{"pages":[{"id":1,"text":"مسند الكتاب\rإلى المؤلف\rأخبرنا الشيخ الإمام الحافظ أبو محمد عبد القادر بن عبد الله الرُّهاوي أدام الله تأييده! وأجزل من كل خير مَزِيدَهُ، في شهور سنة اثنتين وستمائة.\rقال: حدثنا الأمير القاضي الإمام عمدة الدين مُعين الإسلام ناصر السنة أبو عبد الله محمد بن نصر بن الحسين بن محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد بن محمد البوسنجِيُّ من لفظه ببوسَنْجَ في شهور سنة اثنتين وستين وخمسمائة.\rقال: أخبرنا الشيخ الإمام العالم الزاهد عفيف الدين أبو جعفر حنبل بن عليّ ابن الحسين البخاريّ الصوفي السُّني رحمه الله.\rقال: أخبرنا الشيخ أبو محمد أحمد بن محمد بن أحمد التوني سنة تسع وسبعين وأربعمائة.\rقال: أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عبد الله الشُّروطيّ.\rقال: أخبرنا أبو حاتم محمد بن حبان البُسْتُّي رضي الله عنه قال:\rبسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية القائم على نفوس العالم بآجالها، والعالم بتقلبها وأحوالها، ألمانِّ علبهم بتواتر آلائه، المتفضل عليهم بسوابغ نَعْمَائه الذي أنشأ الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وخلق البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بعزته إرادته، فألهمهم حسن الإطلاق، وركَّبَ فيهم تشعُّبَ الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وعلى تشعب أخلاقهم يدورون، وفيما قضى وقدر عليهم يهيمون و )53:23 كل حزب بما لديهم فرحون(.\rوأشهد أن لا إله إلا الله فاطر السموات العلا، ومنشئُ الأرضين والثرى، لا معُقَبَّ لحكمه ولا راد لقضائه )23:21 لا يُسْأَلُ عمُّا يفعل وهم يسألون(.\rواشهد أن محمداً عبده الْمُجْتَبي، ورسوله المرتضى، بعثه بالنور المضيّ، والأمر المرضيّ، على حين فترة من الرسل، ودروس من السُّبُل، فدمغ به الطغيان، وأكمل به الإيمان، وأظهره على كل الأديان، وقمع به أهل الأوثان، فصلى الله عليه وسلم ما دار في السماء فلَكَ، وما سبح في الملكوت ملَكَ، وعلى آله أجمعين!.\rأما بعد، فإن الزمان قد تبيَّن للعاقل تغيرُهُ، ولاح للّبيب تبدلهُ،حيث يبسَ ضَرْعُهُ بعد الغَزَارة، وذيَلَ فرعُهُ بعد النَّضَارة، ونَحِلَ عوده بعد الرطوبة، وبَشِعَ مذاقه بعد العذوبة، فنبغ فيه أقوام يَدَّعون التمكن من العقل من العقل باستعمال ضد ما يوجب العقل من شهوات صدورهم، وترك ما يوجبه نفس العقل بهَجَسَات قلوبهم، جعلوا أساس العقل الذي يعقدون عليه عند المعضلات: النفاق والمداهنة، وفروعه عند ورود النائبات حُسنَ اللباس والفصاحة، وزعموا أنَّ مَنْ أحكم هذه الأشياء الأربع فهو العاقل، الذي يجب الاقتداء به، ومن تخلف عن إحكامها فهو الأنوك الذي يجب الإزورار عنه.\rفلما رأيت الرَّعاع من العالم يغترون بأفعالهم والهمجَ من الناس يقتدون بأمثالهم، دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف، يشتمل متضمنة على معنى لطيف، مما يحتاج إليه العقلاء في أيامهم، من معرفة الأحوال في أوقاتهم، ليكون كالتذكرة لدوي الحجى عند حضرتهم، وكالمعين لأولى النُّهيَ عند غيبتهم، يفوق العالمُ به أقرانه، والحافظ له أنرابه، يكون النديم الصادق للعاقل في الخلوات، والمؤنس الحافظ له في الفلوات، إن خَصَّ به من يجب من إخوانه، لم يفتقده من ديوانه، وإن استبد به دون أوليائه، فاق به على نظرائه.\rأبَيَّن فيه ما يَحْسُنُ للعاقل استعماله من الخصال المحمودة، ويقبح به إتيانه من الخلال المذمومة، مع القصد في لزوم الاقتصار، وترك الإمعان في الإكثار، ليخفَ على حامله، وتعيَه أذن مستمعه، لأن فنون الأخبار وأنواع الأشعار، إذا استقصى المجتهد في إطالتها، فليس يرجو النهاية إلى غايتها، ومن لم يرجّ التمكن من الكمال في الإكثار، كان حقيقاً أن يقنع بالاختصار.\rوالله الموفق للسداد، والهادي إلى الرشاد، وإياه أسأل إصلاح بالأسرار، وترك المعاقبة على الأوزار، إنه جواد كريم، رءوف رحيم.\rالحث على لزوم العقل\rوصفة العاقل اللبيب\rحدثنا محمد بن يوسف بن مطر حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه حدثنا أحمد بن يونس حدثنا فُضَيْل بن عياض عن محمد بن ثور عن مَعْمَر عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم )إن الله يحب مكارم الأخلاق، ويكره سفسافَها(.","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"قال أبو حاتم: لست أحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم خبراً صحيحاً في العقل، لأن أبانَ بن أبي عياش، وسلمه بن وَرْدَانَ، وعُمْير بن عمران، وعليَّ ابن زيد، والحسن بن دينار، وعبَّاد بن كثير، وميسرة عبد ربه، وداود ابن المحبر، ومنصور بن صفر وذويهم، ليسوا ممن أحتج بأخبارهم، فأخرّجَ ما عندهم من الأحاديث في العقل.\rوإن محبة المرء المكارمَ من الأخلاق وكراهته سفسافها هو نفس العقل.\rفالعقل به يكون الحظ، ويؤنس الغربة، ويَنْفيِ الفاقة، ولا مال أفضلَ منه، ولا يتمُّ دين أحد حتى يتم عقله.\rوالعقل: اسم يقع على المعرفة بسلوك الصواب، والعلم باجتناب الخطأ، فإذا كان المرء في أول درجته يسمى أديباً، ثم أريباً، ثم لبيباً، ثم عاقلا، كما أن الرجل إذا دخل في أول حد الدهاء قيل له: شيطان، فإذا عتا في الطغيان قيل: مارِد، فإذا زاد على ذلك قيل: عَبقْريّ فإذا جمع إلى خبِثُه شِدةَّ شدَّة شرٍ قيل: عفِرْيت وكذلك الجاهل، يقال له في أول درجته: المائق: ثم الرقيع، ثم الأنْوَكُ، ثم الأحمق.\rوأفضلُ مواهبِ الله لعباده العقلُ، ولقد أحسن الذي يقول:\rوأفضل قَسْم الله للمرءِ عقلُهُ ... فليسَ من الخيرات شيء يقاربه\rإذا أكملَ الرحمنُ للمرءِ عقلَهُ ... فقدْ كملتْ أخلاقهُ ومآربه\rيعيشُ الفتى في الناس بالعقل، إنه ... على العقل يَجْري علمهُ وتَجاَربهُ\rيزيد الفتى في الناس جَوْدةُ عقلهِ ... وإن كانَ محظوراً عليه مكاسِبُهْ\rأخبرنا محمد بن سليمان بن فارس حدثنا أحمد بن سَياَّر حدثنا حَبيب الجلابّ.\rقال: قيل لابن المبارك )ما خير ما أعطِيَ الرجل؟ قال: غريزة عقل، قيل: فإن لم يكن؟ قال: أدب حسن، قيل: فإن لم يكن؟ قال: أخ صالح يستشيره، قيل: فإن لم يكن؟ قال: صَمْتٌ طويل، قيل: فإن لم يكن؟ قال: موت عاجل( أخبرنا محمد بن داود الرازي حدثنا محمد بن حَمْيدٍ حدثنا ابن المبارك قال )سئل عقيل: ما أفضل ما أعطْى العبد؟ قال: غريزة عقل، قال: فإن لم يكن؟ قال: فأدب حسن، قال: فإن لم يكن؟ قال: فأخ شقيق يستشيره، قال: فإن لم يكن؟ فطولُ صَمْت، قال: فإن لم يكن؟ قال: فموت عاجل(.\rقال أبو حاتم: العقل نوعان: مطبوع ومسموع، فالمطبوع منهما كالأرض، والمسموع كالبذر والماء. ولا سبيل للعقل المطبوع أن يخلص له محصول دون أن يرد عليه العقل المسموع، فينبهه من رَقْدته، ويطلقه من مكامنه، يستخرج البذر والماء ما في قعور الأرض من الرّبْع.\rفالعقل الطبيعي من باطن الإنسان بموضع عروق الشجرة من الأرض، والعقل المسموع من ظاهرة كتدلِّي ثمرة الشجرة من فروعها.\rأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي:\rرأيت العقل نوعين ... فمطبوع ومسموع\rولا ينفع مسموع ... إذا لم يك مطبوع\rكما لا تنفع الشمس ... وضَوْء العين ممنوع\rأخبرنا القطان بالرقة حدثنا موسى بن مروان حدثنا بقية عن عبد الله بن حسان حدثني ابن عامر، قال: قلت لعطاء بن أبي رباح )يا أبا محمد، ما أفضل ما أعطى العبد؟ قال: العقل عن الله(.\rأنشدني أحمد بن عبد الله الصنعاني لعبد الله بن عكراش:\rيَزِينُ الفتى في الناس صحة عقله ... وإن كان محظوراً عليه مكاسبه\rيَشينُ الفتى في الناس خفةُ عقله ... وإن كرمت أعراقه ومنَاَسبه\rقال أبو حاتم: فالواجب على العاقل: إن يكون بما أحيا عقله من الحكمة أكَلفَ منه ما أحيا جسده من القوت، لأن قوت الأجسام المطاعم، وقوت العقل الحكم، فكما أن الأجساد تموت عند فقد الطعام والشراب، وكذلك العقول إذا فقدت قوتها من الحكمة ماتت.\rوالتقلب في الأمصار والاعتبار بخلق الله مما يزيد المرء عقلا، وإن عدم المال في تقلبه.\rأنشدني عبد الرحمن بن محمد المقاتلي:\rإن ذا العَقْلِ يرى غنما له ... عَدَمَ المال، إذا ما العقلُ صح\rما على المرء بِعُدْم سُبَّةٌ ... إنْ وَفَا العقلُ، وإنْ دينٌ صلح\rأخبرنا محمد بن المسيب حدثنا أحمد بن إسماعيل المدني قال:سمعت حاتم ابن إسماعيل يقول )ما استودع الله عقلا عَبداً إلا استنقذه به يوماً ما(","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"قال أبو حاتم: العقل دواء القلوب، ومَطِية المجتهدين، وبذر حراثة الآخرة، وتاج المؤمن في الدنيا، وعُدّته في وقوع النوائب، ومن عدم العقل لم يزده السلطان عزا، ولا المال يرفعه قدراً، ولا عَقْلَ لمن أغفله عن أخراه ما يجد من لذة دنياه، فكما أن أشد الزَّمانة الجهل، كذلك أشد الفاقة عدم العقل.\rوالعقل والهوى متعاديان، فالواجب على المرء: أن يكون لرأيه مُسْعِفاً، ولهواة مسّوفا. فإذ اشتبه عليه أمران أجتنب أقربهما من هواه؛ لأن في مجانبته الهوى إصلاح السرائر، وبالعقل تصلح الضمائر.\rأخبرنا عمرو بن محمد الأنصاري ثنا ... ثنا محمد بن عبيد الله الجشمى\rحدثنا المدايني، قال: قال معاوية بن أبي سفيان لرجل من العرب عُمِّر دهراً )اخبرني بأحسن شيء رأيته، قال: عقل طُلِب به مروءة مع تقوى الله وطلب الآخرة( وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rإذا تم عقل المرء تمت أموره ... وتمت أياديه، وتم بناؤه\rفإن لم يكن عقل تبين نقصه ... ولو كان ذا مال كثيراً عطاؤه\rأخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو كامل الجحدري حدثنا عمران بن خالد الخزاعي قال: سمعت الحسن يقول: )ما تم دينُ عبد قطُّ حتى يتم عقله( قال أبو حاتم: أفضل ذوي العقول منزلةً أدومهم لنفسه محاسبة، وأقلهم عنها فترة.\rفبالعقل تعمر القلوب، كما أن بالعلم تستخرج الأحلام، وعمود السعادة العقل، ورأس العقل الاختيار، ولو صور العقل صورة لأظلمت معه الشمس لنوره، فقرب العاقل مَرْجُو خيره على كل حال، كما أن قرب الجاهل مَخُوف شره على كل حال.\rولا يجب للعاقل أن يغتم؛ لأن الغم لا ينفع، وكثرته تزْري بالعقل، ولا أن يحزن؛ لأن الحزن لا يردُّ الْمَرْزِئَةَ. ودوامة ينقص العقل.\rوالعاقل يحسم الداء قبل أن يبتلى به، ويدفع الأمر قبل أن يقع فيه، فإذا وقع فيه رضى وصبر، والعاقل لا يخيف أحداً أبداً ما استطاع، ولا يقيم على خوف وهو يجد منه مَذْهَباً، وإذا خاف على نفسه الهوان طابت نفسه عما يملك من الطارف والتالد، مع لزوم العفاف، إذ هو قطْب شُعَب العقل.\rأنشدني المنتصر بن بلال بن المنتصر الأنصاري:\rأو لستَ تأمر بالعفاف وبالتقى ... وإليه آل الأمر حين يؤول؟\rفإن استطعت فخذ بعقلك فضلة ... إن العقول يُرى لها تفضيل\rأخبرنا الحسين بن إسحاق الأصبهاني بالكرج حدثنا محمد بن علي الطاحي حدثنا عمرو بن عثمان الخزاز الحراني حدثنا مفضل بن صالح قال: عليّ )لما أهبط الله آدم من الجنة أتاه جبريل، فقال: إني أمرت أن أخيرك في ثلاثة، فاختر واحدة، ودع اثنتين، فقال آدم: وما الثلاث؟ قال: الحياء والدين والعقل، فقال آدم: فإني قد اخترت العقل، قال: فقال جبريل للحياء والدين: انصرفا ودَعَاه، فقالا: إنا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان، ثم عرج جبريل وقال: شأنكم( قال أبو حاتم: من حَسُنَ عقله وقبح وجهه فقد أفقد فضائل نفسه قبائح وجهه، ومن حسن وجهه وقل عقله فقد أذهب مَحَاسن وجهه نقائص نفسه، فلا يجب للعاقل أن يغتم إذا كان معدماً، لأن العاقل قد يرجى له الغنى، )ولا( يوثق للجاهل المكثر ببقاء ماله، ومال العاقل وما قدم من صالح عمله. وآفة العقل الصَّلَف والبلاء المُرْدي، والرخاء المفرط؛ لأن البلايا إذا تواترت عليه أهلكت عقله، والرخاء إذا تواتر عليه أبطره، والعدو العاقل خير للمرء من الصديق الجاهل.\rأنشدني على بن محمد البَسَّامي:\rعدوك ذو العقل أبقى عليك ... من الجاهل الوَاِمق الأحمق\rوذو العقل يأتي جميل الأمور ... ويقصد للأرشد الأرفق\rأخبرنا محمد بن الحسين بن قتيبة بعسقلان حدثنا ابن أبي السري حدثنا داود بن الجراح وضمرة بن ربيعة عن خليد بن دعلج قال: سمعت معاوية ابن قرة يقول )إن القوم ليحجون ويعتمرون، ويجاهدون ويصلون، ويصومون، وما يُعْطَوْن يوم القيامة إلا على قدر عقولهم( سمعت محمد بن محمود بن عدي النسائي يقول: سمعت علي بن خشرم يقول: سمعت حفص بن حميد الأكَّاف يقول: )العاقل لا يغبن، والورع لا يغبن(","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"قال أبو حاتم: هذه لفظة جامعة، تشتمل على معان شتى، فكما لا ينفع الاجتهاد بغير توفيق، ولا الجمال بغير حلاوة، ولا السرور بغير أمن، كذلك لا ينفع العقل بغير ورع، ولا الحفظ بغير عمل، وكما أن السرور تبع للأمن، والقرابة تبع للمودة، كذلك المروءات كلها تبع للعقل.\rوعقول كل قوم على قدر زمانهم، فالعاقل يختار من العمر أحسنه وأن قل، فإنه خير من الحياة النكدة وأن طالت، والعقل الموعى - غير المنتفع به - كالأرض الطيبة الخراب.\rوالعاقل لا يبتدئ الكلام إلا أن يُسْأَل، ولا يكثر التماري إلا عند القبول، ولا يسرع الجواب إلا عند التثبت.\rوالعاقل لا يستحقر أحداً؛ لأن من استحقر السلطان أفسد دنياه، ومن استحقر الأتقياء أهلك دينه، ومن استحقر الإخوان أفنى مروءته، ومن استحقر العام أذهب صيانته.\rوالعاقل لا يخفى عليه عيب نفسه؛ لأن من خفي عليه عيَبُ نفسه خَفيتْ عليه محاسن غيره، وإن من أشد العقوبة للمرء أن يخفى عليه عيبه؛ لأنه ليس بمقلع عن عيبه من لم يعرفه، وليس بنائل محاسن من لم يعرفها، وما أنفع التجارب للمبتدي.\rأنشدني المنتصر بن بلال بن المنتصر الأنصاري:\rألم تر أن العقل زين لأهله ... وأن كمال العقل طولُ التجارب\rوقد وعظ الماضي من الدهرذا النهى ... ويزداد في أيامه بالتجارب\rأخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الحكم ابن عبد الله قال )كانت العرب تقول: العقل التجارب، والحزم سوء الظن( قال أبو حاتم: لا يكون المرء بالمصيب في الأشياء حتى تكون له خبرة بالتجارب والعاقل يكون حسن المأخذ في صغره، صحيح الاعتبار في صباه، حسن العفة عند إدراكه، رضى الشمائل في شبابه، ذا الرأي والحزم في كهولته يضع نفسه دون غايته برتوة. ثم يجعل لنفسه غاية يقف عندها، لأن من جاوز الغاية في كل شيء صار إلى النقص.\rولا ينفع العقل إلا بالاستعمال، كما لا تنفع الأعوان إلا عند الفرصة، ولا ينفع الرأي إلا بالانتخال، كما لا تتم الفرصة إلا بحضور الأعوان.\rومن لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه أخاف أن يكون حتفه في أقرب الأشياء إليه.\rورأس العقل: المعرفة بما يمكن كونه قبل أن يكون.\rوالواجب على العاقل أن يجتنب أشياء ثلاثة، فإنها أسرع في إفساد العقل من النار في يَبيش العَوْسَج: الاستغراق في الضحك، وكثرة التمني، وسوء التثبت؛ لأن العاقل لا يتكلف ما لا يطيق، ولا يسعى إلا لما يدرك، ولا يَعِدُ إلا بما يقدر عليه، ولا ينفق إلا بقدر ما يستفيد، ولا يطلب من الجزاء إلا بقدر ما عنده من الغناء ولا يفرح بما نال إلا بما أجدى عليه نفعه منه.\rوالعاقل يبذل لصديقه نفسَه ومالَه، ولمعرفته رِفْدَه ومحضره، ولعدوه عدله وبره، وللعامة بِشْره وتحيته، ولا يستعين إلا بمن يجب أن يظفر بحاجته، ولا يحدث إلا من يرى حديثه مغنما، إلا أن يغلبه الاضطرار عليه، ولا يدعي ما يحسن من العلم، لأن فضائل الرجال ليست ما أدَّعَوْها ولكن ما نسبها الناسُ إليهم، ولا يبالي ما فاته من حطُام الدنيا، مع ما رزق من الحظ في العقل.\rأنشدني عبد الرحمن بن محمد المقاتلي:\rفمن كان ذا عقل، ولم يك ذا غنى ... يكون كذي رِجْلٍ، وليست له نَعْلُ\rومن كان ذا مال، ولم يك ذا حِجَى ... يكون كذي نعل، وليست له رجل\rقال أبو حاتم: كفى بالعاقل فضلا وإن عدم المال: بأن تُصْرَف مساوي أعماله إلى المحاسن، فتجعل البلاذة منه حلماً، والمكر عقلا، والهذر بلاغة، والحدة ذكاء، والعي صمتاً، والعقوبة تأديباً، والجرأة عزماً، والجبن تأنياً، والإسراف جوداً، والإمساك تقديراً، فلا تكاد ترى عاقلا إلا موقراً للرؤساء، ناصحاً للأقران، مواتياً للإخوان، متحرزاً من الأعداء، غير حاسد للأصحاب، ولا مخادع للأحباب، ولا يتحرش بالأشرار، ولا يبخل في الغنى، ولا يَشْرَهُ في الفاقة، ولا ينقاد للهوى، ولا يجمح في الغضب، ولا يمرح في الولاية، ولا يتمنى ما لا يجد، ولا يكتنز إذا وجد، ولا يدخل في دعوى، ولا يشارك في مِرَاء، ولا يدْلي بحجة حتى يرى قاضياً، ولا يشكو الوجع إلا عند من يرجو عنده البرء، ولا يمدح أحداً إلا بما فيه؛ لأن من مدح رجلا بما ليس فيه فقد بالغ في هجائه، ومن قبل المدح بما لم يفعله فقد استهدف للسخرية.","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"والعاقل يكرم على غير مال كالأسد يُهاب وإن كان رابضاً.\rوكلام العاقل يعتدل كاعتدال جسد الصحيح، وكلام الجاهل يتناقض كاختلاط جسد المريض.\rوكلام العاقل وإن كان نَزْراً حُظوة عظيمة، كما أن مقارنة المأثم وإن كان نزراً مصيبة جليلة.\rومن العقل التثبت في كل عمل قبل الدخول فيه.\rوآفة العقل العجب، بل على العاقل أن يوطِّن نفسه على الصبر على جار السوء، وعشيرة السوء، وجليس السوء، فإن ذلك مما لا يخطيه على ممر الأيام.\rولا يجب للعاقل أن يحب أن يسَّمى به، لأن من عرف بالدهاء حذر، ومِنْ عقل العاقل دفن عقله ما استطاع، لأن البذر وأن خفي في الأرض أياما فأنه لا بد ظاهر في أوانه، وكذلك العاقل لا يخفي عقله وأن أخفى ذلك جهده.\rوأول تمكن المرء من مكارم الأخلاق هو لزوم العقل.\rأنشدني علي بن البسامي:\rإن المكارم أبوابٌ مُصَنَّفة ... فالعقل أولُها والصمت ثانيها\rوالعلم ثالثها، والحلم رابعها، ... والجود خامسها، والصدق ساديها\rوالصبر سابعها، والشكر ثامنها ... واللين تاسعها، والصدق عاشيها\rأخبرنا عمر بن عبد الله بن عمر الهجري بالأبلة حدثنا عبد الله بن خبيق حدثنا موسى بن طريف قال شعيب بن حرب: قال لي شعبه )عقولنا قليلة، فإذا جلسنا مع من هو أقل عقلا منا ذهب ذلك القليل، وإني لأرى الرجل يجلس مع من هو أقل عقلا منه فامقته(.\rقال أبو حاتم: أول خصال الخير للمرء في الدنيا العقل، وهو من أفضل ما وهب الله لعباده فلا يجب أن يدنس نعمة الله بمجالسة من هو بضدها قائم.\rوالواجب على العاقل: إن يكون حسن السَّمْت طويل الصمت، فإن ذلك من أخلاق الأنبياء، كما أن سوء السَّمت وترك الصمت من شِيمَ الأشقياء.\rوالعاقل لا يطول أمله؛ لأن من قوى أمله ضعف عمله، ومن أتاه أجله لم ينفعه أمله.\rوالعاقل لا يقاتل من غير عُدة، ولا يخاصم بغير حجة، ولا يصارع بغير قوة، لأن بالعقل تحيا النفوس، وتنور القلوب، وتمضي الأمور، وتعمر الدنيا.\rوالعاقل يقيس ما لم ير من الدنيا بما قد رأى، ويضيف ما لم يسمع منها إلى ما قد سمع، وما لم يِصب منها إلى ما قد أصاب، وما بقي من عمره بما فني، وما لم ينل منها بما قد أوتي، ولا يتكل على المال وإن كان في تمام الحال، لأن المال يحل ويرتحل، والعقل يقيم ولا يبرح، ولو أن العقل شجرة لكانت من أحسن الشجر، كما أن الصبر لو كان ثمرة لكان من أكرم الثمر.\rوالذي يزداد به العاقل من نماء عقله هو التقرب من أشكاله، والتباعد من أضداده.\rولقد أخبرنا محمد بن المهاجر المعدل، حدثنا أبو جعفر ابن ابنة أبي سعيد الثعلبي حدثنا محمد بن أبي مالك الغزي، قال: سمعت أبي يقول )جالسوا الألباء: أصدقاء كانوا أو أعداء؛ فإن العقول تلقح العقول(.\rقال أبو حاتم: مجالسة العقلاء لا تخلو من أحد معنيين: إما تذكر الحالة التي يحتاج العاقل إلى الانتباه لها، أو الإفادة بالشيء الخطير الذي يحتاج الجاهل إلى معرفتها.\rفقرب العاقل غُنْم لأشكاله وعِبْرة لأضداده، على الأحوال كلها.\rولا يجب لمن تسمى به أن يتدلل إلا على من يحتمل دلاله، ويقبل إلا على من يحب إقباله، ولو كان للعقل أبوان لكان أحدهما الصبر، والآخر التثبت.\rجعلنا الله ممن رُكِّبَ فيه حسن وجود العقل، فسلك بتمام النعم مسلك الخصال التي تقربه إلى ربه، في داري الأمد والأبد؟ إنه الفعال لما يريد.\rذكر إصلاح السرائر بلزوم تقوى الله\rأخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن زهير - بتُسْتَر - حدثنا عمر بن شَبَّة حدثنا مؤمل بن إسماعيل حدثنا شعبة عن زيادة بن علاقة عن أسامة بن شريك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )ما كَرِه اللهُ شيئاً فلا تفعله إذا خلوتَ( قال أبو حاتم: الواجب على العاقل الحازم أن يعلم أن للعقل شعباً من المأمورات والمزجورات، لا بد له من معرفتها، واستعمالها في أوقاتها، لمباينة العامِّ، وأوباش الناس بها.\rوإني ذاكر في هذا الكتاب - إن اللهُ قضى وشاءه - خمسين شُعبة من شُعب العقل من المأمورات والمزجورات، ليكون الكتاب مشتملا على خمسين باباً، بناء كل باب منها على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نتكلم في عقيب كل سُنَّة منها بحسب ما يَمُنُّ الله به من التوفيق لذلك إن شاء الله.","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"فأول شعب العقل هو لزوم تقوى الله، وإصلاح السريرة، لأن من صَلُح جُوّانيه أصلح الله بَرّانيه، ومن فَسد جُوَّانيه أفسد الله برانيه.\rولقد أحسن الذي يقول:\rإذا ما خلوتَ الدهر يوماً فلا تَقُلْ ... خلوتُ، ولكن قُل: عليّ رقيبُ\rولا تحسبنَّ يغفُل ساعة ... ولا أنَّ ما يَخْفيَ عليه يغيبُ\rألم تر أنَّ اليوم أسرع ذاهبٍ ... وأنَّ غداً للناظرين قريبُ؟\rأخبرنا عبد الله بن محمود بن سليمان السعديّ حدثنا شعبة بن هبيرة حدثنا جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال )أتخذْ طاعة الله تجارة تأتك الأرباح من غير بضاعة(.\rقال أبو حاتم: قطبُ الطاعات للمرءِ في الدنيا: هو إصلاح السرائر، وترك إفساد الضمائر.\rوالواجب على العاقل الاهتمام بإصلاح سريرته، والقيام بحراسة قلبه عند إقباله وأدباره، وحركته وسكونه؛ لأن تكدُّر الأوقات وتنغُّص اللذات لا يكون إلا عند فساده.\rولو لم يكن لإصلاح السرائر سبب يؤدي العاقلَ إلى استعماله إلا إظهار الله عليه كيفية سريرته، خيراً كان أو شراً، لكان الواجبُ عليه قلةِ الإغضاء عن تعاهدها.\rأنشدني عبد العزيز سليمان الأبرش:\rيُلبس اللهُ في العلانية العب ... دَ الذي كان يَخْتفي في السريرهْ\rحسناً كان، أو قبيحاً سَيُبْدَي ... كلُّ ما كان ثَمَّ من كلَّ سيِرهْ\rفاستحِ اللهِ أن تُرائِيَ للن ... اس فإنَّ الرياء بئسَ الذَّخيرهْ\rأخبرنا أبو يَعْلى حدثنا شريح بن يونس حدثنا عُبَيْدة بن حُمَيْد عن منصور عن عطاء بن أبي رباح عن أبيه قال: قال كعب )والذي فلقَ البحر لبني إسرائيل، إني لأجد في التوراة مكتوباً: يا بن آدم، اتَّقِ ربَّك، وصِلْ رحمك، وبرَّ والديك، يُمِدَّ لك في عُمُرِك، ويُيَسِّر لك، يُسرك، ويَصْرِفْ عنك عُسْرك(.\rحدثنا محمد بن سليمان بن فارس حدثنا محمد بن علي الشقيقي حدثنا أبي حدثنا جعفر سليمان الضبعي عن مالك بن دينار قال )إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خَرب، كما يخرب البيت إذا لم يكن فيه ساكن، وإن قلوب الأبرار تَغْلى بأعمال البرِّ. وإن قلوب الفجَّار تغلي بأعمال الفجور. والله يرى همومكم، فانظروا ما همومكم؟ رحمكم الله(.\rأنشدني محمد بن مبد الله بن زنجي البغدادي:\rوإذا أعلنتَ أمراً حَسَنا ... فليكنْ أحسنَ منه ما تُسرِ\rفمسِرُّ الخير موَسومٌ به ... ومسِرَّ الشرِّ موسوم بِشَرْ\rأخبرنا أبو يعلي حدثنا شريح بن يونس حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم قال )إن الرجل ليتكلم بالكلام ينوى فيه الخير. فيلقى الله في قلوب العباد، حتى يقولوا: ما أراد بكلامه هذا إلا الخير. وإن الرجل ليتكلم بالكلام الشر لا ينوي فيه الخير، فيلقي اللهُ في قلوب الناس حتى يقولوا: ما أراد بكلامه هذا إلا الشر(.\rحدثنا محمد بن عمر الهْمْداني حدثنا القَطَوَاني حدثنا سَيَّار حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال: سمعت الحسن يقول )إنكم وقوفُ هاهنا تنتظرون آجالكم وعند الموت تَلْقَوْنَ الخبر، فخذوا مما عندكم لما بعدكم(.\rقال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن يأخذ مما عنده لما بعده من التقوى والعمل الصالح: بإصلاح السريرة، ونَفْي الفساد عن خَلل الطاعات عند إجابة القلب وإبائه. فإذا كان صحةُ السبيل في إقباله موجوداً أنفذه بأعضائه. وإن كان عدم وجوده موجوداً كبحه عنها، لأن بصفاء القلب تصفو الأعضاء.\rوأنشدني المنتصر بن بلال بن المنتصر الأنصاري:\rوإنّ امرأَ لمَ يَصْفُ لله قلبه ... لَفِي وَحْشَةٍ من كُلِّ نظرة ناظر\rوإن امرأً لم يرتحل ببضاعة ... إلى داره الأخرى فليس بتاجر\rوإن امرأً ابتاع دنيا بدينه ... لمنقلِبٌ منها بصفَقْةَ خاسر","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"أخبرنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبار الصوفي ببغداد حدثنا أبو نصر التمار حدثنا أبو الأشهب عن خالد الربعي قال )كان لقمان عبداً حبشياً نجارا، فأمره سيده أن يذبح شاة، فذبح شاة، فقال: اأئتني بأطيب مُضْغَتين في الشاة، فأتاه باللسان والقلب، ثم مكث أياما، فقال: اذبح شاة، فذبح، فقال: ائتني بأخبث مضغتين في الشاة، فألقى إليه اللسان والقلب، فقال له سيده: قلت لك حين ذبحت ائتني بأطيب مضغتين في الشاه، فأتيتني باللسان والقلب، ثم قلت لك الآن حين ذبحت الشاة: ائتني بأخبث مضغتين في الشاة، فألقيت اللسان والقلب؟ فقال: إنه لا أطيب منها إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خَبُثا(.\rوأنشدني منصور بن محمد الكُرَيْزي:\rوما المرء إلا قلبُه ولسانهُ ... إذا حصلت أخبارُهُ ومَدَاخله\rإذا ما رِداءُ لم يَكُ ظاهراً ... فهيهات أن يُنقِيه بالماء غاسلُه\rوما كلُّ من تخشى ينالُك شَرُّه ... وما كلُّ ما أمَّلْتَه أنتَ نائُله\rأخبرنا أحمد بن عيسى بن السُّكَبْن - بواسط - حدثنا عبد الحميد بن محمد بن مُسْتام حدثنا مَخْلد بن يزيد حدثنا صالح بن حسان المؤذن قال )دخلت على عمر ابن عبد العزيز، فسمعته يقول: لا يتقي الله عبدٌ حتى يجدَ طعم الذل(.\rقال أبو حاتم: العاقل يفتش قلبه في ورود الأوقات، ويكبح نفسه عن جميع المزجورات، ويأخذها بالقيام في أنواع المأمورات، ولزوم الانتباه عند ورود الفترة في الحالات، ولا يكون المرء يشاهد ما قلنا قائماً حتى يوجد منه صحة التثبت في الأفعال.\rأنشدني علي بن محمد البسامي:\rوإذا بحثتَ عن التَّقِّيِ وجدته ... رجلاً يصدَّقُ قولّه بفعال\rوإذا اتَّقَى اللهَ امرؤ وأطاعه ... فيداهُ بين مكارمٍ ومَعَال\rوعلى التَقيِّ إذا تراسخ في التقَى ... تاجان: تاجُ سكينة، وجمال\rوإذا تناسبت الرجالُ، فما أرى ... نسباً يكون كصالح الأعمال\rأخبرنا القطان بالرقة حدثنا عبد الله بن رومي البزاز عن أبيه قال: قلّما دخلت على إسحاق بن أبي ربعي الرافقي إلا وهو يتمثل بهذا البيت:\rخيرٌ من المال والأيام مقبلةٌ ... جَيْبٌ نَقِيٌّ من الآثام والدَّنَس\rأخبرنا محمد بن عبد الله بن الجنيد حدثنا عبد الوارث بن عبيد الله عن عبد الله أخبرنا الربيع عن الحسن قال )أفضل العمل الورَعُ والتفكر( قال أبو حاتم: العاقل يدبر أحواله بصحة الورع، ويمضي لسانه بلزوم التقوى، لأن ذلك أول شُعَب العقل، وليس إليه سبيل إلا بصلاح القلب.\rومثل قلب العاقل إذا لزم رعايةَ العقل - على ما نذكرها في كتابنا هذاَ أن اللهُ قضى ذلك وشاءه - كأنّ قلبه شُرَّح بسكاكين التُّقْية، ثم مُلَّح بِملْحِ الَخْشيةَ، ثم جُفَّف برياح العظمة، ثم أحي بماء القرية، فلا يوجد فيه إلاّ ما يرضِى المولي جل وعلا، ولا يبالي المرء إذ كان بهذا النعت أن يَتَّضع عند الناس، ومحالٌ أن يكون ذلك أبداً.\rسمعت أحمد بن موسى بواسط يقول )وجد )ت( على خف عطاء السُّلمى مكتوبا، وكان حائكا(:\rألا إنما التقوى هو العز والكَرمْ ... وفخُرك بالدنيا هو الذلُّ والعَدمْ\rوليس على عبد تقّيٍ نقيصةٌ ... إذا صحح التقوى، وإن حاك أو حجَمْ\rأخبرنا محمد بن زنجويه القشيري حدثنا عمرو بن علي حدثنا طريف بن سعيد حدثنا القاسم بن عبد الله الأنصاريّ عن محمد بن عليّ بن حسين قال )إذا بلغ الرجل أربعين سنة ناداه ماد من السماء: دنا الرحيلُ، فأعدَّ زاداً(.\rوأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rإذا انتسب الناسُ كان التقيُّ ... بتقواه أفضلَ من ينتسبْ\rومن يتق الله يَكْسِبْ به ... من الخطِّ أفضلَ ما يكتسب\rومن يتخذ سبباً للنجاة ... فإنَّ تُقَي الله خيرُ السبب\rوأنشدني أحمد بن محمد بن عبد الله الصنعاني لابن عِكراش:\rومهما يُسِرّ يَبْدُ لرَبَّه ... وما يَنْسَه الإنسان لا يَنْس كاتبهْ\rومن كان غَلاَّبا بجهد ونَجْدَة ... فذو الحظِّ في أمر المعيشة غالبه\rوأنشدني أبو بدر أحمد بن خالد بن عبيد الله بن عبد الملك بحرّان:\rيا نفسُ، ما هو إلا صبرُ أيامِ ... كأن لَذَّاتِها أضغاثُ أحلام\rيا نفس، جُوزي عن الدنيا مبادِرَةً ... وخَلِّ عنها، فإن العيش قُدَّامى","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"أخبرنا الحسين بن إدريس الأنصاريّ أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله أخبرنا سفيان عن معن قال: قال عبد الله )إن لهذه القلوب شهوة وإقبالا، وإن لها فَتْرةً وأدبارا، فخذوها عند شهوتها وإِقبالها، ودَعُوها عند فترتها وأدبارها(.\rقال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن لا ينسى تعاهد قلبه بترك ورود السبب الذي يُورث القساوة له عليه؛ لأن بصلاح الملك تصلح الجنود، فإذا اهتم بإحدى الخصلتين تجنّب أقربهما من هواه، وتَوَخَّى أبعدها من الردى.\rولقد أحسن الذي يقول:\rوإِذا تشاجر في فؤادك مَرَّةً ... أمران، فاعْمَدْ للأعفِّ الأجملِ\rوإِذا هممت بأمر سوءٍ، فاتَّئِدْ ... وإِذا هممتَ بأمر خير فافْعَلِ\rأخبرنا بكر بن أحمد بن سعيد الطاحيّ بالبصرة، حدثنا إبراهيم بن عَزْرة الشامي عن مِسْعر بن كُدام عن عَوْن بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب )جالسوا التَّوابين، فإنهم أرقُ أفئدة(.\rأخبرنا أبو يعلي حدثنا محمد بن عمرو بن جَبَلةَ حدثنا محمد بن مروان حدثنا عطا الأزرق قال: رجل للحسن )يا أبا سعيد، كيف أنت؟ وكيف حالك؟ قال: كيف حال مَنْ أمسى وأصبح ينتظر الموت، ولا يدري ما يُصْنعَ به(.\rوأنشدني منصور بن محمد الكُرْيزي:\rتخَيّر قريناً من فِعالك، إنما ... يَزينُ الفتى في القبر ما كان يفعلُ\rفإن كنتَ مشغولا بشيء، فلا تكن ... بغير الذي يَرْضَي به الله تُشْغلُ\rفلا بدَّ بعدَ القبرِ من أن تُعِدَّه ... ليوم ينادَي المرء فيه، فيسألُ\rفلن يصحبَ مِنْ قبل موته ... ولا بعده إلا الذي كان يَعْملُ\rألا نما الإنسان ضيفٌ لأهله ... يُقِيم قليلا بينهم ثم يرحَلُ\rأخبرنا على بن سعيد العسكري حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثنا محمد بن الحسين حدثنا إسماعيل بن زيادة قال )قدم علينا عبد العزيز بن سليمان عَبَّادان في بعض قَدَماته، فأتيناه نُسَلِّم عليه، فقال لنا: صَفُّوا للمنعِمِ قلوبكم، يَكفِكُم المؤنَ عند هَّمكم( ثم قال )لو خدمت مخلوقاً فأطلْتَ خِدْمته، ألم يكنْ يَرْعَي لخدمتك جُرْمَةَ؟ فكيف بمن ينعِم عليك وأنت مسِيء إلى نفسك، تَتقلّب في نَعمِه، وتَتَعَرضَّ لغضبه؟ هيهات هيهات، هَّمة البطالين، ليس لهذا حلقتم، ولا بذا أُمرتم، الكَيْس الكيْسَ رحمكم الله( وكان يفطر على ماء البحر.\rقال أبو حاتم: لن تصفوَ القلوب من وجود الدَّرن فيها حتى تكون الهم في الله همَّا واحداً، فإذا كان كذلك كُفِيَ الهمَّ في الهموم إلا الذي يؤول مُتَعَقَّبُه إلى رضا الباري جل وعز، بلزوم تقوى الله في الخلوة والملأ إذ هو أفضل زاد العقلاء في دَارَيْهِمْ وأجلُّ مَطِيَّة الحكماء في حالَيْهم.\rوأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الوسطي:\rعليك بتقوى الله في كل أمره ... تجد غِبَّه يوم الحساب المطَّول\rألا إن الله خيرُ مغبةً ... وأفضل زادِ الطاعن المترَحِّل\rقال أبو حاتم: قد ذكرت هذا الباب بكامله بالعلل والحكايات في كتاب مَحَجَّة المبتدئين بما أرجو الغُنْية للناظر إذا ما تأملها، فأغنى ذلك عن تكراره في هذا الكتاب.\rالحث على لزوم العلم\rوالمداومة على طلبه\rأخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن رافع قالا: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عاصم بن أبي النجود عن زرِّ بن حبَيش قال: )أتيت صفوان بن عَسال المرادي، فقال: ما جاء بك؟ قلتُ: جئت أنبط العلم قال: فإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: )ما من خارج يخرج من بيته يطلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضاً بما يَصنع(.\rقال أبو حاتم: الواجب على العاقل إذا فرغ من إصلاح سريرته: إن يثنيَّ بطلب العلم والمداومة عليه، إذ لا وصول للمرء صفاء شيء من أسباب الدنيا إلا بصفاء العلم فيه، وحكم العاقل أن لا يقتَصِّر في سلوك حالة توجب له بَسْطَ الملائكة أجنحتها رضا بصَنيعه ذلك.\rولا يجب أن يكون متأملا في سعيه الدنو من السلاطين، أو نوال الدنيا به، فما أقبح بالعالم التذللَ لأهل الدنيا!.","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"حدثنا محمد بن إبراهيم الخالدي حدثنا داود بن أحمد الدمياطي حدثنا عبد الرحمن بن عَفّان قال سمعت الفضيل بن عياض يقول )ما اقبح بالعالم يؤتي إلى منزله، فيقال: أين العالم؟ فيقال: عند الأمير، أين العالم؟ فيقال: عند القاضي، ما للعالم وما للقاضي؟ وما للعالم وما للأمير؟ ينبغي للعالم أن يكون في مسجده يقرأ في مصْحَفه(.\rحدثنا أبو يعلي حدثنا غسان بن الربيع حدثنا سليم مولي الشعبي عن الشعبي قال )يا طلابَ العلم، لا تطلبوا العلم بسفاهة وطَيْشٍ، اطلبوه بسَكِينة ووَقارٍ وتؤدة(.\rوأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:\rوفي العلم والإسلام للمرءِ وازع ... وفي ترك طاعاتِ الفؤاد المتيمّ\rبصائرُ رُشْدٍ للفتى مٌسْتَبنة ... وإخلاص صدق علمها بالتعلم\rأخبرنا إبراهيم بن نصر حدثنا عبد بن حميد حدثنا سعيد بن عامر عن حميد بن الأسود عن عيسى بن أبي عيسى الخياط قال: قال الشعبي )إنما كان يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خَصلتان: العقل، والنسك، فإن كان عاقلا ولم يك ناسكا قيل: هذا أمر لا يناله إلا النساك، فلم يطلبه، وإن كان ناسكا ولم يكن عاقلا قيل: هذا أمرٌ لا يناله إلا العقلاء، فلم يطلبه( قال الشعبي: )فلقد رهبت أن يكون يطلبه اليومَ من ليس فيه واحدة منهما، لا عقلٌ ولا نسك(.\rقال أبو حاتم: العاقل لا يبيع حظ آخرته بما قصد في العلم لما يناله من حطام هذه الدنيا؛ لأن العلم ليس القصد فيه نفسه دون غيره؛ لأن المبتغَى من الأشياء كلِّها نفُعها لا نفسها، والعلم ونفس العلم شيئان، فمن أغضَى عن نفعه لم ينتفع بنفسه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، والعلم له أول وآخر.\rكما حدثنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا عمرو الناقد حدثنا يحيى بن اليمان قال: سمعت سفيان يقول )أول العلم الإنصات، ثم الاستماع، ثم الحفظ، ثم العمل به، ثم النشر( وأنشدني الأبرش:\rتعلَّم فليس المرء يولد عالماً ... وليس أخو علم كمن هو جاهلُ\rوإنَّ كبير القوم لا عِلمَ عنده ... صَغيرٌ إذا التفَّت عليه المحافِلُ\rأخبرنا أبو يعلى حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني حدثنا جرير عن بُرْدِ بن سنان عن سليمان بن موسى قال: أبو الدرداء )لا تكونُ عالماً حتى تكونَ متعلماً، ولا تكون بالعلم عالماً حتى تكون بع عاملا(.\rقال أبو حاتم: العاقل لا يشتغل في طلب العلم إلا وقصدهُ العملُ به؛ لأن من سعى فيه لغير ما وصفنا أزداد فخراً وتجَبراً وللعمل تركا وتضييعاً، فيكون فسادُه في المتأسِّين به أكثر من فساده في نفسه، ويكون مَثلَه كما قال الله تعالى )16: 25 ومِنْ أوزارِ الذين يُضلِونهم بغير عِلم، ألا ساءَ ما يَزِرون( أخبرنا محمد بن إبراهيم الخالدي حدثنا داود بن أحمد حدثنا عبد الرحمن ابن عفان قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول )في جهنم أرْحِية تَطْحَن العلماء طَحْناً، فقيل: من هؤلاء؟ قال: قوم علموا فلم يعملوا( أخبرنا عبد الله بن محمد السعدي حدثنا محمد بن النضر بن مساور حدثنا جعفر ابن سليمان عن مالك بن دينار قال )إذا طلب الرجل العلم ليعمل به سَرَّه علمه، وإذا طلب العلم لغير أن يعمل به زاده علمه فخراً( أخبرنا محمد بن عمر بن سليمان حدثنا محمد بن رافع حدثنا محمد بن بشر حدثني سلمة بن الخطاب عن عبد الحميد بن أبي جعفر الفراء قال: قال الحسن )مَنْ أحب الدنيا وسرته ذهب خوفُ الآخرة من قبله، ومن أراد علماً ثم ازداد على الدنيا حرصاً لم يزدد من الله إلا بعداً، ولم يزدد من الله إلا بغضاً( أخبرنا محمد بن المنذر بن سعيد حدثني أحمد بن إبراهيم الحدثي حدثني إسماعيل ابن الحارث حدثني محمد بن الحسن حدثنا أبو العوام )إن إبراهيم سمع صوت هاتف، وهو يقول:\rيا طالب العلم باشِرِ الورعا ... وباين النوم، واهجر الشَّبَعَا\rماضر عبداً صحت إرادته ... أجاع يوماً في الله أو شبعا\rماضر عبداً صحت عزائمه ... أين من الأرض، أينما صقعا\rما طمعت نفس عابد فنوى ... سؤال قوم إلا لهم خضعاً\rيا أيها الناس، ما لعالمكم ... في بحر ماء الملوك قد كرعا\rيا أيها الناس، أنتم زرع ... يحصده الموت كلما طلعا","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"أخبرنا ابن سالم حدثنا الحسين بن عبد الرحمن الاحتياطي حدثنا يحيى بن اليمان العجلي عن سفيان الثوري قال )العالم طبيب الدين، والدرهم داء الدين، فإذا اجتر الطبيب الداء إلى نفسه، فمتى يداوي غيره؟( أنشدني أحمد بن محمد الصنعاني أنشدني محمد بن عبد الله العراقي:\rعُنوا يطلبون العلم في كلُ بلدة ... شباباً، فلما حَصَّلوه وحَشَّروا\rوصحَّ لهم إسناده وأصوله ... وصَاروا شيوخاً ضَيَّعوه وأدبروا\rومالوا على الدنيا، فهم يحلبُونها ... بإخلافها مفتوحُها لا يُصَرَّرُ\rفيا علماء السوء، أين عقولكم؟ ... وأين الحديثُ المسند المتخَّير؟\rأخبرنا جعفر بن محمد الهمداني - بصُورَ - حدثنا محمد بن عبد الله البعلبكي قال: سمعت عمي محمد بن زيد قال )كنت مع ابن المبارك ببغداد، فرأى إسماعيل ابن عُلَيَّةَ راكباً بَغْلةً على باب السلطان، فأنشأ يقول:\rيا جاعل الدين له بازياً ... يصطاد أموال السلاطين\rلا تبعِ بدنيا، كما ... يفعل ضُلاَّل الرَّهابين\rاحتلت للدنيا ولَذاتها ... بخيلة تذهب بالدين\rوصرت مجنوناً بها بعدما ... كنتَ دواء للمجانين\rففكر الناسُ جميعاً بأن ... زَلّ حمار العلم في الطِّين\rأخبرنا عبدُ العزيز بن الحسن البرذعي حدثنا زكريا بن يحيى حدثنا أحمد بن عبد الله التستري قال )لما ولي ابن عُلَيَّة صدقات الإبل والغنم بالبصرة، كتب إليه ابن المبارك كتاباً، وكتب في أسفله:\rيا جاعل الدين له بازياً ... يصطاد أموال المساكين\rاحتلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين\rيا فاضح العلم ومن كان ذا ... لبٍّ ومن عاب السلاطين\rأين رواياتُك في سَرْدها ... عن ابن عون وابن سيرين؟\rوزاد غير أحمد بن عبد الله:\rإن قلتَ: أكرهتُ، فماذا كذا ... زلَّ حمار العلم في الطين\rفلما قرأ ابن عُلَّيةَ الكتاب بكى، ثم كتب جوابه، وكتب في أسفله:\rأفٍّ لدنيا أبتْ تواتيني ... إلا بنقضي لها عُرَى ديني\rعَيْني لِحَيْني تدير مقلتها ... تطلب ما سَرَّها لترديني\rأخبرنا محمد بن علي الصيرفي بالبصرة حدثنا العباس بن الوليد النَّرْسي حدثنا وهيب عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن مسعود قال )عليكم بالعلم قبل أن يقُبَضَ وَقَبْضُه أن يذهب أصحابه، وإنكم ستجدون أقواماً يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم، وعليكم بالعلم، فإن أحدكم لا يدي متى يفتقرِ، أو يُفْتَقر إليه عنده؟ وعليكم بالعلم، وإياكم والبدع، وعليكم بالعتيق( حدثنا محمد بن زنجُويَةَ القشري حدثنا عمرو بن علي حدثنا أبو قتيبة حدثنا قرة بن خالد عن عون بن عبد الله قال: قال ابن مسعود )ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم الخشية(.\rحدثني إسحاق بن إبراهيم القاضي، حدثنا الحارث بن مسكين حدثنا ابن القاسم قال: سمعت مالكا يقول )ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم الخشية( قال أبو حاتم: الواجب على العاقل: مجانبة ما يدنس علمه من أسباب هذه الدنيا، مع القصد في لزوم العمل بما قَدَرَ عليه، ولو استعمال خمسة أحاديث من كل مائتي حديث، فيكون كأنه قد أدى زكاة العلم، فمن عجز عن العمل بما جمع من العلم فلا يجب أن يَعْجِزَ عن حفظه.\rولقد أنبأنا ابن قَحطبة حدثنا حسين بن محمد الكوفي قال: سمعت محمد ابن بشير الخزاعي يقول:\rأما لو أعِي كلَّ ما أسمَعُ ... وأحفظ من ذاك ما أجمع\rولم أستفد ما قد جمع ... ت لقيل: هو العالم المقنع\rولكنَّ نفسي إلى كل شيء ... من العلم تسمعه تَنْزَعُ\rوأحضرُ بالجهل في مجلسي ... وعلمي في الكتب مُستودَع\rفلا أنا أحفظ ما قد جمعت ... ولا أنا من جَمْعه أشْبَعُ\rومَنْ يكُ في علمه هكذا ... يكن دَهْرَهُ القَهْقَري يرجع\rإذا لم تكن حافظاً واعياً ... فَجمعُك للكُتْب لا ينفع\rوأنشدني محمد بن عبد الله المؤدب:\rجامع العلم تراه أبداً ... غيرَ ذي حِفظ ولكن ذا غلَط\rوتراه حسَن الخطِّ إذا ... كتب الخَطَّ بصيراً بالنُّقط\rفإذا فتشته عن علمه ... قال: علمي يا خليلي في السَّفَط","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"في كراريس جياد أحكمتْ ... وبخطّ أي خطّ أيّ خط\rفإذا قلت له: هاتِ لنا ... حَكَّ لَحْيَيْه جميعاً وامْتَخَط\rأخبرنا محمد بن يعقوب الخطيب بالأهواز حدثنا حفص بن عمرو الرَّبالي حدثنا الحجاج بن نصير حدثنا عبد القدوس قال: سمعت وهب بن منبه يقول )من تعلم علماً في حق وسُنَّة: لم يذهب الله بعقله أبداً( حدثنا عبد الله بن قحطبة حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر بن سليمان قال )كتب إليَّ أبي، وأنا بالكوفة: اشتر الصحف، واكتب العلم؛ فإن المال يفنى، والعلم يبقى(.\rحدثنا الحسن بن سفيان حدثنا حبان بن موسى أنبأنا عبد الله بن المبارك قال )كتب حكيم من الحكماء ثلاثين صحيفة حِكَم، فأوحى الله إليه: إنك قد ملأت الأرض نفاقا، وإن الله لم يتقبل شيئا من نفاقك(.\rقال أبو حاتم: اقتناء المرء عمره بكثرة الأسفار، ومباينة الأهل والأوطان في طلب العلم دون العمل به، أو الحفظ له، ليس من شِيم العقلاء، ولا من زيّ الألباء، وإن من أجرد ما يستعين المرء به على الحفظ: الطبع الجيَّدَ، مع الهمِةَّ واجتناب المعاصي، وأنشدني الأبرش:\rنِعمَ عون الفتى الطَّلوب لعِلم ... أو لبعض العقول صحةُ طبع\rفإذا الطبعُ فاته بَطَلَ العل ... م وصار العناء في غير نفع\rسمعت إبراهيم بن نصر العنبري يقول: سمعت على بن خشرم يقول: سمعت وكيعاً يقول )استعينوا على الحفظ بترك المعصية(.\rقال أبو حاتم: يجب على العاقل أن لا يطلب من العلم إلا أفضله، لأن الازدياد من العلم آثَرُ عند العاقل من الذكر بالعلم، والعلم زين في الرخاء، ومنجاة في الشدة، ومن تعلم أزداد، كما أن من حَلُم ساد، وفضل العلم في غير خير مهلكة، كما أن كثرة الأدب في غير رضوان الله موُبقة، والعاقل لا يسعى في فنونه إلا بما أجدى عليه نفعا في الدارين معا، وإذا رزق منه الحظَّ لا يبخل بالإفادة،، لأن أول بركة العلم الإفادة، وما رأيت أحداً قط بخل بالعلم إلا لم ينتفع بعلمه، وكما لا ينتفع بالماء الساكن تحت الأرض ما لم يَنْبَعْ، ولا بالذهب الأحمر ما لم يستخرج من معدنه، ولا باللؤلؤ النفيس ما لم يخرج من بَحْره، كذلك لا ينتفع بالعلم ما دام مكنونا لا ينشر ولا يفاد.\rأنبأنا أحمد بن مضر الرباطي حدثنا محمد بن سهيل بن عسكر حدثنا أبو صالح الفراء قال: سمعت ابن المبارك يقول )من بخل بالحديث يبتلى بإحدى ثلاث: إما أن يموت فيذهب علمه، أو ينسى، أو يبتلى بالسلطان(.\rحدثنا أبو يعلي إسحاق بن إسماعيل حدثنا جرير عن برُد عن سليمان ابن موسى قال: قال أبو الدرداء )الناس عالم ومتعلم، ولا خير فيما بين ذلك( وأنشدني الكريزي:\rأفدِ العلمَ، ولا تبخل به ... وإلى علمك علما فاستفد\rاستفد ما اسْطَعت من علم وكن ... عاملا بالعلم والناسَ أفِدْ\rمَنْ يفُدهم يَجرهِ الله به ... وسيغني الله عمن لم يُفد\rليس مَنْ نافَس فيه عاجزاً ... إنما العاجز من لا يجتهد\rحدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا عمر بن حفص الشيباني حدثنا حماد ابن واقد عن هشام بن حسان عن الحسن قال )لأن يتعلمَ الرجل باباً من العلم فيعبدَ به ربه، فهو خير له من أن لو كانت الدنيا من أولها إلى آخرها له، فوضعها في الآخرة(.\rقال أبو حاتم: قد ذكرت أسباب المتعلمين وأخلاق العلماء بعللها في كتاب )العالم والمتعلم، بما أرجو أن يكون فيه غُنْية لمن أراد الوقوف على معرفتها، فأغنى ذلك عن التكرار؛ لأنا شرطنا في هذا الكتاب الاختصار، كراهية سلوك التطويل، والإشارة إلى قصد نفس التحصيل.\rالحث على لزوم الصمت\rوحفظ اللسان\rأخبرنا حامد بن محمد بن شعيب البلخي - ببغداد - حدثنا منصور بن أبي مزاحم حدثنا أبو الأحوص عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت(.","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"قال أبو حاتم: الواجب على العاقل إذا ذكر المطِيَّتين - اللتين ذكرتهما قبل إصلاح السريرةِ ولزوم العلم: إن يبلغ مجهوده حينئذ في حفظ اللسان حتى يستقيم له، إذ اللسان هو الموُردُ للمرءِ موارد العَطب. والصمت يكسب المحبةَ والوقار، ومن حفظ لسانه أراح نفسه، والرجوُع من الصمت أحْسنُ من الرجوع عن الكلام، والصمت منام العقل، والمنطق يقظته.\rحدثنا محمد بن زنجويه حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس إن لقمان قال )إن من الحُكْم الصمتَ، وقليلٌ فاعله(.\rوأنشدني الكريزي.\rأقللْ كلامك واستعذ من شره ... إن البلاء ببعضه مقرونُ\rوأحفظ لسانك واحتفظ من غَيّه ... حتى يكون كأنه مسجون\rوَكِّل فؤادَك باللسان، وقل له ... إن الكلام عليكما موزون\rفزِنَاهُ ولْيَكُ مْحكَما ذا قِلَّةٍ ... إن البلاغة في القليل تكون\rأخبرنا ابن قتيبة حدثنا جعفر بن نوح حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع قال: سمعت مالك بن انس يقول )كل شيء ينتفع بفضله إلا الكلامَ فإن فَضْله يَضُرُّ(.\rأخبرنا القطان حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا مروان بن محمد عن سعيد ابن عبد العزيز قال: قال أبو الدرداء )لا خير في الحياة إلا لأحد رجلين: منُصْت واع، أو متكلم عالم(.\rقال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن لا يغالب الناس على كلامهم، ولا يعترضَ عليهم فيه؛ لأن الكلام وإن كان في وقته حظوةً جليلة فإن الصمت في وقته مرتبةٌ عالية، ومن جُهَّل بالصمت عَيّ بالمنطق والإنسان إنما هو صورة ممثَّلة أو صالَّةٌ مهملة، لو لا اللسان، واللهُ جل وعز رفع جارحةَ اللسان على سائر الجوارح، فليس منها شيء أعظمُ أجراً منه إذا أطاع، ولا أعظم ذنباً منه إذا جنى.\rوأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجيّ البغدادي.\rلئن كان يجنى اللومَ ما أنت قائل ... ولم يك منه النفع فالصمت أيسرُ\rفلا تُبْدِ قولا من لسانك لم يَرُض ... مواقعَه من قبل ذاك التفكَّرُ\rأخبرنا ابن قتيبة حدثنا هرون بن محمد البكار قال: سمعت أبا مسهر ينشد هذا البيت:\rقد أرى كثرة الكلام قبيحا ... كلُّ قول يشينه الإكثارُ\rأخبرنا محمد بن سعيد القزاز حدثني محمد بن داود بن سليمان الرملي حدثنا المسيب بن واضح قال: سمعت ابن المبارك يقول:\rتعاهد لسانك إن اللسان ... سريع إلى المرء في قتله\rوهذا اللسان بَريِدُ الفؤاد ... يدلُّ الرجال على عقله\rأخبرنا محمد بن سليمان بن فارس حدثنا محمد بن علي الشقيقي أنبأنا إبراهيم بن الشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول )شيئان يقسيان القلب: كثرة الكرم، وكثرة الأكل( أخبرنا أو يعلي حدثنا عمرو بن محمد الناقد قال: سمعت يحيى بن اليمان يقول: قال سفيان الثوري: )أول العبادة الصمت، ثم طلب العلم، ثم العمل به، ثم حفظه، ثم نشره( حدثنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا العتبي عن علي بن جرير عن أبيه قال: قال الأحنف بن قيس )الصمت أمان من تحريف اللفظ، وعصمة من زيغ المنطق، وسلامة من فضول القول، وهيبة لصاحبه( قال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن يلزم الصمت إلى أن يلزمه التكلم، فما أكثر من ندم إذا نطق، وأقل من يندم إذا سكت، وأطول الناس شقاء وأعظمهم بلاء من ابتلى بلسان مطلق، وفؤاد مطبق.\rواللسان فيه عشر خصال يجب على العاقل أن يعرفها، ويضع كل خصلة منها في موضعها: هو أداة يظهر بها البيان، وشاهد يخبر عن الضمير، وناطق يرد به الجواب، وحاكم يفصل به الخطاب، وشافع تدرك به الحاجات، وواصف تعرف به الأشياء، وحاصد تذهب الضغينة، ونازع يجذب المودة، ومُسَلٍّ يذكى القلوب ومُعَزٍّ تردّ به الأحزان.\rولقد أحسن الذي يقول:\rإن كان يعجبك السكوت فإنه ... قد كان يعجب قبلك الأخيارا\rولئن ندمت على سكوت مرة ... فلقد ندمتَ على الكلام مرارا\rإن السكوت سلامة، ولربما ... زرع الكلام عداوة وضرارا\rوإذا تقرّب خاسرٌ من خاسر ... زادا بذاك خسارة وتبارا","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"أخبرنا محمد بن المنذر بن سعيد حدثنا كثير بن عبد الله التيمي حدثنا العلاء ابن سعيد الكندي حدثني أبو حية قال )كنت أماشي إسماعيل بن سَهْل، وكان أحد الحكماء، فقال لي: ألا أخبرك ببيت شعر خيرٌ لك من عشرة آلاف درهم؟ قال: نعم. قال: أيما أحبُّ إليك: نفسك أو عشرة آلاف درهم؟ قال: قلت: نفسي، فأنشأ يقول:\rاخفض الصوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل المقال\rقال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن يكون ناطقا كَعَيِيٍّ وعالما كجاهل، وساكتاً كناطق؛ لأن الكلام لا بد له من الجواب والجواب لو جعل له جواب لم يكن للقول نهاية، وخرج المرء ما ليس له غاية، والمتكلم لا يسلم من أن ينسب إليه الصَّلَف والتكلف، والصامت لا يليق به إلا الوقار وحسن السمت.\rولقد أحسن الذي يقول:\rحتّفْ امرئ لسانه ... في جِدِّه أو لعبه\rبين اللَّهَا مقتلهُ ... رُكِّبِ في مركبه\rأخبرنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي ابن عائشة حدثنا دريد ابن مجاشع عن غالب القطان عن مالك بن دينار عن الأحنف بن قيس قال: قال عمر بن الخطاب )يا أحنف، مَنْ كثر كلامه كثر سَقَطه، ومن كثر سقطه قَلَّ حياؤه، ومن قلّ ورعه، ومن قلّ ورعه مات قلبه( وأنشدني الأبرش:\rما ذَلّ ذو صمت، وما من مكثر ... إلا يَزِلُّ، وما يُعاب صَمُوتُ\rإن كان منطق ناطق من فضّة ... فالصمتُ دُرُّ زانه الياقوت\rأنبأنا ابن قتيبة حدثنا المسيب بن واضح قال: سمعت عليّ بن بكار يقول )جعل الله لكل شيء بابين، وجعل للسان أربعة: الشفتين مصراعين، والأسنان مصراعين( أنبأنا بكر بن أحمد بن سعيد الطاحيّ بالبصرة حدثنا نصر بن عليّ الجهضمي أنبأنا محمد بن يزيد بن خنيس عن وهيب بن الورد )إن شابا كان يحضر مجلس عمر بن الخطاب، ويحسن الاستماع، ثم ينصرف من قبل أن يتكلَّم، ففطِنَ له عمر، فقال له: إنك تحضُر مجلسنا، وتحسن الاستماع، ثم تنصرف من قبل أن تتكلم، فقال الشاب: إني أحضر فأتوقي وأتنقّي، وأصمت فأسلم( قال أبو حاتم - رضي الله عنه: - الواجب على العاقل أن ينصف أذنيه من فيه، ويعلم أنه إنما جعلت له أذنان وفم واحد ليسمع أكثر مما يقول، لأنه إذا قال ربما ندم، وإن لم يقل لم يندم، وهو على رد ما لم يقل أقدر منه على رد ما قال، والكلمةُ إذا تكلّم بها ملكته، وإن لم يتكلم بها ملكها، والعجب ممن يتكلم بالكلمة، إن هي رُفِعتْ ربما ضَرَّته، وإن لم ترفع لم تضره، كيف لا يصمت؟ ورُبَّ كلمة سَلبتْ نعمة!( أخبرنا أحمد بن قريش بن عبد العزيز حدثنا إبراهيم بن عليٍّ الذُّهلي قال: أنشدني رجل من ربيعة:\rلعمرك ما شيء علمت مكانه ... أحق بسجن من لسان مذَلَّل\rعلى فيك مما ليس يعنيك شأنُه ... بِقُفْلٍ وثيقٍ ما استطعت فأقْفِل\rفربَّ كلامٍ قد جرى من مُمَازح ... فساق إليه سَهمْ حَتْفٍ معجَّل\rوللَصمتُ خيرٌ من كلام بمأثم ... فكن صامتاً تَسْلَم، وإن قُلْتْ فاعدِل\rأخبرنا أبو يعلي حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا جرير عن برد عن سليمان ابن موسى قال: قال أبو الدرداء )كفى بك ظالما أن لا تزال مخاصما، وكفى بك آثماً أن لا تزال ممارياً، وكفى بك كاذباً أن لا تزال محدثا، إلا حديثاً في ذات الله تبارك وتعالى( أخبرنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا معروف بن الحسن الكنانيّ حدثنا كثير ابن هشام عن عيسى بن إبراهيم عن سعيد بن أبي سعيد عن كعب قال )العافية عشرة أجزاء، تسعة منها في السكوت( أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أحمد بن إبراهيم الدرَّوْرَقي حدثنا يحيى القطان عن شعبة قال )من الناس من عقله بفنائه، ومنهم من عقله معه، ومنهم من لا عقل له، فأما الذي عقله معه فالذي يبصر ما يخرج منه قبل أن يتكلم، وأما الذي عقله بفنائه فالذي يبصر ما يخرج بعد أن يتكلم. ومنهم من لا عقل له، فحدثت به عبد الرحمن بن مهدي بعد ما رجعنا من عند يحيى، فقال: هذه صفتنا، يعني الذي عقله بفنائه، واستحسن الكلام، وقال: لا ينبغي أن يكون هذا من كلام شعبه، لعله سمعه من غيره( وأنشدني البغدادي محمد بن عبد الله بن زنجي:\rأنت من الصمت آمِنُ الزّلَلِ ... ومن كثير الكلام في وَجَلِ\rلا تقل القول ثم تُتْبِعه ... يا ليت ما كنتُ قلتُ لم أقل","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"سمعت محمد بن المسيب يقول: سمعت العباس بن الوليد بن زيد يقول: سمعت أبي يقول: سمعت الأوزاعي يقول )ما بلى أحد في دينه ببلاء أضر عليه من طَلاقة لسانه( سمعت محمد بن محمود النسائي يقول: سمعت أبا أحمد بن أبي قديد يقول: سمعت العباس بن عبد العظيم يقول: سمعت عارماً يقول: سمعت خالد بن الحارث يقول )السكوت زين للعاقل، وشين للجاهل( قال أبو حاتم رضي الله عنه: لو لم يكن في الصمت خصلة تحمد، إلا تَزَيُّنُ العاقل وتَشُّين الجاهل به لكان الواجب على المرء أن لا يفارقه الصمتُ ما وجد إليه سبيلا، ومَن أحب السلامة من الآثام فليقل ما يقبل منه، وليُقِلّ مما يقبل منه، لأنه لا يجترئ على الكثير إلا فائق أو مائق، وقد ترك جماعة من أهل العلم حديث أقوام أكثروا الكلام فيما لا يليق بهم.\rمن ذلك: ما حدثنا به محمد بن الحسن بن مكرم بالبصرة حدثنا عمرو بن علي حدثنا أمية بن خالد عن سعيد قال: قلت للحكم: مالَكَ لا تكتب عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: لسان العاقل يكون وراء قلبه، فإذا أراد القول رجع إلى القلب، فإن كان له قال، وإلا فلا، والجاهل قلبه في طرف لسانه، ما أتى على لسانه تكلم به، وما عَقَلَ دينه من لم يحفظ لسانه.\rواللسان إذا صلح تبين ذلك على الأعضاء، وإذا فسد فكذلك.\rأخبرنا محمد بن عبيد الله بن الجنيد حدثنا عبد الوارث بن عبيد الله عن عبد الله أنبأنا سفيان عن رجل قال )إني كذب الكَذْبة فأعرفها في عملي( أنبأنا أبو عَوَانة يعقوب بن إبراهيم بن إسحاق حدثنا الفضل بن عبد الجبار حدثنا أبو إسحاق الطالقاني عن الوليد بن مسلم قال: قال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أنه قال )ما صلح منطق رجل إلا عُرف ذلك في سائر عمله(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: والعاقل لا يبتدئ الكلام إلا أن يسأل ولا يقول إلا لمن يقبل، ولا يجيب إذا شوتم، ولا يجازي إذا أُسمع؛ لأن الابتداء بالصمت وإن كان حسناً، فإن السكوت عند القبيح أحسن منه( وأنشدني المنتصر بن بلال بن المنتصر الأنصاري:\rالصمت عند القبيح يسمعه ... صاحبُ صدق لكل مصطحبِ\rفآثرِ الصمتَ ما استطعت، فقد ... يُؤْثَرُ قول الحكيم في الكتب\rلو كان بعضُ الكلام من وَرِق ... لكان جُلّ السكوت من ذهب\rأخبرنا بكر بن محمد بن عبد الوهاب القزاز حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو بشر حدثنا أبي حدثنا بن فضالة عن المغيرة بن مسلم الهجَيمي عن أسير ابن جابر قال )ما رضعت عنزاً قط، ولو قلت: لا أرضعها خفت أن يصير بي البلاء إلى أن أرضعها، إن البلاء مُوَكَّل بالقول( وأنشدني الكريزي:\rاستر العِيَّ ما استطعت بصمت ... إن في الصمت راحةً للصَّمُوتِ\rواجعل الصمت إن عييتَ جواباً ... رب قول جوابه في السكوت\rوأنبأنا محمد بن المنذر حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي حدثنا سفيان عن يزيد بن حيان عن عيسى بن عقبة قال: سمعت ابن مسعود يقول )والله الذي لا إله غيره، ما شيء أحق بطول سجْن من لسان( قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يحفظ أحواله من ورود الخلل عليها في الأوقات، وإن من أعظم الخلل المفسد لصحة السرائر والمُذهب لصلاح الضمائر: الإكثار من الكلام، وإن أبيح له كثرة النطق، ولا سبيل للمرء إلى رعاية الصمت إلا بترك ما أبيح له من النطق.\rكما أنبأنا الحسن بن سفيان حدثنا حبان بن موسى حدثنا عبد الله عن سفيان عن نسير بن دعلوق عن إبراهيم التيمي أخبرني من صحب الربيع بن خَيْثَم عشرين عاماً فلم يسمع منه كلمة تعاب.\rأنبأنا الجنيدي حدثنا عبد الوارث بن عبيد الله عن عبد الله أنبأنا سفيان عن أبي طعمة عن رجل من الحي قال: أتيت الربيع بن خيْثَم بنعي الحسين. وقالوا: اليوم يتكلم مقالة، فتأوَّه ومَدَّ بها صوته، ثم قال: اللهم فاطرَ السموات والأرض عالمَ الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك بالحق فيما كانوا فيه يختلفون(.","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا إبراهيم بن عمرو بن حبيب حدثنا الأصمعي قال )بينا أنا أطوف بالبادية إذا أنا بأعرابية تمشي وحدها على بعير لها، فقلت: يا أمة الجبار من تطلبين؟ فقالت: مَنْ يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، قال: فعلمت أنها قد أضلت أصحابها، فقلت لها: كأنك قد أضللت أصحابك؟ قالت: ففهمناها سليمان، وكُلاًّ آتينا حكماً وعلماً، فقلت لها: يا هذه من أين أنت؟ قالت: سبحان الذي أسرى بعيده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، فعلمت أنها مقدسية، فقلت لها: كيف لا تتكلمين؟ فقالت: ما يلفظُ من قولٍ إلا لديه رَقيبٌ عتيد، فقال بعض أصحابي: ينبغي أن تكوني هذه من الخوارج، فقالت: ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كلُّ أولئك كان عنه مسؤلا، فبينما نحن نماشيها إذ رفعت لنا قباب وخيم، فقالت: وعلامات وبالنجم هم يهتدون، قال: فلم أفطن لقولها، فقلت: ما تقولين؟ فقالت: وجاءت سيارة فأرسلوا وأردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام، قلت: بمن أصوت وبمن أدعو؟ فقالت: يا يحيى خذ الكتاب بقوة، يا زكريا أنا نبشرك، يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، قال: فإذا نحن بثلاثة أخوة كاللآلئ، فقالوا: أمنا ورب الكعبة أضللناها منذ ثلاث، فقالت: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور، فأومأت إلى أحدهم فقالت: فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة، فلينظر أيُّها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه، فقلت: إنها أمرتهم أن يزودونا، فجاءوا بخبز وكعك، فقلت: لا حاجة لنا في ذلك، فقلت للفتية: من هذه منكم؟ قالوا: هذه أمنا ما تكلمت منذ أربعين سنة إلا من كتاب الله مخافة الكذب، فدنوت منها، فقلت: يا أمة الله، أوصني، فقالت: ما أسألكم عليه من أجرا إلا المودة في القربى، فعلمت أنها شيعية، فانصرفت( قال أبو حاتم رضي الله عنه: قد ذكرت ما شاكل هذه الحكايات في كتاب حفظ اللسان فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب.\rفالواجب على العاقل أن يروض نفسه على ترك ما أبيح له من النطق، لئلا يقع في المزجورات، فيكون حَتْفه فيما يخرج منه؛ لأن الكلام إذا كثر منه أورث صاحبه التلذذ بضد الطاعات، فإذا لم يوفق العبد لاستعمال اللسان فيما يجُدْيِ عليه نفعُه في الآخرة، كان وجود الإمساك عن السوء أولى به.\rوأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:\rولن يَهِلْكَ الإنسان إلا إذا أتى ... من الأمر ما لم يرضُه نصحاؤه\rوأقلل إذا ما قلتَ قولاً، فإنه ... إذا قَلَّ قول المرء قَلَّ خطاؤه\rأنبأنا محمد بن الحسين بن الخليل حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني حدثنا سيار حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا المعلى بن زياد قال: قال مُؤرِّق العِجْلي )أمرٌ أنا في طلبه منذ عشر سنين، ولست بتارك طلبه: قال: وما هو يا أبا المعتمر؟ قال: الصمت عمالا يعنيني(.\rأنبأنا إبراهيم بن نصر العنبري حدثنا علي بن الأزهر الرازي حدثنا إبراهيم ابن رستم قال: سمعت خارجة يقول )صحبت عبد الله بن عون خمس عشرة سنة فما أظن الملائكة كتبت عليه شيئاً(.\rالحث على لزوم الصدق\rومجانبة الكذب\rأخبرني أحمد بن محمد بن حبيب الجنيدي قال: حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا محاسن بن المودع حدثنا الأعمش عن أبي سفيان قال: قال عبد الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البرِّ، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصُدق حتى يُكتَبَ عند الله صدِّيقاً، وإياكم والكذبَ، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: إن الله جل وعلا فَضَّلَ اللسان على سائر الجوارح، ورفع درجته، وأبان فضيلته، بأن أنطقه من بين سائر الجوارح بتوحيده، فلا يجب للعاقل أن يُعَوِّدَ آلة خَلَقها الله للنطق بتوحيده بالكذب، بل يجب عليه المداومة برعايته بلزوم الصدق، وما يعود عليه نفعه في داريه، لأن اللسان يقتضي ما عوِّد: إن صدقاً فصدقاً، وإن كذاباً فكذباً.\rولقد أحسن الذي يقول:\rعَوِّد لسانك قول الخَير تَحْظَ به ... إن اللسان لما عَوَّدْتَ معتادُ\rموكّل بتقاضي ما سننتَ له ... فاختر لنفسك، وانظر كيف ترتاد","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"أخبرنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا الفضل بن العباس البغدادي حدثنا الهيثم ابن خارجة حدثنا الهيثم بن عمران قال: سمعت إسماعيل بن عبيد الله يقول: )كان عبد الملك بن مروان يأمرني أن أجَنِّبَ بنيه السِّمَن، وكان يأمرني أن لا أطعم طعاماً حتى يخرجوا إلى البراز، وكان يقول: عَلَّم بنيَّ الصدق كما تعلمهم القرآن، وجنبهم الكذب، وإن فيه كذا وكذا يعني القتل(.\rوأنشدني الأبرش:\rالكِذْبُ مُرديك، وإن لم تخف ... والصِّدْقُ منجيك على كل حال\rفانطق بما شئت تجد غِبَّه ... لم تُبْتَخَسْ وزنة مثقال\rأخبرنا أبو يعلي حدثنا أبو خيثمة حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سليم ابن حيان عن قتادة عن حميد بن عبد الرحمن الحميري أن عمر بن الخطاب قال )إن أبا بكر قام فينا عام أول، فقال: إنه لم يقسم بين الناس شيء أفضل من المعافاة بعد اليقين، ألا إن الصدق البرَّ في الجنة، ألا وإن الكذب والفجور في النار( أخبرنا أبو خليفة حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا عكْرمة بن عمار حدثني طيسلة بن علي البهدلي قال )كنت مع ابن عمر يوماً في أصول الأراك يوم عرفة، وبين يديه رجل من أهل العراق، فقال له الرجل: يا ابن المنافق، قال: المنافق، - ويحك! - الذي إذا حدث كذب، وإذا وعد لم ينجز، وإذا أؤتمن لم يؤدِّ( سمعت أحمد بن محمد بن الأزهر يقول: سمعت محمد بن خلف بن أبي الأزهر يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول )ما من مُضْغْةَ أحبُّ إلى الله من لسان صدوق، وما من مضغة أبغض إلى الله من لسان كذوب(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: كل شيء يستعار ليتجمَّلَ به سَهْلٌ وجودُه، خلا اللسان، فإنه لا ينبئ إلا عما عُوِّدَ، والصدق ينجي والكذب يُرَديِ، ومن غلبَ لسانَه أمّره قومه، ومن أكثر الكذب لم يترك لنفسه شيئاً يصدق به، ولا يكذب من هانت عليه نفسه.\rحدثنا أحمد بن محمد بن زنجويه حدثنا جعفر بن أبي عثمان الطيالسي حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا أنس بن عياض عن صالح بن حسان عن محمد بن كعب القرظي قال )إنما يكذب الكاذب من مَهاَنة نفسه( وأنشدني الكريزي:\rكذبتَ، ومن يكذب فإن جزاءه ... إذا ما أتى بالصدق أن لا يصدَّقا\rإذا عرف الكذاب بالكذب لم يزل ... لدى الناس كذابا، وإن كان صادقا\rومن آفة الكذاب نسيان كذبه ... وتَلقاهُ إذا فَقْهٍ إذا كان حاذقا\rقال أبو حاتم: لو لم يكن للكذب من الشَّين إلا إنزاله صاحبه بحيث أن صَدٌَ لم يُصدّق، لكان الواجب على الخلق كافَّة لزوم التثبت بالصدق الدائم، وإن من آفة الكذب أن يكون صاحبه نسياً، فإذا كان كذلك كان كالمنادي على نفسه بالخزي في كل لحظة وطرفة.\rسمعت أحمد بن محمد بن الأزهر يقول: سمعت نصر بن علي الجهضمي يقول: )إن الله أعاننا على الكذابين بالنسيان( وأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي:\rإذا ما المرء أخطأه ثلاث ... فبعه، ولو بكَفٍّ من رَماد\rسلامة صدره، والصدق منه، ... وكتمان السرائر في الفؤاد\rأنبأنا بكر بن أحمد الطاحي بالبصرة حدثنا إبراهيم بن عزرة حدثنا سفيان ابن عيينة عن معمر قال: قال الزهري )لو رأيتَ طاووساً لعلمت أنه لا يكذب( قال أبو حاتم رضي الله عنه: اللسان سَبعُ عَقُور، أن ضبطه صاحبه سلم، وإن خلَى عنه عقره، وبفمه يفتضح الكذوب، فالعاقل لا يشتغل بالخوض فيما لا يعلم فيُتَّهَم فيما يعلم؛ لأن رأس الذنوب الكذب، وهو يبدي الفضائح ويكتم المحاسن، ولا يجب على المرء إذا سمع شيئاً يعيبه أن يحدث به لأن من حدث عن كل شيء أزْرَى برأيه، وأفسَد صدقه.\rوقد أنبأنا أبو خليفة حدثنا ابن كثير أنبأنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن الأحوص عن عبد الله قال )حَسْبُ المؤمن من الكذب أن يحدث بكل ما سمع(.\rأنبأنا الحسن بن سفيان، حدثنا حبان بن موسى، أنبأنا عبد الله، أنبأنا سفيان عن منصور عن سالم بن أبي الَجْعد قال قال عيسى بن مريم عليه السلام )طوبَى لمن خَزَن لسانه، ووسِعهَ بيته، وبكى على خطيئته(.\rأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:\rوإذا الأمور تزاوجت ... فالصدق أكرمها نِتَاجا\rالصدق يعقد فوق رأ ... س حَليفه بالصدق تاجا\rوالصدق يقدح زَنده ... في كل ناحية سراجا","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"أنبأنا القطان حدثنا نوح بن حبيب حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن منصور عن رِبْعِيٍّ قالوا )من ذكرت يا أبا سفيان؟ قال: ذكرت ربعيا، وتَدْرون مَنْ كان ربعي؟ كان رجلا من أشجع زَعَم قومُه أنه لم يكذب قط، فسعى به ساع إلى الحجاج، فقال: هاهنا رجل من أشجع، زعم قومه أنه لم يكذب قط، وأنه يكذب لك اليوم، فإنك ضربت على ابنيْه البعث فَعَصَيَا، وهما في البيت، وكان عقوبة الحجاج للعاصي ضرب السيف، قال: فدعاه، فإذا شيخ منحن، فقال له أنت ربعي؟ قال: نعم، قال: ما فعل أباك؟ قال: هاهما ذان في البيت، قال: فحمله وكساه وأوصى به خيراً(.\rأنبأنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا عبيد الله بن محمد التميمي عن أبيه قال )كان عمر بن الخطاب بمنى فعطش، فانتهى إلى عجوز، فاستسقاها ماءً، فقالت: ما عندنا، فقال: لبنا، فقالت: ما عندنا، فبدرت جارية، فقالت لها: تكذبين وما تستحين؟ ثم قالت لعمر: هذا السقاء فيه لبن، فسأل عمر عن الجارية فإذا أبوها ثقفي فخطبها على عاصم بن عمر، فزوجها منه، فولد له منها أم عاصم، فتزوجها عبد العزيز بن مروان، فولدت له عمر بن عبد العزيز بن مروان، رحمة الله عليه!(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الصدق يرفع المرء في الدارين، كما أن الكذب يهوي به في الحالين، ولو لم يكن الصدق خصلة تحمد إلا أن المرء إذا عرف به قبِل كذبه، وصار صدقا عند من يسمعه - لكان الواجب على العاقل أن يبلغ مجهوده في رياضة لسانه، حتى يستقيم له على الصدق ومجانبة الكذب والعيّ في بعض الأوقات خير من النطق، لأن كل كلام أخطأ صاحبه موضعه فالعيّ خير منه.\rأنشدني المنتصر بن بلال:\rتحدث بصدق إن تحدثت، وليكن ... لكل حديث من حديثك حينُ\rفما القول إلا كالثياب، فبعضها ... عليك، وبعض في التخوت مصونُ\rوأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rكم من حسيب كريم كان ذا شرف ... قد شانه الكذب وسط الحيّ إن عمدا\rوآخر، كان صُعُلوكا، فشَرّفه ... صدقُ الحديث وقولٌ جانب الفَنَدَا\rفصار هذا شريفا فوق صاحبه ... وصار هذا وضيعاً تحته أبدا\rأنبأنا أبو خليفة حدثنا محمد بن كثير، أنبأنا سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، قال: قال عمر )لا يجد عبد حقيقة الإيمان حتى يَدعَ المرء وهو مُحقُّ، ويدع الكذب في المزاح وهو يرى أنه لو شاء لغلب(.\rأنبأنا ابن سعيد القزاز، حدثني يوسف بن سعيد بن مسلم حدثنا علي بن بكار عن يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن عمرو قال: )ذَرْ ما لستَ منه في شيء، ولا تنطق فيما لا يعنيك، وأخْزُنْ لسانك كما تخزن دراهمك( وأنشدني محمد بن المنذر بن سعيد الهروي:\rالقول كاللبن المحلوب، ليس له ... رَدٌّ وكيف يردُّ الحالبُ اللبن؟\rفي ضرعه، وكذاك القول ليس له ... في الجوف ردٌّ قبيحاً كان أو حسنا\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل ترك الإغضاء عن تعهد اللسان، لأن من كثر كلامه كثر سَقَطه، والسقط ربما تعدى غيره فيهلكه في ورطة لا حيلة له في التخلص منها، لأن اللسان لا يندمل جرحه ولا يلتئم ما قطع به، وكلْمُ إذا وصل إلى القلب لم ينزع إلا بعد مدة طويلة، ولم يستخرج إلا بعد حيلة شديدة، ومن الناس من لا يُكْرَم إلا للسانه، ولا يهان إلا به، فالواجب على العاقل أن لا يكون ممن يهان به.\rأنبأنا عبد الله بن محمد الأنماطي الهمداني، حدثنا محمد بن عمير، حدثنا عبد الله بن الحسين العقيلي، حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا شبيب بن شبه، قال: سمعت ابن سيرين يقول )الكلام أوسع من أن يكذب فيه ظريف(\rالحث على لزوم الحياء\rوترك القحة\rأنبأنا الفضيل بن الحباب الجُمَحي، حدثنا القَعْنَبي عن شعبة عن منصور، عن ربعي، عن ابن مسعود: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال )إن مما أدرك الناسُ من كلام النبوة الأولى: إذا لم تَستَح فاصنع ما شئت(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل لزوم الحياء، لأنه أصل العقل وبذر الخير، وتركه أصل الجهل وبذر الشر، والحياء يدل على العقل كما أن عدمه دال على الجهل، ومن لم ينصف الناس منه حياؤه، لم ينصفه منهم قحته، ولقد أحسن الذي يقول:\rوليس بمنسوب إلى العلم والنُّهي ... فتىً لا تُرَى فيه خلائق أربعُ","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"فواحدة: تقوى الإله التي بها ... ينُال جسيمُ الخير والفضل أجمع\rوثانية: صدق الحياء فإنه ... طباع ذو المروءة يطبع\rوثالثة: حلم إذا الجهل أطلعت ... إليه خبايا من فجور تَسَرَّعُ\rورابعة: جود بملكِ يمينه ... إذا نابه الحق الذي ليس يدفع\rوأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي:\rإذا قلَّ ماء الوجه قَلَّ حياؤه ... فلا خير في وجه إذا قَلَّ ماؤه\rحياءَك فاحفظه عليك، فإنما ... يدل على وجه الكريم حياؤه\rأنبأنا أبو خليفة حدثنا ابن كثير حدثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال )ألأم شيء في المؤمن الفحْشُ(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الحياء اسم يشتمل على مجانبة المكروه ومن الخصال والحياء حياآن: أحدهما: استحياء العبد من الله جل وعلا عند الاهتمام بمباشرة ما خطر عليه.\rوالثاني: استحياء من المخلوقين عند الدخول فيما يكرهون من القول والفعل معاً.\rوالحياآن جميعاً محمودان، إلا أن أحدهما فرضٌ والآخر فضل، فلزوم الحياء عند مجانبة ما نهى الله عنه فرض، ولزوم الحياء عند مقارفة ما كره الناس فضل.\rوأنشدني محمد بن المنذر بن سعيد عن محمد بن خلف التيمي قال: أنشدني رجل من خزاعة:\rإذا لم تخش عاقبةَ الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء\rفلا والله، ما في العيش خير ... ولا الدنيَا إذا ذهب الحياء\rيعيش المرء ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقي اللِحاء\rحدثنا إسحاق بن إبراهيم القاضي حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري: إن أبا بكر الصديق قال يوماً وهو يخطب )أيها الناس، استحيوا من الله، فوالله ما خرجتُ لحاجة منذ بايعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد الغائط وإلا وأنا مُقَنَّع رأسي حياءً من الله(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الحياء من الإيمان، والمؤمن في الجنة، والبذَاء من الجفاء، والجافي في النار، إلا أن يتفضل الله برحمته فيخلصه منه.\rفإذا لزم المرء الحياء كانت أسباب الخير منه موجودة، كما أن الواقِح إذا لزم البذاء كان وجود الخير منه معدوماً وتواتر الشر منه موجوداً؛ لأن الحياء هو الحائل بين المرء وبين المزجورات كلها فبقوةّ الحياء يضعف ارتكابه إياها، وبضعف الحياء تقوى مباشرته إياها.\rولقد أحسن الذي يقول:\rوربَّ قبيحةٍ ما حال بيني ... وبين ركوِبها إلا الحياءُ\rفكان هو الدواءَ لها، ولكن ... إذا ذهب الحياء فلا دواء\rوأنبأنا محمد بن المنذر بن سعيد حدثنا عمر بن شبه حدثنا عبد الأعلى ابن عبد الأعلى حدثنا هشام عن محمد عن كثير بن أفلح عن زيد بن ثابت قال: )من لا يستحي من الناس لا يستحي من الله( قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن يعودّ نفسه لزوم الحياء من الناس، وإن من أعظم بركته تعويدَ النفس ركوبَ الخصالِ المحمودة ومجانبتَها الخلالَ المذمومة، كما أنَّ من أعظم بركة الحياء من الله الفوز من النار بلزوم الحياء عند مجانبة ما نهى الله عنه؛ لأن ابن آدم مطبوع على الكرم واللؤم معاً في المعاملة بينه وبين الله والعشرةَ بينه وبين المخلوقين، وإذا قوى حياؤه قوى كرمه، وضعف لؤمه، وإذا ضعف حياؤه قوى لؤمه وضعف كرمه، ولقد أنشدني عليّ بن محمد البسامي:\rإذا رُزق الفتى وَجْهاً وَقَاحاً ... تقلّب في الأمور كما يشاءُ\rولم يك للدواء ولا لشيء ... يعالجه به فيه غَنَاء\rفما لك في متابعة الذي لا ... حياء لوجهه إلا العناء\rقال أبو حاتم: إن المرء إذا أشتد حياؤه صان عِرضه، ودفن مساويَه، ونشر محاسنه، ومن ذهب حياؤه ذهب سروره، ومن ذهب سروره هان على الناس ومُقِتَ، ومن مُقِت أوذي، ومن أوذي حزن، ومن حزن فقد عقله، ومن أصيب في عقله كان أكثرُ قوله عليه لا له، ولا دواء لمن لا حياء له، ولا حياء لمن لا وفاء له، ولا وفاء لمن لا إخاء له، ومن قل حياؤه صنع ما شاء وقال ما أحب.\rوأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rإذا لم تَصُن عرضاً ولم تخش خالقاً ... وتستحِي مخلوقا فما شئت فاصنعِ\rإذا كنت تأتي المرء تُعْظِم حَقَّه ... ويجَهل منك الحقَّ فالصرم أوسع","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"أنبأنا محمد بن سعيد القزاز حدثني عبد الله بن مسعود الثعلبي باليمن حدثنا أحمد بن زيد بن السكن الجندي عن سفيان بن عيينة قال: قال يحيى بن جعدة )إذا رأيت الرجلَ قليل الحياء فاعلم أنه مدخول في نسبه(\rالحث على لزوم التواضع\rومجانبة الكِبرْ\rأنبأنا أبو خليفة حدثنا موسى بن إسماعيل التبوذكي حدثنا إسماعيل بن حعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )ما نقصت صدقة من مال، ولا زاد الله عنداً بعفو إلا عزاً ولا تواضع أحد لله إلا رفعه الله(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل لزوم التواضع ومجانبة التكبر، ولو لم يكن في التواضع خَصلة تحمله إلا أن المرء كلما كثر تواضعه أزداد بذلك رفعةً لكان الواجب عليه أن لا يتزيَّا بغيره.\rوالتواضع تواضعان: أحدهما محمود، والآخر مذموم. والتواضع المحمود: ترك التطاول على عباد الله، والإزراء بهم. التواضع المذموم: هو تواضع المرء لذي الدنيا رغبةً في دنياه.\rفالعاقل يلزم مفارقة التواضع المذموم على الأحوال كلها، ولا يفارق التواضع المحمود على الجهات كلها.\rولقد أنبأنا الحسن بن سفيان، حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن عجلان عن بُكير بن عبد الله، عن عبيد الله بن عدي أن عمر بن الخطاب قال )إن الرجل تواضع لله رفع الله حكمتَهُ، وقال: أنتعش نعشك الله، فهو في نفسه صغير، وفي أعين الناس كبير، وإذا تكبر العبد وعدا طَوْره وهصَه الله إلى الأرض، قال: أخسأ! أخسأك الله، فهو في نفسه كبير، وفي أعين الناس صغير( قال أبو حاتم رضي الله عنه: التواضع يرفع المرء قدراً، ويعظم له خطرا، ويزيدهُ نبلا.\rوالتواضع لله جل وعز على ضربين: أحدهما: تواضع العبد لربه عند ما يأتي من الطاعات غير معجب بفعله، ولا راء له عندهُ حالةً يوجب بها أسباب الولاية، إلا أن يكون المولى جل وعز هو الذي يتفضل عليه بذلك، وهذا التواضع هو السبب الدافع لنفس العُجب عن الطاعات والتواضع الآخر: هو ازدراء المرء واستحقاره إياها عند ذكره ما قارف من المآثم حتى لا يرى أحدا من العالم إلا ويرى نفسه دونه في الطاعات وفوقه في الجنايات.\rكما أنبأنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي ببغداد، حدثنا يحيى بن معين حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث عن عبد الله بن بكر بن عبد الله المزني قال: فال أبي )يا بني لو لم أحضر الموسم لرجوت أن يغفر لهم(.\rأنبأنا عبد الرحمن بن يحيى بن معاذ البزاز، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن صُميع، حدثنا زهير بن محمد بن ابن جريح عن مجاهد في قوله )كانوا لنا خاشعين( قال )متواضعين( قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يلزم مجانبة التكبر، لما فيه من الخصال المذمومة إحداها: أنه لا يتكبر على أحد حتى يعجب بنفسه، ويرى لها على غيرها الفضل؟ والثانية: ازدراؤه بالعلم، لأن من لم يستحقر الناس لم يتكبر عليهم، وكفى بالمستحقر لمن أكرمه الله بالإيمان طغيانا.\rوالثالثة: منازعة الله جل وعلا في صفاته، إذ الكبرياء والعظمة من صفات الله جل وعلا؛ فمن نازعه إحداهما ألقاه في النار، إلا أن يتفضل عليه بعفوه.\rولقد أحسن الذي يقول:\rالتيهُ مَفْسدة للدين، منقصة ... للعقل، مهتكة للعرض، فانتبه\rلا تَشْرَهَنَّ؛ فإن الذل في الشره ... والعزُّ في الحلم لا في البطش والسفه\rسمعت محمد بن محمود النسائي يقول: سمعت أبا داود السنجي يقول: سمعت الأصمعي يقول: سمعت يحيى بن خالد البرمكي يقول )الشريف إذا تقرأ تواضع، والدنيء إذا تقرأ تكبر( قال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يمتنع من التواضع أحد، والتواضع يكسب السلامة، ويورث الألفة، ويرفع الحقد، ويذهب الصد، وثمرة التواضع المحبة، كما أن ثمرة القناعة الراحة، وإن تواضع الشريف يزيد في شرفه، كما أن تكبر الوضيع يزيد في ضَعته، وكيف لا يتواضع من خُلقَ من نطفة مَذِرَةٍ، وآخره يعود جيفة قذرة، وهو بينها يحمل العذرة؟ سمعت أبا يعلي يقول: سمعت إسحاق بن أبي إسرائيل يقول: سمعت ابن عيينة يقول: لو قيل: أخرجوا هذه القرية لأخرجوا من لا نعرف.\rوأنشدني الكريزي:\rولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا ... فكم تحتها قوم هُمُ منك أرفع","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"فإن كنت في عز وخير ومَنْعة ... فكم مات من قوم هم منك أمنع؟\rأنشدنا أبو عروبة أو ابن قتيبة، أنشدنا المسيب بن واضح عن يوسف بن أسباط:\rوكفى بملتمس التواضع رفعةً ... وكفى بملتمس العلو سفالا\rأنبأنا ابن خزيمة، حدثنا محمد بن هشام المروزي، حدثنا حفص بن غياث عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال )حج الحسين بن علي عشر حجج ما شياً ونُجُبه تقاد إلى جنبه(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: أفضل الناس مَنْ تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وأنصف عن قوة، ولا يترك المرء المتواضع إلا عند استحكام التكبر، فلا يتكبر على الناس أحد إلا بإعجابه بنفسه، وعجب المرء بنفسه أحد حساد عقله، وما رأيت أحداً تكبر على مَنْ دونه إلا ابتلاه الله بالذلة لمن فوقه.\rوأنشدني محمد بن أبي علي الخلادي:\rودع التيه والعبوس على النا ... س فإن العُبُوس رأس الحماقة\rكلما شئت أن تعاديَ عادي ... ت صديقا وقد تغر الصداقة\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: ما استُجلبت البغضة بمثل التكبر، ولا اكتسبت المحبة بمثل التواضع، ومَن استطال على الإخوان فلا يثقن منهم بالصفاء ولا يجب لصاحب الكبر أن يطمع في حسن الثناء، ولا تكاد ترى نائها إلا وضيعاً.\rفالعاقل إذا رأى من هو أكبر سناً منه تواضع له، وقال: سبقني إلى الإسلام، وإذا رأى من هو أصغر سناً تواضع له، وقال: سبقته بالذنوب، وإذا رأى من هو مثله عده أخا، فكيف يحسن تكبر المرء على أخيه، ولا يجب استحقار أحد، لأن العود المنبوذ ربما انتفع به فحكَّ الرجل به أذنه.\rأخبرنا محمد بن المسيب بن إسحاق، حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد، قال: سمعت محمد بن شعيب بن شابور يقول )دخل رجل الحمام وزيد بن أبي حبيب فيه، وكان أسود، فقال له: يا أسود قم فاغسل رأسي قال: فقام فشد عليه إزاره فغسل رأسه، ودلك جسده، فلما فرغَ قال له الرجل: كثر الله في السودان مثلك، قال: أحببت أن يكثر مَنْ يخدمك(.\rأنبأنا محمد بن زنجونه القشيري، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله المدائني، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال )لو بغي جبل على جبل لدك الله الباغي منهما(.\rأنبأنا الحسن بن سفيان، حدثنا نصر بن علي، حدثنا نوح بن قيس عن أخيه عن قتادة قال: )ما نسيت شيئاً قط( ثم قال لغلامه )ناولني نَعْلي، قال: نعلك في رجلك(.\rأنبأنا عبد الله بن محمد بن عمر، أنبأنا علي بن خَشْرم، قال: سمعت الفضل بن موسى يقول )كان مالك ينسى، فقال لقهرمانه: أشتر لي غلاما وسَمِّه باسم خفيف حتى لا أنساه، قال: فاشترى له غلاماً، وأدخله عليه، فقال: اشتريت لك هذا الغلام، وسميته باسم خفيف، قال: ما سميته؟ قال: فَرْقَد، قال: فنظر إلى الغلام، وقال: أجلس يا واقد(\rاستحباب التحبب إلى الناس\rمن غير مقارفة المأثم\rأنبأنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبار ببغداد، حدثنا يحيى بن مَعين، حدثنا عَبدَةُ بن سليمان عن هشام بن عروة، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن عمرو الأزدي، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال )يحرم على النار كلُّ هِّين ليِّن قريبِ سَهْل(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن يتحبب إلى الناس بلزوم حسن الخلق: وترك سوء الخلق؛ لأن الخلق الحسن يذيب الخطايا، كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيئ ليفسد العمل، كما يفسد الخلُّ العسل، وقد تكون في الرجل أخلاقٌ كثيرة صالحة كلها، وخلق سيئ، فيفسد الخلق السيئ الأخلاق الصالحة كلها. وأنشدني البغدادي:\rخالق الناسَ بخلق حسن ... لا تكنْ كلباً على الناس يَهِرّ\rوالْقَهُمْ منك ببشر، ثم صُنْ ... عنهمُ عرضك عن كل قَذِرْ\rأنبأنا حامد بن شعيب البلخي ببغداد، حدثنا سريج بن يونس، حدثنا سفيان عن إبراهيم عن ميسرة عن طاوس قال: سمعت ابن عباس يقول )إن الرحم تُقْطَع، وإن النعم تُكْفرَ، ولم أرَ مثل تقارب القلوب(.","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"أنبأنا الخلادي، حدثنا محمد بن المغيرة النوفلي، حدثنا عبد العزيز بن منيب حدثنا إبراهيم بن الأشعث، قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول )إذا خالطتَ فخالط حَسَن الخلق، فإنه لا يدعو إلا إلى خير، وصاحبه منه في راحةٍ ولا تخالط سيئَ الُخلق فإنه لا يدعو إلا إلى شر، وصاحبه منه في عناء، ولأنْ يصحبَني فاجرٌ حَسَنُ الُخلُق أحبُّ إلى من أن يصحبني قارئ سيئ الخلق، إن الفاسق إذا كان حَسن الخلق عاش بعقله وخف على الناس وأحبوه، وإن العابد إذا كان سيئ الخلق ثقل على الناس ومَقَتوه(.\rوأنشدني محمد بن المهاجر المعدل، أنشدني محمد بن إبراهيم اليعمري:\rحافظ على الخلق الجميلِ ومُرْ به ... ما بالجميل وبالقبيح خفاء\rإن ضاق ماُلكَ عن صديقك فالْقَهُ ... بالبشر منك إذا يحين لقاءُ\rأنبأنا الحسين بن إسحاق الأصبهاني، حدثنا يحيى بن حكيم المقومي، حدثنا الخليل بن عبد العزيز، قال: سمعت حماد بن سلمة يقول )الصوم في البستان من الثقل(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: حسن الخلق بَذْر اكتساب المحبة، كما أن سوء الخلق بَذْر استجلاب البِغْضة، ومن حسُنَ خُلقه صان عرضه، ومن ساء خُلقُه هَتك عرضه؛ لأن سوء الخلق يورث الضغائن، والضغائن إذا تمكنت في القلوب أورثت العداوة، والعداوةَ إذا ظهرت من غير صاحب الدين أهوت صاحبها إلى النار، إلا أن يتداركه المولى بتفضيل منه وعفو.\rأنبأنا محمد بن المنذر، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا أبو عمير النخاس، حدثنا ضَمُرة، عن رجاء بن أبي سلمة عن الزهري قال )وهل يُنتفع من السَّيَّئِ الخلق بشيء؟(.\rوأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rللخير أهلٌ لا تزا ... ل وجوههم تدعو إليه\rطوبى لمن جَرت الأمو ... ر الصالحات على يديه\rما لَمْ يضق خُلُق الفتى ... فالأرض واسعة عليه\rأنبأنا أبو يعلي، حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، حدثنا مهدي بن ميمون عن موسى بن عبيد، عن ميمون بن مِهرْان قال )التودُّد إلى الناس نصفُ العقل، وحسن المسألة نصف العلم، واقتصادك في معيشتك يُلْقى نصف المؤونة(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: التحبب إلى الناس أسهل ما يكون وجهاً، وأظهر ما يكون بشْراً، وأخصر ما يكون أمراً، وأرفق ما يكون نهياً، وأحسن ما يكون خُلُقا، وألين ما يكون كَنَفَّا وأوسع ما يكون يداً، وأدفع ما يكون أذىً، وأعظم ما يكون احتمالا، فإذا كان المرء بهذا النعت لا يَحْزَنُ من يحبه ولا يَفْرَحُ من يحُسده؛ لأن من جعل رضاه تبعا لرضا الناس، وعاشرهم من حيث هم أستحق الكمال بالسؤدد. وأنشدني علي بن محمد البسامي:\rأعاشر مَعْشَري في كل أمرٍ ... بأحسن ما رأيتُ وما رأيتٌ\rواجتنب المقابح حيث كانت ... واترك ما هويتُ وما فَرَيْتُ\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: حاجة المرء إلى الناس مع محبتهم إياه خير من غناه عنهم مع بغضهم إياه، والسبب الداعي إلى صَدّ محبتهم له: هو التضايق في الأخلاق، وسوء الخلق؛ لأن من ضاق خلقه سئمه أهله وجيرانه، وأستثقله إخوانه، فحينئذ تمَنِّوا الخلاص منه، ودعوا بالهلاك عليه.\rسمعت عمر بن سعيد بن سنان الطائي يقول: سمعت أبا الحسن الرهاوي يقول: سمعت يزيد بن هارون يقول:\rفقَدت ثقالَ الناس في كل بلدةٍ ... فيا ربِّ لا تغفر لكل ثقيل\rأنبأنا أحمد بن محمد بن الحسن البلخي حدثنا محمد بن إدريس الحافظ حدثنا محمد بن عبد الله بن إسماعيل قال: سمعت عمرو بن الحارث يقول: تسخين العين النظر إلى من تكره قال أبو حاتم رضي الله عنه: الاستثقال من الناس يكون سببه شيئين: أحدهما: مقارفة المرء ما نهى الله عنه من المآثم؛ لأن من تعدى حرمات الله أبغضه الله، ومن أبغضه الله أبغضته الملائكة، ثم يوضع له البغض في الأرض، فلا يكاد يراه أحد إلا استثقله وابغضه.\rوالسبب الآخر: هو استعمال المرء من الخصال ما يكره الناس منه، فإذا كان كذلك استحق الاستثقال منهم. وأنشدني الكريزي:\rليتني كنت ساعةً مَلك الم ... وت، فأُفنى الثقال حتى يَبيدوا\rولوَ أني وأنت في جنة الخ ... لد لَقلتُ: الخروج منها أريد\rلدَخولُ الجحيم أهون من جن ... ة خلدٍ، أراك فيها ترود","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"أنبأنا عمر بن حفص البزاز بجنديسابور حدثنا اسحق بن الضيف حدثنا أبو مسهر حدثنا هشام بن يحيى قال )كان نفش خاتم أبيك - يعني أبا أبي مسهر - أَبرَمت فقم، قال: فكان إذا جلس الرجل فتثاقل حرك خاتمه، وقال: أقرأ نقش خاتمي، وكان إذا قرأ قام( أنبأنا أحمد بن محمد بن الحسن حدثنا محمد بن إدريس حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا موسى بن رباح قال: سمعت مخلداً أبا أبي عاصم يقول: إذا أبغضت الرجل أبغضت شِقِّي الذي يليه.\rسمعت محمد بن السرى البغدادي يقول: سمعت أبا بكر المروروذي يقول: سألت أحمد بن حنبل عن الثقلاء، فقال: سألت عنهم بشراً الحافي، فقال: النظر إليهم سُخْنَة العين، قلت لأحمد: من الثقلاء؟ قال: أهل البدع.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه. هذا الذي قال أحمد بن حنبل رحمة الله عليه هو استثقال الخاص: إذا عرفَ أحدهم من بعض الناس ثَلْماً في السَّنة أبغضه على بدعته، فإما العام فلا يكادون يعادُون ويوالون إلا على المحبوب من الخصال، والمكروه من الفعال، ألا ترى المقنَّع الكِندي حيث يقول لبعض من صحبه:\rألا يا مَرْكبَ المقت ال ... ذي أرسَى، فلا يبرحْ\rويا من سكراتُ المو ... ت من طلعته أروحْ\rلقد صُوّرِت في فكري ... فلا أدري لما تصلحْ؟\rفلا تصلح أن تهجي ... ولا تصلح أن تمدحْ\rبلى، تصلح أن تُقت ... ل أو تصلب أو تذُبحْ\rسمعت أحمد بن محمد البلخي الذهبي يقول: قال محمد بن أبي الورد قال يحيى ابن ماسويه: النظر إلى الثقيل حُمَّى تعتري بين الجلدين.\rحدثنا أحمد بن عمر بن يزيد يقول: سمعت سلمة بن شبيب يقول: سمعت أبا أسامة يقول: ائتوني بمسْتَمْل خفيف على الفؤاد، وإيايَ والثقلاءَ، وإيايَ والثقلاء.\rأنبأنا أحمد بن محمد بن الحسن حدثنا عباس بن أبي طالب حدثنا إبراهيم ابن المنذر حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين قال: سمعت رجلا من أهل البادية يقول: نظرت إلى ثقيل مرة فُغشى عليّ.\rوأنشدني المنتصر بن بلال:\rوأنت على مَوَدَّتنا حريص ... ولكن لا تخفُّ على الفؤاد\rوأثقل من رحا بَزْر علينا ... كأنك من بقايا قوم عاد\rحدثنا إبراهيم بن مضر بن عنبر حدثنا يوسف بن عيسى حدثنا وكيع حدثنا أبو سهل عن إبراهيم بن بكير قال: كان أبو هريرة إذا استثقل جليساً له قال )اللهم اغفر لنا وله، وأرحنا منه في عافية(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل مجانبة الخصال التي تورثه استثقال إياه، وملازمة الخصال التي تؤديه إلى محبتهم إياه.\rومن أعظم ما يتُوسل به إلى الناس، ويستجلب به محبتهم؛ البذلُ لهم مما يملك المرءُ من حُطام هذه الدنيا، واحتماله عنهم ما يكون منهم من الأذى.\rفلو أن المرء صحبه طائفتان: إحداهما تحبه، والأخرى تبغضه، فأحسن إلى التي تبغضه، وأساء إلى التي تحبه، ثم أصابته نكبة فاحتاج إليهما، لكان أسرعهما إلى خذلانه وأبعدهما عن نصرته الطائفة التي كانت تحبه، وأسرعهما إلى نصرته وأبعدهما عن خذلانه الطائفة التي تبغضه، لأن الكلب إذا شبع قوى، وإذا قوى أَمَّل، وإذا أمل تبع المأمول، وإذا جاع ضعف، وإذا ضعف أيس، وإذا أيس ولي عن المتبوع.\rفمن عدم المال فليبسُط وجهه للناس. فأن ذلك يقوم مقام بذل المعروف، إذ هو أحد طرفيه.\rأنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا هارون بن عبد الخالق المازني قال: سئل ابن المبارك عن حسن الخلق، فقال )هو بسط الوجه، وبذل المعروف(.\rأنبأنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث حدثنا محمد بن القاسم الأسدي عن منحة بن عمرو قال )خرج غلام لنا بقُمامة الدار، أو بكناسة الدار، عُريان، وسعيد بن جبير على الباب، فقال: يا خبيث ارفع إزارك(.\rأنبأنا محمد بن إبراهيم البدوري بالبصرة حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن نجيح عن مجاهد قال: إذا لقي المسلم أخاه فصافحه وكَثَر وفي وجهه تحاتت ذنوبه، كما تحاتّ العِذق من النخْلة. فقال رجل المجاهد: يا أبا الحجاج، إن هذا من العمل اليسير. فقال مجاهد: )62:8 هو الذي أيدك بنصرة وبالمؤمنين وألَّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم( أفيسير هاذ؟.\rاستعمال لزوم المداراة\rوترك المداهنة مع الناس","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"أنبأنا محمد بن قتيبة اللخمي بعسقلان وعمر بن سعيد بن سنان الطائي بمنبج قالا: حدثنا ابن واضح حدثنا يوسف بن أسباط حدثنا سفيان عن محمد ابن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )مداراة الناس صدقة(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن يلزم المداراة مع من دفع إليه في العشرة من غير مقارفة المداهنة، إذ المداراة من المداري صدقة له؛ والمداهنة من المداهن تكون خطيئةً عليه، والفصل بين المداراة والمدهنة: هو أن يجعل المرء وقته في الرياضة لإصلاح الوقت الذي هو له مقيم بلزوم المداراة من غير ثَلْم في الدين من جهة من الجهات، فمتى ما تخلَّق المرء بخلق شابهُ بعض ما كره الله منه في تخلقه، فهذا هو المداهنة، لأن عاقبتها تصير إلى قُلٍّ ويلازم المداراة؛ لأنها تدعو إلى صلاح أحواله، ومن لم يدار الناس مَلُّوه كما أنشدني علي بن محمد البسَّامي:\rدارِ من الناس مَلالاتِهم ... مَنْ لم يدارِ الناسَ ملُّوه\rوَمُكرِمُ الناس حبيب لهم ... من أكرم الناس أحبوه\rأنبأنا محمد بن أحمد بن أبي عون المرياني حدثنا أحمد بن منيع حدثنا ابن المبارك عن الحسن بن عمرو عن منذر الثوري عن ابن الحنفية قال )ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بُدًّا، حتى يأتيه الله منه بالفرج أو المخرج(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن يداري الناس مداراةَ الرجل السابح في الماء الجاري، ومن ذهب إلى عِشرة الناس من حيث هو كَدَّر على نفسه عيشه، ولم تصفُ له مَودّته؛ لأن وداد الناس لا يستجلب إلا بمساعدتهم على ما هُمْ عليه إلا أن يكون مأثماً، فإذا كانت حالة معصية فلا سمع ولا طاعة، والبشَرُ قد رُكِّب فيهم أهواءٌ مختلفة وطبائع متباينة، فكما يَشُقُّ عليك ترك ما جُبِلت عليه، فكذلك يَشُقُّ على غيرك مجانبة مثله، فليس إلى صفو ودادهم سبيل بمعاشرتهم من حيث هم، والإغضاء عن مخالفتهم في الأوقات. أنشدني الأبرش:\rوقالت: وهزت رأسها وتضاحكت: ... على الوتُجْفَي، أم على العهد تُوصَلُ؟\rفقلت: فلم أفعل، فقالت: تُريده ... فقلت: فلم أفعل، فقلت: ستفعل\rأنبأنا ابن قحطبة حدثنا أحمد بن المقدام حدثنا حرم قال: سمعت حبيب ابن الشهيد يقول: سمعت الحسن يقول )يا ابن آدم، أصحب الناس بأي خُلق شئت يَصحبوك عليه( وأنشدني الكريزي:\rتَجَنيّ على بما قد جنى ... وُيُغْلِظ في القول إن لِنتُ له\rويسبق بالعذل لي ظلماً ... كأنّ الصواب له لا لِيَهْ\rكما قال في مَثَلٍ عالمٌ ... خذِ اللص بالذنب لا تُغفْلِه\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: من التمس رضا جميع الناس التمس ما لا يُدْرَكْ، ولكن يقصد العاقل رضا من لا يجد من معاشرته بُدّاً، وإن دفعة الوقت إلى استحسان أشياء من العادات كان يستقبحها، واستقباح أشياء كان يستحسنها، ما لم يكن مأثما؛ فإن ذلك من المداراة، وما أكثر من داري فلم يسلم. فكيف توجد السلامة لمن لا يداري؟ أنشدني محمد بن عبد الله البغدادي:\rيا ذا الذي أصبح لا والدٌ ... له على الأرض ولا والده\rقد مات من قبلهما آدم ... فأي نفس بعده خالدة؟\rإن جئت أرضاً أهلَها كلهم ... عُورٌ فغمض عينك الواحدة\rأنبأنا أبو يعلي، حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا معاذ بن سعد الأعور قال )كنت جالساً عند عطاء بن أبي رباح فحدث رجل بحديث، فعرَّض رجل من القوم في حديثه: فغضب، وقال: ما هذه الطبع؟ إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به، فأُريه كأنِّي لا أحسن منه شيئاً( أنبأنا محمد بن المهاجر، حدثنا محمد بن محمد الصيداوي، حدثنا حماد بن اسحق عن المدائني، قال: قال معاوية )لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، قيل: وكيف قال: لأنهم إن مَدُّوها حَلّيُها، وإن خَلّوْ مددتها( قال أبو حاتم رضي الله عنه: من لم يعاشر الناس على لزوم الإغضاء عما يأتون من المكروه، وترك التوقَّع لما يأتون من المحبوب، كان إلى تكدير عيشة أقربَ منه إلى صفائه، وإلى أن يدفعه الوقت إلى العداوة والبغضاء أقرب منه إلى أن ينال منهم الوداد، وترك الشَّحناء، ومن لم يدارِ صديق السوء كما يداري صديق الصّدق ليس بجازم. ولقد أحسن الذي يقول:","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"تجنب صديق السوء واصرِمْ حباله ... وإن لم تجد عنه مخيصاً فدارِهِ\rوأحبب حبيب الصدق وأحذر مراءه ... تَنَلْ منه صَفْو الوُدِّ ما لم تماره\rأنبأنا الحسن بن سفيان، حدثنا إبراهيم الحواراني، حدثنا أبو مسهر، حدثنا سهل بن هاشم عن إبراهيم بن أدهم قال: قال أبو الدرداء لأم الدرداء )إذا غضبتُ فرضَّيني، وإذا غضبتِ رضَّيتك، فإذا لم نكن هكذا ما أسرعَ ما نفترق( قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل إذا دفعه الوقت إلى صحبه من لا يثق بصداقته، أو صداقة من يثق بأخوته، فرأى من أحدهما زَلَّة فرَفَضَه لزلته، بقي وحيداً لا يجد من يعاشر، فريداً لا يجد من يخادن، بل يغُضْيِ على الأخ الصادق زلاته، ولا يناقش الصديق السيئ على عثراته؛ لأن المناقشة تلزمه في تصحيح أصل الوداد أكثر مما تلزمه في فرعه.\rومن أنواع المداراة: ما حدثني الحسن بن سفيان، حدثنا عبد الله بن أحمد ابن شَبَّويه، حدثنا الحسن بن واقع، حدثنا ضمرة عن ابن شَوْذَب قال )كانت لرجل جارية، فوطئها سرا، فقال لأهله: إن مريم كانت تغتسل في هذه الليلة، فاغتسلوا، فاغتسل هو واغتسل أهله، قال ابن شوذب: وكانت مريم تغتسلا في كل ليلة(.\rوأنشدني منصور بن محمد الكريزي:\rأغمِّضُ عيني عن صديقي، كأنني ... لديه بما يأتي من القبح جاهلُ\rوما بيَ جهل، غير أن خليقتي ... تطيق احتمال الكرُه فيما أحاول\rمتى ما يَريني مَفْصِل فقطعتهُ ... بقيت وما لي في نهوض مفاصل\rولكن أداريه، وإن صَحَّ شدَّني ... فإن هو أعيا كان فيه تحامل\rأنبأنا محمد بن أبي على الخلادي، حدثنا محمد بن الحسن الذهلي عن أبي السائب قال: قال علي )لا تعامل بالخديعة، فإنها خُلُق اللئام، وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أم قبيحة، وساعده على كل حال، وزُل معه حيث زال(\rاستحباب إفشاء السلام\rوإظهار البشر والتبسم\rأنبأنا أحمد بن صالح الطبري، حدثنا الفضل بن سهل الأعرج، حدثنا محمد ابن جعفر المدائني، حدثنا وَرْقاء عن الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )إن السلام اسم من أسماء الله، وضعه في الأرض، فأفشوه بينكم؛ فإن الرجل المسلم إذا مَرَّ بالقوم فسلَّم عليهم فردُّوا عليه كان له عليهم فَضْل درجة بتذكيره إياهم بالسلام، فإن لم يردوا عليه رَد عليه مَنْ هو خير منهم وأطيب(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن يلزم إفشاء السلام على العام؛ لأن من سَلَّم على عشرة كان له عتِق رقبة، والسلام مما يَذهبُ إمشاؤه بالمكتنِ من الشحناء، وما في الخُلد من البغضاء، ويقطع الهجران، ويصافي الإخوان.\rوالبادئ بالسلام بين حسنتين: إحداهما: تفضيل الله عز وجل إياه على المسلم عليه بفضل درجة، لتذكيره إياهم بالسلام، وبين رَدّ الملائكة عليه عند غَفلتهم عن الرد.\rولقد أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري، حدثنا الغلابي، حدثنا شعيب بن واقد حدثنا جرير، قال: قال زبيد اليامي )إن أجود الناس من أعطى مالا لا يريد جزاءه، وإن أحسن الناس عفواً من عفا بعد قدرة، وإن أفضل الناس من وصل من قطعه، وإن أبخل الناس من بخل بالسلام(.\rأخبرنا أبو خليفة، حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان عن أبي إسحاق عن صلَةَ بن زُفر الَعبْسيي، قال: حدثنا عمار بن ياسر قال )ثلاثٌ من جمعن جمع الإيمان: الإنفاق من الإقتار، والإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم( قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على المسلم إذا لقي أخاه المسلم أن يسلم عليه متبسما إليه فإنَّ من فعل ذلك تحاتَّ عنهما خطاياهما كما تحاتَّ وَرَقُ الشجر في الشتاء إذا يَبِسَ، وقد استحق المحبة من أعطاهم بشر وجهه.\rولقد أخبرني محمد بن المهاجر المعدل، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام العنبري، حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا إسماعيل بن حماد عن سعيد بن الخمس قال: قيل له )ما أبشَّك؟ قال: إنه يقوم عليَّ بِرخِيص( وأنشدني الأبرش:\rأخو البشر محبوب على حسن بشره ... ولن يَعدمِ البغضاء من كان عابسا\rويسرع بُخلُ المرء في هَتْك عِرضْه ... ولم أرَ مثل الجود للمرء حارسا","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"قال أبو حاتم: البشاشة أدام العلماء وسَجِية الحكماء، لأن البشر يطفئ نار المعاندة، ويحرق هيجان المباغضة، وفيه تحصينٌ من الباغي، وَمَنْجاة من الساعي، ومن بَشَّ للناس وجهاً لم يكن عندهم بدون الباذل لهم ما يملك.\rأخبرنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا إبراهيم بن محمد العبادي حدثنا سُويد عن على بن مسْهر عن هشام بن عروة عن أبيه قال )أخبرت أنه مكتوب في الحكمة: يا بني، لِيَكُنْ وجهك بَسْطاً، ولْيَكُنْ كلمتُك طَيبَّةً - تكن أحبَّ إلى الناس من أن تعطيهم العطاء.\rوأنشدني الخلادي أنشدنا أحمد بن بكر بن خالد اليزيدي لسعيد بن عبيد الطائي:\rالقَ بالبشر من لقيت من الن ... اس جميعاً ولا قِهِمْ بالطلاقةْ\rتجْنِ منهمُ جَنَى ثمار، فخذها ... طيباً طَعمُه لذيذَ المذاقَهْ\rأخبرنا محمد بن صالح الطبري حدثنا محمد بن حميد حدثنا حَكاَّم بن مسلم عن سعيد بن عبد الرحمن الزبيدي قال )يعجبني من القراء كل سهَلٍ طَلْق مِضْحاك. فأما من تلقاه يبشر ويلقاك بعبوُس يَمُنُّ عليك بعمله، فلا أكثر الله في القراء ضربَ هذا( قال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يجب على العاقل إذا رزق السلوك في ميدان طاعة من الطاعات إذا رأى من قَصًّر في سلوك قَصْده أن يُعِبّس عليه بعمله وجهه، بل يُظهر البِشرْ والبشاشة له، فلعله في سابق علم الله أن يرجع إلى صحة الأوبة إلى قصده مع ما يجب عليه من الحمد لله والشكر له على ما وفقه لخدمته، وحرَم غيره مثله: أخبرنا محمد بن أبي علي الخلادي أخبرني محمد بن موسى السمري أن حماد ابن إسحاق أنشدهم:\rفتىً مثل صفو الماء، أما لقاؤه ... فبِشرٌ، وأما وَعْده فجميلُ\rيسرُّك مُفْترّاً، ويشرق وجههُ ... إذا اعتلَّ مذموم الفعال بخيل\rعَيِىُّ عن الفحشاء، أما لسانه ... فعَفٌّ، وأما طَرفُه فكليل\rوأنشدني منصور بن محمد الكريزي:\rلن تستتم جميلاًّ أنت فاعلُه ... إلا وأنت طليقُ الوجه بهلولُ\rما أوسط الخيرَ فابسُطْ راحتيك به ... وكن كأنك دون الشَّرِّ مغلول\rأنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا الدارمي موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن إسماعيل بن سالم عن حبيب بن أبي ثابت قال )من حسن خلق الرحل أن يحدث صاحبه وهو يتبسم(.\rما أبيح من المزاح للمرء\rوما كره له منه\rأنبأنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا هدبة بن خالد حدثنا همام بن يحيى حدثنا قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم )كان له خادم يقال له: أنجَشَة، وكان حَسَن الصوت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أنجشة لا تكسر القوارير( قال قتادة: يعني ضَعَفَةَ النساء.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن يستميل قلوب الناس إليه بالمزاح، وترك التعبُّس.\rوالمزاح على ضربين: فمزاح محمود، ومزاِح مذموم.\rفأما المزاح المحمود: فهو الذي لا يَشُوبه ما كَره الله عز وجل، ولا يكون بإثم ولا قطيعة رحم.\rوأما المزاح المذموم فالذيُ يثير العداوة، ويُذهب البهاء، ويقطع الصداقة، ويُجرئَّ الدنيء عليه، ويحقد الشريف به.\rأخبرنا محمد بن المنذر حدثنا إبراهيم بن محمد الرقي حدثنا أبو موسى الأنصاري حدثنا بكر بن سليم قال: سمعت ربيعة يقول )إياكم والمزاح، فإنهُ يفسد المودة، وُيِغلُّ الصدر(.\rأنبأنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا الفضيل بن الخضر التميمي حدثنا عبد الله ابن حُبيق قال: كان يقال )لا تمازح الشريف، فيحِقدَ عليك، ولا تمازح الوضع، فيجترئ عليك( وأنشدني محمد بن عبد الله:\rأكرم جليسك، لا تمازح بالأذى ... إن المزاح تُرَى به الأضغانُ\rكم من مزاح جَذَّ حَبْلَ قرينه ... فتجذَّمت من أجله الأقران\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: المزاح في غير طاعة الله مَسْلَبة للبهاءَ مَقْطَعة للصداقة، يورث الضِّغْن، وينبت الغِلَّ.\rوإنما سمى المزاح لأنه زاح عن الحق، وكم من افتراق بين أخوين، وهجران بين متآلفين، كان أول ذلك المزاحُ.\rأنبأنا محمد بن أحمد بن الحسين القرشي حدثنا الأسود بن عامر عن أبي إسرائيل عن الحكم قال: كان يقال )لا تمار صديقك ولا تمازحه، فإن مجاهداً كان له صديق، فمازحه، فأعرض كلُّ واحد منهما عن صاحبه، فما زاده عن السلام حتى مات(","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"قال أبو حاتم رضي الله عنه: وإن من المزاح ما يكون سبباً لتهييج المراء، والواجب على العاقل اجتنابه؛ لأن المراء مذموم في الأحوال كلها، ولا يخلو المماري من أن يفوته أحد رجلين في المراء: إما رجلٌ هو أعلم منه، فكيف يجادل من هو دونه في العلم؟ أو يكون ذلك أعلم منه، فكيف يماري من هو أعلم منه؟.\rولقد سمعت حفص بن عمر البزار يقول: سمعت إسحاق بن الضيف يقول: سمعت جعفر بن عون يقول: سمعت مسعر بن كُدام يقول لابنه كُدام:\rأني نخلتك يا كدام نصيحتي ... فاسمع مقال أبٍ عليك شفيق\rأما المزاحة والمراءُ فَدَعْههما ... خُلُقان لا أرضاهما لصديق\rإني بَلَوتهما فلم أحمدهما ... لمجاور جاراً، ولا لشفيق\rوالجهل يُزْرِي بالفتى في قومه ... وعروقه في الناس أيُّ عروق\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: المراء أخو الشنآن، كما أن المناقشة أخت العداوة، والمرء قليل نفعه كثير شره، ومنه يكون السباب، ومن السباب يكون القتال، ومن القتال يكون هِراقة الدم وما مارى أحد أحداً إلا وقد غَيَّر المراء قلبيهما، وقد أحسن الذي يقول:\rوإياك من حلو المزاحِ ومِّره ... ومِنْ أن يراك الناس فيه مماريا\rوإن مراء المرء يُخِلق وجهه ... وإن مزاح المرء يبدي التشانيا\rدعاه مزاح أو مراء إلى التي ... بها صار مَقْليَّ الإخاء وقاليا\rأخبرني محمد بن المنذر حدثني كثير بن عبد الله التميمي حدثني إسماعيل بن محمد الطلحي حدثنا أبو الأخفش الكناني أنه قال لابن له:\rأَبُنَّي لا تَكُ ما حَييت ممارياً ... ودع السفاهة إنها لا تنفعُ\rلا تَحمِلَنَّ ضغينة لقرابة ... إن الضغينة للقرابة تقطع\rلا تَحسِبَنّ الحلم منك مَذَلَّةً ... إن الحليم هو الأعَزُّ الأمنع\rأخبرنا محمد بن إبراهيم الخالدي الهروي حدثنا العباس بن الوليد بن مَزْيَد قال: سمعت أبي عن الأوزاعي قال: بلال بن سعد )إذا رأيتَ الرجلَ لجوجاً ممارياً معجَباً برأيه، فقد تمت خسارته(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: المزاح إذا كان فيه إثم فهو يُسَوِّد الوجه، ويُدمى القلبَ ويورث البغضاء، ويحيى الضغينة، وإذا كان من غير معصية يُسَلَّى الهَّم ويرقع الخُلَّة، ويحيى النفوس، ويذهب الحِشْمَة، فالواجب على العاقل أن يستعمل من المزاح ما يُنسَب بفعله إلى الحلاوة، ولا ينوي به أذى أحد ولا سرور أحد بمساءة أحد.\rأخبرنا عبد الله بن محمد بن عائد - كان بهَراة - حدثنا أحمد بن عبد الله ابن حكيم العرياناني - قرية من قرى مَرْوْ - حدثنا سهل بن يحيى عن أبيه عن الأعمش عن إبراهيم قال )لا يمازحك إلا من يحبك(، أخبرنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثنا الصَّلْتُ بن مسعود حدثني ابن عيينة قال: أضنني سمعته من داود بن شابور، عن محمد ابن المنكدر قال: قالت لي أمي وأنا غلام )لا تمازح الغلمان، فتهونَ عليهم، أو يجترئوا عليك(.\rحدثنا عمرو الغَلاَّبي حدثنا ابن عائشة حدثنا دريد بن مجاشع عن غالب القطان عن مالك بن دينار قال: قال عمر بن الخطاب )من كثر ضحكه قَلَّت هَيْبَته، ومن مزح أسُتخفَّ به، ومن أكثر من شيء عُرف به(.\rأنبأنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو الدرْداء حدثنا أبو إسحاق الطالقاني عن مُبَشِّر بن إسماعيل عن راشد بن أبي قبال قال )استسقى سعيد بن جبير، فأتيته بسويق مُحَلًّى، فقال: يا راشد شَكرَ أزدسْت شيرين( قال أبو حاتم رضي الله عنه: من مازح رجلا من غير جنسه هان عليه واجترأ عليه، وإن كان المزاح حَقّاً، لأن كل شيء لا يجب أن يسلك به غير مَسْلَكه، ولا يظهر إلا عند أهله.\rعلى أني أكره استعمال المزاح بحضرة العام، كما أكره تركه عند حضور الأشكال.\rولقد أخبرنا كامل بن مكرّم حدثنا ربيعة بن الحارث الجيلاني حدثنا عبد الله ابن عبد الجبار الجبابري قال: قال أبو عبد الرحمن الأعرج )كان إبراهيم بن أدهم يحدثنا، ويضاحكنا، وإذا رأى غيرنا قال: هذا جاسوس(\rاستحباب الاعتزال من الناس عاما","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"أنبأنا عبد الله بن محمد بن سِلْم - ببيت المقدس - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا الوليد حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري قال )قيل: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: رجل في شِعْبٍ من الشِّعاب يتقي الله، ويدعُ الناس من شَرِّه( قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل لزوم الاعتزال عن الناس عامّاً، مع توقي مخالطتهم؛ إذ الاعتزال من الناس لو لم يكن فيه خَصْلة تُحمد إلا السلامة من مقارفة المأثم لكان حقيقاً بالمرء أن لا يُكَدِّر وجود السلامة بلزوم السبب المؤدي إلى المناقشة.\rولقد أخبرني الحسن بن سفيان حدثنا حبان بن موسى، أنبأنا عبد الله، أخبرنا شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن عمر بن الخطاب قال: )خذوا بحضَّكم من العزلة(.\rأنبأنا عمرو بن سعيد سنان الطائي حدثنا حامد بن يحيى البلخي قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول )رأيت الثوري في المنام، فقلت له: أوصني، فقال: أقِلَّ معرفة الناس، أقل معرفة الناس، أقل معرفة الناس(.\rأنبأنا القطان بالرَّقّة حدثنا المروروذي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول )رأيت ابن السَّمَّاك يكتب إلى أخ له: إن استطعت أن لا تكون لغير الله عبداً ما وجدت من العبودية بُدّاً، فافعل(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل لا يستعبد نفسه لأمثاله بالقيام في رعاية حقوقهم، والتصبر على ورود الأذى منهم، ما وجد إلى ترك الدخول فيه سبيلا، لأنه إذا حَسم عن نفسه ترك الاختلاط بالعالم، والمخالطة بهم تمكِّن من صفاء القلب، وعدم تكدُّر الأوقات في الطاعات.\rولقد استعمل العُزْلة جماعة من المتقدمين مع العام والخاص معاً.\rكما أخبرنا محمد بن إبراهيم الخالدي حدثنا داود بن أحمد بن سليمان الدمياطي حدثنا عبد الرحمن بن عفان قال: سمعت ابن المبارك يقول )عادَ فُضيلٌ داودَ الطائي، فأغلق داودُ الباب، وجلس فضيل خارج البيت يبكي، وداود داخل البيت يبكي(.\rأنبأنا الحسين بن محمد السنجي حدثنا علي بن المنذر حدثنا الحسن بن مالك قال: سمعت بكر محمد العابد يقول: قال لي داود الطائي )يا بكر، أستوحش من الناس كما تستوحش من السبع(.\rأنبأنا محمد بن أحمد بن الفرج البغدادي بالأبلة حدثنا إبراهيم بن حماد بن زياد حدثنا عبد العزيز بن الخطاب قال )رؤى إلى جنب مالك بن دينار كلب عظيم ضخم أسود رابض، فقيل له: يا أبا يحيى، ألا ترى هذا الكلب إلى جنبك؟ قال: هذا خير من جليس السوءِ(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: هذا الذي ذهب إليه داود الطائي وضرباؤه من القراء من لزوم الاعتزال من الخاص، كما يلزمهم ذلك من العام - أرادوا بذلك عند رياضة الأنفس على التصبر على الوحدة، وإيثار ضِدِّ الخُلطة على المعاشرة؛ فإن المرء متى لم يأخذ نفسه بترك ما أبيح له فأنا خائف عليه الوقوع فيما خطر عليه.\rوأما السبب الذي يوجب الاعتزال عن العالم كافة: فهو ما عرفتهم به من وجود دَفن الخير، ونشر الشر، يدفنون الحسنة، ويظهرون السيئة. فإن كان المرء عالماً بَدَّعوه، وإن كان جاهلا عَيَّروه، وإن كان فوقهم حسدوه، وإن كان دونهم حَقَرُوه وإن نطق قالوا: مهذار، وإن سكت قالوا: عَيِيٌ، وإن قَدَر قالوا: مُقَتَّر، وإن سمح قالوا: مبذر، فالنادم في العواقب، المحطوط عن المراتب، من اغتر بقوم هذا نَعْتهم، وغره ناس هذه صفتهم.\rولقد أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل أخبرني أحمد بن محمد بن بكر الأبناوي عن داود بن رشيد، قال: حدثني إبراهيم بن شماس قال: قال لي الأكَّاف حفص بن حميد صاحب ابن المبارك بمرو )يا إبراهيم، صحبتُ الناس خمسين سنة، فلم أجد أحداً ست لي عورة، ولا وصلني إذا قطعته، ولا أمنته إذا غضب، فالاشتغال بهؤلاء حمق كثير( وأنشدني محمد بن المهاجر المعدل لعلي بن حجر السعدي:\rزمانك ذا زمانُ دخول بيت ... وحفظٍ للسان، وخفض صوت\rفقد مَرَجَتْ عهود الناس إلا ... أقلَّهم، فبادر قبل فَوْتِ\rفما يبقى على الأيام شيء ... وما خُلِق امرؤ إلا لموت\rأخبرنا يعقوب بن إسحاق القاضي حدثنا بن يحيى قال: وفيما قرأت على نافع عن مالك بن أنس )أنه بلغه عن أبي ذر قال: كان الناسُ وَرَقاً لا شوك فيه، فهم اليوم شَوْك لا وَرَق فيه(","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"أنبأنا محمد بن أبي علي الخلادي حدثنا جنيد بن حكيم الدقاق حدثنا سليمان ابن أبي شيخ قال: كان القَحْذَمي ينشد كثراً:\rذَهَبَ الحُسنْ والجمال من الن ... اس، ومات الذين كانوا مِلاحا\rوَبَقي الأسمجون من كل صِنف ... إنَّ في الموت من أولئك راحا\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يعلم أن البَشَر مجبولون على أخلاق متباينة، وشَيم مختلفة، فكل واحد يُحب اتَّبَاع مساعدته، وترك مباعدته، فمتى رام من أخيه ضِدّ ما وطَّن نفسه عليه قَلاَه، وإذا تبين له منه خلاف ما أضمر عليه قلبه مَلَّه، ومن الملال يكون الاستثقالُ، ومن الاستثقال يكون البغض، ومن البغض تهيج العداوة، فالاشتغال هذا بمن نعته للعاقل حمق.\rولقد أحسن النَّبَاجي حيث يقول:\rأرفض الناس، وكلَّ مشغَله ... قد بخل الناس بمثل خَرْدلهْ\rلا تسأل الناس وسَلْ من أنت له\rوأنشدني ابن أبي علي قال: أنشدني محمد بن بن يعقوب العبدي:\rإذا قلتُ: هذا صاحب قد رضيتهُ ... وقَرَّت به عينايَ، بُدَّلتُ آخرا\rوذلك: أني لا أصاحبُ صاحباً ... من الناس إلا خانني وتغيَّرا\rأخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز قال: قال مكحول )إن كان في مخالطة الناس خير فالعزلة أسلم(.\rأنبأنا علي بن سعيد العسكري حدثنا شعيب بن يحيى حدثنا أحمد النسائي حدثنا يحيى بن عبد الأعلى أن مالك بن دينار كان يقول )من لم يأنس بحديث الله عن حديث المخلوقين فقد قَلّ علمه، وعَمِىَ قلبه، وضيع عمره( أنبأنا القطان حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا محمد بن روح قال: سمعت إبراهيم البخاري يقول: )دخلت المسجد الحرام بعد المغرب، فإذا فُضَيل جالس، فجئت، فجلست إليه، فقال: من هذا؟ فقلت، قال: ما جاء بك؟ قلت: رأيتك وحدك، فجلست إليك، قال: تحب أن تغتاب، أو تتزين، أو ترائي؟ قلت: لا، قال: قم عني(\rاستحباب المؤاخاة للمرء مع الخاص\rأنبأنا أحمد بن علي بن المثنى بالموصل حدثنا قطن بن نسير حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا ثابت عن أنس قال )آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، وآخى بين عرف بن مالك وبين الصَّعْب بن جَثاَّمة( قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن لا يغفلُ عن مؤاخاة الإخوان، وإعداده إياهم للنوائب والحدثان، لأن من تَعَزَّى عن موضع سَلْوته بأخيه عند الهموم والغموم، كان عقله إلى التقديح أقرب، ومن النماء أنقص.\rولقد أنبأنا محمد بن المنذر حدثنا الفضل بن عبد الصمد الأصبهاني حدثنا يزيد بن خالد الرملي حدثنا سهيل أبو عمرو قال: قال محمد بن واسع )لم يبق من العيش إلا ثلاث: الصلاة في الجماعة، ترزق فضلها، وتكفي سهوها، وكفاف من معاش ليست لأحد من الناس عليك فيه مِنَّة، ولا لله عليك فيه تَبعة، وأخ محسن العشرة، زُغْتَ قَوْمكَ(.\rأنبأنا عبد الرحمن بن عبد المحسن بجرجان حدثنا محمد بن عبد الله القصار أنبأنا عبد الرزاق عن ابن المقفع قال )ثلاث من اللذات: محادثة الإخوان، وأكل القَديد، وحَكُّ الجرب(.\rأنبأنا محمد بن أبي علي حدثنا محمد بن هريم الشيباني أنشدنا محمد بن عمران الضَّبي:\rوما المرء إلا بإخوانه ... كما تقبض الكفُّ بالمعَصم\rولا خير في الكَفِّ مقطوعةً ... ولا خير في الساعدِ الأجذم\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن لا يعد في الأدْواء إخاءَ من لُم الضَّراء، ولم يشاركه في السراء، ورُبَّ أخي إخاءٍ خيرٌ من أخي ولادة، ومن أتمِّ حِفاظ الأخوة تفقُّدُ الرجلِ أمور من يَوَده.\rوالوُدُّ الصحيح هو الذي لا يميل إلى نفع، ولا يفسد منع، والمودة أمنٌ، كما أن البغضاء خوف.","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"والعاقل لا يؤاخي إلا من خاَلفه على الهوى، وأعانه على الرأي، ووافق سرَّه علانيته، لأن خير الإخوان مَنْ لم يناقش، كما أن خير الثناء ما كان على أفواه الأخيار، والمستوخَم لا يُؤلف كما أن غيَر الثقة لا يُود، فمتى ما آخى المرء من لم يصافِه بالوَفاء يجبُ الاستظهار عليه بمن يسَلِّيه عنه، لأن التودد ممن لا يود يُعَدُّ مَلقاً، ولا يفوت الإنسان في الأخوة أحد رجلين: إما أريب قَصَّر في حقوقه فاغتاله بمكر، وإما جاهل لم يصادفه فيؤذيه بسوء معاشرته، وصيانة الأخوة ليست إلا في الاستغناء عن الإخوان.\rولقد أحسن العباس بن عبيد بن يَعيش حيث يقول:\rكم من أخٍ لكَ لم يلده أبوكا ... وأخ أبوه أبوك قد يجفوكا\rصافِ الكرام إذا أردت إخاءهم ... وأعلم بأن أخا الحِفاَظِ أخوكا\rكم اخوةٍ لك لم يلدك أبوهُم ... وكأنما آباؤهم ولدوكا\rلو كنت تحملهم على مكروهة ... تخشى الحُتوف بها لما خذلوكا\rوأقاربٍ لو أبصروك معلَّقاً ... بنياط قلبك ثَمَّ. ما نصروكا\rالناسُ ما استغنيتَ كنتَ أخاً لهم ... وإذا افتقرتَ إليهم فضحوكا\rأخبرنا القطان بالرقة حدثنا أحمد بن إسماعيل السني حدثنا عبد الرزاق عن معمر قال )دخلت على قتادة وأنا ظمآن، وفي الحجرة حِبُّ ماء، فقلت: اشرب من مائكم هذا؟ قال: أنت لنا صديق(.\rقال أحمد: قال عبد الرزاق: يتأول القرآن )أو صديقكم( يقول: لا يستأذن أنبأنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا عِلاَّن بن المغيرة البصري حدثنا عمرو الناقد حدثنا ابن عيينة عن أيوب السختياني أنه قال )يزيدني حرصاً على الحجِّ لقاء إخوان لي لا ألقاهم بغير الموسم(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن يعلمَ أن الغرض من المؤاخاة ليس الاجتماع والمؤاكلة والمشاربة، والسُّرَّاق يداخلون الرجال على التقارف، ولا يزدادون بذلك مودة، ولكنَّ من أسباب المؤاخاة التي يجب على المرء لزومها مَشْيَ القَصْد وخفَضَ الصوت، وقلة الإعجاب، ولزوم التواضع وترك الخلاف.\rولا يجب للمرء أن يكثر على إخوانه المؤونات فيبرمهم، لأن المرضَع إذا كثر مَصُّه ربما ضَجَرت أمة فتلقيه.\rولا ينبغي لمن قدر أن يمنع أخاه شيئا يحتاج إليه ليجبر به مصيبته، أو يفرح به كربته.\rوالعاقل لا يؤاخي لئيما، لأن اللئيم كالحّية الصماء لا يوجد عندها إلا اللدغ والسُّم، ولا يصلُ اللئيم، ولا يؤاخي إلا عن رغبة أو رهبة، والكريم يَوَد الكريم على لَقْية واحدة، ولو لم يلتقيا بعدها أبدا.\rولقد أخبرنا محمد بن المنذر حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس حدثنا إسماعيل ابن محمود عن ابن المبارك عن سفيان عن يونس بن عبيد )أنه أصيب بمصيبة فقيل له ابن عوف لم يأتك؟ فقال: إنا إذا وثقنا بمودة أخينا لم يَضُرَّه أن لا يأتينا(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يتفقد ترك الجفاء مع الإخوان، ويراعي محوها إن بدت منه، ولا يجب أن يستضعف الجفوة اليسيرة، لأن من استصغر الصغيرة يوشك أن يجمع إليه صغيراً، فإذا الصغير كبير، بل يبلغ مجهوده في مَحْوها، لأنه لا خير في الصدق إلا مع الوفاء، كما لا خير في الفقه إلا مع الورع، وإن من أخْرَقِ الخْرقِ التماس المرء الإخوان بغير وفاء وطلب الأجر وبالرياء، ولا شيء أضيع من مودة تمنحُ مَنْ لا وفاء له، وصنيعة تصطنع عند مَنْ لا يشكرها.\rوأنشدني الخلادي قال: أنشدني محمد بن محمد البكري:\rأحذر مودة ماذِق ... خَلَط المودة بالحلاوَة\rيُحصى الذنوب عليك أي ... ام الصداقة للعداوة\rوأنشدني محمد بن إبراهيم البصري - بصُورَ - لنفسه:\rلا يَغرَّنْكَ صديق أبدا ... لك في المنظَر، حتى تَخْبُره\rكم صديق كنتُ منه في عَمىً ... غَرَّني منه زماناً مَنْظَرُه\rكان يلقاني بوجه طلق ... وكلام كاللآلي ينثره\rفإذا فتشته عن غيبه ... لم أجد ذاك لوّدٍ يُضمره\rفَدَعِ الإخوان كلَّ من ... يضمر الود كما قد يظهره\rفإذا فزتَ بمن يجمع ذا ... فاجْعَلَنْهُ لك ذُخْرا تَذْخَره","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"أنبأنا القطان بالرقة حدثنا هشام بن عمار حدثنا إبراهيم بن موسى المكي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال )وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه للناس ثمانية عشر كلمة، كلها حكم، قال: ما كافأتَ من يعَصي الله فيك بمثل أن تطيَع الله فيه، وضَعْ أمرَ أخيك على أحسنه، حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تَظُنَّنَّ بكلمة خرجت من مسلم شَرّاً، وأنت تجد لها في الخير مَحْمَلا ومن تَعَرَّض للتهمة فلا يلومنَّ من أساء به الظن، ومن كتم سِرَّه كانت الخِيَرَة في يديه، وعليك بإخوان الصدق فعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء، وعُدَّة في البلاء، وعليك بالصدق وإن قتلك الصدق، ولا تعرضْ لما لا يَعنيك، ولا نسأل عما لم يكن. فإن فيما كان شغلا عما لم يكن، ولا تطلبن حاجتك إلى من لا يحب لك نجاحها، ولا تصحبنَّ الفاجر فتعلّم فجورَه، واعتزل عدوك، وأحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا خَشَيِ الله، وتخشَّعْ عند القول، وذِلََّ عند الطاعة، واعتصم عند المعصية، واستشر في أمرك الذين يخشون الله، فإن الله يقول )28:35 إنما يخشى الله من عباده العلماء((.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل لا يواخي إلا ذا فضل في الرأي والدين والعلم والأخلاق الحسنة، ذا عقل نشأ مع الصالحين، لأن صحبة بليد نشأ مع العقلاء خير من صحبة لبيب نشأ مع الجهال.\rورأس المودة الاسترسال، وآفتها الملالة، ومن أضاع تعهد الود من إخوانه حرم ثمرة إخائهم، وآيس الإخوان من نفسه، ومن ترك الإخوان مخافة تعاهد الود بوشك أن يبقى بغير أخ، كما أن من ترك نزع الماء إشفاقا على رشائه يوشك أن يموت عطشا.\rوالعاقل يستخبر أمور إخوانه قبل أن يؤاخيهم، ومن أصح الخبرة للمرء وجود حالته بعد هيجان الغضب.\rأنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا عبد الله بن الضحاك الهدادي حدثنا هشام بن محمد عن عوانة بن الحكم قال: قال لقمان لابنه )يا بني إذا أردت أن تواخي رجلا فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه وإلا فدعه( أنبأنا محمد بن صالح الطبري حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا داود يحيى ابن اليمان عن أبيه عن سفيان قال )اصحب من شئت، ثم أغضبه، ثم دس إليه من يسأله عنك(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: من لم ينصفك عند غضبه لم تودك أيامه، وليس الصديق كالمرأة يطلقها المرء إذا شاء، والجارية يبيعها متى أحب، لكنه عرضه ومروءته؛ فالتثبت والاتئاد أولى به من التهاجر والانقطاع، ومن غاب عنه أخوه فلا يغب عما يجب له عليه، وليكثر منهم عدة للشدائد، لأن الشعر مع دقته إذا جمع عمل منه الحبل الغليظ الذي يقهر الفيل المغتلم، ولا يصلح أن يكون رفيقاً من لم يزدرد ريقاً.\rوأنشدني الخلادي قال: أنشدني محمد بن محمد البكري لصالح بن عبد القدوس:\rإذا كان ودّ المرء ليس بزائد ... على )مرحباً( أو )كيف أنت؟( وحالكا\rأو القولِ )أني وامق لك، حافظ( ... وأفعاله تُبدي لنا غير ذلكا\rولم يك إلا كاشِراً أو محدثا ... فأفٍّ لودٍّ ليس إلا كذلكا\rولكن إخاء المرء من كان دائما ... لذي الودِّ منه حيثما كان سالكا\rأخبرنا أبو يعلىُ حدثنا على بن الجعد حدثنا سفيان الثوري عن شعبة قال: خرج عبد الله بن مسعود على أصحابه فقال )أنتم جِلاء حزني(.\rأخبرني محمد بن سعيد القزاز حدثنا هلال بن العلاء حدثنا إسحاق بن الضيف عن شيبة بن أبي مسهر عن الحكم بن هشام قال خالد بن صفوان )لم يبق من لذات الدنيا إلا ثلاث: مجالسة النسوان، وشَمُّ الولُدان، ولُقيُّ الإخوان(.\rحدثنا محمد بن المنذر حدثنا مسعدة بن حازم المصري خالي هارون ابن سعيد حدثنا خالد بن نزار حدثنا سفيان عن موسى بن عقبة قال )إن كنت لأَلْقَي الأخ من إخواني فأكون بُلقيِّه عاقلا أياماً(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: قد ذكرت ما يشاكل هذه الحكايات في كتاب )مراعاة العشْرَة( فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب.","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"فالواجب على العاقل أن يعلم أنه ليس من السرور شيء يَعْدِل صحبة الإخوان، ولا غم يعدل غَمَّ فقدهم، شم يتنوقى جهدَهُ مفُاسدَةَ مَنْ صافاه، ولا يسترسل إليه فيما يشينه، وخير الإخوان مَنْ إذا عَظَّمْته صانك، ولا يعيب أخاه على الزَّلة، فإنه شريكه في الطبيعة، بل يصفح، ويتنكب محاسدة الإخوان؛ لأن الحسد للصديق مِن سَقَم المودة كما أن الجود بالمودةَّ أعظم البذل، لأنه لا يظهر ود صحيح من قلب سقيم، وليحذر المرء في إخائه ألمَ التَّثقيل على أخيه؛ لأن من ثقل على صديقه خف على عدوه، وإن من أعظم المعونة على تسلية الهم الرضا بالقضاء، ولقيّ الإخوان.\rأنبأنا محمد بن هلال العقبي حدثني يونس بن إبراهيم العزي حدثنا إبراهيم ابن عبد الله العدَني عن سفيان أنه قيل له )ما ماء العيش؟ قال: لقاء الإخوان(.\rحدثنا القطان أحمد بن أبي الحواري حدثنا المسيب بن واضح عن ابن المبارك قال: قال سفيان: )لربما لقيتُ الأخ من أخواني، فأقيم شهراً عاقلا بلقائه(.\rوأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rاستكثرنَّ من الإخوان إنهمُ ... خير لكانزهم كنزاً من الذهب\rكم مِنْ أخ لك لو نابتك نائبة ... وجدته لك خيراً من أخي النسب\rوأنشدني الكريزي:\rمن خير ما حُزْته وُدّ لذي كرم ... يجزيك ما عشت بالإحسان إحسانا\rتلقي بَشَاشته في قربه، وإذا ... أنَالَ ناَلَكَ منه البر ما كانا\rأنبأنا القطان حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول )كنت أنظر إلى أخ من إخواني بالعراق، فأعمل على رؤيته شهراً(.\rحدثنا الحسن بن سفيان حدثنا سويد بن سعيد حدثنا مسلم بن عبيد أبو فراس قال: قال ربيعة )المروءة مروءتان: فللسفر مروءة، وللحضر مروءة؛ فأما مروءة السفر: فبذل الزاد، وقلة الخلاف على أصحابك، وكثرة المزاح في غير مساخط الله، وأما مروءة الحضر: فالإدمان إلى المساجد، وكثرة الإخوان في الله، وتلاوة القرآن(.\rكراهية المعاداة للناس\rأنبأنا محمد بن عبد الله بن عبد السلام - ببيروت - حدثنا محمد بن محمد بن مصعب وحدثني ابن المبارك عن عمرو بن وأقد عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال )أول شيء نهاني عنه ربي - بعد عبادة الأوثان - لعن الحمير، وملاَحاة الرجال(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن يعلم أن من يَوَدُّه لم يحسده، ومن لم يحسده لم يعاده؛ فيكون للعدو المكاتم أشَدَّ حَذراً منه للعدو المبارز، ومن وجد عنده مغتراً، وكان ممن لا يعفو، ثم لا ينتصف منه؛ أصابته الندامة، والرأي إذا كان من الأريب كان أبلغ في هلاك العدو من العدد الكثير من الجنود، وترك العداوة على الأحوال كلها أحوط للعاقل من الخوض في سلوكها.\rأنبأنا الحسن بن سفيان حدثنا حبان بن موسى أخبرنا عبد الله بن هارون هو الأعور عن إسماعيل قال )لا تشترين عداوة رجل بمودة ألف رجل(.\rوأنشدني عمرو بن محمد قال: حدثنا الغلابي، قال: أنشدني مهدي أبن سابق:\rتكثر من الإخوان ما اسْطَعْتَ إنهمْ ... عماد إذا استنجدْتَهُمْ وظهور\rوليس كثيراً ألف خِلٍّ لصاحب ... وإن عدوّاً واحداً لَكثيرُ\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يجب على العاقل أن يكافئ الشر بمثله، وأن يتخذ اللعن والشتم على عدوه سلاحاً؛ إذ لا يستعان على العدو بمثل إصلاح العيوب، وتحصين العورات، حتى لا يجد العدو إليه سبيلا.\rوالعاقل لا يرحم مَنْ يخافه، ولا يترك إحصاءِ معائب العدو، ويتفقد عثراتهم مع السكوت عن ثلبه، ولا يستضعف عدواً بحيلة؛ فإن من استضعف الأعداء اغتر، ومن اغتر لم يسلم، اللهم إلا أن يكون العدو ذليلا فإذا كان كذلك عطف عليه بالإغضاء؛ لأن لعدو الذليل أهلٌ أن يرُحم، كما أن المستجير الخائف أهلٌ أن يؤمن، والمماداة للعاقل خير من المصافاة للجاهل.\rوأنشدني الخلادي أنشدني أحمد بن محمد البكري:\rووَلمنْ يعادي عاقلاً خيرٌ له ... من أن يكون له صديق أحمقُ\rفارغب بنفسك أن تصادق أحمقاً ... إن الصديق على الصديق مَصَدَّقُ\rوأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:\rأخْلِقْ بذي الصبر أَن يحظى بحاجته ... ومدمن القَرْع للأبواب أن يَلِجَا","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"أبْصر لرجلك قَبْلَ الخطو موضعها ... فمن عَلا قُلَّة عن غِرَّة زلجا\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يبصر موضع خطواته قبل أن يضعها، ثم يقارب عدوه بعض المقاربة، لينال حاجته، ولا يقاربه كل المقاربة فيجترأَ عليه، والعاقل لا يعادي ما وجد إلى المحبة سبيلا، ولا يعادي من ليس له منه بد، ولا العدوّ الحنِق الذي لا يطاق؛ فإنه ليس له حيلة إلا الهرب منه، وحيلةُ السبيل إلى القدرة على العدو وجودُ الغِرَّة فيه، وإن يرى العدو أنه لا يتخذه عدواً، ثم يصادق أصدقاءه، فيدخل بينه وبينهم.\rوأحزم الأمور في أمر العدو: إن لا يذكره بسوء إلا عند الفرصة، وإن من أيسر الظفر بالأعداء اشتغال بعضهم ببعض، وإن مما يستعين به المرء على عدوه: مجانبةَ من يعاشره، ويصحب عدوه.\rأخبرني محمد بن سعيد القزاز حدثني أحمد بن زهير بن حرب قال: سمعت يحيى بن معين يقول: قال أبن السماك )لا تَخَفْ ممن تحذر، ولكن أحذر ممن تأمن(.\rوأنشدني علي بن محمد البسامي:\rتمنيتُ أنَ أبقى معافىً، وأن أرى ... على من ينُاويني تدور الدوائر\rفيصبح مخذولا، وأمسى سالماً ... إلى الله داع بالكفاية ناصرُ\rسمعت محمد بن محمود يقول: سمعت علي بن خشرم يقول: سمعت الفضل ابن موسى الشيباني يقول )كان صياد يصطاد العصافير في يوم ريح، قال: فجعلت الرياح تُدخلُ في عينيه الغبار، فتذرفان، فكلما صاد عصفوراً كسر جناحه وألقاه في ناموسه. فقال عصفور لصاحبه: ما أرقَّه علينا، ألا ترى إلى دموع عينيه؟ فقال له الآخر: لا ننظر إلى دموع عينيه، ولكن انظر إلى عمل يديه( قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل لا يأمن عدوه على كل حال، إن كان بعيداً لم يأمن مغادرته، وإن كان قريباً لم يأمن مواثبته، والعاقل لا يخاطر بنفسه في الانتقام من عدوه: لأنه إن هلك في قصده قيل: أضاع نفسه، وإن ظفر قيل: القضاء فعله.\rوالمعاداة بعد الجُلْةَّ فاحشة عظيمة، لا تليق بالعاقل ارتكابها فن دفعه الوقتُ إلى ركوبها ترك للصلح موضعاً.\rوأنشدني بعض أهل الأدب لأبي الأسود الدؤلي:\rوأَحْبِبْ إذا أحببت حُنّاً مُقارباً ... فإنك لا تدري: متى أنت نازع؟\rوأبغض إذا أبغضت غيرَ مجانب ... فإنك لا تدري متى أنت راجع؟\rوكن معدِناً للحلم وأصْفَحْ عن الأذى ... فإنك راءِ ما عملت وسامع\rوأنشدني منصور بن محمد الكريزي:\rإذا أنت عاديت امرءاً بعد خُلة ... فدع في غدٍ للعَوْد والصلح موضعا\rفإنك إن نابذت مَنْ زَلَّ زَلَّةً ... ظللت وحيداً لم تجد لك مفزعا\rأنبأنا محمد بن إسحاق الثقفي حدثنا أبو همام حدثنا ابن وهب أخبرني يونس أبن يزيد عن أبن شهاب قال )اجتمع مروان بن الحكم وابن الزبير يوماً عند عائشة، فجلسا في حجرتها وبينها وبينهما الحجاب، فسألا عائشة شعراً وحديثاً( ثم قال مروان:\rومن يشاءِ الرحمن يخفِضْ بقدره ... وليس لمن لم يرفع الله رافعُ\rوقال ابن الزبير:\rوفَوِّضْ إلى الله الأمورَ إذا اعترت ... وبالله لا بالأقربين تُدافع\rوقال مروان:\rوداو ضمير القلب بالبِرِّ والتُّقى ... ولا يستوي قلبان قاسٍ وخاشعُ\rوقال أبن الزبير:\rولا يستوي عبدان: عبدٌ مكلّم ... عُتلُّ، لأرحام الأرقاب قاطع\rوقال مروان:\rوعبد يجافي جنبه عن فراشه ... يبيت يناجي ربه وهو راكع\rوقال ابن الزبير:\rوللخير أهل يعرفون بهديهم ... إذا اجتمعت عند الخطوب المجامع\rوقال مروان:\rوللشر أهل يعرفون بشكلهم ... تشير إليهم بالفجور الأصابع\rقال: فسكت ابن الزبير، فلم يجب مروان بشيء.\rفقالت عائشة: )يا عبد الله، مالك لم تجب صاحبك، والله ما سمعتُ تجاوبَ رجلين تجاولا نحو ما تجاولتما فيه أعجب إلى من مجاولتكما( قال أبن الزبير: إني خفت عَولَ القول، فكففت.\rفقالت عائشة: )إن لمروان في الشعر ما ليس لك( أنبأنا محمد بن المنذر، حدثنا عصام بن الفضل الداري، حدثني الزبير بن بكَّار عن محمد بن حرب، قال: قال عبد الله بن حسن لابنه محمد )إياك ومعادَاة الرجال فإنها لا تعدمك مكرْ حليم، أو مباذاة جاهل(","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل لا يُعَادي على الحالات كلها، لأن العداوة لا تخلو من أن تكون لأحد رجلين: إما حليم لا يؤمَنُ مَكْرُه، أو جاهل لا يؤمن شتمه، ولا يجب على العاقل - إذا عادى - أن يغُرهَّ إحسانه إلى عدوه ما يرى من سكونه إليه، فإن الماء وإن أصيل إسخانه، ليس بمانعه ذلك من إطفاء النار إذا صُبَّ عليها، ولا يجب أن يعظم عليه حمله عدوّه على عاتقه إذا وثق بحسن عاقبته، لأن اللين والمكر أنْكى في العدو من الفظاظة والمكابرة. ألا ترى النار مع حرها لا تحرق من الشجر إلا ما ظهر، والماء مع برده ولينه يستأصلها، ومجانبة المرء عدوه في العِشرة أحد الأعوان عليه عند الفرصة.\rكما أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري، حدثنا الغلابي، حدثنا العتبي عن أبيه قال: قال الأحنف بن قيس )من جالس عدوه حفظ عليه عيونه(.\rوأنشدني الأبرش:\rلا تخافنّ إن رماك عدو ... بعيوب، إذا تكون بريّاً\rإنما العيبُ أن يكون مُحقاً ... في الذي قاله، ولستَ نقيّاً\rفإذا كان كاذباً كنتَ بالصِّد ... ق على العائب الكذوب جريّاً\rولقد يُلزِق العدو بجنب ... السمرء عيباً تخالهُ مَكْويّاً\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل لا يغيره الزاق العدو به العيوبَ والقبائح لأن ذلك لا يكون له وقْعٌ، ولا لكثرته ثبات، ولا يلتذ المرء ما كان عدوه باقياً كما لا يجد السقيم طعم النور والطعام حتى يبرأ.\rوأشد مكيدة العدو وما يعمل فيك من سبيل مأمنك، والغالب بالشِّر مغلوب وإن من أعظم الأعوان على الأعداء تعاهد المرء ولَدَه وعياله وخدمه، وتوقيه إياهم على المعائب والزلات.\rأنبأنا الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا الوليد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان بن داود لابنه )يا بني إذا أردت أن تغيظ عدوك فلا ترفع عن ابنك العصا(\rالحث على صحبة الأخيار\rوالزجر عن عشرة الأشرار\rحدثنا الحسن بن سفيان النسائي، حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي عن شعبة عن قتادة، عن أنس، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )مثل الجليس الصالح مثل العطار، إن لم يَنَلْك منه أصابك من ريحه، ومثل جليس السوء مثل القَيْن، إن لم تصبك ناره أصابك شرره(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يلزم صحبه الأخبار، ويفارق صحبة الأشرار؛ لأن موَدَّة الأخبار سريعٌ اتصالها، بطئ انقطاعها. ومَوَدَّة الأشرار سريع انقطاعها، بطئ اتصالها. وصحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار، ومَنْ خادن الأشرار لم يسلم من الدخول في جملتهم.\rفالواجب على العاقل أن يجتنب أهل الريب، لئلا يكون مريباً. فكما أن صحبه الأخيار تورث الخير، كذلك صحبه الأشرار تورث الشر.\rوأنشدني محمد بن عبد الله زنجي البغدادي:\rعليك بإخوان الثقات؛ فإنهم ... قليل فَصِلْهُم دون من كنت تصحبُ\rونفسك أكرمها وصُنْها؛ فإنها ... متى ما تجالس سِفْلةَ الناس تغضب\rسمعت أبا يعلي يقول: سمعت إسحاق بن أبي إسرائيل يقول: سمعت سفيان ابن عيينة يقول )من احب رجلا صالحاً فإنما يحب الله تبارك وتعالى(.\rأنبأنا محمد بن أبي علي الخلادي، حدثنا عبد الله بن الصقر السكري، حدثنا وهب بن محمد بن منبه البناني، قال: سمعت الحارث بن وجيه يقول: سمعت مالك بن دينار يقول )إنك تنقل الحجارة مع الأبرار خيرٌ من أن تأكل الخبيص مع الفجار(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل لا يُدَنِّس عرضه، ولا يعوِّدُ نفسه أسباب الشر بلزوم صحبة الأشرار، ولا يُغْضي عرضه ورياضة نفسه بصحبة الأخيار، على أن الناسَ عند الخبرة يتبين منهم أشياء ضد الظاهر منها.\rأنشدني علي بن محمد البسامي:\rوقلَّ ما احْلَوْلَي كلامُ امرئ ... ولأَنَ إلا كان مُرَّ الفعال\rوربما احْلَوْلى كلامُ الفتى ... وكان محموداً على كل حال\rفكلُّ هذا أنت راء إذا ... تُصاَحِبُ الناس، وتبلو الرجالْ\rحدثنا بكر بن أحمد بن سعيد الطاحي، حدثنا نصر بن علي، أنبأنا نوح ابن قيس، حدثنا حوشب عن الحسن في قوله )63:25 وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا( قال )حُلَماء علماء، صُبُرٌ ثبت إن ظُلموا لم يظلموا وإن بُغى عليهم لم يبغوا، قد براهم الخوف كأنهم القِدَاح(.","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"أنبأنا حامد بن محمد بن شعيب البلخي، حدثنا سريج بن يونس، حدثنا شجاع بن أبي نصر أبو نعيم القاري عن أبي عمرو بن العلاء، قال )رآني سعيد ابن جبَير وأنا جالس مع الشباب، قال: ما يجلسك مع الشباب؟ عليك بالشيوخ(.\rأنبأنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة عن سفيان عن أبي عمران بن حطان عن أبيه قال: قال أبو الدرداء )لصاحبٌ صالح خير من الوحدة، والوحدة خير من صاحب السوء، ومملى الخير من الساكت والساكت خير من مملى الشر(.\rقال أبو حاتم رضى الله عنه: العاقل لا يصاحب الأشرار؛ لأن صحبة صاحب السوء قطعة من النار، تُعقب الضغائن، لا يستقيم وده، ولا يفي بعهده.\rوإن من سعادة المرء خصالا أربعا: إن تكون زوجته موافقة، وولده أبرارا، وإخوانه صالحين، وأن يكون رزقه في بلده.\rوكل جليس لا يستفيد المرء منه خيرا تكون مجالسة الكلب خيراً من عشرته، ومن يصحب السوء لا يسلم، كما أن من يدخل مداخل السوء يتهم وما أشبه صحبة الأشرار إلا بما أنشدني منصور بن محمد الكريزي.\rفلو كان منه الخير إذ كان شره ... عتيداً ضربت الخير يوما مع الشر\rولو كان لا خيراً ولا شر عنده ... رضيتُ لَعمري بالكفاف مع الأجر\rولكنه شرٌّ، ولا خيرَ عنده ... وليس على شَرّ إذا طال من صبر\rأخبرنا إسحاق بن إبراهيم القاضي، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا ابن عُلية عن يونس عن الحسن قال )أيها الرجل، إن أشد الناس عليك فقداً لرجلٌ فزعت إليه وجدت عنده رأيا، ووجدت عنده نصيحة، بينا أنتَ كذلك إذ فقدته، فالتمست منه خَلَفا فلم تجده.\rأنبأنا محمد بن سعيد القزاز، حدثنا خطاب بن عبد الرحمن الجندي، حدثنا عبد الله بن سليمان، قال: قال جعفر بن محمد )من كان فيه ثلاث فقد وجب له على الناس أربع: إذا خالطهم لم يظلمهم، وإذا حَدَّثهم لم يكذبهم، وإذا وعدهم لم يخُلفهم. وعلى الناس: إن يظهروا عَدْله، وأن تكمل فيهم مروءته، وأن يجب عليهم أخَوُته، وأن يحْرُم عليهم غيبته.\rوأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي:\rاصحب خيار الناس أين لقيتهم ... خيرُ الصحابة مَنْ يكونُ ظريفا\rوالناس مثلُ دراهم مَيّزتها ... فرأيت فيها فِضَّة وزُيوفا\rوأخبرنا ابن قَحْطبة، حدثنا عباس بن عبد العظيم، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول )إن الله ليحفظ بالعبد الصلح القبيلَ من الناس( قال أبو حاتم رضى الله عنه: الواجب على العاقل أن يستعيذ بالله من صحبة من إذا ذكر الله لمُ يُعِنْه، وإن نسي لم يذكّره، وإن غَفَل حرضه على ترك الذكر. ومن كان أصدقاؤه أشراراً كان هو شرَّهم، وكما أن الخيرَّ لا يصحب إلا البَررَة، كذلك الردىّ لا يصحب إلا الفَجَرة؛ فإن المرء إذا اضطره الأمر فليصحب أهل المروءات، لأن محمد بن عثمان العقبي قال: حدثنا أحمد بن داود البصري، حدثنا أحمد بن داود البصري، حدثنا ابن عائشة قال: قال عبد الواحد بن زيد )جالسوا أهل الدين من أهل الدنيا ولا تجالسوا غيرهم، فإن كنتم لا بُدَّ فاعلين، فجالسوا أهل المروءات؛ فإنهم لا يَرْفُثون في مجالسهم(.\rكراهية التلون في الوداد بين المتآخيين\rأنبأنا محمد بن الحسن بن قتيبة بعَسْقَلاَن، حدثنا إبراهيم الحوراني، حدثنا بكار بن شعيب، حدثنا ابن أبي حازم عن أبيه عن سهل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )لا خير في صُحبة من لا يَرى لك من الحق مثلَ ما ترى له( قال أبو حاتم رضى الله عنه: الواجب على العاقل إذا رزقه الله وُدَّ امرئ مسلم صحيح الوداد محافظ عليه: إن يتمسك به، ثم يوطن نفسه على صلته إن صَرَمه، وعلى الإقبال عليه إن صَدَّ عنه، وعلى البَذْل له إن حَرمه، وعلى الدنو منه إن باعده حتى كأنه ركن من أركانه، وإن من أعظم عيب المرء تلونه في الوداد.\rوأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:\rوكم من صديق وُدُّه بلسانه ... خؤون الغيب لا يتندّم\rيضاحكنى كُرهاً لكيما أوَدُّه ... وتَتْبَعُني منه إذا غبتُ أسهمُ","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"أخبرنا محمد بن المهاجر المعدل، حدثني ابن شيبة، قال: قال الأصمعي: قال رجل من الأعراب )من أعجز الناسِ من قَصَّر عن طلب الإخوان، وأعجز منه: من ظفر بذلك منهم فأضاع مودتهم، وإنما يحسن الاختيار لغيره من أحسن الاختيار لنفسه(.\rقال أبو حاتم رضى الله عنه: العَاقل لا يقصر في تعاهد الوداد، ولا يكون ذا لونين، وذا قلبين، بل يوافق سِرُّه علانيته، وقوله فعله، ولا خير في متآخيين ينمو بينهما الخلل، ويزيد في حاليهما الدغل.\rكما أنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rلحا الله من لا ينفُع الودُّ عنده ... ومَنْ حَبْله مُدَّ غيرُ متين\rومن هو ذو لونين ليس بدائم ... على الوصل خَوَّانٌ لكلِّ أمين\rومن هو ذو قلبين، أما لقاؤه ... فخُلوٌ، وأما غيبه فظنين\rومن هو إن تُحدثْ له العينُ نظرةً ... يقُطّعُ بها أسباب كُلِّ قَرين\rوأنشدني عمرو بن محمد النسائي لابن الأعرابي:\rالعين تبدي الذي في نفس صاحبها ... من الشَّناءة، أو وُدٍّ إذا كانا\rإن البغيض له عين يصد بها ... لا يستطيع لما في الصدر كتمانا\rالعين تنطق والأفواه ساكنة ... حتى ترى من ضميرِ القلب تِبيِانا\rوأنشدني علي بن محمد البسامي:\rوجارٍ لا تزالُ تزور منه ... قوارضُ لا تَنام ولا تنيُم\rقريب الدار نائي الوِّ منه ... معاندةً، أبت لا تستقيم\rيبادر بالسلام إذا التقينا ... وتحت ضلوعِه قلب سقيم\rأنبأنا محمد بن أبي علي الخلادي، حدثنا أحمد بن محمد بن بكر الأنباوي عن هشام بن عبد الملك اليزَنَي، قال: المقَنع الكندي:\rابلُ الرجال إذا أردت إخاءهم ... وتوسمنَّ أمورهم وتَفَقَّدِ\rفإذا ظفرت بذي اللَّبابة والتقى ... فبه اليدين قريرَ عينٍ فاشْدُدِ\rومتى يَزِلَّ، ولا محالة، زلةً ... فعلى أخيك بفضل رأيك فاردد\rوإذا الخنا نقض الُحبي في موضع ... ورأيت أهل الطيش قاموا فاْقعُدِ\rأخبرنا عبد الله بن قُحْطبة، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا الوليد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان بن داود لابنه )يا بنيَّ عليك بالحبيب الأول، فإن الآخر لا يعدله(.\rأنبأنا محمد بن سعيد القزاز، حدثنا أحمد بن بكر بن سيف، حدثني محمد ابن حسين قال )كان أعرابي بالكوفة، وكان له صديق، وكان يظهر له مودة ونصيحة، فاتخذه الأعرابي من عُدده للشدائد إذ حَزَب الأعرابي أمر، فأتاه، فوجده بعيداً مما كان يظهر للأعرابي، فأنشأ يقول:\rإذا كان وُدُّ المرء ليس بزائد ... على )مرحباً( أو )كيف أنت( وحالكا!\rولم يك إلا كاشرا، أو محدثا ... فأف لود، ليس إلا كذلكا\rلسانك معسولٌ بَشّة ... وعند الثريا من صديقك مالُكا\rوأنت إذا هَمَّت يمينك مَرَّة ... لتفعل خيراً، قاتلتها شمالكا\rسمعت محمد بن المنذر يقول: سمعت عبد العزيز بن عبد الله يقول: قال محمد بن حازم:\rوإن من الإخوان إخوانَ كَشْرةٍ ... وإخوان )حيّاك الإله(، و)مرحبا(\rوإخوان: كيف الحالُ والأهل كله؟ ... وذلك لا يسوى نقيرا مترّبا\rجواد إذا استغنيت عنه بماله ... يقول: إلى القرض، والقرضَ فاطلبُا\rفإن أنت حاولت الذي خَلفْ ظهره ... وجدتَ الثريا منه في البعد أقربا\rقال أبو حاتم رضى الله عنه: العاقل لا يصادق المتلون، ولا يؤاخي المتقلب، ولا يظهر من الوداد إلا مثل ما يضمر، ولا يضمر إلا فوق ما يظهر، ولا يكون في النوائب عند القيام بها إلا ككونه قبل إحداثها والدخول فيها، لأنه لا يحمد من الإخاء ما لم يكن كذلك.\rوأنشدني محمد بن المنذر، وأنشدني محمد بن خلف التيمي، أنشدني رجل من خزاعة:\rوليس أخي من وّدَّني بلسانه ... ولكن أخي من وَدَّني في النوائب\rومن ماُله مالي، إذا كنتُ معدِما ... ومالي له، إن عَضَّ دهر بغارب\rفلا تحمدنْ عند الرخاء مؤاخياً ... فقد تنكر الإخوانُ عند المصائب\rوما هو إلا كيف أنت ومرحبا ... وبالبيض رَوّاغ كرَوْغ الثعالب\rأخبرنا ابن قحطبة، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا أبو معاوية عن هشام ابن عروة عن أبيه قال: مكتوب في الحكمة )أحبب خليلك وخليل أبيك(","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"قال أبو حاتم رضى الله عنه: إن من أعظم الأمارات على معرفة صحة الوداد وسقمه: ملاحظة العين إذا لَحَظَتْ، فإنها لا تكاد تبدي إلا ما يضمر القلب من الود، ولا يكاد يخفي ما يجنه الضمير من الصد، فالعاقل يعتبر الود بقلبه وعين أخيه، ويجعل له بينهما مسلكا لا يرده عن معرفة صحته شيء تخيله.\rولقد أخبرنا محمد بن المهاجر المعدل، حدثنا محمد بن الحسن الذهلي، حدثنا علي بن محمد المذهبي عن محمد بن إبراهيم العباسي عن عبد الله بن الحجاج مولى المهدي وعن إبراهيم بن شكله قال )اعلم أن من أظهر ما تحب أو ما تكره فإنما لك أن تقيس ما أضمر قلبه بالذي أظهر لسانه، وليس لك أن تعرف ما أسر ضميره، فعامله على نحو ما يبدي لك لسانه( وفي ذلك أقول:\rليس المسيء إذا تغيب سوءه ... عني بمنزلة المسيء المعِلنِ\rمن كان يظهر ما أحبُ فإنه ... عندي بمنزلة الأمين المحسن\rوالله أعلمُ بالقلوب، وإنما ... لك ما بدا لك منهمُ بالألسن\rولقد يقال خلافُ ذلك إنما ... لك ما بدا لك منهمُ بالأعين\rغير أن خالي خالفني في ذلك، وزعم أن الأعين أبين شهادة على ما في القلوب من الألسن. وكتب في ذلك رسالة )أما بعد، فقد بدا لي من صدك، ما آيسنى من ودك، ولم يزل يخبرني لحظك ما تضمر لي من بغضك(. وكتب في أسفل ذلك:\rوما أحب إذا أحببت مكتتما ... يبدي العداوة أحيانا ويخفيها\rتظل في قلبه البغضاءُ كامنةً ... فالقلب يكتُمها والعين تبديها\rوالنفس تعرف في عيني مُحَدّثِها ... مَنْ كان سِلْمها أو من أعاديها\rعيناك قد ذلتا عينيَّ منك على ... أشياء لولاها ما كنت أدريها\rأخبرنا الخلادي، حدثنا أحمد بن محمد الصوفي، حدثنا محمد بن صالح البغدادي قال: سمعت إبراهيم الحجني يقول )دلائل الحب تعرف في المحب، وإن لم ينطق لسانه(.\rائتلاف الناس واختلافهم\rأخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع السختياني، حدثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي، حدثنا حماد بن سلمة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف(.\rحدثنا أبو خليفة حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان الثوري عن حبيب ابن أبي ثابت عن أبي الطفيل قال: قال على )الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف(.\rقال أبو حاتم رضى الله عنه: سبب ائتلاف الناس وافتراقهم - بعد القضاء السابق - هو تعارف الروحين، وتناكر الروحين، فإذا تعارف الروحان وجدت الألفة بين نفسيهما، وإذا تناكر الروحان وجدت الفرقة بين جسميهما.\rولقد أنبأنا محمد بن المهاجر، حدثنا محمد بن عبد الله بن مهران، حدثنا يوسف ابن يعقوب الصفا، حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي يحيى عن مجاهد قال: رأى ابن عباس رجلا فقال )إن هذا ليحبني، قالوا: وما علمك؟ قال: إني لأحبه، والأرواح جنود مجندة، فما تعرف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف(.\rأنشدني محمد بن أبي علي الخلادي، أنشدني أحمد بن محمد بن بكر الأبناوي:\rإن القلوب لأجناد مجندة ... لله في الأرض بالأهواء تعترف\rفما تعرف منها فهو مؤتلف ... وما تناكر منها فهو مختلف\rأنبأنا ابن مكرم بالبصرة، حدثنا بشر بن الوليد، حدثنا الحكم ابن عبد الملك عن قتادة في قول الله تعالى )120:11 إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم( قال: للرحمة والطاعة، فأما أهل طاعة الله فقلوبهم وأهواؤهم مجتمعة، وإن تفرقت ديارهم، وأهل معصية الله قلوبهم مختلفة، وإن اجتمعت ديارهم.\rوأنشدني منصور بن محمد الكريزي:\rفما تُبصر العيان والقلب آلف ... ولا القلب والعينان منطبقان\rولكن هما روحان تَعْرِض ذي لذي ... فيعرف هذا ذي فيلتقيان\rقال أبو حاتم رضى الله عنه: إن من أعظم الدلائل على معرفة ما فيه المرء من تقلبه وسكونه: هو الاعتبار بمن يحادثه ويوده، لأن المرء على دين خليله، وطير السماء على أشكالها تقع.\rوما رأيت شيئاً أدلَّ على شيء، ولا الدخان على النار، مثل الصاحب على الصاحب. وأنشدني الأبرش:\rيقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ما شاه\rوذو الُعّرِ إذا احت ... ك ذا الصحة أعداه\rوللشيء من الشيء ... مقاييس وأشباه","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"وللروح على الروح ... دليل حين يلقاه\rحدثنا أبو خليفة، حدثنا محمد بن كثير العبديُّ، أنبأنا سفيان عن أبي إسحاق عن هبيرة، قال: اعتبِرِ الناس بأخدانهم.\rأنبأنا محمد بن المهاجر، حدثنا محمدِ بن موسى الأخباري، حدثنا محمد بن صالح العدوي، حدثنا الحسين بن جعفر بن سليمان الضبعي قال: سمعت أبي يقول: سمعت مالكا يقول )الناس أشكال كأجناس الطير، الحمام مع الحمام، والغراب مع الغراب، والبط مع البط، والصَّعْو مع الصَّعْو وكل إنسان مع شكله(.\rوأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:\rيزين الفتى في قومه وَيشينه ... وفي غيرهم: أخدانُه ومَداخُلُهْ\rلكل امرئ شكلٌ من الناس مثله ... وكل امرئٍ يهوي إلى يشاكله\rوأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:\rإن كنتَ حُلْتَ، وبي استبدلتَ مُطَّرحا ... وُدّاً، فلم تأت مكروها ولا بدَعا\rفكلُّ طير إلى الأشكال موقعها ... والفرع يجري إلى الأعراق منتزعَا\rقال أبو حاتم رضى الله عنه: العاقل يجتنب مما شاة المريب في نفسه، ويفارق صحبة المتهم في دينه، لأن من صحب قوماً عُرف بهم، ومن عاشر امرأ نُسب إليه، والرجل لا يصاحب إلا مثله أو شكله، فإذا لم يجد المرء بدا من صحبة الناس تحَرَّى صحبة مَنْ زانه إذا صحبه، ولم يشنه إذا عرف به، وإن رأى منه حسنة عَدَّها، وإن سكت عنه ابتدأه، وإن سأله أعطاه.\rفأما اليوم فأكثر أحوال الناس تكون ظواهرها بخلاف بواطنها. وما أشبه عشرتهم إلا بما أخبرني محمد بن يعقوب البغلاني، حدثني عبد الصمد ابن الفضل حدثنا الحسين بن سهل التياس عن أبي عبيدة قال )تكلم عصفور في بني إسرائيل مع فَخٍّ، فقال العصفور: انحناؤك لماذا؟ قال: من العبادة. قال: دفنك في التراب لماذا؟ قال: من التواضع. قال: فما هذا الشعر؟ قال هذا لباسي. قال: ما هذا الطعام؟ قال: هذا أعددته لعابر السبيل. قال: فتأذن لي فيه؟ قال: نعم. قال: فنقر العصفور نَقْرة فأُخِذ بعنقه، فجعل العصفور يقول: شَغْ شَغْ شَغْ. وقال: والله لا يغرني قارئ بعدك أبدا(.\rوأنشدني محمد بن أبي علي لابن أبي اللقيش:\rإن كنت تبغي العلم أو نحَوه ... أو شاهداً يخبر عن غائب\rفاعتبر الأرض بأسمائها ... واعتبر الصاحب بالصاحب\rوأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي:\rتَعاَرَفُ أرواحُ الرجال إذا التقوا ... فمنهم عدو يُتَّقيُ وخليل\rكذاك أمور الناس والناس منهمُ ... خفيف إذا صاحبته وثقيل\rوأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:\rأجعل قرينك مَنْ رضيت فعَاله ... وأحذر مقارنة القرين الشائن\rكم من قرين شائن لقرينه ... ومُهجنٍ منه لكل محاسن\rقال أبو حاتم رضى الله عنه: إن من الناس من إذا رآه المرء يعجب به، فإذا ازداد به علما أزاد به عجبا، ومنهم من يبغضه حين يراه، ثم لا يزداد به علما إلا ازداد مَقْتاً، فاتفاقهما يكون باتفاق الروحين قديماً. وافتراقهما يكون بافتراقهما، وإذا ائتلفا ثم افترقا فراق حياة من غير بُغض حادث، أو فراقَ ممات، فهنالك الموت الفظيع، والأسف الوجيع، ولا يكون موقف أطولَ غُمَّةً. وأظهر حسرةً وأدوم كآبةً، وأشد تأسفاً، وأكثر تلهفاً من موقف الفراق بين المتواخيين، وما ذاق ذائق طعماً أمرَّ من فراق الخِليَّن، وانصرام القرينين.\rحدثنا محمد بن يعقوب الخطيب قال: سمعت معمر بن سهل يقول: سمعت جعفر بن عون يقول: سمعت مِسعر بن كدام يقول:\rلن يلبث القرناءُ أن يتفرقوا ... ليل يَكِرُّ عليهمُ ونهار\rأنبأنا محمد بن المهاجر المعدل، حدثنا أبو أحمد بن حماد البربري، حدثنا الزبير بن بكار، حدثني محمد بن موسى أبو غزية قال: كان أبو العتاهية إذا قدم المدينة يجلس إلي، فأراد مرة الخروج فودعني، قال:\rإن نَعِشْ نجتمعْ، وإلا فما ... أشْغَلَ من مات عن جميع الأنام\rحدثنا محمد بن أبي علي، قال: أنشدنا ممد بن موسى السمري، أنشدنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني:\rفيا عجبا ممن يَمُدُّ يمينه ... إلى إلفه عند الفراق، فيسرع\rضعفتُ عن التوديع لما رأيته ... فصافحته بالقلب، والعينُ تدمع\rوأنشدني ابن فياض للبحتري:\rالله جارك في انطلاقكْ ... تلقاء شامك، أو عراقكْ","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"لا تعذلَنِّي في مس ... يري حيث سِرتُ، ولم ألاقِك\rإني خشيت مواقفا ... للبين تفسح غرب ماقك\rوعلمت ما يخشى المودّ ... ع عند ضَمِّك واعتناقك\rفتركت ذاك تعمداً ... وخرجت أهرب من فراقك\rوأنشدني منصور بن محمد الكريزي:\rأفي كل يوم حَيَّة البين تقرع ... وعيني لبين من ذوي الود تدمع؟\rفلا النفس مع تَهيامِها مستفيقة ... ولا بالذي يأتي به الدهر تقنع\rوأنشدني محمد بن بندار بن أصرم:\rأيا قلبُ لا تجزع من البين، وأصطبر ... فليس لما يُقْضَى عليك بدافع\rتوكل على الرحمن إن كنت مؤمناً ... يُجِرك، ودعني من نُحوس الطوالع\rوكل الذي قد قَدَّر الله واقع ... وماَ لم يُقدره فليس بواقع\rوأنشدني عبد الرحمن بن يحيى بن حبيب الأندلسي لنفسه:\rنطقت مدامعه بما في قلبه ... وعن الجواب لسانه لا ينطق\rفكأنه مما يقاسِي قلبه ... دَنِفٌ مريض أو أسير مُوثَق\rوكأنما الأشجان في أحشائه ... لفراق أهل الود نارٌ تحرق\rكيف السلو، وهل له من سلوة ... مَنْ بان أحبابه يَتَفرَّق؟\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: السبب المؤدي إلى إظهار الجزع عند فراق المتواخين: هو ترك الرضا بما يوجب القضاء، ثم ورود الشيء على مضمر الحشا بضد ما انطوى عليه قديماً، فمن وَطنّ نفسه في ابتداء المعاشرة على ورود ضد الجميل عليها من صحبته، وتأمل ورود المكروه منه على غفلته، لا يظهر الجزع عند الفراق، ولا يشكو الأسف والاحتراق، إلا بمقدار ما يوجب العلم إظهاره. ولقد أولع بجماعة الفراقُ حتى إنهم خرجوا إلى ثَلْب الطيور، ومدح الدِّمَنِ وتأولوا لعن نوح عليه السلام الغراب.\rأنبأنا جعفر بن أحمد بن سنان القطان، بواسط، حدثنا عمرو بن محمد بن عيسى الضبعي، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدثنا الجريري، عن أبي السَّليل عن أبي مراوح قال )بعث نوح الغراب والحمامة حيث استقرت السفينة على الجودِيِّ، يلتمسان له الجُدَّ - يعنى الأرض - فأما الغراب فرأى جيفة فوقع عليها فأكل منها، وأما الحمامة فجاءت عاضَّةً على غصن شجرة بطين أحمر، قال: فدعا للحمامة بالبركة، وأما الغراب فلعنه، وقال له قولا شديدا(.\rأنبأنا محمد بن جعفر بن الحسن البغدادي، حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين البغوي، قال: قال سليم بن منصور )أمرت لُبنَى فاشتُرى لها أربعة غربان، فلما رأتهن صرخت وبكت، وكتفتهن، وجعلت تضربهن بالسوط حتى قتلتهن جميعاً. وأنشأت تقول:\rلقد نادى الغراب ببين لُبنْيَ ... فطار القلب من حذر الغرابِ\rوقال: غداً تُباينُ دار لبنى ... وتنأى بعد ود واقتراب\rفقلت: تِعستَ، ويحك من غراب ... أكُلَّ الدهر سعيك في تَباب\rلقد أولعت لا لُقِّيت خيراً ... بتفريق المحب عن الحباب\rوأنشدني إبراهيم بن علي الطرفي، قال أنشدني علي بن إسحاق:\rغراب البين، ويحكَ صِحْ بقربٍ ... كما قد صحت ويحك بالبعاد\rتنادى بالتفرق كل يوم ... فما لك بالتواصل لا تنادي؟\rأراني الله ريشك عن قريب ... تُمرّطه البزُاة بكل وادي\rكما أسخَنْتَ يوم البَيْن عيني ... وألقيتَ الحزازة في فؤادي\rأنبأنا إبراهيم بن محمد بن يعقوب، بهمذان، حدثنا عبد الكبير بن محمد الإنسي، حدثنا بعض أصحابنا، قال: مررت بالبصرة على باب دار، فإذا بصوت غراب يُجْلَد، فدنوت من الدار فإذا صاحبة الدار، وبين يديها جَوَار، وهي تأمر بجلده. فقلت: أما تتقون الله في هذا الغراب؟ فقلن لي: هذا الغراب الذي قيل فيه:\rألا يا غراب البين قد طِرْتَ بالذي ... أحاذر من لُبْنيَ، فهل أنت واقع؟\rفقلت: ليس هذا ذاك الغراب: فقالت: والله ما نراك تأخذ البريء بالسقيم حتى تظفرَ بذلك الغراب.\rقال أبو حاتم رضى الله عنه: قد ذكرت ما شاكل هذه الحكايات والأشعار على التقصي في كتاب )الوداع والفراق( فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب؛ إذ شرطنا فيه الإشارة إلى الشيء المحصول، والإيماء إلى الشيء المقول.\rالحث على زيارة الإخوان وإكرامهم","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"أنبأنا الحسن بن سفيان، حدثنا يزيد بن صالح اليشكري، حدثنا حماد ابن سلمة، عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم )إن رجلا زار أخاً له في قرية، فرصد الله على مَدْرجته ملكا فقال: أين تريد؟ فقال: أريد أخاً لي في هذه القرية، فقال: هل له عليك من نعمة تَرُبُّها؟ قال: لا، إلا أني أحبه في الله، قال: إني رسول الله إليك، أن الله تبارك وتعلى أحَبَّك كما أحببته(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل تعاهد الزيارة للإخوان وتفقد أحوالهم؛ لأن الزائر في قصده الزيارة في الآجل بفعله ذلك. وقد قال بعض القدماء: إن الرجل إذا زار أخاً له في الله، لم يبق في السماء ملك إلا حياة بتحية مستأنفة لا يحييه ملم مثله ولم تبق شجرة من شجر الجنة إلا نادت صاحبتها: ألا إن فلان ابن فلان زار أخاً في الله.\rوالآخر: التلذذ بالمؤانسة بالأخ المزور، مع الانقلاب بغنيمتين معاً.\rولقد أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري، حدثنا الغلابي، حدثنا عبد الله بن رجاء الغداني قال: كان عتبة الغلام يأوي المقابر والصحاري، ثم يخرج إلى السواحل فيقيم بها، فإذا كان يوم الجمعة دخل البصرة فشهد الجمعة ورأى إخوانه فسلم عليهم.\rحدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثني بعض مشيختنا، قال: قال عامر بن قيس: إنما أجدني آسف على البصرة لأربع خصال: تجاوب مؤذنيها، وظماء الهواجر، ولأن بها إخواني ولأن بها وطني.\rأنبأنا محمد بن المهاجر المعدل، حدثنا محمد بن بشر الخطابي، حدثنا محمد بن سهل التميمي، قال: سمعت الفريابي يقول: جاءني وكيع بن الجراح من بيت المقدس وهو محرم بعمرة، فقال: يا أبا محمد لم يكن طريقي عليك، ولكني أحببت أن أزورك وأقيم عندك، فأقام عندي ليلة، وجاءني أبن المبارك وقد أحرم بعمرة من بيت المقدس فأقام عندي ثلاثا، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أقم عندي عشرة أيام، قال: لا، الضيافة ثلاثة أيام.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الناس في الزيارة على ضربين: فمنهم من صحح الحال بينه وبين أخيه، وتعرى عن وجود الخلل، وورود البغض فيه، فإذا كان بهذا النعت، أحببت له الإكثار من الزيارة، والإفراط في الاجتماع؛ لأن الإكثار من الزيارة بين من هذا نعْته لا يورث الملالة، والإفراط في الاجتماع بين من هذه صفته يزيد في المؤانسة.\rوالضرب الآخر: لم يستحكم الود بينه وبين من يواخيه، ولا أدّاهما الحالُ إلى ارتفاع الحشمة بينهما يبتذلان لمهنتيهما، فإذا كان بهذا النعت أحببت له الإقلال من الزيارة. لأن الإكثار منها بينهما يؤدي إلى الملالة، وكل مبذول مملول، وكل ممنوع ملذوذ. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار كثيرة تصرح بنفي الإكثار من الزيارة حيث يقول )زُرْ غبّاً تَزْدَدْ حُبّاً( إلا أنه لا يصح منها خبر من جهة النقل، فتنكبنا عن ذكرها وإخراجها في الكتاب، وإليها ذهب بعض الناس حتى ذكروها في أشعارهم.\rمن ذلك ما أنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:\rوقد قال النبي، وكانّ بَرّاً ... إذا زرت الحبيب فزره غِبّاً\rوأقلل زَوْر من تهواه تزدد ... إلى من زرته مِقَةً وحبا\rوأنشدني محمد بن أبي علي:\rإني رأيتك لي محبا ... وإلىّ حين أغيب صَبَّا\rفقعدت لا لملالة ... حَدَثَتْ ولا استحدثتُ ذنبا\rإلا لقبول نبينا: ... زوروا على الأيام غبَّا\rأنبأنا محمد بن المهاجر المعدل، حدثنا خالد بن أحمد الشيباني، حدثنا سعيد ابن عنبسة، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، قال: سمعت الحسن بن صالح يقول: كل مودة لا تزداد إلا بالالتقاء مدخولة.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: من صحح الحال بينه وبين الإخوان لم يضره قلة الاجتماع، لاستحكام الحال بينهما، والمودة إذ اضرَّ بها قلة الالتقاء تكون مدخولة، وأما من لم يحلَّ في نفس صحة الحال، ولم يستحكم أسباب الوداد؛ فالتوقَّي من الإكثار في الزيارة أولى به، لئلا يستثقل ويَمَل.\rوأنشدني الخلادي، أنشدني أحمد بن محمد الصيداوي:\rعليك بإقلال الزيارة إنها ... تكون إذا دامت إلى الهجر مَسْلكا\rفإني رأيت القَطْر يُسْأمَ دائبا ... وَيُسْأل بالأيدي إذا هو أمسكا\rوأنشدني الكريزي:","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"أقلل زيارتك الحبي ... ب تكون كالثوب استجدّه\rإن الصديق يُمِلُّهُ ... أن لا يزالَ يَراك عنده\rوأنشدني أوس بن أحمد بن محمد بن أحمد لأبي تمام:\rوطول مُقام المرء في الحي مخِلقٌ ... لديباجتيه، فاغترب تتجدّدِ\rفإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الخلق إذ ليست عليهم بسرمد\rأنبأنا الحسن بن سفيان، حدثنا بن زنجويه، حدثنا حسين بن الوليد، حدثنا عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مُليكة قال: قال ابن عباس )أكرم الناس عليُّ جليسي الذي يتخطى رقاب الناس حتى يجلس إليَّ(.\rأنبأنا مكحول ببيروت، حدثنا عبيد بن محمد بن هارون حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن بشير، عن قتادة في قوله تعالى )26:42 ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات( قال: يشفعون في إخوانهم )ويزيدهم من فضله( قال: يشفعون في إخوان إخوانهم.\rصفة الأحمق والجاهل\rأنبأنا محمد بن نصر بن نوفل، أنبأنا أبو داود السنجى، حدثنا أبو عاصم، عن شبيل بن عزرة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )مثل الجليس الصالح مثل العطار، إن لم يعطك شيئاً يُصِبْك من عطره، ومثل الجليس السوء مثل القَيْن، إن لم يَحْرِق ثوبك، أصابك من دخانه(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: شبيل بن عزرة هذا من أفاضل أهل البصرة وقرائهم، ولكنه لم يخفظ إسناد هذا الخبر: لأن أنس بن مالك سمع هذا الخبر من أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقصر به شبيل ولم يحفظه.\rوالواجب على العاقل ترك صحبة الأحمق، ومجانبة معاشرة النَّوْكَيَ، كما يجب عليه لزوم صحبة العاقل الأريب، وعشرة الفطن اللبيب، لأن العاقل وإن لم يصبك الحظ من عقله، أصابك من الاعتبار به، والأحمق إن لم يُعْدِك حمقه تدنست بعشرته.\rوقد أنبأنا الحسين بن محمد السنجي حدثنا إبراهيم بن أبي داود البرسلي حدثنا زهير بن عباد حدثنا شهاب بن خراش عن أبيه عن يسير بن عمرو - وكان قد أدرك الصحابة - قال: أهجر الأحمق، فليس للأحمق خير من هجرانه.\rأنبأنا محمد بن المهاجر حدثنا محمد بن أبي يعقوب الربعي حدثنا أحمد ابن إسحاق الخشاب عن الأصمعي عن سلمة بن بلال قال: كان فتى يعجب علىَّ ابن أبي طالب، فرآه يوماً وهو يماشي رجلا متَّهماً، فقال له:\rلا تصحب الجاه ... ل إياَّك وإياه\rفكم من جاهل أردى ... حليما حين آخاه\rيقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ما شاه\rوللشيء من الشيء ... مقاييس وأشباه\rوللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه\rوأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rاختر ذوي التمييز واستبقهم ... وجانب النَّوْكَي وأهْلَ الريب\rفصحبة العاقل زين الفتى ... وصحبة الأنوك أخذ السبب\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: من علامات الحمق التي يجب للعاقل نفقدها ممن خفي عليه أمره: سرعة الجواب، وترك التثبت، والإفراط في الضحك، وكثرة الالتفات، والوقيعة في الأخيار، والاختلاط بالأشرار.\rوالأحمق إذا أعرضت عنه اغتم، وإن أقبلت عليه اغترَّ، وإن حَلْمتَ عنه جهل عليك، وإن جهلت عليه حلم عنك، وإن أسأت إليه أحسن إليك، وإن أحسنت إليه أساء إليك، وإذا ظلمته انتصفت منه، ويظلمك إذا أنصفته.\rوما أشبه عشرة الحمقى إلا بما أنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:\rلي صديق يرى حقوقي عليه ... نافلات وحقه كان فرضا\rلو قطعت الجبال طولا إليه ... ثم من بعد طولها سِرت عَرْضا\rلرأي ما صنعت غير كبير ... واشتهى أن أزيد في الأرض أرضا\rحدثنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا إبراهيم بن الجنيد قال: قال لي أبو طاهر ابن السرح قال: حدثني خالي أبو رجاء عبد الرحمن بن عبد الحميد عن سعيد ابن أبي أيوب قال: لا تصاحب صاحب السوء، فإنه قطعة من النار، لا يستقيم وده ولا يفي بعهده.\rوأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:\rلن يسمعَ الأحمق من واعظ ... في رفعة الصوت وفي همه\rلن تبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه\rوالْحُمق داءٌ، ما له حيلة ... ترُجى، كبعد النجم في لمسه","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"قال أبو حاتم رضي الله عنه: أظلم الظلمات الحمق، كما أن أنفذ البصائر العقل، فإذا امتحن المرء بعشرة الأحمق كان الواجب عليه اللزوم لأخلاق نفسه، والمباينة لأخلاقه، مع الإكثار من الحمد لله على ما وهب له من الانتباه لما حرم غيره التوفيق له، فإن جرى الأحمق في صحبته ميدانه في عشرته فالواجب على العاقل لزوم السكوت حينئذ في أوقاته، لأن أبا حمزة محمد بن عمر بن يوسف أنبأنا بنسا حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا ابن داود قال: سمعت الأعمش يقول: السكوت للأحمق جواب.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: وإن من الحمقى مَنْ لا يَصدُّه عن سلوكه السكوت عنه، ولا يدفعه عن دخول المكامن الإغضاء عنه ولا ينفعه.\rفالعاقل إذا امتحن بعشرة من هذا نعته تكلف بعض التجاهل في الاحايين؛ لأن بعض الحلم إذعان، كما أن استعماله في بعض الحالات قطب العقل.\rولقد أنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:\rلئن كنتُ محتاجا إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج\rولي فرس للحلم بالحلم مُلجَم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج\rفمن شاء تقويمي فإني مقوِّم ... ومن شاء تعويجي فإني معوِّج\rوما كنت أرضى الجهل خذنا ولا أخا ... ولكنني أرضى به حين أحْرَجُ\rفإن قال بعض الناس: فيه سماجةٌ، ... فقد صدقوا، والذل بالحر أسمج\rوأنشدني علي بن محمد البسامي:\rلن تُرْضِىَ الرَّذْلَ إلا حين تسخطُه ... وليس يسخط إلا حين ترضيه\rولا يسوءك إلا حين تكرمه ... ولا يسرك إلا حين تقصيه\rحدثنا أبو يعلى حدثنا سريج بن يونس حدثنا أبو سفيان المعمري عن سفيان الثوري قال: ابن آدم لم يخلق إلا أحمق، ولولا ذلك لم ينفعه عيشه.\rحدثنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا عصام بن الفضل الرازي حدثنا الزبير بن بكار عن محمد بن حرب قال: قال عبد الله بن حسن لابنه: يا بنيَّ أحذر الجاهل، وإن كان لك ناصحاً، كما تحذر العاقل إذا كان لك عدواً؛ فيوشك الجاهل أن يورَّطك بمشورته في بعض اغترارك، فيسبق إليك مكر العاقل.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: ومن شيم الأحمق العجلة، والخفة، والعجز، والفجور، والجهل، والمقت، والوهن، والمهابة، والتعرض، والتحاسد، والظلم، والخيانة، والغفلة، والسهو، والغي، والفحش، والفجر، والخُيلاء، والعدوان، والبغضاء.\rوإن من أعظم أمارات الحمق في الأحمق لسانه؛ فإنه يكون قلبه في طرف لسانه، ما خطر على قلبه نطق به لسانه.\rوالأحمق يتكلم في ساعة بكلام يعجز عنه سَحبان وائل، ويتكلم في الساعة الأخرى بكلام لا يعجز عنه بأقل.\rوالعاقل يجب عليه مجانبة مَنْ هذا نعته، ومخالطة مَنْ هذه صفته، فإنهم يجترئون على من عاشرهم. ألا ترى الزُّطّ ليسواهم بأشجع الناس، ولكنهم يجترئون على الأسد لكثرة ما يرونها.\rوأنشدني محمد بن يوسف بن أيوب الأرمني:\rوَلَمنْ يعادي عاقلا خير له ... من أن يكون له صديق أحمقُ\rفارغب بنفسك أن تصادق أحمقا ... إن الصديق على الصديق مصدَّق\rوأنشدني منصور بن محمد الكريزي أنشدني أبي لصالح بن عبد القدوس:\rأحذر الأحمق أن تصحبه ... إنما الأحمق كالثوب الخلْق\rكلما رقَّعتَه من جانب ... حركته الريحُ وَهَناً فانخرق\rأو كصَدْع في زُجاج فاحش ... هل ترى صدع زجاج يلتصق؟\rكحمار السوء إن أقضمته ... رَمَح الناس، وإن جاع نهق\rوإذا جالسته في مجلس ... أفسد المجلس منه بالخُرُق\rوإذا نهنهتَه كي يَرْعَوِي ... زاد شراً، وتمادى في الحُمُق\rعجباً للناس في أرزاقهم ... ذاك عطشان، وهذا غَرِق\rأنبأنا يعقوب بن إسحاق القاضي، حدثنا أبو هاني عبد الحميد بن عبد الله حدثنا عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبه قال: الأحمق كالثوب الخلق، إن رفاته من جانب انخرق من جانب آخر، مثل الفَخَّار المكسور، لا يُرَقَّع ولا يُشْعَب، ولا يعاد طينا.\rفهذا مثل الأحمق: إن صحبته عنَّاك، وإن اعتزلته شتمك، وإن أعطاك منّ عليك، وإن أعطيته كَفَرك، وإن أسَر إليك أتّهمك، وإن أسررت إليه خانك، وإن كان فوقك حَقّرك، وإن كان دونك غمزك.\rوأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rأعلم بأنَّ من الرجال بهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصرِ","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"فطناً بكل مصيبة في ماله ... وإذا يصاب بدينه لم يشعر\rوأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي:\rوإن عناءً أن تفهِّم جاهلا ... فيحسبَ جهلا أنه منك أعلمُ\rوتشخص أبصار الرّعاع تعجباً ... إليه، وقالوا: إنه منك أفهم\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الأحمق يتوهم أنه أعقل من رُكِّبَ فيه الروح، وأن الحمق قُسّم على العالم غيره، والأحمق مُبَغَّض في الناس، مجهول في الدنيا، غير مرضى العمل، ولا محمود الأمر عند الله وعند الصالحين، كما أن العاقل محب إلى الناس، مُسَوَّد في الدنيا، مرضى عند الله والآخرة، وعند الصالحين في الدنيا.\rأنبأنا محمد بن المنذر بن سعيد، حدثنا خطاب بن عبد الرحمن الجندي، حدثنا عبد الله بن سليمان، قال: كان الحسن يقول: أنا للعاقل المدْبِر أرجى مني للأحمق المقبل.\rوأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:\rوما الغيُّ إلا أن تُصاحبَ غاوياً ... وما الرشد إلا أن تصاحب مَنْ رَشَدْ\rولن يصحَب الإنسانَ إلا نظيُره ... وإن لم يكونا من قبيل ولا بلد\rوأنشدني علي بن محمد البسامي:\rلنا جليس تارك للأب ... جليسة من نَوْكه في تعبْ\rيغضب جهلا عند حال الرضا ... عمداً، ويرضىَ عند حال الغضب\rفنحن منه كلما جاءنا ... في عجب قد جاز حدَّ العجب\rكأنه من سوء تأديبه ... أُسْلِمَ في كتَّاب سوء الأدب\rأنبأنا محمد بن المهاجر المعدل، حدثنا محمد بن أبي يعقوب الربعي، حدثنا عبد الله بن موسى البصري، حدثنا العتبي، قال: سمعت أعرابياً يقول: العاقل بخشونة العيش مع العقلاء أسر منه بلين العيش مع السفهاء.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: وإنّ من شِيمَ العاقل: الحلم، والصمت، والوقار، والسكينة والوفاء والبذل، والحكمة، والعلم، والورع والعدل، والقوة، والحزم، والكياسة، والتمييز، والسمت، والتواضع، والعفو، والإغضاء، والتعفف، والإحسان، فإذا وفق المرء لصحبة العاقل فليشُدَّ يديه به ولا يزايله على الأحوال كلها.\rوالواجب على العاقل أن لا يصحب بحيلة من لا يستفيد منه خيراً.\rولقد أنبانا محمد بن محمود بن عدي النسوي، حدثنا علي بن سعيد بن جرير، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أخبرت عن مالك بن دينار أنه قال: مررت براهب في صومعته فناديته، فأشرف عليّ، فكلمني وكلمته، فقال لي فيما يقول: إذا استطعت أن تجعل فيما بينك وبين الدنيا حائطا فافعل، وإياك وكلَّ جليس لا تستفيد منه خيراً فلا تجالسه، قريباً كان أو بعيداً.\rالزَّجْر عن التجسس وسوء الظن\rحدثنا محمد بن أحمد الرقام بتستر، حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى، حدثنا أبو داود، حدثنا سليمان بن حيان عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا(.\rحدثنا محمد بن عثمان العقبي، حدثنا جعفر بن محمد بن الحجاج الرقي، حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي، حدثنا محمد بن المبارك، عن يونس بن نافع، عن كثير بن زياد، قال: سمعت الحسن يقول: لا تسأل عن عمل أخيك الحسن والسيئ، فإنه من التجسس.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس، مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه؛ فإن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه، ولم يتعب قلبه، فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه، وإن من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمى قلبه وتعب بدنه، وتعذر عليه ترك عيوب نفسه، وإن من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم واعجز منه من عابهم بما فيه من عاب الناس عابوه، ولقد أحسن الذي يقول:\rإذا أنت عبت الناس عابوا وأكثروا ... عليم، وأبدَوا منك ما كان يُستَرُ\rوقد قال في بعض الأقاويل قائل ... له منطق فيه كلام مُحَبَّرُ\rإذا ما ذكرت الناس فاترك عيوبهم ... فلا عيب إلا دون ما منك يُذكر\rفإن عبت قوما بالذي ليس فيهم ... فذلك عند الله والناس أكبر\rوإن عبت قوما بالذي فيك مثلُه ... فكيف يعيب العُورَ من هو أعور؟\rوكيف يعيب الناس من عَيْبُ نفسه ... أشدُّ إذا عَدَّ العيوب وأنكر؟","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"متى تلتمس للناس عيبا تجد لهم ... عيوبا، ولكنَّ الذي فيك أكثر\rفسالمهمُ بالكفِّ عنهم، فإنهم ... بعيبك من عينيك أهدى وأبصر\rحدثنا محمد بن سعيد القزاز، حدثنا هارون بن صدقة القاضي، حدثنا سعيد ابن مسلمة الإياديُّ، قال: ادعت امرأة على رجل حمارا لها، فقدمته إلى القاضي، فسألها البينة، فأحضرت أبا دلامة ورجلا آخر، فقال لها القاضي: أما شاهدك هذا فقد قبلنا شهادته، فأتِناَ بشاهد آخر، فأتت أبا دلامة فأخبرته، فصار إلى القاضي وأنشأ يقول:\rإن الناس غَطَّوني تغطيتُ عنَهمُ ... وإن بحثوا عني ففيهم مباحث\rوإن حفروا بئري حفرت بئارهم ... ليعلم يوما كيف تلك النبائث؟\rفقال القاضي للمرأة: كم ثمن حمارك؟ قالت: ثلاثمائة، قال: قد احتملناها لك من مالي وأنشدني الكريزي:\rأرى كل إنسان يرى عيب غيره ... ويعمَى عن العيب الذي هو فيه\rوما خير مَنْ تخفى عليه عيوبه ... ويبدو له العيب الذي لأخيه\rحدثنا محمد بن المنذر، حدثنا الليث بن عبدة المصري، حدثنا الحسن بن واقع، حدثنا ضمرة عن الشيباني، قال: في الكتب مكتوب: كما تدين تدان، وبالكأس الذي تسقى به تشرب، وزيادة: لأن البادئ لا بد له من أن يزاد.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: التجسس من شُعب النفاق، كما أن حسن الظن من شعب الإيمان، والعاقل يحسن الظن بإخوانه، وينفرد بغمومه وأحزانه، كما أن الجاهل يسئ الظن بإخوانه، ولا يفكر في جناياته وأشجانه.\rولقد أحسن الذي يقول:\rما يستريحُ المسيء ظنا ... من طول غم، وما يُرِيِحُ\rوقلَّ وجه يضيق إلا ... ودونه مذهب فَسيحُ\rمَنْ خَفَّفَ الله عنه هبت ... من كل وجه إليه ريح\rوالجسم حيث استقر هادٍ ... والروح جَوَّالة تسيح\rكم تذبح الأرض من بنيها ... كلُّ بنيها لها ذبيح\rلن يهلك المرءُ من سماح ... وقلَّما يُفلح الشَّحيح\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: سوء الظن على ضربين: أحمدهما: منهي عنه بحكم النبي صلى الله عليه وسلم.\rوالضرب الآخر: مستحب.\rفأما الذي نهى فهو استعمال سوء الظن بالمسلمين كافة على ما تقدم ذكرنا له.\rوأما الذي يستحب من سوء الظن فهو كمن بينه وبينه عداوة أو شحناء في دين أو دنيا، يخاف على نفسه مَكْره، فحينئذ يلزمه سوء الظن بمكائده ومكره لئلا يصادفه على غرِةَّ بمكره فيهلكه.\rوفي ذلك أنشدني الأبرش:\rوحسن الظن يحسنُ في أمور ... ويمكن في عواقبه ندامْه\rوسوء الظن يسمُج في وجوه ... وفيه من سماجته حزامْه\rوأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:\rما ينبغي لأخي وُدّ وتجربة ... أن يترك الدهرَ سوءَ الظن بالناس\rحتى يكون قريباً في تباعده ... عنَّا، ويدفع ضُرَّ الحرص باليأس\rحدثنا محمد بن المنذر، حدثنا إبراهيم بن هانئ، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا.\rأنبأنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن عمر بن سعد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: مكتوب في التوراة )من تَجَر فَجَر، ومن حفر حفرة سوء لصاحبه وقع فيها(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل مباينة العام في الأخلاق والأفعال، بلزوم ترك التجسس عن عيوب الناس؛ لأن من بحث عن مكنون غيره بحث عن مكنون نفسه، وربما طَمَّ مكنونه على ما بحث من مكنون غيره، وكيف يَستحسنُ مُسلم ثَلْبَ مسلم بالشيء الذي هو فيه؟.\rوأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:\rلا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا ... فيِهِتكَ الناس ستراً من مساويكا\rوأذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تِعبْ أحداً عيباً بما فيكا\rوأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:\rإذا ما اتقيت المر من حيثُ يُتقَي ... وأبصرت ما تأتي، فأنت لبيبُ\rولاتك كالناهي عن الذنب غيرَهُ ... وفي كَفِّه مما يُذَمُّ نصيبُ\rيعيب فعالَ السوء من فعلِ غيرِهِ ... ويفعل أفعالَ الدين يعيبُ","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"حدثنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا محمد بن موسى السمري حدثنا حماد بن إسحاق بن إبراهيم عن أبيه، قال: وحدثني عزيز عن الزبير بن موسى المخزومي قال: قالت ابنة عبد الله بن مطيع الأسود، وهي زوجة طلحة بن عبد الله بن عوف لزوجها: ما رأيت أحدا قَطْ ألأمَ من أصحابك، قال: مه، لا تقولي ذاك فيهم، وما رأيت من لؤمهم؟ قالت: أمراً والله بَيّناً، قال: وما هو؟ قالت: إذا أيسرت لزموك، وإذا أعسرت جانبوك، قال: ما زدتِ على أن وصفتهم بمكارم الأخلاق، قالت: وما هذا من مكارم الأخلاق؟ قال: يأتوننا في حال القوّة منا عليهم، ويفارقوننا في حال الضعف منا عليهم.\rالحث على مجانبة الحرص للعاقل\rحدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة - رحمة الله - حدثنا بشر بن معاذ العقَدِ حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم )يَهرْم ابن آدم وتشب منه اثنتان: الحرص، والحسد( قال أبو حاتم رضي الله عنه: ركّب الله جل وعز في البشر الحرص والرغبة في الدنيا الفانية، لئلا تخرب، إذ هي دار الأبرار، ومكسب الأتقياء، وموضع زاد المؤمنين، واستجلاب الميرة للصالحين، ولو تعرّى الناس عن الحرص فيها بطلت وخربت، فلم يجد المرء ما يستعين به على أداء فرائض الله، فضلا عن اكتساب ما يجْدِي عليه النفع في الآخرة نفلا، والإفراط في الحرص مذموم، كما أنشدني على بن محمد البسامي:\rليس عندي إلا الرضا بقضاء الل ... ه فيما أحببته أو كرهته\rلوْ إليّ الأمور، أختار منها ... خيرها لي عواقبا ما عرفته\rولو أني حرصت جهدي أن أد ... فع أمراً مقدراً ما دفعته\rفأرى أن أردّ إلى مَن ... عنده علمُ كلِّ ما قد جهلته\rوأنشدني محمد بن نصر المديني:\rيا كثير الحرص مشغو ... لا بدنيا ليس تبقى\rما رأيت الحرص أدنى ... من حريص قَطُّ رزقا\rلا، ولكن في قضاء الل ... ه: أن يعيا ويشقى\rتعرف الحق، ولكن ... لا ترى للحق حقا\rأنبأنا أحمد بن محمد بن سعيد القيسي، حدثنا محمد بن الوليد بن أبان، حدثنا نعيم بن حماد عن ابن المبارك قال: سخاء الناس عما في أيدي الناس. أكثر من سخاء البذل، ومروءة القناعة أكثر من مروءة الإعطاء.\rأنشدنا أبو يعلى قال: أنشدونا منذ دهر للشافعي:\rقدرُ الله واقعٌ ... حيث يُقضَى ورودُه\rقد مضى فيك حكمه ... وانقضى ما يرُيده\rوأخو الحرص حرصه ... ليس مما يزيده\rفأرِدْ ما يكون إذ ... لمْ يكن ما تريده\rأنبأنا عبد الله بن عروة حدثنا يعقوب الدورقي حدثنا ابن علية عن أيوب عن ابن سيرين قال: إذا لم يكن ما تريد فأرِدْ ما يكون.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: أغنى الأغنياء من لم يكن للحرص أسيراً، وأفقر الفقراء من كان الحرص عليه أميرا؛ لأن الحرص سبب لإضاعة الموجود عن مواضعه، والحرص محرمة، كما أن الجبن مقتلة، ولو لم يكن في الحرص خصلة تذم إلا طول المناقشة بالحساب في القيامة على ما جمع لكان الواجب على العاقل ترك الإفراط في الحرص.\rوقد كان بعض أصحابنا كثيراً ما ينشد:\rتجانب الحرصَ، ودع عنك الحسد ... ففيهما الذُّلُّ واتعابُ الجسد\rوأنشدني الكريزي:\rوأرَّقني طولُ التفكر إنني ... عجبت لدهرٍ ما تُقَضَّى عجائبه\rفكم عاجز يدعي جليداً لغَشْمه ... ولو كلف التقوى لكلَّت مضاربه\rوعفٍّ يسمى عاجزاً لعفافه ... ولولا التُّقَى ما أعجزته مذاهبه\rفليس بحرص المرء أدركه الغنى ... ولا باحتيال أدرك المالَ كاسبهُ\rولكنه قبضُ الإله وبسطُهُ ... فلا ذا يجاريه ولا ذا يغالبه\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الحرص غير زائد في الرزق، وأهون ما يعاقب الحريص بحرصه أن يمنع الاستمتاع بما عنده من محصوله، فيتعب في طلب ما لا يدري أيلحقه أم يحول الموت بينه وبينه؟ ولو لزوم الحريص ترك الإفراط فيه واتكل على خالق السماء لأتحفه المولى جل وعز بادراك ما لا يسعى فيه، والظفر بما لو سعى فيه وهو حريص عسى لتعذر عليه وجوده.\rوأنشدني علي بن محمد البسامي:\rألا رُبَّ باغ حاجةً لا ينالُها ... وآخر قد تُقْضَى له وهو آيس\rيحاولها هذا، وتقضي لغيره ... وتأتي الذي تقضى له وهو جالس","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rوكم من أكلة منعت أخاها ... بلذَّة ساعة أكلاتِ دهر\rوكم من طالب يسعى لشيءٍ ... وفيه هلاكُه لو كان يدري\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الحرص علامة الفقر، كما أن البخل جلباب المسكنة، والبخل لِقاحُ الحِرص، كما أن الحمَّية لقاح الجهل، والمنع أخو الحرص، كما أن الأنفة توأم السفه، وأنشدني عمر بن محمد قال: أنشدني الغلابي:\rلا تأتينَّ نذالة لمنالة ... فليأتينك رزقك المقدور\rوأعلم بأنك آخذٌ كل الذي ... لك في الكتاب مُحَبَّر مسطور\rوالله ما زاد امرءاً في رزقه ... حرضٌ، ولا أزْرَى به التقصير\rوأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:\rوأرضَ من العيش في الدنيا بأيسره ... ولا ترومنّ ما إن رُمتَهُ صَعُبا\rإنَّ الغنى هو الراضي بعيشته ... لا مَن يظل على ما فات مكتئبا\rأنبانا محمد بن سعيد القزاز حدثنا عبد الله بن يحيى بن حميد الطويل حدثنا أبو عبد الرحمن العتبي حدثني أبي قال: اختصمت بنو إسرائيل في القَدَر، خمسمائة عام، ثم تحاكموا إلى عالم من علمائهم، فقالوا له: أخبرنا عن القَدَر، وقَصِّر وبين لتفهمه عنك العوام، فقال: حرمان عاقل، وحظ جاهل.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: لاحظَّ في الراحة أن أطاع الحرص، إذ حرص سائق البلايا، فالواجب على العاقل أن لا يكون بالمفرط في الحرص في الدنيا؛ فيكون مذموماً في الدارين، بل يكون قصده لإقامة فرائض الله، ويكون لبغيته نهاية يرجع إليها؛ لأن من لم يكن لقصده )منها( نهاية آذى نفسه وأتعب بدنه. فمن كان بهذا النعت فهو من الحرص الذي يحمد.\rوأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:\rالحرص عونٌ للزمان على الفتى ... والصبر نعم القرنُ للأزمان\rلا تخضعَنَّ فإن دهرك إن رأى ... منك الخضوع أمَدَّهُ بهوان\rوإذا رآك وقد قصدت لصرفه ... بالصبر، لاقى الصبر بالإذعان\rوأنشدني منصور بن محمد الكريزي، حدثني شعيب بن أحمد لأبي العتاهية:\rلا تخضعنَّ لمخلوق على طمع ... فإن ذاك مُضِرٌّ منك بالدين\rوأنشدني الكريزي أيضاً، أنشدني شعيب بن احمد لأبي العتاهية:\rقد شاب رأسي، ورأسُ الحرص لم يَشِبِ ... إن الحريص على الدنيا لفي تعب\rما لي أراني إذا حاولتُ منزلةً ... فنلتها طمحت نفسي إلى رتب\rلو كان ينفعني علمي وتجربتي ... لم أشف غيظي من الدنيا ولا كلبي\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: قد ذكرت ما يشاكل هذه الحكايات بعللها في كتاب )الثقة بالله( بما أرجو أن يكون فيه غُنْية لم أراد الوقوف على معرفتها، فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب.\rالزَّجْر عن التحاسد والبغضاء\rأنبأنا محمد بن الحسين بن مكرم البزاز بالبصرة، حدثنا عمرو بن علي الفلاس، حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج، حدثني عطاء أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل مجانبة الحسد على الأحوال كلها: فإن أهون خصال الحسد هو ترك الرضا بالقضاء، وإرادة ضد ما حكم الله جل وعلا لعباده، ثم انطواءُ الضمير على إرادة زوال النعم عن المسلم، والحاسد لا تهدأ روحه ولا يستريح بدنه إلا عند رؤية زوال النعمة عن أخيه، وهيهات أن يساعد القضاء ما للحساد في الأحشاء.\rوأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي:\rأعذر حسودَك فيما قد خصصت به ... إن العلي حسن في مثله الحسد\rإن يحسدوني فأني لا ألومهم ... قبلي من الناس أهلُ الفضل قد حسدوا\rفدام لي ولهم ما بي وما بهمُ ... ومات أكثرنا غيظاً بما يجد\rأنا الذي وجدني في صدورهم ... لا أرتقي صَدْراً منهم ولا أرِد\rأنبأنا أبو خليفة، حدثنا ابن كثير، أنبانا سفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: رأى موسى رجلا عند العرش فغبطه بمكانه، فسأله عنه، فقال: ألا أخبرك بعمله؟ كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يعقُّ والديه، قال: وكيف يعق والديه؟ قال: يستثب لهما حتى يُسَباَّ، ولا يمشي بالنميمة.\rأنشدني ابن بلال الأنصاري:","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"عينُ الحسود عليك الدهْرَ حارسةٌ ... تبدى مساويك والإحسان يخفيها\rفأحذر حراستها، وأحذر تكشفَها ... وكن على قَدرِ ما توليك توليها\rأنبأنا عبد الرحمن بن زياد الكناني، بالأبلة، حدثنا أبو يحيى الضرير، حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة عن كعب بن علقمة قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه )ما من أحد عنده نعمة إلا وجدتَ له حاسداً، ولو كان المرء أقوم من القدَح لوجدت له غامزاً، وما ضرَّت كلمة لم يكن لها خواطب( وأنشدني علي بن محمد البسامي:\rحسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقومُ أنداد له وخصومُ\rكضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغياً: إنه لدميم\rوترى اللبيب مُحَسَّداً لم يَجْتَلِب ... شتم الرجال، وعِرْضُه مشتومُ\rأخبرنا محمد بن سعيد القزاز، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن حرب، حدثنا غسان بن المفضل، أخبرني محمد بن يزيد عن يونس بن عبيد، قال: قال ابن سيرين: ما حسدت أحداً على شيء من الدنيا؛ لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على شيء من الدنيا وهو يصير إلى الجنة؟ وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على شيءَ من الدنيا وهو يصير إلى النار؟ قال أبو حاتم رضي الله عنه: الحسد من أخلاق اللئام، وتركه من أفعال الكرام، ولكل حريق مطفئ، ونار الحسد لا تطفأ.\rومن الحسد يتولد الحِقْد، والحقد أصل الشر، ومَنْ أضمر الشر في قلبه، انبتَ نباتا مُرّاً مذاقه، نماؤه الغيظ، وثمرته الندم.\rوالحسد هو اسم يقع على إرادة زوال النعم عن غيره، وحلولها فيه. فأما من رأي الخير في أخيه، وتمني التوفيق لمثله، أو الظفر بحاله، وهو غير مريد لزوال ما فيه أخوه؛ فليس هذا بالحسد الذي ذُمَّ ونُهى عنه.\rولا يكاد يوجد الحسد إلا لمن عظمت نعمة الله عليه، فكلما أتحفه الله بترداد النعم، أزداد الحاسدون له بالمكروه والنقم.\rوقد كان داود بن علي - رحمه الله عليه - ينشد كثيراً:\rإني نشأت وحُسَّادي ذوو عدد ... يا ذا المعارج، لا تَنْقُصْ لهم عددا\rإن يحسدوني على ما كان من حسن ... فمثلُ خُلْقِيَ فيهم جَرَّ لي حسدا\rحدثنا عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي، حدثنا مهدي بن سابق، أخبرنا عباد بن عباد المهلبي قال: قال أبو جعفر المنصور لسفيان بن معاوية: ما أسرع الناس إلى قدمتك المدينة! فقال: يا أمير المؤمنين:\rإن العرانين تلقاها مُحَسَّدة ... ولن ترى للئام الناس حساد\rوأنشدني الكريزي، أنشدني محمد بن الحسين العَمِّي:\rحسدوا النعمة لما ظهرت ... فرموها بأباطيل الكلم\rوإذا ما الله أبدى نعمة ... لمَ يضِرْها قولُ حساد النعم\rسمعت أحمد بن محمد بن الأزهر قول: سمعت أحمد بن سعيد الدار يقول: سمعت أبا إسحاق الطالقاني يقول: كنا نتعلم في الكتاب - كما نتعلم أبو جاد - جهل نيسابوري، وبخل مروزي، وحسد هروي، وطَرَم بلخي.\rأنبأنا محمد بن عثمان العقبي: حدثنا عمران بن موسى بن أيوب، حدثني أبي عن مخلد بن الحسين، عن هشام، عن ابن سيرين قال: ما حسدت أحداً على دين ولا دنيا.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يوجد من الحسود أمان أحْرَزُ من البعد منه؛ لأنه ما دام مشرفا على ما خصصت به دونه لم يزده ذلك إلا وحشة وسوء ظن بالله، ونماء للحسد فيه.\rفالعاقل يكون على إماتة الحسد بما قَدَر عليه أحرص منه على تربيته ولا يجد لإماتته دواء أنفع من البعاد، فأن الحاسد ليس يحسدك على عيب فيك، ولا على خيانة ظهرت منك، ولكن يحسدك بما ركب فيه من ضد الرضا بالقضاء كما قال العتبي:\rأفكر ما ذنبي إليك فلا أرى ... لنفسيَ جرماً، غير أنك حاسدُ\rوأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rليس للحاسد إلا ما حَسدْ ... وله البغضاءُ من كل أحد\rوأرى الوحدة خيراً للفتى ... من جليس السوء فانهض إن قعدْ\rوأنشدني محمد بن نصر المديني لحبيب بن أوس:\rوإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسانَ حسود\rلولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيبُ عَرْفِ العود\rلولا التخوف للعواقب لم تزل ... للحاسد النُّعْمَي على المحسود","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"أنبأنا محمد بن المنذر، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا حماد عن حميد قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، هل يحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك بني يعقوب؟ لا أبا لك! حيث حسدوا يوسف، ولكن غُمَّ الحسد في صدرك، فأنه لا يضرك، ما لم يعدُ لسانك وتعمل به يدك.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل إذا خطر بباله ضربٌ من الحسد لأخيه أبلغ المجهود في كتمانه، وترك إبداء ما خطر بباله.\rوأكثر ما يوجد الحسد بين الأقران، أو من تقارب الشكل، لأن الكتبة لا يحسدها إلا الكتبة، كما أن الحجبة لا يحسدها إلا الحجبة، ولن يبلغ المرء مرتبة من مراتب هذه الدنيا إلا وجد فيها مَنْ يبغضه عليها، أو يحسده فيها، والحاسد خصم معاند لا يجب للعاقل أن يجعله حكما عند نائبة تحدث، فإنه إن حكم لم يحكم إلا عليه، وإن قصد لم يقصد إلا له، وإن حرم لم يحرم إلا حَظَّه، وإن أعطى أعطى غيره، وإن قعد لم يقصد إلا عنه، وإن نهض لم ينهض إلا إليه، وليس للمحسود عنده ذنب إلا النعم التي عنده.\rفليحذر المرء ما وصفت من أشكاله وأقرانه وجيرانه وبنى أعمامه.\rوقد أنبأنا عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي، حدثنا العباس بن بكار قال: قال رجل لشبيب بن شَبَّة: إني لأحبك، قال: صدقت، قال: وما علمك؟ قال: لأنك لست بحار ولا ابن عم.\rوأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي.\rأنت أمرؤ قصَّرت عنه مروءته ... إلا من الغِش للإخوان والحسد\rأأنْ تراني خيراً منك تحسدني؟ ... إن الفضيلةَ لا تخلو من الحسد\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: بئس الشعار للمرء الحسد، لأنه يورث الكمد، ويورث الحزن، وهو داء لا شفاء له.\rوالحاسد إذا رأى بأخيه نعمة بُهت، وإن رأى به عثرة شمت، ودليل ما في قلبه كمين على وجه مبين، وما رأيت حاسداً سَاَلَم أحدا.\rوالحسد داعية إلى النكد، ألا ترى إبليس؟ حسد آدم فكان حسده نكدا على نفسه، فصار لعيناً بعد ما كان مكيناً، ويسهل على المرء ترضِّي كل ساخط في الدنيا حتى يرضى، إلا الحسود؛ فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة التي حَسَدَ من أجلها.\rولقد حدثني محمد بن عثمان العقدي حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا ابن عائشة قال: قال بعض الحكماء: ألزمُ الناس للكآبة أربعةٌ: رجل حديد، ورجل حسود، وخليط للأدباء وهو غير أديب، وحكيم محتقر للأقوام، وابعد الناس من الدخول في دين الحق والنصيحة لأهله: جاهل ورث الضلالة عن أهله، ورأس أهل ملته حظي فيهم بفضل الضلالة، ومعظِّم للدنيا يرى بهجتها دائمة محبوبة، ويرى ما رجي من خيرها قريباً، وما صرف من شرها بعيداً، ليس يعقد قلبه على الإيمان، ورجل خالط النسَّاك فانصرف عنهم لحرصه وشَرَهه، ودامجهم على مكر وخديعة.\rالحث على مجانبة الغضب\rوكراهية العجلة\rأنبأنا عمر بن حفص البراز بجند يسابور، حدثنا محمد بن زياد الزيادي، حدثنا الفضيل بن عياض عن سليمان عن أبي صالح عن أبي هريرة أن جابراً قال )جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: علمني شيئاً يا رسول الله أدخل به الجنة، ولا تُكِثْر عليَّ، لعلي أعقِلُ، قال: لا تغضب( قال أبو حاتم رضي الله عنه: أحسن الناس عقلا مَن لم يَحْرَد، وأحضر الناس جواباً من لم يغضب.\rوسرعة الغضب: أنكى في العاقل من النار في يَبَس الَعْوسَج؛ لأن من غضب زايله عقله، فقال: ما سوَّلت له نفسه، وعمل ما شأنه وأرداهُ.\rولقد أنبأنا محمد بن عثمان العقدي، حدثنا إسحاق بن زكرياء البناني حدثنا عبد الصمد بن حسان، حدثني وهيب قال: مكتوب في الإنجيل: ابن آدم، اذكرني حين تغضب، أذكرك حين أغضب، فلا أمحقك فيمن أمحق؛ وإذا ظُلْمت فلا تنتصر، فإن نُصرتي لك خير من نصرتك لنفسك.\rوأنشدني الكريزي:\rولم أر فضلا تَمَّ إلا بشيمة ... ولم أر عقلا صحَّ إلا على الأدب\rولم أر في الأعداء حين اختبرتهم ... عدواً لعقل المرء أعدى من الغضب\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: سرعة الغضب من شيم الحمقى، كما أن مجانبته من زي العقلاء.\rوالغضب بذر الندم، فالمرء على تركه قبل أن يغضب أقْدَرُ على إصلاح ما أفسد به بعد الغضب.\rولقد أنبأنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثتنا حاتم بن الليث الجوهري، حدثنا بكار بن محمد قال: كان ابن عون لا يغضب، فإذا أغضبه إنسان قال: بارك الله فيك!.","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"وأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي:\rلم يأكل الناسُ شيئاً من مآكلهم ... أحلى وأحمدَ عقباهُ من الغضبِ\rولا تلحّف إنسان بملحفة ... أبهى وأزينَ من دين ومن أدب\rأنبأنا كامل بن مكروم، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ضمرة عن أبي سعيد قال: كان عون بن عبد الله بن عتبة إذا غضب على غلامه قال: ما أشبهك بمولاك! أنت تعصيني وأنا أعصي الله، فإذا أشتد غضبه قال: أنت حر لوجه الله.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل إذا ورد عليه شيء بضد ما تهواه نفسه أن يذكر كثرة عصيانه ربّه، وتواتر حلم الله عنه ثم يسكن غضبه ولا يُزْري بفعله الخروج إلى ما لا يليق بالعقلاء في أحوالهم، مع تأمل وفور الثواب في العقبى بالاحتمال ونفي الغضب.\rوأنشدني الأنصاري:\rوكظميَ الغيظَ أولى من مُحَاولتي ... غيظَ العدوّ بإضراري بإيماني\rلا خيرَ في الأمر تُرديني مغبته ... يوم الحساب إذا ما نصَّ ميزاني\rأنبأنا محمد بن المنذر، حدثنا عمر بن علي بن زياد العنبري قال: سمعت سالم ابن ميمون الخواص يقول:\rإذا نطق السفيه فلا تُجِبهْ ... فخير من إجابته السكوتُ\rسكتُّ عن السفيه فظنَّ أني ... عييت عن الجواب، وما عييتُ\rشرارُ الناس لو كانوا جميعاً ... قذَى في جوف عيني ما قَذِيتُ\rفلست مجاوباً أبداً سفيهاً ... خزيت لمن يجافيه خزيتُ\rوأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rتأنَّ في أمرك، وأفهمْ عني ... فليس شيء يعدلُ التأني\rتأنّ فيه، ثم قل، فإني ... أرجو لك الإرشاد بالتأني\rأخبرني محمد بن أبي علي الخلادي، حدثنا عبد الله بن جعفر الزبيري عن سعيد بن إبراهيم بن محمد بن طلحة، قال أنشدني يونس بن إبراهيم بن محمد ابن طلحة لمحمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله:\rفلا تعجلْ على أحد بظلم ... فإن الظلم مرتعُةُ وخيمُ\rولا تفحش، وإن مُلّيت غيظا ... على أحد، فإن الفحش لوُم\rولا تقطع أخاً لك عند ذنب ... وإن الذنب يغفره الكريم\rولكن داري عوراهُ برفق ... كما قد يُرْقَعُ الخَلقَ القديم\rولا تجزع لريب الدهر واصبر ... فإن الصبر في العقبى سليم\rفما جَزَعٌ بمُغْنٍ شيئاً ... ولا ما فات تَرْجِِعهُ الهموم\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: لو لم يكن في الغضب خصلة تذم إلا إجماع الحكماء قاطبة على أن الغضبان لا رأي له، لكان الواجب عليه الاحتيال لمفارقته بكل سبب.\rوالغضبان لا يعذره أحد في طلاق ولا عتاق. ومن الفقهاء من عَذَرَ السكران في الطلاق والعتاق، والخلق مجبولون على الغضب والحلم معاً، فمن غضب وحلم في نفس الغضب؛ فإن ذلك ليس بمذموم، ما لم يخرجه غضبه إلى المكروه من القول والفعل، على أن مفارقته في الأحول لكلها أحمد.\rولقد أنبأنا عمر بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا مهدي بن سابق عن عطاء قال: قال عبد الملك بن مروان: إذا لم يغضب الرجل لم يحلم؛ لأن الحليم لا يعرف إلا عند الغضب.\rالزجر عن الطمع إلى الناس\rأنبأنا محمد بن احمد بن المستنير بالمصيصة حدثنا يوسف بن سعيد بن مسلم حدثنا خالد بن عمرو عن سفيان عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال )جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، علمني عملا إذا أنا عملته أحبني الله، وأحبني الناس؛ فقال: أزهد في الدنيا يحبك الله، وأزهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس( قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل ترك الطمع ترك الطمع إلى الناس كافة بكمال الإياس عنهم؛ إذ الطمع فيما لا يشك في وجوده فقر حاضر، فكيف بما أنت شاَك في وجوده أو عدمه؟.\rولقد أحسن الذي يقول:\rلأجعلنَّ سبيل اليأس لي سبُلا ... ما عشت منك، ودار اُلهمّ أوطانا\rوالصبرُ أجعله غرماً أنال به ... في الناس قرباً، وعند الله رضوانا\rفالنفس قانعة، والأرضُ واسعة ... والدار جامعة مثنى ووُحدانا\rوأنشدني عمرو بن محمد بن عبد الله النسائي قال: أنشدني الحسين بن أحمد ابن عثمان:\rاليأسُ أدبني ورفَّع همتي ... واليأس خير مؤدب للناس\rإني رأيت مواضع الطمع الذي ... يضع الشريف مواضع الأخساس","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"وأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي:\rفأجمعت يأسا لا لُبانة بعده ... ولليأس أدنى للعفاف من الطمع\rوالنفس تطمع هشة إن أطمعت ... وتنال باليأس السلوَّ فتقنع\rأنبأنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا يزيد بن عبد الصمد حدثنا يحيى بن صالح حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن سعد بن عمارة أنه لما قال لأبنه: يا بني، أظهر اليأس فإنه غنى، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: أشرف المنى ترك الطمع إلى الناس إذ لا غنى لذل طمع وتارك الطمع يجمع به غاية الشرف، فطوبى لمن كان شعار قلبه الورع ولم يعم بصره الطمعُ.\rومن أحب أن يكون حرا فلا يهوى ما ليس له؛ لأن الطمع فقر، كما أن اليأس غنى، ومن طمع ذل وخضع، كما أن من قنع عف واستغنى.\rولقد أنشدني الكريزي:\rلا خير في عزم بغير روية ... والشك عجز، إن أردت سراحا\rواليأس مما فات يعقب راحة ... ولرب مطمعة تعود ذباحا\rوأنشدني علي بن محمد البسامي:\rفكنت لي أملا دهراً أطالبه ... فغيرته صروف الدهر أطوارا\rصرفت باليأس عنه النفس فانصرفت ... فما أبالي أقام الدهر، أم سار\rأنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا عبد الله بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن مروان حدثنا محمد بن هانئ الطائي قال: بعث أبو الأسود الديلي إلى جار يقترض منه، فلم يقرضه واعتل عليه، وكان حسن الظن به، فقال أبو الأسود:\rلا تشعرن النفس يأساً، فإنما ... يعيش بجد عاجز وجليد\rولا تطمعن في مال جار لقربه ... فكل قريب لا ينال بعيد\rوفوض إلى الله الأمور، فإنما ... يروح بأرزاق العباد جدود\rأنبأنا القطان بالرقة حدثنا المروزي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: سمعت ابن السماك يقول: الرجاء حَبْل في قلبك، وقيدٌ في رجلك، فأخرج الرجاء من قلبك ينفكُّ القيد من رجلك.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الطمع غُدّة من قلب المرء له طرفان، أحدهما: القيد في رجليه، والآخر: الطبع على لسانه، فما دامت العقدة قائمة لا تنفكُّ رجلاه، ولا ينطق لسانه، فسعى إلى ما شاء، وقال ما أحب.\rودواء زوال الطمع عن القلب: هو رؤية الأشياء من مكونها بدوام الخَلْوة، وترك الناس كما أنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rكُنْ لقعر البيت حِلْساً ... وارض بالوحدة أنسا\rلست بالواجد حُرَّا ... أو ترد اليوم أمسا\rفاغرس اليأس بأرض ال ... زُّهد ما عُمّرْت غرسا\rوليكن يأسُك دون ال ... طمع الكاذب تُرسا\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يجتنب الطمع إلى الأصدقاء؛ فإنه مَذَلَّة، ويلزم اليأس عن الأعداء؛ فأنه منَجاة، وتركه مَهْلكة، والإياس هو بذر الراحة والعز، كما أن الطمع هو بذر التعب والذل، فكم من طامع تعب وذل، ولم ينل بغيته، وكم من آيس استراح وتعزز، وقد أتاه ما أمل وما لم يأمل.\rوأنشدني الأبرش:\rيَعْرَى ويغرث من أمسى على طَمَعٍ ... من المكارم وَهْوَ الطاعم الكاسي\rإن المطالع ذل للرقاب، ولو ... أمسى أخوها مكان السيدِ الراس\rوأنشدني محمد بن اسحق الواسطي:\rألم تعلمي أني إذا النفس أشرفت ... على طمع لم أنس أن أتكرما\rولست بلوم على الأمر بعد ما ... يفوت، ولكن علّ أن أتقدما\rأنبأنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا الفضل بن يوسف الكوفي حدثنا عبد الله ابن جَبَلة الكناني عن معاوية بن عمار عن أبي جعفر قال: اليأس عما في أيدي الناس عز، ثم قال: أما سمعت قول حاتم الطائي:\rإذا ما عَزمت اليأس ألفيته الغنى ... إذا عرفته النفس، والطَّمَعُ الفقرُ\rالحث على مجانبة المسألة\rوكراهيتها\rحدثنا أبو يزيد خالد بن النضر بن عمرو القرشي بالبصرة حدثنا عبد الواحد ابن غياث حدثنا حماد بن سلمة حدثنا هشام بن عروة عن أبيه الزبير بن العوام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال )لأن يأخذ أحدكم حبلا فيأتي بحزْمة حطَب فيبيعهاَ خيرٌ له من أن يسأل الناسَ أعطَوه أو منعوه(.","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل مجانبة المسألة على الأحوال كلها، ولزوم ترك التعرُّض؛ لأن الأفكار في العزم على السؤال يورث المرء مهَانة في نفسه، ويَحطُّه رَتْوة عن مرتبته، وتركُ العزم على الأفكار في السؤال يُورث المرء عزّاً في نفسه، ويرفعه درجة عن مرتبته.\rولقد أنبأنا محمد بن المنذر حدثنا الفيض بن الخضر التميمي حدثنا عبد الله ابن خُبيَق قال: قال موسى بن طريف: إن الحاجة تعرض لي إلى الرجل، فيُخرج عِزِّي من قلبي قطعَ الحاجة من ناحيته، فيرجع عِزيّ إلى قلبي وأنشدني الكريزي قال: أنشدنا الحسن بن أحمد لعلي بن الَجْهم:\rهي النفس، ما حَملَّتها تتحملُ ... وللدهر أيام تجور وتَعْدل\rوعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأفضلُ أخلاق الرجال التفضُّل\rفلا عارَ إن زالت عن الحُرَّ نعمة ... ولكنَّ عاراً أن يزول التجمل\rأخبرنا زكرياء بن يحيى الساجي حدثنا عبد الواحد بن غياث خالد ابن عبد الله داود بن أبي هند عن الشعبي أن عمر بن الخطاب قال )من سأل الناس لُيْثرى ماله، فإنما هو رَضفٌ من النار يُلْقمه، فمن شاء استقلَّ، ومن شاء استكثر( أنبأنا محمد بن سليمان بن فارس الدلال حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا أبو عباد يحيى بن عباد حدثنا عن قتادة قال: سمعت مطرِّف بن عبد الله يحدث عن حكيم بن قيس بن عاصم عن أبيه أنه أوصى بنيه عند موته، فقال: يا بني، إياكم ومسألة الناس؛ فإنها آخرُ كسب الرجل قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل لا يسأل الناس شيئاً فيردوه، ولا يُلِحف في المسألة فيحرموه، ويلزم التعففَ وَالتكرم، ولا يطلب الأمر مدبراً، ولا يتركه مقُبلا؛ لأن فَوْت الحاجة خيرٌ من طلبها إلى غير أهلها، وإن من يسأل غير المستحق حاجة حَطَّ لنفسه مرتبتين، ورفع المسئول فوق قدره أخبرني محمد بن المنذر حدثنا أحمد بن مؤمل المصري قال: سمعت حامد بن يحيى يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: من يسأل نذلا حاجة فقد رفعه عن قدره أنشدني ابن زنجي البغدادي:\rذلُّ السؤال شَجيً في الحلق معترض ... من دونه شَرَقٌ، من خَلْفِه جَرَض\rما ماء كَفِّك، إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إذا أفنيته عِوضُ\rوأنشدني محمد بن عبد الله المؤدب:\rما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... عوضاً، وإن نال الغنى بسؤال\rوإذا السؤال مع النَّوال وزَنْتَه ... رجحَ السؤالُ، وخفَّ كلُّ نوال\rوإذا ابتُليتَ ببذل وجهك سائلاً ... فأبذُله للمتكرِّم المفضال\rأنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا أبو جعفر ابن ابنة أبي سعيد التغلبي الدمشقي حدثنا حاجب بن أبي علقمة العطاردي قال: سمعت أبي يقول: قال مطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير لابن أخيه: يا بُني أخي، إذا كانت لك حاجة إليّ فأكتب بها في رقُعة، فإني أصون وجهك عن ذُلِّ السؤال. وأنشدني ذلك\rيا أيها المتَعبْ بذُلِّ السؤال ... وطالب الحاجات من ذي النوال\rلا تحسبنَّ الموت مَوت البلى ... فإنما الموتُ سؤال الرجال\rكلاهما موت، ولكنَّ ذا ... أعظمُ من ذاك لذُلِّ السؤال\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: أعظم المصائب سوء الخلف، والمسألة من الناس والهمُّ بالسؤال نصف الهرم، فكيف المباشرة بالسؤال؟ ومن عَزَّت عليه نفسه صغُرتَ الدنيا في عينه، ولا يَنْبُلُ الرجلُ حتى يَعِفَّ عما في أيدي الناس، ويتجاوز عما يكون منهم، والسؤال من الإخوان مَلال، ومن غيرهم ضِدُّ النَّوال وأنشدني الأبرش:\rأنبُل بنفسك أن تكون حريصة ... إن الحريص إذا يُلِحُّ يُهان\rمن يُكثر التَّسآل من إخوانه ... يستثقلوه، وحظه الحرمان\rوأنشدني علي بن محمد البسامي:\rأتيت أبا عمرو أُرَجِّى عطاءه ... فزاد أبو عمرو على حزَني حزنا\rفكنت كباغي القَرن أسلم أذنه ... فبات بلا أذن، ولن يستفد قرنا\rحدثنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا خطاب بن عبد الرحمن الجندي حدثنا عبد الله بن سليمان قال: كان أكْثَم بن صَيفي يقول: السؤال - وإن قَل - أثمن من النوال، وإن جلِّ.","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"قال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يجب للعاقل أن يبذل وجهه لمن يكرمُ عليه قدره، ويعظم عنده خطره، فكيف بمن يهون عليه رده، ولا يكرُم عليه قدره؟ وأبعد اللقاء الموت، وأشدُّ منه الحاجة إلى الناس دون السؤال، وأشدُّ منه التكلف بالسؤال؛ لأن السؤال إذا كان بنجاح مقرونا لم يَخْلُ من أن يكون فيه ذل السؤال، وإذا الحاجة لم تُقْضَ كان فيه ذلان موجودان: ذل السؤال، وذل الردّ.\rوأنشدني منصور بن محمد الكريزي:\rلا يحِسُّ الصديق منك بفقر ... لا، ولا والد، ولا مولود\rذاك ذل إذا سألت بخيلا ... أو سألتَ الذي عليك يجود\rأنبأنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار ببغداد حدثنا علي بن الجعد أنبأنا شعبة عن الأعمش قال: سمعت المعرور بن سويد يحدث عن عبد الله قال )إن في طلب الرجل إلى أخيه فتنة، إذا أعطاه حَمِد غير الذي أعطاه، وإن منعه ذم غير الذي منعه(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: لو لم يكن في السؤال خَصلة تّذمُّ إلا وجود التذلل في النفس عند الاهتمام بالسؤال وإبدائه لكان الواجب على العاقل أن لو اضطره الأمر إلى أن يَسْتَفَّ الرمل ويَمُصَّ النَّوَى أن لا يتعرض للسؤال أبدا ما وجد إليه سبيلا، فأما من دفعه الوقت إلى ذلك فسأل من يعلم أنه يقضي حاجته أو ذا سلطان لم يُحْرج في فعله ذلك، كما لم يحرج في القبول إذا أعطى من غير مسألة، ومن استغنى بالله أغناه الله، ومن تعزز بالله لم يفقره، كما أن من اعتز بالعبيد أذلهّ.\rولقد أنبأنا سعيد بن محمد القزاز حدثنا أبو الهيثم الرازي حدثنا خالد بن يزيد حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف عن معمر قال: قال أبو معاوية - رجل من ولد كعب بن مالك - : )لقد رأيتني أنضح أول النهار وأضرب آخر النهار على بطني بالمعوَل في المعدن، قال: قلت: لقد لقيت مؤونة، قال: أجل إنا طلبنا الدراهم من أيدي الرجال ومن الحجارة، فوجدناها من الحجارة أسهل علينا(.\rالحث على لزوم القناعة\rحدثنا الحسن بن سفيان الشيباني حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا محمد ابن عبد الرحمن الطفاوي عن الأعمش عن ابن عمر قال )أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: قد مكثت بُرْهَة من الدهر مُتَوَهِّما أن الأعمش لم يسمع هذا الخبر من ليث بن أبي سليم، فدلسه، حتى رأيت علي بن المديني حدث بهذا الخبر عن الطفاوي عن الأعمش قال: حدثني مجاهد؛ فعلمت حينئذ أن الخبر صحيح، لا شك فيه، ولا امتراء في صحته.\rفقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر في هذا الخبر أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل؛ فكأنه أمره بالقناعة باليسير من الدنيا؛ إذ الغريب وعابر السبيل لا يقصدان في الغيبة الإكثار من الثروة، بل القناعة إليهما أقرب من الإكثار من الدنيا.\rولقد أخبرني محمد بن عثمان العقبي حدثني جعفر بن سنيد بن داود حدثني أبي حدثني حجاج حدثنا عتبة بن سالم قال: قال أكثم بن صيفي لابنه: يا بني، من لم يأس على ما فاته ودعَ بدنه، ومن قنع بما هو فيه قرت عينه.\rوأنشدني علي بن محمد البسامي:\rمن تمام العيش ما قَّرتْ به ... عين ذي النعمة، أثْرَى أو أقل\rوقليلٌ أنت مسرور به ... لك خير من كثير في دَغَل\rوأنشدني ابن زنجي البغدادي:\rأقول للنفس: صبرا عند نائبة ... فعُسر يومك موصولٌ بيسر غد\rما سَرَّني أنَّ نفسي غير قانعة ... وأن أرزاقَ هذا الخلق تحت يدي\rأنبأنا أبو خليفة حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان الثوري عن عيسى بن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود قال )أربع قد فرغ منها: الْخَلْق، والخُلُق، والرزق، والأجل. وليس أحد بأكسب من أحد(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: من أكثر مواهب الله لعباده وأعظمها خطراً القناعة، وليس شيء أروحَ للبدن من الرضا بالقضاء، والثقة بالقسم؛ ولو لم يكن في القناعة خصلة تحمد إلا الراحة وعدم الدخول في مواضع السوء، لطلب الفضل لكان الواجب على العاقل أن لا يفارق القناعة على حالة من الأحوال.","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"ولقد أنبأنا عمر بن حفص بن عمرو البزاز حدثنا أبو مسعود حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل حدثنا عبد الله بن إبراهيم المدني حدثنا أبو بكر بن محمد بن المنكدر عن أبيه قال )القناعة مال لا ينفذ(.\rسمعت محمد بن المنذر يقول: سمعت عبد العزيز بن عبد الله يقول: قال محمد بن حميد الأكَّاف:\rتقنع بالكفاف، تعش رَخِيَّا ... ولا تبغ الفضول من الكفاف\rففي خبز القَفار بغير أدم ... وفي ماء الفرات غِنيً وكاف\rوفي الثوب المرقع ما يغطَّى ... به من كل عُرى وانكشاف\rوكل تزُّين بالمرء زين ... وأزينه التزين بالعفاف\rوأنشدني الكريزي:\rلعمرك ما طول التعطل ضائري ... ولا كل شغل فيه للمرء منفعه\rإذا كانت أرزاق في القرب والنوى ... عليك سواء فاغتنم راحة الدَّعه\rوإن ضقت فاصبر يُفرج الله ما ترى ... ألا رُبَّ ضِيق في عواقبه سَعه\rوأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:\rالحمد لله حمداً أبدا ... لقد تزين أهل الحرص والشين\rلا زينَ إلا لراضٍ في تقلله ... إن القَنُوع لَثوب العز والدين\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يعلم أن الإنسان لم يوضع على قدر الأحظاء: وأن من عدم القناعة لم يزده المال غنى، فتمكن المرء بالمال القليل مع قلة الهمِّ أهنأ من الكثير ذي التَّبعة، والعاقل ينتقم من الحرص بالقنوع، كما ينتصر من العدو بالقصاص؛ لأن السبب المانع رزقَ العاقل هو السببُ الجالب رزقَ الجاهل.\rوأنشدني محمد بن سعيد القزاز، أنشدنا محمد بن خلف التيمي، أنشدني رجل من خزاعة:\rرأيت الغني والفقيرَ حَظَّين قُسما ... فأحرم مُحتال وذو العِيِّ كاسب\rفهذا مُلِحُّ دائبٌ غيرُ رابح ... وهذا مُريح رابحٌ غير دائب\rوأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rإذا المرء لم يقنع بعيش، فإنه ... وإن كان ذا مال من الفقر مُوقَرُ\rإذا كان فضل الناس يُغنيك بينهم ... فأنت بفضل الله أغنَى وأيسرُ\rأخبرنا أحمد بن سعيد القيسي حدثنا محمد بن الوليد بن أبان حدثنا نعيم بن حماد قال: سمعت ابن المبارك يقول: مروءة القناعة أفضل من مروءة الإعطاء.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: القناعة تكون بالقلب: فمن غنى قلبه غنيت يداه، ومن افتقر لم ينفعه غناه، ومن قنع لمَ يَتسخَّط، وعاش آمناً مطمنئاً. ومن لم يقنع لم يكن له في الفوائت نهاية لرغبته، والجدِ والحرمان كأنهما يصطرعان بين العباد.\rولقد أحسن الذي يقول:\rفما كُّل ما حاز الفتى من تلاده ... بكَيْس، ولا ما فاته بتَوانِ\rفأْجِملْ إذا طالبت أمراً فإنه ... سيكفيكه جَدَّان يصطرعان\rحدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا محمد بن عبيد الله الجُشَمي عن المديني قال: كان يقال: مروءة الصبر عند الحاجة والفاقة بالتعفف والغنى أكثر من مروءة الإعطاء.\rوأنشدني عمرو بن محمد أنشدنا الغلابي أنشدنا ابن عائشة:\rغنى النفس يغني النفس حتى يعفها ... وإن مَسَّها حتى بها يَضُرَّ الفقر\rوما شدة، فاصبر لها إن لقيتها ... بدائمة إلاّ سيتبعها يسر\rوأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:\rفيا رُبَّ كُره جاء من حيثُ لَمْ تخف ... ومسرور أمرٍ بالذي أنت خائف\rأرى الناسَ، ما لم تبلُ، إخوان ظاهر ... وإن تبل تُنْكِرْ جُلَّ ما أنت عارف\rأنبأنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا إبراهيم بن مهدي الأبلي حدثني محمد بن يحيى بن أبي عمر قال: سمعت سفيان بن عيينة - وذكر عنده الفضل ابن الربيع وضرباؤه - فأنشأ سفيان يقول:\rكم من قويٍّ قوىٍّ في تقلبه ... مُهَذَّبِ الرأي عنه الرزقُ منحرف\rومن ضعيفٍ ضعيفِ العَقْل مخُتلطٍ ... كأنه من خليج البحر يغترف\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: من نازعته نفسه إلى القَنوع، ثم حسد الناس على ما في أيديهم فليس ذلك لقناعة ولا لسخاوة، بل لعجز وفشل؛ فمثله كمثل حمار السوء الذي يَعَرج بخِفةَّ حمله، ويحزن إذا رأى العلف يؤُثَر به ذو القوة والحمل الثقيل، فالقانع الكريم أراح قلبه وبدنه، والشَّرِه اللئيم أتعب قلبه وجسمه، والكرام أصبر نفوسا، واللئام أصبر أجسادا.\rوأنشدني عمرو بن محمد أنشدنا الغلابي:","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"لعمرك ما الأرزاق من حيلة الفتى ... ولا سبب في ساحة الحيِّ ثاقب\rولكنها الأرزاق تُقْسَم بينهم ... فما لك منها غير ما أنت شارب\rوأنشدني محمد بن سعيد أنشدني هلال بن العلاء الباهلي:\rتجمل إذا ما الدهر أولاك غِلظة ... فإنَّ الغنى في النفس، لا في التمول\rيزين لئيمَ القوم كثرة ماله ... وما زَيَّن الأقوامَ مثلُ التَجمل\rحدثنا الحسين بن سفيان حدثنا عبد العزيز بن منيب حدثنا محمد بن يحيى الصائغ قال: قال الخليل بن أحمد:\rإن لم يكن لك لحمٌ ... كفاك خَلُّ وزيتُ\rإن لا يكن ذا وهذا ... فكِسْرةٌ وبُيَيْت\rتَظَلُّ فيه وتأوي ... حتى يجيئكَ موت\rهذا لعمري كفاف ... فلا يَغُرُّك ليتُ\rأنبأنا كامل بن مكرم حدثنا محمد بن مروان البيروتي حدثنا أبو مسهر حدثنا سعيد بن عبد العزيز بن محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى )97:16 فلنحيينه حياة طيبة( قال: القناعة.\rالحث على لزوم التوكل\rعلى من ضمن الأرزاق\rأنبأنا زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن الساجي بالبصرة أنبأنا أبو الربيع الزهراني حدثنا المقرئ حدثنا حيوة بن شريح وابن لهيعة قالا: حدثنا أبو هانئ حميد بن هاني الخولاني قال سمعت أبا عبد الرحمن الُحُبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: )قدَّر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسمائة سنة( قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل لزوم التوكل على من تكفَّل بالرزاق؛ إذ التوكل هو نظام الإيمان، وقرين التوحيد، وهو السبب المؤدي إلى نفي الفقر ووجود الراحة، وما توكل أحد على الله جل وعلا من صحة قلبه حتى كان الله جلَّ وعلا بما تضمَّن من الكفالة أوثقَ عنده بما حوته يده إلا لم يَكِلْه الله إلى عباده، وآتاه رزقه من حيث لم يحتسب.\rوأنشدني منصور بن محمد الكريزي:\rتوكل على الرحمن في كل حاجة ... أردت؛ فإن الله يقضي ويقدر\rمتى ما يُرد ذو العرش أمراً بعبده ... يُصِبْهُ، وما للعبد ما يتخيرّ\rوقد يهلك الإنسان من وجه أمنْه ... وينجو بإذن الله من حيث يحذر\rوأنشدني علي بن محمد البسامي:\rأحسن الظن بمن قد عودَّكْ ... كل إحسان، وسَوَّى أوَدك\rإن من قد كان يكفيك الذي ... كان بالأمس سيكفيك غدَك\rأنبأنا محمد بن الحسن بن قتيبة بعسقلان حدثنا أبو مروان الأزرق حدثنا الوليد عن ابن جابر بن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال )إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله(.\rأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rلو كان في صخرة في البحر راسية ... صَمّاء ملمومة مُلْمنٍ حواليها\rرزقٌ لعبد بَرَاه الله لا نفلقتْ ... حتى تؤدِّي إليه كلَّ ما فيها\rأو كان بين طِباق السبع مَطْلبه ... يوماً لسَّهل في المرْقَى مراقيها\rحتى ينال الذي في اللوح خُطَّ له ... إن هُو أتاه، وإلا فهْوَ آتيها\rوأنشدني منصور بن محمد الكريزي أنشدني محمد بن الحسين العَمِّي:\rسل الحاجاتِ من سيد ... ليس له سِتر ولا حاجبُ\rيُعطي عطاياه إذا شاءها ... من غير توقيع إلى كاتبِ\rحدثنا محمد بن الحسين بن الخليل بَنَسا القطواني حدثنا سنان حدثنا رياح القيسي قال )إن لله ملائكة موكلين بأرزاق بني آدم، يحملون أرزاقهم على درجاتهم، ثم قال: أيما عبد من عبادي جعل همَّه هَمّاً واحدا فضمنوا السموات والأرضين وبني آدم رزقه، وأيُّ عبد طلب رزقه أعطوه رزقه حيث أراده، فإن تحرَّى مكاسبه بالعدل فطِّيبوا له رزقه، وإن تعدى إلى الحرام فليأخذه من هواه إلى غاية درجته التي ليس فوقها، ثم حولوا بينه وبين سائر الدنيا؛ فلا يأخذن من حلالها ومن حرامها فوق الدرجة التي كتب له( قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يعلم أن الأرزاق قد فُرغ منها وتضمنها العليُّ الوفي على أن يُوفرها على عباده في وقت حاجتهم إليها، والاشتغالُ بالسعي لما تضمن وتكفل ليس من أخلاق أهل الحزم إلا مع انطواء صحة الضمير، على أنه وإن لم يسع في قصده أتاه رزقه من حيث لم يحتسب.\rوأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي:","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"لما رأيُتك قاعدا مستقبلي ... أيقنت أنك للهموم قرينُ\rفارفض لها وتعرَّ عن أثوابها ... إن كان عندك للقضاء يقين\rهوّن عليك، وكن بربِّك واثقا ... فأخو التوكل شأنه التهوين\rطَرَحَ الأذى عن نفسه في أمره ... من كان يعلم أنه مضمون\rحدثنا أبو خليفة حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان الثوري عن أبي قيس عن هذيل بن شرحبيل قال )جاء سائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي البيت تمرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هاك، لو لم تأتها أتتك(.\rوأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:\rفنحن بتوفيق الإله وأمره ... على كل حال امُرنا متوسعُ\rعطاء بتوفيق لا يمنُّ عطاؤه ... خبير بما تُحْنَي عليه الأضالع\rأنبأنا محمد بن إبراهيم الشافعي حدثنا داود بن أحمد الدمياطي حدثنا عبد الرحمن بن عفان قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ما اهتممت برزق قط قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن يعلم أن السبب الذي يدرك به العاجز حاجته هو الذي يحول بين الحازم وبين مصادفته، فلا يجب أن يحزن العاقل لما يهوي وليس بكائن، ولا لما لا يهوي وهو لا محالة كائن؛ فما كان من هذه الدنيا أتى المرءَ من غير تعب فيه، وما كان عليه لم يدفعه بقوته، ولا يُدْرِكُ بالطلب المحروم، كما لا يحُرْمَ بالعقود المرزوق.\rولقد أحسن الذي يقول:\rيَنالُ الغنى مَنْ ليس يسعى إلى الغنى ... ويُحرم مَنْ يسعى له ويداوم\rوما العجز يحرمْهُ ولا الحِرص جالب ... وما هو إلا حظوة ومقاسم\rوأنشدني عمرو بن محمد الأنصاري أنشدنا الغلابي أنشدنا العتبي:\rورزق الخلق مقسوم عليهم ... مقاديرٌ يقدرها الجليلُ\rفلا ذو المال يُرْزَقُه بعقل ... ولا بالمال تقتسم العقول\rأنبأنا الهيثم بن خلف الدوري - ببغداد - قال: سمعت إسحاق بن موسى الأنصاري يقول: سمعت يمان النجراني - وكان لا يدخر شيئاً - يقول: مررت براهب في قاعة فلاة من الأرض، وأنا جائع، فقلت: يا راهب، هل عندك من فضل؟ فأدلىَّ إلى زنبيلا فيه فِلَقٌ من خبر فأكلت منها، ورميت إليه الباقي، فقال: تزوده، قلت: أطمعني في هذا الموضع، وليس فيه إنسي، يطعمني إذا جعت ولا يكون معي شيء.\rوأنشدني ابن زنجي البغدادي:\rلا تتهم ربك فيما قضى ... وهون الأمر، وطب نفسا\rلكل هَمٍّ فَرَج عاجل ... يأتي على المُصْبَح والممسَى\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: التوكل هو القلب عن العلائق، برفض الخلائق، وإضافته بالافتقار إلى محول الأحوال، وقد يكون المرء موسرا في ذات الدنيا وهو متوكل صادق في توكله إذا كان العدم والوجود عندهِ سِيَّينِ لا فرق عنده بينهما، يشكر عند الوجود، ويرضى عند العدم، وقد يكون المرء لا يملك شيئاً من الدنيا بحيلة من الحيل، وهو غير متوكل إذا كان الوجود أحبَّ إليه من العدم، فلا هو في العدم يرضى حالته، ولا عند الوجود يشكر مرتبته.\rوأنشدني الكريزي:\rفلو كانت الدنيا تُنال بفطنة ... وفضل عقول نلتُ أعْلى المراتب\rولكنما الأرزاق حَظّ وقسمة ... بملك مليك، لا بحيلة طالب\rوأنشدنا عمرو بن محمد الأنصاري أنشدنا الغلابي أنشدنا مهدي بن سابق:\rألا ترى الدهر لا تفنى عجائبه ... والدهر يخلط ميسوراً بمعسور؟\rوليس للهّو إلا كل صافية ... كأنها دمعة من عين مهجور\rأنبأنا علي بن سعيد حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثنا سهل بن عاصم حدثنا نافع بن خالد قال: دخلنا على رابعة العدوية فذكرنا أسباب الرزق، فخضنا فيه وهي ساكتة، فلما فرغنا قالت رابعة: خيبةً لمن يدعي حُبّه ثم يتهمه في رزقه.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: قد ذكرت هذا الباب بالعلل والحكايات على التقصي في كتاب )التوكل(، فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب.\rالحث على لزوم الرضا بالشدائد\rوالصَّبر عليها\rأنبأنا أحمد بن علي بن المثنى بالموصل، حدثنا أحمد بن جميل المروزي، حدثنا ابن المبارك أنبأنا عمر بن حبيب عن القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )أول ما خلق الله القلم، ثم أمره فكتب ما يكون إلى يوم القيامة(","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن يوقن أن الأشياء كلها قد فُرغ منها، فمنها ما هو كائن لا محالة، وما لا يكون فلا حيلة للخلق في تكوينه فإن دفعه الوقت إلى حال شدة يجب أن يَبزّر بإزار له طرفان، أحدهما: الصبر، والآخر: الرضا، ليستوفي كمال الأجر لفعله ذلك، فكم من شِدّة قد صُعبت وتعذر زوالها على العالم بأسره، ثم فرج عنها السهل في أقل من لحظة.\rولقد أنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي:\rكم مِنْ أمر قد تضايقتُ به ... فاتاني الله منه بالفرج\rولعبدٍ مؤيس قربه ... قَدَّر الله، فعاد بالنَّهج\rفله الحمد على ذي سرمدا ... ما أضاء الصبح يوماً وبَلَج\rوكذاك الله ربٌّ قادر ... يُصلح الأمر الذي فيه عِوج\rوله الحمد على آلائه ... يستديم اليسر منه والفَلَج\rحدثنا أبو خليفة حدثنا محمد بن كثر أنبأنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الحجاج الأزدي قال: سألنا سلمان: ما الإيمان بالقدر؟ قال: إذا علم العبد أَن ما أصابه لم يكن ليخطئه )وما أخطأه لم يكن ليصيبه( وأنشدني الأبرش:\rهَوّن على نفسك من سعيها ... فليس ما قُدِّر مردود\rوارْضَ بحكم الله في خلقه ... كل قضاء الله محمود\rأنبأنا عبد الله بن قحطبة الطرحي حدثنا منصور بن قدامة الواسطي حدثنا محمد بن كثير عن معمر قال: لما حاصر الحَجَاج ابن الزبير بمكة جعلت الحجارة تضرب الحائط، فقيل له: لا نأمن عليك أن يصيبك منها حجر، فقال ابن الزبير:\rهون عليك، فإن الأمور ... بكفِّ الإله مقاديرها\rفليس بآتيك منهيها ... ولا قاصرٍ عنك مأمورها\rأنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي حدثنا سفيان عن معسر: إن رجلا ركب البحر، فكسر به، فوقع في جزيرة من جزائر البحر، فمكث فيها ثلاثا لا يرى أحداً، ولا يأكل طعاماً، ولا يشرب شرابا، فأيس من الحياة، فتمثَّل:\rإذا شاب الغراب أتيتُ أهلي ... وصار القارُ كاللبن الحليب\rفأجابه مجيب يقول:\rعسى الكربُ أمسيتَ فيه ... يكون وراءهُ فرج قريب\rفنظر، فإذا سفينة في البحر، فلوَّح لهم، فأتوه، فحملوه، وأصاب معهم خيراً، ورجع إلى أهله سالما.\rوأنشدني محمد بن جعفر الهمذاني - بصور - على ساحل بحر الروم:\rلا تضيقنَّ في الأمرو فقد تُك ... شف غماؤها بغير اختيال\rربما تَكره النفوس من الأم ... ر، له فُرجة كحَلِّ العِقال\rوأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:\rعسى فرج يأتي به الله؛ إنه ... له كلَّ يوم في خليقته أمرُ\rعسى ما ترى أن لا يدوم، وأن ترى ... له فرجاً مما ألحّ به العُسْرُ\rإذا أشتد عُسر فارْجُ يْسراً ... قضى الله أن العسر يتبعه اليسر\rأنبأنا محمد بن صالح الطبري بالصيمرة حدثنا محمد بن عثمان العجلي قال: لما حدث شريك بحديث الأعمش عن سلمان عن ثوبان: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: )استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإذا خالفوكم فضعوا سيوفكم على عواتقكم، فأبيدوا خضراءهم، فإن لم تفعلوا فكونوا زراعين أشقياء( فعسى به إلى المهدي، فبعث إلى شريك، فأتاه، فقال: حدثت بها؟ قال: قلت: نعم قال: عمرن رويتها؟ قال: عن الأعمش، قال: ويلي عليه! لو عرفت مكان قبره لأخرجته فأحرقته بالنار، قلت: إن كان لمأمونا على ما روى، قال: يا زنديق لأقتلنك، قلت: الزنديق من يشرب الخمر ويسفك الدم، قال: والله لأقتلنك، قلت: أو يكفي الله! قال: فخرجنا من عنده، فاستقبلني الفضل بن الربيع، فقال: ليس لك موضع تهرب إليه؟ قلت: بلى، قال: فإنه قد أمر بقتلك، قال: فخرجت إلى جبل، فخرجت يوماً أتجسس الخبر، فأقبل ملاّح من بغداد، فاستقبله ملاح آخر من البصرة، فسأله: ما الخبر؟ قال: مات أمير المؤمنين، قلت: يا ملاح قَرِّب، فقرب.\rوأنشدني منصور بن محمد الكريزي:\rتجري المقادير إن عسراً وإن يُسُرا ... وللمقادير أسبابٌ وأبوابُ\rما اشتد عسر، ولا انسدَّت مذاهبه ... إلا تفتّح من مسروره باب\rوأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:\rألاَ رب عسر قد أتى اليسر بعده ... وغَمْرةِ كَرْب فُرِّجت لِكَظيم\rهو الدهر يوم، يوم يؤس وشدة ... ويوم سرور للفتى ونعيم","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"أنبأنا أبو عوانة يعقوب بن إبراهيم حدثنا محمد بن عبد الوهاب النيسابوري حدثنا بشر بن عبد الحكم عن علي بن عثام قال: رئى إبراهيم بن أدم متنفط الرجلين، رافعها على ميل، وهو يقول )31:47 ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونَبْلُو أخباركم( أنبأنا القطان بالرقة حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا عبد العزيز بن عمير عن عطاء الأزرق عن عبد الواحد بن زيد قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، من أين أتى هذا الخلق؟ قال: من قلة الرضا عن الله، قلت: ومن أين أوتى قلة الرضا عن الله؟ قال: من قلة المعرفة بالله.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: يجب على العاقل إذا كان مبتدئاً أن يلزم عند ورود الشدة عليه سلوك الصبر، فإذا تمكن منه حينئذ يرتقي من درجة الرضا، فإن لم يرزق صبرا فليلزم التصبر، لأنه أول مراتب الرضا، ولو كان الصبر من الرجال لكان رجلا كريماً، إذ هو بَذْر الخير، وأساس الطاعات.\rولقد اخبرني محمد بن سعيد القزاز حدثنا طاهر بن الفضل بن سعيد، حدثنا سفيان بن عيينة قال: سمعت رجلا من أهل الكتاب أسلم، قال: أوحى الله إلى داود: يا داود أصبر على المؤنة، تأتك منى المعونة.\rوأنشدني عبد الله بن الأحوص بن عمار القاضي:\rصبراً جميلا على ما ناب حَدَث ... والصبرُ ينفع أحياناً إذا صبروا\rالصبر أفضل شيء تستعين به ... على الزمان إذا ما مَسَّكَ الضرر\rوأنشدني إبراهيم بن محمد بن سهل أنشدني أبو يعلي الموصلي:\rإني رأيت ... وفي الأيام تجربةٌ للصبر عاقبةً محمودة الأثر\rوقلَّ من جَدَّ في شيء يحاوله ... فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر\rوأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rأتاك الرُّوح والفرج القريب ... وساعدك القضاء، فلا تخيب\rصبرت، فنلت عُقْبَى كلِّ خير ... كذاك لكل مصطبر عقيب\rأنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا محمد بن علي قال: سمعت مضر أبا سعيد يقول: قال عبد الواحد بن زيد: ما أحببت أن شيئاً من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضا، ولا أعلم درجة أشرف ولا أرفع من الرضا، وهو رأس المحبة.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الصبر جماع الأمر، ونظام الحزم ودِعَامة العقل، وبذر الخير، وحيلة من لا حيلة له.\rوأول درجته الاهتمام، ثم التيقظ، ثم التثبت، ثم التصبر )ثم الصبر( ثم الرضا، وهو النهاية في الحالات.\rولقد أنبأنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا شعيب بن عبد الله البزار حدثنا غيلان عن معبد عن أبي المليح عن ميمون بن مهران قال )ما نال عبد شيئاً من جسم الخير من نبي أو غيره إلا بالصبر(.\rوأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:\rفما شدة يوماً، وإن جَلَّ خطُبها، ... بنازلة إلا سيتبعها يسرُ\rوإن عسرت يوماً على المرء حاجةٌ ... وضاقت عليه كان مفتاحَها الصبر\rوأنشدني علي بن محمد البسامي:\rتعزَّ، فإن الصبر بالحرِّ أجمل ... وليس على رَيْبِ الزمان مُعَوّلُ\rفإن تكن الأيام فينا تبدَّلت ... بنُعمى وبؤسي، والحوادث تفعل\rفما ليَّنت منَّا قناةً صليبة ... ولا ذللَّتنا لذي ليس يَجمُل\rولكن رَحَلناها نفوساً كريمة ... تُحملَّ ما لا تستطيع فتحمل\rوأنشدنا عمرو بن محمد الأنصاري أنشدنا الغلابي:\rإني رأيت الخير في الصبر مسرعاً ... وحسبك من صبر تحوز به أجرا\rعليك بتقوى الله في كل حالة ... فإنك إن تفعل تُصيب به ذخراً\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الصبر على ضروب ثلاثة: فالصبر عن المعاصي، والصبر على الطاعات، والصبر عند الشدائد المصيبات.\rفأفضلها الصبر عن المعاصي.\rفالعاقل يدبر أحواله بالتثبت عند الأحوال الثلاثة التي ذكرناها بلزوم الصبر على المراتب التي وصفناها قبل، حتى يرتقي بها إلى درجة الرضا عن الله جل وعلا في حال العسر واليسر معاً، أسأل الله الوصول إلى تلك الدرجة بمنه.\rوأنشدني عبد الله بن الأحوض:\rتَعَزَّ بحسن الصبر عن كل هالك ... ففي الصبر مَسلاةُ الهموم اللوازم\rإذا أنت لم تسلُ اضطباراً وخشية ... سلوتَ على الأيام مثل البهائم\rوليس يذود النفس عن شهواتها ... من الناس إلا كلُّ ماضي العزائم\rوأنشدني ابن زنجي البغدادي:","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"غاية الصبر لذيذ طعمها ... وَبَدِيُّ الصبر منه كالصَّبِرْ\rإن في الصبر لفضلا بَيِّنا ... فاحمل النفس عليه تصطبر\rوأنشدني الكريزي:\rصبرت ومن يصبرْ يجد غِبَّ صبره ... ألذَّ وأحلى من جَنَي النحل في الفم\rومن لا يطب نفساً، ويستبق صاحبا ... ويغفر لأهل الود يُضْرَمْ وَيَصْرِمِ\rأنبأنا محمد بن زنجويه القشيري حدثنا عبد الأعلى عن حماد النرسي حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن معاذة امرأة صلة بن أشيم قالت: )لما أتاها نَعْى زوجها وابنها جاءها النساء، فقالت: إن كنتُنَّ جئتن لتهنئتنا بما أكرمنا الله به وإلا فارجعن(.\rقال ثابت: وكان صلة يأكل يوماً فأتاه رجل، فقال: مات أخوك، قال: هيهات، قد نُعى إلي، أجلس فكل، قال الرجل: ما سبقني إليك أحد، فقال قال الله )30:39 إنك ميت وإنهم ميتون(.\rحدثنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا ابن عائشة قال: كتب بعض الحكماء إلى أخ له يعزيه عن ابن له يقال له محمد:\rأصبر لكل مصيبة، وتجلّد ... واعلم بأنّ المرء غيرُ مُخلّد\rوإذا ذكرت محمداً ومصابَهُ ... فاذكر مصابك بالنبي محمد\rوأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:\rيعَزِّي المعزي، ثم يمضي لشأنه ... ويبقي المعزّي في أحرّ من الجمر\rويُرمَى المعزّي بعد ذاك بسلوة ... ويَثْوي المعزّي عنه في وحشة القبر\rوأنشدني المنتصر بن بلال:\rمن يسبق السلوة بالصبر ... فاز بفضل الحمد والأجر\rيا عجبي من هلع جازع ... يُصبَحُ بين الذم والوزر\rمصيبة الإنسان في دينه ... أعظمُ من جائحة الدهر\rوأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rتجري المقادير إن عُسراً وإنْ يسرا ... حاذرت واقعَها أو لم تكن حَذِرا\rوالعسر عن قدرَ يجري إلى يُسْرٍ ... والصبر أفضل شيء وافَقَ الظفرا","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"سمعت إسحاق بن أحمد القطان البغدادي بتستر يقول: كان لنا جار ببغداد كنا نسميه طبيب القراء، وكان يتفقد الصالحين ويتعاهدهم، فقال لي: دخلت يوماً على أحمد بن حنبل، فإذا هو مغموم مكروب، فقلت: مالك يا أبا عبد الله؟ قال: خير، قلت: وما الخير؟ قال: امتُحنت بتلك المحنة، حتى ضُربت، ثم عالجوني وبرأت، إلا أنه بقي في صُلبي موضع يوُجعني. هو أشدُّ عليّ من ذلك الضرب، قال قلت: أكشف لي عن صلبك، قال: فكشف لي، فلم أرَ فيه إلا أثر الضرب فقط، فقلت: ليس لي بذي معرفة، ولكن سأستخبر عن هذا، قال: فخرجت من عنده، حتى أتيت صاحب الحبس، وكان بيني وبينه فضل معرفة، فقلت له: أدخل الحبس في حاجة؟ قال: أدخل، فدخلت وجمعت فتيانهم، وكان معي دريهمات فرقتها عليهم، وجعلت أحدثهم حتى أنسوا بي، ثم قلت: من منكم ضرب أكثر؟ قال: فأخذوا يتفاخرون حتى اتفقوا على واحد منهم أنه أكثرهم ضرباً، وأشدهم صبراً، قال فقلت له: أسألك عن شيء؟ فقال: هات، فقلت: شيخ ضعيف ليس صناعته كصناعتكم ضرب على الجوع للقتيل سياطا يسيرة، إلا أنه لم يمت، وعالجوه وبرأ، إلا أن موضعاً في صلبه يوجعه وجعاً ليس له عليه صبر، قال: فضحك، فقلت مالك؟ قال: الذي عالجه كان حائكا، قلت: إيش الخبر؟ قال: ترك في صلبه قطعة لحم ميتة لم يقلعها، قلت: فما الحيلة؟ قال: يُبُطُّ صلبه، وتؤخذ تلك القطعة ويرمي بها، وإن تركت بلغت إلى فؤاده فقتلته، قال: فخرجت من الحبس، فدخلت على أحمد ابن حنبل فوجدته على حالته، فقصصت عليه القصة، قال: ومن يبطه؟ قلت أنا، قال: أو تفعل؟ قلت: نعم، قال: فقام، فدخل البيت، ثم خرج وبيده مخدتان، وعلى كتفه فوطة، فوضع إحداهما لي والأخرى له، ثم قعد عليها، وقال: استخر الله، فكشفت الفوطة عن صلبه، وقلت: أرني موضع الوجع، فقال: ضَعْ إصبعك عليه، فإني أخبرك به، فوضعت إصبعي، وقلت: هاهنا موضع الوجع؟ قال: ههنا أحمد الله على العافية، فقلت: ههنا؟ قال هاهنا أحمد الله على العافية، فقلت: هاهنا؟ قال هاهنا أسأل الله العافية، قال: فعلمت أنه موضع الوجع، قال: فوضعت المبضع عليه، فلما أحس بحرارة المبضع وضد يده على رأسه، وجعل يقول: اللهم أغفر للمعتصم، حتى بططته، فأخذت القطعة الميتة ورميت بها، وشددت العصابة عليه، وهو لا يزيد على قوله: اللهم أغفر للمعتصم، قال: ثم هدأ وسكن، ثم قال: كأني كنت معلقاً فأصدرت، قلت: يا أبا عبد الله، إن الناس إذا امتحنوا محنة دعوا على من ظلمهم، ورأيتك تدعو للمعتصم؟ قال: إني أفكرت فيما تقول، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكرهت أن آتي يوم القيامة وبيني وبين أحد من قرابته خصومة. هو مِنِّي في حِلٍّ.\rالحث على العفو عن الجاني\rحدثنا الفضل بن الحباب الجمحي بالبصرة حدثنا القعنبي حدثنا عبد العزيز ابن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال )أتى رجل فقال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، ويسيئون إلي، وأحسن إليهم، ويجهلون علي، واحلم عنهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن كان كما تقول: فكأنما تسفهم المل. ولا يزال من الله معك ظهير ما زالت على ذلك(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل توطين النفس على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة؛ إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسنُ من الإحسان، ولا سبب لنماء الإساءة وتهييجها أشدُّ من الاستعمال بمثلها.\rولقد أنشدني منصور بن محمد الكريزي:\rسألزمُ نفسي الصفح عن كل مذنب ... وإن كثرت منه إليَّ الجرائم\rفما الناس إلا واحد من ثلاثةٍ: ... شريف، ومشروف، ومثلٌ مقاوم\rفأما الذي فوقي: فأعرف فضله ... وأتبع فيه الحقَّ، والحقُّ لازم\rوأما الذي دوني: فإن قال صنت عن ... إجابته عِرضي، وإن لام لائم\rوأما الذي مثلي: فإن زلَّ أو هفا ... تفضَّلتُ، إن الحلم للفضل حاكم\rأنبأنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا محمد بن عامر الأنطاكي حدثنا ابن توبة حدثنا محمد بن مهاجر عن يونس بن ميسرة جليس قال: ثلاثة يحبهم الله: من كره سوءاً يأتيه إلى أخيه وصاحبه، فذلك قَمِنٌ أن يستحي من الله، ومن كان ذا رفعة من الناس فتواضع الله، فذلك الذي عرف عظمة الله، فيخاف مقته، ومن كان عفوه قريبا من إساءته، فذلك تقوم به الدنيا.","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"قال أبو حاتم رضي الله عنه: من أراد الثواب الجزيل، واسْتِرهانَ الوُدِّ الأصيل، وتوقعَ لذكر الجميل؛ فليتحمل من ورود ثِقَلِ الردى، ويتجرع مرارة مخالفة الهوى، باستعمال السُّنة التي ذكرناها في الصلة عند القطع، والإعطاء عند المنع، والحلم عند الجهل، والعفو عند الظلم؛ لأنه من أفضل أخلاق أهل الدين والدنيا.\rولقد أنبأنا محمد بن المهاجر حدثنا ابن أبي شيبة حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون عن داود بن الزبرقان قال: أيوب )لا يَنْبُلُ الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عنهم(.\rوأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:\rوإذا مذنب أتاه به الحق ... فغطاه عفوه في ستوره\rراجياً للثواب في كل زُرْءِ ... من خَفِيِّ الأمور، أو مشهوره\rفهو في عاجل الحياة كريم ... ومن الفائزين يوم نشوره\rخَصْلَة جَزْلة بها خَصّه الل ... ه لزين الدنيا ويوم كروره\rأنبأنا محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا عمر بن حفص الشيباني حدثنا سفيان عن رجل، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول )أحب الأمور إلى الله ثلاثة: العفو في القدرة، والقصد في الجِدَةِ، والرفق في العبادة، وما رَفَق أحد بأحد في الدنيا إلا رفق الله به يوم القيامة( أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا ابن عائشة قال: كتب الحجاج إلى عبد الملك )إنك أعزَّ ما تكون أحوجُ ما تكون إلى الله، فإذا تعززت بالله فاعفُ، فأنك به تعز، وإليه ترجع(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل لزوم الصفح عند ورود الإساءة عليه من العالَم بأسرهم، رجاء عفو الله جل وعلا عن جناياته التي ارتكبها في سالف أيامه؛ لأن صاحب الصفح إنما يتكلف الصفح بإيثاره الجزاء، وصاحب العقاب وإن انتقم إلى الندم أقرب، فأما من له أخ يَوَدُّه فإنه يحتمل عنه الدهر كلهُ زلاتِهِ.\rولقد أخبرني محمد بن المنذر حدثنا أحمد بن داود التمار. قال: سمعت مردويه الصائغ يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: لأخيك إلى سبعين زَلّة، قيل له: وكيف ذلك يا أبا علي؟ قال: لأن الأخ الذي آخيته في الله ليس يزيل سبعين زلة.\rأنشدني علي بن محمد البسامي:\rإذا لم تجاوزْ عن أخ لكَ عَثْرةً ... فلستَ غداً من عثرتي متجاوزا\rوكيف يرجيك البعيدُ لنفعه ... إذا كان عن مولاك بِرُّك عاجزا\rأنبأنا محمد بن صالح الطبري حدثنا الرمادي حدثنا الجعفي يحيى بن سليمان حدثنا ابن أبحر حدثني أبي قال: )أقبل الشعبي يوما، فإذا هو برجلين من قومه من وراء جدار قصير، قال: فاستمع عليهما، فإذا هما يقعان فيه ويشتمانه، وينتقصانه حتى أكثرا، فلما أطالا أشرف عليهما الشعبي، فقال:\rهنيئاً مريئاً غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت\rفقالا: والله يا أبا عمرو، لا نَقَعُ فيك بعد اليوم(.\rوأنشدني بعض أهل العلم:\rولربما ابتسم الوقورُ من الأذى ... وضميرُه من حَرِّه يتأوه\rولربما خَزَن الحليم لسانه ... حَذَر الجواب وإنه لمفَوه\rوأنبأنا أبو عوانة يعقوب بن إبراهيم، أنبأنا عبد الله بن الحسين المصيصي، أنبأنا يعقوب بن أبي عباد، قال: قال الفضيل بن عياض: مَنْ طلب أخاً بلا عيب بقي بلا أخ.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: أغنى الناس عن الحقد مَنْ عظم عن المجازاة، وأجلُّ الناس مرتبة من صَدَّ الجهل بالحلم، وما الفضل إلا لمن يحسن إلى من أساء إليه، فأما مجازاة الإحسان إحسانا فهو المساواة في الأخلاق، فربما استعملها البهائم في الأوقات، ولو لم يكن في الصفح وترك الإساءة خصلة نحمد إلا راحة النفس ووداع القلب لكان الواجب على العاقل أن لا يكدِّر وقته بالدخول في أخلاق البهائم، بالمجازاة على الإساءة إساءة، ومن جازى بالإساءة إساءة فهو المسيء، وإن لم يكن بادئا.\rكما أنشدني الكريزي:\rأسأت، وأنكرتُ أني أسأتُ ... فأفضل، ولاتك عينَ الْمُسِي\rلك، الفضل بالعفو عما عفوت ... وإلا فأنت القرين السوي\rوعفوك مقتدراً نعمة ... وعفو المندد غير الهني\rسمعت محمد بن عثمان العقبي، قال: سمعت هلال بن العلاء الباهلي يقول: جعلت على نفسي منذ أكثر من عشرين سنة أن لا أكافئ أحدا بسوء، وذهبتٌ إلى هذه الأبيات:","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"لما عفوتُ، ولم أحقد على أحدٍ ... أرحتُ قلبيَ من غَمِّ العداواتِ\rإني أحيي عدوي عند رؤيته ... لأدفع الشر عني بالتحيات\rوأظهر البشر للإنسان أبغضه ... كأنما قد حشى قلبي محبات\rأنبأنا ابن قتيبة، حدثنا ابن أبي السري، قال: سمعت أبا عمر الصنعاني يقول: حدثنا زيد بن أسلم قال: قال لقمان لابنه )كذب من قال: إن الشر يطفئ الشر، فإن كان صادقا فليوقد ناراً إلى جنب نار، فلينظر هل تطفئ إحداهما الأخرى؟ وإلا فإن الخير يطفئ الشر، كما يطفئ الماء النار(.\rحدثني محمد بن أبي علي الخلادي، حدثنا محمد بن خلف البسامي، حدثنا محمد بن عبيد الله الداري، حدثنا محمد بن عمران الضبي، قال: قال ابن السماك: لِنْ لمن يجفو، فَقَلَّ من يصفو.\rوأنشدني الأبرش:\rتوخّ من السبل أوساطها ... وعدّ عن الحائر المشتبه\rوسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النطق به\rفإنك عند استماع القبيح ... شريك لقائله، فانتبه\rفكم أزعج الحرص من طالب ... فوافي المنية في مطلبه\rأنبأنا عمر بن حفص البزاز بجند يسابور، حدثنا جعفر بن محمد حبيب الذارع حدثنا عبد الله بن رشيد، حدثنا مجاعة بن الزبير، قال: قال لقمان لابنه )أي بني، أي شيء أقل؟ وأي شيء أكثر؟ وأي شيء أحلى؟ وأي شيء أبرد؟ وأي شيء آنس؟ وأي شيء أوحش؟ وأي شيء أقرب؟ وأي شيء أبعد؟ قال: أما أقل شيء فاليقين، وأما أي شيء أكثر فالشك، وأما أي شيء أحلى فروح الله بين العباد يتحابون بها، وأما أي شيء أبرد فعفو الله عن عباده، وعفو الناس بعضهم عن بعض، وأي شيء آنس حبيبك إذا أغلق عليك وعليه باب واحد، وأي شيء أوحش جسد إذا مات، فليس شيء أوحش منه، وأي شيء أقرب فالآخرة من الدنيا، وأي شيء أبعد فالدنيا من الآخرة(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يحسن عند الجفوة، ويغضي عن المجازاة عليها بمثلها.\rوقد قيل: إن من لم يغضب من الجفوة لم يشكر النعمة.\rوهو عندي - والله أعلم - غضب لا يخرجه إلى المعاصي: ولا إلى الانتقام من الجاني، كأنه في نفسه يعلم محل الجفوة منه، كما يعقل ورود النعمة عليه، وما أقبح قدرة اللئيم إذا قدر، ومن أساء سمعاً أساء إجابة، ومن أتى المكروه إلى أحد فبنفسه بدأ؛ لأن الشرور تبدو صغاراً ثم تعود كباراً.\rولقد أنبأنا محمد بن سعيد القزاز، حدثنا محمد بن إدريس الرازي، حدثنا عبد الرحمن بن يحيى وإسماعيل بن عبيد الله المخزومي، قالا حدثنا عبد الأعلى ابن مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز قال: سمعت إسماعيل بن عبيد الله يقول لبنيه: )يا بني أكرموا من أكرمكم، وإن كان عبداً حبشياً، وأهينوا من أهانكم، وإن كان رجلا قرشياً(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: هذا الذي قال إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر: إن استعمله العاقل في الأحوال كلها مع الجاهل فلا ضير، فأما من ارتفع عن حد الجهال، واتضع عن حد العقلاء، فالإغضاء عن مثله في الأوقات أحمد مخافة الازدياد منه، ولأن يصبر المرء على حرارة الجفاء ومرارتها أولى من الانتقام مما يستجلب عليه بما هو أحر وأمرّ مما مضى؛ لأن من الكلام ما هو أشد من الحجر، وأنفذ من الإبر، وأمرّ من الصبر.\rولقد أحسن الذي يقول:\rلقد أسمع القول الذي كاد كلما ... تذكرنيه النفس قلبي تَصَدَّع\rفأبدى لمن أبداه مني بشاشة ... كأنِّي مسرور بما منه أسمع\rوما ذاك عن عجز به، غير أنني ... أرى أن ترك الشر للشر أقطع\rأنبأنا محمد بن صالح الطبري بالصيمرة، حدثنا أحمد بن مقدام العجلي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي عمرو في هذه الآية )199:7 خذ العفو وأمر بالعرف( قال: )أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعفو عن أخلاق الناس(.\rصفة الكريم واللئيم\rأنبأنا محمد بن الحسن بن الخليل بنسا، حدثنا أبو كريب، حدثنا عبدة ابن سليمان عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال )قيل يا رسول الله، أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك؟ قال: فعن معادن العرب تسألونني؟ قالوا: نعم، قال: خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام، إذا فقهوا(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: أكرم الناس من أتقى الله، والكريم التقي.","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"والتقوى: عي العزم على إتيان المأمورات، والأنزجار عن جميع المزجورات فمن صح عزمه على هاتين الخصلتين فهو التقي الذي يستحق اسم الكرم، ومن تعرى عن استعمالهما، أو أحدهما، أو شعبة من شعبهما، فقد نقص من كرمه مثله.\rولقد أنبأنا محمد بن المهاجر، حدثنا عيسى بن محمد بن سهل الأزدي عن أبيه عن المدائني، قال: قال زيد بن ثابت )ثلاث خصال لا تجتمع إلا في كريم: حسن المحضر، واحتمال الزلة، وقلة الملالة( وأنشدني ابن زنجي البغدادي:\rرأيت الحق يعرفه الكريم ... لصاحبه وينكره اللئيم\rإذا كان الفتى حسناً كريماً ... فكل فعاله حسن كريم\rإذا ألفيته سمجاً لئيما ... فكل فعاله سمج لئيم\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الكريم لا يكون حقوداً ولا حسوداً، ولا شامتاً، ولا باغياً، ولا ساهياً، ولا لاهياً، ولا فاجراً، ولا فخوراً، ولا كاذباً، ولا ملولا، ولا يقطع إلفه، ولا يؤذي إخوانه، ولا يضيع الحفاظ، ولا يجفو في الوداد، يعطي من يرجو، ويؤمن من لا يخاف، ويعفو عن قدرة، ويصل عن قطيعة.\rأخبرني محمد بن أبي علي الخلادي، حدثنا محمد بن الحسن الذهلي عن علي بن محمد المرحبي عن محمد بن إبراهيم العباسي عن عبد الله بن الحجاج - مولي المهدي - عن إبراهيم بن شكلة، قال )إن لكل شيء حياة وموتا، وإن مما يحيي الكرم مواصلة الكرماء، ومما يحيي اللؤم معاشرة اللئام(.\rوأنشدني الكريزي:\rوما بال قوم لئام ليس عندهُم ... عهد، وليس لهم دين إذا ائتمنوا\rإن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً ... مِنا، وما سمعوا من صالح دفنوا\rصُمٌّ إذا سمعوا خيراً ذُكرتُ به ... وإن ذُكرتُ بسوء عندهم أذنوا\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الكريم يلين إذا اسُتعْطِف، واللئيم يقسوا إذا ألُطِفْ، والكريم يُجِل الكرام، ولاُ يهين اللئام، ولا يؤذي العاقل، ولا يمازح الأحمق، ولا يعاشر الفاجر، مؤثراً إخوانه على نفسه باذلا لهم ما ملك، إذا أطلع على رغبة من أخ لم يدع مكافأتها، وإذا عرف منه مودة لم ينظر في قلق العداوة، وإذا أعطاه من نفسه الإخاء لم يقطعه بشيء من الأشياء.\rكما أنشدني الخلادي، أنشدنا أحمد بن أبي علي القاضي، قال: أنشدنا محمد بن مقيس الأزدي:\rفإن الذي بيني وبين عشيرتي ... وبين بني عمي لمختلف جدا\rإذا قدحوا لي نار حرب بِزَنْدهم ... قدحتُ لهم في كل مكْرُمة زَندا\rوإن أكلوا لحمي وفَرْتُ لحومهمْ ... وإن هدموا مجَدي بنيتُ لهم مجدا\rولا أحمل الحِقدْ القديم عليهمُ ... وليس رئيس الُقوم من يحمل الحقدا\rوأعطيهم مالي إذا كنت واجدا ... وإن قلَّ مالي لم أكلفهُم رفدا\rأنبأنا ابن حوصا، حدثنا النحاسي حدثنا ضمرة عن إبراهيم بن أبي علية قال: رأيت سالم بن عبد الله ومحمد بن عبد العزيز يتسايران بأرض الروم، فأبال أحدهما دابته، فأمسك عليه الآخر حتى لحقه.\rأنبأنا محمد بن المهاجر، حدثنا أحمد بن أبي بكر بن خالد اليزيدي عن قطبة ابن العلاء بن المنهال، قال: سمعت المبارك بن سعيد يقول: سمعت الأعمش يقول: قال الشعبي )إن كرام الناس أسرعهم مودة، وأبطؤهم عداوة، مثل الكوب من الفضة يبطئ الانكسار، ويسرع الانجبار، وإن لئام الناس أبطؤهم مودة، وأسرعهم عداوة، مثل الكوب من الفخار: يسرع الانكسار، ويبطئ الانجبار( قال أبو حاتم رضي الله عنه: الكريم مَنْ أعطاه شكَره، ومن منعه عذره، ومن قطعه وصله، ومن وصله فضله، ومن سأله أعطاه، ومن لم يسأله ابتدأه، وإذا استضعف أحداً رحمه، وإذا استضعفه أحد رأى الموت أكرم له منه، واللئيم بضد ما وصفنا من الخصال كلها.\rولقد أنبأنا أحمد بن قريش بن عبد العزيز، حدثنا إبراهيم بن محمد الذهلي، حدثنا أحمد بن الخليل، حدثنا يحيى بن أيوب عن أبي عيسى قال: كان إبراهيم ابن أدهم كريم النفس، يخالط الناس بأخلاقهم ويأكل معهم، قال: فربما أتخذ لهم الشواء والجوازات والخبيص، وربما خلا وأصحابه الذين يأنس بهم فيتصارعون، قال: وكان يعمل عمل رجلين، وكان إذا صار إلى نفسه أكل عجينا.","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"قال أبو حاتم رضي الله عنه: أجمع أهل التجارب للدهر، وأهل الفضل في الدين، والراغبون في الجميل: على أن أفضل ما أقتنى الرجل لنفسه في الدنيا، وأجل ما يَدَّخر لها في العقبى هو لزوم الكرم، ومعاشرة الكرام؛ لأن الكرم يحسن الذكر، ويشرف القدر، وهو طباع ركَّبها الله في بني آدم، فمن الناس من يكون أكرم من أبيه، وربما كان الأب أكرم من أبنه، وربما كان المملوك أكرم من مولاه، وربَّ مولى أكرمُ من مملوكه.\rولقد أحسن الذي يقول:\rرب مملوك إذا كشفته ... كان من مولاه أولى بالكرمْ\rفهو ممدوح على أحواله ... وترى مولاه يُهْجَى ويذُمَ\rوتراه كيف يعلو دائماً؟ ... وترى مولاه من تحت القدم\rوفتى تلقى أباه دونه ... وأباً تلقاه أعلى وأتم\rمن بنيه، ثم لا يعتلُّ إن ... طُلب المعروف منه بالصمم\rوكذاك الناس ... فاعلم ربُّنا قدر الأخلاق فيهم وقسم\rوأنشدني الأبرش:\rرأيت اللين لا يرضى بضيم ... لأن الضيم يسخطه الكريم\rوإن اللين أكرم كل شيء ... فليس يحبه خلق لئيم\rفإن نَزَلَ الأذى واللين قلبا ... فإن اللين يرحل لا يقيم\rويبقى للأذى في القلب صحب ... من البغضاء يلبث لا يَرِيم\rحدثنا القطان بالرقة، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أبي يقول: ما من أحد إلا وله توبة، إلا سيئ الخلق؛ فأنه لا يتوب من ذنب إلا دخل في شر منه.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الكريم محمود الأثر في الدنيا، مرضى العمل في العقبي، يحبه القريب والقاصي، ويألفه المتسخط والراضي، يفارقه الأعداء واللئام، ويصحبه العقلاء والكرام.\rوما رأيت شيئاً أكثر عملا في نقص كرم الكريم من الفقر، سواء كان ذلك بالقلب أو بالموجود.\rولقد أنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:\rلعمرك، إن المالَ قد يجعل الفتى ... نسيبا، وإن الفقر بالمرء قد يُزرِي\rولا رَفَعَ النفسَ الدنِيَّة كالغنى ... ولا وضع النفسَ الكريمة كالفقر\rحدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن زكريا بن أبي زائدة عن علي بن الأقمر عن أبي جحيفة قال: )جالسوا الكبراء، وخالطوا الحكماء، وسائلوا العلماء(.\rالزجر عن قبول قول الوُشاة\rأنبأنا أبو يعلي، حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، حدثنا مهدي بن ميمون حدثنا واصل الأحدب عن أبي وائل عن حذيفة )إنه بلغه أن رجلا يَنِمُّ الحديثَ، فقال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول )لا يدخل الجنة نَمَّام(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على الناس كافة: مجانبة الأفكار في السبب الذي يؤدي إلى البغضاء والمشاحنة بين الناس، والسعي فيما يفرق جمعهم ويشتت شِملهم، والعاقل لا يخوض في الأفكار فيما ذكرنا، ولا يقبل سعاية الواشي بحيلة من الحيل، لعلمه بما يرتكب الواشي من الإثم في العقبى يفعله ذلك.\rولقد أنبأنا محمد بن سعيد القزاز، حدثنا عباس بن الوليد بن مزيد عن أبيه عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان بن داود لابنه )يا بني، إياك والنميمة، فإنها أحد من السيف(.\rوأنشدني الكريزي:\rمن نَمَّ في الناس لم تؤمن عقاربه ... على الصديق، ولم تؤمن أفاعيه\rكالسيل بالليل، لا يدري به أحد ... من أين جاء، ولا من أين يأتيه؟\rفالويل للعهد منه، كيف ينقضه؟ ... والويل للود منه، كيف يفتيه؟\rأخبرنا أحمد بن إسحاق الناقد بواسط، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال )لما تعجل موسى ابن عمران إلى ربه رأى رجلا تحت العرش، فغبطه بمكانه، فسأل ربه أن يخبره باسمه، قال: لكنني أخبرك من عمله بثلاث خصال: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة( أنبأنا محمد بن المهاجر، حدثنا محمد بن يعقوب الربعي، حدثنا محمد بن إدريس المعدل عن العتبي قال )سمعت أعرابية توصي ابنا لها، فقالت: عليك بحفظ السرِّ، وإياك والنميمة، فإنها لا تترك إلا أفسدتها، ولا ضغينة غلا أوقدتها(.\rثم لا بد لمن عرف بها ونسب إلى مقارفتها من أن يحُترس من مجالسته، وأن لا يوثق بمودته، وأن يزهد في مواصلته ومعاشرته.","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"ولذلك يقول أخو ربيعة:\rتمشَّيتَ فينا بالنميم، وإنما ... تُفرّق بين الأصفياء النمائمُ\rوما زلت منسوبا إلى كل آفة ... وما زال منسوبا إليك الملائم\rلأنك لم تندم لشرٍّ فعلته ... وما تأت من خير فإنك نادم\rأنبأنا عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي حدثنا محمد بن عبيد الله الجشمي، حدثنا على بن محمد المدائني قال )وشي واش بعبد الله بن همام السَّلولي إلى زياد، قال: فبعث زياد إلى ابن همام، فجاء فأدخل الرجل بيتاً، فقال له زياد: يا ابن همام. بلغني أنك هجوتني، فقال له: أصلحك الله! ما فعلتُ، وما أنتَ، لذلك أهل، قال: فإن هذا أخبرني - وأخرج الرجل - فأطرق ابن همام هنيهة، ثم أقبل على الرجل، فقال:\rوأنت امرؤ: إما ائتمنتك خاليا ... فخُنتَ، وإما قلتَ قولاً بلا علم\rفأنت من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلةٍ بين الخيانة والإثم\rقال: فأعجب زيادة بجوابه، وأدناه، وأقصى الساعي، ولم يقبل منه.\rوأنشدني ابن زنجي البغدادي:\rيمشون في الناس يبغون العيوبَ لمن ... لا عيب فيه، لكي يستشرفَ العطب\rإن يعلموا الخيرَ يخفوه، وإن علموا ... شراً أذاعوا، وإن يعلموا كذبوا\rأخبرني محمد بن أبي علي، حدثنا ابن أبي شيبة أبو جعفر، حدثنا الحسن بن صالح قال: سمعت حُجين بت المثنى يقول )سعى رجل بالليث بن سعد إلى والي مصر، فبعث إليه فدعاه، فلما دخل عليه قال له: يا أبا الحارث، إن هذا أبلغني عنك كذا وكذا، فقال له الليث: سله - أصلح الله الأمير! - عما أبلغك: أهو شيء ائتمناه عليه فخاننا فيه، فما ينبغي لك أن تقبل من خائن، أو شيء كذب علينا فيه، فما ينبغي لك أن تقبل من كاذب؟ فقال الوالي: صدقت يا أبا الحارث( أخبرنا ابن حوصا، حدثنا عبد الله بن هانئ بن عبد الرحمن عن ابن أبي عُلَيَةَّ عن أبيه عن عمه إبراهيم بن أبي عبلة قال: )كنت جالساً مع أم الدرداء، فاتاها آت، فقال: يا أم الدرداء، إن رجلا نال منكِ عند عبد الملك بن مروان، فقالت: إن نؤُبَن بما ليس فينا فطالما زُكِّينا بما ليس فينا( قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل لزوم الإغضاء عما ينقل الوشاة وصرف جميعها إلى الإحسان، وترك الخروج إلى ما لا يليق بأهل العقل، مع ترك الأفكار فيما يُزري بالعقل، لأن من وشَى بالشيء إلى إنسان بعينه يكون قصده إلى المخَبر أكثر من قصده إلى المخبر به، لمشافهته إياه بالشيء الذي يَشُقُّ عليه علمه وسماعه(.\rولقد أحسن الذي يقول:\rمن يُخبَرك بشتم عن أخ ... فهو الشاتم، لا من شَتَمك\rذاك شيء لم يشافهك به ... إنما اللوم على من أعلمك\rكيف لم ينصرك؟ إن كان أخا ... ذا وفاء عند من قد ظلمك\rإنما رام بإبلاغ الذي ... نمَّ فيه فاعلَمَنْ أن يُرْغمك\rفأهنه، إنه من لؤمه ... إن تُهنْه بهوان أكرمك\rلكن الحرُّ إذا أكرمته ... لم يُصغِّرك، ولكن فَخَّمك\rأنبأنا محمد بن المهاجر، حدثنا محمد بن عبد الله السويدي قال: سمعت العباس ابن ميمون يقول: شيع المأمون الحسن بن سهل ذا الوزارتين، فلما بلغا غاية التشييع، قال له المأمون: يا حسن، ألك حاجة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، تحفظ عليَّ من قلبك ما لا أستطيع إدراكه الإبك، ويكون بيني وبينك قول كُثَيِّر عزة:\rوكوني على الواشين لَدَّاء شَغَبْة ... كما أنا للواشي ألدُّ شَغُوب\rأخبرنا محمد بن سعيد القزاز، حدثنا محمد بن خزيمة البصري حدثنا حذيفة حدثنا عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير قال: )الذي يعمله النمام في ساعة لا يعمله الساحر في شهر(","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"أخبرنا محمد بن عثمان العقبي، حدثنا محمد بن الحسن الهلالي حدثنا أبو عوانة البصري، حدثنا داود بن شبيب، حدثنا حماد بن سلمة قال: )باع رجل من رجل غلاماً له، وقال: أبرأ إليك من النميمة، فاشتراه على ذلك، فجاء إلى مولاته، فقال: إن زوجك ليس يحبك، وهو يتسَرّى عليك ويتزوج، أفتريدين أن يعطف عليك؟ قالت: نعم، قال: خذي موسى فاحلقي به شعرات من باطن لحيته وبخّريه بها، وجاء إلى الرجل، فقال: إن امرأتك تبغي، وتصادق، وهي قاتلتك، أفتريد أن يبين لك ذلك؟ قال: نعم، قال تناوم لها، قال: فتناوم لها، فجاءت بموسى تحلق الشعر، فأخذها فقتلها، فأخذه أولياؤها فقتلوه( قال أبو حاتم رضي الله عنه: هذا وأمثاله من ثمرة النميمة؛ لأنها تهتك الأستار وتفشي الأسرار، وتورث الضغائن، وترفع المودة، وتجدد العداوة، وتبدد الجماعة وتهيج الحقد، وتزيد الصد، فمن وشي إليه عن أخ كان الواجب عليه معاتبته على الهفوة إن كانت، وقبول الذعر إذا اعتذر، وترك الإكثار من العتب، مع توطين النفس على الشكر عند الحفاظ، وعلى الصبر عند الضياع، وعلى المعاتبة عند الإساءة.\rوأنشدني منصور بن محمد الكريزي:\rكافِ الخليل على المودة مثلَها ... وإذا أساء فكافِه بعتابه\rوإذا عتبت على امرئ أحببته ... فتوقَّ ظاهر عيبه وسبابه\rوألن جناحك ما استلان لوده ... وأجب أخاك إذا دعا بجوابه\rوأنشدني علي بن محمد البسامي:\rأعاتب إخواني، وأبقى عليهمُ ... ولستُ لهم بعد العتاب بقاطع\rوأغفر ذنب المرء إن زَلَّ زلة ... إذا ما أتاها كارهاً غير طائع\rوأجزع من لوم الحليم وعذله ... وما أنا من جهل الجهول بجازع\rأخبرني محمد بن علي الخلادي، أخبرني محمد بن يزيد النحوي عن العتبي عن أبيه قال: عتب ابن الزبير على معاوية في شيء، فدخل عليه، فقال: يا أمير المؤمنين: أسمع أبياتاً أعتبتك فيها، قال: هات، فأنشده:\rلعمرك ما أدري، وإني لأوجل ... على أيّنا تعْدو المنية أول\rوإني على أشياء منك تريبني ... كثيراً لذو صفح على ذاك مُجمل\rإذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طَرَف الهجران لو كان يعقل\rفقال له معاوية: لقد شعرت بعدي يا أبا بكر، فدخل عليه مَعْن بن أوس المزني بعد ذلك، فقال له معاوية: هل أحدثت بعدنا شيئاً؟ قال: نعم، ثم أنشده: - لعمرك ما ادري وإني لأوجل - فقال: عليَّ بابن الزبير، فقال: أليس هذا لك فيما زعمت؟ قال: أنا ألفَّت المعنى، وهو ألف القوافي، وهو بعدُ ظِئْري، ومهما قال من شيء فأنا قلته، فضحك معاوية، وكان مَعْن بن أوس مسُتْرَضعاً في مزُيَنة.\rسمعت الحسين بن إسحاق الأصفهاني يقول: كتب علي بن حجر السعدي إلى بعض إخوانه:\rأحنُّ إلى عتابك، غير أني ... أجِلُّك عن عتابٍ في كتاب\rونحن إذا التقينا قبل موت ... شفيتُ غليلَ صدري من عتابي\rوإن سبقتْ بنا أيدي المنايا ... فكم من عاتب تحت التراب\rوأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rصحائف عندي للعتاب طويتها ... ستنشر يوماً، والعتاب يطولُ\rكتاب لعمري لا بَنَانٌ يَخُطّه ... وسوف يؤديه إليك رسول\rسأكتب إن لم يجمع الله بيننا ... وإن نجتمع يوماً فسوف أقول\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن لا يقصر عن معاتبة أخيه على زلته، لأن من لم يعاتب على الزلة لم يكن بحافظ لخُلّة، ومن أعتب لم يذنب، كما أن من اغتفر لم يعاقب، وظاهر العتاب خير من مكتوم الحقد، ورُبَّ عَتْب أنفع من صفح؛ ولذلك أنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:\rإذا ما أمرؤ ساءتك منه خليقةٌ ... فكاتمته، فالوهْنَ في ذاك تركبُ\rلعلك لو عاتبته، ثم لُمته ... لَسّرك، حتى لم تكن تتعّتبُ\rوأنشدني الكريزي:\rفإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا ... وحقّ لها العتبى لدينا وقَلتِ\rوإن تكن الأخرى، فإن وراءنا ... مفاوز لو سارت بها العِيس كَلَّت","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"قال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يجب على العاقل أن يناقش على تصحيح الأعتاب بالإكثار مخافة أن يعود المعاتب إلى ما عوتب عليه؛ لأن من عاتب على كل ذنب أخاه، فحقيق أن يَمَلّه ويقلاه، وإن من سوء الأدب كثرة العتاب. كما أن من أعظم الجفاء ترك العتاب، والإكثار في المعاتبة بقطع الود، ويورث الصد ولقد أنشدني عبد الله بن أحمد النقيب البغدادي لابن المعتز:\rمعاتبة الإلفين تحسنُ مرّة ... فإن أكثروا إدْمَانها أفسد الحبَّا\rإذا شئتَ أن تُقْلَى فزر مُتتابعاً ... وإن شئت أن نزداد حُبّاً فزر غِبّاً\rوأنشدني محمد بن أبي علي الصيداوي:\rإذا كنت في كل الأمور معاتباً ... خليلك لَمْ تلق الذي لا تعاتبه\rفعش واحداً، أو صِلْ أخاك فإنه ... مقارف ذنبٍ مرةً ومجانبه\rإذا أنت لم تشرب مِراراً على القَذَى ... ظَمِئت، وأي الناس تصفو مشاربه؟\rأخبرنا محمد بن المهاجر حدثنا محمد بن الحسن الذهلي عن أبي السائب قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: )لا تكثر العتاب، فإن العتاب يورث الضغينة والبغضة، وكثرته من سوء الأدب( قال أبو حاتم رضي الله عنه: قد ذكرت ما يشاكل هذه الحكايات في كتاب )مراعاة الإخوان( فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب.\rاستحباب قبول الاعتذار من المعتذر\rأنبأنا علي بن الحسن بن عبد الجبار - بنصيبين - حدثنا علي بن حرب الطائي حدثنا وكيع عن الثوري عن ابن جريج عن العباس بن عبد الرحمن بن مينا عن جودان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )من اعتذر إلى أخيه فلم يقبل كان عليه مثلُ خطيئة صاحب مَكْس( قال أبو حاتم رضي الله عنه: أنا خائف أن يكون ابن جريج رحمه الله ورضوانه عليه دلَّس هذا الخبر بأن سمعه من العباس بن عبد الرحمن فهو حديث حسن.\rفالواجب على العاقل إذا اعتذر إليه أخوه لجرم مضى، أو لتقصير سبق، أن يقبل عذره، ويجعله كمن لم يُذنب؛ لأن من تُنُصِّل إليه فلم يقبل أخاف أن لا يَردَ الحوض على المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن فَرط منه تقصير في سبب من الأسباب يجب عليه الاعتذار في تقصيره إلى أخيه.\rولقد أنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:\rإذا اعتذر الصديق إليك يوما ... من التقصير عذر أخ مُقِّر\rفصُنْه عن جفائك، وأعفُ عنه ... فإن الصفح شِيمَةُ كل حُرِّ\rوأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:\rشفيع من أسلمه جرمه ... إقراره بالجرم والذنب\rوتوبة المذنب من ذنبه ... أعتاب من أصبح ذا عتب\rأنبأ عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي، حدثنا ابن عائشة، قال: غضب سليمان بن عبد الملك على خالد بن عبد الله، فلما دخل عليه قال: يا أمير المؤمنين، القدرة تذُهب الحفيظة، وأنت تَجلُّ عن العقوبة، فإن تعفُ فأهلُ ذاك أنت، وإن تعاقب فأهل ذاك أنا، قال: فَعفَا عنه.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يجب للمرء أن يعتذر بحيلة إلى من لا يجب أن يجدر له عذراً، ولا يجب أن يكثر من الاعتذار إلى أخيه؛ فإن الإكثار من الاعتذار هو السبب المؤدي إلى التهمة، وإني استحب الإقلال من الاعتذار على الأحوال كلها؛ لعلمي أن المعاذير يعتريها الكذب، وقلّ ما رأيتُ أحداً اعتذر إلا شابَ بالكذب، ومن اعترف بالزلة استحق الصفح عنها، لأن ذُلَّ الاعتذار عن الزلة يوجب تسكين الغضب عنها، والمعتذر إذا كان محقاً خضع في قوله، وذَلَّ في فعله، كما أنشدني المنتصر بن بلال:\rأيا ربِّ قد أحسنتَ عوداً وبدأةً ... إليّ، فلم ينهض بإحسانك الشكر\rفمن كان ذا عذر إليك وحُجَّةٍ ... فعذريَ إقراري بأن ليس لي عذر\rوأنشدني الكريزي:\rوإني وإن أظهرتَ لي منك جفوةً ... وألزمتني ذنباً وإنْ كنتُ مجرماً\rلراضٍ لنفسي ما رضيت لها به ... أراكَ بها مني أَبرَّ وأرحما\rأنبأنا محمد بن عثمان العقبي، حدثنا الفيض بن الجهم التميمي، حدثنا عبد الله ابن خُبيق قال: كان يقال: أحتمل من دَلَّ عليك، وأقبل ممن اعتذر إليك.","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"أنبأنا بكر بن محمد بن الوهاب القزاز - بالبصرة - حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو بشر قال: سمعت أبي قال: حدثنا مبارك بن فضالة عن حميد الطويل عن أبي قلابة، قال: إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمس له عذرا، فإن لم تجد له عذراً فقل: لعل له عذراً لا أعلمه.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يجب للمرء أن يعلن عقوبة من لم يعلن ذنبه، ولا يخلو المعتذر في اعتذاره من أحد رجلين: إما أن يكون صادقا في اعتذاره، أو كاذباً؛ فإن كان صادقا فقد أستحق العفوَ؛ لأن شرَّ الناس من لم يُقِل العثرات، ولا يستر الزلات، وإن كان كاذباً فالواجب على المرء إذا علم من المعتذر إثم الكذب وريبته وخضوع الاعتذار وذلته: إن لا يعاقبه على الذنب السالف بل يشكر له الإحسان المحَدث، الذي جاء به في اعتذاره، وليس يَعيبُ المعتذر إن ذَلَّ وخضع في اعتذاره إلى أخيه.\rوأنشدني الأبرش:\rهَبْني أسأتُ، كما زعم ... تَ، فأين عاطفة الأخوَّة؟\rأو إن أسأت، كما أسأ ... تُ، فأين فضلك والمروَّة؟\rوأنشدني علي بن محمد البسامي:\rهَبْني مسيئاً كالذي قلتَ ظالما ... فعفوٌ جميل كي يكونَ لكَ الفضل\rفإن لم أكن للعفو منك ... لسُوء ما أتيتُ به أهلا، فأنت له أهل\rوأنشدني ابن زنجي البغدادي:\rهبني أسأت، وكأني جرُمي ... مثل جرم أبي لهبْ\rفأنا أتوب كما أسأ ... ت، وكم أسأتَ فلم تتب؟\rوأنشدي محمد بن أبي عليّ، أنشدنا الربعي عن الأصمعي:\rأتيتك تائبا من كل ذنب ... وخير الناس من أخطَا فتابا\rأليس اللهُ يُستعفيَ فيعفو ... وقد ملك العقوبة والثوابا؟\rوأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:\rعصيت وتبت، كما قد عصى ... وتاب إلى ربه آدمُ\rفقل قولَ يوسف لا تثرباً ... لكُمْ يغفر الغافر الراحمُ\rأنبأنا محمد بن المهاجر المعدل، حدثنا محمد بن عبد الله الجرزي عن حميد ابن سنان الخالدي - وكان نديماً لأبي دُلَف - قال: دخلت على أبي دلف يوما، وبين يديه كتاب وهو يضحك، فقال: هذا كتاب عبد الله بن طاهر، وفيه أبيات أحبُّ أن أنشدك إياها، وذلك أني كنت اسْتبطأته في بعض المؤامرات، فكتبت إليه:\rأرى وُدَّكم كالورد ليس بدائم ... ولا خير فيمن لا يدوم له عهدُ\rوودي بكم كالآس حُسناً وبَهجْةً ... له نَضْرة تبقى إذا فني الورد\rفكتب إليَّ بهذه الأبيات:\rشَبَّهت ودي الورد، فهو مشاكلي ... وهل زَهَرٌ إلا وسيدها الوردُ\rوشَبّهْتَ منك الود بالآس في البقا ... ولم تخلف التشبه فيك ولم تَعْدُ\rفودُّك كالآس المدير مذاقُهُ ... وليس له في الريح قبلُ ولا بعدُ\rأخبرنا عبد الكبير بن عمر الخطابي بالبصرة، حدثنا أبو حاتم السجستاني عن الأصمعي قال: حدثنا عيسى بن عمر قال: كان لأبي الأسود الدؤلي صديق، فرأى منه بعض ما يكره، فقال أبو الأسود:\rرأيت امرءاً لم أكن أبلهُ ... أتاني، فقال: اتخذني خليلا\rفخالَلْتُه، ثم صافيته ... فلم ينقص الود منه فتيلا\rفراجعته، ثم عاتبته ... عاتبا رفيقاً، وقولاً جميلا\rفألفيته غير مُستَعْتِبٍ ... ولا ذاكرَ الله إلا قليلا\rألستُ حقيقاً بتوديعه ... وأُتْبِعُ ذلك هجراً طويلا؟\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الاعتذار يذهب الهموم، ويُجلْى الأحزان، ويدفع الحقد، ويذهب الصد، والإقلال منه تستغرق فيه الجنايات العظيمة والذنوب الكثيرة، والإكثار منه يؤدي إلى الاتهام وسوء الرأي، فلو لم يكن في اعتذار المرء إلى أخيه خَصْلْة تُحمد إلا نفي التعجب عن النفس في الحال لكان الواجب على العاقل أن لا يفارقه الاعتذار عند كل زَلَّة.\rولقد أنشدني الكريزي\rفانظر إليّ بطرف غير ذي مرض ... فطال ما صحَّ لي من طرفك النظرُ\rأدرك بفضلك عَظْماً كنت تَجْبُره ... واجمع برفقك ما قد كاد ينتشر","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري، حدثنا الغلابي، حدثنا كهدي بن سابق حدثنا عطاء بن مصعب قال: قدم عبد الرحمن بن عَنْبَسة بن سعيد على معن بن زائدة باليمن، وكانت بينهما عداوة، فلما رآه قال له: يا عبد الرحمن، بأي وجه أتيتني؟ ولأي خير أمَّلتني؟ قال: أصلح الله الأمير! اسمع مني حتى أنشدك بيتين قالهما نُصَيب في عبد العزيز بن مروان، قال: وما هما؟ فأنشده:\rلو كان فوق الأرض حيٌّ فعالُه ... كفعلك، أو للفعل منك مقاربُ\rلقلت له هذا، ولكن تَعذَّرَتْ ... سواك على المستعتبين المذاهبُ\rفقال: أقم، فإني لا أواخذك فيما مضى، ولا أعَنِّفُك فيما بقى.\rأنبأنا الخلادي حدثنا محمد بن موسى السِّمرَّي عن حماد بن إسحاق. قال ابن السماك لمحمد بن سليمان، أو حماد بن موسى لكاتبه، ورآه كالمعرض عنه: ما لي أراك كالمعرض عني؟ قال: بلغني عنك شيء كرهته، قال: إذاً لا أبالي، قال: ولم؟ قال: لأنه إن كان ذنباً غفرته، وإن كان باطلا لم تقبله، قال: فعاد إلى المؤانسة.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: قد ذكرت ما يشاكل كل هذه الحكايات في كتاب )مراعاة العشرة(، فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب.\rالحث على لزوم كتمان السر\rأنبأنا محمد بن سليمان بن فارس الدلال، حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد العبدي، حدثنا الهيثم بن أيوب العطار السلمي، حدثنا سهل بن عبد الرحمن عن محمد بن مطرف أبي غسان عن محمد بن المنكدر عن عروة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )استعينوا على الحوائج بكتمان السر، فإن لكل نعمة حاسداً(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: هذا إسناد حسن، وطريق غريب، إن كان عروة هذا هو ابن الزبير بن العوام، وسعيد بن سلام، ما أرى حفظ، حديثه؛ فلذلك تنكبت عن ذكره.\rفالواجب على من سلك سبيل ذَوِي الحجى لُزٌوُم ما انطوى عليه الضمير بتركه إبداء المكنون فيه،، لا إلى ثقة ولا إلى غيره؛ فإن الدهر لا بد من أن يضرب ضرباته، فيوقع ضدّ الوصل بينهما بحالة من الأحوال فيخرجه وجود ضد ما انطوى عليه قديماً من وفائه إلى صحة الخروج بالكلية إلى جفائه، بإبداء مكتوماته، والكشف عن مُخَّبآته.\rولقد أنبأنا محمد بن عثمان العقبي، حدثني محمد بن عبد الكريم العبدي، حدثنا بكر بن يونس بن بكير، حدثني موسى بن علي عن أبيه عن عمرو بن العاص أنه قال: عجبت من الرجل يفرُّ من القدر، وهو مواقعه، ومن الرجل يرى القذَاة في عين أخيه، ويدع الجذع في عينه، ومن الرجل يخرج الضغِّن من موضع ويدع الضغن في نفسه، وما ندمت على أمر قط فُلمْت نفسي على تندمي عليه، وما وضعت سري عند أحد فلمته على أن يفشيه، كيف ألومه وقد ضقت به؟ وأنشدني علي بن محمد البسامي:\rنبيح بِسرِّك ضَيْقْاً به ... وتبغي لسرك مَنْ يكتمُ\rوكتمانك السرَّ ممن تخاف ... ومن لا تخافَنَّهُ أَحْزَمُ\rإذا ذاع سرك من مخبر ... فأنت، وإن لمته، ألْوَمُ\rوأنشدني عبد العزيز بن سليمان:\rإذا ضاق صدر المرء عن بعض سره ... فألقاه في صدري، فصدريَ أضيق\rومن لامني في أن أضيع سره ... وضَّيعه قبلي، فذر السر أخرق\rأخبرنا محمد بن المهاجر المعدل، حدثنا أحمد بن محمد الصيداوي، حدثنا حماد بن إسحاق عن المدائني قال: كان يقال: أصبر الناس الذي لا يفشى سره إلى صديقه مخافة أنم يقع بينهما شيء فيفشيه، وأنشدني البغدادي:\rصُنِ السر بالكتمان يرضيك غِبُّه ... فقد يظهر المرء المضيع فيندم\rفلا تلجئن سراً إلى غير حرزه ... فيظهر حرز السوء ما كنت تكتُمُ\rوأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:\rإذا المرء لم يحفظ سريرة نفسه ... وكان لسرِّ الأخِّ غيرَ كتوم\rفَبُعداً له من ذي أخ ومودة ... وليس على وُدٍّ له بمقيم\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: من حَصَّنَ بالكتمان سره تَم له تدبيره، وكان له الظفر بما يريد، والسلامة من العيب والضرر، وإن أخطأه التمكن والظفر، والحازم يجعل سره في وِعَاء، ويكتمه عن كل مستودع، فإن أضطره الأمر وغلبه أوْدَعه العاقل الناصح له، لأن السر أمانة، وإفشاؤه خيانة، والقلب له وِعَاؤهُ، فمن الأوعية ما يضيق بنا يودع، ومنها ما يتسع لما استودع.\rوأنشدني الكريزي:","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"اجعل لسرك من فؤادك منزلا ... لا يستطيع له اللسان دخولا\rإن اللسان إذا استطاع إلى الذي ... كتم الفؤاد من الشئون وصولا\rألفيت سرَّك في الصديق وغيره ... من ذي العداوة فاشياً مبذولا\rوأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:\rسأكتمه سري وأكتم سره ... ولا غَرَّني أني عليه كريم\rحليم فيفشى، أو جهول يذيعه ... وما الناس إلا جاهل وحليم\rأخبرني محمد بن سعيد القزاز، حدثنا إبراهيم بن الجنيد، حدثني علي بن عيسى عن محمد عن ابن الأعرابي قال: كان يقال: العاقل مَنْ حَذِرَ صديقه.\rوأنشدني بعض إخواننا:\rلعمرك كتمان الفتى سِرَّ ما نوى ... أعفُّ وأدنى للرشاد وأكرمُ\rوأجْملُ في بثّ الحديث مقالة ... وأحسن في الأخلاق دوماً وأحزم\rوأنشدني الكريزي:\rإذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها ... فأنت إذا حَّملته الناسَ أضيعُ\rويضحك في وجهي إذا ما لقيته ... وينهشني بالغيب يوماً ويلسع\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الإفراط في الاسترسال بالأسرار عجز، وما كتمه المرء من عدوه فلا يجب أن يظهر لصديقه، وكفى لذوي الألباب عِبرَاً ما جربوا، وما استودع حديثاً فليستر، ولا يكن مِهْتَاكاً، ولا مِشيْاَعاً؛ لأن السر إنما سراًّ؛ لأنه لا يفشى.\rفيجب على العاقل أن يكون صدره أوسع لسره من صدر غيره بأن لا يفشيه ولقد أنبأنا محمد بن المهاجر العدل، حدثنا محمد بن إسماعيل بن يعقوب الأعلم قال: أنشدني محمد بن سليمان بن سلام الجمحي لرجل من عبد شمس:\rإذا ما ضاق صدرك عن حديث ... فأفشاه الرجالُ، فمن تلومُ؟\rإذا عاتبتُ من أفشى حديثي ... وسرِّى عنده فأنا الظلَّوم\rوإني يوم أسأم حمل سرى ... وقد ضَمَّنته صدري سؤوم\rفلست مُحدِّثاً سرى خليلي ... ولا نفسي إذا حضرت هموم\rوأطوي السرَّ دون الناس: إني ... لما استودعت من سر كَتُومُ\rوأنشدني علي بن حيدة الكاتب، قال: أنشدنا عبد الرحمن بن بندار لشيطان الطاق.\rأمتِ السر بكتمان ولا ... يُسمعن منك إذا استودعت سرّ\rفإذا ضقت به ذراعاً، فلا ... تضعنْ سرك إلا عند حُر\rأنبأنا محمد بن سعيد القزاز، حدثنا الرمادي، حدثنا مسدد قال: سمعت ابن داود يقول: سمعت الأعمش يقول: يضيق صدر أحدهم بسره، حتى يحدث به، ثم يقول: أكتمه عليّ: وأنشدني إبراهيم بن علي الظفري أنشدني الحسين بن عبيد الله:\rلا يكتم السر إلا من له شرف ... والسر عند كرام الناس مكتوم\rالسر عنديَ في بيت له غَلَق ... ضلت مفاتيحه والبابُ مختوم\rأنبأنا الخلادي، حدثنا أحمد بن عبد الله بن شجاع البياضي، قال: أنشدنا عبد الرحمن بن محمد:\rوإني لأنسى السر كيما أصُونه ... فيا مَنْ رأى شيئاً يُصَان بأن ينسى\rمخافة أن يجري ببالي ذكره ... فيخلسه قلبي إلى منطقي خلساً\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الظفر بالحزم، والحزم بإجالة الرأي، والرأي بتحصين الأسرار، ومن كتم سره كانت الخيرة في يده، ومن أنبأ الناس بأسراره هان عليهم وأذاعوها، ومن لم يكتم السر استحق الندم، ومن استحق الندم صار ناقص العقل، ومن دام على هذا رجع إلى الجهل.\rفتحصين السر للعاقل أولى به من التلهف بالندم بعد خروجه منه.\rولقد أحسن الذي يقول:\rخشيتُ لساني أن يكون خؤُونا ... فأودعته قلبي، فكان أمينا\rفقلت، ليخفي دون شخصي وناظري: ... أيا حَرَكَاتي كنَّ فيّ سكونا\rأنبأنا إبراهيم بن إسحاق الأنماطي، حدثنا محمد بن سليمان المصيصي، حدثنا ابن عيينة عن ابن شُبْرُمَة عن الحسن في تعالى )159:3 وشاورهم في الأمر( قال: ما كان يحتاج إليهم، ولكن أحب أن يَسْتنّ به بعده.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: المستشار مؤتمن، وليس بضامن، والمستشير متحصن من السقط، متخير للرأي.\rوالواجب على العاقل السالك سبيل ذوي الحجى: إن يعلم أن المشاورة تفشي الأسرار، فلا يستشير إلا اللبيب الناصح الودود الفاضل في دينه، وإرشاد المشَيِرِ المستشير قضاءُ حق النعمة في الرأي، والمشورة لا تخلو من البركة إذا كانت مع مثل من وصفنا نَعْته.","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"ولقد أنبأنا عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي، حدثنا ابن عائشة، قال: قال الحسن ما حزب قوما قط أمر فاجتمعوا فتشاوروا فيه إلا أرشدهم الله لأصوبه.\rوأنشدني الكريزي:\rدَبِّرْ إذا ما رمت أمراً بفكرة ... لتعلم ما تأتي وما تتجنبُ\rوشاور نقىَّ الرأي عند التباسه ... لكي يَضِحَ الأمر الذي هو أصوب\rوأنشدني المنتصر بن بلال:\rلا تسبقنَّ الناس بالرأي وأتئد ... فإنك تعجَل إلى القول تَزْلِل\rولكن تصفَّح رأي من كان حاضراً ... وقل بعدهم رسلا، وبالحق فاعمل\rأنبأنا محمد بن عثمان العقبي، حدثني يحيى بن زيد بن محمد الأبلي، حدثني إسماعيل بن حبيب أبو حميد الأبلي عن عبد الله بن الديلمي عن وهب بن منبه أنه قال: في التوراة أربعة أحرف مكتوبة: من لم يشاور يندم، ومن استغنى أستأثر، والفقر الموت الأحمر، وكما تدين تُدان.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: لا أنْسَ آنَسُ مِنَ استشارة عاقل ودود، ولا وحشةَ أوحش من مخالفته؛ لأن المشاورة والمناظرة بابا بركة ومفتاحا رحمه، من استشير فليشر بالنصيحة، وليجتهد بالرأي، وليلزم الحق، وقصد السبيل وليجعل المستشير كنفسه بترك الخيانة، وبذل النصيحة، وليكن كما أنشدني علي ابن محمد البسامي:\rومن الرجال إذا زَكَتْ أحلامُهُمْ ... مَنْ يستشار إذا استشير فيطرق\rحتى يجول بكل واد قلبُه ... فيرى ويعرف ما يقول وينطق\rإن الحليم إذا تفكر لم يكد ... يخفى عليه من الأمور الأوفق\rأنبأنا أبو يعلى، حدثنا غسان بن الربيع، حدثنا يزيد بن ثابت عن إياس ابن دغفل عن الحسن: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال )ما شاور قوم قط إلا هدوا إلى رشدهم(.\rأخبرني محمد بن المنذر، حدثنا أحمد بن خالد السيرافي، حدثنا شيبان، حدثنا أبو الأشهب قال: قال الحسن: لا يندم من شاور مرشدا.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل إذا استشير قوم هو فيهم أن يكون آخر من يشير؛ لأنه أمكن من الفكر وأبعد من الزلل، وأقرب من الحزم، وأسلم من السقط، ومن استشار فلينفذ الحزم بأن لا يستشير عاجزاً، كما أن الحازم لا يستعين كَسِلا، وفي الاستشارة عين الهداية، ومن استشار لم يعدم رشدا، ومن ترك المشاورة لم يعدم غَيّاً ولا يندم من شاور مرشدا، وقد أنشدني الواسطي:\rالهمُّ ما لم تمضه لسبيله ... سقمُ القلوب وآفة الأبدان\rومُعَول الرجل الموفق رأيه ... عند اعتراض طوارق الأحزان\rوإذا الحوادث سددت أسبابه ... كان التبصر أنجد الأعوان\rوإذا أضل سبيله تدبيرُه ... طلب الهدى بتشاور الإخوان\rأنبأنا محمد بن عثمان العقبي، حدثنا مطروح بن شاكر، حدثنا أصبغ عن ابن وهب عن إبراهيم بن نشيط عن ابن أبي حسين قال: كان يقال: ما هلك أمرؤ عن مشورة، ولا سعد بتوحيد قال أبو حاتم رضي الله عنه: إن من شيم العاقل عند النائبة تَنُوبه: إن يشاور عاقلا ناصحا ذا رأي يطيعه، وليعترف للحق عند المشورة، ولا يتمادى في الباطل بل يقبل الحق ممن جاء به، ولا يحقر الرأي الجليل إذا أتاه به الرجل الحقير؛ لأن اللؤلؤة الخطيرة لا يشينها قلة خطر غائصها الذي استخرجها، ثم ليستخر الله، وليمض فيما أشار عليه وقد أنشدني البغدادي:\rأطع الحليم إذا الحليمُ عصاكا ... إن الحليم إذا عصاك هداكا\rوإذا استشارك من تودُّ، فقل له: ... أطع الحليم إذا الحليم نهاكا\rولئن أبيتَ لتأتَينَّ خلافه ... أرباً يحوطك، أو يكون هلاكا\rوأعلم بأنك لن تسود، ولن ترى ... سبُل الرشاد إذا أطعت هواكا\rأنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن عبد المؤمن بجرجان، حدثنا محمد بن حميد البزاز، حدثنا جرير عن ابن المقفع عن وزير كسرى قال: ثلاثة ليس لهم رأي فلا تستشيروهم: صاحبُ الخفِّ الضيقِّ، وحاقن البول، وصاحب المرأة السوء السلَّيطة.\rالحث على لزوم النصيحة للمسلمين كافة\rأنبأنا الحسين بن محمد بن أبي معشر - بحران - حدثنا عبد الرحمن بن عمرو البجلي، حدثنا زهير بن معاوية عن سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم(.","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل لزوم النصيحة للمسلمين كافة، وترك الخيانة لهم بالإضمار والقول والفعل معا، إذ المصطفى صلى الله عليه وسلم كان يشترط على من بايعه من أصحابه )النصح لكل مسلم( مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.\rوأخبرني محمد بن أبي علي الخلادي، حدثنا محمد بن الحسن الذهلي عن أبي السائب قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه )لا تعمل بالخديعة فأنها خُلُق اللئام، وامْحَضْ أخاك حسنه كانت أو قبيحة، وزُلْ معه حيث زال(.\rوأنشدني الكريزي:\rقل: للنصيح الذي أهدى نصيحته ... سِرّاً إلينا، وسامته التكاليفُ\rالنصح ليس له حدٌّ فتعرفه ... والنصح مستوحش منه ومألوف\rحتى إذا صَرَّخَتْ عَنَّا عواقبه ... كانت لنا عِظَةٌ منه وتعنيف\rلو كان للنصح حدٌّ يُستبان به ... ما نالنا حَسْرَة منه وتلهيف\rلكن له سُبلٌ شَتَّى مخالفة ... بغْضٌ لبعضٍ، فمجهول ومعروف\rوالناس غاوٍ، وذو رشد، ومختاط ... والنصح ممضى، ومردود وموقوف\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: خير الإخوان أشدهم مبالغة في النصيحة، كما أن خير الأعمال أحمدها عاقبة، وأحسنها إخلاصا، وضرب الناصح خير من تحية الشانئ.\rويجب أن يكون للعاقل نصيحة مبذولة للعامة مكتوما من العام والخاص ما قدر عليه، وليس الناصح بأولى بالنصيحة من المنصوح له.\rوأنبأنا عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن القاسم التيمي، حدثني أبي قال )لما قدم على الكوفة لقيه المغيرة بن شُعبة، فقال له: إني أشير عليك رأي فاقبله، قال: هات، قال: أقرَّ معاوية على الشام، يسمح لك طاعته، فإن أهل الشام قد ذاقوه فاستعذبوه، ووليهم عشرين سنة لم يعتبوا عليه، ولم يعتبوه في عرض ولا مال، فقال: والله لو سألني قرية ما وليته إياها، قال: فقال المغيرة: أراه سَيَلي أرضين وقَرْيات(.\rأنبأنا محمد بن المهاجر، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا ابن المبارك عن معمر عن يحيى بن المختار عن الحسن قال )المؤمن شُعبة من المؤمن، وهو مرآة أخيه، إن رأى منه ما لا يعجبه سدَّده وقوَّمه ونصحه السر والعلانية( وأنشدني علي بن محمد البسامي:\rأمِنْتُ على السر امرءا غير حازم ... ولكنه في النصح غيرُ مريب\rفذاع في الناس، حتى كأنما ... بعلياء نارٌ أوقدت بثَقُوب\rفما كل ذي لب بمؤتيك نُصَحه ... وما كان مُؤتٍ نصحه بلبيب\rولكن إذا ما استجمعا عند واحد ... فحق له من طاعة بنصيب\rسمعت محمد بن نصر بن نوفل المروزي يقول: سمعت أبا داود السنجي يقول: سمعت ابن الأعرابي يقول: قال بعض الحكماء )اثنان ظالمان: رجل أهديت له النصيحة فاتخذها ذنبا، ورجل وسع له في مكان ضيق فجلس متربعا( قال أبو حاتم رضي الله عنه: النصيحة محاطة بالتهمة، وليست إلا لمن قبلها، كما أن الدنيا ليست إلا لمن تركها، ولا الآخرة إلا لمن طلبها، وليس على كل ذي نصح إلا الجهد، لو لم يقبل من نصحائه ما يثقل عليه لم يحمد غب رأيه، ومشاورة الأصم أحمد من الناصح المعرض عنه، ومن بذل نصيحة لمن لا يشكر كان كالباذر في السباخ، وأكثر ما يوجد ترك قبول النصيحة من المعجب برأيه، وأنشدني الأبرش:\rإذا نصحت لذي عُجْب لترشده ... فلم يطعك، فلا تنصح له أبدا\rفإن ذا العجب لا يعطيك طاعته ... ولا يجب إلى إرشاده أحد\rوما عليك، وإن غاوٍ غوى حِقَباً ... إن لم يكن لك قُرْبى، أو يكن ولدا\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: النصيحة تجب على الناس كافة على ما ذكرنا قبل، ولكن إبداؤها لا يجب إلا سرا؛ لأن من وعظ أخاه علانية فقد شانه، ومن وعظه سرّاً فقد زانه، فإبلاغ المجهود للمسلم فيما يزين أخاه أحرى من القصد فيما يشينه.\rولقد أنبأنا محمد بن عثمان العقبي، حدثنا الرمادي، حدثنا علي بن المديني، حدثنا سفيان قال: قلت لمِسعَر )تجنب أن يخبرك رجل بعيوبك؟ قال: أما أن يجئ إنسان فيوبِّخني بها فلا، وأما أن يجئ ناصح فنعم(.","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"أخبرنا محمد بن أبي علي الخلادي حدثنا محمد بن المغيرة النوفلي حدثنا محمد بن علي الشقيقي حدثنا أبي عن ابن المبارك قال )كان الرجل إذا رأى من أخيه ما يكره أمره في ستر، ونهاه في ستر، فيؤجر في ستره، ويؤجر في نهيه، فأما اليوم فإذا رأى أحد من أحد ما يكره استغضب أخاه، وهتك ستره( أخبرنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا محمد بن منصور حدثني علي بن المديني عن سفيان قال: جاء طلحة إلى عبد الجبار بن وائل - وعنده قوم - فسارَّه بشيء، ثم أنصرف، فقال: أتدرون ما قال لي؟ قال: رأيتك التفتَّ أمس وأنت تصلي( قال أبو حاتم رضي الله عنه: النصيحة إذا كانت على نعت ما وصفنا تقيم الألفة، وتودي حق الأخوة.\rوعلامة الناصحِ أراد زينة المنصوح له أن ينصحه سراً، وعلامة من أراد شينه أن ينصحه عَلاَنية، فليحذر العاقل نصحه الأعداء في السر والعلانية.\rولقد أنشدني ابن زنجي البغدادي:\rفكم من عدو مُعْلنٍ لك نصحَه ... علانية، والغش تحت الأضالع\rوكم من صديق مرشدٍ قد عصيتَه ... فكنتَ له في الرشد غيرَ مطاوع\rوما الأمر إلا بالعواقب؛ إنها ... سيبدو عليها كل سر وذائع\rوأنشدني منصور بن محمد الكريزي:\rوصاحب غيرِ مأمون غوائلهُ ... يبدي ليَ النصحَ منه وهو مشتمل\rعلى خلاف الذي يُبْدِي ويظهره ... وقد أحطت بعلمي أنه دَغِل\rعفوت عنه انتظاراً أن يثوبَ له ... عقلٌ إليه من الزلات ينتقل\rدهرا فلما بدا لي أنَّ شيمته ... غش وليس له عن ذاك مُنْتَقَلُ\rتركته ترك قالٍ لا رجوع له ... إلى مودته مل حَنَّت الإبل\rأخبرنا عبد الله بن محمد القيراطي حدثنا محمد بن يزيد الملقب يحَمْش حدثنا يعلن بن عبيد حدثنا أبو حيان عن أبيه قال: كتب الربيع بن خيثم وصية: )بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصي به الربيع بن خيثم، وأشهد عليه وكفى بالله شهيداً وجازياً لعباده الصالحين مثيباً، إني رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، وأن يعبد الله ومن أطاعني في العابدين ويحمَدَه في الحامدين، وينصح لجماعة المسلمين(.\rوصية الخطاب بن المعلي المخزومي ابنه\rأخبرني محمد بن المنذر بن سعيد حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي حدثني عبد الرحمن بن أبي عطية الحمصي عن الخطاب بن المعلي المخزومي القرشي أنه وعظ أبنه فقال )يا بني، عليك بتقوى الله وطاعته، وتجنب محارِمَه باتباع سنته ومعالمه حتى تصح عيوبك، وتقر عينك، فإنها لا تخفي على الله خافية، وإني قد وَسمت لك وسما، ووضعت لك رسماً، إن أنت حفظته ووعيته وعملت به ملأت أعين الملوك، وانقاد لك به الصعلوك، ولم تزل مرتجي مشرفا يُحتاج إليك، ويرُغب إلى ما في يديك، فأطع أباك، واقتصر على وصية أبيك، وفَرِّغ لذلك ذهنك، واشغل به قلبك ولبًكَّ، وإياك وهَذْر الكلام، وكثرة الضحك والمزاح، ومهازلة الإخوان، فإن ذلك يذهب البهاء، ويوقع الشحناء، وعليك بالرزانة والتوقر، من غير كبر يوصف منك، ولا خُيلاء تحكى عنك، والقَ صديقك وعدوك بوجه الرضى، وكفّ الأذى، من غير ذِلةّ لهم ولا هيبة منهم، وكن في جميع أمورك في أوسطها؛ فإن خير الأمور أوساطها، وقلل الكلام، وأفش السلام وأمش متمكنا قَصْدا، ولا تخطّ برجلك، ولا تسحب ذيلك، ولا تَلْوِ عُنقك، ولا ردائك، ولا تنظر في عطفك، ولا تكثر الالتفات، ولا تقف على الجماعات، ولا تتخذ السوق مجلسا، ولا الحوانيت متحدثا، ولا تكثر المراء، ولا تنازع السفهاء، فإن تكلمت فاختصر، وإن مزحت فاقتصر، وإذا جلست فتربع، وتحفظ من تشبيك أصابعك وتفقيعها، والعَبَث بلحيتك وخاتمك، وذؤابة سيفك وتخليل أسنانك، وإدخال يديك في أنفك، وكثرة طرد الذباب عنك، وكثرة التثاؤب والتمطِّي، وأشباه ذلك مما يستخفه الناس منك، ويغتمزون به فيك.","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"وليكن مجلسك هادياً، وحديثك مقسوما، وأصغ إلى الكلام الحسن ممن حدثك، بغير إظهار عجب منك، ولا مسألة إعادة، وغُضَّ من الفكاهات من المضاحك والحكايات، ولا تحدث عن إعجابك بولدك، ولا جاريتك، ولا عن فرسك، ولا عن سفك، وإياك وأحاديث الرؤيا، فإنك إن أظهرت عجباً بشيء منها طمع فيها السفهاء، فولدوا لك الأحلام، واغتمزوا في عقلك، ولا تصَنَّع تصَنُّع المرأة، ولا تَبذَّل تبَذُّل العبد، ولا تهلُب لحيتك ولا تُبَطنها، وتوق كثرة الحفّ، ونتف الشيب، وكثرة الكحل، والإسراف في الدهن، وليكن كحلك غَّباً، ولا تلحَّ في الحاجات، ولا تخشع في الطلبات، ولا تعّلم أهلك وولدك - فضلا عن غيرهم - عدَد مالك، فإنهم إن رأوه قيلا هُنتَ عليهم، وإن كان كثيراً لم تبلغ به رضاهم، وأخفْهمُ في غير عنف، ولِنْ لهم في غير ضعف، ولا تهازل أمَتك، وإذا خاصمت فتوقَّر، وتحفظ من جهلك، وتجنب عن عجلتك، وتفكر في حُجَّتك، وأر الحاكم شيئاً من حلمك، ولا تكثر الإشارة بيدك، ولا تَحَفَّز على ركبتيك، وتوقَّ حمرة الوجه، وعَرَق الجبين وإن سُفه عليك فاحلم، وإذا هدأ غضبك فتكلم، وأكرم عرضك، وألق الفضول عنك، وإن قربك سلطان فكن منه على حد السنان، وإن استرسل إليك فلا تأمن من انقلابه عليك، وأرفق به رفقك بالصبي، وكلم بما يشتهي، ولا يحملنك ما ترى من إلطافه إياك، وخاصته بك: إن تدخل بينه وبين أحد من ولده وأهله وحشمه، وإن كان لذلك منك مستمعاً، وللقول منك مطيعاً، فإن سقطة الداخل بين الملك وأهله صَرْعةٌ لا تنهض، وزلَّةَّ لا تقُال، وإذا وعدت فحقق، وإذا حدثت فاصدق، ولا تجهر بمنطقك كمنازع الأصم، ولا تخافت به كتخافت الأخرس، وتخير محاسن القول بالحديث المقبول، وإذا حدثت بسماع فانسبه إلى أهله، وإياك الأحاديث العابرة المشنِّعة التي تنكرها القلوب، وتقفُّ لها الجلود، وإياك ومضعَّف الكلام مثل: نعم، نعم، ولا، لا، وعجل، وعجل، وما أشبه ذلك، وإذا توضأت فأجدْ عَرَك كفيك، وليكن وضعك الحُرُض من الأشنان في فيك كفعلك بالسواك، ولا تنخَّع في الطِّسْت، وليكن طرحك الماءَ فيك مترسلا، ولا تَمُجَّ فَتَنْضِحَ على أقرب جلسائك، ولا تَعَضَّ نصف اللقمة، ثم تعيد ما بقي منها منصبغاً، فإن ذلك مكروه، ولا تكثر الاستسقاء على مائدة الملك، ولا تعبث بالمشُاش، ولا تعب شيئاً مما يقرب إليك على مائدة بقلة خل أو تابل أو عسل، فإن السحابة قد صيرت لنفسها مهابة، ولا تمسك إمساك المثبور، ولا تُبذر تبذير السفيه المغرور، واعرف في مالك واجبَ الحقوق، وحرمة الصديق، واستغن عن الناس يحتاجوا إليك، وأعلم أن الجشَع يدعو إلى الطبع، والرغبةُ كما قيل تدق الرقبة، وربَّ أكلة تمنع أكلات، والتعفف مال جسيم، وخلق كريم، ومعرفة الرجل قدره، تشرف ذكره، ومن تعدى القدر، هوى في بعيد القعر، والصدق زين، والكذب شين، ولَصِدقٌ يُسرع عطبَ صاحبه أحسنُ عاقبة من كذب يسلم عليه قائله، ومعاداة الحليم خير من مصادقة الأحمق، ولزوم الكريم على الهوان خير من صحبة اللئيم على الإحسان، ولَقرب ملك جواده، خير من مجاورة بحر طرّاد، وزوجة السوء الداء العُضال ونكاح العجوز يذهب بماء الوجه، وطاعة النساء تزري بالعقلاء.\rتشبه بأهل العقل تكن منهم، وتصنع للشرف تدركه.\rواعلم أن كل امرئ حيث وضع نفسه، وإنما ينسب الصانع إلى صناعته، والمرء يعرف بقرينه، وإياك وإخوان السوء فإنهم يخونون من رافقهم، ويحزنون من صادقهم، وقربُهم أعدي من الجَرب، ورفضهم مكن استكمال الأدب، واستخفار المستجير لؤم والعجلة شؤم، وسوء التدبير وهن.\rوالأخوان اثنان: فمحافظ عليك عند البلاء، وصديق لك في الرخاء، فاحفظ صديق البلاء وتجنب صديق العافية، فإنهم أعدى الأعداء.\rومن أتبع الهوى، مال به الردى، ولا يعجبك الجهم من الرجال، ولا تحقر ضئيلا كالخلال فإنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، ولا ينتفع به بأكثر من أصغريه.\rوتوقّ الفساد، وإن كنت في بلاد الأعادي، ولا تفرش عرضك لمن دونك، ولا تجعل مالك أكرم عليك من عرضك، ولا تكثر الكلام فتثقل على الأقوام وامنح البِشر جليسك، والقبول ممن لاقاك.","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"وإياك وكثرة التبريق والتزليق، فإن ظاهر ذلك ينسب إلى التأنيث وإياك والتصنع لمغازلة النساء، وكن متقرباً، متعززاً، منتهزاً في فرصتك، رفيقاً في حاجتك، متثبتاً في حملتك، والبس لكل دهر ثيابه، ومع كل قوم شكلهم.\rوأحذر ما يلزمك اللائمة في آخرتك، ولا تعجل في أمر حتى تنظر في عاقبته، ولا ترد حتى ترى وجه المصدر.\rوعليك بالنُّورة في كل شهر مرة، وإياك وحلاقَ الإبط بالنورة، وليكن السواك من طبيعتك، وإذا استَكْتَ فعَرضاً، وعليك بالعمارة، فإنها أنفع التجارة، وعلاج الزرع خير من اقتناء الضرع، ومنازعتك اللئيم تطمعه فيك، ومن أكرم عرضه أكرمه الناس، وذم الجاهل إياك أفضل من ثنائه عليك، ومعرفة الحق من أخلاق الصدق، والرفيق الصالح ابن عم، ومن أيسر أكبر، ومن أفتقر احتقر، قصر في المقالة، مخافة الإجابة، والساعي إليك غالب عليك، وطول السفر ملالة وكثرة المنى ضلالة، وليس للغائب صديق، ولا على الميت شفيق، وأدب الشيخ عناء، وتأديب الغلام شقاء، والفاحش أمير، والوَقاح وزير، والحليم مطية الأحمق، والحمق داء لا شفاء له والحلم خير وزير، والدين أزين الأمور، والسماجة سفاهة، والسكران شيطان، وكلامه هذيان، والشعر من السخر والتهدد هُجْر، والشح شقاء، والشجاعة بقاء، والهدية من الأخلاق السَّرية، وهي تورث المحبة، ومن أبتدأ المعروف صار دَينا، ومن المعروف ابتداء من غير مسألة، وصاحب الرياء يرجع إلى السخاء، ولَرياء بخير خير من معالنة بشر، والعرق نزَّاع، والعادة طبيعة لازمة: إن خير فخير، وإن شراً فشر، ومن حل عَقداً احتمل حقدا، ومراجعة السلطان خُرْق بالإنسان، والفرار عار، والتقدم مخاطرة، وأعجل منفعة إيسار في دعة، وكثرة العلل من البَخَل، وشر الرجال، الكثير الاعتلال وحسن اللقاء، يذهب بالشحناء، ولين الكلام، من أخلاق الكرام.\rيا بني، إن زوجة الرجل سَكَنه، ولا عيش له مع خلافها، فإذا هممت بنكاح امرأة فسلْ عن أهلها، فإن العروق الطيبة تنبت الثمار الحلوة.\rوأعلم أن النساء أشد اختلافا من أصابع الكف، فتوقَّ منهن كل ذات بَذا مجبولة على الأذى، فمنهن المعجبة بنفسها، المزرية ببعلها، إن أكرمها رأته لفضلها عليه، لا تشكر على جميل، ولا ترضى منه بقليل، لسانها عليه سيف صقيل، قد كشفت القِحَةُ ستر الحياء عن وجهها، فلا تستحي من إعوارها، ولا تستحي من جارها، كلبة هرَّارة، مُهارشة عَقاّرة، فوجه زوجها مكلوم، وعرضة مشتوم، ولا ترعى عليه لدين ولا الدنيا، ولا تحفظه لصحبة ولا لكثرة بنين، حجابه مهتوك، وستره منشور، وخيره مدفون، يصبح كئيبا، ويمسي عاتباً، شرابه مر، وطعامه غيظ، وولده ضياع، وبيته مستهلَك، وثوبه وسخ، ورأسه شعث، إن ضحك فواهن، وإن تكلم فمتكاره، نهاره ليل، وليله ويل، تلدغه مثل الحية العقارة، وتلْسَعُه مثل العقرب الجرارة.\rومنهن شفشليق شعشع سلفع، ذات سم منقع، وإبراق واختلاف، تهب مع الرياح، وتطير مع كل ذي جناح، إن قال: لا، قالت: نعم، وإن قال: نعم، قالت: لا، مولدة لمخازيه، محتقرة لما في يديه، تضرب له الأمثال، وتقصر به دون الرجال، وتنقله من حال إلى حال، حتى قلا بيته، ومَلَّ ولده، وغثَّ عيشه، وهانت عليه نفسه، وحتى أنكره إخوانه ورحمه جيرانه.\rومنهن الورْهاء الحمقاء: ذات الدَّل في غير موضعها، الماضغة للسانها، الآخذة في غير شأنها، قد قنعت بحبه، ورضيت بكسبه، تأكل كالحمار الراتع، تنتشر الشمس ولما يُسمعْ لها صوت، ولم يكنس لها بيت، طعامها بائت، وإناؤها وضِر، وعجينها حامض، وماؤها فاتر، ومتاعها مزروع، وماعونها ممنوع، وخادمها مضروب، وجارها محروب.\rومنهن العطوف الودود، المباركة الولود، المأمونة على غيبها، المحبوبة في جيرانها، المحمودة في سرها وإعلانها، الكريمة التبعل، الكثيرة التفضل، الخافضة صوتا، النظيفة بيتا، خادمها مسمن، وابنها مزين، وخيرها دائم، وزوجها ناعم، موموقة مألوفة، وبالعفاف والخيرات موصوفة.\rجعلك الله يا بني ممن يقتدي بالهدى، ويأتم بالتقي، ويجتنب السخط، ويحب الرضى.\rوالله خليفتي عليك، والمتولي لأمرك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد نبي الهدى وعلى آله وسلم تسليما كثيرا.\rالزجر عن تهاجر المسلمين كافة","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"حدثنا أبو يعلى الموصلي حدثنا وهب بن بقية الواسطي حدثنا خالد بن عبد الله عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )لا تباغَضوا، ولا تنافَسوا، ولا تحاسدوا، ولا تَدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يحل التباغض ولا التنافس ولا التحاسد ولا التدابر بين المسلمين، والواجب عليهم أن يكونوا إخوانا كما أمرهم الله ورسوله فإذا تألم واحد منهم تألم الآخر بألمه، وإذا فرح فرح الآخر بفرحه، ينفى الغش والدَّغل، مع استسلام الأنفس لله عز وجل، مع الرضا بما يوجب القضاء في الأحكام كلها، ولا يجب الهجران بين المسلمَيْنِ عند وجود زلة من أحدهما، بل يجب عليهما صرفها إلى الإحسان والعطف عليه بالإشفاق، وترك الهجران.\rولقد حدثني محمد بن المهاجر حدثني موسى بن محمد الأخباري عن النميري حدثني محمد بن يحيى النكتاني قال: أنشدني أبو غزية لمعاوية بن عبد الله بن جعفر:\rلا يُزْهِدَنَّك في أخ ... لك أن تراه زل زلّه\rوالمرءُ يطرحه الذي ... ن يلونه في شر ألةّ\rويخونه من مأمن ... أهل البطانة والدِّخِلة\rوالموت أعظم حادث ... مما يمر على الجِبِلة\rأنشدني محمد بن الحسن بن قتيبة أنشدني حميد بن عياش:\rولا تك في حب الإخلاء مفرطا ... فإن أنت أبغضت البغيض فأجملِ\rفإنك لا تدري متى أنت مبغض ... حبيبَك أو تهوي البغيض فأعقل\rوأنشدني عمرو بن محمد بن عبد الله النسوي لثعلب:\rوما صدودُ ذوات الدّل يُرْمضُني ... لكنما الموت عندي صدُّ إخواني\rإني لأصْبَرُ من عَوْد به جُلَب ... عند الملمّاتِ إلا عند هجران\rإذا رأيت أزورارا من أخي ثقة ... ضاقت علي برحب الأرض أوطاني\rوأنشدني الأبرش:\rأُبلُ الرجال إذا أردتَ إخاءهم ... وتوسمنّ أمورهم وتفقّدِ\rفإذا ظفرت بذي اللبابة والتقى ... فبه اليدين قريرَ عينٍ فاشدُدِ\rفمتى يزَلِّ، ولا محالة، زلةً ... فعلى أخيك بفضل حلمك فاردد\rوإذا الخَنى نقض الحُبى في مجلس ... ورأيت أهل الطيش قاموا فاقعد\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يجب للمرء أن يدخل في جملة العوام والهمج بإحداث الود لإخوانه، وتكديره لهم بالخروج بالسبب الذي يؤدي إلى الهجران الذي نهى المصطفى صلى الله عليه وسلم عنه بينهم، بل يقصد قصده الإغضاءَ عن ورود الزلات، ويتحرى ترك المناقشة على الهفوات، ولا سيما إذا قيل في أحدهم الشيء الذي يحتمل أن يكون حقا وباطلا معا، فإن الناس ليس يخلو وصلهم من رشق أسهم العذال فيه.\rولقد سمعت محمد بن عثمان العقبي يقول: سمعت عبد العزيز بن عبد الله يقول: قال محمد بن حميد:\rومن ذا من عيوبِ الناس ناجٍ ... بحقٍّ قيل فيه، أو قراف\rقبيح بي إذا خاللتُ خلا ... ولازَم خُلتي أن لا أكافي\rوكلُّ مودة لا خير فيها ... إذا لم تحتمل حقَّ المُصافي\rفأما في الكلام فكم وفيٍّ ... ولكنْ في الشدائد لا يوافي\rإذا أحببتُ لم أنقض إخائي ... ولم ابن الإخاء على اعتساف\rولكن أمنحُ الكرماءَ وُدّاً ... ولا أدعو اللئام إلى العطاف\rمتى تقطعْ صديقك بعد وصل ... ولا تثبت، فعهدك غير واف\rإذا ما المرء لم تُطِقْه ... وصار المستقيم إلى خلاف\rسمعت محمد بن المنذر يقول: سمعت محمد بن عبد الرحمن يقول: سمعت أبا عمار الحسين بن حريث يقول: قيل لرجل: ألك عيوب؟ قال: لا، قيل له: فلك مَنْ يلتمسها؟ قال: نعم، قال: فما أكثر عيوبكّ!.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: السبب المؤدي إلى الهجران بين المسلمين ثلاثة أشياء: إما وجود الزلة من أخيه - ولا محالة يزل - فلا يغضي عنها ولا يطلب لها ضدها، وإبلاغ واشٍ يقدح فيه، ومشى عاذل بثلب له فيقبله ولا يطلب لتكذيبه سبباً ولا لأخيه عذراً، وورود ملل يدخل على أحدهما، فإن الملالة تورث القطع ولا يكون لملول صديق.\rولقد أخبرني محمد بن أبي علي الخلادي، حدثنا محمد بن إبراهيم اليعمري حدثني عبد الرحمن بن إبراهيم الأصبهاني أنشدني بعض أهل الأدب:\rإِنَّ الملولةَ ودُّهُ ... مثل السراب يذم وردُهْ","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"أو كالسحاب الزائد ال ... برَّاق لم يصدقك وعدُهْ\rأو كالحسام هزَزْتَه ... عند الضراب فكَلَّ حدُّه\rلا تقبلنَّ إخاءه ... فوعيده كَذِبٌ ووعده\rبينا يودك رأيَ عي ... نك إذ بدا لك منه صده\rوتغيرت أخلاقهُ ... وازورَّ، حتى مال خده\rأنبأنا محمد بن يعقوب الخطيب بالأهواز حدثنا معمر بن سهل حدثنا إبراهيم ابن بشار عن سفيان قال: كان لابن شُبْرُمَةَ أخ فجفاه، فكتب إليه:\rكلانا غنى عن أخيه حياتَهُ ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يحل لمسلم أن يهجره أخاه المسلم فوق ثلاثة أيام: فمن فعل ذلك كان مرتكباً لنهي النبي صلى الله عليه وسلم، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، والسَّابق بالسَّلام يكون السابق إلى الجنة، ومّنْ هجر أخاه سنة كان كسفك دمه، ومن مات وهو مهاجرٌ أخاه دخل النار، إن لم يتفضل الله عليه بعفو منه ورحمة، وغاية ما أبيح من الهجران بين المسلمين ثلاثة أيام.\rولقد أنشدني عبيد الله بن محمد الأنماطي قال: أنشدني محمد بن الحسن:\rيا سيدي عندك لي مظلمَة ... فاستفت فيها ابن أبي خيثمه\rفإنه يرويه عن شيخه ... قال: روى الضحاك عن عكرمه\rعن ابن عباس عن المصطفى ... نبينا المبعوث بالمرحمه\rإن صدود الخل عن خِلِّهِ ... فوق ثلاثٍ رَبُّناَ حرمه\rوأنشدني محمد بن شاه الأبيوردي الموصل:\rما ودني أحد إلا بذلت له ... صفو المودِة مني آخرَ الأبدِ\rولا جفاني وإن كنت المحب له ... إلا دعوت له الرحمن بالرشد\rولا ائتمنتُ على سر فبجت به ... ولا مددتُ إلى غير الجميل يدي\rولا أخون خليلي في خليلته ... حتى أغيَّبَ في الأكفان واللحد\rأنبأنا محمد بن المهاجر حدثنا أحمد بن عبد الله بن شجاع حدثنا محمد بن سَماعة، قال: جئت يوما إلى أبي علي المصري أسلم عليه، قال: فبشَّ بي واحتملني في حِجْرِهِ، ثم قال:\rحسبي بوصلك في حياتي لذة ... ورضيتُ في ذاك المعاد ثوابا\rلو كنتَ رزقي ما أردت زيادة ... ولقلتُ: أحسنَ خالقي وأطابا\rالحث على لزوم الحلم عند الأذى\rأنبأنا محمد بن الحسن بن قتيبة حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم )لا حليم إلا ذو عَثْرة، ولا حليم إلا ذو تجربة(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: هذا الخبر في الضرب الذي ذكرت في كتاب فصول السنن بأَن العرب تُضيف الاسم إلى الشيء للقرب من التمام، وتنفي الاسم عن الشيء للنقص من الكمال، فلما كان الغالب على المرء أن لا يكون حليما حتى يكون ذا عَثْرة نفي النبي صلى الله عليه وسلم اسم الحليم عمن لم يكن بذي عثرة، لنقصه عن الكمال.\rفالحليم عظيم الشان، رفيع المكان، محمود الأمر، مرضى الفعل.\rوالحلم: اسم يقع على زَمِّ النفس عن الخروج عند الورود عليها ضد ما تحب إلى ما نهى عنه.\rفالحلم يشتمل على المعرفة والصبر والأناة والتثبُّت، ولم يقرن شيء إلى شيء أحسنَ من عفو إلى مقدرة.\rوالحلم أجمل ما يكون من المقتدر على الانتقام.\rولقد حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي ببغداد حدثنا يحيى ابن معين قال: حدثنا الحسن بن واقع عن ضمرة قال: )الحلم أرفع من العقل؛ لأن الله تبارك وتعالى تسمى به(.\rوأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:\rألم تر أنَّ الحلم زَينٌ مسَوِّد ... لصاحبه والجهلَ للمرء شائن\rفكن دافناً للشر بالخير تسترحْ ... من الهم، إن الخير للشر دافن\rوأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي:\rإذا شئت يوماً أن تسود عشيرة ... فبالحلم سُدْ، لا بالتسرع والشتم\rوللَحلُم خيرٌ ... فاعلمنّ مَغَبَّة من الجهل، إلا أن تَشْرِِ سَنَّ من الظلم\rوأنشدني علي بن محمد البسامي:\rفارْضَ بما حُمَّ من قضاء ... يُصِبْكَ من ذلك الخيار\rوعِشْ حميداً، رَخِيَّ بال ... ما زَانَكَ الحلمُ والوقَار","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"قال أبو حاتم رضي الله عنه: إن من نفاسة اسم )الحلم( وارتفاع قدره، أن الله جل وعلا تسمى به، ثم لم يُسَمِّ بالحلم في كتابه أحداً إلا إبراهيم خليله وإسحاق ذبيحه، حيث قال: )114:9 إن إبراهيم لأوَّاهٌ حليم( وقال: )101:37 فبشرناه بغلام حليم(.\rولو لم يكن في الحلم خصلة نحمد إلا ترك اكتساب المعاصي، والدخول في المواضع الدنسة لكان الواجب على العاقل أن لا يفارق الحلم ما وجد إلى استعماله سبيلا.\rوالحلم: سَجِيَّة، أو تجربة، أو هما.\rحدثنا أبو حمزة محمد بن عمر بن يوسف حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول )لا حلم إلا بالتجربة(.\rوأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:\rصافِ الصديق بُودِّه ... وإذا دنا شِبراً فزدْهُ\rوأحلمْ إذا نطق السفي ... ه، فمن يُرِدْ جهلاً يجَده\rأنبأنا محمد بن علي الصيرفي بالبصرة حدثنا ابن أبي الشوارب حدثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن رجاء بن حيوة عن أبي الدرداء قال )إنما العلم بالتعلُّم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتوخَّ الخير يُعْطَه، ومن يتوق الشر يُوَقهَّ(.\rوأنشدني الكريزي:\rإذا أنا كافيت الجهول بفعله ... فهل أنا إلا مثلُهُ إذ أحاوره؟\rولكن إذا ما طاش بالجهل طائش ... عليّ، فإني بالتحلم قاهره\rأنبأنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار حدثنا يحيى بن معين حدثنا عثمان ابن صالح حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث، أن رجلا كتب إلى أخ له: أعلم أن الحلم لباسُ العلم فلا تَعْريَنَّ منه.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يلزم الحلم عن الناس كافة، فإن صَعُب ذلك عليه فليتحاَلمْ؛ لأنه يرتقي به إلى درجة الحلم.\rوأول الحلم: المعرفة، ثم التثبت، ثم العزم، ثم التصبر، ثم الصبر، ثم الرضا، ثم الصمت والإغضاء، وما الفضل إلا للمحسن إلى المسئ، فأما من أحسن إلى المحسن، وحَلمُ عمن لم يؤده؛ فليس ذلك بحلم، ولا إحسان.\rولقد أنبأنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا إسحاق بن زكريا حدثنا عند الصمد ابن حسان حدثنا أبو عمر المازني عن وهب بن منبه أنه قال: يا بني لا تجادلن العلماء فتهونَ عليهم فيرفضوك، ولا تماريَنَّ السفهاء فيجهلوا ويشتموك، فإنه يلحق بالعلماء من صبر ورأي رأيهم، وينجو من السفهاء من صَمت وسكت عنهم، ولا تحسبن أنك إذا ماريتَ الفقيه إلا زدته غيظاً دائبا، ولا تحميَنَّ من قليل تسمعه فيوقعك في كثير تكرهه، ولا تفضح نفسك لتشفى غيظك، فإن جهل عليك جاهل فلينفعنَّ إياك حلمُك، وإنك إذا لم تحسن حتى يحسن إليك فما أجرُك، وما فضلك على غيرك؟ فإذا أردت الفضيلة فأحسن إلى من أساء إليك، وأعف عمن ظلمك، وانفع من لم ينفعك، وانتظر ثواب ذلك من قبل الله، فإن الحسنة الكاملة التي لا يريد صاحبها عليها ثواباً في الدنيا.\rوأنشدني محمد بن حبيب الواسطي:\rإذا المرءُ لم يصرفْ عذابا من الذي ... حياءً، ولم يغفر لأخرَق مذنب\rفلم يصطنع إلاّ قليلا صديقه ... ومن يدفع العوراء بالحلم يغلب\rوأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rأحفظْ لسانك إن لقيت مشاتما ... لا تجريَنّ مع اللئيم إذا جرى\rمن يشتري عِرْض اللئيم بعرضه ... يحوى الندامة حين يقبض ما اشترى\rأنبأنا إبراهيم بن نصر العنبري حدثنا علي بن الأزهر الرازي حدثنا إبراهيم ابن رستم قال: سمعت ابن المبارك يقول: دعانا عبد الله بن عون إلى طعامه، فكنا نأكل فجاءت الخادم ومعها صفحة فعثرت في ثوبها، سقطت الصفحة من يدها فقال لها ابن عون: مترَس آزادي.\rحدثنا عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي، حدثنا ابن عائشة قال: قال محمد بن السعدي لابنه عروة، لما ولي اليمن: إذا غضبت فانظر إلى السماء فوقك، وإلى الأرض تحتك، ثم عظِّم خالقهما.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل، إذا غضب واحتدَّ أن يذكر كثرة حلم الله عنه مع تواتر انتهاكه محارمه وتعديه حرماته، ثم يحلم، ولا يخرجه غيظه إلى الدخول في أسباب المعاصي.","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"والناس على ضروب ثلاثة: رجل أعزُّ منك، ورجل أنت أعزُّ منه، ورجل ساواك في العز؛ فالتجاهل على من أنت أعز منه لؤم، وعلى من هو أعز منك جنف، وعلى من هو مثلك هراش كهراش الكلبين، ونقار كنقار الديكين، ولا يفترقان إلا عن الخَدْش والعَقْر والهُجْر، ولا يكاد يوجد التجاهل وتركُ التحالم إلا من سفيهين، ولقد أحسن الذي يقول:\rما تمَّ حلمٌ ولا علمٌ بلا أدبٍ ... ولا تجاهلَ في قوم حليمانِ\rوما التجاهل إلا ثوبُ ذي دنَس ... وليس يلْبَسُهُ إلا سفيهان\rوأنشدني ابن زنجي البغدادي:\rوما شيء أسرُّ إلى لئيم ... إذا شتم الكرام من الجواب\rمتاركة اللئيم بلا جواب ... أشدُّ عليه من مرِّ العذاب\rوأنشدني الكريزي:\rتجرد ما استطعت من السفيه ... بحسن الحلم، إن العزَّ فيه\rفقد يعصي السفيه مؤدبيه ... ويُبْرِمُ باللجاجة منصفيه\rتلينُ له فيُغلظ جانباه ... كعير السوء يرمَحُ عالقيه\rأنبأنا محمد بن سعيد القزاز، حدثنا الحسن بن محمد الأزدي الكوفي، حدثنا عمر بن حفص بن غياث عن أبيه قال: كنت جالساً عند جعفر بن محمد، ورجل يشكو رجلا عنده، قال لي كذا، وفعل لي كذا، فقال له جعفر: من أكرمك فأكرمه، ومن استخف بك فأكرم نفسك عنه.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: ما ضُمّ شيء إلى شيء هو أحسن من حلم إلى علم، وما عدم شيء في شيء هو أوحش من عدم الحلم في العالم، ولو كان للحلم أبوان لكان أحدهما العقل والآخر الصمت، وربما يُدفع العاقل إلى الوقت بعد الوقت إلى من لا يُرضيه عنه الحُلم ولا يقنعُه عنه الصفح؛ فحينئذ يحتاج إلى سفيه ينتصر له؛ لأن ترك الحلم في بعض الأوقات من الحلم.\rولقد حدثني محمد بن المنذر، حدثنا يزيد بن عبد الصمد، حدثنا عبد الرحمن ابن إبراهيم، حدثنا الوليد عن سعيد بن عبد العزيز: إن رجلا استطال على سليمان بن موسى، فسكت له سليمان وانتصر له أخوه، قال: فقال مكحول: ذَلَّ مَنْ لا سفيه له.\rحدثنا عمرو بن محمد الأنصاري، حدثنا الغلابي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه فقال: قال أبو حنيفة لشيطان الطاق: ما تقول في المتعة؟ قال: حلال، قال: فَيسُرُّك أن أمَّك تزوجت متعة؟ فسكت عنه ساعة، ثم قال يا أبا حنيفة: ما تقول في النبيذ؟ قال: حلال، قال: وشربه وبيعه وشراؤه؟ قال: نعم، قال: فيسرك أن أمك نَبَّاذة؟ قال: فسكت عنه أبو حنيفة.\rأنشدني علي بن محمد البسامي:\rإذا كنت بين الحلم والجهل قاعدا ... وخُيِّرت: أني شئت، فالحلم أفضل\rولكن إذا أنصفت من ليس منصفا ... ولم يرض منك الحلم، فالجهل أفضل\rوأنشدني محمد بن حبيب الواسطي:\rإذا أمن الجهّال جهلك مرة ... فعرضُك للجهال غُنْمٌ من الغنم\rفعُمّ عليه الجهلَ والحلم والْقَهُ ... بمرتبة بين العداوة والسِّلم\rفيرجوك تاراتٍ، ويخشاك تارة ... وتأخذُ فيما بين ذلك بالحزم\rحدثنا محمد بن عثمان العقبي، حدثنا يزيد بن عبد الصمد الدمشقي، حدثنا أبو مسهر، حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال: لا حلم لمن لا جاهل له.\rوحدثنا عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي، حدثنا مهدى بن سابق قال: قال المأمون: يحسنُ بالملوك الحلم عن كل أحد، إلا عن ثلاثة: قادح في ملك، أو مذيع لسر، أو متعرض لحرمة.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الحلم على ضربين: أحدهما: ما يرد على النفس من قضاء الله من المصائب التي امتحن الله بها عباده فيصبر العاقل تحت ورودها، ويحلم عن الخروج إلى ما لا يليق بأهل العقل.\rوالآخر: ما يرد على النفس بضد ما تشتهيه من المخلوقين، فمن تعود الحلم فليس بمحتاج إلى التصبر، لاستواء العدم والوجود عنده.\rكما حدثنا أبو حمزة محمد بن يوسف بن عمر بنسا، حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبد الله بن صالح العجلي قال: سمعت ابن أبى عتبة يقول: قيل للأحنف بن قيس التميمى، ممن تعلَّمت الحلم؟ قال من قيس بن عاصم التميمى، أتاه آت وهو محتبٍ، فقال: ابن أخيك قتلَ ابنك! قال: عصى ربه، وفَتَّ عَضُده، وقطع رحمه، جهزوه، وما حَلَّ حُبْوته، فمنه تعلمت الحلم.","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"حدثنا محمد بن شاذل الهاشمي، حدثنا أحمد بن الخليل البغدادي، حدثنا علي بن الحسين بن شقيق، أخبرنا عبد الله عن جعفر بن سليمان قال: كانت امرأة بالبصرة متعبدة تصيبها المصائب، فننكر من صبرها، حتى أصابتها مصيبة موجعة، فصبرت، فذكرت ذلك لها، فقالت: ما من مصيبة تصيبني فأذكر معها النار إلا صارت في عيني مثل التراب.\rحدثنا بكر بن أحمد بن سعيد الطاحي بالبصرة، حدثنا عمرو بن إسحاق بن خلاد الجهضمي، حدثنا خالد بن خداش، حدثنا ابن وهب عن بكر بن مُضَر قال: كان أبو الهيثم مات ولده، وبقى له بُنَيٌّ صغير، فمات، فأتاه إخوانه يعزونه وهو في ناحية المسجد، فقال لهم: تركني حُزنُ يوم القيامة لا آسَي على شيء فاتني، ولا أفرح لما أتاني.\rحدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا القاسم بن الحسن الزبيدي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: مات ابن لشريح، فلم يصيحوا عليه، ولم يشعر به أحد، فقيل له، يا أبا آمنة، كيف هو؟ قال: قد سكن عَلَزُه ورجاه أهله، ولم يكن منذ اشتكى أسكنَ منه الليلة.\rالحث على لزوم الرفق\rفي أمور وكراهية العجلة فيها\rحدثنا محمد بن صالح الطبري بالصيمرة، حدثنا عبد الجبار بن العلاء العطار حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن أبى مليكة عن يعلي بن مملكة عن أم الدرداء عن أبى الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )من أعطى حظَّه ممن الرفق فقد أُعطِىَ حظَّهُ من الخير، ومن مُنِع حظه من الرفق فقد منع حظه من الخير(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل لزوم الرفق في الأمور كلها وترك العجلة والخِفّة فيها؛ إذ الله تعالى يحب الرفق في الأمور كلها، ومن مُنِع الرفق منع الخير، كما أن من أعطى الرفق أعطى الخير، ولا يكاد المرء يتمكن من بغيته في سلوك قصده في شيء من الأشياء على حسب الذي يُحبُّ إلا بمقارنة الرفق ومفارقة العجلة.\rوأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:\rالرفق ممن سيلقى اليُمْنَ صاحبُهُ ... والخُرْق منه يكون العُنْفُ والزللُ\rوالحزم أن يتأنى المرء فرصته ... والكف عنها إذا ما أمكنت فَشلُ\rوالبرُّ لله خير الأمر عاقبةً ... والله للبرِّ عونٌ ما له مثل\rخيرُ البرية قولا خيرهم عملا ... لا يصلح القول حتى يصلح العمل\rوأنشدني منصور بن محمد الكريزي:\rالرفق أيمن شيء أنت تتبعه ... والخرق أشأم شيء يقدم الرجلا\rوذو التثبت من حمد إلى ظَفَر ... من يركب الرفق لا يستحقبِ الزَّللا\rحدثنا محمد بن أبي علي الخلادي، حدثنا محمد بن خلف البسامي عن أحمد ابن موسى الأزرق أنه أنشده:\rوزنِ الكلام إذا نطقت، فإنما ... يبدي العقولَ أو العيوبَ المنطقُ\rلا ألفيَنك ثاوياً في غربة ... إن الغريب بكل سَهمْ يُرشَق\rلو سار ألف مُدَجّج في حاجة ... لم يقضها إلا الذي يترفق\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يلزم الرفق في الأوقات، والاعتدال في الحالات؛ لأن الزيادة على المقدار في المبتغى عيب، كما أن النقصان فيما يجب من المطلب عجز، وما لم يصلحه الرفق لم يصلحه العنف، ولا دليل أمهر من رفق، كما لا ظهير أوثق من العقل، ومن الرفق يكون الاحتراز، وفي الاحتراز ترجى السلامة. وفي ترك الرفق يكون الُخرْق، وفي لزوم الخرق تخاف الهلكة.\rولقد أنشدني الأبرش:\rعليك بوجه القصْد، فاسلكْ سبيلَهُ ... ففي الجور إهلاك، وفي القصد مسلك\rإذا أنت لم تعرف لنفسك قدرها ... تُحَمِّلها ما لا تطيق فتهلكِ\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الرافق لا يكاد يسبق، كما أن العَجِل لا يكاد يَلْحق، وكما أن من سكت لا يكاد يندم، كذلك من نطق لا يكاد يسلم والعَجِل يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويَحمد قبل أن يُجرِّب، ويذم بعد ما يحمد، يعزم قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم، والعَجَل تصحبه الندامة، وتعتزله السلامة، وكانت العرب تكنى العَجلة أم الندامات.\rولقد أنشدني بعض أهل العلم:\rالعجز ضُرٌّ، وما بالحزم من ضرر ... وأحزم الحزم سوءُ الظن بالناس\rلا تترك الحزم في أمر تحاذره ... فإن أمنت فما بالحزم من باس","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"أخبرنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا إبراهيم بن عمر بن حبيب قال: كان يقال: لا يوجد العجول محموداً، ولا الغضوب مسروراً، ولا الحر حريصاً، ولا الكريم حسوداً، ولا الشره غنياً، ولا الملول ذا إخوان.\rوأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي:\rإذا ما أتيتَ الأمر من غير بابه ... تَصَعَّبَ، حتى لا ترى فيه مُرْتَقَى\rوإن الذي يصطاده الفَخُّ إن عتا ... على الفخ أعتى وأضيقا\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: العجلة تكون من الحِدَّة، وصاحب العجلة أن أصاب فرصته لم يكن محموداً، وإن أخطأها كان مذموماً، والعجل لا يسير إلا مناكباً للقصد، منحرفا عن الجادَّة، يلتمس ما هو أنكد وأوعَر وأخفى مَسَارا، يحكم حكم الوَرْهاء، ويناسب أخلاق النساء.\rولقد حدثنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا مهدي بن سابق قال: قال خالد بن بَرْمك: من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق أن لا ينزل به كبير مكروه: العجلة، واللَّجاجة، والعُجب، والتواني، فثمرة العجلة الندامة، وثمرة اللجاجة الحيرة، وثمرة العجب البغضة، وثمرة التواني الذل.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: العجلة موكل بها الندم، وما عجل أحد إلا اكتسب ندامة، واستفاد مذمه؛ لأن الزلل مع العجل، والإقدامُ على العمل بعد التأني فيه أحزم من الإمساك عنه بعد الأقدام عليه، ولا يكون العجول محموداً أبداً، والعاقل يعلم أن العجز في الأمور يقوم في النقص مقام الإفراط في السعي فيتجنبهما معاً، ويجعل لنفسه مسلكا بينهما.\rولقد حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب حدثني إبراهيم بن عاصم قال: سمعت صدقة يقول: سمعت الشمردل يقول: نكح العجزُ التواني، فولّد الندامة.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: سبب النجاح ترك التواني، ودواعي الحرمان الكسل، لأن الكسل عدو المروءة، وعذاب على الفتوة، ومن التواني والعجز أنتجت الهلكة، وكما أن الأناة بعد الفرصة أعظم الخطأ كذلك العجلة قبل الإمكان نفس الخطأ، والرشيد من رشَد عن العجلة، والخائب من خاب عن الأناة، والعجِل مخطئ أبداً، كما أن المتثبت مصيب أبداً.\rحدثني محمد بن عثمان العقبي، حدثنا محمد بن الحسن المصري حدثني نعيم ابن حماد حدثنا ابن المبارك حدثنا معمر قال: كتب عمرو إلى معاوية يعاتبه في التأني )أما بعد، فإن التفهم في الخير زيادة ورشد، وَإنه من لا ينفعه الرفق يضره الخُزْق، ومن لا تنفعه التجارب لا يدرك المعاني - أو قال: المعالي - ولا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله، وتصبره شهوته، ولا يدرك ذلك إلا بقوة الحلم(.\rوأنشدني محمد بن حبيب الواسطي:\rبُنيَّ إذا ما ساقك الضر فاتئد ... فَللرِّفقُ أولى بالأريب وأحرز\rفلا تحمين عند الأمور تعزُّزاً ... فقد يُورث الذل الطويل التعزز\rأخبرني محمد بن المنذر حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن أيوب قال: قال أكثم بن صيفي: ما يسرني أني نزلت بدار معجزة فأسمنت وألبنت، قيل له: لم؟ قال: لأني أخاف أن أتخذ العجز عادة.\rوأنشدني المنتصر بن بلال:\rوعليك في بعض الأمور صعوبة ... والرفق للمستصعبات مدان\rوبحسن عقل المرء يثبت حاله ... وعلى الْمَغَارس تثمر العيدان\rحدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا مهدي بن سابق عن عبد الله ابن عياش عن أبيه قال: شهد أعرابي عند معاوية بشهادة، فقال معاوية: كذبت، فقال الأعرابي: إن الكاذب للَمُتزمِّل في ثيابك، فقال معاوية: هذا جزاء من يعجل.\rالحث على تعلم الأدب\rولزوم الفصاحة\rحدثنا الحسين بن إدريس الأنصاري أنبأنا أحمد بن أبي بكر عن مالك عن زيد بن اسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )إن من البيان لسحراً(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: قد شبه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر البيان بالسحر؛ إذ الساحر يستميل قلب الناظر إليه بسحره وشعوذته والفصيح الذَّرِبُ اللسان يستميل قلوب الناس إليه بحسن فصاحته ونظم كلامه، فالأنفس تكون إليه تائقة، والأعين إليه رامقة.","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"ولقد حدثنا أبو خليفة حدثنا أبو محمد التوزي النحوي حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا حبان بن عليّ قال: سمعت ابن شُبرمة يقول: ما رأيت لباساً على رجل أحسن من فصاحة، ولا على امرأة من شحم، وإن الرجل ليتكلم فيُعرب، فكأن عليه الخزَّ الأدكن، وإن الرجل ليتكلم فيلحن فكأن عليه أسمالا، إن أحببت أن يصغر في عينك الكبير، ويكبر في عينك الصغير؛ فتعلم النحو.\rوأنشدني الكريزي:\rأكرم بذي أدب أكرم بذي حسب ... فإنما العزم في الأحساب والأدب\rوالناس صنفان ذو عقل وذو أدب ... كمعدنِ الفضة البيضاء والذهب\rوسائر الناس من بين الورى هَمَج ... كانوا مواليَ أو كانوا من العرب\rوأنشدني البسَّامي:\rليس المسوّدُ مَنْ بالمال سؤدده ... بل المسود من قد ساد بالأدب\rلأنَّ من ساد بالأموال سؤدده ... ما دام في جمع ذا الأموال والنشب\rإن قلَّ يوما له مال يصير إلى ... هُون من الأمر في ذُل وفي تعب\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الفصاحة أحسن لباس يلبسه الرجل وأحسن إزار يتَّزر به العاقل، والأدب صاحب في الغربة، ومؤنس في القلة، وزين في المحافل، وزيادة في العقل، ودليل على المروءة، ومن استفاد الأدب في حداثته انتفع به في كبره؛ لأن من غرس فسيلاً يوشك أن يأكل رُطَبَها، وما يستوي عند أولي النهي، ولا يكون سيان عند ذوي الحجى: رجلان: أحدهما يلحن، والآخر لا يلحن.\rوقد حدثنا الحسين بن محمد بن مصعب السمجي حدثنا أبو داود حدثنا عبد الله بن بكر بن حبيب حدثنا أبى عن سالم بن قتيبة قال: كنت عند ابن هبيرة فجرى الحديث، حتى ذكروا العربية، فقال: والله ما استوى رجلان حسبهما واحد، ومروءتهما واحدة، أحدهما يلحن، والآخر لا يلحن، إلا أن أفضلهما في الدنيا والآخرة الذي لا يلحن، قال: فقلت: أصلح الله الأمير! هذا أفضل في الدنيا لفضل فصاحته وعربيته، أرأيت الآخرة ما باله فُضِّل فيها؟ قال: إنه يقرأ كتاب الله على ما أنزل، والذي يلحن يحمله لحنه على أن يدخل في كتاب الله ما ليس فيه، ويخرج منه ما هو فيه، قال قلت: صدق الأمير وبَرَّ!.\rوأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي:\rأيها الطالب فخراً بالنسبْ ... إنما الناس لأم ولأب\rهَلْ تراهم خلقوا من فضة ... أو حديد أو نحاس أو ذهب؟\rأو ترى فضلهم في خَلقهم ... هل سوى لحمٍ وعظمٍ وعَصَب؟\rإنما الفضل بحلم راجح ... وبأخلاق كرام وأدب\rذاك مَن فاخر في الناس به ... فاق من فاخر منهم وغلب\rوأنشدني محمد بن نصر بن نوفل أنشدني عبد العزيز بن أحمد بن بكار إمام مسجد مكة:\rما حُلَّة نُسجت بالدُّر والذهب ... إلا وأحسن منها المرءُ بالأدب\rحدثنا محمد بن أبى علي الخلادي حدثنا أحمد بن محمد المسروقي حدثنا محمد بن الحسين البرجلاني حدثنا أبو عمر العمري حدثني عبد الله بن سلمة بن مرداس عن أبيه قال: قال لي رجل ممن حكماء الفرس: أقربُ القرابة المودة الدائمة، وأفضل ما ورث الآباء الأبناء حسن الأدب.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: أفضل ما ورث أب ابناً ثناء حسن وأدب نافع، والخرس عندي خير من البيان بالكذب، كما أن الحصور خير من العاهر.\rفيجب على العاقل أن يذكي قلبه بالأدب، كما يذكي النار بالحطب؛ لأن من لم يذك قلبه رانَ حتى يَسْوَدَّ، ومن تعلم الأدب فلا يتخذه للمماراة عُدَّة، ولا للمباراة ملجأ، ولكن يقصد قصد الانتفاع بنفسه، وليستعين به على ما يقربه إلى بارئه.\rولقد أنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:\rأدب المرء كلحم ودمٍ ... ما حواه رجل إلاَّ صَلحْ\rلو وزنتم رجلا ذا أدب ... بألوف من ذوى الجهل رجح\rأنبأنا أحمد بن بشر الكرجي حدثنا محمود بن الخطاب حدثنا رُستَة عبد الرحمن بن عمر قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدى يقول: ما ندمت على شيء ندامتي أني لم أنظر في العربية.\rسمعت إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل القاضي يقول: سمعت ابن أخي الأصمعي يقول: سمعت عمي يقول: تعلموا النحو، فإن بنى إسرائيل كفروا بكلمة واحدة، كانت مشددة فخففوها، قال الله )يا عيسى إني ولّدْتك( فقرأوا يا عيسى إني ولَدْتك مخفف فكفروا.","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"حدثنا الحسن بن إسحاق الإصبهاني حدثنا أبو أمية حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا أبو زيد النحوي قال: جاء رجل إلى الحسن، فقال: ما تقول في رجل ترك أبيه وأخيه؟ فقال الحسن: ترك أباه وأخاه، قال الرجل: فما لأباه ولأخاه؟ فقال الحسن: فما لأبيه ولأخيه؟ فقال الرجل: كلما تابعتك خالفت.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: لا زينة أحسن من زينة الحسب، كما أن من أجمل الجمال استعمال الأدب، ولا حسن لمن لا أدب له، ومن كان من أهل الأدب ممن لا حسب له يبلغ به أدبه مراتب أهل الأحساب؛ لأن حسن الأدب خَلَف من الحسب، وليست الفصاحة إلا إصابة المعنى والقصد، ولا البلاغة إلا تصحيح الأقسام واختيار الكلام، ومن أحمد الفصاحة الاقتدار عند البداهة والغزارة عند الإطالة، وأحسن البلاغة وضوح الدلالة، وحسن الإشارة.\rولقد سمعت محمد بن نصر بن نوفل المروزي يقول: سمعت أبا داود السنجي يقول: سمعت الأصمعي يقول: ليست البلاغة بخفة اللسان، ولا كثرة الهذيان، ولكن بإصابة المعنى والقصد إلى الحاجة، وإن أبلغ الكلام ما لم يكن بالقروي المجدَّع، ولا البدوي المعرّب.\rوأنشدني الكريزي:\rولم أر فضلاً تَمّ إلا بشيمة ... ولم أر عقلا صح إلا على أدب\rولم أر في الأعداء حين اختبرتهم ... عدواً لعقل المرء أعدى من الغضب\rحدثنا عمر بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا محمد بن عبد الله الجشمي قال: قال المدائني: ذكر عند علي بن عبد الله بن عباس بلاغة لرجل، فقال: إني لأكره أن يكون مقدار لسانه فاضلا على مقدار علمه، كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلا على مقدار عقله.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الكلام مثل اللؤلؤ الأزهر، والزبرجد الأخضر والياقوت الأحمر، إلا أن بعضه أفضل من بعض، ومنه ما يكون مثل الخزف والحجر والتراب والمدَرِ، وأحوج الناس إلى لزوم الأدب وتعلم الفصاحة أهل العلم؛ لكثرة قراءتهم الأحاديث، وخوضهم في أنواع العلوم.\rولقد سمعت محمد بن نصر بن نوفل يقول: سمعت أبا داود السنجي أو حدثني سهل بن هاني عنه، قال: سمعت الأصمعي يقول: إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل فيما قال النبي صلى الله عليه وسلم: )مَنْ كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار(؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن لحاناً، ولم يلحن في حديثه، فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه.\rوأنشدني ابن زنجي البغدادي:\rليس الفتى كلُّ الفتى ... إلا الفتى في أدبه\rوبعضُ أخلاق الفتى ... أولى به من نسبه\rحَتفُ امرئ لسانه ... في جدِّه أو لعبه\rبين الُّلهَي مقتله ... رُكِّبَ في مركَّبه\rسمعت أحمد بن الخطاب بن مهران بتُسْتَر يقول: سمعت عثمان بن خُرْزَادَ يقول: سمعت علي بن الجعد يقول: سمعت شعبة يقول: مثل الذي يطلبُ الحديث ولا يعرف النحو مثل الدابّة عليها المخلاة، ليس فيها شيء.\rإباحة جمع المال للقائم بحقوقه\rحدثنا أحمد بن محمد بن الحسين ابن بنت الحسن بن عيسى بن ماسَرْجِسَ حدثنا جدي حدثنا ابن المبارك أنبأنا موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: )يا عمرو نِعِمَّا المال الصالح للرجل الصالح(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: هذا الخبر يصرح عن النبي صلى الله عليه وسلم بإباحة جمع المال من حيث يجب، ويحل للقائم فيه بحقوقه؛ لأن في تقرينه الصلاح بالمال والرجل معاً بيانا واضحا؛ لأنه إنما أباح في جمع المال الذي لا يكون بمحرم على جامعه، ثم يكون الجامع له قائماً بحقوق الله فيه، ولقد ذكرت هذه المسألة بتمامها بالعلل والحكايات في كتاب )الفضل بين الغنى والفقر( بما أرجو الغنية فيها لمن أراد الوقوف على معرفتها، فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب.\rأنشدني منصور بن محمد الكزيري:\rإذا كان ما جمّعت ليس بنافع ... فأنتَ وأقصى الناسِ فيه سواءُ\rعلى أن هذا خارجٌ من أثامه ... وأنت الذي تجزى به وتساء","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"أنبأنا محمد بن سليمان بن فارس حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا أبو عياد حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير يحدث عن حكيم بن قيس بن عاصم عن أبيه أنه أوصى بنيه عند موته، فقال: عليكم بالمال واصطناعه فإنه مَنبهة للكريم، ويستغني به عن اللئيم، وإياكم ومسألة الناس؛ فإنها آخر كسب الرجل.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: إن من أحسن ما ينتفع المرء )به( في عمره وبعد الممات تقوى الله والعمل الصالح.\rفالواجب على العاقل أن يعمل في شبابه فيما يقيم به أَوَدَهُ، كالشيء الذي لا يفارقه أبداً، وفيما يصلح به دينه كالشيء الذي لا يجده غدا، وليكن تعاهدُهُ لماله ما يصلحُ به معاشُه، ويصون به نفسه، وفي دينه ما يقدَم به لآخرته، ويرضى به خالقه، والفاقة خير من الغنى بالحرام، والغني الذي لا مروءة له أهون من الكلب، وإن هو طُوِّقَ وَخُلْخِل.\rحدثني محمد بن عثمان العقبي حدثنا عمران بن موسى بن أيوب حدثني أبي حدثنا عيسى بن يونس عن محمد بن سُوقة عن محمد بن المنكدر قال: نعم العون على تقوى الله الغنى.\rوأنشدني على بن محمد البسامي:\rأرى كلَّ ذي مال يسود بماله ... وإن كان لا أصلٌ هناك ولا فصلُ\rوآخر منسوباً إلى الرأي خاملا ... وأنْوَكَ مجهولاً، لهُ الجاه والنُّبْلُ\rفلا ذا بفضل الرأي أدرك بُلغةً ... ولم أرَ هذا ضَرَّه النَّوْك والجهلُ\rوأنشدني منصور بن محمد الكريزي ليحيى بن أكثم:\rإذا قَلَّ مال المرء قَلَّ بهاؤه ... وضاقت عليه أرضه وسماؤه\rوأصبح لا يدري، وإن كان حازماً ... أقُدَّامه خيرٌ له أم وراؤه\rولم يمض في وجه من الأرض واسعٍ ... من الناس إلا ضاق عنه فضاؤه\rوأصبح مردوداً عليه مقالُه ... وكان به قد يَقتدي خطباؤه\rوإن يبق لم يضْرُرْ عدوّاً بقاؤه ... وإن يَفْنَ لم يفقد لخير فَناؤه\rحدثني محمد بن المهاجر حدثنا أبو أحمد بن حماد البربري عن سليمان بن أبي شيخ حدثني الزبيري قال: مر عمر بن الخطاب بمحمد بن مَسلَمة وهو يغرس وَدِيّاً. فقال: ما تصنع يا ابن مسلمة؟ قال: ما ترى، استغنى عن الناس، كما قال صاحبكم أحيحة بن الجُلاح:\rاستغن، أو مُت، فلا يغْرركَ ذو نَشبٍ ... من ابن عم، ولا عم، ولا خال\rإني أظَلُّ على الزوراء أعمرها ... إن الحبيب إلى الإخوان ذو المال\rأنبأنا محمد بن المنذر حدثنا علي بن عبد الرحمن عن عبدان قال: دخلت على عبد الله المبارك، وهو يبكي، فقلت له: مالك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: بضاعة لي ذهبتْ، قال: قلت: أو تبكي على المال؟ قال: إنما هو قِوام ديني.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: إن من أسعد الناس من كان في غناه عفيفاً، وفي مسكنته قنعاً؛ لأن من نزل به الفقر لم يجد بُدّاً من ترك الحياء، والفقرُ يذهب العقل والمروءة، ويذهب العلم والأدب، وكاد الفقر أن يكون كفراً، ومن عُرف بالفقر صار مَعْدِنا للتهمة، ومجمعاً للبلايا، اللهم إلا أن يرزق المرء قلبا نقيّاً قنعاً، يرى الثواب المدخر من الضجر الشديد، فحينئذ لا يبالي بالعالم بأسرهم والدنيا وما فيها، والفقر داعية إلى المَهانة، كما أن الغنى داعية إلى المهابة، ولقد أحسن الذي يقول:\rيغطِّى عيوبَ المرءِ كثرةُ ماله ... وصُدِّقَ فيما قال، وهو كذوبُ\rويُزْري بعقل المرء قِلّةُ ماله ... يُحَمقِّه الأقوام وهو لبيبُ\rأنبأَنا بكر بن أحمد بن سعيد الطاحي حدثنا النمر بن قادم حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال: قال لي أبو قِلابة: يا أيوب، الزم سوقك؛ فإنك لا تزال كريماً على إخوانك ما لم تحتج إليهم.\rوأنشدني العقبي أنشدني محمد بن خلف التيمي بالكوفة:\rكأن مُقِلاًّ حين يغدو لحاجة ... إلى كل من يلقى من الناس مذنبُ\rوكان بنو عمي يقولون: مرحبا ... فلما رأوني مُعْدِماً مات مرحبُ\rوأنشدني الكريزي:\rلعمرك، إن المال قد يجعل الفتى ... نسيباً، وإن الفقر بالمرء قد يُزري\rولا رفعَ النفس الدنيئَةَ كالغنى ... ولا وضع النفس الكريمة كالفقر\rحدثنا محمد بن يحيى العمى ببغداد حدثنا الصلت بن مسعود حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب قال: قال لي أبو قلابة: الزم السوق؛ فإن الغنى من العافية.","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"قال أبو حاتم رضي الله عنه: ليس خلة هي للغنيِّ مدح إلا وهي للفقير عيب؛ فإن كان الفقير حليما قيل: بليد، وإن كان عاقلا قيل: مكار، وإن كان بليغا قيل: مهذار، وإن كان ذكيا قيل: حديد، وإن كان صموتا قيل: عَيِيٌّ، وإن كان متأنيا قيل: جبان، وإن كان عارماً قيل: جرئ، وإن كان جواداً قيل: مسرف، وإن كان مقَدِّراً قيل: ممسك.\rوشر المال ما اكتُسب من حيث لا يَحِلّ وأُنفق فيما لا يَجْمُل، ووجوده وعدمه ليسا بتجلد ولا بكثرة حيلة، ولكنه أقسام ومواهب من الخلاّق العليم ولقد أنشدني الأبرش:\rيشقى رجالٌ، ويشقى آخرون بهم ... ويُسعدُ الله أقواماً بأقوام\rوليس رزق الفتى من حُسن حيلته ... لكن جُدود بأرزاق وأقسام\rكالصيد يُحْرمُهُ الرامي المجيد، وقد ... يَرمى فيُرزقُهُ من ليس بالرامي\rحدثني محمد بن سعيد القزاز حدثنا أحمد بن داود بن موسى العطار حدثنا أحمد بن نصر العدني حدثنا المندني قال: قال أبو قيس بن معد يكرب، وكان له أحد عشر ذَكرا: يا بَنِيَّ، اطلبوا هذا المال أجمل الطلب، واصرفوه في أحسن مذهب، صِلوا به الارحام، واصطنعوا به الأقوام، واجعلوه جُنَّةً لأعراضكم تحسن في الناس قالَتُكم، فإن جمعه كمال الأدب، وبذلَه كمال المروءة، حتى إنه ليسود غير السيد، ويقوِّى غير الأيّد، وحتى إنه ليكون في أنفس الناس نبيها، وفى أعينهم مهيبا. ومن جمع مالا فلم يَصُن عرضا، ولم يعط سائلا، بحث الناسُ عن أصله؛ فإن كان مدخولا هتكوه، وإن كان صحيحاً نسبوه إما إلى عِرْضِ دنية، وإما إلى لَوْص لئيم حتى يُهَجِّنوه.\rحدثني مطهر بن يحيى بن ثابت بواسط محدثنا سنان القطان حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال )سمع رجل صوتا في غمام: أذهبي إلى أرض فلان فاسقيه، قال: فقال الرجل: لآتين فلانا هذا فلأنظرن ما يعمل في أرضه، فأتاه وقد مُطر فيها وهو قائم يفتح الأواعي، فسلم عليه وقال: يا عبد الله، أخبرني ما تعمل في أرضك هذه؟ قال: أنظر إلى ما أخرج الله منها، فأرد فيها ثلثه، وأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثه. قال علقمة: فكان ابن مسعود يبعثني إلى أرض له بزازان أفعل فيها مثل ذلك(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: إن شر المال ما لا يُخرج منه حقوقه، وإن شرّاً منه ما أخذ من غير حِلِّه، ومنع من حقه، وأنفق في غير حله، واستثمار المال قِوام المعاش، ولا بد للمرء من إصلاح ماله، وما ارتفع أحد قط عن إصلاح ماله صالحا كان أو طالحا.\rولا يجب للعاقل أن يعتمد على مجاورة نعم الله عنده فلا يقضى منها حقوقها؛ لأن من أساءَ مجاورة نِعَم الله أساءت مجاورته، وتحولت عنه إلى غيره.\rولقد أنشدني أن زنجي البغدادي:\rفإن كنتَ في خير، فلا تغترر به ... ولكن قل: اللهمَّ سَلِّم وتممِ\rفمن لَمْ يَصُنْ عِرْضا إذا ما استفاده ... ويشكر لأهل الخير يُسْلَبْ ويُذممِ\rحدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي أنشدنا مهدي بن سابق:\rورُبَّ مُمَلَّكٍ مالا كثيرا ... ولكن حَظُّهُ منه قليل\rيعيش بفضله هذا وهذا ... وقد سالت به فيه سيول\rله منه الذي يحيا عليه ... بعيشته، وسائره فضول\rحدثنا أحمد بن الحسين الحرازي - بالموصل - حدثنا أحمد بن سنان القطان حدثنا كثير بن هشام عن عيسى بن إبراهيم عن معاوية بن عبد الله عن كعب قال: أول من ضرب الدينار والدرهم آدم، وقال: لا تصلح المعيشة إلا بهما.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: قد ذكرت ما شاكل هذه الحكايات في كتاب )السخاء والبذل( فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب.\rالحث على إقامة المروءات\rحدثنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل القاضي وعبد الله بن محمود بن سليمان السعدي قالا: حدثنا عبد الوارث بن عبيد الله العتكي حدثنا مسلم بن خالد الزنجي عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم )كرم الرجل دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلُقُهُ(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: صرح النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر بأن المروءة هي العقل، والعقل اسم يقع على العلم بسلوك الصواب واجتناب الخطأ.\rفالواجب على العاقل أن يلزم إقامة المروءة بما قدر عليه من الخصال المحمودة، وترك الخلال المذمومة.","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"وقد نبغت نابغة اتكلوا على آبائهم، واتكلوا على أجدادهم، في الذكر والمروءات، وبعدوا عن القيام بإقامتها بأنفسهم.\rولقد أنشدني منصور بن محمد في ذَمِّ مَنْ هذا نعته:\rإن المروءة ليس ُيدركها امرؤ ... ورثَ المروءة عن أبٍ، فأضاعها\rأمرته نفس بالدناءة والخَنا ... ونهته عن طلب العلى فأطاعها\rفإذا أصاب من الأمور عظيمةً ... يبنى الكريم بها المروءة باعها\rوأنشدني محمد بن إسحاق:\rخساسة أخلاق الرجال تَشينهم ... وقلَّ غناء عنهم النسب المحضُ\rيصولون بالآباء في كل مشهد ... وقد غَيَّبَت آباءهم عنهمُ الأرضُ\rطويلٌ تَبدِّيهم بمجدِ أبيهمُ ... وما لهُم في المجد طول ولا عرضُ\rوأنشدني الحسين بن أحمد البغدادي:\rليس الكريم بمن يُدَنِّس عرضه ... ويرى مروءته تكون ممن مضى\rحتى يشيدَ بناءه ببنَاته ... ويزينَ صالحَ ما أتوه بما أتى\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: ما رأيت أحداً أخسرَ صفقة، ولا أظهر حسرة، ولا أخيب قصدا، ولا أقلَّ رشدا، ولا أحمقَ شعارا، ولا أدنسَ دثارا، من المفتخر بالآباء الكرام وأخلاقهم الجسام، مع تَعَرِّيه عن سلوك أمثالهم، وقصد أشباههم، متَوهِّما أنهم ارتفعوا بمن قبلهم، وسادوا بمن تقدمهم، وهيهات! أنَّى يسود المرء على الحقيقة إلا بنفسه؟ وأنَّى يَنْبُل في الدارين إلا بكده؟ ولقد أنشدني البسامي:\rوكم قائل: إني ابن بيت، هو ابنه ... وقد هدم البيتَ الذي مات عامرُهْ\rفأودى عَمُودَاه، ورثَّت حِباله ... وأصلحَ أولادهُ، وأفسد آخرُهْ\rوأنشدني الأبرش:\rفإن قلتَ: لي آباءُ صدق ومنصبٌ ... كريم وإخوانٌ مضتْ وجدودُ\rصدقتَ، ولكن أنت هدَّمت ما بَنَوْا ... بكفك عمداً، والبناء جديدُ\rوأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي:\rإن لم تكن بفِعَال نفسك سامياً ... لم يغن عنك سُموُّ من تسمو به\rليس القديم على الحديث براجع ... إن لم تجده آخذا بنصيبه\rولربما اقترب البعيد بوُدِّه ... وغدا القريب مباعدا لقريبه\rأنبأنا الحسين بن محمد بن مصعب السنجي حدثنا أبو داود السنجي حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الحسن قال: لا دين إلا بمروءة.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: اختلف الناس في كيفية المروءة: فمن قائل قال: المروءة ثلاثة: إكرام الرجل إخوانَ أبيه، وإصلاحه ماله، وقعوده على باب داره.\rومن قائل قال: المروءة: إتيان الحق، وتعاهد الضيف.\rومن قائل قال: المروءة: تقوى الله، وإصلاح الضيعة، والغداء والعشاء في الأفنية.\rومن قائل قال: المروءة: إنصاف الرجل مَنْ هو دونه، والسمو إلى من هو فوقه، والجزاء بما أُتىَ إليه.\rومن قائل قال: مروءة الرجل: صدق لسانه، واحتماله عَثَرات جيرانه، وبذله المعروف لأهل زمانه، وكَفُّه الأذى عن أباعده وجيرانه.\rومن قائل قال: إن المروءة: التباعد من الخلُق الدَّنِيِّ فقط.\rومن قائل قال: المروءة: إن يعتزل الرجل الريبة؛ فإنه إذا كان مريباً كان ذليلا، وأن يصلح ماله؛ فإن من أفسد ماله لم يكن له مروءة، والإبقاء على نفسه في مطعمه ومشربه.\rومن قائل قال: المروءة: حسن العشرة، وحفظ الفرج واللسان، وترك المرء ما يعاب منه.\rومن قائل قال: المروءة: سَخَاوة النفس، وحسن الخلق.\rومن قائل قال: المروءة العِفَّة والحِرْفة، أي يَعفُّ عما حرم الله، ويحترف فيما أحل الله.\rومن قائل قال: المروءة: كثرة المال والولد.\rومن قائل قال: المروءة: إذا أعطيتَ شكرتَ، وإذا ابْتُلِيت صبرتَ، وإذا قدرت غفرت، وإذا وعدت أنجزت.\rومن قائل قال: المروءة: حسن الحيلة في المطالبة، ورقة الظرف في المكاتبة.\rومن قائل قال: المروءة: اللطافة في الأمور، وجودة الفطنة.\rومن قائل قال: المروءة: مجانبة الريبة؛ فإنه لا ينبُل مريب، وإصلاح المال؛ فإنه لا ينبل فقير، وقيامه بحوائج أهل بيته؛ فإنه لا ينبل من احتاج أهل بيته إلى غيره.\rومن قائل قال: المروءة: النظافة، وطيب الرائحة.\rومن قائل قال: المروءة: الفصاحة والسماحة.\rومن قائل قال: المروءة: طلب السلامة، واستعطاف الناس.\rومن قائل قال: المروءة: مراعاة العهود، والوفاء بالعقود.","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"ومن قائل قال: المروءة: التذلل للأحباب بالتملق، ومداراة الأعداء بالترفق.\rومن قائل قال: المروءة: ملاحة الحركة، ورقة الطبع.\rومن قائل قال: المروءة: هي المفاكهة، والمباسمة.\rحدثنا الحسن بن سفيان حدثنا سويد بن سعيد حدثنا مسلم بن عبيد الله أبو فراس قال: قال ربيعة: المروءة مروءتان: فللسفر مروءة، وللحضر مروءة: فأما مروءة السفر فبذل الزاد، وقلة الخلاف على الأصحاب، وكثرة المزاح في غير مساخط الله.\rوأما مروءة الحضر: فالإدْمَان إلى المساجد، وكثرة الإخوان في الله، وقراءة القرآن.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: اختلفت ألفاظهم في كيفية المروءة، ومعاني ما قالوا قريبة بعضها من بعض.\rوالمروءة عندي خصلتان: اجتناب ما يكره الله والمسلمون من الفعال، واستعمال ما يحب الله ورسوله من الخصال.\rوهاتان الخصلتان يأتيان على ما ذكرنا قبلُ من اختلافهم، واستعمالها هو العقل نفسه، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم )إن مروءة المرء عقله(.\rومن أحسن ما يستعين به المرء على إقامة مروءته المال الصالح.\rولقد أنشدني منصور بن محمد الكريزي:\rاحتل لنفسك أيها المحتالُ ... فمن المروءة أن يُرَى لك مالُ\rكم ناطق وسط الرجال، وإنما ... عنهم هناك تَكلَّمُ الأموالُ\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: لواجب على العاقل أن يقيم مروءته بما قدر عليه، ولا سبيل إلى إقامة مروءته إلا باليسار من المال، فمن رزق ذلك وضنَّ بإنفاقه في إقامة مروءته فهو الذي خسر الدنيا والآخرة، ولا آمن أن تفجأه المنية فتسلبه عما ملك كريها، وتودعه قبرا وحيدا. ثم يرث المال بعد من يأكله ولا يحمده، وينفقه ولا يشكره، فأي ندامة تشبه هذه؟ وأي حسرة تزيد عليها؟ ولقد أنشدني محمد بن عبد الله البغدادي:\rيا جامع المال في الدنيا لوارثه ... هل أنت بالمال قبل الموت منتفعُ؟\rقدم لنفسك قبل الموت في مَهَلٍ ... فإنّ حظك بعد الموت منقطعُ\rأنبأنا المفضل بن محمد الجندي - بمكة - حدثنا إسحاق بن إبراهيم الطبري حدثنا أزهر عن ابن عون عن ابن سيرين قال: ثلاثة ليست من المروءة: الأكل في الأسواق، والادِّهان عند العطار، والنظر في مرآة الحجام.\rحدثنا محمد بن إسحاق الثقفي حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني حدثنا هُشَيْمَ عن مغيرة عن الشعبي قال: ليس من المروءة النظر في مرآة الحجام.\rحدثنا محمد بن يحيى بن الحسن العمي ببغداد حدثنا الصلت بن مسعود حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب قال: سمعت أبا قلابة يقول: ليس من المروءة أن يربح الرجل على صديقه.\rوأنشدني البسامي:\rاعلم بأنك ... لا أبا لك في الذي أصبحت تجمعُهُ لغيرك خازنُ\rإن المنية لا تؤامر مَنْ أتت ... في نفسه يوما، ولا تستأذنُ\rأنبأنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا ابن عائشة عن أبيه قال: كان يقال: مجالسة أهل الديانة تجلو عن القلب صَدَأ الذنوب، ومجالسة ذوي المروءات تدل على مكارم الأخلاق، ومجالسة العلماء تذكي القلوب حدثني محمد بن أبي علي الخلادي حدثنا أبو أحمد بن حماد البربري عن سليمان بن أبي شيخ حدثنا محمد بن الحكم عن عوانة قال: قال معاوية بن أبي سفيان: آفة المروءة إخوان السوء.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: والواجب على العاقل تفقد الأسباب المستحقرة عند العوام من نفسه حتى لا يثلم مروءته؛ فإن المحقرات من ضد المروءات تؤذي الكامل في الحال بالرجوع في القهقري إلى مراتب العوام وأوباش الناس.\rولقد حدثنا جعفر بن محمد الهمداني - بصور - قال: سمعت طلحة بن إسحاق ابن يعقوب قال: سمعت موسى بن إسحاق الأنصاري يقول: سمعت علي بن حكيم الأودي يقول: سمعت شريكا يقول: ذل الدنيا خمسة: دخول الحمام سَحَراً بلا كرنيب، وعبور المعبر بلا قطعة، وحضور مجلس العلم بلا نسخة، وحاجة الشريف إلى الدنيِّ، وحاجة الرجل إلى امرأته.\rحدثنا أبو شعبة الحسن بن محمد الإصطخري حدثنا عبد الرحمن بن محمد ابن منصور، حدثنا محمد بن عبد العزيز الرملي، حدثنا رشدين بن سعد، حدثنا طلحة بن زيد بن عكرمة، عن ابن عباس قال: )من قلة مروءة الرجل نظره في بيت الحائك، وحمله الفلوس في كمه(.\rالحث على لزوم السخاء\rومجانبة البخل","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"أنبأنا أحمد بن يحيى بن زهير بتُسْتَرَ، حدثنا الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي حدثنا سعيد بن محمد الوراق، حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )السخي قريب من الله قريب من الناس، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، ولَسخيٌ جاهلٌ، أحبُ إلى الله من بخيل عابد(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: إن كان حفظ سعيد بن محمد إسناد هذا الخبر فهو غريب غريب.\rفالواجب على العاقل إذا أمكنه الله تعالى من حُطام هذه الدنيا الفانية، وعلم زوالها عنه، وانقلابها إلى غيره، وأنه لا ينفعه في الآخرة إلا ما قدم من الأعمال الصالحة: إن يبلغ مجهوده في أداء الحقوق في ماله، والقيام بالواجب في أسبابه، مبتغياً بذلك الثواب في العقبى، والذكر الجميل في الدنيا، إذ السخاء محبة ومحمدة كما أن البخل مذمة ومبغضة، ولا خير في المال إلا مع الجود، كما لا خير في المنطق إلا مع المخبر.\rولقد أنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري.\rالجود مكرمة، والبخل مبغضة ... لا يستوي البخل عند الله والجودُ\rوالفقر فيه شخوص، والغنى دَعَة ... والناس في المال مرزوق ومحدود\rحدثني محمد بن أبي علي الخلادي حدثنا محمد بن الحسن الذهلي، حدثنا محمد بن يوسف السدوسي، حدثنا أحمد بن خالد القُثَمي، حدثنا سليمان مولى عبد الصمد بن علي: إن المنصور أمير المؤمنين قال لابنه المهدي )أعلم أن رضاء الناس غاية لا تُدرك، فتحبب إليهم بالإحسان جهدك، وتودَّد إليهم بالإفضال، واقصد بإفضالك موضع الحاجة منهم(.\rوأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:\rأعاذلتيّ اليومَ، ويحكما مَهْلاَ ... وكُفَّا الأذى عني، ولا تكثرا العذلا\rدعاني تَجُد كَفيِّ بما ملكت يدي ... سأصبح يوماً أترك الجود والبخلا\rإذا وضعوا فوق الضريح جنادلا ... عليّ وخلَّفتُ والرحلا\rفلا أنا مختار إذا ما نزلته ... ولا أنا لاق ما ثويت به أهلا\rأنبأنا إبراهيم بن إسحاق الأنماطي، حدثنا لوين، حدثنا ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة قال: كان أبي يقول: )ماِلَ قوم قطٌّ أقاموا على ماء عذب( حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا بكر بن عامر العتريّ، حدثنا هشام ابن محمد عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال )من آتاه الله منكم مالا فليصل به القرابة، وليُحْسِن فيه الضيافة، وليَفُكَّ فيه العاني والأسير وابن السبيل والمساكين والفقراء والمجاهدين، وليصبر فيه على النائبة؛ فإن بهذه الخصال ينال كرم الدنيا وشرف الآخرة(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: أجود الجود من جاد بماله، وصان نفسه عن مال غيره، ومن جاد ساد، كما أن من بخل رذل.\rوالجود حارس الأعراض، كما أن العفو زكاة العقل، ومن أتم الجود أن يتعرَّى عن المنَّة؛ لأن من لم يمتن بمعروفه فقد وفَّره، والامتنان يهدم الصنائع، وإذا تعرَّت الصنيعة عن إزار له طرفان: أحدهما الامتنان، والآخر طلب الجزاء - كان من أعظم الجود، وهو الجود على الحقيقة.\rولقد أنشدني ابن زنجي:\rيا رُبّ عاذلة في الجود قلت لها: ... قِليِّ، على الله فيما أنفقُ الخلفَا\rهَلْ من بخيل رأيتِ المال أخلده؟ ... أم هل رأيت جواداً ميتاً عجفَا؟\rلما رأتنيَ أوتي المال طالبَهُ ... ولا أبالي تلادا كان أم طرُفا\rعدَّت سماحي تبذيرا، ولست أرى ... ما يُكسِبُ الحمدَ تبذيرا ولا سرفا\rأنبأنا الحسين بن سفيان، حدثنا حبان بن موسى قال: قسم ابن المبارك يوما بين إخوانه وأصحاب الحديث ألف درهم، ثم أنشأ يقول:\rلا خير في المال لكُنّازه ... إلا جواد الكف وهَّابه\rيفعل أحيانا بزوَّاره ... ما تفعل الخمر بشرابه\rحدثنا محمد بن عثمان العقبي، حدثنا الحسن بن محمد عن ابن السماك، قال: يا عجبي لمن يشتري المماليك بالثمن، ولا يشتري الأحرار بالمعروف.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: إن من أحسن خصال المرء الجود من غير امتنان، ولا طلب ثواب، والحلم من غير ضعف ولا مهانة.","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"وأصل الجود ترك الضَّنِّ بالحقوق عن أهلها، كما أن أصل تربية الجسد أن لا يحمل عليه في الأكل والشرب والباه، فكما لا تنفع المروءة بغير تواضع، ولا الحفظ بغير كفاية، كذلك لا ينفع العيش بغير مال، ولا المال بغير جود، وكما أن القرابة تبع للمودة، كذلك المحمدة تبع للإنفاق.\rأنبأنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا المبارك ابن سعيد الثوري قال: كان يقال: ثلاث هن أحسن شيء فيمن وجدت فيه: تؤدة في غير ذل، وجود لغير ثواب، ونصب لغير الدنيا.\rحدثنا أبو يعلى - بالموصل - حدثنا محمد بن الصباح الدولابي، حدثنا إسماعيل ابن زكريا عن عاصم الأحول قال: قلت للحسن: ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم )اليد العليا خير من اليد السفلى(؟ قال: يد المعطي خير من يد المانع.\rحدثنا أبو خليفة، حدثنا ابن كثير، أنبأنا سفيان عن الأعمش عن ذكوان وعبد الله بن مرة عن كعب قال: من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله: فقد استكمل الإيمان.\rوأنشدني الكريزي ليحيى بن أكثم:\rويُظهرُ عيبَ المرء في الناس بُخله ... ويستره عنهم جميعا سخاؤه\rتغطَّ بأثواب السخاء؛ فإنني ... أرى كل عيب والسخاء غطاؤه\rوأنشدني أحمد بن محمد بن عبد الله اليماني لبعض القرشيين:\rسأبذلُ مالي كلما جاء طالبٌ ... وأجعله وقفا على القَرض والفَرض\rفإما كريما صُنتُ بالجود عِرْضه ... وإما لئيما صُنت عن لؤمه عرضي\rوأنشدني كامل بن مكرم أبو العلاء، أنشدني هلال بن العلاء بن عمر الباهلي:\rملأتُ يدي من الدنيا مرارا ... فما طمع العواذل في اقتصادي\rوما وجبتْ علي زكاة مالٍ ... وهل تجب الزكاة على الجواد؟\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: البخل شجرة في النار أغصانها في الدنيا، مَنْ تعلق بغصن من أغصانها جره إلى النار، كما أن الجود شجرة في الجنة أغصانها في الدنيا، فمن تعلق بغصن من أغصانها جرَّه إلى الجنة، والجنة دار الأسخياء.\rوالبخيل يقال له في أول درجته: البخيل، فإذا عتا وطغى في الإمساك يقال له: الشحيح، فإذا ذم الجود والأسخياء يقال له: لئيم، فإذا صار يحتج للبخلاء ويعذرهم في فعالهم يقال له: الملائم.\rوما أتزر رجل بإزار أهتك لعرضه، ولا أثلم لدينه من البخل.\rولقد أنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:\rلكلِ هّمٍ من الهموم سَعَهْ ... والبخل واللؤم لا فلاح مَعَهْ\rقد يجمع المالَ غيرُ آكله ... ويأكل المال غير من جمعه\rاقبلْ من الدهر ما أتاك به ... من قَرَّ عينا بعيشه نفعه\rسمعت الخطابي بالبصرة يقول: سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سأل كسرى: أي شيء أضر على ابن آدم؟ قالوا: الفقر، قال الشح أضرُّ منه، إن الفقير إذا وجد اتسع، وأن الشحيح لا يتسع إذا وجد.\rأنبأنا إبراهيم بن محمد بن يعقوب حدثنا ابن أبي القعقاع قال: قال أبو الهذيل: كنت عند يحيى بن خالد البرمكي، فدخل عليه رجل هندي، ومعه مترجم له، فقال المترجم: إن هذا رجل شاعر، قد حاول مدحتك، فقال يحيى: لينشد، فقال الهندي: أرَهِ أصَرَهِ كَكَرا كي كَرِهِ مَنْدَرِهِ فقال يحيى للمترجم: ما يقول؟ قال: يقول:\rإذا المكارم في آفاقنا ذكرت ... فإنما بك يضربُ المثل\rقال: فأمر له بألف دينار.\rوأنشدني عبد الرحمن بن محمد المقاتلي:\rإذا المرء لم يدنَس من اللؤم عِرضُهُ ... فكلُّ رِداءٍ يرتديه جميلُ\rإذا قلتَ: لا، في كل شيء سئُلته ... فليس إلى حسن الثناء سبيلُ\rوأنشدني عمرو بن محمد الأنصاري أنشدني الغلابي أنشدني مهدي بن سابق:\rيا مانع المال، كم تَضِنُّ به ... تطمع بالله في الخلود مَعَهْ؟\rهل حمل المالَ ميتٌ معه؟ ... أما تراه لغيره جمعَهْ؟\rأنبأنا عمران بن موسى السختياني حدثنا سليمان بن معبد المروزي حدثنا عثمان بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني يحيى بن أيوب عن أبي علي الغافقي سمع عامر بن عبد الله اليحصبي قال: كان ابن منبه يقول: أجود الناس في الدنيا من جاد بحقوق الله، وإن رآه الناس بخيلاً بما سوى ذلك، وإن أبخل الناس في الدنيا من بخل بحقوق الله، وإن رآه الناس كريماً جواداً بما سوى ذلك.\rوأنشدني علي بن محمد البسامي:","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"رب مال سينعَمُ الناس فيه ... وهو عن ربه قليل الغَناء\rكان يشقي به، وينصب فيه ... ثم أضحى لمعشر غرباء\rما له عندهم جزاء إذا ما ... نعموا فيه غير سوء الثناء\rرب مال يكون ذمّاً وغَمّاً ... وغنىٍّ يعد في الفقراء\rحدثنا أحمد بن الحسن بن أبي الصغير المدائني حدثنا الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول: كان أبو حاتم - يعني الطائي - سخيّاً، وكان يضع الأشياء مواضعها، وكان حاتم مبذراً، فاجتمع يوماً عند أبيه أصحابه، وشكا إليهم حاتما، قال: والله ما أدري ما اصنع؟ لا يأخذ شيئاً إلا بَذَّره، فاجتمع رأيهم على أن لا يعطيه شيئاً سنة، قال: فأقام أبوه، ولم يمكنه من شيء سنة، مع ما هو فيه من الضر، فلما مضت السنة أمر له بمائة ناقة حمراء، قال: فلما وقفت عليه قال حاتم: من أحب شيئاً فهو له، حتى أخذوها كلها، فدعاه أبوه، فقال له: أي بني، ماذا تصنع؟ قال: والله يا أبي لقد بلغ الجوع مني شيئاً، لا يسألني أحد شيئاً إلا أعطيته إياه.\rوأنشدني عبد العزيز بن سليمان:\rتجودُ بالمال على وارثٍ ... ولا ترى أهلا له نفسكا\rقدّمَ حسن الظن بالله مَنْ ... جادَ، وسوء الظن من أمسكا\rأنبأنا عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي، حدثنا ابن عائشة قال: كان عمر بن عبد العزيز كثيراً ما يتمثل بهذا الشعر ويعجبه:\rوما تزوّدَ مما كان يجمعه ... إلا حَنوطا غداة البين مع خِرَقِ\rوغيرَ نَفْحةِ أعواد تُشدُّ له ... وقلَّ ذلك من زادٍ لمنطلِقِ\rأنبأنا أبو يعلى حدثنا يحيى بن أيوب المقابري حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن نافع قال )مرض ابن عمر بالمدينة، فاشتهى عنباً بغير زمانه، قال: فطلبوا، فلم يجدوا إلا عند رجل، فاشترى سبع حبات بدرهم، فجاء سائل فأمر له به، ولم يذقه( قال أبو حاتم رضي الله عنه: ما رأيت أحداً من الشرق إلى الغرب ارتدى برداء الجود واتَّزرَ بإيزار ترك الأذى إلا رأس أشكاله وأضداده، وخضع له الخاص والعام، فمن أراد الرفعة العالية في العقبى، والمرتبة الجليلة في الدنيا، فليلزم الجود بما ملك، وترك الأذى إلى الخاص والعام، ومن أراد أن يهتك عرضه، ويثلم دينه، ويَملَّه إخوانه، ويستثقله حيرانه، فليلزم البخل.\rولقد ذم البخل أهل العقل في الجاهلية والإسلام إلى يومنا هذا، فمنه ما أنشدني محمد بن عبد الله البغدادي:\rكأنما نُقرت كَفَّاه من حجر ... فليس بين يديه والنَّدَى عملُ\rيرى التيمم في بحر وفي بلد ... مخافة أن يُرى في كَفِّه بللُ\rوأنشدني عمرو بن محمد أنشدني الغلابي أنشدنا مهدي بن سابق:\rلو أن دارك أنبتت لكَ، واحْتَشَتْ ... إبَراً يضيق بها فِناءُ المنزلِ\rوأتاك يوسف يستعيرُك إبرة ... ليخيط قَدَّ قميصه لم تفعل\rوأنشدني أحمد بن محمد بن أيوب:\rوكَفَّاك لم يخلقا للندى ... ولم يك بخلهما بدْعَه\rفكفٌّ عن الخير مقبوضة ... كما حط من مائة سبعه\rوأخرى ثلاثة آلافها ... وتسع مئيها لها شِرْعه\rسمعت محمد بن نصر بن نوفل المروزي يقول: سمعت محمد بن صالح الوركاني يقول: قيل للنضر بن شُميل: أي بيت قالته العرب أسخى؟ قال: الذي يقول:\rفلو لم تكن في كفِّه غيرُ روحه ... لجادَ بها، فليتق الله سائلُه\rقال: وأي بيت قالته العرب أبخل؟ فقال:\rلو جُعِلَ الخردلُ في كفِّه ... ما سَقَطَتْ من كفِّه خردَلَة\rقال: وأي بيت قالته العرب أهجى؟ فقال:\rالعَجْرَفيُّون لا يوفون ما وعدوا ... والعجرفيَّات ينجزن المواعيدا\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل، إذا لم يُعرف بالسماحة، أن لا يعرف بالبخل، كما لا يجب، إذا لم يعرف بالشجاعة، أن يعرف بالجبن، ولا إذا لم يعرف بالشهامة أن يعرف بالمهانة، ولا إذا لم يعرف بالأمانة أن يعرف بالخيانة، إذ البخل بئس الشعار في الدنيا والآخرة، وشر ما يُدّخر من العمال في العقبى.\rحدثنا أحمد بن عمرو بن جابر بالرملة، حدثنا أبو عتبة الحمصي أحمد بن الفرج حدثنا ضمرة، حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة قال: سمعت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز تقول: أفٍّ للبخل، والله لو كان طريقاً ما سلكته، ولو كان ثوباً ما لبسته.","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا العباس بن بكار الهذلي قال: قال الحسن: من أيقن بالَخْلَفِ جاد بالعطية.\rالزجر عن ترك قبول الهدايا من الإخوان\rحدثنا محمد بن صالح الطبري حدثنا عبد الله بن عمران الأصبهاني - بالري - حدثنا يحيى بن ضريس، حدثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين( قال أبو حاتم رضي الله عنه: زجر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر عن ترك قبول الهدايا بين المسلمين.\rفالواجب على المرء إذا أهديت إليه هدية أن يقبلها ولا يردها، ثم يثيب عليها إذا قدر، ويشكر عنها، وإني لأستحب للناس بعثَ الهدايا إلى الإخوان بينهم، إذ الهدية تورث المحبة، وتذهب الضغينة.\rولقد حدثنا محمد بن المهاجر، حدثنا الدارمي، حدثنا عبد الله بن صالح، أنبأنا الليث قال: سمعت عبد الملك بن رفاعة الفهمي يقول: الهدية هو السِّحْر الظاهر.\rحدثني إبراهيم بن أبي أمية بطرسوس، حدثنا حامد بن يحيى البلخي، حدثنا سفيان قال: لما قعد أبو حنيفة قال للناس مُسَاور الوراق:\rكنا من الدِّين قبل اليوم في سَعة ... حتى بلينا بأصحاب المقاييس\rقوم إذا اجتمعوا صاحوا كأنهم ... ثعالب ضَبَحت بين النواويس\rقال: فبلغ ذلك أبا حنيفة، فبعث إليه بمال، فقال مساور حين قبض المال:\rإذا ما الناسُ يوماً قايسونا ... بآبدةٍ من الفتيا طريفة\rأتيناهم بمقياس صحيح ... مصيب من طراز أبي حنيفة\rإذا سمع الفقيه بها وعاها ... وأثبتها بحبر في صحيفة\rوأنشدني الكريزي:\rإن الهدية حلوة ... كالسحر تختلبُ القلوبا\rتدني البعيد من الهوى ... حتى تُصيره قريبا\rوتعيد مضطغن العدا ... وة بعد بغضته حبيبا\rتنفي السخيمة من ذوي الشَّ ... حْنَا وتمتحق الذنوبا\rأنبأنا الحسين بن إسحاق الأصبهاني - بالكرج - وإبراهيم بن محمد الدستوائي بتستر قالا: حدثنا محمد بن عبيد بن عتبة الكندي حدثنا بكار بن أسود العامري حدثنا إسماعيل بن أبان قال: بلغ الحسن بن عمارة أن الأعمش يقع فيه، فبعث إليه بكسوة، فلما كان بعد ذلك مدحه الأعمش، فقيل له: كيف تذمه ثم تمدحه؟ قال: إن خيثمة حدثني عن عبد الله قال )إن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: قال لنا هذان الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا أهابه، قال: والبَشر مجبولون على محبة الإحسان، وكراهية الأذى، واتخاذ المحسن إليهم حبيباً، واتخاذ المسيء إليهم عدوا.\rفالعاقل يستعمل مع أهل زمانه لزوم بعث الهدايا بما قدر عليه لاستجلاب محبتهم إياه، ويفارقه تركه مخافة بغضهم.\rولقد أنشدني الأبرش:\rهدايا الناس بعضِهمُ لبعض ... تُولّد في قلوبهمُ الوصالا\rوتزرع في الضمير هَوىً وودا ... وتكسوك المهابة والجلالا\rمصايد للقلوب بغير لَغب ... وتمنحك المحبة والجمالا\rحدثني محمد بن سعيد القزاز، حدثنا عبد الله بن لقمان البهراني النجراني حدثنا موسى بن أيوب، حدثنا خداش بن المهاجر عن الحسن بن دينار عن ابن سيرين قال: كانوا يتهادَون الدراهم في الجوالقات والأطباق.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن يستعمل الأشياء على ما يوجب الوقت، ويرضى بنفاذ القضاء، ولا يتمنى ضد ما رزق، وإن كان عند الشيء التافه يجب أن لا يمتنع من بذله لاستحقاره واستقلاله؛ لأن أهون ما فيه لزوم البخل والمنع، ومن حقر شيئاً منعه، بل يكون عنده الكثرة والقلة في الحالة سيان؛ لأن ما يورث الكثير من الخصال أورث الصغير بقدره من الفعال.\rحدثنا عمرو بن محمد الأنصاري، حدثنا الغلابي، حدثنا إبراهيم بن عمرو بن حبيب عن الأصمعي قال: دخلنا على كَهْمَس العابد، فجاء بخمسة وعشرين بُسرة حمراء، فقال: هذا الجهد من أخيكم، والله المستعان.\rوأنشدني ابن زنجي:\rإن المنى عجبٌ لله صاحبها ... لعلَّ حَتْفَ امرئ فيما تمناه\rفإن ترى عبراً فيهنّ معتبرٌ ... يجري بها قدر، فالله أجراه\rلا تحِقرنّ من الإحسان محقرة ... أحسن، فعاقبة الإحسان حُسناه","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"حدثنا محمد بن أيوب بن مشكان - بطبرية قصبة الأُردنّ - حدثنا أبو عتبة حدثنا سلمة بن عبد الملك العرضي حدثنا المعافى بن عمران قال: سمعت ميمون يقول: من رضي من خلة الإخوان بلا شيء فليواخ أهل القبور.\rحدثنا أحمد بن محمد بن سعيد القيسي حدثنا محمد بن الوليد بن أبان العقيلي حدثنا نعيم بن حماد قال: أنشدني ابن المبارك:\rما ذاق طعمَ الغنى من لا قُنوع له ... ولن ترى قانعاً ما عاش مفتقرا\rوالعرف من يأته يَحمد عواقبه ... ما ضاع عُرْف، ولو أوليته حجرا\rسمعت يوسف بن يونس الفَرْغَاني يقول: بعث أبو السنور الشاعر إلى الأمير أبي الأشعث بطبق وردٍ يوم النيروز هدية، وبعث إليه بهذه الأبيات:\rبعثنا ببرٍّ تافهٍ، دون قدركم ... وما تبعث الألطاف للقُلِّ والكثر\rولكنَّ ظرفا أن تزيد مودة ... فهل تكرْمَنّا بالقبول وبالعذر؟\rلو كان بِري حَسْبَ ما أنت أهله ... أتاك إذاً روحي على طبق البر\rسمعت عمر بن محمد الهمداني يقول: سمعت وزيره بن محمد الغساني يقول: قدم بعض الكتاب العسكر، فأهدى إليه إخوانه، وكان فيهم مَنْ قعدت به الحال، فوجّه إليه بدُقّة وأشنان، وكتب إليه: لو تمت الإرادة - جعلت فداءك! - ببلوغ النية فيه، وملّكتني الجدة بَسْط القدرة لأتعبت السابقين إلى برك، ولبرزت أمام المجتهدين في فضلك، ولكن البضاعة قعدت بالهمة، وقصرت عن مساماة أهل النعمة، وكرهت أن تطوى صحيفة البر، وليس فيها ذكر، فوجهت إليك بالمبتدأ به ليمنه وبركته، وبالمختتم به لطيبه ونفعه، مقتصراً عن ألم التقصير فيه، فأما ما سوى ذلك فالمعبر عني في قوله الله )91:9 ليس على الضعفاء ولا على المرضى، ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج( والسلام.\rحدثنا محمد بن يوسف الأرمني، حدثنا إبراهيم بن عبد العزيز الموصلي، حدثنا محمد بن علي بن الفضل المديني، حدثنا عبد الله بن شعيب الزبيري، حدثنا محمد ابن إسحاق المسيبي عن القاسم بن المعتمر عن حميد بن معيوف عن أبيه قال )كنت ممن شهد الحكم بن حنطب بمنبج، وهو يريد أن يموت، وقد كان لقي من الموت شدة، فقلت - أو قال رجل - : اللهم هَوِّنْ عليه الموت، فلقد كان، ولقد كان. فأثنى عليه، فأفاق من غشيته، قال: من المتكلم؟ قال المتكلم: أنا. قال: إن ملك الموت يقول: إني بكل رجل سخي رفيق، قال: ثم كأن فتيلة أطفئت. فمات، فبلغ ابن هَرْمَة الشاعر موتهُ فأنشأ يقول:\rسألا عن المجد والمعروف أين هما؟ ... فقلت: إنهما ماتا مع الحكَمِ\rماتا مع الرجل الموفى بذمته ... يوم الحفاظ إذا لم يوفَ بالذِّمَمِ\rماذا بمنْبجَ لو تُنْبش مقابرها ... من التهدُّم بالمعروف والكرمِ\rحدثنا محمد بن المهاجر، حدثنا محمد بن موسى السمري عن حماد بن إسحاق ابن إبراهيم عن أبيه قال: قيل للمغيرة بن شعبة: ما بقي من لذتك؟ قال: الإفضال على الإخوان، قيل: فما أحسنُ الناس عيشاً؟ قال: من عاش بعيشهِ غيره، قيل: فمن أسوأ الناس عيشاً؟ قال: من لا يعيش بعيشه أحد.\rاستحباب التفريج عن الناس\rبقضاء الحوائج\rحدثنا أبو عمرو محمد بن محمود النسائي، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا محاضر بن المورع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )من نفَسَّ عن أخيه كُرْبَة من كُرْب الدنيا نَفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يَسّر على معسر، يَسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على المسلمين كافة نصيحة المسلمين والقيام بالكشف عن همومهم وكربهم؛ لأن من نَفَّس كربة من كرب الدنيا عن مسلم نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن تَحرَّى قضاء حاجته ولم يُقْضَ قضاؤها على يديه فكأنه لم يقصر في قضائها، وأيسر ما يكون في قضاء الحوائج استحقاق الثناء، والإخوان يعرفون عند الحوائج، كما أن الأهل تختبر عند الفقر؛ لأنَّ كل الناس في الرخاء أصدقاء، وشر الإخوان الخاذل لإخوانه عند الشدة والحاجة، كما أن شرَّ البلاد بلدة ليس فيها خِصْب ولا أمن.\rوأنشدني الكريزي:\rخيرُ أيامِ الفتى يومٌ نَفَعْ ... واصطناع العُرف أبقى مصطَنَعْ","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"ما يُنالُ الخيرُ بالشر، ولا ... يَحصُدُ الزارع إلا ما زَرَعْ\rليس كلُّ الدهر يوما واحدا ... ربما انحط الفتى، ثم ارتَفَعْ\rحدثنا محمد بن سليمان بن فارس، حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي، حدثنا بشر ابن عمر، حدثنا الربيع قال: كان الحسن يقول )قضاء حاجة أخ مسلم أحب إليّ من اعتكاف شهرين(.\rوأنشدني علي بن محمد البسامي:\rسابق إلى الخير وبادرْ به ... فإنَّ مِن خَلفكَ ما تعلمُ\rوقدّمِ الخير، فكل امرئ ... على الذي قدمه يَقْدَمُ\rحدثنا أحمد بن محمد بن سعيد القيسي، حدثنا محمد بن موسى البصري، حدثنا الأصمعي، حدثنا أبو معمر شبيب بن شيبة الخطيب قال: لما حضرَت ابن سعيد ابن العاص الوفاةُ قال لبنيه )يا بنيّ، أيُّكم يقبل وصيتي؟ فقال ابنه الأكبر: أنا قال: إن فيها قضاء ديني، قال: وما دينك يا أبت؟ قال: ثمانون ألف دينار، قال: يا أبت فيم أخذتها؟ قال: يا بني في كريم سددت خَلَّته، ورجل جاءني في حاجة وقد رأيت السوء في وجهه من الحياء، فبدأت بحاجته قبل أن يسألها( قال أبو حاتم رضي الله عنه: حقيق على من علم الثواب أن لا يمنع ما ملك من جاه أو مال إن وجد السبيل إليه قبل حلول المنية، فيبقى عن الخيرات كلها، ويتأسف على ما فاته من المعروف.\rوالعاقل يعلم أن من صحب النعمة في دار الزوال لم يخلُ من فقدها، وأن من تمام الصنائع وأهناها إذا كان ابتداء من غير سؤال.\rحدثنا عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن المهلبي قال: دخل أبو العتاهية على الرشيد، فقال: سل يا أبا العتاهية، فقال:\rإذا كان المنال ببذل وجه ... فلا قرَّبْتُ من ذاك المنال\rوأنشدني عبد العزيز بن سليمان:\rيبقى الثناء وتنفَذُ الأموال ... ولكل دهر دولةٌ ورجال\rما نال مَحمَدة الرجال وشكرَهْم ... إلا الصبور عليهمُ المفضال\rحدثني محمد بن عبدل بن المهدي الشعراني، حدثنا محمد بن يزيد الطرسوسي حدثنا ابن عائشة قال: قال أبي )جاء رجل إلى يحيى بن طلحة بن عبيد الله، فقال له: هب لي شيئا، قال: يا غلام أعطه ما معك، فأعطاه عشرين ألفاً، فأخذها ليحملها فثقلت عليه، فقعد يبكي، فقال: ما يبكيك؟ لعلك اسثقللتها فأزيدك، قال: لا، والله ما استثقللتها، ولكن بكيت على ما تأكل الأرض من كرمك، فقال له يحيى: هذا الذي قلت لنا أكثر مما أعطيناك(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يجب الإلحاف عند السؤال في الحوائج؛ لأن شدة الاجتهاد ربما كانت سبباً للحرمان والمنع، والطالب للفلاح كالضرّاب بالقِداح: سهم له، وسهم عليه، فإن أعطى وجب عليه الحمد، وإن منع لزمه الرضاء بالقضاء، ولا يجب أن يكون السؤال إلا في ديار القوم ومنازلهم، لا في المحافل والمساجد والملأ؛ لأن محمد بن محمود النسائي حدثنا، قال: حدثنا علي بن خَشْرم، حدثنا جرير بن عبد الحميد الضبي عن حنيف المؤذن قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: )لا تسألوا الناس في مجالسهم ومساجدهم فتفحشوهم، ولكن سلوهم في منازلهم، فمن أعطى أعطى، ومن منع منع(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الذي قاله عمر بن الخطاب رحمة الله عليه ورضوانه إذا كان المسئول كريما، فإنه إن سئل الحاجة في نادي قومه ولم يكن عنده قضاؤها تشور وخجل. وأما إذا كان المسئول لئيما ودُفع المرء إلى مسألته في الحاجة تقع له فإنه إن سأله في مجلسه ومسجده كان ذلك أقضى لحاجته، لأن اللئيم لا يقضي الحاجة ديانة ولا مُروءة، إنما يقضيها إذا قضاها طلباً للذكر والمحمدة في الناس.\rعلى أني أستحب للعاقل أنْ لو دفعه الوقت إلى القِدِّ ومَصِّ الحصَى ثم صبر عليه لكان أحرى به من أن يسأل لئيما حاجة؛ لأن إعطاء اللئيم شَين، ومنعه حَتْف.\rولقد أنشدني محمد بن عبد الله البغدادي:\rإذا أعطى القليل فتىً شريف ... فإن قليل ما يعطيك زينُ\rوإن تكن العطية من دنِيٍّ ... فإنَّ كثير ما يعطيك شينُ","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"أنبأنا أحمد بن محمد بن الفضل السجستاني بدمشق، حدثنا علي بن خشرم قال: سمعت سعيد بن مسلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي يقول: خرجت حاجا فملَلْت المحمل، فنزلت أساير القُطرَات، فقال: أتانا أعرابي، فقال لي: يا فتى لمن الجمال بما عليها؟ قلت: لرجل من باهلة، قال: يا الله أن يعطي الله باهليا كل ما أرى، قال: فأعجبني ازدراؤه بهم، ومعي صُرَّة فيها مائة دينار، فرميت بها إليه، فقال: جزاك الله خيراً! وافقت مني حاجة، فقلت: يا أعرابي، أيسرك أن تكون الجمال بما عليها لك وأنت من باهلة؟ قال: لا، قلت: أفيسرك أن تكون من أهل الجنة وأنت باهلي؟ قال: بشرط أن لا يعلم أهل الجنة أني من باهلة، فقلت: يا أعرابي، الجمال بما عليها لي وأنا من باهلة، قال: فرمى بالصُّرة إليّ، فقلت: سبحان الله! ذكرت إنها وافقت منك حاجة، قال: ما يسرني أن ألقى الله ولباهليّ عندي يد، فحدثت بها المأمون، فجعل يتعجب ويقول: ويحك يا سعيد! ما كان أصبرك عليه.\rحدثنا محمد بن الرقام بتستَرَ حدثنا أبو حاتم السجستاني حدثنا الأصمعي حدثنا هاشم بن القاسم قال: سألت سالم بن قتيبة حاجة، فقضاها، ثم سألته أخرى، فانتهرني وقال: حاجتين في حاجة، أو قال: على الريق؟ ثم دعا بالطعام، فلما تغدى قال: هات حاجتك، أما سمعت قول الصبيان:\rإذا تغديتُ وطابتْ نفسي ... فليس في الحق غلام مثلي\r- إلا غلام قد تغدى قبلي - أنبأنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا مهدي بن سابق عن عطاء بن مصعب قال: قال أبو عمرو المنذري: أتيت مسلم بن قتيبة في حاجة، وكان له صديق من أهل الشام فكلمته أن يكلمه في حاجتي، فجعل يقول: اليوم، غداً، فطال عليَّ، فتراءيت له، وقد كان يعرفني، فدعاني فقال: أبا عمرو، إنك لههنا؟ قلت: نعم، أطالبك بحاجة منذ كذا وكذا وسيلتي فيها فلان، فضحك وقال: قد كنت أراك قد أحكمت الآداب، لا تستعن إلا من تطلب إليه حاجة بمن له عنده طُعْمةُ: فإنه لا يؤثرك على طعمته، ولا تستعن بكذاب: فإنه يقرب لك البعيد ويبعد لك القريب، ولا تستعن بأحمق، فإن الأحمق يجهد لك نفسه، ولا يكون عنده شيء، ولا يبلغ لك ما تريد، فانصرفت، فقلت: يكفيني هذا، قال: لا، ولكن تقضي لك حاجتك، فقضاها.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يجب للعاقل أن يتوسل في قضاء حاجته بالعدو، ولا بالأحمق، ولا بالفاسق، ولا بالكذاب، ولا بمن له عند المسئول طعمة، ولا يجب أن يجعل حاجتين في حاجة، ولا أن يجمع بين سؤالي وتقاض، ولا يظهر شدة الحرص في اقتضاء حاجته، فإن الكريم يكفيه العلم بالحاجة دون المطالبة والاقتضاء.\rولقد أنشدني منصور بن محمد الكريزي:\rوإذا طلبتَ إلى كريم حاجة ... فاصبر، ولا تكُ للِمِطال مَلُولاَ\rلا تُظْهِرَنْ شَرَهَ الحريص، ولا تكن ... عند الأمور إذا نهضت ثقيلا\rوأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي العرزمي:\rوإذا طلبت إلى كريم حاجة ... فحضوره يكفيك والتسليم\rفإذا رآك مسلماً عرف الذي ... حمَّلته فكأنه ملزوم\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل لا يتسخط ما أعطى، وإن كان تافهاً؛ لأنه من لم يكن له شيء فكل شيء يستفيده ربح، ربح، ولا يجب أن يسأل الحاجة كل إنسان: فرب مهروب منه أنفع من مستغاث إليه، ولا يجب أن يكون السائل متشفعاً لآخر؛ لأن من لم يقدر على أن يسبح فلا يجب أن يحمل على عنقه آخر، ومن سئل فليبذل؛ لأن مال المرء نصفان، له ما قدم، ولوارثه ما خلَّف، وأقرب الأشياء في الدنيا زوالا المال والولاية، والتعاهد للصنيعة بالتحفظ عليها أحسن من ابتدائها، ومَنْ غرس غراساً فلا يَضْنَنْ بالنفقة على تربيته، فتذهب النفقة الأولى ضياعاً.\rحدثني محمد بن أبي علي الخلادي حدثني محمد بن أبي يعقوب الربعي حدثنا عبد الكريم بن محمد الموصلي حدثنا أبي، قال: سمعت أبا تمام حبيب بن أوس الطائي يقول: وقفت على باب مالك بن طَوْق الرحبي أشهراً فلم أصل إليه، ولم يعلم بمكاني، فلما أردت الانصراف قلت للحاجب: أتأذن لي إليه أم أنصرف؟ قال: أما الآن فلا سبيل إليه، قلت: فإيصال رقعة؟ قال: لا، ولا يمكن هذا، ولكن هو خارج اليوم إلى بستان له فاكتب الرقعة وارْمِ بها في موضع أرانيه الحاجب، فكتبت:\rلعمري، لئن حَجَبتني العبي ... د عنك، فلم تحجب القافيهْ","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"سأرمي بها من وزراء الجدا ... ر شنعاء تأتيك بالداهيهْ\rتصم السميع وتعمى البصير ... ومن بعدها تسأل العافيهْ\rفكتبت بها ورميت بها من المكان الذي أرانيه الحاجب فوقعت بين يديه، فأخرجها فنظر فيها، فقال: عليَّ بصاحب الرقعة، فخرج الخادم، فقال: من صاحب الرقعة؟ قلت: أنا، فأدخلت عليه، فقال لي: أنت صاحب الرقعة؟ قلت: نعم، فاستنشدني، فأنشدته. فلما بلغت - ومن بعدها تسأل العافية - قال: لا، بل نسأل العافية من قبلها، ثم قال: حاجتك؟ فأنشأت أقول:\rماذا أقول إذا انصرفت وقيل لي: ... ماذا أصبت من الجواد المفضل؟\rوإن قلتُ: أغناني كذبت، وإن أقل ... ضنّ الجواد بماله، لم يجمل\rفاختر لنفسك ما أقولُ، فإنني ... لابد أخبرهم، وإن لم أُسأل\rفقال: إذاً والله لا أختار إلا أحسنها، كم أقمت ببابي؟ قلت: أربعة أشهر، قال: يعطى بعدد أيامه ألوفاً، فقبضت مائة وعشرين درهم.\rسمعت محمد بن نصر بن نوفل بقوقل يقول: سمعت أبا داود السنجي يقول: كان ببغداد رجل يقال له: ابن الهفت، فمر يوماً على سائل واقف على الجسر، وهو يقول: اللهم ارزق المسلمين حتى يعطوني، فقال له: تسأل ربك الحوالة؟\rالحث على إعطاء السؤال\rوطلب المعالي\rحدثنا محمد بن صالح الطبري بالصيمرة حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني حدثنا مصعب بن المقدام حدثنا سفيان عن محمد بن المنكدر عن جابر قال )ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فقال: لا، ولا ضرب بيده شيئاً قط(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: إني لأستحب للمرء طلب المعالي من الأخلاق، مع ترك رد السؤال؛ لأن عدم المال خير من عدم محاسن الأخلاق، والندامة موكلة بترك معالجة الفرصة، وإن الحرَّ - حقَّ الحر - من أعتقته الأخلاق الجميلة، كما أن أسوأ العبيد من استعبدته الأخلاق الدنية، ومن أفضل الزاد في المعاد اعتقاد المحامد الباقية، ومن لزم معالي الأخلاق أنتج له سلوكها فراخا تطير بالسرور.\rولقد حدثني محمد بن سعيد القزاز حدثنا هارون بن صدقة القاضي حدثنا المسيب بن واضح يقول: سمعت يوسف بن أسباط يقول: ما كان المال مذ كانت الدنيا أنفع منه في هذا الزمان.\rوأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:\rبادر هواك إذا همَمْت بصالح ... خوف العوائق أن تجيء فتغلِب\rوإذا هممت بسيئ فتعده ... وتجنب الأمر الذي يتجنب\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: ما ضاع مال ورَّث صاحبه مجداً، ولولا المتفضلون مات المتجملون، وليس يستحق المرء اسم الكرم بالكف عن الأذى إلا أن يقرنه بالإحسان إليهم، فمن كثر في الخير رغبته، وكان اصطناع المعروف همته، قصده الراجون، وتأمله المتأملون، ومن كان عيشه وحده ولم يعش بعيشة غيره فهو - وإن طال عمره - قليل العمر، والبائس من طال عمره في غير الخير، ومن لم يتأسَّ بغيره في الخير كان عاجزاً، كمان أن من استحسن من نفسه ما يستقبحه من غيره كان كالغاش لمن تجب عليه نصيحته، ومن لم يكن له همة إلا بطنه وفرجه عُدَّ من البهائم، والهمة تُبلِّغ الرتبة العالية؛ لأن الناس بهمتهم.\rولقد حدثنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا ابن عائشة قال: قال عبيد الله بن زياد بن ظبيان: كان لي خال من كلب، فكان يقول لي: يا عبيد الله، هِمّ؛ فإن الهمة نصف المروءة.\rوأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي.\rقد بلونا الناس في أخلاقهم ... فرأيناهم لذي المال تَبَعْ\rوحبيب الناس مَن أطمعهم ... إنما الناس جميعاً بالطمع\rحدثنا عمر بن حفص البزاز - بجند يسابور - حدثنا إسحاق من الضيف حدثنا الحسن بن واقع الرملي حدثنا ضمرة بن ربيعة، قال: سمعت كديرا أبا سليمان الضبي يقول )كان لقصر إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم ثمانية أبواب من حيث جاء السائل أعطى(.\rحدثنا محمد بن أحمد الرقام - بتستر - حدثنا إسحاق بن الضيف حدثنا أبو مسهر حدثنا سعيد بن عبد العزيز أن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم: سمع رجلا إلى جنبه يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف فبعث بها إليه.\rوأنشدني الكريزي:\rلا تحقرنَّ صنيع الخير تفعله ... ولا صغير فعال الشر من صغره\rفلو رأيت الذي استصغرت من حَسَنٍ ... عند الثواب أطلت العجب من كبره","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"سمعت أحمد بن محمد بن عبد الله اليماني يقول: سمعت صالح بن آدم يقول: أنشد إنسان عند عبد الله بن جعفر هذين البيتين:\rإن الصنيعة لا تكونُ صنيعةً ... حتى يُصابَ بها طريقُ المصنع\rفإذا صنعت صنيعة فأعمد بها ... لله، أو لذوي القرابة، أودَعِ\rفقال عبد الله بن جعفر: إن هذين البيتين يبخلان الناس؛ ينبغي لمن عمل بهذا أن يدعو لمن طلب حاجة بالبينة، بل تُبَثُّ الصنائع ويُرمَي بها مواضع القَطْر حيث حَلّت، وفي مثله يقول العتابي:\rله في ذوي المعروف نُعمَى، كأنه ... مواقعُ ماء القَطْر في البلد القَفْرِ\rإذا ما أتاه السائلون لحاجة ... علَته مصابيحُ الطلاقة والبِشْرِ\rحدثنا أحمد بن محمد سعيد القيسي حدثنا أحمد بن مسروق حدثني ابن سعيد عن شيخ له قال: رأيت ابن المبارك يَعَضُّ يد خادم له، فقلت له: تعضُّ يدَ خادمك؟ قال: كم آمره أن لا يعد الدراهم على السؤال، أقول له: أُحْثُ لهم حَثْواً.\rحدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: قال إبراهيم بن أبي البلاد: حدثني أخي قال: رأيت الحجاج بمنى في عمله على العراق، وقام إليه رجال من أهل الحجاز يسألونه، فقال: توهمتم بنا أنّا بغير بلادنا وما لكم مَترْك، مَن ههنا من أهل العراق؟ فقام إليه تجار أهل العراق، فقال: هل من سلف؟ فقالوا: نعم، فحملوا إليه ألف ألف درهم، فقسمها، فلما قدم العراق ردها، وما أكثر ظني أنها ومثلها معها.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن يبدأ بالصنائع والإحسان الأفْرضَ فالأفْرضَ، يبدأ بأهل بيته، ثم بإخوانه وجيرانه، ثم الأقرب فالأقرب، ويتحرى المعروف والإحسان في أهل الدين والعلم منهم، ويجتنب ضد ما قلنا؛ لأن مثَلَ من لم يفعل ما أوْمَأْنا إليه كما أنشدني الحسين بن أحمد البغدادي:\rتَصُول على الأدنى، وتجتنب العِدَا ... وما هكذا تُبنَى المكارمُ يا يحيى\rفكنتَ كفحل السوء ينزو بأمه ... ويترك باقي الخيل سائمة ترعى\rوأنشدني البسامي:\rوكنت كمهريق الذي في سقائه ... لرَقْراق ماءٍ فوق رابية صَلْدِ\rكمرضعة أولادَ أخرى، وضَيَّعت ... بني بطنها، هذا الضلالُ من القصد\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يبتدئ بالصنائع قبل أن يسأل؛ لأن الابتداء بالصنيعة أحسن من المكافأة عليها، والإمساك عن التعرض خير من البذل، والصنائع إنما تحسن بإتمامها، والتحافظ عليها بعدها؛ لأن بصلاح الخواتم تزكو الأوائل، والعطية بعد المنع أجمل من المنع بعد العطية، والناس في الصنائع على ضربين: شاكر، وكافر، ولقد أنشدني بعض إخواننا:\rوما الناسُ في حسن الصنيعة عندهم ... وفي كفرهم إلا كبعض المزارع\rفمزرعة طابت وأضعف رَيْعُها ... ومزرعة أكْدتْ على كل زارع\rوأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي:\rومن يَضَع المعروف في غير أهله ... يكن ضائعاً في غير حمد ولا أجر\rوحسب امرئ من كُفْر نُعْمَى جُحودُها ... إذا وقعت عند امرئ غير ذي شكر\rوأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:\rلعمرك ما المعروفُ في غير أهله ... وفي أهله إلا كبعض الودائع\rفمستودَع ضاع الذي كان عنده ... ومستودَع ما عنده غير ضائع\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الهمَج من الناس إذا أحسن إليه يرى ذلك استحقاقا منه له، ثم يرى الفضل لنفسه على المحسن إليه، فلا يحمد عند الخير، ولا يشكر عند البر، ويتعجب ممن يشكر، ويذمُ من يحمد، وإذا امتحن العاقل بمثل مَنْ هذا نعته استعمل معه ما أنشدني الكريزي:\rإن ذا اللؤم إذا أكرمته ... حَسِبَ الإكرام حقا لزمكْ\rفأهِنْه بهوان، إنه ... إن تُهنه بهوان أكرمك\rوأنشدني الأبرش:\rإذا أَوْلَيْتَ معروفاً لئيماً ... يَعُدُّك قد قتلتَ له قتيلا\rفكنْ من ذاك معتذراً إليه ... وقلْ: إني أتيتك مستقيلا\rفإن تغفر، فمجترمي عظيمٌ ... وإن عاقَبْتَ لم تَظلم فتيلا\rولستُ بعائد أبدا لهذا ... وقد حَمَّلتني حِملا ثقيلا","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"قال أبو حاتم رضي الله عنه: أهنأ الصنائع، وأحسنها في الحقائق، وأوقعها بالقلوب، وأكثرها استدامة للنعم، واستدفاعاً للنقم، ما كنت خالية عن المنن في البداءة والنهاية، معترية عن الامتنان، وهو الغاية في الصنيعة، والنهاية في الإحسان.\rولقد أنشدني محمد بن عبد الله البغدادي:\rأحسنُ من كل حَسَنْ ... في كل وقت وزمنْ\rصنيعة مربوبة ... خالية من المِنَنْ\rحدثنا محمد بن غدار بن محمد الحارثي بالبصرة حدثنا سهل بن زادويه حدثنا محمد بن أبي الدواهي عن أبيه قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:\rما أحسن الدنيا وإقبالَها ... إذا أطاعَ اللهَ من نالها\rمن لم يُوَاس الناس من فضلها ... عرَّض للأدبار إقبالها\rفأحذر زوال الفضل يا حائراً ... وأعطِ من الدنيا لمن سالها\rفإن ذا العرش سريع الجزا ... يُخلف بالحبة أمثالها\rحدثنا محمد بن المهاجر حدثنا محمد بن أحمد بن النضر المعني حدثني سعيد حدثني أبوك - يعني أباه أحمد بن النضر - قال: كان بالكوفة قوم من العرب، فأصابت رجلا منهم حاجة، فكان عيالُه يغزلون ويبيعون، وكان يَشْرَكهم، فقالوا: لا تعود علينا بشيء، وما نكسب تشركنا فيه، فأنِفَ من قولهم، فخرج يَؤُمّ بغداد، ولم يدخل بغداد قبل ذلك، وليس له حميم ولا قريب بها، فدخلها ومَرَّ على وجهه، فمر على باب يعقوب بن داود كاتب المهدي، فرأى قوماً جلوساً عليهم بزَّة، فقال: ما أخلق هؤلاء دُعوا إلى وليمة، لو دخلت معهم لعلِّي أصيبُ شَبْعة فاندسَّ معهم، فخرج الإذن، فقال: ادخلوا، فدخلوا إلى دار قَوْراء كبيرة، وإذا بَهْوٌ في صدر الدار، فجلسوا في البهو يَمْنَة ويسْرة، وأخلوا الصدر فجاء يعقوب فسلم عليهم وقعد، ثم قال: يا غلام، هات، فجاء بصوان عليها مناديل مغطى بها، وإذا فيها أكياس، فقال: أعطهم، فوضَعوا في حِجْر كل رجل منهم كيسا، ووضعوا في حجري كيسا، حتى فرغ منهم، ثم قال: أعد عليهم، فوضع في حجر كل رجل منهم كيسا حتى وإلى بين خمسة أكياس، ثم قال: قوموا مباركٌ لكم، وقد تعينه الخدم، وليس له عندهم اسم ولم يعرفوه: فلما بلغ الدهليز ربطوه فصاح وصاحوا، وسمع يعقوب الصوت، فقال: ما هذا؟ فقالوا رجل دخل مه هؤلاء القوم لا نعرفه، فقال: علي به، فقال له: يا عبد الله، ما أدخلك هذه الدار؟ فقص عليهم القصة والسبب الذي دخل له، فقال له: من أين أنت؟ قال: من أهل الكوفة، قال: من يعرفك بالكوفة؟ قال: يعرفني فلان وفلان، فسمى له قوماً يعرفهم، فقال: خلوا عن الرجل، إنا كاتبون إلى هؤلاء القوم: فإن كان الأمر على ما ذكرت، فتعال كل سنة في هذا الوقت، ولك عندنا مثل هذا، وكتب إلى القوم، فسألهم فكتبوا بمعرفته، فكان يجيء أيام حياته فيأخذ خمسة آلاف وينصرف.\rالحث على الضيافة\rوإطعام الطعام\rحدثنا حامد بن محمد بن شعيب البلخي ببغداد حدثنا منصور بن أبي مزاحم حدثنا أبو الأحوص عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكْرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُؤْذِ جاره( قال أبو حاتم رضي الله عنه: إني لأستحب للعاقل المداومة على إطعام الطعام والمواظبة على قِرَى الضيف؛ لأن إطعام الطعام من أشرف أركان الندى، ومن أعظم مراتب ذوي الحِجَى، ومن أحسن خصال ذوي النّهَى، ومن عرف بإطعام الطعام شَرُفَ عند الشاهد والغائب، وقصده الراضي والعاتب، وقِرَى الضيفِ يرفع المرء وإن رَقَّ نسبه إلى منتهى بغيته ونهاية محبته، ويُشَرِّفه برفيع الذكر وكمال الذخر.\rحدثنا محمد بن زنجويه القشيري حدثنا أبو مصعب حدثنا الدراوردي عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: كان إبراهيم الخليل أول من أضاف الضيف.\rحدثنا الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا إبراهيم بن عمر بن حبيب حدثنا الأصمعي أخبرني نافع بن أبي نعيم قال: قال رجل ممن أدرك الجاهلية )قدمت المدينة، فإذا مناد ينادي: من أراد الشحم واللحم فليأت دار دُليم، وهو جد سعد ابن عبادة بن دليم سيدَ الخزرج، ثم ضرِب الزمان من ضربه، فقدمتُ المدينة، فإذا منادٍ ينادي: من أراد الشحم واللحم فليأت دار عبادة، ثم ضرب الزمان من ضربه فقدمتها، فإذا مناد ينادي: من أراد الشحم واللحم فليأت دار سعد.","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"قال أبو حاتم رضي الله عنه: كل من ساد في الجاهلية والإسلام حتى عرف بالسؤدد، وانقاد له قومه، ورحل إليه القريب والقاصي، لم يكن كمال سؤدده إلا بإطعام الطعام، وإكرام الضيف.\rوالعرب لم تكن تعدُّ الجود إلا قرى الضيف، وإطعام الطعام، ولا تعد السخي من لم يكن فيه ذلك، حتى أن أحدهم ربما سار في طلب الضيف الميل والميلين.\rولقد حدثني محمد بن المنذر حدثنا علي بن الحسن الفلسطيني حدثنا أبو بكر السني حدثنا محمد بن سليمان القرشي قال: بينما أنا أسير في طريق اليمن إذا أنا بغلام واقف على الطريق في أُذنيه قُرطان، وفي كل قرطة جوهرة يضيء وجهه من ضوء تلك الجوهرة، وهو يمجد رَبَّه بأبيات من شعر، فسمعته يقول:\rمليكٌ في السماء به افتخاري ... عزيزُ القدر ليس به خفاء\rفدنوت إليه، فسلمت عليه، فقال: ما أنا براد عليك سلامك حتى تؤدي من حقي الذي يجب لي عليك، قلت: وما حقك؟ قال: أنا غلام على مذهب إبراهيم الخليل، لا أتغدى ولا أتعشى حتى أسير الميل والميلين في طلب الضيف، فأجبته إلى ذلك، قال: فرحب بي وسرت معه حتى قربنا من خيمة شَعَر، فلما قربنا من الخيمة صاح: يا أختاه، فأجابته جارية من الخيمة يَالَبَّيْكاَه قال:قومي إلى ضيفنا هذا، قال: فقالت الجارية: أصبر حتى أبدأ بشكر الذي سبب لنا هذا الضيف، قال: فقامت وصلَّت ركعتين شكراً لله، قال: فأدخلني الخيمة، فأجلسني، فأخذ الغلام الشَّفْرة، وأخذ عناقاً له ليذبحها، فلما جلست في الخيمة نظرت إلى جارية أحسن الناس وجهاً، فكنت أسارقها النظر، ففطنت لبعض لحظاتي، فقالت لي: مَه، أما علمت أنه قد نقل إلينا عن صاحب يثرب - تعني النبي محمد صلى الله عليه وسلم - : إن )زنا العينين النظر( أما أني ما أردت بهذا أن أوبخك، ولكني أردت أن أؤدبك لكيلا تعود لمثل هذا، فلما كان وقت النوم بتُّ أنا والغلام خارج الخيمة وباتت الجارية في الخيمة، قال: فكنت أسمع دويَّ القرآن الليل كله أحسن صوت يكون وأرقه، فلما أن أصبحت قلت للغلام: صوت من كان ذلك؟ قال: فقال: تلك أختي تُحيي الليل كله إلى الصباح، قال: فقلت: يا غلام، أنت أحق بهذا العمل من أختك، أنت رجل وهي امرأة، قال فتبسم، ثم قال: ويحك يا فتى! أما علمت أنه موفق ومخذول.\rوأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي:\rإذا ما أتاك الضيفُ فابدأ بحقه ... قبل العيال، فإنَّ ذلك أصوبُ\rوعظِّم حقوق الضيف واعلم بأنه ... عليك بما توليه مُثنْنٍ وذاهب\rأنبأنا أحمد بن قريش بن عبد العزيز حدثنا إبراهيم بن محمد الذهلي عن الحسن بن عيسى بن ماسَرجَس قال: صحبت ابن المبارك من خراسان إلى بغداد فما رأيته أكَلَ وحده.\rحدثني محمد بن عثمان العقبي حدثنا أبو أمية حدثنا عصام بن عمرو أبو حميد الطائي حدثنا عمرو بن هانئ قال: كان رافع بن عميرة بن عمرو السنبسي - فخذٌ من طيء - يُغَذِّي أهل ثلاثة مساجد، ويعشيهم، يوماً بثرائد، ويوماً برطبة، يعني الحيس، وما له قمص إلا قميص هو لجمعته وهو للبيت.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: يجب على العاقل ابتغاء الأضياف، وبذل الكِسَر؛ لأن نعمة الله إذا لم تُصَنْ بالقيام في حقوقها ترجع من حيث بدأت، ثم لا ينفع من زالت عنه التلهف عليها، ولا الأفكار في الظفر بها، وإذا أدى حق الله فيها استجلب النماء والزيادة، واستذْخر الأجر في القيامة، واستقصر إطعام الطعام.\rوعنصر قرى الضيف هو ترك استحقار القليل، وتقديم ما حضر للأضياف؛ لأن من حَقَّر منع، مع إكرام الضيف بما قدر عليه، وترك الادخار عنه.\rولقد حدثني كامل بن مكرم حدثنا محمد بن يعقوب الفرجي حدثنا الوليد ابن شجاع حدثنا عقبة بن علقمة ومبشر بن إسماعيل أنهما سألا الأوزاعي: ما إكرام الضيف؟ قال: طَلاَقَة الوجه، وطيب الكلام.\rوأنشدني الكريزي في قوم لم يكونوا يضيفون:\rأقاموا الدَّيدبانَ على يَفَاع ... وقالوا: لا تَنْم للديدبان\rإذا أبصرت شخصاً من بعيد ... فصفِّق بالبنان على البنان\rتراهم خشية الأضياف خُرْسا ... يُصَلُّون الصلاة بلا أذان\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: أبخل البخلاء من بخل بإطعام الطعام، كما أن من أجود الجود بذله، ومن ضَنَّ بما لا بد للجثة منه، ولا تربو النفس إلا عليه: كان بغيره أبخل، وعليه أشح.","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"ومن إكرام الضيف طيب الكلام، وطلاقة الوجه، والخدمة بالنفس، فإنه لا يَذِل من خدم أضيافه، كما لا يعِزُّ من استخدمهم، أو طلب لقراه أجراً.\rوأنشدني كامل بن مكرم أنشدني محمد بن سهيل:\rوإني لطلق الوجه للمبتغي القِرَى ... وإنَّ فنائي للقرى لرحيبُ\rأضاحك ضيفي عند إنزال رحله ... فيخصبُ عندي، والمحلُّ جديب\rوما الخصب للأضياف أن يكثُرَ القِرَى ... ولكنما وجه الكريم خصيب\rوأنشدني الأبرش:\rلا تبخلنَّ بدنيا، وهي مقبلة ... فليس ينقُصها التبذير والسرفُ\rوإن تولَّتْ فأحرى أن تجود بها ... فالحمد منها إذا ما أدبرت خَلَفُ\rأنبأنا الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا العقبي عن أبي محنف لوط بن يحيى حدثني هشام بن عروة عن أبيه: إن قيس بن سعد بن عبادة خرج من مصر، فمرّ بأهل بيت من القَيْنِ فنزل بهم، فنحر لهم صاحب المنزل جَزوراً وأتاهم به، فقال: دونكم، فلما كان من الغد نحر لهم آخر، ثم حبستهم السماء اليوم الثالث، فنحر لهم مثله، فلما أراد قيس أن يرتحل وضع عشرين ثوباً من ثياب مصر وأربعة آلاف درهم عند امرأة الرجل، وخرج قيس، فما سار إلا قليلا حتى أتاه صاخب البيت على فرس كريم ورمح طويل، وقدامه الثياب والدراهم، فقال: يا هؤلاء، خذوا بضاعتكم عني، قال قيس: انصرف أيها الرجل، فإنا لم نكن لنأخذها، فقال الرجل: لتأخذُونُّهَا، أو لا ينفذ منكم رجل، أو تذهب نفسي، فعجب قيس منه، وقال: لِمَ؟ لله أبوك! ألم تكرمنا وتحسن إلينا؟ فكافأناك، ما في هذا من بأس، فقال الرجل: إنا لا نأخذ لقِرَى ابن السبيل وقرى الضيف ثمناً، لا والله لا أفعل أبداً، قال لهم قيس: أما إذ أبى فخذوها منه، فأخذوها، ثم قال قيس: ما فضَلني رجل غير هذا.\rحدثنا أحمد بن عمرو الزنبقي بالبصرة حدثنا الحسن بن مدرك السدوسي حدثنا عبد العزيز بن عبد الله القرشي حدثنا سعيد عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: لأن أشبع كبداً جائعة أحب إلي من حجة بعد حجة.\rحدثنا محمد بن سعيد القزاز حدثني عيسى بن أبي موسى الأنصاري حدثني أبي حدثنا أحمد بن بشير عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: كان من دعاء قيس ابن سعد بن عبادة )اللهم ارزقني مالا وفعالا؛ فإنه لا يصلح الفعال إلا بالمال(\rالحث على المجازاة على الصنائع\rحدثنا الفضل بن الحباب الجمحي حدثنا عبد الرحمن بن بكر بن الربيع ابن مسلم، قال: سمعت الربيع بن مسلم يقول: سمعت محمد بن زياد يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )من لا يشكر الناس لا يشكر الله(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على من أُسْدي له معروف أن يشكره بأفضل منه أو مثله؛ لأن الإفضال على المعروف في الشكر لا يقوم مقام ابتدائه وإن قلَّ، فمن لم يجد فْليُثْنِ عليه، فإن الثناء عند العدم يقوم مقام الشكر للمعروف، وما استغنى أحد عن شكر أحد.\rولقد أنشدني محمد بن زنجي البغدادي:\rفلو كان يستغني عن الشكر ماجد ... لعزَّه مُلْكٍ، أو علوِّ مكان\rلما أمر الله العباد بشكره ... فقال: اشكروني أيها الثقلان\rوأنشدني الكريزي:\rإذا المرء لم يشكر قليلا لربه ... فليس له عند الكثير شُكور\rومن يشكر المخلوق يشكر لربه ... ومن يكفر المخلوق فهو كفور\rوأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:\rحافظ على الشكر كَيْ تستجزل القسما ... مَنْ ضَيًّع الشكر لم يستكمل النّعما\rالشكر لله كنز لا نفاد له ... من يلزم الشكر لم يكسب به ندما\rحدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا العقبي قال: مر سعيد بن العاص بدار رجل بالمدينة فاستسقى فسقوه، ثم مر بعد ذلك بالدار ومناد يناد عليها فيمن يزيد، فقال لمولاه: سَلْ، لم تباع هذه؟ فرجع إليه فقال: على صاحبها دين قال: فارجع إلى الدار، فرجع، فوجد صاحبها جالسا وغريمه معه، فقال لم تبيع دارك؟ قال: لهذا عليّ أربعة آلاف دينار، فنزل وتحدث معهما، وبعث غلامه فأتاه ببدرة فدفع إلى الغريم أربعة آلاف، ودفع الباقي إلى صاحب الدار، وركب ومضى.\rوأنشدني المنتصر بن بلال:\rومن يُسدِ معروفا إليك، فكن له ... شكوراً يكن معروفُهُ غير ضائع\rولا تبخلن بالشكر، والقَرْضَ فاجْزِهِ ... تكن خير مصنوع إليه وصانع","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"وأنشدني بعض أهل العلم.\rفكن شاكراً للمنعمين لفضلهم ... وأفْضِلْ عليه إذ قدرت وأنعِم\rومن كان ذا شكر فأهلُ زيادة ... وأهل لبذل العُرْف من كان يُنْعِم\rوأنشدني الكريزي:\rأحق الناس منك بحسن عون ... لمن سلفت لكم نعم عليه\rوأشكَرُهُم أحقهم جميعاً ... بحسن صنيعة منكم إليه\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الحر لا يكفر النعمة، ولا يتسخط المصيبة، بل عند النعم يشكر، وعند المصائب يصبر، ومن لم يكن لقليل المعروف عنده وقع أوْشَك أن لا يشكر الكثير منه، والنعم لا تستجلب زيادتها ولا تدفع الآفات عنها إلا بالشكر لله عز وجل وعلا، ولمن أسداها إليه.\rولقد حدثني أحمد بن محمد القيسي حدثني محمد بن المنذر حدثنا إسحاق بن إبراهيم القرشي قال: سمعت أبا عبيدة مَعْمَر بن المثَنَّى يقول ماتت لعبيد بن معمر بنت، فقعد في المأتم في مسجده في سكة سبانوش، فجاء عبيد الله بن أبي بَكرْة معزيا، وإذا الأشراف قد أخذوا مواضعهم، فنظر إليه رجل قد كان سبق إلى مجلسه مع الأشراف قد عرفه، فقام قائما، وجعل يقول له: ههنا، حتى أخذ بيده فأقعده في مجلسه، ثم ذهب فقعد في أخريات الناس، فأمر عبيد الله غلاماً كان معه أن يتعاهده إلى قيامه، فلما قام دعا الرجل، فقال: أتعرفني؟ قال: نعم، قال: من أنا؟ قال: أنت عبيد الله بن أبي بكرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فما حملك على تركك مجلسك لي؟ قال: إجلالا لولد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أوجب الله على أمثالي خصوصا من التبجيل، فقال له عبيد الله: هل لك على أن تصحبنا إلى ضيعة نريد أن نصير إليها؟ قال نعم، قال فصحبه الرجل إلى تلك الضيعة في نهر مكحول، ضيعة فيها ثلاثمائة جريب نخل وعلى وجه الضيعة قصر بُني بآجُرٍ وجص وخشب ساج، فلما دخل الضيعة أخذ عبيد الله بيد الرجل وجعل يدور به في تلك النخيل، فقال للرجل: كيف ترى هذه الضيعة؟ قال: تا الله ما رأيت نخيلا أحسن منها، ولا أكثر ثمرة ولا أسرى ضيعة منها، قال: قد جعلناها لك بما فيها من الخدم والآلة نبعث إليك بصكها، قال: فاستطار الرجل فرحا وبكاء، وقال أنعشتني وأنعشت عيالي، فقال عبيد الله: وكم لك من العيال؟ قال: ثلاثة عشر نفسا، قال: فإني قد جعلت اسم عيالك في اسم عيالي: أنفق عليهم ما عشت، فقال له عبيد الله: من تكون له مثل هذه الضيعة يحتاج أن يكون منزله في سرة البصرة، إذا صرنا إلى منزلنا فاغد علينا نأمر لك بشراء دار تشبه هذه الضيعة، ورأس مال وخدم تصلح لدارك تعيش بها إن شاء الله، قال: فغدا الرجل عليه، فأمر له بشراء دار بخمسة آلاف دينار، وأعطاه عشرة آلاف دينار، ودفع إليه صك الضيعة، وأمر له بدابة وبغل وسائس وكسوة وصرفه.\rوأنشدني الأبرش:\rالشكر يفتح أبوابا مُغلّقة ... لله فيها على مَن رامه نِعَمُ\rفبادر الشكر، واستغلق وثائقه ... واستدفع الله ما تجري به النِّقمُ\rحدثنا أحمد بن الحسن المدائني بمصر قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: أخذ رجل بركاب الشافعي، فقال: يا ربيع أعطه أربعة دنانير، قال: فأعطيته إياها وأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب:\rومن يشكر العرف الصغير فإنه ... سينمى، ويجتر المزيد أصاغره\rومن يشكر المعروف يحمَد إلهه ... ويضعف أضعافاً على الحمد شاكره\rوأنشدني ابن زنجي البغدادي:\rوإذا اصطنعتَ إلى أخي ... ك صنيعة، فانْسَ الصنيعهْ\rوالشكر من كرم الفتى ... والكفر من لؤم الطبيعه\rوالصبر أكرمُ صاحبٍ ... فاصحبه، إن نَزَلَتْ فجيعه\rحدثنا أحمد بن قريش بن بشر بن عبد العزيز حدثنا إبراهيم بن محمد الذهلي حدثنا أحمد بن خليل حدثنا يحيى بن أيوب عن أبي عيسى قال: كان إبراهيم ابن أدهم إذا صنع إليه أحد معروفاً حرص على أن يكافئه، أو يتفضل عليه، قال أبو عيسى: فلقيني وأنا على حمار، وأنا أريد بيت المقدس، جائيا من الرَّمْلَة، قال: وقد اشترى بأربعة دوانيق تُفاحاً وسَفَرْجلا وخَوْخاً وفاكهة، فقال: يا أبا عيسى: أحب أن تحمل هذا، قال: وإذا عجوز يهودية في كُوخ لها، فقال: أحب أن توصل هذا إليها، فإنني مررت وأنا مُمْسٍ، فبيتتني عندها، فأحب أن أكافئها على ذلك.\rوأنشدني الكريزي.","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"يدُ المعروف غُنْمٌ حيث تُسدَى ... تحمَّلها شكورٌ، أم كفورٌ\rكفى شكر الشكور لها جزاءً ... وعند الله ما كفر الكفور\rوأنشدني بعض أهل العلم:\rرهنتُ يدي للعجز عن شُكرِ برِّه ... وما فوق شكري للشكور مزيد\rولو كان شيء يستطاعُ استطعته ... ولكنَّ ما لا يستطاع شديدُ\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على المرء أن يشكر النعمة، ويحمد المعروف على حسب وُسْعِه وطاقته، إن قدر فبالضِّعف، وإلا فبالمثل، وإلا فبالمعرفة بوقوع النعمة عنده، مع بذل الجزاء له بالشكر، وقوله جزاك الله خيراً، فمن قال له ذلك عند العدم فكأنه أبلغ في الثناء.\rومن الناس من يكفر النعم، وكفران النعم يكون من أحد رجلين: إما رجل لا معرفة له بأسباب النعم والمجازاة عليها، لما لم يركَّبْ فيه من التفقد لمراعاة العشرة، فإذا كان كذلك وجب الإغضاء عنه، وترك المناقشة على فعله، والرجل الآخر: إن يكون ذا عقل لم يشكر النعمة، استخفافا بالمنعم، واستحقاراً للنعمة، وتهاونا في نفسه لها أو لأحدهما، فإذا كان كذلك يجب على العاقل ترك العود إلى فعل مثله، والخروج باللائمة على نفسه إذا كان له خبرة به.\rوأنشدني علي بن محمد:\rعلامة شكر المرء إعلان حمده ... فمن كتَم المعروف منهم فما شكَرْ\rإذا ما صديقي نال خيراً، فخانني ... فما الذنب عندي للذي خان أو فجرْ\rولكن إذا أكرمته بعد كفره ... فإني مَلوم حيث أُكرم مَن كفرْ\rوأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب:\rإذا أنا أعطيتُ القليل شكرتم ... وإن أنا أعطيتُ الكثير فلا شكرُ\rوما لمت نفسي في قضاء حقوقكم ... وقد كان لي فيما اعتذرت به عذر\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: إني لأستحب للمرء أن يلزم الشكر للصنائع والسعي فيها من غير قضائها إذا كان المنعم من ذوي القَدْرِ فيه، والاهتمام بالصنائع لأن الاهتمام ربما فاق المعروف، وزاد على فعل الإحسان. إذ المعروف يعمله المرء لنفسه، والإحسان يصطنعه إلى الناس، وهو غير مهتم به، ولا مشفق عليه، وربما أفعله الإنسان وهو مكاره. والاهتمام لا يكون إلا من فَرْط عناية وفضل وُدّ، فالعاقل يشكر الاهتمام أكثر من شُكره للمعروف.\rأنشدني عبد العزيز بن سليمان:\rلأشكرنك معروفاً هممت به ... إنَّ اهتمامك بالمعروفِ معروفُ\rولا ألومُكَ إن لم يمضه قدَرٌ ... فالشيء بالقدر المجلوب مصروفُ\rوأنشدني ابن زنجي البغدادي.\rبَطِرَ النعمة مَنْ ضَيَّعها ... ومُضِيّع الشكر مُستدعى الغِيَرْ\rفاجعل الشكر عليها حارساً ... ربما ابتَزَّ الفتى النعمى البطر\rحدثني عمرو بن محمد حدثنا محمد بن زكريا حدثنا محمد بن عبد الله الجشمي حدثنا علي بن محمد قال: مرَ عمر بن هبيرة - لما انصرف في طريقه - فسمع امرأة من قيس تقول: لا والذي ينجي عمر بن هبيرة، فقال: يا غلام، أعطها ما معك، وأعلمها أني قد نجوت.\rالحث على سياسة الرياسة\rورعاية الرعية\rحدثنا عبد الله بن قحطبة حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري حدثنا مؤمل ابن إسماعيل حدثنا سفيان حدثنا عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير راع على رعيته، ومسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت زوجها، وهي مسئولة عنه، والعبد راع على مال سيده، وهو مسئول عنه(.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: صرحت السُّنة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم بأن كل راع مسئول عن رعيته، فالواجب على كل من راعياً لزوم التعاهد لرعيته، فرُعاة الناس العلماء، وراعي الملوك العقل، وراعي الصالحين تقواهم وراعي المتعلم معلمه، وراعي الولد والده، كما أن حارس المرأة زوجها، وحارس العبد مولاهُ، وكل راعٍ من الناس مسئول عن رعيته.","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"وأكثر ما يجب تعاهد الرعية للملوك؛ إذ هم رعاة لها، وهم أرفع الرعاة لكثرة نفاذ أمورهم، وعقدُ الأشياء وحلها من ناحيتهم، فإذا لم يراعوا أوقاتهم ولم يحتاطوا لرعيتهم هلكوا وأهلكوا، وربما كان هلاك عالم في فساد ملك واحد، ولا يدوم مُلْكُ ملك إلا بأعوان تطيعه، ولا يطيعه الأعوان إلا بوزير، ولا يتم ذلك إلا أن يكون الوزير ودوداً نصوحا، ولا يوجد ذلك من الوزير إلا بالعفاف والرأي، ولا يتم قوام هؤلاء إلا بالمال، ولا يوجد المال إلا بصلاح الرعية، ولا تصلح الرعية إلا بإقامة العدل، فكأن ثبات الملك لا يكون إلا بلزوم العدل، وزواله لا يكون إلا بمفارقته.\rفالواجب على الملك أن يتفقد أمور عماله، حتى لا يخفى عليه إحسان محسن، ولا إساءة مسيء؛ لأنه إذا جني عليه أعمال عماله لم يكن قائما بالعدل.\rولقد أنشدني علي بن محمد البسامي:\rإذا سُسْتَ قوما فاجعل العدل بينهم ... وبينك: تأمن كلَّ ما تتخوفُ\rوإن خِفْتَ من أهواءِ قوم تشتتا ... فبالجود فاجمع بينهم يتألفوا\rحدثنا عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي، حدثنا إبراهيم بن عمر بن حبيب القاضي حدثنا الأصمعي قال: قال ملك طخرستان لنصر بن سَيَّار: ينبغي للأمير أن يكون له ستة أشياء: وزير يثق به ويفضي إليه بسره، وحصان يلجأ إليه إذا فزع أنجاه يعني فرساً، وسيف إذا نازل به الأقران لم يخف أن يخونه، وذخيرة خفيفة المحمل إذا نابته نائبة أخذها، وامرأة إذا دخل إليها أذهبت همه، وطباخ إذا لم يَشْتَه الطعام صنع له شيئا يشتهيه.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يجب للسلطان أن يفرط البشاشة والهشاشة للناس، ولا أن يُقِلَّ منها. فإن الإكثار منهما يؤدي إلى الخفة والسخف، والإقلال منها يؤدي إلى العجب والكِبْر، ولا ينبغي له أن يغضب؛ لأن قدرته من وراء حاجته، ولا أن يكذب؛ لأنه لا يقدر أحد على استكراهه، ولا له أن يبخل؛ لأنه لا عذر له في منع الأموال والجاه معا، ولا له أن يحقد؛ لأنه يجب أن يترفع عن المجازاة، فأفضل السلطان ما لم يخالطه البَطَر، وأعجزهم آخذهُمْ بالهُوَينا. وأقلُّهمْ نظراً في العواقب، وخير السلطان من أشبه النَّسر حوله الجيف، لا من أشبه الجيف حولها النسور.\rويجب عليه استبقاء الرياسة، وما فيه من نعمة الله عليه، بلزوم تقوى الله وتفقد أمور الرعية، وإنصاف بعضهم بعضا؛ لأنه ما من قوي في الدنيا إلا وفوقه أقوى منه، فمتى ما عرف السلطان فضل قوته على الضعفاء فغَرَّه ذلك من قوة الأقوياء كانت قوته حَيْناً عليه وهلاكا له، والضعيف المحترس أقرب إلى السلامة من القوي المغتر؛ لأن صرعةَ الاسترسال لا تكاد تُستقال، ولا يجب أن يعجل في سلطانه بعقاب من يخاف أن يندم عليه، ولا يثقن بمن عاقبه بغير جرم.\rوما أشَبِّهُ السلطان إلا بالنار، إن قصَّرت بطل نفعها، وان جاوزت عظم ضرُّها، فخير السلطان من أشبه الغيث في أحيانه في نفع من يليه، لا من أشبه النار في أكلها ما يليها.\rوالسلطان إذا كان عادلا خير من المطر إذا كان وابلا، وسلطان غشوم خير من فتنة تدوم، والناس إلى عدل سلطانهم أحوج منهم إلى خِصْبِ زمانهم.\rولقد حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي، حدثنا مرجيّ بن المؤمل بن المثنى المري عن أبيه قال: قال الأحنف بن قيس )الولي من الرعية مكانُ الروح من الجسد الذي لا حياة له إلا به، وموضع الرأس من أركان الجسد الذي لا بقاء له إلا معه(.\rوأنشدني ابن الزنجي البغدادي للأفوه الأودي:\rلا يَصْلُحُ الناس فَوْضى لا سَرَاةَ لهم ... ولا سَرَاة إذا جُهَّالُهمْ سادوا\rوالبيتُ لا يُبْتَنَى إلا بأعمدة ... ولا عماد إذا لم تُرسَ أوتادُ\rفإن تجمَّعَ أوتادٌ وأعمدةٌ ... وساكنٌ أدركوا الأمر الذي كادوا\rتُهْدَي الأمور بأهل الرأي ما صلحت ... فإن تولَّت فبالأشرار تنقادُ","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"قال أبو حاتم رضى الله عنه: الواجب على السلطان قبل كل شيء أن يبدأ بتقوى الله وإصلاح سريرته بينه وبين خالقه، ثم يتفكر فيما قلده الله من أمر إخوانه، ورفعه عليهم؛ ليعلم أنه مسئول عنهم في دق الأمور وجلها، ومحاسب على قليلها وكثيرها، ثم يتخذ وزيراً صالحاً عاقلا عفيفا نصوحا، وعمالا صالحين بَرَرَة راشدين وأعوانا مستورين، وخدماً معلومين، ثم يقلد عماله ما لا غنى له عنهم، ولا يشترط عليهم تقوى الله وطاعته، وأخذَ المالِ من حله، ويفرقه في أهله، ثم يتفقد أمر بيت المال بأن لا يُدخِلَهُ حبةً فما فوقها من قهر أو جور، أو سلب أو نهب أو رشوة؛ فإنه مسئول عن كل ذَرَّة منه، ومحاسب على كل حبة فيه، ثم لا يخرجه إلا في المواضع التي أمر الله جل وعلا في سورة الأنفال.\rثم يتفقد أمور الحرمين وطريق الحاج ومجاوري بيت الله، وقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يتفقد ثُغور المسلمين، ولا يولي على الثغور من عماله إلا من يعلم أن القتل في سبيل يكون آثر عنده من البقاء في الدنيا ليغري الناس ولا يعطل الثغر.\rثم يتفقد ثغور المسلمين ومراقبهم والأبرجة التي بين المسلمين وبين عدوهم، بأن يعمرها ويقيم فيها أعينا من المسلمين تتجسس أخبار العدو، ويُجْري عليهم من بيت مالهم.\rثم يتفقد أولا المهاجرين والأنصار بعطاياهم، ويعرف فضيلتهم، وسابقة آبائهم، وأنه إنما نال ما ناله بهم.\rثم يتفقد أمور الحكام بأن لا يولي أحداً على قضاء المسلمين إلا من يعلم منه العفاف والعلم، وترك الميل إلى الهوى، والحكم بغير ما يوجبه العلم.\rثم يتفقد أهل العلم والقراء والمؤذنين والصالحين وضعفاء المسلمين، ولكن لمن هو أصغر سنّاً منه أبا، ولمن هو أكبر منه ابناً، ولأتْرَابه أخاً، فيكون في تفقد أمورهم ولصلاح أسبابهم أكثر من تفقدهم بأنفسهم.\rثم يختار من الرعية أقواماً أمناء، يبعث بهم في كل سنة إلى المدن؛ ليشرفوا على العمال والحكام، ويتفقدوا أسبابهم وسيرهم، ويخبروه بها، فيعزل من استحق منهم العزل، ويقر من اتبع الحق.\rثم يجعل لنفسه موضعا لا يمنع منه لطرح القصص، ويبرز للرعية في كل يوم، أو في كل ثلاثة أيام، أو في كل أسبوع، ليرفعوا إليه حوائجهم، وليجتنب الحدة، وليلوم الحلم الدائم فيما يرد عليه من أسبابهم وقد حدثنا عبد الله بن قحطبة، حدثنا محمد بن زنبور، حدثنا أبو بكر ابن عياش: إن أهل الجاهلية لم يكونوا يسودون عليهم أحداً لشجاعة ولا لسخاء إنما كانوا يسودون من إذا شُتِمَ حَلُم، وإذا سئل حاجة قضاها، أو قام معهم فيها.\rوأنشدني الأبرش:\rوقد يُبْغِضُ الحياتِ أولادُ آدم ... وأبغضُ ما فيها رءوسها\rوما ابتليتْ يوماً بِشر قَبيلةُ ... أضرَّ عليها من سَفيه يسُوسُها\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يستحق أحد اسم الرياسة حتى يكون فيه ثلاثة أشياء: العقل، والعلم، والمنطق.\rثم يتعرى عن ستة أشياء: عن الحدة، والعجلة، والحسد، والهوى، والكذب، وترك المشاورة.\rثم ليلزم في سياسته على دائم الأوقات ثلاثة أشياء: الرفق في الأمور، والصبر على الأشياء، وطول الصمت.\rفمن تعرى عن هذه الأشياء - وهو ذو سلطان - عمى عليه قلبه، وتشتت عليه أموره، ومن لم يكن فيه خصلة من هذه الخصال نقص من ضوء بصر قلبه مثلها، ودخل الخلل في أموره نحوها.\rوإنما مثل الرئيس والرعية، كمثل جماعة ليس فيهم إلا قائد واحد؟ فإن لم يكن ذلك القائد أحد الناس بصراً، وألطفهم نظراً، كان خليقاً أن يوقعهم وإياه في وهدة تندق أعناقهم وعنقه معهم.\rوالواجب على السلطان أن لا يغفل عن الأشياء الأربعة التي صلاحه في دينه ودنياه فيها، وهي ما حدثنا به عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي حدثنا محمد بن عبيد الله الجشمي حدثنا المدائني قال: )خرج الزهري يوماً من عند هشام بن عبد الملك فقال: ما رأيت كاليوم، ولا سمعت به كأربع كلمات تكلم بهن رجل آنفا عند هشام بن عبد الملك، فقيل له: وما هنَّ؟ قال: قال له رجل: يا أمير المؤمنين، أحفظ عني أربع كلمات، فيهن صلاح ملكك، واستقامة رعيتك. قال: هاتهن، قال: لا تَعِدنَّ عِدَة لا تثق من نفسك بإنجازها، ولا يغرنك المرتقى، وإن كان سهلا، إذا كان المنحدَرُ وعْرا، وأعلم أن للأعمال جزاءاً، فاتق العواقب، وإن للأمور بغتات، فكن على حذر.","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"وأنشدني المنتصر بن بلال:\rبلاءُ الناس مذ كانوا ... إلى أن تأتيَ الساعهْ\rبحبّ الأمر والنهي ... وحب السمع والطاعهْ\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يجب للعاقل طلب الإمارة؛ لأن من أوتيها عن مسألة وُكِلَ إليها، ومن أعطيها من غير مسألة أعين عليها، ومن اشتهر بالرياسة فليحترز؛ لأن الريح الشديدة لا تحطم الكلأ، وهي تحطم دوح الشجر ومشيد البنيان.\rوليلزم المشورة؛ فإن في المشورة صلاح الرعية ومادة الرأي، وليصنع إلى الناس كافة في الوقت الذي يقدر على الصنائع والمعروف قبل أن يجيئه الوقت الذي يفقد فيه القدرة عليها، وليعتبر بمن كان قبله من الملوك والأمراء والسادة والوزراء لأن من ظفر بأمر جسيم فأضاعه فاته، ومن أمكنته الفرصة فأخر العمل فيها لا تكاد تعود إليه.\rوالسلطنة إنما هي قول الحق والعمل بالعدل، لا التفاخر في الدنيا واستعمال البذل.\rولقد حدثنا محمد بن سعيد القزاز، حدثنا خطاب بن عبد الرحمن الجندي، حدثنا عبد الله بن سليمان قال: قال أبو عمرة بن العلاء: )كانوا لا يسِّودُونَ إلا من تكاملت فيه ست خصال وتمامهن في الإسلام السابعة: السخاء، والنجدة، والصبر، والحلم، والبيان، والتواضع، وتمامهن في الإسلام: الحياء(.\rوأنشدني الكريزي:\rإذا نلتَ الإمارة فاسْمُ فيها ... إلى العلياء بالعمل الوثيق\rبمحض خليقةٍ لا عيبَ فيها ... وليس المحضُ كاللبن المذيِق\rولا تكُ عندها حلواً فتُحسَى ... ولا مرّاً فتَنْشَبَ في الحُلوق\rوكلُّ إمارة إلا قليلا ... مُغَيِّرة الصديق عن الصديق\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: من صحب السلطان فلا يجب أن يكتمه نصيحته؛ لأن من كتم السلطان نصيحته، والأطباء مرضه، والإخوان بَثّه؛ فقد خان نفسه، ومن يصحب السلطان لا ينجو من الآثام، كما أن راكب العجل لا يأمن العثار، ولا يجب أن يأمن غضب السلطان إن صدقه، ولا عقوبته إن كذبه، ولا يجترئ عليه، وإن أدناه؛ لأن الحازم العاقل لا يشرب السم اتكالا على ما عنده من الترياق والأدوية.\rوإني لأستحب لمن امتحن بصحبة السلطان أن يعلمه لزوم تقوى الله والعمل الصالح، كأنه يتعلم منه، ويؤدبه كأنه يتأدب به، ويتقى سخطاته، والسخط إذا كان من علة كان الرضا عنه مجودا، وإذا كان من غير علة ينقطع حينئذ الرجاء ولا يجب أن يعلم كل ما تأتي الملوك من أمورها؛ لأن في معرفتهم إياها بعض الفتنة وهيهات! من ذا صحب السلطان فلم يفتتن، ومن اتبع الهوى فلم يعطب؟ إن الشجرة الحسنة ربما كان سبب هلاكها طيب ثمرتها، وربما كان ذَنَبُ الطاووس الذي فيه جماله سبب حتفه؛ لأنه يثقله حتى يمنعه من الهرب، ومن صحب السلطان لم يأمن التغير على نفسه؛ لأن الأنهار إنما تكون عذبة ما لم تنصب إلى البحور، فإذا وقعت في البحور ملحت، على أن قعود العلماء عن أبواب الملوك زيادة في نور علمهم، وكثرة غشيانهم إياهم غشاوة على قلوبهم، ومن صحب الملوك لم يأمن تغيرهم ومن زايلهم لم يأمن تفقدهم، وإن قطع الأمور دونهم لم يأمن فيها مخالفتهم، وإن عزم على شيء لم يجد بداً من مؤامرتهم، وأسمج شيء في الملوك الحدة.\rولقد حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا المبارك بن سعيد الثوري قال: كان يقال: خمس خلال هن أقبح شيء بمن كن فيه: الحدة في السلطان، والكبر في ذي الحسَبِ، والبخل في الغنى، والحرص في العالم، والفتوة في الشيخ.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: رؤساء القوم أعظمهم هموماً، وأدومهم غموما، وأشغلهم قلوبا، وأشهرهم عيوباً، وأكثرهم عدوّاً، وأشدهم أحزانا، وأنكاهم أشجانا، وأكثرهم في القيامة حسابا، وأشدهم - إن لم يَعْفُ الله عنهم - عذابا.\rومن أحسن ما يستعين به السلطان على أسبابه، اتخاذ وزير عفيف ناصح على ما تقدم ذكرنا له، فإن الوزير إذا غفل الأمير ذكَّرَهُ، وإن ذكر أعانه، وإن سولت له نفسه سيئة صده، وإن أراد طاعة نَشَّطه، فهو المحبب إلى الناس، والمستجلب له دعاءهم.\rولقد أنشدني علي بن محمد البسامي:\rإذا نسيَ الأمير قضاء حق ... فإنَّ الذنب فيه للوزير\rلأن على الوزير، إذا تولى ... أمور الناس، تذكيرَ الأمير","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على كل من يغشى السلطان وامتحن بصحبته أن لا يعد شتمه شتما، ولا إغلاظه إغلاظا، ولا التقصير في حقه ذنبا؛ لأن ريح العزة بسطت لسانه ويده بالغلظة، فإن أنزله الوالي منزلة رفيعة من نفسه فلا يثقنَّ بها، وليجانب معه الكلام المَلَقِ والإكثار من الدعاء في كل وقت، وكثرة الانبساط، فربَّ كلمة أثارت الوحشة، بل يجتهد في توقيره وتعظيمه عند الناس، فإن غضب فليَحْتَلْ في تسكين غضبه باللين والمداراة، ولا يكون سبباً لتهييجه.\rولقد حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي، حدثنا ابن عائشة عن أبيه قال: بعث أبو جعفر إلى جعفر بن محمد قال: إني أستشيرك في أمر، إني قد تأنيت أهل المدينة مرة بعد أخرى فلا أراهم يرجعون، ولا يعتبون. وقد رأيت أن أبعث فأحرق نخلها، وأغَوِّر عيونها، فما ترى؟ فسكت جعفر. فقال: ما لك لا تكلَّم؟ قال: إن أذِنت لي تكلمت. قال: قل، قال: يا أمير المؤمنين، إن سليمان أُعطي فشكر، وإن أيوب ابتُلى فصبر، وإن يوسف قَدَر فغفر. وقد جعلك الله من النسل الذي يعفون ويصفحون. قال: فطفئ غضبه وسكن.\rحدثني محمد بن أبي علي الخلادي، حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد عن محمد ابن حميد بن فروة عن أبيه قال: لما استقرت للمأمون الخلافة، دعا إبراهيم بن مهدي المعروف بابن شَكلة فوقف بين يديه، فقال: أنت المتوثب علينا تدعي الخلافة؟ فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، أنت ولي الثأر، مُحَكّم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب، كما جعل كل ذي ذنب دونك، فإن أخذت بحق وأن عفوت عفوت بفضل، ولقد حضرت أبي وهو جدك أتى برجل كان جرمه أعظم من جرمي، فأمر الخليفة بقتله وعنده المبارك بن فضالة: إن رأى أمير المؤمنين أن يستأني في أمر هذا الرجل حتى أحدثه بحديث سمعته من الحسن يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: إيهٍ يا مبارك، قال: حدثني الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: )إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ مناد بُطْنان العرش ألا لِيَقُمْ العافُونَ من الخلفاء، فلا يقوم إلا من عفا( فقال الخليفة له: يا مبارك، قد قبلت الحديث، وعفوت عنه، أخرج أيها الرجل، فلا سبيل لأحد عليك، فقال المأمون: يا عم، ههنا، يا عم ههنا.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على من ملك أمور المسلمين الرجوع إلى الله جل وعلا في كل لحظة وطرفة؛ لئلا يطغيه ما هو من تسلطه، بل يذكر عظمة الله وقدرته وسلطانه، وأنه هو المنتقم ممن ظلم، والمجازي لمن أحسن، فليلزم في إمرته السلوك الذي يؤديه إلى اكتساب الخير في الدارين، وليعتبر بمن كان قبله من أشكاله؛ فإنه لا محالة مسئول عن شكر ما هو فيه، كما هو لا محالة مسئول عن حسابه، إذ المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: )يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة: ألم أحملك على الخير، ورزقتك النساء، وجعلتك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى، فيقول: فأين شكر ذلك؟(.\rوأنشدني ابن زنجي البغدادي:\rيدبّرُ أسباب الرحال مؤمَّر ... إذا صلحت في الصدر أشفى وأبينُ\rمن العقل أن تحتاط فيما وَلِيته ... وتحسم ما تخشاه، والأمر ممكن\rالدنيا وتقلبها بأهلها\rحدثنا محمد بن عبد الله بن عبد السلام، حدثنا عبد الله بن هانئ بن عبد الرحمن بن أبي عبلة، حدثنا أبي عن عمه إبراهيم بن أبي عبلة عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )من أصبح معافى في بدنه، آمنا في سَربه، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا يا ابن جُشْعُم، يكفيك منها ما سد جَوْعتك، ووارى عورتك، فإن يكن ثوبا تلبسه فذاك، وإن كانت دابة تركبها فَبخ فِلَق الخبز، وماء الحب، وما فوق الإزار حساب عليك(.","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن لا يغتر بالدنيا وزهرتها، وحسنها وبهجتها، فيشتغل بها عن الآخرة الباقية، والنعم الدائمة، بل ينزلها حيث أنزلها الله؛ لأن عاقبتها لا محالة تصير إلى فناء، يخرب عمرانها، ويموت سكانها، وتذهب بهجتها، وتبيد خضرتها، فلا يبقى رئيس متكبر مؤمَّر، ولا فقير مسكين محتقر، إلا ويجري عليهم كأس المنايا، ثم يصيرون إلى التراب، فيبلون حتى يرجعون إلى ما كانوا عليه في البداية إلى الفناء، ثم يرث الأرض ومن عليها علام الغيوب، فالعاقل لا يركن إلى دار هذا تعتها، ولا يطمئن إلى دنيا هذه صفتها وقد ادخر له ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيضن بترك هذا القليل، ويرضى بفوت ذلك الكثير.\rحدثنا محمد بن المسيب بن إسحاق، حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي قال: سمعت بشر بن الحارث يقول:\rلا تأس في الدنيا على فائتٍ ... وعندك الإسلام والعافيهْ\rإن فاتَ أمرٌ كنت تسعى له ... ففيهما من فائت كافيهْ\rوأنشدني الكريزي، أنشدني شعيب بن أحمد لسليمان بن يزيد العدوي:\rألم ترى أنَّ المرء يُودِي شبابه ... وأنَّ المنايا للرجال تشعَّبُ\rفمن ذائق كأساً من الموت مُرَّة ... وآخرَ أخرى مثلَها يترقبُ\rلها منهمُ زادٌ حثيث وسائق ... وكل بكأس الموت يوما سيشربُ\rوما وارثٌ إلا سيورث ماله ... ولا سالبٌ إلا وشيكا سيُسْلَبُ\rولا آلفٌ إلا سيتبع إلفه ... ولا نِعمة إلا تبيد وتذهب\rوما من مُعَان والمصائب جَمة ... يعاورها العصران إلا سيعطبُ\rأرى الناسَ أصنافاً أقاموا بغربة ... تقلبهم أيامُها وتقَلَّبُوا\rبدارِ غرور حلوة يعمرونها ... وقد عاينوا فيها زوالا وجربوا\rيذمون دنيا لا يريحون دَرَّها ... فلم أر كالدنيا تذم وتحلب\rتَسرهم طورا، وطَوْرا تُذيقهم ... مَضيضَ مكاوٍ حَرُّها يتلهب\rحدثنا عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي، حدثنا محمد بن عبيد الله قال: عاد رجل مريضا فسمع قائلا يقول من ناحية البيت:\rناد ربَّ الدار ذا المال الذي ... جمع الدنيا بحرص: ما فَعَلْ؟\rفأجابه مجيب:\rكان في دار سواها دارهُ ... عللته بالمَنى، ثم انتقل\rلم يُمتَّع بالذي كان حَوَى ... من حُطام المال، إذ حلَّ الأجل\rإنما الدنيا كظلّ زائل ... طَلَعَتْ شمسٌ عليه فاضمحل\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: رأيت على حجر بطبرستان مكتوب:\rالعيش لونان: فحلو ومرّ ... والدهر نصفان: فريف وضر\rوالنطق جزآن: فبعر، ودُرّ ... والناس اثنان: فنذل، وحر\rيومك يومان: فخير، وشر ... نهار يزول، وليل يُكِرُّ\rوكذاك الزمان على من مضى ... وكل السنين على ذا تَمُرّ\rوأنشدني الأبرش:\rإنما الدنيا نهارٌ ... ضوءهُا ضوءٌ معارُ\rبينما غُصنُك غضٌّ ... ناعمٌ فيه اخضرار\rإذ رمَاه زمناه ... فإذا فيه اصفرار\rوكذلك الليل يأتي ... ثم يمحوه النهار\rوأنشدني ابن زنجي البغدادي:\rيا لائمَ إذا ما نبا ... لا تلم الدهر على غَدْرهِ\rالدهرُ مأمور له آمر ... ينصرف الدهر إلى أمره\rكم كافرٍ بالله أمواله ... تزداد أضعافاً على كفره\rومؤمن ليس له درهم ... يزداد إيماناً على فقره\rلا خير فيمن لم يكن عاقلا ... يبسط رجليه على قدره\rوأنشدني الكريزي:\rما الدهر إلا ليلةٌ ويومُ ... والعيش إلا يقظة ونومُ\rيعيش قوم، ويموت قوم ... والدهر قاضٍ، ما عليه لوم\rأنبأنا عبد الله بن محمد بن سلم، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا إسحاق الموصلي قال: قال أبو حازم: بضاعة الآخرة كاسدة، فاستكثر منها في أوان كسادها؛ فإنه لو جاء أوان نفاقها لم تصل منها لا إلى قليل ولا إلى كثير.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: الدنيا بحر طفَّاح، والناس في أمواجها يعومون، وفي أمثالها تضرها الأيام للأنام - وما أكثر أشباها منها - لأن كل ما يصير إلى فناء منها يشبهها، فمن أوتيَ من الدنيا أشياء ثلاثة فقد أوتي الدنيا بحذافيرها: الأمن، والقوت، والصحة، لا يغتر بشيء منها إلا كل خداع، ولا يركَنْ إليها إلا كل منّاع.","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"فالعاقل يعلم أن ما لم يبق لغيره عليه غير باق، وإن ما سلب عن غيره لا يترك علي، فالقصد إلى ما يعود بالنفع في الآخرة للعاقل في الدنيا، أحرى من السلوك في قصد الضَّنِّ بها، والجمع لها من غير تقديم ما يقدم عليه في الآخرة من الأعمال الصالحة، وترك الاغترار بها، والاعتبار بتقلبها بأهلها، ولا شيء أعظم خطراً من الحياة، ولا غَبن أعظم من إفنائها لغير حياة الأبد، ومن اشتهي أن يكون حراً فليجتنب الشهوات، وإن كانت لذيذة، وليعلم كل لذيذ ليس بنافع، ولكن كل نافع هو اللذيذ، وكل الشهوات مملولة إلا الأرباح فإنها لا تمل، وأعظم الأرباحَ الجنة، والاستغناء بالله عن الناس.\rولقد أنشدني علي بن محمد البسامي:\rفأعظم بصبر للزمان، فإنه ... على حالة المكروه ليس بدائم\rتدورُ لنا أفلاكه بعجائب ... إذا ما انقضت كانت كأحلام نائم\rسُرورٌ وَهمٌّ وانتعاشٌ، وسقطة ... إلى أجل دانٍ لذلك هادم\rوبالله ... دون الناس فاستغن واستعنْ إذا أنزلت إحدى الأمور العظائم\rوأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:\rوالناس في هذه الدنيا على رتب ... هذا يُحطُّ، وذا يعلو فيرتَفِعُ\rفاخْلِصِ الشكر فيما قد حُبيتَ به ... وآثِرٍ الصبر،كلٌّ سوف ينقطع\rوأنشدني المنتصر بن بلال:\rفيوم علينا ويوم لنا ... ويوماً نُسَاءُ، ويوماً نُسَرْ\rكذلك التقارُض بين الأنام ... فخير بخير، وشرٌّ بشرْ\rأنبأنا محمد بن عبد الله بن الجنيد، حدثنا عبد الوارث بن عبد الله عن عبد الله عن مسعر عن معن بن عون قال: كم من مستقبِل يوماً لا يستكمله، ومنظرٍ غداً لا يُدرِكه، لو تنظرون إلى الأجل ومسيره، لأبغضتم الأمل وغروره.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: السبب المؤدي للعاقل إلى إنزاله الدنيا منزلتها، ترك الركون إليها مع تقديم ما قدِرَ منها للعيش الدائم، والنعيم المقيم هو تركُ طول الأمل، ومراقبة ورود الموت عليه في كل لحظة وطرفة؛ لأن طول الآمال قطعت أعناق الرجال، كالسراب أخلف من رجاه، وخاب من رآه.\rفالعاقل يلزم تركها، مع الاعتبار الدائم بمن مضى من الأمم السالفة، والقرون الماضية، كيف عَفَتْ آثارهم، واضمحلت أنباؤهم، فما بقى منهم إلا الذكر، ولا من ديارهم إلا الرسم، فسبحان من هو قادر على بعثهم وجمعهم للجزاء والعقاب.\rولقد أنشدنا عمرو بن محمد، قال: أنشدنا الغلابي قال: أنشدني مهدي بن سابق:\rكنا على ظهرها، والعيش ذو مَهَلٍ ... والدهر يجمعنا، والدارُ والوطنُ\rففرق الدهر ذو التصريف أُلفتنا ... فاليوم يجمعنا في بطنها الكفن\rكذلك الدهر لا يبقي على أحد ... تأتي بأقداره الأيامُ والزمنُ\rوأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي:\rحتى متى يبقى حليفَ الأسى ... مستشعراً للدهر أحزانا\rفلا يُردُّ الحزنُ شيئا، ولا ... يُعْتِبُ هذا الدهر إنسانا\rقد يُقبل الدهر بسَّرائه ... طَوْراً، وقد يدبر أحيانا\rفاصبر على ما جرَّ من حادث ... ما زال غدَّاراً وخوانا\rوأحسن الظنَّ بمنْ لم يزل ... عليك مفضالا ومنانا\rوأنشدني عمرو بن محمد قال: أنشدني الغلابي لابن أبي عيينة المهلبي:\rما راحَ يوم على حي ولا ابتكرا ... إلا رأى عبرة فيها إن اعتبرا\rولا أتت ساعة في الدهر فانصرفت ... حتى تؤثِّر في قوم لها غيرا\rإن اللياليَ والأيامَ أنفسها ... عن غيب أنفسها لم تكتب الخبرا","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"أنبأنا علي بن سعيد العسكري، حدثنا إبراهيم بن الجنيد، حدثنا الحسن بن سعيد الجرجاني قال: سمعت أبا مريم الصلت بن كلثم يقول: كانت امرأة من بني إسرائيل متعبدةً، وكانت تفطر كل سبت، فبينا هي ذات يوم قد وضعت إفطارها بين يديها جعلت تقول: محب يحب حبيبته يتشاغل بالأكل عن خدمة محبه، فيوشك أن يقدم عليه رسول حبيبه وهو متشاغل بأكله عند خدمته، فلا تقر عينه بلقائه فمكثت كذلك مدة لا تفطر. قال: ثم وضعت إفطارها بين يديها، وجعلت تقول مثل ما كانت تقول، وإذا شابٌ من ناحية البيت جميل الوجه طيب الريح، فقال: سلام عليك ورحمة الله يا حبيبة الله، أو يا ولية الله، قالت: وعليك السلام، من أنت؟ قال: أنا ملك الموت، قالت: يا ملك الموت، أتأذن لي أن أسجد سجدة أناجي فيها ربي، فإذا رأيتني قد فعلت ذلك قبضت روحي؟ قال: لك ذلك، فنحَّت إفطارها، ثم وثبت فسجدت، فقبض روحها في اجتهادها رضي الله عنها.\rالحث على لزوم ذكر الموت\rوتقديم الطاعات\rحدثنا عبد الله بن محمد بن سليمان السعدي، حدثنا يحيى بن أكثم ومحمود بن غيلان قالا: حدثنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت( قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن يضم إلى رعاية ما ذكرنا من شُعَب العقل في كتابنا هذا لزومَ ذكر الموت على الأوقات كلها، وترك الاغترار بالدنيا في الأسباب كلها، إذ الموت رَحىً دوارة بين الخلق، وكأس يدارُ بها عليهم، لا بد لكل ذي روح أن يشربها ويذوق طعمها، وهو هاذم اللذات، ومنغص الشهوات، ومكدر الأوقات، ومزيل العاهات.\rولقد أنشدني عبد العزيز بن سليمان:\rأيا هاذم اللذات، ما منك مهربٌ ... تحازر نفسي منك ما سيصيبها\rرأيتُ المنايا قُسِّمت بين أنفس ... ونفسي سيأتي بعدهنَّ نصيبها\rوأنشدني الكريزي:\rإنَّ من عاش آمناً في سرورٍ ... قاعدٌ من سروره في غرور\rما لمن يذكرُ المقابر والمو ... تَ إذا كان عاقلا من سرور\rحدثنا عمرو بن محمد الغلابي، حدثنا مهدي بن سابق قال: قرئ على قصر هذه الأبيات:\rهذي منازل أقوام عهدتُهمُ ... في ظل عيش عجيب، ما له خطَرُ\rصاحتْ بهم حادثات الدهر، فانقلبوا ... إلى القبور، فلا عينٌ ولا أثَر\rحدثنا محمد بن إبراهيم الخالدي، حدثنا عب الله بن محمد، حدثني إبراهيم ابن عبد الملك، حدثني علي بن سلمة الحلبي قال: سمعت أبي يقول: كان معاوية يقول )أنا والله من زرع قد استَحْصَدَ( ونعى له عبد الله بن عامر بن كريز، والوليد بن عقبة، وكان أحدهما أكبر منه، والآخر دونه، فقال:\rإذا سار مَنْ خلفَ امرئ وأمامه ... وأفرد من إخوانه فَهْوَ سائرُ\rحدثنا أحمد بن محمد بن مصعب الشافعي، حدثنا عبد الله بن محمد قال: سمعت عبيد الله بن مسلم بن زياد الهمداني قال: سمعت عمر بن ذر يقول: ورث فتى من الحي داراً عن آبائه وأجداده فهدمها، ثم ابتناها وشيدها، فأُتيَ في منامه فقيل له:\rإن كنت تطمعُ في الحياة فقد ترى ... أرباب دارِك ساكَنُوا الأموات\rأنَّي تُحِسُّ من الأكارم ذكرهم؟ ... خلت الديار وبادت الأصواتُ\rقال: فأصبح الفتى مغتاطاً قد أمسك عن كثير مما كان يصنع، وأقبل على نفسه.\rحدثنا عمر بن حفص البزاز، حدثنا إسحاق بن الضيف، حدثنا جعفر بن عون قال سمعت مسعرا يقول:\rومُشَيِّدٍ داراً لسكن داره ... سكن القبور ودارَهُ لم يسكن\rوأنشدني ابن زنجي البغدادي:\rلو أنني أعطيت سؤلي لما ... سألت إلا العفو والعافية\rفكم فتى قد بات في نعمة ... فسُلَّ منها الليلةَ الثانية؟\rحدثنا حمزة بن داود بن سليمان، بالأبلة، حدثنا ذهل بن أبي شراعة القيسي، قال: حدثني سُكَينة - وكانت علامة - قالت: قال لي أبو العتاهية: دخلت على هارون أمير المؤمنين، فلما بَصُرَ بي قال: أبو العتاهية؟ قلت: أبو العتاهية، قال: الذي يقول الشعر؟ قلت: الذي يقول الشعر. قال: عظني بأبيات شعر، وأوجز، فأنشدته:\rلا تأمن الموت في طرف ولا نَفَسٍ ... ولو تمنعت بالحجَّاب والحرس\rوأعلم بأن سهام الموت قاصدة ... لكل مُدَّرِعٍ منا ومتَّرس","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"ترجو النجاة، ولم تسلك مسالكها؟ ... إن السفينة لا تجري على اليبس\rقال: فخر مغشيّاً عليه، أو كما قال.\rحدثني عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي، حدثنا أبو جعفر البغدادي قال: قرأت على باب قصر بالسند:\rنزل الموت منزلا ... سلب القوم وارتحل\rفقلت ما هذا؟ فقالوا: مات أهل القصر كلهم، فأصبحوا وهذا الكتاب على الباب لا يدري من كتبه، وأنشدني البسامي:\rقد يصبح المريض بعد إياس ... كان منه ويهلكُ العوّاد\rيُصَاد القطا فينجو سليما ... بعد هُلْك، ويهلِكُ الصَّياد\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل لا ينسى ذكر شيء هو مترقب له، ومنتظر وقوعه من قدم إلى قدم، ومن لحظة إلى شزرة، فكم من مكرّم في أهله، معظم في قومه، مبجل في جيرته، لا يخاف الضيق في المعيشة، ولا الضّنك في المصيبة، إذ ورد عليه مذلل الملوك، وقاهر الجبابرة، وقاصم الطغاة، فألقاه صريعاً بين الأحبة وجيرانه، مفارقاً لأهل بيته وإخوانه، لا يملكون له نفعاً، ولا يستطيعون عنه دفعاً. فكم من أمة قد أبادها الموت، وبلدة قد عطلها، وذات بعل قد أرملها، وذي أب أيتمه، وذي اخوة أفرده.\rفالعاقل لا يغتر بحالة نهايتها تؤدي إلى ما قلنا، ولا يركن إلى عيش مغبتة ما ذكرنا ولا ينسى حالة لا محالة هو مُوَاقعها، وما لاشك يأتيه، إذ الموت طالب لا يعجزه المقيم ولا ينفلت منه الهارب.\rولقد حدثنا محمد بن إبراهيم الخالدي، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثني سلمة ابن شبيب حدثنا سهل بن عاصم قال: سمعت الوضاح بن حسان يقول: سمعت ابن السماك يحدث قال: بينما صياد في الدهر الأول يصطاد السمك، إذ رمى بشبكة في البحر، فخرج فيها جمجمة إنسان، فجعل الصياد ينظر إليها ويبكي، ويقول: عزيز، فلم تُترك لعزك، غني، فلم تترك لغناك فقير، فلم تترك لفقرك، جواد، فلم تترك لجودك، شديد، فلم تترك لشدتك، عالم، فلم تترك لعلمك؟ يردد هذا الكلام ويبكي.\rوأنشدني الكريزي:\rأموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها\rوالنفس تكلف بالدنيا، وقد علمت ... أن السلامة فيها ترك ما فيها\rفلا الإقامة تنجي النفس من تلف ... ولا الفرارُ من الأحداث ينجيها\rوكل نفس لها زَوْرٌ يصبِّحُها ... من المنية يوما أو يمسيها\rحدثنا عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي، قال سمعت ابن واقد المديني قال: حدثنا عبد المنعم الرياحي قال: فُقد مالكٌ بن دينار يوما، فقالوا: أين كنت يا أبا يحيى؟ قال؛ خرجت إلى الأبلة، قالوا: ما أحسن ما رأيت؟ قال: ما رأيت شيئاً أعجبت به إلا أني رأيت امرأة تصلي، فقالوا له: يا أبا يحيى، فما أعجبُ شيء رأيت؟ قال: رأيت بالبحرين قصراً مشيداً، وإذا على بابه مكتوب:\rطلبتُ العيش أسعدَ ناعميه ... وعشتُ من المعايش والنعيم\rفلم ألبَثْ ورَبَّ الناس طَوْراً ... سلبت من الأقارب والحميم\rوأنشدني الأبرش:\rوللنفوس وإن كانت على وجل ... من المنية آمال تقويها\rوالمرء يَبْسطها، والدهر يقبضها ... والنفس تنشرها، والموت يطويها\rأنبأنا حمزة بن داود بن سليمان بالأبلة، حدثنا الهادي، حدثنا جليس الكلبي عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: لقيني عمران بن حطان فقال لي: يا أعمى، إنني عالم بخلافك، ولكنك رجل تحفظ؟ فاحفظ عني هذه الأبيات:\rحتى متى تسقى النفوس بكأسها ... ريب المنون وأنت لاهٍ ترتعُ؟\rأفقد رضيت بأن تعللَ بالمنى ... وإلى المنية كلَّ يوم تدفع؟\rأحلام نوم، أو كظل زائل ... إنَّ اللبيب بمثلها لا يخدع\rفتزودنَّ ليوم فقرك دائباً ... واجمع لنفسك لا لغيرك تجمع\rحدثنا محمد بن نصر بن نوفل المروزي، قال: سمعت أبا داود السنجي يقول: خرج أبو معاذ النحوي يوماً مع أصحابه فقال: إنه قد نُعيت إلى نفسي البارحة، أتاني آت فقال:\rيا أيها الإنسان، إنك ميتٌ ... عما قليل قمْ لنفسك واقعدِ\rفكأنَّ ما قد كان لم يك إذ مضى ... وكأنَّ ما هو كائن فكأن قَدِ\rحدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا حرملة بن يحيى قال: سمعت الشافعي كثيراً ما ينشد:\rتمنيَّ رجال أن أموتَ، وإن أمتْ ... فتلك سبيلٌ لستُ فيها بأوحَدِ","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"فقل للذي يبقى خلافَ الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قدِ\rحدثنا أحمد بن محمد الشافعي، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثني إسماعيل ابن عبد الله العجلي قال: أنشدنا رجل ونحن في المقابر:\rألا يا عسكَر الأحيا ... ء هذا عسكر الموتى\rأجابوا الدعوة الصغرى ... وهم منتظروا الكبرى\rيحثون على الزاد ... وما زاد سوى التقوى\rيقولون لكم: جدوا ... فهذا آخر الدنيا\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: إن الله جل وعلا خلق آدم وذريته من الأرض، فأمشاهم عليها ظهرها، فأكلوا من ثمارها، وشربوا من أنهارها، ثم لا محالة تنزل المنية بهم، وتغنيهم عن السعي والحركات، مع تعطل الجثث والآلات، ثم تعيدهم إلى الأرض التي منها خلقهم، حتى تأكل لحومهم، كما أكلوا أثمارها، وتشرب دماءهم كما شربوا من أنهارها، وتقطع أوصالهم كما مشوا على ظهرها، فالقبر أول منزل من منازل الآخرة، وآخر منزل من منازل الدنيا، فطوبى لمن مهد في دنياه لقبره، وقدم منها لآخرته، فكم عفَّرت الأرض من عزيز وأفقدت الغير من أنيس حدثنا محمد بن إبراهيم الخالدي، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثني محمد بن عباس، حدثنا إبراهيم بن يزيد قال: رأيت أعرابياً وقف على مقبرة وهو يقول:\rلِكُلِّ أناسٍ مَقْبَر بفنائهم ... فهم ينقصون، وَالْقُبورُ تزيد\rوما إِن تَرَى داراً لحيٍ قد أفقرت ... وقبراً لمْيتٍ بالفناء جديدُ\rفهم جيرةُ الأحياء، أما محلهم ... فدانٍ، وأما المتقى فبعيد\rوأنشدني أحمد بن عبد الله الكرجي لعمر بن شبة في نفسه:\rيا ابن سَبعين وعشرٍ ... وثمان كاملات\rغرضاً للموت مشغو ... لا بخُدْ مِنيِّ وهات\rويكَ لا تعلم ما تل ... قى به بعد الممات\rمن صغار موبقات ... وكبار مهلكات\rيا ابن من قد مات م ... ن آبائه والأمهات\rهل ترى من خالد ... من ذي طغاةِ وعُتاةِ؟\rإن من يبتاع بالدي ... ن خسيسات الحياةِ\rلغبي الرأي محف ... وف بطول الحسرات\rحدثنا عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي، حدثنا شعيب بن واقد المري عن عبد المنعم الرياحي قال: سمعت صالح المري يقول: دخلت المقابر يوما في شدة الحر فنظرت إلى القبور خامدة، كأنهم قوم صموت، فقلت. يا سبحان الله! من يجمع بين أرواحكم وأجسامكم بعد افتراقها، ثم يحييكم وينشئكم من طول البلى؟ قال: فناداني مناد من بين الحفر: يا صالح )25:30 ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون( قال: فسقطت والله مغشياً عليَّ.\rقال أبو حاتم رضي الله عنه: قد ذكرنا اليسير من الكثير من الآثار، والقليل من الجسيم من الأخبار، في كتابنا هذا بما نرجو أن القاصد إلى سلوك سبيل ذوي الحجى، والسالك مقصد سبيل أولي النهى، يكون لها في غُنْية إن تدبرها واستعملها، وإن كنا تنكبنا طرق المسانيد، وتخريج الحكايات، وأناشيد الأشعار، إلا ما لم نجد بدا من إخراجها، كالإيماء إلى الشيء، والإشارة إلى القصد، جعلنا الله دعته تباشير التوفيق إلى القيام بحقائق التحقيق؟ إنه منتهى الغاية عند رجاء المؤمنين، وألمان على أوليائه بمنازل المقربين.\rوصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين الطيبين، والحمد لله رب العالمين.\rوجد في النسخة الأصلية ما صورته: فرغ من نسخه بعون الله ورحمته العبد الفقير إلى عفو ربه أحمد بن محمد ابن سالم بن جناب المنبجي، بالرها المحروسة، يوم الثلاثاء حادي عشر المحرم سنة ثمان وعشرين وستمائة. ختم الله له بخير ولوالديه ولجميع المسلمين!.","part":1,"page":108}],"titles":[{"id":1,"title":"مسند الكتاب","lvl":1,"sub":0},{"id":1,"title":"إلى المؤلف","lvl":2,"sub":1},{"id":1,"title":"بسم الله الرحمن الرحيم","lvl":2,"sub":2},{"id":1,"title":"الحث على لزوم العقل","lvl":1,"sub":3},{"id":1,"title":"وصفة العاقل اللبيب","lvl":2,"sub":4},{"id":5,"title":"ذكر إصلاح السرائر بلزوم تقوى الله","lvl":2,"sub":0},{"id":8,"title":"الحث على لزوم العلم","lvl":1,"sub":0},{"id":8,"title":"والمداومة على طلبه","lvl":2,"sub":1},{"id":11,"title":"الحث على لزوم الصمت","lvl":1,"sub":0},{"id":11,"title":"وحفظ اللسان","lvl":2,"sub":1},{"id":15,"title":"الحث على لزوم الصدق","lvl":1,"sub":0},{"id":15,"title":"ومجانبة الكذب","lvl":2,"sub":1},{"id":17,"title":"الحث على لزوم الحياء","lvl":1,"sub":0},{"id":17,"title":"وترك القحة","lvl":2,"sub":1},{"id":19,"title":"الحث على لزوم التواضع","lvl":1,"sub":0},{"id":19,"title":"ومجانبة الكبر","lvl":2,"sub":1},{"id":20,"title":"استحباب التحبب إلى الناس","lvl":1,"sub":0},{"id":20,"title":"من غير مقارفة المأثم","lvl":2,"sub":1},{"id":22,"title":"استعمال لزوم المداراة","lvl":1,"sub":0},{"id":22,"title":"وترك المداهنة مع الناس","lvl":2,"sub":1},{"id":24,"title":"استحباب إفشاء السلام","lvl":1,"sub":0},{"id":24,"title":"وإظهار البشر والتبسم","lvl":2,"sub":1},{"id":25,"title":"ما أبيح من المزاح للمرء","lvl":1,"sub":0},{"id":25,"title":"وما كره له منه","lvl":2,"sub":1},{"id":26,"title":"استحباب الاعتزال من الناس عاما","lvl":1,"sub":0},{"id":28,"title":"استحباب المؤاخاة للمرء مع الخاص","lvl":1,"sub":0},{"id":31,"title":"كراهية المعاداة للناس","lvl":1,"sub":0},{"id":33,"title":"الحث على صحبة الأخيار","lvl":1,"sub":0},{"id":33,"title":"والزجر عن عشرة الأشرار","lvl":2,"sub":1},{"id":34,"title":"كراهية التلون في الوداد بين المتآخيين","lvl":1,"sub":0},{"id":36,"title":"ائتلاف الناس واختلافهم","lvl":1,"sub":0},{"id":38,"title":"الحث على زيارة الإخوان وإكرامهم","lvl":1,"sub":0},{"id":40,"title":"صفة الأحمق والجاهل","lvl":1,"sub":0},{"id":42,"title":"الزجر عن التجسس وسوء الظن","lvl":1,"sub":0},{"id":44,"title":"الحث على مجانبة الحرص للعاقل","lvl":1,"sub":0},{"id":45,"title":"الزجر عن التحاسد والبغضاء","lvl":1,"sub":0},{"id":47,"title":"الحث على مجانبة الغضب","lvl":1,"sub":0},{"id":47,"title":"وكراهية العجلة","lvl":2,"sub":1},{"id":48,"title":"الزجر عن الطمع إلى الناس","lvl":1,"sub":0},{"id":49,"title":"الحث على مجانبة المسألة","lvl":1,"sub":0},{"id":49,"title":"وكراهيتها","lvl":2,"sub":1},{"id":51,"title":"الحث على لزوم القناعة","lvl":1,"sub":0},{"id":53,"title":"الحث على لزوم التوكل","lvl":1,"sub":0},{"id":53,"title":"على من ضمن الأرزاق","lvl":2,"sub":1},{"id":54,"title":"الحث على لزوم الرضا بالشدائد","lvl":1,"sub":0},{"id":54,"title":"والصبر عليها","lvl":2,"sub":1},{"id":58,"title":"الحث على العفو عن الجاني","lvl":1,"sub":0},{"id":60,"title":"صفة الكريم واللئيم","lvl":1,"sub":0},{"id":62,"title":"الزجر عن قبول قول الوشاة","lvl":1,"sub":0},{"id":65,"title":"استحباب قبول الاعتذار من المعتذر","lvl":1,"sub":0},{"id":67,"title":"الحث على لزوم كتمان السر","lvl":1,"sub":0},{"id":69,"title":"الحث على لزوم النصيحة للمسلمين كافة","lvl":1,"sub":0},{"id":71,"title":"وصية الخطاب بن المعلي المخزومي ابنه","lvl":1,"sub":0},{"id":73,"title":"الزجر عن تهاجر المسلمين كافة","lvl":1,"sub":0},{"id":75,"title":"الحث على لزوم الحلم عند الأذى","lvl":1,"sub":0},{"id":78,"title":"الحث على لزوم الرفق","lvl":1,"sub":0},{"id":78,"title":"في أمور وكراهية العجلة فيها","lvl":2,"sub":1},{"id":79,"title":"الحث على تعلم الأدب","lvl":1,"sub":0},{"id":79,"title":"ولزوم الفصاحة","lvl":2,"sub":1},{"id":81,"title":"إباحة جمع المال للقائم بحقوقه","lvl":1,"sub":0},{"id":83,"title":"الحث على إقامة المروءات","lvl":1,"sub":0},{"id":85,"title":"الحث على لزوم السخاء","lvl":1,"sub":0},{"id":85,"title":"ومجانبة البخل","lvl":2,"sub":1},{"id":89,"title":"الزجر عن ترك قبول الهدايا من الإخوان","lvl":1,"sub":0},{"id":90,"title":"استحباب التفريج عن الناس","lvl":1,"sub":0},{"id":90,"title":"بقضاء الحوائج","lvl":2,"sub":1},{"id":93,"title":"الحث على إعطاء السؤال","lvl":1,"sub":0},{"id":93,"title":"وطلب المعالي","lvl":2,"sub":1},{"id":95,"title":"الحث على الضيافة","lvl":1,"sub":0},{"id":95,"title":"وإطعام الطعام","lvl":2,"sub":1},{"id":97,"title":"الحث على المجازاة على الصنائع","lvl":1,"sub":0},{"id":99,"title":"الحث على سياسة الرياسة","lvl":1,"sub":0},{"id":99,"title":"ورعاية الرعية","lvl":2,"sub":1},{"id":103,"title":"الدنيا وتقلبها بأهلها","lvl":1,"sub":0},{"id":106,"title":"الحث على لزوم ذكر الموت","lvl":1,"sub":0},{"id":106,"title":"وتقديم الطاعات","lvl":2,"sub":1}]}