rأبو محمد جعفر بن محمد بن نصير بغدادي المنشأ والمولد.\rصحب الجنيد، وانتمى إليه، وصحب النوري، ورويما، وسمنون، والطبقة. مات ببغداد سنة: ثمان وأربعين وثلاثمائة.\rقال جعفر: لا يجد العبد لذّة المعاملة مع الله مع لذة النفس، لأن أهل الحقائق قطعوا العلائق التي تقطعهم عن الحق، قبلأن تقطعهم العلائق.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت جعفراً يقول: إن ما بين العبد وبين الوجود أن تسكن التقوى قلبه، فإذا سكنت التقوى قلبه نزلت عليه بركات العلم، وزالت عنه رغبة الدنيا.\rومنهم:\rأبو العباس السياري\rواسمه: القاسم بن القاسم.\rمن مرو صحب الواسطي، وانتمي إليه في علوم هذه الطائفة.\rوكان عالماً.\rمات سنة: اثنتين وأربعين وثلاثمائة.\rسئل أبو العباس السيَّاري: بماذا يروض المريد نفسه؟ فقال: بالصبر على فعل الأوامر، واجتناب النواهي، وصحبة الصالحين، وخدمة الفقراء.\rوقال: ما التذَّ عاقل بمشاهدة الحق قد، لأن مشاهدة الحق فناء، ليس فيها لذة.\rومنهم:\rأبو بكر الدينوري","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالدقيّ.\rأقام بالشام وعاش أكثر من مائة سنة.\rمات بدمشق بعد الخمسين والثلاثمائة.\rصحب أبن الجلاَّء، والزقَّاق.\rقال أبو بكر الدقيّ.\rالمعدة موضع يجمعُ الأطعمة، فإذا طرحتَ فيها الحلال صدرت الأعضاء بالأعمال الصالحة، وإذا طرحت فيها الشبهة اشتب عليك الطريق إلى الله تعالى - وإذا طرحت فيها التبعات كان بينك وبين أمر الله حجاب.\rومنهم:\rأبو محمد الرازي\rأبو محمد عبد الله بن محمد الرازي مولده ومنشؤه بنيسابور.\rصحب أبو عثمان الحيريَّ، والجنيد، ويوسف بن الحسين، ورويماً، وسمنوناً، وغيرهم.\rمات سنة: ثلاث وخمسين وثلاثمائة.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الله الرازي يقول وقد سئل: ما بال الناس يعرفون عيوبهم ولا يرجعون إلى الصواب؟ فقال: لأنهم اشتغلوا بالمباهاة بالعلم، ولم يشتغلوا باستعماله، واشتغلوا بالظواهر ولم يشتغلوا بآداب البواطن، فأعمى الله قلوبهم، وقيد جوارحهم عن العبادات.\rومنهم:\rأبو عمرو إسماعيل بن نجيد\rصحب أبا عثمان، ولي الجُنيد.\rوكان كبير الشأن.\rآخر من مات من أصحاب أبي عثمان. توفي بمكة سنة: ست وستين وثلاثمائة.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت جدِّي أبا عمرو بن نجيد يقول: كل حال لا يكون عن نتيجة علم؛ فإن ضررَه على صاحبه أكثر من نفعه.\rقال: وسمعته يقول: من ضيع في وقت من أوقاته فريضة افترضها الله عليه حرِمَ لذَّة تلك الفريضة، ولو بعد حين.\rقال: وسئل عن التصوف، فقال: الصبر تحت الأمر والنهي.\rقال، وقال: آفة العبد رضاه من نفسه بما هو فيه.\rومهنهم:\rأبو الحسن البوشنجي\rأبو الحسن علي بن أحمد بن سهل البوشنجي أحد فتيان خُراسان.\rلقي أبا عثمان، وابن عطاء، والجريري، وأبا عمر والدَّمشقيَّ.\rمات سنة: ثمان وأربعين وثلاثمائة.\rوسئل البوشنجي عن المروءة فقال: هي ترك استعمال ما هو محرَّم مع الكرام الكاتبين.\rوقال له إنسان: ادع الله لي.\rفقال: أعاذك الله من فتنتك.\rوقال: أوَّل الإيمان منوط بآخره.\rومنهم:\rأبو عبد الله الشيرازي\rأبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي صحب رويماً، والجريري، وابن عطاء، وغيرهم.\rمات سنة: إحدى وسبعين وثلاثمائة.\rوهو شيخ الشيوخ وواحد وقته.\rقال ابن خفيف: الإدارة استدامةُ الكدِّ؛ وترك الراحة.\rوقال: ليس شيء أضر على المريد من مسامحة النفس في ركوب الرحل وقبول التأويلات.\rوسئل عن القرب، فقال: قُربك منه بملازمة الموافقات، وقُربه منك بدوام التوفيق.\rسمعت أبا عبد الله الصوفيَّ، يقول: سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول: ربَّما كنت أقرأ في ابتداء أمري في ركعة واحدة عشرة آلاف مرةًّ قل هو الله أحد وربما كنت أقرأ في ركعة واحدة القرآن كله، وربما كنت أصلي من الغداة إلى العصر ألف ركعة.\rسمعت أبا عبد الله بن باكويه الشيرازي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا أحمد الصغير يقول: دخل يوماً من الأيام فقير، فقال الشيخ أبي عبد الله أبن خفيف.\rبي وسوس!! فقال الشيخ: عهدي بالصوفيَّة يسخرون من الشيطان، والآن الشيطان يسخر منهم.\rوسمعته يقول: سمعت أبا العباس الكرخي يقول: سمعت أبا عبد الله ابن خفيف يقول: ضعفت عن القيام في النوافل، فجعلت بدل كل ركعة من أورادي ركعتين قاعداً، للخبر: صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم.\rومنهم:\rأبو الحسين الشيرازي\rأبو الحسين بندار بن الحسين الشيرازي كان عالماً بالأصول، كبيراً في الحال.\rصحب الشبلي.\rمات بأرَّجان سنة: ثلاث وخمسين وثلاثمائة.\rقال بُندار بن الحسين: لا تخاصم لنفسك، فإنها ليست لك، دعها لمالكها يفعل بها ما يريد.\rوقال بُندار: صحبة أهل البدع تورث الإعراض عن الحق.\rوقال بُندار: اترك ما تهوى لما تأمل.\rومنهم:\rأبو بكر الطمستاني\rصحب إبراهيم الدَّباغ، وغيره.\rوكان أوحد وقته علماً، وحالاً مات بنيسابور بعد سنة: أربعين وثلاثمائة قال أبو بكر الطمِّستاني: النعمة العظمة الخروج من النفس، والنفس أعظم حجاب بينك وبين الله سمعت أبا عبد الله الشيرازي، رحمه الله، يقول: سمعت منصور ابن عبد الله الأصبهانيِّ، يقول: سمعت أبا بكر الطمِّستاني يقول:","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"إذا هَم القلب عوقب في الوقت.\rوقال: \" الطريق واضح، والكتاب والسنَّة قائم بين أظهرنا وفضل الصحابة معلوم؛ لسبقهم إلى الهجرة، ولصحبتهم؛ فمن صحب منا الكتاب والسنة وتغرَّب عن نفسه والخلق، وهاجر بقلبه إلى الله، فهو الصادق المصيب \" .\rومنهم:\rأبو العباس الدينوري\rأبو العباس أحمد بن محمد الدينوري صحب يوسف بن الحسين، وابن عطاء، والجريريَّ.\rوكان عالماً فاضلاً؛ ورد نيسابور وأقام بها مدّضة، وكان يعظ الناس، ويتكلم على لسان المعرفة، ثم ذهب إلى سمرقند، ومات بها بعد الأربعين وثلاثمائة.\rقال أبو العباس الدَّينوري: أدْنى الذكر أن تنسى مادونه، ونهاية الذكر أن يغيب الذاكر في الذكر عن الذكر.\rوقال أبو العباس: لسان الظاهر لا يغيَّر حكم الباطن.\rوقال أبو العباس الدينوري: أدنى الذكر أن تنسى ما دونه، ونهاية الذكر أن يغيب الذاكر في الذكر عن الذكر.\rوقال أبو العباس: لسان الظاهر لا يغيَّر حكم الباطن.\rوقال أبو العباس الدينوري: نقضوا أركان التصوف، وهدموا سبيلها، وغيروا معانيها بأسامي أحدثوها: سمُّو الطمع زيادة، وسوء الأدب إخلاصاً والخروج عن الحق شطحاً والتلذذ بالمذموم طيبة، واتباع الهوي ابتلاء والرجوع إلى الدنيا وصلا،وسوء الخلق صولة، والبخل جلادة والسؤال عملاً وبذاءة اللسان ملامة. وما هذا كان طريق القوم.\rومنهم:\rأبو عثمان المغربي\rأبو عثمان سعيد بن سلام المغربي واحد عصره، لم يوصف مثله قبله.\rصحب ابن الكاتب، وحبيباً المغربيَّ، وأبا عمرو الزجاجيَّ، ولقي النهرجوري وابن الصائغ وغيرهم.\rمات بنيسابور سنة: ثلاث وسبعين وثلاثمائة.\rوأوصى بأن يُصلى عليه الإمام أبو بكر بن فورك رحمه الله تعالى.\rسمعت الأستاذ أبو بكر بن فورك يقول: كنت عند أبي عثمان المغربي حين قرب أجله، وعليّ القوال الصغير يقول شيئاً، فلما تغير عليه الحال أشرنا على عليّ بالسكوت، ففتح الشيخ أبو عثمان عينيه، وقال: لم لا يقول عليّ شيئاً؟ فقلت لبعض الحاضرين: سلوه، علام يسمع المستمع، فإني أحتشمه في تلك الحالة فسألوه، فقال: إنما يسمع من حيث يسمع.\rوكان في الرياضة كبير الشأن.\rوقال أبو عثمان: التقوى، هي: الوقوف مع الحدود، لا يُقصر فيها ولا يتعدَّاها.\rوقال: من آثر صحبة الآغنياء على مجالسة الفقراء ابتلاه الله بموت القلب.\rومنهم:\rأبو القاسم النصراباذي\rأبو القاسم إبراهيم بن محمد النصراباذي شيخ خراسان في وقته.\rصحب الشبليَّ، وأبا علي الروذباريَّ، والمرتعش.\rجاور بمكة سنة: ست وستين وثلاثمائة. ومات بها سنة تسع وستين وثلاثمائة.\rوكان عالماً بالحديث، كثير الرواية.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت النصراباذي يقول: إذا بدا لك شيء من بوادي الحق، فلا نلتفت معها إلى جنَّة، ولا إلى نار، فإذا رجعت عن تلك الحال فعظِّم ما عظمه الله.\rوسمعت محمد بن الحسين يقول: قيل للنصراباذي: إن بعض الناس يجالس النسوان، ويقول: أنا معصوم في رؤيتهن.\rفقال: ما دامت الأشباح باقية فإن الأمر والهي باق، والتحليل والتحريم مخاطب به؛ ولن يجترىء على الشبهات إلا من تعرض للمحرمات.\rوسمعت محمد بن الحسين، رحمة الله، يقول: قال النصراباذي: أصل التصوف: ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع وتعظيم حرمات المشايخ، ورؤية أعذار الخلق، والمداومة على الأوراد، وترك ارتكاب الرخص والتأويلات.\rومنهم:\rأبو الحسن الحصري البقري\rأبو الحسن علي بن إبراهيم الحصري البقري سكن بغداد.\rعجيب الحال واللسان، شيخ وقته.\rينتمي إلى الشبليِّ.\rمات ببغداد سنة: إحدى وسبعين وثلاثمائة.\rقال الحصري: الناس يقولون: الحصري لا يقول بالنوافل، وعلى أوراد من حال الشباب لو تركت ركعة لعوقبت.\rوقال: من ادَّعى في شيء من الحقيقةُ كذَّبته شواهد كشف البراهين.\rومنهم:\rأبو عبد الله الروذباري\rأبو عبد الله بن أحمد بن عطاء الروذباري ابن أخت الشيخ أبي علي الروذباري.\rشيخ الشم في وقته مات بصور سنة: تسع وستين وثلاثمائة.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت على بن سعيد المصيصي، يقول: سمعت أحمد بن عطاء الروذباري يقول:","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"كنت راكباً جملاً، فغاصت رجلاً الجمل في الرمل، فقلت: جل الله، فقال الجمل: جل الله. وكان أبو عبد الله الروذباري إذا دعا أَصحابه معه إلى دعوة في دور السوقة، ومن ليس من أهل التصوف لا يُخْبر الفقراء بذلك، وكان يطعمهم شيئاً، فإذا فرغوا أخبرهم، ومضى بهم فكانوا قد أكلوا في الوقت فلا يمكنهم أن يمدوا أيديهم إلى طعام الدعوة إلا بالتعزز.\rوإنما كان يفعل ذلك، لئلا تسوء ظنُون الناس بهذه الطائفة فيأثموا بسببهم.\rوقيل: كان أبو عبد الله الروذباري يمشي على أثر الفقراء يوماً، وكذا كانت عادته أن يمشي على أثرهم، وكانوا يمضون إلى دعوة فقال إنسان بقَّال: هؤلاء المستحلون وبسط لسانه فيهم، وقال في اثناء كلامه: إن واحداً منهم قد استقرض منيِّ مائة درهم. ولم يردها عليَّ ولست أدري أين أطلبه؟ فلما دخلوا دار الدعوة، قال أبو عبد الله الروذباري لصاحب الدار وكان من محِّبي هذه الطائفة.\rإثنتي بمائة درهم إن أردت سكون قلبي.\rفأتاه بها في الوقت فقال لبعض أصحابه: أحمل هذه المائة إلى البقَّال الفلانيِّ، وقل له: هذه المائة التي استقرضها منك بعض أصحابنا، وقد وقع له في التأخير بها عذر، وقد بعثها الآن.. فأقبل عذهر!! فمضى الرجل، وفعل، فلما رجعوا من الدعوة اجتازوا بحانوت البقَّال، فأخذ البقال في مدحهم يقول: هؤلاء هم الثقاةُ الأمناء الصلحاء، وما أشبه ذلك.\rوقال أبو عبد الله الروذباري: أقبح من كل قبيح صوفي شحيح.\rقال أبو القاسم الأستاذ الإمام جمال الإسلام، رضي الله عنه هذا هو ذكر جماعة من شيوخ هذه الطائفة.\rوكان الغرض من ذكرهم في هذا الموضع التنبيه على أنهم مجمعون على تعظيم الشريعة؛ متصفون بسلوك طرق الرياضة، مقيمون على متابعة السنة، غير مخلين بشيء من آداب الديانة، متفقون على أن من خلا من المعاملات والمجاهدات ولم يبن أمره على أساس الورع والتقوى كان مفترياً على الله سبحانه وتعالى، فيما يدعيه، متفونا، هلك في نفسه، وأهلك من أغتر به ممن ركن إلى أباطيله.\rولو تقصينا، وتتبعنا ما ورد عنهم: من ألفاظهم، وحكاياتهم، ووصف سيرهم مما يدل على أحوالهم، لطال به التاب، وحصل منه الملال: وفي هذا القدر الذي لوحنا به في تحصيل المقصود غنية، وبالله التوفيق.\rفأما المشايخ الذين أدركناهم، وعاصرناهم، وإن لم يتفق لنا لقياهم، مثل: الاستاذ الشهيد، لسان وقته، وأوحد عصره، أبي عليِّ الحسن بن علي الدقاق، والشيخ، نسيج وحده في وقته، أبي عبد الرحمن السلمي، وابي الحسن علي بن جَهضم مجاور الحرم والشيخ أبي العباس القصار بطبرستان. وأحمد الأسود بالدينور؛ وابي القاسم الصيرفي بنيسابور، وابي سهل الخشاب الكبير بها. ومنصور بن خلف المغربي، وأبي سعيد الماليني، وأبي طاهر الخوزندي، قدس الله أرواحهم، وغيرهم، فلو اشتغلنا بذكرهم، وتفصيل أحوالهم، لخرجنا عن المقصود في الإيجاز وغير ملْتَبَس من أحوالهم حسن سيرتهم في معاملاتهم.\rوسنورد من حكاياتهم طرفاً في مواضع من هذه الرسالة إن شاء الله تعالى.\rباب\rتفسير ألفاظ تدور بين هذه الطائفة\rوبيان ما يشكل منها أعلم أنَّ من المعلوم: أن كلَّ طائفة من العلماء لهم ألفاظ يستعملونها - فيما بينهم - انفردوا بها عمن سواهم، تواطئوا عليها؛ لأغراض لهم فيها: من تقريب الفهم على المخاطبين بها، أو تسهيل على أهل تلك الصنعة في الوقوف على معانيهم، بإطلاقها. وهذا الطائفة يستعملون ألفاظاً فيما بينهم، قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم، والإجمال والستر على من باينهم في طريقتهم؛ لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة على الأجانب، غيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها، إذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع تكلف، واستخلص لحقائقها اسرار قوم.\rونحن نريد بشرح هذه الألفاظ: تسهيل الفهم على من يريد الوقوف على معانيهم من سالكي طرقهم، ومتبعي سنَّنهم.\rفمن ذلك:\rالوقت\rحقيقة الوقت عند أهل التحقيق: حادث متوهِّم علق حصوله على حادث متحقق فالحادث المتحقق، وقت للحادث المتوهم، تقول: آتيك رأس الشهر، فالإتيان متوهم، ورأس الشهر حادث متحقق. فرأس الشهر وقت الإتيان.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول:","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"الوقت: ما أنت فيه، إن كنت بالدنيا فوقتك الدنيا، وإن كنت بالعقبى فوقتك العقبى وإن كنت بالسُّرور فوقتك السرور وإن كنت بالحزن فوقتك الحزن.\rيريد بهذا: أن الوقت ما كان هو الغالب على الإنسان.\rوقد يعنون بالوقت: ما هو فيه من الزمان، فإن قوماً قالوا: الوقت ما بين الزمانين، يعني الماضي والمستقبل.\rويقولون: الصوفي ابن وقته، يريدون بذلك: أنه مشتغل بما هو أولى به من العبادات في الحال، قائم بما هو مطلوب به في الحين.\rوقيل: الفقير لا يهمه ماضي وقته وآتيه، بل يهمه وقته الذي هو فيه.\rولهذا قيل: الاشتغال بفوات وقت ماض. تضبيع وقت ثان.\rوقد يريدون بالوقت: ما يصادفهم من تصريف الحقِّ لهم، دون ما يختارونه لأنفسهم.\rويقولون: فلان بحكم الوقت. أي: أنه مستسلم لما يبدو له من الغيب من غير أختيار له.\rوهذا فيما ليس لله تعالى عليهم فيه أمر أو اقتضاء بحق شرع، إذ التضييع لما أمرت به: وإحالة الأمر فيه على التقدير وتركُ المبالاة بما يحصل منك من التقصير: خروج عن الدين.\rومن كلامهم: الوقت سيف. أي: كما أنَّ السيف قاطع فالوقت بما يمضيه الحق ويجريه غالب.\rوقيل: السيف لين مسه، قاطع حده، فمن لاينهُ سلم، ومن خاشنه اصطلم. كذلك الوقت: من استسلم لحكمه نجا، ومن عارضه انتكس وتردي.\rوأنشدوا في ذلك:\rوكالسيف إن لاينته لان مسه ... وحدَّاه إن خاشنته خشنان\rومن ساعده الوقت: فالوقت له وقت.\rومن ناكده الوقت: فالوقت عليه مقت.\rوسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: الوقت مبرد يستحقك ولا يمحقك.\rيعني: لو محاك وأفتاك لتخلصت حين فنيت. لكنه يأخذ منك ولا يمحوك بالكلية - وكان ينشد في هذا المعنى: كل يوم يمر يأخذ بعضي يورث القلب حسرة ثم يمضي وكان ينشد أيضاَ:\rكأهل النار إن نضجت جلود ... يورث القلب حسرة ثم يمض\rوكان ينشد أيضاً:\rكأهل النار إن نضجت جلود ... أعيدت للشقاء لهم جلود\rوفي معناه:\rليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميِّت ميت الأحياء\rوالكيِّس: من كان بحكم وقته؛ إن كان وقته الصحو فقيامه بالشريعة، ون كان وقته المحو، فالغالب عليه أحكام الحقيقة.\rومن ذلك:\rالمقام\rوالمقام: ما يتحقق به العبد بمنازلته من الآداب؛ ممام يتوصَّل إليه بنوع تصُّرفَ، ويتحقق به بضرب تطلُّب، ومقاساة تكلف.\rفمقام كل أحد: موضع إقامته عند ذلك، وما هو مشتغل بالرياضة له.\rوشرطه: أن لا يرتقي من مقام إلى مقام آخر، ما لم يستوف أحكام ذلك المقام، فإن من لا قناعة له لا تصح له التوكل ومن لا توكل له لا يصح له التسليم، وكذلك من لا توبة له لا تصح له الإنابة، ومن لا ورع له لا يصح له الزهد.\rوالمقام: هو الإقامة، كالمُدخل بمعنى الإدخال، والمخرج بمعنى الإخراج.\rولا يصحُّ لأحد منازلة مقام إلا بشهود إقامة الله تعالى إياه بذلك المقام، ليصحَّ بناء أمره على قاعدة صحيحة.\rسمعت الأستاذ أبا عليِّ الدَّقاق، رحمه الله تعالى، يقول: لما دخل الواسطي نيسابور، سأل أصحاب أبي عثمان: بماذا كان يأمركم شيخكم؟ فقالوا: كان يأمرنا بالتزام الطاعات، ورؤية التقصير فيها.\rفقال: أمركم بالمجوسيَّة المحضة، هلا أمركم بالغيْبة عنها، برؤية منشئها ومجريها؟ وإنما أراد الواسطي بهذا: صيانتهم عن محل الإعجاب.\rلا تعريجاً في أوطان التقصير، أو تجويزاً للإخلال بأدب من الآداب.\rومن ذلك:\rالحال\rوالحال عند القوم: معنى يَرِد على القلب، من غير تعمد منهم، ولا اجتلاب، ولا أكتساب لهم، من: طرب، أو حزن، أو بسط، أو قبض، أو شوق، أو انزعاج أو هبة، أو احتياج.\rفالأحوال: مواهب، والمقامات. مكاسب.\rوالأحوال تأتي من عين الجواد، والمقامات تحصل ببذل المجهود.\rوصاحب المقام ممكن في مقامه، وصاحب الحال مُترقَّ عن حاله.\rوسئل ذو النون المصري، عن العارف، فقال: كان ها هنا، فذهب.\rوقال بعض المشايخ: الأحوال كالبروق: فإن بقي فحديث نفس.\rوقالوا: الأحوال كأسمها، يعني أنها: كما تحلُّ بالقلب نزول في الوقت.\rوأنشدوا:\rلو لم تَحُلْ ما سميت حالا ... وكل ما حال فقد زالا\rانظر إلى الفيء إذا ما انتهى ... يأخذ في النقص إذا طالا","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"وأشار قوم إلى بقاء الأحوال، ودوامها. وقالوا: إنها إذا لم تدم ولم تتوَال فهي لوائح وبواده، ولم يصل صاحبها بعد إلى الأحوال فإذا دامت تلك الصفة فعند ذلك تسمَّى: حالاً.\rوهذا أبو عثمان الحيري يقول: منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حال فكرهْتُه.\rأشار إلى دوام الرِّضا، والرضا من جملة الأحوال.\rفالواجب في هذا: أن يقال: إن من أشار إلى بقاء الأحوال فصحيح ما قال، فقد يصير المعنى شِرْباً لأحد فيربّي فيه.\rولك لصاحب هذه الحال أحوال: هي طوارق لا تدوم فوق أحواله التي صارت شرباً له؛ فإذا دامت هذه الطوارق له، كما دامت الأحوال المتقدمة، ارتقى إلى أحوال أخر، فوق هذه وألطف من هذه، فأبداً يكون في الترقي.\rسمعت الآستاذ أبا عليّ الدقاق، رحمه الله، يقول في معنى قول صلى الله عليه وسلم: إنه ليغَان على قلبي حتى أستغفر الله تعالى في اليوم سبعين مرة: أنه كان صلى الله عليه وسلم أبداً في الترقي من أحواله فإذا ارتقى من حالة إلى حالة أعلى مما كان فيها، فربما حصل له ملاحظة إلى ما ارتقى عنها، فكان يعدُّها غيْناً بالإضافة إلى ما حصل فيها، فأبداً كانت أ؛واله في التزايد.\rومقدورات الحق سبحانه، من الآلطاف: لا نهاية لها؛ فإذا كان حق الحق تعالى، العز، وكان الوصول إليه بالتحقيق محالاً، فالعبد أبداً في ارتقاء أحواله.\rفلا معنى يوصل إليه، إلا وفي مقدوره سبحانه ما هو فوقه، يقدر أن يوصله إليه. وعلى هذا يحمل قولهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين.\rوسئل الجنيد عن هذا، فأنشد:\rطوارق أنوار تلوح إذا بدت ... فتظهر كتماناً وتخبر عن جمع\rومن ذلك:\rالقبض والبسط\rوهما: حالتان، بعد ترقيِّ العبد عز حالة الخوف والرجاء.\rفالقبض للعارف: بمنزلة الخوف للمستأنف.\rوالبسط للعارف: بمنزلة الرجاء للمستأنف.\rومن الفصل بين القبض والخوف، والبسط والرجاء: أن الخوف ما يكون من شيء في المستقبل، إما أن يخاف فوقت محبوب أو هجوم محذور.\rوكذلك الرجاء: إنما يكون بتأميل محبوب في المستقبل، أو بتطلع زوال محذور وكفاية مكروه في المستأنف.\rوأما القبض: فلمعنى حاصل في الوقت، وكذلك البسط، فصاحب الخوف والرجاء: تعلق قلبه في حالتيه بآجله. وصاحب القبض والبسط أخذ وقته بوارد غلب عليه في عاجله.\rثم تتفاوت نعوتهم في القبض والبسط على حسب تفاوتهم في أحوالهم: فمن واردٍ يوجب قبضاً، ولكن يبقى مساغ للأشياء الأخر، لأنه غير مستوف ومن مقبوض لا مساغ لغير وارده فيه، لأنه مأخوذ عنه بالكلية بوارده.\rكما قال بعضهم: أنا ردْم، أي: لا مساغ فيّ.\rوكذلك المبسوط: قد يكون فيه بسط يسع الخلق، فلا يستوحش من أكثر الأشياء، ويكون مبسوطاً لا يؤثر فيه شيء بحال من الأحوال.\rسمعت الأستاذ أبا عليِّ الدقاق، رحمه الله، يقول: دخل بعضهم على أبي بكر القحطي؛ وكان له ابن يتعاطى ما يتعاطاه الشباب، وكان ممر هذا الداخل على هذا الابن، فإذا هو مع أقرانه في اشتغاله ببطالته.\rفرق قلبه، وتألم للقحطي، وقال: مسكين هذ الشيخ، كيف ابتلي بمقاساة هذا الإبن؟ فلما دخل على القحطي، وجده كأنه لا خبر له بما يجري عليه من الملاهي، فتعَّجب منه، وقال فديت، من لا تؤثر فيه الجبال الرواسي.\rفقال القحطي: إنا قد حررنا عن رق الأشياء في الأزل.\rومن أدنى موجبات القبض: أن يرد على قلبه وارد موجبه إشارى إلى عتاب ورمز باستحقاق تأديب، فيحصل في القلب لا محالة، قبض.\rوقد يكون موجب بعض الواردات إشارة إلى تقريب، أو إقبال بنوع لطف وترحيب، فيحصل للقلب بسط.\rوفي الجملة: قبض كل أ؛د حسب بسطه، وبسطه على حسب قبضه.\rوقد يكون قبض يشكل على صاحبه سببه: يجد في قلبه قبضاً لا يدري موجبه ولا سببه، فسبيل صاحب هذا القبض التسليم، حتى يمضي ذلك الوقت، لأنه لو تكلف نفيه، أو استقبل الوقت قبل هجومه عليه باختياره زاد في قبضه.\rولعله يعد ذلك منه: سوء أدب.\rوإذا استسلم لحكم الوقت، فمن قريب يزول القبض، فإن الحق سبحانه قال: والله يقبض وببسط.\rوقد يكون بسط يرد بغتة، ويصادف صاحبه فلتة لا يعرف له سبباً، يهز صاحبه ويستفزه، فسبيل صاحبه السكون، ومراعاة الأدب، فإن في هذا الوقت له خطراً عظيما فليحذر صاحبه مكراً خفياً.\rكذا قال بعضهم: فتح عليَّ باب من البسط، فزللت زلة فحجبت عن مقامي.","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"ولهذا قالوا: قف على البساط، وإيَّاك والانبساط.\rوقد عدّ أهل التحقيق حالتي القبض والبسط: من جملة ما استعاذوا منه، لأنهما بالإضافة إلى ما فوقهما من استهلاك العبد واندراجه في الحقيقة: فقر وضر.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت الحسين بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت الجنيد يقول: الخوف من الله يقبضني، والرجاء منه: يبسطني. والحقيقة: تجمعني، والحق: يفرقني، إذا قبضني بالخوف أفناني عني، وذا بسطني بالرجاء ردني علي وإذا جمعني بالحقيقة أحضرني وإذا فرقني بالحق أشهدني غيري، فغطاني عنه، فهو تعالى في ذلك كله محركي غير ممسكي، وموحشي غير مؤنسي، فأنا بحضوري أذوق طعم وجودي، فليته أفناني عني فمتعني، أو غيبني عني فروحني.\rومن ذلك:\rالهيبة والأنس\rوهما: فوق القبض والبسط.\rفكما أن القبض: فوق رتبة الخوف.\rوالبسط: فوق منزلة الرجاء.\rفالهيبة: أعلى من القبض والأنس أنم من البسط، وحق الهيبة الغيبة، فكل هائب غائب.\rثم الهائيون: يتفاوتون في الهيبة على حسب تباينهم في الغيبة فمنهم.. ومنهم وحق الأنس: صحو بحق، فكل مستأنس: صاح ثم يتباينون حسب تباينهم في الشرب.\rولهذا قالوا: أدنى محل الأنس: أنه لو طرح في لظى لم يتكدر عليه أنسه قال الجنيد، رحمه الله: كنت أسمع السريَّ يقول: يبلغ العبد إلى حد لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر.\rوكان في قلبي منه شيء، حتى بان لي أن الأمرَ كذلك.\rوحكي أبي عن مقاتل العكي أنه قال: دخلت على الشبلي؛ وهو ينتف الشَّعر من حاجبه بمنقاش، فقلت: يا سيدي، أنت تفعل هذا بنفسك! ويعود ألمه إلى قلبي!!! فقال: وبلك، الحقيقة ظاهرة لي ولست أطيقها: فهوذا، فأنا أدخل الألم على نفسي؛ لعلي أحس به، فيستتر عني، فلست أجد الألم، وليس يستتر عني، وليس لي به طاقة: وحال الهيبة والأنس، وإن جلتا، فأهل الحقيقة يعدونهما: نقصاً لتضمنهما تغير العبد فإن أهل التمكين سمت أحوالهم عن التغير. وهم محوفي وجود العين، فلاهيبة لهم ولا أنس، ولا علم ولا حس.\rوالحكاية معروفة عن أبي سعيد الخرَّاز، أنه قال: نهت في البادية مرة، فكنت أقول:\rأتيه فلا أدري من التيه من أنا ... سوى ما يقول الناس في وفي جنسي\rأتيه على جن البلاد وإنسها ... فن لم أجد شخصاً أتيه على نفسي\rقال فسمعت هاتفاً يهتف بي، ويقول:\rفلو كنت من أهل الوجود حقيقة ... لغبت عن الأكوان والعرش والكرسي\rوإنما يرتقي العبد عن هذه الحالة بالوجود.\rومن ذلك:\rالتواجد والوجد والوجود\rفالتواجد: استدعاء الوجد بضرب اختيار، وليس لصاحبه كمال الوجد؛ إذ لو كان لكان واجداً، وباب التفاعل أكثره على إظهار الصفة، وليست كذلك.\rقال الشاعر:\rإذا تخازرت، وما بين من خزر ... ثم كسرت العين من غير ما عور\rفقوم قالوا: التواجد غير مسلم لصاحبه، لما يتضمن من التكلف ويبعد عن التحقيق.\rوقوم قالوا: إنه مسلمَّ للفقراء المجرّدين، الذين ترصَّدوا لوجدان هذه المعاني، وأصلهم. خبرُ الرسول صلى الله عليه وسلم:أبكوا، فإن لم تبكوا، فتباكوا، والحكاية المعروفة لأبي محمد الجريري، رحمه الله، أَنه قال: كنت عند الجنيد، وهناك ابن مسروق وغيره، وثمَّ قوال، فقام ابن مسروق وغيره.. والجنيد ساكن، فقلت: يا سيدي، مالك في السمَّاع شيء!! قال الجنيد: وترى الجبال تحسبها جامدة، وهي تمر مرَّ السحاب ثم قال: وأنت يا أبا محمد، مالك في السِّماع شيء؟ فقلت: يا سيدي، أنا إذا حضرت موضعاً فيه سماع وهناك مُحتشم أمسكت على نفسي وجدي، فإذا خلوت أرسلت وجدي، فتواجدْت.\rفأطلق في هذه الحكاية التواجد، ولم ينكر عليه الجنيد.\rسمعت الأستاذ أبا عليٍّ الدقاق، رحمه الله، يقول: لما راعي أبو محمد، أدب الأكابر في حال السماع، حفظ الله عليه وقته، ببركات الأدب، حتى يقول: أمسكت على نفسي وجدي فإذا خلوت أرسلت وجدي فتواجد؛ لأنه لا يمكن إرسال الوجد، إذا شئت، بعد ذهاب الوقت وغلباته.\rولكنه لما كان صادقاً في مراعاة حرمة الشيوخ، حفظ الله تعالى عليه وقته، حتى أرسل وجده عند الخلوة.\rفالتواجد: ابتداء الوجد على الوصف الذي جرى ذكره، وبعد هذا.\rوالوجد: ما يصادف قلبك، ويرد عليك بلا تعمد وتكلف.","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"ولهذا قال المشايخ: الوجد: المصادفة والمواجيد: ثمرات الأورد.\rفكل من ازدادت وظائفه ازدادت من الله لطائفة.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: الواردات: من حيث الأوراد: فمن لا ورد له بظاهره لا ورد له في سرائره، وكل وجد فيه من صاحبه شيء، فليس يوجد.\rوكما أن ما يتكلفه العبد من معاملات ظاهرة يوجب له حلاوة الطاعات، فما ينازله العبد من أحكام باطنه يوجب له المواجيد.\rفالحلاوات ثمرات المعاملات والمواجيد: نتائج المنازلات.\rأما الوجود: فهو بعد الارتقاء عن الوجد.\rولا يكون وجود الحق، إلا بعد خمور البشرية، لأنه لا يكون للبشرية بقاء عند ظهور سلطان الحقيقة.\rوهذا معنى قول أبي الحسين النوري: أنا منذ عشرين سنة بين الوجد والفقد: أي: إذا وجدت ربيَّ فقدت قلبي، وإذا وجدت قلبي فقدت ربي.\rوهذا معنى قول الجنيد: علم التوحيد: مباين لوجوده، ووجوده مباين لعلمه.\rوفي هذا المعنى أنشدوا:\rوجودي أن أغيب عن الوجود ... بما يبدو عليَّ من الشهود\rفالتواجد: بداية. والوجود: نهاية والوجد واسطة بين البداية والنهاية.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: التواجد يوجب استغراق العبد.\rوالوجود يوجب استهلاك العبد.\rفهو كمن شهد البحر، ثم ركب البحر، ثم غرق في البحر.\rوترتيب هذا الأمر: قصود، ثم ورود، ثم شهود، ثم جمود، ثم خمود.\rوبمقدار الوجود يحصل الخمود، وصاحب الوجود له: صحو، ومحو.\rفحال صحوة: بقاؤه بالحق، وحال محوه، فناؤه بالحق.\rوهاتان الحالاتان أبداً متعاقبتان عليه: فإذا غلب عليه الصَّحو بالحق، فيه يصول، وبه يقول.\rقال عليه السلام، فيما أخبر عن الحق: فبي يسمع، وبي يبصر.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: وقف رجل على حلقة الشبلي، فسأله: هل تظهر آثار صحة الوجود على الواجدين؟؟ فقال: نعم: نور يزهر مقارناً لنيران الاشتياق، فتلوح على الهياكل آثارها كما قال ابن المعتز:\rوأمطر الكأس ماء من أبارقها ... فأنبت الدر في أرض من الذهب\rوسبح القوم لما أن رأوا عجباً ... نوراً من الماء في نار من العنب\rسلاقة ورثتها عاد عن إرم ... كانت ذخيرة كسرى عن أب فأب\rوقيل لأبي بكر الدقيَّ: إن جهماً الدقيَّ أخذ شجرة بيده في حال السماع في ثورانه، فقلعها من أصلها: فاجتمعا في دعوة، وكان الدقي كفَّ بصرهُ، فقام الدقي يدور في حال هيجانه فقال الدقي: إذا قرب منيِّ أرونيه.\rوكان الدقي ضعيفاً، فمر به، فلما قرب منه، قالوا له: هذا هو.\rفأخذ الدقي ساق جهم فوقفه، فلم يمكنه أن يتحرك.\rفقال جهم: أيها، الشيخ، التوبة.. التوبة!! فخلاه: قال الأستاذ الإمام، أدام الله جماله: فكان ثوران جهم في حق، وإمساك الدقي بساقه بحق، ولما علم جهم أن حال الدقي فوق حاله رجع إلى الإنصاف واستسلم وكذا من كان بحق لا يستعطي عليه شيء. فأما إذا كان الغالب عليه المحو فلا علم، ولا عقل، ولا فهم؛ ولاحس.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يذكر بإسناده أن أبا عقال المغربي: أقام بمكة أربع سنين لم يأكل، ولم يشرب، إلى أن مات.\rودخل بعض الفقراء على أبي عقال، فقال له: سلام عليكم.\rفقال له أبو عقال: وعليكم السلام فقال الرجل: أنا فلان فقال أبو عقال: أنت فلان، كيف أنت؟ وكيف حالك؟: وغاب عن حالته.\rوقال هذا الرجل، فقلت له: سلام عليكم.\rفقال: عليكم السلام وكأنه لم يرني قط.\rففعلت مثل هذا غير مرة، فعلمت أن الرجل غائب، فتركته، وخرجت من عنده.\rسمعت محمد بن الحسين، يقول: سمعت عمر بن محمد بن أحمد يقول: سمعت امرأة أبي عبد الله النروغندي تقول: لما كانت أيام المجاعة، والناس يموتون من الجوع، دخل أبو عبد الله التروغندي بيته، فرأي في بيته مقدار منوين حنطة، فقال: الناس يموتون من الجوع، وفي بيتي حنطة!! فخولط في عقله، فما كان يفيق إلا في أوقات الصلاة يصلي الفريضة ثم يعود إلى حالته، فلم يزلَ كذلك إلى أن مات.\rدلَّت هذه الحكاية على أن هذا الرجل كان محفوظاً عليه آداب الشريعة عند غلبات أحكام الحقيقة وهذا هو صفة أهل الحقيقة، ثم كان سبب غيبته عن تمييزه: شفقته على المسلمين وهذا أقوى سمة لتحققه في حاله.","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"ومن ذلك:\rالجمع والفرق\rلفظ الجمع والتفرقة يجري في كلامهم كثيراً.\rوكان الأستاذ أبو علي الدقاق يقول: الفرق: ما نسب إليك.\rوالجمع: ما سلب عنك.\rومعناه: أن ما يكون كسباً للعبد، من إقامة العبودية، وما يليق بأحوال البشرية، فهو: فرق.\rوما يكون من قبل الحق، من إبداء معان، وإسداء لطف وإحسان فهو: جمع هذا أدنى أحوالهم في الجمع والفرق، لأنه من شهود الأفعال. فمن أشهده الحق - سبحانه - أفعاله عن طاعاته ومخالفاته فهو: عبد بوصف التفرقة، ومن أشهده الحق - سبحانه - ما يوليه: من أفعال نفسه سبحانه، فهو: عبد بشاهد الجمع.\rفإثبات الخلق من باب التفرقة، وإثبات الحق من نعت الجمع.\rولا بد للعبد من الجمع والفرق، فإن من لاتفرته له لا عبودية له، ومن لا جمع له لا معرفة له، فقوله: إياك نعبد إشارة إلى الفرق. وقوله: وإياك نستعين إشارة إلى الجمع.\rوإذا ما خاطب العبد الحق سبحانه، بلسان نجواه: إما سائلاً، أو داعياً، أو مثنياً، أو شاكراً، أو متنصلاً، أو مبتهلاً؛ قام في محل التفرقة.\rوإذا أصغى بسره إلى ما يناجيه به مولاه، واستمع بقلبه ما يخاطبه به، فيما ناداه، أو ناجاه، أو عرفه، أو لوح لقلبه وأراده، فو بشاهد الجمع.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: أنشد قوال بين يدي الأستاذ أبي سهل الصعلوكي، رحمه الله: جعلت تنزهي نظري إليك.\rوكان أبو القاسم النصراباذي، رحمه الله، حاضراً، فقال الأستاذ أبو سهل: جعلت، بنصب التاء. وقال النصراباذي: بل جعلت بضم التاء: فقال الأستاذ أبو سهل: أليس عين الجمع أتم؟ فسكت النصراباذي.\rوسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي أيضاً يحكي هذه الحكاية على هذا الوجه.\rومعنى: هذا أن من قال جعلت بضم التاء يكون إخباراً عن حال نفسه، فكأن العبد يقول هذا من عنده. وإذا قال جعلت بالفتح فكأنه يتبرأ من أن يكون ذلك يتكلفه، بل يخاطب مولاه فيقول: أنت الذي خصصتني بهذا، لا أنا بتكلفي.\rفالأول على خطر الدعوى، والثاني بوصف التبري من الحول، والاقرار بالفضل والطول: والفرق بين من يقول بجهدي أعبدك. وبين من يقول: بفضلك ولطفك أشهدك.\rومن ذلك: جمع الجمع وجمع الجمع: فوق هذا.\rيختلف الناس في هذه الجملة على حسب تباين أحوالهم، وتفوت درجاتهم: فمن أثبت نفسه، وأثبت الخلق، ولكن شاهد الكل قائماً بالحق، فهذا هو: جمع.\rوإذا كان مختطفاً عن شهود الخلق، مصطلماً عن نفسه، مأخوذاً بالكلية عن الإحساس بكلِّ غير، بما ظهر، واستولى من سلطان الحقيقة، فذاك جمع الجمع.\rفالتفرقة: شهود الأغيار لله عزَّ وجلَّ.\rوالجمع: شهود الأغيار بالله.\rوجمع الجمع: الاستهلاك بالكلية، وفناء الإحساس بما سوي الله عز وجل عند غلبات الحقيقة.\rوبعد هذا حالة عزيزة يسميها القوم: الفرق الثاني وهوأن يرد للعبد إلى الصحو عند أوقت أداء الفرائض، ليجري عليه القيام بالفرائض في أوقاتها، فيكون رجوعاً لله بالله تعالى لا للعبد بالعبد: فالعبد يطالع نفسه، في هذه الحالة، في تصريف الحق سبحانه، يشهد مبدىء ذاته وعينه بقدرته، ومجرى أفعاله وأحواله عليه، بعلمه ومشيئته.\rوأشار بعضهم بلفظ الجمع والفرق إلى تصريف الحق جميع الخلق.\rفجمع الكل في التقليب والتصريف: من حيث إنه منشىء ذواتهم ومجري صفاتهم، ثم فرقهم في التنويع: ففريقاً أسعدهم، وفريقاً أبعدهم وأشقاهم، وفريقا هداهم، وفريقاً أضلهم وأعماهم، وفريقاً حجبهم عنه، وفريقاً جذبهم إليه، وفريقاً آنسهم بوصله، وفريقاً آيسهم من رحمته. وفريقاً أكرمهم بتوفيقه، وفريقاً اصطلمهم عند رومهم لتحقيقه، وفريقاً أصحاهم، وفريقاً محاهم وفريقاً قربهم. وفريقاً غيبهم وفريقاً أدناهم وأحضرهم، ثم أسقاهم فأسكرهم. وفريقاً أشقاهم وأخرهم ثم أقصاهم وهجرهم.\rوأنواع أفعاله لا يحيط بها حصر، ولا يأتي على تفيلها شرح ولا ذكر وأنشدوا للجنيد، رحمه الله؛ في معنى الجمع والتفرقة:\rوتحققتك في سري فناجاك لساني\rفاجتمعنا لمعاني وافترقنا لمعاني\rإن يكن غيبك التعظيم عن لحظ عياني\rفقد صيرك الوجد من الأحشاء داني\rوأنشدوا:\rإذا ما بدا لي تعاظمته ... فأصدر في حال من لم يرد\rجمعت وفرقت عني به ... ففرد التواصل مثنى العدد","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"ومن ذلك:\rالفناء واليقاء\rأشار القوم بالفناء: إلى سقوط الأوصاف المذمومة.\rوأشاروا بالبقاء: إلى قيام الأوصاف المحمودة به.\rوإذا كان العبد لا يخلو عن أحد هذين القسمين، فمن المعلوم: أنه إذا لم يكن أحدُ القسمين كان القسمَ الآخر لا محالة، فمن فنى عن أوصافه المذمومة ظهرت عليه الصفات المحمودة، ومن غلبت عليه الخصال المذمومة استترت عنه الصفات المحمودة.\rوأعلم أن الذي يتصف به العبد: أفعال، وأخلاق، وأحوال.\rفالأفعال: تصرفاته باختياره.\rوالأخلاق: جبلةَّ فيه، ولكن تتغَّير بمعالجته على مستمرِّ العادة.\rوالأحوال: ترد على العبد على وجه الابتداء، لكن صفاؤها بعد زكاء الأعمال.\rفهي كالأخلاق من هذا الوجه، لأن العبد إذا نازل الأخلاق بقلبه فينفي بجهده سفسافها، مَنّ الله عليه بتحسين أخلاقه، فكذلك إذا واظب على تزكية أعماله، ببذل وُسعه من الله عليه بتصفية أحواله بل فمن ترك مذمومَ أفعاله بلسان الشريعة يقال: أنه فنى عن شهواته.\rفإذا فنى عن شهواته بقي بنيتَّه وإخلاصه في عبوديته.\rومن زَهد في دنياه بقلبه، يقال. فنى عن رغبته: فإذا فني عن رغبته فيها بقي بصدق إنابته.\rومن عالج أخلاقه فنفى عن قلبه الحسد والحقد، والبخل، والشخ والغضب، والكبر، وأمثال هذا من رعونات النفس، يقال: فنى عن سوء الخلق.\rفإذا فنى عن سوء الخلق بقي بالفتوة والصدق.\rومن شاهد جريان القدرة في تصاريف الأكام، يقال: فنى عن حسبان الحدثان من الخلق. فذا فنى عن توهم الآثار من الأغيار بقي بصفات الحقِّ.\rومن استولى عليه سلطان الحقيقة حتى لم يشهد من الأغيار لا عيناً ولا أثراً؛ ولا رسماً، ولا طللاً؛ يقال: إنه فنى عن الخلق وبقي بالحقِّ.\rففناء العبد عن أفعاله الذميمة، وأحواله الخسيسة: بعدم هذه الأفعال.\rوفناؤ عن نفسه، وعن الخلق: بزوال إحساسه بنفسه وبهم.\rفإذا فنى عن الأفعال، والأخلاق، والأحوال، فلا يجوز أن يكون ما فنى عنه من ذلك موجوداً.\rوإذا قيل: فنى عن نفسه؛ وعن الخلق، فنفسه موجودة، والخلق موجودون. ولكنه لا علم له بهم ولا به، ولا إحساس، ولا خبر، فتكون نفسه موجودة، والخلق موجودين ولكنه غافل عن نفسه وعن الخلق أجمعين، غير محس بنفسه وبالخلق.\rوقد ترى الرجل يدخل على ذى سلطان؛ أو محتشم، فيُذهل عن نفسه، وعن أهل مجلسه هيبة، وربما يذهل عن ذلك المحتشم، حتى إذا سئل بعد خروجه من عنده، عن أهل مجلسه وهيآت ذلك الصدر، وهيآت نفسه، لم يمكنه الإخبار عن شيء.\rقال الله تعالى: فلما رأينه أكبرنه، وقطعن أيديهن.\rلم يجدن عند لقاء يوسف عليه السلام، على الوهلة ألم قطع الأيدي، وهن أضعف الناس، وقلن: ما هذا بشراً - ولقد كان بشراً - .\rوقلن: إن هذا إلا ملك كريم - ولم يكن ملكاً - .\rفهذا تغافل مخلوق عن أحواله عند لقاء مخلوق، فماظنك بمن تكاشف بشود الحق سبحانه؟! فلو تغافل عن إحساس بنفسه وأبناء جنسه، فأي أعجوبة فيه؟! فمن فنى عن جهله بقي بعلمه.. ومن فنى عن شهوته بقي بإنابته..\rومن فنى عن رغبته بقي بزهادته.. ومن فنى عن منيته بقي بإرادته تعالى.\rوكذلك القول في جميع صفاته: فإذا فنى العبد عن صفته بما جرى ذكره، يرتقي عن ذلك بفنائه عن رؤية فنائه وإلى هذا أشار قائلهم:\rفقوم تاه في أرض بفقر ... وقوم تاه في ميدان حبه\rفأفَنوا ثم أفنوا ثم أفنوا ... وأبقوا بالبقاء من قرب ربه\rفالأول أفناه عن نفسه وصفاته ببقائه بصفات الحق.\rثم فناؤه عن صفات الحق بشهودة الحق.\rثمن فناؤه عن شهود فنائه باستهلاكه في وجود الحق.\rومن ذلك:\rالغيبة والحضور\rفالغيبة: غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق، لاشتغال الحسن بما ورد عليه، ثم قد يغيب عن إحساسه بنفسه وغيره، بوارد من تذكر ثواب، أوتفكر عقاب.\rكما روي أن: الربيع بن خيثم كان يذهب إلى ابن مسعود، رضي الله عنه، فمر بحانوت حدَّاد، فرأي الحديدة المحماة في الكير، فغشى عليه.. ولم يفق إلى الغد.\rفلما أفاق، سئل عن ذلك، فقال: تذكرتكون أهل النار في النار: فهذه غيبة زادت على حدها، حتى صارت غشية.\rوروي عن علي بن الحسين: أنه كان في سجوده، فوق حريق في داره، فلم ينصرف عن صلاته، فسئل عن حاله، فقال: ألهتني النار الكبرى عن هذه النار.","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"وربما تكون الغيبة عن إحساسه بمعنى يكاشف به من الحق سبحانه ثم إنهم مختلفون في ذلك على حسب أحوالهم. ومن المشهور: أن ابتداء حال أبي حفص النيسابوري الحداد في ترك الحرفة، أنه كان على حانوته، فقرأ قارىء آية من القرآن، فورد على قلب أبي حفص وارد تغافل عن إحساسه، فأدخل يده في النار، وأخرج الحديدة المحماة بيده، فرأى تلميذاً له ذلك، فقال: يا أستاذ، ما هذا؟ فنظر أبو حفص إلى ما ظهر عليه، فترك الحرفة؛ وقام من حانوته.\rوكان الجنيد قاعداً؛ وعند امرأته؛ فدخل عليه الشبلي؛ فأرادت امرأته أ، تستتر؛ فقال لها الجنيد: لا خبر للشبليِّ عنك؛ فاقعدي.\rفلم يزل يكلمه الجنيد؛ حتى بكى الشبلي؛ فلما أخذ الشبلي في البكاء قال الجنيد لامرأته: استتري، فقد أفاق الشبلي من غيبته.\rسمعت أبا نصر المؤذن بنيسابور؛ وكان رجلاً صالحاً، قال: كنت أقرأ القرآن في مجلس الأستاذ أبي عليِّ الدَّقاق بنيسابور؛ وقت كونه هناك وكان يتكلم في الحج كثيراً، فأثرَّ في قلبي كلامه، فخرجت إلى الحج تلك السنة؛ وتركت الحانوت والحرفة؛ وكان الأستاذ أبو علي رحمه الله؛ خرج إلى الحج أيضاًفي تلك السنة. وكنت مدّضة كونه بنيسابور أخدمه. وأواظب على القراءة في مجلسه. فرأيته يوماً في البدية: تطهر.. ونسي قمقمة كانت بيده.. فحملتها. فلما عاد إلى رحله وضعتها عنده فقال: جزاك الله خيراً. حيث حملت هذا.\rثمنظر إلي طويلاً كأنه لم يرَن قط: وقال: رأيتك مرة. فمن أنت؟ فقلت: المستغاث بالله!! صحبتك مدة.. وخرجت عن مسكني ومالي بسببك، وتقطعت في المفازة بك. والساعة تقول رأيتك مرة!! وأما الحضور: فقد يكون حاضراً بالحق؛ لأنه إذا غاب عن الخلق حضر بالحق، على معنى أنه يكون كأنه حاضر، وذلك لاستيلاء ذكر الحق على قلبه، فهو حاضر بقلبه بين يدي ربه تعالى؛ فعلى حسب غيبته عن الحق يكون حضوره بالحق، فإن غاب بالكلية كان الحضور على حسب الغيبة.\rفإذا قيل: فلان. حاضر، فمعناه أنه حاضر بقلبه لربه، غير غافل عنه، ولا ساه، مستديم لذكره. ثم يكون مكاشفاً في حضوره على حسب رتبته بمعان يخصه الحق سبحانه وتعالى بها.\rوقد قال لرجوع العبد إلى إحساسه بأحوال نفسه، وأحوال الخلق:إنه حضر أي رجع عن غيبته، فذا يكون حضوراً بخلق؛ والأول حضوراً بحق.\rوقد تختلف أحوالهم في الغيبة. فمنهم من لا تمتد غيبته، ومنهم من تدوم غيبته.\rوقد حكى أن ذا النون المصري بعث إنساناً من أصحابه إلى أبي يزيد، لينقل إليه صفة أبي يزيد... فلما جاء الرجل إلى بسطام. سأل عن دار أبي يزيد. فدخل عليه فقال له أبو يزيد: ما تريد؟ فقال: أريد أبا يزيد.\rفقال: من أبو يزيد؟ وأين أبو يزيد؟ أنا في طلب أبي يزيد.\rفخرج الرحل، وقال: هذا مجنون.\rورجع الرجل إلى ذي النون. فأخبره بما شهده. فبكى ذو النون وقال: أخي أبو يزيد ذهب في الذاهبين إلى الله.\rومن ذلك:\rالصحو والسكر\rفالصحو: رجوع إلى الإحساس بعد الغيبة.\rوالسكر: غيبة بوارد قوي.\rوالسكر زيادة على الغيبة من وجه، وذلك أن صاحب السكر قد يكون مبسوطاً إذا لم يكن مستوفى في حال سكره، وقد يسقط إخطار الأشياء عن قلبه في حال سكره، وتلك حال المتساكر، الذي لم يستوفه الوارد، فيكون للأحساس فيه مساغ، وقد يقوى سكره حتى يزيد على الغيبة، فربما يكون صاحب السكر أشد غيبة من صاحب الغيبة ذا قوي سكره، وربما يكون صاحب الغيبة أتمَّ في الغيبة من صاحب السكر، إذا كان متساكراً غير مستوف.\rوالغيبة قد تكون للعباد، بما يغلب على قلوبهم من موجب الرغبة والرهبة ومقتعنيات الخوف والرجاء.\rوالسكر لا يكون إلا لأصحاب المواجيد.\rفإذا كوشف العبد بنعت الجمال حصل السكر، وطاب الروح، وهام القلب، وفي معناه أنشدوا:\rخصوك من لفظي هو الوصل كله ... وسكر من لحظي يبيح لك الشربا\rفماملَّ ساقيها وما مل شارب ... عقار لحاظ كأسه يسكر اللبة\rوأنشدوا:\rفأسكر القوم دور كأس ... وكان سكري من المدير\rوأنشدوا:\rلي سكرتان، وللندمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي\rوأنشدوا:\rسكران: سكر هوى وسكر مدامة ... فمتى يفيق فتى به سكران\rوأعلم أن الصحو على حسب السكر، فمن كان سكره بحق، كان صحوه بحق.","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"ومن كان سكره بحز مشوباً؛ كان صحوه بحظ مصحوباً.\rومن كان محقاً في حاله كان محفوظاً في سكره.\rوالسكر والصحو يشير إلى طرف من التفرقة.\rوإذا ظهر من سلطان الحقيقة علم فصفة العبد الثبور، والقهر.\rوفي معناه أنشدوا:\rإذا طلع الصبح لنجم راح ... تساوى فيه سكران وصاح\rوال تعالى: فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً، وخر موسى صعفاً.\rهذا مع رسالته وجلالة قدره خر صعقاً، وهذا مع صلابته، وقوته، ردكاً متكسراً.\rوالعبد في حال سكره بشاهد الحال.\rوفي صحوه بشاهد العلم.\rإلا أنه في حال سكره محفوظ لا بتكلفه: وفي حال صحوه متحفظ بتصرفه.\rوالصحو والسكر بعد الذوق والشرب.\rومن ذلك:\rالذوق والشرب\rومن جملة ما يجري في كلامهم: الذوق، والشرب.\rويعبرون بذلك عما يجدونهمن ثمرات التجلي، ونتائج الكشوفات. وبواده الواردات.\rوأول ذلك: الذوق، ثم الشرب، ثم الرىُّ.\rفصفاء معاملاتهم يوجب لهم ذوق المعاني؟ ووفاء منازلاتهم يوجب لهم الشرب.\rودوام مواصلاتهم يقتضي لهم الرىَّ.\rفصاحب الذوق متساكر، وصاحب الشرب سكران، وصاحب الريِّ صاح.\rومن قوي حبه تسرمد شربه، فإذا دامت به تلك الصفة لم يورثه الشرب سكراً، فكان صاحياً بالحق، فانياً عن كل حظ: لم يتأثر بما يرد عليه، ولايتغير عما هو به.\rومن صفا سره، لم يتكدر عليه الشرب. ومن صار الشراب له غذاء لم يصبر عنه، ولم يبق بدونه.\rوأنشدوا:\rوإنما الكأس رضاع بيننا ... فإذا لم نذقها لم تعش\rوأنشدوا:\rعجبت لمن يقول ذكرت ربي ... فهل أنسى فأذكر ما نسيت؟\rشربت الحبَّ كأساً بعد كأس ... فما نفد الشراب ولا رويتُ\rويقال: كتب يحيى بن معاذ إلى أبي يزيد البسطامي: ها هنا من شرب من كأس المحبة لم يظمأ بعده.\rفكتب إليه أبو يزيد: عجبت من ضعف حالك!! هاهنا من يحتسي بحار الكون وهو فاغرفاه يستزيد.\rوأعلم أن كاسات القرب تبدو من الغيب، ولا تدار إلا على أسرار معتقة، وأرواح عن رقق الأشياء محررة.\rومن ذلك:\rالمحو والإثبات\rالمحو: رفع أوصاف العادة: والإثبت: إنامة أحكام العبادة.\rفمن نفى عن أحواله الخصال الذميمة، وتى بدلها بالأفعال والأحوال الحميدة، فهو صاحب محو وإثبات.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: قال بعض المشايخ لواحد: إيش تمحو؟ وإيش نثبت؟ فسكت الرجل!! فقال: أما علمت أن الوقت محو وإثبات، وإذ من لامحو له، ولا إثبات، فهو معطل مهمل.\rوينقسم إلى محو الزلة عن الظواهر، ومحو الغفلة عن الضمائر، ومحو العلة عن السرائر، ففي محو الزلة: إثبات المعاملات؛ وفي محو الغفلة: إثبات المنازلات.\rوفي محول العلة إثبات المواصلات.\rوفي محو وإثبات بشرط العبودية.\rوأما حقيقة المحو والإثبات، فصادران عن القدرة. فالمحو: ماستره الحق ونفاده والإثبات ما أظهره الحق وأبداه.\rوالمحو والإثبات مقصوران على المشيئة. قال الله تعالى: يمحو الله ما يشاء ويثبت.\rقيل: يمحو عن قلوب العارفين ذكر غير الله تعالى، ويثبت على ألسنة المريدين ذكر الله، ومحو الحق لكل أحد وإثباتهُ على ما يليق بحاله.\rومن محاه الحق سبحانه على مشاهدة، وأثبته بحق حقه.\rومن محاه الحق عن إثباته به ردَّه إلى شهود الأغيار؛ وأتيته في أودية التفرقة.\rوقال رجل للشبليَّ رحمه الله: مال أراك قلقاً، أليس هو معك، وأنت معه؟ فقال الشبلي: لو كنت أنا معه كنت أنا، ولكني محو فيما هو.\rوالمحق فوق المحو؛ لأن المحو يبقى أثراً، والمحقُ لا يبقى أثراً.\rوغاية همة القوم أن يمحقم الحق عن شاهدهم، ثم لا يردَّهم إليهم بعدما محقهم عنهم.\rومن ذلك:\rالستر والتجلِّي\rالعوام في غطاء الستر، والخواص في دوام التجلي.\rوفي الخبر: إن الله إذا تجلى لشيء خشع له.\rفصاحب الستر، بوصف شهوده، وصاحب التجلي أبداً، ينعت خشوعه.\rوالستر للعوام عقوبة، وللخواص رحمة، إذ لولا أنه يستر عليهم ما يكاشفهم به، لتلاشوا عند سلطان الحقيقة: ولكنه كما يظهر لهم، يستر عليهم.\rسمعت منصور المغربيَّ يقول: وافي بعض الفقراء حياً من أحياء العرب، فأضافه شاب، فبينا الشاب في خدمة هذا الفقير إذ غشى عليه، فسأل الفقير عن حاله، فقالوا:","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"له بنت عم، وقد علقها، فمشت في خيمتها، فرأى الشاب غبار ذيلها، فغشى عليه.\rفمضى الفقير إلى باب الخيمة، وقال: إن للغريب فيكم حرمة وذماماً، وقد جئتُ مستشفعاً إليك في أمر هذا الشاب، فتعطفي عليه فيما هو به من هواك.\rفقالت: سبحان الله، أنت سليم القلب، إنه لا يطيق شهود غبارَ ذيلي، فكيف يطيق صحبتي؟ وعوامُّ هذه الطائفة عيشهم في التجليِّ، وبلاؤهم في الستر.\rوأما الخواص، فهم بين طيش وعيش، لأنهم إذا تجلى لهم طاشوا، وإذا ستر عليهم ردوا إلى الحز فعاشوا.\rوقيل: إنما قال الحق تعالى لموسى عليه السلام: وما تلك بيمينك يا موسى ليستر عليه ببعض ما يعلله به بعض ما أثر في من المكاشفة بفجأة السماع.\rوقال صلى الله عليه وسلم: إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم سبعين مرة.\rوالاستغفار: طلب الستر، لأن الغفر: هو الستر، ومنه غفر الثوب، والمغفر، وغيره: فكأنه أخبر أنه يطلب الستر على قلبه عند سطوات الحقيقة، إذ للخلق لابقاء لهم مع وجود الحق. وفي الخبر: لو كشف عن وجهه لأحرقت سبحات وجهه ما أدرك بصره.\rومن ذلك:\rالمحاضرة والمكاشفة والمشاهدة\rالمحاضرة ابتداءاً، ثم المكاشفة، ثم المشاهدة.\rفالمحاضرة: حضور القلب. وقد يكون بتواتر البرهان، وهو بعدُ وراء الستر، وإن كان حاضراً باستيلاًء سلطان الذكر.\rثم بعده. المكاشفة: وهو حضوره بنعت البيان غيرمفتقر في هذه الحالة إلى تأمُّل الدليل، وتطلب السبيل، ولا مستجير من دواعي الريب. ولا محجوب من نعت الغيب.\rثم المشاهدة: وهي حضور الحق من غير بقائ تهمة.\rفإذا أصحت سماء السِّر عن غيوم الستر، فشمس الشود مشرقة عن برج الشرف. وحق المشاهدة ما قاله الجنيد، رحمه الله: وجود الحق مع فقدانك: فصاحب المحاضرة مربوط بأياته، وصاحب المكاشفة مبسوط بصفاته: وصاحب المشاهدة ملقى بذاته، وصاحبُ المحاضرة يهديه عقله، وصاحب المكاشفة يدنيه علمه، وصاحب المشاهدة تمحوه معرفته.\rولم يزد في بيان تحقيق المشاهدة أحد على ما قاله عمرو بن عثمان المكي رحمه الله.\rومعنى ما قاله: أنه تتوالى أنوار التجليِّ على قلبه من غير أن يتخللها ستر وانقطاع كما لو قُدر اتصال البروق، فكما أن الليلة الظلماء بتوالى البروق فيها، وإتصالها، إذ قدرت تصير في ضوء النهار، فكذلك القلب إذا دام به دوام التجلي مَتع نهاره فلا ليل.\rوأنشدوا:\rليلى بوجهك مشرق ... وظلامه في الناس ساري\rوالناس في سدف الظلام ... ونحن في ضوء النهار\rوقال النوري: لايصح للعبد المشاهدة وقد بقى له عِرق قائم.\rوقال: إذا طلع الصباح استغنى عن المصباح: وتوهَّم قوم أن المشاهدة تشير إلى طرف من التفرقة، لأن باب المفاعلة في العربية بين اثنين. وهذا وهم من صاحبه. فإن في ظهور الحق سبحانه، ثبور الخلق وباب المفاعلة جملتها لا تقضي مشاركة الأثنين نحو: سافر، وطارق النعل، وأمثاله.\rوأنشدوا:\rفلما استبان الصبح أدرك ضوؤه ... بأنواره أنوار ضوء الكواكب\rيجرعهم كأساً لو ابتلى به اللظى ... بتجريعة طارت كأسرع ذاهب\rكأس، أي كأس؟؟ تصطلمهم عنهم، وتفتيم، وتختطفهم منهم، ولا تبقيهم.\rكأس.. لا تبقي لا تذر، تمحوهم بالكلية، ولا تبقى شظية من آثار البشرية.\rكما قال قائلهم: ؟ساروا فلم يبق لارسم ولا أثر ومن ذلك: ؟اللوائح، والطوالع، واللوامع قال الأستاذ رضي الله عنه: هذه الألفاظ متقارية المعنى، لا يكاد يحصل بينها كبير فرق. وهي من صفات أصحاب البدايات الصاعدين في الترقي بالقلب، فلم يدم لهم بعد ضياء شموس المعارف.\rلكن الحق سبحانه وتعالى، يؤتى رزق قلوبهم في كل حين، كما قال: ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً، فكلمَّا أظلم عليهم سماءُ القلوب بسحاب الحظوظ سنح لهم فيها لوائح الكشف وتلألأ لوامعُ القرب وهم في زمان سترهم يرقبون فجأة اللوائح.\rفهم كما قال القائل:\rيا أيها البرق الذي يلمع ... من أي أكناف السما تسطع\rفتكون أول: لوائح، ثم لوامع، ثم طوالع:\rافترقنا حولاً فلما التقينا ... كان تسليمه علىّ وداعاً\rوأنشدوا:\rيا ذا الذي زار ومازارا ... كأنه مقتبس نارا","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"مر بباب الدار مستعجلاً ... ماضره لو دخل الدارا؟\rواللوامع: أظهر من اللوائح: ليس زوالها بتلك السرعة، فقد تبقى اللوامع وقتين، وثلاثة.\rولكن كما قالوا:\rوالعين باكية لم تَشْبع النظرا\rوكما قالوا:\rلم تَرد ماء وجهه العينُ إلا ... شرقت قبل ريها برقيب\rفإذا لمعَ قطعك عنك، وجمعك به، لكن لم يسفر نور نهاره حتى كر عليه عساكر الليل، فهؤلاء بين روح ونوح؛ لأنهم بين كشف وستر.\rكما قالوا:\rفالليل يشملنا بفاضل برده ... والصبح يلحفنا رداءً مذهباً\rوالطوالع: أبقى وقتاً، وأقوي سلطاناً، وأدوم مكثاً، وأذهب للظلمة وأنفى للتهمة. لكنها موقوفة على خطر الأفول، ليست برفيعة الأوج، ولا بدائمة المكث ثم أوقات حصولها وشيكة الارتحال، وأحوال أفولها طويلة الأذيال.\rوهذه المعاني، التي هي: اللوائح واللوامع والطوالع، تختلف في القضايا، فمنها ما إذا مات لم يبق عنها أثر، كالشوارق إذا أفلت، فكأنَّ الليل كان دائماً.\rومنها ما يبقى عنه أثر، فإن زال رقمه بقي ألمه، وإن غربت أنواره بقيت آثاره فصاحبه بعد سكون غلباته يعيش في ضياء بركاته، فإلى أن يلوح ثانياً ثيرجى وقته على انتظار عوده، ويعيش بما وجد في كونه.\rومن ذلك:\rالبداوه والهجوم\rالبواده: ما يفجأ قلبك من الغيب على سبيل الوهلة، إما موجب فرح، وإما موجب ترح.\rوالهجوم: ما يرج على القلب بقوةَّ الوقت، من غير تصنع منك.\rويختلف في الأنواع على حسب قوَّة الوارد وضعفه.\rفمنهم من تغيره البواده، وتصرفه الهواجم.\rومنهم من يكون فوق ما يفجؤه حالاً وقوة. أولئك سادات الوقت كما قيل:\rلانهتدي نوب الزمان إليهم ... ولهم على الخطب الجليل لجام\rومن ذلك:\rالتلوين والتمكين\rالتلوين: صفة ارباب الأحوال.\rالتمكين: صفة أهل الحقائق.\rفما دام العبد في الطريق فهو صاحب تلوين، لأنه يرتقي من حال إلى حال، وينتقل من وصف إلى وصف ويخرج من مرحل ويحصل في مَربع، فإذا وصل تمكن.\rوأنشدوا:\rمازلت أنزل في ودادك منزلاً ... تتحير الألباب دون نزوله\rوصاحب التلوين أبداً في الزيادة وصاحب، التمكين وَصل ثم انَّصل.\rوأمارة أنه اتَّصل: أنه بالكلية عن كليته بطل.\rوقال بعض المشايخ: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بنفوسهم، فإذا ظفروا بنفوسهم فقد وصلوا.\rوقال الأستاذ رحمه الله: يريد انخناس أحكام البشرية، واستيلاء سلطان الحقيقة، فإذا دام للعبد هذه الحالة فهو صاحب تمكين.\rكان الشيخ أبو عليِّ الدَّقاق، رحمه الله، يقول: كان موسى عليه السلام صاحب تلوين، فرجع من سماع الكلام واحتاج إلى ستر وجهه، لأنه أثر فيه الحال. ونبينا صلى الله عليه وسلم، كان صاحب تمكين، فرجع كما ذهب، لأنه لم يؤثر فيه ما شاهده تلك الليلة.\rوكان يستشهد على هذا بقصَّة يوسف عليه السلام: أن النسوة اللاتي رأين يوسف عليه السلام قطَّعن أيديهن لما ورد عليهن من شهود يوسف عليه السلام على وجه الفجأة وامرأة العزيز كانت أتمَّ في بلاء يوسف منهن، ثم لم تتغير عليها شعرة ذلك اليوم، لأنها كانت صاحبة تمكين في حديث يوسف عليه السلام.\rقال الأستاذ: واعلم أن التغير بما يرد على العبد يكون لأحد أمرين: إمَّا لقوة الوارد، أو لضعَف صاحبه.\rوالسكون من صاحبه لأحد أمرين: إمَّا لقوته، أو لضعف الوارد عليه.\rسمعت الآستاذ أبا عليَّ الدَّقاق، رحمه الله، يقول: أصول القوم في جوار دوام التمكين نتخرج على وجهين: أحدهما: مالا سبيل إليه، لأنه قال صلى الله عليه وسلم: لو بقيتم على ماكنتم عليه عند لصافحتكم الملائكة ولأنه صلى الله عليه وسلم قال: لي وقت لا يسعني فيه غير ربيَّ عزَّ وجل أخبر عن وقت مخصوص.\rوالوجه الثاني: أنه يصح دوام الأحوال، لأن أهل الحقائق ارتقوا عن وصف التأثر بالطوارق، والذي في الخبر أنه قال: لصافحتكم الملائكة فلم يعلق الأمر فيه على أمر مستحيل، ومصافحة الملائكة دون ما أثبت لأهل البداية من قوله على الله عليه وسلم: إن الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع.\rوما قال: لي وقت.. فإنما قال على حسب فهم السامع. وفي جميع أحواله كان قائماً بالحقيقة.","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"والأولى أن يقال: إن العبد ما دام في الترقيِّ فصاحب تلوين يصحُّ في نعته الزيادة في الأحوال، والنقصانُ منها، فإذا وصل إلى الحق بانخناس أحكام البشرية مكنَّه الحق سبحانه، بأن لا يرده إلى معلولات النفس، فهو متمكن في حاله، على حسب محله واستحقاقه.\rثم يُتْحفُه - الحقُ سبحانه، في كل نفس، فلا حدَّ لمقدوراته، فهو في الزيادات متلون، بل ملوُّن. وفي اصل حاله متمكن؛ فأبداً يتمكن في حالة أعلى مما كان فيها قبله، ثم يرتقي عنها إلى ما فوق ذلك إذ لا غاية لمقدورات الحق سبحانه في كل جنس.\rفأما المصطلم عن شاهده، المستوفى إحساسه بالكلية، فللبشرية لا محالة حد وذا بطل عن جملته ونفسه وحسه، وكذلك عن المكونات باسرها، ثم دامت به هذه الغيبة، فهو محو، فلا تمكين له إذاً، ولا تلوين، ولا مقام، ولا حال.\rوما دام بهذا الوصف: فلا تشريف، ولا تكليف. اللهَّم إلا أن يردّ بما يجري عليه من غير شيء منه، فذلك متصرف في ظنون الخلق، مصرَّف في التحقيق.\rقال الله تعالى: وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود، ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وبالله التوفيق.\rومن ذلك:\rالقرب والبعد\rأوَّل رتبة في القرب: القربُ من طاعته، والانصاف في دوام الأوقات بعبادته. وأمَّا البعد، فهو التدنس بمخالفته، والتجافي عن طاعته. فأوَّل البعد بعد عن التوفيق، ثم بعد عن التحقيق، بل البعد عن التوفيق هو البعد عن التحقيق، قال صلى الله عليه وسلم، مخبراً عن الحق سبحانه: ما تقرب إلى المتقربون بمثل أداء ما افترضته عليهم، ولا يزال البعد يتقرب إلىَّ بالنواقل. حتى يحبني وأحبه فإذا أحببته، كنت له سمعاً وبصراً، فبي يبصر، وبي يسمع. الخبر...\rفقُرْب العبد أولاً قرب بإِيمانه وتصديقه. ثم قرب بإحسنه وتحقيقه.\rوقرب الحق سبحانه، ما يخصه اليوم به من العرفان، وفي الآخرة ما يكرِّمه به من الشهود والعيان، وفيما بين ذلك من وجوه اللطف والامتنان.\rولا يكونُ تقرُب العبد من الحق إلا ببعده عن الخلق. وهذه من صفات القلوب دون أحكام الظواهر والكون.\rوقرب الحق سبحانه، بالعلم، والقدرة عام للكافة. وباللطف والنصرة خاص بالمؤمنين، ثم بخصائص التأنيس مختص بالأولياء. قال الله تعالى: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، وقال تعالى: ونحن أقرب إليه منكم، وقال تعالى: وهو معكم أينَما كنتم وقال: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم.\rومن تحقق بقرب الحق، سبحانه وتعالى، فأدْونه دوام مراقبته إيَّاه، لأنَّ عليه رقيبَ التقوى، ثم رقيب الحفظ والوفاء ثم رقيب الحياء.\rوأنشدوا:\rكأن رقيباً منك يرعى خواطري ... وآخرَ يرعى ناظري ولساني\rفما رمقت عيناي بعدك منظراً ... يسوؤك إلا قلت قد رقاني\rولابدرت من في دونك لفظة ... لغيرك إلا قلت قد سمعاني\rولا خطرت في السر بعدك خطرة ... لغيرك إلا عرَّجاً بعناني\rوإخوان صدق قد سئمت حديثهم ... وأمسكت عنهم ناظري ولساني\rوما الزهد أسلى عنهم غير أنني ... وجدتك مشهوداً بكل مكان\rوكان بعض المشايخ يخص واحداً من تلامذت بإقباله عليه، فقال أصحابه له في ذلك، فدفع إلى كل يخص واحداً من تلامذته بإقباله عليه، فقال أصحابه له في ذلك، فدفع إلى كل واحد منهم طيراً، وقال اذبحوه بحيث لا يراه أحد.\rفمضى كل واحد وذبح الطير بمكان خال.. وجاء هذا الانسان والطير معه غير مذبوح؛ فسأله الشيخ، فقال: أمرتني أن أذبحه بحيث لايراه أحد، ولم يكن موضع إلا والحق سبحانه يراه. فقال الشيخ، لهذا أقدِّم هذا عليكم؛ إذ الغالب عليكم حديثُ الخلق، وهذا غير غافل عن الحق.\rورؤية القرب حجاب عن القرب، فمن شاهد لنفسه محلاً، أو نَفساً، فهو ممكور به.\rولهذا قالوا: أوحشك الله من قربه: أي من شهودك لقربه، فإن الاستئناس بقربه من سمات العزة به، إذ الحق سبحانه وراء كل أنس.\rون مواضع الحقيقة توجب الدهش والمحو.\rوفي قريب من هذا قالوا:\rمحنتي فيك أنني ... ما أبالي بمحنتي\rقربك مثلُ بعدكم ... فمتى وقت راحتي\rوكان الأستأذ أبو عليِّ الدقاق، رحمه الله، كثيراً ما ينشد:\rودادكم هجر، وحبكم قلى ... وقربكم بعد وسلمكم حرب","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"ورأى أبو الحسين النوري بعض أصحاب أبي حمزة، فقال: أنت من أصحاب أبي حمزة الذي يشير إلى القرب؟ إذا لقيته، فقل له: إن أبا الحسين النوري يقرئك السلام، ويقول لك: قرب القرب فيما نحن فيه بعد البعد.\rفأما القرب بالذات، فتعالى الله الملك الحق عنه، فإنه متقدس عن الحدود؛ والأقطار، والنهاية، والمقدار وما اتصل به مخلوق، ولا انفصل عنه حادث مسبوق به، جلت صمديته عن قبول الوصل والفصل.\rفقرب هو في نعته محال: وهو تاني الذوات.\rوقرب هو واجب في نعته وهو قرب بالعلم والرؤية.\rوقرب هو جائز في وصفه، يخص به من يشاء من عباده، هو قرب الفضل باللطف.\rومن ذلك:\rالشريعة والحقيقة\rالشريعة: أمر بالتزام العبودية.\rوالحقيقة: مشاهدة الربوبية.\rفكل شريعة غير مؤيدة مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول.\rفالشريعة جاءت غير مقيدة بالشريعة فغير مقبول.\rفالشريعة جاءت بتكليف الخالق، والحقيقة إنباء عن تصريف الحق.\rفالشريعة أن تعبده، والحقيقة أن تشهده.\rوالشريعة قيام بما أمر، والحقيقة شهود لما قضى وقدر، وأخفى وأظهر.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: قوله: إياك نعبد حفظ للشريعة وإياك نستعين إقرار بالحقيقة.\rواعلم أن الشريعة حقيقة من حيث إنها وجبت بأمره.\rوالحقيقة - أيضاً - شريعة، من حيث إن المعرف به، سبحانه، أيضاً، وجبت بأمره.\rومن ذلك:\rالنَفَس\rالنفس: ترويح القلوب بلطائف الغيوب. وصاحب الأنفاس أرق وأصفى من صاحب الأحوال. فكان الوقت مبتدئاً، وصاحب الأنفاس منتهياً، وصاحب الأحوال بينهما.\rفالأحوال وسائط، والأنفاس نهاية الترقيّ.\rفالأوقات لأصحاب القلوب، والأحوال لأرباب الأرواح، والأنفاس لأهل السّرائر: وقالوا: أفضل العبادات عد الأنفاس مع الله سبحانه وتعالى.\rوقالول: خلق الله القلب وجعلها معادن المعرفة، وخلق الأسرار وراءها. وجعلها محلا للتوحيد، فكل نفس حصل من غير دلالة المعرفة وإشارة التوحيد على بساط الاضطرار فهو ميت، وصاحبه مسئول عنه.\rسمعت الأستاذ أبا عليٍّ الدقاق، رحمه الله، يقول: العارف لا يسلم له النفس، لأنه لا مسامحة تجري معه، والمحب لا بدله من نفس، إذ لو لا أن يكون له نفس لتلاشى، لعدم طاقته.\rومن ذلك:\rالخواطر\rوالخواطر خطاب يَرد على الضمائر، وهو قد يكون بإلقاء ملك، وقد يكون بإلقاء شيطان، ويكون أحاديث النفس، ويكون من قبل الحق سبحانه.\rفإذا كان من الملك فهو الإلهام.\rوإذا كان من قبل النفس، قيل له: الهواجس.\rوإذا كان من قبل الشيطان فهو: الوسواس.\rوإذا كان من قبل الله سبحانه، وإلقائه في القلب، فهو: خاطر حق.\rوجملة ذلك من قبيل الكلام.\rفإذا كان من قبل الملك، فنما يعمل صدقهُ بموافقة العلم، ولهذا قالوا: كل خاطر لايشهد له ظاهر فهو باطل.\rوإذا كان من قبل الشيطان فأكثره يدعو إلى المعاصي.\rوذا كان من قبل الشيكان فأكثره يدعو إلى المعاصي.\rوإذا كان من قبل النفس فأكثره، يدعو إلى اتباع شهوة أو استشعار كبر، أو ما هو من خصائص وصاف النفس.\rواتفق المشايخ على أن من كان أكله من الحرام لم يفرق بين الإلهام والوسواس.\rوسمعت الشيخ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: من كان قوته معلوماً لم يفرق بين الإلهام والوسواس، وأن من سكنت عنه هواجس نفسه بصدق مجاهدته نطق بيان قلبه بحكم مكابدته.\rوأجمع الشيوخ على أن النفس لا تصدق، وأن القلب لا يكذب.\rوقال بعض المشايخ: إن نفسك لا تصدق وقلبك لا يكذب، ولو أجتهدت كل الجهد أن تخاطبك روحكم لم تخاطبك.\rوفرق الجنيد بين هواجس النفس ووساوس الشيطان بأن النفس إذا طالبتك بشيء ألحت.. فلا تزال تعاودك، ولو بعد حين، حتى تصل إلى مرادها، ويحصل مقصودها، اللهم إلا أن يدوم صدق المجاهدة، ثم إنها تعاودك وتعاودك.\rوأما الشيطان إذا دعاك إلى زلة، فخالفته بترك ذلك، يوسوس بزلة أخرى، لأن جميع المخالفات له سواء، وإنما يريد أن يكون داعياً أبداً إلى زلة ما، ولا غرض له في تخصيص واحد دون واحد.\rوقد قيل: كل خاطر يكون من المسلك فربما يوافقه صاحبه، وربما يخالفه.\rفأما خاطر يكون من الحق سبحانه، فلا يحصل خلاف من العبد له.\rوتكلم الشيوخ في الخاطر الثاني، إذا كان الخاطران من الحق سبحانه، هل هو أقوى من الأول؟","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"فقال الجنيد: الخاطر الأول أقوى، لأنه إذا بقي رجع صاحبه إلى التأمل. وهذا بشرط العلم، فترك الأول يضعف الثاني.\rوقال ابن عطاء الله: الثاني أقوى، لأنه إزاداد قوة بالأول.\rوقال أبو عبيد الله بن خفيف من المتأخرين: هما سواء، لأن كليهما من الحق، فلا مزية لأحدهما على الآخر.\rوالأول لا يبقى في حال وجود الثاني، لأن الآثار لا يجوز عليها البقاء.\rومن ذلك:\rعلم اليقين وعين القين وحق اليقين\rهذه عبارات عن علوم جلية.\rفاليقين: هو العلم الذي لا يتداخل صاحبه ريب على مطلق العرف.\rولا يطلق في وصف الحق سبحانه؛ لعدم التوقيف.\rفعلم اليقين: هو اليقين، وكذلك عين اليقين: نفس اليقين، وحق اليقين: نفس اليقين.\rفعلم اليقين، على موجب اصطلاحهم ما كان بشرط البرهان.\rوعين اليقين ما كان بحكم البيان.\rوحق اليقين ما كان بنعت العيان.\rفعلم اليقين لأرباب العقول وعين اليقين لأصحاب العلوم. وحق اليقين لأصحاب المعارف.\rوالكلام في الإفصاح عن هذا بحال تحقيقه يعود إلى ما ذكرناه.\rفاقتصرنا على هذا القدر، على جهى التنبيه.\rومن ذلك:\rالوارد\rويجري في كلامهم ذكر الواردات كثيراً.\rوالوارد: ما يرد على القلوب من الخواطر المحمودة، مما لا يكون بتعمد العبد، وكذلك ما لا يكون من قبيل الخواطر، فهو أيضاً: وارد.\rثم قد يكون وارد من الحق، ووارد من العلم.\rفالواردات أعم من الخواطر؛ لأن الخواطر تختص بنوع الخطاب، أو ما يتضمن معناه.\rوالواردات تكون: وارد سرور، ووارد حزن، ووارد قبض؛ ووارد بسط، إلى غير ذلك من المعاني.\rومن ذلك لفظ:\rالشاهد\rكثيراً ما يجري في كلامهم لفظ: الشاهد: فلان بشاهد العلم، وفلان بشاهد الوجد، وفلان بشاهد الحال.\rويريدون بلفظ الشاهد: ما يكون حاضر قلب الإنسان، وهو ما كان الغالب عليه ذكره، حتى كأنه يراه ويبصره، وإن كان غائباً عنه. فكل ما يستولي على قلب صاحبه ذكره فهو شاهده فإن كان الغالب عليه العلم، فهو بشاهد العلم.\rوإن كان الغالب عليه الوجد، فهو بشاهد الوجد.\rومعنى الشاهد: الحاضر، فكل ما هو حاضر قلبك فهو شاهدك. وسئل الشبلي عن المشاهدة، فقال: من ين لنا مشاهدة الحق؟ الحق لنا شاهد.\rأشار بشاهد الحق إلى المستولى على قلبه؛ والغالب عليه من ذكر الحق والحاضر في قلبه دائماً من ذكر الحق.\rومن حصل له مع مخلوق تعلق بالقلب، يقال: إنه شاهده، يعني: أنه حاضر قلبه، فإن المحبة توجب دوام ذكر المحبوب، واستيلائه عليه.\rوبعضهم تكلف في مراعاة هذا الاشتقاق فقال: إنما سمى الشاهد من الشهادة، فكأنه إذا طالع شخصاً بوصف الجمال: فإن كانت بشريته ساقطة عنه، ولم يشغل شهود ذلك الشخص عما هو به من الحال، ولا أثرت فيه صحبته بوجه، فهو شاهد له على فناء نفسه.\rومن أثر فيه ذلك، فهو شاهد عليه في بقاء نفسه.\rوقيامه بأحكام بشريته إما شهد له، أو شاهد عليه.\rوعلى هذا حمل قوله صلى الله عليه وسلم: رأيت ربي ليلة المعراج في أحسن صورة أي أحسن صورة رأيتها تلك الليلة لم تشغلني عن رؤيته تعالى، بل رأيت المصور في الصورة، والمنشىء في الإنشاء، ويريد بذلك رؤية العلم، لا إدراك البصر.\rومن ذلك:\rالنفس\rنفس الشيء في اللغة: وجودُه.\rوعند القوم: ليس المراد من اطلاق لفظ النفس الوجودَ، ولا القالب الموضوع. إنما أرادوا بالنفس: ما كان معلولاً من أوصاف العبد مذموماً من أخلاقه وأفعاله.\rثم إن المعلولات من أوصاف العبد على ضربين: أحدهما: ما يكون كسباً له؛ كمعاصية ومخالفته.\rوالثاني: أخلاقه الدنيئة، فهي في أنفسها مذمومة، فإذا عالجها العبد ونازلها، تنتفي عنه بالمجاهدة تلك الأخلاق على مستمر المادة.\rوالقسم الأوَّل من أحكام النفس: ما نهي عنه نهي تحريم، و نهي تنزيه.\rوأما القسم الثاني، من قسمي النفس: فسفساف الأخلاق، والدنيء منها.\rوهذا حُّه على الجملة. ثم تفصيلها: فالكبر، والغضب، والحقد، والحسد، وسوء الخلق، وقلَّة الاحتمال، وغير ذلك من الأخلاق المذمومة.\rوأشد أحكام النفس وأصعبها: توهمها أن شيئاً منها حسن، أو أن لها استحقاق قدر، ولهذا عُدَّ ذلكمن الشرك الخفيِّ.","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"ومعالجة الأخلاق في ترك النفس، وكسرها، أتم من مقاساة الجوع والعطش والسهر، وغير ذلك من المجاهدات التي تتضمن سقوط القوة، وإن كان ذلك أيضاً من جملة ترك النفس، ويحتمل أن تكون النفس: لطيفة مودعة في هذا القالب، هي محل الأخلاق المعلومة.\rكما أن الروح: لطيفة، مودعةفي هذا القالب هي محل الأخلاق المحمودة.\rوتكون الجملة مسخراً بعضها لبعض: والجميع إنسان واحد.\rوكون الروح، والنفس، من الأجسام اللطيفة في الصورة، ككون الملائكة والشياطين بصفة اللطافة. وكما يصح أن يكون البصر محلَّ الرؤية، والأذن محل السمع، والأنف محل الشم، والفم محلَّ الذوْق، والسميع، والبصير والشامُّ، والذائق إنما هي الجملة. التي هي الإنسان فكذلك محل الأوصاف الحميدة: القلب والروح ومحل الأوصاف المذمومة: النفس.\rوالنفس جزء من هذه الجملة، والقلب جزء من هذه الجملة، والحكم الاسم راجع إلى الجملة.\rومن ذلك:\rالروح\rالأرواح مختلف فيها عند أهل التحقيق من أهل السنة: فمنهم من يقول: إنها الحياة.\rومنهم من يقول: إنها أعيان مودعة في هذه القوالب.\rلطيفة: أجرى الله العادة بخلق الحياة في القالب، ما دامت الارواح في الأبدان، فالإنسان حي بالحياة، ولكن الارواح مودعة في القوالب؛ ولها ترق في حال النوم، ومفارقة للبدن، ثم رجوع إليه.\rوأن الإنسان: هو الروح، والجسد؛ لأن الله سبحانه وتعالى؛ سخر هذه الجملة بعضها لبعض. والحشر يكون للجملة. والمثاب والمعاقب الجملة.\rوالأرواح مخلوقة. ومن قال بقدمها فهو مخطىء خطأ عظيماً.\rوالأخبار تدل على أنها أعيان لطيفة.\rومن ذلك:\rالسرُّ\rيحتمل أنها لطيفة مودعة في القالب، كالأرواح.\rوأصولهم تقتضي أنها محل المشاهدة، كما أن الأرواح محل للمحبة، والقلوبَ محل للمعارف.\rوقالوا: السر: مالك عليه إشراف، وسر السرِّ: مالا اطلاع عليه لغير الحق.\rوعند القوم: على موجب مواضعاتهم ومقتضى اصولهم: السر ألطف من الروح، والروح أشرف من القلب.\rويقولون: الأسرارُ معتقه عن رقّ الأغيار من الآثار والأطلال.\rويطلق لفظ السرِّ على ما يكون مصوناً مكتوماً بين العبد والحق سبحانه، في الأحوال. وعليه يحمل قول من قال: أسرارنا بكر لم يفتضَّها وهم واهم.\rويقولون: صدور الأحرار قبورُ الاسرار.\rوقالوا: لو عرف زرِّي سري لطرحته.\rفهذا طرف من تفسير إطلاقتهم، وبيان عباراتهم فيما انفردوا به من ألفاظ ذكرناها على شروط الإيجاز.\rونذكر الآن أبواباً في شرح المقامات التي هي مدارج أرباب السلوك.\rثمَّ بعدها أبواباً في تفصيل الأحوال على الجد الذي يسهله الله تعالى، بفضله إن شاء الله تعالى.\rشرح المقامات\rباب التوبة\rقال الله تعالى: \" وتوبوا إلى الله جميعاً أيه المؤمنون لعلكم تفلحوه \" .\rأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين بن فورك، رحمه الله، قال: أخبرنا أحمد بن محمود بن خرَّاز قال: حدثنا محمد بن فضل بن جابر، قال حدثنا سعيد بن عبد الله قال: حدثنا أحمد بن زكريا، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول: \" التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا أحبَّ الله عبداًلم يضرّه ذنب \" ، ثم تلا: \" إن الله يحب التوَّابين ويحب المتطهرين \" ، قيل: يا رسول الله، وما علامة التوبة؟ قال \" الندامة \" .\rأخبرنا عليُّ بن أحمد بن عبدان الأهوازي، قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن عبيد الصفار، قال: أخبرنا محمد بن الفضل بن جابر قال: أخبرنا الحكم بن موسى، قال: حدَّثنا غسَّان بن عبيد عن أبي عاتكة طريف بن سليمان، عن أنس بن مالك. أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: \" ما من شيء أحب إلى الله من شاب تائب \" .\rفالتوبة أوَّل منزل من منازل السالكين.\rوأوَّلُ مقام من مقامات الطالبين.\rوحقيقة التوبة في لغة العرب: الرجوع، يقال: تاب أي رجع.\rفالتوبة الرجوع عما كان مذموماً في الشرع إلى ما هو محمود فيه.\rوقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" الندم توبة \" .\rفأرباب الأصول من أهل السنةَّ قالوا: شرط التوبة، حتى تصح، ثلاثة أشياء: الندم على ما عمل من المخالفات.\rوترك الزَّلة في الحال.\rوالعزمُ على أن لايعود إلى مثل ما عمل من المعاصي.\rفهذه الأركان لابد منها، حتى تصحَّ توبته.","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"قال هؤلاء: وما في الخبر أن \" الندم توبة \" إنما نصَّ على معظمه كما قال صلى الله عليه وسلم: \" الحج عرفه \" ، أي معظم أركانه عرفه، أي الوقوف بها، لا أنه لا ركن في الحج سوى الوقوف بعرفات، ولكن معظم أركانه الوقوف بها.\rوكذلك قوله \" الندم توبة \" أي معظم أركانها الندم.\rومن أهل التحقيق من قال: يكفي الندم في تحقيق ذلك؛ لأن الندم يستتبع الركنين الآخرين فإنه يستحيل تقدير أن يكون نادماً على ما هو مصر على مثله؛ أو عازم على الإتيان بمثله.\rوهذا معنى التوبة على جهة التحديد والإجمال.\rفامَّا على جهة الشرح والإبانة، فن للتوبة أسباباً وترتيباً وأقساماً فأول ذلك: انتباه القلب عن رقدة الغفلة، ورؤية العبد ما هو عليه من سوء الحالة.\rويصل إلى هذه الجملة بالتوفيق للاصغاء إلى ما يخطر بباله من زواجر الحق، سبحانه. يسمع قلبه، فإنه جاء في الخبر \" واعظُ الله في قلب كل امرىء مسلم \" .\rوفي الخبر: \" إن في البدن لمضغة إذا صلحَت صلح جميع البدن وإذا فسدت فسد جميع البدن، ألا وهي: القلب \" .\rفذا فكر بقلبه في سوء ما يصنعه، وأبصر ما هو عليه من قبيح الأفعال، سنح في قلبه إرادة التوبة، والإقلاعُ عن قبيح المعاملات فيمدُّه الحق، سبحانه بتصحيح العزيمة، والأخذ في جميل الروجعي، والتأهب لأسباب التوبة: فأوَّل ذلك: هجران إخوان السوء؛ فإنهم هم الذين يحملونه على ردّ هذا القصد ويشوشون عليه صحة هذا العزم.\rولا يتم ذلك: إلا بالمواظبة على المشاهدة التي تزيد رغبته في التوبة وتوفَر دواعيه على إتمام ما عزم عليه. مما يقوِّي خوفه ورجاءه: فعند ذلك تنحل من قلبه عقدة الإصرار على ما هو عليه من قبيح الأفعال، فيقف عن تعاطي المحظورت، ويكبح لجام نفسه عن متابعة الشهوات فيفارق الزلةَّ في الحال، ويبرم العزيمة على أن لا يعود إلى مثلها في الاستقبال.\rفإن مضى على موجب قصده، ونفذ بمقتضى عزمه فهو الموفق صدقا.\rوإن نقض التوبة مرَّة أو مرات، وتحمله إرادته على تجديدها فقد يكون مثل هذا أيضاً كثيراً، فلا ينبغي قطع الرجاء عن توبة أمثال هؤلاء، فإن لكل أجل كتاباً.\rحكي عن أبي سليمان الداراني، أنه قال: أختلفت إلى مجلس قاض، فأثر كلامه في قلبي، فلما قمت لم يبق في قلبي منه شيء.. فعدت ثانياً؛ فبقي أثر كلامه في قلبي، حتى رجعت إلى منزلي.\rفكسرب آلات المخالفات ولزمت الطريق.\rفحكى هذه الحكاية لحيي بن معاذ فقال: عصوراً اصطاد كركيَّاً!! أراد بالعصفور. ذلك القاصَّ، وبالكركيِّ، أبا سليمان الداراني ويحكى عن أبي حفص الحدَّاد أنه قال: تركت العمل كذا، وكذا مرة، فعدت إليه، ثم تركني العمل، فلم أعد بعد إليه.\rوقيل: إن أبا عمرو بن نجيد، في ابتداء أمره، أختلفت إلى مجلس أبي عثمان، فأثرت في قلبه كلامه، فتاب.\rثم إنه وقعت له فترة، فكان يهرب من أبي عثمان إذا رآه، ويتأخر عن مجلسه فاستقبله أبو عثمان يوماً فحاج أبو عمرو عن طريقه، وسلك طريقاً أخرى، فتبعه أبو عثمان فما زال به يقفو أثره، حتى لحقه، فقال له: يا بُني، لا تصحب من لا يحبك إلا معصوماً، إنما ينفعك أبو عثمان في مثل هذه الحالة. قال: فتاب أبو عمرو بن نجيد، وعاد لى الإرادة، ونفذ فيها.\rسمعت الشيخ أبا عليِّ الدَّقاق، رحمه الله، يقول: تاب بعض المريدين، ثم وقعت له فترة، فكان يفكر وقتاً: لو عاد إلى توبته كيف حكمه؟ فهتف به هاتف: يا فلان، أطعتنا فشكرناك، ثم تركتنا فأمهلناك، وإن عدت إلينا قبلناك.\rفعاد الفتى إلى الإرادة، ونفذ فيها.\rفإذا ترك المعاصي، وحل عن قلبه عقدة الإصرار، وعزم أن لا يعود إلى مثله، فعند ذلك يخلق إلى قلبه صادق الندم. فيتأسف على ما عمله، ويأخذ في التحسر على ما صنعه من أحواله، وارتكبه من قبيح أعماله، فتتم توبته، وتصدق مجاهدته، واستبدل بمخالطته العزلة، وبصحبته مع أخوان السوء التوحش عنهم، والخلوة دونهم ويصل ليله بنهار في التلهف، ويعتنق في عموم أ؛واله بصدق التأسف، يمحو بصوب عبرته آثار عثرته، ويأسو بحسن توبته كلوم حوبته ويعرف من بين أمثاله بذبوله، ويستدل صحة حاله بنحوله.","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"ولن يتم له شيء من ذلك إلا بعد فراغه من إرضاء خصومه، والخروج عما لزمه من مظالمه، فإن أول منزلة من التوبة إرضاء الخصوم بما أمكنه، فإن اتسع ذات يده لإيصال حقوقهم إليهم، أو سمحت أنفسهم بإحلاله والبراءة عنه، وإلا فالعزم بقلبه على أن يخرج عن حقوقهم عند الإمكان والرجوعُ إلى الله سبحانه بصدق الابتهال والدعاء لهم.\rوللتائبين صفات وأحوال: هي من خصالهم، يعدُّ ذلك من جملة التوبة، لكونها من صفاتهم، لا لأنها من شرط صحتها، وإلى ذلك تشير أقاويل الشيوخ في معنى التوبة: سمعت الأستاذ أبا عليّ الدِّقاق، رحمه الله تعالى، يقول: التوبة على ثلاثة اقسام: أوَّلها التوبة، وأوسطها الإنابة، وآخرها الأوبة.\rفجعل التوبة بداية، والأوبة نهاية، والإنابة واسطنهما.\rفكلُّ ما تاب لخوف العقوبة فهو صاحب إنابة.\rومن تاب مراعاة للأمر لا للرغبة في الثواب أو رهبة من العقاب فهو صاحب أوبة.\rويقال أيضاً: التوبة صفة المؤمنين، قال الله تعالى: \" وتوبوا إلى الله جميعاً أيه المؤمنون \" .\rوالإنابة: صفة الأولياء والمقرَّبين، قال الله تعالى: \" وجاء بقلب منيب \" .\rوالأوبة: صفة الأنبياء والمرسلين، قال الله تعالى: \" نعم العبد إنه أوَّاب \" .\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت جعفر بن نصير يقول: سمعت الجنيد يقول: التوبة على ثلاثة معان: أولها: الندم، والثاني العزم على ترك المعاودة إلى ما نهى الله عنه، والثالث السعي في أداء المظالم.\rوقال سهل بن عبد الله: التوبة: ترك التسويف.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر الرازي، يقول: سمعت أبا عبد الله القرشي يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت الحارث يقول: ما قلت قط، اللهم إني إسألك التوبة، ولكني أقول: أسألك شهوة التوبة.\rأخبرنا أبو عبد الله الشيرازي، رحمه الله قال: سمعت أبا عبد الله بن مصلح، بالأهواز يقول. سمعت ابن زيري يقول: سمعت الجنيد يقول: دخلت على السرّي يوماً فرأيته متغيراً، فقلت له: مالك؟ فقال: دخل علي شاب فسألني عن التوبة، فقلت له: أن لا تنسى ذنبك!! فعارضني، وقال: بل التوبة أن تنسى ذنبك.\rفقلت: إن الأمر عندي ما قاله الشاب.\rفقال: لِم؟ قلت: لأني إذا كنت في حال الجفاء فنقلني إلى حال الوفاء؛ فذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء فسكت.\rسمعت أبا حاتم السجستاني، رحمه الله، يقول: سمعت أبا نصر السراج الصوفي يقول: سئل سهل بن عبد الله عن التوبة، فقال: أن لا تنسى ذنبك وسئل الجنيد عن التوبة فقال: أن لا تنسى ذنبك.\rقال أبو نصر السراج: أشار سهل إلى أحوال المريدين والمتعرضين، تارة لهم، وتارة عليهم، فأما الجنيد فإنه أشار إلى توبة المحققين فإنهم لا يذكرون ذنوبهم بما غلب على قلوبهم من عظمة الله تعالى، ودوام ذكره.\rقال: وهو مثل ما سئل رويم عن التوبة، فقال: هي التوبة من التوبة.\rوسئل ذا النُّون المصري عن التوبة: فقال: توبة العوامِّ من الذنوب وتوبة الخواص من الغفلة.\rوقال أبو الحسين النوري: التوبة أن تتوب من كل شيء سوى الله عز وجل.\rسمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفي يقول: سمعت عبد الله بن علي ابن محمد التميمي يقول: شتان ما بين تائب يتوب من الزلات، وتائب يتوب من الغفلات، وتائب يتوب من رؤية الحسنات.\rوقال الواسطي: التوبة النصوح لا تبقي على صاحبها أثراً من المعصية سراً ولا جهراً ومن كانت توبته نصوحاً لا يبالي كيف أمسى أو أصبح.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت محمد بن إبراهيم بن الفضل الهاشمي يقول: سمعت محمد بن الرومي يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: إلهي، لا أقول تبت، ولا أعود لما أعرف من خلقي، ولا أضمن ترك الذنوب لما أعرف من ضعفي، ثم إنيِّ أقول: لا أعود لعلي أن أموت قبل أن أعود.\rوقال ذو النون: الاستغفار من غير إقلاع توبة الكاذبين.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت النصراباذي يقول: سمعت ابن يزدانيار يقول، وقد سئل عن العبد إذا خرج إلى الله على أيِّ أصل يخرج؟ فقال: على أن لا يعود إلى ما منه خرج، ولا يراعي غير من إليه خرج، ويحفظ سرَّه عن ملاحظة ما تبرأ منه.\rفقيل له: هذا حكم من خرج عن وجود، فكيف حكم من خرج عن عدم؟ فقال: وجودُ الحلاوة في المستأنف عوضاً عن المرارة في السالف.","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"وسئل البوشنجي عن التوبة فقال: إذا ذكرتَ الذنب ثم لا تجد حلاوته عند ذكره، فهو التوبة.\rوقال ذو النون: حقيقة التوبة أن تضيق عليك الأرض بما رحبت، حتى لا يكون لك قرار.. ثم تضيق عليك نفسك، كما أخبر الله تعالى في كتابه بقوله: \" وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ثم تاب عليهم ليتوبوا \" .\rوقال ابن عطاء: التوبة: توبتان: توبة الإقامة، وتوبة الاستجابة.\rفتوبة الإنابة: أن يتوب العبد خوفاً من عقوبته.\rوتوبة الاستجابة: أن يتوب حياء من كرمه: وقيل لأبي حفص: لم يبغض التائب الدنيا؟ قال: لأنها دار باشر فيها الذنوب.\rفقيل له: فهي ايضاً دار أكرمه الله فيها بالتوبة؟ فقال: إنه الذنب على يقين، ومن قبول توبته على خطر.\rوقال الواسطي: طرب داوود عليه السلام، وما هو فيه من حلاوة الطاعة أوقعه في أنفاس متصاعدة، وهو في الحالة الثانية أتم منه في وقت ما ستر عليه من أمره.\rوقال بعضهم: توبة الكذابين على أطراف ألسنتهم يعني قوله: \" أستغفر الله \" .\rوسئل أبو حفص عن التوبة، فقال: ليس للعبد في التوبة شيء!! لأن التوبة إليه، لا منه.\rوقيل: أوحى الله سبحانه، إلى آدم ورثت ذريتك التعب والنصب، وورثتهم التوبة، من دعاني منهم يدعونك لبِّيته كتلبيتك، يا آدم أحشر التائبين، من القبور مستبشرين ضاحكين، ودعاؤهم مستجاب.\rوقال رجل لرابعة: إني أكثرت من الذنوب والمعاصي، فلو تبت هل يتوب علي؟ فقالت: لا بل لو تاب عليك لتبت.\rوإعلم أن الله تعالى قال: \" إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ومن قارف الزلة فهو من خطئه على يقين، فإذا تاب، فإنه من القبول على شكل، لاسيما إذا كان من شرطه وحقه أن يكون مستحقاً لمحبة الحق وإلى أن يبلغ العاصي محلاً يجد في أوصافه أمارة محبة الله إيه مسافة بعيدة، فالواجب إذن على العبد إذا علم أنه أرتكب ما تجب منه التوبة دوام الإنكسار، وملازمة التنصل والاستغفار. كما قالوا: \" استشعار الوجل إلى الأجل \" ، وقال عزَّ من قائل: \" قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله \" .\rوكان من سنته صلى الله عليه وسلم: دوام الاستغفار، وقال صلى الله عليه وسلم: \" إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة \" .\rسمعت أبا عبد الله الصوفي يقول: سمعت الحسين بن علي يقول: سمعت محمد بن أحمد يقول: سمعت عبد الله بن سهل يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: زلة واحدة بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا عبد الله الرازي يقول: سمعت أبا عثمان يقول في قوله عز وجل: \" إن إلينا إيابهم \" قال: رجوعهم، وإن تمادى يهم الجولان في المخالفات.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا عمرو الأنماطي يقول: ركب علي بن عيسى الوزير في موكب عظيم فجعل الغرباء يقولون: من هذا؟ من هذا؟ فقالت امرأة قائمة على الطريق: إلى متى تقولون من هذا؟ من هذا؟! هذا عبد سقط من عين الله فابتلاه الله بما ترون. فسمع على بن عيسى ذلك، فرجع إلى منزله واستغنى عن الوزارة، وذهب إلى مكة وجاور بها.\rباب المجاهدة\rقال الله تعالى: \" والذين جاهدوا فينا، لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين \" .\rأخبرنا أبو الحسين علي بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال: أخبرنا العباس بن الفضل الإسقاطي، قال: أخبرنا ابن كاسب قال أخبرنا ابن عيبنة، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: \" سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أفضل الجهاد \" ، فقال: \" كلمة عدل عند سلطان جائر \" فدمعت عينا أبي سعيد.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: من زين ظاهره بالمجاهدة حسن الله سرائره بالمشاهدة، قال الله تعالى: \" والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا \" .\rوأعلم أن من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمة.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت أبا عثمان المغربي يقول: من ظن أن يفتح له شيء من هذه الطريقة، أو يكشف له عن شيء منها إلا بلزوم المجاهدة فهو في غلط.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: من لم يكن له في بدايته قومة، لم يكن له في نهايته جلسة.\rوسمعته أيضاً يقول: قولهم الحركة بركة: حركات الظواهر توجب بركات السرائر.","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول: سمعت الحسين بن علويه يقول: قال أبو يزيد البسطامي: كنت ثنتي عشرة سنة حدَّاد نفسي وخمس سنين كنت مراة قلبي، وسنة أنظر فيما بينهما، فإذا في وسطي زَنَّار ظاهر، فعملت في قطعة ثنتي عشرة سنة.\rثم نظرت، فإذا في باطني زنار فعملت في قطعة خمس سنين أنظر كيف أقطعه فكشف لي، فنظرت إلى الخلق فرأيتهم موتى فكبرت عليهم أربع تكبيرات.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت جعفراً يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت السري يقول: يا معشر الشباب، جدوا قبل أن تبلغوا مبلغي فتضعفوا وتقصروا كما ضعفت وقصرتُ: وكان في ذلك الوقت لا يلحقه الشباب العبادة.\rوسمعته يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت عبد العزيز النجراني يقول: سمعت الحسن القزاز يقول: بني هذا الأمر على ثلاثة أشياء: أن لا تأكل إلا عند الفاقة، ولا تنام إلا عند الغلبة، ولا تتكلم إلا عند الضرورة.\rوسمعته يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت محمد بن حامد يقول: سمعت أحمد بن خضروية يقول: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: لن ينال الرجل درجة الصالحين، حتى يجوز ست عقبات: أولها: أن يغلق باب النعمة، ويفتح باب الشدة.\rوالثاني: أن يغلق باب العز، ويفتح باب الذلِّ.\rوالثالث: أن يغلق باب الراحة؛ ويفتح باب الجهد.\rوالرابع: أن يغلق باب النوم، ويفتح باب السهر.\rوالخامس: أن يغلق باب الغنى، ويفتح باب الفقرِ.\rوالسادس: أن يغلق باب، الأمل ويفتح باب الاستعداد للموت.\rسمعت الشيخأبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول سمعت جدي أبا عمرو بن نجيد يقول: من كرمت عليه نفسه هان عليه دينه!! وسمعته يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام أنا جائع، فالزموه السوق، وأمروه بالكسب.\rوأعلم أن أصل المجاهدة وملاكها: فطم النفس عن المألوفات، وحملها على خلاف هواها في عموم الأوقات.\rوللنفس صفتان ما نعتان لها من الخير: أنهماك في الشهوات، وامتناع عن الطاعات فإذا جمحت عند ركوب الهوى وحب كبحها بلجام التقوى، وإذا حرنت عند القيام بالموافقات يجب سوقها على خلاف الهوى، وإذا ثارت عند غضبها، فمن الواجب مراعاة حالها، فما من منازلة أحسن عاقبه من غضب يكسب سلطانه بخلق حسن، وتخمد نيرانه برفق، فإذا استحلت شراب الرعونة فضاقت، إلا عن إظهار مناقبها والتزين لمن ينظر إليها ويلاحظها، فمن والواجب كسر ذلك عليها، وإحلالها بعقوبة الذل بما يذكرها من حقارة قدرها، وخساسة أصلها، وقذارة فعلها.\rوجهد العوام في توفية الأعمال وقصد الخواص إلى تصفية الأحوال فإن مقاساة الجوع والسهر سهل يسير، ومعالجة الأخلاق والتنقي من سفاسفها صعب شديد.\rومن غوامض آفات النفس: ركونها إلى استحلاء المدح، فإن من تحسى منه جرعة حمل السموات والأرضين على شفرة من أشفاره.\rوأمارة ذلك: أنه إذا انقطع عنه ذلك الشرب آل حاله إلى الكسل والفشل.\rوكان بعض المشايخ يصلي في مسجده في الصف الأول سنين كثيرة، فعاقه يوماً عن الابتكار إلى المسجد عائق، فصلى في الصف الأخير، فلم ير بعد ذلك مدة، فسئل عن السبب، فقال: كنت أقضي صلاة كذا، وكذا سنة صليتها وعندي أني مخلص فيها لله، فداخلني يوم تأخري عن المسجد من شهود الناس إياي في الصف الأخير نوع خجل، فعلمت أن نشاطي طول عمري إنما كان رويتهم فقضيت صلواتي.\rويحكي عن أبي محمد المرتعش، أنه قال: حججت كذا، وكذا حجة على التجريد، فبان لي أن جميع ذلك كان مشوباً بحظي؛ وذلك: أن والدتي سألتني يوماً أن أستقي لها جرَّة ماء فثقل ذلك على نفسي، فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحجات كانت لحظ، وشوب لنفسي، إذ لو كانت نفسي فانية لم يصعب عليها ما هو حق في الشرع.\rوكانت امرأة قد طعنت في السن، فسئلت عن حالها، فقالت: كانت في حال الشباب أجد من نفسي نشاطاً وأحوالاً؛ أظنها قوة الحال، فلما كبرت زالت عني، فعلمت أن ذلك كان قوة الشباب، فتوهمتها أحوالاً.\rسمعت الشيخ أبا عليِّ الدقاق يقول: ما سمع هذه الحكاية أحد من الشيوخ إلا رقَّ لهذه العجوز، وقال: إنها كانت منصفه.","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت يوف بن الحسين يقول: سمعت ذا النون المصري يقول: ما أعز الله عبداً بعز هو أعز له من أن يدله على ذلك نفسه، وما أذل الله عبداً بذل هو أذل له من أن يحجبه عن ذلك نفسه.\rوسمعته يقول: سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: ما هالني شيء إلا ركبته.\rوسمعته يقول: سمعت عبد الله الرازيَّ يقول: سمعت محمد بن الفضل يقول، الراحة: هو الخلاص من أماني النفس.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: دخلت الآفة على الخلق من ثلاثة: سقم الطبيعة، وملازمة العادة، وفساد الصحبة.\rفسألته: ما سقم الطبيعة؟ فقال: أكل الحرام.\rفقلت، ما ملازمة العادة؟ فقال: النظر، والاستمتاع بالحرام، والغيبة.\rقلت: فما فساد الصحبة؟ قال: كلما هاجت في النفس الشهوة تبعتها.\rوسمعته يقول: سمعت النّصراباذي يقول: سجنك نفسك. إذا خرجت منها وقعت في راحة أبدية.\rوسمعته يقول: سمعت محمد الفراء يقول: سمعت أبا الحسين الورَّاق يقول: كان أجل أحكامنا في مبادىء أمرنا في مسجد أبي عثمان الحيري الإيثار بما يفتح علينا، وأن لا نبيت على معلوم، ومن استقبلنا بمكروه لا ننتقم لأنفسنا، بل نعتذر إليه، ونتواضع له، وإذا وقع في قلوبنا حقارة لأحد قمنا بخدمته والإحسان إليه حتى يزول.\rوقال أبو حفص: النفس ظُلمْة كلها، وسراجها سرها، ونور سراجها التوفيقُ، فمن لم يصحبه في سرِّه توفيق من ربه كان ظلمة كلَّه.\rقال الأستاذ الإمام القشيري: معنى قوله \" سراجها سرها \" يريد: سرَّ العبد الذي بينه وبين الله تعالى، وهو محل إخلاصه، وبه يعترف العبد أن الحادثات بالله لا بنفسه ولا من نفسه؛ ليكون متبرئاً من حوْله وقوته على استدامة أوقاته، ثم بالتوفيق يعتصم من شرور نفسه، فإن من لم يدركه التوفيق لم ينفعه علمه بنفسه، ولا بربه، ولهذا قال الشيوخ: من لم يكن له سر فهو مُصر.\rوقال أبو عثمان: لا يرى أحد عيب نفسه وهو مستحسن من نفسه شيئاً، وإنما يرى عيوب نفسه من يتهمها في جميع الأحوال.\rوقال أبو حفص: ما أسرع هلاك من لا يعرف عيبه، فإن المعاصي يريد الكفر.\rوقال أبو سليمان: ما استحسنت من نفسي عملاً فاحتسبت به.\rوقال السري: إياكم وجيران الأغنياء، وقرَّاء الأسواق، وعلماء الأمراء: وقال ذو النون المصري: إنما دخل الفساد على الخلق من ستة أشياء: الأول: ضعف النية بعمل الآخرة.\rوالثاني: صارت أبدانهم رهينة لشهواتهم.\rوالثالث: غلبهم طول الأمل مع قرب الأجل.\rوالرابع: آثروا رضا المخلوقين على رضا الخالق.\rوالخامس: اتبعوا أهواءهم ونبذوا سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وراء ظهورهم.\rوالسادس: جعلوا قليل زلاَّت السلف حجة لأنفسهم، ودفنوا كثير مناقبهم.\rباب الخلوة والعزلة\rأخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري، قال: حدَّثنا عبد العزيز بن معاوية قال: حدّثنا القعني قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن ابيه، عن بعجة بن عبد الله بن بدر الجهني، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن من خير معايش الناس كلِّهم رجلاً آخذاً بعنان فرسه في سبيل الله، إن سمع فزعة أو هيعة كان على متن فرسه يبتغي الموت أو القتل في مظانه، أو رجلاً في غنيمة له في رأس شعفة من هذه الشعاف، أو في بطن واد من هذه الأودية، يقيم الصلاة، ويؤتى الزكاة، ويعبُد ربَّه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير \" .\rقال الأستاذ: الخلوة: صفة أهل الصفوة. والعزلة: من أمارات الوصلة.\rولا بد للمريد - في ابتداء حاله - من العزلة عن أبناء جنسه، ثم في نهايته - من الخلوة؛ لتحققه بأنسه.\rومنَ حقِّ العبد - إذا آثر العزلة - أن يعتقد باعتزاله عن الخلق سلامة الناس من شره ولا يقصد سلامته من شر الخلق، فإن الأول من القسمين: نتيجة استصغار نفسه، والثاني شهود مزيته على الخلق. ومن استصغر نفسه فهو متواضع، ومن رأى لنفسه مزلة على أحد، فهو متكبر.\rورؤي بعض الرهبان، فقيل له: إنك راهب.\rفقال: لا، بل أن حارس كلب؛ إن نفسي كلب يعقر الخلق أخرجتها من بينهم، ليسلموا منها.","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"ومرَّ إنسان ببعض الصالحين؛ فجمع ذلك الشيخ ثيابه منه، فقال له الرجلَّ: لم تجمع عني ثيابك، ليست ثيابي نجسة؟ فقال الشيخ: وهمتَ في ظنك، ثيابي هي النجسة. جمعتها عنك؛ لئلا تنجس ثيابك، لا لكي لا تنجس ثيابي.\rومن آداب العزلة: العارفُ؟ قالوا: كائن بائن، يعني: كائن مع الخلق، بائن عنهم بالسر.\rسمعت الأستاذ أبا عليّ الدقَّاق، رحمه الله، يقول: إلبس مع الناس ما يلبسون، وتناول مما يأكلون، وانفرد عنهم بالسر.\rوسمعته يقول: جاءني إنسان، وقال: جئتك من مسافة بعيدة فقلت: ليس هذا الحديث من حيث قطع المسافة ومقاساة الأسفار فارق نفسك ولو بخطوة، فقد حصل مقصودك.\rيحكى عن أبي يزيد قال: رأيت ربيَّ عز وجلَّ في المنام، فقلت: كيف أجدك؟ فقال: فارقْ نفسك وتعال.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول سمعت أبا عثمان المغربي يقول: من أختار الخلوة على الصحبة ينبغي أن يكون خالياً من جميع الأذكار إلا ذكر ربه، وخالياً من جميع الإرادات إلا رضا ربَّه، وخالياً من مطالبة النفس من جميع الأسباب، فإن لم يكن بهذه الصفة، فإن خلوته توقعه في فتنة أو بلية.\rوقيل: الإنفراد في الخلوة أجمع لدواعي السلوة.\rوقال يحيى بن معاذ: أنظر: أنسك بالخلوة، أو أنسك معه في الخلوة، فن كان أنسك بالخلوة ذهب أنسك إذا خرجت منها، وإن كان أنسك به في الخلوة استوت لك الأماكن في الصحاري والبراري.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت محمد بن حامد يقول: جاء رجل إلى زيارة أبي بكر الورَّاق، فلما أراد أن يرجع، قال له: أوصني. فقال وجدت خير الدنيا والآخرة في الكثرة والقلة، وشرَّهما في الكثرة والاختلاط.\rوسمعته يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت الجريري وقد سئل عن العزلة، فقال: هي الدخول بين الزحام وتمنع سرك أن لا يزاحموك، وتعزل نفسك عن الآثام، ويكون شرك مربوطاً بالحق.\rوقيل؛ من آثر العزلة حصل العزلة.\rوقال سهل: لا تصح الخلوة إلا بأكل الحلال، ولا يصح أكل الحلال إلا بأداء حق الله.\rوقال ذو النون المصري: لم أر شيئاً أبعث على الإخلاص من الخلوة: وقال أبو عبد الله الرملي: فيمكن خدنك الخلوة، وطعامك الجوع، وحديثك المناجاة فإما أن تموت؛ وإما أن تصل الله سبحانه.\rوقال ذو النون: ليس من احتجب عن الخلق بالخلوة، كمن احتجب عنهم بالله.\rسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت جعفر بن نصير يقول: سمعت الجنيد يقول: مكابدة العزلة أيسرُ من مداراة الخلطة.\rوقال مكحول: إن كان في مخالطة الناس خير فإن في العزلة السلامة.\rوقال يحيى بن معاذ: الوحدة جليس الصديقين.\rسمعت الشيخ أبا علي الدقاق يقول: سمعت الشبلي يقول: الإفلاس.. الإفلاس يا ناس.\rفقيل له: يا أبا بكر، ما علامة الإفلاس؟ قال: من علامة الإفلاس الاستئناس بالناس.\rوقال يحيى بن أبي كثير: من خالط الناس داراهم، ومن داراهم راياهم.\rوقال شعيب بن حرب. دخلت على مالك بن مسعود بالكوفة، وهو في دار وحده، فقلت له: أما تستوحش وحدك؟ فقال: ما كنت أرى أن أحداً يستوحش مع الله.\rسمعت الشيخأبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا عمر والأنماطي يقول، سمعت الجنيد يقول: من أراد أن يسلم له دينه، ويستريح بدنه وقلبه، فليعتزل الناس، فإن هذا زمان وحشة، والعاقل من اختار فيه الوحدة.\rوسمعته يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: قال أبو يعقوب السوسي: الإنفراد لا يقوى عليه إلا الأقوياء، ولأمثالنا: الاجتماع أوفر وأنفع، يعمل بعضهم على رؤية بعض.\rوسمعته يقول: سمعت أبا عثمان سعيد بن أبي سعيد يقول: سمعت أبا العباس الدامغاني يقول: أوصاني الشبلي، فقال: الزم الوحدة، وامح اسمك عن القوم، واستقبل الجبار حتى تموت.\rوجاء رجل إلى شعيب بن حرب، فقال له: ما جاء بك؟ فقال أكون معك.\rقال: يا أخي، إن العباة لا تكون بالشركة، ومن لم يستأنس بالله لم يستأنس بشيء. حكي أن بعضهم قيل له: ما أعجب ما لقيت في سياحتك؟ فقال لهم: لقيتي الخضر، فطلب مني الصحبة: فخشيت أن يفسد علي توكلي.\rوقيل لبعضهم: هاهنا أحد تستأنس به؟ فقال: نعم... ومد يده إلى مصحف ووضعه في حدره، وقال: هذا.\rوفي معناه أنشدوا:","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"وكتبك حولي لا تفارق مضجعي ... وفيها شفاء للذي أنا كاتم\rوقال رجل لذي النون المصري.\rمتى تصح لي العزلة؟ فقال: إذا قويت على عزلة نفسك.\rوقيل لابن المبارك: ما دواء القلب؟ فقال: قلة الملاقاة للناس.\rوقيل: إذا أراد الله أن يَنقل العبد من ذلك المعصية إلى عز الطاعة آنسه بالوحدة وأغناه بالقناعة وبصره بعيوب نفسه، فمن أعطى ذلك فقد أعطى خير الدنيا والآخرة.\r؟باب التقوى قال الله تعالى: \" إنَّ أكرمكم عند الله أنقاكم \" .\rوأخبرنا أبو الحسين علي بن أحمد بن عبدان، قال أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال: أخبرنا محمد بن الفضل بن جابر قال: حدثنا ابن عبد الأعلى القرشي، قال: حدثنا يعقوب العمي، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبيَّ الله، أوصني.\rفقال: \" عليك بتقوى الله؛ فإنه جِماع كلِّ خير، وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية المسلم، وعليك بذكر الله، فإنه نور لك \" .\rوأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، قال أخبرنا أحمد بن عبيد، قال: أخبرنا عباس بن المفضَّل الإسقاطي؛ قال: حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا أبو هرمز نافع بن هرمز، قال: سمعت أنساً رضي الله عنه؛ يقول: \" قيل يا نبي الله من آل محمد؟ قال: كل تقي \" .\rفالتقوى جماع الخيرات.\rوحقيقة الإتقاء التحرز بطاعة الله عن عقوبته؛ يقال: اتقى فلان بترسه.\rوأصل التقوى: انقاء الشرك؛ ثم بعده: اتقاء المعاصي والسيئات، ثم بعده انقاء الشبهات؛ ثم يدع بعده الفضلات.\rكذلك سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله؛ يقول، سمعته يقول: ولكلِّ قسم من ذلك باب. وجاء في تفسير قوله عزَّ وجل: \" اتقوا الله حق تقاته \" إن معناه: أن يطاع فلا يعصي؛ ويُذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول: سمعت أحمد بن عاصم يقول: سمعت سهل بن عبدالله يقول: لا معين إلا الله، ولا دليل إلا رسول الله، ولا زاد إلا التقوي، ولا عمل إلا الصبر عليه.\rوسمعته يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت الكتاني يقول: قسمت الدنيا على البلوى وقسمت الآخرة على التقوي: وسمعته يقول: سمعت أبا بكر الرازيِّ يقول: سمعت الجريري يقول: من لم يُحْكم بينه وبين الله التقوى والمراقبة لم يصل إلى الكشف المشاهدة.\rوقال النصراباذي: التقوي: أن يتقي العبد ما سوى الله عزَّ وجلَّ.\rوقال سهل: من أراد أن تصح له التقوى فليترك الذنوب كّلها.\rوقال النصراباذي: من لزم التقوى اشتقاق إلى مفارقة الدنيا، لأن الله سبحانه يقول: \" وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون \" .\rوقال بعضهم: من تحقق في التقوى هون الله على قلبه الإعراض عن الدنيا.\rوقال أبو عبد الله الروذباري: التقوي: مجانبة ما يبعدك عن الله.\rوقال ذو النون المصري: التقي: من لايدنس ظاهره بالمعارضات، ولا باطنه بالعلالات ويكون واقفاً مع الله موقف الاتفاق.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه ال(له، يقول: سمعت أبا الحسن الفارسي يقول: سمعت ابن عطاء يقول: للتقوى ظاهر وباطن، فظاهره: محافظة الحدود. وباطنه: النية والإخلاص.\rوقال ذو النون:\rولا عيش إلا مع رجال قلوبهم ... تحن إلى التقوى وترتاح للذكر\rسكون إلى روح اليقين وطيبه ... كما سكن الطفل الرضيع إلى الحجر\rوقيل: يستدل على تقوى الرجل بثلاث: حسن التوكل فيما لم ينل، وحسن الرضا فيما قد نال، وحسن الصبر على ما قد فات.\rوقال طلق بن حبيب: التقوى: عمل بطاعة الله على نور من الله، مخافة عقاب الله.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت محمداً الفراء يحكي عن أبي حفص: أنه قال: التقوى بالحلال المحض، لا غير.\rوسمعته يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا الحسين الزنجاني يقول: من كان رأس ماله التقوى كلَّت الألسنُ عن وصف ربحه.\rوقال الواسطي: التقوي: أن يتقي من تقواه يعني: من رؤية تقواه والمتقي مثل ابن سيرين؛ اشترى اربعين حباً سمنا، فأخرج غلامه فأرة من حب فسأله: من أي حب أخرجتها؟ فقال لا أدري! فصبها كلها على الأرض.\rومثل ابن يزيد:","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"اشترى بهمذان حب القرطم، ففضل منه شيء، فلما رجع إلى بسطام رأى فيه نملتين، فرجع إلى همذان فوضع النملتين.\rويحكى أن أبا حنيفة كان لا يجلس في ظل شجرة غريمة. ويقول: قد جاء في الخبر: \" كلُّ قرض جر نفعاً فهو رباً \" .\rوقيل: إن أبا يزيل غسل ثوبه في الصحراء مع صاحب له.\rفقال له صاحبه: تعلق الثوب في جدار الكرم.\rفقال لا، لا تغرز الوتد في جدار الناس.\rفقال: نعلقه في الشجر.\rفقال: لا، إنه يكسر الأغصان.\rفقال: نبسطه على الأذْخِر.\rفقال: لا؛ إنه علق الدواب، لا نستره عنها.\rقولي ظهره إلى الشمس والقميص على ظهره، حتى جف جانب، ثم قلبه حتى جف الجانب الآخر.\rوقيل: إن أبا يزيد دخل يوماً الجامع، فغرز عصاه في الأرض فسقطت، ووقعت على عصا شيخ بجنبه ركز عصاه في الأرض، فألقتها. فانحنى الشيخ وأخذ عصاه، فمضى أبو يزيد إلى بيت الشيخ واستحله، وقال: كان السبب في انحنائك تفريطي في غرز عصاي، حيث حتجب إلى أن تنحني.\rورؤى عتبة الغلام بمكان يتصبب عرقاً في الشتاء، فقيل له في ذلك.\rفقال: إنه مكان عصيت فيه ربي!! فسئل عنه فقال: كشطت من هذا الجدار قطعت طين، غسل بها ضيف لي يده، ولم أستحل من صاحبه.\rوقال إبراهيم بن أدهم: بت ليلة تحت الصخرة ببيت المقدس؛ فلما كان بعض الليل نزل ملكان، فقال أحدهما لصاحبه: من هاهنا؟ فقال الآخر: إبراهيم بن أدهم.\rفقال: ذاك الذي حط بالله سبحانه درجة من درجاته.\rفقال: لم؟ قال: لأنه اشترى بالبصرة تمراً، فوقعت تمرة على تمرة من تمر البقال، فلم يردها على صاحبها.\rقال إبراهيم: فمضيت إلى البصرة، واشتريت التمر من ذلك الرجل، وأوقعت تمرة على تمرة، ورجعت إلى بيت المقدس، وبت في الصخرة.\rفلما كان بعض الليل، إذ أنا بملكين نزلا من السماء.\rفقال أحدهما لصاحبه: من هاهنا؟ فقال الآخر: إبراهيم بن أدهم: فقال: ذلك الذي رد الله مكانه، ورُفعت درجته.\rوقيل: التقوى على وجوه: للعامة: تقوى الشرك، وللخاصة: تقوى المعاصي، وللأولياء: تقوى التوصل بالأفعال، وللأنبياء تقوى نسبة الأفعال؛ إذ تقواهم منه إليه.\rوعن أمير المؤمنين علي، رضي الله عنه، قال: سادة الناس في الدنيا الأسخياء، وسادة الناس في الآخرة الأتقياء.\rأخبرنا علي بن أحمد الأهوازي، قال: أخبرنا أبو الحسين البصري قال: أخبرنا بشر بن موسى، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك، عن يحيى ابن أيوب، عن عبيد الله بن رحو، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من نظر إلى محاسن امرأة فغض بصره في أول مرة، أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها في قلبه \" .\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا العباس محمد بن الحسين، يقول: سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول: كان الجنيد جالساً مع رويم، والجريري، وابن عطاء، فقال الجنيد: ما نجا من نجا إلا بصد اللجا، قال الله تعالى: \" وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت.. الآية \" .\rوقال رويم، رحمه الله: ما نجا ما نجا إلا بصدق التقي، قال تعالى: \" وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم.. \" .\rوقال الجريري: ما نجا من نجا إلا بمراعاة الوفاء، قال الله تعالى: \" والذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق \" .\rوقال ابن عطاء: ما نجا من نجا إلا بتحقيق الحياء من الله قال الله تعالى: \" ألم يعلم بأن الله يرى \" .\rوقال الأستاذ الإمام: ما نجا من نجا إلا بالحكم والقضاء، قال الله تعالى: \" إن الذين سبقت لهم منا الحسنى \" الآية.\rوقال أيضاً: ما نجا من نجا إلا بما سبق له من الاجتباء، قال الله تعالى: \" واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم \" .\rباب الورع\rأخبرنا أبو الحسين عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي، قال:حدثنا محمد بن سليمان الزاهد قال أخبرنا محمد بن الحسين بن قتيبة، قال: حدثنا أحمد بن إبي طاهر الخرساني. قال: حدثنا يحيى بن العيزار قال: حدثنا محمد بن يوسف الفريابيِّ، عن سفيان، عن الأجلح، عن عبد الله بن بريدة، عن أبى الأسود الدؤلي، عن أبى ذرِّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه \" .","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"قال الأستاذ الإمام رضي الله عنه: أما الورع، فإنه: ترك الشبهات. كذلك قال إبراهيم بن أدهم: الورع ترك كل شبهة، وترك مالا يعنيك هو ترك الفضلات.\rوقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: \" كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام \" . وقال صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: \" كن ورعاً تكن أعبد الناس \" .\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، يقول سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت السرى يقول: كان أهل الورع في أوقاتهم أربعة: حذيفة المرتعش، ويوسف بن أسباط، وإبراهيم بن أدهم، وسليمان الخواص، فنظروا في الورع فلما ضاقت عليهم الأمور فزعوا إلىالتقلل.\rوسمعته يقول: سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول: سمعت الشبلي يقول: الورع أن تتورَّع عن كلِّ ما سوى الله تعالى.\rوسمعته يقول: أخبرنا أبو جعفر الرازيُّ قال: حدثَّنا العباس بن حمزة قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: حدثنا اسحق بن خلف؛ قال: الورع، المنطق: أشد منه في الذهب والفضة، والزهد في الرياسة ك أشد منه في الذهب والفضة، لأنك تبدلهما في طلب الرئاسة.\rوقال أبو سليمان الداراني: الورع: أول الزهد، كما أن القناعة: طرف من الرضا.\rوقال أبو عثمان: ثواب الورع خفَّة الحساب.\rوقال يحيى بن معاذ: الورع: الوقوف على حدِّ العلم من غير تأويل.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت الحسين بن أحمد بن جعفر يقول: سمعت محمد بن داود الدينوري يقول. سمعت عبد الله بن الجَّلاء يقول: أعرف من أقام بمكة ثلاثين سنة لم يشرب من ماء زمزم إلا ما استقاه بركوته، ورشائه، ولم يتناول من طعام جاب من مصر.\rوسمعته يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت علي بن موسى التاهرتي يقةل: وقع من عبد الله بن مروان فلس في بئر قذرة، فاكترى عليه بثلاثة عشر ديناراً حتى أخرجه، فقيل له في ذلك، فقال: كان عليه اسم الله تعالى.\rوسمعته يقول: سمعت أبا الحسن الفارسي يقول: سمعت بن علوية يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: الورع على وجهين: ورع في الظاهر؛ وهو: أن لايتحرك إلا لله تعالى.\rوورع في الباطن، وهو: أن لايدخل قلبك سوى الله تعالى: وقال يحيى بن معاذ: من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء.\rوقيل: من دق في الدين نظره جل في القيامة خطره.\rوقال ابن الجلاء: من لم يصحبه التقي في فقره أكل الحرام النص.\rوقال يونس بن عبيد: الورع: الخروج عن كل شبهة، ومحاسبة النفس في كل طرفة.\rوقال سفيان الثوري: ما رأيت أسهل من الورع: ماحاك في نفسك تركته، وقال معروف الكرخي: احفظ لسانك من المدح كما تحفظه من الذِّم.\rوقال بشر بن الحارث: أشد الأعمال ثلاثة: الجود في القلَّة، والورع في الخلوة، وكلمة الحقِّ عند من يخاف منه ويرجى.\rوقيل: جاءت أخت بشر الحافي إلى أحمد بن حنبل وقالت: إنا نغزل على سطوحنا،فتمر بنا مشاعل الظاهرية، ويقع الشعاع علينا، أفيجوز لنا الغزل في شعاعها؟.\rفقال أحمد: من أنت؟ عافاك الله تعالى.\rفقالت: أخت بشر الحافي.\rفبكي أحمد وقال: من بيتكم يخرج الورع الصادق، لاتغزلي في شعاعها.\rوقال علي العطار: مررت بالبصرة في بعض الشوراع، فإذا مشايخ قعود وصبيان يلعبون، فقلت: أما تستحون من هؤلاء المشايخ؟! فقال صبي من بينهم: هؤلاء المشايخ قل ورعهم فقلت هيبتهم.\rوقيل: إن مالك بن دينار مكث بالبصرة أربعين سنة، فلم يصح له أن يأكل شيئاً من تمر البصرة، ولامن رطبها، حتى مات ولم يذقه. وكان إذا انقضى وقت الرطب قال: يا أهل البصرة، هذا بطني ما نقص منه شيء ولا زاد فيكم.\rوقيل لإبراهيم بن أدهم: ألا تشرب من ماء زمزم؟ فقال لو كان لي دلو لشربت منه.\rسمعت الأستاذ أبا الدقَّاق يقول: كان الحارث المحاسبي إذا مدَّ يده إلى طعام فيه شبهة ضرب على رأس إصبعه عرق فيعلم إنه غير حلال.\rوقال: إن بشراً الحافيَّ دعي إلى دعوة، فوضع بين يديه طعام، فجهد أن يمد يده إليه، فلم تمتد. ففعل ذلك ثلاث مرات. فقال رجل يعرف ذلك منه: إن يده لا تمتد إلى طعام فيه شبهة، ما كان أعنى صاحب هذه الدعوة أن يدعو هذا الشيخ؟!","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى الصوفي، قال: سمعت عبد الله بن علي ابن يحيى التميمي قال سمعت أحمد بن محمد بن سالم بالبصرة يقول: سئل سهل ابن عبد الله عن الحلال الصافي، فقال: هو الذي لا يعصي الله تعالى فيه.\rوقال سهل: الحلال الصافي: الذي لا ينسى الله تعالى فيه.\rودخل الحسن البصري مكة، فرأى غلاماً من أولاد علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قد أسند ظهر إلى الكعبة يعظ الناس، فوثب عليه الحسن وقال له: ما ملاك الدين؟ فقال: الورع. فقال له: فما آفة الدين؟ فقال: الطمع. فتعجب الحسن منه.\rوقال الحسن: مثقال ذرة من الورع للسالم خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة.\rوأوحى الله سبحانه، إلى موسى، عليه الصلاة والسلام: لم يتقرب إلى المتقربون بمثل الورع والزهد.\rوقال: أبو هريرة: جلساء الله تعالى غداً: أهل الورع والزهد.\rوقال: سهل بن عبد الله: من لم يصحبه الورع أكل رأس الفيل ولم يشبع!! وقيل: حمل إلى عمر بن عبد العزيز مسك من الغنائم، فنبض علي مشامه.\rوقال: إنما ينتفع من هذا بربحه، وأناأكره أن أجد ريحه دون المسلمين.\rوسئل أبو عثمان الحيري عن الورع، فقال: كان أبو صالح حمدون عند صديق له، وهو في النزع، فمات الرجل، فنفث أبو صالح في السراج، فقيل له في ذلك، فقال: إلى الآن كان الدهن له في المسرجة، ومن الآن صار للورثة. اطلبوا دهنا غيره.\rوقال كهمس: أذنبتُ ذنباً أبكي عليه منذ أربعين سنة؛ وذلك: أنه زارني أخُ لي؛ فاشتريت لأجله بدانفق سمكة مشوية، فلما فرغ أخذت قطعة طين من جدار جار لي حتى غسل بها يده ولم أستحله.\rوقيل: كان رجل يكتب رقعة، وهو في بيت بكراء، فأراد أن يُترب الكتاب من جدار البيت، فخرط بباله أن البيت بالكراء.. ثم إنه خطر بباله أنه لا خطر لهذا، فترب الكتاب، فسمع هاتفاً يقول: سيعلم المستخف بالتراب ما يلقاه غداً من طول الحساب!! ورهن أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى، سٍطلاً له عند بقال بمكة، حرسها الله تعالى، فلما أراد فكاكه أخرج البقال إليه سطلين، وقال: خذ أيهما هو لك.\rفقال أحمد أشكل عليَّ سطلي، فهو لك، والدراهم لك.\rفقال البقال: سطلك هذا، وأنا أردت أن أجربك.\rفقال: لا آخذه. ومضى. وترك السطل عنده.\rوقيل: سيب ابن المبارك دابة قيمتها كثيرة، وصلى صلاة الظهر، فرتعت الدابة في زرع قرية سلطانية، فترك ابن المبارك الدابة ولم يركبها.\rوقيل: رجع ابن المبارك من مرو إلى الشام في قلم استعاره فلم يرده على صاحبه.\rواستأجر النخعي دابة، فسقط سوطه من يده، فنزل، وربط الدابة، رجع فأخذ السوط، فقيل له: لو حولت الدابة إلى الموضع الذي سقط فيه السوط فأخذته كان أسهل لك فقال: إنما استأجرتها لأمضي هكذا.. لا هكذا!! وقال أبو بكر الدقاق: تهت في تيه بني إسرائيل خمسة عشر يوماً.. فلما وافيت الطريق، استقبلني جندي فسقاني شربة من ماء، فعادت قسوتها على قلبي وتألمت ثلاثين سنة.\rوقيل: خاطت رابعة العدوية شقاً في قميصها في ضوء مشعلة سلطان، ففقدت قلبها زماناً، حتى تذكرت، فشقت قميصها، فوجدت قلبها.\rوروِّي سفيان الثوري في المنام، وله جناحان يطير بهما في الجنة من شجرة إلى شجرة.\rفقيل: بم نلت هذا؟: فقال: بالورع.\rووقف حسان بن أبي سنان على أصحاب الحسن، فقال: أي شيء أشد عليكم؟ فقالوا: الورع.\rفقال: ولا شيء أخف علي منه.\rفقالوا: فكيف؟ فقال: لم أرو من نهركم منذ أربعين سنة.\rوكان حسان بن أبي سنان لا ينام مضطجعاً، ولا يأكل سميناً ولا يشرب ماء بارداً ستين سنة، فرؤي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟. فقال: خيراً، إلا أني محبوس عن الجنة بإبرة استعرتها فلم أردها.\rوكان لعبد الواحد بن زيد غلام خدمه سنين، وتعبَّد أربعين سنة: وكان في أبتداء أمره كيالاً، فلما مات رؤي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: خيراً، غير أني محبوس عن الجنة، وقد أخرج علي من غبار القفيز الذي اكتلته أربعين قفيزاً.\rومر عيسى ابن مريم؛ عليهما السلامِ بمقبرة، فنادى رجلاً منها، فأحياه الله تعالى: فقال: من أنت؟ فقال كنت حمالاً أنقل للناس، فنقلت لإنسان يوماً حطباً، فكسرت منه خلالاً تخللت به فأنا مطالب به منذ متُّ.\rوتكلم أبو سعيد الخراز في الورع.. فمر به عباس بن المهتدي، فقال:","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"يا أبا سعيد، أما تستحي، تجلس تحت سقف أبي الدوانيق، وتشرب من بركة زبيدة، وتتعامل بالدراهم المزيفة، وتتكلم في الورع؟!\rباب الزهد\rأخبرنا حمزة بن يوسف السهمي الجرجاني، قال: أخبرنا ابو الحسن عبيد الله بن أحمد بن يعقوب المقري ببغداد، قال: حدثنا جعفر بن مجاشع قال: حدثنا زيد بن إسماعيل قال: حدثنا كثير بن هشام قال: حدثنا الحكم ابن هشام، عن يحيى بن سعيد، عن افروة، عن أبي خلاد - وكانت له صحية - قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \" إذا رأيتم الرجل قد أوتي زهداً في الدنيا، ومنطقاً، فاقتربوا منه، فإنه يلقن الحكمة \" .\rقال الأستاذ الإمام أبو القاسم، رحمه الله: اختلف الناس في الزهد، فمنهم من قال: الزهد في الحرام، لأن الحلال مباح من قبل الله تعالى، فإذا أنعم الله على عبده بمال من حلال، وتعبده بالشكر عليه، فتركه له باختياره. لا يقدم على إمساكه له بحق إذنه.\rومنهم من قال: الزهد في الحرام واجب، وفي الحلال فضيلة، فإن إقلال المال - والعبد صابر في حاله، راض بما قسم الله تعالى له، قانع بما يعطيه - أم من توسعه وتبسطه في الدنيا فإن الله تعالى زهد الخلق في الدنيا بقوله: \" قل متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى \" : وغير ذلك من الآيات الواردة في ذم الدنيا والتزهيد فيها.\rومنهم من قال: إذا أنفق العبد ماله في الطاعة وعلم من حاله الصبر، وترك التعرض لما نهاه الشرع عنه في حال العسر، فحينئذ يكون زهده في المال الحلال أثم.\rومنهم من قال: ينبغي للعبد أن لا يختار الحلال بتكلفه، ولا طلب الفضول مما لا يحتاج إلريه ويراعي القسمة. فإن رزقه الله، سبحانه وتعالى مالاً من حلال شكره، وإن وقفه الله تعالى، على حد الكفاف لم تكلف في طلب ما هو فضول المال، فالصبر أحسن بصاحب الفقر. والشكر أليق بصاحب المال الحلال.\rمعنى الزهد وتكلموا في معنى الزهد: فكل نطق عن وقته، وأشار إلى حدِّه.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله يقول: حدثنا أحمد ابن إسماعيل الأزدي قال: حدثنا عمران بن موسى الإسفنجي قال: حدثنا الدورقي قال: حدثنا وكيع قال: قال سفيان الثوري: الزهد في الدنيا: قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا بلبس العباء.\rوسمعته يقول: سمعت سعيد بن أحمد يقول: سمعت عباس بن عصام يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت السري السقطي يقول: إن الله سبحانه، سلب الدنيا عن أوليائه، وحماها عن أصفيائه، وأجرها من قلوب أهل وداده؛ لأنه لم يرضها لهم.\rوقيل: الزهد من قوله سبحانه وتعالى: \" لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم \" .\rقالزاهد لا يفرح بموجود من الدنيا، ولا يتأسف على مفقود منها.\rوقال أبو عثمان: الزهد: أن تترك الدنيا ثم لاتبالي بمن أخذها.\rسمعت الأستاذ أبا عليِّ الدقاق يقول: الزهد: أن تترك الدنيا كما هي، لاتقول أبني بها رباطاً أو أعمر مسجداً.\rوقال يحيى بن معاذ: الزهد: يورث السخاء بالملك، والحب يورث السخاء بالروح، وقال ابن الجلاء: الزهد: هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال، لتصغر في عينك فيسهل عليك الإعراض عنها.\rوقال ابن خفيف: علامة الزهد: وجود الراحة في الخروج عن الملك.\rوقال أيضاً: الزهد: سلو القلب عن الأسباب، وفض الأيدي من الأملاك.\rوقيل الزهد: عزوف النفس عن الدنيا بلا تكلف.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت النصراباذي يقول: الزاهد: غريب في الدنيا، والعارف غريب في الأخرة.\rوقيل: من صدق في زهده أتته الدنيا راغمة.\rولهذا قيل: لو سقطت قلنسوة من السماء لما وقعت إلا على رأس من لا يريدها.\rوقال الجنيد: الزهد خلو القلب عمَّا خلت منه اليد.\rوقال أبو سليمان الداراني: الصوف علم من أعلم الزهد؛ فلا ينبغي للزاهد أن يلبس صوفاً بثلاثة دراهم، وفي قلبه رغبة خمسة دراهم.\rوقد اختلف السلف في الزهد.\rفقال سفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وعيسى بن يونس، وغيرهم: الزهد في الدنيا: إنما هو قصر الأمل.\rوهذا الذي قالوه يحمل على أنه من أمارات الزهد، والأسباب الباعثة عليه والمعاني الموجبة له.\rوقال عبد الله بن المبارك: الزهد: هو الثقة بالله تعالى مع حب الفقر.","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"وبه قال شقيق البلخي، ويوسف بن أسباط وهذا أيضاً من أمارات الزهد، فإنه لا يقوى العبد على الزهد، إلا بالثقة بالله تعالى.\rوقال عبد الواحد بن زيد: الزهد: ترك الدينار والدرهم.\rوقال أبو سليمان الدارني: الزهد: ترك ما يشغل عن الله سبحانه وتعالى.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أحمد بن علي يقول: سمعت إبراهيم بن فاتك يقول: سمعت الجنيد يقول، وقد سأله رويم عن الزهد، فقال: هو استصغار الدنيا، ومحو آثارها من القلب.\rوقال سري: لا يطيب عيش الزاهد إذا اشتغل عن نفسه، ولا يطيب عيش العارف إذا اشتغل بنفسه.\rوسئل الجنيد عن الزهد، فقال: خلوُّ اليد من الملك، والقلب من التتبع.\rوسئل الشبلي عن الزهد فقال: أن نزهد فيما سوى الله تعالى.\rوقال يحيى بن معاذ: لا يبلغ أحد حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاثُ خصال: عمل بلا علاقة، وقول بلا طمع، وعز بلا رياسة.\rوقال أبو حفص: الزهد لا يكون إلا في الحلال، ولا حلال في الدنيا، فلا زهد.\rوقال أبو عثمان: إن الله تعالى يعطي الزاهد فوق ما يريد، ويعطي الراغب دون ما يريد، ويعطي المستقيم موافقة ما يريد.\rوقال يحيى بن معاذ: الزاهد يسعطك الخل والخردل، والعارف يشمك المسك والعنبر.\rوقال الحسن البصري: الزهد في الدنيا أن تبغض أهلها وتبغض ما فيها:.\rوقيل لبعضهم: ما الزهد في الدنيا؟ قال: ترك ما فيها على ما فيها.\rوقال رجل لذي النون المصري: متى أزهد في الدنيا؟ فقال: إذا زهدتَ في نفسك.\rوقال محمد بن الفضل: إيثار الزهاد عند الاستغناء، وإيثار الفتيان عند الحاجة، قال الله تعالى: \" ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة \" .\rوقال الكتاني: الشيء الذي لم يخالف فيه كوفي ولا مدني ولا عراقي، ولا شامي: الزهد في الدنيا، وسخاوة النفس، والنصيحة للخلق، يعني أن هذه الأشياء لا يقول أحد إنها غير محمودة.\rوقال رجل ليحيى بن معاذ: متى أدخل حانوت التوكل، وألبس رداء الزاهدين؟ فقال: إذا صرت من رياضتك في السر إلى حد لو قطع الله عنك الرزق ثلاثة أيام لم تضعف في نفسك.\rفأما ما لم تبلغ هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهل، ثم لا آمن عليك أن تفتضح بينهم!! وقال بشكر الحافي: الزهد: ملك لا يسكن إلا في قلب مخلي.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت بن محمد بن الأشعث البيكندي يقول: من تكلم في الزهد، ووعظ الناس، ثم رغب في مالهم، رفع الله تعالى حب الآخرة من قلبه.\rوقيل: إذا زهد العبد في النيا وكل الله تعالى به ملكاً يغرس الحكمة في قلبه.\rوقيل: لبعضهم: لم زهدت في الدنيا؟ فقال: لزهدها فيَّ.\rوقال أ؛مد بن حنبل: الزهد على ثلاثة أوجه: ترك الحرام، وهو: زهد العوام: والثاني: ترك الفضول من حلال، وهو: زهد الخواص.\rوالثالث: ترك ما يشغل العبد عن الله تعالى، وهو: زهد العارفين.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدَّقاق، يقول: قيل لبعضهم: لم زهدت في الدنيا؟ قال: لما زهدت في أكثرها أنفت من الرغبة في أقلها.\rوقال يحيى بن معاذ: الدنيا كالعروس المجلوة، ومن يطلبها ما شطتها والزاهد فيها يسخم وجهها، وينتف شعرها، ويحرق ثوبها والعارف مشتغل بالله تعالى، لا يلتفت إليها.\rسمعت أبا عبد الله الصوفي يقول: سمعت: أبا الطيب السامري يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت السري يقول: مارست كل شيء من أمر الزهد، فنلت منه ما أريد، إلا الزهد في الناس؛ فإني لم أبلغه، ولم أطقه.\rوقيل. ما خرج الزاهدون إلا إلى أنفسهم، لأنهم تركوا النعيم الفاني للنعيم الباقي.\rوقال النصراباذي: الزاهد حقن دماء الزاهدين،وسفك دماء العارفين.\rوقال حاتم الأصم. الزاهد يذيب كيسه قبل نفسه، والمتزاهد يذيب نفسه قبل كيسه.\rسمعت محمد بن عبد الله يقول: حدثنا علي بن الحسين الموصلي قال: حدثنا أحمد بن الحسين قال: حدثنا محمد بن الحسن قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: جعل الله الشر كله في بيت، وجعل مفتاحه حب الدنيا، وجعل الخير كله في بيت، وجعل مفتاحه الزهد.\rباب الصمت","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني قال: حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان قال: حدثنا أحمد بن يوسف السلمي قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت \" .\rأخبرنا علي بن أحمد بن عبدا، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا بشر بن موسى الأسدي قال: حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، عن بن المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن قبة بنع عامر قال: قلت: يارسول الله، ما النجاة؟ قال: \" احفظ عليك لسانك، وليسعك بيتك، وأبك على خطيئتك \" .\rقال الأستاذ، رحمه الل: الصمت سلامة، وهو الأصل. وعليه ندامة إذا ورد عنه الزجر فالواجب: أن يعتبر فيه الشرع، والأمر والنهي.\rوالسكوت في وقته: صفة الرجال، كما أن النطق في موضعه من أشرف الخصال.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس.\rوالصمت: من آداب الحضرة، قال الله تعالى: \" وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون \" .\rوقال تعالى - خبراً عن الجن بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم - : \" فلما حضروه قالوا أنصتوا.. \" .\rوقال تعالى: \" وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً \" .\rوكم ببن عبد يسكت تصاوناً عن الكذب والغيبة. وبين عبد يسكت لاستيلاء سلطان الهيبة عليه. وفي معناه أنشدوا:\rأفكر ما أقول إذا افترقنا ... وأحكم دائباً حجج المقال\rفأنساها إذا نحن التقينا ... فانطق، حين أنطق، بالمحال\rوأنشدوا:\rفياليل كم من حاجة له مهمة ... إذا جئتكم لم أدر ياليل ماهيا\rوأنشدوا:\rوكم حديث لك حتى إذا ... مكنت من لقياك أنسيته\rوأنشدوا:\rرأيتك الكلام يزين الفتى ... والصمتُخير لمن قد صمت\rفكم من حروف تجر الحتوف ... ومن ناطق ود أن لو سكت\rوالسكوت على قسمين: سكوت بالظاهر، وسكوت بالقلب والضمائر.\rفالمتوكل: يسكت قلبه عن تقاضي الأرزاق.\rوالعارف: يسكت قلبه مقابلة للحكم بنعت الوفاق.\rفهذا بجميل صنعه واثق، وهذا بجميع حكمه قانع.\rوفي معناه قالوا:\rتجري عليك صروفه ... وهموم سرك مطرقة\rوربما يكون سبب السكوت حيرة البديهة؛ فإنه إذا ورد كشف عن وصف البغتة خرست العبارات عند ذلك، فلا بيان، ولا نطق. وطمست الشواهد هنالك، فلا علم، ولا حس.\rوقال الله تعالى: \" يوم يجمع الله الرسل فيقول: ماذا أجبتم؟ قالوا لا علم لنا \" .\rفأما إيثار أرباب المجاهدة السكوت: فلما علموا ما في الكلام من الآفات؛ ثم ما فيه من حظ النفس، وإظهار صفات المدح، والميل إلى أن يتميز بين أشكاله بحسن النطق، وغير هذا من آفات في الخلق، وذلك يتميز بين نعت أرباب الرياضات، وهوأحد أركانهم في حكم المنازلة وتهذيب الخلق.\rوقيل: إن داود الطائي، لما أراد أن يعقد في بيته اعتقد أن يحضر مجالس أبي حنيفة، رحمه الله، إذ كان تلميذاً له، ويقعد بين أقرانه من العلماء، ولا يتكلم في مسألة، فلما قوَّي نفسه على ممارسة هذه الخصلة سنة كاملة، قعد في بيته عند ذلك وآثر العزلة.\rوكان عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، إذا كتب كتاباً واستحسن لفظه مزق الكتاب وغيره.\rسمعت الشيخ أبا عب الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: أخبرنا عبد الله بن محمد الرازي، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن إسحق السراج قال: سمعت أحمد بن الفتح يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: إذا أعجبك الكلام فاصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلم.\rوقال سهل بن عبد الله: لا يصح لأحد الصمت حتى يلزم نفسه للخلوة، ولا تصح له التوبة حتى يلزم نفسه الصمت.\rوقال أبو بكر الفارسي: من لم يكن الصمت وطنه فوفي الفضول ون كان صامتاً.. والصمت ليس بمخصوص على اللسان، لكنه على القلب والجوارح كلها.\rوقال بعضهم: من لم يستغنم السكوت فإذا نطق نطق بلغو.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت ممشاد الدينوري يقول: الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت والتفكر.","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"وسئل أبو بكر الفارسي عن صمت السر فقال: ترك الاشتغال بالماضي والمستقبل.\rوقال أبو بكر الفارسي: إذا كان العبد ناطقاً فيما يعنيه، وفيما لابد منه، فهو في حد الصمت.\rروي عن معاذ بن جبل، رضي الله عنه، أنه قال: كلم الناس قليلاً، وكلم ربك كثيراً؛ لعل قلبك يرى الله تعالى.\rوقيل لذي النون المصري: من أصون الناس لقلبه؟. قال: أهلكم للسانه.\rوقال ابن مسعود: ما من شيء يطول السجن أحق من اللسان.\rوقال علي بن بكار: جعل الله تعالى لكل شيء بابين، وجعل للسان أربعة أبواب: فالشفتان مصراعان، والأسنان مصراعان.\rوقيل: إن أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، كان يمسك في فيه حجراً كذا كذا سنة؛ ليقل كلامه.\rوقيل: إن أبا حمزة البغدادي، رحمه الله، كان حسن الكلام، فهتف به هاتف، فقال له: تكلمت فأحسنت، بقي أن تسكت فتحسن؟ فما تكلمَّ بعد ذلك حتى مات قريباً من هذه الحالة على رأس اسبوع، أو أقلَّ، أو أكثر.\rوربما يكون السكوت يقع على المتكلم تأديباً له، لأنه أساء أدبه في شيء.\rكان الشبلي إذا قعد في حلقته، ولا يسألونه، يقول: \" ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون \" .\rوربماَّ يقع السكوت على المتكلم، لأن في القوم من هو أولى منه بالكلام.\rسمعت أبن السماك يقول: كان بين شاه الكرماني، ويحيى بن معاذ صداقة، فجمعهما بلد، فكان شاه لا يحضر مجلسه، فقيل له في ذلك: فقال: الصواب هذا. فما زالوا به حتى حضر يوماً مجلسه، وقعد ناحية لا يشعر به يحيى بن معاذ، فلما أخذ يحيى في الكلام سكت، ثم قال: ها هنا من هو أولى بالكلام مني، وارتج عليه فقال شاة: قلت لكم الصواب أن لا أحضرُ مجلسه.\rوربمَّا يقع السكوت على المتكلم لمعنى في الحاضرين، وهو أنه يكون هناك من ليس بأهل لسماع ذلك الكلام فيصون الله تعالى لسان المتكلم غيرة وصيانة لذلك الكلام عن غير أهله.\rوربما كان سبب السكوت الذي يقع على المتكلم: أن بعض الحاضرين كان معلومُ الله تعالى من حاله أنه يسمع ذلك الكلام، فيكون فتنة له، إما لتوهمه أنه وقته ولا يكون، أو لأنه يحملِّ نفسه مالا يطيق فيرحمه الله، عزَّ وجلَّ، بأن يحفظ سمعه عن ذلك الكلام، إما صيانة له، أو عصمة عن غلطة.\rوقال مشايخ هذه الطريقة.\rربما يكون السبب فيه حضور من ليس بأهل لسماعه من الجن، إذ لا تخلو مجالس القوم من حضور جماعة من الجن.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: اعتللت مرة بمرو فاشتقت أن أرجع إلى نيسابور. فريت في المنام. كأن قائلاً يقول لي: لا يمكنك أن تخرج من هذا البلد، فإن جماعة من الجن قد استحلوا كلامك، ويحضرون مجلسك، فلأجلهم تجلس هاهنا.\rوقال بعض الحكماء: إنما خلق للإنسان لسان واحد، وعينان، وأذنان، ليسمع ويبصر أكثر مما يقول.\rودعي إبراهيم بن أدهم إلى دعوة؛ فلما جلس أخذوا في الغيبة، فقال: فقال: عندنا يؤكل اللحم بعد الخبز، وأنتم ابتدأتم بأكل اللحم؟ أشار إلى قوله تعالى: \" أيجب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً، فكرهتموه \" .\rوقال بعضهم: الصمت، لسان الحْلم.\rوقال بعضهم: تعلمَّ الصمت، كما تتعلم الكلام؛ فإن كان الكلام يهديك، فإن الصمت يقيك.\rوقيل: عفة اللسان صمته.\rوقيل: مثل اللسان مثل السبع إن لم تُوثقه عدا عليك: وسئل أبو حفص: أيُّ الحالين للوليِّ أفضل؟ الصمت، أو النطق؟ فقال: لو علم الناطق ما آفة النطق لصمت إن استطاع عمرَ نوح، ولو علم الصامت ما آفة الصمت لسأل الله تعالى، ضعفي عمر نوح حتى ينطق.\rوقيل: صمت العوامِّ بألسنتهم، وصمت العارفين بقلوبهم، وصمت المحبين بالتحفظ من خواطر اسرارهم.\rوقيل لبعضهم: تكلمَّ فقال: ليس لي لسان فأتكلمَّ.\rفقيل له: اسمع، فقال: ليس فيَّ مكان فأسمع.\rوقال بعضهم: مكثت ثلاثين سنة لا يسمع قلبي إلا من لساني.\rوقال بعضه: لو أسكت لسانك لم تنج من كلام قلبك، ولو صرت رميماً لم تتخلص من حديث نفسك، ولو جهدت كلَّ الجهد لم تكلمك روحك، لأنها كاتمة للسر.\rوقيل: لسان الجاهل مفتاح حتفه.\rوقيل: المحب: إذا سكت هلك، والعارف إذا سكت ملك سمعت محمد بن الحسين، يقول سمعت عبد الله بن محمد الرازي يقول: سمعت محمد بن نصر الصائغ يقول: سمعت مردوية الصائغ يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه.\rباب الخوف","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"قال الله تعالى: \" يدعون ربهم خوفا وطعما \" .\rأخبرنا أبو بكر محمد بن دلوية الدقاق قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: حدثنا عامر بن أبى الفرات قال:حدثنا المسعودي، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريره قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا يدخل النار من بكى من خشية الله تعالى، حتى يلج اللبن في الضرع. ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري عبد أبداً.\rحدثنا أبو نعيم أحمد بن محمد بن إبراهيم المهرجاني قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن الحسن بن الشرفي، قال: حدثنا عبد الله بن هاشم قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان بن الشرفي، قال: حدثنا عبد الله بن هاشم قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لو تعلمون ما أعلملضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً \" .\rقلت الخوف: معنى متعلقة في المستقبل، لأنه نما يخاف أن يحلَّ به مكروه، أو يفوته محبوب. ولا يكون إلا لشيء يحصل في المستقبل.\rفأمَّا ما يكون في الحال موجوداً، فالخوف لا يتعلق به.\rوالخوف من الله تعالى، هو: أن يخاف أن يعاقبه الله تعالى إمَّا في الدنيا، وإما في الآخرة.\rوقد فرض الله، سبحانه، على العباد أن يخافوه، فقال تعالى: \" وخافون إن كنتم مؤمنين \" .\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: الخوف علي مراتب: الخوف، والخشية، والهيبة.\rفالخوف من شرط الإيمان وقضيته. قال الله تعالى: \" وخافون إن كنتم مؤمنين \" .\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: الخوف على مراتب: الخوف، والخشية، والهيبة.\rفالخوف من شرط الإيمان وقضيته: قال الله تعالى: \" وخافون إن كنتم مؤمنين \" .\rوالخشية من شرط العلم، قال الله تعالى: \" إنما يخشى الله من عباده العلماء \" والهيبة من شرط المعرفة، قال الله تعالى: \" ويحذركم الله نفسه \" .\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله؛ يقول: سمعت محمد ابن علي الحيري يقول: سمعت محفوظاً يقول: سمعت أبا حفص يقول: الخوف سوْط الله يقوّم به الشاردين عن بابه.\rوقال أبو القاسم الحكيم: الخوف على ضربين: رهبة، وخشية.\rفصاحب الرهبة يلتجىء إلى الهرب ذا خاف، وصاحب الخشية يلتجىء إلى الرب.\rقال رحمه الله: ورهب، وهرب؛ يصح أنا يقال: أنهما واحد معنى، مثل: جذب، وجبذ.\rفإذا هرب أنجذب في مقتضى هواه، كالرهبان الذين اتبعوا أهوائهم فإذا كبحهم لجام العلم وقاموا بحق الشرع، فهو الخشية.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الله بن محمد الرازي يقول: سمعت أبا عثمان يقول: سمعت أبا حفص يقول: الخوف، سراج القلب، به يبصر ما فيه من الخير والشر.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقَّاق، رحمه الله. يقول: الخوف ألاَّ تعلل نفسك بعسى وسوف.\rسمعت محمد بن الحسين. يقول: سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول: سمعت أبا عمر الدمشقي يقول: الخوف، سراج القلب، به يبصر ما فيه من الخير والشر.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقَّاق، رحمه الله. يقول: الخوف ألاَّ تعلل نفسك بعسى وسوف.\rسمعت محمد بن الحسين. يقول:سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول: سمعت أبا عمر الدمشقي يقول: الخائف، من يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من الشيطان.\rوقال ابن الجلاء: الخائف، من تؤمنه المخوفات.\rوقيل: ليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه، إنما الخائف من يترك ما يخف أن يعذب عليه.\rوقيل للفضيل، مالنا لا نرى خائفاً؟ فقال: لو كنتم خائفين لرأيتم الخائفين، إن الخائف لايراه إلا الخائفون، وإن الثكلى، هي التي تحب أن ترى الثكلى.\rوقال يحيى بن معاذ: مسكين ابن آدم، لو خاف من النار كما يخاف من الفقر لدخل الجنة.\rوقال شاء الكرماني: علامة الخوف: الحزن الدائم.\rوقال أبو القاسم الحكيم: من خاف من شيء هرب منه، ومن خاف من الله عزَّ وجل هرب إليه.\rوسئل ذو النون المصرين رحمه الله، متى يتيسر على العبد سبيل الخوف؟ فقال: إذا أنزل نفسه منزلة السقيم، يحتمى من كل شيء؛ مخافة طول السقام.\rوقالبشر الحافي: الخوف من الله ملك لايسكن إلا في قلب متق.\rوقال أبو عثمان الحيري: عيب الخائف في خوفه السكون إلى خوفه لأنه أمر خفى.\rوقال الواسطي: الخوف حجاب بين الله تعالى وبين العبد.","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"وهذا اللفظ فيه إشكال ومعناه: أن الخائف متطلع لوقت ثان. وأبناء الوقت لاتطلع لهم في المستقبل، وحسنات الابرار سيئات المقربين.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن النهاوندي يقول: سمعت ابن فانك يقول: سمعت النوري يقول: \" الخائف يهرب من ربه إلى ربه \" .\rوقال بعضهم: علامة الخوف، التحير والوقوف على باب الغيب: سمعت ابا عبد الله الصوفي يقول: سمعت على بن إبراهيم العكبري يقول: سمعت الجنيد وقد سئل عن الخوف، فقال: هو توقع العقوبة مع مجاري الأنفاس.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه الله، يقول: سمعت الحسين ابن أحمد الصفار يقول: سمعت محمد بن المسيب يقول: سمعت هاشم بن خالد يقول:سمعت أبا سليمان الدارانى يقول: ما فارق الخوف قلبا إلا خرب.\rوسمعته يقول: سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن يقول: سمعت أبا عثمان يقول: صدق الخوف، هو الورع عن الآثام ظاهراً وباطناً.\rوقال ذو النون: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق.\rوقال حاتم الأصم: لكل شيء زينة، وزينة العبادة الخوف، وعلامة الخوف قصر الأمل.\rوقال رجل لبشر الحافي: أراك تخاف الموت!! فقال: القدوم على الله، عز وجل شديد سمعت الأستاذ أبا على الدقاق، يقول: دخلت على الإمام أبى بكر ابن فورك عائداً، فلما رآني دمعت عيناه، فقلت له: إن شاء الله تعالى يعافيك ويشفيك.\rفقال لي: تراني أخاف من الموت؟ إنما أخاف مما وراء الموت!! أخبرنا عن بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا محمد بن عثمان قال: حدثنا القاسم بن محمد قال: حدثنا يحيى بن يمان، عن مالك بن مغول، عن عبد الرحمن بن سعيد بن موهب، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله: الذين يؤتون ما آتوا: وقلوبهم وجلة، أو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر؟ قال: لا: ولكن الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه.\rوقال ابن المبارك: رحمه الله: الذي يهيج الخوف حتى يسكن في القلب دوامُ المراقبة في السرِّر والعلانية.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن الحسن يقول سمعت أبا القاسم بن أبي موسى يقول: سمعت محمد بن أحمد: قال: حدثنا علي الرازي قال: سمعت ابن المبارك: رحمه الله يقول ذلك.\rوسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت إبراهيم بن شيبان يقول: إذا سكن الخوف القلب أحرق مواضع الشهوات منه، وطرد رغبة الدنيا عنه.\rوقيل، الخوف، قوَّة العلم بمجاري الأحكام.\rوقيل: الخوف، حركة القلب من جلال الربِّ.\rوقال أبو سليمان الداراني، ينبغي للقلب أن لا يكون الغالب عليه إلا الخوف، فنه إذا غلب الرجاء على القلب فسد القلب.\rثم قال: يا أحمد، بالخوف ارتفعوا، فإن ضيعوه نزلوا.\rوقال الواسطي، الخوف؛ والرجاء، زمامان على النفوس، لئلا، تخرج إلى رعوناتها.\rوقال الواسطي: إذا ظهر الحق على السرائر، لا يبقي فيها فضلة لرجاء ولا لخوف.\rقال الأستاذ أبو القاسم: وهذا فيه إشكال. ومعناه: إذا اصطلت شواهد الحق، تعالى، الأسرار ملكتها، فلا يبقى فيها مساغ لذكر حدثان، والخوف والرجاء من آثار بقاء الإحساس بأحكام البشرية.\rوقال الحسين بن منصور: من خاف من شيء سوى الله عزَّ وجل أو رجا سواه أغلق عليه ابواب كل شيءن وسلط عليه المخافة؛ وحجبه بسبعين حجاباً أيسرها الشك، وإن مما أوجب شدة خوفهم، فكرهم في العواقب، وخشية تغير أحوالهم، قال الله تعالى: \" وبدالهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون \" وقال الله تعالى: \" قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً؟ الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا \" .\rفكم منمغبوط في أ؛واله أنعكست عليه الحال، ومني بمقارنة قبيع الآفعال، فبدل بالأنس وحشة، وبالحضور غيبة..\rسمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق، رحمه الله، ينشد كثيراً:\rأحسن ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر\rوسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر\rسمعت منصو بن خلف المغربي يقول:","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"كان رجلان اصحطبا في الإراجة برهة من الزمان.. ثم إن أ؛دهما سافر، وفارق صاحبه.. وني عليه مدة من الزمان ولم يسمع منه خبراً.. فبينا هذا الآخر كان في غزاة يقاتل عسكر الروم إذ خرج على المسلمين رجل مقنع في السلاح، يطلب المبارزة.. فخرج إليه من أبطال المسلمين واحد، فقتله الرومي.. ثم خرج آخر فقتله.. ثم ثالث فقتله، فخرج إليه هذا الصوفي.. وتطاردا، فحسر الرومي عن وجهه، فإذا هو صاحبه الذي صحبه في الإرادة والعبادة سنين.\rفقال هذا له: إيش الخبر؟ فقال: نه ارتد.. وخالط القوم.. وولد له أولاد.. واجتمع له مال.\rفقال له: لا أذكر منه حرفاً.\rفقال له هذا الصوفي: لا تفعل، وارجع، فقال: لا أفعل، فلي فيهم جاه ومال، فانصرف أنت عني، وإلا لأفعلن بك ما فعلت بأولئك.\rفقال له الصوفي: أعلم أنك قتلت ثلاثة من المسلمين، وليس عليك أنفه في الانصراف، فانصرف أنت وأنا أمهلك.\rفرجع الرجل مولياً: فتبعه هذا الصوفي، وطعنه، فقتله.\rفبعد تلك المجاهدات، ومقاساة تلك الرياضات، قتل على النصرانية.\rوقيل: لما ظهر على إبليس ما ظهر، طفق جبريل وميكائيل عليهما السلام يبكيان زماناً طويلاً، فأوحى الله تعالى، إليهما: ما لكما تبكيان كل هذا البكاء؟ فقالا: يا ربنا، لا نأمن مكرك.\rفقال الله تعالى: هكذا كونا، لا تأمنا مكري.\rويحكي عن السري السقطي أنه قال: ني لأنظر إلى أنفي في اليوم كذا مرة؛ مخافة أن يكون قد أسود، لما أخافه من العقوبة!! وقال أبو حفص: منذ أربعين سنة اعتقادي في نفسي، أن الله؛ تعالى: ينظر إلي نظر السخط، وأعمالي تدل على ذلك.\rوقال حاتم الأصم: لا تغتر بموضع صالح؛ فلا مكان أصلح من الجنة، فلقي آدم، عليه السلام فيها ما لقي!! ولا تغتر بكثرة العبادة؛ فإن إبليس بعد طول تعبده لقي ما لقي!! ولا تغتر بكثرة العلم؛ فإن بلعام كان يحسن أسم الله الأعظم؛ فأنظر ماذا لقي!! ولا تغتر برؤية الصالحين فلا شخص أكبر قدراً من المصطفى؛ صلى الله عليه وسلم؛ ولم ينتفع بلقائه أقاربه وأعداؤه.\rوخرج ابن المبارك يوماً على أصحابه فقال: إني قد أجترأت الباحرة على الله عز وجل: سألته الجنة.\rوقيل: خرج عيسى عليه السلام، ومعه صالح من صالحي بني إسرائيل فتبعهما رجل خاطىء مشهور بالفسق فيهم، فقعد منتبذاً عنهما منكسراً، فدعا الله سبحانه وقال اللهم اغفر لي.\rودعا هذا الصالح وقال: اللهم لا تجمع غداً بيني وبين ذلك العاصي.\rفأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: أني قد استجبت دعاءهما جميعاً، رددت ذلك الصالح، وغفرت لذلك المجرم.\rوقال ذو النون المصري: قلت لعليم. لم سميت مجنوناً؟ قال: لما طال حبسي عنه صرت مجنوناً لخوف فراقه في الآخرة.\rوفي معناه أنشدوا:\rلو أن مابي على صخر لأنحله ... فكيف يحمله خلق من الطين؟\rوقال بعضهم، ما رأيت رجلاً أعظم رجاء لهذه الأمة، ولا أشد خوفاً على نفسه، من ابن سيرين.\rوقيل، مرض سفيان الثوري، فعُرض دليله على الطبيب؛ فقال: هذا رجل قطع الخوف كبده.\rثم جاء وجسَّ عِرقه، ثم قال: ما علمت أنَّ في الحنيفية مثله.\rوسئل الشبلي: لم تصفر الشمس عند الغروب؟ فقال: لأنها عُزلت عن مكان التمام: فاصغَّرت لخوف المقام.\rوكذا المؤمن إذا قارب خروجه من الدنيا اصفر لونه، لأنه بعث من خرج ووجهه يشرق.\rويحكى عن أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى، أنه قال: سألت ربي، عز وجلَّ، أن يفتح علي باباً من الخوف، ففتح، فخفت على عقلي، فقلت، يا ربِّ، أعطني على قدر ما أطيق، فسكنَّ ذلك عني.\rباب الرجاء\rقال الله تعالى: \" من كان يرجو لقاء الله، فإن أجل الله لآت \" .\rأخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد الأهوازي، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال: حدثن عمرو بن مسلم الثقفي قال: حدثنا الحسن بن خالد قال: حدثنا العلاء بن زيد، قال: دخلت على مالك بن دينار، فرأيت عنده شهر بن حوشب فلما خرجنا من عنده، قلت لشهر: يرحمك الله تعالى، زوِّدني، زودك الله تعالى.","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"فقال: نعم، حدثتني عمتي أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن نبي الله، صلى الله عليه وسلم، عن جبريل عليه السلام، قال: \" قال ربكم عزوجل: عبيد، ما عبدتني ورجوتني ولم تشرك بي شيئاً غفرت لك على ما كان منك، ولو استقبلتني بملء الأرض خطايا وذنوباً، استقبلتك بمثلها مغفرة، فأغفر لك ولا أبالي \" .\rأخبرنا علي بن أحمد قال: أخبرنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا بشر بن موسى، قال: حدثنا خلف بن الوليد، قال: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري قال: حدثنا أبو سفيان طريف، عن عبد الله بن الحارث، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يقول الله تعالى يوم القيامة: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة شعير من إيمان ثم يقول: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ثم يقول: وعزتي وجلالي لا أجعل من آمن بي ساعة من ليل أو نهار كمن لم يؤمن بي \" .\rالرَّجاء: تعلق القلب بمحبوب سيحصل في المستقبل.\rوكما أن الخوف يقع في مستقبل الزمان، فكذلك الرجاء يحصل لما يؤمل في الاستقبال والرجاء عيش القلوب، واستقلالها.\rوالفرق بين الرجاء، وبين التمني، أن التمني: يورث صاحبه الكسل، ولا يسلك طريق الجهد والجد، وبعكسه صاحب الرجاء، فالرجاء محمود، والنمن معلول.\rوتكلموا في الرجاء، فقال شاه الكرماني: علامة الرجاء: حسن الطاعة.\rوقال ابن خبيق: الرجاء ثلاثة: وقال ابن خبيق: الرجاء ثلاثة: رجل عمل حسنة: فهو يرجو قبولها.\rورجل عمل سيئة: ثم تاب: فهو يرجو المغفرة.\rوالثالث الرجل الكاذب: يتمادى في الذنوب: ويقول أرجو المغفرة.\rومن عرف نفسه بالإساءة ينبغي أن يكون خوفه غالباً على رجائه.\rوقيل الرجاء: ثقة الجود من الكريم الودود.\rوقيل: الرجاء رؤية الجلال بعين الجمال.\rوقيل: هو قرب القلب من ملاطفة الرب.\rوقيل: سرور الفؤاد بحسن المعاد.\rوقيل: هو النظر إلى سعة رحمة الله تعالى.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي: رحمه الله: يقول: سمعت منصور ابن عبد الله يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: الخوف، والرجاء، هما كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقض أحدهما وقع فيه النقص: وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت.\rوسمعته يقول: سمعت النصراباذي يقول: سمعت ابن أبي حاتم يقول سمعت علي بن شهمرذان يقول: قال أحمد بن عاصم الانطاكي، وسئل ما علامة الرجاء في العبد؟ قال: أن يكون إذا أحاط به الإحسان ألهم الشكر، راجياً لتمام النعمة من الله تعالى في الدنيا، وتمام عفوه في الآخرة.\rوقال أبو عبد الله بن خفيف: الرجاء: استبشار بوجود فضله.\rوقال ارتياح القلوب لرؤية كرم المرجو المحبوب.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: من حمل نفسه على الرجاء تعطل، ومن حمل نفسه على الخوف قنط ولكن من هذه مرة، ومن هذه مرة.\rوسمعته يقول: حدثنا أبو العباس البغدادي قال: حدثنا الحسن بن صفوان قال: حدثنا ابن ابي الدنيا، قال: حدثت عن بكر بن سليم الصواف، قال: دخلنا على مالك بن أنس في العشية التي قبض فيها، فقلنا. يا أبا عبد الله، كيف تجدك؟ فقال: ما أدري ما أقول لكم؛ غير أنكم ستعاينون من عفو الله تعالى، ما لم يكن في حساب، ثم ما برحنا حتى أغمضناه.\rوقال يحيى بن معاذ: يكاد رجائي لك مع الذنوب، يغلب رجائي لك مع الأعمال؛ لأني أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص، وكيف أحرزها وأنا بالآفة معروف!! وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك، وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف.\rوكلموا ذا النون المصري، وهو في النزع، فقال لا تشغلوني؟ فقد تعجبت من كثرة لطف الله تعالى معي.\rوقال يحيى بن معاذ: إلهي، أحلى العطايا في قلبي رجاؤك، وأعذب الكلام على لساني ثناؤك، وأحبُّ الساعات إلي ساعة يكون فيها لقاؤك.\rوفي بعض التفاسير: \" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أصحابه، من باب بني شيبة، فرآهم يضحكون فقال: أتضحكون؟ لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً \" ثم مرَّ، ثم رجع القهقرى، وقال: نزل عليَّ جبريل، عليه السلام، وأتى بقوله تعالى: \" نبىء عبادي ني أنا الغفور الرحيم \" .","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد الأهوازي قال: حدثنا أبو الحسن الصفار قال: حدثنا عباس بن تميم قال: حدثنا يحيى بن أيوب قال: حدثنا مسلم بن سالم قال: حدثنا خارجة بن مصعب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" إن الله تعالى ليضحك من يأس العباد وقنوطهم وقرب الرحمة منهم، فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، أويضحك ربنا عز وجل؟ فقال: \" والذي نفسي بيده إنه ليضحك، فقالت: لا يعدمنا خيراً إذا ضحك \" .\rوأعلم أن الضحك في وصفه من صفات فعله، وهو إظهار فضله، كما يقال: ضحكت الأرض بالنَّبات وضحكه من قنوطهم إظهار تحقيق فضله الذي هو ضعف انتظارهم له.\rوقيل: ن مجوسياً استضاف إبراهيم الخليل، عليه السلام، فقال له: إن أسلمت أضفتك فقال المجوسي: إذا أسلمت فأي مِنَّة تكون لك عليَّ؟ فمرَّ المجوسي، فأوحى الله تعالى إلى إبراهيم، عليه السلام: يا إبراهيم، لم تطعمه إلا بتغييره دينه؟! ونحن منذ سبعين سنة نطعمه على كفره، فلوأضفته ليلة ماذا عليك؟ فمرَّ إبراهيم، عليه السلام، خلف المجوسيِّ، وأضافه، فقال له المجوسيُّ: أي شيء كان السبب في الذي بدالك؟ فذكر له ذلك، فقال له المجوسي: أهكذا يعاملني؟ ثم قال: أعْرض عليَّ الإسلام فأسلم: سمعت الشيخ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: رى الأستاذ أبو سهل الصعلوكي، رحمه الله، أبا سهل الزَّجاج في النوم، وكان يقول بوعيد الأبد، فقال له: كيف حالك؟ فقال وجدنا الأمر أسهل مما توهمنا.\rسمعت أبا بكر بن أشكيب يقول: رأيت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي في المنام على هيئة حسنة لا توصف، فقلت له. يا أستاذ، بم نلت هذا؟، فقال: بحسن ظنيِّ برِّبي.\rورؤى مالك بن دينار في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك.\rقال: قدمت على ربي، عزَّ وجلَّ، بذنوب كثيرة محاها عنّي عن حسن ظني به تعالى.\rوروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: \" يقول الله عز وجل، أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، إن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ هو خير منه، وإن اقترب إليَّ شبراً اقتربت إليه ذراعاً، وإن اقترب إليَّ ذراعاً اقتربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة \" .\rأخبرنا بذلك أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الأسفرايني قال: أخبرنا يعقوب بن إسحق قال: حدثنا علي بن حرب قال: حدثنا أبو معاوية ومحمد أبن عبيد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول ذلك.\rوقيل: كان ابن المبارك يقاتل علْجاً مرة فدخل وقت صلاة العلاج، فاستمهله، فأمهله.\rفلما سجد للشمس: أراد ابن المبارك أن يضربه بسيفه، فسمع من الهواء قائلا يقول: \" وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً \" ، فأمسك. فلما سلم المجوسي، قال له: لِمَ أمسكت عما هممت َبه؟ فذكر له ما سمع، فقال له المجوسي: نعم الرب رب يعاتب وليه في عدوِّه. فأسلم وحسن إسلامه.\rوقيل: إنما أوقعهم في الذنب حين سمى نفسه عفواً.\rوقيل: لو قال لا أغفر الذنوب، لُم يذنب مسلم قط، - كما أنه لم قال: \" إن الله لا يغفر أن يشرك به \" \" لم يُشرك مسلم قطّ \" ، ولكن لما قال: \" ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء \" طمعوا في مغفرته.\rويحكي عن إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه أنه قال: كنت أنتظر مدة من الزمن أن يخلو المطاف لي، فكانت ليلة ظلماء، فيها مطر شديد، فخلا المطاب؛ فدخلت للطواف، وكنت أقول فيه: اللهم أعصمني، اللهم أعصمني، فسمعت هاتفاً يقول لي: يا ابن أدهم، أنت تسألني العصمة، وكل الناس يسألوني العصمة، فإذا عصمتكم فمن أرحم.\rوقيل: رأى أبو العباس بن شربح، في منامه في مرض موته، كأن القيامة قد قامت، وإذا الجبار، سبحانه، يقول: أين العلماء؟. قال: فجاءوه. ثم قال: ماذا عملتم فيما علمتم؟ قال فقلنا: يا رب، قصرنا، وأسأنا.\rقال: فأعاد السؤال، كأنه لم يرض به، وأراد جواباً آخر.\rفقلت: أما أنا، فليس في صحيفتي الشرك، وقد وعدت أن تغفر ما دون.\rفقال: إذهبوا فقد غفرت لكم، ومات بعد ذلك بثلاث ليال.","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"وقيل: كان رجل شرِّيب، جمع قوماً من ندمائه، ودفع إلى غلام أربعة دراهم، وأمره أن يشتري بها شيئاً من الفواكه للمجلس، فمر الغلام بباب مجلس منصور بن عمَّار وهو يسأل لفقير شيئاً، ويقول: من دفع أربعة دراهم دعوت له أربع دعوات.\rقال: فدفع له الغلام الدراهم، فقال منصور: ما الذي تريد أن أدعو لك به؟ فقال: لي سيد أريد أن أتخلص منه! فدعا لي منصور بذلك، وقال: ما الأخرى، فقال: أن يخلف الله، تعالى: عليَّ دراهمي.\rفدعا لي بذلك. ثم قال: وما الأخرى: فقال: أن يتوب الله على سيدي فدعاقال: وما الأخرى؟ فقال: أن يغفر الله لي ولسيدي، ولك، وللقوم فدعا، منصور بذلك.\rفرجع الغلام إلى سيده، فقال له: لم أبطأت؟ فقصَّ عليه القصة فقال له: وبم دعا؟ فقال: سالت لنفسي العتق فقال: اذهب، فأنت حر وما الثاني؟ فقال: أن يخلف الله عليَّ الدراهم، فقال: لك أربعة آلاف درهم. فقال: وما الثالث؟ فقال: أن يتوب الله عليك فقال: تبت إلى الله تعالى، فقال: وما الرابع؟فقال: أن يغفر الله تعالى لك ولي وللقوم وللذكر، فقال: هذا الواحد ليس إلي، فلما بات، رأى في المنام كأن قائلاً يقول له: أنت فعلت ما كان إليك تراني لاأفعل ما إلي!! قد غفرت لك، وللغلام ولمنصور بن عمار، وللقوم الحاضرين.\rوقيل: حج رباح القيسي حجات كثيرة، فقال يوماً - وقد وقف تحت الميزاب.\rإلهي وهبت من حجاتي كذا وكذا للرسول صلى الله عليه وسلم وعشرة منها لأصحابه العشرة، وثنتين لوالدي، والباقي للمسلمين.\rولم يحبس منها شيئاً لنفسه: فسمع هاتفاً يقول: هوذا يتسخى علينا؛ لأغفرن لك. ولأبويك، ولمن شهد شهادة الحق.\rوروي عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي أنه قال: رأيت جنازة يحملها ثلاثة من الرجال وامرأة، قال فأخذت مكان المرأة وذهبنا إلى المقبرة، فصلينا عليها، ودفناها، فقلت للمرأة، من كان هذا منك؟ فقالت: ابني قلت: أو لم يكن لك جيران؟ قالت: نعم، ولكنهم سغروا أمره.\rفقلت: وإيش كان هذا؟ فقالت: مخنثاً؟ قال: فرحمتها: وذهبت بها إلى منزلي، وأعطيتها دراهم، وحنطة، وثياباً.\rونمت تلك الليلة، فرأيت كأنه أتاني آت كأنه القمر ليلة البدر، وعليه ثياب بيض فجعل يتشكر لي، فقلت من أنت؟ فقال: المخنث، الذي دفنتموني اليوم، رحمني ربي باحتقار الناس إياي.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: مر أبو عمر البيكندي يوماً بسكة، فرأى قوماً أرادوا إخراج شاب من المحلة، لفساده، وامرأة تبكي، قيل إنها أمه، فرحمها أبو عمر فتشفع له إليهم وقال: هبوه مني هذه المرة، فإن عاد إلى فساده فشأنكم فوهبوه منه، فمضى أبوعمرو، فلما كان بعد أيام، اجتاز بتلك السكة، فسمع بكاء العجوز من وراء ذلك الباب، فقال في نفسه: لعل الشاب عاد إلى فساده، فنفي من المحلة.\rفدق عليها الباب، وسألها عن حال الشاب؛ فخرجت العجوز وقالت له: إنه مات.\rفسألها عن حاله، فقالت، لما قرب أجل، قال: لا تخبري الجيران بموتي، فلقد آذيتهم، وإنهم يشتمون في، ولا يحضرون جنازتي، وإذا دفنتني، فهذا خاتم لي مكتوب عليه \" بسم الله \" فادفنيه معي، فإذا فرغت من دفني فتشفعي لي إلى ربي عزَّ وجل.\rقالت: ففعلت وصيته. فلما انصرفت عن رأس قبره، سمعت صوته يقول: انصرفي يا أماه؛ قدمت على رب كريم.\rوقيل: أوحى الله، تعالى، إلى داود، عليه السلام: قل لهم: \" إني لم أخلقهم لأربح عليهم، وإنما خلقتهم، ليربحوا علي \" .\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا بكر الحربي يقول: سمعت إبراهيم الأطروش يقول: كنا قعوداً ببغداد، مع معروف الكرخي؛ على الدجلة، إذ مر بنا قوم أحداث في زورق، يضربون بالدف ويشربون، ويلعبون، فقلنا لمروف: أما تراهم كيف يعصون الله تعالى؟ أدع الله عليهم: فرفع يده وقال: إلهي كما فرحتهم في الدنيا ففرحهم في الآخرة.\rفقالوا: إنما سألناك أن تدعو عليهم!! فقال: إذا فرحهم في الآخرة فقد تاب عليهم.\rسمعت أبا الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد المزكي؛ قال: حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد الاديب، قال: حدثنا الفضل بن صدقة قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن سعيد، قال:","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"كان يحيى بن أكثم القاضي صديقاً لي، وكان بودني ووده، فمات معي، فكنت أشتهي أن أراه في المنام، فأقول له: ما فعل الله تعالى بك، فرأيته ليلة في المنام فقلت ما فعل الله تعالى بك؟ قال: غفر لي، إلا أنه وبخني، ثم قال لي: يا يحيى، خلطت علي في دار الدنيا.\rفقلت: أي ربي، إتكلت على حديث حدثنيه أبو معاوية الضرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنك قلت، \" إني لأستحيي أن أعذب ذا شيبة بالنار \" فقال: قد عفوت عنك يا يحيى وصدق نبيي، إلا أنك خلطت علي في دار الدنيا.\rباب الحزن\rقال الله تعالى: \" وقالوا الحمد الله الذي أذهب عنا الحزن \" .\rأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد، قال: أخبرنا علي بن جيش قال: حدثنا أحمد بن عيسى قال: حدثنا ابن وهب قال: حدثنا أسامة بن زيد الليثي، عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت عطاء بن يسار قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" ما من شيء يصيب العبد المؤمن، من وصب، أو نصب، أو حزن، أو ألم يهمه إلا كفر الله تعالى عنه من سيئاته \" .\rالحزن: حال يقبض القلب عن التفرق في أودية الغفلة.\rوالحزن من أوصاف أهل السلوك.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله تعالى، يقول: صاحب الحزن يقطع من طريق الله في شهر مالا يقطعه من فقد حزنه سنين، وفي الخبر: \" إن الله يحبُّ كل قلب حزين \" .\rوفي التوراة: \" إذا أحب الله عبداً جعل في قلبه نائحة، وإذا بغض عبداً جعل في قلبه مزماراً \" .\rوروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متواصل الأحزان دائم الفكر.\rوقال بشر بن الحارث.\rالحزن ملك، فإذا سكن في موضع لم يرض أن يساكنه أحد.\rوقيل: القلب إذا لم يكن فيه حُزن خرب، كما أنَّ الدار إذا لم يكن فيها ساكن تخرب.\rوقال أبو سعيد القرشي: بكاء الحزن يعمى، وبكاء الشوق يعشي البصر ولا يعمي: قال الله تعالى: \" وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم \" .\rوقال ابن خفيف: الحزن: حصر النفس عن النهوض في الطرب.\rوسمعت رابعة العدوية رجلاً يقول: واحزناه! فقالت: قل: واقلة حزناه، لو كنت محزوناً لم يتهيأ لكن أن تتنفس.\rوقال سفيان بن عيينه: لو أن محزوناً بكى في أمَّة لرحم الله تعالى تلك الأمَّة ببكائه.\rوكان داود الطائي الغالب عليه الحزن، وكان يقول بالليل: إلهي، همك عطل على الهموم، وحال بيني وبين الرقاد.\rوكان يقول: \" كيف يتسلى من الحزن من تتجدد عليه المصائب في كل وقت؟ \" .\rوقيل: الحزن: يمنع من الطعام، والخوف: يمنع من الذنوب.\rوسئل بعضهم: بم يستدل على حزن الرجل؟ فقال: بكثرة أنينه.\rوقال سري السقطي: وددت أن حزن كل الناس ألقي علي.\rوتكلم الناس في الحزن، فكلهم قالوا: إنما يحمد حزن الآخرة، وأما حزن الدنيا فغير محمود، إلا أبا عثمان الحيري، فإنه قال: الحزن بكل وجه فضيلة، وزيادة للمؤمن، ما لم يكن بسبب معصية، لأنه إن لم يوجب تخصيصاً فإنه يوجب تمحيصاً.\rوعن بعض المشايخ أنه كان إذا سافر واحد من أصحابه يقول له: إن رأيت محزوناً، فاقرئه مني السلام.\rسمعت الأستاذ أبا عليَّ الدقاق يقول: كان بعضهم يقول للمشس عند غروبها، هل طلعت اليوم على محزون؟ وكان الحسن البصري لا يراه أحد إلا ظن أنه حديث عهد بمصيبة.\rوقال وكيع لما مات الفضيل، ذهب الحزن اليوم من الأرض.\rقال بعض السلف، أكثر ما يجده المؤمن في صحيفته من الحسنات لهم. الحزن.\rسمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول: سمعت علي بن بكران يقول: سمعت محمد بن علي المروزي يقول، سمعت أحمد بن أبي روح يقول: سمعت أبي يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: كان السلف يقولون: إن على كل شيء زكاة وزكاة العقل طول الحزن.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن أحمد الفراء يقول: سمعت أبا الحسين الوراق يقول، سألت أبا عثمان الحيري يوماص عن الحزن فقال: الحزين لا يتفرغ إلى سؤال الحزن، فاجتهد في طلب الحزن، ثم سل.\r؟باب الجوع وترك الشهوة قال الله تعالى: \" ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع \" .\rثم قال في اخر الآية: \" وبشر الصابرين \" فبشرهم بجميل الثواب على الصبر على مقاساة الجوع.\rوقال تعالى: \" ويؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة \" .","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"أخبرنا علي بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا أحمج بن عبيد الصفَّار قال: حدثنا عبد الله بن أيوب قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال: حدثنا أبو هاشم صاحب الزعفراني قال: حدثنا محمد بن عبد الله، عن أنس بنمالك أنه حدثه قال: \" جاءت فاطمة، رضي الله عنها، بكسرة خبز لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذه الكسرة يا فاطمة؟ \" .\rقالت: قرص خبزته، ولم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة.\rفقال: أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام.\rوفي بعض الروايات: جاءت فاطمة، رضي الله عنها، بقرص شعير.\rولهذا كان الجوع من صفات القوم، وهو أحد أركان المجاهدة، فإن أرباب السلوك تدرجوا إلى اعتياد الجوع والإمساك عن الأكل، ووجدوا ينابيع الحكمة في الجوع، وكثرت الحكايات عنهم في ذلك.\rسمعت محمد بن أحمد بن الصوفيَّ يقول: سمعت عبد الله بن علي التميمي يقول: سمعت ابن سالم يقول: أدب الجوع أن لا ينقص من عادته إلا مثل أذن السنور.\rوقيل: كان سهل بن عبد الله لا يأكل الطعام إلا في كل خمسة عشر يوماً؛ فإذا دخل شهر رمضان كان لا يأكل حتى يرى الهلال، وكان يفطر كل ليلة على الماء القراح.\rوقال يحيى بن معاذ: لو أن لجوع يباع في السوق لما كان ينبغي لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره.\rأخبرنا محمد بن عبد الله بن عبيد الله قال: حدثنا علي بن الحسين الأرجاني قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد الأصطخري بمكة - حرسها الله تعالى - قال: قال سهل بن عبد الله: لما خلق الله تعالى الدنيا جعل في الشبع: المعصية والجهل، وجعل في الجوع: العلم والحكمة.\rوقال يحيى بن معاذ: الجوع للمريدين رياضة، وللتائبين تجربة، وللزهاد سياسة، وللعارفين مكرُمة.\rسمعت الأستاذ أبا عليِّ الدَّقاق، رحمه الله، يقول: دخل بعضهم على بعض الشيوخ، فرآه يبكي، فقال له: مالك تبكي؟ فقال: إني جائع.\rفقال: ومثل يكبي من الجوع؟! فقال: أسكت، أما علمت أن مراده من جوعي أن أبكي.\rسمعت أبا عبد الله الشيرازي، رحمه الله، يقول: حدَّثنا محمد بن بشر قال: حدَّثنا الحسين بن منصور قال: حدَّثنا دود بن معاذ قال: سمعت مخلداً يقول: كان الحجاج بن فرافصة معنا بالشام، فمكث خمسين ليلة لا يشرب الماء، ولا يشبع من شيء يأكله.\rوسمعته يقول: سمعت أبا بكر الغزالي يقول: سمعت محمد بن علي يقول: سمعت أبا عبد الله أحمد بن يحيى الجلاء يقول: دخل أو تراب النخشي من بادية البصرة مكة - حرسها الله تعالى - فسألناه عن أكله، فقال: خرجت من البصرة.. وأكلت بنباج. ثم بذات عرق.. ومن ذات عرق إليكم فقطع البادية بأكلتين.\rوسمعته يقول: حدثنا علي بن النحاس المصري قال: حدثنا هارون بن محمد الدقاق قال: حدثنا أبو عبد الرحمن بن الدرقش قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت عبد العزيز بن عمير يقول: نجوَّع صنف من الطير أربعين صباحاً، ثم طاروا في الهواء، فرجعوا بعد أيام، فكان يفوح منهم رائحة المسك.\rوكان سهل بن عبد الله إذا جاع قوي، وإذا أكل شيئاً ضعف.\rوقال أبو عثمان المغربي: الرَّباني لا يأكل في أربعين يوماً، والصمداني في ثمانين يوماً.\rوسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله يقول: سمعت محمد ابن العلوي يقول: سمعت علي بن إبراهيم القاضي بدمشق، يقول سمعت محمد بن علي بن خلف يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع.\rسمعت محمد بن عبد الله بن عبيد الله يقول: سمعت علي بن الحسين الأرجاني يقول: سمعت أبا محمد الإصطخري يقول: سمعت سهل بن عبد الله، وقيل له: الرجل يأكل في اليوم أكلة، فقال أكل الصديقين. قال: فأكلتين. قال: أكل المؤمنين. قال: فثلاثة: قال: قل لأهلك يبنون لك معلفاً.\rوسمعته يقول: حدثنا عبد العزيز بن الفضل قال: حدثنا أبو بكر السائح قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: الجوع نور، والشبع نار، والشهوة مثل الحطب يتولد منه الاحتراق، ولا تطفأ ناره حتى يحرق صاحبه.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج العلومي يقول: دخل يوماً رجل من الصوفية على شيخ، فقدم إليه طعاماً.. ثم قال له: منذ كم يوم لم تأكل؟.\rفقال: منذ خمسة ايام. فقال جوعك جوع بخل!! عليك ثياب وأنت تجوع؟! ليس هذا جوع فقر!.","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن أحمد بن سعيد الرازي يقول: سمعت العباس بن حمزة يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: قال أبو سليمان الداراني: لأن أترك من عشائي لقمة أحب إلي من أن أقوم الليل إلى آخره.\rوسمعته يقول سمعت أبا القاسم جعفر بن أحمد الرازي يقول: اشتهى أبو الخير العسقلاني السمك سنين، ثم ظهر له ذلك من موضع حلال، فلما مد يده إليه ليأكل أخذت شوكة من عظامه أصبعه، فذهبت في ذلك يده، فقال: يا رب، هذا لمن مد يده بشهوة لى حلال، فكيف بمن مد يده بشهوة إلى حرام؟ سمعت الأستاذ أبا بكر بن فورك يقول: شغل العيال نتيجة متابعة الشهوة بالحلال. فما ظنك بقضية شهوة الحرام؟.\rسمعت رستم الشيرازي الصوفي يقول: كان أبو عبدالله بن خفيف في دعوة فمدَّ واحد من أصحابه يده إلى الطعام قبل الشيخ، هذا كان به من فأراد بعض أصحاب الشيخ أن ينكروا عليه لسوء أدبه، حيث مدَّ يده إلى الطعام قبل الشيخ، فوضع شيئاً بين يدي هذا الفقير، فعلم الفقير أنه أنكر عليه لسوء أدبه، فاعتقد أن لا يأكل خمسة عشر يوماً، عقوبة لنفسه، وتأديباً لها، وإظهاراً لتوبته من سوء أدبه وكان قد أصابته فاقة قبل ذلك.\rسمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول: حدثنا أبو الفرج الورثاني قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث قال: حدثنا سليمان بن داود قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك ابن دينار يقول: من غلب شهوات الدنيا فذلك الذي يفرق الشيطان من ظله.\rوسمعته يقول: سمعت منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام أنا جائع فالزموه السوق، وأمروه بالكسب.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، يقول، حاكياً عن بعض المشايخ أنه قال: ن أهل النار غلبت شهوتهم حميتهم، فلذلك افتضحوا.\rوسمعته يقول: قيل لبعضهم: ألا تشتهي؟ فقال: أشتهي ولكن أحتمي.\rقال: وقيل لبعضهم: ألا تشتهي؟ فقال: اشتهي أن لا أشتهي وهذا تم.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: أخبرنا أحمد بن منصور قال: أخبرنا ابن مخلد قال: حدثنا أبو الحسين الحسن بن عمرو بن الجهم قال: سمعت أبا نصر التمار، يقول: أتاتي بشر ليلة، فقلت: الحمد الله الذي جاء بك: جاءنا قطن من خراسان فغزلته البنت، وباعته، واشترت لنا لحماً، فتفطر عندنا.\rفقال: لو أكلت عند أحد أكلت عندكم ثم قال: إني لأشتهي الباذنجان منذ سنين، ولم يتفق لي أكله!! فقلت: إن فيها الباذنجان من الحلال. فقال: حتى يصفو لي حب الباذنجان.\rسمعت عبد الله بن باكويه الصوفي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا أ؛مد الصغير يقول: أمرني أبو عبد الله بن خفيف أن أقدم إليه كل ليلة عشر حبات زبيب، لإفطاره، فليلة اشفقت عليه، فحملت إليه خمس عشرة حبة، فنظر إلي وقال: من أمرك بهذا؟ وأكل عشر حبات، وترك الباقي.\rسمعت محمد بن عبد الله بن عبيد الله يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن الفرغاني يقول: سمعت أبا الحسين الرازي يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت أبا تراب النخشبي يقول: ما تمنعت نفسي من الشهوات، إلا مرة واحدة، تمنت خبزاً وبيضاً وأنا في سفر، فعدلتُ إلى قرية، فقام واحد وتعلق بي وقال: هذا كان مع اللصوص. فضربوني سبعين درة. ثم عرفني رجل منهم، فقال: هذا أبو تراب النخشبي!! فاعتذروا إلي، فحملني رجل إلى منزله، إكراماً لي، وشفقة علي.. وقدم لي خبزاً وبيضاَ، فقلت لنفسي: كلي بعد سبعين درة!\rباب الخشوع والتواضع\rقال الله تعالى: \" قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون \" .\rأخبرنا أبو الحسن عبد الرحيم بن إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي، قال: أخبرنا أبو الفضل سفيان بن محمد الجوهري، قال حدثنا علي بن الحسين قال: حدثنا يحيى بن حماد قال: حدثنا شعبة، عن أبان بن ثعلب، عن فضل الفقيمي، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من قلبه مثقال ذرَّة من إيمان، فقال رجل يا رسول الله، إن الرجل يحب أن يكون ثوبة حسناً. فقال: إن الله تعالى جميل يحب الجمال، الكبر من بطر الحق، وغمص الناس \" .","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"وأخبرنا علي بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري، قال: حدثنا محمد بن الفضل بن جابر قال حدثنا أبو إبراهيم قال: حدثنا علي ابن مسهر، عن مسلم الأعور، عن أنس بن مالك، قال: \" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض، ويشيع الجنائز، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد، وكان يوم قريظة ولانضير على حمار مخطوم بحبل من ليف. عليهإكاف من ليف \" .\rالخشوع: الانقياد للحق.\rوالتواضع: هو الاستسلام للحق، وترك الاعتراض على الحكم.\rوقال حذيفة: أول ما تفقدون من دينكم: الخشوع.\rوسئل بعضم عن الخشوع، فقال: الخشوع: قيام القلب بين يدي الحق، سبحانه، بهم مجموع.\rوقال: من علامات الخشوع للعبد: أنه إذا أغضب أو خولف، أو رد عليه أن يستقبل ذلك بالقبول.\rوقال بعضهم: خشوع القلب: قيد العيون عن النظر.\rوقال محمد بن علي الترمذي: الخاشع من خمدت نيران شهوته، وسكن دخان صدره، وأشرق نور التعظيم في قلبه، فماتت شهوته، وحيي قلبه؛ فخشعت جوارحه.\rوقال الحسن البصري: الخشوع: الخوف الدائم اللازم للقلب.\rوسئل الجنيد عن الخشوع، فقال: تذلل القلوب لعلام الغيوب.\rقال الله تعالى: \" وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً \" سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول ما معناه: متواضعين، متخاشعين.\rوسمعته يقول: هم الذين لا يستحسنون شِسع نعالهم إذا مشوا.\rواتفقوا على أن الخشوع محله القلب.\rورأى بعضهم رجلاً منقبض الظاهر، منكسر الشاهد، قد زوى منكبيه، فقال له: يا فلان، الخشوع هاهنا، وأشار إلى صدره، لا هاهنا وأشار إلى منكبيه.\rوروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي رجلاً يعبث في صلاته بلحيه، فقال: \" لو خشع قلب هذه لخشعت جوارحه \" .\rوقيل، شرط الخشوع، في الصلاة أن لا يعرف من على يمينه ومن على شماله.\rقال الأستاذ الإمام: ويحتمل أن يقال: الخشوع، إطراق السريرة بشرط الأدب بمشهد الحق سبحانه وتعالى.\rويقال: الخشوع، ذبول يرد على القلب عنداطلاع الرب.\rويقال: الخشوع، ذوبان القلب وانخناسه عند سلطان الحقيقة.\rويقال: الخشوع، مقدمات غلبات الهيبة.\rويقال: الخشوع: قشعريرة ترد على القلب بغتة عند مفاجأة كشف الحقيقة.\rوقال الفضيل بن عياض: كان يكره أن يرى على الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه.\rوقال أبو سليمان الداراني: لو أجتمع الناس على أن يضعوني كاتضاعي عند نفسي لما قدروا عليه.\rوقيل: من لم يتضع عند نفسه لم يتضع عند غيره.\rوكان عمر بن عبد العزيز لا يسجد إلى على التراب.\rأخبرنا علي بن أحمد الأهوازي قال: حدَّثنا أحمد بن عبيد البصري، قال: حدَّثنا إبراهيم بن عبد الله، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن يزيد الفرائض، قال: حدثنا محمد بن كثير، وهو المصيصي، عن هارون بن حيان، عن حصيف، عن سعيد بن جبير، عن أبن عباس، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر \" .\rوقال مجاهد، رحمه الله: لما أغرف الله سبحانه، قوم نوح شمخت الجبال، وتواضع الجودي، فجعله الله سبحانه، قراراً لسفينة نوح عليه السلام.\rوكان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يسرع في المشي، ويقول: إنه أسرع للحاجة، وأبعد من الزهو.\rوكان عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، يكتب ليلة شيئاً، وعند ضيف، فكاد السراج. ينطفىء، فقال الضيف: أقوم إلى المصباح فأصلحه، فقال: لا: ليس من الكرم استخدام الضيف.\rقال: فأنبِّه الغلام.\rقال: لا، هي أول نومة نامها.\rفقالم إلى البطة، وجعل الدهن في المصباح، فقال الضيف: قمت بنفسك يا أمير المؤمنين!! فقال له عمر: ذهبتُ وأنا عمر، ورجعت وأناعمر.","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"وروي أبو سعيد الخدري، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يعلف البغير، ويقم البيت، ويخصف النعل، ويرقع الثوب، ويحلب الشاة، ويأكل مع الخادم، ويطحن معه إذا أعيا، وكان لا يمنعه الحياء أن يحمل بضاعته من السوق إلى أهله، وكان يصافح الغني والفقير، ويسَّلم مبتدئاً، ولا يحتقر ما دعي إليه، ولو إلى حشف التمر، وكان هين المؤنة، لين الخلق؛ كريم الطبيعة جميل المعاشرة، طلق الوجه، بساماً من غير ضحك، محزوناً من غير عبوسة؛ متواضعاً من غير مذلة؛ جواداً من غير سرف، رقيق القلب؛ رحيماً بكل مسلم، لم يتجشأ قط من شبع؛ ولم يمد يده إلى طمع \" .\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي؛ رحمه الله يقول: سمعت عبد الله بن محمد الرازي يقول: سمعت محمد بن نصر الصائغ يقول: سمعت مردويه الصائغ يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: قراء الرحمن، عز وجل، أصحاب خشوع وتوضاع، وقراء القضاة أصحاب عجب وتكبر.\rوقال الفضيل بنعياض: من رأى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب.\rوسئل الفضيل عن التواضع، فقال: تخضع للحق، وتنقاد له وتقبله ممن قاله.\rوقال الفضيل: أوحى الله؛ سبحانه وتعالى؛ إلى الجبال: أني مكلم على واحد منكم نبياً. فتطاولت الجبال؛ وتواضع طورسينا؛ فكلم الله سبحانه علية موسى، عليه السلام، لتواضعه.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أحمد بن علي بن جعفر، يقول: سمعت إبراهيم بن فاتك، يقول: سئل الجنيد عن التواضع؛ فقال: خفض الجناح للخلق؛ ولين الجانب لهم.\rوقال وهب: مكتوب في بعض ما أنزل الله تعالى من الكتب: \" إني أخرجت الذر من صلب آدم، فلم أجد قلباً أشدَّ تواضعاً من قلب موسى عليه السلام، فلذلك اصطفيته وكلمَّته \" .\rوقال ابن المبارك: التكبير على الأغنياء، والتواضع للفقراء من التواضع.\rوقيل لأبي يزيد: متى يكون الرجل متواضعاً؟ فقال: إذا لم ير لنفسه مقاماً ولا حالاً؛ ولا يرى أن في الخلق من هو شر منه.\rوقيل: التواضع نعمة لا يحسد عليها، والكبر محنة لا يرْحم عليها، والعزُّ في التواضع فمن طلبه في الكبر لم يجده.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله يقول: سمعت إبراهيم بن شيبان يقول: الشرف في التواضع، والعزُّ في التقوى، والحرية في القناعة.\rوسمعته أياَ يقول: سمعت الحسن الساوي يقول: سمعت ابن الأعرابي يقول: بلغني أنَّ سفيان الثوري قال: أعز الخلق خمسة أنفس: عالم زاهد، وفقيه صوفي، وغني متواضع، وفقير شاكر، وشريف سُنى.\rوقال يحيى بن معاذ: التواضع حسن في كلِّ أحد لكنه في الآغنياء أحسن، والتكبر سمج في كل أحد لكنه في الفقراء أسمج!! وقال ابن عطاء: التواضع: قبول الحقِّ ممن كان.\rوقيل: ركب زيد بن ثابت، فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه، فقال ل مَه يا ابن عمِّ رسول الله. فقال هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا. فأخذ زيد بن ثابت يد ابن عباس فقبلها، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوقال عروة بن الزبير: رأيت عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وعلى عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا ينبغي لك هذا!! فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين، دخلتْ في نفسي نخوة فأحببتُ أن أكسرها. ومضى بالقربة إلى حجرة امرأة من الأنصار فأفرغها في إنائها.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج الطوسي يقول: رؤي أبو هريرة، وهو أمير المدينة، وعلى ظهره حزمة حطب، وهو يقول: طرقوا للأمير.\rوقال عبد الله الرازي: التواضع ترك التمييز في الخدمة.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن أحمد بن هارون يقول: سمت محمد بن العباس الدمشقي يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: من رأى لنفسه قيمة لم يذق حلاوة الخدمة.\rوقال يحيى بن معاذ: التكبر على من تكبر عليك بمالة تواضع.\rوقال الشبلي رحمه الله: دلي عطِّل ذل اليهود.\rوجاءه رجل، فقال له الشبلي: ما أنت؟ فقال: يا سيدي النقطة التي تحت الباء.\rفقال له: أنت شاهدي، ما لم تجعل لنفسك مقاماً.\rوقال ابن عباس، رشي الله عنهما، من التواضع أن يشرب الرجل من سؤر أخيه.\rوقال بشر: سلموا على أبناء الدنيا بترك السلام عليهم.","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"وقال شعيب بن حرب: بينا أنا في الطواف إذ لكزني إنسان بمرفقه، فالتفت إليه، فإذا هو الفضيل بن عيضا، فقال: يا أبا صالح، إن كنت تظن أنه شهد الموسم شر مني ومنك فبئس ما ظننت!! وقال بعضهم: رأيت في الطواف إنساناً بين يديه شاكريه يمنعون الناس لأجله عن الطواف.. ثم رأيته بعد ذلك بمدة على جسر بغداد يسأل الناس شيئاً. فتعجبت منه، فقال لي: أنا تكبرت في موضع يتواضع الناس هناك، فابتلاني الله، سبحانه، بالتذلل في موضع يترفع فيه الناس.\rوبلغ عمر بن عبد العزيز أن ابناً له اشترى فصاً بألف درهم فكتب إليه عمر: \" بلغني أنك اشتريت فصا بألف درهم، فإذا أتاك كتابي هذا فبع الخاتم، وأشبع ألف بطن واتخِّذ خاتماً من درهمين، واجعل واكتب عليه \" رحم الله أمرءاً عرف قدر نفسه \" .\rوقيل: عرض على بعض الأسراء مملوك بألف درهم، فلما أحضر الثمنَ استكثره فبدا له في شرائه فردَّ الثمن إلى الخزانة! فقال العبد: يا مولاي، اشترني، فإن فيَّ بكل درهم من هذه الدراهم خصلة تساوي أكثر من ألف درهم، فقال: وما هي؟ فقال: أقلها وأدناها مالو اشتريتني وقدمتني على جمع مماليكن لا أغلظ في نفسي، وأعلم أني أنا عبدك. فاشتراه.\rوحكي عن رجاء بن حيوة أنه قال: قوَّمت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو يخطب بإثني عشر درهماً؛ وكانت: قباء، وعمامة، وقميصاً، وسرويل، وخفين، وقلنسوة.\rوقيل: مشى عبد الله بن محمد بن واسع مشياً لا يحمد فقال له أبوه: وتدري بكم اشتريتُ أمك بثلاثمائة درهم، وأبوك لا أكثر الله في المسلمين مثله أباً، وأنت تمشي هذه المشية!! سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أحمد بن الفراء يقول: سمعت عبد الله بن منازل يقول: سمعت حمدون القصار يقول: التواضع: أن لا ترى لأحد إلى نفسك حاجة، لا في الدين، ولا في الدنيا.\rوقال إبراهيم بن أدهم: ما سررت في إسلامي إلا ثلاث مرات: مرة كنت في سفينة، وفيها رجل مضحك كان يقول: كنا نأخذ العلج في بلاد الترك هكذا وكان يأخذ بشعر رأسي، ويهزني، فيسرني ذلك؛ لأنه لم يكن في السفينة أحدٌ أحقر في عينه مني.\rوالأخرى: كنت عليلاً في مسجد، فدخل المؤذن، وقال: أخرج. فلم أطق، فأخذ برجلي وجرني إلى خارج المسجد.\rوالثالثة: كنت بالشام، وعليَّ فرو، فنظرت فيه فلم أميز بين شعره وبين القمل، لكثرته، فسرني ذلك.\rوفي حكاية أخرى عنه قال: ما سررت بشيء كسروري أني كنت يوماً جالساً فجاء إنسان وبال علي.\rوقيل: تشاجر أبو ذر وبلال، رضي الله عنهما، فعير أبو ذكر بلالاً بالسواد. فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابا ذر، إنه بقي في قلبك منكبر الجاهلية شيء.\rفالقى أبو ذرِّ نفسه.. وحلف أن لا يرفع رأسه حتى يطأ بلال خده بقدمه. فلم يرفع حتى فعل بلال ذلك.\rومر الحسن بن علي، رضي الله عنهما، بصبيان معهم كسر خبز، فاستضافوه، فنزل، وأكل معهم. ثم حملهم إلى منزله، وأطعمهم، وكساهم، وقال: اليد لهم، لأنهم لم يجدوا غير ما أطعموني،ونحن نجد أكثر منه.\rوقيل: قسم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، الحلل بين الصحابة من غنيمة، فبعض إلى معاذ حلة يمانية، فباعها واشترى ستة أعبد، وأعتقهم. فبلغ عمر ذلك، فكان يقسم الحلل بعده؛ فبعث إليه حلة دون تلك، فعاتبه معاذ، فقال له عمر: لا معاتبة، لأنك بعت الأولى.\rفقال معاذ: وما عليك. ادفع إلي نصيبي، وقد حلفت لأضربن بها رأسك.\rفقال عمر: هذا رأسي بين يديك، وقد يرفُق الشيخ بالشيخ.\rباب مخالفة النفس\rوذكر عيوبها قال الله تعالى: \" وأما من خاف مقام ربه وهى ونهى النفس عن الهوى؛ فإن الجنة هي المأوى \" .\rأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن عبيد قال: أخبرنا تمام قال: حدثنا محمد بن معاوية النيسابوري قال: حدثنا علي بن أبي علي بن عتبة بن أبي لهب، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" أخوف ما أخاف علي أمتي: باع الهنى، وطول الأمل، فأما انباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة \" .\rثم اعلم أن مخالفة النفس رأس العبادة. وقد سئل الشايخ عن الإسلام، قالوا: ذبح النفس بسيوف المخالفة.\rواعلم أن من نجمت طوارق نفسه أفلت شوارق أنسه.","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"وقال ذو النون المصري: مفتاح العبادة:الفكرة، وعلامة الإصابة: مخالفة النفس والهوى، ومخالفتهما ترك شهواتهما.\rوقال ذو النون المصري: مفتاح العبادة للفكر، وعلامة الإصابة: مخالفة النفس والهوى، ومخالفتهما ترك شهواتهما.\rوقال ابن عطاء: النفس مجبلة على سوء الأدب، والعبد مأمور بملازمة الأدب، فالنفس تجري بطبعها في ميدان المخالفة، والعبد يردها بجهده عن سوء المطالبة، فمن أطلق عنانها فهو شريكها معها في فسادها.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا عبد الحمن الأنماطي يقول: سمعت الجنيد يقول: النفس الأمارة بالسوء: هي الداعية إلى المهالك، المعينة للأعداء، المتبعة للهوى، المتهمة بأصناف الأسواء.\rوقال أبو حفص: من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أيامه كان مغروراً ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها.\rوكيف يصح لعاقل: الرضا عن نفسه، والكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم الخليل، يقول: \" وما أبرىء نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء \" .\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت إبراهيم بن مقسم ببغداد يقول: سمعت ابن عطاء يقول: قال الجنيد: أوقت ليلة، فقمت إلى وردي، فلم أجد ما كنت أجده من الحلاوة والتلذذ بمناجاتي لربي، فتحير، فأردت القيام بما لم اقدر عليه، فقعدت، فلم أطق القعود، ففتحت الباب، وخرجت، فإذا رجل ملتف في عباءة مطروح على الطريق. فلما أحس بي، رفع رأسه، وقال: يا أبا القاسم، إلى الساعة فقلت: يا سيدي من غير موعد؟ فقال: بلى قد سألت محرك القلوب أن يحرك إلى قلبك.\rفقلت: فقد فعل فما حاجتك؟ فقال: متى يصير داء النفس دواءها؟ فقلت: إذا خالفت النفس هواها صار داؤها دواءها.\rفأقبل على نفسه، وقال: اسمعي، قد أجبتك بهذا الجواب سبع مرات فأبيت أن تسمعيه إلا من الجنيد، فقد سمعت، وانصرفت عني ولم أعرفه. ولم أقف عليه بعد.\rوقال أبو بكر الطمستاني: النعمة العظمى: الخروج من النفس؛ لأنه أعظم حجاب بينك وبين الله عز وجل.\rوقال سهل بن عبد الله: ما عبد الله بشيء مثل مخالفة النفس والهوى.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا عمر الأنماطي يقول: سمعت ابن عطاء، وقد سئل عن أقرب شيء إلى مقت الله تعالى، فقال:رؤية النفس وأحوالها، وأشدُّ من مطالعة الأعواض على أفعالها.\rوسمعته يقول: سمعت الحسين بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن نصير يقول: سمعت إبراهيم الخوَّاص يقول: كنت في جبل اللكام فرأيت رماناً فاشتهيته. فدنوت منه، فأخذت منه واحدة، فشققتها، فوجدتها حامضة، فمضيت، وتركت الرمان، فرأيت رجلا مطروحاً. قد اجتمع عليه الزنابير، فقلت:اللام عليك، فقال: وعليك السلام يا إبراهيم، فقلت له: وكيف عرفتني؟ فقال: من عرف الله تعالى،لا يخفى عليه شيء. فقلت: أرى لك حالا مع الله تعالى، فلو سألته أن يحميك ويقيك الأذى من هذه الزنابير؟ فقال: وأنا أرى لك حالا مع الله تعالى، فلو سألته أن يقيك شهوة الرمان!! فإن لدغ الرمان يجد الإنسان ألمه في الآخرة، ولدغ الزنابير يجد ألمه في الدنيا. فتركته، ومضيت.\rوحكي عن إبراهيم بن شيبان أنه قال: ما بت تحت سقف، ولا في موضع عليه غلق أربعين سنة، وكنت أشتهي في أوقات أن أتناول شبعة عدس، فلم، يتفق.. فكنت وقتاً بالشام، فحمل إلي غضارة فيها عدس، فتناولت منه، وخرجت... فرأيت قوارير معلقة فيها شيء شبه نموذجات .. فظننته خلا.. فقال لي بعض الناس: إيش تنظر هذه نموذجات الخمر؛ وهذه الدنان خمر.\rفقلت في نفسي: لزمني فرض.، فدخلت حانوت الخمار، ولم أزل أصب تلك الدنان وهو يتوهم أني أصبها بأمر السلطان.. فلما علم، حملني إلى ابن طولون.. فأمر بضري مائتي خشبة.. وطرحني في السجن.. فبقيت فيه مدَّة، حتى دخل أبو عبد الله المغربي أستاذي ذلك البلد؛ فشفع لي، فلما وقع بصره علي، قال: إيش فعلت؟ فقلت: شعبة عدس ومائتي خشبة فقال لي: نجوت مجاناً.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه الله، يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت جعفر بن نصير يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت السري السقطي يقول:","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"إن نفسي تطالبني، منذ ثلاثين سنة أو أربعين سنة، أن أغمس جزرة في دبس فما أطعتها.\rوسمعته يقول: سمعت جدي يقول: رضاه من نفسه بما هو فيه.\rوسمعته يقول: سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: سمعت الحسين ابن علي القرمسيني يقول: وجه عصام بن يوسف البلخي شيئاً إلى حاتم الأصمِّ، فقبله منه.\rفقيل له: لم قبلته؟.\rفقال: وجدت في أخذه ذليِّ وعزه، وفي رده عزي وذله؛ فاختر عزه على عزي وذلي على ذله.\rوقيل لبعضهم: إني أريد ن أحج على التجريد.\rفقال له: جرد أولاً قلبك عن السهو، ونفسك عن اللهو؛ ولسانك عن اللغو، ثم اسلك حيث شئت.\rوقال أبو سليمان الداراني: من أ؛سن في ليله كوفىء في نهاره، ومن أحسن في نهاره كوفىء في ليله، ومن صدق في ترك شهوة كفى مؤنتها، والله أكرم من أن يعذب قلباً ترك شهوة لأجله.\rوأوحى الله سبحانه إلى داود عليه السلام: يا داود، حذر، وأنذر أصحابك أكل الشهوات؛ فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة.\rورؤى رجل جالساً في الهواء، فقيل له: بم نلت هذا؟ فقال: تركت الهوى فسخر لي الهواء.\rوقيل: لو عرض للمؤمن ألف شهوة لأخرجها بالخوف، ولو عرض للفاخر شهوة واحدة لأخرجته من الخوف.\rوقيل: لا تضع زمامك في يد الهوى، فإنه يقودك إلى الظلمة.\rوقال يوسف بن أسباط: لا يمحو الشهوات من القلب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق.\rوقال الخواص: من ترك شهوة، فلم يجد عوضها في قلبه، فهو كاذب في تركها.\rوقال جعفر بن نصير: دفع إلى الجنيد درهماً وقال: اشتر لي به التين الوزيري، فاشتريته له، فلما أفطر أخذ واحدة ووضعها في فمه، ثم ألقاها، وبكى، وقال: إحمله.\rفقلت له في ذلك، فقال: هتف في قلبي أما تستحي؟ شهوة تركتها من أجلي ثم تعود إليها.\rوأنشدوا:\rنون الهوان من الهوى مسروقة ... وصريع كل هوى صريع هوان\rواعلم ن للنفس أخلاقاً ذميمة، فمن ذلك: الحسد.\rباب الحسد\rقال الله تعالى: \" قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق \" .\rثم قال: \" ومن شر حاسد إذا حسد \" .\rفختم السورة التي جعلها عوذة بذكر الحسد.\rأخبرنا أبو الحسين الأهوازي، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري قال: حدثنا اسماعيل بن الفضل قال: حدثنا يحيى بن مخلد، قال: حدثنا معاً في ابن عمران، عن الحارث بن شهاب، عن معبد، عن ابن مسعود قال: ن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث هنَّ أصل كل خطيئة فاتقوهن واحذروهن: إياكم والكبر، فإن إبليس حمله الكبر على أن لا يسجد لآدم.\rوإياكم والحرص، فإن آدم حمله الحرص على أن أكل من الشجرة.\rوإياكم والحسد، فإن ابني آدم إنما قتل أحدهما صاحبه حسداً.\rوقال بعضهم: الحاسد جاحد، لأنه لا يرضى بقضاء الواحد.\rوقيل: الحسود لا يسود.\rوقيل في قوله تعالى: \" قل نما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن \" ، قيل ما بطن: الحسد. وفي بعض الكتب: الحاسد عدو نعمتي.\rوقيل: أثر الحسد يتبين فيك قبل أن يتبين في عدوك.\rوقال الأصمعي: رأيت أعرابياً أتى عليه مائة وعشرين سنة، فقلت له: ما أطول عمرك.\rفقال: تركتُ الحسد فبقيت.\rوقال ابن المبارك: الحمد لله الذي لم يجعل في قلب أميري ما جعله في قلب حاسدي.\rوفي بعض الآثار إن في السماء الخامسة ملسكاً يمر به عمل عبد، له ضوء كضوء الشمس، فيقول له الملك: قف فأنا ملك الحسد. اضرب به وجه صاحبه، فإنه حاسد.\rوقال معاوية: كل إنسان أقدر على أن أرضيه، إلا الحاسد، فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة.\rويقال: الحاسد ظالم غشوم، لا يبقي ولا يذر.\rوقال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد: غم دائم ونفس متتابع.\rوقيل: من علامات الحاسد أن يتعلق إذا شهد، ويغتاب إذا غاب، ويشمت بالمصيبة إذا نزلت.\rوقال معاوية: ليس في خلال الشرخلة أعدل من الحسد، تقتل الحاسد قبل المحسود.\rوقيل: أوحي الله، سبحانه، إلى سليمان بن داود، عليهما السلام: أوصيك بسبعة أشياء: لا تغتابن صالح عبادي، ولا تحسدن أحداً من عبادي. فقال سليمان: يا رب، حسبي.\rوقيل رأى موسى عليه السلام، رجلاً عند العرش فغبطه، فقال: ما صفته؟ فقيل: كان لا يحسد الناس على ما آناهم الله من فضله.\rوقيل: الحاسد إذا رأى نعمة بهت، وإذا رأى عثرة شمت.\rوقيل: إذا أردتَ أن تسلم من الحاسد، فلبس عليه أمرك.","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"وقيل: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له، بخيل بما لا يملكه.\rوقيل: إياك أن تتعنى في مودة من يحسدك، فإنه لا يقبل إحسانك وقيل. إذا أراد الله تعالى أن يسلط على عبد عدواً لا يرحمه سلط عليه حاسده: وأنشدوا:\rوحسبك من حادث بامري ... ترى حاسديه له راحمينا\rوأنشدوا:\rكلُّ العداوة قد ترجى إمانتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد\rوقال ابن المعتز:\rقل للحسود إذا تنفس: طعنة ... يا ظالماً وكأنه مظلوم\rوأنشدوا:\rوإذا أراد الله نشر فضيلةٍ ... طويت أتاح لها لسان حسود\rومن الأخلاق المذمومة للنفس: اعتياد الغيبة.\rباب الغيبة\rقال الله سبحانه: \" ولا يغتب بعضكم بعضاً، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً \" الآية.\rأخبرنا أبو سعيد محمد بن إبراهيم الإسماعيلي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين بن الحسن بن الخليل، قال: حدثنا علي بن الحسن قال: حدثنا إسحق بن عيسى ابن بنت داود بن أبي هند، قال حدثنا محمد بن أبي حميد، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة: أن رجلاً قام، وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك جالس، فقال بعض القوم: ما أعجز فلاناً، فقال صلى الله عليه وسلم: \" أكلتم أخاكم واغتبتموه \" .\rوأوحى الله، سبحانه، إلى موسى عليه السلام: \" من مات تائباً من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة، ومن مات مصراً عليها فهو أول من يدخل النار \" .\rوقال عوف: دخلت على ابن سيرين، فتناولت الحجاج، فقال ابن سيرين: إن الله، تعالى، حكم عدل؛ فكما يأخذ من الحجاج يأخذ للحجاج، وإنك إذا لقيت الله عز وجلَّ غداً كان أصغر ذنب أصبته أشدَّ عليك من أعظم ذبن أصابه الحجَّاج.\rوقيل: دعى إبراهيم بن أدهم إلى دعوة، فحضر، فذكروا رجلاً لم يأتهم، فقالوا: إنه ثقيل؟؟ فقال إبراهيم: إنما فعل بي هذا نفسي، حيث حضرت موضعاً يغتاب فيه الناس، فخرج، ولم يأكل ثلاثة أيام.\rوقيل: مثل الذي يغتاب الناس، كمثل من نصب منجنيقاً، يرمي به حسناتِه شرقاً وغرباً؛ يغتاب واحداً خراسانياً، وآخر تركياً، فيفرق حسناته، ويقوم لا شيء معه؟؟ وقيل: يؤتى العبد يوم كتابه، فلا يرى فيه حسنة، فيقول: أين صلاتي، وصيامي، وطاعتي؟؟؟ فيقال: ذهب عملك كله.\rوقيل: من اغتيب بغيبة غفر الله له نصف ذنوبه.\rوقال سفيان بن الحسين: كنت جالساً عند إياس بن معاوية، فنلت من إنسان.\rفقال لي: هل غزوت في هذا العام الترك والروم؟ فقلت: لا.\rفقال: سلم منك الترك والروم، وما سلم منك أخوك المسلم؟ وقيل: يعطى الرجل كتابه. فيرى فيه حسنات لم يعملها. فيقال له: ذا بما اغتابك الناس وأنت لم تشعر.\rوسئل سفيان الثوري عن قوله صلى الله عليه وسلم: \" إن الله يبغض أهل البيت اللحميين \" . فقال: هم الذين يغتابون الناس: يأكلون لحومهم.\rوذكرت الغيبة عند عبد الله بن المبارك، فقال: لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت والدي؛ لأنهما أحق بحسناتي: وقال يحيى بن معاذ: ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تسره فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه: وقيل للحسن البصري: إن فلاناً اغتابك: فبعث إليه طبق حلواء وقال: بلغني أنك أهديت إلى حسناتك، فكافأتك: أخبرنا علي بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري قال: أخبرنا أحمد بن عمرو القطوني قال: حدثنا سهل بن عثمان العسكري قال: حدثنا الربيع بن بدر، عن أبان، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له \" .\rسمعت حمزة بن يوسف السهمي يقول: سمعت أبا طاهر محمد بن أسيد الرقي يقول، سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول، قال الجنيد: كنت جالساً في مسجد الشونزية أنتظر جنازة أصلي عليها، وأهل بغداد، على طبقاتهم، جلوس ينتظرون الجنازة، فرأيت فقيراً عليه أثر النسك يسأل الناس، فقلت في نفسي؛ لو عمل هذا عملاً يصون به نفسه كان أجمل به.\rفلما انصرفت إلى منزلي، وكان لي شيء من الورد بالليل، حتى البكاء والصلاة وغير ذلك، فثقل على جميع أورادي. فسهرت وأنا قاعد، فغلبتني عيناني.. فرأيت ذلك الفقير.. جاءو به على خوان ممدود. وقالوا لي: كل لحمه؛ فقد اغتبته!. وكشف لي عن الحال، فقلت: ما اغتبته! إنما قلت في نفسي شيئاً، فقيل لي:","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"ماأنت ممن يرضى منك بمثله، إذهب فاستحله، فأصبحت ولم أزل أتردد حتى رأيته في موضع يلتقط من الماء، عند تزايد الماء، أورانا من البقل ما تساقط من غسل البقل، فسلمت عليه، فقال يا أبا القاسم، تعود؟ فقلت: لا.\rفقال: غفر الله لنا ولك.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه الله، يقول: سمعت أبا طاهر الإسفرايني يقول: سمعت أيا جعفر البلخي يقول: كان عندنا شابمن أهل بلخ، وكان يجتهد؛ ويتعبَّد؛ إلا أنه كان أبداً يغتاب الناس ويقول:فلان كذا، وفلان كذا، وفلان كذا،.. فرأيته يوماً عند المخنثين الغسالين، خرج من عندهم.\rفقلت: يا فلان، ما حالك؟ فقال: تلك الوقيعة في الناس أوقعتني إلى هذا، ابتليتُ بمخنث من هؤلاء، وأنا أخدمهم من أجله، وتلك الأحوال كلها ذهبت، فادع الله أن يرحمني.\rباب القناعة\rقال الله تعالى: \" من عمل صالحاً من ذكر أو أثنى وهو مؤمن فلنحييه حياة طيبة \" .\rأخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، قال: حدَّثنا أبو عمرو محمد بن جعفر بن مطر، قال: حدثنا محمد بن موسى الحلواني، قال: حدثنا عبد الله بن إبراهيم الغفاري، عن المنكدر بن محمد عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" القناعة كنزُ لا يفنى \" .\rأخبرنا أبو الحسن الأهوازي، قال: حدثنا أحمد بن عبيد البصري، قال: حدثنا عبد الله بن أيوب المقري قال: حدثنا أبو الربيع الزهراني؛ قال: حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن أبي رجاء؛ عن برد بن سنان، عن مكحول، عن وائلة بن الأسقع؛ عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قنعاً تكن أشكر الناس؛ وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً وأحسن من جاورك تكن مسلماً، وأقل الضحك، فن كثرة الضحك تميت القلب \" .\rوقيل: الفقراء أموات، إلا من أحياه الله تعالى بعزَّ القناعة.\rوقال بشر الحافي: القناعة: ملك لا يسكن إلا في قلب مؤمن.\rسمعت محمد بن الحسين يقول سمعت عبد الله بن محمد الشعراني يقول: سمعت اسحق بن إبراهيم بن أبي حسان الأنماطي يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: القناعة من الرضا بمنزلة الورع من الزهد، هذا أول الرضا وهذا أو الزُّهد.\rوقيل القناعة: السكون عد عدم المألوفات.\rوقال أبو بكر المراغي: العاقل من دبرَّ أمر الدنيا بالقناعة والتسويف وأمر الآخرة بالحرص والتعجيل، وأمر الدين بالعلم والاجتهاد.\rوقال أبو عبد الله بن خفيف: القناعة: ترك التشوف إلى المفقود، والاستغناء بالموجود.\rوقيل في معنى قوله تعالى: \" ليرزقنهم الله رزقاً حسناً \" يعني: القناعة.\rوقال محمد بن علي الترمذي: القناعةُ: رضا النفس بما قسم لها من الرزق.\rويقال: القناعة: الاكتفاء بالموجوج، وزوال الطمع فيما ليس بحاصل.\rوقال وهب: إن العزَّ والغنى خرجاً يجولان، يطلبان رفيقاً؛ فلقيا القناعة، فاستقرَّا.\rوقيل: من كانت قناعته سمينة طابت له كل مَرقه ومن رجع إلى الله تعالى على كل حال رزق الله القناعة.\rوقيل: مر أبو حازم بقصاب معه لحم سمين، فقال: خذ يا أبا حازم فإنه سمين. فقال: ليس معي درهم.\rفقال: أنا أنظرك. فقال: نفسي أحسن نظرة لي منك.\rوقيل لبعضهم: من أقناع الناس؟ فقال: أكثرهم لناس معونة، وأقلهم عليهم مؤونة.\rوفي الزبور: القانع غنى وإن كان جائعاً.\rوقيل: وضع الله تعالى خمسة أشياء في خمسة مواضع: العز في الطاعة، والذل في المعصية، والهيبة في قيام الليل، والحكمة في البطن الخالي، والغنى في القناعة.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت نصر ابن محمد يقول: سمعت سليمان بن أبي سليمان يقول: سمعت أبا القاسم بن أبي نزار يقول: سمعت إبراهيم المارستاني يقول: انتقم من حرّصك بالقناعة، كما تنتقم من عدوِّك بالقصاص.\rوقال ذو النون المصري: من قنع استراح من أهل زمانه، واستطال على أقرنه.\rوقيل: من قنع استراح من الشغل. واستطال على الكل.\rوقال الكتاني: من باع الحرص بالقناعة ظفر بالعزِّ والمروءة.\rوقيل: من تبعت عيناه ما في أيدي الناس طال حزنه.\rوأنشدوا:\rوأحسنُ بالفتى من يوما عار ... ينال به الغني كرم وجوع\rوقيل: رأى رجل حكيماً يأكل ما تساقط من البقال على راس ماء فقال:","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"لو خدمت السلطان لم تحتج إلى أكل هذا.\rفقال الحكيم: وأنت لو قنعت بهذا لم تحتج إلى خدمة السلطان.\rوقيل: \" العقاب عزيز في مطاره، لا يسمو إليه طرف صياج. ولا طعمه، فإذا طمع في جيفة علقت في حبالة، نزل من مطاره، فتعلق في حباله \" .\rوقيل: لما نطق موسى عليه السلام، بذكر الطمع فقال: \" لو شئت لاتخذت عليه أجراً \" .\rقال الخضر له: \" هذا فراق بيني وبينك \" .\rوقيل: لما قال ذلك موسى عليه السلام وقف بين يدي موسى والخضر، عليهما السلام ظبي وكانا جائعين، الجانب الذي يلي موسى عليه السلام غير مشوي، والجانب الذي يلي الخضر مشوي.\rوقيل في قوله تعالى: \" إن الأبرار لفي نعيم \" : هو القناعة في الدنيا، \" وإن الفجار لفي جحيم \" ، هو: الحرص في الدنيا.\rوقيل في قوله تعالى: \" فكُّ رقبة \" أي: فكرها من ذل الطمع.\rوقيل في قوله تعالى: \" إنما يردي الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت \" يعني: البخل، والطمع. \" ويطهركم تطهيراً \" يعني: بالسخاء والايثار.\rوقيل في قوله تعالى: \" هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي \" أي: مقاماً في القناعة انفرد به من أشكالي، وأكون راضياً فيه بقضائك.\rوقيل في قوله تعالى: \" لأعذبنه عذاباً شديداً \" يعني: لآسلبنه القناعة، ولأبتلينه بالطمع، يعني: أسأل الله تعالى، أن يفعل به ذلك.\rوقيل لأبي يريد: بم وصلت إلى ما وصلت؟ فقال: جمعت أسباب الدنيا، فربطتها بحبل القناعة، ووضعتها في منجنيق الصدق، ورميت بها في بحر اليأس فاسترحت.\rسمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول: سمعت محمد بن فرحان بسامرة يقول: سمعت خالي عبد الوهاب يقول: كنت جالساً عند الجنيد، أيام التبسم، وحوله جماعة كثيرون من العجم والمولدين.\rفجاءه إنسان بخمسمائة دينار، ووضعها بين يديه، وقال: تفرِّقها على هؤلاء الفقراء.\rفقال: ألك غيرها؟ فقال نعم، لي دنانير كثيرة. فقال: أتريد غير ما تملك؟ فقال: نعم: فقال له الجنيد، خذها، فإنك أحو إليها منَّا. ولم يقبلها.\rباب التوكل\rقال الله عز وجل: \" ومن يتوكل على الله فهو حسيه \" .\rوقال: \" وعلى الله فليتوكل المؤمنون \" .\rوقال: \" وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين \" .\rأخبرنا الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن أحمد الأصبهاني قال: حدثنا يونسف بن حبيب بن عبد القاهر قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش؛ عن عبد الله بن مسعود؛ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" أريت الأمم بالموسم، فرأيت أمتي قد ملئوا السهل والجبل، فأعجبني كثرتهم وهيئتهم، فقيل لي: أرضيت؟ فقلت: نعم. قال: ومع هؤلاء سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، لا يكتوون، ولا يتطيرون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن الأسدي، فقال: يا رسول الله، أدع أن يجعلني منهم.\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهمَّ اجعله منهم.\rفقال آخر، فقال: أدع الله أن يجعلني منهم، فقال صلى الله عليه وسلم: \" سبقك بها عكاشة \" .\rسمعت عبد الله بن يوسف الأصبهاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: سمعت أبا بكر الوجيهي يقول: قال أبو علي الروذباري قلت: لعمرو بن سنان: أحك عن سهل بن عبد الله حكاية،فقال إنه قال: علامة المتوكل ثلاث لا يسأل، ولا يرد، ولا يحبس.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله يقول: سمعت منصور ابن عبد الله يقول: سمعت أبا عبد الله الشرازي يقول: سمعت أبا موسى الديبلي يقول: قيل لأبي يزيد؛ ما التوكل؟ فقال لي: ما تقول أنت؟ فقلت: إن أصحابنا يقولون: لو أن السباع والأفاعي عن يمينك ويسارك ما تحرك لذلك سرك.\rفقال أب يزيد: نعم؛ هذا قريب؛ ولكن لو أن أهل الجنة في الجنة ينتعمون وأهل النار في النار يعذبون: ثم وقع لك تمييز عليهما خرجت من جملة التوكل.\rوقال سهل بن عبد الله: أول مقام في التوكل: نيكون العبد بين يدين الله عزَّ وجل كالميت بين يدي الغاسل، يقلبه كيف شاء؛ لا يكون له حركة ولا تدبير.\rوقال حمدون: التوكل: هو الاعتصام بالله تعالى.\rسمعت محمد بن الحسين يقول:سمعت أبا بكر محمد بن أحمد البلخي يقول: سمعت محمد بن حامد يقول: سمعت أحمد خضرويه يقول: قال رجل لحاتم الأصمَّ: من أين تأكل؟","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"فقال: \" ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون \" .\rواعلن أن التوكل محله القلب، والحركة بالظاهر لا تنافي التوكل بالقلب، بعدما تحقق العبد أن التقدير من قبل الله تعالى؛ فإن تعسر شيء فبتقديره، وإن اتفق شيء فبتيسيره.\rأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن عبيد البصري قال: حدثنا غيلان بن عبد الصمد قال: حدثنا إسماعيل بن مسعود الجحدري قال: حدثنا خالد بن يحيى قال: حدثنا عمي المغيرة بن أبي قرة، عن أنس بن مالك قال: \" جاء رجل على ناقة له، يا رسول الله، أدَعها وأتوكل؟. فقال: اعقلها وتوكلَّ \" .\rوقال إبراهيم الخواص:من صحَّ توكله في نفسه، صحَّ توكله في غيره.\rوقال بشر الجافي: يقول أحدهم: توكلت على الله، ويكذب على الله تعالى، لو توكلَّ على الله لرضي بما يفعله الله به.\rوسئل يحيى بن معاذ: متى يكون الرجل متوكلاً؟ فقال: إذا رضي بالله تعالى وكيلاً.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد ابن علي بن الحسين يقول: سمعت عبد الله بن محمد بن الصامت يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: بينما أنا أسير في البادية، وإذا بهاتف يهتف، فالتفت إليه، فإذا أعرابي يسير فقال لي: يا إبراهيم: التوكل عندنا: أقم عندنا حتى يصح توكلك، ألم تعلم أن رجاءك لدخول بلد فيه أطعمة يحملك؟، إقطع رجاءك عن البلدان، وتوكل.\rوسمعته يقول سمعت محمد بن أحمد الفلاسي يقول: سمعت ابن عطاء، وقد سئل عن حقيقة التوكل، فقال: أن لا يظهر فيك انزعاج إلى الأسباب مع شدة فاقتك إليها، ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع وقوفك عليها.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السرَّاج يقول: شرط التوكل ما قاله أبو تراب النخشبي، وهو: طرح البدن في العبودية، وتعلّق القلب بالربوبية، والطمأنينة إلى الكفاية، فإن أعطى شكر وإن منع صبر.\rوكما قال ذو النون: التوكل: ترك تدبير النفس، والإنخلاع منالحول والقوة، وإنما يقوي العبد على التوكل إذا علم أن الله سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمت أبا الفرج الورثاني يقول: سمعت أحمد بن محمد القرمسيني يقول: سمعت الكتانيِّ يقول: سمعت أبا جعفر ابن أبيالفرج يقول: رأيت رجلاًُ يعرف بجمل عائشة مع الشطار يضرب بالسياط، فقلت له: أيّ وقت يكون ألم الضرب عليكم أسهل؟ فقال: إذا كان منُ ضربنا لأجله يرانا.\rوسمعته يقول: سمعت عبد الله بن محمد يقول: قال الحسين بن منصور لإبراهيم الخواص: ماذا صنعت في هذه الأسفار، وقطع هذه المفوز؟ قال بقيت في التوكل أصحح نفسي عليه.\rفقال الحسين: أفنيت عُمرك في عمران باطنك، فأين الفناء في التوحيد.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السرَّاج يقول: التوكل: ما قاله أبو بكر الدقاق، وهو: رد العيش إلى يوم واحد، واسقاط همِّ غد.\rقال: وهو: كما قال سهل بن عبد الله، التوكل: الاسترسال مع الله تعالى، على ما يريد.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد ابن جعفر بن محمد يقول سمعت أبا بكر البرذعي يقول: سمعت أبا يعقوب النهرجوري يقول: الوكل على الله تعالى بكمال الحقيقة، ما وقع لإبراهيم، عليه السلام، في الوقت الذي قال لجبريل، عليه السلام: أما إليك فلا، لأنه غابت نفسه بالله تعالى، فلم يرمع الله غير الله عزَّ وجلَّ.\rوسمعت يقول: سمعت سعيد بن أحمد بن محمد يقول سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول، سمعت سعيد بن عثمان الخياط يقول، سمعت ذا النون المصري، وسال رجل فقال، ما التوكل. فقال: خلع الأرباب وقطع الأسباب.\rفقال السائل: زدني.\rفقال: إلقاء النفس في العبودية وإخراجها من الربوبية.\rوسمعته يقول: سمعت عبد الله بن محمد المعلم يقول. سمعت عبد الله ابن المبارك يقول: سمعت حمدون القصار، وسئل عن التوكل، فقال: إن كان لك عشرة آلاف درهم، وعليك دانق دين، لم تأمن أن تموت ويبقى ذلك في عنقك، ولو كان عليك عشرة آلاف درهم دين،ومن غير أن تترك لهاوفاء، لا تيأس من الله تعالى أن يقضيه عنك.\rوسئل أبو عبد الله القرشي عن التوكل فقال: التعلق بالله تعالى في كل حال.\rفقال السائل: زدني. فقال: ترك كل سبب يوصّل إلى سبب حتى يكون الحق هو المتولىِّ لذلك.","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"وقال سهل بن عبد الله: التوكل حال النبي صلى الله عليه وسلم، والكسبُّ سنته؛ فمن بقي على حاله، فلا يتركن سنتَّه: وقال أبو سعيد الخراز: التوكل: اضطراب بلا سكون، وسكون بلا اضطراب.\rوقيل: التوكل: أن يستوي عندك الإكثار والتقلل.\rوقال ابن مسروق: التوكُّل: الاستسلام لجريان القضاء والأحكام.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الله الرازيَّ يقول: سمعت أبا عثمان الحيري يقول: التوكل: الاكتفاء بالله، تعالى، مع الاعتماد عليه.\rوسمعته: يقول: سمعت محمد بن غالب يحكي عن الحسين بن منصور قال: المتوكل المحق لا يأكل شيئاً وفي البلد من هو أحق به منه.\rوسمعته يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت منصور بن أحمد الحربي يقول حكي لنا ابن أبي شيخ قال: سمعت عمر بن سنان يقول: اجتاز بنا إبراهيم الخواص، فقلنا له: حدثنا بأجب ما رأيته في أسفارك، فقال: لقيني الخضر عليه السلام، فسألني الصحبة، فخشيت أن يُفسد عليَّ توكلي بسكوني إليه. ففارقته.\rوسئل سهل بن عبد الله عن التوكل، فقال: هو قلب عاش مع الله تعالى بلا علاقة.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقَّاق، رحمه الله، يقول: للمتوكل ثلاث درجات: التوكل، ثم التسليم، ثم التفويض.\rفالمتوكل يسكن إلى وعده، وصاحب التسليم يكتفي بعلمه وصاحب التفويض يرضي بحكمه.\rوسمعته يقول: التوكل: بداية، والتسليم: واسطة، والتفويض نهاية.\rوسئل الدقاق عن التوكل، فقال: الأكل بلا طمع.\rوقال يحيى بن معاذ: لبس الصوف حانوت، والكلام في الزهد حرفة، وصحبة القوافل تعرض، وهذه كلها علاقات.\rوجاء رجل إلى الشبلي يشكو إليه كثرة العيال، فقال: ارجع إلى بيتك، فمن ليس رزقه على الله، تعالى، فاطرده عنك.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت أحمد بن عطاء يقول: قرأت على محمد بن الحسين؛ قال سهل بن عبد الله: من طعن في الحركة فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان.\rوسمعته يقول: سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول: سمعت جعفراً الخلدي يقول: قال إبراهيم الخواص: كنت في طريق مكة، فرأيت شخصاً وحشياً.. فقلت: جنى أم نسي؟ فقال: جنى. فقلت إلى أين؟ فقال: إلى مكة. فقلت: بلازاد؟ فقال. فينا أيضاً من يسفر على التوكل فقلت: إيش الوكل؟ فقال: الأخذ من الله تعالى.\rوسمته يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت الفرغاني يقول: كان إبراهيم الخواص مجرداً في التوكل، يدقق فيه، وكان لا يفارقه إبرة وخيوط وكورة. ومقراض فقيل له: يا أبا اسحاق، لم تحمل هذا وأنت تمتنع من كل شيء؟ فقال: مثل هذا لا ينقض التوكل، لأن الله، سبحانه، علينا فرائض، والفقير لا يكون عليه غلا ثوب واحد؛ فربَّما يتَّخرق ثوبه، فإن لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته، فتفسد عليه صلاته، وإذا لم يكن معه ركوة تفسد عليه طهارته، فإذا رأيتَ الفقير بلا ركوة ولا إبرة، ولا خيوط، فاتهمه في صلاته.\rوسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله؛ يقول: التوكل: صفة المؤمنين، والتسليم: صفة الأولياء، والتفويض: صفة الموحدِّين، فالتوكل: صفة العوامِّ، والتسليم: صفة الخواص: والتفويض صفة خواص الخواص.\rوسمعته يقول؛ التوكل صفة الأنبياء، والتسليم صفة إبراهيم عليه السلام، والتفويض: صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول: سمعت أبا جعفر الحدَّاد يقول: مكثت بضع عشرة سنة أعتقد التوكل وأنا أعمل في السوق، وآخذ كل يوم أجرتي؛ ولا أنتفع منها بشربة ماء، لا بدخلة حمام ولكن كنت أجيء بأجرتي إلى الفقراء في الشونزية وأكون مستمراً على حالي.\rوسمعته يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت الخواصَّ يقول: سمعت الحسين أخا سنان يقول: حججت اربع عشرة حجة، حافياً، على التوكل، فكان يدخل في رجلي شوكة فأذكر أني قد اعتقدت على نفسي التوكل، فأحكها في الأرض وأمشي.\rوسمعته يقول: سمعت محمد بن عبد الله الواعظ يقول: سمعت خيراً لنساج يقول: سمعت أب حمزة يقول: إني لأستحي من الله تعالى أن أدخل مادية وأنا شبعان، وقد اعتقدت التوكل، لئلا يكون سعي على الشبع زاداً أتزود به.. وسئل حمدون التوكل. فقال:","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"تلك درجة لم أبلغها بعد، وكيف يتكلم في التوكل من لم يصح له حال الإيمان؟ وقيل: المتوكل كالطفل، لا يعرف شيئاً يأوي إليه إلا ثدي أمه، كذلك المتوكل لا يهتدي إلى إلى ربه تعالى.\rوعن بعضهم قال؟ كنت في البادية فتقدمت القافلة فرأيت قدامي واحداً. فتسارعت حتى أدركته، فإذا هي امرأة بيدها عكاز، تمشي على التؤدة.. فظننت أنها أعيت، فأدخلت يدي في جيبي، فأخرجت عشرين درهما، فقلت: خذيها وامكثي حتى تلحقك القافلة فتكتري بها. ثم ائتيني الليلة حتى أصلح أمرك.\rفقالت: بيدها هكذا في الهواء، فإذا في كفها دنانير، فقالت: أنت أخذت الدراهممن الجيب، وأنا أخذت الدنانير من الغيب.\rورأى أبو سليمان الداراني رجلاً بمكة، لا يتناول شيئاً إلا شربة من ماء زمزم، فمضى عليه أيام، فقال له سليمان يوماً: أرأيت لو غارت زمزم إيش كنت تشرب؟ فقام، وقبل رأسه، وقال: جزاك الله خيراً، حيث أرشدتني، فإني كنت أعبد زمزم منذ أيام. ومضى.\rوقال إبراهيم الخواص: رأيت في طريق الشام شاباً حدثاً، حسن المراعاة، فقال لي: هل لك في الصحبة؟ فقلت: إني أجوع. فقال: إن جعتَ جعت معك.\rفبقينا أربعة أيام، ففتح علينا بشيء، فقلت: هلم. فقال: اعتقدت أني لا آخذ بواسطة فقلت: يا غلام دققت. فقال: يا إبراهيم، لا تتبهرج، فإن الناقد بصير، مالك والتوكل؟ ثم قال: أل التوكل: أن ترد عليك موارد الفاقات فلا تسمو نفسك إلا إلى من إليه الكفايات.\rوقيل: التوكل: نفي الشكوك، والتفويض إلى ملك الملوك.\rوقيل: دخل جماعة على الجنيد رحمه الله، فقالوا: أين نطلب الرزق؟ فقال:إن علمتم في أي موضوع هو، فقالوا: ندخل البيت فنتوكل؟ فقال: التجربة شك.\rقالوا: فما الحيلة؟ فقال: ترك الحيلة.\rوقال أبو سليمان الداراني لأحمد بن الحواري: يا أحمد، إن طرق الآخرة كثيرة، وشيخك عارف بكثير منها إلا هذا التوكل المبارك، فإني ما شممت منه رائحة.\rوقيل: التوكل: الثقة بما في يد الله تعالى، واليأس عما في أيدي الناس وقيل التوكل: فراغ السر عن التفكر في التقاضي في طلب الرزق.\rوسئل الحارث المحاسبي، رحمه الله، عن المتوكل: هل يلحقه طمع؟ فقال: يلحقه من طريق الطباع خطرات، ولا تضره شيئاً، ويقويه على إسقاط الطمع اليأس مما في أيدي الناس.\rوقيل: جاع النوري في البادية، فهتف به هاتف: أيما أحبُّ إليك: سبب أو كفاية.\rفقال: الكفاية ليس فوقها نهاية، فبقي سبعة عشر يوماً لم يأكل.\rوقال أبو علي الروذباري: إذا قال الفقير بعد خمسة أيام: أنا جائع، فالزموه السوق، ومروه بالعمل والكسب.\rوقيل: نظر أبو تراب النخشبي إلى صوفي مد يده إلى قشر بطيخ ليأكله بعد ثلاثة أيام.\rفقال له: لا يصلح لك التصوف إلزم السوق.\rوقال أبو يعقوب الأقطع البصري: جعت مرة بالحرم عشرة أيام فوجدت ضعفاً. فحدثتني نفسي، فخرجت إلى الوادي، لعلي أَجد شيئاً يسكن ضعفي.. فرأيت سلجمة مطروحة.. فأخذتها.. فوجدت في قلبي منها وحشة. وكأن قائلاً يقول لي: جعت عشرة أيام وآخره يكون حظك سلجمة متغيرة. فرميت بها ودخلت المسجد فقعدت، فإذا أنا برجل أعجمي، جلس بين يدي ووضع قمطرة، وقال: هذه لك.\rفقلت: كيف خصصتني بها؟ فقال: أعلم أنا كنا في البحر منذ عشر أيام. وأشرفت السفينة على الغرق:: فنذر كل واحد منا: إن خلصنا الله، تعالى، أن يتصدق بشيء، ونذرت أنا: إن خلصني الله تعالى أن أتصدق بهذه على أول من يقع بصري عليه من المجاورين وأنت أولُ من لقيته.\rفقلت: افتحها ففتحها، فإذا فيها: كعك سميد مصري، ولوز مقشور، وسكر كعاب فقبضت قبضته من ذا، وقبضة من ذا، وقبضة من ذا.\rوقلت ردَّ الباقي إلى صبيانك، هو هدية مني لكم، وقد قبلتها.\rثم قلت في نفسي: رزقك يسير إليك من عشرة أيام وأنت تطلبه من الوادي..\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: كنت عند ممشاد الدينوري، فجرى حيث الدَّين، فقال: كان علي دين. فاشتغل قلبي. فرأيت في النوم كأن قائلاً يقول: يا بخيل، أخذت علينا هذا المقدار، خذ؛ عليك الأخذ، وعلينا العطاء فما حاسبت بعد ذلك بقالاً، ولا قصاباً، ولا غيرهم.","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"ويحكى عن بنان الحمال، قال: كنت في طريق مكة حرسها الله أجيء من مصر، ومعي زاد، فجاءتني امرأة، وقالت لي: يا بنان، أنت حمال تحمل على ظهرك الزاد، وتتوهم أنه لا يرزقك؟؟. قال فرميت بزادي. ثم أتي على ثلاث لم آكل فوجدت خلخالا في الطريق.. فقلت في نفسي: أحمله حتى يجيء صاحبه، فربما يعطيني شيئاً فأرده عليه فإذا أنا بتلك المرأة، فقالت لي: أنت تاجر؟؟ تقول: حتى يجيء صاحبه فآخذ منه شيئاً؟ ثم رمت إليه شيئاً من الدراهم، وقالت: أنفقها فاكتفيت بها إلى قريب من مكة.\rويحكى عن بنان أنه أحتاج إلى جارية تخدمه، فانبسط إلى إخوانه فجمعوا له ثمنها، وقالوا: هو ذا، يجيء النفر فتشتري ما يوافقك.\rفلما ورد النفر، اجتمع رأيهم على واحدة، وقالوا: إنها تصلح له.\rفقالوا لصاحبها: بكم هذه؟ فقال: إنها ليست للبيع: فالحوا عليه، فقال: إنها لبنان الحمال، أهدتها إليه امرأة من سمرقند فحملت إلى بنان، وذكرت له القصة.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن الحسين المخزومي يقول: حدثنا أحمد بن محمد بن صالح قال: حدثنا محمد بن عبدون، قال: حدثنا الحسن الخياط قال: كنت عند بشر الحافيِّ، فجاء نفر فسلموا عليه، فقال: من أين أنتم.\rقالوا: نحن من الشام جئنا لنسلم عليك، ونريد الحج.\rفقال: شكر الله تعالى لكم فقالوا: تخرج معنا. فقال: بثلاث شرائط لا تحمل معنا شيئاً، ولا نسأل أحدً شيئاً، وإن أعطانا أحد شيئاً لا نقبله؟ قالوا: أما أن لا نحمل، فنعم. وأما أن لا نسأل، فنعم، وأما أن لا نقبل إن أعطينا، فهذا لا نستطيعه.\rفقال: خرجتم متوكلين على زاد الحجيج: ثم قال: يا حسن، الفقراء ثلاثة: فقير لا يسأل، وإن أعطى لا يأخذ، فذاك من جملة الروحانيين.\rوفقير لا يسأل، وإن أعطي قبل، فذاك مما يوضع له موائد في حظائر القدس.\rوفقير يسأل، وإن أعطي قبل قدر الكفاية، فكفارته صدقة.\rوقيل لحبيب العجمي: لم تركت التجارة؟ فقال: وجدت الكفيل ثقة.\rوقيل: كان في الزمن الأول رجل في سفر ومعه قرص، فقال: إن أكلت مت.\rفوكل الله تعالى به ملكاً، وقال: إن أكله فارزقه، وإن لم يأكله فلا تطه غيره، فلم يزل القرص معه حتى مات، ولم يأكل، وبقي عنده القرص.\rوقيل: من وقع في ميدان التفويض يزف إليه المراد كما نزف العروس إلى أهلها، والفرق بين التضييع والتفويض: أن التضييع في حق الله تعالى، وذلك مذموم،والتفويض في حقك، وهو محمود.\rوقال عبد الله بن المبارك: من أخذ فلساً من حرام. فليس بمتوكل.\rسمعت محمد بن عبد الله الصوفي، رحمه الله، يقول سمعت نصر بن أبي نصر العطار يقول: سمعت علياً بن محمد المصري يقول: سمعت أبا سعيد الخراز يقول: دخلت البادية مرة بغير زاد، فأصابتني فاقة، فرأيت المرحلة من بعيد، فسررت بأني وصلت. ثم فكرت في نفسي: أني سكنت واتكلت على غيره، فآليت أن لا أدخل المرحلة إلا أن أحمل إليها فحفرت لنفسي في الرمل حفرة. وداريت جسدي فيها إلى صدري، فسمعوا صوتاً في نصف الليل عالياً يقول: يا أهل المرحلة، إن الله تعالى ولياً، حبس نفسه في هذا الرمل؛ فألحقوه.\rفجاءني جماعة فاخرجوني وحملوني إلى القرية.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن الحسين المخزومي يقول: سمعت ابن المالكي يقول: قال أبو حمزة الخراساني: حججت سنة من السنين، فبينما أنا أمشي في الطريق، إذ وقعت في بئر فنازعتني نفسي أن أستغيث، فقلت: لا والله، لا استغيث فما استتمت هذا الخاطر حتى مر برأس البئر رجلان: فقال أحدهما للآخر: تعالي حتى نسد رأس هذه البئر، لئلا يقع فيها أحد.. فأتوا: بصب وباربة، وطمو رأس البئر، فهممت أن أصيح ثم قلت في نفسي: أصيح إلى من هو أقرب منهما!!. وسكنت، فبينما أنا بعد ساعة، إذ أنا بشيء جاء.. وكشف عن رأس البئر، وأدلى رجله، وكأنه يقول لي: تعلق بي، في همهمة له كنت أعرف ذلك منه، فتعلقت به.. فأخرجني، فإذا هو سبع، فمر. وهتف بي هاتف: يا أبا حمزة، أليس هذا أحسن!! نجيناك من التلف بالتلف فمشيت وأنا أقول:\rأهابك أن أبدي إليك الذي أخفي ... وسري يبدي ما يقول له طرفي\rنهاني حيائي منك أن أكتم الهوي ... وأغنيتني بالفهم منك عن الكشف\rوتلطف في أمري. فأبديت شاهدي ... إلى غائبي واللطف يدرك باللطف","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"تراءيت لي بالغيب، حتى كأنما ... تبشرني في الغيب أنك في الكف\rاراك وبي من هيبتي لك وحشة ... فتؤنسني باللطف منك وبالعطف\rوتحيي محباً أنت في الحب حتفه ... وذا عجب كون الحياة مع الحتف\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا سعدان التاهرتي يقول: سمعت حذيفة المرعشي يقول: وكان قد خدم إبراهيم بن أدهم، وصحبه، فقيل له: ما أعجب ما رأيت منه؟ فقال: بقينا في طريق مكة أياماً لم نجد طعاماً، ثم دخلنا الكوفة، فأوينا إلى مسجد خراب، فنظر إلى إبراهيم بن أدهم، وقال: يا حذيفة، أرى بك أثر الجوع!! فقلت: هو ما رأة الشيخ. فقال عليَّ بدواة، وقرطاس.\rفجئت به، فكتب: \" بسم الله الرحمن الرحيم، أنت المقصود إليه بكل حال \" ، والمشار إليه بكل معنى:\rأنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر ... أنا جائع أنا نائع أنا عاري\rهي ستة وأنا الضمين لنصفها ... فكن الضمين لنصفها يا باري\rمدحي لغيرك لهب نار خضتها ... فأجر عبيدك من دخول النار\rوالنار عندي كالسؤال فهل ترى ... أن لاتكلفني دخول النار\rثم دفع إلى الرقعة: قال: أخرج، ولا تعلق قلبك بغير الله تعالى، وادفع الرقعة إلى أول من يلقاك.\rقال: فخرجت.. فأول من لقيني رجل كان على بغلة، فدفعتها إليه، فأخذها وبكى، وقال: ما فعل صاحب هذه الرقعة؟ فقلت: هو في المسجد الفلاني.\rفدفع إلي صرة فيها ستمائة دينار.\rثم لقيت رجلاً آخر، فقلت له: من صاحب هذه البغلة؟ فقال لي: هو نصراني فجئت إلى إبراهيم بن أدهم، وأخبرته بالقصة، فقال: لا تمسها، فإنه يجيء الساعة.\rفلما كان بعد ساعة، وافى النصراني؛ وأكب على رأس إبراهيم بن أدهم وأسلم.\rباب الشكر\rقال الله عز وجل: \" لئن شكرتم لأزيدنكم \" .\rوحدثنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان الأهوازي قال: أخبرنا أبو الحسن الصفار، قال حدثنا الإسقاطي قال: حدثنا منجاب قال: حدثنا يحيى ابن يعلى، عن أبي خباب، عن عطاء، قال: دخلت على عائشة، رضي الله عنها، مع عبيد بن عمير، فقلت: أخبرينا بأعجب ما رأيت من رسول الله، صلى الله عليه وسلم.\rفبكت، وقالت: وأي شأنه لم يكن عجباً؟..إنه أتاني في ليلة.. فدخل معى في فراشي، أو قالت: في لحافي: حتى مس جلدي، ثم قال: يا بنت أبي بكر، ذريني أتبعد لربيِّ.\rقالت: قلت: إني أحب قربك فأذنت له فقام إلى قربة من ماء. فتوضأ وأكثر صب الماء.. ثم قام يصلي. فبكى، حتى سالت دموعه على صدره.. ثم ركع فبكى، ثم سجد فبكى، ثم رفع رأسه فبكى. فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة.\rفقلت له: يا رسول الله، ما يبكيك، وقدغفر الله لك ماتقدم من ذنبك وماتأخر؟! فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ ولم لا أفعل: وقد أنزل الله علي: \" إن في خلق السموات والأرض. الآية \" .\rقال الأستاذ: حقيقة الشكر عند أهل التحقيق: الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع، وعلى هذا القول: يوصف الحق سبحانه، بأنه: شكور، توسعاً ومعناه: أنه يجازي العباد على الشكر، فسمي جزاء الشكر شكراً؛ كما قال تعالى: \" وجزاء سيئة سيئة مثلها \" .\rوقيل: شكره تعالى: إعطاؤه الكثير من الثواب على العمل اليسير؛ من قولهم: دابة شكور: إذا أظهرت من السمن فوق ما تعطى من العلف.\rويحتمل أن يقال. حقيقة الشكر: الثناء على المحسن يذكر إحسانه فشكر العبد لله تعالى: ثناؤه عليه بذكر إحسانه إليه، وشكر الحق، سبحانه، للعبد: ثناؤه عليه بذكر إحسانه له، ثم إن إحسان العبد: طاعته لله تعالى، وإحسان الحق: إنعامه على العبد بالتوفيق للشكر له، وشكر نعبد على الحقيقة، إنما هو: نطق اللسن، وإقرار القلب بإنعام الرب، والشكر ينقسم إلى: شكر باللسان: وهو اعترافه بالنعم بنعت الاستكانة.\rوشكر بالبدن والأركان: وهو اتصاف بالوفاء والخدمة.\rوشكر بالقلب وهو اعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة.\rويقال: شكر هو شكر العالمين، يكون من جملة أقوالهم.\rوشكر: هو شكر العارفين، يكون باستقامتهم له في عموم أحوالهم.\rوقال أبو بكر الوراق: شكر النعمة مشاهدة المنة، وحفظ الحرمة.\rقال حمدون القصار شكر النعمة: أ، ترى نفسك فيه طفيلياً.","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"وقال الجنيد: الشكر فيه علة، لأنه طالب لنفسه المزيد، فهو واقف مع الله، سبحانه، على حظ نفسه.\rوقال أبو عثمان: الشكر: معرفة العجز عن الشكر.\rويقال: الشكر على الشكر أتم من الشكر، وذلك بأن ترى شكرك بتوفيقه، ويكون ذلك التوفيق من أجل النعم عليك، فتشكره على الشكر ثم تشكره على شكر الشكر، إلا ما لا يتناهي.\rوقيل: الشكر: إضافة النعم إلى موليها بنعت الاستكانة.\rوقال الجنيد: الشكر: أن لا ترى نفسك أهلاً للنعمة.\rوقال رويم: الشكر: استفراغ الطاقة.\rوقيل: الشاكر: الذي يشكر على الموجود، والشكور: الذي يشكر على المفقود.\rويقال: الشاكر: الذي يشكر على الرفد، والشكور: الذي يشكر على الرد.\rويقال الشاكر: الذي يشكر على النفع، والشكور: الذي يشكر على المنع.\rويقال: الشاكر: الذي يشكر على العطاء، والشكور: الذي يشكر على البلاء.\rويقال: الشاكر: الذي يشكر عند البذل، والشكور: الذي يشكر عند المطل.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي يقول: سمعت المرتعش يقول: سمعت الجنيد يقول: كنت بين يدي السريِّ ألعب، وأنا ابن سبع سنين، وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر، فقال لي: يا غلام، ما الشكر؟ فقلت: ألا تعصي الله بنعمة.\rفقال: يوشك أن يكون حظك من الله لسانك.\rقال الجنيد، رحمه الله، فلا أزال أبي على هذه الكلمة التي قالها السري.\rوقال الشبلي: الشكر: رؤية المنعم، لا رؤية النعمة.\rوقيل الشكر: قيد الموجود، وصيد المفقود.\rوقال أبو عثمان: شكر العامة على المطعم والمبس، وشكر الخواص على ما يرد على قلوبهم من المعاني.\rوقيل: قال داود، عليه السلام، إلهي، كيف أشكرك، وشكري لك نعمة من عندك؟ وقيل: قال داود، عليه السلام، إلهي، كيف أشكرك، وشكري لك نعمة من عندك؟ فأوحى الله إليه: الآن قد شكرتني.\rوقيل: قال موسى عليه السلام في مناجاته: إلهي، خلقت آدم بيدك، وفعلت.. وفعلت. فكيف شكرك؟ فقال: علم أن ذلك مني، فكانت معرفته بذلك شكره لي.\rوقيل: كان لبعضهم صديق، فحبسه السلطان، فأرسل إليه، فقال له صاحبه: أشكر الله تعالى؛ فضرب الرجل؛ فكتب إليه، فقال: اشكر الله تعالى، فجيء بمجوسي مبطون، وقيد، وجعلت حلقة من قيده على رجل هذا، وحلقة على رجل المجوسي، فكان يقوم المجوسي بالليل مرات وهذا يحتاج أن يقوم على رأسه حتى يفرغ، فكتب إلى صاحبه، فقال: أشكر الله تعالى، فقال: إلى متى تقول، وأي بلاء فوق هذا؟ فقال له صاحبه: لو وضع الزنار الذي في وسطه في وسطك، كما وُضع القيد الذي في رجله في رجلك، ماذا كنت تصنع؟ وقيل: دخل رجل على سهل بن عبد الله، فقال له: إن اللص دخل داري، وأخذ متاعي!! فقال له أشكر الله تعالى، لو دخل اللص قلبك - وهو الشيطان - وأفسد التوحيد، ماذا كنت تصنع! وقيل: شكر العينين: أن تستر عيباً تراه بصاحبك. وشكر الأذنين: أن تستر عيباً تسمعه فيه.\rوقيل: الشكر: التلذذ بثنائه على ما لم يستوجبه عن عطائه.\rسمعت السلمي يقول: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت الحسن بن يحيى يقول: سمعت جعفراً يقول سمعت الجنيد يقول: كان السري إذا أراد أن ينفعني يسألني؛ فقال لي يوماً: يا أبا القاسم، ما الشكر! فقلت له: أن لا يستعان بشيء من نعم الله، تعالى، على معاصية.\rفقال: من أين لك هذا! فقلت: من مجالستك.\rوقيل: التزم الحسن بن علي الركن وقال: إلهي. نعمتني فلم تجدني شاكراً.! وابتليتني فلم تجدني صابراً، فلا أنت سلبت النعمة بتركي الشكر ولا أدمت الشدة بتركي الصبر. إلهي ما يكون من الكريم إلا الكرم.\rوقيل: إذا قصرت يدك عن المكافة فليطل لسانك بالشكر.\rوقيل: اربعة لا ثمرة لأعمالهم: مسارة الأصم، ووضاع النعمة عند من لا يشكر، والباذر في السبخة، والمسرج في الشمس.\rوقيل: لما بُشر إدريس، عليه السلام؛ بالمغفرة سأل الحياة، فقيل له فيه، فقال لأشكره فإني كنت أعمل قبله للمغفرة، فبسط الملك جناحه وحمله عليه إلى السماء.","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"وقيل، مر بعض الأنبياء عليهم السلام بحجر صغير يخرج منه الماء الكثير، فتعجب منه، فانطقه الله معه، فقال: مذ سمعت الله، تعالى يقول، \" ناراً وقودها الناس والحجارة \" وأنا أبكي من خوفه قال؛ فدعا ذلك النبي أن يجير الله ذلك الحجر؛ فأوحي الله تعالى إليه أني قد أجرته من النار، فمر ذلك النبي، فلما عاد وجد الماء يتفجر منه مثل ذلك؛ فعجب منه فانطق الله ذلك الحجر معه، فقال له لم تبكي، وقد غفر الله لك؟ فقال: ذلك كان بكاء الحزن والخوف، وهذا بكاء الشكر والسرور.\rوقيل: قدم وفد على عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، وكان فيهم شاب. فأخذ يخطب، فقال عمر: الكبر. الكبر. فقال له الشاب: يا أمير المؤمنين، لو كان الأمر بالسنِّ، لكان في المسلمين من هو أسنُّ منك!!. فقال: تكلمَّ فقال: لسنا وفد الرغبة، ولا وفد الرهبة. أما الرغبة فقد أوصلها إلينا فضلك وأما الرهبة فقد أمنتا منها عدلك. فقال له: فمن أنتم؟ فقال: وقد الشكر، جئناك نشكرك ونتصرف.\rوأنشدوا:\rومن الرزية أن شكري صامت ... عما فعلت وأن برك ناطق\rأرى الصنيعة منك ثم أسرها ... إني إذن ليد الكريم لسارق\rوقيل: أوحى الله تعالى لى موسى عليه السلام: أرحم عبادي: ألمبتلي، والمعافى.\rفقال: ما بال المعافى؟ فقال: لقلة شكرهم على عافيتي إياهم.\rوقيل: الحمد على الأنفاس، والشكر على نعم الحواس.\rوقيل الحمد: ابتداء منه، والشكر: اقتداء منك.\rوفي الخبر للصحيح: \" لو من يدعى إلى الجنة الحامدون لله على كل حال \" .\rوقيل: الحمد: على ما دفع، والشكر: على ما صنع.\rوحكي عن بعضهم أنه قال: رأيت في بعض الأسفار شيخاً كبيراً قد طعن في السن، فسألته عن حاله، فقال: إني كنت في ابتداء عمري أهوى ابنة عم لي؛ وهي كذلك كانت تهواني؛ فانفق أنها زوجت مني، فليلة زفافها قلنا: تعال: حتى تحيي هذه الليلة شكراً لله تعالى على ما جمعنا فصلينا تلك الليلة، ولم يتفرغ أحدنا لصاحبه فلما كانت الليلة الثانية قلنا مثل ذلك فمنذ سبعين؛ أو ثمانين سنة، نحن على تلك الصفة كل ليلة: أليس كذلك يا فلانة، فقالت العجوز: كما يقول الشيخ.\rباب اليقين\rقال الله تعالى: \" والذين يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون \" .\rحدثنا الاستاذ الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمود بن خرزاذ الأهوازي بها قال: حدثنا أحمد بن سهل بن ايوب قال: حدثنا خالد، يعني ابن زيد قال. حدثنا سفيان الثوري، وشريك بن عبد الله وسفيان بن عيينة، عن سليمان التيمي، عن خيثمة، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" لا ترضين احداً بسخط الله تعالى، ولا تحمدن أحداً على فضل الله عز وجل، ولا تذمن أحداً على ما لم يؤتك الله تعالى، فإن رزق الله لا يسوقه غليك حرص حريص ولا يرده عنك كراهة كاره، وإن الله تعالى - بعدته وقسطه - ، جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط \" .\rأخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرازي قال: حدثنا عياش بن حمزة قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: قال أبو عبد الله الأنطاكي: إن أقل اليقين إذا وصل إلى القلب يملأ القلب نوراً، وينفي عنه كل ريب، ويمتلىء القلب به شكراً، ومن الله تعالى خوفاً.\rويحكى عن أبي جعفر الحداد قال:رآني أبو تراب النخشبي، وأنا في البادية جالس على بركة ماء، ولي ستة عشر يوماً لم آكل ولم أشرب فقال لي: ما جلوسك؟ فقلت: أنا بين العلم والقين أنتظر ما يَغلب فأكون معه، يعني \" إن غلب على العلم شربت، وإن غلب اليقين مررت \" فقال لي: سيكون لك شأن.\rوقال أبو عثمان الحيري اليقين: قلة الاهتمام لغد.\rوقال سهل بن عبد الله: اليقين: من زيادة الإيمان ومن تحقيقه.\rوقال سهل أيضاً: اليقين: شعبة من الإيمان، وهو دون التصديق.\rوقال بعضهم: اليقين: هو العلم المستودع في القلوب. يشير هذا القائل إلى إنه غير مكتسب.\rوقال سهل: ابتداء اليقين: المكاشفة، ولذلك قال بعض السلف: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً، ثم المعاينة والمشاهدة.\rوقال أبو عبد الله بن خفيف: اليقين تحقق الأسرار بأحكام المغيبات.","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"وقال أبو بكر بن طاهر: العلم: بمعارضة الشكوك، واليقين: لاشك فيه. أشار إلى العلم السكبي وما يجري مجرى البديهي، وكذلك علوم القوم في الابتداء كسبى، وفي الانتهاء بديهي.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: قال بعضهم: أول المقامات. المعرفة، ثم اليقين، ثم التصديق، ثم الإخلاص، ثم الشهادة، ثم الطاعة. والإيمان اسم يجمع هذا كله. أشار هذا القائل إلى أن أول الواجبات، هو المعرفة الله سبحانه والمعرفة لا تحصل ألا بتقديم شرائطها.وهو النظر الصائب، ثم إذا توالت الأدلة، وحصل البيان، صار بتوالي الأنوار، وحصول الاستبصار، كالمستغني عن تأمل البرهان وهو حال اليقين، ثم تصديق الحق، سبحانه، فيما أخبر عند إصغائه إلى إجابة الداعي فيما يخبر من أفعاله، سبحانه في المستأنف؛ لأن التصديق إنما يكون في الإخبار، ثم الإخلاص فيما يتعقبه من أداء الأوامر، ثم بعد ذلك إظهار الإجابة بجميل الشهادة، ثم اداء الطاعات بالتوحيد فيما أمر به، والتجرد عما زجر عنه.\rوإلى هذا المعنى أشار الإمام أبو بكر محمد بن فورك، فيما سمته، يقول ذكر اللسان فضيلة يفيض بها القلب.\rوقال سهل بن عبد الله: حرام على قلب أن يشم رائحة اليقين وفيه سكون إلى غير الله تعالى.\rوقال ذو النون المصري: اليقين داع إلى قصر الأمل، وقصر الأمل يدعو إلى الزهد، والزهد يورث الحكمة، والحكمة تورث النظر في العواقب.\rوسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت ذا النون المصري يقول: ثلاثة من أعلام اليقين: قلة المخالطة الناس في العشرة، وترك المدح لهم في العطية، والتنزه عن ذمهم عند المنع.\rوثلاثة من أعلام يقين اليقين: النظر إلى الله تعالى في كلِّ شيء، والرجوع إليه في كلِّ أمر ولا الاستعانة به في كل حال.\rوقال الجنيد، رحمه الله اليقين: و استقرار العلم الذي لاينقلب ولايحول ولا يتغير في القلب.\rوقال ابن عطاء: على قدر قربهم من التقوى أدركوا ما أدركوا من اليقين.\rوأصل التقوى: مباينة النهي، ومباينة النهي مباينة النفس، فعلى قدر مفارقتهم النفس وصلوا إلى اليقين.\rوقال بعضهم: اليقين: هو المكاشفة، والمكاشفة على ثلاثة أوجه: مكاشفة الإخبار،ومكاشفة بإظهار القدرة، ومكاشفة بحقائق الإيمان.\rوأعلم أن المكاشفة في كلامه، عبارة، عن ظهور الشيء للقلب بستيلاء ذكره من غير بقاء للريب، وربما أرادوا بالمكاشفة ما يقرب مما يراه الرائي بين اليقظة والنوم. وكثيراً ما يعبر هؤلاء عن هذه الحالة بالثبات.\rسمعت الإمام أبا بكر بن فورك يقول: سألت أبا عثمان المغربي، فقلت: ما هذا الذي تقول؟ قال الأشخاص أراهم كذا.. وكذا، فقلت: تراهم معاينة أو مكاشفة؟ فقال: مكاشفة.\rوقال امر بن عبد قيس: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً.\rوقيل: اليقين: رؤية العيان بقوة الإيمان.\rوقيل: اليقين: زوال المعارضات.\rوقال الجنيد، رحمه الله، اليقين: ارتفاع الريب في مشهد الغيب.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، يقول: في قول النبي صلى الله عليه وسلم، في عيسى ابن مريم عليه السلام: \" لو ازداد يقيناً لمشيء في الهواء كما مشيت فيه \" .\rقال رحمه الله: أنه أشار بهذا إلى حال نفسه، صلى الله عليه وسلم، ليلة المعراج؛ لأن في الطائف المعراج أنه، صلى الله عليه وسلم، قال: \" رأيت البراق قد بقي ومشيت \" .\rسمعت محمد الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول: سمعت إبراهيم بن فانك يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت السريَّ يقول، وقد سئل عن اليقين، فقال: اليقين: سكونك عند جولان الموارد في صدرك، لتبينك أن حركتك فيها لا تنفك ولا ترد عنك مقضياً.\rوسمعته يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت أبا جعفر الأصبهاني يقول: سمعت علي بن سهل يقول: الحضور أفضل من اليقين، لأن الحضور وطنات،واليقين خطرات.\rكأنه جعل اليقين ابتداء الحضور، والحضور دوام ذلك، فكأنه جوَّز حصول اليقين خالياً من الحضور، وأحال جواز الحضور بلا يقين؛ ولهذا قال النوري: اليقين: المشاهدة، يعني أن في المشاهدة يقيناً لا شك فيه؛ لأنه لا يشاهده، تعالى من لايثق بما منه.\rوقال أبو بكر الوراق: اليقين: ملاك القلب،وبه كمال الإيمان، وباليقين عرف الله تعالى، وبالفعل عقل عن الله تعالى.","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"وقال الجنيد: قد مشى رجال باليقين على الماء، ومات بالعطش أفضل منهم يقيناً.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت الحسين بن يحيى يقول: سمعت جعفراً يقول: قال إبراهيم الخواص: لقيت غلاماً في التيه، كأنه سبيكة فضة، فقلت: إلى أين يا غلام؟ فقال: إلى مكة: فقلت: بلا زاد، ولا راحلة، ولا نفقة! فقال لي: يا ضعيف اليقين، الذي يقدر على حفظ السموات والأرضين لا يقدر أن يوصلني إلى مكة بلا علاقة قال: فلما دخلت مكة إذا أنا به في الطواف وهو يقول:\rيا عين سحى أبداً ... يا نفس موتي كمداً\rولا تحبي أحدً ... إلا الجليل الصمدا\rفلما رآني قال لي: يا شيخ، أنت بعد على ذلك الضعف من اليقين؟! وسمعته يقول سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت النهرجوري يقول: إذا استكمل العبد حقائق اليقين صار البلاء عنده نعمة، والرخاء مصيبة.\rوقال أبو بكر الوراق: القين على ثلاثة أوجه: يقين خبر، ويقين دلالة، ويقين مشاهدة.\rوقال أبو تراب النخشبي: رأيت غلاماً في البادية يمشي بلا زاد، فقلت: إن لم يكن معه يقين فقد هلك. فقلت: يا غلام، في مثل هذا الموضع بلا زاد؟ فقال: يا شيخ ارفع رأسك هل ترى غير الله عزَّ وجلَّ؟ فقلت: الآن إذهب حيث شئت.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا نصر الأصبهاني يقول: سمعت محمد بن عيسى يقول: قال أبو سعيد الخراز: العلم ما استعملك، واليقين: ما حملك.\rوسمعته يقول: سمعت أبا بكر الرازيَّ يقول: سمعت أبا عثمان الآدمي يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: طلبت المعاش لأكل الحلال! فأصطدت السمك، فيوماً وقعت في الشبكة سمكة، فأخرجتها، وطرحت الشبكة في الماء فوقعت أخرى فيها فرميت بها ثم عدت، فهتف بي هاتف: لم تجد معاشاً إلا أن تأتي من يذكرنا فتقتلهم..! قال: فكسرتُ القبصة، وتركت الاصطياد.\rباب الصبر\rقال الله، عزَّ وجلَّ: \" واصبر وما صبرك إلا بالله \" .\rوأخبرنا عليُّ بن أحمد الأهوازي، قال: أخبرنا أحمدبن عبيد البصري، قال: حدثنا أحمد بن علي الخراز قال: حدثنا أسيد بن زيد قال: حدثنا مسعود بن سعد، عن الزيات، عن أبي هريرة، عن عائشة، رضي الله عنها، رفعته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الصبر عند الصدمة الأولى \" .\rوأخبرنا علي بن أحمد قال: أخبرنا بن عبيد قال: حدثنا أحمد بن عمر، قال: حدثنا محمد بن مرداس قال: حدثنا يوسف بن عطية، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الصبر عند الصدمة الأولى \" .\rثم الصبر على أقسام: صبر على ما هو كسب للعبد، وصبر على ما ليس بكسب له.\rفالصبر على المكتسب، على قسمين: صبر على ما أمر الله تعالى به، وصبر على من نهى عنه.\rوأما الصبر على ما ليس بمكتسب للعبد: فصبره على مقاساة ما يتصل به من حكم الله فيما يناله فيه مشقة.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت السحين بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت الجنيد يقول: المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن، وهجران الخلق في جنب الله تعالى شديد، والمسير من النفس إلى الله تعالى صعب شديد، والصبر مع الله أشد.\rوسئل الجنيد عن الصبر، فقال: هو تجرع المرارة من غير تعبيس.\rوقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: الصبر من الإيمان بنزلة الرأس في الجسد.\rوقال أبو القاسم الحكيم: قوله تعالى: \" واصبر \" أمر بالعبادة، وقوله: \" وما صبرك إلا بالله \" عبودية، فمن ترقىَّ من درجة لك إلى درجة بك؛ فقد انتقل من درجة العبادة إلى درجة العبودية.\rقال صلى الله عليه وسلم: \" بك أحيا وبك أموت \" .\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، يقول: سمت أبا جعفر الرازي يقول: سمعت عياشاً يقول: سمعت أحمد يقول: سألت أبا سليمان عن الصبر، فقال: والله ما نصبر على ما نحب، فكيف على ما نكره؟ وقال ذو النون: الصبر: التباعد عن المخالفات، والسكونُ عند تجرع قصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة.\rوقال ابن عطاء: الصبر: الوقوف مع البلاء بحسن الأدب.\rوقيل: هو الفناء في البلوى بلا ظهور شكوى.\rوقال أبو عثمان: الصبار: الذي عوَّد نفسه الهجوم على المكاره.\rوقيل: الصبر: المقام مع البلاء بحسن الصحية، كالمقام مع العافية.","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"وقال أبو عثمان: أحسن الجزاء على عبادة: الجزاء على الصبر، ولا جزاء فوقه، قال الله عزَّ وجلَّ: \" ولنجزين الذين صبرواأجرهم بأحسن ما كانون يعملون \" .\rوقال عمرو بن عثمان: الصبر. هو الثبات مع الله سبحانه وتعالى، وتلقي بلائه بالرحب والدعة.\rوقال الخوَّاص: هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة.\rوقال يحيى بن معاذ: صبر المحبين أشدُّ من صبر الزاهدين، واعجباً، كيف يصبرون؟ وأنشدوا:\rالصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه لايحمد\rوقال رويم: الصبر: ترك الشكوى.\rوقال ذون النون: الصبر: هو الاستعانة بالله تعالى.\rسمعت الأستاذ أبا عليِّ الدقاق، رحمه الله، يقول: الصبر كأسمه.\rوأنشدني الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أنشدني أبو بكر الرازي قال: أنشدني ابن عطاء لنفسه:\rسأصبر، كي ترضى، وأتلف حسرة ... وحسبي أن ترضى ويتلفني صبري\rوقال أبو عبد الله بن خفيف: الصبر على ثلاثة أقسام، متصبر، وصابر،وصبار.\rوقال عليُّ بن أبي طالب، رضي الله عنه: الصبر مطية لا تكبو.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت علي بن عبد الله البصري يقول: وقف رجل على الشبليَّ فقال: أي صبر أشد على الصابرين؟ فقال: الصبر في الله عزَّ وجلَّ، فقال: لا، فقال: الصبر لله، قال: لا. قال: الصبر مع الله، قال: لا. قال: فاي شيء؟ قال: الصبر عن الله.\rقال: فصرخ الشبلي صرخة طادت روحه أن تتلف.\rوسمعته يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان، يقول: سمعت أبا محمد الجريري يقول: الصبر: أن لايفرق بين حال النعمة والمحنة، مع سكون الخاطر فيهما. والتصبر: هو السكون، مع البلاء مع وجدان أثقال المحنة.\rوأنشد بعضهم:\rصبرت ولم أطلع هواك على صبري ... وأخفيت ما بي منك عن موضع الصبر\rمخافة أن يشكو ضميري صبابتي ... إلى دمعتي سرَّاً فتجري ولا أدري\rسمت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: فاز الصابرون بعزِّ الدارين؛ لأنهم نالوا من الله تعالى معيته: قال الله تعالى: \" إن الله مع الصابرين \" .\rوقيل في معنى قوله تعالى: \" اصبروا وصابروا ورابطوا \" الصبر: دون المصابرة، والمصابرة: دون المرابطة.\rوقيل: اصبروا بنفوسكم على طاعة الله تعالى، وصابروا بقلوبكم على البلوى في الله، ورابطوا بأسراركم على الشوق إلى الله.\rوقيل: أصبروا في الله، وصابروا بالله، ورابطوا مع الله.\rوقيل: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: تخلق بأخلاقي، وإنَّ من أخلاقي أنني أنا الصبور.\rقويل: يجرَّع الصبر، فإن قتلك قتلك شهيداً، وإن أحياك أحياك عزيزاً.\rوقيل: الصبر لله: عناء، والصبر بالله: بقاء، والصبر في الله: بلاء. والصبر مع الله وفاء، والصبر عن الله: جفاء.\rوأنشدوا:\rوالصبر عنك فمذموم عواقبه ... والصبر في سائر الأشياء محمود\rوأنشدوا:\rوكيف الصبر عمن حل منى ... بمنزلة اليمين من الشمال\rإذا لعب الرجال بكلِّ شيء ... رأيت الحب يلعب بالرجال\rوقيل: الصبر على الطلب عنوان الظفر، والصبر في المحن علامة الفرج.\rسمعت منصور بن خلف المغربي، رحمه الله، يقول: جُرِّد واحد للسياط، فلما ردَّ إلى السجن دعا ببعض أصحابه فتفل على يده، وألقى من فمه دقاق الفضة على يده فسئل، فقال: كان في فمي درهمان، وكان على حاشية الحلقة لي عين، فلم أرد أن أصيح لرؤيته إياي.. فكنت أعض على الدرهمين.. فتكسروا في فمي.\rوقيل: حالك التي أنت فيها رباطك، وما دون الله تعالى أعداؤك، فأحسن المرابطة في رباط حالك.\rوقيل: المصابرة: هي الصبر على الصبر، حتى يستغرق الصبر في الصبر فيعجز الصبر عن الصبر، كما قيل: صابر الصبر فاستغاث به فصاح المحب بالصبر صبراً وقيل: حبس الشبلي وقتاً في المارستان، فدخل عليه جماعة؛ فقال: من أنتم؟ فقالوا: أحباؤك جاءوك زائرين.\rفأخذ يرميهم بالحجر، وأخذوا يهربون.\rفقال: يا كذابون، لو كنتم أحبائي لصبرتم على بلائي.\rوفي بعض الأخبار. بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي.\rوقال الله تعلى: \" واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا \" .","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"وقال بعضهم: كنت بمكة.. فرأيت فقيراً طاف بالبيت، وأخرج من جيبه رقعة، ونظر فيها، ومر، فلما كان بالغد، فعل مثل ذلك، فترقبته أياماً وهو يفعل مثل ذلك، فيوماً من الأيام طاف ونظر في الرقعة، وتباعد قليلا، وسقط ميتاً، فأخرجت الرقعة من جيبه، فإذا فيها: \" واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا \" .\rوقيل: رؤي حدث يضرب وجه شيخ بنعله، فقيل له: ألا تستحي!؟ تضرب حر وجه شيخ بمثل هذا؟: فقيل: جرمه عظيم. فقيل: وما ذاك؟ فقال: هذا الشيخ يدّعي أنه يهواني، ومنذ ثلاث ما رآني.\rوقال بعضهم: دخلت بلاد الهند، فرأيت رجلا بفرد عينيسمى فلانا الصبور فسألت عن حاله، فقيل: هذا في عنفوان شبابه سافر صديق له، فخرج في وداعه، فدمعت إحدى عينيه ولم تبك الأخرى، فقال لعينه التي لم تدمع: لِمَ لم تدمعي على فراق صاحبي؟ لأحرمنك النظر إلى الدنيا وغمض عينه، فمنذ ستين سنة لم يفتح عينه.\rوقيل في قوله تعلى: \" فاصبر صبراً جميلا \" : الصبر الجميل: أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدري من هو.\rوقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لو كان الصبر والشكر بعيرين، لم أبال أيهما ركبت.\rوكان ابن شبرمة، رحمه الله، إذا نزل به بلاء قال:سحابة ثم تنقشع.\rوفي الخبر، أن النبي صلى الله عليه وسلم، سئل عن الإيمان، فقال: \" الصبر والسماحة \" .\rأبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن طاهر الصوفي قال: حدثنا محمد بن التيجاني قال: حدثنا محمد أبن إسماعيل البخاري قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدَّثنا سويد بن حاتم قال:حدثنا عبد الله بن عبيد، عن عمير، عن أبيه، عن جده، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال: \" الصبر والسماحة \" .\rوسئل السري عن الصبر، فجعل يتكلم فيه، فدب على رجله عقرب، وهي تضربه بابرتها ضربات كثيرة، وهو ساكن: فقيل له: لِمَ لم تنحها؟.\rفقال: استحييت من الله تعالى أن أتكلم في الصبر، ولم أصبر.\rوفي بعض الأخبار: الفقراء الصبر هم جلساء الله تعالى يوم القيامة.\rوأوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه: أنزلت بعبي بلائي، فدعاني، فماطلته بالإجابة، فشكاني، فقلت: يا عبدي، كيف أرحمك من شيء به أرحمك.\rوقال ابن عيينة في معنى قوله تعالى: \" وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا \" ،قال: لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رؤساء.\rسمعت الأستاذ أبا عليٍّ الدقاق يقول: أن الصبر حده أن لا تعترض على التقدير؛ فأما إظهار البلاء على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر، قال الله تعالى في قصة أيوب: \" إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أوًّاب \" مع ما أخبر عنه تعالى أنه قال \" مسنى الضر \" .\rوسمعته يقول: استخرج الله منه هذه المقالة: يعني قوله: \" مسني الضر \" ؛ لتكون متنفسا لضعفاء هذه الأمة.\rوقال بعضهم: إنا وجدناه صابراً، ولم يقل صبوراً لأنه لم يكن جميع أحواله الصبر، بل كان في بعض أحواله يستلذ البلاء، ويستعذبه، فلم يكفني حال الاستلذاذ صابراً؛ فلذلك لم يقل: صبوراً.\rسمعت الأستاذ أبا علي، رحمه الله، يقول: حقيقة الصبر: الخروج من البلاء على حسب الدخول فيه، مثل أيوب عليه السلام فإنه قال في آخر بلائه: \" مسني الضر وأنت أرحم الراحمين \" فحفظ أدب الخطاب حيث عرض يقول: \" وأنت أرحم الراحمين \" ولم يصرح بقوله ارحمني.\rواعلم أن الصبر على ضربين: صبر العابدين، وصبر المحبين.\rفصبر العابدين، أحسنه: أن يكون محفوظاً، وصبر المحبين أحسنه: أن يكون مرفوضاً. وفي معناه أنشدوا:\rتبين يوم البين أن اعتزامه ... على الصبر من إحدى الظنون الكواذب\rوفي هذا المعنى سمعت الأستاذ أبا علي، رحمه الله، يقول: أصبح يعقوب، عليه السلام، وقد وعد الصبر من نفسه فقال: \" فصبر جميل أي: فشأني صبر جميل، ثم لم يمس حتى قال: يا أسفاً على يوسف \" .\rباب المراقبة\rقال الله تعالى: \" وكان الله على كل شيء رقيباً \" .","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن اسحق، قال: حدثنا أبو عوانة يعقوب بن اسحق، قال: حدثنا يوسف بن سعيد بن مسلم، قال: حدثنا خالد بن يزيد قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم؛ عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: \" جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة رجل، فقال: يا محمد، ما الايمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته \" وكتبه، ورسله، والقدر: خيره وشره، وحلوه ومره. قال: صدقت. قال: فتعجبنا من تصديقه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني ما الاسلام؟ قال: الاسلام أن تقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. قال: صدقت. قال فأخبرني ما الاحسان؟ قال: الاحسان: \" أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال صدقت.. \" الحديث.\rقال الشيخ: هذا الذي قاله صلى الله عليه وسلم: \" فإن لم تكن تراه فإنه يراك \" إشارة إلى حال المراقبة، لأن المراقبة، علم العبد باطلاع الرب سبحانه عليه، فاستدامته لهذا العلم مراقبة لربه، وهذا أصل كل خير له.ولا يكاد يصل إلى هذه المرتبة إلا بعد فراغه من المحاسبة، فإذا حاسب نفسه على ما سلف له، وأصلح حاله في الوقت، ولازم طريق الحق، وأحسن بينه وبين الله تعالى مراعاة القلب، وحفظ مع الله تعالى الأنفاس، وراقب الله تعالى في عموم أحواله، فيعلم أنه سبحانه؛ عليه رقيب، ومن قلبه قرب، يعلم أحواله، ويرى أفعاله، ويسمع أقواله، ومن تغفل عن هذه الجملة فهو بمعزل عن بداية الوصلة، فكيف عن حقائق القربة.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت الجريري يقول: من لم يحكم بينه وبين الله تعالى التقوى والمراقبة لم يصل إلى الكشف والمشاهدة.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق. رحمه الله، يقول: كان لبعض الأمراء وزير، وكان بين يديه يوماً، فالتفت إلى بعض الغلمان الذين كانوا وقوفاً، لا لريبة، ولكن لحركة أو صوت أحس به منهم، فاتفق أن ذلك الأمير نظر إلى هذا الوزير في تلك الحالة فخاف الوزير أن يتوهم الأمير أنه نظر إليهم، فجعل ينظر إليه كذلك، فبعد ذلك اليوم كان هذا الوزير يدخل على هذا الأمير، وهو أبداً ينظر إلى جانب، حتى توهم الأمير أن ذلك خلقه؛ وحول فيه. فهذه مراقبة مخلوق لمخلوف، فكيف مراقبة العبد لسيده؟ سمعت بعض الفقراء يقول: كان أمير له غلام يقبل عليه أكثر من إقباله على غيره من غلمانه؛ ولم يكن أكثرهم قيمة، ولا أحسنهم صورة، فقالوا له في ذلك، فأراد الأمير أن يبين لهم فضل الغلام في الخدمة على غيره. فيوماً من الأيام كان راكباً، ومعه الحشم، وبالبعد منهم جبل عليه ثلج، فنظر الأمير إلى ذلك الثلج وأطرق رأسه، فركض الغلام فرسه، ولم يعلم القوم لماذا ركض!. فلم يلبث إلا يسيراً حتى جاء ومعه شيء من الثلج. فقال له الأمير: ما أدراك أني أردت الثلج؟ فقال الغلام: لأنك نظرت إليه، ونظر السلطان إلى شيء لا يكون عن غيره قصد صحصح فقال الأمير: إنما أخصه بإكرامي وإقبالي، لأن لكل أحد شغلاً، وشغله مراعاة لحظائي، ومراقبة أحوالي.\rوقال بعضهم: من راقب الله تعالى في خواطره، عصمه الله في جوارحه.\rوسئل أبو الحسين بن هند: متى يهش الراعي غنمه بعصا الرعاية عن مراتع الهلكة؟ فقال: إذا علم أن عليه رقيباً.\rوقيل: كان ابن عمر؛ رضي الله عنه، في سفر، فرأى غلاماً يرعى غنماً، فقال له: تبيع من هذه الغنم واحدة؟ فقال: إنها ليست لي فقال: قل لصاحبها إن الذئب أخذ منها واحدة، فقال العبد: فأين الله!! فكان ابن عمر يقول بعد ذلك إلى مدة: قال ذلك العبد: فأين الله.\rوقال الجنيد: من تحقق في المراقبة خاف فوت حظه من ربه عز وجلا لا غير.\rوكان بعض المشايخ له تلامذة.. فكان يخص واحداً منهم بإقباله عليه أكثر مما يقبل على غيره، فقالوا له في ذلك، فقال: أين لكن ذلك.. فدفع إلى كل واحد من تلامذته طائراً، وقال له: إذبحه بحيث لا يراه أحد، ودفع إلى هذا أيضا، فمضوا.. ورجع كل واحد منهم وقد ذبح طائره، وجاء هذا بالطائر حياً فقال: هلا ذبحته؟ فقال: أمرتني أن اذبحه بحيث لا يراه أحد، فقال: لهذا أخصه بإقبالي عليه.\rوقال ذو النون المصري: علامة المراقبة: إيثار ما آثر الله تعالى، وتعظيم ما عظم الله تعالى، وتصغير ما صغر الله تعالى.","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"وقال النصراباذي: الرجاء: يحركك إلى الطاعات، والخوف: يبعدك عن المعاصي، والمراقبة: تؤديك إلى طرق الحقائق.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سألت جعفر بن نصير عن المراقبة، فقال: مراعاة السر، لملاحظة نظر الحق سبحانه مع كل خطرة.\rوسمعته يقول: سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت الجريري يقول: أمرنا هذا مبني على فصلين: وهو أن تلزم نفسك المراقبة لله تعالى، ويكون العلم على ظاهرك قائماً.\rوسمعته يقول: سمعت أبا القاسم البغدادي يقول: سمعت المرتعش يقول: المراقبة: مراعاة السر بملاحظة الغيب مع كل لحظة ولفظة.\rوسئل ابن عطاء: ما أفضل الطاعات؟ فقال: مراقبة الحق على دوام الأوقات.\rوقال إبراهيم الخواص: المراعاة تورث المراقبة، والمراقبة تورث خلوص السر والعلانية لله تعالى.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: أفضل ما يلزم به الإنسان نفسه في هذه الطريقة: المحاسبة، والمراقبة، وسياسة عمله بالعلم.\rوسمعته يقول: سمعت عبد الله الرازي يقول سمعت أبا عثمان: يقول: قال لي أبو حفص إذا جلست للناس فكن واعظاً لقلبك ولنفسك،ولا يغرنك إجتماعهم عليك، فنهم يراقبون ظاهرك، والله يراقب باطنك.\rوسمعته يقول: سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعتأبا جعفر الصيدلاني يقول: سمعت أبا سعيد الخراز يقول: قال لي بعض مشايخي عليك بمراعاة سرك والمراقبة. قال: فبينا أنا يوماً أسير في البادية، إذ أنا بخشخشة خلفي، فهالني ذلك.. وأردت أن ألتفت فلم ألتفت.. فرأيت شيئاً واقفاً على كتفي.. فانصرف، وأنا مراع لسري.. ثم التفت، فإذا أنا بسبع عظيم.\rوقال الواسطي: أفضل الطاعات حفظ الأوقات. وهو: أن لا يطالع العبد غير حده، ولا يراقب غير ربه، ولا يقارن غير وقته.\rانتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله باب الرضا.\rالجزء الثاني\rتابع المقامات\rباب الرضا\rقال الله عزَّ وجلَّ: \" رضي الله عنهم ورضوا عنه \" .. الآية.\rأخبرنا عليّ بن أحمد الأهوازي، رحمه الله، قال: حدّثنا أحمد بن عبيد البصريّ، قال: حدثنا الكريمي، قال: حدّثنا يعقوب بن إسماعيل السلالّ، قال: حدثنا أبو عاصم العباداني، عن الفضل بن عيسى الرقاشيّ، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. \" بينا أهلُ الجنة في مجلس لهم، إذ سطع لهم نورٌ على باب الجنة، سلوني. فقالوا: نسألك الرِّضا عنَّا، قال تعالى: رضاي قد أحلكم داري، وأنا لكن كرامتي، هذا أوانها، فاسألوني. قالوا: نسالك الزيادة. قال: فيؤتون بنجائب من ياقوت أحمر.. أزمتها زُمُردٌ أخضر، وياقوت أحمر، فجاءوا عليها، تضع حوافرَها عند منتهى طرفها، فيأمر الله، سبحانه، بأشجار عليه الثمار، وتجيء جوار من الحوار العين، وهنَّ يقلن: نحن الناعمات فلا نبؤس، ونحن الخالدات فلا نموت، أزواج قو مؤمنين كرام، ويأمر الله، سبحانه،يكتبان من مسك أبيض أذفر، فتثير عليهم ريحاً يقوال لها المثيرة حتى تنتهي بهم إلى جنَّة عدن، وهي قصبةُ الجنة، فتقول الملائكة: يا ربنا، قد جاء القوم. فيقول الله: مرحباً بالصادقين.. مرحباً بالطائعين.\rقال: فيكشف لهم الحجاب.. فينظرون إلى الله، عزّ وجلَّ.. فيتمنون بنور الرحمن، حتى لا يبصرَ بعضهم بعضاً، ثم يقول: أرجعوهم إني الصور بالتحف قال: فيرجعون، وقد أبصر بعضهم بعضاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذلك قوله تعالى: \" نُزلاَ من غفور رحيم \" .\rوقد اختلف العراقيون والخراسانيون في الرِّضا: هل هو من الأحوال، أو من المقامات.\rفأهل خراسان قالوا: الرضا: من جملة المقامات وهو نهاية التوكل، ومعناه: أنه ينول إلى أنه يتوصل إليه العبد باكتسابه.\rوأما العراقيون؛ فإنهم قالوا: الرضا: من جملة الأحوال، وليس ذلك كسباً للعبد، بل هو نازلةٌ تحل بالقلب كسائر الأحوال.\rويمكن الجمع بين اللسانين؛ فيقال: بداية الرِّضا مكتسبة للعبد، وهي من المقامات، ونهايته من جملة الأحوال، وليست بمكتسبة.\rوتكلم الناس في الرضا؛ فكل عبر عن حاله وشربه، فهم في العبارة، عنه مختلفون، كما أنهم في الشرب والنصيب من ذلك متفاوتون.\rفأما شرط العلم، والذي هو لابد منه: فالراضي بالله تعالى، هو: الذي لا يعترض على تقديره.","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: ليس الرضا أن لا تحس بالبلاء، إنما الرضا: أن لا تعترض على الحكم والقضاء.\rواعلم أن الواجب على العبد: أن يرضى بالقضاء الذي أمر بالرضا به؛ إذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز للعبد أو يجب عليه الرضا؛ كالمعاصي، وفنون محن المسلمين.\rوقال المشايخ: الرِّضا باب الله الأعظم. يعنون: ن من أكرم بالرضا فقد لقي بالترحيب الأوفى، وأكرم بالتقريب الأعلي.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: أخبرنا أبو جعفر الرازي قال: حدثنا العباس بن حمزة قال: حدثنا ابن أبي الحواري قال: قال عبد الواحد بن زيد: الرضا بابُ الله الأعظم، وجنة الدنيا.\rواعلم: أن العبد لا يكاد يرضى عن الحق. سبحانه، إلا بعد أني رضى عنه الحق سبحانه؛ لأن الله عزَّ وجلَّ قال: \" رضي الله عنهم ورضوا عنه \" .\rسمعت الأستاذ أبا عليِّ الدقاق يقول: قال تلميذ لأستاذه: هذا يعرف العبد أن الله تعالى راضٍ عنه؟ فقال: لا، كيف يعلم ذلك. ورضاه غيب؟ فقال التلميذ: بل يعلم ذلك، فقال: كيف؟! فقال: إذا وجدت قلبي راضياً عن الله تعالى. علمت أنه راضٍ عني فقال الأستاذ: أحسنت يا غلام.\rوقيل: قال موسى عليه السلام: إلهي، دلني على عمل إذا عملتهُ رضت به عني. فقال: إنك لا تُطيق ذلك: فخرّ موسى عليه السلام ساجداً له، متضرعاً، فأوحى الله تعالى إليه: يا ابن عمران، إن رضاي في رضاك بقضائي.\rأخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، قال: حدثنا العباس بن حمزة قال: حدثنا ابن ابي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راضٍ.\rوسمعته يقول: سمعت النصراباذي يقول:من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه.\rوقال محمد بن خفيف: الرضا على قسمين: رضا به، ورضاع عنه؛ فالرضا به أن يرضاه مدبراً، والرضا عنه فيما يقضى.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: طريق السالكين أطول، وهو طريق الرياضة، وطريق الخواص أقرب، لكنه أشقُّ، وهو أن يكون عملك بالرضا، ورضاك بالقضاء.\rوقال رويم: الرضا: أن لو جعل الله جهنم على يمينه ما سأل أن يحولها إلى يساره.\rوقال أبو بكر بن طاهر: الرضا: إخراج الراهية من القلب، حتى لا يكون فيه إلا فرح وسرور.\rوقال الواسطي: استعمل الرضا جهدك، ولا تدع الرضا يستعملك؛ فتكون محجوباً بلذته ورؤيته عن حقيقة ما تطالع.\rواعلم أن هذا الكلام الذي قاله الواسطي شيء عظيم، وفيه تنبيه على مقطعة للقوم خفية، فإن السكون عندهم إلى الأحوال: حجاب عن محول الأحوال، فإذا استلذ رضاه ووجد بقلبه راحة الرضا حجب بحاله عن شهود حقه.\rولقد قال الواسطي أيضاً: إياكم واستحلاء الطاعات، فإنها سموم قاتلة.\rوقال أبن خفيف: الرضا: سكون القلب إلى أحكامه، وموافقة القلب بما رضي الله به واختاره له.\rوسئلت رابعة العدوية: متى يكون العبد راضياً؟ فقالت: إذا سرته المصيبة كما سرَّته النعمة.\rوقيل. قال الشبلي بين يدي الجنيد: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له الجنيد: قولك ذا ضيقُ صدر، وضِيقُ الصدر لترك الرضا بالقضاء، فسكت الشبلي.\rوقال أبو سليمان الداراني: الرضا: أن لا تسأل الله تعالى الجنة، ولا تسعيذ به من النار.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول: سمعت سعيد بن عثمان يقول: سمعت ذا النون المصري، رحمه الله، يقول: ثلاثة من أعلام الرضا: ترك الاختيار قبل القضاء، وفقدان المرارة بعد القضاء، وهيجان الحب في حشو البلاء.\rوسمعته يقول: سمعت محمد بن جعفر البغدادي يقول: سمعت إسماعيل بن محمد الصفار يقول: سمعت محمد بن يزيد المبرد يقول: قيل للحسين بن عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنهما: إنَّ أبا ذرٍّ يقول: الفقر أحب إليَّ من الغنى، والسقم أحب إلى من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله تعالى له لم يتمنَّ غيرَ ما اختاره الله عز وجل له.\rوقال الفضيل بن عياض لبشر الحافيِّ: الرضا افضل من الزهد في الدنيا؛ لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته.\rوسئل أبو عثمان عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: \" أسألك الرضا بعد القضاء \" فقال: لأن الرضا قبل القضاء عزم على الرضا، والرضا بعد القضاء هو الرضا.","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الله الرازي يقول: سمعت ابن أبي حسان الأنماطي يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت أبا سليمان يقول: أرجوا أن أكون عرفت طرفاً من الرضا: لو انه أجخلني النار لكنت بذلك راضياً.\rوقال أبو عمر الدمشقي: الرِّضا: ارتفاع الجزع في أيَّ حكم كان، وقال الجنيد: الرضا: رفع الاختيار، وقال ابن عطاء: الرضا: نظر القلب إلى قديم اختيار الله تعالى للعبد، وهو ترك التسخط، وقال رُويم. الرضا: استقبال الأحكام بالفرح، وقال المحاسبي: الرضا: سكون القلب تحت مجاري الأحكام، وقال النوري: الرضا: سرور القلب بُمرِّ القضاء.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت الجريري يقول: من رضي بدون قدره رفعه الله تعالى فوق غايته.\rوسمعته يقول: سمعت أحمد بن علي يقول: سمعت الحسن بن علوية يقول: قال أبو تراب النخشبي: ليس ينال الرضا من للدنيا في قلبه مقدار.\rأخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرنا أبو عمرو بن حمدان قال: حدثنا عبد الله بن شترويه قال: حدثنا بشر بن الحكم قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن الهادي، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً \" .\rوقيل: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، رضي الله عنهما، \" أما بع، فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضي، وإلا، فاصبر \" .\rوقيل: إنَّ عتبة الغلام بات ليلة يقول إلى الصباح: \" إن تعذبني فأنا لك محبُ، وإن ترحمني فأنا لك محب \" .\rسمت الأستاذ أبا علي الدقاق، يقول: الإنسان خزف، وليس للخزف من الخطر ما يعارض فيه حكم الحقِّ تعالى.\rوقال أبو عثمان الحيري: منذ أربعين سنة ما أقامني الله، عز وجل، في حال فكرهتهُ، وما نقلني إلى غير فسخطته.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: غضب رجل على عبدٍ له، فاستشفع العبد إلى سيده إنساناً، فعفا عنه، فأخذ العبد يبكي، فقال له الشفيع: لمَ تبكي وقد عفا عنك سيدك؟ فقال له السيدُ: إنما يطلب الرضا مني ولا سبيل له إليه، فإنما يبكي لأجله.\rباب العبودية\rقال الله عزَّ وجلَّ: \" واعبد ربك حتى يأتيك اليقين \" .\rوأخبرنا أبو الحسن الإهوازي، رحمه الله، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال حدثنا عبيد بن شريك قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا مالك، عن حبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن عمر بن الخطاب، عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" سعبة يظلهم الله في ظلهّ يوم لا ظلّ إلا ظله: إمامٌ عادل، وشاب نشأ في عبادةِ الله تعالى. ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله تعالى خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه \" .\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله يقول: العبودية أتم من العبادة، فأولاً: عباة، ثم عبودية؛ ثم عبودة.\rفالعبادة للعوام من المؤمنين، والعبودية للخواص، والعبودة لخاص الخاص.\rوسمعته يقول: العبادة: لمن له علم اليقين، والعبودية؛ لمن له عين اليقين، والعبوة: لمن له حق اليقين.\rوسمعته يقول: العبادة: لأصحاب المجاهدات، والعبودية: لأرباب المكابدات، والعبودة: صفة أهل المشاهدات، فمن لم يدخر عنه نفسه، فهو صاحب عبادة، ومن لم يضن عليه بقلبه فهو صاحب عبودية: ومن لم يبخل عليه بروحه فهو صاحب عبودة.\rويقال: العبودية: القيام بحق الطاعات بشرط التوفير والنظير إلى ما منك بعين التقصير، وشهود ما يحصل من مناقبك من التقدير.\rويقال: العبودية: ترك الاختيار فيما يبدو من الأقدار.\rويقال: العبودية: التبرؤ من الحول والقوة، والإقرارُ بما يعطيك ويوليك من الطول والمنة.\rويقال: العبودية: معانقة ما أمرت به، ومفارقة مازجرت عنه.\rوسئل محمد بن خفيف: متى تصح العبودية؟ فقال: إذا طرح كل علي مولاه، وصبر معه على بلواه.","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول: سمعت ابن مسروق يقول: سمعت سهل بن عبد الله يقول: لا يصح التعبد لأحدٍ حتى لا يجزع من أربعة أشياء: من الجوع، والعري، والفقر، والذلّ.\rوقيل: العبودية: أن تسلم إليه كلكَ، وتحمل عليه كلك.\rوقيل: من علامات العبودية: تركُ التدبير، وشهودُ التقدير.\rوقال ذو النون المصري: العبودية: أن تكون أنت عبده في كل حال، كما أنه ربك في كلًّ حال.\rوقال الجريري: عبيدُ النمم كثير عديدهم؛ وعبيدُ المنعم عزيزٌ وجودهم.\rسمعت الأستاذ أبا عليِّ الدقاق يقول: أنت عبدُ من أنت في رقة وأسره، فإن كنت في أسر نفسك فأنت عبدُ نفسك، وإن كنت فيأسر دنياك فأنت عبدُ دنياك.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة \" .\rورأى أبو رزين رجلاً فقال له: ما حرفتك؟ فقال: خربندة \" .\rفقال: أما الله تعالى حمارك، لتكون عبد الله، لا عبد الحمار.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن يقول: سمعت جدي أبا عمرو بن نجيد يقول: لا تصفو لأحد قدمٌ في العبودية حتى يشاهد أعماله عنده رياء، وأحواله دعاوى. وسمعته يقول: سمعت عبد الله المعلم يقول: سمعت عبد الله بن منازل يقول: العبد عبد ما لم يطلب لنفسه خادماً، فإذا طلب لنفسه خادماً فقد سقط عن حد العبودية وترك آدابها.\rوسمعته يقول: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت جعفر بن نصير يقول: سمعت ابن مسروق يقول: سمعت سهل بن عبد الله يقول: لا يصلح للعبد التعبد حتى يكون بحيث لا يرى عليه أثر المسكنة في العدم، ولا أثر الغنى في الوجود.\rوقيل: العبودية شهود الربوبية.\rسمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق، رحمه الله، يقول: سمعت النصراباذي يقول: قيمة العابد بمعبوده، كماأن شرف العارف بمعروفه.\rوقال أبو حفص: العبودية زينة العبد، فمن تركها تعطل من الزينة.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أبا جعفر الرازي يقول سمعت عباس بن حمزة يقول: حدثنا أحمد بن الحواري قال: سمعت النباجي يقول: اصل العبادة في ثلاثة أشياء: لا ترد من أحكامه شيئاً، ولا تدخر عنه شيئاً، ولا يسمعك تسأل غيره حاجة. وسمعته يقول: سمعت أبا الحسن الفارسي يقول: سمعت ابن عطاء يقول: العبودية في أربع خصال: الوفاء بالعهود، والحفظ للحدود، والرضا بالموجود، والصبر عن المفقود.\rوسمعته يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت الكتاني يقول: سمعت عمرو بن عثمان المكيَّ يقول: ما رأيت أحداً من المتعبدين، في كثرة من لقيت بمكة وغيرها، ولا أحداً ممن قدم علينا في المواسم أشد اجتهاداً ولا أدوم على العبادة من المزني، رحمه الله تعالى، ولا رأيت أحداً اشد تعظيماً لأوامر الله تعالى عنه، وما رأيت أحداً أشد تضييقاً على نفسه وتوسعة على الناس منه.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: ليس شيء أشرف من العبودية، ولا أسم أتم للمؤمن من الاسم له بالعبودية، ولذلك قال سبحانه في وصف النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج - وكان أشرف أوقاته في الدنيا - \" سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام \" . وقال تعالى: \" فأوحى إلى عبه ما أوحى \" ، فلو كان اسمٌ أجل من العبودية لسماه به.\rوفي معناه أنشدوا:\rيا عمرو ثاري عند زهرائي ... يعرفهُ السامعُ والرائي\rلا تدعني إلا بياعبدها ... فإنه أشرف أسمائي\rوقال بعضهم: إنماهم شيئان: سكونك إلى اللذة، واعتمادك على الحركة، فإذا أسقطت عنك هذين فقد أديتَ العبودية حقها.\rكما قال الواسطي: احذروا لذة العطاء؛ فإنها غطاء لأهل الصفاء.\rوقال أبو علي الجوزجاني: الرضا: دار العبودية، والصبر بابه، والتفويض بيته، فالصوت على الباب والفراغة في الدار، والراحة في البيت.\rسمعت الأستاذ أبا عليَّ الدقاق يقول: كما أن الربوبية نعت للحقَّ سبحانه لا يزول عنه، فالعبودية صفة للعبد لا تفارقه ما دام.\rوأنشد بعضهم:\rفإن تسألوني قلت: هاأنا عبدهُ ... وإن سألوه قال هاذاك مولايا\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت النصراباذي يقول: العبادات إلى طلب الصفح والعفو عن تقصيرها أقربُ منها إلى طلب الإعواضِ والجزاء عليها.","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"وسمعته يقول: سمعت النصراباذي يقول: العبودية اسقاط رؤية التبعد في مشاهدة المعبود.\rوسمعته يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت الجريري يقول. سمعت الجنيد يقول: العبودية، تركُ الأشغال، والاشتغالُ بالشغل الذي هو أصل الفراغة.\rباب الإرادة\rقال الله عزَّ وجلَّ: \" ولا تطرد الذين يدعون ربَّهم بالغداة والعشى يريدون وجهه \" .\rوأخبرنا: علي بن أحمد بن عبدان قال: أخبرنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا هشام بن علي قال: حدثنا الحكم بن أسلم قال: أخبرنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله. فقيل له: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت \" .\rوالإرادةُ: بدء طريق السالكين، وهي أسم لأول منزلة القاصدين إلى الله تعالى.\rوإنما سميت هذه الصفة: إرادة؛ لأن الإرادة مقدمة كلِّ أمر، فما لم يُرد العبد شيئاً لم يفعله، فلما كان هذا أوَّل الأمر لمن سلك طريق الله عز وجل سُمي: إرادة تشبيهاً بالقصد في الأمور الذي هو مقدمتها.\rوالمريد، على موجب الاشتقاق: من له إرادة، كما أن العالم: من له علم؛ لأنه من الأسماء المشتقة.\rولكن المريد في عُرف هذه الطائفة: من لا إرادة له، فمن لم يتجرد عن إرادته لا يكون مريداً، كما أنَّ من لا إرادة له، علي موجب الاشتقاق لا يكون مريداً.\rوتكلم الناس في معنى الإرادة؛ فكلٌّ عبر على حسب ما لاح لقلبه، فأكثر المشايخ قالوا: الإرادة: ترك ما عليه العادة وعادة الناس - في الغالب - التعريج في أوطان الغفلة، والركونُ إلى اتباع الشهوة، والإخلادُ إلى ما دعت إليه المنية.\rوالمريد منسلخ عن هذه الجملة؛ فصار خروجه إمارة ودلالة على صحة الإرادة، فسميت تلك الحالة: إرادة، وهي خروج عن العادة؛ فإن ترك العادة أمارة الإرادة.\rفأما حقيقتها: فهي نهوض القلب في طلب الحق، سبحانه، ولهذا يقال: إنها لوعةٌ تهون كل روعة.\rسمت: الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول حاكياً على ممشاد الدينوري، أنه قال: مذ علمتُ أن أحوال الفقراء جد كلها لم أمازح فقيراً؛ وذلك أن فقيراً قدم عليَّ فقال: أيها الشيخ أريد أن تتخذ لي عصيدة. فجرى على لساني إرادة وعصيدة فتأخر الفقير ولم أشعر به، فأمرتُ باتخاذ عصيدة.. وطلبت الفقير. فلم أجده.. فتعرفت خبره.. فقيل لي: إنه انصرف من فوره، وكان يقول في نفسه: إرادة وعصيدة.. إرادة وعصيدة.. وهام على وجهه حتى دخل البادية، ولم يزل يقول هذه الكلمات حتى مات.\rوعن بعض المشايخ قال: كنت بالبادية وحدي، فضاق صدري، فقلت: يا إنس، كلموني.. يا جن كلموني، فهتف بين هتف: ما تريد؟ فقلت: أريد الله تعالى، فقال: متى تريد الله؟ يعني: أن من قال للجن والإنس: كلموني، متى يكون مريداً لله عزَّ وجلَّ؟! والمريد لا يفتر آناء الليل والنهار، فهو في الظاهر بنعت المجاهدات،وفي الباطن بوصف المكابدات.. فارق الفِراش، ولازم الانكماش، وتحمل المصاعب، وركب المتاعب، وعالج الأخلاق، ومارس المشاق، وعانق الأهوال، وفارق الأشكال، كما قيل:\rثم قطعت الليل في مهمةٍ ... لا أسد أخشى ولا ذيبا\rيغلبني شوقي فأطوي السرى ... ولم يزل ذو الشوق مغلوبا\rسمعت: الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: الإرادة: لوعة في الفؤاد.. لدغة في القلب.. غرام في الضمير.. انزعاج في الباطن.. نيران تتأجج في القلوب.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبا بكر السباك يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: كان بين أبي سليمان وأحمد بن أبي الحواري عقد: لا يخالفه أحمد في شيء يأمره به.. فجاءه يوماً وهو يتكلم في مجلسه، فقال: إن التنور قد سجر، فما تأمر؟ فلم يجبه، فقال مرتين أو ثلاثة، فقال أبو سليمان: اذهب فاقعد فيه!! كأنه ضاق به قلبه، وتغافل عنه أبو سليمان ساعة، ثم ذكر فقال: ادركوا أحمد فإنه في التنور؛ لأنه آلى على نفسه أن لا يخالفني؛ فنظروا فإذا هو في التنور لم تحترق منه شعرة.\rوسمعت الأستاذ أبا علي يقول: كنت في ابتداء صباي محترقاً في الإرادة وكنت أقول في نفسي: ليت شعري!! ما معنى الإرادة.","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"وقيل: من صفات المريدين: التحبب إليه بالنوافل، والخلوص في نصيحة الأمة، والأنس بالخلوة، والصبر على مقاساة الأحكام، والإيثار لأمره، والحياءُ من نظره، وبذل المجهود في محبوبه، والتعرض لكل سبب يتوصل إليه، والقناعة بالخمول، وعدم القرار بالقلب إلى أن يصل إلى الرب.\rوقال أبو بكر الوراق: آفة المريد ثلاثةُ أشياء: التزويج، وكتبة الحديث، والأسفار.\rوقيل له: لِمَ تركت كتابة الحديث؟ فقال: منعتني عنها الإرادة.\rوقال حاتم الأصم: إذا رأيت المريد يريد غير مراده، فاعلم أن قد أظهر بذلته.\rسمعت: محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت الكناني يقول: مِن حكم المريد أن يكون فيه ثلاثة اشياء: نومه غلبة، وأكله فاقة، وكلامه ضرورة.\rوسمعته يقول: سمت الحسين بن أحمد بن جعفر يقول: سمعت جعفر بن نصير يقول: سمعت الجنيد يقول: إذا أراد الله تعالى بالمريد خيراً أوقعه إلى الصوفية، ومنعه صحبة القُراء.\rوسمعته يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت الرًّقي يقول: سمعت الدقاق يقول: نهاية الإرادة أن تشير إلى الله تعالى فتجده مع الإشارة، فقلت: فأي شيء يستوعب الإرادة؟ فقال: أن تجد الله تعالى بلا إشارة.\rسمعت: محمد بن عبد الله الصوفي يقول: سمعت عباس بن أبي الصحو يقول: سمعت أبا بكر الدقاق يقول: لا يكون للرد مريداً حتى لايكتب عليه صاحب الشمال عشرين سنة.\rوقال أبو عثمان الحيري: من لم تصح إرادته بداراً لا يزيد مرور الأيام عليه إلا إدباراً.\rوقال أبو عثمان: المريد إذا سمع شيئاً من علوم القوم فعمل به صار حكمة في قلبه إلى آخر عمره، ينتفع به، ولو تكلم به انتفع به من سمعه. ومن سمع شيئاً من علومهم، ولم يعمل به، كان حكاية يحفظها أياماً ثم ينسها.\rوقال الواسطي: أول مقام المريد: إرادة الحقّ، سبحانه، بإسقاط إرادته.\rوقال يحيى بن معاذ: أشد شيء علي المريدين: معاشرة الأضداد.\rسمعت: الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا القاسم الرازيّ يقول: قال يوسف بن الحسين: إذا رأيت المريد يشتغل بالّرُّخص والكسب؛ فليس يجيء منه شيء.\rوسمعته يقول: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت جعفراً الخالدي يقول: سئل الجنيد: ما للمريدين في مجاراة الحكايات؟ فقال: الحكايات جند من جنود الله تعالى، يقوي بها قلوب المريدي. فقيل له : فهل لك في ذلك شاهد؟ فقال: نعم، قوله عزّ وجلّ: \" وكلاَّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك \" .\rوسمعته يقول: سمعت محمد بن خالد يقول: سمعت جعفراً يقول: سمعت الجنيد يقول: المريد الصادق غني عن علم العلماء.\rفأما الفرق بين المريد والمراد: فكلُّ مريد على الحقيقة مرا. إذ لو لم يكن مراد الله تعالى بن يريده لم يكن مريداً؛ إذ لا يكون إلا ما أراده الله تعالى، وكل مرادٍ مريد؛ لأنه إذا أراده الحقُّ سبحانه بخصوصية وفقه للإرادة. ولكن القوم فرقوا بين المريد والمراد: فالمريد عندهم هو المبتدىء، والمراد: هو المنتهي، والمريد: الذي نصب بعين وألقى في مقاسات المشاقّ، والمراد: الذي كفى بالأمر من غير مشقة، فالمريد متعنِّ، والمراد: مرفوق به مرفَّه.\rوسنَّة الله تعالى مع القاصدين مختلفة، فأكثرهم يوفقّون للمجاهدات، ثم يصلون، بعد مقاساة اللتيَّا والتي، إلى سنِّي المعاني. وكثير منهم يكاشفون في الابتداء بجليل المعاني، ويصلون إلا ما لم يصل إليهكثيرون من أصحاب الرياضات، إلا أن أكثرهم يردّون إلى المجاهدات بعد هذه الأرفاق؛ ليستوفي منهم ما فاتهم من أحكام أهل الرياضة.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: متحمِّل، والمراد محمول.\rوسمعته يقول: كان موسى، عليه السلام، مريداً، فقال: \" ربي اشرح لي صدري \" ، وكان نبينا، صلى الله عليه وسلم، مراداً، فقال الله تعالى: \" ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك \" . وكذلك قال موسى عليه السلام: \" رب، أرني أنظر إليك، قال: لن تراني \" وقال لنبينا، صلى الله عليه وسلم: \" ألم تر إلى ربك كيف مد الظلَّ \" .\rوكان أبو علي يقول: إن المقصود قوله \" ألم تر إلى ربك \" وقوله: \" كيف مد الظل \" : ستر للقصة وتحصين للحالة.\rوسئل الجنيد، رحمه الله، عن المريد والمراد، فقال:","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"المريد: تتولاه سياسة العلم، والمراد: تتولاه رعاية الحق، سبحانه، لأن المريد يسير، والمراد يطير، فمتى يلحق السائر الطائر؟ وقيل: أرسل ذو النون إلى أبي يزيد رجلاً، وقيل له: قل له إلى متى النوم والراحة، وقد جازت القافلة؟! فقال أبو يزيد: قل لأخي ذي النون: الرجل من ينام الليل كله، ثم يصبح في المنزل قبل القافلة.\rفقال ذو النون: هنيئاً له؛ هذا كلام لا تبلغه أحوالنا.\rباب الاستقامة\rقال الله تعالى: \" إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا \" .\rأخبرنا: الإمام أبو بكر محمد بن الحسين بن فورك، رحمه الله، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد الأصبهاني قال: أخبرنا أبو بشر يونس بن حبيب قال حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان مولي النبي صلى الله عليه وسلم، قال: \" استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير دينكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.\rوالاستقامة: درجة بها كمال الأمور وتمامها، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها، ومن لم يكن مستقيما في حالته ضاع سعيه وخاب جهده؛ قال الله تعالى: \" ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوَّة أنكاثاً \" .\rومن لم يكن مستقيما في صفته لم يرتق من مقامه إلى غيره، ولم يبن سلوكه على صحة؛ فمن شرط المستأنف: الاستقامة في أحكام البداية، كما أن من حق العارف الاستقامة في آداب النهاية.\rفمن أمارات استقامة أهل البداية: أن لا تشوب معاملاتهم فترة.\rومن أمارات استقامة أهل الوسائط: أن لا يصحب منازلهم وقفة.\rومن أمارات استقامة أهل النهاية: أن لاتتداخل مواصلتهم حجبة.\rسمعت: الأستاذ أبا عليّ الدقاق، رحمه الله، يقول: الاستقامة؛ لها ثلاثة مدارج: أولها: التقويم، ثم الإقامة، ثم الاستقامة؛ فالتقويم، من حيث تأديب النفوس. والإقامة: من حيث تهذيب القلوب، والاستقامة: من حيث تقريب الأسرار.\rوقال أبو بكر، رضي الله عنه، في معنى قوله: \" ثم استقاموا \" : لم يشركوا.\rوقال عمر، رضي الله عنه، لم يزوغوا زوغان الثعالب.\rفقول الصدّيق، رضي الله عنه، محمول على مراعاة الأصول في التوحيد.\rوقول عمر، رضي الله عنه، محمول علي طلب التأويل والقيام بشرط العهود.\rوقال ابن عطاء: استقاموا على انفراد القلب بالله تعالى.\rوقال أبو علي الجوزجائي: كن صاحب الاستقامة، لا طالب الكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربُّك، عز وجلّ، يطالبك بالاستقامة.\rسمعت: الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا عليّ الشَّبوي يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقلت له: روى عنك يا رسول الله أنك قلت: \" شيبتني هود \" فما الذي شيبك منها: قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ فقال: لا، ولكن قوله تعالى: \" فاستقم كما أمرت \" .\rوقيل: إن الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر؛ لأنها الخروج عن المعهودات، ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: \" استقيموا ولن تحصوا \" .\rوقال الواسطي: الخصلة التي بها كملت المحاسن، وبفقدها قبحت المحاسن: الاستقامة.\rوحكى عن الشبلي، رحمه الله، أنه قال: الاستقامة: أن تشهد الوقت قيامة.\rويقال: الاستقامة في الأقوال: بترك الغيبة، وفي الأفعال: بنفي البدعة، وفي الأعمال بنفي الفترة،وفي الأحوال بنفي الحجبة.\rسمعت: الأستاذ الإمام أبا بكر محمد بن الحسين بن فورك يقول: السيد في الاستقامة: سين الطلب، أي: طلبوا من الحقّ، تعالى، أن يقيمهم على توحيدهم، ثم على استدامة عهودهم، وحفظ حدودهم.\rقال الأستاذ: واعلم أن الاستقامة: توجب دوام الكرامات، قال الله تعالى: \" وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا \" ولم يقل: سقيناهم، بل قال: \" أسقيناهم \" يقال: أسقيته إذا جعلت له سقيا؛ فهو يشير إلى الدوام.\rسمعت: محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت الحسين بن أحمد يقول: سمعت أبا العباس الفرغني يقول: قال الجنيد: لقيت شاباً من المريدين في البادية تحت شجرة من شجر أم غيلان فقلت: ما أجلسك ها هنا؟ فقال: مال افتقدته، فمضيت وتركته. فلما انصرفت من الحج إذا أنا بالشاب قد انتقل إلى موضع قريب من الشجرة، فقلت: ما جلوسك هنا؟ فقال: وجدت ما كنت أطلبه في هذا الموضع فلزمته.","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"فقال: الجنيد: فلا أدري أيُّهما كان أشرف: لزومه لا فتقاد حاله، أو لزومه للموضع الذي نال فيه مراده.\rباب الإخلاص\rقال الله تعالى: \" ألا لله الدين الخالص \" .\rأخبرنا: علي بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري، قال: حدثنا جعفر بن محمد الغرياني قال: حدثنا أبو طلوت قال: حدثني هانيء بن عبد الرحمن بن أبي عقبة، عن إبراهيم بن أبي عبلة العقيلي قال: حدثني عطية ابن وشاح، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله علي وسلم: \" ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب مسلم: إخلاص العمل لله؛ ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين \" .\rوقال الأستاذ: الإخلاص، إفراد الحق، سبحانه، في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله سبحانه دون أي شيء آخر؛ من تصنُّع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرّب به إلى الله تعالى.\rويصحّ أن يقال: الإخلاص: تصفية الفعل من ملاحظة المخلوقين.\rويصحّ أن يقال الإخلاص: التوقيّ عن ملاحظة الأشخاص.\rوقد ورد خبر مسند: \" أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر جبريل، عليه السلام، عن الله سبحانه وتعالى، أنه قال: الإخلاص سر من سري، استودعته قلب من أحببته من عبادي \" .\rسمعت: الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: وقد سألته عن الإخلاص: ما هو؟ فقال: سمعت: علي بن سعيد، وأحمد بن محمد بن زكريا، وقد سألتهما عن الإخلاص، فقالا: سمعنا علّي بن إبراهيم الشقيقي، وقد سألناه عن الإخلاص، فقال: سمعت: محمد بن جعفر الخصّاف، وقد سألته عن الإخلاص، فقال: سألت أحمد بن بشار عن الإخلاص: ما هو؟ قال: سألت أبا يعقوب الشريطيّ عن الإخلاص: ما هو؟ قال: سألت أحمد بن غسّان عن الإخلاص: ما هو؟ قال: سألت عبد الواحد بن زيد عن الإخلاص: ما هو؟ قال: سألت الحسن عن الإخلاص: ما هو؟ قال: سألت حذيفة عن الإخلاص: ما هو؟ قال: سألت جبريل عليه السلام عن الإخلاص: ما هو؟ قال: سألت ربِّ العزة عن الإخلاص: ما هو؟ قال: \" سرّ من سرّي استودعته قلب من أحببته من عبادي \" .\rسمعت: الأستاذ أبا عليّ الدقاق يقول: الإخلاص: التوقيِّ عن ملاحظة الخلق، والصِّدق: التنقيِّ من مطالعة النفس فالمخلص؛ لا رياء له، والصادق: لا إعجاب له.\rوقال ذو النون المصري: الإخلاص: لا يتم إلا بالصدق فيه، والصبر عليه، والصدق لا يتمّ إلا بالإخلاص فيه والمداومة عليه.\rوقال أبو يعقوب السوسي: متى شهدوا في إخلاصهم الخلاص إحتاج إخلاصهم إلى إخلاص.\rوقال ذو النون: ثلاث من علامات الإخلاص: استواء المدح والذم من العامّة، ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال، ونسيان اقتضاء ثواب العمل في الآخرة.\rسمعت: الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: الإخلاص: ما يكون للنفس فيه حظ بحال، وهذا إخلاص العوام.وأما إخلاص الخواصّ: فهو ما يجري عليهم، لا بهم، فتبدو منهم الطاعات، وهم عنها بمعزل، ولا يقع لهم عليها رؤية، ولا بها اعتداد، فذلك: إخلاص الخواصِّ.\rوقال أبو بكر الدقاق: نقصان كلّ مخلص في إخلاصه: رؤية إخلاصه؛ فإذا أراد الله تعالى أن يخلص إخلاصه أسقط عن إخلاصه رؤيته لإخلاصه؛ فيكون مخلصاً لامخلصا.\rوقال سهل: لا يعرف الربء إلا مخلص.\rسمعت أبا حاتم السجتاني يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت الوجيهي يقول: سمعت أبا عليّ الروذباري يقول: قال لي رويم: قال أبو سعيد الخرّاز: رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين.\rوقال ذو النون: الإخلاص: ما حفظ من العدو أن يفسده.\rوقال أبو عثمان: نسيان رؤية الخلق به وام النظر إلى فضل الخالق.\rوقال حذيفة المرعشي: الإخلاص أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن.\rوقيل: الإخلاص: ما أريد به الحقُ، سبحانه، وقُصد به الصدق.\rوقيل: الإغماضُ عن رؤية الأعمال.\rسمعت: محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أبا الحسين الفراسي يقول: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عليَّ بن عبد الحميد يقول: سمعت السري يقول: من تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله تعالى.","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"وسمعته يقول: سمعت عليّ بن بندار الصوفي يقول: سمعت عبد الله بن محمود يقول: سمعت محمد بن عبد ربه يقول: سمعت الفضيل يقول ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص: أن يعافيك الله منهما.\rوقال الجنيد: الإخلاص سرٌّ بين الله تعالى وبين العبد، لايعلمه مَلكٌ فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله.\rوقال رويم: الإخلاص من العمل هو: الذي لايريد صاحبه عليهِ عوضاً من الدارين، ولا حظً من الملكين.\rوقيل لسهل بن عبد الله: أيُّ شيء أشدُّ على النفس؟ فقال: الإخلاص: لأنه ليس لها فيها نصيب.\rوسئل بعضهم عن الإخلاص: فقال: أن لا تشهد على عملك غير الله عز وجل.\rوقال بعضهم: دخلت علي سهل بن عبد الله يوم جمعة قبل الصلاة بيتاً.. فرأيت في البيت حيَّة. فجعلت أقدم رجلاً وأؤخر أخرى، فقال: ادخل، لا يبلغ أحدٌ حقيقة الإيمان وعلى وجه الأرض شيء يخافه. ثم قال: هل لك في صلاة الجمعة؟ فقلت: بيننا وبين المسجد مسيرة يوم وليلة.. فأخذ بيدي، فما كان إلا قليل حتى رأيت المسجد، فدخلناه؛ وصلينا الجمعة. ثم خرجنا؛ فوقف ينظر إلى الناس وهم يخرجون، فقال: أهل لا إلهَ إلا الله كثير، والمخلصون منهم قليل.\rأخبرنا: حمزة بن يوسف الجرجاني قال: حدثنا محمد بن محمد بن عبد الرحيم قال: حدثنا أبو طالب محمد بن زكريا المقدسي قال: حدثنا أبو قرصافة محمد بن عبد الوهاب العسقلاني قال: حدثنا زكريا بن نافع قال: حدثنا محمد بن يزيد القراطيسي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن مكحل قال: ما أخلص عبدٌ قط أربعين يوماً، إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: أعزُّ شيء في الدنيا الإخلاصُ، وكن أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، فكأنه ينبث فيه على لون آخر.\rوسمعته يقول: سمعت النصراباذي يقول: سمعت أبا الجهم يقول: سمعت ابن أبي الحواري يقول: سمعت أبا سليمان يقول: إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء.\rباب الصدق\rقال الله تعالى: \" ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين \" .\rأخبرنا: الإمام أبو بكر محمد بن فورك، رحمه الله، قال: أخبرنا عبد الله ابن جعفر بن أحمد الأصبهاني قال: حدثنا أبو بشر يونس بن حبيب قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: \" لا يزال العبد يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدِّقاً، ولا يزال يكذب ويتحرَّى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً \" .\rقال الأستاذ: والصدق: عماد الأمر، وبه تمامه، وفيه نظامه، وهو تالي درجة النبوة، قال الله تعالى: \" فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين.. \" الآية.\rوالصادق الاسم اللازم من الصدق، والصديق المبالغة منه: وهو الكثير الصدق، الذي الصدق غالبه، كالسكير والخمير.. وبابه.\rوأقل الصدق: استواء السر والعلانية. والصادق: من صدق في أقواله.\rوالصديق: من صدق في جميع أقواله، وأفعاله وأحواله.\rوقال أحمد بن خضروية: من أراد أن يكون الله تعالى معه فليلزم الصدق؛ فإن الله تعالى قال: \" إن الله مع الصادقين \" .\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت الفرغاني يقول: سمعت الجنيد يقول: الصادق: ينقلب في اليوم أربعين مرّة، والمرائي يثبت على حالة واحدة أربعين سنة.\rوقال أبو سليمان الداراني: لو أراد الصادق أن يصف ما في قلبه ما نطق به لسانه.\rوقيل الصدق: القول بالحق في مواطن الهلكة.\rوقيل: الصدق: موافقة السرِّ النطق.\rوقال القناد: الصدق: منع الحرام من الشدق.\rوقال عبد الواحد بن زيد: الصدق: الوفاء لله سبحانه بالعمل.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت جعفر بن نصير يقول: سمعت الجريري يقول: سمعت سهل بن عبد الله يقول: لا يشم رائحة الصدق عبد داهن نفسه أو غيره.\rوقال أبو سعيد العرشي: الصادق: الذي يتهيأ له أن يموت ولا يستحي من سره لو كشف، قال الله تعالى: \" فتمنوا الموت إن كنتم صادقين \" .","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: كان أبو علي الثقفي يتكلم يوماً، فقال له عبد الله بن منازل: يا أبا علي، استعد للموت فلا بد منه. فقال أبو عليّ: وأنت يا عبد الله، استعد للموت فلا بد منه. فتوسد عبد الله ذراعه، ووضع رأسه، وقال: قد مِتُّ.\rفانقطع أبو علي؛ لأنه لم يمكنه أن يقابله بما فعل، لأنه كان لأبي عليِّ علاقات وكان عبد الله مجرداً لا شغل له.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: كان أبو العباس الدينوري يتكلم.. فصاحت عجوز في المجلس صيحة، فقال لها أبو العباس الدينوري: مُوتي.. فقامت وخطت خطوات.. ثم التفتت إليه، وقالت:قد مِتُّ. ووقعت ميّتة.\rوقال الواسطي: الصدق: صحة التوحيد مع القصد.\rوقيل: نظر عبد الواحد بن زيد إلى غلام من أصحابه قد نحل بدنه، فقال: يا غلام، أتديم الصوم؟ فقال: ولا أديم الإفطار. فقال: أتديم القيام بالليل؟ فقال: ولا أديم النوم.\rفقال: فما الذي أنحلك؟ فقال: هوى دائم.. وكتمان دائم عليه. فقال عبد الواحد: اسكت؟ فما أجرأك!! فقام الغلام، وخطا خطوتين، وقال إلهي، إن كنت صادقاً فخذني؛ فخر ميتاً.\rوحكي عن أبي عمرو الزجاجي أنه قال: ماتت أمي.. فورثت منها داراً، فبعتها بخمسين ديناراً.. وخرجت إلى الحج، فلما بلغت باب استقبلني من واحد القناقنة وقال: ما معك؟ فقلت في نفسي: الصدق خير.. ثم قلت: خمسون ديناراً. فقال: ناولنيها. فناولته الصرة.. فعدَّها؛ فإذا هي خمسون ديناراً. فقال: خدثها؛ فلقد أخذني صدقك. ثم نزل عن الدابة، وقال: أركبها. فقلت: لا أريد! فقال لابد. وألحَّ عليَّ.\rفركبتها. فقال: وأنا على أثرك.\rفلما كان العام المستقبل لحق بي، ولازمني حتى مات.\rسمت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت جعفراً الخواص يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: الصادق. لا نراه إلا في فرض يؤديه، أو فضل يعمل فيه.\rوسمعته يقول: سمعت أبا الحسين بن مقسم يقول: سمعت جعفراً الخواص يقول: سمعت الجنيد يقول: حقيقة الصدق: أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب.\rوقيل: ثلاثة لا تخطىء الصادق: الحلاوةُ، والهيبة، والملاحة.\rوقيل: أوحى الله، سبحانه، إلى داود عليه السلام، يا داود من صدقني في سريرته صدقته عند المخلوقين في علانيته.\rوقيل: دخل إبراهيم بن دوحة مع غبراهيم بن ستنبة البادية، فقال إبراهيم بن ستنبة: اطرح ما معك من العلائق. قال: فطرحت كل شيء إلا ديناراً فقال: يا إبراهيم، لاتشغل سري، اطرح ما معك من العلائق!! قال: فطرحت الدينار، ثم قال: يا إبراهيم، اطرح ما معك من العلائق!!. فتذكرت أن معي شسوعاً للنعل، فطرحتها، فما أحتجت في الطريق إلى شسع إلاَّ وجدته بين يدي.\rفقال: إبراهيم بن ستنبة: هكذا من عامل الله تعالى بالصدق.\rوقال ذو النون المصري، رحمه الله: الصدق سيف الله، ما وُضع على شيء، إلا قطع.\rوقال سهل بن عبد الله: أول خيانة الصديقين حديثهم مع أنفسهم.\rوسئل فتح الموصلي عن الصدق، فأدخل يده في كير الحداد.. وأخرج الحديدة المحماة.. ووضعها على كفه، وقال: هذا هو الصدق.\rوقال يوسف بن أسباط: لأن أبيت ليلة أعامل الله تعالى بالصدق أحب إلى من أن أضرب بسيفي في سبيل الله تعالى.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، يقول: الصدق أن تكون مع الناس كما تَرى من نفسك، أو أن ترى من نفسك كما تكون.\rوسئل الحارث المحاسبي عن علامة الصدق، فقال: الصادق: هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه، ولا يحب إطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله، ولا يكره أن يُطلع الناس على السيء من عمله؛ فإن كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم وليس هذا من أخلاق الصديقين.\rوقال بعضهم: من لم يؤد الفرض الدائم لا يقبل منه الفرض المؤقت.\rوقيل له: ما الفرض الدائم؟ قال: الصدق.\rوقيل: إذا طلبت الله بالصدق أعطاك مرآة تُبصر فيها كلَّ شيء من عجائب الدنيا والآخرة.\rوقيل: عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فإنه ينفعك، ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك؛ فإنه يضرك.\rوقيل: كل شيءٍ، ومصادقة الكذاب لا شيء.\rوقيل: علامة الكذاب جوده باليمين بغير مستحلف.\rوقال ابن سيرين: الكلامُ أوسع من أن يكذب طريف.\rوقيل: ما أملق تاجر صدوق.\rباب الحياء","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"قال الله تعالى: \" ألم يعلم بأن الله يرى \" .\rوأخبرنا أبو بكر محمد بن عبدوس الحيري! المزكي قال: أخبرنا أبو سهل أحمد ابن محمد بنزياد النحويُّ ببغداد قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الهيثم قال: حدثنا موسى بن حيان قال: حدثنا المقدمي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافقع، عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.\r\" الحياء من الإيمان \" .\rوأخبرنا أبو سعيد محمد بن إبراهيم الاسماعيلي قال: حدثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري قال: حدثنا أبو أحمد بن عبد الوهاب قال: حدثنا يعلى بن عبيد قال: حدثنا أبان بن إسحق، عن الصباح بن محمد، عن مُرَّة الهمذاني، عن ابن مسعود، رضي الله عنه، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، قال ذات يوم لأصحابه: \" استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: إنا نستحي يا نبي الله، والحمد الله.\rقال: ليس ذلك، ولكن ن استحيا من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس وما وعي، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء \" .\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: أخبرنا أبو نصر الوزيري قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد قال: حدثنا الغلابي قال: حدثنا محمد بن مخلد، عن أبيه قال: قال بعض الحكماء: أحيوا الحياء بمجالسة من يُستْحا منه.\rوسمعته يقول سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت ابن عطاء يقول: العلم الأكبر: الهيبة والحياء؛ فإذا ذهبت الهيبة والحياء لم يبق فيه خير.\rوسمعته يقول: سمعت أبا الفرج الورثاني يقول: سمعت محمد بن أحمد بن يعقوب يقول: حدثني محمد بن عبد الملك قال: سمعت ذا النون المصري يقول: الحياء وجود الهيبة في القلب، مع وحشة ما سبق منك إلى ربك تعالى.\rوقال ذو النون المصري: الحبُّ ينطق، والحياة يسكب، والخوف يقلق.\rوقال أبو عثمان: من تكلم في الحياء ولا يستحي من الله عز وجل فيما يتكلم به، فهو مستدرج.\rسمعت أبا بكر بن أشكيب، يقول: دخل الحسن بن الحداد على عبد الله ابن منازل، فقال: من أين تجيء؟ فقال: من مجلس أبي القاسم المذكر. قال: في ماذا كان يتكلم؟ فقال: في الحياء. فقال عبد الله: واعجباه!! من لم يستح من الله تعالى كيف يتكلم في الحياء؟! سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت أحمد بن صالح يقول: سمعت محمد بن عبدون يقول: سمعت أبا العباس المؤدب يقول: قال السريَّ: إن الحياء والأنس يطرقان القلب؛ فإن وجدا فيه الزهد والورع حطا، وإلا رحلا.\rوسمعته يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت الجريري يقول: تعامل القرن الأول من الناس فيما بينهم بالدين، حتى رق الدين.. ثم تعامل القرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء، ثم تعامل القرن الثالث بالمروءة حتى ذهبت المروءة، ثم تعامل القرن الرابع بالحياء حتى ذهب الحياء، ثم صار الناس يتعاملون بالرغبة والرهبة.\rوقيل في قوله تعالى: \" ولقد همت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه \" .\rالبرهان: أنها ألقت ثوباً على وجه صنم في زاوية البيت، فقال يوسف عليه السلام: ماذا تفعلين؟ فقالت: استحي منه، قال يوسف عليه السلام: أنا أولى منك أن أستحي من الله تعالى.\rوقيل في قوله تعالى: \" فجاءته إحداهما تمشي على استحياء \" قيل: إنما استحيت منه؛ لأنها كانت تدعوه إلى الضيافة، فاستحيت أن لا يجيب موسى عليه السلام، فصفة المضيف الاستحياء، وذلك استحياء الكرم.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله. يقول: سمعت عبد الله بن الحسين يقول. سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله. يقول: سمعت أبا عبد الله العمري يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت أبا سليمان الداراتي يقول: قال ألله تعالى: \" يا عبدي إنك ما استحييت مني؛ أنسيتُ الناس عيوبك، وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك، ومحوت من أم الكتاب زلاتك، ولا أناقشك في الحساب يوم القيامة \" .\rوقيل: رؤى رجل يصلي خارج المسجد، فقيل له: لم لا تدخل المسجد فتصلي فيه؟ فقال: استحى منه تعالى أن أدخل بيته، قد عصيته!! وقيل: من علامات المستحي: أن لايرى بموضع يستحيا منه.\rوقال بعضهم: خرجنا ليلة فمررنا بأجمة، فإذا رجل نائم، وفرص عند رأسه ترعى، فحركناه، وقلنا له: ألا تخاف أن تنام في مثل هذا الموضع المخوف وهو مًسبع؟","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"فرفع رأسه، وقال: أنا أستحي منه تعالى، أن أخاف غيره، ووضع رأسه ونام.\rوأوحى الله سبحانه إلى عيسى عليه السلام: عظ نفسك؛ فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستح مني أن تعظ الناس.\rوقيل: الحياء على وجوه: حياء الجناية؛ كآدم، عليه السلام، لما قيل له: أفراراً منا!! فقال: لا، بل حياء منك.\rوحياء التقصير؛ كالملائكة يقولون: سبحانه: ما عبدناك حق عبادتك.\rوحياء الإجلال؛ كإسرافيل، عليه السلام، تسربل بجناحه حياء من الله عزَّ وجلَّ.\rوحياء الكرم؛ كالنبي صلى الله عليه وسلم، كان يستحي من أمته أن يقول لهم: أخرجوا، فقال الله عز وجلَّ: \" ولا مستأنسين لحديث \" .\rوحياء حشمة؛ كعلى، رضي الله عنه، حين سأل المقداد بن الأسود حتى سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكم خروج المذي، لمكان فاطمة رضي الله عنها.\rوحياء الاستحقار؛ كموسى عليه السلام، قال: إني لنعرِض لي الحاجة من الدنيا، فاستحي أن أسألك يا رب، فقال لله عز وجل له: سلني حتى عن ملح عجينك، وعلق شاتك.\rوحياء الإنعام، هو حياء الرب سبحانه، يدفع إلى العبد كتاباً مختوماً بعد ما عبر الصراط، وإذا فيه: فعلتَ ما فعلتَ، وقد استحييت أن أظهره عليك، فاذهب، فإني قد غفرت لك.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول في هذا الخبر: إن يحيى بن معاذ قال: سبحان من يذنب العبد فيستحي هو منه.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن جعفر يقول: سمعت زنجوية اللباد يقول: سمعت علي بن الحسين الهلالي يقول: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: خمس من علامات الشقاء: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل.\rوفي بعض الكتب: ما أنصفني عبدي، يدعوني فأستحي ن أرده، ويعصيني فلا يستحي مني.\rوقال يحيى بن معاذ: من استحيا من الله مطيعاً استحيا الله تعالى منه وهو مذنب.\rوأعلم أن الحياء: يوجب التذويب، فقال: الحياء: ذوبان الحشا لاطلاع المولى.\rويقال: الحياء: انقباض القلب، لتعظيم الرب وقيل: إذا جلس الرجل ليعظ الناس ناداه ملكاه: عظ نفسك بما تعظ به أخاك، وإلا فاستحي من سيدك؛ فإنه يراك.\rوسئل الجنيد عن الحياء، فقال: رؤية الآلاء، ورؤية التقصير، فيتولد من بينهما حالة تسمى الحياء.\rوقال الواسطي: لم يذق لذعات الحياء من لابس خرق حدَّ أو نقض عهد.\rوقال الواسطي أيضاً: المستحي يسيل منه العرق، وهو الفضل الذي فيه،وما دام في النفس شيء فهو مصروف عن الحياء.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: الحياء: ترك الدعوى بين يدي الله عزَّ وجلَّ.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد الله الصوفي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا العباس بن الوليد الزوزني يقول: سمعت محمد بن أحمد الجوزجاني يقول: سمعت أبا بكر الوراق يقول: ربما أصلي لله تعالى ركعتين، فأنصرف عنهما، وأنا بمنزلة من ينصرف عن السرقة من الحياء.\rباب الحرية\rقال الله عز وجل: \" ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة \" .\rقال: إنما آثروا على أنفسهم لتجردهم عما خرجوا منه، وآثروا به.\rأخبرنا: علي بن أحمد الأهوازي، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري قال: حدثنا ابن أبي قماش قال: حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال: حدثنا نعيم بن مورع بن توبة، عن إسماعيل المكي، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إنما يكفي أحدكم: ما قنعت به نفسه، قال: وإنما يصير إلى أربعة أذرع وشبر، وإنما يرجع الأمر إلى آخر \" .\rقال: الحرية: أن لايكون العبد تحت رق المخلوقات، ولا يجري عليه سلطان المكونات، وعلامة صحته: سقوط التمييز عن قلبه بين الأشياء، فيتساوى عنده أخطار الأعراض.\rقال حارثة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: عزفت نفسي عن الدنيا؛ فاستوى عندي حجرها وذهبها.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: من دخل الدنيا وهو عنها حر ارتحل إلى الآخرة وهو عنها حُر.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا محمد المراغي يحكي عن الرقي، عن الدقاق: يقول: من كان في الدنيا حراً منها كان في الآخرة حراً منها.\rواعلم أن حقيقة الحرية في كمال العبودية؛ فإذا صدقت لله تعالى عبوديته خلصت عن رق الأغيار حريته.","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"فأما من توهم أن العبد يسلم له أن يخلع وقتاً عذار العبودية، ويحيد بلحظه عن حد المر والنهي وهو مميز، في دار التكليف، فذلك انسلاخ من الدين.\rقال الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: \" وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين \" يعني: الأجل، وعليه أجمع المفسرون.\rوأن الذي أشار إليه القوم من الحرية هو: أن لايكون العبد تحت رق شيء من المخلوقات لا من أعراض الدنيا، ولا من أعراض الآخرة؛ فرداً لفرد لم يسترقه عاجل دنيا، ولا حاصل هوى، ولا أجل مني، ولا سؤال، ولا تصد ولا أرب، ولاحظ.\rوقيل للشبلي: ألم تعلم أنه تعالى رحمن؟ فقال: بلى ولكن منذ عرفت رحمته ما سألته أن يرحمني.\rومقام الحرية عزيز.\rسمعت الشيخ أبا عليُّ، رحمه الله، يقول. كان أبو العباس السياري يقول: لو صحت صلاة بغير قرآن لصحت بهذا البيت:\rأنمى على الزمان محالاً ... أن ترىُ مقلتي طلعةَ حُرّ\rوأما أقاويل المشايخ في الحرية؛ فقال الحسين بن منصور: من أراد الحرية فليصل العبودية.\rوسئل الجنيد عمن لم يبق عليه من الدنيا إلا مقدار مص نواة، فقال: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا عمرو الأنماطي يقول: سمعت الجنيد يقول: إنك لا تصل إلى صريح الحرية وعليك من حقيقة عبوديته بقية.\rوقال بشر الحافي: ما أراد أن يذوق طعم الحرية، يستريح من العبودية فليطهر السريرة بينه وبين الله تعالى.\rوقال الحسن بن منصور: إذا استوفة العبد مقامات العبودية كلها يصير حُراً من تعب العبودية، فيترسم بالعبودية بلا عناء ولا كلفة، وذلك ما قام الأنبياء والصديقين، يعني يصير محمولاً، لا يلحقه بقلبه مشقة وإن كان متحليا بها شرعاً، أنشدنا الشيخ أبو عبد الرحمن قال: أنشدنا أبو بكر الرازي قال: أنشدني منصور الفقيه لنفسه:\rما بقي في الإنس حر ... لا، ولا في الجن حرُّ\rقد مضى حر الفريقين ... فحلو العيش مرُّ\rواعلم أن معظم الحرية في خدمة الفقراء.\rسمعت الشيخ أبا عليِّ الدقاق، رحمه الله، يقول: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: إذا رأيت لي طالباً فكن له خادماً.\rوقال صلى الله عليه وسلم: \" سيد القوم خادمهم \" .\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله يقول: سمعت محمد بن إبراهيم بن الفضل يقول: سمعت محمد بن الرومي يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: أبناء الدنيا تخدمهم الإماء والعبيد، وأبناء الآخرة تخدمهم الأحرار والأبرار.\rوسمعته يقول: سمعت عبد الله بن عثمان بن يحيى يقول: سمعت علي بن محمد المصري يقول: سمعت يوسف بن موسى يقول: سمعت بن خبيق يقول: سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: إن الحر الكريم يخرج من الدنيا قبل أن يُخرج منها.\rوقال إبراهيم بن أدهم: لا تصحب إلا حراً كريماً؛ يسمع ولا يتكلم.\rباب الذكر\rقال الله تعالى: \" ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً \" .\rأخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشر ببغداد، قال أخبرنا أبو علي الحسين بن صفوان البرذعي قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا قال: حدثنا هارون بن معروف قال: حدثنا أنس بن عياض قال: حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن زياد بن أبي زياد، عن أبي بحرية، عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأربعها في درجاتكم وخير من إعطاء الذهب والورق، وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضبوا أعناقكم؟ قالوا: ما ذلك يا رسول الله؟ قال: ذكر الله تعالى: أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا الديري، عن عبد الرزاق، عن معمر: عن الزهري، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" تقوم الساعة على أحد يقول: الله.. الله \" .\rوأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا معاذ قال: حدثنا أبي، عن حميد، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله.. الله \" .","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"قال الأستاذ: والذكر ركن قوي في طريق الحق سبحانه وتعالى، بل هو العمدة في هذا الطريق، ولا يصل أحد إلى الله إلا بدوام الذكر.\rوالذكر على ضربين: ذكر اللسان، وذكر القلب. فذكر اللسان به يصل العبد إلى استدامة ذكر القلب. والتأثير لذكر القلب؛ فإذا كان العبد ذاكراً بلسانه وقلبه، فهو الكامل في وصفه في حل سلوكه.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: الذكر منشور الولاية؛ فمن وُفق للذكر فقد أعطى المنشور، ومن سلب الذكر فقد عزل.\rوقيل: إن الشبلي كان في ابتداء أمره ينزل كل يوم سرباً ويحمل مع نفسه حزمة من القضبان، فكان إذا دخل قلبه غفلة ضرب نفسه بتلك الخشب حتى يكسرها على نفسه، فربما كانت الحزمة تفني قبل أن يمسى، فكان يضرب بيده ورجليه على الحائط.\rوقيل: ذكر الله بالقلب سيف المريدين، به يقاتلون أعداءهم، وبه يدفعون الآفات التي تقصدهم، وإن البلاء إذا إذا أظل العبد؛ فإذا فزع بقلبه إلى الله تعالى يجيد عنه في الحال كلُّ ما يكرهه.\rوسئل الواسطي عن الذكر فقال: الخروج من ميدان الغفلة إلى فضاء المشاهدة على غلبة الخوف،وشدة الحب له.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت عبد الله بن الحسين يقول: سمعت أبا محمد البلاذري يقول: سمعت عبد الرحمن بن بكر يقول: سمعت ذا النون المصري يقول: من ذكر الله تعالى ذكراً على الحقيقة نسي في جنب ذكره كلَّ شيء، وحفظ الله تعالى عليه كل شيء، وكان له عوضاً عن كل شيء.\rوسمعته يقول: سمعت عبد الله المعلم يقول: سمعت أحمد المسجدي يقول: سئل أبو عثمان؛ فقيل له: نحن نذكر الله تعالى، ولا نجد في قلوبنا حلاوة؟ فقال: أحمدو الله عالى، عن أن زين جارحة من جوارحكم بطاعته.\rوفي الخبر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: \" إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا فيها. فقيل له: وما رياض الجنة؟ فقال: خلق الذكر \" .\rأخبرنا أبو الحسن علي بن بشر ببغداد قال: حدثنا أبو علي بن صفوان قال: حدثنا ابن أبي الدنيا قال: دثنا الهيثم بن خارجة قال: حدثنا إسماعيل ابن عياش، عن عمر بن عبد الله: أن خالد بن عبد الله بن صفوان أخبره عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: \" يا أيها الناس؛ ارتعوا في رياض الجنة. قلنا يا رسول الله، ما رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر؟ اغدوا، وروحوا، واذكروا، من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلةُ الله عنده؟ فإن الله سبحانه، ينزل العبد منه حيث أنزله عن نفسه.\rوسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمداً الفراء يقول: سمعت الشبلي يقول: أليس الله تعالى يقول: أنا جليس من ذكرني؟ ما الذي استفدتم من مجالسة الحق سبحانه؟ وسمعته يقول: سمعت عبد الله بن موسى السلامي يقول: سمعت الشبلي ينشد في مجلسه:\rذكرتك، لا أني نسيتك لمحةً ... وأيس ما في الذكر ذكرٌ لساني\rوكدت بلا وجود أموت من اله ... وى وهام على القلب بالخفقان\rفلما رآني الوجد أنك حاضري ... شهدتك موجوداً بكل مكان\rفخاطبت موجوداً بغير تكلم ... ولاحظت معلوماً بغير عيان\rومن خصائص الذكر: أنه غير مؤقت، بل ما من وقت من الأوقات إلا والعبد مأمور بذكر الله: إما فرضاً، وإما ندباً. والصلاة، وإن كانت أشرف العبادات، فقد لا تجوز في بعض الأوقات. والذكر بالقلب مستدام في عموم الحالات.\rقال الله تعالى: \" الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم.. \" .\rسمعت الإمام أبا بكر بن فورك، رحمه الله، يقول: قيماً: بحق الذكر، وقعوداً: عن الدعوى فيه.\rوسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن يسأل الأستاذ أبا علي الدقاق، فقال: الذكر أتم أم الفكر؟ فقال الأستاذ أبو علي: ما الذي يقول الشيخ فيه؟ قال الشيخ أبو عبد الرحمن: عندي الذكر أتم من الفكر؛ لأن الحق، سبحانه، يوصف بالذكر، ولا يوصف بالفكر، وما وصف به الحق سبحانه أتم مما اختص به الخلق. فاستحسنه الأستاذ أبو علي، رحمه الله.\rوسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله يقول: سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت الكناني يقول: لولا أن ذكره فرض عليّ لما ذكرته إجلاله، مثلي يذكُرهّ!! ولم يغسل فمه بألف توبة منقبلة عن ذكره.\rوسمعت الأستاذ أبا عليّ، رحمهالله، ينشد لبعضهم:","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"ما إن ذكرتك إلا هم يزجرني ... قلبي وسري وروحي عند ذكراكا\rحتى كأن رقيباً منك يهتف بي ... إياك، ويحك والتذكار إياكا\rومن خصائص الذكر: أنه جعل في مقابلته الذكر. قال الله تعالى: \" فأذكروني أذكركم \" .\rوفي خبر: \" أن جبريل عليه السلام قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى يقول: أعطيت أمتك ما لم أعط أمة من الأمم، فقال: وما ذاك يا جبريل؟ فقال: قوله تعالى: \" فاذكروني أذكركم \" ؛ لم يقل هذا لأحد غير هذه الأمة \" .\rوقيل: إن الملك يستأمر الذاكر في قبض روحه.\rوفي بعض الكتب: أن موسى، عليه السلام، قال يارب: أين تسكن؟ فأوحى الله تعالى إليه، في قلب عبدي المؤمن. ومعناه: سكون الذكر في القلب فإن الحق سبحانه وتعالى منزه عن كل سكون وحلول، وإنما هو: إثبات ذكر وتحصيل.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت فارساً يقول: سمعت الثوري يقول: سمعت ذا النون، وقد سألته عن الذكر فقال: هو غيبة الذاكر عن الذكر، ثم أنشأ يقول:\rلا لأني أنساك أكثِرث ذكرا ... كَ، ولكن بذاك يجري لساني\rوقال سهل بن عبد الله: ما من يوم إلا والجليل سبحانه ينادي: يا عبدي، ما أنصفتني؛ أذكرك وتنساني، وأدعوك إليَّ وتذهب إلى غيري، وأذهب عنك البلايا وأنت معتكف الخطايا، يا بن آدم، ما تقول غداً إذا جئتني؟! وقال أبو سليمان الداراني: إن في الجنة قيعاناً، فإذا أخذ الذاكر في الذكر أخذت الملائكة في غرس الأشجار فيها، فربما يقف بعض الملائكة، فيقال له: لم وقفت؟ فيقول: فَستر صاحبي.\rوقال الحسن: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، فإن وجدتم، وإلا فاعلموا أن الباب مغلق.\rوقال حامد الأسود. كنت مع إبراهيم الخواص في سفر، فجئنا إلى موضع فيه حيات كثيرة.. فوضع ركوته وجلس، فلما كان برد الليل وبرد الهواء خرجت الحيات، فصحت بالشيخ، فقال: اذكر الله.. فذكرت فرجعت، ثم عادت، فصحت به، فقال مثل ذلك. فلم أزل إلى الصباح في مثل تلك الحالة.. فلما أصبحنا قام، ومشى، ومشيت معه، فسقطت من وطائه حية عظيمة وقد تطوقت به. فقلت: ما أحسست بها؟ فقال: لا، منذ زمان ما بت ليلة أطيب من البارحة.\rقال أبو عثمان: من لم يذق وحشة الغفلة لم يجد طعم أنس الذكر.\rسمعت محمد بن الحسين يقول سمعت عبدالرحمن بن عبد الله الذبياني يقول: سمعت الجريري يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت السري يقول: مكتوب في بعض الكتب التي أنزلها الله تعالى: \" إذا كان الغالب علي عبدي ذكري عشقي وعشقته \" .\rوبإسناده: أنه أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: \" بي فافرحوا، ويذكري فتنعموا \" .\rوقال الثوري: لكل شيء عقوبة، وعقوبة العارف بالله انقطاعه عن الذكر.\rوفي الإنجيل ذاكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، وارض بنصرتي لك؛ فإن نصرتي لك خير لك من نصرتك لنفسك.\rوقيل لراهب: أأنت صائم؟ فقال: صائم بذكره، فإذا ذكرت غيره أفطرت.\rوقيل: إذا تمكن الذكرُ من القلب، فن دنا منه الشيطان صرع، ما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان، فتجتمع عليه الشياطين فيقولون: ما لهذا؟ فيقال: قد مسَّه الإنس.\rوقال سهل: ما أعرف معصية أقبح من نسين الربّ تعالى.\rوقيل الذكر الخفي لا يرفعه الملك، لأنه لا اطلاع له عليه، فهو سر بين العبد وبين الله عز وجل.\rوقال بعضهم: وصف لي ذاكر في أجمه، فأتيته، فبينما هو جالس إذا سبع عظيم ضربه ضربة، واستلب منه قطعة، فغشي عليه وعلي، فلما أفاق، قلت: ما هذا؟ فقال: قيض الله هذا السبع عليَّ، فكلما دخلتني فترة عضني عضة، كما رأيت.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت الحسين بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن نصير يقول: سمعت الجريري يقول: كان من بين أصحابنا رجل يكثر أن يقول: الله.. الله.. فوقع يوماً على رأسه جذع فانشج رأسه وسقط الدم، فاكتُتب على الأرض: الله.. الله.\rباب الفتوة\rقال الله تعالى: \" إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى \" .\rقال الأستاذ: أصل الفتوة أن يكون العبد ساعياً أبداً في أمر غيره.\rقال صلى الله عليه وسلم: \" لايزال الله تعالى في حاجة العبد ما دام العبد في حاجة أخيه المسلم \" .","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"أخبرنا به علي بن أحمدبن عبدان، قال: أخبرنا به أحمد بن عبيد قال: حدثنا به إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا به يعقوب بن حميد بن كاسب قال: حدثنا به ابن أبي حازم، عن عبد الله بن عامر الأسلمي، عن عبد الرحمن بن حومز الأعرج، عن أبي هريرة، عنزيد بن ثابت رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" لا يزال الله تعالى في حاجة العبد ما دام العبد في حاجة أخيه المسلم \" .\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: هذا الخُلق، لا يكون كماله إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فن كل أحد في القيامة يقول: نفسي.. نفسي، وهو صلى الله عليه وسلم، يقول: أمَّتي.. أمتي.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا جعفر الفرغاني يقول: سمت الجنيد يقول: الفتوة بالشام، واللسان بالعراق، والصدق بخراسان.\rوسمعته يقول: سمعت عبد الله بن محمد الرازي يقول: سمعت محمد بن نصر ابن منصور الصائغ يقول: سمعت محمد بن مردويه الصائغ يقول: سمعت الفضيل يقول: الفتوة: الصفح عن عثرات الإخوان.\rوقيل: الفتوة: أن لا ترى لنفسك فضلاً عن غيرك.\rوقال أبو بكر الوراق: الفتى من لا خصم له.\rوقال محمد بن علي الترمذي: الفتوة: أن تكون خصماً لرِّبك على نفسك ويقال: الفتى: من لا يكون خصماً لأحد.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: سمعت النصراباذي يقول: سُمي أصحاب الكهف فتية؛ لأنهم آمنوا بربهم بلا واسطة.\rوقيل: الفتى: من كسر الصنم: قال الله تعالى: \" سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم \" وقال تعالى: \" فجعلهم جذاذاً \" وصنم كل إنسان نفسه؛ فمن خالف هواه فهو فتى علي الحقيقة.\rوقال الحارث المحاسبي: الفتوة: أن تنصِفَ ولا تنتصف.\rوقال عمر بن عثمان المكيِّ: الفتوة: حسن الخلق.\rوسئل الجنيد عن الفتوة، فقال: أن لا تنافر فقيراً، ولا تعارض غنياً.\rوقال النصبراباذي: المروءة شعبة من الفتوة، وهو الإعراض عن الكونين، والأنفة منها.\rوقال محمد بن علي الترمذي: الفتوة أن يسوي عندك المقيم والطارىء.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت علي بن عمر الحافظ يقول: سمعت أبا سهل بن زياد يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سئل أبي: ما الفتوة؟ فقال: تركُ ما تهوى لما تخشى.\rوقيل لبعضهم: مال الفتوة؟ فقال: أن لا يُميزّ بين أن يأكل عنده ولي أو كافر.\rسمعت بعض العلماء يقول: استضاف مجوسي إبراهيم الخليل عليه السلام، فقال: بشرط أن تًسلم، فمر المجوسي، فأوحى الله تعالى إليه: منذ خمسين سنة نطعمه علي كفره، فلو ناولته لقمة من غير أن تطالبه بتغيير دينه؟! فمضى إبراهيم عليه السلام، على أثره، حتى أدركه.. واعتذر إليه، فسأله عن السبب، فذكر له ذلك؛ فأسلم المجوسي.\rوقال الجنيد: الفتوة: كفّ الأذى، وبذل الندى.\rوقال سهل بن عبد الله: الفتوة: اتباع السنَّة.\rوقيل: الفتوة: الوفاء والحفاظ.\rوقيل: الفتوة: فضيلة تأتيها ولا ترى نفسك فيها.\rوقيل: الفتوة: أن لاتهرب إذا أقبل السائل.\rوقيل: أن لا تحتجب من القاصدين.\rوقيل: أن لا تدخر ولا تعتذر.\rوقيل: إظهار النعمة، وإسرار المحنة.\rوقيل: أن تدعو عشرة أنفس فلا تتغير إن جاء تسعة أو أحد عشر.\rوقيل: الفتوة: ترك التمييز.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: قال أحمد بن خضرويه لامرأته أم عليّ: أريد أن أتخذ دعوة أدعو فيها عياراً شاطراً كان في بلدهم رأس الفتيان.\rفقالت: امرأته: إنك لا تهتدي إلى دعوة الفتيان. فقال: لابد.\rفقلت: إن فعلت فاذبح الأغنام والبقر والحُمُر، وألقها من باب دار الرجل إلى باب دارك.\rفقال: أما الأغنام والبقر فأعلمُ. فما بال الحُمُر؟ فقالت: تدعو فتى إلى دارك، فلا أقل من أن يكون لكلاب المحلة خير.\rوقيل: اتخذ بعضهم دعوة، وفيهم شيخ شيرازي، فلما أكلوا وقع عليهم النوم في حال السماع.\rفقال الشيخ الشيرازي لصاحب الدعوة: ما السبب في نومنا؟ فقال: لا أدري!! اجتهدت في جميع ما أطعمتكم إلا الباذنجان، فلم أسأل عليه.","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"فلما أصبحوا سألوا بائع الباذنجان، فقال: لم يكن لي شيء، فسرقت الباذنجان من الموضع الفلاني وبعته، فحملوه إلى صاحب الأرض ليجعله في حل، فقال الرجل: تسألون مني ألف باذنجانة؟ قد وهبته تلك الأرض ووهبته ثورين وحماراً، وآلة الحرث؛ لئلا يعود إلى مثل ما فعل.\rوقيل: تزوج رجل بامرأة.. فقبل الدخول ظهر بالمرأة الجدري، فقال الرجل: اشتكت عيني، ثم قال: عميت، فزفت إليه المرأة.. ثم ماتت بعد عشرين سنة.. ففتح الرجل عينيه، فقيل له في ذلك فقال: لم أعم، ولكن تعاميت حذار أ، تحزن، فقيل له: سبقت الفتيان.\rوقال ذو النون المصري: من أراد الظرف فعليه سقاة الماء ببغداد.\rفقيل له: كيف هو؟ فقال: لما حُملت إلى الخلفية، فيما نُسب لى من الزندقة، رأيت سقاء عليه عمامة، وهو مترد بمنديل مصري، وبيده كيزان خزف رقاق، فقلت: هذا ساقي السلطان، فقالوا: لا، هذا ساقي العامة.\rفأخذت الكوز وشربت. وقلت لمن معي: أعطه ديناراً. فلم يأخذه، وقال: أنت أسير، وليس من الفتوة أن آخذ مكن شيئاً.\rوقيل: ليس من الفتوة أن تربح علي صديقك. قاله بعض أصدقائنا، رحمه الله تعالى.\rوكان فتى يسمى أحمد بن سهل التاجر، وقد اشتريت منه خرقة بياض فأذ الثمن رأس ماله فقلت له: ألا تأخذ ربحاً؟ فقال: أما الثمن فآخذه، ولا أ؛ملك مِنَّةً؛ لأنه ليس له من الخطر ما أتحلق به معك، ولكن لا أخذ الربح؛ إذ ليس من الفتوة أن تربح علي صديقك.\rوقيل: خرج إنسان يدعى الفتوة من نيسابور لى نسا فاستضافه رجل، ومعه جماعة من الفتيان، فلما فرغوا من الطعام خرجت جارية تصب الماء على أيديهم، فانقبض النيسابوري عن غسل اليد، وقال: ليس من الفتوة أن تصب النسوان الماء على أيدي الرجال!! قال واحد منهم: أنا سنين أدخل هذه الدار لم أعلم أن امرأة تصب الماء على أيدينا أم رجلاً.\rسمعت منصوراً المغربي يقول: اراد واحد أن يمتحن نوحاً النيسابوري العيار.. فباع عنه جارية في زي غلام، وشرط أنه غلام، وكانت وضيئة الوجه، فاشتراها نوح علي أنها غلام،ولبثت عنده شهوراً كثيرة، فقيل الجارية: هل علم أنك جارية؟ فقالت: لا، إنه ما مسني، وتوهم أني غلام.\rوقيل: إن بعض الشطار طلب منه تسليم غلام كان يخدمه إلى السلطان، فأبى. فضربه ألف سوط، فلم يُسَلم، فاتفق أ،ه احتلم تلك الليلة، وكان برداً شديداً، فلما أصبح اغتسل بالماء البارد، فقيل له: خاطرت بروحك، فقال: استحييت من الله تعالى أن أصبر على ضرب ألف سوط لأجل مخلوق، ولا أصبر على مقاساة يرد الاغتسال لأجله.\rوقيل: قدم جماعة من الفتيان لزيارة واحد يدَّعي الفتوة، فقال الرجل: يا غلام قدم السفرة. فلم يقدم. فقال له الرجل ذلك ثانياً وثالثاً.. فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: ليس من الفتوة أن يستخدم الرجل من يتعاصى عليه في تقديم السفرة كل هذا!! فقال الرجل: لِمَ أبطأت يا سفر؟ فقال الغلام كان عليها نملٌ، فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إلى الفتيان مع النمل، ولم يكن من الفتوة إلقاء النم من السفرة، فلبثت حتى دب النمل. فقالوا له: دققت يا غلام، مثلك مَن يخدم الفتيان.\rوقيل: إن رجلاً نام بالمدينة من الحاجّ. فتوهم أن هميانة سرق، فخرج، فرأى جعفراً الصادق.. فتعلق به، وقال له: أنت أخذت همياني؟ فقال له: ماذا كان فيه؟ فقال: ألف دينار.\rفأدخله داره.. ووزن له ألف دينار، فرجع إلى منزله، ودخل بيته، فرأى هميانة في بيته وقد كان توهم أنه سرق؛ فخرج إلى جعفر معتذراً، وردّ عليه الدنانير، فأبى أن يقبلها، وقال: شيء أخرجته من يدي لا أسترده.\rفقال الرجل: من هذا؟! فقيل: جعفر الصادق.\rوقيل: سأل شقيق البلخيّ جعفر بن محمد عن الفتوة، فقال: ما تقول أنت؟ فقال شقيق: إن أعطينا شكرنا، وإن منعنا صبرنا.\rفقال جعفر: الكلاب عندنا بالمدينة كذلك تفعل!! فقال شقيق: يا إبن رسول الله، ما الفتوة عندكم؟ فقال: إن أعطينا آثرنا، وإن منعنا شكرنا.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت الجريري يقول: دعانا الشيخ أبو العباس بن مسروق ليلة إلى بيته، فاستقبلنا صديق لنا، فقلنا له: ارجع معنا، فنحن في ضيافة الشيخ، فقال: إنه لم يدعني!! فقلنا: نحن نستثني. كما استثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها.","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"فرددناه، فلما بلغ باب الشيخ أخبرناه بما قال، وقلنا، فقال: جعلت موضعي من قلبك أن تجيء إلى منزلي من غير دعوة، على كذا وكذا إن مشيت إلى الموضع الذي تقعد فيه منه إلا على خدي، وألح عليه. ووضع خده على الأرض، وحمل الرجل، فوضع قدمه على خده من غير ن يوجعه، وسحب الشيخ وجهه على الأرض إلى أن بلغ موضع جلوسه.\rوأعلم أن من الفتوة الستر على عيوب الأصدقاء، لاسيما إذا كان لهم فيه شماتة الأعداء.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول للنصراباذي كثيراً: إن علياً القوال يشرب بالليل ويحضر مجلسك بالنهار، وكان لا يسمع فيه ما يقال، فانفق أنه كان يمشي يوماً ومعه واحد ممن يذكر علياً بذلك عنده فوجد علياً مطروحاً في موضع، وقدظهر عليه أثر السكر، وصار بحيث يغسل فمه، فقال الرجل: إلى كم نقول فيه للشيخ ولا يسمع؟! هذا عليُّ على الوصف الذي نقول. فنظر إليه النصراباذي وقال للعذول: احمله في رقبتك، وانقله إلى منزله. فلم يجد بدا من طاعته فيه.\rوسمعته يقول: سمعت أبا عليَّ الفارسي يقول: سمعت المرتعش يقول: دخلنا مع أبي حفص على مريض نعوده، ونحن جماعة، فقال للمريض: أتحب أن تبرأ؟ فقال: نعم فقال لأصحابه: تحملوا عنه.. فقام العليل.. وخر معنا. وأصبحنا كلنا أصحاب فراشُ نعاد.\rباب الفراسة\rقال الله تعالى: \" إن في ذلك لآيات للمتوسمين \" . قيل: للمتفرصين.\rأخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، رحمه الله تعالى، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن الحسين الرازي قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن السكن قال: حدثنا موسى بن داود قال: حدثنا محمد بن كثير الكوفي قال: حدثنا عمرو بن قيس: عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله عز وجل \" .\rوالفراس: خاطر على القلب فينفي ما يضاده. وله على القلب حُكم اشتقاقاً من: فريسة السبع، وليس في مقابلة الفراسة مجوزات للنفس.\rوهي علي حسب قوة الإيمان: فكل من كان أقوى إيماناً كان أد فراسة.\rوقال أبو سعيد الخراز: من نظر بنور الفراسة نظر بنور الحق، وتكون مواد علمه من الحق بلا سهو ولا غفلة، بل حكم حق جرى على لسان عبد.\rوقوله: \" نظر بنور الحق \" يعني: بنور خصه به الحق سبحانه.\rوقال الواسطي: إن الفراسة: سواطع أنوار لمعت في القلوب، وتمكين معرفة حملت السرائر في الغيوب من غيب إلى غيب، حتى يشهد الأشياء من حيث أشهده الحق، سبحانه، إياها؛ فيتكلم على ضمير الخلق.\rويحكى عن أبي الحسن الديلمي أنه قال: دخلت أنطاكية لأجل أسود قيل لي: إنه يتكلم على الأسرار فأقمت فيها إلى أن خرج من جبل لِكام ومعه شيء من المباح يبيعه، وكنت جائعاً منذ يومين لم آكل شيئاً فقلت له: بكم هذا؟ وأوهمته أني أشتري ما بين يديه فقال: اقعد ثمَّ؛ حتى إذا بعناه نعطيك ما تشتري به شيئاً.. فتركته وسرت إلى غيره؛ أوهمه أني أساومه. ثم رجعت إليه، وقلت له: إن كنتَ تبيع هذا فقل لي بكم؟ فقال: إنما جعت يومين، اقعد ثم، حتى إذا بعناه نعطيك ما تشتري به شيئاً.. فقعدت.. فلما باعه أعطاني شيئاً ومشى، فتبعته.. فالتفت إليَّ وقال لي: إذا عرضت لك حاجة، فأنزلها بالله تعالى، إلا أن يكون لنفسك فيها حظ فتحجب عن حاجتك.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن عبد الله يقول. سمعت الكتاني يقول: الفراسة: مكاشفة اليقين، ومعاينة الغيب، وهو من مقامات الإيمان.\rوقيل: كان الشافعي، ومحمد بن الحسن، رحمهما الله تعالى، في المسجد الحرام فدخل رجل، فقال محمد بن الحسن: أتفرّس أنه نجار، وقال الشافعي: أتفرس أنه حداد، فسألاه، فقال: كنت قبل هذا حداداً، والساعة أنجرَّ.\rوقال أبو سعيد الخراز: المستنبط: من يلاحظ الغيب أبداً، ولا يغيب عنه، ولا يخفى عليه شيء، وهو الذي دل عليه قوله تعالى: \" لعلمه الذين يستنبطونه منهم \" .\rوالمتوسم: هو الذي يعرف الوسم، وهو العارف بما في سويداء القلوب بالاستدلال والعلامات، قال الله تعالى: \" إن في ذلك لآيات للمتوسمين \" . أي للعارفين بالعلامات التي يبديها على الفريقين من أوليائه وأعدائه.","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"وللتفرس: ينظر بنور الله تعالى، وذلك: سواطع أنوار لمعت في قلبه فأدرك بها المعاني، وهو من خواص الإيمان، والذين هم أكبر منه حظاً الربانيون الحق نظراً وخلقاً، وهم فارغون عن الإخبار عن الخلق، والنظر إليهم، والاشتغال بهم.\rوقيل: كان أبو القاسم المنادي مريضاً، وكان كبير الشأن، من مشايخ نيسابور فعاده أبو الحسن البوشنجي، والحسن الحداد، واشتريا بنصف درهم تفاحاً في الطريق نسيئة، وحملاه إليه، فلما قعدا قال أبو القاسم: ما هذه الظلمة؟ فخرا. وقالا: ماذا فعلنا؟. وتفكرا. فقالا: لعلنا لم نؤد ثمن التفاح، فأعطياه الثمن، وعادا إليه، فلما وقع بصره عليهما قال: هذا عجب، أيمكن الإنسان أن يخرج من الظلمة بهذه السرعة؟! أخبراني عن شأنكما.. فذكر له هذه القصة، فقال: نعم، كان يعتمد كل واحد منكما على صاحبه في إعطاء الثمن، والرجل يستحي منكما في التقاضي، فكان تبقى التبعة، وأنا السبب، إنما رأيتُ ذلك فيكما وكان أبو القاسم المنادي هذا يدخل السوق كل يوم يُنادي، فإذا وقع بيده ما فيه كفايته من دانق إلى نصف درهم خرج منه. وعاد إلى رأس وقته، ومراعاة قلبه.\rوقال الحسين بن منصور: الحق إذا استولى على سر ملكه الأسرار؛ فيعاينها، ويخبر عنها.\rوسئل بعضهم عن الفراسة، فقال: أرواح تتقلب في الملكوت، فتشرف على معاني الغيوب، فتنطق عن أسرار الخلق نطق مشاهدة، لا نطق ظن وحسبان.\rوقيل: كان بين زكريا الشختني وبين امرأة سبب قيل توبته، فكان يوماً واقفاً على رأس أبي عثمان الحيري، بعدما صار من خواص تلاميذه، فتفكر في شأنها، فرفع أبو عثمان رأسه إليه وقال: أما تستحي؟! قال الأستاذ الإمام، رحمه الله: كنت في ابتداء وصلتي بالأستاذ أبي علي الدقاق، رضي الله عنه، عقد لي المجلس في مسجو المطرز فاستأذنته وقتاً للخروج إلى نسا فأذن لي فيه، فسكنت أمشي معه يوماً في طريق مجلسه، فخطر ببالي: ليته ينوب عني في مجالسي أيام غيبتي. فالتفت إليَّ، وقال لي: أنوبُ عنك أيام غيبتك في عقد المجالس.\rفمشيت قليلاً.. فخطر ببالي أنه عليل يشق عليه أن ينوب عني في الأسبوع يومين، فليته يقتصر علي يوم واحد في الأسبوع؛ فالتفت إليَّ وقال: إن لم يمكني في الأسبوع يومان أنوب عنك في الأسبوع مرة واحدة، فمشيت معه قليلاً؛ فخطر ببالي شيء ثالث، فالتفت إليَّ وصرح بالإخبار عنه على القطع.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت جدي أبا عمرو بن نجيد يقول: كان شاه الكرماني حاد الفراسة، لا يُخطىء، ويقول: من غض بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشهوات، وعمر باطنه بدوام المراقبة، وظاهره باتباع السنة، وتعود أكل الحلال؛ لم تخطىء فراسته.\rوسئل أبو الحسن النوري: من أين تولدت فراسة المتفرسين؟ فقال: من قوله تعالى: \" ونفخت فيه من روحي \" ، فمن كان حظه من ذلك النور أتم، كانت مشاهدته أحكم، وحكمه بالفراسة أصدق، ألا ترى كيف أوجب نفخ الروح فيه السجود له بقوله تعالى: \" فأذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين \" .\rوهذا الكلام من أبي الحسن النوري فيه أدنى غموض وإيهام؛ بذكر نفخ الروح، لتصويب من يقول بقدم الأرواح، ولا كما يلوح لقلوب المستضعفين؛ فإن الذي يصح عليه النفخ والاتصال والانفصال فهو قابل للتأثير والتغيير، وذلك من سمات الحدوث، وأن الله، سبحانه وتعالى، خص المؤمنين ببصائر وأنوار بها يتفرسون، وهي في الحقيقة معارف، وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: \" فإنه ينظر بنور الله \" أي بعلم وبصيرة يخصه الله تعالى به ويفرده به من دون أشكاله. وتسمية العلوم والبصائر أنواراً: غير مستبدع، ولا يبعد وصف ذلك بالنفخ، والمراد منه: الخلق.\rوقال الحسين بن منصور: المتفرس هو المصيب بأول مرماه إلى مقصده، ولا يعرج على تأويل وظن وحسبان.\rوقيل: فراسة المريدين تكون ظناً يوجب تحقيقاً، وفراسة العارفين تحقيق يوجب حقيقة.\rوقال أحمد بن عاصم الأنطاكي: إذا جلستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق؛ فإنهم جواسيس القلوب؛ يدخلون في قلوبكم ويخرجون منها من حيث لا تحسون.\rسمعت محمد بن الحسين رحمه الله، يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت الخلدي يقول: سمعت أبا جعفر الحداد يقول: الفراسة أول خاطر بلا معارض؛ فإن عارض معارضٌ من جنسه فهو خاطر وحديث نفس.","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"ويُحكى عن أبي عبد الله الرازي نزيل نيسابور قال: كساني ابن الأنباري صوفاً، ورأيت على رأس الشبلي قلنسوة ظريفة تليق بذلك الصوف، فتمنيت في نفسي أن يكونا جميعاً لي.. فلما قام الشبلي من مجلسه التفت إلي.. فتبعته، وكان عادته إذا أراد أن أتبعه يلتفت إليَّ، فلما دخل داره دخلت؛ فقال لي: انزع الصوف. فنزعته.. فلفه وطرح القلنسوة عليه، ودعا بنار فأحرقهما.\rوقال أبو حفص النيسابوري: ليس لأحد أن يدعي الفراسة، ولكن يتقي الفراسة من الغير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" اتقوا فراسة المؤمن \" ولم يقل: تفرسوا فكيف يصح دعوى الفراسة لمن هو في محل اتقاء الفراسة؟! وقال أبو العباس بن مسروق: دخلت علي شيخ من اصحابنا أعوده.. فوجدته على حال رثة، فقلت في نفسي: من أين يرتزق هذا الشيخ؟ فقال لي: يا ابا العباس: دع عنك هذه الخواطر الدنيئة؛ فإن لله ألطافاً خفية.\rويحكى عن الزبيدي قال: كنت في مسجد ببغداد مع جماعة من الفقراء، فلم يفتح علينا بشيء أياماً فأتيت الخواص لأسأله شيئاً، فلما وقع بصره عليَّ قال: الحاجة التي جئت لأجلها يعلمها الله أم لا؟ فقلت: بلى؛ فقال: اسكت ولا تبدها لمخلوق، فرجعت ولم ألبث إلا قليلاً حتى فتح علينا بما فوق الكفاية. وقيل: كان سهل بن عبد الله يوماص في الجامع، فوقع حمام في المسجد من شدة ما لحقه من الحر والمشقة، فقال سهل: إن شاهاً الكرماني مات الساعة، إن شاء الله تعالى، فكتبوا ذلك.. فكان كما قال.\rوقيل: خرج أبو عبد الله التروغندي - وكان كبير الوقت - إلى طوس فلما بلغ خر وقال لصاحبه: اشتر الخبز. فاشترى ما يكفيهما، فقال: اشتر أكثر من ذلك. فاشترى صاحبه ما يكفي عشرة أنفس تعمداً، فكأنه لم يجعل لقول ذلك الشيخ تحقيقاً قال: فلما صعدنا إلى الجبل إذا بجماعة قيدتهم اللصوص، لم يأكلوا منذ مدة، فسألونا الطعام، فقال: قدم إليهم السفرة.\rوقال الأستاذ الإمام: كُنت بين يدي الأستاذ الإمام أبي علي رحمه الله يوماً فجرى حديث الشيخ أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله، وأنه يقوم في السماع موافقة للفقراء، فقال الأستاذ أبو علي: مثله في حاله؛ لعل السكون أولى به. ثم قال: في ذلك المجلس أمض إليه فستجده وهو قاعد في بيت كتبه، وعلى وجه الكتُب مجلدة حمراء مربعة صغيرة فيها أشعار الحسين بن منصور. فاحمل تلك المجلدة ولا تقل له شيئاً وجئني بها. وكان وقت الهاجرة.. فدخلت عليه فإذا هو في بيت كتُبه والمجلدة موضوعة بحيث ذكرَ، فلما قعدت أخذ الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في الحديث وقال:كان بعض الناس ينكر علي أحد من العلماء حركته في السماع، فرؤى ذلك الإنسان يوماً خالياً في بيت وهو يدور كالمتواجد، فسئل عن حاله فقال: كانت مسألة مشكلة عليّ، فتبين لي معناها، فلم أتمالك من السرور حتى قمت أدور، فقيل له: مثل هذا يكون حالهم.\rفلما رأيت ما أمرني به الأستاذ أبو علي، وما وصف لي على الوجه الذي قال وجرى على لسان الشيخ أبي عبد الرحمن ما كان ق ذكره به، تحيرت، وقلت: كيف أفعل بينهما؟ ثم فكرت في نفسي وقلت: لاوجه إلا الصدق، فقلت: إن الأستاذ أبا علي وصف لي هذه المجلدة وقال لي احملها من غير أن تستأذن الشيخ، وأنا هو ذا أخافك، وليس يمكنني مخالفته، فأي شيء تأمرني به؟.. فأخرج مسدساً من كلام الحسين، وفيه تصنيف له سماه: كتاب الصهيور في نقض الدهور وقال: أحمل هذا إليه، وقل له: إني أطالع تلك المجدلة وأنقل منها أبياتاً إلى مصنفاتي.. فخرجت.\rويحكى عن الحسن الحداد، رحمه الله، أنه قال: كنت عند أبي القاسم المنادي وعنده جماعة من الفقراء، فقال لي: أخرج وأتهم بشيء، فسررت: حيث أذن لي في التكلف للفقراء وأن آتيهم بشيء بعد ما علم فقري، قال: فأخذت مِكتلاً وخرجت.. فلماأتيت سكة سيار رأيت شيخاً بهياً فسلمت عليه وقلت: جماعة من الفقراء في موضع، فهل لك أن تتخلق معهم بشيء؟ فأمر.. حتى إذا أخرج إلى شيئاً من الخبز واللحم والعنب، فلما بلغت الباب نادى أبو القاسم المنادي من وراء الباب: رده إلى الموضع إلي أخذته منه. فرجعت واعتذرت إلى الشيخ، وقلت: لم أجدهم.. وعرضت بأنهم تفرقوا، ورددت السبب عليه ثم جئت إلى السوق ففتح عليَّ بشيء، فحملته، فقال: ادخل.","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"فقصصت عليه القصة، فقال: نعم، ذاك ابن سيار رجل سلطاني، إذا جئت للفقراء بشيء فأتهم بمثل هذا، لا بمثل ذاك.\rقال أبو الحسين القرافي: زرت أبا الخير التناتي، فلما ودعته.. خرج معي إلى باب المسجد، وقال لي: يا أبا الحسين، أنا أعلم أنك لا تحمل معك معلوماً، ولكن أحمل معك هاتين التفاحتين.\rفأخذتهما.. ووضعتهما في جيبي، وسرت، فلم يفتح لي بشيء ثلاثة أيام، فاخرجت واحدة منهما، وأكلتها، ثم أردت أن أخرج الثانية، فإذا هما جميعاً في جيبي، فكنت آكل منهما ويعودان.. إلى باب الموصل، فقلت في نفسي. إنهما يفسدان على حال توكلي؛ إذ صارتا معلوماً لي!! فأخرجتهما من جيبي بمرة. فنظرت فإذا فقير ملفوف في عباءة يقول: أشتهى تفاحة!! فناولتهما إياه.. فلما عبرتُ وقع لي: أن الشيخ إنما بعثهما إليه. وكنت في رُفقه في الطريق.. فأنصرفت إلى الفقير، فلم أجده.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمت عبد الله بن علي يقول: سمعت أبا عمر بن علوان يقول: كان شاب يصحب الجنيد.. وكان يتكلم علي خواطر الناس، فذكر للجنيد، فقال له الجنيد: ما هذا الذي ذكر عنك؟ فقال الجنيد: اعتقد شيئاً. فقال: اعتقدت!! فقال الشاب: اعتقدت كذا وكذا! فقال الجنيد: لا. فقال: اعتقد ثانياً، ففعل، فقال: اعتقدت كذا وكذا. فقال: لا فقال: ثالثاً. فقال: مثله. فقال الشاب هذا عجب، أنت صدوق، وأنا أعرف قلبي؟! فقال الجنيد: صدقت في الأول والثاني والثالث، ولكني أردت أن أمتحنك هل يتغير قلبك!! وسمعته يقول: سمعت أبا عبد الله الرازي يقول: أعتل ابن الرقي، فحل إليه دواء في قدح، فأخذه، ثم قال: وقع اليوم في المملكة حدث: لا آكل ولا أشرب حتى أعلم ما هور؟ فورد الخبر بعده بأيام: أن القرمطي دخل مكة ذلك اليوم، وقتل بها تلك للقتلة العظيمة.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: ذكر الكاتب هذه الحكاية، فقال: هذا عجبّ!! فقلت له: هذا ليس بعدب، فقال لي أبو علي بن الكاتب: ما خبر مكة اليوم؟ فقلت: هو ذا: تحاربَ الطلحيون وبنو الحسن، ومقدم الطلحيين أسودُ عليه عمامة حمراء، وعلى مكة اليوم غيم على مقدار الحرم، فكتب أبو علي إلى مكة، فكان كما ذكرت له.\rويروى عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: دخلت على عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكنت رأيت في الطريق امرأة تأملت محاسنها، فقال عثمان رضي الله عنه: يدخل على أحدكم وآثار ظاهرة عل عينيه، فقلت له: أوحى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال: لا، ولكن تبصرة، وبرهان، وفراسة صادقة.\rوقال أبو سعيد الخراز: دخلت المسجد الحرام، فرأيت فقيراً عليه خرقتان يسأل الناس شيئاً، فقلت في نفسي: مثل هذا كل على الناس!! فنظر إليّ وقال: \" واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه \" .\rقال: فاستغفرت في سري، فناداني، وقال: \" وهو الذي يقبل التوبة عن عباده \" .\rوحكى عن إبراهيم الخواص أنه قال: كنت ببغداد في جامع المدينة، وهناك جماعة من الفقراء، فأقبل علينا شاب ظريف، طيب الرائحة، حسن الحرمة، حسن الوجه، فقلت لأصحابنا: يقع لي أنه يهودي!! فكلهم كرهوا ذلك، فخرجت، وخرج الشاب، ثم رجع إليهم وقال: ماذا قال الشيخ فيَّ؟! فاحتشموه. فألح عليهم، فقالوا: قال إنك يهودي. قال: فجاءني وأكب على يدي، وأسلم. فقيل له: ما السبب؟ قال: نجد في كتبنا أن الصديق لا يخطىء فراسته. فقلت: أمتحن المسلمين؛ فتأملتهم، وقلت: إن كان فيهم صديق ففي هذه الطائفة: لأنهم يقولون حديثه سبحانه، فليست عليكم.. فلما اطلع هذا الشيخ عليّ، وتفرس فيّ علمت أنه صديق، وصار الشاب من كبار الصوفية.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله، يقول سمعت عبد الله بن إبراهيم بن العلاء، يقول: سمعت محمد بن داود يقول: كنا عند الجريري فقال: هل فيكم من إذا أراد الحق، سبحانه، أن يحدث في المملكة حدثاً أعلمه قبل أن يُبديه؟ قلنا: لا. فقال: أبكوا على قلوب لم تجد من الله تعالى شيئاً.","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"وقال أبو موسى الديلمي: سألت عبد الرحمن بن يحيى عن التوكل، فقال: لو أدخلت يدك في فم التنين حتى بلغ الرسغ لا تخاف مع الله تعال شيئاً غيره. قال: فخرجت إلى أبي يزيد لأسأله عن التوكل، فدققت عليه الباب، فقال: أليس لك في قول عبد الرحمن كفاية؟! فقلت: افتح الباب. فقال: مازرتني، أتاك الجواب من وراء الباب. ولم يفتح لي الباب؛ فمضيت، ولبثت سنة، ثم قصدته، فقال: مرحباً، جئتني زائراً. فكنت عنده شهراً، فكان لا يخطر بقلبي شيء إلا حدثني عنه. فعند وداعه لي قلت: أفدني فائدة. فقال: حدثتني أمي: أنها كانت حاملاً بي، فكانت إذا قدم لها طعام من حلال امتدت يدها إليه، وإذا كان فيه شبهة انقبضت يدها عنه.\rوقال إبراهيم الخواص: دخلت البادية، فأصابتني شدة، فلما بلغت مكة، داخلني شيء من الإعجاب، فنادتني عجوز: يا إبراهيم، كنت معك في البادية فلم أكلمك؛ لأني لم أرد أن أشغل سرك أخرج عنك هذا الوسواس!! وحكى أن الفرغاني كان يخرج كل سنة إلى الحج، ويمر بنيسابور، ولا يدخل علي أبي عثمانالحيري قال: فدخلت عليه مرة، وسلمت، فلم يرد علي السلام، فقلت في نفسي: مُسلم يدخل عليه ويسلم عليه فلا يرد سلامه؟ فقال أبو عثمان: مثل هذا يحج وَيَدع أمه لا يبرها؟! قال: فرجعت إلى فرغانة ولزمتها حتى ماتت. ثم قصدت أبا عثمان، فلما دخلت استقبلنين وأجلسني، ثم إن الفرغاني لازمه وسأله سياسة دابته، فولا ه ذلك حتى مات أبو عثمان.\rوقال خير النساج: كنت جالساً في بيتي، فوقع لي: أن الجنيد بالباب، فنفيت عن قلبي، فوقع لي ثانياً، وثالثاً، فخرجت فإذا بالجنيد، فقال: لِمَ لم تخرج مع الخاطر الأول؟! وقال محمد بن الحسين البسطامي: دخلت على أبي عثمان المغربي، فقلت في نفسي: لعله يتشهى عليَّ شيئاً؟ فقال أبو عثمان: لا يكفي الناس أن آخذ منهم حتى يريدوا مسألتي إياهم.\rوقال بعض الفقراء: كنت ببغداد، فوقع لي: أن المرتعش يأتيني بخمسة عشر درهماً؛ لأشتري بها الركوة، والحبل، والنعل، وأدخل البادية: قال: فدق عليّّ الباب، ففتحت، فإذا أنا بالمرتعش معه خريقة، فقال: خذها. فقلت: يا سيدي، لا أريدها!! فقال: فلم تؤذينا؟! كم أردتَ؟ فقلت: خمسة عشر درهما. فقال: هي همسة عشر درهماً.\rوقال بعضهم في قوله تعالى: \" أو من كان ميتاً فأحببناه \" أي: ميت الذهن فأحياه الله تعالى بنور الفراسة، وجعل له نور التجلي والمشاهدة، لايكون كمن يمشي بين أهل الغفلة غافلاً.\rوقيل: إذا صحت الفراسة أرتقى صاحبها إلى المشاهدة.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت محمدبن الحسين البغدادي يقول: سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول: سمعت أبا العباس بن مسروق يقول: قدم علينا شيخ، فكان يتكلم علينا في هذا الشأن بكلام حسن، وكان عذب اللسان، جيد الخاطر، فقال لنا في بعض كلامه: كل ما وقع لكم في خاطركم فقولوه لي. فوقع في قلبي أنه يهودي، وكان الخاطر يقوى ولا يزال. فذكرت ذلك للجريري، فكبر عليه ذلك، فقلت: لا بد لي أن أخبر الرجل بذلك؛ فقلت له: تقول لنا ما وقع لكم في خاطركم فقولوه لي؛ إنه يقع: إنك يهودي!! فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال: صدقت، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. وقال: قد مارست جميع المذاهب وكنت أقول: إن كان مع قوم منهم شيء فمع هؤلاء؛ فداخلتكم لأختبركم، فأنتم على الحق. وحسن إسلامه.\rويحكي عن الجنيد: أنه كان يقول له السري: تكلم على الناس.\rفقال الجنيد: وكان في قلبي حشمة من الكلام على الناس؛ فإني كنت أتهم نفسي في استحقاق ذلك. فرأيت ليلة النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وكانت ليلة جمعة، فقال لي: تكلم علي الناس. فانتهت.. واتيت باب السريِّ قبل أن أصبح؛ فدققت عليه الباب، فقيل: لم تصدقنا حتى قيل لك؟ فقعد للناس في الجامع بالغد، فانتشر في الناس أن الجنيد قعد يتكلم على الناس؛ فوقف عليه غلام نصراني متنكراً، وقال له: أيها الشيخ، ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اتقوا فراسة المؤمن، فإن المؤمن ينظر بنور الله تعالى؟ \" .\rقال: فأطرق الجنيد... ثم رفع رأسه وقال: أسلم؛ فقد حان وقت إسلامك. فأسلم الغلام.\rباب الخلق\rقال الله تعالى: \" وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم \" .","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"أخبرنا علي بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا أبو الحسن الصفار البصري: قال: حدثنا هشام بن محمد بن غالب قال: حدثنا معلي بن مهدي قال: حدثنا بشار بن إبراهيم النميري، قال: حدثنا غيلان بن جرير عن أنس قال: \" قيل يا رسول الله: أيُّ المؤمنين أفضل إيماناً؟ قال: أحسنهم خُلُقاً \" .\rإذ الخُلق الحسن أفضل مناقب العبد، وبه يظهر جواهر الرجال، والإنسان مستور بخلقه مشهود بخُلقه.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: إن الله تعالى، خص نبيه صلى الله عليه وسلم بما خصه به، ثم لم يثن عليه بشيء من خصاله بمثل ما أثنى بخلقه؛ فقال عزَّ ن قائل: \" وإنك لعلي خُلق عظيم \" .\rوقال الواسطي: وَصَفه بالخلق العظيم؛ لأنه جاد بالكونين، واكتفى بالله تعالى.\rوقال الواسطي أيضاً: الخلق العظيم: أن لا يُخاصِم ولايُخاصِم، من شدِّة معرفته بالله تعالى.\rوقال الحسين بن منصور: معناه: ولم يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك الحق..\rوقال أبو سعيد الخراز: لم يكن لك همة غير الله تعالى.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت الحسين بن أحمد بن جعفر يقول: سمعت الكتاني يقول: التصوف خُلق، من زاد عليك بالخلق، فقد زاد عليك في التصوف.\rويروي عن ابن عمر، رضي الله عنهما، أنه قال: إذا سمعتموني أقول لمملوك: أخزاه الله فأشهدوا أنه حر.\rوقال الفضيل: لو أن العبد أحسن الإحسان كله، وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين.\rوقيل: كان ابن عمر، رضي الله عنهما، إذا رأى واحداً من عبيده يُحسن الصلاة يعتقه. فعرفوا ذلك من خُلقه، فكانوا يحسنون الصلاة مراءاة له، وكان يعتقهم، فقيل له في ذلك. فقال: من خدعنا في الله انخدعنا له.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: سمت أبا محمد الجريري يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت الحارث المحاسبي يقول: فقدنا ثلاثة أشياء: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الأمانة، وحسن الإخاء مع الوفاء.\rوسمعته يقول: سمعت عبد الله بن محمد الرازي يقول: الخلقي: استصغار ما منك إليه واستعظام ما منه إليك.\rوقيل للأحنف: ممن تعلمت الخلق؟ فقال: ن قيس بن عاصم للنقري قيل: وما بلغ من خُلقه؟ قال: بينا هو جالس في داره إذ جاءت خادم له بنفود عليه شواء، فسقط من يدها، فوقع علي ابن له، فمات، فدهِشت الجارية، فقال: لا رَوْعَة عليك، أنت حرة لوجه الله تعالى.\rوقال شاه الكرماني:علامة حسن الخلق: كف الأذى، واحتمال المؤن.\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وُحسن الخلق \" .\rوقيل لذي النون المصري: من كثر الناس هماً؟ قال: أسوأهم خلفاً.\rوقال وهب: ما تخلق عبد يخلق أربعين صباحاً إلا جعله الله طبيعة فيه.\rوقال الحسن البصري في قول الله تعالى: \" وثيابك فطهر \" أي: وخلفك فحسن..\rوقيل: كان لبعض النساك شاة فرآها على ثلاثة قوائم. فقال: من فعل بها هذا؟ فقال غلام له: أنا. فقال: لِمَ؟ قال: لا غُمك بها!! فقال: لا، بلا لأغمن من أمرك بذلك. أذهب فأنت حر.\rوقيل لإبراهيم بن أدهم: هل فرحت في الدنيا قط؟. فقال: نعم، مرتين إحداهما: كنت قاعداً ذات يوم فجاء إنسان وبال عليَّ؛ والثانية: كنت قاعداً فجاء إنسان وصفعني.\rوقيل: كان أويس القرني إذا رآه الصبيان يرمونه بالحجارة، فيقول: إن كان ولا بد فارموني بالصغار: كيلا تدقوا ساقي فتمنعوني عن الصلاة.\rوشتم رجل الأحنف بن قيس... وكان يتبعه... فلما قرب من الحي وقف، وقال: يا فتى، إن بقي شيء فقله؛ كيلا يسمعك بعض سفهاء الحي فيجيبوك.\rوقيل لحاتم الأصم: أيحتمل الرجل من كل أحد؟.. فقال: نعم، إلا من نفسه.\rوروي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، دعا غلاماً له، فلم يجب، فدعاه ثانياً وثالثاً فلم يجبه، فقام إليه فرآه مضطجعاً، فقال: أما تسمع يا غلام؟ فقال: نعم. قال: فما حملك على ترك جوابي؟ فقال: أمِنتُ عقوبتك فتكاسلت. فقال: أمض؛ فأنتحر لوجه الله تعالى.\rوقيل: نزل معروف الكرخي الدجلة ليتوضأ، ووضع مصحفه وملحفته، فجاءت امرأة وحملتهما، فتبعها معروف، وقال: يا أختي، أنا معروف ولا بأس عليك، ألك ابن يقرأ؟ قالت: لا. قال: فزوج؟ قالت: لا، قال: فهاتي المصحف وخذي الثوب.","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"ودخل اللصوص مرة دار الشيخ أبي عبد الرحمن السلمي بالمكابرة، وحملوا وجدوا، فسمعت بعض أصحابنا يقول: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن يقول: اجتزت بالسوق، فوجدت جبتي على من يزيد، فأعرضت، ولم ألتفت إليه.\rسمعت الشيخ أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج الطوسي يقول: سمعت الوجيهي يقول: قال الجريري: قدمت من مكة، حرسها الله تعالى، فبدأت بالجنيد، لكيلايتعنى أليَّ، فسلَمت عليه، ثم مضيت إلى المنزل فلما صليت الصبح في المسجد إذا أنا به خلفي في الصف، فقلت: إنما جئتك أمس لئلا تتعني، فقال: ذاك فضلك، وهذا حقك.\rوسئل أبو حفص عن الخلق. فقال: هو ما اختار الله - عزَّ وجلَّ - لنبيه صلى الله عليه وسلم ي قوله تعالى: \" خذ العفو وأمر بالعرف.. \" الآية.\rوقيل: الخلق: أن تكون من الناس قريباً، وفيما بينهم غريباً.\rوقيل: الخلق قبول ما يردُ عليك من جفاء الخلق، وقضاء الحق بلا ضجر ولا قلق.\rوقيل: كان أبو ذر على حوض يسقي إبلاً له، فأسرع بعض الناس إليه، فانكسر الحوض، فجلس، ثم اضطجع، فقيل له في ذلك فقال: إن رسول الله صلى الله عليهوسلم أمرنا إذا غضب الرجل أن يجلس فإن ذهب عنه. وإلا فليضطجع.\rوقيل: مكتوب في الإنجيل: عبدي.. أذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب.\rوقالت امرأة لمالك بن دينار: يا مرائيّ!! فقال: يا هذه، وجدت أسمي الذي أضله أهل البصرة.\rوقال لقمان لابنه: لا تُعرف ثلاثة إلا عند ثلاثة: الحليم عند الغضب والشجاع عند الحرب، والأخ عند الحاجة إليه.\rوقال موسى، عليه السلام: إلهي، أسألك أن لايقال ما ليس فيه؛ فأوحى الله سبحانه إليه: ما فعلت ذلك لنفسي، فكيف أفعله لك؟ وقيل ليحيى بن زياد الحارثي، وكان له غلام سوء: لمَ تمسك هذا الغلام؟ فقال: لأتعلم عليه الحلم.\rوقيل في قوله تعالى: \" وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة \" : الظاهرة: تسوية الخلق، والباطنة: تصفية الخُلُق.\rوقال الفضيل: لأن يصحبني فأجر حسن الخلق أحب إليّ ن أن يصحبني عابد سيء الخلق.\rوقيل: الخلق الحسن احتمال المكروه بحسن المداراة.\rوحكي أن إبراهيم بن أدهم خرج إلى بعض البراري فاستقبله جنيدي، فقال: أين العمران؟ فأشار إلى المقبرة، فضرب رأسه وأوضحه، فلما جاوزه، قيل له: إنه إبراهيم بن أدهم زاهد خراسان فجاءه يتعذر إليه، قال: إنك لما ضربتني سألت الله تعالى لك الجنة. فقال: لم؟ فقال علمت أني أؤجر عليه، فلم أرد أن يكون نصيبي منك الخير، ونصيبك مني الشر.\rوحكي أن أبا عثمان الحيري دعاه إنسان إلى ضيافة، فلما وافى باب داره قال: يا أستاذ، ليس الآن وقت دخولك، وقد ندمت، فانصرف، فرجع ابو عثمان، فلما وافى منزله عاد إليه الرجل، وقال: يا أستاذ، ندمت!! وأخذ يتعذر إليه، وقال أحضر الساعة.. فقام أبو عثمان ومضى، فلما وافى باب داره قال: مثل ما قال في الأولى، ثم كذلك فعل في الثالثة والرابعة، وأبو عثمان ينصرف ويحضر، فلما كان يعد مرات قال: يا أستاذ، أردت اختبارك. وأخذ يعتذر ويمدحه، فقال أبو عثمان: لا تمدحني على خلق تجد مثله مع الكلاب: الكلب إذا دعي حضر، وإذا زجر انزجر.\rوقيل: إن أبا عثمان اجتاز بسكة وقت الهاجرة، فألقى عليه من سطح طشت رماد، فتغير أصحابه، وبسطوا ألسنتهم في الملقى، فقال أبو عثمان: لا تقولوا شيئاً، من استحق أن يصبّ عيه النار، فصولح على الرماد لم يجز له أن يغضب.\rوقيل: نزل بعض الفقراء على جعفر بن حنظلة، فكان جعفر يخدمه جداً، والفقير يقول: نعم الرجل أنت لو لم تكن يهودياً!! فقال جعفر: عقيدتي لا تقدح فيما تحتاج إليه من الخدمة؛ فسل لنفسك الشفاء ولي الهداية.\rوقيل: كان لعبد الله الخياط حرِّيف مجوسي، يخيط له ثياباً، ويدفع إليه دراهم زيوفاً، وكان عبد الله يأخذها.. فاتفق أنه قام من حانوته يوماً لشغل، فجاء بالدراهم الزيوف، فدفعها إلى تلميذه، فلم يقبلها، فدفع إليه الصحاح، فلما رجع عبد الله قال لتلميذه: أين قميص المجوسي؟ فذكر له القصة.. فقال: بئس ما عملت؟ إنه منذ مدة يعاملني بمثلها، وأنا أصبر عليه، وألقيها في بئر، لئلا يغر بها غيري.\rوقيل: الخلق السيء يضيق قلب صاحبه؛ لأنه لا يسع فيه غير مراده، كالمكان الضيق لا يسع غير صاحبه.\rوقيل حسن الخلق: أن لا تتغير ممن يقف في الصفّ بجنبك.\rوقيل: من سوء خلقك: وقوع بصرك على سوء خلق غيرك.","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"وسئل رسول، الله صلى الله عليه وسلم، عن الشؤم، فقال: \" سوء الخلق \" .\rأخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد الأهوازي، قال: حدثنا أبو الحسن الصغار البصري قال: حدّثنا معاذ بن المثني قال: حدّثنا يحيى بن معني قال: حدثنا مروان الفزاري قال: حدثنا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قيل: يا رسول الله، ادع الله تعالى على المشركين.\rفقال: \" إنما بعثت رحمة، ولم أبعث عذاباً \" .\rباب الجود والسخاء\rقال الله عزّ وجلّ: \" ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة \" .\rأخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان قال: أخبرنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا الحسن بن العباس قال: حدثنا سهل قال: حدثنا سعيد بن مسلم، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة، عن عائشة، رضي الله عنهما، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" السخسّ: قريب من الله تعالى، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد عن النار.\rوالبخيل: بعيد من الله تعالى، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار.\rوالجاهل السخيّ أحب إلى الله تعالى من العابد البخيل \" .\rقال الأستاذ: ولا فرق - على لسان القوم - بين الجود والسخاء، ولا يوصف الحق، سبحانه، بالسخاء والسماحة؛ لعدم التوقيف.\rوحقية الجود: أن لا يصعب عليه البذل.\rوعند القوم، السخاء: هو الرتبة الأولى، ثو الجود بعده، ثم الإيثار؛ فمن أعطى البعض وأبقى البعض فهو صاحب سخاء، ومن بذل الأكثر، وأبقى لنفسه شيئاً، فهو صاحب إيثار، كذلك سمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق، رحمه الله، يقول: أسماء بن خارجة: ما أحبّ أن أرد أحداً عن حاجة طلبهامني؛ لأنه إن كان كريماً أصون عرضه، وإن كان لئيما أصون عنه عرضي.\rوقيل: كان مورّق العجلي يتلطف في إدخال الرفق على إخوانه؛ يضع عندهم ألف درهم، فيقول: أمسكوها عندكم حتى أعود إليكم. ثم يرسل إليهم: أنتم منها في حلّ.\rوقيل: لقي رجل من أهل منبج رجلا من أهل المدينة، فقال: ممن الرجل؟ فقال: من أهل المدينة، فقال له: لقد أتانا رجل منكم يقال له الحكم ابن عبد المطلب فأغنانا. فقال له المدني: وكيف؟ وما أتاكم إلا في جبة صوف! فقال: ما أغنانا بمال، ولكنه علمنا الكرم. فعاد بعضنا على بعض حتى استغنينا.\rسمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق يقول: لما سعى غلام الخليل بالصوفية إلى الخليغة أمر بضرب أعناقهم؛ فأما الجنيد فإنه تستر بالفقر، وكان بفتى علي مذهب أبي ثور ، وأما الشحام، والرقام، والنوري، وجماعة، فقبض عليهم؛ فبسط النِّطع لضرب أعناقهم.. فتقدم النوري فقال له السّياف: تدري الى ماذا تبادر؟. فقال: نعم فقال وما يعجلك؟ فقال أوثر عليِّ أصحابي بحياة ساعة.\rفتحير السيَّاف، وأنهى الخبر إلىالخليفة، فردهم إلى القاضي؛ ليتعرف حالهم؛ فألقى القاضي على أبي الحسين النوري مسائل فقهية، فأجابه الكل، ثم أخذ يقول: وبعد؛ فإنه لله عباداً قاموا بالله، وإذا نطقوا نطقوا بالله، وسرد ألفاظاً أبكى بها القاضي فأرسل القاضي إلى الخليفة، وقال: إن كان هؤلاء زنادقة: فما على وجه الأرض مسلم.\rوقيل: كان عليّ بن الفضيل يشتري من باعة المحلة؛ فقيل له: لو دخلت السوق فاسترخصت.\rفقال: هؤلاء نزلوا بقربنا رجاء منفعتنا.\rوقيل: بعث رجل إلى جبلة يجارية، وكان بين أصحابه، فقال: قبيح أن اتخذها لنفسي وأنتم حضور؛ وأكره أن أخص بها واحداً، وكلكم له حق وحرمة. وهذه لا تحتمل القسمة، وكانوا ثمانين؛ فأمر لكل واحد بجارية أو وصيف.\rوقيل: عطش عبيد الله بن أبي بكرة يوماً في طريقه، فاستسقى من منزل امرأة، فأخرجت له كوزاً، وقامت خلف الباب، وقالت: تنحوا عن الباب، وليأخذه بعض غلمانكم، فإني امرأة من العرب: مات خادمي منذ أيام، فشرب عبيد الله تسخر بي؟. فقال: احمل إليها عشرين ألف درهم. فقالت: اسأل الله تعالى العافية. فقال: يا غلام أحمل إليها ثلاثين ألف درهم، فردّت الباب وقالت: أف لك. فحمل إليها ثلاثين ألف درهم، فأخذتها فما أمست حتى كثر خطابها.\rوقيل: الجود: إجابة الخاطر الأول:","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"سمعت بعض أصحاب أبي الحسن البوشنجي، رحمه الله، يقول: كان أبو الحسن البوشجني في الخلاء، فدعا تلميذاً له، وقال له: انزع عني هذا القميص، وادفعه إلى فلان؛ فقيل له: هلا صبرت حتى تخرج من الخلاء؟ فقال: لم آمن على نفسي أن يتغير على ما وقع لي من التخلف منه بذلك القميص.\rوقيل لقيس بن سعد بن عبادة: هل رأيت أحداً أسخى منك؟ فقال له: نعم؛ نزلنا بالبادية على امرأة، فحضر زوجها، فقالت له: إنه نزل بك ضيفان، فجاء بناقة ونحرها، وقال: شأنكم بها..\rفلما كان بالغد جاء بأخرى ونحرها، وقال: شأنكم بها، فقلنا: ما أكلنا من التي نحرت لنا البارحة إلا اليسير: فقال: إني لاأطعم أضيافي الغاب. فبقينا عنده يومين أو ثلاثة، والسماء تمطر، وهو يفعل كذلك.\rفلما أردنا الرحيل وضعنا له مائة دينار في بيته، وقلنا للمرأة: اعتذري لنا إليه.. ومضينا، فلما مَتَع النهار إذا نحن برجل يصيح خلفنا: قفوا أيها الركب اللئام: أعطيتموني ثمن قراي... ثم إنه لحقنا وقال: لنأخذنه، وإلا طعنتكم برمحي هذا. فأخذناه وانصرف، فأنشأ يقول:\rوإذا أخذت ثواب ما أعطيته ... فكفى بذاك لنائلٍ تكديرا\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله يقول: دخل أبو عبد الله الروزباري دار بعض أصحابه، فوجده غائباً، وباب بيت له مقفل، فقال: صوفيَّ وله باب بيت مقفل!! كسروا القفل، فكسروا القفل وأمر بجميع ما وجد في الدار والبيت، وأنفذه إلى السوق، وباعوه، وأصلحوا وقتاً من الثمن، وقعدوا في الدار.. فدخل صاحب المنزل ولم يمكنه أن يقول شيئاً.\rفدخلت امرأته بعدهم الدار، وعليها كساء، فدخلت بيتاً، ورمت الكساء، وقالت: يا أصحابنا، هذا أيضاً من جملة المتاع فبيعوه. فقال الزوج لها: لِمَ تكلفت هذا باختيارك؟ فقالت له: اسكت، مثل هذا الشيخ يباسطنا، ويحكم علينا، ويبقى لناشىء ندخره عنه؟ وقال بشر بن الحارث: النظر إلى البخيل يقسى القلب.\rوقيل مرض قيس بن سعد بن عبادة، فاستبطأ إخوانه. فسأل عنهم، فقيل له: إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين؛ فقال: أخزى الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة!! ثم أمر من ينادي مَن كان لقيس عليه دين فهو منه في حل، فكسرت عتبته بالعشى، لكثرة ما عاده.\rوقيل لعبد الله بن جعفر: إنك تبذل الكثير إذا سئلت، وتضنُّ في القليل إذا نُجزتَ.\rفقال: إني أبذل مالي وأضنُّ بعقلي.\rوقيل: خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له.. فنزل على نخيل قوم: وفيها غلام أسود يعمل فيها؛ إذ أتى الغلام بقوته، فدخل كلب الخائط ودنا من الغلام، فرمى إليه الغلام بقرص، فأكله، ثم رمى إليه بالثاني، والثالث، فأكله، وعبد الله بن جعفر ينظر إليه فقال له: يا غلام، كم قُوتك كلَّ يوم؟ قال: ما رأيت: قال: فلم آثرت هذا الكلب؟ قال: ما هي بأرض كلاب، نه جاء من مسافة بعيدة جائعاً، فكرهت رده.\rقال: فما أنت صانع اليوم؟ قال له: أطوي يومي هذا. فقال عبد الله بن جعفر: أأَلام على السخاء؟! إنَّ هذا الأسخى مني، فاشتري الحائط والغلام وما فيها من آلات، فأعتق الغلام ووهبها له.\rوقيل: أتى رجل صديقاً له، ودق عليه الباب، فلما خرج إليه قال: لماذا جئتني؟ قال لأربعمائة درهم دين ركبتني، فدخل الدار، ووزن له أربعمائة درهم وأخرجها إليه، ودخل الدار باكياً، فقالت له امرأته: هلا تعللت حين شق عليك الإجابة؟! فقال: إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى أحتاج إلى مفاتحتي به.\rوقال مطرف بن الشخير: ذا أراد أحدكم مني حاجة فليرفها في رقعة؟ فإني أكره أن أرى في وجهه ذلّ الحاجة.\rوقيل: أراد رجل أن يضار عبد الله بن العباس، فأتى وجوه البلد وقال لهم: يقول لكم ابن العباس تغدوا عندي اليوم. فأتوه، فملئوا الدار، فقال: ما هذا؟ فأخبر الخبر فأمر بشراء الفواكه الوقت، وأمر بالخبز، والطبخ، وأصلح أمراً، فلما فرغوا قال لوكلائه: أموجوج لنا كل يوم هذا؟ فقالوا: نعم. فقال: فليتغد هؤلاء كلهم عندنا كل يوم.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: كان الأستاذ أبو سهل الصعلوكي يتوضأ يوما في صحن داره، فدخل إليه إنسان وسله شيئاً من الدنيا، ولم يحضر شيء، فقال: أصبر حتى أفرغ.","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"فصبر.. فلما فرغ قال له: خذ القمقمة واخرج. فأخذها، وخرج، ثم صبر حتى علم أنه بعُد، فصاح وقال: دخل إنسان وأخذ القمقمة. فمشوا خلفه، فلم يدركوه.\rوإنما فعل ذلك: لأن أهل المنزل كانوا يلومونه على كثرة البذل.\rوسمعته يقول: وَهبَ الأستاذ أبو سهل جبّته من إنسان في الشتاء، وكان يلبس جبة النساء حين يخرج إلى التدريس، إذ لم تكن له جبة أخرى، فقدم الوفد المعروفون من فارس، فيهم من كل نوع: إمام من الفقهاء، والمتكلمين، والنحويين، فأرسل أليه صاحب لجيش أبو الحسن وأمره بأن يركب للاستقبال فلبس دُراعةً فوق تلك الجبة التي للنساء، وركب، فقال صاحب لجيش: إنه يستخف بي أمام البلد؛ يركب في جبة النسا..!! ثم إنه ناظرهم أجمعين فظهر كلامه على كلام جميعهم في كل فن.\rوسمعته يقول: لم يناول الأستاذ أبو سهل أحداً شيئاً بيده، وكان يطرحه على الأرض ليأخذه الآخذ من الأرض، وكان يقول: الدنيا أقل خطراً ن أن أرى لأجلها يدي فوق يد أحد.\rوقد قال صلى الله عليه وسلم: \" اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى \" .\rوقيل: كان أبو مرتد، رحمه الله، أحد الكرام، فمدحه بعض الشعراء، فقال: ما عندي ما أعطيك، ولكن قدمني إلى القاضي، وادع عليَّ عشرة آلاف درهم، حتى أقرّ لك بها، ثم أحبسني، فإن أهلي لا يتركوني مسجوناً. ففعل ذلك، فلم يُمس حتى دُفع إليه عشرة آلاف درهم، وخر من السجن.\rوقيل: سأل رجل الحسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه شيئاً فأعطاه خمسين ألف درهم وخمسمائة دينار، وقيل: أئت بحمال يحمله لك. فأتى بحمال فأعطاه طيلسانه وقال: يكون كِراءُ الحمال من قِبلي.\rوسألت امرأة الليث بن سعد سكرجة عسل، فأمر لها بزقٍ من عسل فقيل له في ذلك، فقال: إنها سألت علي قدر حاجتها، ونحن نعطيها على قدر نعمنا.\rوقال بعضهم صليت في مسجد الأشعث بالكوفة الصبح أطلب غريماً لي، فلما سلمت وَضِع بين يدي كلِّ واحد حلة ونعلين. وكذلك وضع بين يدي، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: إن الأشعث قدم من مكة، فأمر بهذا لأهل جماعة مسجده.\rفقلت: إنما جئت أطلب غريماً لي، ولست من جماعته.\rفقالوا: و لكلِّ من حضر.\rوقيل: لما قربت وفاة الشافعي، رضي الله تعالى عنه، قال: مُروا فلاناً يغسِّلني.\rوكان الرجل غائباً.. فلما قدم أخبر بذلك، فدعا بتذكرته. فوجد عليه سبعين ألف درهم ديناً، فقضها، وقال: هذا غسلي إياه.\rوقيل: لما قدم الشافعي من صنعاء إلى مكة كان معه عشرة آلاف دينار، فقيل له: تشتري بها قنية فضرب خيمته خارج مكة، وصبَّ الدنانير، فكل من دخل عليه كان يعطيه قبضة قبضة، فلما جاء وقت الظهر قام ونفض الثوب ولم يبق شيء.\rوقيل: خرج السريّ يوم عيد، فاستقبله رجل كبير الشأن، فسلم السري عليه سلاماً ناقصاً. فقيل له: هذا رجل كبير الشأن. فقال: قد عرفته، ولكن روي مسنداً: أنه إذا التقى المسلمان قُسمت بينهما مائة رحمة: تسعون لأبشهما، فأردت أن يكون معه الأكثر.\rوقيل: بكرى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يوماً، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: لم يأتني ضيف منذ سبعة أيام، وأخاف أن يكون الله تعالى قد أهانني.\rوروي عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أنه قال: زكاةُ الدّار أن يتخذ فيها بيت للضيافة.\rوقيل في قوله تعالى: \" هل أتاك حديث ضيف إبرهيم المكرمين.. \" . قيل قيامه عليهم بنفسه، وقيل: لأن ضيف الكريم كريم.\rوقال إبراهيم بن الجنيد: كان يقال: أربعة لاينبغي للشريف أن ينف منهن، وإن كان أميراً: قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته لضيفه، وخدمته لعالم يتعلم منه، والسؤال عما لم يعلم.\rوقال أبن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: \" ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً \" : إنهم كانوا يتحرجون في أن يأكل أحدهم وحده؛ فرخص لهم في ذلك.\rوقيل: أضاف عبد الله بن عامر بن كريز رجلاً، فأحسن قراه، فلما أراد الرجل أن يرتحل عنه لم يُعنه غلمانه، فقيل له في ذلك. فقال عبد الله: إنهم لايعينون من يرتحل عنا.\rأنشد عبد الله بن باكوية الصوفي قال: أنشدنا المتني في معناه:\rإذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... أن لا يفارقهم فالراحلون همُ\rوقال عبد الله بن المبارك: سخاء النفس عما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل.","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"وقال بعضهم: دخلت على بشر بن الحارث في يوم شديد البرد وقد تعرى من الثياب وهو ينتفض، فقلت: يا أبا نصر، الناس يزيدون في الثياب في مثل هذا اليوم وأنت قد نقصت؟!! فقال: ذكرت الفقراء وما هم فيه، ولم يكن لي ما أواسيهم به، فأردت أن أرافقم بنفسي في مقاساة البرد.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت الدقاق يقول: ليس السخاء أن يعطي الواجدُ المعدم، إنما السخاء أن يُعطى المعدمُ الواجد.\rباب الغيرة\rقال الله تعالى: \" قل إنما حرَّمَ ربيِّ الفواحش ما ظهر منها وما بطن \" .\rأخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس المزكي قال: أخبرنا أبو أحمد حمزة ابن العباس البزاز ببغداد قال: حدثنا محمد بن غالب بن حرب قال: حدثنا عبد الله أبن مسلم، قال: حدثنا محمد بن الفرات، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ما أحدٌ أغير من الله تعالى، ومن غيرته حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن \" .\rأخبرنا عليَّ بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال: حدثنا علي بن الحسن بن بنان قال: حدثنا عبد الله بن رجاء قال: أخبرنا حرب بن شداد قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة: أن أبا هريرة، رضي الله عنه، حدَّثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله تعالى: أن يتي العبد المؤمن ما حرَّم الله عليه \" .\rوالغيرة: كراهية مشاركة الغير، وإذا وُصف الله سبحانه بالغيرة، فمعناه: أنه لا يرضى بمشاركة الغير معه فيما هو حق له تعالى من طاعة عبده له.\rحكى عن السريّ السقطي: أنه قرىء بين يديه: \" وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لايؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً \" . فقال السريّ لأصحابه: أتدرون ما هذا الحجاب؟! هذا حجاب الغيرة، ولا أحد أغير من الله تعالى.\rومعنى قوله: \" هذا حجاب الغيرة \" يعني: أنه لم يجعل الكافرين أهلاً لمعرفة صدق الدين.\rوكان الأستاذ أبو علي الدقاق، رحمه الله: يقول: إن أصحاب الكل عن عبادته تعالى هم الذين ربط الحق بأقدامهم مثقلة الخلالان. فأختار لهم البعد عنه، وأخرهم عن محل القرب؛ ولذلك تأخروا.\rوأنشدوا:\rأنا صبٌ لمن هويتُ ولكن ... ما احتيالي لسوء رأي الموالي\rوفي معناه أيضاً قالوا: سقيم ليس يُعادُ ومريد ولا يُراد.\rسمعت الأستاذ أبا علي، رحمه الله، يقول: سمعت العباس الزوزني يقول: كان لي بداية حسنة.. وكنت أعرف كم بقي بيني وبين الوصول إلى مقصودي من الظفر بمرادي، فرأيت ليلة من الليالي في المنام: كأني أتدهده من خالق الجبل، فأردت الوصول إلى ذروته. قال: فحزنت، فأخذني النوم فرأيت قائلاً يقول: ياعباس، الحق لم يُرد منك أن تصل إلى ما كنت تطلب، ولكنه فتح على لسانك الحكمة، قال: فأصبحت وقد ألهمت كلمات الحكمة.\rوسمعت الأستاذ أبا عليّ، رحمه الله، يقول: كان شيخ من الشيوخ له حال ووقت مع الله، فخفي مدَّة لم يُر بين الفقراء، ثم إنه ظهر بعد ذلك لا على ما كان عليه من الوقت. فسئل عنه فقال: آه. وقع حجاب.\rوكان الأستاذ أبو علي، رحمه الله تعالى، إذا وقع شيء في خلال المجلس يشوش قلوب الحاضرين يقول: هذا من غيرة الحق سبحانه، يريد أن لا يجري عليهم ما يجري من صفاء هذا الوقت.\rوأنشدوا في معناه:\rهمت بإتياننا حتى إذا نظرت ... إلى المرآة نهاها وجهها الحسن\rوقيل لبعضهم: تريد أن تراه؟ فقال: لا، فقيل: لِمَ؟ فقال: أنزه ذلك الجمال عن نظر مثلي.\rوفي معناه أنشدوا:\rإني لأحسدُ ناظري عليكا ... حتى أغض إذا نظرت إليكا\rوأراك تخطر في شمائلك التي ... هي فتنتي فأغار منك عليكا\rوسئل الشبلي: مى تستريح؟ فقال: إذا لم أر له ذاكراً.\rسمعت الأستاذ أبا علي، رحمه الله. يقول: في قول النبي صلى الله عليه وسلم في مبايعته فرساً من أعرابي، وأنه استقاله فأقاله،فقال الأعرابي: عمرُك الله تعالى، ممن أنت؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أمرؤ من قريش.\rفقال بعض أصحابه من الحاضرين للأعرابي: كفاك جفاء أن لا تعرف نبيك!..","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"وكان رحمه الله يقول: إنما قال امرؤ من قريش غيرة، وإلا كان واجباً عليه التعرف إلى كل أحد: أنه من هو؟.. ثم إن الله؛ سبحانه، أجرى علي لسان ذلك الصحابي التعريف للأعرابي يقول: كفاك جفاء أن لا تعرف نبيك..!! من الناس من قال: إن الغيرة من صفات أهل البداية، وإن الموحد لا يشهد الغيرة، ولا يتصف بالاختيار، وليس له فيما يجري في المملكة تحكم، بل الحق سبحانه، أولى بالأشياء فيما يقضي على ما يقضي.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا عثمان الغربي يقول: الغيرة عمل المريدين، فأما أهل الحقائق فلا.\rوسمعته يقول: سمعت أبا نصر الأصبهاني يقول: سمعت الشبلي يقول: الغيرة غيرتان: غيرة البشرية على النفوس، وغيرة الإلهية على القلوب.\rوقال الشبلي أيضا: غيرة الإلهية على الأنفاس أن تضيع فيما سوى الله تعالى، والواجب أن يقال: الغيرة غيرتان: غيرة الحق، سبحانه، على العبد: وهو أن لا يجعله للخلق، فيضن به عليهم وغيرة العبد للحق، وهو أن لايجعل شيئاً من أحواله وأنفاسه لغير الحق تعالى فلا يقال: أنا أغار على الله تعالى، ولكن يقال: أنا أغار لله، فإذن الغيرة على الله تعالى جهل، وربما تؤدي إلى ترك الدين؛ والغيرة لله توجب تعظيم حقوقه وتصفية الأعمال له.\rواعلموا أنًّ من سنة الحق، تعالى، مع أوليائه: أنهم إذا ساكنوا غيراً، أو لاحظوا شيئاً، أو ضاجعوا بقلوبهم شيئاً، شوَّش عليهم ذلك، فيغار على قلوبهم بأن يعيدها خالصة لنفسه، فارغة عما ساكنوه أو لاحظوه أو ضاجعوه، كآدم، عليه السلام، لمَّا وطن نفسه على الخلود في الجنة أخرجه منها.\rوإبراهيم، عليه السلام، لما أعجبه إسماعيل، عليه السلام، أمره بذبحه حتى أخرجه من قلبه فلما أسلما وتله للجبين وصفا سره منه أمره بالفداء عنه.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا زيدد المروزي، رحمه الله، يقول: سمعت إبراهيم بن شيبان يقول: سمعت محمد بن حسان يقول: بينا أنا أدور في جبل لبنان، إذ خرج علينا رجل شاب قد أحرقته السموم والرياح؛ فلما نظر إليّ ولى هارباً، فتبعه، وقلت له تعظني بكلمة؟ فقال لي: احذر، فإنه غيور، لا يحب أن يرى في قلب عبده سواه.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن، رحمه الله، يقول: قال النصراباذي: الحق تعالى غيور، ومن غيرته: أنه لم يجعل إليه طريقاً سواه.\rوقيل: أوحى الله، سبحانه، إلى بعض أنبيائه: أنَّ لفلان إلى حاجة، ولي أيضاَ إليه حاجة، فإن قضى حاجتي قضيت حاجته؛ فقال ذلك النبي، عليه السلام في مناجاته: إلهي؛كيف يكون ذلك حاجة؟ فقال: إنه ساكن بقلبه غيري فليفرغ قلبه عنه أقض حاجته.\rوقيل: ن أبا يزيج البسطامي رأى جماعة من الحور العين في منامه.. فنظر إليهن، فسلب وقته أياماً، ثم إنه رأى في منامه جماعة منهن، فلم يلتفت إليهن وقال: إنكنَّ شواغل.\rوقيل: مرضت رابعة العدوية، فقيل لها: ما سبب علنك؟ فقالت: نظرت بقلبي إلى الجنة فأدبني، فله العتبي، لا أعود ويحكى عن السري أنه قال: كنت أطلب رجلاً صديقاً لي مدة من الأوقات فمررت في بعض الجبال: فإذا أنا بجماعة زمني وعميان ومرضي، فسألت عن حالهم، فقالوا: هاهنا يخرج في السنة مرة يدعو لهم فيجدون الشفاء، فصبرت حتى خرج.. ودعا لهم فوجدوا الشفاء، فقفوت أثره وتعلقت به، وقلت له بي علة باطنة!!ن فما دواؤها؟ فقال: يا سري، خلِّ عني، فإنه - تعالى - غيور لا يراك تساكن غيره فتسقط من عينه.\rقال الأستاذ: ومنهم من غيرته، حين يرى الناس يذكرونه، تعالى بالغفلة فلا يمكنه رؤية ذلك وتشق عليه.\rسمعت الأستاذ أبا عليِّ الدقاق، رحمه الله، يقول: لما دخل الأعرابي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبال فيه، وتبادر إليه الصحابة لإخراجه، قال، رحمه الله، إنما أساء الأعرابي الأدب، ولكن الخجل وقع على أصحابه، والمشقة حصلت لهم حين رأوا من وضع خشمته، كذلك العبد إذا عرف جلال قدره، سبحانه يشقُّ عليه سماع ذكر من يذكره بالغفلة، وطاعة من لا يعبده بالحرمة.\rحكى أنا أبا بكر الشبلي مات له ابن كان أسمه أبا الحسن فجزعت أمه عليه، وقطعت شعر رأسها. فدخل الشبلي الحمام وتنور بلحيته، فكل من أتاه معزياً قال: ما هذا يا أبا بكر؟ فكان يقول: موافقة لأهلي.\rفقال له بعضهم: أخبرني يا أبا بكر لِمَ فعلت هذا؟","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"فقال: علمت أنهم يعزونني على الغفلة، ويقولون: آجرك الله تعالى، ففديت ذكرهم لله تعالى بالغفلة بلحيتي.\rوسمع النوري رجلاً يؤذن، فقال: طعنة وسم الموت، وسمع كلباً ينبح فقال: لبيك وسعديك. فقيل له:إن هذا تركٌ للدين.. فنه يقول للمؤمن في تشهده طعنة وسم الموت، ويلبي عند نباح الكلاب، فسئل عن ذلك فقال أما ذلك فكان ذكره لله على رأس الغفلة، وأما الكلب فقال تعالى: \" وإن من شيء إلا يسبح بحمده \" .\rوأذن الشبلي مرة، فلما انتهى إلى الشهادتين قال: لولا أنك أمرتني ما ذكرتُ معك غيرك.\rوسمع رجلٌ رحلاً يقول: جلَّ الله. فقال له: أحبُّ أن تله عن هذا.\rسمعت بعض الفقراء يقول: سمعت أبا الحسن الخزفاني رحمه الله يقول: لا إلهَ إلا الله من داخل القلب. محمد رسول الله من القرط ومن نظر إلى ظهر هذا اللفظ توهم أنه استصغر الشرع. ولا كما يخضر بالبال، إذ الإخطار للأغيار بالإضافة إلى قدر الحق سبحانه متصاغرة في التحقيق.\rباب الولاية\rقال الله تعالى: \" ألا إنَّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون \" .\rأخبرنا حمزة بن يوسف السهمي، رحمه الله، قال: حدثنا عبد الله بن عدي الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن هارون بن حميد، قال: حدثنا محمد بن هارون المقري قال: حدثنا حماد الخياط، عن عبد الواحد بن ميمون مولى عروة، عن عروة، عن عائشة، رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" يقول الله تعالى: من آذى ولياً فقد استحل محاربتي، وما تقرب إلى العبد بمثل أداء ما افترضت عليه، ومايزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، وما ترددت في شيء أنا فاعلة كترددي في قبض روح عبدي المؤمن؛ لأنه يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه.\rالواليّ: له معنيان: أحدهما: فعيل بمعنى مفعول، وهو من يتولى الله سبحانه أمره؛ قال الله تعالى: \" وهو يتولى الصالحين \" فلا يكله إلى نفسه لحظة، بل يتولى الحق، سبحانه، رعايته.\rوالثاني: فعيل مبالغة من الفاعل، وهو الذي يتوالى عبادة الله وطاعته، فعبادته تجري على التوالي، من غير أن يتخللها عصيان.\rوكلا الوصفين واجب حتى يكون الولي وليَّا: يجب قيامه بحقوق الله تعالى على الاستقصاء والاستيفاء، ودوام حفظ الله تعالى إياه في السراء والضراء.\rومن شرط الولي: أن يكون محفوظاً، كما أن من شرط النبي أن يكون معصوماً، فكل من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرور مخدوع.\rسمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق رحمه الله، قصد أبو يزيد البسطامي بعض من وصف بالولاية، فلما وافى مسجده قعد ينتظر خروجه، فخرج الرجل، وتنخم في المسجد، فانصرف أبو يزيد ولم يسلم عليه. وقال: هذا رجل غير مأمون على أدب من آداب الشريعة، فكيف يكون أميناً على أسرار الحق؟! واختلفوا في أن الولي: هل يجوز أن يعلم أنه وليّ، أم لا؟ فمنهم من قال: لايجوز ذلك؛ وقال: إن الولي يلاحظ نفسه بعين التصغير، وإن ظهر عليه شيء من الكرامات خاف أن يكون مكراً، وهو يستشعر الخوف دائماً أبداً؛ لخوف سقوطه عما هو فيه، وأن تكون عاقبته بخلاف حاله، وهؤلاء يجعلون من شرط الولاية: وفاء المآل.\rوقد ورد في هذا الباب حكايات كثيرة عن الشيوخ، وإليه ذهب من شيوخ هذه الطائفة جماعة لا يحصون، ولو اشتغلنا بذكر ما قالوا لخرجنا عن حد الاختصار، وإلى هذا كان يذب من شيوخنا الذين لقيناهم الإمام أبو بكر بن فورك، رحمه الله.\rومنهم من قال: يجوز أني علم الولي أنه وليّ، وليس من شرط تحقيق الولاية في الحال الوفاءُ في المآل.\rثم إن كان ذلك من شرطه أيضاً فيجوز أن يكون هذا الوليُّ خُصَ بكرامة هي: تعريف الحق إياه أنه مأمون العاقبة؛ إذ القول بجواز كرامات الأولياء واجب، وهو وإن قارفه خوف العقابة، فما هو عليه من الهيبة والتعظيم والإجلال في الحال أتم وأشدّ؛ فإن اليسير من التعظيم والهيبة أهدأ للقلوب من كثير من الخوف.\rولما قال صلى الله عليه وسلم: \" عشرة في الجنة من أصحابي \" ، فالعشرة - لا محالة - صدَّقوا الرسول صلى الله عليه وسلم وعرفوا سلامة عاقبتهم، ثم لم يقدح ذلك في حالهم.","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"ولأن من شرط صحة المعرفة بالنبوة: الوقوف على حدِّ المعجزة، ويدخل في جملته العلمُ بحقيقة الكرامات، فإذا رأى الكرامات ظاهرة عليه لا يمكنه أن لا يميز بينها وبين غيرها، فإذا رأى شيئاً من ذلك علم أنه في الحال على الحق. ثم يجوز أن يعرف أنه في المآل يبقى على هذه الحالة، ويكون هذا التعريف كرامة له. والقول بكرامات الأولياء صحيح.\rوكثير من حكايات القوم يدل على ذلك كما نذكر طرفاً من ذلك في باب كرامات الأولياء إن شاء الله تعالى.\rوإلى هذا القول كان يذهب من شيوخنا الذين لقيناهم، الأستاذ أبو علي الدقاق، رحمه الله.\rوقيل: إن إبراهيم بن أدهم قال لرجل: أتحبُّ أن تكون لله ولياً؟ فقال: نعم، فقال: لا ترغب في شيء من الدنيا والآخرة؛ وفرغ نفسك لله تعالى، وأقبل بوجهك عليه ليُقبل عليك ويواليك.\rوقال يحيى بن معاذ في صفة الأولياء: هم عباد تسربلوا بالأنس بالله تعالى بعد المكابدة، واعتنقوا الروح بعد المجاهدة، بوصولهم إلى مقام الولاية.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت عمي البسطامي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا يزيد يقول: أولياء الله تعالى عرائس الله.. ولا يرى العرائس إلا المحرومون. وهم مخدرون عنده في حجاف الأنس، لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة.\rسمعت أبا بكر الصيدلاني - كان رجلاً صالحاً - قال: كنت أصلح اللوح في قبر أبي بكر الطمستاني أنقر فيه اسمه في مقبرة الحيرة كثيراً، وكان يقلع ذلك اللوح ويُسرق!! ولم يقع مثله في غيره من القبور، فكنت أتعجب منه، فسألت أبا علي الدقاق، رحمه الله، يوماً عن ذلك فقال: إن ذلك الشيخ آثر الخلفاء في الدنيا، وأنت تريد أن تشهر قبره باللوح الذي تصلحه فيه، وإن الحق سبحانه يأبى إلا إخفاء قبره، كما آثر هو ستر نفسه.\rوقال أبو عثمان المغربي: الوليُّ قد يكون مشهوراً، ولكن لا يكون مفتوناً..\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت النصراباذي يقول: ليس للأولياء سؤال؛ إنما هو الذبول والخمول.\rقال: وسمعته يقول: نهايات الأولياء بدايات الأنبياء.\rوقال سهل بن عبد الله: الوليّ: هو الذي توالت افعال علي الموافقة.\rوكان يحيى بن معاذ: الولي لا يرائي، ولا ينافق، وما أقل صديق من كان هذا خلقه!! وقال أبو علي الجوزجاني: الولي هو الفاني في حاله، الباقي في مشاهدة الحق سبحانه، تولى الله سياسته فتوالت عليه أنوار التولي، لم يكن له عن نفسه إخبار ولا مع غير الله قرار.\rوقال أبو يزيد: حظوظ الأولياء مع تباينها من أربعة أسماء، وقيام كل فريق منهم باسم؛ وهو: الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، فمتى فني عنها بعد ملابستها فهو الكامل التام، فمن كان حظه من اسمه تعالى الظاهر لاحظ عجائب قدرته ومن كان حظه من اسمه الباطن لاحظ ما جرى في السرائر من أنواره. ومن كان حظه من اسمه الباطن لاحظ ما جرى في السرائر من أنواره. ومن كان حظه من اسمه الأول كان شغله بما سبق، ومن كان حظه من اسمه الآخر كان مرتبطاً بما يستقبله، وكل كوشف علي قدر طاقته إلا من تولاه الحق، سبحانه ببره، وقام عنه بنفسه.\rوهذا الذي قاله أبو يزيد يشير إلي أن الخواصّ من عباده ارتقوا عن هذه الأقسام، فلا العواقب هم في ذكرها، ولا السوابق هم في فكرها، ولا الطوارق هم في أسرها.. وكذا أصحاب الحقائق يكونون محواً عن نعوت الخلائق كما قال الله تعالى: \" وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود \" .\rوقال يحيى بن معاذ: الوليّ ريحان الله، تعالى، في الأرض، يشمه الصديقون فتصل رائحته إلى قلوبهم فيشتاقون به إلى مولاهم، ويزدادون عبادة على تفاوت أخلاقهم.\rوسئل الواسطي: كيف يُغَذى الولي في ولايته؟ فقال: في بدايته بعبادته وفي كهولته بستره بلطافته، ثم يجذبه إلى ما سبق له من نعوته وصفاته، ثم بذيقة طعم قيامه به في اوقاته.\rوقيل: علامة الولي ثلاثة: شغلة بالله، وفراره إلى الله، وهمه إلى الله.\rوقال الخراز: إذا أراد الله تعالى أن يوالي عبداً من عبيده فتح عليه باب ذكره، فإذا استلذ الذكر فتح عليه باب القرب، ثم رفعه إلى مجالس الأنس به، ثم أجلسه على كرسي التوحيد، ثم رفع عنه الحجب وأدخله دار الفردانية.","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"وكشف له عن الجلال والعظمة، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هو فحينئذ صار العبد زمناً فانياً، فوقع في حفظه سبحانه، وبرىء من دعاوى نفسه.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا علي الروزباري يقول: قاب أبو تراب النخشبي: إذا ألف القلب الإعراض عن الله صحبته الوقيعة في أولياء الله تعالى.\rوقالوا: من صفة الولي أن لا يكون له خوف؛ لأن الخوف ترقب مكروه يحل في المستقبل، أو انتظار محبوب يفوت في المستأنف، والولي ابن وقته، ليس له مستقبل فيخاف شيئاً.\rوكما لا خوف له لا جراء له؛ لأن الرجاء انتظار محبوب يحصل أو مكروه يُكشف، وذلك في الثاني من الوقت.\rوكذلك لاحزن له؛ لأن الحزن من حزونة القلب، ومن كان في ضياء الرضا وبَرَدَ الموافقة فأنى يكون له حزن؟! قال الله تعالى: \" ألا إنَّ أولياءَ الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون \" .\rباب الدعاء\rقال الله تعالى: \" ادعوا ربكم تضرعاً وخفية \" .\rوأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال: أخبرنا أبو الحسين الصفار البصري قال: حدثنا محمد بن أحمد العودي قال: حدثنا كامل، قال: حدثنا بن لهيعة قال حدثنا خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" الدعاء مخ العبادة \" .\rوالدعاء: مفتاح الحاجة، وهو مستروح أصحاب الفاقات، وملجأ المضطرين، ومتنفس ذوي المأرب، وقد ذم الله سبحانه وتعالى. قوماً تركوا الدعاء فقال: \" ويقبضون أيديهم \" قيل: لا يمدونها إلينا في السوائل.\rوقال سهل بن عبد الله: خلق الله تعالى الخلق وقال ناجوني، فإن لم تفعلوا فانظروا إليّ، فإن لم تفعلوا فاسمعوا مني، فإن لمتفعلوا فكونوا ببابي، فإن لم تفعلوا فأنزلوا حاجاتكم بي.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: قال سهل بن عبد الله: أقرب الدعاء إلى الإجابة دعاء الحال.\rودعاءاً لحال: أن يكون صاحبه مضطراً لابد له مما يدعو لأجله.\rأخبرنا حمزة بن يوسف السهمي، رحمه الله، قال سمعت أبا عبد الله المكانسي يقول: كنت عند الجنيد؛ فأتت امرأة إليه وقالت: ادع الله أني رد عليّ ابني: فإن ابناً لي ضاع فقال لها: اذهبي واصبري، فمضت، ثم عادة فقالت له مثل ذلك، فقال لها الجنيد: اذهبي واصبري، فمضت ثم عادت، ففعلت مثل ذلك مرات والجنيد يقول لها: اصبري، فقالت له: عيل صبري، ولمي بق لي طاقة عليه، فادع لي. فقال لها الجنيد: إن كان الأمر كما قلت فاذهبي، فقد رجع ابنك، فمضت، فوجدته، ثم عادت تشكر له فقيل للجني: بم عرفت ذلك؟ فقال: قال الله تعالى: \" أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء \" .\rوقد اختلف الناس في أن: الأفضل الدعاء، أم السكوت والرضا؟ فمنهم من قال: الدعاء في نفسه عبادة، قال صلى الله عليه وسلم: \" الدعاء مخُّ العبادة \" والإتيان بما هو عبادة أولى من تركه، ثم هو حق الله تعالى فإن لم يستجب للعبد، ولم يصل إلى حظ نفسه فلقد قام بحق ربه؛ لأن الدعاء إظهار فاقة العبودية: وقد قال أبو حازم الأعرج: لئن أحرم الدعاة أشدُّ علي من أن أحرم الإجابة. وطائفة قالوا: السكوت والخمول تحت جريان الحكم أتم، والرضا بما سبق من اختيار الحق أولى، ولهذا قال الواسطي: اختيار ما جرى لك في الأزل خير لك من معارضة الوقت، وقد قال صلى الله عليه وسلم خبراً عن الله تعالى.\r\" من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين \" وقال قوم: يجب أن يكون العبد صاحب داء بلسانه وصاحب رضا بقلبه: ليأتي بالأمرين جميعاً.\rوالأولى أن يقال: إن الأوقات مختلفة، ففي بعض الأحوال الدعاء أفضل من السكوت، وهو الأدب، وفي بعض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء، وهو الأدب، وإنما يعرف ذلك في الوقت، لأن علم الوقت إنما يحصل في الوقت فإذا وجد بقلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء له أولى. وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت له أولى.","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"ويصح أن يقال: ينبغي للعبد أن لا يكون ساهياً عن شهود ربه تعالى في حال دعائه. ثم يجب عليه أن يراعي حاله، فإن وجد من الدعاء زيادة بسط في وقته فالدعاء له أولى.. وإن عاد إلى قلبه في وقت الدعاء شبه زجر ومثل قبض، فالأولى له ترك الدعاء في هذا الوقت، وإن لم يجد في قلبه زيادة بسط ول حصول زجر فالدعاء وتركه هاهنا سيان، فإن كان الغالب عليه في هذا الوقت العلمُ، فالدعاء أولى؛ لكونه عبادة، وإن كان الغالب عليه في هذا الوقت المعرفة والحال والسكوت، فالسكوت أولى، ويصح أن يقال: ما كان للمسلمين فيه تصيب، أو للحق سبحانه فيه حقّ، فالدعاء أولى وما كان لنفسك فيه حظ فالسكوت أتمُّ. وفي الخبر المروي \" أن العبد يعو الله سبحانه وهو يحبه، فيقول: ياجبريل أخِّر حاجة عبدي، فإني أحبُّ أن أسمع صوته، وإن العبد ليدعو الله وهو يبغضه فيقول: يا جبريل، إقض لعبدي حاجته، فإني أكره أن أسمع صوته \" .\rويحكى عن يحيى بن سعيد القطان، رحمه الله تعالى، أنه رأى الحقَّ، سبحانه في المنام، فقال: آلهي: كم أدعوك فلا تجيبني!! فقال يا يحيى؛ لني أحبُّ أن أسمع صوتك.\rوقال صلى الله عليه وسلم: \" والذي نفسي بيده، إنّ العبد ليدعو الله تعالى وهو عليه غضبان، فيعرض عنه، ثم يدعوه، فيعرض عنه، ثم يدعوه، فيعرض عنه ثم يدعوه، فيقول الله تعالى لملائكته: أبي عبدي أن يدعو غيري فقد استجبت له \" .\rأخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران ببغداد قال: حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد المعروف بأبن السماك قال: أخبرنا محمد بن عبد ربه الحضرمي قال: أخبرنا بشر بن عبد الملك قال: حدثنا موسى بن الحجاج قال: قال مالك بن دينار: حدثنا الحسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتَّجر من بلاد الشام إلى المدينة، ومن المدينة إلى بلاد الشام، ولا يصحب القوافل توكلاً منه على الله، عز وجل، قال: بينما هو جاء من الشام يريد المدينة إذ عرض له لصٌ على فرس.. فصاح بالتاجر: قف. قف!! فوقف له التاجر، وقال له: شأنك بمالي وخلّ سبيل. فقال له اللص: المال مالي، وإنما أريد نفسك. فقال له التاجر: ما تريد بنفسي؟! شأنك والمال وخلِّ سبيلي. قال: فرد عليه اللص مثل المقالة الأولى، قال له التاجر: أنظرني حتى أتوضأ وأصلي وأدعو ربي عزَّ وجلِّ.\rقال أفعل ما بدالك. قال فقام التاحر، وتوضأ، وصلى أربع ركعات، ثم رفع يديه إلى السماء، فكان من دعائه أ، قال: يا ودود.. يا ودود.. ياذا العرش المجيد، يا مبدىء يا معيد، يا فعَّال لما يدري أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، وأسألك بقدرتك التي قدرت بها على خلقك، وبرحمتك التي وسعت كل شيء، لا إله إلا أنت، يا مغيث أغثني ثلاث مرات. فلما فرغ من دعائه إذا بفارس على فرس أشهب.. عليه ثياب خضر، بيده حربة من نور، فلما نظر اللص إلى الفارس ترك التاجر ومر نحو الفارس. فلما دنا منه شد الفارس على اللص، فطعنه طعنة أدراه عن فرسه.. ثمجاء إلى التاجر فقال له: قم فاقتله، فقال له التاجر: من أنت؟ فما قتلت أحداً قد ولا تطيب نفس بقتله!! قال، فرجع الفارس إلى اللص وقتله، ثم جاء إلى التاجر، وقال: أعلم أنيملك من السماء الثالثة، حين دعوت الأولى سمعنا لأبواب السماء قعقعة، فقلنا أمرٌ حدث!! ثم دعوت الثانية ففتحت أبواب السماء ولها شرر كشرر النار، ثم دعوت الثالثة فهبط جبريل عليه السلام علينا من قبل السماء وهو ينادي: من لهذا المكروب؟ فدعوت ربي أن يوليني قتله، واعلم - يا عبد الله - أنه من دعا بدعائك هذا في كل كربة، وكل شدة، وكل نازلة فرج الله تعالى عنه، وأعانه. قال وجاء التاجر سالماً غانماً حتى دخل المدينة وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بالقصة وأخبره بالدعاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \" لقد لقنك الله عزَّ وجلَّ، اسماؤه الحسنى التي إذا دُعي بها أجاب، وإذا سئل بها أعطى \" .\rومن أداب الدعاء: حضور القلب، وأن لا يكون ساهياً؛ فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إن الله تعالى، لا يستجيب دعاء عبد من قلب لاهٍ \" .\rومن شرائطه: أن يكون مطعمه حلالاً؛ فلقد قال صلى الله عليه وسلم لسعد: \" اطب كسبك تُستجب دعوتك \" .\rوقد قيل: الدعاء: مفتاح الحاجة، وأسنانها: لقم الحلال.","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"وكان يحيى بن معاذ يقول: إلهي، كيف أدعوك وأنا عاص؟ وكيف لا أدعوك وأنت كريم؟! وقيل: مر موسى، عليه السلام، برجل يدعو ويتضرع، فقال موسى عليه السلام: إلهي، لو كانت حاجته بيدي قضيتها؛ فأوحى الله، تعالى إليه: أنا أرحم به منك، ولكنه يدعوني، وله غنم وقلبه عند غنمه، وإني لا أستجيب لعبد يدعوني وقلبه عند غيري. فذكر موسى عليه السلام للرجل ذلك، فانقطع إلى الله تعالى بقلبه فقضيت حاجته.\rوقيل لجعفر الصادق: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ فقال: لأنكم تدعون من لا تعرفونه.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: ظهر بيعقوب بن الليث علة أعيت الأطباء، فقالوا له: في ولايتك رجل صالح يسمىَّ سهل بن عبد الله لو دعا لك لعل الله سبحانه يستجيب له؛ فاستحضر سهلاً وقال: ادع الله عزَّ وجل لي. فقال سهل: كيف يستجاب دعائي فيك، وفي محبسك مظلومون؟ فأطلق كل من كان في حبسه، فقال سهل: اللهمَّ كما رأيته ذلَّ المعصية فأره عزّ الطاعة وفرج عنه. فعوفي، فعرض مالاً على سهل فأبى أن يقبله، فقيل له: لو قبلته ودفعته إلى الفقراء.\rفنظر إلى الحصباء في الصحراء فإذا هي جواهر، فقال لأصحابه: من يُعطى مثل هذا يحتاج إلى مال يعقوب بن الليث؟!! وقيل: كان صالح المري يقول كثيراً: من أدمن قرع باب يوشك أن يفتح له. فقالت له رابعة: إلى متى تقول هذا؟ متى أغلق هذا الباب حتى يستفتح؟ فقال صالح: شيخ جهل وامرأة علمت.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا بكر الحربي يقول: سمعت السريّ يقول: حضرت مجلس معروف الكرخي. فقال إليه رجل فقال: يا أبا محفوظ، ادع الله تعالى أن يردَّ عليَّ كيسي؛ فإنه سرق وفيه ألف دينار. فسكت، فأعاد، فقال معروف: ماذا أقول؟ أقول ما زويته عن أنبيائك وأصفيائك. فرده عليه. فقال الرجل: فادع الله تعالى لي. فقال: اللهم خر له.\rوحكي عن الليث أنه قال: رأيت عقبة بن نافع ضريراً، ثم رأيته بصيراً، فقلت له: بم رد عليك بصرك؟ فقال: أتيت في منامي، فقيل قل: يا قريب، يا مجيب، يا سميع الدعاء، يا لطيفاً لما يشاء، رد علي بصري. فقلتها، فرد الله عزَّ وجل علي بصري.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: كان بي وجع العين ابتداء ما رجعت إلى نيسابور من مرو، وكنت مدة أيام لم أجد النوم، فتناعست صباحاً، فسمعت قائلاً يقول لي: أليس الله بكاف عبده؟ فانتبهت، وقد فارقني الرمد، وزال في الوقت الوجع، ولم يصبني بعد ذلك وجع العين.\rوحكى عن محمد بن خزيمة، أنه قال: لما مات أحمد بن حنبل كنت في الإسكندرية، فاغتممت.. فرأيت في المنام أحمد بن حنبل وهو يتبختر، فقلت: يا أبا عبد الله، أي مشية هذه؟ فقال: مشية الخدام في دار السلام. فقلت: ما فعل الله عزَّ وجل بك؟ فقال: غفر لي، وتوجني، وألبسني نعلين من ذهب، وقال: يا أحمد هذا بقولك القرآن كلامي. ثم قال: يا أحمد ادعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن سفيان الثوري وكنت تدعو بها في دار الدنيا. فقلت: يا رب كل شيء بقدرتك على كل شيء، اغفر لي كل شيء، ولا تسألني عن شيء. فقال: يا أحمد هذه الجنة، فادخلها، فدخلتها.\rوقيل: تعلق شاب بأستار الكعبة، وقال: إلهي، لا شريك له فيؤتى، ولا وزير لك فيرشى، ن أطعتك فبفضلك ولك الحمد، وإن عصيتك فبجهلي ولك الحجةُ عليَّ، فبإثبات حجتك عليَّ وانقطاع حجتي لديك إلا غفرت لي. فسمع هاتفاً يقول: الفتى عتيق من النار.\rوقيل: فائدة الدُعاء: إظهار الفاقة بين يديه تعالى، إلا فالرب يفعل ما يشاء.\rوقيل: دعاء العامة بالأقوال، ودعاء الزهاد بالأفعال، ودعاء العارفين بالأحوال.\rوقيل: خير الدعاء: ما هيجته الأحزان.\rوقال بعضهم: إذا سالت الله تعالى حاجة فتسهلت، فاسأل الله عقب ذلك الجنة؛ فلعل ذلك يوم إجابتك.\rوقيل ألسنة المبتدئين منطلقة بالدعاء، وألسنة المتحققين خرست عن ذلك.\rوسئل الواسطي أن يدعو، فقال: أخشى أني إن دعوت أن يُقال لي: إن سألتنا مالك عندنا فقد اتهمتنا، وإن سألتنا ما ليس لك عندنا فقد أسأت الثناء علينا، وإن رضيت أجرينا لك من الأمور ما قضينا لك به في الدهور.\rوروي عن عبد الله بن منازل أنه قال: ما دعوت منذ خمسين سنة، ولا أريد أن يدعو لي أحد.\rوقيل: الدعاء سلم المذنبين.","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"وقيل: الدعاء: المراسلة، وما دامت المراسلة باقية فالأمر جميل بعد.\rوقيل لسان المذنبين دعاؤهم.\rوسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: إذا بكى المذنب فقد راسل الله عزَّ وجلَّ.\rوفي معناه أنشدوا:\rدموع الفتى عما يجنُّ تترجم ... وأنفاسه يبدين ما القلب يكتم\rوقال بعضهم: الدعاء ترك الذنوب.\rوقيل: الدعاء لسان الاشتياق إلى الحبيب.\rوقيل: الإذن في الدعاء خير للعبد من العطاء.\rوقال الكتاني لم يفتح الله تعالى لسان المؤمن بالمعذرة إلا لفتح باب المغفرة.\rوقيل: الدعاء يوجب الحضور، والعطاء يوجب الصرف، والمقام علي الباب أتمُّ من الانصراف بالمثاب.\rوقيل: الدعاء مواجهة الحق، تعالى، بلسان الحياء.\rوقيل: شرط الدعاء الوقوف مع القضا بوصف الرضا.\rوقيل: كيف تنتظر إجابة الدعوة وقد سَدَدْتَ طريقها بالهفوة؟! وقيل لبعضهم: ادع لي. فقال: كفاك من الأجنبية أن تجعل بينك وبينه واسطة.\rسمعت حمزة بن يوسف السهمي يقول: سمعت أبا الفتح نصر بن أحمد بن عبد الملك يقول: سمعت عبد الرحمن بن أحمد يقول:سمعت أبي يقول: جاءت امرأة إلى تقيِّ بن مخلد، فقالت: إن ابني قد أسره الروم، ولا أقدر علىمال أكثر من دويرة، ولا أقدر علي بيعها، فلو أشرت إلى من يفديه بشيء فإنه ليس لي ليل ولا نهار، ولا نوم ولا قرار!! فقال لها: نعم، أنصرفي حتى أنظر في أمره إن شاء الله تعالى.\rقال: فأطرق الشيخ وحرك شفتيه، قال: فلبثنا مدة، فجاءت المرأة ومعها ابنها، وأخذت تدعو له وتقول: قد رجع سالماً، وله حديث يحدثك به. فقال الشاب: كنت في يدي بعض ملوك الروم مع جماعة من الأسارى، وكان له إنسان يستخدمنا كل يوم. فكان يخرجنا إلى الصحراء للخدمة، ثم يردنا علينا قيودنا. فبينا نحن نجيء من العمل بعد المغرب مع صاحبه الذي كان يحفظنا انفتح القيد من رجلي ووقع على الأرض، وصف اليوم والساعة، فوافق الوقت الذي جاءت فيه المرأة، ودعا الشيخ، قال: فنهض إلى الذي كان يحفظني وصاح عليّ وقال لي: كسرتً القيد!! قلت: لا، إنه سقط من رجلي قال: فتحير.. وأحضر أصحابه، وأحضروا الحداد، وقيدوني.. فملا مشيت خطوات سقط القيد من رجلي، فتحيروا في أمري!! فدعوا رهبانهم، فقالوا لي: ألك والدة؟ قلت: نعم فقالوا: وافق دعاؤها الإجابة. وقد أطلقك الله عز وجل، فلا يمكننا تقييدك.\rفزودوني، وأصحبوني بمن أوصلني إلى ناحية المسلمين.\rباب الفقراء\rقال الله تعالى: \" للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله، لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً وما تنفقوا من خير فن الله به عليم \" .\rأخبرنا أبو عبد الله الحسين بن شجاع بن الحسين بن موسى البزاز ببغداد، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد بن الهيثم الأنباري قال: حدثنا جعفر بن محمد الصائغ قال: حدثنا قبيصة قال: حدثنا سفيان، عن محمد ابن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة؛ عن أبي هريرة، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: \" يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسائة عام: نصف يوم \" .\rوأخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس الحيري ببغداد، قال: حدثنا أبو أحمد حمزة بن العباس البزاز ببغداد، قال: حدثنا محمد بن غالب ابن حرب قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: حدثنا محمد بن أبي الفرات. عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن المسكين ليس بالطواف الذي تردُّه اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان \" ، قال: قيل: مَن المسكين يا رسول الله؟ قال: \" الذي لا يجد ما يغنيه ويستحي أن يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه \" .\rقال الأستاذ: معنى قوله: يستحي أن يسال الناس: أي يستحي من الله، تعالى. أن يسأل الناس، لا أن يستحي من الناس.\rوالفقرِ شعار الأولياء؛ وحلية الأصفياء؛ واختيار الحق، سبحانه لخواصه من الأتقياء والأنبياء.\rوالفقراء: صفوة الله عزَّ وجلَّ من عباده، ومواضع أسراره بين خلقه، بهم يصون الحقُّ الخلق، وببركاتهم يبسط عليهم الرزق.\rوالفقراء الصبر جلساء الله تعالى، يوم القيامة؛ بذلك ورد الخبر عن النبي، صلى الله عليه وسلم.","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، قال: حدثنا إبراهيم بن أحمد بن محمد ابن رجاء الفزاري، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن أحمد بن خشيش البغدادي قال: حدثنا عثمان بن معبد قال: حدثنا عمر بن راشد. عن مالك، عن نافع، عن أبي عمر، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.\r\" لكل شيء مفتاحُ ومفتاح الجنة: حبُّ المساكين، والفقراء الصبر: هم جلساء الله تعالى يوم القيامة \" .\rوقيل: ن رجلاً أتى إبراهيم بن أدهم بعشرة آلاف درهم فأبى أن يقبلها منه وقال له: تريد أن تمحو اسمي من ديوان الفقراء بعشرة آلاف درهم: لا أفعل!! وقال معاذ النسفي: ما أهلك الله، تعالى، قوماً ون عملوا ما عملوا حتى أهانوا الفقراء وأذلوهم.\rوقيل: لو لم يكن للفقراء إلى الله فضيلة غير إرادته وتمنيه سعة أرزاق المسلمين ورخص أسعارهم لكفاه ذلك؛ لأنه يحتاج إلى شرائها والغني يحتاج إلى بيعها. هذا لعوام الفقراء، فكيف حال خواصهم؟ سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي. يقول: سمعت عبد الواحد بن بكر يقول: سمعت أبا بكر بن سمعان يقول: سمعت أبا بكر بن مسعود يقول: سئل يحيى بن معاذ عن الفقر، فقال: حقيقته: أن لا يستغنى العبد إلا بالله، ورسمه عدم الأسباب كلها.\rوسمعته يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت إبراهيم القصار يقول: الفقر لباس يورث الرضا إذا تحقق العبد فيه.\rوقدم على الأستاذ أبي علي الدقاق فقير في سنة: خمس، أو أربع وتسعين وثلاثمائة من زوزن وعليه مسح وقلنوسة مسح، فقال له بعض أصحابه: بكم اشتريت هذا المسح؟ على وجه المطايبة.\rفقال: اشتريته بالدنيا وطلب مني بالآخرة فلم أبعه بها!! سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: قام فقير في مجلس يطلب شيئاً، فقال: إني جائع منذ ثلاث: وكان هناك بعض المشايخ فصاح عليه وقال: كذبت!! إن الفقر سر الله وهو لا يضع سره عند من يحمله إلى من يريد.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن الفراء يقول سمعت زكريا النخشبي يقول: سمعت حمدون القصار يقول: إذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أشياء: رجل مؤمن قتل مؤمناً، ورجل يموت على الكفر، وقلب فيه خوف الفقر.\rوسمعته يقول: سمعت عبد الله بن عطا. يقول: سمعت أبا جعفر الفرغاني يقول: سمعت الجنيد يقول: يا معشر الفقراء: إنكم تعرفون بالله، وتكرمون الله، فانظروا كيف تكونون مع الله إذا خلوتم به؟.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، يقول: سمعت محمد بن الحسن البغدادي. يقول: سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول: سمعت الجنيد، وقد سئل عن الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى: أو أتمُّ أم الاستغناء بالله تعالى؟ فقال: إذا صحَّ الافتقار إلى الله عز وجل، فقد صح الاستغناء بالله تعالى، وإذا صح الاستغناء بالله تعالى كمل الغني به، فلا يقال: أيهما أتم الافتقار أم الغنى!! لأنهما حالتان لا تتم إحداهما إلا بالأخرى.\rوسمعته يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت جعفراً يقول: سمعت رويما يقول وقد سئل عن نعت الفقير، فقال.\r\" إرسال النفس في أحكام الله تعالى \" .\rوقيل: نعت الفقير ثلاثة أشياء: حفظ سره، وأداء فرضه، وصيانة فقره.\rوقيل لأبي سعيد الخزاز: لمَ تأخر عن الفقراء رفقُ الأغنياء؟ فقال لثلاث خصال: لأن ما في أيديهم غير طيب، ولأنهم غير موفقين، ولأن الفقراء مرادون بالبلاء.\rوقيل: أوحى الله عزَّ وجلَّ إلى موسى، عليه السلام: إذا رأيت الفقراء فسائلهم، كما تسائل الأغنياء، فإن لم تفعل فاجمل كل شيء علمتك تحت التراب.\rوروي عن أبي الدرداء، أنه قال: لأن أقع من فوق قصر فأتحطم أحبُّ إليَّ من مجالسة الغنيّ؛ لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: \" إياكم ومجالسة الموتى!! قيل: يا رسول الله، ومن الموتى؟ قال: الأغنياء؟.\rوقيل للربيع بن خيثم: قد غلا السعر!! فقال: نحن أهون على الله من أن يجيعنا، إنما يجيع أولياءه.\rوقال إبراهيم بن أدهم: طلبنا الفقر فاستقبلنا الغنى، وطلب الناس الغنى فاستقبلهم الفقر.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أحمد بن عليّ يقول: سمعت الحسن ابن علوية يقول: قيل ليحيى بن معاذ: ما الفقر؟ قال: خوف الفقر.\rقيل: ما الغنى؟ قال: الأمن بالله تعالى.","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"وسمعته يقول: سمعت أبا بكر الرازيّ يقول: سمعت الجريري يقول: سمعت ابن الكريني يقول: إن الفقير الصادق، ليحترز من الغني حذراً أن يدخله الغنى فيفسد عليه فقره، كما أن الغنيّ يحترز من الفقر حذراً أن يدخل عليه فيفسد عليه غناه.\rوسئل أبو حفص: بماذا يقدم الفقير على ربه عز وجل؟ فقال: وما للفقير أن يقدم به على ربه تعالى سوى فقره.\rوقيل: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: أتريد أن يكون لك يوم القيامة مثل حسنات الناس اجمع؟.\rقال: نعم.\rقال عد المريض، وكن لثياب الفقراء فالياً، فجعل موسى، عليه السلام، على نفسه في كلّ شهر سبعة أيام يطوف على الفقراء يفلي ثيابهم ويعود المرضى.\rوقال سهل بن عبد الله: خمسة أشياء من جوهر النفس: فقير يظهر الغنى، وجائع يظهر الشبع، ومحزون يظهر الفح؛ ورجل بينه وبين رجل عداوة يظهر المحبة، ورجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يظهر ضعفاً.\rوقال بشر بن الحارث: أفضل المقامات: اعتقاد الصبر على الفقر إلى القبر.\rوقال ذو النون: علامة سخط الله على العبد: خوفه من الفقر.\rوقال الشبلي: أدنى علامات الفقر: أن لو كانت الدنيا بأسرها لأحد فأنفقها في يوم ثم خطر بباله، أن لو أمسك منها قوت يوم ما صدق في فقره.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا عبد الله الرازي يقول: سمعت أبا محمد بن ياسين يقول: سمعت ابن الجلاء يقول: وقد سألته عن الفقر، فسكت، حتى خلا، ثم ذهب ورجع عن قريب، ثم قال: كان عندي أربعة دوانيق فاستحييت من الله عز وجل، أن أتكلم في الفقر وأخرجتها ثم قعد وتكلم في الفقر.\rوسمعته يقول: سمعت عبد الله بن محمد الدمشقي، يقول: سمعت إبراهيم ابن المولد يقول: سألت ابن الجلاّء: متى يستحق الفقير اسم الفقر؟ فقال: إذا لم يبق عليه بقية منه.\rفقلت: كيف ذاك؟ فقال: إذا كان له فليس له، وإذا لم يكن له فهو له.\rوقيل: صحة الفقر: أن لا يستغني الفقير في فقره بشيء إلا بمن إليه فقره.\rوقال عبد الله بن المبارك: إظهار الغنى في الفقر أحسن من الفقر.\rسمعت محمد بن عبد الله الصوفي، يقول: سمعت هلال بن محمد يقول: سمعت النقاش يقول: سمعت بنانا المصري يقول: كنت بمكة قاعداً وشاب بين يدي، فجاءه إنسان وحمل إليه كيساً فيه دراهم ووضعه بين يديه، فقال: لا حاجة لي فيه، فقال: فرّقه على المساكين، فلما كان العشاء رأيته في الوادي يطلب شيئاً لنفسه.\rفقلت لو تركت لنفسك مما كان معك شيئاً؟.\rقال: لم أعلم أني أعيش إلى هذا الوقت!! سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت عليّ بن بندار الصيرفي، يقول: سمعت محفوظا يقول: سمعت أبا حفص يقول: أحسن ما يتوسل به العبد إلى مولاه دوام الفقر إليه على جميع الأحوال، وملازمة السنة في جميع الأفعال، وطلب القوت من وجه حلال.\rوسمعته يقول: سمعت أبا الفرج الورثاني يقول: سمعت فاطمة أخت أبي علي الروذباري تقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: كان أربعة في زمانهم: واحد: كان لا يقبل من الإخوان ولا من السلطان شيئاً، وهو: يوسف ابن أسباط، ورث من أبيه سبعين ألف درهم ولم يأخذ منها شيئاً وكان يعمل الخوص بيده.\rوآخر: كان يقبل من الإخوان والسلطان جميعاً، وهو: أبو إسحاق الفرازي فكان ما يأخذه من الإخوان ينفقه في المستة رين الذي لا يتحركون، والذي يأخذه من السلطان كان يخرجه إلى مستحقيه من أهل طرسوس .\rوالثلث كان يأخذ من الإخوان ولا يأخذ من السلطان وهو عبد الله ابن المبارك، وكان يأخذ من الإخوان ويكافىء عليه.\rوالرابع: كان يأخذ من السلطان ولا يأخذ من الإخوان وهو: مخلد بن الحسين كان يقول: السلطان لا يمنّ والإخوان يمنون.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: جاء في الخبر: \" من تواضع لغني لأجل غناه ذهب ثلثا دينه \" .\rإنما كان ذلك؛ لأن المرء بقلبه ولسانه ونفسه؛ فإذا تواضع لغني بنفسه ولسانه ذهب ثلثا دينه، فلوا اعتقد فضله بقلبه كما تواضع له بلسانه ونفسه ذهب دينه كله.\rوقيل: أقلّ ما يلزم الفقير في فقره أربعة أشياء: علم يسوسه؛ وورع يحجزه؛ ويقين يحمله؛ وذكر يؤنسه.\rوقيل: من أراد الفقر لشرف الفقر مات فقيراً؛ ومن أراد الفقر لئلا يشتغل عن الله تعالى مات غنياً.","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"وقال المزيّن: كانت الطرق الموصلة إلى الله أكثر من نجوم السماء، فما بقي منها طريق إلا طريق الفقر وهو أصحّ الطرق.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت الحسين بن يوسف القزويني يقول: سمعت إبراهيم بن المولد يقول: سمعت الحسن بن علي يقول: سمعت النوري يقول: نعت الفقير: السكون عند العدم، والإيثار عند الوجود.\rسئل الشبلي عن حقيقة الفقر فقال: ألا يستغني العبد بشيء دون الله عز وجلّ.\rوسمعته يقول: سمعت منصور بن خلف المغربي يقول: قال لي أبو سهل الخشاب الكبير: الفقر: فقر وذلّ، فقلت: لا بل فقر وعزّ، فقال فقر وثرى، فقلت: لا، بل فقر وعرش.\rسعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: سئلت عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: \" الفقر أن يكون كفرا \" .\rقال: فقلت: آفة الشيء وضده على حسب فضيلته وقدره؛ فكلما كان في نفسه أفضل فضده وآفته أنقص: كالإيمان، لما كان أشرف الخصال كان ضده الكفر، فلما كان الخطر على الفقر الكفر بالله دلّ على أنه أشرف الأوصاف.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا نصر المروي يقول: سمعت المرتعش يقول: سمعت الجنيد يقول: إذا لقيت الفقير فالقه بالرفق، ولا تلقه بالعلم؛ فإن الرفق يؤنسه، والعلم يوحشه، فقلت له: يا أبا القاسم وهل يكون فقير يوحشه العلم؟ فقال: نعم، الفقير إذا كان صادقا في فقره فطرحت عليه علمك ذاب كما ذوب الرصاص على النار.\rوسمعته يقول: سمعت أبا عبد الله الرازي، يقول: سمعت مظفر القرمسيني يقول: الفقير: هو الذي لا يكون له إلى الله حاجة.\rقال الأستاذ أبو القاسم: وهذا اللفظ فيه غموض لمن سمعه على وجه الغفلة عن مرمى القوم، وإنما شار قائله إلى سقوط المطالبات وانتقاء الإختيار، والرضا بما يجريه الحق سبحانه.\rوقال ابن خفيف: الفقر: عدم الإملاك والخروج من أحكام الصفات.\rوقال أبو حفص: لا يصح لأحد الفقر حتى يكون العطاء أحب إليه من الأخذ، وليس السخاء أن يعطي الواحد المعدم: إنما السخاء أن يعطي المعدم الواحد.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الواحد بن بكر يقول: سمعت الدقي يقول: سمعت ابن الجلاء يقول: لو لا شرف التواضع لله لكان حكم الفقير إذا مشى أن يتبختر.\rوقال يوسف بن اسباط: منذ أربعين سنة ما ملكت قميصين.\rوقال بعضهم: رأيت كأن القيامة قد قامت، وقيل: أدخلوا مالك بن دينار، ومحمد بن واسع الجنة، فنظرت أيهما يتقدم: فتقدم محمد بن واسع، فسألت عن سبب تقدمه، فقيل لي: إنه كان له قميص واحد ولمالك قميصان.\rوقال محمد المسوحي: الفقير: الذي لا يرى لنفسه حاجة إلى شيء من الأسباب.\rوسئل سهل بن عبد الله متى يستريح الفقير؟ فقال: إذا لم ير لنفسه غير الوقت الذي هو فيه.\rوتذاكروا عند يحيى بن معاذ الفقر والغنى، فقال: لا يوزن غداً لا الفقير ولا الغني، وإنما يوزن الصبر والشكر؛ فيقال: يشكر ويصبر.\rوقيل: أوحى الله تعالى، إلى بعض الأنبياء عليهم السلام؛ إن أردت أن تعرف رضاي عنك فانظر كيف رضا الفقراء عنك؟ وقال أبو بكر الزقاق: من لم يصحبه التقي في فقره أكل الحرام المحض.\rوقيل: كان الفقراء في مجلس سفيان النوري: كأنهم الأمراء.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت محمد بن أحمد الفراء يقول: سمعت أبا بكر بن طاهر يقول: من حكم الفقير أن لا يكون له رغبة في الدنيا، فإن كان ولا بد فلا تجاوز رغبته كفايته.\rوأنشد الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أنشدني عبد الله بن إبراهيم ابن العلاء قال: أنشدني أحمد بن عطاء لبعضهم؛ قال:\rقالوا: غداً العيد ماذا أنت لا بسه؟ ... فقلت: خلقة سلق حبه جرعا\rفقر وصبر، هما ثوباي تحتهما ... قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا\rأحرى الملابس ا، تلقى الحبيب به ... يوم التزاور في الوثب الذي خلعا\rالدهر لي مأتم إن غبت يا أملي ... والعيد ما كنت لي مرأى ومستمعا\rوقيل: إن هذه الأبيات لأبي علي الروذباري.\rوقال أبو بكر المصري، وقد سئل عن الفقير الصادق، فقال: الذي لا يملك ولا يميل.\rوقال ذو النون المصري: دوام الفقر إلى الله تعالى، من التخليط أحب إلى من دوام الصفاسء مع العجب.","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"سمعت أبا عبد الله الشيرازي، يقول: سمعت عبد الواحد بن أ؛مد، يقول: سمعت أبا بكر الجوال، يقول: سمعت أبا عبد الله الحصري، يقول: مكثر أبو جعفر الحداد عشرين سنة يعمل كل يوم بدينار، وينفقه على الفقراء، ويصوم ويخرج بين المسلمين فيتصدق عليه من الأبواب.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا علي الحسين بن يوسف الفزويني. يقول: سمعت إبراهيم بن المولد، يقول: سمعت الحسن بن علي، يقول: سمعت النوري، يقول: نعت الفقير السكون عند العدم، والبذل والإيثار عند الوجود.\rوسمعته يقول: سمعت منصور بن عبد الله، يقول: سمعت محمد بن علي الكناني، يقول: كان عندنا بمكة فتى عليه أطمار رثة، وكان لا يداخلنا ولا يجالسنا، فوقعت محبته في قلبي، ففتح لي بمائتي درهم من وجه حلال، فحملتها إليه، ووضعتها على طرف سجادته وقلت له.إنه فتح لي ذلك م وجه حلال، تصرفه في بعض أمورك، فنظر إلى شزراً، ثم كشف عما هو مستور غني، وقال: اشتريت هذه الجلسة مع الله تعالى، على الفراغ بسبعين ألف دينار غير الضياع. والمنتغلات، تريد أن تخدعني عنها بهذه!! وقام وبددها وقعدت التقطها فما رأيت كعزه حين مرَّ، ولا كذليِّ حين كنت ألتقطها.\rوقال أبو عبد الله بن خفيف: ما وجبت على زكاة الفطر أربعين سنة ولي قبولٌ عظيم بين الخاص والعام.\rسمعت الشيخ أبا عبد الله بن باكويه الصوفي، يقول: سمعت أبا عبد الله. أبن خفيف يقول ذلك.\rوسمعته يقول: سمعت أبا أحمد الصغير، يقول: سألت أبا عبد الله بن خفيف عن فقير يجوع ثلاثة أيام وبعد ثلاثة أيام. يخرج ويسأل مقدار كفايته: إيش يقال فيه؟! فقال: يقال فيه: مُكدٌ.. كلوا واسكتوا، فلو دخل فقير من هذا الباب لفضحكم كلكم.\rسمت محمد بن الحسين، يقول: سمعت عبد الله بن علي الصوفي، يقول: سمعت الدقي يقول - وقد سئل عن سوء أدب الفقراء مع الله تعالى، في أحوالهم - فقال: هو انحطاطهم من الحقيقة إلى العلم.\rوسمعته يقول: سمعت محمد بن عبد الله الطبري، يقول: سمعت خيراً النساج يقول: دخلت بعض المساجد وإذا فيه فقير، فلما رآني تعلق بي..\rوقال: أيها الشيخ تعطف عليّ؛ فإن محنتي عظيمة!! فقلت: وما هي؟ فقال: فقدت البلاء وقويت بالعافية. فنظرت فإذا قد فتح عليه بشيء من الدنيا.\rوسمعته يقول: سمعت محمد بن محمد بن أحمد يقول: سمعت أبا بكر الوراق، يقول: طوبى للفقير في الدنيا والآخرة.\rفسألوه عنه، فقال: لا يطلب للسلطانُ منه في الدنيا: الخراج، ولا الجبار في الآخرة: الحساب.\rباب التصوف\rالصفاء محمود بكل لسان، وضدّه: الكدورة؛ وهي مذمومة.\rأخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني قال: أخبرنا عبد الله بن يحيى الطلحي قال: حدثنا الحسين بن جعفر قال: حدثنا عبد الله بن نوفل قال: حدثنا أبو بكر ابن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي جحيفة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متغير اللون فقال: \" ذهب صفو الدنيا وبقي الكدر، فالموت اليوم تحفة لكل مسلم \" .\rثم هذه التسمية غلبت علي هذه الطائفة؛ فيقال: رجلٌ صوفي، وللجماعة صوفيَّة، ومن يتوصل إلى ذلك يقال له: متصوف، وللجماعة: المتصوفة.\rوليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق. والأظهر فيه: أنه كاللقب، فأما قول من قال: إنه من الصوف، ولهذا يقال: تَصوَّف إذا لبس الصوف كما يقال: تقمص إذا لبس القميص، فذلك وجه. ولكن القوم لم يختصوا بلبس: الصوف!! ومن قال: إنه مشتق من الصفاء، فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيدٌ في مقتضى الله.\rوقول من قال: إنه مشتق من الصف، فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم فالمعنى صحيح، ولكن اللغة لا تقتضي هذه النسبة إلى الصف.\rثم إن هذه الطائفة أشهر من أن يحتاج في تعينهم إلى قياس لفظ واستحقاق اشتقاق.\rوتكلم الناس في التصوف: ما معناه؟ وفي الصوفي: من هو؟ فكلُّ عبر بما وقع له. واستقصاء جميعه يخرجنا عن المقصود من الإيجاز وسنذكر هنا بعض مقالاتهم فيه على حدِّ التلويح، إن شاء الله تعالى.\rسمعت محمد بن أحمد بن يحيى الصوفي يقول: سمعت عبد الله بن علي التميمي يقول: سئل أبو محمد الجريري عن التصوف، فقال: الدخول في كل خلق مني والخروج من كل خلق دنيّ.","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"سمعت عبد الرحمن بن يسوف الأصبهاني يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن عمار الهمداني يقول: سمعت أبا محمد المرعشي يقول: سئل شيخي عن التصوف، فقال: سمت الجنيد وقد سئل عنه فقال: هو أن يميتك الحق عنك، ويحييك به.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت عبد الرحمن بن محمد الفارسي يقول: سمعت أبا الفانك يقول: سمعت الحسين بن منصور، وقد سئل عن الصوفي، فقال: وحداني الذات لا يقبله أحد، ولا يقبل أحداً.\rوسمعته يقول: سمت عبد الله بن محمد يقول: سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول: سمعت أبا علي الوراق يقول: سمعت أبا حمزة البغدادي يقول: علامة الصوفي الصادق: أن يفتقر بعد الغني، ويذلّ بعد العز، ويخفى بعد الشهرة، وعلامة الصوفي الكاذب: أن يستغني بالدنيا بعد الفقر، ويعز بعد الذلّ، ويشتهر بعد الخلفاء.\rوسُئل عمرو بن عثمان المكيّ عن التصوفَّ، فقال: أن يكون العبد في كل وقت بما هو أولى به في الوقت.\rوقال محمد بن علي القصاب: التصوّف: أخلاق كريمة ظهرت في زمان كريم من رجل كريم مع قوم كرام.\rوسئل سمنون عن التصوف فقال: أن لا تملك شيئاً ولا يملكك شيء.\rوسئل رويمٌ عن التصوف فقال: استرسال النفس مع الله تعالى على ما يريده.\rوسئل الجنيد عن التصوف فقال: هو أن تكون مع الله تعالى بلا علاقة.\rسمعت عبد الله بن يوسف الأصبهاني يقول: سمعت أبا نصر السَّرَّاج الطوسي يقول: أخبرني محمد بن الفضل قال: سمعت عليّ بن عبد الرحيم الواسطي يقول: سمعت رويم بن أحمد البغدادي يقولُ: التصوف مبني على ثلاث خصال: التمسك بالفقر والافتقار إلى الله، والتحقق بالبذل والإيثار، وترك التعرض والاختيار.\rوقال معروف الكرخي: التصوف: الأخذ بالحقائق، واليأس مما في أيدي الخلائق.\rقال حمدون القصار: اصحب الصوفية؛ فإن للقبيح عندهم وجوهاً من المعاذير.\rوسُئل الخراز عن أهل التصوف فقال: قوم أعطوا حتى بسطوا، ومنعوا حتى فقدوا، ثم نودوا من أسرار قريبة ألا فابكوا علينا.\rوقال الجنيد: التصوف: عنوة لا صلح فيها.\rوقال أيضاً: هم أهل بيت واحد، لايدخل فيهم غيرهمُ.\rوقال أيضا: التصوف: ذكر مع اجتماع، ووجد مع استماع، وعمل مع اتباع.\rوقال أيضاً: الصوفيَّ كالأرض، يُطرح عليها كل قبيح، ولا يخرج منها إلا كلُّ مليح.\rوقال أيضاً: إله كالأرض؛ يطؤها البر والفاجر، وكالسحاب يظل كل شيء وكالقطر يسقى كل شيء.\rوقال: إذا رأيت الصوفي يعني بظاهره، فاعلم أن باطنه خراب.\rوقال سهل بن عبد الله: الصوفي: من يرى دمه هدراً، وملكه مباحاً.\rوقال النوري: نعت الصوفي السكون عند العدم، والإيثار عند الوجود.\rوقال الكناني: التصوف خُلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الصفاء.\rوقال أبو علي الروذباري التصوف: الإناخة على باب الحبيب ون طرد عنه.\rوقال أيضاً: صفوة القرب بعد كدورة البعد.\rوقيل أقبح من كل قبيح صوفي شحسح.\rوقيل: التصوف: كف فارغ، وقلب طيب.\rوقال الشبلي: التصوف الجلوس مع الله بلاهم.\rوقال أبو منصور: الصوفي: هو المشير عن الله تعالى؛ فإن الخلق أشاروا إلى الله تعالى.\rوقال الشبلي: التصوف الجلوس مع الله بلاهم.\rوقال أبو منصور: الصوفي:هو المشير عن الله تعالى؛ فإن الخلق أشاروا إلى الله تعالى.\rوقال الشبلي: الصوفي منقطع عن الخلق، متصل بالحق؛ كقوله تعالى: \" واصطنعتك لنفسي \" قطعه عن كل غير، ثم قال له: \" لن تراني \" .\rوقال: الصوفية أطفالٌ في حجر الحق.\rوقال أيضاً: التصوف برقة محرقةٌ.\rوقال أيضاً: هو العصمة عن رؤية الكون.\rوقال رويم: ما تزال الصوفية بخير ما تنافروا، فإذا اصطلحوا فلا خير فيهم.\rوقال الجريري: التصوف مراقبة الأحوال، ورومُ الأدب.\rوقال المزين: التصوف: الانقياد للحق.\rوقال أبو تراب النخشبي: الصوفي لا يكدره شيء، ويصفو به كل شيء.\rوقيل: الصوفي لا يتعبه طلب، ولا يزعجه سبب.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: سئل ذو النون المصري عن أهل التصوف فقال: هم قوم آثروا الله، عز وجل، على كل شيء فآثرهم الله، عز وجل، على كل شيء.\rوقال الواسطي رحمه الله: كان للقوم إشارات.. ثم صارت حركات.. ثم لم يبق إلا حسرات!! وسئل النوري عن الصوفي، فقال: من سمع السماع وآثر الأسباب.","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"سمعت أبا حاتم السجستاني، رحمه الله، يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: قلت للحصري: من الصوفي عندك؟ فقال: الذي لا نقله الأرض، ولا تظله السماء.\rقال الأستاذ أبو القاسم: إنما أشار إلى حل المحو.\rوقيل: الصوفي من إذا استقبله حالان، أو خُلقان كلاهما حسن، كان مع الأحسن منهما.\rوسئل الشبلي: لم سميت الصوفية بهذه التسمية؟.\rفقال: لبقية بقيت عليهم من نفوسهم؛ ولولا ذلك لما تعلقت بهم تسمية.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: سئل ابن الجلاء: ما معنى قولهم صوفي؟ فقال: ليس نعرفه في شرط العلم، ولكن نعرف أن من كان فقيراً مجرداً من الأسباب، وكان مع الله تعالى بلا مكان، ولا يمنعه الحق سبحانه عن علم كل مكان يسمى صوفيَّاً.\rوقال بعضهم: التصوف: إسقاط الجاهِ، وسوادِ الوجه في الدنيا والآخرة.\rوقال أبو يعقوب المزايلي: التصوف: حال تضمحل فيها معالم الإنسانية.\rوقال أبو الحسن السبرواني: الصوفي: من يكون مع الواردات لا مع الأوراد.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: أحسن ما قيل في هذا باب قول من قال: هذا طريق لا يصلح إلا لأقوام قد كنس الله بأرواحهم مزابل؛ ولهذا قال رحمه الله يوماً: لو لم يكن للفقير إلا روح فعرضها على كلاب هذا الباب لم ينظر كلب إليها.\rوقال الأستاذ أبو سهل الصعلوكي: التصوف: الإعراض عن الاعتراض.\rوقال الحصري: الصوفي لا يود بعد علمه؛ ولا يُعدَم بعد وجوده.\rقال الأستاذ القشيري: وهذا فيه إشكال. ومعنى قوله: لا يوجد بعد عدمه أي إذا فنيت آفاته لا نعود تلك الأفات. وقوله: ولايعدم بعد وجوده، معنى:إذا اشتغل بالحق لم يسقط بسقوط الخلق، فالحادثات لا تؤثر فيه.\rويقال: الصوفي: المصطلم عنه بما لاح له من الحق.\rويقال: الصوفي: مقهور بتصريف الربوبية. مستور بتصرف العبودية.\rويقال: الصوفي لا يتغير، فإن تغير لا يتكدر.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت الحسين بن أحمد الرازي يقول: سمعت أبا بكر المصري يقول: سمعت الخرَّاز يقول: كنت في جامع قيروان يوم الجمعة، فرأيت رجلاً يدور في الصف ويقول.\rتصدَّقوا عليَّ؛ فقد كنت صوفياً فضعنت..\rفرفقته بشيء. فقال لي. مر، ويلك!! ليس هذا من ذلك!!. ولم يقبل الرفق.\rباب الأدب\rقال الله عزَّ وجلَّ: \" مازاغ البصر وما طغى \" .\rقيل: حفظ آداب الحضرة.\rوقال تعالى: \" قوا أنفسكم وأهليكم ناراً \" . جاء في التفسير عن ابن عباس: فقهوهم، وأدبوهم.\rأخبرنا: عليّ بن أحمد الأهوازي، قال: أخبرنا أبو الحسن الصفار البصري قال: حدثنا غنام قال: حدثنا عبد الصمد بن النعمان قال: حدثنا عبد الملك ابن الحسين، عن عبد الملك بن عمير، عن مصعب بن شيبة، عن عائشة، رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" حقّ الولد على والده: أن يسحن اسمه، ويحسن مرضعه، ويحسن أدبه \" .\rويحكى عن سعيد بن المسيب أنه قال: من ل يعرف ما لله عزّ وجلّ، عليه في نفسه، ولم يتأدب بأمره ونهيه كان من الأدب في عزلة.\rوروي عن النبي صلى الله عليه وسلم. أنه قال: \" إن الله، عزّ وجلّ، أدبني فأحسن تأديبي \" .\rوحقيقة الأدب: اجتماع جميع خصال الخير؛ فالأديب: هو الذي اجتمع فيه خصال الخير ومنه أخذت المأدبة اسم للمجمع.\rسمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق، رحمه الله، يقول: العبد يصل بطاعته إلى الجنة، وبأدبه في طاعته إلى الله.\rوسمعته أيضاً يقول: رأيت من أراد أن يمد يده في الصلاة بين يدي الله إلى أنفه، ليزيل ما به، فقبض على يده.\rوكان الأستاذ أبو علي، رحمه الله، لا يستند إلى شيء، وكان يوماً في مجمع، فأردت أن أضع وسادة خلف ظهره؛ لأني رأيته غير مستند.. فتنحى عن الوسادة قليلاً.. فتوهمت أنه توقى الوسادة، لأنه لم يكن عليها خرقة أبو سجادة، فقال لا أريد الاستناد.\rفتأملت بعده حاله؛ فكان لا يستند إلى شيء.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج، يقول: سمعت أحمد بن محمد البصري يقول: سمعت الجلالي البصري يقول: التوحيد موجب يوجب الإيمان؛ فمن لا إيمان له فلا توحيد له، والإيمان موجب يوجب الشريعة؛ فمن لا شريعة له فلا إيمان له ولا توحيد، والشريعة موجب يوجب الأدب؛ فمن لا أدب له لا شريعة له ولا إيمان ولاتوحيد.","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"وقال ابن عطاء: الأدب: الوقوف مع المحسنات، فقيل: وما معناه؟ قال: أن تعامل الله بالأدب سراً وعلناً؛ فغذا كنت كذلك كنت أديباً وإن كنت أعجمياً.\rثم أنشد:\rإذا نطقت جاءت بكل ملاحةٍ ... وإن سكتت جاءت بكل مليح\rأخبرنا. محمد بن الحسين، قال: سمعت عبد الله الرازيّ يقول: سمعت عبد الله الجريري يقول: منذ عشرين سنة ما مددت رجلي وقت جلوسي في الخلوة فإن حُسن الأدب مع الله أولى.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: من صاحب الملوك بغير أجب أسلمه الجهل إلى القتل.\rوروي عن أبن سيرين أنه سئل: أيَّ الآداب أقرب إلى الله تعالى؟ فقال: معرفة بربو بيته، وعملٌ بطاعته، والحمد لله على السراء، والصبر على الضراء.\rوقال يحيى بن معاذ: إذا ترك العارف أدبه مع معروفه فقد هلك مع الهالكين.\rسمعت الأستاذ أبا علي رحمه الله، يقول: ترك الأدب موجب يوجب الطرد؛ فمن أساء الأدب على البساط ر إلى الباب، ومن أساء الأدب علي الباب ردّ إلى سياسة الدواب.\rوقيل للحسن البصري: قد أكثر الناس فيعلم الآدب، فما أنفعها عاجلاً وأوصلها آجلاً؟ فقال: التفقه في الدين، والزهد في الدنيا، والمعرفة بما لله، عز وجل عليك.\rوقال يحيى بن معاذ: من تأدب بأدب الله تعالى صار من أهل محبة الله تعالى.\rوقال سهل: القوم الذين استعانوا بالله، على أمر الله، وصبروا على آداب الله.\rوروي عن أبن المبارك أنه قال: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منَّا إلى كثير من العلم.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن أحمد بن سعيد يقول: سمعت العباس بن حمزة يقول: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: قال الوليد بن عتبة: قال: ابن المبارك: طلبنا الأدب حين فاتنا المؤديون: وقيل: ثلاث خصال ليس معهن غُربة: مجانبةُ أهل الرِّيب، وحسن الأدب.وكف الأذى: وأنشدنا الشيخ أبو عبد الله المغربي، رضي الله عنه، في هذا المعنى:\rيزين الغريبَ إذا ما اغترب ... ثلاث: فمنهن حسنُ الأدب\rوثانيه: حسن أخلاقه ... وثالثه. اجتناب الرِّيب\rولما دخل أبو حفص بغداد قال له الجنيد: لقد أذبت أصحابك أدب السلاطين.\rفقال له أبو حفص: حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن.\rوعن عبد الله بن المبارك أنه قال: الأدب للعارف كالتوبة للمستأنف.\rسمعت منصور بن خلف المغربي يقول: قيل لبعضهم: ياسيء الأدب.\rفقال: لست بسيء الأدب، فقيل له: من أدّبك؟ فقال: أدَّبني الصوفية سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا النصر الطوسي السراج يقول: الناس في الأدب علي ثلاث طبقات: أما أهل الدنيا فأكثر آدابهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم وأسماء الملوك وأشعار العرب.\rوأما أهل الدين فأكثرهم آدابهم في رياضة النفوس وتأديب الجوارح وحفظ الحدود وترك الشهوات.\rوأما أهل الخصوصية فأكثر آدابهم في طهارة القلوب ومراعات الأسرار والوفاء وبالعهود وحفظ الوقت، وقلة الالتفات إلى الخواطر، وحسنُ الأدب في مواقف الطلب وأوقات الحضور ومقامات القرب.\rوحكي عن سهل بن عبد الله أنه قال: من قهر نفسه بالآدب فهو يعبد الله بالإخلاص.\rوقيل: كمال الأدب لا يصفو إلا للأنبياء والصديقين.\rوقال عبد الله بن المبارك: قد أكثر الناس في الأدب، ونحن نقول: هو معرفة النفس.\rوقال الشبلي: الانبساط بالقول مع الحق سبحانه ترك الأدب.\rوقال ذو النون المصري: أدب العارف فوق كل أدب؛ لأن معروفة مؤدب قلبه.\rوقال بعضهم: يقول الحق، سبحانه: من ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتي ألزمته الأدب، ومن كشفت له عن حقيقة ذاتي ألزمته العطب، فأختر أيهما شئت: الأدب أو العطب.\rوقيل: مدّ ابن عطاء رجله يوماً بين أصحابه وقال: ترك الأدب بين أهل الأدب أدب.\rويشهد لهذه الحكاية الخبر الذي روي \" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عنده أبو بكر، وعمر، فدخل عثمان فغطى فخذه وقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة \" نبه صلى الله عليه وسلم: أن حشمة عثمان، رضي الله عنه، وإن عظمت عنده، فالحالة التي بينه وبين أبي بكر وعمر كانت أصفى.\rوفي قريب من معناه أنشدوا:\rفيّ أنقاض وحشمة فإذا ... جالست أهل الوفاء والكرم\rأرسلتُ نفسي على سجيتها ... وقلت ما قلت غيرَ محتشم","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"وقال الجنيد: إذا صحت المحبَّة سقطت شروط الأدب.\rوقال أبو عثمان: إذا صحت المحبة تأكد علي المحب ملازمة الأدب.\rوقال النوري: من لم يتأدب للوقت فوقته المقت.\rوقال ذو النون المصري: إذا خرج المريج عن استعمال الأدب، فإنه يرجع عن حيث جاء.\rسمعت الأستاذ أبا علي. رحمه الله، يقول في قوله عزَّ وجلَّ: وأيوب إذ نادى ربَّه أني مسّني الضر وأنت أرحم الراحمين \" قال: لم يقل ارحمني لنه حفظ آداب الخطاب.\rوكذلك عيسى عليه السلام حيث قال: \" إن تعذبهم فإنهم عبادك \" ، وقال: \" إن كنت قلته فقد علمته \" ولم يقل: لم أقل؛ رعاية لآداب الحضرة.\rسمعت محمد بن عبد الله الصوفي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا الطيب بن الفرحان يقول: سمعت الجنيد يقول: جاءني بعض الصالحين يوم جمعة فقال لي: أبعث معي فقيراً يُدخل عليّ سروراً، ويأكل معي شيئاً؛ فالتفت، فإذا أنا بفقير شهدتُ فيه الفاقة.. فدعوته.. وقلت له: امض مع هذا الشيخ وأدخل عليه سروراً، فلم ألبث أن جاءني الرجل فقال لي: يا أبا القاسم لم يأكل ذلك الرجل الفقير إلا لقمة، وخرج!! فقتل: لعلك قلت كلمة جفاء عليه، فقال لي: لم أقل شيئاً.\rفالتفت فإذا أنا بالفقير جالس، فقلت له: لمّ لمْ تتم عليه السرور؟ فقال: يا سيدي، خرجت من الكوفة وقدمت بغداد ولم آكل شيئاً.. وكرهت أن يبدو سوء أدب مني من جهة الفاقة في حضرتك.. فلما دعوتني سررتُ إذ جرى ذلك ابتداء منك، فمضيتُ وأنا لا أرضى له الجنان... فلما جلست على مائدته سوى لقمة وقال لي: كل، فهذا أحب إليّ من عشرة آلاف درهم. فلما سمعت هذا منه علمت أنه دنيء الهمة، فتطرفت أن آكل طعامه، فقال الجنيد: ألم أقل لك إنك أسأت أدبك معه، فقال: يا أبا القاسم.. التوبةَ، فسأله أني مضي معه ويفرحه.\rباب أحكامهم في السفر\rقال الله عزّ وجلّ: \" هو الذي يسيركم في البر والبحر.. \" الآية.\rأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري قال: حدثنا محمد بن الفرج الأزرق قال: حدثنا حجاج قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو أزبير: أن عليًّا الأزدي أخبره: أن ابن عمر أعلمهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على البعير خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً، ثم قال: \" سبحان الذي سخر لنا هذا. وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون \" ثم يقول: اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا.\rاللهمَّ أنت الصاحب في السفر والخيفة في الأهل.. اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في المال والأهل، وإذا رجع قالهن، وزاد فيهن: \" آيبون.. تائبون.. لربنا حامدون \" .\rولما كان رأى كثير من أهل هذه الطائفة أختيارُ السفر أردنا لذكر السَّفر في هذه الرسالة بابا؛ لكونه من أعظم شأنهم، وهذه الطائفة مختلفون: فمنهم من آثر الإقامة على السفر، ولم يسافر غلا لفرض، كحجة الإسلام، والغالب عليهم الإقامة، مثل: الجنيد، وسهل بن عبد الله، وأبي يزيد البسطامي، وأبي حفص، وغيرهم.\rومنهم من آثر السفر، وكانوا على ذلك، إلى أن أخرجوا من الدنيا، مثل: أبي عبد الله المغربي، وإبراهيم بن أدهم، وغيرهم.\rوكثير منهم سافروا، وكانوا على ذلك، إلى أن أخرجوا من الدنيا، مثل: أبي عبد الله المغربي، وإبراهيم بن أدهم، وغيرهم.\rوكثير منهم سافروا في ابتداء أمورهم في حال شبابهم أسفاراً كثيرة ثم قعدوا عن السفر في آخر أحوالهم، مثل: أبي عثمان الحيري، والشبلي، وغيرهم، ولكل منهم أصول بنوا عليها طريقتهم.\rواعلم أن السفر على قسمين: سفر بالبدن: وهو الانتقال من بقعة إلى بقعة.\rوسفر بالقلب: وهو الارتقاء من صفة إلى صفة؛ فترى ألفاً يسافر بنفسه وقليل من يسافر بقلبه.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: كان بفَرَحك. قرية بظاهر نيسابور شيخ من شيوخ هذه الطائفة، وله على هذا اللسان تصانيف، سأله بعض الناس: هل سافرت أيها الشيخ؟ فقال: سفر الأرض أم سفر السماء؟ سفر الأرض لا. وسفر السماء، بلى.\rوسمعته، رحمه الله، يقول: جاءني بعض الفقراء يوماً، وأنا بمرو، فقال لي: قطعت إليك شقة بعيدة، والمقصود لقاؤك.\rفقتل له: كان يكفيك خطوة واحدة لو سافرت عن نفسك.\rوحكاياتهم في السفر تختلف عن ما ذكرنا من أقسامهم وأحوالهم.","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن علي العلوي يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت أحنف الهمذاني يقول: كنت في البادية وحدي، فأعييتُ، فرفعت يدي وقلت: يارب، إني ضعيف زمن، وقد جئت إلى ضيافتك، فوقع في قلبي أن يقال لي: من دعاك؟ فقلت يا رب هي مملكة تحتمل الطفيلي.. فإذا أنا بهاتف من ورائي.. فالتفت إليه فإذا أعرابي على راحلة، فقال: يا أعجمي، إلى أين؟.. قلت: إلى مكة، قال: أو دعاك؟ قلت: لا أدري، فقال: أليس قال: \" من أستطاع إليه سبيلاً \" ؟ فقلت: المملكة واسعة تحتمل الطفيلي، فقال: نِعم الطفيلي أنت، يمكنك أن تخدم الجمل؟ قلت: نعم، فنزل عن راحلته وأعطانيها، وقال: سر عليها.\rسمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول: سمعت محمد بن أحمد النجار يقول: سمعت الكتاني يقول؛ وقد قال له بعض الفقراء: أوصني: أوصني، فقال: اجتهد أن تكون كل ليلة ضيف مسجد، وأن لا تموت إلا بين منزلين.\rويحكى عن الحصري أنه كان يقول: جلسة خير من ألف حجة.\rوإنما أراد جلسة تجمع الهمَّ على نعت الشهود.\rولمري، إنها أتمُّ من ألف حجة، على وصف الغيبة عنه.\rسمعت محمد بن أحمد الصوفي، رحمه الله، يقول: سمعت علي بن عبد الله التميمي يقول: حكى عن محمد بن إسماعيل الفرغاني أنه قال: كنا نسافر مقدار عشرين سنة أنا وأبو بكر الزقاق، والكتاني، لا نختلط بأحد، ولا نعاشر أحداً، فإذا قدمنا بلداً؛ فإن كان فيه شيخ سلمنا عليه، وجالسناه إلى الليل.. ثم نرجع إلى مسجد، فيصلى الكتاني من أول الليل إلى آخره ويختم القرآن؛ ويجلس الزقاق مستقبل القبلة؛ وكت استلقي متفكراً، ثم نصبح ونصلي صلاة الفجر على وضوء العتمة، فإذا وقع معنا إنسان ينام كنا نراه أفضلنا.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمهالله، يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت عيسى القصار يقول: سئل رويم عن أدب السفر. فقال: أن لايجاوز همه قدمه؛ وحيثما وقف قلبه يكون منزله.\rوحكى عنمالك بن دينار أنه قال: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: أتخذ نعلين من حديد، وعصاً من حديد، ثم سِحْ في الأرض، فاطلب الآثار والعبر، حتى تنخرق النعلان وتنسكر العصا.\rوقيل: كان أبو عبد الله المغربي يسافر أبداً ومعه أصحابه، وكان يكون محرماً: فإذا تحلل من إحرامه ثانياً، ولم يتسخ له ثوب، ولا طال له ظفر ولا شعر.\rوكان يمشي معه أصحابه بالليل وراءه.فكان إذا حاد أحدهم عن الطريق، يقول: يمينك يا فلان. يسارك يا فلان، وكان لا يمد يده إلى ما وصلت إليه يد الآدميين، وكان طعامه أصل شيء من النبات يؤخذ فيُقلع لأجله.\rوفي معناه أنشدوا:\rإذا استسجدوا لم يسالوا عن دعاهم ... لأية حرب أم لأيَّ مكان\rوحكي عن أبي علي الرباطي قال: صحبت عبد الله المروزي، وكان يدخل البادية قبل أن أصحبه بلا زاد ولا راحلة. فلما صحبته، قال لي: أيما أحبُّ إليك، أن تكون أنت الأمر أم أنا؟ فقلت: لا، بل أنت؛ فقال: وعليك الطاعة؟ فقلت: نعم.\rفأخذ مخلاة، ووضع فيها زاداً، وحملها على ظهره، فإذا قلت: أعطني حتى أحملها.\rقال: الأمير أنا وعليك الطاعة.\rقال: فأخذنا المطر ليلة.. فوقف إلى الصباح على رأسي وعليه كساء يمنع عني المطر، فكنت أقول في نفسي: يا ليتني متُّ ولم أقل له أنت الأمير.\rثم قال لي: إذا صحبت إنساناً فاصحبه كما رأيتني صحبتك.\rوقد شاب علي أبي عليِّ الروذباري، فلما أراد الخروج، قال: يقول الشيخ شيئاً، فقال: يا فتى كانوا لا يجتمعون عن موعد، ولا يتفرقون عن مشورة.\rوعن المزين الكبير قال: كنت يوماً مع إبراهيم الخواص في بعض اسفاره، فإذا عقرب تسعى على فخذه، فقمت لأقتلها، فمنعني وقال: دعها. كلُّ شيء مفتقر إلينا. ولسنا مفتقرين إلى شيء.\rوقال أبو عبد الله النصبيني: سافرت ثلاثين سنة ما خطت قط خرقة على مرقعتي، ولا عدلت إلى موضع علمت أن لي فيه رفيقاً، ولا تركت أحداً يحمل معي شيئاً.\rواعلموا أن القوم استوقوا آداب الحضور من المجاهدات، ثم أرادوا أن يضيفوا إليها شيئاً، فاضافوا أحكام السفر إلى ذلك؛ رياضة لنفوسهم، حتى أخرجوها عن المعلومات، وحمروها على مفارقة المعارف، كي يعيشوا مع الله بلا علاقة ولا واسطة، فلم يتركوا شيئاً من أورادهم في أسفارهم.","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"وقالو: الرُّخص لمن كان سفره ضرورة، ونحن لا شغل لنا ولا ضرورة في أسفارنا علينا.\rسمعت أبا صادق بن حبيب قال: سمعت النصراباذي يقول: ضعفت في البادية مرة، فأيست من نفسي، فوقع بصري على القمر، وكان ذلك بالنهار، فرأيت مكتوباً عيه: فسيكفيكهم الله فاستقللت، وفتح عليِّ من ذلك الوقت هذا الحديث.\rوقال أبو يعقوب السوسي: يحتاج المسافر إلى أربعة أشياء في سفره: عِلم يسوسه: وورع يحجزه، ووجد يحمله، وخُلق يصونه.\rوقيل: سُمي السفر سفراً؛ لأنه يُسفر عن أخلاق الرجال.\rوكان الكتاني إذا سافر الفقير إلى اليمن ثم رجع فاستقللت، وفتح عليِّ من ذلك الوقت هذا الحديث.\rوقال أبو يعقوب السوسي: يحتاج المسافر إلى أربعة أشياء في سفره: عِلم يسوسه: وورع يحجزه، ووجد يحمله، وخُلق يصونه.\rوقيل: سُمي السفر سفراً؛ لأنه يُسفر عن أخلاق الرجال.\rوكان الكتاني إذا سافر الفقير إلى اليمن ثم رجع إليه مرة أخرى يأمر بهجرانه؛ وإنماكان يفعل ذلك؛ لأنهم كانوا يسافرون إلى اليمن ذلك الوقت لأجل الرفق.\rوقيل: كان إبراهيم الخواص لا يحمل شيئاً في السفر، وكان لا يفارق الإبرة والركوة أما الأبرة فلخياطة ثوبه إن تمزق ستراً للعورة، وأما الركوة فللطهارة، وكان لا يرى ذلك علاقة ولا معلوماً.\rوحكي عن أبي عبد الله الرازي قال: خرجت من طرسوس حافياً، وكان معي رفيق، فدخلنا بعض قرى الشام، فجاءني فقير بحذاء فامتنعت من قبوله؛ فقال لي رفيق: البس هذا، فقد عييتُ، فإنه قد فتح عليك بهذا النعل بسببي. فقلت: مالك؟ فقال: نزعت نعلي موافقة لك، ورعاية لحق الصحبة.\rوقيل: كان الخواص في سفر، ومعه ثلاثة نفر، فبلغوا مسجداً في بعض المفارز وباتوا فيه، ولم يكن عليه باب. وكان برد شديد فناموا، فلما أصبحوا رأوه واقفاً على الباب، فقالوا: له في ذلك فقال: خشيت أن تجدوا البرد.\rوكان قد وقف طول ليلته.\rوقيل: إن الكتاني استأذن أمه في الحج مرة فأذنت له، فخرج، فأصاب ثوبه البول في البادية، فقال: إن هذا لخلل في حالي، فانصرف. فلما دق باب داره أجابته أمه، ففتحت.. فرآها جالسة خلف الباب.. فسألها عن سبب جلوسها فقالت: مذ خرجت أعتقدت أن لا أبرح من هذا الموضع حتى أراك.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الله بن محمد الدمشقي يقول: سمعت إبراهيم بن المولد يقول: سمعت إبراهيم القصار يقول: سافرت ثلاثين سنة أصلح قلوب الناس للفقراء.\rوقيل: زار رجل داود الطائي فقال: يا أبا سليمان، كانت نفسي تنازعين إلى لقائك منذ زمان، فقال: لا بأس إذا كانت الأبدان هادئة والقلوب ساكنة فالتلاقي أيسر.\rسمعت أبا نصر الصوفي، وكان من أصحاب النصرأباذي، يقول: خرجت من البحر بعمان وقد أثر فيّ الجوع، فكنت أمرّ في السوق.. فبلغت حانوت حلاوي.. فرأيت فيه حملاناً مشوية، وحلواء.. فتعلقت برجل وقلت: اشتر لي من هذه الأشياء.\rفقال: لماذا؟ ألك عليّ شيء، أو عليّ دين؟ فقلت: لا بد أن تشتري لي من هذا.\rفرآني رجل فقال: خله يا فتى إن الذي يجب عليه أن يشتري لك ما تريد أنا لا هو، اقترح علي، وأحكم بما تريد.\rثم اشترى لي ما أردتُ، ومضى.\rوحكي عن أبي الحسين المصري قال: انفقت مع الشجري في السفر من طرابلس. فسرنا أياماً لم نأكل شيئاً،فرأيت قرعاً مطروحاً.. فأخذت آكله، فالتفت إليّ الشيخ ولم يقل شيئاً، فرميت به، وعلمت أنه كره ذلك.. ثم فتح علينا بخمسة دنانير.. فدخلنا قرية، فقتل: يشتري الشيخ لنا شيئاً لا محالة.\rفمر.. ولم يفعل.. ثم قال: لعلك تقول نمشي جياعاً ولم يشتر لنا شيئاً، هو ذا. فوافى اليهودية قرية على الطريق، وثم رجلٌ صاحب عيال إذا دخلناها يشتغل بنا، فادفعها إليه؛ لينفقها علينا وعلى عياله.\rفوصلنا إليه، ودفع الدنانير إلى الرجل فأنفقها، فلما خرجنا قال لي: إلى أين يا أبا الحسين؟ فقلت: أسير معك. فقال: لا، إنك تخونني في قرعة وتصحبني، لاتفعل وأبي أن أصحبه.","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"سمعت محمد بن عبد الله الشيرازي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا أحمد الصغير يقول: سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول: كنت في حال حداثتي استقبلني بعض الفقراء.. فرأى فيّ أثر الضرّ والجوع، فأدخلني داره وقد لي لماً طبخ بالكشك واللحم متغير. فكنت آكل الثريد وأتجنب اللحم لتغيره فلقمني لقمة، فأكلتها بجهد.. ثم لقمني ثانية فبلغتني مشقة.. فرأى ذلك فيّ، وخجل، وخجلت لأجله، فخرجت وانزعجت في الحال للسفر.\rفأرسلت إلى والدتي من يخبرها ويحمل إلي مرقعتي. فلم تعارضني الوالدة.. ورضيت بخروجي، فارتحلت من القادسية مع جماعة من الفقراء.. فهنا.. ونفذ ما كان معناه.. وأشرفنا على التلف، فوصلنا إلى حي من أحياء العرب، ولم نجد شيئاً فاضطررنا إلى أن أشترينا منهم كلبا بدنانير، وشووه، وأعطوني قطعة من لحمه.. فلما أردت أكله فكرت في حالي، فوقع لي أنه عقوبة خجل ذلك الفقير. فتبت في نفسي.. فدلونا على الطريق.. فمضيت.. وحججت.. ثم رجعت معتذراً إلى الفقير.\rباب الصحبة\rقال الله عزَّ وجلَّ: \" ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا \" .\rلما أثبت الله سبحانه للصدِّيق الصحبة بين أنه أظهر عليه الشفقة: فقال تعالى: \" إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا \" .\rفالحر شفيقٌ على من يصحبه.\rأخبرنا عليّ بن أحمد الإهوازي، رحمه الله، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري، قال: حدثنا يحيى بن محمد الجياني قال: حدثنا عثمان بن عبد الله القرشي، عن نعيم بن سالم، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" متى ألقى أحبابي؟ فقال أصحابه: بأبينا أنت وأمنا. أو لسنا أحبابك؟ فقال:أنتم أصحابي، أحبابي: قوم لم يروني، وآمنوا بي، وأنا إليهم بالأشواق أكثر \" .\rوالصحبة على ثلاثة أقسام: صحبة منع من فوقك: وهي في الحقيقة خدمة، وصحبة مع من دونك وهي تقضي على المتبوع بالشفقة والرحمة، وعلى التابع بالوفاق والحرمة.\rوصحبة الأكفاء والنظراء: وهي مبنية على الإيثار والفتوة؛ فمن صحب شيخاً فوقه في الرتبة، فأدبه ترك الاعتراض، وحمل ما يبدو منه على وجه جميل، وتلقى أحوال بالإيمان به.\rسمعت منصور بن خلف المغربي وسأله بعض أصحابنا: كم سنة صحبت أبا عثمان المغربي؟ فنظر إليه شزراً وقال: إني لم أصحبه، بل خدمته مدة.\rوأما إذا صحبك من هو دونك، فالخيانة منك في حق صحبته أن لا تنبهه على ما فيه م نقصان في حالته؛ ولهذا كتب أبو الخير التيناني إلى جعفر بن محمد بن نصير: وزر جهل الفقراء عليكم؛ لأنكم اشتغلتم بنفوسكم عن تأديبهم، فبقوا جهلة.\rوأما إذا صحبت من هو في درجتك، فسبيلك النعامي عن عيوبه، وحملُ ما ترى منه على وجه من التأويل جميلٍ، ما أمكنك، فإن لم تجد تأويلاً عدت إلى نفسك بالتهمة وإلى التزام اللائمة.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق. رحمه الله، يقول: قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لأبي سليمان الداراني: إن فلاناً لا يقع من قلبي!! فقال أبو سليمان: وليس يقع أيضاً من قلبي، ولكن يا أحمد، لعلنا أتينا مِنْ قِبلنا، لسنا من جملة الصاحلين؛ فلسنا نحبهم.\rوقيل: صحب رجلٌ إبراهيم بن أدهم، فلما أراد أن يفارقه قال له الرجل: إن رأيت فيَّ عيباً فنبي عليه. فقال إبراهيم: إني لم أر بك عيباً؛ لأني لاحتك بعين الوداد؛ فاستحسنت منك ما رأيت، فسل غيري عن عيبك.\rوفي معناه أنشدوا:\rوعين الرضا عن كلّ عيب كليلة ... ولكنَّ عن السخط تبدي المساويا\rوحكى عن إبراهيم بن شيبان أنه قال: كنا لا نصحب من يقول نَعلي.\rسمعت أبا حاتم الصوفي، يقول: سمعت أبا نصر السراج، يقول: قال أبو أحمد القلانسي، وكان من أستاذي الجنيد: صحبت أقواماً بالبصرة فأكرموني.. فقلت مرّة لبعضهم: أين إزاري؟ فسقطت من أعينهم.\rوسمعت أبا حاتم يقول: سمعت أبا نصر السرّاج يقول: سمعت الدقي يقول: سمعت الزقاق يقول: منذ أربعين سنة أصحب هؤلاء: فما رأيت رفقاً لأصحابنا إلا من بعضهم لبعض، أو ممن يحبهم، ومن لم يصحبه التقوى والورع في هذا الأمر أكل الحرام النص.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: قال رجل لسهل بن عبد الله: أريد أن أصحبك يا أبا محمد. فقال: إذا مات أحدنا فمن يصحبه الباقي؟ فقال: الله. فقال له: فليصحبه الآن.","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"وصحب رجل رجلاً مدّة، ثم بدا لأحدهما المفارقة، فاستأذن صاحبه، فقال: بشرط ألا تصحب أحداً إلا إذا كان فوقنا وإن كان أيضاً فوقنا فلا تصحبه؛ لأنك صحبتناأولاً، فقال الرجل: زال من قلبي إرادة المفارقة.\rسمعت أبا حاتم الصوفي، يقول: سمعت أبا نصر السراج، يقول: سمعت الدُّقي يقول: سمعت الكناني يقول: صحبني رجل، وكان على قلبي ثقيلاً، فوهبت ل شيئاً، ليزول ما في قلبي، فلم يَزُل!!.. فحملته إلى بيتي، وقلت له: ضع رجلك على خدّي. فأبي، فقلت: لا بدّ. ففعل، واعتقدت أن لا يرفع رجله من خدّي حتى يرفع الله من قلبي ما كنت أجده، فلما زال عن قلبي ما كنت أجده، قلت له: أرفع رجلك الآن.\rوكان إبراهيم بن أدهم يعمل في الحصاد وحفظ البساتين وغيره، وينفق على أصحابه.\rوقيل: كان مع جماعة من أصحابه، فكان يعمل بالنهار وينفق عليهم، ويجتمعون بالليل في موضع وهم صيام، فكان يبطىء في الرجوع من العمل، فقالوا ليلة: تعالوا نأكل فطورنا دونه، حتى يعود بعد هذا أسرع، فأفطروا، وناموا، فلما رجع إبراهيم وجدهم نياماً، فقال: مساكين، لعلهم لم يكن لهم طعام؛ فَعَمد إلى شيء من الدقيق كان هناك، فعجنه، وأوقد على النار، وطرح الملةَ، فانتبهوا، وهو ينفخ في النار واضعاً محاسنه على التراب، فقالوا له في ذلك، فقال: قلت لعلكم لم تجدوا فطوراً.. فنمتم.. فأحببت أن تستيقظوا والملة قد أدركت.\rفقال بعضهم لبعض: انظروا ما الذي عملنا، وما الذي به يعاملنا.\rوقيل: كان إبراهيم بن أدهم إذا صحبه أحد شارطه على ثلاثة اشياء: أن تكون الخدمة والأذان له، وأن تكون يده في جميع ما يفتح الله عليهم من الدنيا كيدهم.\rفقال له يوماً رجل من أصحابه: أنا لا أقدر على هذا؟ فقال: أعجبني صدقك.\rوقال يوسف بن الحسين: قلت لذي النون: مع من أصحب؟ فقال: مع من لا تكتمه شيئاً يعلمه الله تعالى منك.\rوقال سهل بن عبد الله لرجل: إن كنت ممن يخاف السباع فلا تصحبني.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن الحسن العلوي يقول: حدثنا عبد الرحمن بن حمدان قال: حدثنا أبو القاسم بن منبه قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار.\rوحكى الجنيد قال: لما دخل أبو حفص بغداد كان معه إنسان أصلع لا يتكلم بشيء.. فسألت أصحاب أبي حفص عن حاله، فقالوا: هذا رجل أنفق عليه مائة ألف درهم، واستدان مائة ألف درهم أنفقها عليه، ولا يُرخص له أبو حَفص أن يتكلم بحرف.\rوقال ذو النون: لا تصحب مع الله إلا بالموافقة، ولا مع الخلق إلا بالمناصحة، ولا مع النفس إلا بالمخالفة، ولا مع الشيطان إلا بالعداوة.\rوقال رجل لذي النون: مع من أصحب؟ فقال: مع من إذا مرضت عادك، وإذا أذنبت تاب عليك.\rسمعت الأستاذ أبا عليّ، رحمه الله، يقول: الشجر إذا نبت بنفسه ولم يستنبته أحد يورق ولكنه لا يثمر، كذاك المريد إذا لم يكن له أستاذ يتخرج به لايجيء منه شيئ.\rوكان الأستاذ أبو عليّ، يقول: أخذت هذا الطريق عن النصراباذي، والنصرأباذي عن الشبلي، والشبلي عن الجنيد، والجنيد عن السريّ، والسريّ عن معروف الكرخي، ومعروف الكرخي عن داود الطائي، وداود الطائي لقي التابعين.\rوسمعته يقول: لم أختلف إلى مجلس النصراباذي قط إلا اغتسلت قبله.\rقال الأستاذ أبو القاسم القشيري: ولم أدخل أنا على الأستاذ أبي عليّ في وقت بدايتي إلا صائماً، وكنت أغتسل قبله، وكنت أحضر باب مدرسته غير مرة فأرجع من الباب؛ احتشاماً منه أن أدخل عليه، فإذا تجاسرت مرة ودخلت المدرسة كنت إذا بلغت وسط المدرسة يصحبني شبه خدّرٍ، حتى لو غرزني إبرة - مثلاً - لعلي كنت لا أحسن بها، ثم إذا قعدت لواقعة وقعت لي لم أحتج أن أسأله بلساني عن المسألة، فكما كنت أجلس كان يبتدىء بشرح واقعتي، وغير مرة رأيت منه هذا عياناً، وكنت أفكر في نفسي كثيراً أنه لو بعث الله في وقتي رسولاً إلى الخلق هل يمكنني أن أزيد من حشمته على قلبي فوق ما كان منه، رحمه الله، فكان لا يتصور لي أن ذلك ممكن، ولا أذكر أني في طول اختلافي إلى مجلسه، ثم كوني معه بعد حصول الوصلة، أن جرى في قلبي أو خطر ببالي عليه قط اعتراض، إلى أن خرج رحمه الله من الدنيا.","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"أخبرنا حمزة بن يوسف السهمي الجرجاني، رحمه الله، قال: أخبرنا محمد ابن أحمد العبدي، قال: أخبرنا أبو عوانة، قال: حدثنا يونس، قال: حدثنا خلف بن تميم أبو الأحوص، عن محمد بن النضر الحارثي، قال: أوحى الله سبحانه، إلى موسى عليه السلام: كن يقطاناً.. مرتاداً لنفسك أخداناً. وكل خدن لا يؤاثيك على. مسرّة فاقصه. ولا تصحبه؛ فإنه يقسى قلبك، وهو لك عدو، وأكثر من ذكرى تستوجب على شكري والمزيد من فضلي.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الله.. أبن المعلم يقول: سمعت أبا بكر الطمستاني يقول: اصحبوا مع الله، فإن لم تطيقوا فاصحبوا مع من يصحب مع الله، لتوصكم بركات صحبتهم إلى صحبة الله عزَّ وجلَّ.\rباب التوحيد\rقال الله عزَّ جلَّ: \" وإلهكم إله واحد \" .\rأخبرنا الإمام أبو بكر محمد بن الحسين بن فورك، رضي الله عنه، قال حدثنا أحمد بن محمود بن خرزاذ قال: حدثنا مسيح بن حاتم العكلي قال: حدثنا الحجبي عبد الله بن عبد الوهاب قال: حدثنا حماد بن زيد، عن سعيد بن سعد ابن حاتم العتكي، عن ابن أبي صدقة: عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.\r\" بينا رجل فيمن كان قبلكم لم يعمل خيراً قط إلا التوحيد، فقال لأهله: إذا متَّ فاحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروا نصفي في البرّ ونصفي في البحر في يوم ريح. ففعلوا.. فقال الله عزَّ وجلَّ للريح: أدَّى ما أخذتِ، فإذا هو بين يديه، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: أستحياءً منك، فغفر له \" ..\rالتوحيد: هو الحكم بأن المه واحد، والعلم بأن الشيء واحد أيضاً توحيد، ويقال: وحدته: إذا وصفته بالوحدانية، كما يقال: شجعت فلاناً إذا نسبته إلى الشجاعة، يقال في اللغة: وَحَد يحد فهو واحد وَوَحدْ، ووحيد؛ كما يقال: فرد فهو فارد، وفَرْد، وفريد.\rوأصل أحد وحد فقلبت الواو همزة، والواو المفتوحة قد تقلب همزة، كما تقلب المكسورة والمضمومة، ومنه امرأة أسماء، بمعنى وسماء، من الوسامة، ومعنى كونه، سبحانه، واحداً على لسان العلم، قيل: هو الذي لا يصحّ في وصفه الوضع والرفع، بخلاف قولك: إنسان واحد؛ لأنك تقول إنسان بلا يد ولا رجل، فيصح رفع شيء منه،واسحق، سبحانه، أحدى الذات، بخلاف الأسم الجملة الحاملة.\rوقال بعض أهل التحقيق في معنى أنه واحد: نفى التقسيم لذاته، ونفى التشبيه عن حقه وصفاته، ونفى الشريك معه في أفعاله ومصنوعاته.\rوالتوحيد ثلاثة: توحيد الحق للحق، وهو علمه بأنه واحد وخيبره عنه بأنه واحد.\rوالثاني: توحيد الحق، سبحانه، للخلق، وهو حكمه، سبحانه، بأن العبد موحد، وخلقه توحيد العبد.\rوالثالث: توحيد الخلق للحق، سبحانه، وهو علم العبد بأن الله، عز وجل، واحد، وحكمه وإخباره عنه بأنه واحد.\rفهذه جمة في معنى التوحيد علي شرط الإيجاز والتحديد.\rواختلفت عبارات الشيوخ عن معنى التوحيد: سمعتالشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت يوسف ابن الحسين يقول: سمعت ذا النون المصري يقول: وقد سئل عن التوحيد. فقال: أن تعلم أن قدرة المه تعالى في الأشياء بلا مزاج، وصنعه للأشياء بلاعلاج، وعلةُ كلِّ شيء صَنَعه ولا علة لصُنعه، ومهما تصور في نفسك شيء فالله بخلافه.\rوسمعته يقول: سمعت أحمد بن محمد بن زكريا يقول: سمعت أحمد بن عطاء يقول: سمعت عبد الله بن صالح يقول: قال الجريري: لبس لعلم التوحيد إلا لسان التوحيد.\rوسئل الجنيد عن التوحيد فقال: إفراد الموحَّد بتحقيق وحدا نيته بكمال أحديته أنه الواحد الذي لم يلد ولم يولد، بنفي الأضداد والأنداد والأشياء بلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل: \" ليس كمثله شيء وهو السميع البصير \" .\rوقال الجنيد: إذا تناهت عقول العقلاء في التوحيد تناهت إلى الحيرة.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا الحسين بن مقسم يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت الجنيد يقول ذلك، وسئل الجنيد عن التوحيد،فقال: معنى تضمحل فيه الرسوم، وتندرج فيه العلوم ويكون الله تعالى كما لم يزل وقال الحصري: أصولنا في التوحيد خمسة أشياء.\rرفع الحدث وإفراد القدم، وهجر الإخوان، ومفارقة الأوطان، ونسيان ما عُلم على وجُهل.","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"سمعت منصور بن خلف المغربي يقول: كنت في صحن الجامع ببغداد يعني جامع المنصور والحصري يتكلم في التوحيد، فرأيت ملكين يعرجان إلى السماء، فقال أحدهما لصاحبه: الذي يقول هذا الرجل علم التوحيد والتوحيد غيرُه، يعني كنت بين اليقظة والنوم.\rوقال فارس التوحيد هو إسقاط الوسائط عند غلبة الحال والرجوع إليها عند الأحكام، وأن الحسنات لا تغير الأقسام من الشقاوة والسعادة.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا بكر بن شاذان يقول: سمعت الشبلي يقول: التوحيد: صفة الموحَّد حقيقة وحلية الموَّحد رسماً.\rوسئل الجنيد عن توحيد الخاص فقال: أن يكون العبد شبحاً بين يدي الله، سبحانه، تجري عليه تصاريف تدبيره في مجاري أحكام قدرته، في لجج بحار توحيده، بالفناء عن نفسه وعن دعوة الخلق له وعن استجابته بحقائق وجوده ووحدانيته، في حقيقة قربه بذهاب حسنه وحركته. لقيام الحق، سبحانه له فيما أراد منه، وهو أن يرجع آخر العبد إلى أوله، فيكون كما كان قبل أن يكون.\rوسئل البوشنجي عن التوحيد فقال: غير مشبه الذوات ولا منفي الصفات.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا الحسين العنبري يقول: سمعت سهل بن عبد الله يقول، وقد سئل عن ذات الله، عزَّ وجلَّ. فقال: ذات الله تعالى موصوفة بالعلم، غيرُ مدركة بالإحاطة، ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا، وهي موجودة بحقائق الإيمان من غير حدِّ ولا إحاطة ولا حلول، وتراه العيون في العقي ظاهراً في ملكه وقدرته، قد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته؛ فالقلوب تعرفه، والعقول لا تدركه،ينظر إليه المؤمنون بالآبصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية.\rوقال الجنيد: أشرف كلمة في التوحيد: ما قاله أبو بكر الصديق، رضي الله عنه.\rسبحان من لم يجعل لخلقه سبيلاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته.\rقال الأستاذ أبو القاسم: ليس يريد الصّديق، رضي الله عنه، أنه لا يعرف؛ لأن عند المحققين: العجز عجز عن الموجود، دون المعدوم، كالمقعد عاجزٌ عن قعوده؛ إذ ليس بكسب له ولا فعل، والقعود موجود فيه، كذلك العارف عاجز عن معرفته، والمعرفة موجودة فيه؛ لأنها ضرورية.\rوعند هذه الطائفة المعرفة به سبحانه في الانتهاء ضرورية.\rفالمعرفة الكسبية في الابتداء، وإن كانت معرفة على التحقيق، فلم يعدّها الصديق رضي الله عنه شيئاً بالإضافة إلى المعرفة الضرورية، كالسراج عند طلوع الشمس وانبساط شعاعها عليه.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أحمد بن سعيد البصري بالكوفة يقول: سمعت ابن الأعرابي يقول: قال الجنيد: التوحيد الذي انفرد به الصوفي هو: إفراد القدم عن الحدث والخروج عن الأوطان، وقطع المحاب وترك ما علم وجهل، وأن يكون الحق، سبحانه، مكان الجميع.\rوقال يوسف بن الحسين: من وقع في بحار التوحيد لايزداد على ممر الأوقات إلا عطشاً.\rوقال الجنيد: علم التوحيد مباين لوجوده، ووجوده مفارق لعلمه.\rوقال الجنيد أيضاً: علم التوحيد طوى بساطه منذ عشرين سنة، والناس يتكلمون في حواشيه!! سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن أحمد الأصبهاني يقول: وقف رجل علي الحسين بن منصور، فقال: من الحق الذي يشيرون إليه؟ فقال: معل الأنام ولا يعتل.\rوسمعته يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت الشبلي يقول: من اطلع على ذرّة من علم التوحيد ضعف عن حمل بقة لثقل ما حمله.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: سئل الشبلي؛ فقيل له أخبرنا عن توحيد مجرد وبلسان حق مفرد.\rفقال: ويحك!! من أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد، ومن أشار إليه فهو ثنوي، ومن أومأ إليه فهو عابد وثن، ومن نصدق فيه فهو غافل، ومن سكت عنه فهو جاهل، ومن توهم أنه واصل فليس له حاصل، ومن رأى أ،ه قريب فهو بعيد، ومن تواجد فهو فاقد، وكل ما ميزتموه بأوهامكم وأدركتوه بعقولكم في أتم معانيكم فهو مصروف مردود إليكم، محدث مصنوع مثلكم.\rوقال يوسف بن الحسين: توحيد الخاصة أن يكون بسره ووجده وقلبه كأنه قائم بين يدي الله تعالى يجري علي تصاريف تدبيره وأحكام قدرته في بحار توحيده بالفناء عن نفسه وذهاب حسه، بقيام الحق سبحانه له في مراه منه، فيكون كما هو قيل أن يكون في جريان حكمه سبحانه عليه.\rوقيل: التوحيد للحق سبحانه، والخلق طفيلي.","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"وقيل: التوحيد: إسقاط الياءات؛ لا تقول لي وبي ومني وإليّ.\rوقيل: لأبيبكر الطمستاني: ما التوحيد؟ فقال: توحيد، وموحد، وموحَّد، هذه ثلاثة.\rقال رويم: التوحيد هو آثار البشرية وتجرد الألوهية.\rسمت أبا علي الدقاق يقول في آخر عمه، وكان قد اشتدت به العلة، فقال: من أمارات التأييد حفظ التوحيد فيأوقات الحكم، ثم قال؛ كالمفسر لقوله مشيراً إلى ما كان من حاله، هو: أن يقرضك بمقاريض القدرة في إمضاء الأحكام قطعةً وأنت شاكر حامد.\rوقال الشبلي: ما شم روائح التوحيد من تصور عنده التوحيد.\rوقال أبو سعيد الخراز: أول مقام لمن وجد علم التوحيد، وتحقق بذلك، فناء ذكر الأشياء عن قلبه، وانفراده بالله عزَّ وجلَّ.\rوقال الشبلي لرجل: أتدري لم لا يصح توحيدك؟ فقال: لا!! فقال: لأنك تطلبه بك.\rوقال ابن عطاء: علامة حقيقة التوحيد نسيان التوحيد، وهو أن يكون القائم به واحداً.\rويقال من الناس من يكون مكاشفاً بالأفعال، يرى الحادثات بالله تعالى، ومنهم من هو مكاشف بالحقيقة، فيضمحل إحساسه بما سواه، فهو يشاهد الجمع سراً بسرّ، وظاهره بوصف التفرقة.\rسمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول: سمعت علي بن محمد القزويني يقول: سمعت القنفذ يقول: سئل الجنيد عن التوحيد، فقال سمعت قائلاً يقول:\rوغنى لي من قلبي\rوغنيت كما غنّى\rوكنا حينما كانوا\rوكانوا حينما كنا\rفقال السائل: أهَلكَ القرآن والأخبار؟!! فقال: لا، ولكن الموحِّد يأخذ أعلى التوحيد من أدنى الخطاب وأيسره.\rباب الخروج من الدنيا\rباب أحوالهم عند الخروج من الدنيا قال الله تعالى: \" الذين تتوفاهم الملائكة طيبين \" .\rيعنى: طيبة نفوسهم، ببذلهم مُهجهم لا يثقل عليهم رجوعهم إلى مولاهم.\rأخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد ابن عقبة الشيباني بالكوفة قال: حدثنا الخضر بن أيان الهاشمي قال: حدثنا أبو هدبة، عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن العبد ليعالج كرب الموت وسكرات الموت، وإن مفاصله ليسِّلم بعضها علي بعض؛ تقول: عليك السلام تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة \" .\rأخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا أبو العباس الأصم قال: حدثنا الخضر بن أبان الهاشمي قال: حدثنا سوار قال: حدثنا جعفر. عن ثابت، عن أنس: \" أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت، فقال كيف تجدك؟ فقال: أرجو الله تعالى وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئان لا يجتمعان في قلب عبد مؤمن في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف \" .\rواعلم أن أحوالهم في حال النزع مختلفة؛ فبعضهم الغالب عليه الهيبة، وبعضهم الغالب عليه الرجاء، ومنهم من كشف له في تلك الحالة ما أوجب له السكون، وجميل الثقة.\rحكى أبو محمد الجريري قال: كنت عند الجنيد في حال نزعه، وكان يوم الجمعة، ويوم نيروز، وهو يقرأ القرآن، فختمه، فقلت: في هذه الحالة يا أبا القاسم؟ فقال: ومن أولى بذلك منى وهو ذا تطوى صحيفتي.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول بلغني عن أبي محمد الهروي أنه قال: مكثت عند الشبلي الليلة التي مات فيها فكان يقول طول ليلته هذين البيتين:\rكلُّ بيت أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السرُج\rوجهك المأمول حجتنا ... يوم يأتي الناس بالحجج\rوحكى عن عبد الله بن منازل أنه قال: إن حمدون القصار أوصى إلى أصحابه أن لا يتركوه في حال الموت بين النسوان.\rوقيل لبشر الحافي، وقد احتضر كأنك يا أبا نصر تحبّ الحياة؟ فقال: القدوم علي الله، عزَّ وجلَّ، شديد.\rوقيل: كان سفيان الثوري إذا قال له بعض أصحابه إذا سافر: أتأمر بشغل؟؟..\rيقول: إن وجدتَ الموتَ فاشتره لي! فلما قربت وفاته كان يقول: كنا نتمناه.. فإذا هو شديد!! وقيل: لما حضرت الحسن بن علي بن أبي طالب الوفاة بكى فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أقدم على سيد لم أره.\rولما حضرت بلالاً الوفاة قالت امرأته: واحزناه!! فقال: بل واطرباه.. غداً نلقي الأحبة محمداً وحزبه.\rوقيل: فتح عبد الله بن المبارك عينيه عند الوفاة وضحك. وقال: لمثل هذا فليعمل العاملون.","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"وقيل: كان مكحول الشامي الغالب عليه الحزن، فدخلوا عليه في مرض موته وهو يضحك، فقيل له في ذلك، فقال: ولام لا أضحك وقد دنا فراق ما كنت أحذره، وسرعة القدوم على ما كنت أرجوه وآمله.\rوقال رويم: حضرتُ وفاة أبي سعيد الخراز، وهو يقول في آخر نفسه:\rحنينُ قلوب العارفين إلى الذكر ... وتذكارهم وقت المناجاة للسرِّ\rأديرت كؤوس للمنايا عليهم ... فأغفوا عن الدنيا كإغفاء ذي السكر\rهُمُوهم جوالة بمعسكرٍ ... به أهل ودّ الله كالأنجم الزهر\rفأجسامهم في الأرض قتلى بحبه ... وأرواحهم في الحجب نحو العلا تسري\rفما عرسوا إلا بقرب حبيبهم ... وما عرَّجوا عن مسر بؤس ولا ضر\rوقيل للجنيد: إن أبا سعيد الخراز كان كثير التواجد عند الموت. فقال: لم يكن بعجيب أن تظير روحه اشتياقاً.\rوقال بعضهم وقد قربت وفاته: يا غلام اشدد كتافي وعفر خدي، ثم قال: دنا الرحيل ولا براءة لي من ذنب، ولا عذر أعتذر به، ولا قوة أنتصر بها.. أنت لي، أنت لي..\rثم صاح صيحة ومات، فسمعوا صوتاً: \" استكان العبدُ لمولاه، فقبله \" .\rوقيل لذي النون المصري عند موته: ما تشتهي؟ قال أن أعرفه قبل موتي بلحظة.\rوقيل لبعضهم وهو في النزع: قل الله، فقال: إلى متى تقولون: قل الله، وأنا محترق بالله؟!! وقال بعضهم: كنت عند ممشاد الدينوري، فقدم فقير وقال السلام عليكم، فردوا عليه السلام، فقال: هل هنا موضع نظيف يمكن الإنسان أن يموت فيه؟ فأشاروا عليه بمكان، وكان ثمَّ عين ماء.. فجدد الفقير الوضوء وركع ما شاء الله تعالى، ومضى إلى المكان الذي أشاروا إليه.. ومد رجليه، ومات.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: كان أبو العباس الدينوري يتكلم يوماً في مجلسه.. فصاحت امرأة تواجداً، فقال لها: موتي.. فقامت المرأة فلما بلغت باب الدار التفتت إليه وقالت: قدُمتُّ. ووقعت ميتة.\rوقال بعضهم: كنت عند ممشاد الدينوري عند وفاته، فقيل له: كيف تجد العلة؟! فقال سلوا العلة عني كيف تجدني، فقيل له. قل لا إله إلا الله، فحول وجهه إلى الجدار وقال: أفنيت كُلي بكلك هذا جزاء من يحبك.\rوقيل لأبي محمد الدبيلي، وقد حضرته الوفاة، قل: لا إله إلا الله.\rفقال هذا شيء قد عرفناه، وبه نفنى، ثم أنشأ يقول:\rتسربل ثوبُ النية لما هويته ... وَصدَّ ولم يرض بأن أكُ عبده\rوقيل للشبلي عند وفاته: قل لا إله إلى الله. فقال:\rقال سلطان حبه ... أنا لا أقبل الرِّشا\rفسلوه بحقه ... لِم بقتلي تحرَّشا\rسمعت محمد بن أحمد الصوفي يقول: سمعت عبد الله بن علي التميمي يقول: سمعت أحمد بن عطاء يقول: سمعت بعض الفقراء يقول: لما مات يحيى الاصطخري جلسنا حوله، فقال له رجل منا: قل أشهد أن لا إله إله الله، فجلس مستوياً.. ثم أخذ بيد واحد منا، وقال له: قل أشهد أن لا إله إلا الله.. ثم أخذ بيد آخر.. حتى عرض الشهادة على جميع الحاضرين، ثم مات.\rويحكى عن فاطمة أخت أبي علي الروذباري، أنها قالت: لما قرب أجل أخي أبي الروذباري، وكان رأسه في حجري، فتح عينيه، وقال: هذه أبواب السماء قد فتحت.. وهذه الجنان قد زُينت، وهذا قائل يقول لي: يا أبا علي قد بلغناك الرتبة القصوى وإن لم تردها.. ثم أنشأ يقول:\rوحقّك لا نظرتُ إلى سواكاً ... بعين مودةّ حتى أراكا\rأراك معذِّبي بفتورِ لحظر ... وبالخد المورد من جناكا\rثم قال: يا فاطمة، الأول ظاهر،والثاني فيه إشكال.\rسمعت بعض الفقراء يقول: لما قربت وفاة أحمد بن نصر، رحمه الله تعالى، قال له واحد: قل أشهد أن لا إله إلا الله فنظر إليه وقال له: لا تترك الحرمة بالفراسية بي حرمتي مكن.\rوقال بعضهم: رأيت فقيراً يجود بنفسه غريباً.. والذباب على وجهه، فجلست أذبّ الذباب عن وجهه.. ففتح عينيه، وقال: من هذا؟ أنا منذ كذا سنة في طلب وقت يصفو لي فلم يتفق إلا الآن.. جئت أنتّ توقع نفسك فيه، مرّ؛ عافاك الله.\rوقال أبو عمران الاصطخري: رأيت أبا تراب في البادية قائماً ميتاً لا يمسكه شيء.","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: كان سبب وفاة أبي الحسين النوري أنه سمع هذا البيت.\rلا زلت أنزل في ودادك منزلاً ... تتحير الألبابُ عند نزوله\rفتواجد النودي وهام في الصحراء ... فوقع في أجمه قصب قد قطعت وبقي\rأصولها مثلُ السيوف، فكان يمشي عليها ويعيد عليها ويعيد هذا البيت إلى الغداة والدم يسيل من رجليه. ثم وقع مثل السكران، فتورمت قدماه. ومات.\rوحكي أنه قيل له عند النزع: قل لا إله إلا الله، فقال أليس إليه أعود.\rوقيل: مرض إبراهيم الخواص في المسجد الجامع: بالري وكنت به علة بالإسهال، فكان إذا قام مجلساً يدخل الماء.. ويتوضأ، فدخل الماء مرة فخرجت روحه.\rسمعت منصوراً المغربي يقول دخل عليه يوسف بن الحسين عائداً له بعد ما أتى عليه أيامٌ لم يعده، ولم يتعهده، فلما رآه، قال للخواص: أتشتهي شيئاً؟ قال: نعم، قطعت كبد مشوي.\rقال الأستاذ أبو القاسم: لعل الإشارة فيه أنه أراد: أشتهى قلباً يرقى لفقير، وكبداً تشتوي وتحترق لغريب؛ لأنه كالمستجفى ليوسف بن الحسين؛ حيث لم يتعهده.\rوقيل: كان سبب موت بن عطاء أنه أدخل مرة على الوزير، فكلمه الوزير بكلام غليظ.\rفقال له ابن عطاء: أهدأ يا رجل!! فأمر.. فضُرب بخفه على رأسه فمات منه.\rسمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفي يقول: سمعت عبدالله بن علي التميمي يقول: سمت أبا بكر الدقي يقول: كنا عند أبي بكر الزقاق بالغداة، فقال: إلهي: كم تبقيني ها هنا فما بلغ الغداة الأولى حتى مات.\rوحكي عن أبي علي الروذباري أنه قال: رأيت في البادية حّدَثاً، فلما رآني. قال: أما يكفيه أ، شغفني بحبه حتى علني، ثم رأيته يجود بروحه، فقلت له: قل لا إله إلا الله، فأنشأ يقول:\rأيا من ليس لي عنه ... وإن عذبني بد\rويا من نال من قلبي ... منالاً ما له حد\rوقيل للجنيد: قل لا إله إلا الله، فقال: ما نسيتُه فأذكره!! وقال:\rحاضر في القلب يعمره ... لست أنساه فأذكره\rفهو مولاي ومعتمدي ... ونصيبي منه أوفر\rسمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفي يقول: سمعت عبد الله بن علي التميمي يقول: سألت جعفر بن نصير بكران الدينوري، وكان يخدم الشبلي، ما الذي رأيت منه؟ فقال: قال لي عليَّ درهم مظلمة، وقد تصدَّقت عن صاحبه بألوف، فما على قلبي شغل أعظم منه، ثم قال: وضئني للصلاة، ففعلت، فنسيت تخليل لحيته، وقد أمسك علي لسانه، فقبض على يدي وأدخلها في لحيته، ثم مات، فبكى جعفر وقال: ما تقولون في رجل لم يفته حتى في آخر عمره أدب من آداب الشريعة.\rسمعت عبد الله بن يوسف الأصبهاني يقول: سمعت أبا الحسن بن عبد الله الطرسوسي يقول: سمعت علوشاً الدينوري يقول: سمعت المزين الكبير يقول: كنت بمكة - حرصها الله تعالى - فوقع بي انزعاج، فخرجت أريد المدينة. فلما وصلت إلى بئر ميمونة إذا أنا بشاب مطروح؛ فعدلت إليه وهو ينزع؛ فقلت له: قل لا إله إلا الله.. ففتح عينيه؛ مانشأ يقول:\rأنا إن مت فالهوى حشو قلبي ... وبداء الهوى تموت الكرام\rفشهق شهقة، ثم مات، فغسلته، وكفنته، وصليت عليه، فلما فرغت من دفنه سكن ما كان بي من إرادة السفر، فرجعت إلى مكة.\rوقيل لبعضهم: أتحبُّ الموت؟ فقال: القدوم على من يرجى خيره خير من البقاء مع من ى يؤمن شره.\rوحكي عن الجنيد أنه قال: كنت عند أستاذي ابن الكرنبي، وهو يجود بنفسه، فنظرت إلى السماء فقال: بعد، ثم نظرت إلى الأرض فقال: بعد، يعني: أنه أقرب إليك من أن تنظر إلى السماء أو إلى الأرض، بل هو وراء المكان.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: سمعت الوجيهي يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: دخلت مصر فرأيت الناس مجتمعين، فقالوا: كنا في جنازة فتى سمع قائلا يقول:\rكبرت همة عبد ... طمعت في أن تراكا\rفشهق شهقة ومات.\rوقيل: دخل جماعة علىممشاد الدينوري في مرض موته، فقالوا: ما فعل الله بك وما صنع؟ فقال: منذ ثلاثين سنة تعرض علي الجنة بما فيها فما أعرتها طرفي، وقالوا له عند النزع: كيف تجد قلبك؟ فقال: منذ ثلاثين سنة فقدت قلبي.","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"سمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفي يقول: سمعت عبد الله بن التميمي يقول: قال الوجيهي: كان سبب موت ابن بنان أنه ورد على قلبه شيء، فهام على وجهه، فلحقوه في وسط متاهة بني إسرائيل في الرمل، ففتح عينيه وقال: ارتع، فهذا مرتع الأحباب. وخرجت روحه.\rوقال أبو يعقوب النهرجوري: كنت بمكة، فجاءني فقير معه دينار، فقال: إذا كان غداً فأنا أموت، فأصلح لي بنصف هذا قبراً، والنصف الثاني لجهازي. فقلت في نفسي: دوخل الشاب؛ فإنه قد أصابته فاقة الحجاز، فلما كان الغد جاء؛ ودخل الطواف، ثم مضى وامتد على الأرض، فقلت: هو ذا يتماوت، فذهبت إليه، فحركته فإذا هو ميت. فدفنته كما أمر.\rوقيل: لما تغيرت الحال على أبي عثمان الحيري مزق ابنه أبو بكر قميصاً ففتح أبو عثمان عينيه وقال: يا بني إن خلاف السنة في الظاهر من رياء في الباطن.\rوقيل: دخل ابن عطاء على الجنيد، وهو يجود بنفسه؛ فسلم. فأبطأ في الجواب، ثم رد، وقال: اعذرني، فلقد كنت في وردي ثم مات.\rوحكى أبو علي الروذباري قال: قدم علينا فقير، فمات، فدفنته وكشفت عن وجهه لأضعه في التراب ليرحم الله عزّ وجلّ غربته. ففتح عينيه وقال: يا أبا علي، أتدللني بين يدي من دللني؟! فقلت: يا سيدي أحياة بعد موت؟ فقال لي: بلى أنا حيّ، وكل محبّ لله، عزّ وجلّ، حتىّ لأنصرنك غداً بجاهي يا روذباري.\rويحكى عن ابن سهل الأصفهاني أنه قال: أترون أني أموت كما يموت الناس، مرض وعيادة، وإنما أدعى، فيقال: يا عليٌّ، فأجيب.\rفكان يمشي يوماً، فقال: \" لبيك \" . ومات.\rسمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول: سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول: سمعت أبا الحسن المزين قال: لما مرض أبو يعقوب النهرجوري مرض وفاته، قلت له، وهو في النزع: قل لا إله إلا الله، فتبسم إلي وقال: إيايّ تمني؟ وعزة من لا يذوق الموت ما بيني وبينه إلا حجّاب العزة. وانطفأ من ساعته، فكان المزين يأخذ بلحيته ويقول: حجام مثلي يلقن أولياء الله الشهادة، واخجلتاه منه!! وكان يبكي إذا ذكر هذه الحكاية.\rوقال أبو حسين المالكي: كنت أصحب خيرا النساج سنين كثيرة، فقال لي قبل موته بثمانية أيام: أنا أموت يوم الخميس وقت المغرب، وأدفن يوم الجمعة قبل الصلاة، وستنسى هذا، فلا تنس.\rقال أبو الحسين: فأنسيته إلى يوم الجمعة فلقيني من أخبرني بموته، فخرجت لأحضر جنازته، فوجدت الناس راجعين يقولون: يدفن بعد الصلاة.\rفلم أنصرف، وحضرت، فوجدت الجنازة قد أخرجت قبل الصلاة كما قال، فسألت من حضر وفاته، فقال: إنه غشي عليه، ثم أفاق، ثم التفت إلى ناحية البيت وقال: قف عافاك الله، فإنما أنت عبد مأمور وأنا عبد مأمور، الذي أمرت به لا يفوتك، والذي أمرت به يفوتني؛ فدعا بماء فجدد وضوءه وصلى، ثم تمدد، وغمض عينيه، فرؤي في المنام بعد موته، فقيل له: كيف حالك؟ فقال: لا تسل، ولكني تخلصت من دنيا الوضرة.\rوذكر أبو الحسين الحمصي مصنف كتاب بهجة الأسرار أنه لما مات سهل بن عبد الله انكبّ الناس على جنازته، وكان في البلد يهودي نيف على السبعين، فسمع الضجة، فخرج لينظر ما كان، فلما نظر إلى الجنازة صاح وقال: أترون ما أرى؟ فقالوا: لا، ماذا ترى؟ فقال أرى أقواماً ينزلون من السماء يتسحون بالجنازة، ثم إنه تشهد، وأسلم، وحسن إسلامه.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا جعفر بن قيس - بمصر - يقول: سمعت أبا سعيد الخراز يقول: كنت بمكة فجزت يوماً بباببني شيبة فرأيت شاباً حسن الوجه ميتاً، فنظرت في وجهه فتبسم في وجهي وقال لي: يا أبا سعيد، أما علمت أن الأحباء أحياء وإن ماتوا، وإنما ينقلون من دار إلى دار.\rوسمعته يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت الجريري يقول: بلغني أنه قيل لذي النون المصري عند النزع: أوصنا. فقال: لا تشغلوني فإني متعجب من محاسن لطفه.\rوسمعته يقول: سمعت عبد الله بن محمد الرازي يقول: سمعت أبا عثمان الحيري يقول: سئل أبو حفص في حال وفاته: ما الذي تعظنا به؟ فقال: لست أقوى على القول، ثم رأى من نفسه قوة، فقلت له: قل حتى أحكي عنك.\rفقال: موعظتي: الانكسار بكلِّ القلب على التقصير.\rباب المعرفة بالله\rقال الله تعالى: \" وما قدروا الله حق قدره \" .جاء في التفسير: وما عرفوا الله حق معرفته.","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله العدل، قال: حدثنا محمد بن القاسم العتكي، قال: حدثني محمد بن أشرس، قال: حدثنا سليمان بن عيسى الشجري عن عبا بن كثير، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" إن دعامة البيت أساسهُ، ودعامة الدين المعرفة بالله تعالى، واليقينُ والعقل القامع فقلت: بأبي أنت وأمي ما العقل القامع؟ قال الكف عن معاصي الله، والحرص على طاعة الله \" .\rقال الأستاذ: المعرفة على لسان العلماء هو: العلم؛ فكل علم معرفة؛ وكل معرفة علم؛ وكل عالم بالله عارف؛ وكل عارف عالم وعند هؤلاء القوم المعرفة: صفة من عرف الحق سبحانه بأسمائ وصفاته؛ ثم صدق الله تعالى في معاملاته: ثم تنقى عن أخلاقه الرديئة وأفاقه؛ ثم طال بالباب وقوفه ودام بالقلب اعتكاف فحظي من الله تعالى بجميل إقباله وصدق الله في جميع أ؛واله؛ وانقطع عنه هواجس نفسه؛ ولم يضع بقلبه إلى خاطر يدعوه إلى غيره؛ فإذا صار من الخلق أجنبياً ومن آفات نفسه بريا؛ ومن المساكنات والملاحظات نقياً؛ ودام في السر مع الله تعالى مناجاته، وحق في كل لحظة إليه رجوعه وصار محدثا من قبل الحق سبحانه بتعريف أسراره فيما يجريه من تصاريف أقداره يسمى عند ذلك عارفاً وتسمى حالته معرفة.\rوبالجملة فبمقدار أجنبيته عن نفسه تحصل معرفته بربه.\rوقد تكلم المشايخ في المعرفة، فكل نطق بما وقع له؛ وأشار إلى ما وجده في وقته.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله يقول: من أمارات المعرفة بالله حصول الهيبة من الله، فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته.\rوسمعته يقول: المعرفة توجب السكينة في القلب كما أ، العلم يوجب السكون فمن ازدادت معرفته ازدادت سكينته.\rسمعت الشيخ أبا عب الرحمن السلمي يقول: سمعت أحمد بن محمد بن زيد يقول: سمعت الشبلي يقول: ليس لعارف علاقة ولا لمحب شكوى، ولا لعبد دعوى، ولا لخائف قرار، ولا لأحد من الله فرار.\rوسمعته يقول: سمعت محمد بن محمد بن عبد الوهاب يقول: سمعت الشبلي يقول،وقد سئل عن المعرفة، فقال: أولها الله تعالى، وآخرها ما لا نهاية له.\rوسمعته يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا العباس الدينوري يقول: قال أبو حفص: مذ عرفت الله تعالى ما دخل قلبي حق ولا باطل.\rقال الأستاذ أبو القاسم: وهذا الذي اطلقه أبو حفص فيه طرف من الإشكال، وأجل ما يحتمله: أن عند القوم المعرفة توجب غيبة العبد عن نفس، لإستيلاء ذكر الحق؛ سبحانه، عليه، فلا يشهد غير الله، عزّ وجلَّ، ولا يرجع إلى غيره، فكما أن العقل يرجع إلى قلبه وتفكره وتذكره فيما يسنح له من أمر، أو يستقبله من حال؛ فالعارف رجوعه إلى ربه. فإذا لم يكن مشتغلاً إلا بربه لم يكن راجعاً إلى قلبه. وكيف يدخل المعنى قلب من لا قلب له. وفرق بين من عاش بقلبه وبين من عاش بربه عز وجل.\rوسئل أبو يزيد عن المعرفة، فقال: \" إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة \" .\rقال الأستاذ: هذا معنى ما أشار إليه أبو حفص.\rوقال أبو يزيد: للخلق أحوال، ولا حال للعارف؛ لأنه محيت رسومه. فنيت هويته بهوية غيره، وغيبت آثاره بآثار غيره.\rوقال الواسطي: لا تصح المعرفة وفي العبد استغناء بالله وافتقار إليه.\rقال الأستاذ: أراد الواسطي بهذا: أن الافتقار والاستغناء من أمارات صحو العبد وبقاء رسومه؛ لأنهما من صفاته، والعارف محو في معرفة، فكيف يصح له ذلك، وهو لاستهلاكه في وجوده، أو لاستغراقه في شهوده إن لم يبلغ الوجود مختطف عن إحساسه بكل وصف هو له.\rلهذا قال الواسطي أيضاً: من عرف الله تعالى انقطع، بل خرس وانقمع. قال صلى الله عليه سلم: \" لا أحصي ثناء عليك \" .\rهذه صفات الذين بعد مرماهم، فأما من نزلوا عن هذا الحد فقد تكلموا في المعرفة وأكثروا.\rأخبرنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن سعيد الرازي قال: حدثنا عياش بن حمزة قال: سمعت أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أحمد بن عاصم الأنطاكي يقول: من كان بالله أعرف كان له أخوف.\rوقال بعضهم: من عرف الله تعالى تبرم بالبقاء، وضاقت عليه الدنيا بسعتها.\rوقيل: من عرف الله صفا له العيش، وطابت له الحياة، وهابه كل شيء، وذهب عنه خوفُ المخلوقين، وأنس بالله تعالى.","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"وقيل: من عرف الله ذهب عنه رغبة الأشياء، وكان بلا فصل ولا وصل.\rوقيل: المعرفة توجب الحياء والتعظيم، كما أن التوحيد يوجب الرضا والتسليم.\rوقال رويم: المعرفة للعارف مرآة إذا نظر فيها تجلى له مولاه.\rوقال ذو النون المصري: ركضت أرواح الأنبياء في ميدان المعرفة فسبقت روحُ نبينا، صلى الله عليه وسلم، أرواحَ الأنبياء عليهم السلام إلى روضة الوصال.\rوقال ذو النون المصري: معاشرة العارف كمعاشرة الله تعالى يحتملك ويحلم عنك، تخلقاً بأخلاق الله.\rوشئل بن يزدانيار: متى يشهد العارف الحقَّ سبحانه؟ فقال: إذا بدا الشاهد وفنى الشواهد وذهب الحواس واضمحل الإخلاص.\rوقال الحسين بن منصور: إذا بلغ العبد إلى مقام المعرفة أوحى الله إليه بخواطره، وحرس سرَّه أن يسنح فيه غير خاطر الحق.\rوقال علامة العارف أن يكون فارغاً من الدنيا والآخرة.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن أحمد بن سعيد يقول: سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول: سمعت سعيد بن عثمان يقول: سمعت ذا النون المصري يقول: أعرف الناس بالله تعالى أشدهم تحيراً فيه.\rوسمعته يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا عمر الأنطاكي يقول: قال رجل للجنيد: مِن أهل المعرفة أقوام يقولون إن ترك الحركات من باب البر والتقوى!! فقال الجنيد: إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال، وهو عندي عظيم، والذي يسرق ويزني أحسن حالاً من الذي يقول هذا؛ فإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله تعالى، وإلى الله رجعوا فيها، ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة.\rوقيل لأبي يزيد: بماذا وجدت هذه المعرفة؟ فقال: ببطن جائع وبدن عار.\rوقال أبو يعقوب النهرجوري: قلت لأبي يعقوب السوسي هل يتأسف العارف على شيء غير الله عز وجل؟ فقال: وهل يرى غيره فيتأسف عليه؟! قلت: فبأي عين ينظر إلى الأشياء؟ فقال: بعين الفناء والزوال.\rوقال أبو يزيد: العارف طيار، والزاهد سيار.\rوقيل: العارف تبكي عينه ويضحك قلبه.\rوقال الجنيد: لا يكون العارف عارفاً حتى يكون كالأرض يطؤه البرُّ والفاجر، وكالسحاب بطل كل شيء، وكالمطر، يسقى ما يحب، وما لا يحب.\rوقال يحيى بن معاذ: يخرج العارف من الدنيا ولا يقضي وطره من شيئين: بكاؤه على نفسه، وثناؤه على ربه، عز وجل.\rوقال أبو يزيد: إنما نالوا المعرفة بتضييع ما لهم والوقوف مع ماله.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت يوسف بن علي يقول: لا يكون العارف عارفاً حقاً حتى لو أعطي مثل ملك سليمان عليه السلام لم يشغله عن الله طرفة عين.\rوسمعته يقول: سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت ابن عطاء يقول: المعرفة على ثلاثة أركان: الهيبة، والحياء، والأنس.\rوسمعته يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت يوسف ابن الحسين يقول: قيل لذي النون المصري: بم عرفت ربك؟ قال: عرفت ربي بربي، ولولا ربي لما عرفت ربي.\rوقيل: العالم يقتدي به، والعارف يهتدي به.\rوقال الشبلي: العارف لا يكون لغيره لاحظاً، ولا بكلام غيره لا فظاً، ولا يرى لنفسه غير الله تعالى حافظاً.\rوقيل: العارف أنس بذكر الله فأوحشه من خلقه، وافتقر إلى الله فأغناه عن خلقه، وذل له تعالى فأعزه في خلقه.\rوقال أبو الطيب السامري: المعرفة طلوع الحق على الأسرار بمواصلة الأنوار.\rوقيل: العارف فوق ما يقول، والعالم دون ما يقول.\rوقال أبو سليمان الداراني: إن الله تعالى يفتح للعارف وهو على فراشه ما لا يفتح لغيره وهو قائم يصلي.\rوقال الجنيد: العارف من نطق الحقُّ عن سره وهو ساكت.\rوقال ذو النون: لكل شيء عقوبة، وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر الله تعالى.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: سمعت الوجيهي يقول: سمعت أبا علي الرُّوذباري يقول: سمعت رويماً يقول: رياء العارفين أفضل من أخلاص المريدين.\rوقال أبو بكر الوراق: سكوت العارف أنفع، وكلامه أشهى وأطيب.\rوقالذو النون: الزهاد ملوك الآخرة وهم فقراء العارفين.\rوسئل الجنيد عن العارف، فقال: لون الماء لون إناثه يعني أنه يحكم وقته.\rوسئل أبو يزيد عن العارف، فقال: لا يرى في نومه غير الله، ولا في يقظته غير الله، ولا يوافق غير ألمه، ولا يطالع غير الله تعالى.","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الله بن محمد الدمشقي يقول: سئل بعض المشايخ: بمَ عرفت الله تعالى؟ فقال: بلمعة لمعت بلسان مأخوذ عن التمييز المعهود، ولفظة جرت على لسان هالك مفقود يشير إلى وجد ظاهر ويخبر عن سر سائر هو بما أظهرهُ، وغيره بما اشكله ثم أنشد:\rنطقتُ بلا نطق هو النطق إنه ... لك النطق لفظاً أو يبين عن النطق\rتراءيت كي أخفى وقد كنتَ خافياً ... وألمعتَ لي برقاً فانضفت بالبرق\rوسمعته يقول: سمعت علي بن بندار الصيرفي يقول: سمعت الجريري يقول: سئل أبو تراب عن صفة العارف، قال: الذي لا يكدره شيء، ويصفو به كلُّ شيء.\rوسمعته يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: العارف تضيء له أنوار العلم فيبصر به عجائب الغيب.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: العارف مستهلك في بحار التحقيق؛ كما قال قائلهم: المعرفة أمواج تغطّ. ترفع وتحط.\rوسئل يحيى بن معاذ عن العارف، فقال: رجل كائن بائن، ومرة قال: كان فبان.\rوقال ذو النون: علامة العارف ثلاثة: لا يطفىء نور معرفته نور ورعه، ولا يعتقد باطناً من العلم ينقض عليه ظاهراً من الحكم، ولا تحمله كثرة نعم الله عز وجل، عليه على هتك أستار محارم الله.\rوقيل: ليس بعارف من وصف المعرفة عند أبناء الآخرة، فكيف عند أبناء الدنيا؟؟ وقال أبو سعيد الخراز: المعرفة تأتي من عين الجود وبذل المجهود.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت بن عبد الله يقول: سمعت جعفراً يقول: سئل الجنيد عن قول ذي النون المصري في صفة العارف.\rكان ها هنا فذهب فقال الجنيد: العارف: لا يحصره حال عن حال، ولا يحجبه منزل ن التنقل في المنازل، فهو مع أهل كل مكان يمثل الذي هو فيه يجد مثل الذي يجدون، وينطق فيها بمعالمها لينتفعوا بها.\rوسمعته يقول: سمعت عبد الله الرازي يقول: سمعت محم بن الفضل يقول: المعرفة حياة القلب مع الله تعالى.\rوسمعته يقول: سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول: سمعت الكتاني يقول: سئل أبو سعيد الخراز: هل يصير العارف إلى حال يجفو عليه البكاء؟ فقال: نعم، إنما البكاء في أوقات سيرهم إلى الله تعالى، فإذا نزلوا إلى حقائق القرب وذاقوا طعم الوصول من بره زال عنهم ذلك.\r؟باب المحبة قال الله عز وجل: \" يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه \" .\rأخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسين قال: حدثنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق قال: حدثنا السلمي قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من أحب لقاء الله أحب الله لقاء، ومن لم يحب لقاء الله لم يحب الله لقاءه \" أخبرنا أبو الحسين علي بن أحمد بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن عبيد الصفار البصري قال: حدثنا عبد الله بن أيوب قال: حدثنا الحسين بن موسى قال: حدثنا الهيثم بن خارجة قال: حدثنا الحسن بن يحيى عن صدقة الدمشقي، عن هشام الكتاني، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن جبريل عليه السلام، عن ربه سبحانه وتعالى قال: \" من أهان لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة، وما ترددت في شيء كترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته، ولا بدّ له منه، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، ومن أحببته كنت له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيداً \" .\rأخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان قال: أخبرنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا عبيد ابن شريك قال: أخبرنا يحيى، قال: حدثنا مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" إذا أحبّ الله، عز وجل، العبد قال لجبريل: يا جبريل، إني أحب فلاناً فأحبه؛ فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء إن الله تعالى قد أحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله العبد قال مالك لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك \" .\rوالمحبة: حالة شريفة شهد الحقُّ، سبحانه، بها للعبد، وأخبر عن محبته للعبد، فالحق: سبحانه، يوصف بأنه يحب العبدّ، والعبدُ يوصف بأنه يحب الحق سبحانه.","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"والمحبة على لسان العلماء: هي الإرادة، وليس مراد القوم بالمحبة الإرادة؛ فإن الإرادة لا تتعلق بالقديم، اللهمَّ إلا أن تُحمل على إرادة التقرب إليه والتعظيم له.\rونحن نذكر من تحقيق هذه المسألة طرَفاً إن شاء الله تعالى؛ فمحبة الحقُّ سبحانه، للعبد إرادته لإنعام مخصوص عليه، كما أن رحمته له إرادة الإنعام، فالرحمة أخصّ من الإرادة، والمحبة أخصّ من الرحمة، فإرادة الله تعالى لأن يوصل إلى العبد الثواب والإنعام تسمى رحمة وإرادته لأن يخصه بالقربة والأحوال العلية تسمى محبة.\rوإرادته، سبحانه، صفة واحدة، فبحسب تفاوت متعلقاتها تختلف أسماؤها، فإذا تعلقت بالعقوبة تسمى غضباً، وإذا تعلقت بعموم النعم تسمى رحمة وإذا تعلقت بخصوصها تسمى محبة.\rوقوم قالوا: محبة الله، سبحانه، للعبد، مدحه ل، وثناؤه عليه بالجميل، فيعود معنى محبته له، على هذا القول، إلى كلامه، وكلامه قديم.\rوقال قوم: محبته للعبد: من صفات فعله، فهو إحسان مخصوص يلقي الله العبد به، وحالة مخصوصة برقية إليها، كما قال بعضهم: إن رحمته بالعبد نعمة معه، وقوم من السلف قالوا: محبته من الصفات الخبرية، فأطلقوا اللفظ وتوقفوا عن التفسير.\rفأما ما عدا هذه الجملة مما هو المعقول من صفت محبة الخلق؛ كالميل إلى الشيء، والاستئناس بالشيء، وكحالة يجدها المحب مع محبوبه من المخلوقين، فالقديم، سبحانه. يتعالى عن ذلك.\rوأما محبة العبد لله: فحالة يجدها من قلبه. تلطف عن العبارة.\rوقد تحمله تلك الحالة علي التعظيم له، وإيثار رضاه، وقلة الصبر عنه. والاهتياج إليه، وعدم القرار من ونه، ووجود الاستئناس بدوام ذكره له بقلبه. وليست محبة العبد ل. سبحانه. متضمنة سَبيلاً، ولا أختطاطاً. كيف. وحقيقة الصمدية مقدسة عن اللحوق والدرك والإحاطة. والمحب بوصف الاستهلاك في المحبوب، أولى منه بأن يوصف بالاختطاط. ولا توصف المحبة يوصف ولا تحد بحد أضح ولا أقرب إلى الفهم والاستقصاء في المقال عند حصول الإشكال؛ فإذا زاد الاستعجام والاستبهام سقطت الحاجة إلى الاستغراق في شرح الكلام.\rوعبارات الناس عن المحبة كثيرة. وتكلموا في أصلها في اللغة؛ فبعضهم قال: الحب اسم لصفاء الموجة؛ لأن العرب تقول لصفاء بياض الأسنان ونضارتها: حبب الأسنان.\rوقيل: الحباب: ما يعلوا الماء عند المطر الشديد؛ فعلى هذا المحبة: غليان القلب وثورانه عند العطش والاهتياج إلى لقاء المحبوب.\rوقيل: إنه مشتق من حباب الماء بفتح الحاء وهو: معظمه. فسمي بذلك: لأن المحبة غاية معظم ما في القلب من المهمات.\rوقيل: اشتقاق من اللزوم والثبات، يقال: أحب البعير. وهو: أن يبرك فلا يقوم فكأن المحب لا يبرح بقلبه عن ذكر محبوبه.\rوقيل: الحب مأخوذ من الحب. وهو القرط قال الشاعر:\rتبينت الحيَّة النضناض منه ... مكانّ الحب تستمع السرارا\rوسمي القرط حبا؛ إما للزومه للأذن، أو لقلقه. وكلا المعنيين صحيح في الحب.\rوقيل: هو مأخوذ من الحبِّ جمع حبَّة وحبة القلب: ما به قوامه؛ فسمي الحب حباً باسم محله.\rوقيل: الحب، والحبّ كالعمَر والعُمر.\rوقيل: هو مأخوذ من الحبة بكسر الحاء وهي بذور الصحراء: فسمي الحب حبا، لأنه لباب الحياة، كما أن الحب لباب النبات.\rوقيل: الحب: هي الخشبات الأربع التي توضع عليها الجرة:، فسميت المحبة حباً لأنه يتحمل عن محبوبه كل عز وذلّ.\rوقيل: هو من الحب الذي فيه الماء، لأنه يمسك ما فيه، فلا يسع فيه غير ما امتلأ به، كذلك إذا امتلأ القلب بالحب فلا مساغ فيه لغير محبوبه.\rوأما أقويل الشيوخ فيه، فقال بعضهم: المحبة: الميل الدائم بالقلب الهائم.\rوقيل: المحبة: إيثار المحبوب على جميع المصحوب.\rوقيل: موافقة الحبيب في المشهد والمغيب.\rوقيل: نحو المحبِ لصفاته، وإثباتُ المحبوب بذته.\rوقيل: مواطأة القلب لمرادات الرب.\rوقيل: خوف ترك الحرمة مع إقامة الخدمة.\rوقال أبو يزيد البسطامي: المحبة: استقلال الكثير من نفسك، واستكثار قليل من حبيبك.\rوقال سهل: الحبُّ: معانقة الطاعة ومباينة المخالفة.\rوسئل الجنيد عن المحبة، فقال: دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المحب.\rأشار بهذا إلى استيلاء ذكر المحبوب، حتى لا يكون الغالب على قلب المحب إلا ذكر صفت المحبوب، والتغافل بالكلية عن صفات نفسه والإحساس بها.","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"وقال أبو علي الروذباري: المحبة: الموافقة.\rوقال أبو عبد الله القرشي: حقيقة المحبة أن تهب كتلك لمن أحببت، فلا يبقى لك منك شيء.\rوقال الشبلي: سميت المحبة محبة؛ لأنها تمحو من القلب ما سوى المحبوب.\rوقال ابن عطاء: المحبة: إقامة العتاب على الدوام.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله يقول: المحبة: لذة، ومواضع الحقيقة دهش.\rوسمعته يقول: العشق: مجاوزة الحد في المحبة، والحقُّ، سبحانه؛ لا يوصف بأنه يجاوز الحدّ، فلا يوصف بالعشق، ولو جمع محاب الخلق كلهم لشخص واحد لم يبلغ ذلك استحقاق قدر الحق سبحانه، فلا يقال: إن عبداً جاوز الحد في محبة الله. فلا يوصف الحق. سبحانه بأنه يعشق، ولا العبد في صفته سبحانه بأنه يعشق، فنفى العشق، ولا سبيل له إلى وصف الحق، سبحانه، لا من الحق للعبد، ولا من العبد للحق، سبحانه.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت الشبلي يقول: المحبة أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك.\rوسمعته يقول: سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت ابن عطاء يقول، وقد سئل عن المحبة. فقال: أغصان تغرس في القلب فتثمر على قدر العقول.\rوسمعته يقول: سمعت النصراباذي يقول: محبة توجب حقن الدماء، ومحبة توجب سفك الدماء.\rوسمعته يقول: سمعت محمد بن علي العلوي يقول: سمعت جعفراً يقول: سمعت سمنوناً يقول: ذهب المحبون لله تعالى بشرف الدنيا والآخرة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" المرءمع من أحب \" ؛ فهم مع الله تعالى: وقال يحيى بن معاذ: حقيقة المحبة مالا ينقص بالجفاء، ولايزيد بالبر، وقال ليس بصادق من ادعى محبته ولم يحفظ حدوده.\rوقال الجنيد: إذا صحت المحبة سقطت شروط الأدب، وفي معناه نشد الأستاذ أبو عليّ:\rإذا صفت المودّة بين قوم ... ودام ودادهم سمج الثناء\rوكان يقول: لا ترى أباً شفيقاً يبجل إبنه في الخطاب والناس يتكلفون في مخاطبته والأب يقول: يا فلان.\rوقال الكتاني: المحبة: الإيثار للمحبوب.\rوسمعت محمد بن الحسيني قول: سمعت ابا سعيد الأرجاني يقول: سمعت بندار بن الحسين يقول: رؤى مجنون بني عامر في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وجعلني حجة على المحبِّبين.\rوقال أبو يعقوب السوسي: حقيقة المحبة: أن ينسى العبد حظه من الله وينسى حوائجه إليه.\rوقال الحسين بن منصور: حقيقة المحبة: قيامك مع محبوبك بخلع وصافك.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: قيل النصراباذي: ليس لك من المحبة شيء؟ فقال: صدقوا؛ ولكن لي حسراتهم، فهو ذا احترق فيه.\rوسمعته يقول: قال النصراباذي: المحبة: مجانبة السلو على كلِّ حال. ثم أنشد:\rومن كان في طول الهوى ذاق سلوةً ... فإني من ليلي لها غير ذائق\rوأكثر شيء نلته من وصالها ... أماني لم تصدق كلمحة بارق\rوقال محمد بن الفضل: المحبة: سقوط كل محبة من القلب إلا محبة الحبيب.\rوقال الجنيد: المحبة: إفراط المسيل بلا نيل.\rويقال: المحبة: تشويش في القلوب يقع من المحبوب.\rويقال:المحبة: فتنة تقع في الفؤاد من المراد.\rوأنشد ابن عطاء:\rغرست لهل الحبّ غصناً من الهوى ... ولم يك يدري ما الهوى أحدٌ قبلي\rفأورق أغصاناً، وأينع صبوة ... وأعقب لي مراً من الثمر المحلى\rكل جميع العاشقين هواهم إذا نسوه كان من ذلك الأصلي\rوقيل: الحب أوله ختل وآخره قتل.\rسمعت الأستاذ أبا علي، رحمه الله، يقول في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: \" حبّك للشيء يعمى ويُصم \" .\rفقال يعمى عن الغير غيرة وعن المحبوب هيبة، ثم أنشد:\rإذا ما بد لي تعاظمته ... فأصدر في حال من لم يرد\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أحمد بن علي يقول: سمعت إبراهيم بن فاتك يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت الحارس المحاسبي يقول: المحبة ميلك إلى الشيء بكليتك، ثم إيثارك له على نفسك وروحك وما لك، ثم موافقتك له سرَّا وجهراً، ثم علم بتقصيرك في حبِّه.\rوسمعته يقول: سمعت أحمد بن علي يقول: سمعت عباس بن عصام يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت السري يقول: لا تصلع المحبة بين اثنين حتى يقول الواحد للآخر: يا أنا.\rوقال الشبلي. المحب إذا سكت هلك، والعارف إن لم يسكت هلك.","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"وقيل: المحبة: نار في القلب تحرق ما سوى مراد المحبوب.\rوقيل:المحبة: بذل المجهود والحبيب يفعل ما يشاء.\rوقال النوري: المحبة: هتك الأستار وكشف الأسرار.\rوقال أبو يعقوب السوسي: لا تصح المحبة إلا بالخروج عن رؤية المحبة إلى رؤية المحبوب بفناء علم المحبة.\rوقال جعفر: قال الجني: دفع السريِّ إلى رقعة، وقال: هذه لك خير من سبعمائة قصة أو حديث يعلو، فإذا فيها:\rولما ادَّعيتُ الحبَّ قالت: كذبتني ... فمالي أرى الأعضاء منك كواسيا\rفما الحب حتى يلصق القلب بالحشا ... وتذبل حتى لا تجيب المناديا\rوتنحل حتى لا يبقى لك الهوى ... سوى مقلة تبكي بها وتناجيا\rوقال ابن مسروق: رأيت سمنونا يتكلم في المحبة فتكسرت قناديل المسجد كلها.\rسمعت محمد بن الحسن يقول: سمعت أحمد بن علي يقول: سمعت إبراهيم ابن فانك يقول: سمعت سمنوناً، وهو جالس في المسجد يتكلم في المحبة إذ جاء طير صغير فقرب منه، ثم قرب.. فلم يزل يدنو حتى جلس على يده.. ثم ضرب بمنقاره الأرض حتى سال منه الدم، ثم مات.\rوقال الجنيد: كل محبة كانت لغرض إذا زال الغرض زالت تلك المحبة.\rوقيل: حبس الشبليّ في المارستان فدخل عليه جماعة: فقال: من أنتم؟ قالوا: إنا محبوك يا أبا بكر، فأقبل يرميهم بالحجارة، ففروا، فقال: إن ادعيتم محبتي فاصبروا على بلائي.\rوأنشد الشبلي:\rأيها السيد الكريم ... حبك بين الحشا مقيم\rيا رافع النوم عن جفوني ... أنت بما مر بي عليم\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت النهرجوري يقول: سمعت علي بن عبيد يقول: كتب يحيى بن معاذ إلى أبي يزيد: سكرت من كثرة ما شربت من كأس محبته. فكتب إليه أبو يزيد: غيرك شرب بحور السموات والأرض وماروي بعد، ولسانه خارج ويقول: هل من مزيد.\rوأنشدوا:\rعجبت لمن يقول ذكرت إلفي ... وهل أنسى فأذكر ما نسيت\rأموت إذا ذكرتك ثم أحيا ... ولولا حسن ظني ما حييت\rفأحيا بالمني وأموت شوقاً ... فكم أحيا عليك وكم أموت\rشربت الحبّ كأساً بعد كأس ... فما نفد الشراب وما رويت\rوقيل: أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: إني إذا اطلعت علي قلب عبد فلم أجد فيه حب الدنيا والآخرة ملأته من حبي.\rورأيت بخط الأستاذ أبي علي الدقاق، رحمه الله: في بعض الكتب المنزلة \" عبدي، أنا وحقك لك محب، فبحقي كن لي محباً \" .\rوقال عبد الله بن المبارك: من أعطى شيئاً من المحبة ولم يعط مثله من الخشية فهو مخدوع.\rوقيل: المحبة: ما يمحو أترك.\rوقيل: المحبة: سُكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه.\rثم السكر الذي يحصل عند الشهود لا يوصف، وأنشدوا:\rفأسكر القومَ دَوْرُ كًأس ... وكان سكري من المدير\rوكان الأستاذ أبو علي الدقاق ينشد كثيراً:\rلي سكرتان، وللندمان واحدة ... شيءٌ خصصت به من بينهم وحدي\rوقال أبن عطاء: المحبة: إقامة العتاب على الدوام.\rوكان للأستاذ أبي عليّ جارية تسمى فيروز وكان يحبها؛ إذ كانت قد خدمته كثيراً، فسمعته يقول: كانت فيروز تؤذيني يوماً وتستطيل عليّ بلسانها، فقال لها أبو الحسن القارىء لم تؤذين هذا الشيخ؟ فقالت: لأني أحبه.\rوقال يحيى بن معاذ: مثقالُ خردلة من الحب أحب إليَّ من عبادة سبعين سنة بلا حب.\rوقيل: إن شاباً أشرف على الناس في يوم عيد وقال:\rمن مات عشقاً فليمت هكذا ... لا خير في عشق بلا موت\rوألقى نفسه من سطح عال فوقع ميتاً.\rوحكي أن بعض أهل الهند عشق جارية، فرحلت الجارية، فخرج الرجل في وداعها، فدمعت إحدى عينيه دون الأخرى، فغمض التي لم تدمع أربعاً وثمانين سنة. ولم يفتحها، عقوبة لها؛ لأنها لم تبك على فراق حبيبته، وفي معناه أنشدوا:\rبكت عيني غداة البين دمعاً ... وأخرى بالبكا بخلت علينا\rفعاقبت التي بخلت بدمع ... بأن غمضتها يوم التقينا\rوقال بعضهم: كنا عند ذي النون المصري: فتذاكرنا المحبة، فقال ذو النون: كفوا عن هذه المسألة، لا تسمعها النفوس فتدعيها. ثم أنشأ يقول:\rالخوف أولى بالمسي ... ء إذا تأله والحزن","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"والحبُّ يجمل بالتقي ... وبالنقي من الدرَنَ\rوقال يحيى بن معاذ: من نشر المحبة عند غير أهلها فهو في دعواه دعيّ.\rوقيل: ادَّعى رجل الاستهلاك في محبة شخص، فقال له الشاب: كيف هذا، وأخي أحسن مني وجهاً وأتمُّ جمالاً؟ فرفع الرجل رأسه يلتفت، وكانا على سطح فالقاه من السطح وقال: هذا أجر من يدعي هواناً وينظر إلى سوانا.\rوكان سمنون يقدم المحبة على المعرفة، والأكثرون يقدمون المعرفة على المحبة.\rوعند المحققين: المحبة: استهلاك في لذة، والمعرفة: شهود في حيرة، وفناء في هيبة.\rوقال أبو بكر الكتاني: جرت مسألة في المحبة، بمكة، أيام الموسم، فتكلم الشيوخ فيها، وكان الجنيد أصغرم سناً، فقالوا له: هات ما عندك يا عراتي، فأطرق رأسه ودمعت عيناه، ثم قال: عبدٌ ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، أحرق قلبه أنوارُ هويته، وصفا شربه منكأس وده، وانكشف له الجبار من أستار غيب؛ فإن تكلم فبالله، وإن نطق فمن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله والله ومع الله فبكر الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد، جبرك الله يا تاج العارفين.\rوقيل: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: يا داود، إني حرَّمت على القلوب أن يدخلها حبي وحب غيري فيها.\rأخبرنا حمزة بن يوسف السهمي قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن القاسم قال: حدثنا هيثم بن همام قال: أخبرنا إبراهيم بن الحارث قال: حدثني عبد الرحمن ابن عفان قال: حدثني محمد بن أيوب قال: حدثني أبو العباس خادم الفضيل ابن عياض قال: احتبس بول الفضيل، فرفع يديه وقال: اللهم بحبي لك إلا أطلقته عني، فمابرحنا حتى شفي.\rوقيل المحبة: الإيثار كامرأة العزيز لما تناهت في أمرها قالت: \" أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين \" .\rوفي الابتداء قالت: \" ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلى أن يسجن أو عذاب أليم \" ، فوركت الذنب في الابتداء عليه، وفي الانتهاء نادت على نفسها بالخيانة.\rسمعت الأستاذ أبا علي يقول ذلك.\rوحكي عن أبي سعيد الخراز أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقلت: يا رسول الله أعذرني، فإن محبة الله شغلتني عن محبتك.. فقال: يا مبارك، من أحب الله تعالى فقد أحبني.\rوقيل: قالت رابعة في مناجاتها: إلي، أتحرق بالنار قلباً يحبك؟ فهتف بها هاتف: ما كنا نفعل هكذا، فلا تظني بنا ظن السوء!! وقيل: الحب، حرفان: حاء وباء، والإشارة فيه: أن من أحب فليخرج عن روحه وبدنه.\rوكالإجماع من إطلاقات القوم: أن المحبة: هي الموافقة، وأشد الموافقات: الموافقة بالقلب، والمحبة توجب انتفاء المباينة؛ فإن المحب أبداً مع محبوبه، وبذلك ورد الخبر: \" حدَّثنا الإمام أبو بكر بن فورك، رحمه الله تعالى، قال: أخبرنا القاضي أحمد بن محمود بن حرزاذ قال: حدثنا الحسين بن حماد بن فاضلة قال: حدثنا يحيى بن حبيب قال: حدثنا مرحوم بن عبد العزيز، عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي موسى الأشعري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: \" إن الرجل ليحب القوم ولما يلحق بهم؟ فقال: المرء مع من أحب \" .\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت عبد الله الرازي يقول: سمعت أبا عثمان الحيري يقول. سمعت أبا حفص يقول: أكثر فساد الأحوال من ثلاثة، فسق العارفين، وخيانة المحبين، وكذب المريدين.\rقال أبو عثمان: فسق العارفين: إطلاق الطرف واللسان والسمع إلى أسباب الدنيا ومنافعها.\rوخيانتة المحبين: اختيار هواهم على رضا الله عزَّ وجل فيما يستقبلهم.\rوكذب المريدين: أن يكون ذكر الخلق ورؤيتهم تغلب عليهم على ذكر الله عزَّ وجلَّ.\rوسمعته يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا القاسم الجوهري يقول: سمعت أبا علي ممشاد بن سعيد العكبري يقول: رواد خطاف خطابة في قبة سلميان، عليه السلام، فامتنعت عليه، فقال لها: لِمَ تمتنعين عليّ وإن شئت قلبت القبة على سليمان!! فدعاه سليمان، عليه السلام، وقال له: ما حملك على ما قلت؟ فقال: يا نبي الله، إن العشاق لا يؤاخذون بأقوالهم! فقال: صدقت.\rباب الشوق\rقال الله عز وجلَّ: \" من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت \" .","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان الأهوازي، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري قال: أخبرنا ابن أبي قماش قال: أخبرنا إسماعيل بن زرارة، عن حماد ابن يزيد، قال: أخبرنا عطاء بن السائب، عن أبيه، قال: صلى بنا عمار بن ياسر صلاة، فأوجز فيها، فقلت: ففت أبا اليقظان!! فقال: وما عليّ من ذلك، ولقد دعوت الله بدعوات سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قام تبعه رجل من القوم فسأله عن الدعوات، فقال: \" اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحبني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني ما علمت الوفاة خيراً لي.\rاللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيماً لا ينفد، وقرّة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وبرَد العيش بعد الموت، واسألك النظر إلى وجهك الكريم، وشوقاً إلى لقائك في غير ضواء مضرة ولا فتنةُ مُضلة.\r\" اللهم زينا بزينة الإيمان.. اللهم اجعلنا هداة مهتدين \" ..\rقال الأستاذ الشوق: اهتياج القلوب إلى لقاء المحبوب، وعلى قدر المحبة يكون الشوق.\rسمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق يفرق بين الشوق والاشتياق، ويقول: الشوق يسكن باللقاء والرؤيةِ، والاشتياقُ لا يزول باللقاء. وفي معناه أنشدوا:\rما يرجع الطرف عنه عند رؤيته ... حتى يعود إليه الطرفُ مشتاقً\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت النصراباذي يقول: للخلق كلهم مقامُ الشوق، وليس لهم مقام الاشتياق. ومن دخل في حال الاشتياق هام فيه حتى لا يُرى له أثر ولا قرار.\rوقيل: جاء أحمد بن حامد الأسود إلى عبد الله بن منازل فقال: رأيت في المنام أنك تموت إلى سنة، فلو استعددت للخروج؟ فقال له عبد الله بن منازل: لقد أجلتنا إلى أمد بعيد أأعيش أنا إلى سنة!! لقد كان لي أنس بهذا البيت الذي سمعته من هذا الثقفي يغني أبا علي:\rيا من شكا شوقه من طول فرقته ... اصبر لعلك تلقى من تحب غدا\rوقال أبو عثمان: علامة الشوق: حب الموت مع الراحة.\rوقال يحيى بن معاذ: علامة الشوق: فطام الجوارح عن الشهوات.\rسمعت الأستاذ أبا عليِّ الدقاق يقول: خرج داود عليه السلام يوماً إلى بعض الصحارى منفرداً، فأوحى الله تعالى إليه: مالي أراك يا داو وحدانياً؟ فقال يا إلهي، استأثر الشوق إلى لقائك على قلبي فحال بيني وبين صحبة الخلق. فأوحى الله تعالى إليه: أرجع إليهم؛ فإنك إن أتيتني بعبد آبق أثبتُك في اللوح المحفوظ جهبذاً.\rوقيل: كانت عجوز قدَمَ بعض أقاربها من السفر فأظهر قومُها السرور، والعجوز تبكي، فقيل لها: ما يبكيك؟ فقالت: ذكرَّني قدوم هذا الفتى يوم القدوم على الله تعالى.\rوسئل ابن عطاء عن الشوق فقال: أحتراق الأحشاء وتلهب القلوب وتقطع الأكباد.\rوسئل أيضاً عن الشوق، فقيل له: الشوق أعلى أم المحبة؟ فقال: المحبة؛ لأن الشوق منها يتولد.\rوقال بعضهم: الشوق لهيب ينشأ بين أثناء الحشى، يسنح عن الفرقة، فإذا وقع اللقاء طفىء، وإذا كان الغالب على الأسرار مشاهدة المحبوب لم يطرقها الشوق.\rوقيل لبعضهم: هل تشتقا؟ فقال: لا، إنما الشوق إلى غائب، وهو حاضر.\rسمعت الأستاذ أبي علي الدقاق يقول: في قوله عزَّ وجلَّ: وعجلت إليك ربِّ لترضي قال: معناه: شوقاً إليك، فستره يلفظ الرضا.\rوسمعته رحمه الله تعالى يقول: من علامات الشوق: تمنى الموت على بساط العوافي، كيوسف عليه السلام لمَّا القى في الجب لم يقل توفي؛ ولما أدخل السجن لم يقل توفني؛ ولما دخل عليه أبواه وحرَّ له الإخوةُ سُحداً وتم له الملك والنعم قال: توفني مسلماً. وفي معناه أنشدوا:\rمن سرَّه العيد الجيد ... فقد عدمت به السرورا\rكان السرور يتمُّ لي ... لو كان أحبابي حضورا\rوقال ابن خفيف: الشوق: ارتياح القلوب بالوجد، ومحبة اللقاء بالقرب.\rوقال أبويزيد: إن لله عباداً لو حجبهم في الجنة عن رؤيته لا ستغاثوا من الجنة كما يستغيث أهل النار من النار.","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"أخبرنا محمد بن عبد الله الصوفي قال: أخبرنا أبو العباس الهاشمي بالبيضاء قال: حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي قال: حدثنا عبد الله الأنصاري قال: سمعت الحسين الأنصاري يقول: رأيت في النوم كأن القيامة قد قامت وشخص قائم تحت العرش فيقول الحق، سبحانه: يا ملائكتي، من هذا؟ فقالوا: الله أعلم فقال هذا معروف الكرخي سكر من حبي فلا يفيق بلقائي.\rوفي بعض الحكايات في مثل هذا المنام أنه قيل: هذا معروف الكرخي خرج من الدنيا مشتاقاً إلى الله، فأباح الله عز وجلَّ له النظر إليه.\rوقال فارس: قلوب المشتاقين منورة بنور الله تعالى، فإذا تحرك اشتياقهم أضاء النور ما بين السماء والأرض، فيعرضهم الله على الملائكة فيقول: عزلاً المشتاقون إلىَّ... أشهدكم أني إليهم أشوق..\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول في قوله صلى الله عليه وسلم: \" أسألك الشوق إلى لقائك \" قال:كان الشوق مائة جزء، تسعة وتسعون له، وجزء متفرق في الناس، فأراد أن يكون ذلك الجزء له أيضاً، فغار أن يكون شطية من الشوق لغيره.\rوقيل: شوق أهل القرب أتم من شوق المحجوبين؛ ولهذا قيل:\rوأبرح ما يكون الشوق يوماً ... إذا دنتِ الخيامُ من الخيام\rوقيل: إن المشتاقين يتحسون حلاوة الموت عند وروده؛ لما قد كشف لهم من رَوح اوصول أحلى من الشهد.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت جعفراً يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت السرِّي يقول: الشوق أجلّ مقام المعارف إذا تحقق فيه، وإذا تحقق في الشوق لها عن كل شيء يشغله عمن يشتاق إليه.\rوقال أبو عثمان الحيري في قوله تعالى: \" فإن أجل الله لآت \" : هذا تعزية المشتاقين، معناه: أني أعلم أن اشتياقكم إلى غالب. وأنا أجلت للقائكم أجلاً، وعن قريب يكون وصولكم إلى من تشتاقون إليه.\rوقيل: أوحى الله تعالى لداود عليه السلام: قل لشبان بني إسرائيل لم تشغلون أنفسكم بغيري وأنا مشتاق إليكم، ما هذا الجفاء!! وقيل: أوحى الله عزَّ وجلَّ إلى داود عليه السلام: لو يعلم المديرون على كيف انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقاً إليّ، وانقطعت أوصالهم من محبتي، ياداود هذه برادتي للمديرين علي، فبكيف إرادتي للمقبلين إليّ؟ وقيل: مكتوب في التوراة: شوقناكم فلم تشتاقوا، وخوفنا كم فلم تخافوا، نحنا لكم في تنوحوا.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: بكى شعيب حتى عمي، فرد الله عز وجل بصره عليه، ثم بكى حتى عمي، فرد الله عز وجل بصره عليه. ثم بكى حتى عمي، فأوحى الله تعالى إليه: إن كان هذا البكاء لأجل الجنة فقد أبحتها لك، وإن كان لأجل النار فقد أجرتك منها، فقال لا، بل شوقاً إليك. فأوحى الله إليه: لأجل ذلك أخدمتك نبي وكليمي عشر سنين.\rوقيل: من اشتاق إلى الله اشتاق إليه كل شيء.\rوفي الخبر: \" اشتاقت الجنة إلى ثلاثة: علي، وعمار، وسلمان \" .\rسمعت الأستاذ أبا علي يقول: قال بعض المشايخ: أنا أدخل السوق والأشياء تشتاق إليّ، وأنا عن جميعها حُر.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت عبد الله بن جعفر يقول: سمعت محمد بن عمر الرملي يقول: حدثنا محمد بن جعفر الإمام قال: حدثنا إسحاق ابن إبراهيم قال: حدثنا مرحوم قال: سمعت مالك بن دينار يقول: قرأت في التوراة: شوقنا كم فلم تشتاقوا، وزمَّرنا لكم فلم ترقصوا.\rسمت محمد بن عبد الله الصوفي يقول: سمعت محمد بن فرحان يقول: سمعت الجنيد، وقد سئل من أي شيء يكون بكاء المحب إذا لقي المحبوب؟ فقال: إنما يكون ذلك سروراً به، ووجداً من شدة الشوق إليه، ولقد بلغني أن أخوين تعانقا، فقال أحدهما: وأشوقاه، وقال الآخر: واوجداه!!\rباب حفظ قلوب المشايخ\rوترك الخلاف عليهم\rقال الله تعالى في قصة موسى مع الخضر، عليهما السلام: \" هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً \" .\rقا الإمام: لما أراد صحبة الخضر حفظ شرط الأدب، فاستأذن أوَّلاً في الصحبة، ثم شرط عليه الخضر أن لا يعارضه في شيء ولا يعترض عليه في حكم، ثم لما خالفه موسى عليه السلام تجاوز عنه المرة الأولى والثانية، فلما صار إلى الثالثة، والثلاثُ آخر حد القلة وأول حد الكثرة، سلمتة الفرقة؛ فقال: هذا فراق بيني وبينك.","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"أخبرنا أبو الحسين الإهوازي قال: حدثنا أحمد بن عبيد البصري قال: حدثنا أبو سالم القزاز قال: حدثنا يزيد عن بيان قال: حدثنا أبو الرجال، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ما أكرم شاب شيخاً لسنَّه إلا قبض الله تعالى له من يكرمه عند سنه \" .\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله يقول: بدء كل فُرقة المخالفهُ. يعني به: أنَّ من خالف شيخه لم يبق على طريقته وانقطعت العُلقْهُ بينهما وإن جمعتهما البقعة؛ فمن صحب شيخاً من الشيوخ ثم اعترض عليه بقلبه فقد نقض عهد الصحبة، ووجبت عليه التوبة، على أن الشيوخ قالوا: عُقوق الأستاذين لا توبة عنها.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: خرجت إلى مرو في حياة شيخي الأستاذ أبي سهل الصعلوكي، وكان له قبل خروجي أيام الجمعة بالغدوات مجلس دَوْر القرآن والختم، فوجدته عند رجوعي قد رفع ذلك المسجد، وعقد لأبي الغفاني في ذلك الوقت مجلس القول، فأدخلني من ذلك شيءٌ؛ فكنت أقول في نفسي: قد استبدل مجلس الختم بمجلس القول، فقال لي فكنت أقول في نفسي: قد استبدل مجلس الختم بمجلس القول: فقال لي يوماً: يا أبا عبد الرحمن، ما يقول الناسُ فيّ؟ فقلت: يقولون رفع مجلس القرآن ووضع مجلس القول!! فقال: من قال لأستاذهِ لِمَ؟ لا يفلح أبداً، ومن المعروف أن الجنيد قال: دخلت على السريّ يوماً، فأمرني شيئاً، فقضيت حاجته سريعاً، فلما رجعت ناولني رقعة وقال: هذا المكان قضائك لحاجتي سريعاً، فقرأت الرقعة، فإذا فيها مكتوب سمعت حادياً يحدو في البادية:\rأبكي، وهل يدريك ما يبكيني ... أبكي جداراً أن تفارقيني\rوتقطعي حبلي وتهجريني ويحكى عن أبي الحسن الهمداني العلوي قال: كنت ليلة عند جعفر الخلدي، وكنت أمرت في بيتي أن يُعَلَّق طير في التنور، وكان قلبي معه، فقال لي جعفر: أقم عندنا الليلة، فتعللت بشيء، ورجعت إلى منزلي، فأخرج الطير من التنور، ووضع بين يدي، فدخل كلب من الباب، وحمل الطير عند تغافل الحاضرين، فأتى بالجواذب الذي تحته، فتعلق به ذيل الخادمة، فانصب.. فلما أصبحتُ دخلت على جعفر، فحين وقع بصره عليّ قال: من لم يحفظ قلوب المشايخ سُلّط عليه كلب يؤذيه.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت عبد الله بن علي الطوسي يقول: سمعت أبا عبد الله الدينوري يقول: سمعت الحسن الدامغاني يقول: سمعت عمي البسطامي يحكي عن أبيه: أن شقيقاً البلخيِّ، وأبا تراب النخشبي، قدما على أبي يزيد، فقُدَّمت السفرة، وشاب يخدم أبا يزيد، فقالا له: كل معنا يا فتى. فقال: أنا صائم. فقال أبو تراب: كل ولك أجر صوم شهر. فأبى. فقال شقيق: كل ولك أجر صوم سنة. فأبى. فقال أبو يزيد: تدعُوا من سقط من عين الله تعالى!! فأخذ ذلك الشاب في السرقة بعد سنة، فقطعت يده!! سمعت الأستاذ أبا عليّ يقول: وصف سهل بن عبد الله رجلاً بالولاية خبازاً بالبصرة.. فسمع رجل من أصحاب سهل بن عبدالله ذلك، فاشتاق إليه؛ فخرج إلى البصرة، فأتى حانوت الخباز.. فرآه يخبز وقد تنقب لمحاسنه على عادة الخبازين، فقال في نفسه. لو كان هذا ولياً لم يحترق شعره بغير نقاب. ثم إنه سلم عليه وسأله شيئاً، فقال الرجل: إنك استصغرتني، فلا تنتفع بكلامي، وأبي أن يكلمه.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت عبد الرحمن الرازي أبا عثمان الحيري يصف محمد بن الفضل البلخي ويمدحه، فاشتاق إليه، فخرج إلى زيارته، فلم يقع بقلبه من محمد بن الفضل ما اعتقد، فرجع إلى أبي عثمان وسأله، فقال: كيف وجدته؟ فقال: لم أجد أحداً إلا حُرم فائدته، ارجع إليه بالحرمة. فرجع إليه عبد الله، فانتفع بزيارته.\rومن المشهور أن عمر بن عثمان المكي رأى الحسين بن منصور يكتب شيئاً، فقال. ما هذا؟ فقال: هو ذا أُعارض القرآن، فدعا عليه وهجره؛ قال الشيوخ إن ما حل به بعد طول المدة كان لدعاء ذلك الشيخ عليه.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله تعالى، يقول: لما نفى أهل بلخ محمد بن الفضل من البلد؛ دعا عليهم وقال: اللهم امنعهم الصدق. فلم يخرج من بلخ بعد صديق.","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"سمعت أحمد بن يحيى الأبيوري يقول: من رضي عنه شيخه لا يكافأ في حال حيته: لئلا يزول عن قلبه تعظيم ذلك الشيخ. فإذا مات الشيخ أظهر الله عز وجل عليه ما هو جزاء رضاه ومن تغير عليه قلبُ شيخه لا يكافأ في حال حياة ذلك الشيخ، لئلا يرقَّ له، فإنهم مجبولون على الكرم، فإذا مات ذلك الشيخ، فحينئذ يجد المكافأة بعده.\r؟باب السماع قال الله عزَّ وجلَّ: \" فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه \" .\rاللام في قوله القول تقتضي التعميم والاستغراق، والدليل عليه: أنه مدحهم باتباع الأحسن.\rوقال تعالى: \" فهم في روضة يحيرون \" ، جاء في التفسير: أنه السماع وأعلم أن سماع الأشعار بالألمان الطيبة والنغم المستلذة إذا لم يعتقد المستمع محظوراً، ولم يسمع على مذموم في الشرع، ولم ينجز في زمام هواه، ولم ينخرط في سلك لهواه، مباح في الجملة.\rولا خلاف أن الأشعار أنشدت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه سمعها ولم ينكر عليهم في إنشادها، فإذا جاز استماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان.\rهذا ظاهر من الأمر. ثم ما يوجب المستمع توفر الرغبة على الطاعات، وتذكر ما أعدّ الله تعالى لعباده المتقين من الدرجات ويحمله على التحرر من الزلات، ويؤدي إلى قلبه في اعمال صفاء الواردات مستحب في الدين ومختار في الشرع، وقد جرى على لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو قريب من الشعر، وإن لم يقصد أن يكون شعراً.\rأخبرنا: أبو الحسن علي بن أحمد ألإهوازي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار قال: حدثنا الحارث بن أبي أسلمة قال: حدثنا أبو النضر قال: حدثنا شعبة عن حميد قال: سمعت أنساً يقول: كانت الأنصار يحفرون الخندق فجعلوا يقولون:\rنحن الذين بايعوا محمداً ... على الجهاد ما بقينا أبداً\rفأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فأكرم الأنصار والمهاجرة \" وليس هذا اللفظ منه، صلى الله عليه وسلم، على وزن الشعر، لكنه قريب منه.\rوقد سمع السلف الأكابرُ الأبيات بالألحان؛ فمن قال بإباحته من السلف: مالك بن أنس: وأهل الحجاز كلهم يبيحون الغناء، وأما الحداء فإجماع منهم على إجازته.\rوقد وردت الأخبار واستفاضت الآثار في ذلك، وروي عن ابن جريج أنه كان يرخص في السماع، فقيل له: إذا أتى بك يوم القيامة، ويؤتى بحسناتك ولا في السيآت. يعني أنه من المباحات: وليس كلامنا في هذا النوع من السماع: فن هذه الطائفة جلت رتبتهم عن أن يستمعوا بلهو، أو يقعدوا للسماع بسهو، أو يكونوا بقلوبهم مفكرين في مضمون لغو. أو يستمعوا على صفة غير كفء.\rوقد روي عن أبن عمر آثار في إباحة السماع، وكذلك عن عبدالله بن جعفر ابن أبي طالب. وكذلك عن مر رضي الله عنهم أجمعين، في الحداء وغيره.\rوأنشد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم الأشعار فلم ينه عنها، وروي أنه صلى الله عليه وسلم استنشد الأشعار.\rومن المشهور الظاهر أنه دخل بيت عائشة رضي الله عنها، وفيه جاريتان تغنيان، فلم ينههما.\rأخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا محمد بن جعفر بن محمد ابن مطر قال: حدثنا الحباب بن محمد التستري قال: أخبرنا أبو الأشعث قال: حدثنا محمد بن بكر البرساني قال: حدثنا شعبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: \" أن أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، دخل عليها وعندها قينتان تغنيان بما تقاذفت به الأنصار يوم بعاث، فقال أبو بكر: مزمار الشيطان مرتين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعهما يا أبا بكر؛ فإن لكل قوم عبداً وعيدنا هذا اليوم \" .\rأخبرنا: علي بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد، قال: حدثنا عثمان بن الضي قال: حدثنا أبو كمال، قال: حدثنا أبو عوانة، عن الأجلح، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عائشة رضي الله عنها: \" أنها أنسكحت ذات قرابتها من الأنصار. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أهديتم الفتاة؟ فقالت: نعم. قال: فأرسلت من يغني؟ قالت: لا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ن النصار فيهم غزل، فلو أرسلتم من يقول: أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم \"","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"أخبرنا الأستاذ الإمام أبوبكر محمد بن الحسين بن فورك، رضي الله عنه، قال: حدثنا أحمد بن محمود بن خرزاذ قال: حدثنا الحسين بن الحارث الإهوازي قال: حدثنا سلمة بن سعيد، عن صدقة بنت أبي عمرن، قالت: حدثنا علقمة ابن مرثد، عن زاذان، عن البراءة بن عازب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" حسنوا القرآن بأصواتكم؛ فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً \" دلّ هذا الخبر على فضيلة الصوت الحسن.\rوأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان الإهوازي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا عثمان بن عمر الضبي قال: حدثنا أبو الربيع قال: حدثنا عبد السلام ابن هاشم قال: حدثنا عبدالله بن محرز، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لكل شيء حلية وحلية القرآن الصوت الحسن \" .\rأخبرنا علي بن أحمد الأهوازي، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا محمد بن يونس الكريمي يقال: حدثنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم قال: حدثنا شبيب بن بشر بن البجلي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" صوتان ملعونان: صوتُ ويل عند مصيبة، وصوت مزمار عند نغمة \" .\rمفهوم الخطاب يقتضي إباحة غير هذا في غير هذه الأحوال، وإلا بطل التخصيص.\rوالأخبارُ في هذا الباب تكثر، والزياة على هذا القدر من ذكر الروايات تخرجنا عن المقصود من الاختصار، وقد روي أن رجلاً أنشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم:\rاقبلت فلاح لها ... عارضان كالسبج\rأدبرت فقلت لها ... والفؤاد في وَهج\rهل على ويحكما ... إن عشقت من حرج\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا.\rوإن حُسن الصوت مما أنعم الله تعالى به على صاحبه من الناس: قال الله عز وجل: \" يزيد في الخلق ما يشاء \" . قيل في التفسير: من ذلك، الصوت الحسن وذم الله سبحانه الصوت الفظيع؛ فقال تعالى: \" إن أنكر الأصوات لصوت الحمير \" .\rواستلذاذ القلوب واشتياقها إلى الأصوات الطيبة واسترواحها إليها مما لا يمكن جحوده؛ فإن الطفل يسكن إلى الصوت الطيب، والجمل يقاسي تعب السير ومشقة الحمولة فيهون عليه بالحداء. قال الله تعالى: \" أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت \" .\rوحكى إسماعيل بن عالية قال: كنت أمشي مع الشافعي، رحمه الله تعالى، وقت الهاجرة فجزنا بموضع يقول فيه أحد شيئاً، فقال: مل بنا إليه، ثم قال: أيطربك هذا؟ فقلت: لا. فقال: مالك حسن!! وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ماأذن الله تعالى لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن \" .\rأخبرنا علي بن أحمد الإهوازي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا ابن ملحان قال: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب أنه قال: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا الليث عنعقيل، عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به \" .\rوقيل: إن داود عليه السلام كان يستمع لقراءته الجن والإنس والطير والوحش إذا قرأ الزبور، وكان يحمل مجلسه أربعمائة جنازة ممن قد مات ممن سمعوا قراءته.\rوقال صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري: \" لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود \" متفق عليه.\rوقال معاذ بن جبل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لو علمت أنك تسمع لحبرتَه لك تحبيراً \" .\rأخبرنا أبو حاتم السجستاني قال: أخبرنا عبد الله بن علي السراج قال: حكى أبو بكر محمد بن داود الدينوري الرقي قال: كنت في البادية، فوافيت قبيلة من قبائل العرب، وأضافني رجل منهم، فرأيت غلاماً أسود مقيداً هناك. ورأيت جمالاً قد ماتت بفناء البيت، فقال لي الغلام: أنت الليلة ضيف، وأنت على مولاي كريم، فتشفع لي؛ فإنه لا يردك.\rفقلت لصاحب البيت: لا آكل طعامك حتى تحل هذا العبد.\rفقال: هذا الغلام قد أفقرني وأتلف مالي!! فقلت: فما فعل؟","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"فقال: له صوت طيب، وكنت أعيش من ظهر هذه الجمال، فحملها أحمالاً ثقيلة، وحدا لها حتى قطعت مسيرة ثلاثة في يوم واحد، فلما حط عنها ماتت كلها، ولكن قدوهبته لك وحلَّ عنه القيد، فلما أصبحنا أحببت أن أسمع صوته، فسألته عن ذلك، فأمر الغلامَ أن يحدو على جمل كان على بئر هناك يستقي عليه، فحدا الغلام.. فهام الجمل على وجهه وقطع حباله، ولم أظن أني سمعت صوتاً أطيب منه، فوقعت لوجهي.. حتى أشار إليه بالسكوت.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد العزيز يقول: سمعت أبا عمرو الأنماطي يقول: سمعت الجنيد يقول، وقد سئل: ما بال الإنسان يكون هادئاً، فذ سمع السماع اضطرب؟ فقال: إن الله تعالى لما خاطب الذرَّ في الميثاق الأول بقوله: \" ألست بربك قالوا بلى \" استفرغت عذوبة سماع الكلام الأرواح، فلما سمعوا السماع حركهم ذكر ذلك.\rسمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق يقول: السماع حرام على العوام؛ لبقاء نفوسهم، مباح للزهاد؛ لحصول مجاهداتهم، مستحب لأصحابنا؛ لحياة قلوبهم.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر الصوفي يقول: سمعت الوجيهي يقول: سمعت أبا عليّ الروذباري يقول: كان الحارث بن أسد المحاسبي ثلاث إذا وجدن مُتسع بهنَّ، وقد فقدناها: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن الصوت مع الديانة، وحسن الإخاء مع الوفاء.\rوسئل ذو النون المصري عن الصوت الحسن، فقال: مخاطبات وإشارات أودعها أنه تعالى كلّ طيب وطيبة.\rوسئل مرة أخرى عن السماع فقال: وارد حقٌ يزعج القلوب إلى الحقِّ؛ فمن أصغى إليه بحق تحقق، ومن أصغًى إليه بنفس تزندق.\rوحكى جعفر بن نصير: عن الجنيد أنه قال: تنزل الرحمة على الفقراء في ثلاثة مواطن: عند السماع؛ فإنهم لا يسمعون إلا عن حق، ولا يقولون إلا عن وجد، وعند أكل الطعام؛ فأنهم لا يأكلون إلا عن فاقة، وعند مجاراة العلم: فإنهم لا يذكرون إلا صفات الأولياء.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت الحسين بن أحمد بن جعفر يقول سمعت أبا بكر بن ممشاد يقول: سمعت الجنيد يقول: السماع فتنة لمن طلبه. ترويح لمن صادفه.\rوحكي عن الجنيد أنه قال: السماع يحتاج إلى ثلاثة أشياء: الزمان. والمكان؛ والإخوان.\rوسئل الشبلي عن السماع فقال: ظاهره فتنة، وباطنه عبرة؛ فمن عرف الإشارة حل له استماع العبرة، وإلا فقد استدعي الفتنة، وتعرض للبلية.\rوقيل:لا يصلح السماع إلا لمن كانت له نفس ميتة وقلب حيّ؛ فنفسه ذُبحت بسيوف المجاهدة، وقلبه حي بنور الموافقة.\rوسئل أبو يعقوب النهرجوري عن السماع فقال: حال يبدي الرجوع إلى الأسرار من حيث الاحتراق.\rوقيل: السماع لطف غذاء الأرواح لأهل المعرفة.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: السماع طبع، إلا عن شَرعْ. خرق، إلا عن حق، وفتنةٌ إلا عن عبرة.\rويقال: السماع على قسمين: سماع بشرط العلم والصحو؛ فمن شرط صاحَبَه معرفةُ الأسامي والصفت، وإلا وقع في الكفر المحض. وسماع بشرط الحال؛ فمن شرط صاحبه الفناءُ عن أحوال البشرية، والتنقي من آثار الحظوظ بظهور أحكام الحقيقة.\rوحكي عن أحمد بن أبي الحراري أنه قال: سألت أبا سليمان عن السماع، فقال: من اثنين أحب إليّ من الواحد.\rوسئل أبو الحسن النوري عن الصوفي، فقال: من سمع السماع، وآثر الأسباب.\rوسئل أبو علي الروذباري عن السماع يوماً فقال: ليتنا تخلصنا منه رأسا برأس.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: من أدعى السماع ولم يسمع صوت الطيور، وصرير الباب، وتصفيق الرياح، فهو فقير مدع.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج الطوسي يقول: سمعت أبا الطيب أحمد بن مقاتل العكي يقول: قال جعفر: كان ابن زيري، من أصحاب الجنيد، شيخاً فاضلاً، فربما كان يحضر موضع سماع، فإنه استطابه فرش إزاره وجلس وقال: الصوفي في قلبه، وإن لم يستطبه قال. السماع لأرباب القلوب، ومر، وأخذ نعله.\rسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله تعالى، يقول: سمعت عبد الواحد بن بكر يقول: سمعت عبدالله بن عبد المجيد الصوفي يقول: سئل رويم عن وجوج الصوفية عند السماع فقال:","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"يشهدون المعاني التي تعزب عن غيرهم فتشير إليهم: إليّ.. إليّ.. فيتنعمون بذلك من الفرح، ثم يقطع الحجاب فيعود ذلك الفرح بكاء؛ فمنهم من يخرق ثيابه، ومنهم من يصيح، ومنهم من يبكي كل إنسان على قدره.\rسمعت محمد بن أحمد بن محمد التميمي يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت الحصري يقول في بعض كلامه: ما أعمل بسماع ينقطع إذا انقطع من يسمع منه؟ ينبغي أن يكون سماعك متصلاً غير منقطع.\rقال: وقال الحصري: ينبغي أن يكون ظمأ دائم، فكلما ازداد شربه ازداد ظمؤه.\rوجاء عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: \" فهم في روضة يخبرون \" : أنه السماع من الحور العين بأصوات شهية: \" نحن الخالدات، فلا نموت أبداً، نحن الناعمات، فلا نبؤس أبداً \" .\rوقيل: السماع نداء، والوجد قصد.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: قلوب أهل الحق قلوب حاضرة، وأسماعهم أسماع مفتوحة.\rوسمعته يقول: سمعت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي يقول: المستمع بين استتار وتجلٍ، فالاستتار يوجب التلهيب، والتجلي يورث الترويح؛ والاستتار يتولد منه حركات المريدين، وهو محل الضعف والعجز، والتجلي يتولد منه سكون الواصلين، وهو محل الاستقامة والتمكين، وذلك صفة الحضرة ليس فيها إلا الذبول تحت موارد الهيبة، قال الله تعالى: \" فلما حضروه قالوا أنصتوا \" .\rوقال أبو عثمان الحيري: السماع على ثلاثة أوجه: فوجه منها للمريدين والمبتدئين يستدعون بذلك الأحوال الشريفةويُخشى عليهم في ذلك الفتنة والمرأءاة.\rوالثاني: للصادقين يطلبون الزيادة في أحوالهم ويستمعون من ذلكما يوافق أوقاتهم.\rوالثالث: لأهل الاستقامة من العارفين، فهؤلاء لا يختارون على الله تعالى فيما يرد على قلوبهم من الحركة والسكون.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا الفرج الشيرازي يقول: سمعت ابا علي الروذباري يقول: قال أبو سعيد الخراز: من أدعى أنه مغلوب عن الفهم يعني في السماع، وأنّ الحركات مالكة له، فعلامته تحسين المجلس الذي هو فيه يوجده.\rقال الشيخ أبو عبد الرحمن: فذكرت هذه الحكاية لأبي عثمان المغربي فقال: هذا أدناه، وعلامته الصحيحة: أن لا يبقى في المجلس محق إلا أنسَ به، ولا يبقى فيه مبطل إلا استوحش منه.\rوقال بندار بن الحسين: السماع علي ثلاثة أوجه: منهم من يسمع بالطبع، ومنهم من يسمع بالحال، ومنهم من يسمع بالحق.\rالذي يسمع بالطبع يشترك فيه الخاص والعام؛ فإن جبلة البشرية استلذاذ الصوت الطيب.\rوالذي يسمع بالحال فهو يتأمل ما يردُ عليه من ذكر عتاب أو خطاب أو وصل أو هجر أو قرب أو بعد، أو تأسف علي فائت أو تعطش إلى أتٍ، أو وفاء بعهد أو تصديق لوعد أو نقض لعهد، أو ذكر قلق أو اشتياق أو خوف فراق أو فرح وصالٍ، أو حذَر انفصال أو ما جرى مجراه.\rوأما من يسمع بحق فيسمع بالله تعالى، والله، ولا يتصف بهذه الأحوال التي هي ممزوجة بالحظوظ البشرية فإنها مبقاة مع العلل فيسمعون من حيثُ صفاء التوحيد يحق لا يحظ.\rوقيل: أهل السماع على ثلاث طبقات: أبناء الحقائق يرجعون في سماعهم إلى مخاطبة لحق سبحانه لهم؛ وضرب يخاطبون الله تعالى بقلوبهم بمعاني ما يسمعون، فهم مطالبون بالصدق فيما يشيرون به إلى الله: وقالت: هو فقير مجرّد قطع العلاقات من الدنيا والآفات، سمعون بطيبة قلوبهم، وهؤلاء أقربهم إلى السلامة.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا علي الروذباري، وقد سئل عن السماع، فقال: مكاشفة الأسرار إلى مشاهدة المحبوب.\rوقال الحواص، وقد سئل: ما بال الإنسان يتحرك عند سماع غير القرآن، ولا يجد ذلك من سماع القرآن؟ فقال: لأن سماع القرآن صدمة لا يمكن لأحد أن يتحرك فيه لشدة غلبته، وسماع القول ترويح فيترحك فيه.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الرازي يقول: سمعت الجنيد يقول: إذا رأيت المريد يُحب السماع فاعلم أن فيه بقية من البطالة.\rوسمعته يقول: سمعت أبا عبد الله البغدادي يقول: سمعت أبا سعيد الرملي يقول: قال سهل بن عبد الله السماع علم أستأثر الله تعالى به لا يعلمه إلا هو.\rوحكي أحمد بن مقاتل العكي قال: لما دخل ذو النون المصري بغداد اجتمع إليه الصوفية، ومعهم قوَّال، فاستأذنوه أن يقول بين يديه شيئاً فأذن، فأبتدأ يقول:","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"صغيرُ هواك عذبني ... فكيف به إذا احتنكا\rوأنت جمعتِ من قلبي ... هَوى قد كان مشتركا\rأماترثي لمكتئب ... إذا ضحك الخفي بكا\rقال: فقام ذو النون وسقط على وجهه والدم يقطر من جبينه ولا يسقط على الأرض، ثم قام رجل من القوم يتواحد، فقال له ذو النون: الذي يراك حين تقوم.. فجلس الرجل.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول في هذه الحكاة: كان ذو النون صاحب إشراف علي ذلك الرجل: حيث نبهه أن ذلك ليس مقامه، وكان ذلك الرجل صاحب إنصاف؛ حيث قبل ذلك منه، فرجع فقعد.\rسمعت محمد بن أحمد بن محمد التميمي يقول: سمعت عبد الله بن علي الصوفي يقول: سمعت الرقيّ يقول: سمعت ابن الجلاء يقول: كان بالمغرب شيخان لهما أصحاب وتلامذة، يقال لأحدهما جبلة وللثاني رزيق فزار رزيق يوماً جبلة في أصحابه، فقرأ رجل من أصحاب رزيق شيئاً، فصاح واحد من أصحاب جبلة ومات. فلما أصبحوا قال جبلة لرزيق: أين الذي قرأ بالأمس؟ فليقرأ.. فقرأ آية، فصاح جبلة صيحة، فمات القارىء، فقال جبلة: واحد بواح والبادي أظلم.\rوسئل إبراهيم المارستاني عن الحركة عندالسماع فقال: بلغني أن موسى عليه السلام قص في بني إسرائيل، فمزق واحد منهم قميصه، فأوحى الله تعالى إليه: قل له مزِّق لي قلبك ولا تمزِق ثيابك.\rوسئل أبو علي المغازلي الشبلي فقال: ربما يطرق سمعي آية من كتاب الله عز وجلّ فتحدوني على ترك الأشياء والإعراض عن الدنيا، ثم أرجع إلى أحوالي وإلى الناس.\rفقال الشبلي:ما أجتذبك إليه فهو عطف منه عليك، ولطف، وما رُدِدت إلى نفسك فهو شفقة منه عليه، لأنه لم يصح لك التبري من الحول والقوة في التوجه إليه.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: سمعت أحمد بن مقاتل العكي يقول: كنت مع الشبلي في مسجد ليلة من شهر رمضان وهو يصلي خلق إمام له وأنا بجنبه، فقرأ الإمام: \" ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك \" . فزعق زعقة قلت: طابت روحه وهوي رتعد ويقول: بمثل هذا يخاطب الأحباب!! ويردد ذلك كثيراً.\rوحكي عن الجنيد أنه قال: دخلت على السري يوماً فرأيت عنده رجلاً مغشياً عليه، فقلت: ماله؟ فقال: سمع آية من كتاب الله تعالى. فقلت: تُقرآ عليه ثانياً، فقُرىء، فأفاق، فقال لي: من أين علمت هذا؟ فقلت: إن قميص يوسف ذهبت بسببه عينُ يعقوب عليهما السلام ثم به عاد بصره فاستحسن مني ذلك.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: سمعت عبد الواحد بن علوان يقول: كان شاب يصحب الجنيد فكان إذا سمع شيئاً من الذكر يزعق، فقال له الجنيد يوماً: إن فعلت ذلك مرّة أخرى لم تصحبني!! فكان إذا سمع شيئاً يتغير ويضبط نفسه، حتى كان يقطرُ كل شعرة من بدنه بقطرةٍ، فيوماً من الأيام صاح صيحة تلفت بها نفسه.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: حكى لي بعض إخواني عن أبي الحسين الدرّاج قال: قصدت يوسف بن الحسين الرازي من بغداد، فلما دخلت الريّ سألت عن منزله، فكلّ من أسأل عنه يقول لي: ما تفعل بذلك الزنديق؟! فضيقوا صدري، حتى عزمت على الانصراف، فبت تلك الليلة في مسجد، ثم قلت: جئتُ هذه البلدة، فلا أقلّ من زيارته؛ فلم أزل أسأل عنه حتى وقت إلى مسجده وهو قاعد في المحراب، وبين يديه رَحل، وعليه مصحف يقرأ فيه، وإذا هو شيخ بهي، حسن الوجه واللحية، فدنوت منه وسلمت عليه، فرد السلام وقال: من أين؟ فقلت: من بغداد، قصدت زيارة الشيخ. فقال: لو أن في بعض البلدان قال لك إنسان: أقم عندي حتى أشتري لك داراً أو جارية، أكان يمنعك عن زيارتي؟ فقلت: يا سيدي، ما أمتحنني الله تعالى بشيء من ذلك!! ولو كان لا أدري كيف كنت أكون؟ فقال: تحسن أن تقول شيئاً؟ فقلت: نعم، وقلت:\rرأيتُك تبني دائباً في قطيعتي ... ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني\rفأطبق المصحف، ولم يزل يبكي حتى ابتلت لحيتُه وثوبه، حتى رحمتُه من كثرة بكائه؛ ثم قال لي: يا بني: لا تلمُ أهل الريّ على قولهم يوسف بن الحسين زنديق ومن وقت الصلاة و ذا أقرأ فلم تقطر من عيني قطرة، وقد قامت عليَّ القيامة بهذا البيت.","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"سمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفي يقول: سمعت عبد الله بن علي الطوسي يقول: سمعت الرقي يقول: سمعت الدراج يقول كنت أنا وابن القوطي مارين على الدجلة بين البصرة والأبلة، وإذا نحن بقصر حسنٍ، له منظر وعليه رحل وبين يديه جارية تغني وتقول:\rفي سبيل الله ود ... كان مني لك يبذل\rكلَّ يوم تتلون ... غير هذا بك أجمل\rوإذا شاب تحت المنظرة بيده ركوة، وعليه مرقعة يسمع فقال: يا جارية، بحياة مولاك أعيدي: كل يوم تنلون غير هذا بك أجمل فأعادته.\rفقال الشاب: قولي. فأعادت فقال الفقير: هذا والله تلوني مع الحق، وشهق شقة خرجت روحه. فقال صاحب القصر للجارية: أنت حرّضة لوجه الله تعالى، وخرج أهل البصرة، وفرغوا من دفنه والصلاة عليه، فقام صاحب القصر، وقال: أليس تعرفوني؟؟ وأرتدي برداء، وتصرق بالقصر، ومر؟ فلم يُر له بعد ذلك وجد، ولا سمع له أثر.\rسمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفي يقول سمعت عبد الله بن علي الطوسي يقول: سمعت يحيى بن الرضا العلوي قال: سمعت أبو سلمان الدمشقي طوافاً ينادي: يا سسعتر بري فسقط مغشياً عليه، فلما افاق، سئل، فقال: حسبته يقول: اسمع ترَ برّي.\rوسمع عتبة الغلام رجلاً يقول: سبحان ربِّ السماء؛ إن المحب لقي عناء فقال عتبة،: صدقت؛ وسمع رجل آخر ذلك القول، فقال: كذبت فكل واحد سمع من حيث هو.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: سمع أبا الحسن علي بن محمد الصوفي يقول: سمعت رويماً وقد سئل عن المشايخ، الذين لقيهم في السماع، فقال: كالقطيع إذا وقع فيه الذئب.\rوحكي عن أبي سعيد الخراز قال: رأيت علي بن المرفق في السماع يقول: أقيموني، فاقاموه، فقام، وتواجد، ثم قال: أنا الشيخ الزفان.\rوقيل: قام الرقيُّ ليلة إلى الصباح، يقوم. ويسقط على هذا البيت، والناس قيام يبكون، والبيت:\rبالله فأردد فؤاد مكتئب ... ليس له من حبيبة خلف\rسمعت محمد بن أحمد التميمي يقول: سمعت عبد الله بن علي الصوفي يقول: سمعت علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بالبصرة يقول: سمعت أبي يقول: خدمت سهل بن عبد الله سنين كثيرة، فما رأيته تغير عند سماع شيء كان يسمعه من الذكر والقرآن وغيره، فلما كان في آخر عمره قُرىء بين يديه \" فاليوم لا يؤخذ منكم فدية \" رأيته تغير، وارتعد، وكاد يسقط، فلما رجع إلى حال صحوه سألته عن ذلك، فقال يا حبيبي ضعفنا.\rوحكى ابن سالم قال: رأيته مرَّة أخرى قرىء بين يديه الملك يومئذ الحق للرحمن فتغير وكاد يسقط، فقلت له في ذلك، فقال: ضعفتُ وهذه صفة الأكابر لا يرد عليه وارد وإن كان قوياً إلا وهو أقوى منه.\rسمعت ألشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: دخلت على أبي عثمان المغربي وواحد يستقي الماء من البئر على بكرة فقال: يا أبا عبد الرحمن، أتدري ما تقول البكرة؟ فقلت: لا، فقال: تقول الله. الله.\rسمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول: سمعت علي بن طاهر يقول: سمعت عبد الله بن سهل يقول: سمعت رويماً يقول: روي عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنه سمع صوت ناقوس فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: لا، قال: إنه يقول: سبحن الله، حقاً، إن المولى صمدٌ يبقي.\rسمعت محمد بن أحمد التميمي يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت أحمد بن علي الكرخي الوجيهي يقول: كان جماعة من الصوفية متجمعين في بيت الحسن القزاز، ومعهم قوالون يقولون ويتواجدون، فأشرف عليهم ممشاد الدينوري؛ فسكتوا، فقال: أرجعوا إلى ما كنتم فيه، فلو جمع ملاهي الدنيا في أذني ما شغل همي ولا شفي بعض ما بي.\rوبهذا الإسناد عن الوجيهي قال: سمعت أبا علي الروذباري يقول: بلغنا في هذا الأمر إلى مكان مثل حد السيف إن قلنا كذا ففي النار.\rوقال خبر النساج: قص موسى بن عمران، صلوات الله عليه، على قوم قصة، فرزعق واحد منهم، فانتهره موسى، فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى، بطيبي فاحوا، وبحبي باحوا، وبوجودي صاحوا، فلم تنكر على عبادي؟! وقيل: سمع الشبلي قائلاً يقول: الخيارُ عشرةٌ بدنق فصاح وقال: إذا كان الخيار عشرة بدانق فكيف الشرار؟! وقيل: إذا تغنت الحور العين في الجنة توردت الأشجار.\rوقيل: كان عون بن عبد الله يأمر جارية له حسنة الصوت فتغنى بصوت حزين حتى تبكي القوم.","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"وسئل أبو سليمان الداراني عن السماع، فقال: كل قلب يريد الصوت ألحسن فهو ضعيف يداوي كما يداوي الصبي إذا أريد أن ينام، ثم قال أبو سليما: إن الصوت الحسن لا يُدخل في القلب شيئاً، وإنما يحرك من القلب ما فيه. قال أبن أبي الحواري: صدق والله أبو سليمان.\rوقال الجريري: كونوا ربانيين، أي سماعين من الله، قائلين بالله.\rوسئل بعضهم عن السماع فقال: بروق تلمع ثم تخمد، وأنوار تبدوا ثم تخفى، ما أحلاها لو بقيت مع صاحبها طرفة عين، ثم أنشأ يقول:\rخطرة في السر منه خطرت ... خطرة البرق ابتدي ثم اضمحل\rأي زور لك لو قصداً سري ... وملمِ بك لو حقاً فعل\rوقيل: السماع فيه نصيب لكل عضو؛ فما يقع إلى العين تبكي، وما يقع إلى لسان يصيح، وما يقع على اليد تمزق الثياب وتلطم، وما يقع إلى الرجل ترقص.\rوقيل: مات بعض ملوك العجم، وخلف ابناً صغيراً، فأرادوا أن يبايعوه قالوا: كيف نصل إلى معرفة عقله وذكائه؟!.. ثم توافقوا على أن يأتوا بقوال، فلما قال زال شيئاً ضحك الرضيع، فقبلوا الأرض بين يديه وبايعوه.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: اجتمع أبو عمرو بن نجيد، والنصراباذي، الطبقة في موضع؛ فقال النصراباذي: أنا أقول إذا اجتمع القوم فواحد يقول شيئاً ويسكت الباقون خير من أن يغتابوا أحداً.\rفقال أبو عمرو: لأن تغتاب أنت ثلاثين سنة أنجى لك من أن تظهر في السماع ما لستَ به.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق. رحمه الله، يقول: الناس في السماع ثلاثة: متسمع؛ ومتسمع؛ وسامع؛ فالمتسمع يسمع بوقت؛ والمستمع يسمع بحال: والسامع يسمع بحق.\rوسألت الأستاذ أبا علي الدقاق: رحمه الله تعالى، غير مرة. شبه طلب رخصة في السماع، فكان يحيلني على ما يوجب الإمساك عنه، ثم بعد طول المعاودة قال: إن المشايخ قالوا: ما جمع قلبك إلى الله قلبك إلى الله سبحانه وتعالى فلا بأس به.\rأخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد ألأهوازي قال: أخبرنا أ؛مد بن عبيد البصري قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا يحيى بن يعلي الرازي قال: حدثنا حفص بن عمر العمري قال: حدثنا أبو عمر وعثمانبن بدر قال: حدثنا هارون ابن حمزة عن الغدافري قال: حدثنا أبو عمر وعثمان بن بدر قال: حدثناهارون ابن حمزة عن الغدافري، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: أوحى الله سبحانه إلى موسى عليه السلام: إني جعلت فيك عشرة آلاف سمع حتى سمعت كلامي، وعشرة آلاف لسان حتى أحببتني، وأحبُّ ما تكون إلي وأقربه إذا أكثرت الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم.\rوقيل: رأى بعضهم النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: الغلط في هذا أكثر؛ يعنى به: السماع.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا بكر النهاوندي يقول: سمعت عليا السائح يقول: سمعت أبا الحارث الأولاسي يقول: رأيت أبليس، لعنه الله، في المنام علي بعض سطوح أولاس وأنا على سطح، وعلى يمينه جماة، وعلى يساره جماعة، وعليهم ثياب نظاف، فقال لطائفة منهم: قالوا.. فقالوا، وغنوا، فاستفزعني طيبه، حتى همست أن أطرح نفسي من السطح.\rثم قال: ارقصوا، فرقصوا أطيب ما يكون..\rثم قال لي: يا أبا الحارث، ما أصبتُشيئاً أدل به عليكم إلا هذا.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: اجتمعت ليلة من الشبلي، رحمه الله، فقال القوال، شيئاً، فصاح الشبلي، وتواجد قاعداً فقيل له: يا أبا بكر، مالك من بين الجماعة قاعداً؟! فقام وتواجد، وقال:\rلي سَكْرَتان، وللندمانِ واحدةٌ ... شيء خُصِصْتُ به من بينهم وحدي\rوسمعته يقول: سمعت منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: جزت بقصر، فرأيت شاباً حسن الوجه مطروحاً، وحوله خلص، فسألت عنه، فقالوا: إنه جاز بهذا القصر وفيه جارية تغنى:\rكبُرَت همَّة عبد ... طمعت في أن تراكا\rأو ما حسب لعينٍ ... أن ترى من قد رآكا\rفشهق شهقة ومات.\rباب كرامات الأولياء\rقال الأستاذ أبو القاسم: ظهورُ الكرامات على الأولياء جائز.","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"والدليل على جوازه أنه أمر موهومٌ حدوثه في العقل لا يؤدي حصوله إلى رفع أصل من الأصول، فواجبٌ وصفه، سبحانه، بالقدرة على إيجاده، وإذا وجب كونه مقدوراً لله، سبحانه، فلا شيء يمنع جواز حصوله.\rوظهور الكرامات علامة صدق من ظهرت عليه في أحواله، فمن لم يكن صادقاً فظهور مثلها عليه لا يجوز. والذي يدل عليه أن تعريف القديم سبحانه إيانا، حتى نفرق بين من كان صادقاً في أحواله، وبين من هو مبطل من طريق الاستدلال أمر موهوم، ولا يكون ذلك إلا باختصاص الولي بما لايوجد مع المفتري في دعواه، وذلك الأمر هو الكرامة التي أشرنا إليها.\rولابد أن تكون هذه الكرامة فعلاً ناقضاً للعادة في أيام التكليف، ظاهراً على موصوف بالولاية في معنى تصديقه في حاله.\rوتكلم الناس في الفرق بين الكرامات وبين المعجزات من أهل الحق؛ فكان الإمام أبو إسحاق الإسفرايني، رحمه الله، يقول: المعجزات دلالات صدق الأنبياء، ودليل النبوة لا يوجد مع غير النبي، كما أن العقل المحكم لما كان دليلاً لعالم في كونه عالماً لم يوجد ممن لا يكون عالماً.\rوكان يقول: الأولياء لهم كرامات شبه إجابة الدعاء، فأما جنس ما هو معجزة للأنبياء فلا.\rوأما الإمام أبو بكر بن فورك، رحمه الله، فكان يقول: المعجزات: بدلالات الصدق، ثم إن ادعي صاحبها النبوة فالمعجزات تدل على صدقه في مقالته، وإن أشار صاحبها إلى الولاية دلت المعجزة علي صدقه في حلته، فتسمى كرامة ولا تسمى معجزة وإن كانت من جنس المعجزات للفرق.\rوكان رحمه الله يقول: من الفرق بين المعجزات والكرامات: أن الأنبياء عليهم السلام مأمورون بإظهارها والوليّ يجب عليه سترها وإخفاؤها، والنبي صلى الله عليه وسلم يدعى ذلك ويقطع القول به، والولي لا يدعيها ولا يُقطع بكرامته، لجواز أن يكون ذلك مكراً.\rوقال أوحد فنه في وقته القاضي أبو بكر الأشعري، رضي الله عنه: إن المعجزات تختص بالأنبياء، والكرامات تكون للأولياء كما تكون للأنبياء ولا تكون للأولياء معجزة، لأن من شرط المعجزة اقتران دعوة النبوة بها، والمعجزة لم تكن معجزة لعينها، وإنما كانت معجزة لحصولها على أوصاف كثيرة، فمتى اختل شرط من تلك الشرائط، لا تكون معجزة. وأحد تلك الشرائط: دعوة النبوة، والولي لا يدعي النبوة، فالذي يظهر عليه لا يكون معجزة..\rوهذا القول الذي نعتمده ونقول به، بل ندين به.\rفشرائط المعجزات، كلها أو أكثرها، توجد في الكرامة إلا هذا الشرط للواحد. والكرامة فِعْل لا محالة محدث، لأن ما كان قديماً لم يكن له اختصاص بأحد، وهو ناقض للعادة، وتحصل في زمان التكليف وتظهر على عبد تخصيصاً له وتفضيلاً. وقد تحصل باختياره ودعائه، وقد لا تحصل له، وقد تكون بغير اختياره في بعض الأوقات، ولم يؤمر الوليّ بدعاء الخلق إلى نفسه ولو أظهر شيئاً من ذلك على من يكون أهلاً له لجاز.\rواختلف أهل الحق في الولي: هل يجوز أني علم أنه ولي؟ أم لا؟ فكان الإمام أبو بكر بن فورك رحمه الله يقول: لا يجوز ذلك: لأنه بسلبه الخوف ويوجب له الأمن.\rوكان الأستاذ أبو علي الدقاق رحمه الله يقول بجوازه.\rوهو الذي يؤثره ونقول به.\rوليس ذلك بواجب في جميع الأولياء حتى يكون كلُّ وليًّ يعلم أنه وليَّ واجباً، ولكن يجوز أن يعلم بعضهم كما يجوز أن لا يعلمه بعضهم. فإذا علم بعضهم أنه ولي كانت معرفته تلك كرامة له انفرد بها.\rوليس كل كرامة لوليّ يجب أن تكون تلك بعينها لجميع الأولياء. بل لو لم يكن للولي كرامة ظاهرة عليه في النيا لم يقدح عدمها في كونه وليا. بخلاف الأنبياء فإنه يجب أن تكون لهم معجزات؛ لأن النبي مبعوث إلى الخلق فبالناس حاجة إلى معرفة صدقه؛ ولا يعرف إلا بالمعجزة.\rوبعكس ذلك حال الولي؛ لأنه ليس بواجب على الخلق، ولا على الولي أيضاً، العلم بأنه وليّ.\rوالعشرة من الصحابة صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبرهم به أنهم من أهل الجنة.\rوقول من قال لا يجوز ذلك لأنه يخرجهم من الخوف فلابأس أن يخافوا تغيير العقابة، والذي يجدونه في قلوبهم من الهيبة والتعظيم والإجلال للحق سبحانه، يزيد ويربوعلى كثير من الخوف.","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"وأعلم أنه ليس للولي مساكنة إلى الكرامة التي تظهر عليه، ولا له ملاحظة. وربما يكون لهم في ظهور جنسها قوة يقين وزيادة بصيرة لتحققهم أن ذلك فعل الله، فيستدلون بها على صحة ما هم عليه من العقائد.\rوبالجملة، فالقول بجواز ظهورها على الأولياء واجب، وعليه جمهور أهل المعرفة، ولكثرة ما تواتر بأجناسها الأخبار والحكايات صار العلم بكونها وظهورها على الأولياء في الجملة علماً قوياً أنتفى عنه الشكرك. ومن توسط هذا الطائفة وتواتر عليه حكاياتهم وأخبارهم لمتبق له شبهة في ذلك على الجملة. ومن دلائل هذه الجملة: نص القرآن في قصة صاحب سليمان عليه السلام. حيث قال \" أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك \" ولم يكن نبياً.\rوالأثر: عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، صحيح أنه قال: يا سارية الجبل في حال خطبته يوم الجمعة، وتبليغ صوت عمر إلى سارية في ذلك الوقت حتى تحرز من مكامن العدو من الجبل في تلك الساعة.\rفإن قيل: كيف يجوز إظهار هذه الكرامات الزائدة في المعاني على معجزات الرسل؟ وهل يجوز تفضيل الأولياء على الأنبياء عليهم السلام؟ قيل: هذه الكرامات لاحقة بمعجزات نبينا صلى الله عليه وسلم؛ لأنكل من له بصادق في الإسلام لا تظهر عليه الكرامة. وكل نبي ظهرت كرامته على واحد من أمته فهي معدودة من جملة معجزاته؛ إذ لو لم يكن ذلك الرسول صادقاً لم تظهر على يد من تابعه الكرامة. فأما رتبة الأولياء فلا تبلغ ربتةَ الأنبياء عليهم السلام: للإجماع المنعقد على ذلك.\rوهذا أبو يزيد البسطامي سئل عن هذه المسألة فقال: مثل ما حصل للأنبياء عليهم السلام كمثل زِق فيه عسل ترشح منه قطرة، فتلك القطرةُ مثل ما لجميع الأولياء، وما في الظرف مثل لنبينا صلى الله عليه وسلم.\rالكرامات\rقد تكون إجابة دعوة، وقد تكون إظهار طعام في أوان فاقة من غير سبب ظهار، أو حصول ماء في زمان عطش، أو تسهيل قطع مسافة في مدة قريبة، أو تخليصاً من عدو، أو سماع خطاب من هاتف، أو غير ذلك من فنون الأفعال الناقضة للعادة.\rوأعلم أن كثيراً من المقدورات يعلم اليوم قطعاً أنه لايجوز أن يظهر كرامة للأولياء؛ وبضرورة أو شبه ضرورة يعلم ذلك، فمنها حصول إنسان لا من أبوين، وقلبَ جمادٍ بهيمة أو حيواناً، وأمثال هذا كثير.\rفصل فإن قيل\rالولي\rقيل: يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون فغيلاً مبالغة من الفاعل؛ كالعليم، والقدير غيره، فيكون معناه: من توالت طاعاته من غير تخلل معصية.\rويجوز أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول، كقتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح، وهو الذي يتولى الحقّ، سبحانه، حفظه وحراسته على الإدامة والتوالي، فلا يخلق له الخذلان الذي هو قدرة العصيان، وإنما يديم توفيقه الذي هو قدرة الطاعة، قال الله تعالى: \" وهو يتولى الصالحين \" .\rفصل فإن قيل: هل يكون الولي معصوماً قيل: أما وجوباً، كما يقال في الأنبياء فلا. وأما أن يكون محفوظاً حتى لا يصر على الذنوب إن حصلت هنات أو آفات أو زلات، فلا يمتنع ذلك في وصفهم.\rولقد قيل للجنيد: العارف يزني يا أبا القاسم؟ فاطرق ملياً، ثم رفع رأسه وقال: \" وكان أمر الله قدراً مقدرواً \" .\rفصل فإن قيل: هل يسقط الخوف عن الأولياء قيل: أما الغالب على الأكابر فكان الخوف، وذلك الذي قلنا فيما تقدم على جهة الندرة غير ممتنع، وهذا السري السقطي يقول: لو أن واحداً دل بستاناً فيه أشجار كثيرة وعلى كل شجرة طير يقول له بلسان فصيح: السلام عليك يا ولي الله. فلو لم يخف أنه مكرٌ لكان ممكوراً وأمثال هذا من حكاياتهم كثيرة.\rفصل فإن قيل: رؤية الله سبحانه هل تجوز رؤية الله سبحانه على جهة الكرامة بالأبصار اليوم في الدنيا على جهة الكرامة؟ فالجواب عنه: أن الأقوى فيه أنه لا يجوز؛ لحصول الإجماع عليه، ولقد سمعت الإمام أبا بكر بن فورك، رضي الله عنه، يحكى عن أبي الحسن الأشعري أنه قال في ذلك قولين في كتاب الرؤية الكبير.\rفصل فإن قيل: تغير حال الولي هل يجوز أن يكون ولياً في الحال ثم تتغير عاقبته قيل: مَن جعل مَن شرط الولاية حُسن الموافاة لا يجوز ذلك.","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"ومن قال: إنه في الحال مؤمن على الحقيقة وإن جاز أن يتغير حاله بعد لا يبعد أن يكون ولياً في الحال صديقاً، ثم يتغير، وهو الذي نختاره.\rويجوز أن يكون من جملة كرامات الوليّ أن يعلم أنه مأمون العاقبة، وأنه لا تتغير عاقبته، فتلتحق هذه المسألة بما ذكرنا أن الولي يجوز أن يعلم أنه ولي.\rفصل فإن قيل: هل يزايل الولي خوف المكر قيل: إن كان مصطلماً عن شاهده، مختطفاً عن إحساسه بحالة فهو مستهلك عنه فيما استولى عليه، والخوف من صفات الحاضرين بهم.\rفصل فإن قيل: ما الغالب على الولي في صحره قيل: صدقه في لأداء حقوقه، سبحانه، ثم رفقه على الخلق في جميع أحواله. ثم انبساط رحمته لكافة الخلق. ثم دوام تحمله عنهم بجميل الخلق. وابتدائه لطلب الإحسان من الله عزّ وجلّ إليهم من غير التماس منهم. وتعليق الهمة بنجاة الخلق، وترك الانتقام منهم، والتوقي عن استشمار حقد عليهم مع قصر اليد عن أموالهم، وترك الطمع بكل وجه فيهم، وقبض اللسان عن بسطه بالسوء فيهم، والتصاون عن شهود مساو بهم، ولا يكون خصماً لأحد في الدنيا ولا في الآخرة.\rواعلم أنَّ من أجلّ الكرامات التي تكون للأولياء: دوام التوفيق للطاعات، والعصمة عن المعاصي والمخالفات، ومما يشهد من القرآن على إظهار الكرامات على الأولياء قوله، سبحانه، في صفة مريم عليها السلام ولم تكن نبياً ولا رسولا: \" كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا \" . وكان يقول: \" أنى لك هذا؟ \" فتقول مريم: \" هو من عند الله \" . وقوله سبحانه: \" وهزّي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا \" وكان في غير أوان الرطب، وكذلك قصة أصحاب الكهف والأعاجيب التي ظهرت عليهم من كلام الكلب معهم وغير ذلك، ومن قصة ذي القرنين وتمكينه سبحانه له ما لم يمكن لغيره، ومن ذلك ما أظهر على يدي الخضر عليه السلام من إقامة الجدار وغيره من الأعاجيب، ومن كان يعرفه مما خفي على موسى عليه السلام. كلُّ ذلك أمور ناقضة للعادة اختصَّ الخضر عليه السلام بها، ولم يكن نبياً، وإنما كان ولياً.\rومما روي من الأخبار في هذا الباب حديث جريج الراهب؛ أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفرايني قال: أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إبراهيم بن إسحاق قال: حدّثنا عمار بن رجاء قال: حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا أبي قال: سمعت محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو عوانة: وحدَّثني الصنعانيُّ، وأبو أمية قالا: حدثنا عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصبي في زمن جريج، وصبي آخر؛ فأما عيسى فقد عرفتموه. وأما جريج فكان رجلا عابداً في بني إسرائيل. وكانت له أمٌّ. فكان يوماً يصلي إذا اشتاقت إليه أمه. فقالت: يا جريج. فقال: يا رب، الصلاة خير أم آتيها؟ ثم صلى. فدعته، فقال مثل ذلك. ثم صلى. فاشتدّ على أمه. فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات. وكانت زانية في بني إسرائيل، فقالت لهم: أنا أفتن جريجاً حتى يزني؛ فأتته، فلم تقدر على شيء. وكان راع يأوي بالليل إلى أصل صومعته، فلما أعياها راودت الراعي على نفسها؛ فأتاها، فولدت، ثم قالت: ولدي هذا جريج. فأتاه بنو إسرائيل، وكسروا صومعته، وشتموه، ثم صلى ودعا، ثم نخس الغلام.\rقال محمد قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين قال بيده: يا غلام من أبوك؟ فقال: الراعي؛ فندموا على ما كان منهم، واعتذروا إليه، وقالوا: نبني صومعتك من ذهب - أو قال: من فضة - فأبى عليهم، وبناها كما كانت..\rوأما الصبي الآخر فإن امرأة كان معها صبي لها ترضعه، إذ مرَّ بها شاب جميل الوجه، ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فقال الصبي: اللهم لا تجعلني مثله..\rقال محمد: قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يحكي الغلام وهو يرضع ثم مرت بها أيضاً امرأة ذكروا أنها سرقت، وزنت، وعوقبت، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذا!! فقال: اللهم اجعلني مثلها...\rفقالت له أمه في ذلك، فقال: إن الشابّ جبار من الجبابرة، وإن هذه المرأة قيل: إنها زنت ولم تزن، وقيل: سرقت ولم تسرق، وهي تقول: حسبي الله \" .\rوهذا الخبر روي في الصحيح، ومن ذلك حديث الغار، وهو مشهور مذكور في الصحاح.","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفرايني قال: حدثنا أبو عوانة يعقوب بن إبراهيم بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن عون، وزيد بن عبد الصمد الدمشقي، وعبد الكريم بن الهيثم الديرعاقولي، وأبو الخصيب بن المستنير المصيصي قالوا: حدثنا أبو اليمان قال: حدثنا شعيب عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم، فآواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدّت عليهم الغار. فقالوا: إنه والله كان من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم؛ فقال رجل منهم: إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلها أهلاً ولا مالاً، فعاقني طلب الشجرة يوماً، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما، فجئتهما به.. فوجدتهما نائمين.. فتحرجت أن أوقظهما، وكرهت أن أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فقمت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهم حتى برق الفجر، فاستيقظا، فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقال الآخر: اللهم إنه كان لي بنت عمْ، وكانت أحبُّ الناس إليّ، فراودتها عن نفسها، فامتنعت، حتى ألمت بها سنةٌ من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أ، تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت.. حتى إذا قدرت عليها، قالت: لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقّه!! فتحرجت من الوقوع عليها.. فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليّ.. وتركتُ الذهب الذي أعطيتها: اللهم، إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، حين أنه لا يستطيعون الخروج منها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم قال الثالث: للهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجورهم، غير رجل واحد منهم ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله، أدّ إليّ أجرتي، فقلت له. كلّش ما ترى من أجرتك من الإبل والغنم والبقر والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزيء بي!! فقتل: إني لا استهزىء بك، فأخذ ذلك كله فاستاقه، ولم يترك منه شيئاً. \" اللهم فن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.. فانفرجت الصخرة. فخرجوا من الغار يمشون \" .\rومن ذلك الحديث الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه إن البقرة كملتهم: أخبرنا أبو نعيم الإسفرايني قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يوسن بن يزيد، عن ابن شهاب قال: حدثني سعيد بن المسبب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها.. التفتت البقرة وقالت: إني لم أخلق لهذا؛ إنما خلقت للحرث! فقال الناس: سبحان الله!! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر \" .\rومن ذلك حديث أويس القرني، وما شهد به عمر بن الخطاب رضي الله عنه من حاله وقصته، ثم التقاؤه مع هرم بن حيان، وتسليم أحدهما على صاحبه من غير معرفة تقدمت بينهما، وكل ذلك أ؛وال ناقضة للعادة. وتركنا شرح حديث أويس لشهرته.\rولقد ظهر علي السلق من الصحابة والتابعين، ثم على من بعدهم من الكرامات ما بلغ حد الاستفاضة.\rوقد صًنفق في ذلك كتب كثيرة وسنشير إلى طرف منها على وجه الإيجاز، إن شاء الله عز وجل، فمن ذلك: أن ابن عمر كان في بعض الأسفار فلقي جماعة وقفرا على الطريق من خوف السبع، فطردَ السبعَ من طريقهم، ثم قال: إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه، ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء. وهذا خبر معروف.\rوروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة، فحال بينهم وبين الموضع قطعة من البحر، فدعا الله باسمه الأعظم ومشوا على الماء.\rوروي ان عتاب بن بشير، وأسيد بن خضير خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأضاء لهما رأس عصا أحد كالسراج.\rوروي أنه كان بين يدي سلمان وأبي الدرداء قصعة.. فسبحت حتى سمعا التسبيح.\rوروي أ، النبي صلة الله عليه وسلم قال: \" كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره \" .\rولم يفرق بين شيء وشيء فيما يقسم به على الله سبحانه.\rوهذه الأخبار لشهرتها أضربنا عن ذكر أساتيذها.","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"وحكي عن سهل بن عبد الله أنه قال: \" من زهد في الدنيا أربعين يوماً صادفاً من قلبه مخلصاً في ذلك ظهرت ل الكرامات، ومن لم تظهر له، فلعدم الصدق في زهده \" . فقيل لسهل: كيف تظهر له الكرامة؟ فقال: يأخذ ما يشاء كما يشاء من حيث يشاء.\rأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال: حدثناأحمد بن عبيد الصفار قال: حدثنا أبو مسلم قال: حدثنا عمرو بن مرزوق قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون قال: حدثنا وهب بن كيسان، عن ابن عمر، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" بينا رجل ذكر كلمة إذ سمع رعداً في السحاب. فسمع صوتاً في الحاب: أن أسق حديقة فلان، فجاء ذلك السحاب إلى سرحة فافرع ماءه فيها، فاتبع السحاب. فإذا رجل قائم يصلي في حديقة. فقال: ما اسمك؟ فقال: فلان بن فلان باسمه. قال: فما تصنع بحديقتك هذه إذ صرمتها؟ قال: ولم تسأل عن ذلك؟ قال: إني سمعت صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان. قال: أما إذ قلت فإني أجعلها أثلاثاً. فأجعل لنفسي ولأهلي ثلثاً وأرد عليها ثلثا. واجعل للمساكين وابن السبيل ثلثاً \" .\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: دخلنا تستر فرأينا في قصر سهل بن عبد الله بيتاً كان الناس يسمونه بيت السباع فسألنا الناس عن ذلك. فقالوا: كان السباع تجيء إلى سهل، فكان يدخلهم هذا البيت، ويضيفهم، ويطعمهم اللحم، ثم يخليهم.\rقال أبو نصر: ورأيت أهل تستر كلهم تفقين على هذا لا ينكرونه وهم الجمع الكثير.\rسمعت محمد بن أحمد بن محمد التميمي يقول: سمعت عبد الله بن علي الصوفي يقول: سمعت حمزة بن عبد الل العلوي يقول: دخلت على أبي الخير التيناتي، وكنت أعتقد في نفسي أن أسلم عليه وأخرج ولا آكل عنده طعاماً، فلما خرجت من عنده ومشيت قدراً فإذا به خلفي، وقد حمل طبقاً عليه طعام، فقال: يا فتي. كل هذا؛ فقد خرجتَ الساعة من اعتقادك.\rوأبو الخير التيناتي مشهرو بالكرامات.\rوحكي عن إبراهيم الرقي أنه قال: قصدته مسلماً عليه، فصلى صلاة المغرب فلم يقرأ الفاتحة مستوياً. فقلت في نفسي: ضاعت سفرتي، فلما سلمت خرجت للطهارة فقصدني السبع، قعدت إليه وقلت: إن الأسد قصدني!! فخرج وصاح على الأسد وقال: ألم أقل لك لا تتعرض لضيافتي؟؟ وتنحى وتطهرت. فلما رجعت قال: اشتغلتم بتقويم الظواهر فخفتم الأسد، واشتغلنا بتقويم القلب فخافنا الأسد.\rوقيل: كان لجعفر الخلدي فصفوقع يوماً في دجلةوكان عنده دعاء مجرَّب للضالة ترد فدعا به؛ فوجد الفصّ في وسط أوراق كان يتفحصها.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: إن ذلك الدعاء: \" ياجامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع على ضالتي \" .\rقال أبو نصر السرَّاج: أراني أبو الطيب العكي جزءاً ذكر فيه من ذكر هذا الدعاء على ضالة وجدها، وكان الجزء أوراقاً كثيرة.\rسألت أحمد الطابراني السرخسي، رحمه الله، فقلت له: هل ظهر لك شيء منالكرامات؟ فقال: في وقت إرادتي وابتداء أمري ربما كنت أطلب حجراً أستنجي به فلم أجد، فتناولت شيئاً من الهواء فكان جوهراً، فاستنجيت به وطرحته.\rثم قال: وأيّ خطر للكرامات؟! إنما المقصود منه: زيادة اليقين في التوحيد، فمن لا يشهد غيره موجداَ في الكون فسواء أبصر نعلا معتاداً، أو ناقصاً للعادة.\rسمعت محمد بن أحمد الصوفي يقول:سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت أبا الحسن البصري يقول: كان ب عبادان رجل أسود فقير يأوي إلى الخرابات، فحملت معي شيئاً وطلبته، فلما وقعت عينه عليَّ تبسم، وأشار بيده إلى الأرض، فرأيت الأرض كلها ذهباً يلمع، ثم قال: هات ما معك، فناولته، وهالني أمره، وهربت.\rسمعت منصور المغربي يقول: سمعت أحمد بن عطاء الروذباري يقول: كان لي استقصاء في أمر الطهارة، فضاق صري ليلة، لكثرة ماصبب من الماء، ولم يسكن قلبي، فقلت: يا ربّ عفوك، فسمعت هاتفاً يقول: العفو في العلم، فزال عني ذلك.\rسمعت منصوراً المغربي يقول: فرأيته يوماً قعد على الأرض في الصحراء وكان عليها آثار الغنم بلا سجادة، فقلت: أيها الشيخ هذه آثار الغنم!! فقال: اختلف الفقهاء فيه.","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السرّاج يقول: سمعت الحسين بن أحمد الرازيَّ يقول: سمعت أبا سليمان الخواص يقول: كنت راكباً حماراً يوماً، وكان الذباب يؤذيه، فيطأطىء رأسه، فكنت أضرب رأسه بخشبة في يدي، فرفع الحمار رأسه وقال: اضرب، فإنك على رأسك هوذا تضرب.\rقال الحسين: فقلت لأبي سليمان لك وقع هذا؟ فقال: نعم كما تسمعني.\rوذكر عن ابن عطاء أنه قال: سمعت أبا الحسين النوري يقول: كان في نفسي شيء من هذه الكرامات، فأخذت قصبة من الصبيان وقمت بين زورقين، ثم قلت: وعزّتك إن لم تخرج لي سمكة فيها ثلاثة أرطال لأغرقنّ نفسي. قال: فخرج لي سمكة فيها ثلاثة أرطال.\rفبلغ ذلك الجنيد فقال: كان حكمه أن تخرج له أفعى تلدغه.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا الفتح يوسف بن عمر الزاهد القواس ببغداد يقول: حدثنا محمد بن عطية قال: حدثنا عبد الكبير بن أحمد بمكة، فطال شعري ولم يكن معي قطعة من حديد آخذ بها شعري، فتقدمت إلى مزين توسمت فيه الخير، فقلت: تأخذ شعري لله تعالى؟ فقال: نعم، وكرامة، وكان بين يديه رجل من أبناء الدنيا فصرفه وأجلسني، وحلق شعري، ثم دفع إليّ قرطاساً فيه دراهم وقال لي: استعن بها على بعض حوائجك، فأخذتها واعتقد أن أدفع إليه أوَّل شيء يفتح عليّ به.\rقال: فدخلت المسجد، فاستقبلني بعض أصحابي وقال لي: جاء بعض إخوانك بصرة من البصرة من بعض إخوانك فيها ثلاثمائة دينار.\rوقال: فأخذت الصرة وحملتها إلى المزين وقلت: هذه ثلاثمائة دينار تصرفها في بعض أمورك. فقال لي: ألا تستحي يا شيخ!! تقول لي احلق شعري لله، ثم آخذ عليه شيئاً.. انصرف عافاك الله.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: سمعت بن سالم يقول: لما مات إسحق بن أحمد دخل عليه سهل بن عبد الله صومعته فوجد فيها سفطاً فيه قارورتان في واحدة منهما شيء أحمر، وفي الأخرى شيء أبيض،ووجد شوشقة ذهب، وشوشقة فضة، قال: فرمى بالشوشقتين في الدجلة؛ وخلط ما في القارورتين بالتراب، وكان على إسحاق دين قال ابن سالم: قلت لسهل: ماذا كان في القارورتين؟ قال: أحداهما لو طرح منها وزن درهم على مثاقيل من النحاس صار ذهباً، والأخرى لو طرح منها مثقال على مثاقيل من الرصاص صار فضة، فقلت: وماذا عليه لو قضي منه دينه؟ فقال: أي دوست خاف على إيمانه.\rوحكي عن النوري أنه خرج ليلة إلى شط دجلة فوجدها وقد النزق الشيطان، فانصرف وقال: وعزتك لا أجوزها إلا في زروق.\rسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السرَّاج يقول: أملي علينا الوجيهي حكاية عن محمد بن يوسف البناء قال:كان أبو تراب النخشبي صاحب كرامات، فسافرت معه سنة، وكان معه أربعون نفساً: ثم أصابتنا مرة فاقة، فعدل أبو تراب عن الطريق، وجاء بعذق موز فتناولنا، وفينا شاب لم يأكل فقال له أبو تراب: كل.\rفقال: الحال الذي اعتقدته تركُ المعلومات، وصرت أنت معلومي، فلا أصحبك بعد هذا!! فقال له أبوتراب: كن مع ما وقع لك.\rوحكى أبو نصر السراج عن أبي يزيد قال: دخل عليَّ أبو علي السندي وكان أستاذ وبيده جراب، فصبها فإذا هي جواهر، فقلت: من أين لك هذا؟ فقال: وافيت وادياً ها هنا، فإذا هو يضيء كالسراج، فحملت هذا.\rفقلت: فكيف كان وقتلك الذي وردت فيه الوادي؟ فقال: وقت فترة عن الحال التي كنت فيها.\rوقيل لأبي يزيد: فلان يمشي في ليلة إلى مكة! فقال: الشيطان يمشي في ساعة من المشرق إلى المغرب في لعنة الله.\rوقيل له فلان يمشي على الماء، ويطير في الهواء.\rفقال: الطير يطير في الهواء، والسمك يمر على وجه الماء.\rوقال سهل بن عبد الله: أكبر الكرامات أن تُبدل خُلقاً مذموماً من أخلاقك.\rسمعت محمد بن أحمد بن محمد التميمي يقول: سمعت عبد الله بن علي الصوفي يقول: سمعت ابن سالم يقول: سمعت أبي يقول: كان رجل يقال له عبد الرحمن بن أنس يصحب سهل بن عبد الله، فقال له يوماً: ربما أتوضأ للصلاة فيسيل الماء بين يدي قضبان ذهب وفضة.\rفقال سهل: أما علمت أن الصبيان إذابكوا يعطون خشخشة ليشتغلوا بها؟؟ سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول أخبرني جعفر بن محمد قال: حدثني الجنيد قال:","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"دخلت على السري يوماً فقال لي: عصفور كان يجيء في كل يوم فأفت له الخبز، فيأكل من يدي، فنزل وقتاً من الأوقات فلم يسقط علي يدي، فتذكرت في نفسي: ماذا يكون السبب؟ فذكرت أني أكلت ملحاً بأبزار، فقلت في نفسي: لا آكل بعدها، وأنا تائب منه؛ فسقط على يدي وأكل.\rوحكى أبو عمرو الأنماطي قال: كنت مع أستاذي في البادية، فأخذنا المطر، فدخلنا مسجداً نستكن فيه، وكان السقف يفك، فصعدنا السطح، ومعنا خشبة نريد إصلاح السقف، فقصر الخشب عن الجدار، فقال لي أستاذي: مدها، فمددتها.. فركبت الحائظ من هاهنا ومن هاهنا.\rسمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول: سمعت محمد بن أحمد النجار يقول: سمعت الرقي يقول: سمعت أبا بكر الدقاق يقول: كنت ماراً في تيه بني إسرائيل فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين للشريعة، فهتف بي هاتف من تحت شجرة: كل حقيقة لا تتبعها الشريعة فهي كفر.\rوقال بعضهم: كنت عند خير النساج، فجاءه رجل وقال: أيها الشيخ رأيتك أمس وقد بعت العزل بدرهمين، فجئت خلفك، فحللتهما من طرف إزارك، وقد صارت يدي منقبضة على الدرهمين في كفي، قال: فضحك خير وأومأ بيده إلى يدي ففتحها، ثم قال: امض واشتر بهما لعيالك شيئاً، ولا تعد لمثله..\rوحكي عن أحمد بن محمد السلمي قال: دخلت على ذي النون المصري يوماً، فرأيت بين يديه طشتاً من ذهب، وحوله الندّ، والعنبر يسجر، فقال لي: أنت ممن يخل على الملوك في حال بسطهم؟ ثم أعطاني درهما، فانفقت منه إلى بلخ.\rوحي عن أبي سعيد الخراز قال: كنت في بعض أسفاري، وكان يظهر لي كل ثلاثة أيام شيء، فكنت آكله، وأستقل به، فمضى عليَّ ثلاثة أيام وقتاً من الأوقات ولم يظهر شيء فضعفت!! وجلست، فهتف بي هاتف. أينما أحب إليك: سبب، أو قوة؟ فقلت: القوة. فقمت من وقتي، ومشيت أثني عشر يوماً لم أذق فيهما شئياً، ولم أضعُف.\rوعن المرتعش قال: سمعت الخواص يقول: تهت في البادية أياماً، فجاءني شخص وسلم عليّ، وقال لي: تهت!1 فقلت له: نعم، فقال: ألا أدلك على الطريق؟ ومشى بين يدي خطوات، ثم غاب عن عيني، وإذا أنا على الجادة، فبعد ذلك ما تهت ولا أصابني في سفر جوع ولا عطش.\rسمعت محمد بن عبد الله الصوفي، يقول: سمعت عمر بن يحيى الأردبيلي يقول: سمعت الرقي يقول: سمعت أبن الجلاء يقول لي: لما مات أبي ضحك على المغتسل؛ فلم يجسر أحد يغسله، وقالوا: إنه حي، حي جاء واحد من أقرانه وغسله.\rسمعت محمد بن أحمد التميمي يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت طلحة القصائري يقول: سمعت المنيحي صاحب سهل بن عبد الله يقول: كان سهل يصبر عن الطعام سبعين يوماً، وكان إذا أكل ضعف، وإذا جاع قوي.\rوكان أبو عبيد البسريّ إذا كان أول شهر رمضان يدخل بيتاً، ويقول لامرأته:طبني على الباب، وألقي إليّ كل ليلة من الكوة رغيفاً، فإذا كان يوم العيد فتح الباب ودخلت امرأته البيت فإذا بثلاثين رغيفاً في زاوية البيت، فلا أكل ولا شرب، ولا نام، ولا فاتته ركعة من الصلاة.\rوقال أبو الحارث الأولاشي: مكثت ثلاثين سنة ما يسمع لساني إلا من بصري، ثم تغيرت الحال؛ فمكثت ثلاثين سنة لا يسمع سري إلا من ربي.\rحدينا محمد بن عبد الله الصوفي قال: حدثنا أبو الحسين غلام شعوانة قال: سمعت علي بن سالم يقول: كان سهل بن عبد الله أصابته زمانة في آخر عمره، فكان إذا حضر وقت الصلاة انتشرت يداه ورجلاه، فإذا فرغ من الفرض عاد إلى حال الزمانة.\rوحكي عن أبي عمران الواسطي قال: انكسرت السفينة وبقيت أنا وامرأتي على لوح، وقد ولدت في تلك الحالة صبية، فصاحت بي وقالت لي: يقتلني العطش!! فقلت: هو ذا يرى حالنا؛ فرفعت رأسي، فإذا رجل في الهواء وفي يده سلسلة من ذهب وفيها كوز من ياقوت أحمر، وقال: هاك اشربا. قال: فأخذت الكوز وشربنا منه فإذا هو أطيب من المسك وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل. فقلت: من أنت رحمك الله؟ فقال: عبد لمولاك، فقلت: بِمَ وصلت إلى هذا؟ فقال: تركت هواي لمرضاته فأجلسني في الهواء. ثم غاب عني ولم أره.\rأخبرنا محمد بن عبد الله الصوفي قال: حدثنا بكران بن أحمد الجيلي قال: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت ذا النون المصري يقول: رأيت شاباً عند الكعبة يكثر الركوع والسجود فدنوت منه، وقلت؛ إنك تكثر الصلاة!! فقال: أنتظر الأذن من ربي في الانصراف.","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"قال: فرأيت رقعة سقطت عليه، مكتوب فيها: \" من العزيز الغفور إلى عبدي الصادق: انصرف مغفوراً لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر \" .\rوقال بعضهم: كنت بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في مسجده مع جماعة نتجارى الآيات، ورجل ضرير بالقرب منا يسمع، فتقدم إلينا، وقال: أنست بكلامكم؛ اعلموا أنه كان لي صبية وعيال، وكنت أخرج إلى البقيع اختطب، فخرجت يوماً. فرأيت شاباً عليه قميص كتان ونعله في إصبعه، فتوهمت أنه تائه. فقصدته أسلب ثوبه: فقلت له: إنزع ما عليك. فقال: تسر في حفظ الله. فقلت الثانية والثالثة. فقال لابد؟ فقلت: لابد!! فأشار من بعيد بأصبعه إلى عيني فسقطنا. فقلت: بالله عليك. من أنت؟ فقال: إبراهيم الخواص.\rوقال ذو النون المصري: كنت وقتاً في السفينة فسرقت قطيفة. فاتهموا بها رجلاً. فقلت: دعوه حتى أرفق به. وإذا الشاب نائم في عباءة: فأخرج رأسه من العباءة فقال له: ذو النون في ذلك المعنى. فقال: أليَ تقول ذلك؟! أقسمت عليك يا رب أن لا تدع واحداً من الحيتان إلا جاء بجوهرة. قال: فرأينا وجه الماء حيتاناً في أفواههم الجواهر، ثم ألقى الفتى نفسه في البحر ومر إلى الساحل.\rوحي عن إبراهيم الخواص قال: دخلت البادية مرة فرأيت نصرانياً على وسطه زنار فسألني الصحبة فمشينا سبعة أيام فقال لي: يا راهب الحنيفية هات ما عندك من الانبساط فقد جعنا إلهي لا تفضحني مع هذا الكافر. فرأيت طبقاً عليه خبز وشِوَاء ورطب وكوز ماء. فأكلنا وشربنا ومشينا سبعة أيام ثم بادرت وقلت: يا راهب النصارى. هات مع عندك. فقد انتهت النوبة إليك. فاتكأ على عصاه. ودعا. فإذا بطبقين عليهما أضعاف ما كان على طبقي. قال: فتحيرت، وتغيرت. وأبيت أن آكل. فألح عليَّ فلم أجبه. فقال: كل؛ فإني أبشرك ببشارتين إحداهما: أني أشهد أن لا إله إلى الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. وحلَّ الزُنار. والأخرى: أني قلت: اللهم إن كان هذا العبد خطر عند فافتح عليّ بهذا؛ ففتح. فأكلنا ومشينا وحجَّ. وأقمنا بمكة سنة ثم إنه مات ودفت بالبطحاء.\rوقال محمد بن المبارك الصوري: كنت مع إبراهيم بن أدهم في طريق بيت المقدس فنزلنا وقت القيلولة تحت شجرة رمان، فصلينا ركعات، فسمعت صوتاً من أصل الرمان: ياأبا إسحق أكرمنا بأن نأكل منا شيئاً، فطأطأ إبراهيم رأسه، فقال ثلاث مرات. ثم قال: يا محمد كن شفيعاً إليه؛ ليتناول منا شيئاً فقلت: يا أبا اسحق، لقد سمعت. فقام وأخذ رمانتين، فأكل واحدة وناولني الأخرة فأكلتها وهي حامضة، وكانت شجرة قصيرة، فلما رجعنامررنا بها فإذا هي شجرة عالية ورمانها حلو. وهي تثمر في كل عام مرتين. وسموها رمانة العابدين ويأوي إلى ظلها العابدون.\rسمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول: سمعت محمد بن الفرحان يقول:سمعت الجنيد يقول: سمعت أبا جعفر الخصاف يقول: حدثني جابر الرحبي قال: أكثر أهلُ الرحبة عليَّ الإنكار في باب الكرامات، فركبت السبع يوماً ودخلت الرحبة، وقلت: أين الذين يكذبون أولياء الله؟ قال: فكفوا بعد ذلك عني.\rسمعت منصوراً المغربي يقول: رأى بعضهم الخضر عليه السلام، فقال له: هل رأيت فوقك أحداً؟ فقال: نعم، كان عبد الرزاق بن همام يروي الأحاديث بالمدينة، والناس حوله يستمعون..\rفرأيت شاباً بالعبد منهم رأسه على ركبتيه. فقلت له: يا هذا عبد الرزاق يروي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.فلم لا تسمع منه؟ فقال: إنه يروي عن ميت، وأنا لست بغائب عن الله؟ فقلت: إن كنت كما تقول، فمن أنا؟! فرفع رأسه وقال: أنت أخي أبو العباس الخضر، فعلمت أن لله عباداً لم أعرفهم.\rوقيل: كان لإبراهيم بن أدهم صاحب يقال له يحيى يتعبد في غرفة ليس إليها سُلم ولا دَرَج، فكان إذا أراد أن يتطهر، يجيىء إلى باب الغرفة ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. ويمر في الهواء كأنه طير، ثم يتطهر، فإذا فرغ يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله ويعود إلى غرفته.\rأخبرنا محمد بن عبد الله الصوفي قال: سمعت عمر بن محمد بن أحمد الشيرازي بالبصرة قال: سمعت أبا محمد جعفر الحذاء بشيراز قال: كنت أتأدب بأبي عمر الاصطخري، فكان إذا خطر لي خاطر أخرجُ إلى اصطخر فربما أجابني عما احتاج إليه من غير أن أسأله، وربما سألته فأجابني ثم شغلت عن الذهاب فكان إذا خطر على سرِّي مسألة أجابني من اصطخر، فيخاطبني بما يَردُ عليَّ.","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"وحكي عن بعضهم قال: مات فقير في بيت مظلم، فلما اردنا غسله تكلفنا طلب سراج، فوقع من كوة ضوء.. فأضاء البيت، فغسلناه، فلما فرغنا ذهب الضوء كأنه لم يكن.\rوعن آدم بن أبي إياس قال: كنا بعسقلان، وشاب يغشانا ويجالسنا. ويتحدث معنا؛ فإذا فرغنا قام إلى الصلاة يصلي، قال: فودعنا يوماً وقال: أريد الإسكندرية. فخرجت معه، وناولته دريهمات، فأبى أن يأخذها. فالححت عليه فألقى كفاً من الرمل في ركوته. واستقى من ماء البحر. وقال: كله!! فنظرت فإذا هو سويق بسكر كثير فقال، من كان حالهمعه مثل هذا يحتاج إلى دراهمك؟! ثم أنشأ يقول:\rبحق الهوى يا أهل ودي تفهموا ... لسانَ وجوي بالوجود غريب\rحرام على قلب تعرّض للهوى ... يكونُ لغير الحق فيه نصيب\rولغيره:\rليس في القلب والفؤاد جميعاً ... موضعٌ فارغ يراه الحبيب\rهو سُؤلي ومُنيتي وسروري ... وبه ما حييت عيشي يطيب\rوإذا ما السقام حل بقلبي ... لم أجد غيره لقسمي طبيب\rجاءني يهودي يتقاضى عليَّ في دين كان له عليَّ. وأنا قاعد عند الأتون أوقد تحت الاجر. فقال لي اليهودي: يا إبراهيم. أرني آية أسلم عليها..\rفقلت له: تفعل؟! فقال: نعم. فقلت: إنزع ثوبك. فنزع، فلففته، ولففت على ثوبه ثوبي، وطرحته في النار، ثم دخلت الأتون وأخرجت الثوب من وسط النار وخرجت من الباب الآخر، فإذا ثيابي بحالها لم يصيبها شيء، وثيابُه في وسطها صارت حراقة، فأسلم اليهودي.\rوقيل: كان حبيب العجمي يُرى بالبصرة يوم الترويه، ويوم عرفة بعرفات سمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول: سمعت أحمد بن محمد بن عبد الله الفرغاني يقول: تزوج عباس بن المهتدي امرأة، فلما كانت ليلة الدخول وقع عليه ندامة، فلما أراد الدنوَّ منهازُجر عنها، فامتنع من وطئها، وخرج.. فبعد ثلاثة أيام ظهر لها زوج!! قال الأستاذ الإمام: هذا هو الكرامة على الحقيقة؛ حيث حفظ عليه العلم.\rوقيل: كان الفضيل بن عياض على جبل من جبل منى، فقال: لو أن ولياً من أولياء الله تعالى أمر هذا الجبل أن يميد لماد، قال: فتحرك الجبل. فقال: أسكن، لم أردك بهذا!! فسكن الجبل.\rوقال عبد الواحد بن زيد لأبي عاصم البصري: كيف صنعت حين طلبك الحجاج؟ قال: كنت في غرفتي فدقوا على الباب، فدخلوا، فدفعت بي دفعة، فإذاأنا على جبل أبي قبيس بمكة، فقال له عبد الواحد: من أين كنت تأكل؟ قال: كانت تصعد إلى عجوز كل وقت إفطاري بالرغيفين اللذين كنت آكلهما بالبصرة.\rفقال عبد الواحد: تلك الدنيا أمرها الله تعالى أن تخدم أبا عاصم.\rوقيل: كان عامر بن عبد قيس يأخذ عطاءه ولا يستقبله أحد إلا أعطاه شيئاً، فكان إذا أتى منزله رمى إليه بالدراهم، فتكون بمقدار ما أخذه لم ينقص شيئاً.\rسمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول: سمعت أبا أحمد الكبير يقول: سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول: يقول: سمعت أبا عمرو الزجاجي يقول: دخلت على الجنيد، وكنت أريد أن أخرج إلى الحج، فأعطاني درهماً صحيحاً، فشددته على مئزري، فلم أدخل منزلاً إلا وجدت فيه رفقاء، ولم أحتج إلى الدرهم؛ فلما حججت، ورجعت إلى بغداد دخلت على الجنيد. فمدَّ يده وقال: هات، فناولته الدرهم، فقال: كيف كان؟ فقلت: كان الختم نافذاً.\rوحكي عن أبي جعفر الأعور قال: كنت عند ذي النون المصري، فتذاكرنا حديث طاعة الأشياء للأولياء، فقال ذو النون. من الطاعة أن أقول لهذا السرير يدور في أربع زوايا البيت، ثم يرع إلى مكانه فيفعل، قال فدار السرير في أربع زوايا البيت وعاد إلى مكانه. وكان هناك شاب فأخذ يبكي حتى مات في الوقت.\rوقيل: إن واصلاً الأحدب قرأ: وفي السماء رزقكم وما توعدون. فقال: رزقي في السماء وأناأطلبه في الأرض؟ والله لا طلبته أبداً!! فدخل خربة ومكث يومين فلم يظهر له شيء. فاشتد عليه، فلما كان اليوم الثالث إذا بدوخلة من رطب، وكان له أخ أحسن منه نية، فصار معه، فإذن: قد صار دوخلتين فلم يزل ذلك حالهما حتى فرق بينهما الموت.\rوقال بعضهم: أشرفت على إبراهيم بن إبراهيم، وهو في بستان يحفظه، وقد أخذه النوم، وإذا حية في فيها طاقة نرجس تروِّحه بها.","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"وقيل: كان جماعة من أيوب السجستاني في السفر فأعياهم طلب الماء، فقال أيوب: أتسترون عليّ ما عشت؟ فقالوا: نعم، فدور دائرة فنبع الماء، فشربنا فقال: فلما دخلنا البصرة أخبر به حماد بن زيد، فقال عبد الواحد بن زيد شهدتُ معه ذلك اليوم.\rوقال بكر بن عبد الرحمن: كنا مع ذي النون المصري في البادية، فنزلنا تحت شجرت من أم غيلان فقلنا: ما أطيب هذا الموضع لو كان فيه رطب؛ فتبسم ذو النون وقال أتشتهون الرطب؟ وحرّك الشجرة وقال: أقسمت عليك بالذي ابتدأك وخلقك شجرت إلا نثرتِ علينا رطباً جنياً.. ثم حرّكها، فنثرت رطباً جنياً. فأكلنا وشعبنا. ثم نمنا فانتبهنا وحركنا الشجرة فنثرت علينا شوكاً.\rوحكي عن أبي القاسم بن مروان النهاوندي قال: كنت أنا وأبو بكر الوراق مع أبي سعيد الخراز نمشي على ساحل البحر نحو صيدا فرآى شخصاً من بعدي، فقال: اجلسوا. لايخلوا هذا الشخص أن يكون ولياً من أولياء الله. قال: فما لبثنا أن جاء شاب حسن الوجه. وبيده رِكوة ومحبرة وعلين مرقعة. فالتفت أبو سعيد إليه منكراً عليه لحمله المحبرة مع الركوة فقال له: يا فتى، كيف الطرق إلى الله تعالى؟ فقال: ياأبا سعيد، أعرف إلى الله طريقين: طريقاً خاصاً، وطريقاً عاماً، فأما الطريق العام فالذي أنت عليه.وأما الطريق الخاص: فهلم، ثم مشى على الماء حتى غاب عن أعيننا. فبقي أبو سعيد حيران مما رآى!! وقال الجنيد: جئت مسجد الشونزية فرأيت فيه جماعة من الفقراء يتكلمون في الآيات فقال فقير منهم: أعرف رجلا لو قال لهذه الأسطوانة كوني ذهبا نصفك، ونصفك فضةً كانت.. قال الجنيد: فنظرت. فإذا الأسطوانة نصفها ذهب ونصفها فضة.\rقيا: حج سفيان الثوري مع شيبان الراعي، فعرض لهما سبع، فقال سفيان لشيبان: أما ترى هذا السبع؟ فقال: لا تّخف. فأخذ شيبان أذنه فعركها... فبصبص وحرَّك ذنبه.. فقال سفيان: ما هذه الشهرة؟! فقال: لو لا مخافة الشهرة لما وضعت زادي إلا على ظهره حتى آتي مكة!! وحكي أن السري لما ترك التجارة كانت أخته تنفق عليه من ثمن غزلها. فأبطأت يوماً، فقال لها السري: لم أبطأت؟! فقالت: لأن غزلي لم يشتر، وذكروا أنه مخلط. فامتنع السري عن طعامها ثم إن أخته دخلت عليه يوماً فرأت عنده عجوزاً تكنس بيته، وتحمل إليه كل يوم رغيفين فحزنت أخته وشكت من أكل طعامها قيض الله لي الدنيا لتنفق علي وتخدمني.\rأخبرنا محمد بن عبد الله الصوفي قال: حدثنا علي بن هارون قال: حدثنا علي ابن أبي التميمي قال: حدثنا جعفر بن القاسم الخواص قال: حدثنا أحمد بن محمد الطوسي قال: حدثنا محمد بن منصور الطوسي قال: كنت عند أبي محفوظ معروف الكرخي، فدعا لي؛ فرجعت إليه من الغد وفي وجهه أثر، فقالله إنسان: يا أبا محفوظ، كنا عندك بالأمس ولم يكن بوجهك هذا الأثر، فما هذا؟! فقال: سل عما يعنيك!! فقال الرجل: بمعبودك أن تقول، فقال: صليت البارحة هاهنا، واشتهيت أن أطوف بالبيت، فمضيت إلى مكة، وطفت، ثم ملت إلى زمزم؛ لأشرب من مائها. فزلقت على الباب، فأصاب وجهي ما تراه.\rوقيل: كان عتبة الغلام يقعد فيقول: يا ورشان إن كنت أطوع لله عز وجل مني فتعال واقعد على كفي؛ فيجيء الورشان ويقعد على كفه.\rوحكي عن أبي علي الرازي أنه قال: مررت يوماً على الفرات، فعرّضت لنفسي شهوة السمك الطريّ، فإذا الماء قد قذف سمكة نحوي، وإذا رجل يعدو ويقول: أشويها لك؟ فقلت: نعم. فشواها، فقعت وأكلتها.\rوقيل: كان إبراهيم بن أدهم في رفقة فعبض لهم السبع؛ فقالوا: يا أبا إسحاق قد عرض لنا السبع!! فجاء إبراهيم وقال: يا أسد، إن كنت أمرت فينا بشيء فامض، وإلا فارجع. فرجع الأسد، ومضوا.\rوقال حامد الأسود: كنت مع الخواص في البرية، فبتنا عند شجرة، إذ جاء السبع، فصعدت الشجرة إلى الصباح لا يأخذني النوم، ونام إبراهيم الخواص والسبع يشم من رأسه إلى قدمه.. ثم مضى.\rفلما كانت الليلة الثانية بتنا في مسجد في قرية، فوقعت بقّة على ووجهه فضربته،فأنَّ أنةً، فقلت: هذا عجيب، البارحة لم تجزع من الأسد، والليلة تصيح من البقّ!! ؟فقال: أما البارحة، فتلك حالة كنت فيها بالله عز وجل، وأما الليلة، فهذه حالة أنا فيها بنفسي.","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"وحكي عن عطاء الأزرق: أنه دفعت إليه امرأته درهمين من ثمن غزلها؛ ليشتري لهم شيئاً من الدقيق، فخرج من بيته، فلقي جارية تبكي، فقال لها: ما بالك؟ فقالت: دفع إلي مولاي درهمين اشتري لهم شيئاً. فسقطا مني فأخاف أن يضربني!! فدفع عطاء الدرهمين إليها. ومرّ. وقعد على حانوت صديق له ممن يشق الصاج وذكر له الحال وما يخاف من سوء خلق امرأته. فقال له صاحبه: خذ من هذه النشارة في هذا الجراب لعلكم تنتفعون بها في سحر التنور؛ إذ ليس يساعدني الإمكان في شيء آخر.. فحمل النشارة، وفتح باب داره، ورمى بالجراب، وردّ الباب ودخل المسجد إلى ما بعد العتمة؛ ليكون النوم أخذهم ولا تستطيل عليه المرأة، فلما فتح الباب وجدهم يخبزون الخبز؛ فقال: من أين لكم هذا الخبز؟ فقالوا: من الدقيق الذي كان في الجراب. لا تشتر من غير هذا الدقيق! قال: أفعل إن شاء الله.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا جعفر بن بركات يقول: كنت أجالس الفقراء، ففتح عليَّ بدينار، فأردت أن أدفعه إليهم، ثم قلت في نفسي: لعلي أحتاج إليه.. فهاج بي وجع الضرس، فقلعت سناً، فوجعت الأخرى حتى قلعتها..\rفهتف بي هاتف: إن لم تدفع إليهم الدينار، فلا يبقى في فمك سنٌ واحدة!.\rقال الأستاذ: وهذا في باب الكرامة أتم من أن كان يفتح عليه بدنانير كثيرة تنقض العادة.\rوحكى أبو سليمان الداراني قال: خرج عامر بن قيس إلى الشام، ومعه شكوة إذا شاء صبَّ منها ماء ليتوضأ للصلاة، وإذا شاء صبّ منها لبناً يشربه.\rوروى عثمان بن أبي العاتكة قال: كنا في غزاة الأرض الروم، فبعث الوالي سرية إلى موضع، وجعل الميعاد في يوم كذا.\rقال: فجاء الميعاد ولم تقدم السرية، فبينا أبو مسلم يصلي إلى رمحه الذي ركزه بالأرض إذ جاء طائر إلى رأس السنان وقال: إن السرية قد سلمت وغنمت وسيردون عليكم يوم كذا في وقت كذا.\rفقال أبو مسلم للطير: من أنت، رحمك الله تعالى؟ فقال: أنا مذهب الحزن عن قلوب المؤمنين.\rفجاء أبو مسلم إلى الوالي وأخبره بذلك، فلما كان اليوم الذي قال أتت السرية على الوجه الذي قال.\rوعن بعضهم قال: كنا في مركب فمات رجل كان معنا عليل، فأخذنا في جهازه، وأردنا أن نلقيه في البحر فصار البحر جافاً، ونزلت السفينة، فخرجنا وحفرنا له قبراً، ودفناه، فلما فرغنا استوى الماء، وارتفع المركب، وسرنا.\rوقيل: إن الناس أصابتهم مجاعة بالبصرة، فاشترى حبيب العجمي طعاما بالنسيئة، وفرقه على المساكين وأخذ كيسه فجعله تحت رأسه، فلما جاءوا يتقاضونه أخذه، وإذا هو مملوء دراهم، فقضى منها ديونهم.\rوقيل: أراد إبراهيم بن أدهم أن يركب السفينة فأبوا إلا أن يعطيهم ديناراً، فصلى على الشط ركعتين، وقال: اللهم إنهم قد سألوني ما ليس عندي، فصار الرمل بين يديه دنانير.\rحدثنا محمد بن عبد الله الصوفي قال: حدثنا عبد العزيز بن الفضل قال: حدثنا محمد بن أحمد المروزي قال: حدثنا عبد الله بن سليمان قال: قال أبو حمزة نصر بن الفرج خادم أبي معاوية الأسود قال: كان أبو معاوية ذهب بصره، فإذا أراد أن يقرأ نشر المصحف فيرد الله عليه بصره، فإذا أطبق المصحف ذهب بصره..\rوقال أحمد بن الهيثم المتطيب: قال لي بشر الحافي: قل لمعروف الكرخي: إذا صليت جئتك؛ قال: فأديت الرسالة وانتظرته، فصلينا الظهر ولم يجيء، ثم صلينا العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، فقلت في نفسي: سبحان الله مثل بشر يقول شيئاً ثم لا يفعل!! لا يجوز أن لا يفعل!!.. وانتظرته وأنا فوق مسجد على مشرعة، فجاء بشر بعد هوى من الليل، وعلى رأسه سجادة، فتقدم إلى دجلة ومشى على الماء، فرميت بنفسي من السطح، وقبلت يديه ورجليه، وقلت: ادع الله لي، فدعا لي، وقال: استره علي. قال: فلم أتكلم بهذا حتى مات.\rسمعت أبا عبد الله الشيرازي قال: حدثنا أبو الفرج الورثاني قال: سمعت علي بن يعقوب بدمشق قال: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد يقول: سمعت قاسماً الجرعي يقول: رأيت رجلا في الطواف لا يزيد على قوله: إلهي، قضيت حوائج الكل ولم تقض حاجتي..\rفقلت: مالك لا تزيد على هذا الدعاء؟","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"فقال: أحدّثك.. اعلم أنا كنا سبعة أنفس من بلدان شتى، فخرجنا إلى الجهاد، فأسرنا الروم، ومضوا بنا لنقتل؛ فرأيت سبعة أبواب فتحت من السماء وعلى كل باب جارية حسناء من الحور العين، فقدم واحد منا فضربت عنقه، فرأيت جارية منهن هبطت إلى الأرض وبيدها منديل فقبضت روحه حتى ضربت أعناق ستة منا، فاستوهبني بعض رجالهم، فقالت الجارية: أيُّ شيء فاتك يا محروم!!.. وغلَّقت الأبواب؛ فأنا يا أخي متأسف متحسر على ما فاتني...\rقال قاسم الجرعي: أراه أفضلهم، لأنه رأى ما لم يروا.. وعمل على الشرق بعدهم.\rوسمعته يقول: سمعت أبا النجم أحمد بن الحسين بخورستان يقول سمعت أبا بكر الكتاني يقول: كنت في طريق مكة في وسط السنة، فإذا أنا بهميان ملآن يلتمع دنانير، فهممت أن أحمله لأفرقه على فقراء مكة، فهتف هاتف: إن أخذته سلبناك فقرك.\rحدثنا محمد بن محمد بن عبد الله الصوفي قال: حدثنا أحمد بن يوسف الخياط قال: سمعت أبا علي الروذباري يقول: سمعت العباس الشرقي يقول: كنا مع أبي تراب النخشبي في طريق مكة، فعدل عن الطريق إلى ناحية فقال له بعض أصحابه: أنا عطشان. فضرب برجله إلى الأرض فإذا الأرض عين من ماء زلال، فقال الفتى: أحب أن أشربه ف قدح، فضرب بيده إلى الأرض فناوله قدحاً من زجاج أبيض كأحسن ما رأيت، فشرب وسقانا، وما زال القدح معنا إلى مكة فقال لي أبو تراب يوماً: ما يقول أصحابك في هذه الأمور التي يكرم الله بها عباده؟..\rفقلت: ما رأيت أحداً إلا وهو يؤمن بها.\rفقال: من لم يؤمن بها فقد كفر، إنما سألتك من طريق الأحوال.\rفقلت: ما أعرف لهم قولاً فيه.\rقال: بلى، قد زعم أصحابك أنها خدع من الحق، وليس الأمر كذلك، إنما الخدع في حال السكون إليها، فأمَّا من لم يقترح ذلك، ولم يساكنها فتلك مرتبة المرَّبانيين.\rحثنا محمد بن عبد الله الصوفي قال: حدثنا أبو الفج الورثاني قال: سمعت محمد بن الحسين الخلدي بطرسوس قال: سمعت أبا عبد الله بن الجلاء يقول: كنا في غرفة سريّ السقطي ببغداد، فلما ذهب من الليل شيء لبس قميصاً نظيفاً وسراويل ورداء ونعلا، وقال ليخرج؛ فقلت: إلى أين في هذا الوقت؟ فقال: أعود فتحاً الموصلي.\rفلما مشى في طرقات بغداد أخذه العسس وحبسوه، فلما كان من الغد أمر بضربه مع المحبوسين، فلما رفع الجلاد يده ليضربه وقفت يده فلم يقدر أن يحركها فقيل للجلاد: اضرب!! فقال: بحذائي شيخ واقف يقول لي لا تضربه، فتقف يدي لا تتحرك.\rفنظروا من الرجل، فإذا هو فتح الموصلي؛ فلم يضربوه.\rأخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا الحارث الخطابي قال: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا علي بن مسلم قال: حدثنا سعيد بن يحيى البصري قال: كان أناس من قريش يجلسون إلى عبد الواحد بن زيد، فأتوه يوماً وقالوا: إنا نخاف من الضيقة والحاجة!! فرفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إني أسألك باسمك المرتفع الذي تكرم به من شئت من أوليائك، وتلهمه الصفيَّ من أحبابك أن تأتينا بروق من لدنك تقطع به علائق الشيطان من قلوبنا وقلوب أصحابنا هؤلاء فأنت الحنان المنان القديم الإحسان، اللهم الساعة، الساعة..\rقال: فسمعت والله قعقة للسقف، ثم تناثرت علينا دنانير ودراهم، فقال عبد الواحد بن زيد: استغنوا بالله عزّ وجلّ عن غيره، فأخذوا ذلك، ولم يأخذ عبد الواحد بن زيد شيئاً.\rسمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن علي الجوزي بجنديسابور قال: سمعت الكتاني يقول: رأيت بعض الصوفية، وكان غريباً ما كنت أثبته قد تقدم إلى الكعبة وقال: يا ربّ ما أدري ما يقول هؤلاء ! - يعني الطائفين - فقيل له: انظر ما في هذه الرقعة. قال: فطارت الرقعة في الهواء وغابت.\rً وسمعته يقول: سمعت عبد الواحد بن بكر الورثاني يقول: سمعت محمد بن علي ابن الحسين المقري بطرسوس يقول: سمعت أبا عبد الله بن الجلاء يقول: اشتهت والدتي على والدي يوماً من الأيام سمكاً، فمضى والدي إلى السوق وأنا معه، فاشترى سمكاً، ووقف ينتظر من يحمله، فرى صبياً وقف بحذائه مع صبي فقال: يا عم، تريد من يحمله؟ فقال: نعم، فحلمه ومشى معنا، فسمعنا الأذان، فقال الصبي: أذنّ المؤذن، واحتج أن أتطهر وأصلي، فإن رضيت، وإلا فأ؛مل السمك، ووضع الصبي السمك ومرّ.","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"فقال أبي: فنحن ألوى أن نتوكل في السمك. فدخلنا المسجد فصلينا، وجاء الصبي وصلى، فلما خرجنا فإذا بالسمك موضوع مكانه، فحمله الصبي ومضى معنا إلى دارنا.\rفذكر والدي ذلك لوالدتي، فقالت: قل له حتى يقيم عندنا ويأكل معنا، فقلنا له، فقال: إني صائم، فقلنا: فتعود إلينا بالعشى، فقال: إذا حملت مرة في اليوم لا أحمل ثانياً، ولكني سأدخل المسجد إلى المساء، ثم أدخل عليكم، فمضى..\rفلما أمسينا دخل الصبي، وأكلنا، فلما فرغنا دللناه على موضع الطهارة، ورأينا فيه أنه يؤثر الخلوة، فتركناه في بيت، فلما كان في بعض الليل وكان لقريب لنا بنتُ زمنة، فجاءت تمشي، فسألناها عن حالها، فقالت: قلت يارب بحرمة ضيفنا أن تعافيني، فقمت. قالت: فمضينا لنطلب الصبي، فإذا الأبواب مغلقة كما كانت، ولم نجد الصبي،. فقال أبي: فمتهم صغير، ومتهم كبير.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: حدثنا أبو الحارث الخطابي قال: حدثنا محمد ابن الفضل قال: حدثنا عليّ بن مسلم قال: حدثنا سعيد بن يحيى البصري قال: أتيت عبد الواحد بن زيد وهو جالس في ظل، فقلت له: لو سألت الله أن يوسع عليك الرزق لرجوت أن يفعل: فقال: ربي أعلم بمصالح عباده، ثم أخذ حصتي من الأرض، ثم قال: اللهم إن شئت أن تجعلها ذهباً فعلت، فإذا هي والله في يده ذهب، فألقاها إليّ وقال: أنفقها أنت فلا خير في الدنيا إلا للأخرة.\rسمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول: سمعت الحسين بن أحمد الفارسي يقول: سمعت الرَّقيَّ يقول: سمعت أحمد بن منصور يقول: قال لي أستاذي أبو يعقوب السوسي: غسلتُ فريداً فأمسك إبهامي وهو على المغتسل. فقلت: يا بني خلِّ يدي؛ أنا أدري أنك لست بميت، وإنما هي نقلة من دار إلى دار.. فخلي يدي..\rوسمعته يقول: سمعت أبا بكر أحمد بن محمد الطرسوسي يقول: سمعت إبراهيم ابن شيبان يقول: صحبني شاب حسن الإرادة، فمات، فاشتغل قلبي به جداً، وتوليت غسله، فلما أردت غسل يديه بدأت بشماله من الدهشة، فأخذها مني وناولني يمينه فقلت: صدقت يا بني، أنا غلطت.\rوسمعته يقول: سمت أبا النجم المقري البرذعي بشيراز يقول: سمعت الراقي يقول: سمعت أحمد بن منصور يقول: سمعت أبا يعقوب السوسي يقول: جاءني مريد بمكة فقال: يا أستاذ، أنا غداً أموت وقت الظهر؛ فخذ هذا الدينار فاحفر لي بنصفه، وكفني بنصفه الآخر، ثم لما كان الغد جاء وطاف بالبيت، ثم تباعد ومات، فغسلته، وكفنته ووضعته في اللحد، ففتح عينيه، فقلت: أحياه بعد موت؟! فقال: أن حيِّ، وكل محبٍ لله حي.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت محمد بن الحسين البغدادي يقول: سمعت أبا علي بن وصيف المؤدب يقول: تكلم سهل بن عبد الله يوماً في الذكر فقال: أن الذاكر لله على الحقيقة لو هم أن يحيى الموتى لفعل، ومسح يده على عليلٍ بين يديه، فبرىء، وقام.\rسمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول: أخبرني علي بن إبراهيم بن أحمد قال: حدثنا عثمان بن أحمد قال: حدثنا الحسين بن عمر قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: كان عمرو بن عُتبة يصلي والغمام فوق رأسه، والسباع حوله تحرك أذنابها.\rوسمعته يقول: سمعت أبا عبد الله بن مفلح يقول: سمعت المغازلي يقول: سمعت الجنيد يقول: كانت معي أربعة دراهم فدخلت على السري وقلت: هذه أربعة دراهم حملتها إليك، فقال: أبشر يا غلام بأنك تُفلح؛ كنت أحتاج إلى أربعة دراهم؛ فقلت: \" اللهم ابعثها على يد من يفلح عندك \" .\rوسمعته يقول: حدثني إبرهيم بن أحمد الطبري قال: حدثنا أحمدبن يوسف قال: حدثناأحمد بن إبراهيم بن يحيى قال: حدثني أبي قال:حدثني أبو إبراهيم اليماني قال: خرجنا نسير على ساحل البحر مع إبراهيم بن أدهم فانتهينا إلى غيضة فيها حطب يابس كثير، وبالقرب منه حصن، فقلنا لإبراهيم بن أدهم: لو أقمنا الليلة هاهنا وأوقدنا من هذا الحطب؟ فقال: افعلوا فطلبنا النار من الحصن. فأوقدنا، وكان معنا الخبز فأخرجنا نأكل، فقال واحد منا: ماأحسن هذا الجمر، لو كان لنا لحم نشويه عليه؟! فقال إبراهيم بن أدهم: إن الله تعالى لقادر على أن يطعمكموه. فقال: فبينا نحن كذلك إذا بأسد يدر إيلاً فلما قرب منا وقع، فاندقت عنق، فقام إبراهيم بن أدهم وقال: أذبحوه، فقد أطعمكم الله. فذبحناه.. وشوينا من لحمه والأسد واقف ينظر إلينا.","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا القاسم عبد الله بن علي الشجري يقول: سمعت حامداً الأسود يقول: كنت مع إبراهيم الخواص في البادية سبعة أيام على حالة واحدة، فلما كان السابع ضعفت، فجلست، فالتفت إلي وقال مالك؟ فقلت: ضعفت!! فقال: أيما أغلب عليك: الماء أو الطعام؟ فقلت: الماء، فقال: الماء وراءك.\rفالتفت فإذا عين ماء كاللبن الحليب، فشربت وتطهرت، وإبراهيم ينظر ولم يقربه.\rفلما أردت القيام هممت أن أحمل منه، فقال: أمسك؛ فإنه ليس مما يتزود منه.\rسمعت أبا عبد الله بن عبد الله يقول: سمع أبا عبد الله الدباس البغدادي يقول: سمعت فاطمة أخت أبي علي الروذباري تقول: سمعت زينونة خادمة أبي الحسين النوري - وكانت تخدمه، وخدمت أبا حمزة، والجنيد - قالت: كان يوم بارد، فقلت للنوري: أحمل إليك شيئاً؟ فقال: نعم، فقلت: ماذا تريد؟ قال: خبز ولبن، فحملت، وكان بين يديه فحم، وكان يقلبها بيده وقد اشتغلت يده، فأخذ يأكل الخبز واللبنُ يسيل على يده وعليها سواد الفحم، فقلت في نفسي: ما أقذر أولياءك يا رب!! ما فيهم أحد نظيف!! قالت: فخرجت من عنده، فتعلقت بي امرأة وقالت: سرقت لي رزمة ثياب وجروني إلى الشرطيّ، فأخبر النوري بذلك، فخرج وقال للشرطي: لا تتعرضوا لها؛ فإنها وليّه من أولياء الله تعالى، فقال الشرطي: كيف أصنع والمرأة تدّعى؟! قال: فجاءت جارية ومعها الرزمة المطلوبة، فاسترد النوري المرأة، وقال لها: تقولين بعد هذا ما أقذر أولياءك، قالت: فقلت قد تبت إلى الله تعالى.\rسمعت محمد بن عبد الله الشيرازي يقول: سمعت محمد بن فارس الفارسي يقول: سمعت أبا الحسن خيراً النساج يقول: سمعت الخواص يقول: عطشت في بعض أسفاري، وسقطت من العطش فإذا أنا بماء رَيَّ على وجهي ففتحت عيني فإذا برجل حسن الوجه راكب دابة شهباء، فسقاني الماء، وقال: كن رديفي، وكنت بالحجاز فما لبثت إلا يسيراً، فقال لي: ما ترى؟ فقلت: أرى المدينة، فقال: أنزل وأقرىء رسول الله صلى الله عليه وسلم من السلام، وقل: أخوك الخضر يقرئك السلام.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول: قال أبو الحديد: سمعت المظفر الجصّاص يقول: كنت أنا ونصر الخراط ليلة في موضع فتذاكرنا شيئاً من العلم، فقال الخراط: إن الذكر لله تعالى فائدته في أول ذكره أن يعلم أن الله تعالى ذكره فبِذكر الله تعالى ذِكره. قال فخالفته، فقال: لو كان الخضر عليه السلام هاهنا لشهد بصحته. قال: فإذا نحن بشيخ يجيء بين السماء والأرض حتى بلغ إلينا وسلم وقال: صدق: الذاكرُ لله تعالى بفضل ذكر الله تعالى له ذكره، فعلمنا أنه الخضر، عليه السلام.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: جاء رجل إلى سهل بن عبد الله وقال: إن الناس يقولون إنك تمشي على الماء. فقال: سل مؤذن المحلة، فإنه رجل صالح لا يكذب. قال: فسألته، فقال المؤذن: لا أدري هذا!! ولكنه كان في بعض هذا الأيام نزل الحوض ليتطهر فوقع في الماء فلو لم أكن أنا لبقي فيه.\rقال الأستاذ أبو علي الدقاق: إن سهلاً كان بتلك الحالة التي وصف بها، ولكن الله سبحانه يريد أن يستر أولياءه فأجرى ما وقع من حديث المؤذن والحوض ستراً لحال سهل، وسهل كان صاحب الكرامات.\rوفي قريب من هذا المعنى ما حكي عن أبي عثمان المغربي قال: رأيته بخط أبي الحسين الجرجاني قال: أردت مرة أن أمضي إلى مصر، فخطر لي أن أركب السفينة، ثم خطر ببالي أني أعرف هناك، فخفت الشهرة، فمرّ المركب فبدا لي، فمشيت على الماء ولحقت بالمركب ودخلت السفينة والناس ينظرون، ولم يقل أحدإن هذا ناقض للعادة أو غير ناقض، فعرفت أن الولي مستور وإن كان مشهوراً.\rومما شاهدنا من أحوال الأستاذ ؟أبي علي الدقاق، رضي الله عنه؛ معاينة أنه كان به علة حرقة البول، وكان يقوم في ساعة غير مرة، حتى كان يجدد الوضوء غير مرة لركعتي فرض، وكان يحمل معه قارورة في طريق المجلس، وربما كان يحتاج إليها والطريق مرات ذاهباً وجائياً، وكان إذا قعد على رأس الكرسي يتكلم لا يحتاج إلى الطهارة ولو أمتد به المجلس زماناً طويلاً، وكنا نعاين ذلك منه سنين، ولم يقع لنا في حياته أن هذا شيء ناقض للعادة، وإنما وقع لي هذا وفتح عليَّ علمه بعد وفاته.","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"وفي قريب من هذا ما يحكى عن سهل بن عبد الله أن كان قد أصابته زمانه في آخر عمره، فكان ترد عليه القوة في أوقات الفرض فيصلي قائماً.\rومن المشهور أن عبد الله الوزان كان مقعداً، وكان في السماع إذا ظهر به وجد يقوم ويستمع.\rسمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول: حدثنا إبراهيم بن محمد المالكي قال: حدثنا يوسف بن أحمد البغدادي قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: حججت أنا وأبو سليمان الداراني، فبينا نحن نسير إذ سقطت السطيحة مني، فقلت لأبي سليمان فقدت السطيحة. وبقينا بلا ماء، وكان برد شديد، فقال أبو سليمان: يا راد الضلة.. ويا هادياً من الضلالة اردد علينا الضالة، فإذا واحد ينادي: من ذهبت له سطيحة؟ قال: فقلت: أنا.. فأخذتها، فبينا نحن نسير وقد تدّرَّعنا بالفراء من شدة البرد فإذا نحن بإنسان عليه طِمران وهو يترشح عرقاً، فقال أبو سليمان: تعالى ندفع إليك شيئاً مما علينا من الثياب، فقال: يا أبا سليمان أتشير إلي بالزهد وأنت تجد البرد؟ أنا أسيح في هذه البرية منذ ثلاثين سنة ما انتفضت، ولا ارتعدت، يلبسني الله في البرد فيحاً من محبته، ويلبسني في الصيف مذاق برد محبته.. ومرَّ.\rوسمعته يقول: سمعت أبا بكر محمد بن علي التكريتي يقول: سمعت محمد ابن علي الكتاني بمكة يقول: سمعت الخواص يقول: كنت في البادية مرة، فسرت في سوط النهار،فوصلت إلى شجرة، وبالقرب منها ماء، فنزلت، فإذا بسبع عظيم أقبل، فاستسلمت، فلما قرب مني إذا هو يعرج، فحمحم وبرك بين يدي، ووضع يده في حجري، فنظرت فإذا يده منتفخة فيها قيح ودم، فأخذت خشبة وشققت الموضع الذي فيه القيح، وشددت علي يده خرقة، ومضى، فإذا أنا به بعد ساعة ومعه شبلان يبصبصان لي، وحملا إلي رغيفاً.\rوسمعته يقول: حدثنا أحمد بن علي السائح قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن مطرف قال: حدثنا محمد بن الحسين العسقلاني قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: اشتكى محمد بن السماك، فأخذنا ماءه وانطلقنا به إلى الطبيب، وكان نصرانياً.\rقال: فبينا نحن نسير بين الحيرة والكوفة استقبلنا رجل حسن الوجه، طيب الرائحة، نقي الثوب، فقال لنا: إلى أين تريدان؟ فقلنا: نريد فلاناً الطبيب نريه ماء ابن السماك.\rفقال: سبحان الله!! تستعينون على وليّ الله بعدو الله!!.. اضربوا به الأرض، وارجعوا إلى ابن السماك وقولوا له: ضع يدك على موضع الوجع وقل: \" وبالحق انزلنا وبالحق نزل \" ثم غاب عنا فلم نره.\rفرجنا إلى ابن السماك فأخبرناه بذلك، فوضع يده على موضع الوجع وقال ما قال الرجل، فعوفي في الوقت، فقال: كان ذلك الخضر عليه السلام.\rسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الرحمن بن محمد الصوفي يقول: سمعت عمي البسطامي يقول: كنا قعوداً في مجلس أبي يزيد البسطامي، فقال: قوموا بنا نستقبل ولياً من أولياء الله تعالى. فقمنا معه، فلما بلغنا الدرب فإذا إبراهيم بن شيبة الهروي، فقال له أبو يزيد: وقع في خاطري أن أستقبلك، وأشفع لك إلى ربي. فقال إبراهيم بن شيبة: ولو شفعت في جميع الخلق لم يكن بكثير، إنما هم قطعة طين! فتحير أبو يزيد من جوابه.\rقال الأستاذ: وكرامة إبراهيم في استصغار ذلك أتم من كرامة أبي يزيد فيما حصل له في من الفراسة، وصدق له من الحالة في باب الشفاعة.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت ذا النون المصري يقول وقد سأله سالم المغربي عن أصل توبته، فقال: خرجت من مصر إلى بعض القرى، فنمت في الطريق، ثم انتبهت، وفتحت عيني، فإذا أنا بقبرة عمياء سقطت من شجرة على الأرض، فانشقت الأرض، فخر منها سكرجتان إحداهما من ذهب، والأخرى من فضة، وفي إحداهما سمسم، وفي الأخرى ماء ورد فأكلت من هذه، وشربت من هذه فقلت: حسبي.. تبت، ولزمت الباب إلى أن قبلني..\rوقيل: أصاب عبد الواحد بن زيد فالج فدخل وقت الصلاة واحتاج إلى الوضوء، فقال: من هاهنا، فلم يجبه أحد فخلف فوت الوقت، فقال: يا رب أحللني من وثاقي؛ حتى أقضي طهارتي، ثم شأنك وأمرك. قال: فَصحَّ، حتى أكمل طهارته، ثم عاد إلى فراشه، وصال كما كان.","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"وقال أبو أيوب الحمال: كان أبو عبد الله الديلمي إذا نزل منزلاً في سفر عمد إلى حماره وقال في أذنه: كنت أريد أن أشدّك، فالآن لا أشدك، وأرسلك في هذه الصحراء؛ لتأكل الكلأ، فإذا أردنا الرحيل فتعال.. فإذا كان وقت الرحيل يأتيه الحمار.\rوقيل: زوج أبو عبد الله الديلمي ابنته، واحتاج إلى ما يجهزها به، وكان له ثوب يخر به كل وقت فيشتري بدينار، فخرج له ثوب، فقال له البياع: إنه يساوي أكثر من دينار، فلم يزالوا يزيدون في ثمنه حتى بلغ مائة دينار، فجهزها..\rوقال النضر بن شميل: ابتعت إزاراً فوجدته قصيراً فسالت ربي تعالى أن يمغط لي ذراعاً، ففعل، يمغط: أي يمد: من مغط القوس، وهو مده قال النضر بن شميل: ولو استزدته لزادني.\rوقيل: كان أمر بن عبد قيس سأل أن يهون عليه طهوره في الشتاء؛ فكان يؤتى به وله بخار، وسال ربه أن ينزع شهوة النساء من قلبه فكان لا يبلي بهن، وسأله أن يمنع الشيطان من قلبه وهو في صلاته فلم يجبه إليه.\rوقال بشر بن الحارث: دخلت الدار فإذا أنا برجل، فقلت: من أنت؟ دخلت داري بغير إذني، فقال: أخوك الخضر. فقلت: ادع الله لي. فقال: هون الله عليك طاعته؛ فقلت: زدني، فقال: وسترها عليك.\rوقال إبراهيم الخواص: دخلت خربة في بعض الأسفار في طريق مكة فقيل؛ فإذا فيها سبع عظيم، فخفت، فهتف بي هاتف: اثبت؛ فإن حولك سبعين ألف ملك يحفظونك.\rأخبرنا محمد بن الحسين قال: أخبرنا أبو الفرج الورثاني قال: سمعت أبا الحسن علي بن محمد الصيرفي يقول: سمعت جعفراً الدبيلي يقول: دخل النوري الماء فجاء لص فأخذ ثيابه، ثم إنه جاء ومعه الثياب وقد جفت يده؛ فقال النوري: قدر رد علينا الثياب فرُدَّ عليه يده. فعوفي.\rوقال الشبلي: اعتقدت وقتاً أن لا آكل إلا من الحلال، فكنت أدور في البراري، فرأيت شجرة تين، فمددت يدي إليها لآكل، فنادتني الشجرة: إحفظ عليك عقدك، لا تأكل مني فأني ليهودي.\rوقال أبو عبد الله بن خفيف: دخلت بغداد قاصداً إلى الحج وفي رأسي نخوة الصوفية، ولم آكل الخبز أربعين يوماً، ولم أدخل على الجنيد، وخرجت ولم أشرب الماء إلى زُبالة، وكنت على طهارتي، فرأيت طبياً على رأس البئر وهو يشرب، وكنت عطشان، فلما دنوت من البئر ولى الظبي، وإذا الماء في أسفله.. فمشيت وقلت: يا سيدي، مالي محل هذا الظبي؟! فسمعت من خلفي: جربناك فما صبرت!! ارجع وخذ الماء.\rفرجعت، فإذا البئر ملأى ماء، فملأت ركوتي وكنت أشرب منه وأتطهر إلى المدينة، ولم بنفسي.\rولما استقيت سمعت هاتفاً يقول: إن الظبي جاء بلا ركوة، ولا حبل، وأنت جئت مع الركوة والحبل!! فلما رجعت من الحج دخلت الجامع، فلما وقع بصر الجنيد عليّ قال: لو صبرت لنبع الماء من تحت رجلك، لو صبرت وصبر ساعة! سمعت حمزة بن يوسف السهمي الجرجاني يقول: سمعت أبا أحمد بن علي الحافظ يقول: سمعت أحمد بن حمزة بمصر يقول: حدثني عبد الوهاب - وكان من الصالحين - قال: قال محمد بن سعيد البصري: بينما أنا أمشي في بعض طرق البصرة إذ رأيت أعرابيا يسوق جملا، فالتفت فإذا الجمل وقع ميتاً، ووقع الرجل والقنب، فمشيت ثم التفتت فإذا الأعرابي يقول: يا مسبب كلّ سبب، ويا مولي من طلب، وردّ عليّ ما ذهب من جمل يحمل الرحل والقنب، فإذا الجمل قائم والرحل والقنب فوقه.\rوقيل: إن شبلا المروذي اشتهى لحماً فأخذ بنصف درهم، فاستلبته منه حدأة في الطريق، فدخل شبل مسجداً ليصلي، فلما رجع إلى منزله قدمت امرأته إليه لحماً، فقال: من أيت هذا؟ فقالت: تنازعت حدأتان، فسقط هذا منهما، فقال شبل: الحمد لله الذي لم ينس شبلا، وإن كان شبلٌ كثيراً ينساه.\rأخبرنا محمد بن عبد الله الصوفي قال: حدثنا عبد الواحد بن بكر الورثاني قال: سمعت محمد بن داود يقول: سمعت أبا بكر بن معمر يقول: سمعت ابن أبي عبيد اليسري يحدّث عن أبيه أنه غزا سنة من السنين، فخرج في السرية، فمات المهر الذي كان تحته وهو في السرية، فقال: يا رب، أعرناه حتى نرجع إلى بسرى يعني: قريته، فإذا المهر قائم، فلما غزا ورجع إلى بسرى قال: يا بني، خذ السرج عن المهر، فقالت: إنه عرق فإن أخذت السرج عنه داخله الريح، فقال: يا بني، إنه عارية، قال: فلما أخذت السرج عنه وقع المهر ميتا.","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"وقيل: كان بعضهم نباشاً، فتوفيت امرأةٌ، فصلى الناس عليها وصلى هذا النباش؛ ليعرف القبر، فلما جنَّ عليه الليل نبش قبرها، فقالت: سبحان الله، رجل مغفور له يأخذ كفن امرأة مغفور لها؟! قال: هبي أنك مغفور لك، فأنا من أنا؟! فقالت: إن الله تعالى غفر لي ولجميع من صلى علي، وأنت قد صليت عليَّ. فتركتها ورددت التراب عليها، ثم تاب ارجل وحسنت توبته.\rسمعت حمزة بن يوسف يقول: سمعت أبا الحسن إسماعيل بن عمرو بن كامل بمصر يقول: سمعت أبا محمد نعمان بن موسى الحيري بالحيرة يقول: رأيت ذا النون المصري وقد تقاتل اثنان: أحدهما من أولياء السلطان، والآخر من الرعية، فعدا الذي من الرعية عليه، فكسر ثنيته، فتعلق الجندي بالرجل وقال: بيني وبينك الأمير، فجازوا بذي النون، فقال الناس: اصعدوا إلى الشيخ؛ فصعدوا إليه، فعرفوه ما جرى، فأخذ السن، ثم بلها بريقه، وردّها إلى فم الرجل في الموضع الذي كانت فيه، وحرّك شفتيه، فتعلقت بإذن الله تعالى، فبقي الرجل يفتش فاه، فلم يجد الأسنان إلا سواء.\rحثنا أبو الحسين محمد بن الحسين القطان ببغداد قال: حدثنا أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفار قال: حدثنا الحسين بن عرفة بن يزيد قال: حدثنا عبد الله بن إدريس الأودي، عن إسماعيل بن أبي خلد، عن أبي سيرة النخعي قال: أقبل رجل من اليمن.. فلما كان في بعض الطريق نفق حماره، فقالم وتوضأ، ثم صلى ركعتين، ثم قال: اللهم إني جئت مجاهداً في سبيل ابتغاء مرضاتك، وأنا أشهد أنك تحيي الموتى وتبعث من في القبور، لا تجعل لأحد عليَّ منة، اليوم أطلب منك أن تبعث حماري. فقام الحمار ينفض أذنيه.\rسمعت حمزة بن يوسف يقول: سمعت أبا بكر النابلسي يقول: سمعت أبا بكر الهمداني يقول: بقيت في برّية الحجاز أياماً لم آكل شيئاً، فاشتهيت باقلا حاراً وخبزاً من باب الطاق ؛ فقلت: أنا في ابرية وبيني وبين العراق مسافة بعيدة، فلم أتمًّ خاطري إلا وأعرابي من بعيد ينادي: باقلا حارٌّ وخبز. فتقدمت إليه فقلت عندك باقلا حار وخبز؟ فقال: نعم. وبسط مئزراً كان عليه، وأخرج خبزاً وباقلا، وقال لي: كل. فأكلت، ثم قال لي: كل. فأكلت، ثم قال لي: كل. فأكلت. فلما قال لي الرابعة، قلت: بحق الذي بعثك إليّ إلا ما قلت لي من أنت؟ فقال: أنا الخضر. وغاب عني فلم أره.\rسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا العباس بن الخشاب البغدادي يقول: سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول: سمعت أبا جعفر الحداد يقول: جئت الثعلبية وهي خراب، ولي سبعة أيام لم آكل شيئاً، فدخلت القبة، وجاء قوم خراسانيون أصابهم جهد فطرحوا أنفسهم على باب القبة، فجاء أعرابي على راحلة وصبَّ تمراً بين أيديهم فاشتغلوا بالأكل ولم يقولوا لي شيئاً، ولم يرني الأعرابي، فلما كان بعد ساعة. فإذا بالأعرابي، جاء وقال لهم: معكم غيركم؟ فقالوا: نعم، هذا الرجل داخل القبة. قال: فدخل الأعرابي، وقال لي: من أنت؟ لم لم تتكلم؟! مضيت، فعارضني إنسان فقال لي: قد خلقت إنساناً لم تطعمه. ولم يمكني أن أمضي، فتطوَّلت على الطريق، لأني رجعت عن أميال!! وصبّ بين يدي التمر الكثير، ومضى، فدعوتهم، فأكلوا وأكلت.\rسمعت حمزة بن يوسف يقول: سمعت أبا طاهر الرقي يقول: سمعت أحمد ابن عطاء يقول: كلمني جمل؛ في طريق مكة رأيت جمالا والمحامل عليها، وقد مدّت أعناقها في الليل،فقلت: سبحان من يحمل عنها ما هي فيه، فالتفت إليّ جمل وقال لي: قل جلّ الله. فقلت جلّ الله.\rسمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول: سمعت الحسن بن أحمد الفارسي يقول: سمعت الرقيّ يقول: سمعت أبا بكر بن معمر يقول: سمعت أبا ذرعة الجنبي يقول: مكرت بي امرأة فقالت: ألا تدخل الدار فتعود مريضاً؛ فدخلت فأغلقت الباب.. ولم أر أحد؛ فعلمت ما فعلت، فقلت: اللهم سوّدها. فاسودت؛ فتحيرت. وفتحت الباب؛ فخرجت، فقلت: اللهم ردها إلى حالها فردّها إلى ما كانت عليه.\rسمعت حمزة بن يوسف يقول: سمعت أبا محمد الغطريفي يقول: سمعت السراج يقول: سمعت أبا سليمان الرومي يقول سمعت: خليلا الصياد يقول: غاب ابني محمد فوجدنا عليه وجداً شديداً؛ فأتيت معروفاً الكرخي فقلت: يا أبا محفوظ، غاب ابني وأمه واجدة عليه!! فقال: ما تشاء؟ فقلت: ادع الله أن يردّه فقال: اللهم إن السماء سماؤك، والأرض أرضك.. وما بينهما لك..ائت بمحمد..","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"قال خليل: فأتيت باب الشام فإذا هو واقف، فقلت: أين كنت يا محمد؟ فقال: يا أبت كنت الساعة بالأنبار.\rقال الأستاذ أبو القاسم: واعلم أن الحكايات في هذا الباب تربو على الحصر. والزيادة على ما ذكرناه تخرجنا عن المقصود من الإيجاز؛ وفيما ذكرناه مقنع في هذا الباب.\rباب رؤيا القوم قال الله تعالى: \" لهم البشرى في الحياة الدنيا، وفي الآخرة \" .\rقيل: هي الرؤيا الحسنة يراها المرء، أو ترى له.\rأخبرنا أبو الحسن الإهوازي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري، قال: حدثنا إسحق بن إبراهيم المنقري قال: حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي الدرداء قال: \" سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: \" لهم البشرى في الدنيا وفي الآخرة \" قال صلى الله علي وسلم: \" ما سألني عنها أحد قبلك. هي الرؤيا الحسنة يراها المرء، أو ترى له \" .\rأخبرنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد زيد قال: حدثنا علي بن الحسين قال: حدثنا عبد الله بن الوليد، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة، عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان؛ فإذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليتفل عن يساره، وليتعوذ؛ فإنها لن تضرّه \" .\rأخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد عبدوس المزكي قال: حدثنا أبو أحمد حمزة ابن العباس البزار قال: حدثنا عياش بن محمد بن حاتم قال: حدثنا عبد الله ابن موسى، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من رآني في المنام فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي \" .\rومعنى الخبر: أن تلك الرؤيا رؤيا صدق، وتأويلها احق، وأن الرؤيا نوع من أنواع الكرامات، وتحقيق الرؤيا خواطرٌُ ترد على القلب، وأحوال تتصور في الوهم إذا لميستغرق النوم جميع الاستشعار، فيتوهم الإنسان عند اليقظة أنه كان رؤية في الحقيقة، وإنما كان ذلك تصوراً وأوهاماً للخلق تقررت في قلوبهم، وحين زال عنهم الإحساس، الظاهر تجردت تلك الأوهام عن المعلومات بالحس والضرورة فقويت تلك الحالة عند صاحبها، فإذا استيقظ ضعفت تلك الأحوال التي تصورها بالإضافة إلى حال إحساس بالمشاهات وحصول العولم الضرورية، ومثله: كالذي يكون في ضوء السراج عند اشتداد الظلمة، فإذا طلعت الشمس عليه غلبت ضوء السرج. فيتقاصر نور السراج بالإضافة إلى ضياء الشمس، فمثال حال النوم كمن هو في ضوء السراج، ومثال المستيقظ كمن تعالى عليه النهار؛ فإن المستيقظ يتذكر ما كان متصوراً له في حال نومه.\rثم ن تلك الأحاديث والخواطر التي كانت ترد على قلبه في حال نومه مرة تكون من قبل الشيطان، ومرّة من هواجس النفس، ومرة بخواطر الملك، ومرة تكون تعريفاً من الله عز وجل بخلق تلك الأحوال في قلبه ابتداء، وفي الخبر: \" أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً \" .\rوأعلم أن النوم على أقسام: نوم غفلة، ونوم عادة، وذلك غير محمود، بل هو معلوم؛ لأنه أخو الموت، وفي بعض الأخبار المروية: \" النور أخو الموت \" .\rوقال الله عز وجل: \" وهو الذي يتوفاكم بالليل، ويعلم ما جرحتم بالنهار \" . وقال تعالى: \" الله يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في المناميا \" .\rوقيل: لو كان في النوم خير لكان في الجنة نوم.\rوقيل: لما ألقى الله على آدم في الجنة أخرج منه حوّاء. وكلُّ بلاء به إنما حصل حين حصلت حواء.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: لما قال إبراهيم لإسماعيل، عليهما السلام: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك قال إسماعيل: يا أبت، هذا جزاء من نام عن حبيبه، لو لم تنم لما أمرت بذبح الولد.\rوقيل: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: كذب من أدعى حبي، فإذا جنّه الليل نام عني!! والنوم ضد العلم؛ ولهذا قال الشبلي: نعسةٌ في ألف سنة فضيحة.\rوقال الشبلي: اطلع الحق على الخلق فقال: من نام غَفَل، ومن غَفَل حُجب، فكان الشبلي يكتحل بالملح بعه حتى كان لا يأخذه النوم، وفي معناه أنشدوا:\rعجباً للمحب كيف ينام ... كل نوم على المحب حرامُ\rوقيل: المريد: أكله فاقة، ونومه غلبةٌ، وكلامه ضرورة.\rوقيل: لما نام آدم عليه السلام بالحضرة قيل له: هذه حواء لتسكن إليها، هذا جزاء من نام بالحضرة.","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"وقيل: إن كنت حاضراً فلا تنم؛ فإن النوم في الحضرة سوءُ أدب، وإن كنت غائباً فأنت من أهل الحسرة ولمصيبة، والمصاب لا يأخذه نوم. وأمَّا أهل المجاهدات فنومهم صدقة من الله عليهم، وأن الله عز وجل يباهي بالعبد إذا نام في سجوده، يقول: انظروا إلى عبدي نام وروحه عندي، وجده بين يدي.\rوقال الأستاذ: أي روحه في محل النجوى، وبدنه على بساط العبادة.\rوقيل: كل من نام على الطهارة يؤذن لروحه أن تطوف بالعرش وتسجد لله عز وجل قال تعالى: \" وجعلنا نومكم سباتاً \" .\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: شكا رجل إلى بعض المشايخ من كثرة النوم، فقال: اذهب فاشكر الله تعالى على العافية، فكم من مريض في شهوة غمضة من النوم الذي تشكو منه.\rوقيل: لا شيء أشدعلى إبليس من نوم العاصي؛ يقول: متى ينتبه ويقوم حتى يعصي الله!! وقيل: أحسن أحوال العاصي أن ينام: إن لم يكن الوقت له لم يكن عليه.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: توعد شاه الكرماني السهر، فغلبه النوم مرة، فرأى الحق، سبحانه، في النوم، فكان يتكلف النوم بعد ذلك، فقيل له في ذلك؛ فقال:\rرأيت سرور قلبي في منامي ... فأحببت التنعُّس والمناما\rوقيل: كان رجل له تلميذان، فأختلفا فيما بينهما، فقال أحدهما: النوم خير، لأن الإنسان لا يعصى الله في تلك الحالة. وقال الآخر: اليقظة خير، لأنه يعرف الله تعالى في تلك الحالة.\rفتحاكما إلى ذلك الشيخ فقال: أما أنت الذي قلت بتفضيل النوم فالموت خير لك من الحياة، وأما أنت الذي قلت بتفضيل اليقظة، فالحياة خيرٌ لك من الموت.\rوقيل: اشترى رجل مملوكة، فلما دخل الليل قال: افرشي الفراش. فقالت المملوكة: يا مولاي، ألك مولى؟ قال: نعم، فقالت: ينام مولاك؟ فقال: لا. قالت: ألا تستحي أن تنام ومولاك لا ينام!! وقيل: قالت بنية لسعيد بن جبير: لم لا تنام؟ فقال: إن جهنم لا تدعني أن أنام.\rوقيل: قالت بنت لمالك بن دينار: لم لا تنام؟ فقال: إن أباك يخاف البيات.\rوقيل: لما مات الربيع بن خيثم قالت بنية لأبيه: الأسطوانة التي كانت في دار جارنا أين ذهبت؟ فقال: إنه كان جارنا الصالح يقوم من أول الليل إلى آخره؛ فتوهمت البنية أنه كان سارية؛ لأنها كانت لا تصعد السطح إلا بالليل فنجده قائماً.\rوقال بعضهم: في النوم معان ليست في اليقظة؛ منها أنه يرى المصطفى، صلى الله عليه وسلم، والصحابة، والسلف الماضيين في النوم، ولا يراهم في اليقظة وكذلك يرى الحق في النوم، وهذه مزية عظيمة.\rوقيل: رأى أبو بكر الآجري الحق، سبحانه. في النوم، فقال له: سل حاجتك. فقال اللهم اغفر لجميع عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: أنا أولى بهذا منك، سل حاجتك.\rوقال الكتاني: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: من تزين للناس بشيء يعلم الله منه خلافه شأنه الله.\rوقال الكتاني أيضاً: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقلت: ادع الله أن لا يميت قلبي، فقال: قل كل يوم أربعين مرة \" يا حي، يا قيوم، لا إله إلا أنت \" فإن الله يحيي قلبك.\rورأى الحسن بن علي، رضي الله عنهما، عيسى بن مريم، في المنام، فقال: إني أريد أن اتخذ خاتماً، فما الذي أكتب عليه؟ فقال: اكتب عليه: \" لا إله إلا الله، الملك الحق المبين \" فإنه في آخر الأنجيل.\rوروي عن أبي يزيد أنه قال: رأيت ربي عز وجل في المنام، فقلت. كيف الطريق إليك؟ فقال: اترك نفسك وتعال.\rوقيل: رأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام، فقال: يا أحمد، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني.\rوقال يحيى بن سعيد القطان: رأيت ربي في المنام فقلت: يا رب، كم أدعوك فلا تستجيب لي!! فقال تعالى: يا يحيى ني أحب أن أسمع صوتك.\rوقال بشر بن الحارث: رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه في المنام، فقلت: يا أمير المؤمنين عظني، فقال: ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء طلباً لثواب الله تعالى، وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الآغنياء ثقة بالله تعالى، فقلت له: يا أمير المؤمنين: زدني، فقال:\rقد كنت ميتاً فصرت حياً ... وعن قريب تصير ميتاً\rعَزْ بدار الفناء بيت ... فابن بدار البقاء بيتاً","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"وقيل: رؤى سفيان الثوري في المنام؛ فقيل له: ما فعل الله تعالى بك؟ فقال: رحمني، فقيل له: ما حال عبد الله بن المبارك؟ فقال: هو ممن يلج على ربه كل يوم مرتين.\rسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: رأى الأستاذ أبو سهل الصعلوكي أبا سهل الزجاجي في المنام، وكان الزجاجي يقول بوعيد الأبد، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال الزجاجي: الأمر هاهنا أسهل مما كنا نظنه!! ورؤي الحسن بن عاصم الشيباني في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: ما يكون من الكريم إلا الكرم.\rورؤي بعضهم في المنام فسئل عن حاله، فقال:\rحاسبونا فدققوا ... ثم منوا فأعتقوا\rورؤي حبيب العجمي في المنام، فقيل له: متَّ يا حبيبي العجمي؟! فقال هيهات.. ذهبت العجمة وبقيت في النعمة.\rوقيل: دخل الحسن البصري مسجداً ليصلي فيه المقرب، فوجد إمامهم حبيباً العجمي، فلم يصل خلفه. لأنه خاف أن يلحن العجمة في لسانه، فرأى في المنام تلك الليلة قائلاً يقول له: لِم لَم تصل خلفه؟ لو صليت خلفه لغفر لك ما تقدم من ذنبك.\rورؤي مالك بن أنس في المنام. فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بكلمة كان يقولها عثمان بن عفان رضي الله عنه عند رؤية الجنازة: \" سبحان الحيّ الذي لا يموت \" .\rورؤي في الليلة التي مات فيها الحسن البصري كأن أبواب السماء مفتحة.. وكأن منادياً ينادي: ألا إن الحسن البصري قدم على الله تعالى وهو عنه راض.\rسمعت أبا بكر بن أشكيب يقول: رأيت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي في المنام على حالة حسنة فقتل: يا أستاذ، بم وجدت هذا؟ فقال: يحسن ظني بربي: وقيل: رؤي الجاحظ في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال:\rفلا تكتب بخطك غير شيء ... بسرّك في القيامة أن تراه\rوقيل: رأيت الجنيدُ إبليس في منامه عرياناً، فقال له: ألا تستحي من الناس؟ فقال: هؤلاء لا ناس، إنما الناس أقوام في مسجد الشونزية أضنوا جسدي وأحرقوا كبدي، قال الجنيد: فلما انتبهت غدوت إلى المسجد فرأيت جماعة وضعوا رؤوسهم على ركبهم متفكرين، فلما رأوني قالوا: لا يغرنك حديث الخبيث.\rورؤي النصراباذي بمكة بعد وفاته في النوم، فقيل له: ما فعل الله تعالى بك: فقال: عوتبت عتاب الأشراف، ثم نوديت: يا أبا القاسم، أبعد الاتصال انفصال؟ فقلت: لا ياذا الجلال، فما وضعت في اللحد حتى لحقت بالأحد.\rورؤى ذو النون المصري في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: كنت أسأله ثلاث حوائج في الدنيا، فاعطاني البعض، وأرجو أن يعطيني الباقي؛ كنت أسأله أن يعطيني من العشرة التي على يد رضوان واحدة، ويعطيني بنفسه، وأن يعذبني عن الواحدة التي بيد مالك بعشرة ويتولى هو، وأن يرزقني أن أذكره بلسان الأبدية.\rوقيل: رؤى الشبلي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله تعالى بك؟ فقال: لم يطالبني بالبراهين على الدعاوي إلا على شيء واحد، قلت يوماً: لا خسارة أعظم من خسران الجنة، ودخول النار، فقال لي: وأي خسارة أعظم من خسران لقائي!! سمعت الأستاذ أبا علي يقول: رأى الجريري الجنيد في المنام. فقال: كيف حالك يا أبا القاسم؟ فقال: طاحت تلك الإشارات، وبادت تلك العبارات، ومانفعنا إلا تسبيحات كنا نقولها بالغداوات. وقال التباجي: تشهيت يوماً شيئاً، فرأيت في المنام كأن قائلاً يقول: أيجمل بالحرِّ المريد أن يتذلل للعبيد، وهو يجد من مولاه ما يريد؟! وقال ابن الجلاء: دخلت المدينة وبي فاقة، فتقدمت إلى القبر، وقلت أنا ضيفك يا نبي الله.. فغفوت غفوة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في نومي وقد أعطاني رغيفاً فأكلت نصفه وانتبهت وبيدي النصف الآخر.\rوقال بعضهم: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يقول: زوروا ابن عون؛ فإنه يحب الله ورسوله.\rوقيل: رأى عتبة الغلامُ حوراء في المنام علي صورة حسنة، فقالت له: يا عتبة، أنا لك عاشقة، فانظر أن لا تعمل من الأعمال شيئاً يحال بيني وبينك، فقال لها عتبة: طلقت الدنيا ثلاثاً لا رجعة لي عليها. حتى ألقاك.","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"سمعت منصوراً المغربي يقول: رأيت شيخاً في بلاد الشام كبير الشأن، وكان الغالب عليه الانقباضُ، فقيل لي: رأيت شيخاً في بلاد الشام كبير الشأن وكان الغالب عليه الانقباضُ، فقيل لي: إن أردت أن ينبسط هذا الشيخ معك فسلم عليه وقل له: رزقك الله الحور العين؛ فإنه يرضى منك بهذا الدعاء. فسألت عن سببه، فقيل: إنه رأى شيئاً من الحور في منامه. فبقي في قلبه شيء من ذلك، فمضيب وسلمت عليه، وقلت: رزقك الله الحور العين، فانبسط الشيخ معي.\rوقيل: رأى أيوب السختياني جنازة عاص، فدخل دهليزاً؛ لئك يحتاج إلى الصلاة عليها فرأى بعضهم الميت في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي. وقال لي قل لأيوب السختياني \" قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق \" .\rوقيل: رؤي الليلة التي مات فيها مالك بن دينار كأن أبواب السماء قد فتحت، وقائلاً يقول: ألا إن مالك بن دينار أصبح من سكان الجنة.\rوقال بعضهم: رأيت الليلة التي مات فيها داود الطائي نوراً، وملائكة صعوداً وملائكة نزولاً، فقلت: أي ليلة هذه؟ فقالوا: ليلة مات فيها داود الطائي وقد زخرفت الجنة لقدوم روحه على أهلها.\rقال الأستاذ الإمام أبو القاسم القشيري: رأيت الأستاذ أبا عليّ الدقاق في المنام، فقلت له: ما فعل بك؛ فقال: ليس للمغفرة هاهنا كبير خطر، أقل من حضر هاهنا خطراً \" فلان \" أعيى كذا كذا.\rووقع لي في المنام أن ذلك الإنسان الذي ناه قتل نفساً بغير حق.\rوقيل: لما مات كرز بن وبرة رؤي في المنام كأن أهل القبور خرجوا من قبورهم وعليهم ثياب جدد بيض قيل: ما هذا؟ قيل: إن أهل القبور كسوا ثياباً جدداً لقدوم كرز بن وبرة عليهم.\rورؤي يوسف بن الحسين في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، فقيل له: بماذا؟ فقال: لأني ما خلطت جداً بهزل قط.\rورؤي أبو عبد الله الزرّاد في المنام، فقيل له: ما فعل الله تعالى بك؟ فقال: أوقفني، وغفر لي كلَّ ذنب أقررت به في الدنيا، إلا واحداً استحييت أن اقر به، فوقفني في العرق، حتى سقط لحم وجهي!! فقيل له: وما ذاك؟ فقال: نظرت يوماً إلى شخص جميل؛ فاستحييت أن أذكره.\rسمعت أبا سعيد الشحام يقول: رأيت الشيخ الإمام أبا الطيب سهلاً الصعلوكي في المنام، فقلت له: أيها الشيخ، فقال: دع الشيخ!! فقلت: وتلك الأحوال التي شاهدتها؟! فقال: لم تغن عنا شيئاً، فقلت: ما فعل الله تعالى بك؟ فقال غفر لي مسائل كانت تسأل عنها العُجُز فأجبتهم عنها.\rسمعت أبا بكر الرشيدي الفقيه يقول: رأيت محمداً الطوسي المعلم في المنام، فقال لي: قل لأبي سعيد الصفار المؤدب:\rوكنا على أن لا نخول عن الهوى ... فقد، وحياة الحب حلتم، وما حِلنا\rتشاغلتم عنا بصحبة غيرنا ... وأظهرتمُ الهجران، ما هكذا كنا!!\rلعل الذي يقضي الأمور بعلمه ... سيجمعنا بعد الممات كما كنا\rقال: فانتبهت. وقلت ذلك لأبي سعيد الصفار، فقال: كنت أزرو قبره كل يوم جمعة، فلم أزره هذه الجمعة.\rوحكي عن بعضهم أنه قال: رأيت في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله جماعتة من الفقراء، فبينما هو كذلك إذ نزل من السماء ملكان، وبيد أحدهما وطئت، وبيد الآخر إبريق؛ فوضع الطست بين يدي رسول الله على الله عليه وسلمن فغسل يده، ثم أمر الملكين حتى غسلوا أيديهم، تم وضع الطست بين يدين فقال أحدهما للأخر: لا تصب على يده؛ فإنه ليس منهم، فقلت يا رسول الله، اليس قد روى عنك أنك قلت \" المصع من أحب \" ؟ فقال: بلى، فقلت وأنا أحبك، وأحبُّ هؤلاء الفقراء، فقال صلى الله عليه وسلم: \" صب على يده، فإنهم منهم \"","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"وحكي عن بعضهم أنه كان يقول: أبداً: العافية.. العافية، فقيل له: ما معنى هذا الدعاء؟ فقال: كنت حمالاً في ابتداء أمري، وكنت حملت يوماً صدراً من الدقيق، فوضعته لاستريح، فكنت أقول: يا رب، ولو أعطيتني كل يوم رغيفين من غير تعب لكنت أكتفي بهما، فإذا رجلان يختصمان. فتقدمت أصلح بينهما: فضرب أحدهما رأسي بشيء أراد أن يضرب به خصمه، فدمي وحبي.. فجاء صاحب \" الربع \" فأخذهما، فلما رآني ملوثاً بالدم أخذني وظني أنني ممن تشاجر. فأدخلني السجن، وبقيت في السجن مدّه أوتي كل يوم برغيفين، فرأيت ليلة في المنام قائلاً يقول لي: إنك سألت الرغيفين كل يوم من غير نصب، ولم تسال العافية!! فأعطك ما سألت. فانتبهت، وقلت العافية. العافية، فرأيت باب السجن يُقرع، وقيل: أين عمر الحمال؟ فأطلقوني وخلوا سبيلي.\rوحكي عن الكتاني أنه قال: كان عندنا رجل من أصحابنا هاجت عينه، فقيل له: ألا تعالجها؟ فقال: عزمت على أن لا أعالجها حتى تبرأ، قال: فرأيت في المنام كأن قائلاً يقول: لو كان هذا العزم على أهل النار كلهم، لأخرجناهم من النار.\rوحكي عن الجنيد أنه قال: رأيت في المنام كأني أتكلم على الناس.. فوقف عليّ ملكٌ. فقال: أقرب ما تقرّب به المتقربون إلى الله ماذا؟ فقلت: عملٌ خفيّ بميزانٍ وفيّ. قال: فولى الملك عني، وهو يقول: كلام موفق والله.\rوقال رجل للعلاء بن زياد: رأيت في المنام كأنك من أهل الجنة. فقال: لهل الشيطان أراد أمراً فعصمت منه، فأشخص إليّ رجلا يعينه على مقصوده من إضلالي.\rوقيل رؤي عطاء السلمي في النوم، فقيل له: لقد كنت طويل الحزن، فما فعل الله تعالى بك؟ فقال: أما والله لقد أعقبني ذلك راحة طويلة وفرحاً دائماً، فقيل له: ففي أي الدرجات أنت؟ فقال: \" مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين.. \" الآية.\rوقيل: رؤيا الأوزاعي في المنام، فقال: ما رأيت ها هنا درجة أرفع من درجة العلماء، ثم المحزونين.\rوقال النباجي: قيل لي في المنام: من وثق بالله في رزقه زيد في حسن خلقه، وسمحت نفسه في نفقته، وقلت وساوسه في صلاته.\rوقيل: رؤيت زبيدة في المنام، فقيل لها: ما فعل الله تعالى بك؟ فقالت غفر لي، فقيل: بكثرة نفقتك في طريق مكة؟ فقالت: لا، أما إنًّ أجرها عاد إلى أربابها، ولكن غفر لي بنيًّتي.\rورؤي سفيان الثوري في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: وضعت أول قدميّ على الصراط، والثاني في الجنة.\rوقال أحمد بن أبي الحواري: رأيت في النوم جارية ما رأيت أحسن منها، يتلألأ وجهها نوراً، فقلت: ما أنور وجهك، فقالت: تذكر الليلة التي بكيت فيها؟ فقلت: نعم، فقالت: حملت إليّ دمعتك فمسحت بها وجهي، فصار وجهي هكذا.\rوقيل: رأى يزيد القرشي النبي صلى الله عيه وسلم في المنام، فقرأ عليه، فقال له: هذه القراءة فأين البكاء؟! وقال الجنيد: رأيت في المنام كأن ملكين نزلا من السماء، فقال أحدهما لي: ما الصدق؟ فقلت: الوفاء بالعهد، فقال الآخر: صدق، ثم صعدا.\rورؤي بشر الحافي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وقال: أما استحييت يا بشر مني، كنت تخافني كلّ ذلك الخوف!! وقيل: رؤي أبو سليمان الداراني في المنام، فقيل له ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وما كان شيء أضرَّ عليِّمن إشارات القوم!! وقال علي بن الموفق: كنت أفكر يوماً في سبب عيالي من الفقر الذي بهم، فرأيت في المنام رقعة فيها مكتوب \" بسم الله الرحمن الرحيم: يا ابن الموفق، أتخشى الفقر وأنا ربُّك!! \" فلما كان وقت الغلس أتاني رجل بكيس فيه خمسة آلاف دينار، وقال: خذها إليك يا ضعيف اليقين.\rوقال الجنيد: رأيت في المنام كأني واقف بين يدي الله تعالى فقال لي: يا أبا القاسم: من أين لك هذا الكلام الذي تقول؟ فقلت: لا أقول إلا حقّا، فقال: صدقت.\rوقال أبو بكر الكتاني: رأيت في المنام شاباً لم أر أحسن منه، فقلت: من أنت؟ فقال: التقوى، قلت: فأين تسكن؟ قال: في قلب كل حزين، ثم التفت فإذا امرأة سوداء كأوحش ما يكون، فقلت: من أنت؟ فقالت: الضحك، فقلت: وأين تسكنين؟ فقالت في كل قلب فرح. مرح. قال: فانتبهت، واعتقدت أن لا أضحك إلا غلبة.","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"وحكي عن أبي عبد الله بن خفيف أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام كأنه قال لي: من عرف طريقاً إلى الله تعالى سلكه، ثم رجع عنه عذبه الله عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين.\rورؤي الشبلي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: ناقشني حتى أيست، فلما رأى يأسي تغمدني برحمته.\rوقال أبو عثمان المغربي: رأيت في النوم كأن قائلا يقول لي: يا أبا عثمان، اتق الله في الفقر، ولو بقدر سمسمة.\rوقيل: كان لأبي سعيد الخراز ابن مات قبله، فرآه في المنام، فقال له: يا بني، أوصني.\rفقال: يا أبت، لا تعامل الله على الجبن، فقال: يا بني، زدني.\rفقال: لا تخالف الله تعالى فيما يطالبك به، فقال: زدني.\rفقال: لا تجعل بينك وبين الله قميصاً قال؛ فما لبس القميص ثلاثين سنة.\rوقيل: كان بعضهم يقول في دعائه: اللهم الذي لا يضرك وينفعنا لا تمنعه عنا، فرأى في المنام كأنه قيل له: وأنت. فالشيء الذي يضرك ولا ينفعك فدعه.\rوحكي عن أبي الفضل الأصبهاني أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقلت: يا رسول الله سل الله أن لا يسلبني الإيمان، فقال صلى الله عليه وسلم: ذاك شيء قد فرغ الله تعالى منه. وحكي عن أبي سعيد الخراز قال: رأيت إبليس في المنام، فأخذت عصاي لأضربه، فقيل لي: إنه لا يفزع من هذا، إنما يفزع من يكون في القلب.\rوقال بعضهم: كنت أدعو لرابعة العدوية، فرأيتها في النوم تقول: هداياك تأتينا على أطباق من نور، مخمّرة بمناديل من نور.\rويروى عن سماك بن حرب أنه قال: كف ّبصري، فرأيت في المنام كأن قائلاً يقول لي: إئت الفرت، فانغمس فيه، وافتح عينيك، قال: ففعلت، فأبصرت.\rوقيل: رؤي بشر الحافي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: لما رأيت ربي عزوجل قال لي: مرحباً يا بشر، لقد توفيتك يوم توفيتك، وما على الأرض أحبّ إليّ منك.\rباب الوصية للمريدين\rقال الأستاذ الإمام: لما اثبتنا طرفاً من سير القوم، وضممنا إلى ذلك أبواباً من المقامات، أردناأن نختم هذا الرسالة بوصية للمريدين، نرجو من الله تعالى حسن توفيقهم لاستعمالها، وأن لا يحرمنا القيام بها، وأن لا يجعلها - سبحانه - حجة علينا.\rفول قدم للمريد في هذه الطريقة ينبغي أن يكون على الصدق، ليصح له البناءُ على أصل صحيح؛ فإن الشيوخ قالوا: إنما حُرموا الوصول لتضييعهم الأصول..\rكذلك سمعت الأستاذ أبا علي يقول؛ فتجب البداية بتصحيح اعتقاد بينه وبين الله تعالى، صاف عن الظنون والشبه، خال من الضلالة والبدع، صادر عن البراهين والحجج.\rويقبح بالمريد أن ينتسب إلى مذهب من مذاهب من ليس من هذه الطريقة.\rوليس انتساب الصوفي إلى مذهب من مذاهب المختلفين، سوى طريقة الصوفية، إلا نتيجة جهلهم بمذاهب أهل هذه الطريقة؛ فإن هؤلاء حججهم في مسائلهم أظهر من حجج كل أحد، وقواعد مذهبهم أقوى من قواعد كل مذهب.\rوالناس: إمَّا أصحاب النقل والأثر، وما أرباب العقل والفِكر.\rوشيوخ هذه الطائفة ارتقوا عن هذه الجملة؛ فالذي للناس غيب، فهو لهم ظهور، والذي للخلق من المعارف مقصود فلهم من الحق سبحانه، موجوج، فهم أهل الوصال، والناسً أهل الاستدلال.\rوهم كما قال القائل:\rليلى بوجهك مشرق ... وظلامُه في الناس ساري\rفالناس في سلدف الظلام ... ونحن في ضوء النهار\rولم يكن عصر ن الأعصار في مدة الإسلام إلا وفيه شيخ من شيوخ هذه الطائفة، ممن له علوم التوحيد، وإمامة القوم إلا وأئمة ذلك الوقت من العلماء استسلموا لذلك الشيخ، وتواضعوا وتبركوا به..\rولولا مزية، وخصوصية لهم، وإلا كان الأمر بالعكس..\rهذا أحمد بن حنبل كان عند الشافعي، رضي الله عنهما، فجاء شيبان الراعي فقال أحمد: أريد يا ابا عبد الله أن أُنبِّه هذا على نقصان علمه، ليشتغل بتحصيل بعض العلوم.\rفقال الشافعي: لا تفعل!! فلم يقنع؛ فقال لشيبان: ما تقول فيمن نسي صلاة من خمس صلوات في اليوم والليلة، ولا يدري أي صلاة نسيها، ما الواجب عليه: يا شيبان؟! فقال شيبان: يا أحمد، هذا قلب غفل عن الله تعالى، فالواجب أن يؤدب حتى لا يغفل عن مولاه بعدُ!! فغشي على أحمد.. فلما أفاق، قال له الإمام الشافعي، رحمه الله: ألم أقل لك لا تحرك هذا!!","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"وشيبان الراعي كان أمياً منهم، فإذا كان حالُ الأمي منهم هكذا، فما الظنُّ بأئمتهم؟؟ وقد حكي أن فقيهاً من أكابر الفقهاء كانت حلقته بجنب حلقة الشبلي في جامع المنصور، وكان يقال لذلك الفقيه أبو مران وكان تتعطل عليهم حلقتهم لكلام الشبلي.\rفسأل اصحابُ أبي عمران يوماً الشبلي عن مسألة في الحيض، وقصدوا إخجال!! فذكر مقالات الناس في تلك المسألة، والخلاف فيها..\rفقام أبو عمران وقبل رأس الشبليّ، وقال: يا أبا بكر، استفدت في هذه المسألة عشر مقالات لم أسمعها، وكان عندي من جملة ما قلت ثلاثة أقاويل.\rوقيل: اجتاز أبو العباس بن سريج الفقيه بمجلس الجنيد، رحمهما الله، فسمع كلامه، فقيل له: ما تقول في هذا الكلام؟ فقال: لا أدري ما يقول.. ولكني أرى لهذا الكلام صولة ليست بصولة مبطل.\rوقيل لعبد الله بن سعيد بن كلاب: أنت تتكلم على كلام كل أحد، وهاهنا رجل يقال له الجني، فانظر هل تعترض عليه أم لا؟ فحضر حلقته..\rفسأل الجنيدَ عن التوحيد فأجابه، فتحيّر عبد الله وقال: أعد عليّ ما قلت؟.\rفأعاده ولكن لا بتلك العبارة.\rفقال له عبد الله: هذا شيء آخر لم أحفظ، تعيده عليّ مرة أخرى..\rفأعاد بعبارة أخرى، فقال عبد الله: ليس يمكنني حفظ ما تقول!! أمْلِه علينا، فقال: إن كنت أجزته فأنا أمليه، فقام عبد الله، وقال بفضله، واعترف بعلوَ شأنه.\rفإذا كان أصول هذه الطائفة أصحَّ الأصول، ومشايخُهم أكبرَ الناس، وعلماؤهم أعلمَ الناس، فالمريد الذي له إيمان بهم: إن كان من أهل السلوك والتدرج إلى مقاصدهم فهو يساهمهم فيما خُصوا به من مكاشفات الغيب، فلا يحتاج إلى التطفل على من هو خارج عن هذه الطائفة، وإن كان مريداً طريقةَ الاتباع وليس بمستقبل بحاله، يريد أن يعرج في أوطان التقليد إلى أن يصل إلى التحقيق فليقلد سلَفَه، وليجر على طريقة هذه الطبقة؛ فإنهم أولى به من غيرهم.\rولقد سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت الشبلي يقول: ما ظنك بعِلمَ عِلم العلماءُ فيه تهمة!! وسمعته يقول: سمعت محمد بن علي بن محمد المخرمي يقول: سمعت محمد ابن عبد الله الفرغاني يقول: سمعت الجنيد يقول: لو علمت أن لله عِلْماً تحت أديم السماء اشرفُ من هذا العلم الذي نتكلم فيه ما أصحابنا وإخواننا لسعيت إليه، ولقصدته.\rوإذا أحكم المريد بينه وبين الله عقده، فيجب أن يحصل من علم الشريعة، إما بالتحقيق، وإما بالسؤال عن الأئمة ما يؤدي به فَرْضَه، وإن اختلف عليه فتاوى الفقهاء يأخذُ بالأحوط، ويقصد الخروج من الخلاف، فإن الرخص في الشريعة للمستضعفين وأصحاب الحوائج والأشغال.\rوهؤلاء الطائفة ليس لهم شغل سوى القيام بحقِّه سبحانه، ولهذا قيل: إذا انحظ الفقير عن درجة الحقيقة إلى رُخصة الشريعة فقد فسخ عقده مع الله، ونقض عهده فيما بينه وبين الله تعالى.\rثم يجب على المريد أن يتأدَّب بشيخ؛ فإن لم يكن له أستاذ لا يفلح أبداً.\rهذا أبو يزيد يقول: من لم يكن له أستاذ فإمامه الشيطان.\rوسمعت الأستاذ أبا عليِّ الدقاق يقول: الشجرة إذا نبتت بنفسها من غير غراس فإنها تورق، ولكن لا تُثمر؛ كذلك المريد إذا لم يكن له أستاذ يأخذ منه طريقته نفساً نفساً فهو عابد هواه، لا يجد نفاذاً.\rثم إذا أراد السلوكَ فبعد هذه الجملة يجب أن يتوب إلى الله سبحانه من كل زلة؛ فيدع جميع الزلات: سرها وجهرها، صغيرها وكبيرها، ويجتهد في إرضاء الخصوم أولاً، ولم يُرض خصومَه، لا يفتح له من هذه الطريقة بشيء.\rوعلى هذا النحو جروا، ثم بعد هذا يعمل في حذف العلائق والشواغل؛ فإن بناء هذا الطريق على فارغ القلب.\rوكان الشبلي يقول للحصري في ابتداء أمره: إن خطر ببالك من الجمعة إلى الجمعة الثانية التي تأتيني فيها غيرَ الله تعالى فحرام عليك أن تحضرني.\rوإذا أراد الخروج عن العلائق فأولها: الخروج عن المال؛ فإن ذلك الذي يميل به عن الحق، ولم يوجد مريدٌ دخل في هذا الأمر ومعه علاقة من الدنيا إلا جرته تلك العلاقة عن قريب إلى ما منه خرج، فإذا خرج عن المال، فالواجب عليه الخروجُ عن الجاه، فإن ملاحظة حب الجاه مقطعة عظيمة.","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"وما لم يستو عند المريد قبول الخلق وردهم لا يجيء منه شيء، بل اضرُّ الأشياء له ملاحظة الناس إياه بعين الإثبات والتبرُّك به لإفلاس الناس عن هذا الحديث، وهو بعد لم يصحح الإرادة، فكيف يصح أن يتبرك به؟! فخروجهم من الجاه واجب عليهم؛ لأن ذلك سم قاتل لهم، فإذا خرج عن ماله وجاهه فيجب أن يصحح عقده بينه وبين الله تعالى، وأن لا يخالف شيخه في كلِّ ما يشير عليه: لأن الخلاف للمريد في ابتداء امره عظيم الضرر؛ لأن ابتداء حاله دليل على جميع عمره.\rومن شرطه: أن لا يكون له بقلبه اعتراض على شيخه، فإذا خطر ببال المريد أن له في الدنيا والآخرة قدراً أو قيمة، أو على بسيط الأرض أحد دونه لم يصح له في الإرادة قدم، لأنه يجب أن يجتهد، ليعرف ربه، لا ليحصل لنفسه قدراً.\rوفرق بين من يريد الله تعالى وبين من يريد جاه نفسه، إما عاجله وإما، آجله، ثم يجب عليه حفظ سره حى عن زِره إلا عن شيخه، ولو كنتم نفساً من أنفاسه عن شيخه فقد خانه في حق صحبته، ولو وقعت له مخالفة فيما شار علي شيخه، فيجب أن يقر بذلك بين يديه في الوقت، ثم يستسلم لما يحكم به عليه شيخه عقوبة له على جنايته ومخالفته، إما بسفر يُكلفه، أو أمر ما يراه.\rولا يصح للشيوخ التجاوز عن زلات المريدين، لأن ذلك تضييع لحقوق الله تعالى، وما لم يتجرد المريد عن كل علاقة لا يجوز لشيخ أن يلقنه شيئاً من الأذكار، بل يجب أن يقدم التجربة له، فإذ شهد قلبه للمريد بصحة العزم فحيئذ يشترط عليه أن يرضي بما يستقبله في هذه الطريقة من فنون تصاريف القضاء، فيأخذ عليه العهد بأن لا ينصرف عن هذه الطريقة بما يستقبله من الضرر والذل، والفقر والأسقام والآلام، وأن لا ينجح بقلبه إلى السهولة، ولا يترخص عند هجوم الفاقات وحصول الضرورات، ولا يؤثر الدعة، ولا يستشعر الكسل فإن وقفة المريد شر من فترته.\rوالفرق بين الفترة والوقفة أن الفترة رجوع عن الإرادة وخروج منها، والوقفة سكون عن السير باستحلاء حالات الكسل.\rوكان مريد وقف في ابتداء إرادته لا يجيء منه شيء.\rفإذا جر به شيخه، فيجب عليه أن يلقنه ذكراً من الأذكار على ما يراه شيخه فيأمره أن يذكر ذلك الاسم بلسانه، ثم يأمره أن يستوي قلبه مع لسانه، فيقول له: اثبت على استدامة هذا الذكر كأنك مع ربك أبداً بقلبك، ولا يجري على لسانك غير هذا الاسم ما أمكنك ثم يأمره أن يكون أبداً في الظاهر على الطهارة، وأن لا يكون نومه إلا غلبة، وأن يقلل من غذائه بالتدريج شيئاً بعد شيء حتى يقوى على ذلك، ولا يأمره أن يترك عادته بمرة، فإن في الخبر: \" إنَّ المنبتَّ لا أرضا قطع، ولا ظهراً أبقى \" .\rثم يأمره بإيثار الخلوة والعزلة، ويجعل اجتهاده في هذه الحالة لا محالة في نفي الخواطر الدنية والهواجس الشاغلة للقلب.\rواعلم، أن في هذه الحالة قلما يخلوا المريد في أوان خلوته في ابتداء إرادته من الوساوس في الاعتقاد، لا سيما إذا كان في المري كياسة قلب، وقلَّ مريدٌ لا تستقبله هذه الحالة في ابتداء إرادته.\rوهذه من الامتحانات التي تستقبل المريدين، فالواجب على شيخه إن رأى فيه كياسة، أن يحيله على الحجج العقلية، فإن بالعلم يتخلص لا محالة المتعرف مما يعتريه من الوساوس.\rوإن تفرس شيخه فيه القوة والثبات في الطريقة أمره بالصبر واستدامة الذكر حتى تسطع في قلبه أنوار القبول، وتطلع في سره شموس الوصول، وعن قريب يكون ذلك.\rولكن لا يكون هذا إلا لأفراد المريدين، فأما الغالب فأن تكون معالجتهم بالرد إلى النظر، وتأمل الآيات بشرط تحصيل علم الأصول على قدر الحاجة الداعية للمريد.\rواعلم أنه يكون للمريدين على الخصوص بلايا من هذا الباب، وذلك أنهم إذا خلوا في مواضع ذكرهم، أن يكونوا في مجالس سماع، أو غير ذلك فيهجس في نفسه ويخطر، ببالهم أشياء منكرة، يتحققون أن الله، سبحانه، منزه عن ذلك، وليس تعتريهم شبهة في أن ذلك باطل، ولكن يدوم ذلك، فيشتد تأذيهم به، حتى يبلغ ذلك حداً يكون أصعب شتم وأقبح قول وأشنع خاطر، بحيث لا يمكن للمريد إجراء ذلك على اللسان، وإبداؤ لأحد، وهذا أشد شيء يقع لهم.\rفالواجب عند هذا ترك مبالاتهم بتك الخواطر، واستدامة الذكر، والابتهال إلى الله باستدفاع ذلك.","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"وتلك الخواطر ليست من وساوس الشيطان، وإنما هي من هواجس النفس، فإذا قابلها للعبد بترك المبالاة بها ينقطع ذلك عنه.\rومن آداب المريد، بل من فرائض حاله، أن يلازم موضع إرادته، وأن لا يسافر قبل أن تقبله الطريق، وقبل الوصول بالقلب إلى الرب، فإن السفر للمريد في غير وقته سم قاتل، ولا يصل أحد منهم إلى ما كان يرجى له إذا سافر في غير وقته.\rوإذا أراد الله بمريد خيراً ثبته في اول رادته، وإذا أراد الله بمريد شراً رَده إلى ما خرج عنه من حرفته أو حالته، وإذا أراد الله بمريد محنة شرَّده في مطارح غربته.\rهذا إذا كان المريد يصلح للوصول: فأما إذا كان شاباً طريقته الخدمة في الظاهر بالنفس للفقراء، وهو دونهم في هذه الطريقة رتبة، فهو وأمثاله يكتفون بالترسم في الظاهر، فينقطعون في الأسفار. وغية نصيبهم من هذه الطريقة حِجَّات يحصلونها، وزيارات لموضع يُرتحل إليه، ولقاء شيوخ بظاهر سلام، فيشاهدون الظواهر، ويكتفون بما في هذا الباب من السير، فهؤلاء الواجب لهم دوام السفر، حتى لا تؤديهم الدعة إلى ارتكاب محظور فإن الشاب إذا وجد الراحة والدعة كان في معرض الفتنة.\rوإذا توسط المريد جمع الفقراء والأصحاب في بدايته فهو مضر له جداً، فإن امتحن واحد بذلك فليكن سبيله احترام الشيوخ، والخدمة للأصحاب، وترك الخلاف عليهم،والقيام بما فيه راحة الفقير، والجهد في أن لايستوحش منه قلب شيخ.\rويجب أن يكون في صحبته مع الفقراء أبداً خصمهم على نفسه، ولا يكون خصم نفسه عليهم، ويرى لكل واحد منهم عليه حقاً واجباً، ولا يرى لنفسه واجباً على أحد.\rويجب أن لا يخالف المريد أحداً، وإن علم أن الحق معه يسكت، ويُظهر الوفاق لكل أحد.\rوكل مريد يكون فيه ضحك ولجاج ومماراة فإنه لا يجيى منه شيء!! وإذا كان المريد في جمع من الفقراء، إما في سفر أو حضر، فينبغي أن لا يخالفهم في الظاهر، لا في أكل ولا صوم ولا سكون ولا حركة، بل يخالفهم بسره وقلبه، فيحفظ قلبه مع الله عزَّ وجلَّ، وإذا أشاروا عليه بالأكل، مثلاً، يأكل لقمة أو لقمتين، ولا يعطى نفس شهوتها.\rوليس من آداب المريدين كثرة الأوراد في الظاهر، فإن القوم في مكابدة إخلاء خواطرهم، ومعالجة أخلاقهم، ونفى الغفلة عن قلوبهم، لا في تكثير أعمال البر. والذي لابد لهم منه إقامة الفرائض والسنن الراتبة.\rفأما الزيادة من الصلوات النافلة فاستدامة الذكر بالقلب أتم لهم.\rورأس مال المريد: الاحتمال عن كل أحد، بطيبة النفس، وتلقي ما يستقبله بالرضا، والصبر على الضر والفقر، وترك السؤال والعارضة في القليل ولكثير فيما هو حظ له.\rومن لم يصبر على ذلك فليدخل السوق، فإن من اشتهى من يشتهيه الناس، فالواجب أن يحصل شهوته من حيث يحصلها الناس: من كد اليمين، وعرق الجبين...\rوإذا التزم المريد استدامة الذكر وآثر الخلوة فإن وجد في خلوته ما لم يجده قبله إما في النوم وإما في اليقظة، أو بين اليقظ. والنوم من خطاب يًسمْع، أو معنى يُشاهد مما يكون نقضاً للعادة، فينبغي أن لا يشتغل بذلك البتة، ولا يسكن إليه، ولا ينبغي له أن ينتظر حصول أمثال ذلك، فإن ذلك كله شواغل عن الحق سبحانه.\rولابد له في هذه الأحوال من وصف ذلك لشيخه حتى يصير قلبه فارغاً عن ذلك.\rويجب على شيخه أن يحفظ عليه سره، فيكتم عن غيره أمره، ويصغر ذلك في عينه، فإن ذلك كله اختبارات والمساكنة إليها مكر، فليحظر المريد عن ذلك، وعن ملاحظتها، وليجعل همته فوق ذلك.\rواعلم أن أضر الأشياء بالمريد: استئناسه بما يلقى إليه في سره من تقريبات الحق سبحانه له، ومنته عليه بأني خصصتك بهذا وأفردتك عن أشكالك، فإنه لو قال بترك هذا فعن قريب سيختطف عن ذلك مما يبدو له من مكاشفات الحقيقة.\rوشرح هذه الجملة بإثباته في الكتب متعذر.\rومن أكام المريد إذا لم يجد من يتأدب به في موضعه أن يهاجر إلى من هو منصوب في وقته لإرشاد المريدين، ثم يقيم عليه، ولا يبرح عن سدّته إلى وقت الإذن.\rواعلم أن تقديم معرفة رب البيت - سبحانه - على زيارة البيت واجب، فلولا معرفة رب البيت ما وجبت زيارة البيت، والشبان الذين يخرجون إلى الحج ثم زيارة البيت من هؤلاء القوم من غير إشارة إلى الشيوخ فهي بدلالات نشاط النفوس، فهم متوسمون بهذه الطريقة، وليس سفرهم على أصل.","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"والذي يدل على ذلك: أنه لا يزداد سفرهم إلا وتزداد تفرقة قلوبهم، فلو أنهم ارتحلوا من عند أنفسهم بخطوة لكان أحظة لهم من ألف سفرة.\rومن شرط المريد إذا زار شخصاً أن يدخل عليه بالحرمة، وينظر إليه بالحشمة، فإن أهله الشيخ لشيء من الخدمة عدّ ذلك من جزيل النعمة.\rفصل\rعصمة المشايخ\rولا ينبغي للمريد أن يعتقد في المشايخ العصمة بل الواجب أن يذوهم وأحوالهم؛ فيحسن بهم الظن ويراعى مع الله تعالى حده فيما يتوجه عليه من الأمر.\rوالعلم كافية في التفرقة بين ما هو محمود وما هو معلول.\rفصل\rما بقي في قلب المريد من الدنيا\rوكلُّ مريد بقي في قلبه لشيء من عروض الدنيا مقدار وخطر قاسم الإرادة له مجاز.\rوإذا بقي في قلبه اختيار فيما يخرج عنه من معلومه فيريد أن يخص به نوعاً من أنواع البرّ، أو شخصاً دون شخص، فهو متكلف في حاله، وبالخطر أن يعود سريعاً إلى الدنيا، لأن قصد المريد في حذف العلائق الخروجُ منها، لا السعي في أعلى البر.\rوقبيح بالمريد أن يخرج من معلومه من رأس ماله، وقنيته، ثميكون أسير حرفة.\rوينبغي أني ستوي عنده وجود ذلك وعدمه، حتى لا ينافر لأجله فقيراً، ولا يضايق به أحداً، ولو مجوسياً.\rفصل\rقبول قلوب المشايخ للمريد..\rأصدق شاهد لسعادته\rومن رده قلب شيخُ من الشيوخ فلا محالة يرى غبّ ذلك، ولو بعد حين.\rومن خُذل بترك حرمة الشيوخ فقد أظهر رقم شقاوته، وذلك لا يخطىء.\rفصل\rصحبة الأحداث\rمن أصعب الآفات في هذه الطريقة صحبة الأحداث ومن ابتلاه الله بشيء من ذلك فبإجماع الشيوخ: ذلك عبدٌ أهانه الله عزّ وجل وخذل، بل عن نفسه شغله، ولو بألف ألف كرامة أهله.\rوهب أنه بلغ رتبة الشهداء لما في الخبر تلويح بذلك، أليس قد شغل ذلك القلب بمخلوق!! وأصعب من ذلك: تهوين ذلك على القلوب، حتى يعد ذلك يسيراً، وقد قال الله تعالى: \" وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم \" .\rوهذا الواسطي رحمه الله، يقول: إذا أراد الله هوان عبد ألقاه إلى هؤلاء الأنتان والجيف.\rسمعت أبا عبد الله الصوفي يقول: سمعت محمد بن أحمد النجار يقول: سمعت أبا عبد الله الحصري يقول: سمعت فتحاً الموصلي يقول: صحبت ثلاثين شيخاً كانوا يعدون من الأبدال، كلهم أوصوني عند فراقي إياهم، وقالوا لي: اتق معاشرة الأحداث ومخالطتهم.\rومن ارتقى في هذا الباب عن حالة الفسق، وأشار إلى أن ذلك من بلاء الأرواح وأنه لا يضرّ، وما قالوه من وساوس القائلين بالشاهد، وإيراد حكايات عن بعض الشيوخ، لما كان الأولى بهم إسبال الستر عن هناتهم وآفاتهم، الصادرة منهم فذلك نظير الشرك وقرين الكفر.\rفليحذر المريد من مجالسة الأحداث، ومخالطتهم؛ فإنه اليسير منه فتح باب الخذلان، وبدء حال الهجران. ونعوذ بالله من قضاء السوء.\rفصل ومن آفات المريد\rالحسد للإخوان\rما يتداخل النفس من خفيَّ الحسد للإخوان والتأثر بما يفرد الله عز وجل به أشكاله من هذه الطريقة، وحرمانه إياه ذلك.\rوليعلم أن الأمور قِسَم، وإنما يتخلص العبد عن هذا باكفتائه بوجود الحق، وقدمه عن مقتضى جوده ونعمه.\rفكل من رأيت أيها المريد قَدَم الحقُّ، سبحانه، رتبته فأحمل أنت غاشيته؛ فإن الظفراء من القاصدين على ذلك استمرت سنتهم.\rفصل\rإيثارُ الكل بالكل\rمن حق المريد إذا اتفق وقوعه في جمع إيثارُ الكل بالكل فيقدم الجائع والشبعان على نفسه، ويتلمذ لكل من أظهر عليه التشيخ، وإن كان هو أعلم منه، ولا يصل إلى ذلك إلا بتبريه عن حوله وقوته،وتوصله إلى ذلك بطول الحق ومنته.\rفصل\rآداب المريد في السماع\rفالمريد لا يسلم له الحركة في السماع بالاختيار ألبتة؛ فإن ورد عليه وارد حركة لم يكن فيه فضل قوة فبمقدار الغلبة يعذر فإذا زالت الغلبة يجب عليه القعود والسكون، فإن استدام الحركة مستحلياً للوجد من غير غلبة وضرورة لم يصح، فإن تعود ذلك يبقى متخلفاً لا يكاشف بشيء من الحقائق، فغاية أحواله حينئذ أن يطيب قلبه.\rوفي الجملة إن الحركة تأخذ من كل متحرك وتنقص من حاله، مريداً كان أو شيخاً، إلا أن تكون بإشارة من الوقت، أو غلبة تأخذه عن التمييز.","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"فإن كان مريداً أشار عليه الشيخ بالحركة فتحرك على إشارته فلا بأس إذا كان الشيخ ممن له حكم على أمثاله.\rوأما إذا أشار عليه الفقراء بالمساعدة في الحركة فيساعدهم في القيام، وفي أداء مالا يجد منه بداً مما يراعى عن الاستيحاش لقلوبهم.\rثم إنّ صدقه في حاله يمنع قلوب الفقراء من سؤالهم عند المساعدة معهم.\rوأما طرح الخِرقة فحق المريد أن لا يرجع في شيء منه ألبتة، اللهم إلا أن يشير عليه شيخ بالرجوع فيه، فيأخذه على نية العارية بقلبه، ثم يخرج عنه بعده من غير أن يستوحش قلب ذلك الشيخ.\rوإذا وقع بين قوم عادتهم طرح الخرقة، وعلم أنهم يرجعون فيها، فإن لم يكن فيهم شيخ تجب حشمته وحرمته،وكان طريق هذا المريد أن لا يعود في الخرقة فالأحسن له أن يساعدهم في الطرح، ثم يؤثر به القوال إذا رجعوا هم فيها، ولو لم يطرح؛ فإنه يجوز إذا علم من عادة القوم أنهم يعودون فيما طرحوا فإن القبيح إنما هو سنتهم في العود إلى الخرق، لا في مخالفته لهم. على أن الأولى الطرح على الموفقة، ثم ترك الرجوع فيه.\rولا يسلم للمريد ألبتة التقاضي على القوال؛ لأن صدق حاله يحمل القوال على التكرار، ويحمل غيره على الاقتضاء.\rومن تبرك بمريد فقد جار عليه، لأنه يضره لقلة قوته، فالواجب على المريد ترك تربية الجاه عند من قال بتركه وإثباته.\rفصل\rإن ابتلي مريد بجاه\rأو معلوم، أو صحبة حدث، أوميل إلى امرأة، أو استنامة إلى معلوم، وليس هناك شيخ يدله على حيلة يتخلص بها من ذلك، فعند ذلك حل له السفر والتحول عن ذلك الموضع، ليشوش على نفسه تلك الحالة.\rولا شيء أضر بقلوب المريدين من حصول الجاه لهم قبل خمود بشريتهم.\rومن آداب المريد: أن لا يسبق علمه في هذه الطريقة منازلته. فإنه إذا تعلم سير هذه الطائفة، وتكلف الوقوف على معرفة مسائلهم وأحوالهم قبل تحققه بها بالمنازلة والمعاملة بعد وصوله إلى هذه المعاني ولهذا قال المشايخ: إذا حدّث العارف عن المعارف، فجهَّلوه، فإن الاخبار عن لمنازل دون المعارف.\rومن غلب علمه منازلته فهو صاحب علم، لا صاحب سلوك.\rفصل\rآداب المريدين\rأن لايتعرضوا للتصدر، وأن يكون لهم تلميذاً ومريداً فإن المريد ذا صار مراداً، قبل خمود بشريته وسقوط آفته، فهو محجوب عن الحقيقة، لا تنفع أحداً إشارته وتعليمه.\rفصل إذا خدم المريد الفقراء فخواطر الفقراء أرسلهم إليه. فلا ينبغي أن يخالف المريد ما حكم به باطنه عليه من الخلوص في الخدمة، وبذل الوسع والطاقة.\rفصل شأن المريد إذا كان طريقته خدمة الفقراء الصبر على جفاء القوم معه. وأن يعتقد أنه يبذل روحه في خدمتهم. ثم لا يحمدون له أثراً. فيعتذر إليهم من تقصيره. ويقر بالجناية على نفسه؛ تطبيقاً لقلوبهم.\rوإن علم أنه بريء الساحة، وإذا زادوه في الجفاء، فيجب أن يزيدهم في الخدمة والبرّ.\rسمع الإمام أبا بكر بن فورك يقول: إن في المثل: \" إذا لم تصبر على المطرقة فلماذا كنت سنداناً \" . وفي معناه أنشدوا:\rربما جثته لأسلفه العذر ... لبعض الذنوب قبل التجني\rفصل حفظ آداب الشريعة بناء على هذا الأمر ومِلاكه على حفظ آداب الشريعة وصون اليد عن المدّ إلى الحرامُ والشبهة، وحفظ الحواس عن المحظورات، وعدّ الأنفاس مع الله تعالى عن الغفلات، وأن لا يستحل مثلاً سمسمة فيها شبهة في أوان الضرورات فكيف عند الاختيار، ووقت الراحات؟! ومن شأن المريد دوام المجاهدة في ترك الشهوات، فإن من وافق شهوته عدّم صفوته.\rوأقبح الخصال بالمريد رجوعه إلى شهوة تركها لله تعالى.\rفصل حفظ العهود مع الله تعالى من شأن المريد حفظ عهوده مع الله تعالى فإن نقض العهد في طريق الإرادة كالرِّدة عن الدين لأهل الظاهر.\rولا ينبغي للمريد أن يعاهد الله تعالى على شيء باختياره ما أمكنه، فإن في لوازم الشرع ما يستوفي منه كل وّسع: قال الله تعالى في صفة قوم: \" ورهبانية ابتدعوها، ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها \" .\rفصل من شأن قصر الأمل فإن الفقير ابن وقته.\rفإذا كان له تدبير في المستقبل، وتطلّع لغير ما هو فيه من الوقت، وأملٌ فيما يستأنفه لا يجيء منه شيء.\rفصل","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"أن لا يكون له معلوم وإن قلّ من شأن المريد أن لا يكون له معلوم وإن قلّ ولا سيما إذا كان بين الفقراء؛ فإن ظلمة المعلوم تطفىء نور الوقت.\rفصل ترك قبول رفق النسوان من شأن المريد، بل من طريقة سالكي هذا المذهب: ترك قبول رفق النسوان، فكيف التعرَّض لاستجلاب ذلك؟! وعلى هذا درج شيوخهم، وبذلك نفذت وصاياهم.\rومن استصغر هذا، فعن قريب يلقي ما يفتضح فيه.\rفصل التباعد عن أبناء الدنيا من شأن المريد: التباعد عن أبناء الدنيا.\rفإنَََّ صحبتهم سمٌّ مجرب!! لأنهم ينتفعون به وهو ينتقض بهم، قال الله تعالى: \" ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا \" .\rوأنّ الزّهاد يخرجون المال عن الكيس تقرُّباً إلى الله تعالى، وأهل الصفاء يخرجون الخلق والمعارف تحققاً بالله تعالى.\rقال الأستاذ الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، رضي الله تعالى عنه: فهذه وصيتنا إلى المريدين، نسأل الله الكريم لهم التوفيق، وأن لا يجعلها وبالاً علينا.\rوقد نجز لنا إملاء هذه الرسالة في أوائل سنة: ثمان وثلاثين وأربعمائة، نسأل الله الكريم أن لا يجعلها حجة علينا ووبالاً، بل تكون لنا وسيلة ونوالاً، إنّ الفضل منه مألوف، وهو بالعفو موصوف.\rوالحمد لله حقّ حمده، وصلواته، وبركاته، ورحمته على رسوله سيدنا النبيّ الأمي وآله الطاهرين، صحبة الكرام المنتخبين، وسلم تسليماً كثيراً.","part":1,"page":186}],"titles":[{"id":1,"title":"الجزء الأول","lvl":1,"sub":1},{"id":1,"title":"مقدمة المؤلف","lvl":2,"sub":2},{"id":1,"title":"بسم الله الرحمن الرحيم","lvl":1,"sub":3},{"id":2,"title":"الفصل الأول","lvl":1,"sub":0},{"id":2,"title":"بيان اعتقاد هذه الطائفة في مسائل الأصول","lvl":2,"sub":1},{"id":2,"title":"معرفة الله","lvl":2,"sub":2},{"id":2,"title":"صفاته","lvl":2,"sub":3},{"id":3,"title":"الإيمان","lvl":2,"sub":0},{"id":4,"title":"الأرزاق","lvl":2,"sub":0},{"id":4,"title":"الكفر","lvl":2,"sub":1},{"id":5,"title":"العرش","lvl":2,"sub":0},{"id":5,"title":"الحق سبحانه","lvl":2,"sub":1},{"id":6,"title":"أصول المشايخ","lvl":2,"sub":0},{"id":6,"title":"إبراهيم بن أدهم","lvl":2,"sub":1},{"id":7,"title":"ذو النون المصري","lvl":2,"sub":0},{"id":8,"title":"أبو علي الفضيل بن عياض","lvl":2,"sub":0},{"id":8,"title":"معروف بن فيروز الكرخي","lvl":2,"sub":1},{"id":9,"title":"سري بن المغلس السقطي","lvl":2,"sub":0},{"id":10,"title":"بشر بن الحارث الحافي","lvl":2,"sub":0},{"id":11,"title":"أبو عبد الله المحاسبي","lvl":2,"sub":0},{"id":11,"title":"داود بن نصير الطائي","lvl":2,"sub":1},{"id":12,"title":"شقيق بن إبراهيم البلخي","lvl":2,"sub":0},{"id":12,"title":"أبو يزيد البسطامي","lvl":2,"sub":1},{"id":13,"title":"أبو محمد التستري","lvl":2,"sub":0},{"id":14,"title":"أبو سليمان الداراني","lvl":2,"sub":0},{"id":14,"title":"أبو عبد الرحمن حاتم بن علوان","lvl":2,"sub":1},{"id":15,"title":"أبو زكريا الرازي الواعظ","lvl":2,"sub":0},{"id":15,"title":"أبو حامد بن خضرويه البلخي","lvl":2,"sub":1},{"id":16,"title":"أبو الحسين بن أبي الحواري","lvl":2,"sub":0},{"id":16,"title":"أبو حفص الحداد","lvl":2,"sub":1},{"id":16,"title":"أبو تراب النخشبي","lvl":2,"sub":2},{"id":16,"title":"أبو محمد عبد الله بن خبيق","lvl":2,"sub":3},{"id":17,"title":"أبو علي الأنطاكي","lvl":2,"sub":0},{"id":17,"title":"أبو السري منصور بن عمار","lvl":2,"sub":1},{"id":17,"title":"أبو صالح القصار","lvl":2,"sub":2},{"id":17,"title":"أبو القاسم الجنيد بن محمد","lvl":2,"sub":3},{"id":18,"title":"أبو عثمان الجبري","lvl":2,"sub":0},{"id":19,"title":"أبو الحسين النوري","lvl":2,"sub":0},{"id":19,"title":"أبو عبد الله الجلاء","lvl":2,"sub":1},{"id":20,"title":"أبو محمد رويم بن أحمد","lvl":2,"sub":0},{"id":20,"title":"أبو عبد الله البلخي","lvl":2,"sub":1},{"id":20,"title":"أبو بكر الزقاق الكبير","lvl":2,"sub":2},{"id":20,"title":"أبو عبد الله المكي","lvl":2,"sub":3},{"id":21,"title":"سمنون بن حمزة","lvl":2,"sub":0},{"id":21,"title":"أبو عبيد البسري","lvl":2,"sub":1},{"id":21,"title":"أبو الفوارس الكرماني","lvl":2,"sub":2},{"id":21,"title":"يوسف بن الحسين","lvl":2,"sub":3},{"id":22,"title":"أبو عبد الله الترمذي","lvl":2,"sub":0},{"id":22,"title":"أبو بكر الوراق الترمذي","lvl":2,"sub":1},{"id":22,"title":"أبو سعيد الخراز","lvl":2,"sub":2},{"id":22,"title":"أبو عبد الله المغربي","lvl":2,"sub":3},{"id":22,"title":"أبو الحسن الأصبهاني","lvl":2,"sub":4},{"id":22,"title":"أبو محمد الجريري","lvl":2,"sub":5},{"id":23,"title":"أبو العباس بن عطاء الآدمي","lvl":2,"sub":0},{"id":23,"title":"أبو إسحق الخواص","lvl":2,"sub":1},{"id":23,"title":"أبو محمد الخراز","lvl":2,"sub":2},{"id":23,"title":"أبو الحسن الحمال","lvl":2,"sub":3},{"id":23,"title":"أبو حمزة البغدادي البزاز","lvl":2,"sub":4},{"id":23,"title":"أبو بكر الواسطي","lvl":2,"sub":5},{"id":24,"title":"أبو الحسن بن الصائغ","lvl":2,"sub":0},{"id":24,"title":"أبو إسحق الرقي","lvl":2,"sub":1},{"id":24,"title":"ممشاد الدينوري","lvl":2,"sub":2},{"id":25,"title":"أبو حمزة الخراساني","lvl":2,"sub":0},{"id":25,"title":"أبو بكر بن جحدر الشبلي","lvl":2,"sub":1},{"id":25,"title":"أبو محمد المرتعش","lvl":2,"sub":2},{"id":25,"title":"أبو علي الروذباري","lvl":2,"sub":3},{"id":25,"title":"أبو محمد عبد الله بن منازل","lvl":2,"sub":4},{"id":25,"title":"أبو علي الثقفي","lvl":2,"sub":5},{"id":26,"title":"أبو الخير الأقطع","lvl":2,"sub":0},{"id":26,"title":"أبو بكر الكتاني","lvl":2,"sub":1},{"id":26,"title":"أبو علي بن الكاتب","lvl":2,"sub":2},{"id":26,"title":"مظفر القرمسيني","lvl":2,"sub":3},{"id":26,"title":"أبو بكر الأبهري","lvl":2,"sub":4},{"id":27,"title":"أبو الحسين بن بنان","lvl":2,"sub":0},{"id":27,"title":"أبو إسحق القرمسيني","lvl":2,"sub":1},{"id":27,"title":"أبو بكر بن يزدانيار","lvl":2,"sub":2},{"id":27,"title":"أبو سعيد بن الأعرابي","lvl":2,"sub":3},{"id":27,"title":"أبو عمرو الزجاجي النيسابوري","lvl":2,"sub":4},{"id":27,"title":"أبو محمد بن نصير","lvl":2,"sub":5},{"id":27,"title":"أبو العباس السياري","lvl":2,"sub":6},{"id":27,"title":"أبو بكر الدينوري","lvl":2,"sub":7},{"id":28,"title":"أبو محمد الرازي","lvl":2,"sub":0},{"id":28,"title":"أبو عمرو إسماعيل بن نجيد","lvl":2,"sub":1},{"id":28,"title":"أبو الحسن البوشنجي","lvl":2,"sub":2},{"id":28,"title":"أبو عبد الله الشيرازي","lvl":2,"sub":3},{"id":28,"title":"أبو الحسين الشيرازي","lvl":2,"sub":4},{"id":28,"title":"أبو بكر الطمستاني","lvl":2,"sub":5},{"id":29,"title":"أبو العباس الدينوري","lvl":2,"sub":0},{"id":29,"title":"أبو عثمان المغربي","lvl":2,"sub":1},{"id":29,"title":"أبو القاسم النصراباذي","lvl":2,"sub":2},{"id":29,"title":"أبو الحسن الحصري البقري","lvl":2,"sub":3},{"id":29,"title":"أبو عبد الله الروذباري","lvl":2,"sub":4},{"id":30,"title":"باب","lvl":2,"sub":0},{"id":30,"title":"تفسير ألفاظ تدور بين هذه الطائفة","lvl":2,"sub":1},{"id":30,"title":"الوقت","lvl":2,"sub":2},{"id":31,"title":"المقام","lvl":2,"sub":0},{"id":31,"title":"الحال","lvl":2,"sub":1},{"id":32,"title":"القبض والبسط","lvl":2,"sub":0},{"id":33,"title":"الهيبة والأنس","lvl":2,"sub":0},{"id":33,"title":"التواجد والوجد والوجود","lvl":2,"sub":1},{"id":35,"title":"الجمع والفرق","lvl":2,"sub":0},{"id":36,"title":"الفناء واليقاء","lvl":2,"sub":0},{"id":36,"title":"الغيبة والحضور","lvl":2,"sub":1},{"id":37,"title":"الصحو والسكر","lvl":2,"sub":0},{"id":38,"title":"الذوق والشرب","lvl":2,"sub":0},{"id":38,"title":"المحو والإثبات","lvl":2,"sub":1},{"id":38,"title":"الستر والتجلي","lvl":2,"sub":2},{"id":39,"title":"المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة","lvl":2,"sub":0},{"id":40,"title":"البداوه والهجوم","lvl":2,"sub":0},{"id":40,"title":"التلوين والتمكين","lvl":2,"sub":1},{"id":41,"title":"القرب والبعد","lvl":2,"sub":0},{"id":42,"title":"الشريعة والحقيقة","lvl":2,"sub":0},{"id":42,"title":"النفس","lvl":2,"sub":1},{"id":42,"title":"الخواطر","lvl":2,"sub":2},{"id":43,"title":"علم اليقين وعين القين وحق اليقين","lvl":2,"sub":0},{"id":43,"title":"الوارد","lvl":2,"sub":1},{"id":43,"title":"الشاهد","lvl":2,"sub":2},{"id":43,"title":"النفس","lvl":2,"sub":3},{"id":44,"title":"الروح","lvl":2,"sub":0},{"id":44,"title":"السر","lvl":2,"sub":1},{"id":44,"title":"شرح المقامات","lvl":2,"sub":2},{"id":44,"title":"باب التوبة","lvl":2,"sub":3},{"id":47,"title":"باب المجاهدة","lvl":2,"sub":0},{"id":49,"title":"باب الخلوة والعزلة","lvl":2,"sub":0},{"id":52,"title":"باب الورع","lvl":2,"sub":0},{"id":55,"title":"باب الزهد","lvl":2,"sub":0},{"id":56,"title":"باب الصمت","lvl":2,"sub":0},{"id":58,"title":"باب الخوف","lvl":2,"sub":0},{"id":61,"title":"باب الرجاء","lvl":2,"sub":0},{"id":65,"title":"باب الحزن","lvl":2,"sub":0},{"id":67,"title":"باب الخشوع والتواضع","lvl":2,"sub":0},{"id":70,"title":"باب مخالفة النفس","lvl":2,"sub":0},{"id":72,"title":"باب الحسد","lvl":2,"sub":0},{"id":73,"title":"باب الغيبة","lvl":2,"sub":0},{"id":74,"title":"باب القناعة","lvl":2,"sub":0},{"id":75,"title":"باب التوكل","lvl":2,"sub":0},{"id":80,"title":"باب الشكر","lvl":2,"sub":0},{"id":82,"title":"باب اليقين","lvl":2,"sub":0},{"id":84,"title":"باب الصبر","lvl":2,"sub":0},{"id":86,"title":"باب المراقبة","lvl":2,"sub":0},{"id":88,"title":"الجزء الثاني","lvl":1,"sub":0},{"id":88,"title":"تابع المقامات","lvl":2,"sub":1},{"id":88,"title":"باب الرضا","lvl":2,"sub":2},{"id":90,"title":"باب العبودية","lvl":2,"sub":0},{"id":92,"title":"باب الإرادة","lvl":2,"sub":0},{"id":94,"title":"باب الاستقامة","lvl":2,"sub":0},{"id":95,"title":"باب الإخلاص","lvl":2,"sub":0},{"id":96,"title":"باب الصدق","lvl":2,"sub":0},{"id":97,"title":"باب الحياء","lvl":2,"sub":0},{"id":99,"title":"باب الحرية","lvl":2,"sub":0},{"id":100,"title":"باب الذكر","lvl":2,"sub":0},{"id":102,"title":"باب الفتوة","lvl":2,"sub":0},{"id":105,"title":"باب الفراسة","lvl":2,"sub":0},{"id":109,"title":"باب الخلق","lvl":2,"sub":0},{"id":112,"title":"باب الجود والسخاء","lvl":2,"sub":0},{"id":115,"title":"باب الغيرة","lvl":2,"sub":0},{"id":117,"title":"باب الولاية","lvl":2,"sub":0},{"id":119,"title":"باب الدعاء","lvl":2,"sub":0},{"id":122,"title":"باب الفقراء","lvl":2,"sub":0},{"id":126,"title":"باب التصوف","lvl":2,"sub":0},{"id":128,"title":"باب الأدب","lvl":2,"sub":0},{"id":130,"title":"باب أحكامهم في السفر","lvl":2,"sub":0},{"id":133,"title":"باب الصحبة","lvl":2,"sub":0},{"id":135,"title":"باب التوحيد","lvl":2,"sub":0},{"id":137,"title":"باب الخروج من الدنيا","lvl":2,"sub":0},{"id":140,"title":"باب المعرفة بالله","lvl":2,"sub":0},{"id":147,"title":"باب الشوق","lvl":2,"sub":0},{"id":149,"title":"باب حفظ قلوب المشايخ","lvl":2,"sub":0},{"id":149,"title":"وترك الخلاف عليهم","lvl":2,"sub":1},{"id":157,"title":"باب كرامات الأولياء","lvl":2,"sub":0},{"id":159,"title":"الكرامات","lvl":2,"sub":0},{"id":159,"title":"فصل فإن قيل","lvl":2,"sub":1},{"id":159,"title":"الولي","lvl":2,"sub":2},{"id":180,"title":"باب الوصية للمريدين","lvl":2,"sub":0},{"id":184,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":184,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":184,"title":"فصل","lvl":2,"sub":2},{"id":184,"title":"فصل","lvl":2,"sub":3},{"id":184,"title":"فصل","lvl":2,"sub":4},{"id":184,"title":"فصل","lvl":2,"sub":5},{"id":184,"title":"عصمة المشايخ","lvl":2,"sub":6},{"id":184,"title":"ما بقي في قلب المريد من الدنيا","lvl":2,"sub":7},{"id":184,"title":"قبول قلوب المشايخ للمريد ..","lvl":2,"sub":8},{"id":184,"title":"أصدق شاهد لسعادته","lvl":2,"sub":9},{"id":184,"title":"صحبة الأحداث","lvl":2,"sub":10},{"id":184,"title":"فصل ومن آفات المريد","lvl":2,"sub":11},{"id":184,"title":"الحسد للإخوان","lvl":2,"sub":12},{"id":184,"title":"إيثار الكل بالكل","lvl":2,"sub":13},{"id":184,"title":"آداب المريد في السماع","lvl":2,"sub":14},{"id":185,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":185,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":185,"title":"إن ابتلي مريد بجاه","lvl":2,"sub":2},{"id":185,"title":"آداب المريدين","lvl":2,"sub":3}]}